www.Muhammad.com

https://Abdullahghumari. com

شرح مختصر صحيح البخاري

بهجة النفوس وتحليها بمعرفة مَا لَها وعليها

تأليف الإمام

عبد الله بن أبي جمرة الأندلسي

تحقيق وتقديم

الدكتور بكري شيخ أمين

١٩٩٠ حديثاً وهي 296 من البخاري شرحت ب 1694 حديثا

بفضل الله تعالى وصلى الله وسلم على رسوله وآله، هذه نسخة أعدها في ساعات قليلة فاعل خير

قامت زوجتي بعمل صورة لكل صفحة من 100 أو 200 كل يوم، وقمت بتحميلها على Google Drive بتنسيق JPG وتحويلها إلى كلمات وورد. يجب تدقيقها وفقًا للنص الأصلي حيث توجد أخطاء قليلة في التعرف الضوئي على الحروف

100

ويليه كتاب" المرائي الحِسان" الهائلة التي يرى رسول الله يقدمها إليه، ويعده بأن الله تعالى أعد له في الجنة عشرات أمثالها وأكثر مما يتخيله هو والناس جميعاً

 الجافظ ابن حجر العسقلاني أعلم علماء الحديث الشريف

قال عن المؤلف "أمامنا

الجزء الأول

 

مقدمة المحقق الدكتور بكري شيخ أمين

المصادر التي تحدثت عن هذا الرجل كثيرة، لكن حديثها عنه لم يكن بالمستوى الذي كان يستحقه، فهناك كثير من العلماء ممن لم يكونوا بمستواه نالوا من الاهتمام والحديث والترجمة هذا الإنسان، حتى إن ابن كثير في البداية والنهاية لم يكتب عنه سوى سطر واحد، ومثله السيوطي في حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة وقريب منهما عمر رضا في معجم المؤلفين، والزركلي في الأعلام ، والشعراني في الطبقات الكبرى، والشيخ محمد ابن محمد مخلوف في شجرة النور الزكية في طبقات المالكية وأبو الطيب الحسيني البخاري القنوجي في التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر ،والأول، وابن الملقن في طبقات الأولياء، وعبد الله محمد الصديق الغماري الحسيني الإدريسي في بِدَع التفاسير .

أما مؤلفات ابن أبي جمرة فمختلف في عددها ، لكن المؤكد ثلاثة كتب، هي: (جمع النهاية في بدء الخير والغاية، وهو مكون من مائتين وستة وتسعين حديثاً نسلها من صحيح البخاري، وكتاب (بهجة النفوس وتحلّيها بمعرفة ما لها وعليها وهو شرح لأحاديث جمع النهاية . والثالث كتاب: (المرائي (الحسان وهو مكوّن من سبعين رؤيا رآها حين شرح (جمع النهاية) فيما سمّاه (بهجة النفوس)، وهو كما يقول الزركلي، تقاريظ ربانية ونبوية .

ولقد ذكر القنوجي أن لابن أبي جمرة تفسيراً، ووصفه بـ (المشهور). ونعتقد أن هذا المؤلف كثير الوهم والتخليط ، فلقد قال عن ابن أبي جمرة: إنه توفي سنة ٥٢٥ هـ ثم أردف قائلاً : وقيل :

سنة ٦٩٥ هـ .

بقي أن نتساءل عن سبب هجرة المؤلف من الأندلس إلى تونس بادىء الأمر، ثم إلى القاهرة، وموته فيها. ونعود إلى جميع الكتب التي تحدّثت عن حياته الخاصة ثم إلى الكتب التي أرخت للفترة التي عاش فيها فلا نجد لهذا التساؤل جواباً .

ويخيل إلينا أن قوله في بعض مجالسه في بلده مرسية بأنه يجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقظة ، كما يذكر الشعراني، كان السبب القوي لهذه الهجرة. فلقد سادت بلاد الأندلس في عهده العصبية الدينية، بل التشنج الفكري ومقاومة كل من خرج باجتهاد يخالف ما تواضع عليه الناس، أو اعتادوا عليه حتى لقد أحرقوا كتب كثير من العلماء والفقهاء والفلاسفة والمفكرين، واضطهدوا

كثيراً من العلماء .

ولو قرأنا المرائي بإمعان وتمعنا ما بين سطورها وتنقلنا من رؤيا إلى رؤيا، وتساءلنا عما وراء هذه العطايا الكبيرة والهائلة التي يرى رسول الله يقدمها إليه ، ويعده بأن الله تعالى أعد له في الجنة عشرات أمثالها وأكثر مما يتخيله هو والناس جميعاً ، لأدركنا أن الرجل كان يعيش في محنة شديدة، وأن أعداءه كثيرون، بل هم أكبر مما يقدر على تحمّله ويذكر كثيراً للنبي عليه السلام أنه في محنة وأنه في وحدة وأن الخصوم يتآمرون عليه، وغير ذلك من ألوان الآلام، فيرى أن الله سينقذه، وأنه راض . عنه، وأنه ناصره، وأن الرسول عليه السلام آخذ بيده ومبشّره. وبهذه المرائي يجد نفسه ممسكاً بحبال الله متماسكاً أمام العواصف الهائجة في وجهه، ولا يبالي ما دام الله ورسوله معه وهو يرى النبي عليه السلام في مراء متوالية، ويبشره دائماً البشارات المتوالية، إذن فلتقم الدنيا وتقعد فهو لا يخاف ما دام الله ورسوله معه، وهو معهما في اليقظة وفي المنام، وفي السراء والضراء .

ونعتقد أن

وضع بلاد الأندلس في أيامه كان في أشد حالات الاضطراب والفوضى، فاليمانيون الذين تبنوا المذهب الشيعي في حروب مستمرة مع ضريين الذين تبنوا المذهب السني، حتى لقد نشبت حرب بين الفريقين بضع سنين في مرسية ذاتها بسبب ورقة شجرة عنب قطعها مضري من بستان ،يمني، كما يقول ابن عذارى .

زد على ذلك الحروب المستمرة بين العنصر البربري والعنصر العربي، ومحاولة كل منهما الاستثثار بالحكم دون الآخر ، وما جرّ ذلك إلى سفك دماء وإزهاق أرواح.

ولا ننسى انتشار المذهب الظاهري على يد ابن حزم وتغلغله بين البرابرة، وما يجيزه هذا المذهب من تكفير من يخالفه الرأي أو يسلك غير سبيله، أو يجتهد في الشريعة، فذلك كله بدعة، والبدعة مرفوضة حسنة كانت أو سيئة. وقد كان الظاهريون البرابرة أعداء للأمويين واليمانيين في الأندلس على طول المدى .

وما لنا نذهب بعيداً في استقصاء الأسباب وننسى أن الله تعالى أمر المسلم بالهجرة إن خاف على دينه، فقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَيكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ) وقال: ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُوتَتَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ...) وقال : ثُمَّ إِن رَبِّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا . . ) وقال : ( أَلَمْ تَكُن أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَا جُرُوا فِيهَا ... وقال : وَمَن يُهَاجِرٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) والآيات كثيرة في هذا الموضوع . أما وفاته فكثرة المترجمين يذكرون أنها كانت في سنة ٦٩٥ للهجرة النبوية، كما ذكر آخرون أنها سنة ٦٩٩ هـ، وقال جماعة إنها كانت في سنة ٦٧٥ هـ ، وانفرد الشعراني في تحديدها بسنة ٥٩٩ هـ ، ولا ندري السبب الذي حمل القنوجي على تحديدها بسنة ٥٢٥ هـ .

أصله ومضمونه

كتاب بهجة النفوس

قال ابن أبي جمرة في مقدمة كتابه (بهجة النفوس) : فلما كان من متضمن ما أودعناه برنامج الكتاب الذي سميناه (جمع) النهاية في بدء الخير والغاية إشارة إلى تكثير فوائد أحاديثه، وتعميم محاسنه وكنت عزمت على تبيينها ، لأن أتبع خيراً بخير، فيكون ذلك أصله وهذا ثمره، فإنّ كمال فائدة الثمار باجتناء الثمر ويعرف مجتنيه قدر الفائدة، بل الفوائد التي فيه .

ولما كان الإمام البخاري رحمه الله قد جعل لكل وجه مما يدل عليه الحديث باباً، ولربما كرر الحديث الواحد في أبواب شتى مراراً، ولربما قطع الحديث الواحد، وأتى في كل باب منه بقدر الحاجة إليه، رأيت أن أجعل كل حديث من تلك الأحاديث التي جمعت قائماً بنفسه مقام باب، وهو

ز

باب وأي باب، ومفتاحه ظاهر ،الحديث والأبواب التي تتفرع منه وجوه تتبعه . ثم تتبعت ألفاظ الحديث لأقتبس من بركات تلك الألفاظ العذبة الزلال ما يكون منه ريّاً لظما جهالات الفؤاد، لأنه، عليه السلام، لا يكون منه زيادة حرف ولا نقص حرف من الحروف إلا لمعنى مفيد، لأنه لا ينطق عن الهوى .

وهذا الكتاب يحتوي على جُملٍ من درر فرائض الشريعة وسننها ورغائبها وأحكامها، والإشارة إلى الحقيقة بحقيقتها والإشارة إلى كيفية الجمع بين الحقيقة والشريعة، وتبيين الطرق الناجية التي أشار عليه السلام إليها والإشارة إلى بيان أضدادها، والتحذير منها .

وربما استدللت على بعض الوجوه التي ظهرت من الحديث بأي وبأحاديث تناسبها وتقوّيها فمنها باللفظ ومنها بالمعنى. وأتبعت ذلك بحكايات ليشحذ الفهم بها، وليتبين بها المعنى، وربما أشرت إلى شيء من توبيخ النفس على غفلتها، لعلها تنتهي عن غيها . وأودعت فيه شيئاً من بيان طريقة الصحابة وآدابها وما يستنبط من حسن عباراتهم، ذلك وتحرزهم في نقلهم وحسن مخاطبتهم، وما يُستنبط من ( اداب الشريعة إذا تعرّض لفظ الحديث لشيء من ذلك، لأنه لا ينبغي أن يغفل عن شيء من ذلك، لأنهم هم الصفوة المقربون

من

والخيرة المرفوعون .

مخطوطات الكتاب

المخطوطات التي اعتمدت عليها كانت كما يلي :

مخطوطة باريس الأولى : رقمها في المكتبة الوطنية (LA BIBLIOTHEQUE NATIONALE)

هو : ٥٣٥٢ .

تضم هذه النسخة ٤١٦ ورقة في الورقة بين ۳۸ - ۳۵ سطراً، وفي السطر ١٤ كلمة كتبت

بخط مشرقي واضح جميل .

وهي كثيرة الطمس والأحبار السوداء التي أكلت كثيراً من الكلمات، ولولا وجود نسخ أخرى

لما استطعنا قراءة المطموس .

الشيخ

أما ميزتها فتكاد تكون كاملة بدءاً من المقدمة وانتهاء بالحديث رقم (١٠٠). على ورقة الغلاف كتب ما يلي (الجزء الأول من كتاب بهجة النفوس وتحليها . الإمام ... أبو محمد عبد الله [ابن أبي جمرة ... شرح كتابه جمع النهاية في بدء الخير والغاية مختصر كتاب الإمام البخاري ... الله آمين آمين.

وفي وسط الورقة تبيّنت ما يلي : ( ... الشيخ محمد بن أحمد بن ... بدايع الزهور في وقايع

الأمور توفي الإمام العالم العلامة العامل البارع ... الناسك أبو محمد ... عبد الله بن أبي جمرة المالكي المذهب في ذي القعدة سنة خمس وتسعين وستمائة بمصر ودفن بجدار تربة الشيخ ال ... رضي الله عنهما وهو الذي جمع الأحاديث الصحيحة عن رسول الله الله التي تقرأ عند قبره في أول يوم من السنة فيجتمع الناس هناك ويفتتحون العام بزيارته ويسمعون ما الأحاديث جمعه من الشريفة . انتهى) .

وفي أسفل الورقة كتب : ... محمد بن المقنع أحمد الرواس حماد بن . . .

في الورقة الثانية كتب في مطلعها : (بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين . قال الشيخ الإمام العالم ولي الله محمد بن عبد الله بن سعد بن أبي العباس بن أبي جمرة رحمه الله تعالى ورضي عنه . الحمد لله الذي فتق رتق ظلمات جهالات العالم . . ) .

رغم كل الطمس في هذه النسخة فإن ميزتها كبيرة ، حيث تجد في كل ورقة تعليقات، وتصويبات ،

وشرح لبعض المفردات، ومقابلات على الهوامش بخط مشرقي حيناً وأندلسي حيناً آخر . كذلك تمتاز بتباين خط لفظ الحديث عن خط الشرح ، ومن السهل جداً تمييز هذا عن ذاك . وفي الورقة الأخيرة طمس شديد ، وبصعوبة بالغة تبينت ما يلي : . في تاريخ يوم الجمعة المبارك من شهر جمادى الآخر سنة ۱۱۰۷ ، ويبدو . أن هذا تاريخ نسخها .

ط

مخطوطة باريس الثانية رقمها في المكتبة الوطنية LA BIBLIOTHEQUE) (NATIONALE هو : ٦٩٥

تحتوي على ٤٦٢ ،ورقة كل ورقة فيها ما بين ۲۹ - ۳۱ سطراً، وفي السطر الواحد حوالي ١٤ كلمة، وكلها بخط أندلسي جميل وواضح. ويظهر لي أن هذه النسخة تتمة أو جزء ثان لنسخة باريس الأولى المكتوبة بخط مشرقي بالرغم من كتابة هذه بالخط الأندلسي، كما أخذت المرائي من هذه الأوراق ٣٦ ورقة، اشتملت على سبع وستين رؤيا وجزءاً من الثامنة والستين، وهي

بالخط نفسه .

كذلك

والفرق بين الجزء الأول الذي كان بالخط المشرقي وبين هذه النسخة ذات الخط المغربي أو الأندلسي هو أن الأولى مفعمة بالحواشي والمداخلات وأما هذه فقد خلت، تقريباً، من

تلك المميزات .

أول الأوراق تحميدات كثيرة، وصلوات على النبي ا ا ، وإيداع شهادة أن لا إله إلا الله محمد

رسول الله لتشهد لكاتبها بالتوحيد يوم القيامة .

أما الورقة الأولى الأم فقد تصدّرت بالبسملة والصلاة على النبي عليه ثم بدعاء الكاتب : (فيا رب يسر لنا وأعن، وأتمم لنا الخير يا معين ثم شرع الكاتب في النسخ فكتب : (قال الشيخ الفقيه الإمام العالم الحجة العارف بالله والمحب في رسول الله البركة سيدي عبد الله بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي رحمه الله ورضي عنه ونفعنا به وبأمثاله بمنه وجوده وكرمه) .

وبدأ بنسخ الحديث الأول، وكان حديث الإفك) . والملاحظ على الناسخ في هذه النسخة أنه لا يورد الحديث كاملاً ، وإنما يورد الكلمات الأولى منه اعتماداً على القارىء بأنه يعرفه، أو يحفظه .

ولا بد من الإشارة إلى أن الناسخ أهمل نسخ شرح الأحاديث التي أرقامها من ۱۰۱ - ۱۱۸ . في نهاية هذه النسخة قال الناسخ : كمل الجزء الثاني من الكتاب المسمى ببهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما لها ، وعليها شرح مختصر البخاري المسمى بجمع النهاية في بدء الخير [وغاية]، مما عنا بجمعه الشيخ أبو محمد عبد الله بن [سعيد] بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي، رضي الله عنه ورضي عنا به، وأعاد علينا من بركاته بمنه وفضله فإنه لا رب سواه، والحمد لله رب العالمين، وغفر لمن [دعى] وكاتبه ومؤلفه وكاسبه ولوالديهم بالرحمة والمغفرة آمين، آمين، آمين، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعبده وسلّم تسليماً .

نسخه وكان الفراغ من يوم

الأربعاء لثمانية عشر خلت من شهر شوال من السنة ستة ومائة

وألف، رزقنا الله خيره، وكفانا بفضله ،شره بجاه نبيّه محمد بن عبد الله .

مخطوطة لندن الأولى : رقمها في المكتبة البريطانية (THE BRITISH LIBRARY) هو

صورت على فيلم ونحن تولّينا تكبيرها .وإظهارها ويبدو أن الذين نسخوا هذه المخطوطة لم يشاؤوا نسخها كاملة، وإنما كانوا يختارون ما يرونه المناسب والأهم في نظرهم، فلقد بدؤوا بحديث (بدء الوحي) وهو الأول عند المؤلف، ونسخوا الثاني وهو (حلاوة الإيمان)، والثالث وهو (حديث عبادة بن الصامت في البيعة) ، ثم توقفوا عن نسخ ما بعدها ، ثم اختاروا من بقية الكتاب حديثين : حديث الإفك وحديث الإسراء والمعراج، وانتقوا جزءاً صغيراً من المرائي لا يزيد على سبع . كان نساخ هذه المخطوطة أكثر من واحد، فلقد تغيّر الخط في الورقة ١١٧ عند حديث الإسراء والمعراج، كما توقف التعليق والتصحيح والمقابلة . تحتوي المخطوطة على ١٦٠ ورقة (غير المرائي في الورقة الواحدة ٢٧ سطراً، وفي السطر

١٤ كلمة .

الورقة الأولى فيها اضطراب، إذ تجد في القسم العلوي منها جزءاً من حديث الإسراء والمعراج ، وفي النصف الثاني قول الناسخ في أول مقدمة ابن أبي جمرة : قال الشيخ الفقيه الإمام الحجة العارف الولي المكاشف الصوفي المحقق الثقة العدل الجامع الذي اشتهر فضله وانتشر في الأنام دينه وعدله سيدنا ووسيلتنا إلى ربنا الشيخ العلامة أبو محمد عبد الله بن سعد بن أبي جمرة الأزدي نفعنا الله به ورضي عنه وأرضاه، وجعل الجنة مثواه . الحمد لله الذي فتق ظلمات جهالات القلوب . . . ) تمتاز هذه النسخة في مقدمتها وفي الأحاديث الثلاثة الأول بميزة المقابلة والتصحيح التي لا تخلو منها صفحة الصفحات . أما القسم الثاني الذي أشرنا إليه ففيه نقص عن الأصل، وفيه سطور كثيرة غير واضحة ولا سيما صفحات المرائي، وكانت إحداها بيضاء .

من

مخطوطة لندن الثانية : رقمها في (THE BRITISH LIBRARY) هو : ۳۹ .

صورت هذه المخطوطة على فيلم، ونحن تولّينا تكبيرها وإظهارها . تحتوي هذه النسخة على ۲۳۲ ورقة كتبت بخط شرقي واضح، وكل ورقة فيها ٢٣ سطراً، وفي السطر الواحد حوالي ۱۳ كلمة .

هذه النسخة ناقصة، إذ بدأت من الحديث ۱۲۱) الذي عنوانه (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم) إلى الحديث ١٦٣ الذي عنوانه (صفة مجيء الوحي للنبي ) . وقد كتب الناسخ في آخر ورقة : (تم الجزء الثاني من كتاب بهجة النفوس وتحلّيها بمعرفة ما لها وعليها ... شرح البخاري المسما] بجمع النهاية) .

أما التعليقات والمداخلات والتصحيحات فقليلة جدًّا، كذلك لم نعثر على تاريخ نسخها،

ولا نعتقد أنها قديمة جدا، لا تبعد عن القرن الحادي عشر الهجري .

بشرط فاذا وقع المشرط وقع المشروط وبالله التوفيق حوله عن رسول الله صلى الله عليه ولا الا تصدقوا اهل الكتاب ولا يكدبوهم الحديث كامر الحديث يدل يمنع تصديق اهل الكتاب وتكرسهم تم الكلام عليه مروجي الأول هل النهي عام في كل ما يدعونه في كليهم وغيرها من الشهادات او هو حاور عابد عونه في كسبهم لا عير تحمل الوجبير معا لكر تمام الحديث ستفنى ان المراد به ايد عونه ولكنهم لانه علیه السلام قال بعد الهى ويداها امنا بالله وما اترا - اليكم يعني السورية والالجيرا لانه قد صح باخبار القران اور الكتان السورية والاجميل انزلا عليهم وانهم قد غير وافيهما وبدأوا فاذا قرواشيا وادعوا انه من السورية او الامل احتمال ان كون ذلك حقا لانهم لم بدلوا الكتاب كنه وانما بذلوا بعضه و احتمال ان يكون ذلك مما بدلوه وعين فلما ان احتمال الرصين معامع عليه السلام التصدتو لهم حذر امزان سب لله على ما لم يقلد و منع التكريب حدر من ان بعد با سلام اللہ تعلی اذا كان ما والو حقا و به يستدل ملك رحمه على القول بسد الدريع وقل منع الفقها بعد ريعهم من واحد كان ذلك فى كسهم او غير ما مع ان الحديث قد لا لحلوافر الاشتباره الى ذلك ووجه المنع من صديقتهم في كلام اياتون به انه لما ان اخلوا بالاصل و هو د نهم وكتابتهم الذي انزل عليهم فكر بوا فيد وخالفوا الحق فكيف لصد قول غير فان هلنا الحديث على العموم من غير السيد على ما ذهب اليه بعض الفقها فلا لح وأن حملناه على الخصوص لقولہ علیہ السلام وقولوا امنا باسه و ما انزل اليكم كان الحب ماد کرناہ تحصل مركلى الوجهين العموم العلم صلاهم على الالملاو و هذا هو الحكم وعليه عمل السلف و قاجا اليوم بعض

صورة الورقة الأولى من مخطوطة لندن الثانية ذات الرقم ٨٣٩ في المكتبة البريطانية THE BRITISH LIBRARY

مخطوطة حلب رقمها في المكتبة الأحمدية ٢١٥ خاص .

تتألف هذه المخطوطة من جزأين كبيرين، أوراقهما ٣٨٤ ورقة ، وفي الورقة صفحتان، أي أن مجموع صفحات المخطوط ٧٦٨ صفحة. في الصفحة ۳۳ سطراً، وفي السطر من ١٩ إلى ١٤ كلمة . الخط نسخي واضح، أقرب ما يكون إلى الخط الجميل كما أن هذه النسخة تكاد تكون

كاملة نسبياً، وليس على هوامشها تعليقات كثيرة، ولا مقابلات أو قراءات، إلا ما ندر . من سماتها : أن ناسخها جعل ألفاظ الحديث بحجم أكبر من بقية الشرح ليميزه، وأنه ـ وأعني الناسخ ـ كما يبدو لي لم يكن متعلماً بشكل كافٍ ، وإنما كان مجرد ناسخ أو ناقل، ذلك لأن الأخطاء الإملائية، والنحوية، بل تركيب الكلمات كان فاحشاً، مما يدلّ على أنه كاتب شبه جاهل . زد على ذلك أنه كان يقفز قفزات كبيرة في نقل الشرح ولا يبالي إن تم تركيب الجملة أو لم يتم، ويا ليت القفز كان في بعض الكلمات فإن الأمر حينئذ يهون لكن القفز كان في عدد كبير من الصفحات قد يصل أحياناً إلى تسع وعشرين صفحة من النسخة المطبوعة دفعة واحدة، وكذلك كان في أحاديث كاملة متناً وشرحاً مثل حديث (عمرة في حجة) .

تاريخ نسخ الجزء الأول كما سُجِّل في آخر ورقة كان سنة ١١٦٦ هـ. ولم يذكر الناسخ اسمه .

أما الجزء الثاني فقد كان غلافه كغلاف الجزء الأول كتب الناسخ عليه : (كتاب بهجة

بن

النفوس وتحلّيها بمعرفة ما لها وعليها . تأليف الإمام العالم العلامة ولي الله [أبو] محمد عبد الله سعيد بن أبي العباس ابن أبي جمرة الأزدي رحمه الله تعالى ورضي عنه بفضله، وهو شرح مختصر صحيح البخاري، رحمه الله تعالى، آمين.

والشيء الذي قلناه عن الجزء الأول ينطبق على الجزء الثاني .

وختم الناسخ هذا الجزء بما يلي: تمّ جميع الديوان المسمى ببهجة النفوس [وتحليتها]

عني

بمعرفة ما لها وعليها شرح مختصر البخاري المسمى بجمع النهاية في بدء الخير والغاية مما بجمعه الشيخ الإمام العلامة أبو محمد عبد الله بن سعيد بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي، رضي الله عنه، ورضي عنا به، آمين . جزاه الله خيراً من تأمل صنعتي وقابل ما فيها من السهو بالعفو وأصلح ما أخطأت فيها بفضلِهِ وفطنته، وأستغفر الله من سهوي وكان الفراغ من الشرح المبارك يوم السبت ختام شهر ربيع الآخر من شهور سنة وستين ومائة وألف على صاحبها أفضل الصلاة على يد أفقر العباد إلى ربه، المضطر إلى عفوه

هذا

سبع

ورحمته وفضله، الناطقة عليه جوارحه بسوء عمله المقصر في حق نفسه، الراجي رحمة ربه. الفقير الحقير المسكين إبراهيم محفوظ بن محمد بن إبراهيم بن حافظ الدين بن شمس الدين السروري الغانمي المقدسي الحنفي مذهباً غفر الله له ولوالديه ولمن قرأ فيه، ودعا له ولكل المسلمين، وتاب الله عليه قبل أن يتوفاه وتلافاه إذا فغر الموت له فاه، وصلى الله على سيدنا محمد سيّد الكونين والثقلين وآله وصحبه وسلّم، والحمد الله كثيراً).

رقم المكتبة الأحمدية

٢١٥٠رخاص

الجزء الأول ا عامن

کتاب بهجة النفوس وتحليتها بمعرفة مانها وعليها تاليف الامام العالم العلامة واع الله ابو محمد عبد الله بن سعيدان والعباس

ابن ابي جمرة الأزدي زحمة استعالى

ورضى عنه بفضله

وهو شرح مختص الامام البخاري محمد

الله له با

امین

صورة غلاف مخطوطة المكتبة الأحمدية بحلب

ذات الرقم ٢١٥ خاص

المطبوعة المصرية

والرابع

تقع

هذه النسخة في أربعة أجزاء، الأول فيه ٢٣٦ صفحة والثاني كذلك، والثالث ۲۳۸ ، ۲۹۲ صفحة . . وتضم الصفحة الواحدة ٢٦ سطراً، والسطر فيه حوالي ۱۸ كلمة . طبعت هذه النسخة في مطبعة) الصدق الخيرية بالقاهرة سنة ١٣٥٥ هجرية، وقام على تصحيحها ومقارنتها بنسخة مخطوطة موجودة برواق المغاربة بالجامع الأزهر، ونسختين أخريين كانتا في مكتبة الأزهر كذلك إسماعيل بن عبد الله المغربي الصاوي، المشرف على طباعته، ويشيد إسماعيل بمعاونة الشيخ الهادي عبد القادر التونسي، والشيخ عبد الصمد الحسيني السنان الأزهري له أثناء عمله فيه، كما ذكر في آخر صفحة من الجزء الرابع . ثم جاءت (دار الجيل للنشر والتوزيع والطباعة ببيروت فصوّرت المطبوعة المصرية مرة بعد مرة، ونشرتها بين الناس، ولم تحذف كلمة إسماعيل بن عبد الله المغربي الطباعة، والملتزم لطبعه كما هو شأن كثيرين من الناشرين المصوّرين اليوم. تمتاز هذه النسخة بقلّة الأخطاء، وبكثير من الدقة والعناية وهذا لا يعني أ ب أنها خلت تماماً من الهنات والأوهام، كما أنها صدرت على النسق القديم من الطباعة فلا إشارات ترقيم، ولا ما يدلّ على بدء مقطع أو نهايته فالكلام كله متصل متلاحق ،متتابع، ومثل هذه الصورة من الكتب تتعب القارىء، وقد تزهده بمتابعة القراءة، أو تضيع عليه الكثير من الفوائد في الكتاب .

منهج التحقيق

الصاوي، المشرف على

اعتمدت بادئ ذي بدء على المطبوعة المصرية، وجعلتها أساساً في العمل، لما فيها من جهد ودقة ووضوح

ثم بدأت أقارن أحاديث (جمع (النهاية) التي كانت أساس (بهجة النفوس)، ومدار شرح ابن أبي جمرة، بمثيلها في صحيح البخاري، خشية أن يكون في النقل أو في الطبع شيء من ا الغلط . وحين انتهيت من هذه المرحلة انفتلت إلى العملية الثانية الأكبر، وهي مقارنة المطبوعة بالمخطوطات التي كانت بحوزتي ، واحدة بعد أخرى، وسجلت الفروق الصغيرة والكبيرة بينها، دون أن أهمل شيئاً، حتى ولو كان نقطة أو حرفاً بزيادة أو نقص. واستغرقت هذه العملية ما يزيد على ثلاث سنوات بمعدل عشر ساعات في اليوم الواحد.

وجاءت المرحلة الثالثة، وهي اختيار الأصح والأقوم بين مختلف الفروقات. وباعتقادي أن هذه العملية شديدة الخطر، وفيها غير قليل من المزالق ، إذ قد يكون المؤلف أراد شيئاً ونحن اخترنا شيئاً غيره، ثم نقول : إنه مراد المؤلف وهنا تكمن خطورة هذه المرحلة .

أج

في عملية الاختيار درست أسلوب ابن أبي جمرة دراسة متأنية، وسجلت مميزاته من خلال قراءتي لبهجة النفوس قبل عملية الاختيار والترجيح وعرفت طريقته في الشرح والمعالجة لكافة القضايا التي يدور بحثه حولها من تحليل واستنباط ،ومقارنات وتصوّف، وأصول، وتنبيه، وإرشاد، وغير ذلك .

ولقد ساعدتني هذه الدراسة كثيراً، وكشفت لي الطريق عند اضطراب النسخ واختلافاتها الكبيرة، وأعانتني على الترجيح.

ولا أزعم أني لم أخطىء في اختياراتي أو في ترجيحاتي، فلقد أكون أخطأت كثيراً، وابتعدت عن الحقيقة، ويشفع لي أني اجتهدت صادقاً، وعملت مخلصاً، وكنت محبا لابن أبي جمرة، مريداً أن يظهر كتابه للناس خالياً من الأخطاء قريباً من الشكل الذي كتبه بيده، أو مماثلاً للشكل الذي دونه . ومثل هذا الحب يدفع إلى الإخلاص، ويستهين بالجهد والوقت، والتعب،

والغالي والنفيس .

كاملاً،

ولم أكتف باجتهادي وحده وإنما رجعت إلى العلماء الموثوقين، وعرضت عليهم العمل كان يختلف اجتهادنا نتشاور ونتناقش حتى نصل إلى قناعة ترضينا جميعاً .

، وحين

وأخيراً، لست أدري ماذا أسمّي عملي في بهجة النفوس أهو تحقيق، والعهد بالتحقيق أن يسجل المحقق اختلاف النسخ في هامش كل صفحة ولم أفعل أنا هذا، ولم أسجل أي اختلاف ولا أشرت إلى نسخة مما كان بين يدي أم أسمّيه مقارنة أم مراجعة أم تصحيحاً، أم تحديثاً، أم

شيئاً آخر؟

في الحق كنت مهتماً أن أظهر هذا الكتاب الذي أحببته إلى الناس صحيحاً، سهل القراءة، محبّباً إلى العين، كما هو محبّب إلى النفس، ليقرأه العالم والمتعلم، والصغير والكبير، والعربي والمستعرب والقاصي والداني، فيستفيد منه الخلق جميعاً، ويكتب الله لي بقراءتهم واستفادتهم حسنات بعد حسنات، وأجراً فوق أجر، ويمرّ الزمان، وتتوالى الأيام والسنون والدهور ويبقى بهجة النفوس من العمل الخالد الذي لا ينقطع أجر صاحبه إلى يوم القيامة، وأكون أنا تحت لواء هذا العمل المأجور إلى يوم القيامة، وكفاني بذلك فخراً، وحسبي من الله أن يرضى عني، وعن والدي، وذريتي، ومن كان له فضل علي إلى يوم الدين .

شاهداً

اللهم إني أتوسل إليك أن تقبل هذا العمل، وتجعله في صحيفتي وصحيفة أبوي، ويكون لي الحساب، لا علي إنك سميع قريب مجيب . وصل اللهم على سيدنا ومولانا وحبيبنا

يوم

، وسلّم . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

محمد، وعلى آله ، وصحبه،

حلب المحروسة : ١٦ ذو الحجة ١٣١٥ هـ / الموافق ١٦ أيار (مايو) ١٩٩٥ م .

36 ان

أد

وان الحر الجحيم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

فإن أشرف ما يتعلمه الإنسان في حياته كتاب الله تعالى وسنة نبيه المصطفى، ، فهما

النور الهادي إلى الصراط المستقيم في الحياة، والقائد المُسَدّد إلى دار الخلود، وجَنَّةٍ عرضها

السماوات والأرض .

أنا وابن أبي جَمْرَة (أى الدكتور بكرى شيخ امين والحافظ عبد الله ابن الى حمرة

أحمد الله العلي العظيم أن جعلني أحد خدمة كتابه وسنّة نبيه عليه السلام، وأمدني بالعافية

والفراغ والوقت لأنهض بتحقيق أحد كتب السنّة النبوية، المسمى بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما لها وعليها كتبه عالم ،عارف ومحدّث متقن، وبحر زاخر هو (الشيخ عبد الله بن أبي جمرة

الأزدي الأندلسي.

والذي حببني إلى العمل في هذا الكتاب أني حين كنت أقرأ فيه ذات يوم حديث (بدء الوحي) والشرح الذي كتبه ابن أبي جمرة عليه أدركت أن العلم نوعان : نوع نتعلمه من أساتذتنا والكتب التي بين أيدينا ونوع آخر يمنحه الله تعالى لمن يحب هو أكبر وأوسع وأعمق بدرجات لا تقارن بالأول، ولا تقاس به . الأول: علم دنيوي، والثاني : علم لَدُنّي. وما علم موسى والخَضِر، عليهما

السلام، إلا شاهد عليهما .

وأدركت بعد الانتهاء من قراءة الحديث الأول فقط أن مؤلف هذا الكتاب عنده من العلم الثاني الشيء الكثير ،الخطير ، وأن الكتب والشيوخ وأكابر المعلمين لا يمكن أن يبلغوا بالشرح ما

بلغه ابن أبي جمرة .

وازداد حبي للكتاب حديثاً بعد حديث، وكان حديث عبادة بن الصامت في البيعة) الحد الفاصل بين مجرد القراءة فيه، وبين اتخاذ القرار على تقديم هذا الكتاب للناس كافة، والمسلمين بخاصة، محققاً، مخدوماً، بشكل علمي، ليتربع في بيت كل مسلم وليقرأه العالم والمتعلم،

وكل منهما سيجد بغيته في ثناياه، وينتفع به أيما انتفاع .

وأكثر من هذا أني كنت أزور بين الفينة والفينة كوكب حلب، وعَلَمَها، والحبيب إلى أتقيائها وصالحيها وأتقياء وصالحي العالم الإسلامي، وأعني به الشيخ محمد النبهان، رحمه الله، فكنت أجد هذا الكتاب بطبعته القديمة على طاولته وكان يشيد بمؤلفه، ويثني عليه أيما ثناء، وينصح بقراءته، والتمعن فيه، وإعادة النظر في أسراره وجواهر محتواه.

كذلك سألت العالم المفضال والرجل الذي يحبه كل مسلم وتقي وصالح في مدينة حلب وغير حلب، والذي يتسابق الناس لحضور مجالسه واقتناء كتبه التي هي أثمن من الجواهر واللآلىء، وأعني به الشيخ عبد الله سراج الدين بن الشيخ العلامة الشيخ نجيب سراج الدين. أقول : سألت هذا الرجل عن كتاب ابن أبي جمرة فأثنى عليه وجعله في المقام الأمثل بين الكتب الإسلامية الرائعة وتمنى لو يسر الله له من يخدمه وينشره بين الناس على صورة تليق به، ليكون

مرجعاً لكل مسلم في كل بيت

وسألت عنه عالم حضرموت ونزيل جدة حالياً، السيد الشريف، والعلامة المفضال، السيد الشريف، والمحدّث الثقة، الشيخ عبد القادر السقاف، وهو من هو في العالم الإسلامي، فوضعه في ذروة الكتب الإسلامية، وتحدّث عن ابن أبي جمرة حديثاً لا أحلى منه ولا أروع، وحتني بشدة على العمل به، وخدمته، وبشرني بحسن الختام إن قدّمت للناس هذا الكتاب النفيس، فضلاً من الله ونعمة، وأن الله لا يضيع أجر من يخدمون سنة نبيه ، .

وشرح الله صدري لهذا العمل وبقيت سنوات أستجمع مخطوطاته من مكتبات العالم، وحصلت على مخطوطتين من إنكلترا، ومخطوطتين من فرنسا ونسخة من مكتبة الأحمدية بحلب، إضافة إلى المطبوعة بالقاهرة أولاً، ثم في بيروت تصويراً بعد ذلك .

وواجهتني

مشكلة تخريج

الأحاديث النبوية التي كان المؤلف يوردها بمعانيها، وهي كثيرة

جدا، وصممت على أن أردها إلى مصادرها وأدل على مكان وجودها في كتب السنّة، وأوردها بلفظها الأصيل ما استطعت إلى ذلك سبيلاً .

ولم يكن باعي في التخريج واسعاً، ولا في مكتبتي الخاصة ما يعينني على ما أصبو إليه، وحيتنذ لجأت إلى عالمين جهبذين في هذا الفن ومكتبة كلُّ منهما تحوي كل ما يبهج ويفرح في هذا الموضوع، بل إن عند كل منهما من المصادر النادرة ما تتشهاه مكتبات الدولة العامرة، وتتمنى

وجوده على رفوفها .

كان هذان العالمان أمد الله ،بحياتيهما، وجزاهما عني وعن المسلمين كل خير، الشيخ محمد

نعمان حبوش

والشيخ محمد عدنان الغشيم. وتقاسما العمل في الأحاديث الواردة، ثم دفعاها إليَّ محققة مخرَّجةً، على خير ما يكون التحقيق والتخريج وكان عملهما خالصاً الله تعالى، لم يطلبا جزاء ولا شكوراً، واحتسبا جهدهما عند الله تعالى .

ورجل ثالث قريب لي وذو ،رحم كان بجانبي الوقت كله يدفعني ويشجعني، ويراجع ما عملت، ويساعدني إن احتجت إلى مساعدة فيقدم لي سيرة بعض من يشكل علي وجود سيرته في مكتبتي، أو يصحح ما يزل به قلمي، ويحاول أن يمد يد العون في كثير من الأوقات، وأقسم علي ألا أذكر اسمه ولا ،شكره ولا التنويه به وها أنذا أبر اليوم بقسمه ، وأحتفظ بذاكرتي باسمه، وأدع شكره وجزاءه الله تعالى .

وحين انتهى التحقيق للكتاب كله عرضته على أخ عالم كريم، وصديق ودود، له باع طويل في التحقيق والتأليف هو الأستاذ الدكتور فخر الدين ،قباوة لعله ينظر فيه، ويقوم ما أخطأ فيه اجتهادي . فتطوع متبرعاً ، وراجعه من أوله إلى آخره، ولم يترك صغيرة ولا كبيرة فيه، حتى النقاط والفواصل وإشارات الاستفهام والأقواس وسواها. فجزاه الله وأحسن جزاءه، وبارك له في عمره وعلمه وعمله وذريته، إنه سميع قريب مجيب.

الرائع في هذا الكتاب أني كنت خلال عملي فيه أشعر بالسعادة والاطمئنان، وكذلك حدثني كل من شاركني العمل فيه، وكأن الله سبحانه وتعالى استجاب دعوة مؤلفه في أن يكون كتابه هذا نوراً لمن قرأه أو سمعه أو تملكه، إلى يوم القيامة، وكذلك كان طلب ابن أبي جمرة من النبي ، ، في أحد مراثيه أن يجعل البركة في كتابه هذا، وأن يحفظ قارئه، ومقتنيه في الدنيا والآخرة.

لقد أيقنت أن الله تعالى استجاب دعوة ابن أبي جمرة في كتابه في موطنين، كنت فيهما في غاية الشدة والبلاء، وكدت أرى الهلاك بأم عيني بين لحظة وأخرى ، وسألت الله، واستغثت به ودخلت عليه بأحبابه وما هي إلا ساعة من زمن حتى تغير الجو كله وكأن الدنيا أصبحت غير الدنيا، فلقد ابتسمت الوجوه بعد عبوس وحلّ الكلام اللطيف بعد الكلام الخشن، والاعتذار بعد الإنذار، والسماح بعد التهديد والوعيد ، ثم ختم الموقف بطلب الدعاء مني . وأشهد أني كنت خلال عملي في هذا الكتاب المبارك، والذي استغرق العمل فيه ست

(1) انتقل إلى رحمة الله تعالى في أواخر عام ١٤١٦هـ / ١٩٩٦م.

سنوات، في فرح دائم، ونشوة مستمرة، وكنت كلما ضاقت بي الدنيا لأمر من الأمور، أو طرأ علي طارىء آتي إلى مكتبي فأفتح كتاب ابن أبي جمرة وأبدأ بالعمل فيه، فلا تمر علي دقائق إلا وقد شرح الله صدري وأزال همّي وفرّج كربي، وإذا أنا في نشوة وفرحة، وإذا الدنيا تضيء في عيني، والفرح يغمرني والسعادة تشع من كل أطرافي وجوانحي .

اللهم إني أشهد أن أحبابك غالون عليك .

وقريب من هذه الحادثة ما حدثني أحد ممن أشرت إليه قبل قليل ، وأن الله تعالى أنجاه من شر عظیم ببركة اللجأ إلى الله ، ومحبَّة أحبابه . والأمثلة على مثل هذه كثيرة لا تكاد تحصى .

من هو ابن أبي جمرة؟

أضعاف ما كتب عن

المصادر التي تحدثت عن هذا الرجل كثيرة، لكن حديثها عنه لم يكن بالمستوى الذي كان يستحقه، فهناك كثير من العلماء ممن لم يكونوا بمستواه نالوا من الاهتمام والحديث والترجمة هذا الإنسان، حتى إن ابن كثير في البداية والنهاية لم يكتب عنه سوى سطر واحد، ومثله السيوطي في حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة وقريب منهما عمر رضا في معجم المؤلفين، والزركلي في الأعلام ، والشعراني في الطبقات الكبرى، والشيخ محمد ابن محمد مخلوف في شجرة النور الزكية في طبقات المالكية وأبو الطيب الحسيني البخاري القنوجي في التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر ،والأول، وابن الملقن في طبقات الأولياء، وعبد الله محمد الصديق الغماري الحسيني الإدريسي في بِدَع التفاسير .

كحالة

أما الرجل الذي أنصفه وأظهره للناس وكتب عنه عشرات الصفحات، وأبان علمه، ودينه، وخلقه، وتحدّث عن كراماته وزهده وكثير من خفايا حياته الخاصة فهو تلميذه العالم الفاضل الملقب بابن الحاج والمسمى بالشيخ محمد العبدري الفاسي ثم المصري، المالكي، في كتابه المشهور (المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات والتنبيه على بعض البدع والعوائد ببيان شناعتها وقبحها، والمشهور بين الناس باسم (المدخل) .

والحق يقال : إن معظم معلوماتنا عن ابن أبي جمرة مصدرها الأكبر ابن الحاج في (المدخل)، ومن خلال هذا الكتاب في الدرجة الأولى، ثم من الكتب الأخرى عرفنا أن اسمه الكامل : عبد الله بن سعد (ويقال : سعيد بن أحمد بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي، أبو محمد. وأن أصله من مدينة (مُرْسِية) بالأندلس، وهي تقع في الجنوب الشرقي من الأندلس، على نهر كبير يسقي جميعها كنيل مصر، رخيصة الفواكه، كثيرة الشجر والأعناب وأصناف الثمر، ولها حصون

د

وقلاع وقواعد وأقاليم معدومة ،المثال ومنها إلى بلنسية خمس مراحل، ومنها إلى قرطبة عشر

مراحل .

واستخلصنا من حديث تلميذه ابن الحاج أنه كان في الأندلس يتسبب بصناعة الفلاحة والغراسة في الأرض التي كان يملكها فلما أن ورد الديار المصرية أراد أن يتسبب بذلك لأجل العائلة، وحين رأى أكثر حال المزارعين في هذه الديار وما هم عليه من الشظف قال : لا يحل لي أن أتسبب ههنا ، ثم وقع له أن التسبب في حقه متأكد لأجل العائلة، فأراد أن يتسبب بغير الفلاحة، ثم قال : إذا اضطررت إلى التسبب تسبّبت لهم في غيرها، فانقطع إلى الله تعالى وترك الأسباب، واشتغل بالعبادة وإلقاء العلم، ففعل الله معه ما هو أهله، فأغناه الغنى الكلي عن الناس. كذلك لا نعرف الشيء الكثير عن أسرته من زوجة وأولاد وخدم أو غير ذلك، وكل الذي تعرفه أنه أمر زوجته، بُعَيْدَ زواجه أن تخبره بكل صغيرة أو كبيرة تتصرفها في المنزل في غيابه، ليعلمها ما هو شرعي، وما هو غير شرعي، وما يجب أن تداوم عليه، أو تبتعد عنه .

وعرفنا من سياق حديث ابن الحاج عن العقيقة أنه ولد له وَلَد في مدينة تونس، وفي ما مكان آخر يقول على لسانه في بعض الأوقات تكون في البيت الحركة الكثيرة والبكاء الكثير من الأولاد وغير ذلك مما يشوش الخاطر فلا أسمعه ولا أعرف به وكل ذلك راجع إلى حالي، وبعض الأوقات أشعر به، وما ذلك إلا بحسب الحضور والتفرقة .

أما شيوخه فقد كان الحديث عنهم نادراً، ولم نعرف منهم سوى أبي الحسن الزيات، وعبد الله بن محمد العرشي المرجاني، المتوفى سنة ٦٦٩ هـ، والذي كان واعظاً ومفسراً وفقيهاً ومتصوفاً، وقدم إلى مصر واشتهر بها ، وفيها ،مات كما يقول الشعراني عنه في الطبقات الكبرى .

وأما تلامذته فهم كثر ، وأشهرهم على الإطلاق ابن الحاج وهو الذي نشر اسم ابن أبي جمرة في الآفاق، وتحدّث في مواطن كثيرة عن حياته الخاصة، وعلاقته بأهله وطلابه، وحكام زمانه والناس جميعاً.

وأما علومه فإن قارىء كتابه (بهجة النفوس يستنبط أنه كان حافظاً للقرآن الكريم حفظاً متقناً، وكان محدثاً، وأصولياً، ومفسراً، وفقيها، ومطلعاً على المدارس الصوفية، وأخبار المتصوفة، وله معهم موافقات ومخالفات كما له سلوك خاص به، يقوم على الاعتدال، وأن لا إفراط ولا تفريط وخير الأمور الوسط. وفي هذا المقام لا بد من الإشارة إلى أن ابن حَجَر العسقلاني كان يذكر الشيخ ابن أبي جمرة كثيراً في كتابه (فتح الباري)، وينقل آراءه، ويسميه بـ(العارف)، ويثني عليه ثناء عطراً. وابن ،حجر كما هو معروف، مناوىء للمتصوفة، ويحمل عليهم، وينكر كثيراً من أقوالهم وتصرفاتهم .

هـ

نبيملسد

لسداد

لییا،

شرح مختصر صحيح البخاري

بهجة النفوس وتحليها بمعرفةمَا لَها وعليها

تأليف الإمام

عبد الله بن أبي جمرة الأندلسي

تحقيق وتقديم

الدكتور بكري شيخ امين

ص 3

محاسنه ،

الخير والغاية (١)) إشارة إلى تكثير فوائد أحاديثه، وتعميم وكنتُ عزمت على تبيينها، لأن أتبع خيراً بخير، فيكون ذلك أصله وهذا ثمره فإنّ كمال فائدة الثمار باجتناء الثّمر، ويعرف مجتنيه قدر الفائدة، بل الفوائد التي فيه . ولمّا كان الإمام صاحب الأصل، وهو البخاري، رحمه الله ، قد جعل لكل وجه مما يدل عليه الحديث الواحد باباً، ولربما كرّر الحديث الواحد في أبواب شتى مراراً، ولربما قطع الحديث الواحد، وأتى في كل باب منه بقدر الحاجة إليه، رأيتُ أن أجعل كل حديث من تلك الأحاديث التي جمعتُ قائماً بنفسه مقام ،باب وهو باب وأي باب؟ ومفتاحه ظاهر الحديث، والأبواب التي تتفرع منه وجوه تتبعه .

ثم تتبعتُ ألفاظ الحديث، لأقتبس من بركات تلك الألفاظ العذبة الزلال، ما يكون منه ريًّا لظماً جهالات الفؤاد، لأنه عليه الصلاة والسلام لا يكون منه زيادة حرف، أو نقص حرف من الحروف، إلا لمعنى مفيد لأنه لا ينطق عن الهوى . ولذلك قال جُلّ العلماء : لا يُنقل الحديث إلا بالفاء والواو، كما ينقل الكتاب العزيز . لأنه كله عن الله ، إما وحي بواسطة الملك، وهو القرآن، أو ما أخبرنا عليه السلام في سنته أنه أخبر به عن ربه جل جلاله من عِلم غيبه، وإما وحي إلهام، وهو السنة. وقد جعل عزّ وجلّ، ذلك حكماً .نافذاً فقال تعالى: ﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَنكَ الله (۲) في عموم ما أُنزِل عليه، وفيما يظهر له على المشهور من الأقاويل وأرجحها. وقالت طائفة من العلماء : يجوز نقل الحديث بالمعنى بشرط فَهم المعنى. وما يعرف حقيقة ما ذكرناه عن جلّ العلماء والأظهر من القولين اللذين أشرنا إليهما إلا الصحابة رضي الله عنهم، وأئمة الدين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما الصحابة رضي الله عنهم، فإنهم كانوا إذا وقع لأحدهم شك في صيغة اللفظ، وإن كان لا يخلّ بالمعنى، يبدون ذلك فيقولون : إخاله كذا، أو أظنّه كذا، ولا ذاك إلا

من وجهين :

أحدهما: الصدق في النقل .

الثاني : المحافظة على بركة ذلك اللفظ الخاص، لئلا تفوتهم بركته .

ومثل ذلك ما حكي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه أدار راحلته بموضع في طريق الحج، فسُئل : لِمَ فعل ذلك ؟ فقال : لا أعرف إلا أنّي رأيتُ رسولَ الله ، ، فعل ذلك، ففعلت

(۱) اقتبس فيه من صحيح البخاري ثلاثمائة حديث غير بضع. وأولها حديث كيف كان بدء الوحي لرسول الله ) واخرها حديث دخول) أهل الجنة وإنعام الله عليهم بدوام رضاه فيها. وكأن عنوان الكتاب يشير إلى هذه البداية

الخيّرة والنهاية السعيدة . (۲) سورة النساء، من الآية ١٠٥ .

كما فعل (۱) ، فكانت ألفاظه وحركاته عليه السلام كلها عندهم بركات وأنواراً. وكيف لا؟ وقد حض، عزّ وجلّ على ذلك في مُحْكَم كتابه ، ونَبَّه عليه حيث قال : ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحبكُمُ اللهُ ) (٢) . وعموم الأمر بالاتباعية يقتضي حقيقة الاتباع في الدق والجل من الفعل والقول وغير ذلك، وهذا النوع من أفعال الصحابة كثير، ومَن تَتَبَّعه وَجَده.

وأما أئمة الدين رحمهم الله، فإنهم كانوا يحترمون الحديث أعظم الاحترام، حتى إنه كان عندهم مثل القرآن، يستنبطون من ألفاظه وحروفه أحكاماً ، وأتي أحكام ؟ وعليها يبنون قواعد مذاهبهم . أما احترامهم للحديث فمثل ذلك ما حُكي عن مالك رحمه الله، حين أتاه الخليفة إلى بيته ، فأبطأ عليه بالخروج ، فلما أن خرج قال الخليفة : يا مالك ما زلتَ تُذِلّ الأمراء . فقال : لا، والله ، إلا أنّي سمعتك، فعلمتُ أنك لم تأتِ إلا لتسألني عن الحديث، وكنت على غير طهارة، فكرهتُ أن أتكلم فيه، وأنا على غير طهارة، فما عملتُ شيئاً إلا أن توضأت وخرجتُ .

ومن ذلك أيضاً ما حُكي عنه أنه إذا طلبه الفقهاء لأن يدرّسهم يسألهم : ماذا تريدون؟ فإن أخبروه أنهم يريدون الفقه خرج على الحالة التي يجدونه عليها . وإن أخبروه أنهم يريدون الحديث تطهر وتطيب ولبس أحسن ثيابه، وتبخّر بالمسك والعُود ثم جلس للحديث. ومثل هذا عنه كثير ؛ فلما كان شأنه التعظيم لهذا سمّي أمير المؤمنين في الحديث .

رحمه

وأما استنباطهم للأحكام من ألفاظ الحديث وتتبع فوائده فمثل ذلك ما رُوي عن مالك، الله، في الأحكام التي استخرج من قوله عليه السلام : «فإذا وقعت الحُدودُ، وصُرِفَت الطُّرُقُ، فلا ا شفعة» (۳)، فأخذ مالك رحمه الله من هذا الحديث ثلاثة أحكام :

شريكاً .

الأول : أن الشفعة لا تكون إلا بين الشركاء، لا للجار وإن كان ملاصقاً؛ لأنه لا يسمى

(۱) رواه الإمام أحمد في المسند والبزار بإسناد جيد . (۲) سورة ال عمران، من الآية ۳۱

(۳) رواه الإمام مالك في الموطا مرسَلاً ، وابن ماجه والبيهقي وأبو داود والترمذي في السنن والطبراني في المعجم الصغير وكثيرون بألفاظ متعددة. والشُّفعة لغة: الضَّمُّ. ومنه الشَّفع في الصلاة، وهو ضم ركعة إلى أخرى. والشفع : الزوج الذي هو ضد الفرد والشفيع : لانضمام رأيه إلى رأي المشفوع له في طلب النجاح . وشفاعة النبي للمذنبين لأنها تضمهم إلى الصالحين والشفعة في العقار لأنها ضم ملك البائع إلى ملك الشفيع . وجاء في حديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : الجارُ أَحَقُّ بِشفَعَتِه ، وقال في حديث آخر : جار الدار أحق بشفعة الدار . لكن الإمام مالك لم يثبت عنده إلا شفعة الأراضي، بينما المذاهب الأخرى رأت أن الشفعة تكون في الأراضي كما تكون في الدور والبساتين وما أشبهها . وللشفعة أحكام كثيرة فصلتها كتب الفقه في المذاهب كلها .

الثاني : أن الشفعة لا تكون إلا فيما ينقسم،

لا شفعة فيه، بدليل قوله : (فإذا وما لا ينقسم

وقعت الحدود) .

الثالث: أنها لا تكون إلا في الأرض أو ما شاكلها، بدليل قوله : (فإذا(۱) صُرفت الطرق)،

لأن الطرق لا تكون إلا في الأرض.

ومثل هذا عنه وعن غيره من الأئمة كثير، ومن تتبعه يجده فبقيت النفس متشوقة على الدوام أن تلحق خيراً بخير، تتردّد في ذلك تردّداً تنقطع به الأيام تسويفاً، إلى أن لما ذكرتُ أولاً، وهو رغب مني بعضُ من قرأ الأصل إبداء تلك المعاني، وما كانت النفس في ذلك أكنت . فأجبته إلى ذلك رجاء أن ينفعني الله وإياه بذلك، ومن قرأه بَعْدُ فصدق ورق .

وهذا الكتاب يحتوي على جمل من درر فرائض الشريعة وسننها ورغائبها وأحكامها والإشارة إلى الحقيقة بحقيقتها، والإشارة إلى كيفية الجمع بين الحقيقة والشريعة، وتبيين الطرق الناجية التي أشار عليه السلام إليها والإشارة إلى بيان أضدادها والتحذير منها، وربما استدللتُ على بعض الوجوه التي ظهرت من الحديث بآي وبأحاديث تناسبها وتقويها، فمنها باللفظ، ومنها بالمعنى. وأتبعتُ ذلك بحكايات ليشحذ الفهم بها، وليتبين بها المعنى. وربما أشرتُ إلى شيء من توبيخ النفس على غفلتها؛ لعلها تنتهي عن غيها .

وأودعت فيه شيئاً من بيان طريقة الصحابة وآدابها وما يستنبط من حسن عباراتهم، وتحرزهم في نقلهم ، وحسن مخاطبتهم ، وما يُستنبط من ذلك من آداب الشريعة إذا تعرّض لفظ الحديث لشيء من ذلك؛ لأنه لا ينبغي أن يُغفَل عن شيءٍ من ذلك، لأنهم هم الصفوة المقربون، والخيرة المرفوعون. وقد قال العلماء في معنى قوله تعالى ﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ، مَا تَوَلَّى ) (۲) إِن المراد بذلك : الصحابة والصدر الأول، لأنهم هم الذين تلقوا مواجهة الخطاب بذواتهم السنية وانتفعوا بحسن السؤال عما وقع في النفوس من بعض الإشكال فجاوبهم عليه السلام بأحسن جواب وبين لهم بأتم ،تبيان فسمعوا وفهموا وعملوا وأحسنوا وحفظوا وضبطوا، ونقلوا وصدقوا؛ فلهم الفضل العظيم علينا ، إذ بهم وصل حبلنا بحبل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وبحبل مولانا، جلّ جلاله، فلهم اليد العليا حقًا وسَبْقاً . فجزاهم الله عنا أفضل ما جزى محسناً قد أحسن . وكيف نغفل ألفاظهم وما قلنا العشر مما يجب علينا؟

(۱) كذا.

(۲) سورة النساء، من الآية ۱۱٥ :وتمامها : ( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا لَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا

توَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) .

وإن ملحد تعرّض إليهم، وكفر نعمةً قد أنعم الله بها عليهم فجهل منه وحرمان، وسوء فهم

وقلة إيمان؛ لأنه لو كان يلحقهم تنقيص لما بقي في الدين ساق قائمة، لأنهم هم النقلة إلينا. فإذا جُرح النَّقَلةُ الكرام دخل في الأحاديث والآي الأمرُ المَخُوفُ الذي به ذَهابُ الأنام ؛ لأنه لا وحي بعد ا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال عزّ وجلّ في كتابه : ( لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَنْ بَلَغ ) (۱) وعدالة المبلغ شرط في

صحة التبليغ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : تركتُ فيكم الثَّقَلَيْنِ، لن تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكُتُم بِهما : كتاب الله وعترتي أهل بيتي) (٢) . فمنهم ورَدْنا ماءَها السَّلسبيل وعذبها الزلال. وحُسنُ المنبع والمقر شرط في صفاء الشّراب وما أشكل على بعض النّاس من بعض الآثار فلتشبيههم بنا، والجهل بطريقتهم العليا . وكيف الإشكال وقد قال عليه الصلاة والسلام : (أَصْحابي كالنُّجوم بأَيْهِم اقتَدَيْتُم اهْتَدَيْتُم) (۳) وما من نجم إلا وله نور وضياء؟ جعلنا الله ممن أحبهم واتَّبع طريقتهم . وبعد هذا، فإني ما أبرىء نفسي من الهفوات، لكنني جعلت قدوتي في ذلك ما قاله الإمام، وهو ابن عباس ، رضي الله عنهما ؛ حين سئل عن زواج التفويض إذا مات الرجل قبل الدخول وقبل أن يفرض لها، فبقي شهراً لم يجاوب في ذلك بشيء، فقيل له : يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما لنا غيرك مجاوب في المسألة . فقال : إذا عزمتم فأجتهد . فإن أصبتُ فبفضل الله ورحمته، وإن أخطأت فمني ومن الشيطان. وصدق الله ورسوله ، ) . فجعلته، رضي الله عنه وأصحابه، وسيلة إلى الله فيما أملته وسميتُ الكتاب (بهجة النفوس وتَحَلّيها بمعرفة ما لها وعليها). وبالله أستعين، ولا حول ولا قوة إلا به، وهو حسبي ونعم الوكيل وصلّى الله على سيدنا محمّد وآله وسلّم أفضل التسليم.

(1) سورة الأنعام من الآية .۱۹ . (۲) رواه الإمام أحمد في المسند والدارمي في السنن والترمذي في السنن والحاكم في المستدرك بلفظ : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي .. (۳) أورده كثير من علماء الحديث من مثل الحافظ في التلخيص، والدارقطني في غرائب مالك، والبزار والقضاعي في مسند الشهاب، والهَروي في كتاب السنة، والبيهقي في الاعتقاد وابن عبد البر في جامع بيان العلم، والذهبي في الميزان وابن الجوزي في العلل والعجلوني في كشف الخفاء، وكثيرون اخرون. واتفقوا على ضعف سنده و تجريح بعض رواته. لكن اللكنوي في إقامة الحجة يرى أن الحديث بسبب كثرة طرقه وصل إلى درجة (الحسن) ولذلك حسنه الصَّغَاني كما ذكره السيد الجرجاني في حاشية المشكاة، ويميل الشيخ عبد الفتاح أبو غدة إلى إثباته . (٤) المسؤول عن زواج التفويض عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. انظر سنن أبي داود والترمذي والحافظ في التلخيص وعبد الرزاق في المصنف والبيهقي، والتفويض : هو الذي يكون بلا مهر . (٥) حكم ابن مسعود رضي الله عنه في المُفَوَّضة بأن لها مَهْرَ المثل. وخالفه علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال :

لا مَهْرَ لها .

مقدمة الإمام ابن أبي جمرة على مختصر صحيح البخاري

ان الجر الرجيم

الحمد لله حقَّ حمده، والصلاة والسّلام على سيدنا محمّد الخيرةِ مِن خَلقه، وعلى الصحابة السادة المختارين لصحبته . وبعد، فلمّا كان الحديث وحفظه من أقرب الوسائل إلى الله عزّ وجلّ، بمقتضى الآثار في ذلك - فمنها قوله : (مَنْ أدى إلى أمَّتي حَدِيثاً واحداً يُقِيمُ بهِ سُنَّةٌ، أو يرد به بِدْعةً، فله الجنة) (۱) ومنها قوله : (مَن حَفِظ على أمتي حدِيثاً واحداً كان له أجر أحدٍ وسبعينَ نَبِيّاً صديقاً) (۲)، والآثار في ذلك كثيرة. ورأيت الهِمَمَ قد قصَرَت عن حفظها مع كثرة كتبها من أجل أسانيدها ، فرأيت (۳) أن آخذ من أصح كتبه كتاباً أختصرُ منه أحاديث بحسب الحاجة إليها، وأختصرُ أسانيدها ما عدا راوي الحديث، فلا بدَّ منه فيسهل حفظها وتكثر الفائدة فيها، إن شاء الله تعالى .

فوقع لي أن يكون كتاب البخاري، لكونه من أصحها ،ولكونه رحمه الله تعالى، كان من الصالحين، وكان مجاب الدعوة، ودعا لقارئه . وقد قال لي من لقيته من ا القضاة الذين لهم المعرفة والرحلة عمّن لقي من السادة المقر لهم بالفضل : إن كتابه ما قرى في وقت شدة إلا فرجت، ولا ركب به في مركب فغرقت قط. فرغبت مع بركة الحديث في تلك البركات، لما في القلوب من الصَّدأ، فلعله بفضل الله أن يكشفَ عَمَّا بها، وأن يفرج عنها شدائد الأهوال التي تراكمت عليها، ولعل بحمل تلك الأحاديث الجليلة، تُعْفَى من الغرق في بحور البدع والآثام.

فلما كملت بحسب ما وفق الله إليه، فإذا هي ثلثمائة حديث غير بِضع، فكان أولها (كيف

(۱) رواه أبو نعيم في الحلية والسيوطي في الجامع الصغير والمناوي في الفيض. واتفقوا على ضعفه . (۲) رواه البكري في كتاب الأربعين والنووي في المقاصد والحافظ ابن حجر والبيهقي رواية عن الإمام أحمد. وطرقه

كلها ضعيفة .

(۳) كذا.

كان بدء الوحي لرسول الله ) ، وآخرها (دخول أهل الجنّة الجنّةَ ، وإنعام الله عليهم بادوام رضاه فيها فسميتُه بمقتضى وضعه جَمْع النّهاية في بَدْءِ الخير والغاية، ولم أفرّق بينها بتبويب، رجاء أن يتمم الله لي ولكلّ مَن قرأه أو . سمعه بدءً الخير بغايته .

فنسأل الله الكريم، ربَّ العرش العظيم أن يجعلها لقلوبنا جلاء، ولداء ديننا شفاء، بمنه، لا رب سواه، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين . والحمد لله ربّ العالمين .

حديث بدء الوحي

عن عائشة أم المؤمنين (١) ، رضي الله عنها أنها قالت: أوّلُ ما بُدِيءَ به رسولُ الله ، (۱) من الوحي الرُّؤيا الصالحةُ في النَّوم، فكان لا يَرى رُؤيا إلا جاءت مِثلَ فَلَقِ الصبح (٢) ، ثم حُبِّب إليه الخَلاءُ، وكان يخلو بغارِ حراء، فيتحنَّث فيه ـ وهو التعبد ـ الليالي ذواتِ العددِ، قبل أن يَنزِعَ إلى أهله، ويتزوّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزوّدُ لِمِثْلِها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه المَلَكُ ، فقال : اقرأ . قال : ما أنا بقارىء . قال : فأخذني فقطني (۳) حتى بلغ مني الجَهدَ ، ثم أرسَلَني فقال : اقرأ. فقلتُ : ما أنا بقارىء . فأخذني فغطني الثانية حتى بلَغَ مِنّي الجَهْدَ ، ثم أرسلَني . فقال : اقرأ. فقلتُ : ما أنا بقارىء . فأخذني فغطني الثالثة، ثمَّ أرسلني . فقال : أقرأُ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَيْنَ مِنْ عَلَقٍ . اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ فرجع بها رسول الله ، ، يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد)، رضي الله عنها، فقال : زملوني زملوني. فزمّلوه، حتى ذهب عنه الرّوعُ. فقال لخديجة وأخبرها

عائشة أم المؤمنين هي بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، وأمها أم رومان. كانت أفقه نساء المسلمين وأعلمهن بالدين والأدب. تزوجها النبي في السنة الثانية بعد الهجرة، فكانت أحب نسائه إليه، وأكثرهن رواية للحديث عنه - روي عنها (۲۲۱۰) أحاديث . توفيت سنة ٥٨ هـ / ٦٧٨ م ودفنت بالبقيع.

(۲) فَلَقِ الصبح: وضوحه وظهوره .. (۳) غطني: ضغطني وعصرني عصراً شديداً.

(٤) سورة العلق، الآيات ١ - ٣ .

(٥) خديجة بنت خويلد : أم المؤمنين زوجة رسول الله له الأولى. نشأت في بيت شرف ويسار، وكانت أسن منه بخمس عشرة سنة، وهي أول من آمن به من الرجال والنساء. ولدت له القاسم وعبد الله وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة. توفيت في السنة الثالثة قبل الهجرة بمكة المكرمة ودفنت بالمعلاة.

الخبر : لقد خشيتُ على نفسي . فقالت خديجة : كلا والله ما يُخزيك الله أبداً، إِنَّكَ لَتَصِلُ

الرَّحِم ، وتَحمِل الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق . فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، ابن عمّ خديجة. وكان امراً تنصر في الجاهلية. وكان يكتُبُ الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاءَ الله أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عَمِي . فقالت له خديجةُ : يا ابنَ عَمِّ، اسمَعْ من ابنِ أَخِيكَ . فقال له وَرَقَةُ : يا ابنَ أخي، ماذا ترى؟ فأخبَرَه رسولُ الله ، صلى الله عليه وسلم ، خَبَرَ ما رَأى. فقال له وَرَقَةُ : هذا الناموس الذي نَزَّل الله على مُوسَى . يا لَيْتَنِي فِيها جَذَعاً، ليتَنِي أكونُ حَيّاً إِذْ يُخرِجُكَ قَوْمُكَ. فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : أوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟ قال : نَعَمْ، لم يَأْتِ رجل قَطُّ بمثل ما جئتَ به إلا عُودِيَ، وإنْ يُدْركني يومُكَ أَنْصُرْكَ نَصْراً مُؤَخَّراً. ثم لم يلبث وَرَقَةُ أَن تُوُفِّي. وفَتَرَ الوَحْيُ .

قال ابن شهاب : وأخبرني أبو سَلَمَة بنُ عبدِ الرحمنِ أن جابر بن عبدِ الله الأنصاري قال وهو يحدّث عن فترة الوحي؛ فقال في حديثه بينا أنا أمشي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتاً من السَّمَاءِ، فرفَعْتُ بَصَري، فإذا المَلَكُ الذي جاءَني بِحِراء جالس على كرسي بينَ السّماءِ والأرضِ، فَرُعِبتُ منه ، فرَجَعْت فقلت : دَكَّروني دَكَّروني . فأنزل الله عزّ وجلّ و يَتَأَيُّهَا الْمُدَّيْنُ قُرْفَأَنذِرَ . وَرَبِّكَ فَكَيّز . وَثِيَابَكَ فَطَعَرْ . وَالرُّجْزَ فَاهْجُز (۱) ، فحَمِي الوحي وتتابَعَ .

ظاهر هذا الحديث يحتوي على فوائد كثيرة من أحكام وآداب، ومعرفة بقواعد جَمَّة من قواعد الإيمان ومعرفة بالسلوك والترقي في المقامات. ولأجل ما فيه من هذه المعاني حدث به النبي ، ، عائشةَ رضي الله عنها، لتبدي ذلك للنّاس، لكي يتأسوا بتلك الآداب، ويحصل لهم معرفة بكيفية الترقي من مقام إلى مقام مع ما فيه من فائدة المعرفة بابتداء أمره عليه السلام، كيف كان؛ لأن النفوس أبداً تتشَوَّف (۲) إلى معرفة مبادىء الأمور كلّها، وتنشرح الصدور للاطلاع عليها، فكيف بها لابتداء هذا الأمر الجليل الذي فيه من الفوائد ما قد ذكرناه، ويُعرف منه مقتضى الحكمة في تربيته و تأديبه ، ولأجل ما فيه من هذه الفوائد حدثت به عائشة ، رضي الله عنها، وأُخِذ عنها. ونحن، إن شاء الله ، نشير إلى شيء منها ، وننبه عليها ، بحسب ما يوفق الله إليه فنقول : الكلام عليه من وجوه :

(1) سورة المدثر، الآيات ١ - ٥.

(۲) تتشوف : تتطلع .

الوجه الأول : قولها : (أَوّل ما بدىء به رسولُ الله ، من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم)

فيه دليل على أن الرؤيا من النبوة وهي وحي من الله ، إذ إن أوّل نبوّة النبي ، ، والوحي إليه كان بها، وقد صرّح الشارع عليه السلام بذلك في غير هذا الحديث. وسيأتي الكلام على المرائي وما يتعلق بها، والجمع بين متفقها ومختلفها ؛ ومجموع أحاديثها في موضعه من آخر الكتاب، إن شاء

الله .

الوجه الثاني : قولها : مثل فَلَق الصبح تريد بذلك صدق الرؤيا، وكيف كانت تخرج في الحين من غير تَراخِ ولا مُهلة على قدر ما رآه عليه السّلام، سواء بسواء. ولقائل أن يقول : لِمَ عبرت عن صدق الرؤيا بفَلَقِ الصبح ولم تعبّر بغيره؟ والجواب : أن شمس النبوة كانت مبادىء أنوارها صحة المرائي وصدقها، فما زال النُّور يتشعشع ويبين حتى بدا شمسها، وهو ما أُنزِل عليه من الهدى والفرقان فمن كان باطنُه نوريّاً كان في التصديق بما أُنزِل بكريا (١)، آمن وصدق، ومن كان أعمى البصيرة كان خُنّاسَ زمان الرسالة ، الشَّمسُ تَسْطَع وهو لا يرى شيئاً، فإن الخُفّاش يخرج بالليل ويتخبّأ بالنّهار، لأنه لا يبصِرُ مع ضَوء الشمس شيئاً وباقي الناس بين هاتين المنزلتين يترددون . كلٌّ منهم يُبصِرُ بقدر ما أُعطِي من النور . جَعَلَنا الله ممن أجزل له من هذا النور وحسنِ الاتباع أوفر نصيب بِمَنّه وبفضله . ولأجل هذه النسبة التي بين ابتداء النبوة وظهورها مع فلق الصبح وقعت العبارة به ولم تقع بغيره .

بسبب من

الوجه الثالث : قولها : (ثم حُبِّب إليه الخَلاء) فيه دليل على أن الهداية منه ربانية، لا بَشَرٍ ولا غيره ؛ لأن النبي ، ، جبل على الخير ابتداء من غير أن يكون معه مَن يُحرِّضه على ذلك . والخلوة كناية عن انفراد الإنسان بنفسه، فحُبّب إليه عليه السّلام، أصل العبادة في شريعته وعُمدتُها، لأنه عليه السلام قال : (الخَلوة عبادة) (۲) فالخلوة نفسها عبادة، فإنْ زِيدَ عليها شيء من الطاعات فهو التحنّث . ومعنى التحنث : التعبد، وهو نور على نور .

الوجه الرابع : قولها : (فكانَ يَخلُو بغارِ حِراءٍ َفيَتَحَنَّثُ فيه) التحنّث قد تقدم الكلام عليه (۳) ، وبقي هنا سؤال وارد وهو أن يقال : لِمَ اختص عليه السلام بغار حراء، فكان يخلو فيه ويتحنّث به، دون غيره من المواضع، ولم يُبدّله في طول تحنّثه؟ والجواب : أن ذلك الغار له فضل زائد على غيره، من قبل أنه يكون فيه منزَوِياً مجموعاً لتحنُّثه، وهو يبصر بيت ربه ؛ والنظر إلى البيت عبادة،

(۱) بكريا : نسبة إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه . لعله مستفاد من معنى الأحاديث التي تحض على الخلوة، أو التي تدفع إلى العزلة في أيام الفتن. أما عبارة (الخلوة عبادة) فقد وردت في كتاب إحياء علوم الدين للغزالي في بحث آداب العزلة منسوبة إلى ابن سيرين .

(۳) التحنُّث : التعبد.

هذه الثلاث

فكان له اجتماع ثلاث عبادات وهي الخلوة والتحنّث والنظر إلى البيت. وجمع أولى من الاقتصار على بعضها دون بعض وغيره من الأماكن ليس فيه ذلك المعنى، فجمع له عليه السلام، في المبادي كلُّ حُسن بادي .

الوجه الخامس : قولها : (وهو التعبدُ الليالي ذَواتِ العَدَد) و (هو التعبد) تفسير منها للتحنث ما هو ؟ والليالي ذواتِ العدد تريد به كثرة الليالي ؛ لأن العدد على قسمين : عدد قلة، وعدد كثرة، وبمجموع القلة والكثرة يكون فيه ليال كثيرة . فلذلك كَنَتْ عنه بـ (ذوات العدد) أي مجموع أقسام

القلة والكثرة .

العدد، وهي مجموع الوجه السادس : قولها : (قبل أن يَنْزعَ إلى أهلِهِ تريد قبل أن يرجع إليهم. فما يزال، عليه السلام في التعبّد، الليالي المذكورة، حتى يرجع إلى أهله .

الوجه السابع : فيه دليل على أن المستحب في التعبد أن يكون مستمراً، لأن النبي ، كان يستمر على عبادته تلك ، ولم يقطعها إلا لما لا بدَّ منه ، وسيأتي الكلام عليه ؛ ولأن التعبد إن لم يكن مستمرا فلا يقال لصاحبه : متعبد لأنه لا ينسب المرء إلا إلى الشيء الذي يَكثُر منه .

الوجه الثامن : قولها : (ثم يرجِعُ إلى خديجة فيتزوَّدُ لِمِثْلِها) فيه دليل على أن النَّبتُّل (۱) الكلّي والانقطاع الدائم ليس من السنَّة، لأنه عليه السلام لم ينقطع في الغار ويترك أهله بالكلية، وإنما كان عليه السلام، يخرج إلى العبادة تلك الأيام التي يتحنّث فيها ، ثم يرجع إلى أهله لضروراتهم، لتحنثه. وقد نهى عليه السلام عن التبتل في غير هذا الحديث، فقال: (لا رهبانية في ثم يخرج الإسلام) (٢) . وهذا النهي إنما هو فيمن اتخذ ذلك سنة يُستَنّ بها. وأما من تبتل لعدم القدرة على التأهل من قبل قلة ذات اليد، أو عدم الموافقة (۳) ، فلا يدخل تحت هذا النهي .

الوجه التاسع : فيه دليل على أن العبادة لا تكون إلا مع إعطاء الحقوق الواجبات وتؤفيتها (٤)؛ لأنه عليه السّلام، لم يكن ليرجع لأهله إلا لإعطاء حقهم. فكذلك غيره من الحقوق يجب إعطاؤه و توفيته، وحينئذ يرجع إلى المندوبات .

الوجه العاشر : فيه دليل على أن الرجل إذا كان صالحاً في نفسه، تابعاً للسنة، يُرجى له أن

(1) التبل : التفرغ لعبادة الله تعالى .

(۲) نقل المطيعي في تكملته لمجموع الإمام النووي أن الحافظ ابن حجر :قال : لم أره بهذا اللفظ . وأورده الطبراني عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه والإمام أحمد في مسنده عن عروة رضي الله عنه، والدارمي في سننه عن سعد رضي الله عنه بغير هذه العبارة، لكن في معناها نفسه.

لعله

يريد عدم القدرة البدنية على النكاح.

(٤) يعني: أن العبادة لا تقبل إلا بعد توفية الإنسان ما عليه من حقوق وواجبات للآخرين .

الله ، سبحانه وتعالى، يُؤنسه بالمرائي الحميدة إذا كان في زمان مخالفة وبدع؛ لأن النبي ، ، لما انعزل للعبادة، وخلا بنفسه انسه الله عزّ وجلّ بالمرائي الجميلة، لما أن كان ذلك الزمان زمان كفر وشقاق . وسيأتي شفاء لهذا المعنى في الكلام على المرائي، إن شاء الله . فالمتبع للنبي ، ، يُرجَى له مثل ذلك أو قريب منه . أعني في المرائي.

الوجه الحادي عشر : فيه دليل على أن البداية ليست كالنهاية : لأن النبي، ، أول ما بدىء في نبوّته بالمرائي . فما زال عليه السلام يرتقي في الدرجات والفضل حتى جاءه الملك في اليقظة كان كقابِ قَوْسَيْنِ (۱) أو أدنى، وهو النّهاية . فإذا كان هذا في الرسل

بالوحي، ثم ما زال يرتقي .

فكيف به في الأتباع ؟

حتى

لكن بين الرسل والأتباع فرق . وهو : أن الأتباع يترقّون في مقامات الولاية ما عدا مقام النبوة - فإنه لا سبيل لهم إليها ؛ لأن ذلك قد طُويَ بِساطه - حتى ينتهوا إلى مقام المعرفة والرضا، وهو أعلى مقامات الولاية ولأجل هذا يقول أهل الصوفة : من نال مقاماً فدام عليه بأدبه ترقى إلى ما هو أعلى منه، لأن النبي ، لا الله ، أخذ أولاً في التحنّث، ودام عليه بأدبه، إلى أن ترقى من مقام إلى مقام حتى وصل إلى مقام النبوة . ثم أخذ في الترقي في مقامات النبوة حتى وصل به المقام إلى قابِ قَوْسَيْن أو أدنى كما تقدم. فالوارثون له بتلك النسبة من دام على التأدب في المقام الذي أقيم فيه، يرقى في المقامات حيث شاء الله ، عدا مقام النبوة التي لا مشاركة للغير فيها بعد النبي ، لم .

يشهد لذلك ما حكي عن بعض الفضلاء أنه مُنَّ عليه باتباع السنة والأدب في السلوك بتأدبه في كل مقام بحسب ما يحتاج إليه من الأدب. فما زال يرتقي من مقام إلى أعلى منه حتى أُسْرِي بسره من سماء إلى سماء، إلى قاب قوسين أو أدنى، ثم نودي هنا أُسرِيَ بذات محمّد السَّنيَّة حيث

أَسْرِيَ بِسِرك .

الوجه الثاني عشر : فيه دليل على أن التربية للمريد أفضل من غيرها، لأن النبي ، ، أول نبوته كانت في المنام. فما زال يرتقي حتى كَمُلت حالته ، وهو عليه السلام، أفضل البشر. فلو كان غير التربية أفضل لكان أولى بها من غيره .

الوجه الثالث عشر : فيه دليل على أن الأولى بأهل البداية الخلوة والاعتزال، لأن النبي ، ، كان في أول أمره يخلو بنفسه فلما انتهى عليه السلام، حيث قدر له، لم يزل يفعل ذلك . وبقي

(۱) قاب قوسين : قال في القاموس : أي قدر قوسين عربيتين، أو قدر ذراعين وقال مؤلف كتاب: رحمة من الرحمن في تفسير وإشارات القرآن الشيخ محمود محمود الغراب: هي إشارة إلى التقريب الصوري.

يتحنّث بين أهله، وصار حاله إلى أنه إذا سجد غمز (۱) أهله ، فتضم رجلها حيث يسجد . وفي البداية لم يقنعه، عليه السلام أن ينعزل عنهم في البيت حتى خرج إلى الغار، على ما تقدم. الوجه الرابع عشر : فيه دليل على أن الخَلوة عَوْنٌ للإنسان على تعبده وصلاح دينه ؛ لأن النبي، لما اعتزل عن الناس، وخلا بنفسه أتاه هذا الخيرُ العظيم وكلّ أحدٍ إذا امتثل ذلك أتاه الخير بحسب ما قسم الله له . مقامات الولاية .

من

والوجه الخامس عشر : فيه دليل على لزوم التسبب في الزاد عند دخول المعتكف أو الخلوة أو الوجهة به؛ لأن النبي ، ا ا ا ا ا ، و كان يخرج إلى التحنّث بما يصلحه من زاده للعيش طول مُقامه فيه . والحكمة في ذلك : أن الخروج بالزاد فيه إظهار لوصف العبودية وافتقارها وضعفها؛ لأن المرء أبداً ليس له قوة على تلك الأمور إلا بإعانة من الله سبحانه، والخروج بغير زاد فيه شيء ما من الادعاء، وإن كان لم يُنطَق به ، ولم يُنَوَّه، فيخاف على فاعل ذلك أن يَكِله الله لنفسه، فيعجز عن تَوْفية ما

أراد في توجهه . ولأجل هذا المعنى، كان بعض أهل الصوفة من شدّة ملاحظته للسنّة إذا دخل لخلوته وتعبده أخذ رغيفاً من خبز، وألقاه تحت وسادته، ويواصل الأيام العديدة، ولا يأكل منه شيئاً. فرآه بعض تلامذته كذلك، فأخذ الرغيف من تحت الوسادة، ثم تفقد الشيخ الرغيف فلم يجده . فصاح على مَنْ لاذَ به صيحة منكرة، وأغلظ عليهم فيما فعلوا . فقالوا : ليس لك به حاجة، فلِمَ تَتَّخِذُه هناك؟ فقال لهم : : أتظنون أن ما تَرَوْن من قوة هي منّي ؟ بل فضل من الله ومِنّة . أرأيتم إن رُدِدتُ إلى حال البشرية كيف أفعل ؟ فكان يعمل على حال ضعفه والعادة الجارية التي يقدر البشر عليها . وما كان من غير ذلك يراه فضلاً من الله عليه وهو حامله . كل ذلك على ما أشرنا إليه أولاً عن النبي . وفيه أيضاً وجه آخر من الحكمة وهو : أن الخروج بالزاد من باب سد الذريعة ؛ لأن الزاد إذا كان حاضراً لم يبق للنفس تشوف ولا تعلّق . وقد جاء في الحديث : (إنّ النفس إذا كانَ معَها قوتُها اطمأنت) (۳). هذا مع إمكان وجود القوت من حلّه ،ووجهه، وإلا فالله الرزاق ذو القوة المتين . وقد كان عليه السلام عند عدم القوت من وجهه يربط على بطنه ثلاثة أحجار (۳) شدة الجوع والمجاهدة، ولا يتسبب في الزاد، ولا ينظر إليه . الوجه السادس عشر : فيه دليل على أن المرء إذا خرج لتعبُّده أن يُعْلِم أهله ومَن يلوذ به

(1) غَمَزَه بيده يَعْمِرُه : شبه نَحْسَهُ . (۲) لم يتيسّر الوقوف على مصدر هذا الحديث الذي أورده المؤلف رحمه الله .

من

(۳) في صحيحي البخاري ومسلم أن رسول الله و عصب بطنه بحجر. أما رواية (ثلاثة أحجار) فلم يتيسر

الوقوف عليها .

بموضعه ؛ لأن النبي ، لا والله لو كان يخرج إلى الغار وأهله يعلمون بموضعه، وماذا يريد بخروجه. والحكمة في ذلك من وجوه :

الوجه الأول أنه معَرَّضُ هو وأهله لما يطرأ عليهم من الأمراض وغيرها من الأعراض. فإذا

كان للأهلِ عِلْمٌ بموضعه علموا إلى أين يذهبون إليه إذا طرأ شيء من ذلك .

(الوجه الثاني) أن في إخبار الأهل بذلك إدخال سرور عليهم، وإزالة وسواس عنهم، لأنهم يتوقعون مسيره إلى مواضع مختلفة ممكنة. فإعلامه لهم بذلك إزالة لما ذكرناه، وإدخال السرور عليهم، لكونهم يعلمون أنه منقطع للتعبد ومشغول به. وفي إدخال السرور من الأجر والثواب ما قد

علم

(الوجه الثالث) ما في ذلك من الدعوة للأهل والإخوان للتعبد وإن كان لم يطلب ذلك منهم ، لأن الغالب من النفوس الانبعاث لما يتكرر عليها من الأمور .

(الوجه الرابع أن من عرفه منقطعاً للتعبد ومشغولاً به فإن أراد صحبته صَحِبَه على ما هو بسبيله من غير أن يُدخِل عليه خللاً في طريقه، ومن أراد غير ذلك لم يَصْحَبه، فاستراح منه وزال عنه ما يلحقه من التشويش في مخالطته

الوجع السابع عشر : فيه دليل على أن الشغل اليسير الضروري لا يكون قاطعاً للعبادة؛ لأنها أخبرت أنه عليه السلام كان يخرج إلى التعبد اللَّيالي العديدة، ولم تذكر ذلك في رجوعه إلى أهله. فدل على أن ذلك ضدّ الكثير ، وهو اليسير . واليسير مع الكثير في حكم التَّبع، ثم رجوعه

في

ثانية إلى التعبد دالّ على تعلّق قلبه بالعبادة ما دام في الضرورة التي خرج إليها فهو تعبد مستمر . ومثل ذلك المعتكف ؛ يخرج لحاجة الإنسان وشراء القوت ولم يحكم له إلا بأنه معتكف متوجه، وإن كان يتصرف فيما ذكرناه ويشهد لما قررناه قوله عليه السلام : (سَبْعَةٌ يُظِلُّهم الله ظلِهِ ، يَوْمَ لا ظل إلا ظله) (٢) . وذكر فيهم رجلاً قلبه متعلّق بالمساجد . فلم يضره خروجه عنها لتعلّق قلبه بها، وأجزل له هذا الخير العظيم. ولأجل هذا المعنى أخذ أهل الصوفة في عمارة قلوبهم بالحضور والأدب على أي حال كانوا من شغل مُباح أو تَخَلَّ ، فلما صَفَت بواطنهم تسموا باسم الصُّوفَة ، وهو مشتق من الصفاء .

هذه العبارات مستوحاة من الأحاديث التي تحض على قضاء الحاجة، وتفريج كربة المكروب، ولقاء المسلم (۲) حديث صحيح. أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم ومالك والترمذي والنسائي (وسيرد له شرح مسهب في أخاه بما يحبّ لِيُدخِل السرور إلى قلبه .

هذا الكتاب).

الوجه الثامن عشر : (حتى جاءَه الحَقُّ) تريد : بَدء الوحي، لأن العرب تسمي الشيء : وتسمّي البعض بالكُلّ، والكُلَّ بالبعض .

الوجه التاسع عشر : قولها : (فَجاءَهُ المَلَكُ فقال : اِقْرَأْ) فيه دليل على جواز التَّوْرِيَة، وهي إظهار شيء والمراد غيره، لأن جبريل عليه السلام كان يعلم أن النبي ، ، كان لا يقرأ، ولكن قال له ذلك ليتوصل به إلى ما يريد من التأديب على ما سيأتي، وكذلك كان النبي ، ، يفعل إذا أراد أن يخرج إلى جهةٍ يغزوها أَوْمَاً إلى غيرها إلا في غزوة (۱) واحدة لِبُعْدِها . وكذلك فعلت عائشة رضي الله عنها، على ما سنبينه في حديث الإفْكِ، إن شاء الله . لكن يُشترط في هذه الثورية ألا يقع للغير بها ضرر ممنوع شرعاً ، لأن جبريل عليه السّلام، لم يفعل ذلك، وللنبي، ، فيه ضرر، بل

كان ذلك مصلحة له على ما نذكره بَعْدُ ؛ لأنه لو كان التأديب بغير سبب لكان ذلك زيادة في النفور السبب والتلطف الأدب كيف رجع عليه السلام، يقول: (زَملوني والوحشة. فانظر مع زملوني). ولولا ما جبل عليه ، و من الشجاعة، وما مُدَّ به من العَوْن ما استطاع تلقي ذلك لأنّ

الأمر جليل .

في

الوجه العشرون : فيه دليل على أن أمر السائل إذا كان يحتمل أو وجوهاً، فليجاوب وجهين المسؤول على الأظهر من المحتمَلات ويترك ما عداها ؛ لأنه لمّا أن كان لفظ جبريل، عليه السّلام، يحتمل طلب القراءة من النبي ، ، ابتداء - وهو الأظهر - ويحتمل طلب القراءة منه لِما يُلقَى إليه - وهو المقصود في هذا الموضع - بما ظهر بعد ، أجاب النبي ، لا الله ، على أظهر الوجوه . وهو المعهود

من

الفصحاء

اء في تخاطبهم .

الفائدة،

الوجه الحادي والعشرون : قوله : أَقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ . أَقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكرم . فيه دليل لمن ذهب من العلماء إلى أن أول الواجباتِ الإيمان، دون النظر والاستدلال. وأنَّ النظر والاستدلال شَرْطُ كمال لا شَرْطُ صحة، لأن قوله: ﴿ أَقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ تمت به وحصل به الإيمان المُجْزىء. وقوله بعد ذلك : الَّذِى خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ) هو طلب النظر والاستدلال، وهو زيادة كمال الإيمان، لأن الأنبياء عليهم السّلام، أكمل الناس إيماناً، ولم يفرض الله ، عزَّ وجلَّ، على الناس على أيديهم إلا الإيمانَ المُجزِىء، وبقي الكمالُ يَهبُه الله

(۱) الغزوة تطلق على التي حضرها عليه السلام بنفسه، عكس : السَّرِيَّة. وغزوة مؤتة لم يحضرها عليه السلام ولكنها رُفِعَتْ له، ووصَفَها لصحابته الكرام، فكأنه قد حَضَرها . والمقصود بالغزوة التي صرَّح بها (غزوة تبوك) لبُعْدِ المسافة بين المدينة المنوّرة وتبوك، فهي تقارب السبعمائة كيلومتر .

لمن يشاء من أتباعهم . يشهد لما قررناه قوله عليه السلام: (أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله) (۱) فلم يطلب منهم إلا النطق بكلمة الإخلاص، ولم يشترط في ذلك نظراً ولا

استدلالاً .

الوجه الثاني والعشرون : لقائل أن يقول : لِمَ أُنزلت هذه الآية (٢) أولاً قبل غيرها من آي القرآن؟ أعني : قوله عزّ وجل : أَقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ . أَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ) ؟ والجواب أن نقول : إن كان ذلك تعبّداً فلا بحث وإن كان ذلك لحكمة فحينئذٍ يُحتاج إلى البحث فيها. ومعنى قولنا : «تعبداً) أي : تَعَبَّدَنا الله بذلك، ولم يُطلِعْنا على الحكمة فيها، وأما الأمر في نفسه فلا بد فيه من حكمةٍ ،وهو عَزَّ وجل، يعلمها، ومن شاء إطلاعه عليها أطلعه . وظاهرُ مسألتنا هذه أنها لحكمة تُفهَم وتُعرَف من لفظ الآي.

بيان ذلك : أن هذا الكلام دال بمنطوقه وما يتضمَّن من الفوائد على ما تضمنه القرآن إجمالاً .

بيان أن كل ما كان في القرآن من آيات الإيمان والتوحيد والتنزيه دلّ عليه مضمون اسم ( الرُّبُوبية). وما كان فيه من الأمر والنهي ،والترغيب والترهيب، والندب، والإرشاد، والمحكم والمتشابه (۳) دلّ عليه مضمون حكمة ،الربوبية وما كان فيه من استدعاء الفكرة، والنظر، والاستدلال وما أشبه ذلك دلّ عليه متضمّن مقتضى قوله : الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ علق ، وما كان فيه من الرحمة والمغفرة والإيناس والإنعام، والترجي، والإحسان، والإباحة، وما أشبه ذلك دلّ عليه متضمّن كَرَم الربوبية. فلما كان بعد هذا الإجمال نزلت الآيات بحسب ما احتيج إليها مبيّنة بالنص، لما تضمّنه هذا الكلام الجليل من الإجمال ؛ فلَمّا كَمُلَت . ذلك الإجمال تبييناً وتفسيراً، قال تعالى : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (٤) أي ما أجملته لكم أَوَّلاً اليوم أكملته لكم في التنزيل مفصَّلاً ، لأن متضمَّن الكمال يقتضي قبله أجزاء، والأجزاء هو ما أشرنا إليه من الإجمال. فكان الأول مصدّقاً للثاني، والثاني مصدّقاً للأول. ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ (٥)

(۱) حديث صحيح متواتر .

ايات ثلاث . كذا، وهي

معاني

(۳) المُحْكَم ما وضح معناه أو ما لا يحتمل من التأويل إلا وجهاً واحداً. والمُتَشَابِه : ما غمض معناه، أو ما

احتمل من التأويل أوجهاً .

(٤) سورة المائدة، من الآية . (٥) سورة النساء، من الآية ٨٢ .

الوجه الثالث والعشرون: في الآية شَبَهُ الحال والإشارة بالتسلّي للنبي، ، والصبر عند نزول الحوادث، والوعد له بالنصر والظفر : لأن نسبته عليه السّلام، الآن منفرداً في أول أمره كنسبته خَلْقه . أوّلاً عَلَقة (١) ، فالإشارة إلى الامتحان بانتقال العَلَقة بالتطوير حتى رَجَع بَشَراً، ثم في الخروج إلى هذه الدار، وهي دار المكابدات. فالإخراج مقابله الخروج، والتطويرات مقابلها التغييرات والإشارة إلى اللطف بالالطاف في إخراجه من ظلمة الأحشاء بلا نَصَب ولا أذى، اللطف له بالغذاء مثل إخراج اللبن له من بين فَرْثٍ (۲) ودَم بلا تعب ولا عناء، والإشارة إلى النصر والظفر بما رُزِق بعد ذلك الضعف من كمال القوى والعقل والتصرف ودفع المضارّ وجلب المنافع، فلم تضره تلك التطويرات حتى صار أمره إلى هذه الحال .

وتيسير

فكذلك خروجه عليه السلام الآن بالضعف، لأنه وحيد فيما يأتي به ويدعو لشيء لا يُفهم عنه ولا يُعرف للعوائد التي جَرَت بضدّ ما يدعو إليه . فكأنه عزّ وجلّ، يقول له في ضمن ذلك الكلام : لا تهتم لشيء من ذلك، فإن العاقبة بالنصر لك وبالظفر . يؤيد ما أشرنا إليه قوله تعالى : ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَيةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْلَهُ (۳) فَتَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَاعَ لِيَغِيظُ بِهِمُ الكفار ) (٤) فما سُلِّيَ به بالضمن فيما نحن بسبيله صرح له به في هذه الآية، لأنه، عزّ وجلّ مَثَّله بالزرع الذي يخرج وحده أولاً منفرداً ثم أخرج شطأه، أي أفراخه، فاستوت الأفراخ والأصل، وتلاحقت بالسنبل، فنوّرت ،وأينعت، فأعجب الزراع، وأغاظ الكُفَّار . فسبحان القادر على ما يشاء كيف يشاء .

وبهذه الإشارة تعلّق أهل الصوفة، فأخذوا في الاتباع في الأقوال والأفعال وفي كل الأحوال، ولم يلتفتوا إلى ضعفهم ولم يعرّجوا على عوائد غيرهم وزادهم على ذلك يقيناً قوله تعالى : يَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (٥) فأيقنوا بالنصر، ثم جَدّدوا في الطلب، فأجزل لهم ما وُعِدوا، كما أجزل ذلك لنبيهم ، ، ﴿ أَفَحُكْمَ الجَهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ

العلقة : لها معان عدة، والمراد هنا طَوْر من أطوار الجنين وهي : قطعة الدم التي يتكون منها . قال الله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَفَة ) .

(۲) الفرث بقايا الطعام في الكرش. (۳) الشَّطه: ورق النبات أو الشجر أول ما يبدو.

(٤) الكفار : ج كافر. من كَفَرَ الزارعُ البدر: إذا ستره بالتراب والرجل الزارع يسمى كافراً باللغة. وللكلمة معان

أخرى. الآية من سورة الفتح، من الآية ۲۹ .

(٥) سورة الأنفال، من الآية ٦٤ .

يُوقِنُونَ ﴾ (۱) . فانتبه إن كنتَ لبيباً لفهم المعنى ،الغريب، واسلك الطريق النجيب، فإنْ أَبَيْتَ فعند انكشاف غبار الواقعة يبين لك قَدْرُ ما ضيَّعت وفي ماذا فَرَّطَتَ .

الوجه الرابع والعشرون : قوله : (فَغَطَّنِي حتى بَلَغ مني (الجَهْدَ) يريد أنه ضمه إليه حتى بلغ منه الجَهْدَ ، والجَهْدُ عبارة عن شدة الغطّ

والضم .

الوجه الخامس والعشرون فيه دليل على المبالغة في التأديب ما لم يُؤَدِّ ذلك إلى المحظور ، لأن شدة الغط مبالغة في التأديب، وقد أمر ، عليه السلام بذلك، وحض عليه فقال: (لأن يؤدِّبَ أحدكم ابنه خيرٌ له من أن يتصدَّق بصاعِ طعام) (۲) فجعل عليه السلام، تأديب الابن أعلى من الصدقة، وهي من أفعال البر بحيث لا يخفى موضعها . وبه يستدل أهل الصوفة على تأديب النفس لأنها أجل من تأديب الابن يشهد بذلك قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) (۳) ومجاهدة النفس هي تأديبها . فأورثهم هذا التأديب الهداية إلى سبيل الحق . ولا يوجد هذا القدر من الخير بغيرها من أفعال الطاعات. فلَمّا أَنْ كان في التأديب هذا الخيرُ العظيم بدىء به النبي ، ، على القاعدة التي قرّرناها، وهو أنه عليه السلام بُدىء في المبادي بكل حُسْنِ بادِي .

الوجه السادس والعشرون : فيه دليل على جواز التأديب من المعلم للمتعلم، لأن جبريل، عليه السلام، ضمّ النبي ، الله إليه تأديباً له حتى يحصل له التأديب بما يُلقى إليه، لكن يكون التأديبُ بِحَسَب حال المؤدَّب والمؤدِّب له ؛ لأن هذا التأديب - أعني تأديب جبريل، عليه السلام، للنبي صلى الله عليه وسلم ـ تأديب حبيب لمحبوب ، فكان بالضَّمَ والغَطَّ لا بالضَّرْب والإهانة .

الوجه السابع والعشرون فيه دليل لمن ذهب من الفقهاء على أنه ليس للمؤدب أن يضرب

فوق الثلاث، لأن النبي ، ، ل ا ل ا ل ، ل لم يكن له هذا التأديب إلا ثلاثاً . الوجه الثامن والعشرون : فيه دليل على أن كتاب الله تعالى لا يؤخَذُ إِلا بِقُوَّةٍ، وقد قال، عزَّ وجل، ليحيى عليه السلام : ( خُذِ الْكِتَبَ بِقُوق ) (٤) . فهناك بالقول، وهنا بالفعل والأمر. الوجه التاسع والعشرون: فيه دليل على أن كلام الله عزَّ وجلّ، حين نزوله ثقيل، يشهد لذلك قوله عز وجل : ( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلا ) (٥) . فشدّة الغَط هنا تدريج لحمل النقل.

من

سورة المائدة، الآية ٥٠ . (۲) أخرجه الإمام أحمد في المسند والترمذي في السنن والحاكم في المستدرك .

(۳) سورة العنكبوت من الآية ٦٩ .

(4) سورة مريم، من الآية ۱۲ . (5) سورة المزّمّل ، من الآية ٥ .

الوجه الثلاثون : فيه دليل على أن اتصال جزم الغاط بالمُغِ (۱) وضمه إليه يُحدِث به في الباطن

قوة نورانية متشعشعةً تكون عَوْناً على حمل ما يُلقَى إليه، لأن جبريل عليه السلام، لَمّا اتصل جِرمه بذات محمّد السَّنِيَّة حَدَث له بذلك ما ذكرناه وهو . حمله ما ألقي إليه ووقوفه لسماع خطاب الملك ، ولم يكن قبلُ له ذلك. وقد وجد ذلك أهلُ الميراث من أهل الصوفة المتبعين المتحققين، حتى لقد حكي عن بعض فضلائهم أنه أتاه ناس ينتقدون عليه، فأبى عن إجابتهم. وكان بحضرته رجل من العوام راعياً لغنم فدعاه الشيخ فضمه إليه ، ثم قال له : أجِبْ هؤلاء عما سألوا عنه . فأجاب الرجل وأبلغ في الجواب. ثم أوردوا عليه مسائل، فبقي يُفضّل ويمنع ويُجيز حتى قَطَعَ مَن حضره من الفقهاء في البحث. ثم دعاه الشيخ فضمه إليه ، فإذا هو قد رجع إلى حاله الأول لا يعرف شيئاً. فقال له الرجل: يا أيها السيد، إن الفقراء إذا وَهَبوا شيئاً لا يرجعون فيه. فقال له : نعم، هو كذلك؛ ولكن ليس لك نسبة في ذلك الشأن . ثم بشَّره بخير، وكان كذلك. فهذا قد وُجِد في ملامسة بَشَرٍ لبَشَرِ ، وهو وارث (۲) ، فكيف بملامسة جسد الموروث (۳) لِجَسَد الروح الأمين؟

الملائكة

الوجه الحادي والثلاثون لقائل أن يقول : قد اختلف العلماء : هل البشر أفضل من ا أو بالعكس؟ على قولين فعلى قول من يقول بأن البشر أفضل من الملائكة، فمستحيل أن تحصل القوة للأفضل بملامسة المفضول والجواب عنه : إنّا لا ننظر ههنا إلى الأفضلية بالذوات، وإنما ننظر من قبل المعنى وهي موجودة هنا لأن جبريل عليه السلام، كان حاملا لكلام الله، عزّ وجلّ، في ذلك الوقت، فحصلت له الفضيلة، لأجل ما احتمل والنبي ، ل ، لم يكن عنده ا نده القرآن إذ ذاك . ويشهد لهذا ما رُوي أن النبي ، لا لا اله ، وكان أجود الناس ، وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه .القرآن فَلَرَسُولُ الله ، ، حين يلقاه جبريل أجْوَدُ بالخير من الريح المرسلة (٤) .

الوجه الثاني والثلاثون فيه دليل لأهل الصوفة حيث يقولون : «إنّ التَّحَلّي لا يكون إلا بعد التَّخَلّي» لأن النبي ، ، تَخَلَّى أولاً حتى لم يبق من مجهودِهِ غاية، فلما كان تخليه أفضل وأشرفَ من تخلي غيره، والبشر قاصر عن تخلّيه ضمَّه جبريل عليه السلام، حتى حصل له تَحَلَّ من نسبة ذلك التخلّي، ولذلك قال : حتى بَلَغَ مِنّي الجَهْدَ) لأن التخلّي هو ضمه إليه حتى بلغ من مجاهدة النفس الغاية. والتحلّي هو إلقاء الوحي إليه، وفي هذا دليل على ما قدمناه وهو أن مَن دخل في

(۱) كذا، والصواب المغطوط.

(۲) الوارث في هذا المقام الآخذ والمستفيد.

(۳) الموروث : في هذا المقام المُعطِي والمفيد. ويقصد به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(٤) أخرجه البخاري ومسلم .

الطريق بالتربية والتدريج أفضل ممّن لم يكن له ذلك، إذ هذا كله تربية وتدريج للنبي ، . فما كان عليه السلام، يَرْقى إلى مقام حتى يُحكم أدب الأول ويفهم معناه، وما احتوى عليه من الفوائد. ولأجل هذا المعنى الذي أشرنا إليه كان الناس أبداً ينتفعون على يدِ مَنْ كان مربّياً، وقلَّ من ينتفع على يد من كان دخوله بغير ذلك .

الوجه الثالث والثلاثون : لقائل أن يقول : لِمَ كان الغَط ثلاثاً ولم يكن أقل ولا أكثَرَ؟ والجواب

عنه من وجهين :

(الأول) : أن البشرية فيها عوالم مختلفة. فمنها العقل وموافقه وهو الملك . ومنها النفس والطبع والشيطان ومُوافِقُها وهو الهوى والغفلة والعادة المذمومة، وهي أشدُّها لقول الأمم الماضية : إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَ نَا عَلَى أُمَّةٍ (١) ، ، فلم يجدوا حجّة إلا بالعادة الجارية فيهم وفي ابائهم . وقد قالت الأطباء : إن العادة طَبْعٌ خامس . فكانت الثلاث غَطَّات مُذهِبَةٌ لتلك الخصال الثلاث وموافقها، وبقي العقل والمَلَك اللذان هما قابلان للحَقِّ والنُّور . وإن كان النبي، ، قد خُلقت ذاته المكرَّمة على الطهارة ،ابتداءً ونُزعت من قلبه عَلَقَةُ الشَّيطان (۲)، وأُعين على شيطانه حتى أَسْلَم (۳) ، وجُبِل على كل خير ومَكْرُمَة، لكن هذه الثلاثَ غَطَّات مقابلة لتلك الثلاث، إذ لو كانت هناك، لأنها من أصناف البشرية وهو عليه السلام المشرع ومثل ذلك قوله عزّ وجلّ : ﴿ وَثِيَابَكَ فطر (٤) . وثيابه عليه السلام كانت طاهرة على كل التأويلات. لكن هذا مقتضى الحكمة في تكليف البشرية وتَرَقِّيها وهو عليه السلام الأصل لكل خير والمشرع له، فعومل على ما تقتضيه

البشرية لهذا المعنى . (الثاني) : أن الإيمان على ثلاث مراتب : إيمان وإسلام ،وإحسان، فكانت الثلاث غطات مبالغة في التخلّي كل درجة في التخلي مقابلها درجة في التحلّي، حتى أكمل أعلى الإيمان، وهو الإحسان؛ لأن من ضرورات الأنبياء عليهم السلام، أن يكون إيمانهم أقوى من إيمان أتباعهم، لأن مقامهم أجل وأرفع .

الوجه الرابع والثلاثون فيه دليل على أن التخلّي على ضربين: مكتسب وفيض من الله ، سبحانه . فالمكتسب : في مثل ما تقدم عن النبي ، من الخلوة في الغار، والتحنث فيه.

(۱) سورة الزخرف من الآية ۲۲ .

مستوحى من حديث الإسراء الذي أخرجه البخاري ومسلم وعبد الله بن الإمام أحمد في زوائد أبيه وابن حبان

والحاكم والضياء في المختارة.

(۳) أخرجه الإمام أحمد في المسند ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه

(4) سورة المُدَّثَر ، الآية ٤ .

والفيض : هو ما نحن بسبيله من الغَطّ والضَمّ. فقد يكون من السَّالِكين مَن تَخَلّيه بالكسب لا غير، وقد يكون تخليه بالفيض لا غير، مثل إبراهيم بن أدهم (۱) ، والفُضَيْل بن عياض(٢) وغيرهما، وقد يُجمع لبعضهم بين الحالتين، فيكتسب ويُفاض عليه، كما فُعِل للنبي ، وكثير ما هم . وهو

فضل الله يؤتيه من يشاء .

الوجه الخامس والثلاثون : قول جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم : ﴿ أَقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ يريد : اذكر اسم ربك - وفيه دليل على أنّ الإنسان إنما يخاطب أولاً بما يعرف أنه يصل إلى فهمه بسرعة من غير مشقة ولا بحث يحتاج إليه ؛ لأنّ الله عزّ وجلّ قد أحال نبيه، عليه السلام، أولاً على أن ينظر في خَلْق نفسه بقوله عزّ وجلّ : خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ولم يقل له : الذي خَلَقَ السَّماواتِ والأرض، والأفلاك وغير ذلك، وإنما قال له عزّ وجلّ، ذلك بعد ما تَقَرَّرَ له خَلْق نفسه وما هو عليه، وحصل له من المادة الإلهيّة ما يتسلّط به على ذلك .

الوجه السادس والثلاثون فيه دليل على أن الفكرة أفضل الأعمال؛ لأنّ في ضمن قوله تعالى: خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ما يستدعي الفكرة فيما قيل حتى يحصل للمخاطب بذلك علم قطعي وإيمان صادق . وليس الإيمان به والتصديق بعد الفكرة كالإيمان به على البديهة، ولهذا المعنى أشار

عليه السلام، بقوله : (تَفَكَّرُ ساعةٍ خيرٌ من عبادةِ سَنةٍ) (۳) وفي رواية : (خيرٌ من عبادة الدهر) . لأن المرء إذا تفكر قوي إيمانه ، وبان له الحق واتضح . وبقدر تعمّقه في الفكرة يَقْوَى الإيمان . ولهذا المعنى قال بعض الفضلاء : أنا أوصيك بأن تديم النظر في مرآة الفكرة مع الخلوة، فهناك يبين لك الحق .

الوجه السابع والثلاثون فيه دليل على أن المتفكر في عظمة الله وجلاله ينبغي أن يفكر بعد ذلك في عفو الله وكرمه وإحسانه ، لأن قوله عزّ وجلّ : خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ معناه ما تقدم، وهو

(۱) إبراهيم بن أدهم: (ت) (١٦١هـ / ٧٧٨م زاهد مشهور. كان أبوه من أهل الغنى في بلخ . فتفقه ورحل إلى بغداد، وجال في العراق والشام والحجاز، وأخذ عن كثير من علماء الأقطار الثلاثة وكان يعيش من العمل بالحصاد والحمل والطحن، ويشترك مع الغزاة في قتال الروم. مات أبوه وخلف له مالاً عظيماً فلم يعبأ به ووزّعه على الفقراء. وكان يلبس في الشتاء فزوا ولا قميص تحته، ولا يَتَعَمَّم في الصيف ولا يحتذي. وكان يصوم في السفر والحضر، وينطق بالعربية الفصحى ولا يلحن . تُوفي في سوقين حصن ببلاد الروم) وقيل بجَبْلة يرحمه الله . (۲) الفُضَيْل بن عياض : (ت ۱۸۷ هـ / ۸۰۳م شيخ الحَرَمِ الـ المكي : أكابر العباد الصلحاء. كان ثقةً في الحديث . خَلق كثير منهم الإمام الشافعي. ولد في سَمَرْقند، ونشأ بأبيورد ودخل الكوفة وهو كبير، وأصله منها،

أخذ عنه ثم سكن مكة وتوفي بها .

من

(۳) أورده الشوكاني في الفوائد المجموعة بلفظ (فكرة ساعة خير من عبادة ستين سنة) وقال : رواه أبو الشيخ عن أبي

هريرة مرفوعاً. وأورد روايات أخرى له منها ما وافق نص المصنف ابن أبي جمرة، ومنها بعبارة : خير من ستي سنة، أو ثمانين سنة، أو ألف سنة، وفي جميع هذه الروايات ضعف وجَرْح في عدد من رُواةِ سَنَدِهِ.

استدعاء الفكرة فيما نص الله عليه وذلك يقتضي العظمة والإجلال ، ثم قال، عزّ وجلّ، بعد ذلك : أقرأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ ) وهذا الاسم يتضمن معاني الأسماء كلّها الموجبة للطف والإحسان. نسأل الله بمنّه أن يعاملنا بمقتضى متضمَّنه . والحكمة في منع التفكير في عظمة الله، دون ما يُضادها، أنّ المتفكر إذا تفكر فيها وحدَها قد يُخاف عليه، لئلا يذهب به الخوف إلى بحر ا التلف ، من القنوط، فإذا أعقبه بالتفكر في مقتضى الرحمة والإحسان أَمِنَ من ذلك.

الوجه الثامن والثلاثون فيه دليل على أن من أصابه أمر فله أن يتداوى بحسب ما اعتاد ما لم يكن فيه حرام، لأن النبي ، ، علما أن أصابه الرعب رجع إلى ما اعتاد من التدبير يقول: (زَملوني زَمّلوني) وقد قال عليه السلام : (تُدَاوَى كُلُّ نفس بما اعتادت) (1) .

الوجه التاسع والثلاثون قولها : فرَجَعَ بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَرجُف فؤاده) رجع بها : بمعنى حفظها . فظهرت هنا ابتداءً فوائدُ الغَطّ لسرعة الحفظ لما أُلقي إليه. والرَّجف : كناية عما لحقه،

عليه السلام من الخوف والوَجَل . والفؤاد : كناية عن باطن القلب؛ لأن الخوف والفرح فيه .

هو

الوجه الأربعون قولها: (فأخبَرَها (۲) الخَبَر ) فيه دليل على أن الاختصار في الكلام هـ المطلوب، وأنه هو الأولى؛ لأنها ذكرت خبَرَه مع المَلَك ، فأعادت الضمير عليه، ولم تحتج إلى إطالة الكلام بإعادة ذكر الملك ثانية . وهو من فصيح كلام العرب .

الوجه الحادي والأربعون قوله عليه السلام: (لقد خَشِيتُ على نفسي) خشيته، عليه السلام، هنا تحتمل وجهين أحدهما أن تكون خشيته من الرعب الذي أصابه من قبل المَلَك، فخشي أن يقيم بالمرض من أجل ذلك . الثاني: أن تكون خشيته عليه السلام، من الكهانة، وهو الأظهر ، لأنه عليه السلام كان يُبغض الكَهَنَةَ وأفعالهم، فلما جاءه المَلَك، ولم يصرح له بعد بأنه نبي أو رسول لأنه قال له : أقرأ وتلا عليه الآية (۳). وليس في ذلك ما يدل على أنه نبي أو رسول، خشي، عليه السلام إذ ذاك أن يُصيبه من الكهانة شيء، لأنها كانت في زمانه كثيرة. وهذا منه، عليه السلام كَثرةُ مبالغة في الاجتهاد، وتمحيص في الأفعال ؛ لأنه قد صَحَّ أن الحجر كان يخاطبه قبل ذلك (٤) ، ويشهد له بالرسالة ، والمَدَر والشجر (٥) كذلك، وقد أخبره بعض

(1) لم نقف على مصدره. كذا. ولفظ الحديث وأخبرها . (۳) كذا. والأصح : الآيات.

(٤) في مخاطبة الحجر وشهادته لرسول الله بالرسالة روايات كثيرة أوردها الترمذي في المناقب والدارمي ۱۲/۱ والحاكم في المستدْرَك ٦٢٠/٢ والبيهقي في دلائل النبوة ١٥٣/٢ و ١٥٤ .

(5) في شهادة المدر والشجر روى الترمذي في المناقب وأبو يعلى وابن حبّان والبيهقي عن ابن عباس رضي الله =

الرهبان (۱) بذلك . لكن بعد هذا كله لَمّا أن أصابه عليه السلام هذا الأمر - وهو محتمل لوجهين : أحدهما ضعيف، والآخر قوي بتلك الأدلة التي ظهرت له قبل - لم يترك الوجه المحتمل، وإن كان ضعيفاً، حتى تحقق بطلانه بيقين .

وبه يستدل أهل الصوفة في الواقع إذا وقع لهم أمر محتمل لوجهين أو وجوه. وأحدها يُخاف منه، والوجوه الأخَرُ من المبشرات، أنهم يبحثون عن الشيء الذي يخافون منه، وإن كان ضعيفاً بالنسبة إلى غيره يشهد لما قررناه من أن النبي ، و كانت خشيته من الكهانة جواب خديجة إليه، وكيف رفعته إلى وَرَقَة، فلو كانت خشيته عليه السلام من المرض لما كان جواب خديجة إليه بتلك الألفاظ، ولما احتاج أن يبثّ خبَرَه ، عليه السلام، لوَرَقة .

الوجه الثاني والأربعون : قول خديجة ،له عليه السلام كَلا والله ما يُخزيك الله أَبَداً. إنك لَتَصِلُ الرَّحِمَ وتَحمِلُ الكَلَّ، وتُكسِبُ المعدوم، وتَقْري الضَّيفَ ، وتُعينُ على نوائب الحَقِّ). فيه دليل على أن من طُبع على أفعال الخير لا يُصيبه مكروه. هذا إذا كان ذلك طبعاً، وأما من لم يكن له ذلك طبعاً وكان يستعملها، فيُرجَى له ما دام يفعلها ألا يُصيبه مكروه، لأن النبي، ، لما أن طبع على تلك الأوصاف الحميدة حُكم له بأنه لا يُصيبه مكروه للعادة التي أجراها الله تعالى لمن كان ذلك حاله، وقد قال عليه السلام: (صَنائِعُ المَعروفِ تَقِي مَصارِعَ السّوء) (٢) .

الوجه الثالث والأربعون فيه دليل على جواز الحكم بالعادة، لكن ذلك بشرط يُشترط فيها، ألا يقع بذلك خلل في الأمر والنهي، لأن خديجة رضي الله عنها، حكمت بما أجرى الله من العادة فيما ادعته، ولم يعارض ذلك شيء مما ذكرناه .

من

عنهما قال : جاء أعرابي إلى النبي الله فقال : بِمَ أعرفُ أنك نبي ؟ قال : إن دعوتُ هذا العِذْقَ هذه النخلة أتشهد أني رسولُ الله؟ فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل ينزل من النخلة حتى سقط إلى النبي . ثم قال : ارجع . فعاد. فأسلم الأعرابي. وأحاديث سلام الحجر على رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرة وصحيحة . (1) أخرج الترمذي في باب ما جاء في بدء نبوة النبي ا ا و رقم ٣٦٢٤ عن أبي موسى الأَشْعَرِي عن أبيه قال : خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبي الله في أشياخ من قريش فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يَمُرّون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت (قال : فهم يَحُلُون رِحالهم) فجعل يتخللهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله فقال : هذا سيّد العالمين، هذا رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمة للعالمين. فقال له أشياخ من قريش ما عِلْمُك ؟ فقال : إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق حجَرٌ ولا شجر إلا خر ساجدا، ولا يسجدان إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة .. إلى آخر الحديث، ورواه الحاكم في المستدرك وصححه، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة .

(۲) أخرجه الطبراني في الكبير بسند حسن .

الوجه الرابع والأربعون فيه دليل على أن للمرء أن يحلف على عادة أجراها الله ، عزّ وجلّ، لعباده، لأن خديجة رضي الله عنها ، حلفت على ما تقدم ذكره .

الوجه الخامس والأربعون : فيه دليل على أن المرء إذا أصابه أمر مهم فله أن يحدث بذلك أهله ومن يعتقده من أصحابه إذا كانوا ذوي دين ونَظَر، لأن النبي ، ، ، لما أن وقع له ما وقع حدّث به خديجة رضي الله عنها، وهي في الدِّين والنظر السَّديد والعقل الرشيد بحيث لا يخفى . الوجه السادس والأربعون فيه دليل على أن من ادعى شيئاً فعليه بالدليل على صدق دعواه . وإن كانت تشهد له أدلة على ،مقاله، وله ما يستدل به زائداً على تلك الأدلة، فليأتِ به أولاً ليقوي ما ادعاه، وإن كان صادقاً في نفسه، مصدقاً عند غيره ؛ لأن خديجة رضي الله عنها، كانت في الصدق والتحري حيث كانت وكان النبي ، ل ، في تصديقها حيث كان على ما تقرر من أحوالهم وعُلِمَ . ولكن بعد ذلك كله لما أن قالت للنبي ، ، ، (والله ما يُخزيك الله أبداً) لم تقتصر على ما ادعته، حتى أتت له بالأدلة التي هي سبب ما أخبرت به من ،محامده عليه السلام، ومآثره، ثم لم تقنعها

تلك الأدلة حتى ذهبت معه إلى وَرَقة نُصرةً لدعواها حتى أثبتت ما ادعته بغير شك ولا احتمال . الوجه السابع والأربعون فيه دليل على أن المرء إذا وقع له واقع أن يسأل عنه أهل العلم والنُّهَى، لأن النبي ، ل ، لما أن وقع له ما وقع ذهب إلى وَرَقَة الذي هو أعلم أهل زمانه وأفضلهم

بعد النبي ، .

الوجه الثامن والأربعون فيه دليل على جواز خروج المرأة مع زوجها لأن النبي ، ، خرج مع خديجة رضي الله عنها إلى ورقة وقد رُوي عنه عليه السلام (أنه خرج مَعَ عِياله بِلَيْلٍ بعد الرسالة ، فَلَقِيَهُ بعضُ الصّحابة، فقال لهم : إنَّها صَفِيَّة) (۱) . لكن ذلك بشرط يُشتَرَط، وهو أن يكون فيما أباحته الشريعة، وعلى ما تقتضيه الشريعة من الستر وغير ذلك .

الصفات

الوجه التاسع والأربعون فيه دليل على أن من وصف امرأ لا يزيد على ما فيه من الحميدة شيئاً، لأن خديجة (۳) ، رضي الله عنها، أخبرت عن ورقة بما كان فيه من المحامد، ولم

تزد عليها .

بن

(1) أخرجه البخاري ومسلم عن علي بن الحسن رضي الله عنهما . و (صَفيّة) هي أحدى أمهات المؤمنين . أبوها حيي أخطب من بني إسرائيل من سِبطِ هارون بن عمران استصفاها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لنفسه من سَبي خَيْبَر، ثم أعتقها وتزوجها، وأسلمت ويُروى أنه عليه السلام دخل عليها يوماً وهي تبكي، فسألها فقالت : بلغني أن عائشة وحفصة تنالان مني وتقولان: نحن خيرٌ من صَفِيّة، نحن بناتُ عمّ رسول الله وأزواجه. فقال عليه السلام: ألا قلت لهنّ : كيف تكنَّ خيراً مني وأبي هارون، وعمي موسى وزوجي محمد؟ توفيت سنة خمسين . كذا، والصواب عائشة رضي الله عنها، وهي راوية الحديث .

الوجه الخمسون : فيه دليل على أن أهل الفضل والسُّوْدَدِ إذا استشاروا امرأ في شيء أن يبادر المستشار في عَوْنهم ومشاركتهم، لأن خديجة رضي الله عنها، بادرت إلى الخروج مع النبي، حين استشارها من غير أن تقول له : اِمْضِ إلى فلان .

الوجه الحادي والخمسون فيه دليل على أن المرء إذا عرضت له حاجة عند أهل الفضل فالسنة فيه أن يُقدِّم إليهم مَن يُدِلُّ عليهم، إن وجد ذلك ، لأن النبي ، ، ، لم يمض وحده لورقة، خديجة رضي الله عنها، التي هي من قرابة ورقة .

وإنما مضى مع .

الوجه الثاني والخمسون : فيه دليل على أن من كان سفيراً بين أهل الفضل أن يتحرز في كلامه بينهم، ويُعطي لكل واحد منهم مرتبته ومنزلته، لأن خديجة رضي الله عنها، قالت لورقة: (اسمعْ من ابن أخيك تحرّزاً منها على منزلة النبي ، ل ا ل ا ل ، لئلا تُخلَّ بمنصبه؛ لأن العرب تقول لمن فوقها (أب) ولمن هو مثلها (أخ) ولمن هو دونها (ابن)، فاستعملت هي (ابن الأخ) لأنه أعز للنبي ، ، فإنّها لو قالت : (ابن) لكان يقتضي ترفيع المسمَّى بالأب على المسمَّى بالابن. لأن البنوة أخفضُ رتبة من منصب الأبوّة . ولو قالت (أخ) لم يكن ذلك حقاً، لأن الأخوة تقتضي المماثلة في على عادة العرب، فأعطت كلَّ ذي حق حقه، وتحرّزت في لفظها ؛ لأن العرب كانت عادتهم في الخطاب لمن يَكرُمُ عليهم وهو صغير في السن ينادونه : يا ابن الأخ ؛ لأن العم ليس له حق على ابن

أخيه مثل ابنه .

السن

عنهم،

الوجه الثالث والخمسون فيه دليل على التقدم في الكلام على أهل الفضل نيابةً . وترفيعاً لهم؛ لأن خديجة رضي الله عنها بادرت بالكلام لورقة قبل النبي، ، خدمة له

وتكريماً .

الوجه الرابع والخمسون فيه دليل على أن الواقع إذا وقع لامرىء فهو أَوْلَى أن يحدث به للعالم من غيره ؛ لأن خديجة رضي الله عنها قالت لورقة : اسمَعْ) من ابن أخيك) وقد كان النبي، حدثها بالواقع، فلم تُحدّث به، وأحالت على صاحب القضية .

الوجه الخامس والخمسون : قول وَرَقة : (هذا النَّاموس الذي نَزَّل الله على موسى). الناموس

عند العرب هو حاسوس الخير أي صاحب سِرّ الخير . والجاسوس بضده ؛ أي صاحب سِرّ الشر. وفي هذا دليل للوجه الذي قدمناه وهو الحكم بالعادة التي أجراها الله عزّ وجلّ، لعباده، وأن يُحلف عليها ؛ لأنّ ورقة ما أخبر بأنّ الآتي هو المَلَك، لَمّا أن ذُكِرت له الصفات والعلامات إلا لما يعهد من عادةِ الله عزّ وجلّ ألا يرسله إلا للنَّبِيِّين والمرسلين .

الوجه السادس والخمسون فيه دليل على أن للإنسان أن يتمنّى الخير لنفسه، لأن ورقة تمنى

أن يكون جَذَعاً في زمان ارسال النبي ، الله ، فينصُرَه . والجَذَع عند العرب هو الشاب، وقد اختلف العلماء في إيمان ورقة فمن قائل يقول : لم يحصل له الإيمان بعد لأنه لم يبلغ عمره زمنَ الرسالة، ومن قائل يقول : قد حصل له الإيمان وهو الأظهر، لأنه تمنّى أن يَنصُرَ النبيَّ ، . ومن جملة النصرة أن يكون على طريقته، وقد حصل له الإقرار بالرسالة، حيث قال : (هذا الناموس الذي نَزَّل الله على موسى فأقر أن الله عزّ وجلّ موجود، وأنه هو الذي يُرسل جبريل، عليه السلام، إلى أنبيائه ، عليهم السلام. وهذا هو الذي يُمْكِنه في ذلك الوقت، لأن النبي ، ، لم يكن أُرسل بعد . الوجه السابع والخمسون فيه دليل على أن العالِمَ بالشيء يَعرِف ماله على جَرْيِ العادة، فله أن يحكم بالمآل إذا رأى المبادىء ، لأن ورقة لما أن علم أن النبي ، ، ، أُرسل إليه ، علم أنه لا بدَّ له يَخرُج، فبصدق المبادي عَلِمَ حقيقة التناهي. لأن تلك عادة أجراها الله، عزّ وجلّ، لم تَتَخَلّف في أَحَدٍ من ،رسله على ما ذكر. وفي هذا دليل على ما قدمناه من الحكم بالعادة، على

من

أن

الشرط الذي ذكرناه .

الوجه الثامن والخمسون : قوله عليه السلام : أَوَمُخَرِجِيَّ هُم)؟ تعجباً منه، عليه السلام، لكونه من أشرفهم وأفضلهم، وهم يحترمونه ويُقرّون له بالفضل والسُّوْدَدِ، حتى إن اسمه عندهم كان الصادق والأمين ، ثم إنهم مع ذلك إذا جاءهم بالحق والنور يُخرِجونه فوقع منه، عليه السلام، التعجب على ما يقتضيه العقل والنظر والقياس، وهو أن من كان رفيعاً وأتى بزيادة في ترفيعه يزاد في الترفيع والحزمة، ولم يكن عليه السلام ليعلم العادة المستمرّة، وهو أن كل من أتى للنفوس بغير ما تحب وما تألف وإن كان ممن تحب وتعتقد، تعافه (۱) وتطرده. وقد قال، عزّ وجلّ، حكاية عنهم : ﴿ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّلِمِينَ بِنَايَتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾ (۲) .

الوجه التاسع والخمسون فيه دليل على أن التجربة تُحدث علماً زائداً على العلوم لا يُلحق بالعقل ولا بالنظر ولا بالقياس ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم اقتضى نظره ما قدمناه لكونه أطرَدَ الحُكم وقاس عليه على الوجه الذي أبديناه وورقة أخبَرَ بما جرت به العادة وأفادته التجربة، ولذلك قال له : (لم يَأْتِ أَحَد (۳) بمِثْل ما جئتَ به إلا عُودِيَ) موافقةً منه للنبي ، على مقتضى العقل والنظر والقياس، وبياناً للحكم بما جرت به العادة، وأفادته التجربة، ولأجل هذا المعنى أوصى لقمان ابنه

بذلك فقال له : با بني عليك بذوي التجارب .

(۱) تعافه : تكرهه فتتركه ...

(۲) سورة الأنعام من الآية ۳۳ . كذا، ولفظ الحديث : رجل .

الوجه الستون : قولها : (ثم لم يَنْشَبُ ورقةُ أن تُوفّي تريد : أن ورقة لم تطل حياته لوقت الرسالة، بل اخترمته (۱) المنية قبلها .

الوجه الحادي والستون قولها وفَتَرَ الوحي تريد أن الوحي أبَطَاً بعد هذه المرة، والحكمة في إبطائه هي أن النبي ، ا ، و قد حصلت له روعة أوَّلاً عند نزول الملك عليه، على ما تقدم، فكان الإبطاء بعد ذلك لكي يتهدّنَ عليه السلام من روعته وتبقى نفسه المكرمة متشوفةٌ لمثله. كما روي عنه عليه السلام، حين أبطأ الوحي عنه كثر اشتياقه إلى عَوْدِهِ، حتى لقد كان يَرُوم أن يلقي بنفسه من شواهق الجبال .

الوجه الثاني والستون : قوله عليه السلام فرفعتُ بَصَري فإذا الملك الذي جاءني بِحِراء جالس على كرسي بين السماء والأرض. هذا إظهار قدرة الله عزّ وجلّ، إذا أراد شيئاً أن يقول له : كُن فيكون. فكما جعل عزّ وجلّ الأرض لبني آدمَ يتصرفون فيها كيف شاؤوا، فكذلك جعل الهواء للملائكة يتصرفون فيه كيف شاؤوا فالذي أمسك الأرضَ بمن يمشي عليها هو المُمْسِكُ للهواء ومَن يمشي عليه، ليس في قدرته عِلَّةٌ لمعلول، لكن ذلك مغطّى عن الأبصار، وإنما أراد ذلك للنبي ، ، تربية له، وترقياً، ليتقوَّى الإيمان واليقين، فيرجع له علم اليقين عين اليقين. وكذلك خرق العادة للمباركين أصحاب الميراث، إذا رأوا منها شيئاً قوي إيمانهم، وازداد يقينهم، وكان ذلك تربية لهم، وترقياً في مقامات الولاية .

به ،

الوجه الثالث والستون : قوله عزّ وجلّ : يَتَأَيُّهَا الْمُدَّثِر ( إنما سماه، عزّ وجلّ، بذلك من جهة الإيناس له واللطف لأن عادة العرب لا تُسَمّي الإنسان بحالته التي هو فيها إلا من جهة الإيناس واللطف ومنه قوله عليه السلام، لعليَّ رضي الله عنه: (قُمْ أبا تراب) (۲)، لأنه كان في وقته ذلك مضطجعاً على الأرض، فسمّاه بذلك من جهة اللطف والإيناس .

الوجه الرابع والستون : فيه دليل على أنه عليه السلام أمر بالإنذار حين نزول الوحي عليه من غير تراخ في ذلك ولا بُطْءٍ، لأنه أتى بالفاء، في قوله : ( فَأَنذِرْ ) وذلك يفيد التعقيب والتسبيب . الوجه الخامس والستون : لقائل أن يقول : النبي ، ل ، قد أُرسل بشيراً ونذيراً، فَلِمَ أُمِر في هذه الآية بالإنذار، دون البشارة؟ والجواب : أنه إنّما أمر بالإنذار أولاً، لأن البشارة لا تكون إلا لمن دخل في الإسلام، ولم يكن إذ ذاك مَنْ دخل في الإسلام. وفيه دليل لما قدمناه من أن خشية النبي، كانت من الكهانة لأنه طالما بقي له عليه السلام الاحتمال الذي ذكرناه بقي على خشيته

(1) اختَرَمَتْهُ المنيَّة : أخذته .

(۲) أخرجه البخاري ومسلم عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه .

ورغبته، فلما أن صرح له بالرسالة، وأمر بالإنذار زال عنه ذلك، فقام، عليه السلام، من حينه مسرعاً للأمر، ليس به بأس.

الوجه السادس والستون قوله عزّ وجلّ : وَثِيَابَكَ فَطَعِر قد اختلف العلماء في معناه. فمن قائل يقول : إن المراد به القلبُ ، ومن قائل يقول : المراد به الثياب التي تُلبس، وهذا هو والله أعلم . لأنه قال بعد ذلك : ﴿ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) ومعناه : طهر قلبك من الرجز . والرُّجز هو الأصنام

الأظهر،

وغير ذلك مما كانت العرب تعبده . فإذا حملنا قوله عزّ وجلّ وَثِيَابَكَ فَطَقِر) (۱) على القلب، فيكون التطهير يعود على القلب مرتين . وليس من الفصيح .

فإن قال قائل : يكون بمعنى التأكيد قيل له : القاعدة في ألفاظ الكتاب والحديث أنه مهما أمكن حملها على كثرة الفوائد كان أولى من الاقتصار على بعضها ولا يقتصر على بعض الفوائد التي يدل عليها اللفظ ويُترَك بعضُها إلا لمعارض لها وههنا ليس لنا معارض في الحمل على الفائدتين المتقدمتين. بيان ذلك : أن هذا الخطاب كله ظاهر للنبي الله ، والمراد أمته، لأنه، عليه السلام، كان طاهراً مُطهَّراً، خُلِق على ذلك، ورُبّي فيه، وطبع عليه، ولكن يدخل عليه السلام في الخطاب مع أمته من قبل أنه كان يفعله أوّلاً على الندب أعني ما أمر به الآن من التعبد، ثم صار الآن على الوجوب كالصبي يُصلّي أوّل النهار على الندب ثم يصلي آخره على الوجوب، إذا بلغ

من يومه .

الوجه السابع والستون : قوله عزّ وجلّ : ﴿ وَلَا تَمنُن تَسْتَكْثِرُ) (۲). قد اختلف العلماء في معناه . فمن قائل يقول : معناه لا تُبطل صدقتك بالمَنِّ . ومنه قوله عزّ وجلّ : ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَتِكُم بِالْمَنِ وَالْأَذَى ) (۳) ومن قائل يقول : معناه لا تَمْنُنْ بكثرة العمل فتكسَلَ عن العبادة. ومن قائل يقول: معناه لا تُعطِ بالمَنْ والأذى الهديَّةَ لِتُثاب عليها. وهذا كلّه جارٍ على القاعدة التي قررناها وهو أن الخطاب للأمة ،وهو عليه السلام المتلقي للخطاب، والعموم يشمل الكل على ما بيناه .

الوجه الثامن والستون : فيه دليل لأهل الصوفة في قولهم : باستحباب العمل وترك الالتفات

من فصحاء العرب على القلب لفظ ثياب). وقد ورد ذلك في الشعر الجاهلي من شعر عنترة بن أوس

(1) يطلق . العبسي وهو يصف قتله لخصمه :

فشَكَكْتُ بالرُّمْحِ الْأَصَمُ لِيابَهُ ليس الكريم على القَنَا بِمُحَرَّمِ

وثيابه قلبه بدلالة السياق.

(۲) هذه الآية الكريمة وما بعدها الواردة في الوجه التاسع والستين لم تَرِدُ في نَص الحديث . (۳) سورة البقرة من الآية ٢٦٤ .

ودوام الإقبال والحضور والعمل ، لأن النظر إلى كثرة العمل يحدث الكسل، كما تقدم، فكيف به إذا كان النظر لغير العمل؟ ومنه قولهم : الوقتُ سَيف، يريدون به : اقطع الوقت بالعمل لئلا يقطعك بالتسويف، ولأن الالتفات للحظوظ وكثرة العمل وغير ذلك هلاك، والسالك إذا التفت إلى الهلاك

كان هالكاً.

الوجه التاسع والستون ،قوله عزّ وجلَّ : ﴿ وَلِرَبِّكَ فَأصبر ) معناه : اصبر على عبادة ربك، ومنه قوله عز وجل : ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) (۱) لأن الشأن في العبادة الدوام والصبر عليها، ولهذا المعنى كان عليه السلام إذا َعمِلَ عملاً أثْبَتَهُ وواظب عليه (۲) .

الوجه السبعون قد اختلف العلماء في هاتين الآيتين، أيتُهما أنزلت قبل صاحبتها، بعد اتفاقهم على أنهما أوّلُ ما نَزل من القرآن أعني آية (المُدَّثْر) وآية (اقْرَأْ) فمن قائل يقول : آية المدثر . .. ومن قائل يقول : آية اِقْرَأْ . وكلاهما، والله أعلم ،حق، لأنه يمكن الجمع بينهما بأن يقال : أول ما نزل من التنزيل آية (اقْرَأْ) وأول ما نزل من الأمر بالإنذار في التنزيل آية (المُدَّثِّر ) .

ومثله قوله عليه السلام أَوَّلُ ما يُحاسَبُ به العبدُ الصَّلاة) (۳). وقوله، عليه السلام : (أوَّلُ ما يُقضَى فيه الدّماءُ) (٤) . وهذان أيضاً حديثان متعارضان ويمكن الجمع بينهما على ما قررناه في الجمع بين الآيتين. وهو أن يقال : أول ما يُحاسب به العبد من الفرائض البدنية : الصلاة. وأول ما يحكم فيه من المظالم التي بين العباد في الدّماء. فصَح الجمع بين الآيتين والحديثين بهذا الذي ذكرناه . والله أعلم .

الوجه الحادي والسبعون: قولها : (فَحَمِي الوحي، وتَتَابَعَ). تريد : أنه كثر نزوله بعد نزول هذه الآية، ولم ينقطع ولقائل أن يقول : لِمَ عبّرت عن تتابع نزول الوحي بهذا اللفظ ، ولم تعتبر بغيره؟ الجواب : أنه إنما عبّرت بذلك تتميماً منها للتمثيل الذي مثلت به أولاً، وهو كونها جعلت المرائي التي قبل الرسالة من الرسالة وهي منها على ما تقدم فنسبة المرائي إلى الرسالة كنسبة انصداع الفجر مع طلوع الشمس، كما تقدم أول الحديث، لأن الحق إذا بدا يزيد ولا ينقص، فكذلك انتشارها وكثرة ،ظهورها أعني الرسالة كتمكن الشمس في ارتفاعها، وظهور نورها، وكثرة حرها، لأن ضوء الشمس لا يشتد ويتمكن إلا مع قوة حَرها عند استوائها. ولذلك قالت : (فَحَمِي

(۱) سورة الحجر، من الآية ۹۹ .

(۲) أخرجه البخاري والنسائي وأبو داود عن السيدة عائشة رضي ا الله عنها بألفاظ مختلفة .

(۳) أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه . (٤) أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه .

الوَحْيُ وتَتابَعَ) أي حمِيَ وتتابع على مقتضى تلك الزيادة ولم ينقص، لأنها شبهت بالشمس، والشمس إذا استوت في كبد السماء أخذت في الفَيْءِ وقَلَّ حَرُّها ، والحَر هنا عبارة عما تضمنه التنزيل من النُّور والهدى، فتحرزت بقولها : ( وتتابع) ، لئلا تمثل بالشمس من كل الجهات، لأن الشمس يلحقها الأفول والكسوف وما أشبه ذلك، فأفاد لفظها أن النور والكمال وتوالي البيان والمنافع بقي على الحال الذي أبدَتْه وشَبَّهت به، لم يلحقه نقص بعد ذلك .

في هذا المعنى دليل لأهل الصوفة حيث يقولون : شمسُ كلِّ مقام بحسب ح ، حاله . ولأن شمس النبي ، ، نزول القرآن عليه . ثم كذلك بتلك النسبة في الوارثين له، فشمس المريد : عَلْمه، وشمس الصديق : معرفتُه . ولكل مقام شمسه بحسب . حاله .

فاحذر من رياح طبعك أن تثير سحائب شهوتك، فتغطي على شمس حالك، فتوجب زَلّة قدمك، فتدخل في ضمن قوله عليه السلام: (لا يختلسُ الخَلسةَ حين يختلسُها وهو مؤمن)(۱)، أي كامل الإيمان، لأن تغطية نور الإيمان نقص فيه .

أعاذنا الله من نقصه ، وأدام لنا كماله حتى يقبضنا به إليه بمنّه .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .

(1) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي عن ا أبي . يسرق وهو مؤمن) .

الله عنه بلفظ (لا يسرق السارق حين

حديث حلاوة الإيمان

عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : (ثلاث من كُنَّ فيه وَجَدَ حلاوة الإيمان. أن يكونَ الله ورسولُه أَحَبَّ إليه مما سواهما . وأنْ يُحبَّ المرء لا يُحِبُّه إلا الله، عزّ وجلّ، وأن يَكْرَهَ أن يعود في الكفر كما يَكرَهُ أَن يُقْذَفَ فِي النّارِ).

ظاهر هذا الحديث يدل على أن الإيمان على قسمين بحلاوة وبغير حلاوة. ومنه قوله عليه السلام الإيمان إيمانان، إيمان لا يُدخل صاحبَه النارَ ، وإيمان لا يخلد صاحبه في النار)(١). فالإيمان الذي لا يُدخل صاحبَه النار هو ما كان بالحلاوة، والإيمان الذي لا يخلد صاحبه في النار هو ما كان بغير حلاوة . والكلام عليه من وجوه :

الوجه الأول : الحلاوة المذكورة هل هي محسوسة أو معنوية؟

الله

قد اختلف العلماء في ذلك . فحَمَلها قوم على المعنى وهم الفقهاء. وحملها قوم على المحسوس ، وأبقوا اللفظ على ظاهره من غير أن يتأولوه، وهم أهل الصوفة، والصواب معهم في ذلك، والله أعلم؛ لأن ما ذهبوا إليه أبقوا به لفظ الحديث على ظاهره من غير تأويل، وهو أحسن من التأويل ما لم يعارض لظاهر اللفظ معارِضُ. ويشهد لما ذهبوا إليه أحوال الصحابة، رضي عنهم، والسلف الصالح وأهل المعاملات، لأنه قد حكي عنهم أنهم وجدوا الحلاوة محسوسة. فمن جملة ما حُكي عنهم في ذلك حديث بلال رضي الله عنه حين صُنع به ما صُنع في الرَّمْضَاءِ، إكراهاً على الكفر وهو يقول : (أحَدٌ ، أَحَدٌ) (۲) فمزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان، وكذلك أيضاً عند موته، أهله يقولون: (واگز باه) وهو يقول : (واطَرَباه) .

غداً ألقى الأحبة

محمداً وحِزْبَة (٣)

(1) لم نعرف مصدره.

(۲) رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٣/ ۲۳۲ .

(۳) هذا البيت من مجزوء الرّجز أورده ابن سعد في الطبقات ١٠٦/٤ على لسان وفد الأشعريين حين دنوا من المدينة

ومعهم أبو موسى الأشعري رضي الله عنه .

فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء، وهي حلاوة الإيمان .

ومنها حديث الصحابي الذي سُرِق فرسُه بِلَيْل، وهو في الصلاة، فرأى السارق حين أخذه، فلم يقطع لذلك صلاته ، فقيل له في ذلك ، فقال : ما كنتُ فيه أَكْبَرُ من ذلك (١) . وما ذاك إلا للحلاوة التي وجدها محسوسة في وقته ذلك.

ومنها حديث الصحابيين اللذين جَعَلهما النبي ، الله، في بعض مغازيه ليلة يحرسان جيش المسلمين فنام أحدهما وقام الآخر يصلي، فإذا بجاسوس من قبل العدو قد أقبل ، فرآهما فكَبَّد (٢) الجاسوس القوس، ورمى الصحابي ، فأصابه، فبقي على صلاته ولم يقطعها، ثم رماه ثانية فأصابه، فلم يقطع لذلك صلاته، ثم رماه ثالثة فأصابه ، فعند ذلك أيقظ صاحبَه ، وقال : لولا أني خفت على المسلمين ما قطعتُ صلاتي (٣) . وما ذاك إلا لشدّة ما وَجَد فيها من الحلاوة، حتى أذهَبَت عنه ما يجده من ألم السهام .

ومثل هذا ما حكي عن كثير من أهل المعاملات، يطول الكلام عليه، وفيما ذكرناه كفاية . الوجه الثاني : قوله عليه السلام : ( أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء، لا يحبُّه إلا الله عزّ وجلّ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكرَهُ أَن يُقْذَفَ فِي النَّار) هذه الثلاثة الألفاظ (٤) : ترجع إلى اللفظ الأول منها ، وهو أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، لأن من ضرورة المحبة الله ولرسوله أن يدخل مَا ذُكِرَ بعدُ في ضمنه . لكن فائدة إخباره عليه السلام، بتينكَ الحالتين اللتينِ ذُكِرتا بعد ذلك اللفظ يريد به: أن من ادعى حبَّ الله وحبَّ رسوله فليختبر نفسه في حب المرء، لماذا يحبّه؟ وفي الإكراه على الكفر . كيف يجد نفسَه إن ابتُلي بذلك؟ لأنه قد يَسْبِق للنفوس دعاوى بحبّ الله وحب رسوله ، فجعل عليه ،السلام هاتين العلامتين ليفرق بين الدعوى والحقيقة .

ومثل هذا قوله عز وجل : ( وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (٥) ، لأن حقيقة الإيمان أن يتوكل صاحبه في كل أموره على ربه، ويعتمد عليه، وإن كان بغير ذلك فإنّما هو دعوى،

(1) لم نعرف مصدره

(٢) كذا وفي القاموس، تكبد الفلاة إذا قصد وسطها ومُعظَمَها .

(۳) رواه البخاري في كتاب الوضوء تعليقاً، ووصله ابن إسحاق في المغازي ورواء عنه الإمام أحمد في المسند وأبو

داود وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم . يريد : حُبَّ الله ورسوله، وحبّ المرء ، وكراهة الكفر .

سورة المائدة،

من

الآية ٢٣ .

وكذلك من ادعى حبَّ الله وحبَّ رسوله ، ، ، ثم لم يصدق في تَيْنِكَ العلامتين المذكورتين،

فحبه دعوى لا حقيقة .

الوجه الثالث : يرد على الحديث سؤال وهو أن يقال : لِمَ عَبَّر عليه السلام، عن تناهي الإيمان بالحلاوة، ولم يعبر بغيرها؟

والجواب : أنه إنما عبّر عليه السلام بالحلاوة لأن الله عزّ وجلّ، قد شبه الإيمان بالشجرة في كتابه حيث قال : ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةُ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ . تُؤْتِ أُكْلَهَا كُلَّ حِينٍ بإِذْنِ رَيْهَا ) (۱) ؟ والكلمة الطيبة هي كلمة (الإخلاص) وهي أسنُ الدِّين، وبها قوامه (٢) .

فكلمة الإخلاص في الإيمان كأصل الشجرة لا بدَّ منه أولاً، وأغصان الشجرة في الإيمان عبارة عما تضمنته كلمة (الإخلاص) من اتباع الأمر، واجتناب النهي. والزهر في الشجرة هو في الإيمان عبارة عما يحدث للمؤمن في باطِنِه من أفعال البِرّ ؛ لما رُوي عنه ، عليه السلام، أَنَّ (مَن هَمَّ بحسنة خَرَجت على فِيه رائحةٌ عَطِرة، فيَشَمُّها المَلَك، فيكتب له حسنة)(۳). والزهر في الشجرة كذلك له رائحة عطرة وما ينيت في الشجرة من الثَّمَر هو في الإيمان عبارة عن أفعال الطاعات . وحلاوة الثمرة في الشجرة هي في الإيمان عبارة عن كماله وعلامة كماله ما ذكر ، عليه السلام، في الحديث، لأن غاية فائدة الشجرة تناهي حلاوة ثمرها وكماله . ولهذا قال تعالى: (تُونِ أكْلَهَا كُلَّ مِين بِإِذْنِ رَبِّهَا ) (٤) وأُكُلُها - على أحَدِ الأقاويل - تُؤْتِي دائم. فثمرة المؤمن لا تزال أبداً بين زهر وإبَارِ (٥) وبُدُو صلاح وتناهي طيب، فلم تزل معطرة مثمرة يانعة دائمة. ولهذا فُضَّلَت شجرة الإيمان على غيرها لأن الشجرة - عدا شجرة الإيمان ـ يأتي فيها كل شيء فريد، ثم يذهب عنها كل ذلك في بعض السنة، فالزهر فريد والإبار فريد، وبدو الصلاح فريد، وتناهي الطيب فريد . والمؤمن لاتزال ثمرة إيمانه - بمجموع ذلك كله - رائقةً عطرة، ولهذا المعنى قال، عليه السلام: (نية المؤمن أبلغ من عمله ) (٦) . قال العلماء معناه : أن المؤمن في عمل، ونيته - عند

(۱) سورة إبراهيم، ا ، الآية ٢٤ ومن الآية ٢٥ .

(۲) قوام الشيء : عماده ونظامه .

(۳) لم تعرف مصدره .

(4) سورة إبراهيم، من الآية ۲٥ .

(5) أبر النخل : أبراً وإباراً : لقمه. وأبَرَ الزرع : أصلحه.

(٦) قال العجلوني في كشف الخفاء عنه : رواه العسكري في الأمثال والبيهقي عن أنس مرفوعاً. وما أخرجه الطبراني

فراغه - لعمل ثان(۱) . فالزهر هو النية، والثمر هو العمل الصالح الحالي. وبدو الصلاح هو اتباع السُّنَّة في العمل، لقوله عليه السلام: (إنّ) الله لا يقبل عمل امرىء حتى يُتقنه . قالوا : يا رسول الله وما إتقانه؟ قال : يُخْلِصُهُ من الرياء والسُّمعة) (۲) . فترك النية في العمل عاهة فيه تمنع من بُدُو صلاحه، فإذا لم يَبْدُ صلاحه فمن باب أَوْلَى الاّ يَصِل إلى تناهي الحلاوة .

ويَرِدُ على هذا المعنى بحث دقيق، لأن الثمرة إذا لم يبد صلاحها لا يجوز بيعها، بمقتضى منع الشارع، عليه السلام ذلك والبيع في هذه الثمرة هو القبول لقوله عزّ وجلّ : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَاهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةُ ) (۳) الآية .

ولهذا المعنى أشار عليه السلام بقوله : (إنّ الله لا يقبلُ عملَ امرىء حتى يُتقنه). فإذا لحقت العاهة فلا ،إتقان فلا يكون مقبولاً . وهذه هي دائرة بعض العوام لجهلهم بالسنّة، وإن كان بعضهم يدّعي علوماً. فإن كل علم يجهل صاحبه علم السنة داخل تحت قوله، عليه السلام: (إنَّ مِن العلم لجهلاً) (1) .

وتناهي الطيب إنما يكون للخواص، وكيفية تناهي الطيب في العمل هو أن يعمل العمل حبا في الله وفي رسوله ، ، ، على ما جاء في الحديث لا يريد غير ذلك، فيكون عمله مشكوراً، لقوله عزّ وجلّ : ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاهُ وَلَا شُكُورًا . إِنَّا نَخَافُ مِن رَّيْنَا يَوْمًا عَبُوسًا فَتَطَرِيرًا . فَوقَهُمُ اللهُ شَرِّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَتَهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا . وَجَزَهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا مُتَّكِفِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَابِكَ لَا يرُونَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا . وَدَانِيَةٌ عَلَيْهِمْ ظِلَلُهَا وَذُلِلَتْ قُطُوفُهَا نَذْلِيلًا وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِعَانَيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيراً . قَوَارِيرًا مِن فِضَّةٍ فَذَرُوهَا نَقدِيرًا . وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأَمَا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجيلًا . عَيْنَا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا. وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ تُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْنَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا . وَإِذَا رَأَيْتَ ثُمَّ رَأَيْتَ نَعِيها وَمُلَكًا كَبِيرًا . عَلِيهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا . إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاء وَكَانَ سعيكُر مَشْكُورًا (٥).

عن سهل بن سعد الساعدي مرفوعاً (نية المرء خيرٌ من : عمله).

(۱) كأنه يريد أن يقول : إن المؤمن لا ينقطع عن عمله وعن نيته التي تسبق العمل ولا تنفصل عنه، وتؤدي إليه لا

محالة .

(۲) لم نعرف مصدره .. (۳) سورة التوبة، من الآية ۱۱۱ .

سننه عن بريدة رضي الله عنه . وضعفه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء، والسيوطي في

(4) أخرجه أبو داود في . الجامع الصغير، والمناوي في فيض القدير.

(5) سورة الإنسان، الآيات ۹ - ۲۲ العبوس والقمْطرير الشديد المخيف نَضْرَة حلاوة وطراوة، الزَّمْهَرِير : =

السلام،

فلأجل هذه النسبة وهذا الاتحاد الذي بين الشجرة والإيمان عبّر عنه، عليه السلام في الحديث بالحلاوة ولم يعبر بغيرها ليقع المثال في كل الحالات. ومنه قوله، عليه السلام: (الناس کشجرةٍ ذات جَنِّى، ويُوشِك أن يعودوا كشجرة ذاتِ شَوك)(۱) . الحديث. فشبههم، عليه ، أيضاً بالشجرة وهم كذلك لا شك فيه ؛ لأن من تقدّم من السَّلف كان إيمانهم كاملا لتتبعهم للأمر والنهي، وحبّهم الله ورسوله ، والنصيحة التي كانت بينهم، حتى لقد كانوا إذا التقى بعضهم مع بعض يقولون : تَعَالَ نُؤْمِنُ) (٢) . فكانت شجرة إيمانهم تناهت في الطيب والحلاوة . وأما اليوم فقد ذهب ذلك، وظهر ما أخبر به عليه السلام لرجوعهم كشجرة ذاتِ شوك، لعدم اتباعهم للأمر والنهي، وترك النصيحة بينهم والغش الذي في صدورهم، فرجع موضع النصيحة غشاً، وموضع الامتثال مخالفة، فلم يبق معهم من صفة الإيمان في غالب أحوالهم إلا النطق بالكلمة (۳) ، وما عداها من الأفعال بضدّ ما يقتضيه الإيمان، فبقي لهم الأصل، وذهبت ثمرته التي هي هي شجرة السدر (٤) مع شجرة الثمر إذا أبدلت مكانها. فالأولى كانت تطعمهم الثمر وله حلاوة، والثانية تنبت الشوك. هذا هو حال عامتهم اليوم، اللهم إلا القليل النادر لقوله، عليه السلام: (لا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحقِّ إلى قيام الساعة، لا يَضُرُّهُمْ مَن خالفهم)(٥). فهذه الطائفة التي أخبر بها عليه السلام، هي التي لم تزل ثمرة إيمانهم تُطعِم وتتناهى في الحلاوة، كما كان السلف رضي الله عنهم، ولولاهم ما أمطرت السماء قطرةً، ولا أنبَتَتِ الأرضُ خَضِرَة (٦) ، وَلَوَقَعَ الهلاك بمن تقدم ذكرهم، ولكنه عزّ وجلّ، يمهلهم لمجاورتهم لأهل الإيمان المتحققين، إكراماً لأوليائه، وترفيعاً جعلنا الله من أوليائه بمَنْهِ ويُمْنِه . آمين.

الأعمال، كما

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .

البرد الشديد. ذللت قطوفها : لا تمتنع على قطافها كيف شاؤوا قوارير : ج قارورة وهي الوعاء ـ من الزجاج - تحفظ فيه السوائل. السَّلْسَبيل : الشراب السهل المرور في الحلق لعذوبته واسم عين في الجنة. استبرق

رضي

الله عنه .

الديباج الغليظ . (۱) انفرد الديلمي في مسند الفردوس بإخراجه عن أبي أمامة) (۲) أخرجه الإمام أحمد في المسند عن أنس بن مالك رضي الله عنه . (۳) يريد بـ (الكلمة) شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله . (٤) السدر : شجر النَّبِق واحدته سِدْرَة وسدرة المنتهى : شجرة في الجنة .

(٥) حديث صحيح متواتر .

(1) الخضرة (بضم فسكون) : لون الأخضر. والخَضيرة (بفتح فكسر الزرع الأخضر. وفي التنزيل (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِر الخرجُ مِنْهُ حَبَّا متراكبا) (الأنعام، من الآية ۹۹) .

حديث البيعة

عن عُبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله ، ، قال : (بايعوني على الا تُشرِكوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا أولادكم، ولا تَأْتُوا بِبُهتانٍ تَفْتَرُونَهُ بَينَ أيديكم وأرجُلِكم ، ولا تَعصُوا في معروف، فمن وفّى منكم فأَجرُه على الله . ومَن أصابَ من ذلك شيئاً فَعُوقب في الدنيا فهو كَفَّارةٌ له. ومن أصابَ من ذلك شيئاً ثم سَتَره الله فهو إلى الله ، إن شاءَ عفا عنه، وإن شاءَ عاقبه) . فبايعناه على ذلك .

ظاهر الحديث يدل على أن مَن وقع في شيء مما نُهي عنه ، فاقتُصَّ منه أن القصاص يُسقط عنه في الآخرة وِزْرَه (۱) ، ويُكَفِّرُ ذنبه . وقد اختلف العلماء في ذلك، هل يسقط، أم لا؟ على قولين. والحديث دليل لمن قال منهم بالإسقاط لأنه نص في موضع الخلاف .

والكلام عليه من وجوه :

الوجه الأول: قوله عليه السلام بايعوني) هذه البيعة يُحتاج فيها إلى بيان: ما هي في الاصطلاح العُزفي وكم ،أنواعها وما حقيقة معناها وما المقصود بها في هذا الموضع، وما الفائدة فيها، وما الحكمة في وضعها على هذا الأسلوب، ولمن تجب، وبماذا تجب، وعلى من تجب ، وشروط الإجزاء فيها، وبماذا تصح، وبماذا تفسد ؟

فأما أنواعها : فهي على ضربَينِ : عامة وخاصة .

والعامة منها على وجوه وهي أيضاً على ضربَينِ : منها ما يصح دون شرط، ومنها ما لا يصح

إلا بشروط .

(1) الوِزْر : الذَّنْب، الحِمْل الثّقيل .

فالتي تصح منها بغير شروط هي مثل ولاية الأب على ابنه والرجل على أهله وعبيده، لأن هذه قد صحت بأمر من الله تعالى فلا تحتاج إلى شروط، وسيأتي بيان ذلك في الكلام على الحديث الذي قال فيه عليه السلام: (كُلُّكُمْ) راعٍ، وكلُّكُمْ مسؤول عن رَعِيَّتِهِ) (۱) . والتي لا تصحُ إلا بشروط فمنها ما هي ثابتة والشروط تأكيد لها، ولوجه ما مع ذلك

بمقتضى الحكمة الربانية ومنها ما هي ثابتة والشروط تأكيد للحق، وزيادة حقّ ثان .

فأما التي هي ثابتة والشروط تأكيد لها، ولوجه ما مع ذلك بمقتضى الحكمة الربانية فهي مثل بيعة الستُ بِرَبِّكُمْ ﴾ (۲) لأن كلَّ بيعة عهدٌ ، فبذاتِ الربوبية ثبت الحق على العبودية، وهذه البيعة هنا تأكيد للحق ولوجه ما اقتضته الحكمة وهو تعليق التكليف بهذه البيعة، ليثاب على الامتثال ويعاقب على الضدّ علّة شرعيّة لا عقليّة ولا عِلَّية (۳). ولهذا المعنى أشار صاحب الأنوار (٤) بقوله : (فرض في فرض لفرض لازم يريد أن الفرض وجب على العبودية بنفس إيجاد الإلهية لهم، ثم تأكد بالعهد المأخوذ عليهم في هذا الموطن المذكور . والفرض اللازم هو: ما حكم، عزّ وجلّ، من الحكم المحتوم ألا يستقر في دار كرامته إلا من امتثل أمره، ووفى بعهده، أو ببعضه، وسامحه، عزّ وجلّ، من طريق الفضل والمنّ لقوله عزّ وجلّ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ (٥) . هذا من طريق المن والفضل وأمّا العدل فهو ما تضمنه قوله، عزّ وجلّ، في كتابه جواباً لعيسى عليه السلام: ﴿ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ ) )

وأما التي هي ثابتة والشروط تأكيد للحق وزيادة حي ثان فهي مثل البيعة للنبي ، . لأنه لما أرسله عزّ وجلّ ثبتت البيعة له لقوله عزّ وجلّ في كتابه: ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ (۷) فقد قدمه ، عزّ وجلّ، عليهم. فالبيعة ،له عليه السلام تصديق منهم لرسالته، وإذعان لحكمه، وتصديقهم له تأكيد لما منّ الله به عليه .

وأما التي لا تصح إلا بشروط والشروط هي الموجبة لها فهي على نوعين : إما بتقديم الخليفة لشخص يرتضيه للمسلمين بَعدَه، كما فعل أبو بكر ، رضي الله تعالى عنه، في توليته عمر،

(۱) حدیث صحيح، متفق عليه، وسيرد شرح مفصل له في هذا الكتاب في الحديث ذي الرقم (٥١) . (۲) سورة الأعراف من الآية .۱۷۲ .

(۳) العلية : نسبة إلى العلة . والعلة في علم الأصول هي التي تدور مع المعلول.

(٤) صاحب الأنوار: هو الشيخ الإمام أبو عبد الرحمن الصقلي . انظر كتاب المدخل لابن الحاج ٢١٣/٣) .

(٥) سورة النساء، من الآية ٤٨ . (٦) سورة المائدة، من الآية ۱۱۹ . (۷) سورة الأحزاب، من الآية ٦ .

رضي

الله عنه، بعده، وإما بإجماع المسلمين عليه بعد موت الخليفة كما فعل الصحابة رضوان الله عليهم في إجماعهم على عثمان رضي الله عنه بعد موت عمر ، رضي الله عنه ، فهذا حكم ثابت إلى يوم القيامة، لقوله عليه السلام عليكم بسنتي وسنّةِ الخلفاءِ بَعدي) (۱) .

وأما الخاصة منها فهي ما بين الشارع عليه السلام في الجماعة إذا سافروا أن يُقدموا رجلاً منهم عليهم، وكذلك ما في معناه لأن ذلك كان لوجه خاص. ويتبين ما فيه من المنفعة ببيان منفعة العامة إذا ذكرناها إن شاء الله تعالى لأن فيها شَبَهاً منها .

وأما حقيقة معناها على التقسيم المتقدم فهي بَيع من البيوع، لأنه، عليه السلام، قال: ( بايعوني) ولم يقل : (عاهدوني). وهذا النص يتضمّن بمعناه شيئاً من أوصاف الرّق، على ما أبينه بعد، إن شاء الله تعالى، وإذا كانت بيعاً من البيوع فيحتاج إلى بيان المبيع ما هو ؟ والثمن ما هو ؟

قد

فأما المبيع في هذا الموضع فهو ترك ما للنفس من الاختيار وتفويض الأمر لصاحب البيعة . ليتصرف صاحب البيعة فيمن بايعه بحسب ما أمره الله عزّ وجلّ. وهذا ضرب من الرّق، لأن السيد مَلَكَ رقبة العبد، فلم يبق للعبد اختيار ولا تصرُّف، لأنّ مَن مَلَك الرقبة فقد مَلَك جميع المنافع . فأشبه ذلك العبد في انقياده دون استرقاق الرقبة، وبقي المال لمالكه لا لصاحب البيعة، ليس كما هو مال العبد لسيده، لأنه لم يشبه العبودية إلا في الذي ذكرناه لا غير .

وأما الثّمنُ على هذا البيع على أي وجه كان من الوجوه المتقدّم ذكرها، فهو (الجَنَّة) بشرط التوفية فيها لقوله عليه السلام في بيعة العقبة إذ سأله الصحابة رضي الله عنهم، على ما لَهُمْ من

العِوَض على بيعتهم فقال : (الجَنَّة). فقالوا : رَضِينا ، لا نَنقُضُ البيع . فقد سمى الشارع، عليه السلام البيع والثمن والمُثَمَّن . وكذلك كلّ من بايَعَ بيعةً من البيوع بعد ذلك على مقتضى لسان العلم - على التقسيم الذي ذكرناه - فهذا ثمنه إذا لم يقع نقضُها ، لأنّ كل بيعة من البيوع التي ذكرناها إنما هي تجديد لبيعة النبي ، . وتأكيد لها . وبيعة النبي صلى الله عليه وسلم ، بيعة الله عزّ وجلّ، لقوله تعالى في كتابه : إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ ) (۳) وبيعتهم الله تعالى وفاءٌ وتأكيد لبيعة ( أَلَسْتُ

وأما المقصود بها في هذا المَوْضع على التقسيم المتقدم فهو تقبيل اليد على الأوصاف

(1) أخرجه الإمام أحمد والدارمي وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن العرباض بن سارية رضي الله عنه . (۲) أخرجه الإمام أحمد والحاكم والبيهقي في السنن الكبرى عن أبي الزبير المكي عن جابر رضي الله عنه .

سورة الفتح ،

، من الآية ١٠ . (٤) سورة الأعراف، من الآية ۱۷۲ .

المذكورة في الحديث بعد. ويتعلق بهذا النوع من الفقه أنّ للخليفة أن يُجدّد بيعة أخرى على وجه ما من المصالح الدينية إذا ظهر له ذلك مصلحةً، لمن ظهر له كان بالخصوص أو بالعموم؛ لأن معنى البيعة في هذا الموضع تأكيد على الوفاء بما تقتضيه الألفاظ المذكورة بعد. وسأبين ما الحكمة في

ذلك، إن شاء الله تعالى .

وأما الفائدة فيها، على التقسيم المتقدم، أعني في أنواع البيعة مطلقاً، لا في هذه الخاصة، لأن الكلام على فائدة الخاصة يأتي في تبيان ألفاظ الحديث - إن شاء الله تعالى - فهي جَمْعُ كلمة المسلمين، لأنه إذا دار الأمر على واحد كان أجمع للأمر، وأعظم للفائدة، لأن في ذلك نكايةً للعدو، وعوناً على إقامة أحكام الله وحدوده ولهذا قال عليه السلام: (يَنْتَزِعُ الله بالسلطانِ ما لا ينتزع بالقرآن)(۱)، وأمر بقتال العدو مع كل بر وفاجر من الولاة(۲)، وأمر بحفظ البيعة وقال: (وإن كان أسود ذا زبيبَتَيْن، منفوخ الخَيْشوم، فاسمَعْ ،وأطِعْ ، وإن ضربَ الظهر وأخذ المال) (۳). فقيل : يا رسول الله : أرأيتَ إن وُلّي علينا أمراء يطلبون منا ،حقوقهم ولا يعطونا حقوقنا؟ فقال، عليه السلام: (أعطوهم حقوقهم واطلبوا حقوقكم من الله، فإن الله سائلهم عَمّا استرعاهم) (٤) . والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وذلك لما يترتب عليه من عزّ الإسلام، وإظهار الأحكام، وقمع الأعداء، والتشتيت يوجب ضدَّ ذلك .

فلفوائد :

وأما الحكمة في وضعها على هذا الأسلوب على التقسيم المتقدم، وهو تقبيل اليد،

الفائدة الأولى : أن في ذلك تحصيل المقصود بالأمر اليسير وتحصيل المقصود بالأمر اليسير

أولى من تحصيله بالأمر الكثير، ولا سيما إذا كان مقتضى الأمر من عالم كثير . الفائدة الثانية : أن بعض الأقوال قد يصطلح صاحبها في اعتقاده لأمر ما مخالفاً لما قصد منه . وقد اختلف العلماء في المبتدي للكلام إذا نوى شيئاً ووارى عليه هل يلزمه ما نوى أو صيغة

(۱) أورده ابن الأثير في جامع الأصول ٨٣/٤ برقم ۲۰۷۱ وذكر محقق هذا الكتاب «بهجة النفوس» أنه أخرجه رزين وإسناده منقطع، وهو مشهور من كلام عثمان بن عفان رضي الله عنه .

(۲) أخرجه أبو داود والدارقطني والبيهقي في الكبرى عن أبي هريرة رضي الله عنه . (۳) مؤلف من أحاديث عدة منها في البخاري في الأحكام - باب السمع والطاعة للإمام ـ عن أنس رضي الله عنه ، وعن أبي ذر رضي الله عنه، وفي صحيح مسلم في الإمارة عن أم الحصين الأحمسية، رضي الله عنها، وفي البخاري ومسلم عن حذيفة رضي الله عنه . (4) مؤلف من حديثين : الأول : عن مسلمة بن يزيد الجعفي في صحيح مسلم - كتاب الإمارة ـ وعن ابن مسعود الذي أخرجه البخاري ومسلم والثاني: أخرجه البخاري في الأنبياء ومسلم في الإمارة عن أبي هريرة رضي الله عنه

مرفوعاً.

اللفظ ؟ على قولين فقرّر الشارع عليه السلام هذه البيعة بفعل، لأن الفعل إذا ثبت له حكم خاص من الشارع عليه السلام لم ينفع فيه التأويل . ولو جَعل عليه السلام، هذه البيعة بأيمان، لكان كل واحد من الناس باختيار نفسه متى أراد خَرج عن البيعة، لأن الأيمان قد جُعِلت لها كفارات، فإذا أراد المبايع النقض في البيعة كفّر عن يمينه وارتفع الإثم عنه. فجعل عليه السلام، هذه عهداً وشبهها بالبيع ـ كما ذكرناه ـ لأن المتبايعين ليس لأحدهما خيار دون صاحبه والعهد ليس فيه ثنيا) ، ولا كفارة، فجعلت هذه البيعة بهذين الوجهين الشَّدِيدَيْنِ تحضيضاً على حفظ فائدة الخاصة والعامة للمؤمنين .

الفائدة الثالثة : أن في ذلك رفعَ الذُّلة عن المؤمنين، لأنهم لو كُلِّفوا أن يقولوا معنى هذه البيعة كما قدمناه - وهو أن يقول البائع : «قد ملكتك قيادي، وأنا لك مثل العبد، وأنت المتصرفُ في كيف شئتَ لكان يَعِزّ على بعض الناس النطق بذلك، وقد يعجز بعضهم عنه، فرفعت تلك الكلفة بأدنى إشارة، وهذا من بديع الحكمة وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾

وأما قولنا : ولمن تجب؟ ، على التقسيم المتقدم، فتجب الله ولرسوله ، ولمن ولاه الله ذلك بمقتضى لسان العلم - على ما ذكرناه قبل - بِتَوْلِيَتِهِ أو بإجماعِ المسلمين عليه .

وأما قولنا : بماذا تجب؟ ، على التقسيم المتقدم، فتجب بالإسلام، والذكورية، والعقل،

وبلوغ حد التكليف، والأهلية، للمعرفة بمصالح الناس وذَبّ العدو، وخشية الله تعالى .

وأحد الشرطين المتقدمينِ - وهما : إما بتولية من الخليفة أو بإجماع المسلمين عليه ـ يشهد لذلك قول النبي ، ، للصحابة رضي الله عنهم، حين ولّى أسامة، وتكلّم بعضهم فيه، فقال: إنكم طَعَنتُم فيه وفي ولاية أبيه قبل، وإنّه لَجَديرٌ بها ، لما فيه من الدين، والخشية الله، عزّ وجلّ والشجاعة ) (۳). وأسامة، بحيث لا يُجهَل حاله، كُفْءٌ له من الفضيلة خدمته لخير البشر. فلم يلحظ ، عليه السلام كونه من الموالي لمّا كانت فيه الشروط المتقدم ذكرها .

وإنّما قلنا : إنّها تجب بالإسلام لقوله جلّ وعزّ : ﴿ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٤) ، ولقوله عليه السلام: (الإسلامُ يَعْلُو ولا يُعْلَى عليه )(ه). ويترتب على هذا النوع من

سَبِيلا ) (٤)

(1) الثنيا: استثناء بلفظ (إن شاء الله) مثلاً .

(۲) سورة المائدة، من الآية ٥٠ .

(3) أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما .

(٤) سورة النساء، من الآية ١٤١ .

(٥) أخرجه الدارقطني من حديث عائذ المزني رضي الله عنه والبيهقي في السنن .

الفقه أن من ولاه الله شيئاً من أمور المسلمين - كانت التولية خاصة أو عامة - ألا يولّي عليهم من ليس بمسلم ؛ إذ إنه لا يجوز بدليل ما ذكرناه من الكتاب والسنَّة .

وإنما اشترطنا : (الذكورية) فيها ، لقوله عليه السلام: (ما أفلَحَ قوم ولوا أَمْرَهم امرأة) (۱) . وأما ما ذكرناه من بقية الشروط ، فلأنه خليفة عن الله ، ولا يكون خليفة عن الله حتى تكون فيه أوصاف يُنال بها الخوف من الله والمعرفة بأحكامه والقدرة على توفية ذلك .

وأما قولنا : على من تجب؟ ، على التقسيم المتقدم، فتجب على كل ذكر ، حر، بالغ، عاقل، إذا لم يكن في عنقه بيعةٌ للغير وحَقُّ البيعة باقٍ عليه لأن النساء والصبيان والعبيد تحت حكم الرجال، لأنهم تحت إيالتهم ، فبيعة الرجال بيعة عنهم وعن كل من تحت إيالتهم من

والعبيد والصبيان .

النساء

فإن قال قائل : قد بايع النساء النبي صلى الله عليه وسلم ، فيجب اطراد ذلك الحكم. قيل له : ذلك خاص بالنبي ، لأنه إنّما فعل ذلك جَبْراً لقلوبهنّ؛ لأنهن طلبن منه البيعةَ تبرّكاً، ففعل ذلك جَبْراً لهنَّ، ومع أن بيعته ، ، لهنّ لم تكن على صفة بيعة الرجال، بدليل قول عائشة ، رضي الله عنها، في حديث مسلم : (إنّما) كانت بيعته لهنّ بالقول لا باليد) (۳). ويدل على خصوصيته، عليه السلام، بذلك أن الخلفاء، رضي الله عنهم، قد وقعت لهم البيعات مراراً بعد النبي ، ، ولم يُنقل عن أحد منهم أنه بايع النساء .

وأما شروط الإجزاء فيها، على التقسيم المتقدم، فهي ثلاثة شروط : قول، وعمل، واعتقاد. أما القول فتسميتها (بَيْعَة) قَبْلَ تقبيل اليد، ويُجزىء في ذلك لفظ واحد من الجماعة عن الكل مرة واحدة في ابتداء الأمر، إذا كان قولهم في فَوْر (٤) واحدٍ متّصل .

وأما العمل فهو تقبيل اليد إثْرَ القول من الكل كما فعل عمر ، رضي الله عنه، مع أبي بكر ، رضي الله عنه ، في سقيفة الأنصار حين قال له : مُدَّ يدَك ،نبايعك، فمدَّ أبو بكر يده، فبايعه عمر ومن ذلك الموطن من حينهم (٥) . فأغنى لفظ عمر ، رضي الله عنه، مرَّةً واحدة عنه وعن

حضر هناك

في

كل من حضر ذلك الموطن .

(1) أخرجه البخاري في الفتن والترمذي والنسائي والإمام أحمد عن أبي بكرة رضي الله عنه . أي : تحت إشرافهم . من ال المَلِكُ رعيَّته : ساسَها وأشرَفَ على أمورها .

(۳) أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجه عن السيدة عائشة رضي الله عنها . (٤) في فور واحد : في وقت واحد . (٥) أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه والإمام أحمد في المسند .

وأما الاعتقاد فهو أن تكون امتثالاً لأمر الله عزّ وجلّ، ولرسوله ، لأنها من جملة المأمور به شرعاً، لا يُراد بها غير ذلك لقوله عليه السلام (ثلاثةٌ) لا يكلّمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) وعد فيهم (رجلاً بايع رجلاً لا يبايعه إلا لدنيا، فإن وَفَى وفى له ، وإلا لم يَفِ له ) (١) .

وأما قولنا : بماذا تصح؟ ، على التقسيم المتقدم أعني : بماذا يصح لصاحبها ما أُعِدّ له من الخير، ويكون خليفة حقاً بمقتضى لسان العلم؟ فهو أن يتقي الله عزّ وجلّ فيما كلفه، وأن يُوفي لكلّ ذي حق حقه، على مقتضى ما أمره الله به، ويبذل جهده في نصحه لمن استرعاه الله إياه، ويحفظهم ابتغاء مرضاة الله ، لا أن يكون له حظوة عليهم، ولا يتكبر ولا يتجبر، ولذلك قال، عليه السلام: (سبعةٌ يُظلهم الله في ظله يومَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّه : وعَدَّ فيهم الملك العادل(۲)، وكذلك كانت سنة النبي ، ؛ لأنه عليه السلام كان يقعد مع أصحابه ويحدّثهم، ويقعد مع الخادم ويطحن معها ؛ وكذلك كان الخلفاء، رضوان الله عليهم بعده .

مَثَل ذلك ما حُكِيَ عن عمر ، رضي الله عنه أنه كان يحرس المدينة بنفسه، فخرج في بعض الليالي ومعه بعض أصحابه يُعِينه على ذلك، فمَرَّ معه ما شاء الله، ثم أشار إليه عمر أن اقعد هنا ، فقعد ينتظره، فدخل أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، في خربة (۳)، فعلم صاحبه على تلك الخربة، فلما كان من الغد أتى تلك الخربة، فوجد بها عجوزاً مُقعدة عمياء، فسألها : مَنِ الشخص الذي يأتيكِ ليلاً وما يَصنَعُ عندكِ؟ فقالت لا أعرف إلا أن شخصاً يسوق لي غذائي، ويُخرج عني أذَايَ . فقال في نفسه : أعثراتِ عمرَ تَتَّبِعُ ؟ (٤)

ومثل هذا عنه وعن غيره من الخلفاء كثير، وإنما ذكرنا هذه الحكاية إشارة وتنبيهاً على طريقهم المبارك، الذي هو طريق الحق والصراط المستقيم.

وأما قولنا : بماذا تفسد؟ ، على التقسيم المتقدم، وهو آخر التقسيم، فالكلام فيه على نوعين :

خاص وعام .

أفعال يفعلها، فتذهب عنه تلك الخيرات المذكورة قبل، فالخاص : هو ما يخصه في نفسه.

من

(1) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه . (۲) أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً . وسَيَرِدُ في الحديث رقم (٤١) .

(۳) الخربة : المكان الخراب.

روى هذه القصة أبو نعيم في الحلية والدميري في حياة الحيوان، وسمّى الرجل «طلحة) .

مع إبقاء الخلافة عليه وهو أن يفعل شيئاً من الظلم أو يغير حكماً من أحكام الله عزّ وجلّ، أو

يجور في الحكم.

أما

عدله) (۱) .

الظلم فلقوله عليه السلام : (إِنَّ الظالم يُحشَرُ مغلول اليدين إلى عنقه، لا يفكهما إلا

وأما تغيير الحكم فلقوله عليه السلام: (إنَّ الغادرَ يُنصَب له يوم القيامة لواء عند استه(۲) بقَدْر غَدْرَته ، يُنادَى عليه هذه غَدْرةً فلان بن فلان، وكذلك كل من غدر في صغيرة أو كبيرة، لواؤُه بِقَدْر غَدْرته ) (۳ ) .

وأما الجَوْر في الحكم فلأنه إذا كان الملِكُ العادل أعلى الناس منزلة يوم القيامة، بمقتضى

الحديث، فكذلك أبخس الناس منزلة يوم القيامة ضِدُّه ، وهو الجائر بمقتضى السُّنَّة . وأما العام الذي يجب على جميع من بايعه خَلْعُه من تلك البيعة وقَتْلُه فهو تَرْكُ الصلاة. لقوله، عليه السلام حين قيل له: أرأيتَ إن لو وُلّي علينا أمراءُ فُسَّاق، أنقتلهم؟ فقال : لا ، ما صَلوا، لا، ما صَلّوا) (٤)، فكان ذلك دليلاً على أنهم مهما صَلّوا لم يُقتلوا ومتى تركوا الصلاة قُتلوا، لأنه قد تقرر في الشريعة أنَّ مَن تَرَك الصلاة قُتِل، ولا فرق في ذلك بين الآمر والمأمور، لأن حكم الله، عزّ وجلّ، يتناول الكُلَّ . وتارك الصلاة مرتد عند بعض العلماء، والمرتدّ كافر، والكافر لا تجوز ولايته على المسلمين، كما تقدم .

الوجه الثاني : قوله عليه السلام على ألا تُشرِكوا بالله شيئاً) هذا لفظ عام، لأن (الشيء) يتناول القليل والكثير وبتخصيص هذا اللفظ افترقت الشَّيَع كلها وبتحقيقه والعمل على عمومه بانت الفرقة المحمدية الناجية من تلك الشيع كلها يدل على ذلك قوله عليه السلام: (افترقت بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين فرقةً، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، ما أنا عليه وأصحابي ) (٥) . فأراد عليه السلام بهذه البيعة هنا بشروطها لكي يتبيَّن بها

لعله معنى للحديث الذي أخرجه الإمام أحمد في المسند عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أمير عشرة إلا يؤتى به يوم القيامة مغلولاً لا يفكه إلا العدل. وإسناده جيد ورجاله رجال الصحيح كما في

الترغيب للمنذري . استه : عجزه

(۳) أخرجه الإمام مالك والإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان عن ابن عمر رضي الله عنهما، وأخرجه الشيخان عن أنس بن مالك رضي الله عنه .

لعله معنى

لما أخرجه مسلم في الإمارة عن عوف بن مالك رضي الله عنه، وما رواه الإمام أحمد في المسند ومسلم وأبو داود من حديث أم سلمة رضي الله عنها .

حديث صحيح متواتر . أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما والحاكم في المستدرك =

طريقه وطريقُ أصحابه، لأنهم المخاطَبون بهذه البيعة فيتبيَّنَ بذلك الفرقة الناجية، فمن تبعهم في حقيقة هذا العموم المذكور كان منهم ، وإلا كان من المخالفين لهم بحسب تخصيصه لذلك العموم، قليلاً كان أو كثيراً .

فعلى هذا، فيُحتاج إذاً، إلى بيان بعض هذه الطرق الفاسدة، وكيف تخصيصهم لذلك العموم، ليتبين بذلك ما عداهم من أهل الطرق الفاسدة، ولولا التطويل لذكرناهم قسماً قسماً . ولكن بالمثال لمن له نظر يتبيَّن له الباقي، مع أنه لا بدَّ لنا من بيان الطريق المحمدي، وتبيين الفرقة الناجية. وبتبيين ذلك يَتَبَيَّن ما عداه من أنواع المخالفات لكن نذكر منها شيئاً زيادة بيان، وإيضاح لفساد مذاهبهم، وكيفية سوء ا وء اعتقادهم .

فمن جملة الشَّيع المخصّصة لهذا العموم الذي به مرقوا من الدِّين (القَدَرِيَّة)، لأنهم يقولون بخَلْق أفعالهم، وهذا منهم . خطأ واضح، بدليل العقل والنقل.

وأما العقل فقد أجمع العقلاء على أن خالق الوجود واحد، ليس له ثان .

وأما النقل فقوله عزّ وجلّ : لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا ) (۱) وهم قد جعلوا الله تعالى شركاء عدداً لا يحصره إلا هو عزّ وجلّ، فلم يحصل منهم الإيمان بمقتضى هذا العموم، ولأجل ذلك بكى عليه السلام حين ذكرهم وقال : (تَحقِرون صلاتكم معَ صَلاتِهم، وصيامكم مع صيامهم، وأعمالكم مع أعمالهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهمُ من الرَّمِيةِ) (۲) ، وسمّاهم: (مجوس هذه الأمة) (۳).

ومنهم (الجبرية)، فإنهم يقولون : بأن لا أفعال لهم. وأنهم مُجْبَرُون على الأفعال كلها. دقها وجلها ) ، ولا تأثير لفعلهم في شيء منها، ويقولون : إن الله إذا عذَّبهم على المعاصي فهو ظالم لهم، لأنهم - في زعمهم - لم يفعلوا شيئاً. وهذا منهم جَحْدٌ للضرورة (٥) ، وتكذيب للتنزيل .

والبزار في مسنده والبيهقي في المدخل . (۱) سورة الأنبياء من الآية .۲۲ .

(۲) أخرجه الإمام مالك في الموطأ، والإمام أحمد في المسند، والبخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي في السنن وشعب الإيمان وأبو يعلى وابن حبان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه .

(۳) أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والحاكم في المستدرك وصححه على شرط الشيخين .

(٤) دقها وجلها صغيرها وكبيرها .

(٥) شرح (الضرورة) سيوردها المؤلف بعد قليل بالتفصيل والشواهد.

فأَمَّا جَحْد الضَّرورة فهو ما يتصرّفون فيه بحواسهم واختياراتهم، ونحن نشاهد ذلك منهم عياناً. وأما التنزيل فقوله عزّ وجلّ : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ) (۱) وقوله عز وجل : ( أَفَرَهَيْتُمُ مَا تَحْرُثُونَ . وَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ) (۲) فأثبت، عزّ وجلّ، الفعل للعبد، وأثبت الفعل لنفسه معاً.

فأما ما هو من فعل العبد فهو أن النبي ، ا ا ا ا ا ، و أخذ غَرْفةً من تراب بيده ثم رماها (۳). وهذا حقيقة فعل من البشر مرئي محسوس . وأما ما هو من فعل الرب سبحانه، فهو أن تلك الغَرْفَة ليس للبشر قوة على إيصالها إلى أعين الأعداء، وقد وصلت إلى جميع أعينهم ، حتى أوقعت الهزيمة فيهم .

جميع

يُبين هذا المعنى ويزيده إيضاحاً ،قوله عزّ وجلّ : وَمَا نَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ) (٤) فأثبت، عزّ وجلّ، لنفسه مشيئةً، ولِخَلْقه مشيئة، لكن مشيئة خَلقه لا تتم إلا بمشيئته عزّ وجلّ. هذا ما هو من طريق النقل والمشاهدة .

وأما من طريق العقل والنظر، فما يجد الإنسان في نفسه من الفرح، إذا شاء شيئاً، فساعدته القدرة على بلوغه ، فرِحَ بذلك لنفوذ مشيئته وبلوغ أمله . وإذا شاء شيئاً ولم تساعده القدرة على نفوذه حَزِنَ لعدم نفوذ مشيئته . فهذا أدلّ دليل على أن للعبد مَشِيئَةٌ. وما جعل الله، عزّ وجلّ، لعبيده من المشيئة وربط الأسباب بالمسيَّبات وربط العوائد في بعض الأشياء بما جرت، فهو أثر حكمته، وحكمته عزّ وجلّ، وصفٌ قائم بذاته، فإنكارهم لهذه الصفة تخصيص لذلك العموم.

ومنهم (المُجَسَّمَة)، لأنهم يقولون بالجسم والحلول، ومُعتقد هذا لا يصح منه الإيمان بعموم اللفظ المذكور في الحديث، لأنه لا يصح الإيمان بمقتضى لفظ الحديث حتى يصح الإيمان به (٥) ، عزّ وجلّ، بمقتضى ما أخبر به عن نفسه حيث يقول : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ (٦) و (شيء)

(۱) سورة الأنفال من الآية ۱۷ . (۲) سورة الواقعة، الايتان ٦٣ و ٦٤ .

(۳) أخرجه أبو نعيم والبيهقي في دلائلهما، وعزاه السيوطي في الدرّ لابن جرير الطبري وابن المنذر وابن مردويه . وفيه انقطاع بين ابن عباس وعلي بن أبي طلحة رضي الله عنهما كما في التقريب.

(٤) سورة الإنسان من الآية ۳۰ .

(ه) به : أي بالله .

(٦) سورة الشورى، من الآية ۱۱ .

ينطلق على القليل والكثير، وعلى كل الأشياء. فمن خصص هذا العموم، وهو قوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَنى لم يصحَّ منه الإيمانُ لعموم لفظ الحديث، وإنِ ادعاه، لأن من لا يعرف معبوده كيف يصح له الإيمان به؟ وذلك محال .

ثم نرجع الآن إلى البحث معهم في بيان اعتقاداتهم الفاسدة بإشارة، الناظر فيها بالتناصف(۱) تكفيه . فنقول : ادّعاؤُهم الجسمانية والحلول - تعالى الله عن ذلك عُلُوّاً كبيراً ـ لا يخلو إما أن يدعوا ذلك من طريق المشاهدة، أو من طريق الإخبار أو من طريق القياس بالنظر العقلي، ولا رابع .

فإن ادعوا المشاهدة فذلك باطل بالإجماع ، ولا يخالف فيه بَرّ ولا فاجر .

وإن ادعوا الإخبار وتعلّقوا بقوله عز وجل، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) (۲) فباطل أيضاً، لأن هذا اللفظ محتمل لأربعة معان وتأويلهم الفاسد خامس لها فكيف تقوم لهم حجة بلفظ محتمل لخمسة معان والحجة لا تكون إلا بدليل قطعي، ومع تلك الأربعة معان لها دلائل تقويها وتوضحها من طريق النقل والعقل؟ وتأويلهم الفاسد عليه دلائل تُضعِفُه من طريق النقل والعقل . وكيف يكون المرجوح دليلاً يُعمل به ويُترك الراجح ؟ هذا من أكبر الغلط .

ثم نذكر الآن تلك الوجوه، وما يشهد لها من طريق العقل والنقل .

الوجه الأول: أنه قيل في معناه : عَمَدَ إلى خَلْقِ العرش، كما قال، عزّ وجلّ : ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانُ ) (۳) أي : عَمَد إلى خلقها. والحروف في لسان العرب سائغ إبدال بعضها من بعض. يدل على ذلك ،قوله عليه السلام في حديث الإسراء (فأتينا على السَّماء السادسة) (٤) ، يريد إلى السماء السادسة، وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى ونشير هناك إلى شيء من فساد مذاهب الشيع كلها، وإلى بيان طريقة الفرقة الناجية في سلامة اعتقاداتهم .

الوجه الثاني : أنه قيل في معناه : السُّموّ والرّفعة كما يقال علا القوم زيد، أي: ارتفع، ومعلوم أنه لم يستقر عليهم قاعداً. وكما يقال : عَلَتِ الشَّمسُ في كبد السماء، أي ارتفعت، وهي لم تستقر . يشهد لذلك قول جبريل عليه السلام ، للنبي ، الله ، حين سأله هل زالت الشمس)؟ فقال جبريل عليه السلام: (لا ) نعم فقال له النبي ، ل : سالم قلت : لا ، ثم قلت نعم؟ فقال :

التناصف : إنصاف بعضهم بعضاً من أنفسهم بملء حريتهم واختيارهم.

(۲) سورة طه ، الآية ٥ .

(۳) سورة فُصِّلَتْ ، من الآية ۱۱ .

(٤) في حديث الإسراء : ثم عرج بي إلى السماء السادسة .

الثلاثة بغير دليل هو المُشْكِل، فكان تأويلهم على الإمام فاسداً بغير ما ذهب إليه الإمام، كما تأولوا ذلك في الكتاب) تأويلاً فاسداً.

وأما ما احتجوا به لمذهبهم الفاسد بقول ابن أبي زيد (١) ، رحمه الله، في العقيدة التي ابتدأ «الرسالة» (۲) بها بقوله : (وأنَّهُ فوق عرشِهِ ، المَجِيدُ بِذَاتِهِ فلا حجة لهم فيه أيضاً، لأنهم خفضوا (المجيد) وجعلوه صفة (للعرش) وافتروا على الإمام بذلك. والوجه فيه رفع (المجيد) لأنه قد تم الكلام بقوله : فوق عرشه و المجيد بذاته كلام مستأنف، وهو من غاية التنزيه ؛ لأن مجد الله ، عزّ وجلّ، بذاته ليس مكتسباً، ومجد عباده مكتسب . فافتروا على الإمام هنا، كما افتروا على الآخر هناك . وكيف يجوز من طريق الدين أو العقل لمن له عقل أن يقول في لفظ محتَمِل لوجهين من طريق العربية أن يقول عن أحدهما، وهو الفاسد : هذا ما أراد القائل وهذا ممنوع شرعاً ؛ لأن المؤمن لا يُحمل عليه السُّوءُ بالاحتمال، وإنما يُحمل الأمرُ على أصلحه - وهو الأليق بالإيمان ـ أو يحمل على ظاهره وهو الاحتمال للوجهين معاً، وهو أقلّ المراتب .

وأما البحث معهم من طريق العقل والنظر ، فلا يخلو أن يدعوا أن لهم على ذلك دليلا من طريق العقل والنظر، أو لا . فإن ادَّعوا ذلك فهو منهم افتراء، لأن أهل العقل قد أجمعوا على أن موجد الوجود غيرُ محتاج لِمَا أَوْجَدَه . لأنه لو كان محتاجاً لما أوجده كاحتياج من أوجده إليه لاسْتَوَيا، ولم يكن للموجد تفرد بالكمال دون مَن أَوْجَدَه ، وذلك محال .

ثم لا يخلو على زعمهم من الانتقال والاستقرار أن يدعوا أنه عزّ وجلّ كان قبل خلق العرش على شيء آخر غيره خلافه، أو كان على غير شيء، فإن ادعوا أنه كان على شيءٍ لزمهم أن يكون قبل ذلك الشيء شيء، وقبل ذلك الشيء شيء، إلى ما لا نهاية له، وهذا باطل بالإجماع والعقل . ثم لا يخلو أن يدعوا أنه لم يَزَل على شيء، أو أنه كان على غير شيء، وبعد ذلك انتقل إلى تلك الأشياء من بعضها إلى بعض . فإن ادعوا أنه لم يزل على شيء، لزمهم من ذلك سَبْقُ المخلوق للخالق . وذلك مستحيل إجماعاً وعقلاً ونقلاً وشرعاً .

وإن ادعوا أنه كان أولاً على غير شيء، ثم انتقل إلى تلك الأشياء بعضها بعد بعض، فلا يخلو أن يَدَّعوا أن يكون انتقاله إليها احتياجاً أو لغير احتياج .

فإن ادعوا أن ذلك كان للاحتياج فقد سقط البحث معهم؛ لأنهم نفوا ما يليق بصفة الربوبية من

(۱) هو عبد الله بن أبي زيد عبد الرحمن المالكي القيرواني فقيه مالكي ومفسّر. له كتاب في إعجاز القرآن . توفي

سنة ٣٨٦ هـ/ ٩٥٥م . (۲) طبعت في فاس في المغرب دون تاريخ وفي بولاق مع شرح لعبد المجيد الشرنوبي سنة ١٣١٤هـ.

الجلال والكمال، ورجع محتاجاً كسائر المخلوقات، وذلك مُحال بإجماع كل الطوائف من

المتكلمين وأهل العقل والنظر في حق الباري جلّ جلاله .

وإن ادعوا أن ذلك كان لغير احتياج، لَزِمَهم من ذلك أنهم وصفوه عَزَّ وجلّ بصفة النقص

لأن ما يُفعَل لِغَيْرِ احتياج كان عَبَثاً، وهذه صفة النقص، وتعالى الله عن ذلك عُلُوّاً كبيراً .

فإن ادعوا أن ذلك كان لغير احتياج ولا عَبَث وإنما كان ذلك لوجه خاص من الحكمة كما خلق الخَلْق، وهو غير محتاج إليه، وليس خَلْقُهم عَبَناً ، قيل لهم : الحكمةُ في الخَلْق قد بانت وهي ما أراد الله، عزّ وجلّ من تبيين أهل الشقاء وضدهم، وإظهار أوصاف القدرة التي ليس للعبيد اتصال إليها، ولا معرفة بها إلا بالاستدلال بما ظَهَر من آثارها. وما يدَّعونه فليس للحكمة هناك دليل على ما ادعوه بل الحكمة تقتضي ضدَّ ذلك لأن من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ينبغي بدليل الحكمة أن من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ) لا يَحُلُّ في شيءٍ ، ولا يَحُلُّ فيه شيء، ولا يخالطه شيءٌ ، لعدم التناسب . فقد بان بطلان ما ذهبوا إليه في هذه الثلاثة وجوه، ولا رابع .

ومما يزيد ذلك بياناً قول سيدنا محمد : لَمّا قضَى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش : إن رحمتي غَلَبَتْ غَضَبي ) (۱) فيؤخذ من قوله أن الذي كُتِب فيه فوق العرش : أنّ حكمته، جلّ جلاله اقتضت أن يكون العرسُ حامِلا ومستودعاً لما شاء من أثر حكمته وقدرته وغامض غيبه، ليستأثر هو، جل جلاله بذلك الكتاب من طريق العلم والإحاطة عن جميع العالم كله فيكون ذلك من أكبر الأدلة على انفراده بعلم الغيوب التي لا يعلم مفاتيحها إلا هو . وقد يكون هذا الحديث (۲) تفسيراً لقوله تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى أي : أن ما شاء قدرته وحكمته وكتابه هو الذي استقرّ على العرش، لا ذاتُه الجليلة . ولو أراد ذلك لأحده بالمصدر، كما فعل في كلامه حيث قال : ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ) (۳) فأكده بالمصدر ، لأن العرب تقول : جاء زيد ويعنون : خبَرَه أو كتابه أو رسوله ، فإذا أرادوه بذاته قالوا : جاء زيد نفسه فأثبتوا بذلك الحقيقة حقاً . فذهب ما زعموه بنظرهم الفاسد والحمد لله .

من

وأما ما ادعوه من (التجسيم)، وتعلقوا فيه بظواهر اي وأحاديث، فليس لهم فيه حجة ، بدليل ما سنفصله، إن شاء الله . فمن جملة ما تعلقوا بظاهره بحسب نظرهم الفاسد، قوله عليه السلام

(1) أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه

يريد به الحديث المتقدم : لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش : إن

غضبي. (۳) سورة النساء، من الآية ١٦٤ .

حتى يضع الجبار فيها (قدمه) (۱) وفي رواية (ساقهُ) قال علماء أهل السنّة : في معنى هذا اللفظ عشرة أوجه، ونحن نذكر بعضها لكي يتبين فساد ما ذهبوا إليه بها ، وقد ذكرها أبو البقاء (۲) في كتابه

وغيره من الفقهاء .

فمن جملة ما قالوا فيه - وهو أظهرها وأرجحها - أنهم نقلوا عن أهل اللغة أن (الكافر) عندهم يسمى (قدماً) (٣) . فإذا كانت هذه اللغة فكيف يعوجون عنها إلى غيرها؟ كفى بهذا الوجه

ردا عليهم.

ومنهم من قال : إنه كما سُمّي الحجر الأسود ( يمين (الله) وهو حجر مَرئي مشاهَد لا خفاء فيه . لكن لما أن كان مَن لَمَسَ الحجرَ رُحِم، وشهد يوم القيامة للامسه ، على ما جاء الخبر به سُمّي يمين الله ، لكونه ،رحمةً، فكذلك لما أن كان ذلك موضع الغضب سمي : (قدَماً) ، فلو لم يكن نقل اللغة، وكان الموضع يحتمل عشرة أوجه مثل هذا الذي ذكرناه وما أشبهه، وتأويلهم الفاسد أحدها على زعمهم، كيف يسوغ أن يجزم بواحد دون التسعة مع أنه هو أضعفها، لأنه ينافي التنزيه ويخصص عموم قوله عزّ وجلّ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَنى ؟ وكيف يخصص نص بمحتمل ؟ كفى بهذا أدلّ دليل في الردّ عليهم . فكيف واللغة لا تُحوج إلى ذلك؟

وو

ثم مع ذلك يَرِدُ عليهم قوله عزّ وجلّ، عن المؤمنين ( أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ (٤) وقد وقع الإجماع من أهل العقل والنقل أن ذلك بالمعنى لا على ظاهره. فإن هم تأوّلوه كما تأول الكافة لزمهم أن يتأولوا الآخر، ويعتقدوه كما فعل الكافة وإن هم حملوه على ظاهره، وقالوا بأنّ الصدق) (٥) جسد مجسّد وقدمه عند الحق سبحانه وباقيه عند المؤمنين، فقائل هذا لا خفاء في حمقه. فالبحثُ معه قد سقط .

والكلام معهم على رواية (الساق) (٦) مثله أيضاً، لأن السّاق يُطلق في اللغة على أشياء غير واحدة لأنهم يقولون ساق من ،جراد و ساق من قوم ويقولون (السّاق) ویریدون به الجارحة والأظهر في هذا الموضع والأليق به أن يكون المراد بالساق عدداً من الكفار) ، فإذا كملوا

(۱) رواه البخاري في تفسير سورة (ق) ومسلم في الجنة .

(۲) لم نقف على ترجمته .

(۳) آورد ابن حجر في فتح الباري في تفسير سورتي يونس و ق عددا من المعاني لكلمة (قدم).

(٤) سورة يونس من الاية ۲ .

(٥) الصدق : هنا - جزء من قوله ( وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ )

(٦) يريد - هنا - ما ذكره قبل قليل أن حديث ) حتى يضَعَ الجبّار فيها (قدَمَه روي أيضاً (حتى يضع هذا الجبار فيها ساقه) . ولم نقف على مصدر هذه الرواية الثانية .

فيها تقول : قَط (١) . فبان فساد ما ذهبوا إليه بما ذكرناه وفيه كفاية هذا البحث معهم من طريق النقل .

وأما البحث معهم من طريق العقل : فلو كان ما زعموا حقًا لما صح تعذيب أهل النار ، ولا حجبوا عن الله ، وقد حصل لهم العذاب والحجاب، لأنه لو كان ذلك حقًّا على زعمهم لكان أهل النار في النعيم حين وضع القدم ولشاهدوا الذات الجليلة، كما شاهدها أهل الجنّة، لأن مشاهدة الحق لا يكون معها عذاب وقد أخبر عزّ وجلّ أنهم ،محجوبون لأنّ الرُّؤيةَ مع العذاب لا تمكن فبان بطلان ما زعموا بدليل النقل والعقل .

وأما ما زعموا من (اليد) وتعلقوا في ذلك بقوله عزّ وجلّ : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعكما ) (۲) إلى غير ذلك من الآي والأحاديث التي جاءت بالنص في هذا المعنى فليس لهم فيها حُجّة أيضاً، لأن (اليد) عند العرب تُطلق على أشياء غير واحدة فمنها الجارحة ومنها النّعمة، لأنهم يقولون : لفلان يدٌ على فلان يريدون بها النّعمة ومنها القوة لقولهم : لفلان في هذا الأمر يد، يريدون له معرفة به، وقوةٌ عليه. وكذلك ما أشبه هذه الأوجه وهي عديدة. يف يحققون أحد مُحتَمَلات في اللغة، ويجزمون به، مع أنه منافٍ لقوله عزّ وجلّ : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَى ؟ فبان بطلان ما ذهبوا إليه بدليل ما ذكرناه من النقل .

وأما البحث معهم من طريق العقل : فلأن الملوك في الدنيا لا يفعلون بأيديهم شيئاً، والذين يفعلون بأيديهم إنّما هم عامة الناس وهذا منافٍ للعظمة والجَلال. فبان بطلان ما ذهبوا إليه من طريق العقل أيضاً .

وأما ما زعموا من (الوجه) وتعلقوا في ذلك بغير ما آية وغير ما حديث، فليس لهم فيه حُجّةٌ أيضاً، لأنه يحتمل في اللغة معاني عديدة فمنها الجارحة ومنها الذات، كقولهم : وَجْهُ الطريق، يريدون ذاته. ومنها الحقيقة كقولهم وَجْهُ الأمر ، أي : حقيقته، وما أشبه هذا المعنى وهي عديدة، فكيف يأتون بشيء محتمل لأوجه عديدة في اللغة، فيأخذون بأحد المحتمَلات ويجزمون به؟ ذلك باطل لا خفاء فيه .

وبعد بطلان ما ذهبوا إليه بما ذكرناه يَرِدُ عليهم قوله عزّ وجلّ : فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ

(۱) هذا معنى لحديث رواه الإمام أحمد في المسند ١٦/۳ والبخاري في تفسير سورة (ق) ومسلم في باب النار

يدخلها الجبارون). (۲) سورة يس من الاية ۷۱.

الله) (۱) فإن حملوه على ظاهره، وهي الجارحة، فيكون الوجه قد أحاط بجميع الجهات، فلم يبق للذات محلّ، وهذا باطل بإجماع أهل النقل والعقل . وإن هم تأوَّلوه لزمهم التأويل في الآخر . وكذلك أيضاً يرد عليهم قوله عز وجل : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ (۲) فإن هم وقفوا أيضاً في ﴿ هذه الآية مع ظاهرِها فقط سقط بحثهم مرة واحدة لأن الذات الجليلة بالإجماع لا تفنى ولا تتجَدَّد . وإن هم خرجوا عن الظاهر وحادوا إلى التأويل لزمهم نقض ما ذهبوا إليه في الوجه الآخر، ولزمهم الرجوع فيه إلى التأويل الحقيقي الذي يليق به عزّ وجلّ، وهو أنه يعود على الذات الجليلة، لا على الجارحة، والاعتراضات واردة عليهم كثيرة. وفيما أبديناه كفاية مع أن قوله عزّ وجلّ : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ ينفي ذلك كله ، ويبقى مذهب أهل السنة لا غير .

وأما ما زعموا من (الجسمانية) وتعلقوا في ذلك بظاهر قوله عليه السلام ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا ) (۳) ، إلى غير ذلك من الآي والأحاديث التي جاءت في هذا المعنى، فليس لهم في ذلك حجّة أيضاً، لأن ذلك في اللغة مُحتَمِل لأوجه عديدة كقولهم جاء زيد يريدون ذاته، ويريدون ،غلامه ،ویریدون ،کتابه ويريدون خبره و (النزول) مثله كقولهم: (نزل المَلِكُ ) يريدون ذاته ويريدون أمره ،ويريدون ،كتابه ويريدون : نائبه . فإذا أرادوا أن يخصّصوا الذات قالوا نفسه، أو يؤكدونه بالمصدر ، وحينئذ ترتفع الاحتمالات. ولذلك قال عزّ وجلّ في كتابه : وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ) (٤) فائده بالمصدر دفعاً للمجاز ، فلو قال الشارع عليه السلام هنا ينزل ربنا نفسه أو ذاتُه ، أو أكَّده بالمصدر ، لكان الأمر ما ذهبوا إليه . ولكن لما أن ترك اللفظ على عمومه، ولم يؤكده بالمصدر دل على أنه لم يُرِدِ الذات وإنما أراد نزول رحمة ومَنْ وفضل وطَوْلٍ على عباده وشبه هذا معروف عند الناس لأنهم يقولون : تنازل المَلِكُ لفلان، وهم يريدون : كثرة إحسانه إليه وأفضاله عليه، لا أنه نزل إليه ،بذاته وتقرب إليه بجسده، فهذا مشاهَدٌ في البَشَر ، فكيف بمن لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَنى ؟ لقد أَعْظموا الفِرْية .

وأما ما زعموا من (الأصابع) وتعلقوا في ذلك بما رُوي في الحديث : أنّ السّماءَ تكون يومَ القيامة على إصبع واحد والأرض على إصبع واحد ) ( الحديث بكماله ، فليس لهم فيه حجّة أيضاً، (٥)

(۱) سورة البقرة من الآية ۱۱٥ . (۲) سورة القصص من الآية ۸۸ . (۳) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .

(٤) سورة النساء، من الآية ١٦٤ .

(٥) أخرجه البخاري في تفسير سورة الزُّمَر ومسلم في صفة القيامة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وأوله : جاء

رجل إلى النبي فقال : إن الله يضع السماء على إصبع ..

لأنه محتَمِل في اللغة لأوجه عديدة لأن العظمة، يستعار لها اليد، كما قال : بِيَد عَظَمَتِه ، وبِيَدِ قدرته ، فكنى هنا عن بعض أجزاء العظمة، وعن بعض أجزاء القدرةِ بالإصبع، لأن أضعف ما في اليد: الإصبع، فصرّح هنا بأن بعض أجزاء القدرة وبعض أجزاء العظمة هي الفاعلة لما ذكر، وإن كانت العظمة والقدرة لا تتجزأ،ان، لكن هذا تمثيل لمن له عقل، لأن المتحيّز لا يُعرَف إلا متحيّزاً ، فضُرِب له مَثَل بما يتوصل الفهم إليه حتى يحصل له معرفة بعِظَم القُدرة، ولا يلزم المثال أن يكون كالممثل من كل الجهات فبطل ما ذهبوا إليه بدليل ما ذكرناه

ثم بعد ذلك يرد عليهم ،قوله عليه السلام ما) من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن) (۱) ومعناه عند أهل السنة بين أمرين من أمر الرحمن فإن هم تأوّلوه كما تأوّله أهل السنّة لزمهم التأويل في الآخر. وإن هم حملوه على ظاهره لزمهم أن يقولوا : بأن أصابع الرحمن عدَدُ الخلق ،مرّتَيْن لأن ما من عبد إلا وهو بين إصبعين، وأن الذات الجليلة تخالط ذوات العبيد بأجمعهم . ومعتقد هذا لاخفاء في حمقه، ولا شك فيه . والبحث معه قد سقط .

فانظر إلى هذا العمى الكليّ الذي مَرَقوا به من الدين كيف منعوا به فائدة ما احتوى عليه قوله عزّ وجل : قُلْ : أَبِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ . وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءٌ لِلسَّابِلِينَ . ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانُ فَقَالَ لَهَا وَالْأَرْضِ انْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَنَيْنَا طَابِعِينَ . فَقَضَهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَبِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) (٢) . وقد أخبر الشارع، عليه السلام أن في هذه الأرض الواحدة ألفَ عالم (۳) فإذا كان هذا العالم كله في هذه الأرض الواحدة، فكم في الأرضِينَ الأَخَرِ، وفي السَّماواتِ السَّبْعِ وما بينهما ؟ وقال عزّ وجلّ في خلق هذا كلّه : ﴿ وَمَا مَسَّنَا مِن لَّغُوبٍ ) (٤) أي : من تعب ﴾ .

وفائدة مدلول هذا والإخبار به : إنما هو أن يُعلم أن هذا الخلق كلّه بِعِظَمِه وكثرة ما فيه من المخلوقات في هذا القدر من ،الزمان لا يمكن أن يكون بجارحة ولا آلة. هذا ما هو من

طريق النقل .

وأما من طريق العقل والنَّظَر، فهو أن العمل إذا كان بجارحة لا يكون إلا بعضُه يتلو

(1) أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه مرفوعاً في كتاب القدر .

(۲) سورة فصلت الايات ۹ - ۱۲ .

(۳) لم نعرف مصدره .

(٤) سورة ق من الاية .۳۸ ، .

بعضاً، ولو كان ذلك كذلك لاستحال أن يكون ذلك الخَلْق العظيم المذكور في هذا الزمان القليل، وهو ستة أيام .

ووجه آخر أيضاً مشاهد مرئيٌّ مُدْرَك ، وهو أن الجارحة التي تعمل الكثيف لا تستطيع أن تعمل الرفيع . ومثاله الذي يعمل في الحلفاء (۱) أو في الفاعل (۲) ، وما أشبههما ، إن مَدَّ يده إلى الخَزْ (۳) أو الحرير أو الرفيع من الكتان (٤) أتلفه مرة واحدة، فكيف يفعل فيه شيئاً يكون فيه فائدة؟ وكذلك الآلة التي يُعمل بها الأشياء، لأن الآلة التي يُعمل بها الرفيع لا يُعمل بها الكثيف، ومثاله منشار المشط لا يتأتى أن تُنشَر به الخشبة، وكذلك جميع الآلات لا يجزي بعضها عن بعض، فلا يجزي الرفيع عن الكثيف، ولا الكثيف عن الرفيع. وقد شاهدنا في المخلوقات مثل البعوضة والفيل إلى غير ذلك من اللطيف والكثيف مع كثرتها فكثرتها مع اختلاف أنواعها في قصر الزمان المذكور أدل دليل على ما ذكرناه، وهو أن خالقها اخترعها بقدرته دون جارحة ولا آلة

ولذلك جعلها عزّ وجلّ دليلا لإبراهيم عليه السلام في عظيم اليقين، فقال عزَّ مِن قائل : وَكَذَالِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾ (٥) فلما أن أراد الله عزّ وجلّ من خليله عليه ،السلام قوة اليقين ألهمه إلى النظر - بالتوفيق - في الملكوت، فبان له ما ذكرناه، فكان من الموقنين، يشهد لذلك قوله عزّ وجلّ : شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾ (٦) وشهادَتُه عزّ وجلّ، لنفسه هي ما تضمَّنَه مدلول مخلوقاته بوضعها على أنه جلّ جلاله : لَيْسَ

كَمِثْلِهِ شَيْ نحو ما تقدم . فالبحث مع هذه الثلاث فرق على ما تقدَّم، والتبيينُ لتخصيصهم ذلك العموم يُبيّن لك فساد ما ذهب إليه غيرهم من الاثنتين والسَّبعين فرقة (٧) ، وكيف تخصيصهم لِلفْظِ عام؟

ثم نرجع الآن إلى بيان اعتقاد أهل السنّة، وبه يتبيَّن فساد مذهب الغير، لأن الحق إذا بان فما خالفه فهو الباطل. لكن نحتاج إلى تقديم الكلام في بعض مسائل بقيت لبعض أهل السنة

(1) الحلفاء : نبات صحراوي يكثر في صحروات إفريقية، يُستغل في حشو الأرائك وصنع الورق . (۲) الفاعل : الرجل الذي يعمل في البناء والحفر والطين ، إذ تكون يداه خَشِنتينِ . (٣) الخَز: من الثياب : ما ينسج من صوف وإِبْرَيْسَم . والإِبْرَيْسَم : أحسن الحرير . (٤) الرفيع من الكتان : الرقيق الدقيق من نسيج الكتان . والكتان : نبات زراعي يتخذ من أليافه نسيج معروف .

(٥) سورة الأنعام من الآية ٧٥ (٦) سورة ال عمران من الآية ۱۸ .

يشير إلى الحديث : افترقت بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين فرقة إلخ ... وقد تقدم نصه قبل قليل في سياق شرح

هذا الحديث ذاته في البيعة

رحمه

يعتقدونها، وهي مما يشبه ما فصلنا عنه، وإن كانت ليست مثله لكن بينهما تناسب ما، وأنا أقول فيها، كما قال أبو الوليد الباجي (١) ، رحمه الله ، عن شيخه القاضي أبي جعفر السمناني (۳) ، رحـ الله ، أنه كان يقول : بأن النظر والاستدلال أولُ الواجبات) (۳) مسألةٌ من الاعتزال بقيت في المذهب لمن اعتقدها. وأنا أقول في المسائل التي بقيت لبعض أهل السنّة مثله، على نحو ما تقدّم من أنها تُشبهها ، وليست كمثلها لمن اعتقدها .

فمنها قول بعضهم: إن جميع مخلوقات الله عزّ وجلّ جواهر وأعراض ولا ثالث (٤) ، ومعتقد هذا يرد عليه أنّه معارض للكتاب والسنّة، وما تضمنته السنة بإرشادها، على نحو ما نذكر بعد بما أعتقد من ذلك .

فأما معارضة الكتاب والسنة فهي على نوعين : تخصيص لعمومها، ومعارضة لها بالكلية

أما التخصيص لعمومها فلأنهم قد خصصوا الكتاب والسنّة بما ظهر لهم من دليل عقلهم، وهذا ممنوع شرعاً وعقلاً. وقد قال العلماء بأن عموم القرآن يخصَّص بالقرآن وعموم الحديث يخصص بالحديث، واختلفوا هل عمومُ القرآن يخصَّص بالسنة المتواترة، أو لا؟ على قولين: فمن قائل يقول بالجواز ومن قائل يقول بالمنع . وكذلك اختلفوا في أخبار الآحاد هل تُخصِّص عموم القرآن، أو لا؟ على قولين أيضاً. وهؤلاء قد خصَّصوهما معاً بما ظهر لهم من دليل عقلهم وذلك باطل بالإجماع . وأما المعارَضَة بالكُلّية فهي مَن يعتقد منهم أنّ ما يقرؤونه من علم الكلام من واجبات الدين أو كماله، أو مندوباته، لأنهم عارضوا بذلك قوله عزّ وجلّ: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ (٥) لا يخلو أن يقولوا بكمال الدين في ذلك الوقت، أو لا .

وهم

هو سليمان بن خلف القرطبي فقيه مالكي كبير ، ومن رجال الحديث. رحل إلى مختلف بلاد المشرق وألف كتباً عدة في الفقه وعلوم الحديث. توفي سنة ٤٧٤هـ / ١٠٨١م.

(۲) هو محمد بن أحمد قاض حنفي. أصله من سمنان العراق كان مقدّم الأشعرية، وشنّع عليه ابن حزم له تصانيف في الفقه . توفي سنة ٤٤٤هـ / ١٠٥٢م. (۳) النظر والاستدلال أول الواجبات وهذا لمن يتعلم بدليل قوله تعالى : ( أَولَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِى اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرُ . قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ (العنكبوت: ۱۹) و (۲۰) . والأمر للوجوب لمن يبحث عن الدليل ليخلص من الشوائب الطارئة على فطرته، أو للاستزادة من الأدلة على الهداية علماً وتعليماً ، ودعوة، وإلا فالإيمان فطرة وهبة لا كَسْب . قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (يونس، من الآية ١٠٠). (٤) هذه غير مسلمة إذ الملائكة ليسوا جواهر ولا أعراض والأعراض لا تنفصل عن الجواهر . (٥) سورة المائدة، من الآية ٣ .

فإن قالوا بكمال الدين في ذلك الوقت فهذا العلم لم يكن في ذلك الوقت، ولا تكلموا فيه، فالكلام فيه بعد ذلك نقص في الدين إذ إنه لا يكون بعد الكمال إلا النقص، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (ما) كان قوم على هدى فضلوا ، إلا ابتلاهم الله بعِلم الجَدَل) (۱) ، ثم تلا ، عليه السلام، قولَه ، عزّ وجلّ : مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ ) (۲) ﴿

وإن هم لم يقولوا بكمال الدين إذ ذاك، فقد كَذَّبوا بالتنزيل، وهي الآية المذكورة وقد كذَّبوا السنَّة أيضاً وأبطلوها وهي قوله عليه السلام : تركتُ فيكم الثَّقَلَينِ ، لن تَضِلُّوا ما تمسكتُم بهما ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي) (۳) ، وقد جعل هؤلاء للثَّقَلَين ثالثاً . ،

وأما ما تضمنته السنة فقوله عليه السلام عليكم) بسنّتي وسنة الخلفاء بعدي)، وقوله، عليه السلام: (أصحابي مثلُ النجوم، بأيهِمُ اهْتَدَيْتُم اهْتَدَيْتُم) (٥) ، وقوله عليه السلام: (خير القرون قَرْني ، ثم الذين يَلُونَهم ) (٦) ، ومجموع هؤلاء لم يتكلموا في هذا العلم شيئاً، فكيف يرجع الفاضل مفضولاً، والمفضول فاضلا؟ كفى بذلك غلطاً .

وأما ما ذكرناه من تخصيص البعض أوّلاً ، فهو بما يرد عليهم من الآي والأحاديث، وهي جملة تتضمن الردّ عليهم. فمن جملة ما يرد عليهم ما رُوي أن اليهود لما أن أرادوا أن يختبروا النبي ، ، ، هل هو نبي أو لا؟ أتوه بمسائل جملة، يسألونه عنها . ومن جملتها (الروح) فقالوا : إن أخبركم بجملة المسائل وبالروح، فاعلموا أنه ليس بنبي ، وإن سكت عن الروح وأجاب عن الغير ، فهو نبي حقًّا . فأتوه ، فسألوه فأجابهم عليه السلام على الكل، عدا الروح ، فلم يدرِ ما يجاوب عنه ، فنزلت ﴿وَيَسْتَلُونَكَ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) (۱) فأخبر عزّ وجلّ، أن أحداً لا يعلم الروح غيره، فلما أن تلا

عليهم الآية قبلوا قَدَمَيْه ، وقالوا نشهد أنك نبي، لأن أحداً من الأنبياء، لا يعرف الروح (۸) .

(1) أخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه ولفظه : ما ضَلّ قوم بعدَ هُدَى كانوا

عليه إلا أُوتُوا الجَدَلَ .

(۲) سورة الزخرف من الاية ٥٨ .

(۳) انظر تخريجه في مقدمة المؤلف رحمه الله .

(٤) أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن العرباض بن سارِيَة رضي الله عنه .

(٥) انظر الكلام على هذا الحديث في حاشية مقدمة المؤلف - رحمه الله - .

الله حديث صحيح متواتر . أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم. ولفظه من حديث عمران بن حُصَيْن رضي عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : خيرُ النّاسِ قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. ولم يرد في الصحيحين (خير القرون) بهذا اللفظ ، وإنما ورد ( خَيْرُكُم (قزني) و (وخيرُ الناس قرني) و إن خيرَكُمْ (قرني .

(۷) سورة الإسراء، من الآية .۸۵ (۸) أخرجه الإمام أحمد من حديث ابن مسعود رضي الله عنه والبخاري ومسلم. أما تقبيل قدميه فقد ورد في حدیث اخر رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه وابن ماجه وفيه قال يهودي لصاحبه : اذهب بنا إلى هذا =

ثم بعد هذه الآية الواضحة وهذا الأثر البيّن أتى بعض أهل هذا العلم وادعوا أنهم يعرفون ما أخبر عزّ وجلّ أنه لا يعلمه غيره كفى بهذا ردّاً عليهم، ومنها قوله عزّ وجلّ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) وهم قد قالوا بأنهم يعلمون العالم كله في قولهم بأن جميع المخلوقات جواهر وأعراض والآي في ذلك كثيرة، وفيما أشرنا كفاية لمن عَقَل .

وأما ما يرد عليهم من السنّة فمنها قوله عليه السلام في حَجَّة الوداع لأصحابه : (اللَّهُمَّ هل بلغتُ؟ فقالوا : نعم. فرفع رأسه إلى السَّماء، وقال: اللَّهُمَّ اشْهَدْ اللَّهُمَّ اشْهَدْ) (۲) . فإن كان هذا العلم مما لا يكمل الدين إلا به ،وكان عليه السلام يَعلَمُه ولم يبلغه ، فكيف يَصِحٌ على ذلك قوله : (اللهم هل بلغتُ)؟ ومعتقد هذا كيف يصح دينه؟ وبماذا يلقى نبيَّه؟ وإن كان هو عليه السلام، لم يعلمه، ولا يكمُلُ الدّين إلا به، فيكون هو أعلم من نبيه ، فكيف يصح الإيمان مع هذا؟

ومنها قوله عليه السلام لِلَّهِ عزَّ وجلّ سبعَةَ َعشَرَ نوعاً من الخلق السَّماواتُ السّبْعُ ، والأرَضُونَ السَّبْعُ ، وما فيهما عالَم واحِدٌ) (۳) فإذا كانت السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهما وما بينهما عالماً واحداً فبقية العوالم ما هي؟ ومثل ذلك أيضاً قولهم في الإيمان والحكمة إنها أعراض. وسنبيّن فساد ما ذهبوا إليه من ذلك في موضعه، وهو حديث الإسراء، إن شاء الله تعالى .

هذا البحث معهم من طريق النقل .

وأما من طريق العقل، فلأنهم خصصوا أثَرَ قدرة القادر. وقدرة القادرِ عزّ وجلّ، صفةٌ قائمة بذاته. فمن خصص آثارها بغير دليل شرعي لزمه تخصيص الصفة وتخصيص الصفة يلزم منه تخصيص الموصوف. وهذا ممنوع عقلاً وشرعاً. فلحق معتقد هذا بالأصناف المذكورة أول التقسيم وهو لم يشعر - أعني المخالفين للسنة . فالبحث معه كالبحث معهم، وقد تقدم .

فإن قال قائل : قد تكلم في هذا العلم من تقدم عصرنا هذا من السادة الفضلاء قيل له : إنهم لم يكونوا يعتقدون هذا الاعتقاد الفاسد الذي يعتقده بعضُ أهل هذا العصر ، ولم يكن في هذا العلم هذا الحَصْرُ الكلّي الذي فيه الآن، ولم يتكلموا فيه إلا بعد تضلّعهم بالعلوم الشرعية وعلموا ما

النبي نسأله، فأتياه فسألاء عن قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ مَانَيْنَا مُوسَى يَسْعَ ءَايَتِم ) فذكر الحديث، وفيه : فقبلا يديه

ورجليه . وصححه الحاكم .

(۱) سورة النحل من الاية .۸ .

(٢) أخرجه البخاري ومسلم عن أبي بكرة رضي الله عنه في القسامة

(۳) أخرجه أبو الشيخ في العظمة وأبو نعيم في الحلية مقطوعاً من قول وهب بن مُنَبِّه كما في الدر المنثور ۱۳/۱ بلفظ (إن الله ثمانية عشر ألف عالم الدنيا فيها عالم واحد .

أوجب الله عليهم من الاعتقاد والأقوال والأفعال من الكتاب والسنّة، فلم يضرَّهم نظرُهم في هذا العلم إذا جعلوه عدة لمن مَرَق من الدين، فردوه به إلى دائرة التوحيد .

وقد اختلف العلماء : هل (۱) لا يُقطع الخصم إلا بالحق، أو بأي وجه قطع من الحجج كائناً ما كان، حتى يرجع إلى الحق؟ على قولين: فعلى القول بأن المقصود القطع بأي وجه كان، إذ المقصود الرجوع إلى الحق. فبهذا ساغ لهم الأخذ فيه مع سلامة الاعتقاد لمقصدهم الجميل ، وهو أن مقصودهم إظهار الحق لا غير. وعلى القول بأنه لا يقطع إلا بالحق ولا يسوغ القطع بغيره فلا يجوز الكلام فيه مرة واحدة .

ولأجل هذا القول تاب بعض من تقدم من الفضلاء عن الكلام فيه وأقلع عنه، فمنهم إمام المتكلمين ورئيسهم أبو المعالي (۳) ، ومنهم الإمام الوليد بن أبان الكرابيسي (۳) ، ومنهم الإمام أبو الوفاء ابن عقيل (4) ، ومنهم الإمام الشهرستاني (٥) صاحب نهاية الإقدام في علم الكلام يشهد لما نقلناه عنهم ما نقله الإمام الجليل أبو العباس القرطبي ) في كتابه الذي وضعه على مختصر مسلم . وقد كان الأكابر من فضلاء الأندلسيين من ابتدأ عندهم بهذا العلم قبل تضلعه بالعلوم الشرعية يقولون بزندقته، ولا يلتفتون إليه فإن قرأه بعد تضلعه من العلوم الشرعية وفهمت منه الاستقامة فحينئذ يُسلمون له فيه .

ومنهم من تكلم في كتاب الله عزّ وجلّ، فقال بعضهم بـ (الحُلول)، وقال بعضهم بأنه (دال)

(1) كذا بإدخال (هل) على (لا) ، وهو لحن .

هو عبد الملك

بن عبد الله الجُوَيْني: أعلم المتأخرين من أصحاب الشافعي. ولد في جُوَيْن من نواحي نَيْسابور، ورحل إلى بغداد فمكة فالمدينة فأفتى فيها ودرَّس ، ثم عاد إلى نيسابور وبها توفي سنة ٤٧٨ هـ / ١٠٨٥م . له عدد من المصنفات في العقيدة والأصول والفقه . (۳) الوليد بن ابان الكرابيسي: معتزليّ من علماء ،الكلام من أهل البصرة له مقالات في تقوية مذهب الاعتزال، ثم رجع عنها وَفاءَ إلى مذهب أهل السنة والجماعة. توفي سنة ٢١٤ هـ/ ٨٢٩م .

(٤) هو علي بن عقيل البغدادي، أبو الوفاء، ويعرف بابن عقيل . عالم العراق وشيخ الحنابلة ببغداد في وقته . اشتغل بمذهب المعتزلة في حداثته، ثم رجع عنه . له تصانيف في الفقه والأصول والعقيدة والفرق . توفي سنة

٥١٣هـ / ١١١٩م. (٥) هو محمد بن عبد الكريم أبو الفتح الشهرستاني، كان إماماً في علم الكلام وأديان الأمم ومذاهب الفلاسفة، ولد في شهرستان وانتقل إلى بغداد، ثم عاد إلى بلده وبها توفي سنة ٥٤٨هـ / ١١٥٣م . له مصنفات كثيرة منها : الملل والنحل، ونهاية الإقدام في علم الكلام وتفسير سورة يوسف ومفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار في

التفسير، وسواها.

(٦) هو أحمد بن عمر أبو العباس الأنصاري القرطبي، فقيه مالكي، من رجال الحديث. كان مدرساً بالإسكندرية وبها توفي سنة ٦٥٦هـ / ١٢٥٨م وأصله من قرطبة . وله مصنفات في الحديث منها : المُفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، وكتاب اختصار صحيح البخاري ومختصر الصحيحين

وليس بحال، وكلاهما غلط بين . والبحث معهم فيه أن نقول : لا يخلو أن يكون ذلك مما كلفنا به شرعاً، أو مما لم نكلف به.

فإن قلنا بأنه مما كُلفنا به شرعاً، والنبي ، و لم يُبَيِّنه ولا الخلفاء، فيلزم على هذا ما لزم صلى الله عليه وسلم في الكلام قبل، وهو قوله عزّ وجل : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ﴾ (١) . وقوله، عليه السلام: (اللَّهم هل بَلَّغتُ؟) والقول بأن التكليف واقع فيه يَردّ معنى هذين، وهو أن يكون الدين حين نزول الآية لم يكمل ، وأن يكون النبي ، ل ل ا ل له و مات ولم يبلغ ، والبحث في هذا كالبحث

فيما تقدم، سواء

وإن قلنا بأنه مما لم نكلف به شرعاً فلا يخلو أن يكون الكلام فيه جائزاً أو ممنوعاً، فإن قلنا بالمنع فلا كلام، ويَسَعُنا فيه ما وسع النبي ، ، ، ا و و و و و و الخلفاء والصحابة والسلف، لأنهم لم يأخذوا فيه

أصلا

ومثل هذا الكلام في البَسْمَلة : هل الاسم هو المسمَّى ، أو الاسم غير المسمى؟ قد تكلم فيه بعض المتأخرين، فقالت طائفة بأن (الاسم) هو المسمَّى ، وقالت طائفة بأن (الاسم) غير المسمَّى ، ثم أتى الفضلاء من أهل السنة المتّبعين، فقالوا : إنَّ من تقدم لم يتكلموا في ذلك، فَلْيَسَعْنا فيه ما وسعهم، ولم يجاوبوا في ذلك بأكثر .

وإن قلنا بجواز الأخذ فيه فلا يخلو أن نقول بجوازه مطلقاً، أو لا بد فيه من قيد فإن قلنا . بالجواز مطلقاً فممنوع، وإن قلنا بالتقييد فسائغ .

والتقييد هو أن يكون الكلام فيه لا يُخِلّ بقاعدة من قواعد اعتقاد أهل السنّة، ولا بالقاعدة الكلية التي اجتمع عليها أهل العقل .

فأما القاعدة الكلية التي اجتمع عليها أهل العقل فهي أن خالق المخلوقات لَيْسَ كَمِثْلِهِ وأن صفاته القائمة بذاته الجليلة ليس كمثلها شيء. فطالب الكيفية في هذه الصفة التي هي (الكلام) هل هو حال أو غير حال؟ يلزمه أن يطلب كيفية صفة القدرة القائمة بالذات الجليلة التي جميع المخلوقات صادرة عنها . أعني صفة القدرة كيف اتصالها؟ أعني : القدرة بالمقدور عليه الذي هو جميع المخلوقات عند بروزها من العَدَم إلى الوجود .

فإن ادعى معرفة الكيفية هنا فذلك محال بالإجماع من أهل العلم وغيرهم ؛ لأن الكل قد أقروا أن جميع المخلوقات صادرة عن القدرة وعجزوا عن معرفة كيفية اتصالها بالمقدور عليه . فلمّا كان

(۱) سورة المائدة، من الاية ٣ .

العجز هنا واجباً فكذلك في الأخرى واجباً أعني أن الكلام في هذه مثل هذه (۱) ، لأن هذه صفة قائمة بالذات الجليلة، وهذه صادرة عنها، فوجب الإيمان بهذه كما وجب الإيمان بهذه ووجب العجز عن معرفة الكيفية في هذه كما وجب العجز عن معرفة الكلية في هذه. وكذلك جميع الصفات الكيفية فيها ممنوعة كما هي في الذات؛ لأن الكيفية إنما تكون في البشر وصفاتهم وفي المحدثات وصفاتِها على ما أُجريت عليه.

وأما القواعد الشرعية فقوله عزّ وجلّ : ﴿ وَنَزَّلْتَهُ تَنزِيلًا ) (۲) وقوله ، عزّ وجلّ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا

عَلَيْكَ الْقُرْهَانَ تَنزِيلًا ) (۳) فأكدَهُ بالمصدر ، والعرب إذا أكدت بالمصدر نفت المجاز وأثبتت الحقيقة فإن هم قالوا بأنه (دال) لم يَصْدُق عليه اسم (التنزيل) ، فأخرجوا الحقيقة إلى المجاز بغير دليل عقليّ ولا شرعي. وإن هم قالوا : بـ (الحلول) فقد ردّوا أيضاً مقتضى قوله عزّ وجلّ ﴿فَإِنَّمَا يَسَرْنَهُ بلسانك ) (٤) . وهذه الحروف مُحْدَثَة ؛ لأن اللغة العربية محدَثَة، فكيف يجعلون المحدث قديماً؟ فنفوا الحقيقة، وأثبتوا المجاز بغير دليل عقلي ولا شرعي كما فعلت الطائفة الأولى. وقد قال عليه السلام: (سبعةٌ لعنتهم أنا وكلُّ نبيٌّ مُستجاب ) (٥) وعَدَّ فيهم المحرِّفَ لكتاب الله . فعلى هذا يجب الإيمان بالآيتين معاً. أعني قوله عزّ وجلّ وَنَزَّلْتَهُ تَنزِيلًا ) وقوله عزّ وجلّ ﴿ فَإِنَّمَا يَسَرْنَهُ بلسانك فيكون كتاب الله مقروءاً ومَتْلُوّاً بالعربية. هذا هو الذي يجب؛ لأنه متضمَّن الآيتين من غير إبطال إحداهما ، ولو كان غير ذلك لكان النبي ، و و و و و و و و و والخلفاء والصحابة يشيرون إليه .

العموم .

ثم بقي بحث مع بعض معاصرينا في مسائل يفعلونها تؤول بهم إلى ضرب من تخصيص ذلك

فمنهم من يرى الفتوى بمجرَّد العادة) مطلقاً في بعض المعاملات والبيوع، ولسان العلم يمنعها، ويقول : قد جرت العادة بذلك، فلا بأس به. وهذا ليس بشيء، لأنه يلزم على القول بذلك نسخ الشريعة بالعادة ولا قائل به فإن احتج بقول من قال من الفقهاء (العادة شَرْع) قيل له : إنما العادة شرع عند الفقهاء بقيد يقيدونها به لا على العموم، وهي أن تكون تلك العادة لا تُخِلّ بقاعدة من قواعد الشريعة ومثال ما جعلوه عادةً شرعاً - أعني الفقهاء - هو مثل شخص استأجر أجيراً ولم

م

(1) بمعنى أن الكلام عن الكيفية يشبه الكلام عن القدرة. والنتيجة هي العجز عن المعرفة في كلتيهما .

(۲) سورة الإسراء، من الآية ١٠٦ .

(۳) سورة الإنسان من الاية ۲۳ .

(٤) سورة مريم من الآية ٩٧ .

(0) أخرجه الترمذي عن عائشة رضي الله عنها بلفظ (ستة) .

يُعلمه بأجرته ، فإذا فرغ من العمل طلب الأجير كثيراً، وأعطى المستأجِرُ قليلاً . فهنا يسأل الحاكم أهل المعرفة بذلك العمل، ما ثمنه؟ فيحكم بالعادة فيه. فهذا وما أشبهه هو الذي أراد الفقهاء بقولهم

(العادة شرع) لا على الإطلاق؛ لأن الحق في هذا الموضع لا يُقدر على الوصول إليه إلا بهذا الأمر . وقد نص عليه السلام بالمنع على ما هو أقل من هذا وأخف في حديث بَرِيرَة قال : كلُّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو مائة شرط ( (۱) فإذا كان الشرط لا يُحكم به إذا لم يكن في

كتاب الله فكيف بالعادة إذا كانت مخالفة لكتاب الله وسنة رسول الله ؟ هذا من أكبر الغلط . ثم بعد هذا البيان الواضح يحتجون على الجواز بكون أن بعض تلك الأشياء الفاسدة كانت في زمن من تقدّمهم من الفضلاء ولم يتكلموا فيه ويرون أنهم لا يتكلمون وإن ظهر الفساد بالدليل الشرعي، لكون من تقدّمهم لم يتكلم فيه . وهذا غلط آخر أيضاً؛ لأن مَنْ كان قبلهم، وكان هذا الواقع في زمنهم ، يحتمل أن يكون الواقع على هذه الصيغة الفاسدة ويحتمل أن يكون وافق الاسم الاسم، ولم يكن على هذه الصيغة الفاسدة .

فإن كان في وقتهم ولم يكن على هذه الصيغة الفاسدة فلا حجة لهم فيه ؛ لأنه كان في زمانهم صالحاً، فلم يكن لهم فيما يتكلمون وهو الآن ،فاسد فوجب الكلام حين الفساد ولهذا المعنى قال رزین (۲) رحمه الله : ما أتي على بعض الفقهاء المتأخرين إلا من وضعهم الأسماء على غير مُسَمَّيات، لأنه كانت تلك الأسماء في الصدر الأول على صيغ جائزة بوجوه شرعية وهي اليوم على غير وجه جائز، فأجازوا غير الجائز لاشتراكه في الاسم مع الجائز.

وإن كانت في زمانهم على تلك الأحوال الفاسدة فهو محتمل أيضاً لأن يكونوا غفلوا عنها الشغلهم بما كان عندهم اكد وأهَمّ فلم يُلقوا إليها بالهم ، أو نظروا إليها وغلطوا فيها ؛ لأنه لا أحد معصوم من الغلط، فإذا غلط أحد فكيف يُتبَع في غلطه؟

والظاهر في هذا الموضع أحد الوجهين، والثالث ،مرجوح لأجل ألا يحمل على المؤمنين إلا الوجه الأصلح، ولا سيما من تقدّم . والوجهان هما ما تقدم من أنها كانت صالحةً، أو فاسدةً، ولم يلتفتوا إليها لشغلهم بغيرها ، لأنهم لو التفتوا إليها لتكلموا عليها، وعللوها، إما بالجواز أو بالمنع ولو فعلوا ذلك لنقل عنهم ، ولم يُنقل عنهم شيء في ذلك .

(1) أخرجه البخاري ومسلم والنسائي، ولفظه في رواية الشيخين من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له وإن

شرط مائة شرط

(۲) هو رزین بن معاوية بن عمار العَبْدري السَّرَقُسطي الأندلسي، أبو الحسن إمام الحرمين نسبته إلى سَرَقَسْطَة من بلاد الأندلس جاور بمكة زمناً طويلا وتوفي بها . له تصانيف منها التجريد للصحاح الستة. توفي سنة

٥٣٥هـ / ١١٤٠ م .

فإذا لم يتكلموا فيها فكيف يُعطى الحُكْمُ للساكت؟ ولا قائل بذلك، مع أن الأصل تطرق الفساد إلى الأحكام لقوله عليه السلام : (لَتُنقَضَنَّ عُرى الإسلام عُرْوَةً عُرْوَةً، وكلما انتقضت عروةٌ تشبث الناس بالتي تليها، وأوّلهن نقصُ الحُكم ، واخرُهُنَّ الصَّلاة) (۱) ، فيتطرق الفساد إلى الأحكام شيئاً فشيئاً ولا يُشعر به، كما أخبر الصادق عليه السلام فالعاقل يكون ممّن جَبَر ما نُقِض ، ويحذرُ لئلا يكون ممن أعان على النقض، وقد قال عليه السلام: (من أحيا سنة من سنتي قد أُميتت فكأنّما أحياني ، ومن أحياني كان معي في الجنّة) (۲) . فاحذر أن تكون مع الخلق، وكن مع الحق حيث كان ؛ لأنه عليه السلام ، قال : لا يَكُن أحدكم إمَّعَةً يقول : أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنتُ، وإنّ أساؤوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسنَ الناسُ أن تحسنوا، وإن أساؤوا ألا تظلموا) (۳).

ومنهم من يرى بمطالعة كتاب الزمخشري ويؤثره على غيره من السادة الفضلاء المشهود لهم بالسُّؤدد كابن عباس الذي شهد له عليه السلام بأنه ترجمان (٥) القرآن، ومثله ابن عطية (٦) من المتأخرين الذي قد اجتمع العلماء على فضله ودينه ، ثم إنهم يسمونه بـ (الكشاف) تعظيماً منهم وترفيعاً لقدره. وهذا لا يخلو الناظر فيه أن يكون من أحد قسمين : إما أن يكون عارفاً دعواه، فيعرف تلك الدسائس التي دس فيه من مذهب الاعتزال، ولا يضره ويأخذ منه فوائد أخَرَ مثل العربية والمنطق وما أشبه ذلك، أو لا يكون في هذه الرتبة .

فإن لم يكن في هذه الرتبة فلا يحل له النظر فيه لوجهين (أحدهما) وهو أشدّهما ـ أن تسبق تلك الدسائس إليه، وهو لم يشعر فيكون في جهل مركب لأنه معتزلي، وهو يظنّ أنه سُنِّي . (الوجه الآخر) أن يقدِّم مرجوحاً ويضعَ راجحاً ؛ لأنه يقدم شرحَ معتزليّ على شرح سُنّيّ .

(۱) أخرجه الإمام أحمد وصححه ابن حبان والحاكم عن أبي أمامة رضي الله عنه . (٢) أخرجه الترمذي وحسنه وابن ماجه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه . (۳) أخرجه الترمذي عن حذيفة رضي الله عنه وحسّنه . (٤) هو محمود بن عمر الزَّمَخْشَرِي، جارُ الله . ولد في زَمَخْشَر من قرى خوارِزْم ، وسافر إلى مكة المكرمة وجاوَرَ بها زمنا، وتنقل في البلدان ثم عاد إلى الجُرجانية وتوفي بها سنة ٥٣٥هـ / ١١٤٤م . له كثير من المؤلفات منها التفسير

المعروف بـ (الكشاف) وأساس البلاغة ، والمفصَّل والفائق - في غريب الحديث - وغيرها. وكان معتزلياً . (٥) حديث شهادة النبي الهلال الابن عباس بأنه ترجمان القرآن أخرجه الطبراني في الكبير والحاكم في المستدرك موقوفاً على ابن مسعود رضي الله عنه وصححه على شرط الشيخين وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد وأبو نعيم في الحلية . هو عبد الحق بن غالب بن عطية المحاربي من محارب قيس الغرناطي. أبو محمد مفسر ، فقيه أندلسي . عارف بالأحكام والحديث. ولي قضاء المَريَّة، وكان يكثر الغزوات في جيوش المُلَمَّمين . له كتاب (المحرَّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز) وسواه من التصانيف. توفي سنة ٥٤٢هـ / ١١٤٨م.

وإن كان في الرتبة المتقدم ذكرها فلا يحلّ له النظرُ فيه لوجوه : (الأول) أنه لا يأمن من

الغفلة، فيسبق إليه من تلك الدسائس شيء، وهو لم يشعر (الثاني): أنه يحمل الجهال بتعظيمه

له، والنظر فيه، وتطريز مجالسه به على تقديمه لأنهم إذا رأوا فاضلاً يطرّز مجالسه بكلامه ويقول : قال الكشاف كان ذلك ترغيباً للعوام في تقليده وتزهيداً في غيره . (الثالث) : أنه وضع راجحاً ورفع مرجوحاً، لأنه وضع كتاب أهل السنّة ورفع كتاب المعتزلي .

ولو كان صادقاً في دعواه وهو أن فيه أهلية للعلم وكان في الرتبة المتقدم ذكرها لما خفيت عليه تلك المكيدة التي كادها ولَما رضي من علمه أن يكون شَوّاشاً لمعتزلي، وهذا كان قصده، وهو أن يرفعه العالم، ويقلده الجاهل. والشَّوّاش هو الذي يُثني على الغير ليجتمع الناس عليه، فكانت قصارى هذا الفقيه المدَّعِي للرتبة المتقدم ذكرها أن يرجع شوّاشاً لمعتزليّ، فنعوذ بالله من التبديل بعد الهدى . وقد قال عليه الصلاة والسلام ( لا تقولوا لمنافق (سيّداً) فإنه إن يَكُ سيّداً فقد أسخَطْتُم الله) (۱) ، وكذلك كل من رفع صاحب هذا الكتاب فقد أسخط الله في ترفيعه إياه، لأجل ما

هو عليه من الاعتقاد .

ثم بقي بحث مع بعض المنتسبين للمتصوفة حيث يأتون بألفاظ يَدَّعونها :

فمنها قولهم : بـ (العلم اللدني) ويُؤثرونه على علم الشرع المنقول ويقولون بأنَّهم أخذوا بغير واسطة وغيرهم أخذ ،بالواسطة، وهذا منهم جهل وخطاً لا شك فيه ولا خفاء، لقوله عليه الصلاة والسلام: (إنَّما العلمُ بالتَّعلُّم) (۲) وقد أنكر عليهم بعض الفقهاء ما ادعوه من ذلك وقالوا : ليس هذا بحق. ومُنْكِرُ هذا غَلَط منه أيضاً؛ لأن الشريعة دلّت عليه في غير ما آيةٍ وغير ما حديث. فمنها ،قوله عليه السلام: (إن) من أمتي لَمُحَدَّثِينَ وإن عمر لمنهم) (۳) ، وقد ظهر ذلك من عمر ، رضي الله عنه ، عياناً حين نادى السارية، وهو على المنبر في المدينة : يا ساريةُ الجبلَ . وكان سارية بالعراق أميراً على جيش المسلمين، فسمعه ،سارية، فطلع بالمسلمين الجبل، فنجوا من العدو

لتحصنهم بالجبل منهم

(۱) نسبه في الفتح الكبير ۳۳۳/۳ للإمام أحمد وأبي داود والنسائي عن بريدة رضي الله عنه بلفظ آخر . (۲) أخرجه السيوطي في الجامع الصغير وعزاه للدارقطني عن أبي هريرة رضي الله عنه وللخطيب عن أبي الدرداء الله عنه ، ورواه ابن أبي عاصم والطبراني عن معاوية رضي الله عنه .

رضي

(۳) أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه .

(٤) رواه البيهقي في دلائل النبوة، وصححه الحافظ في الإصابة وابن تيمية في المقاصد الحسنة .

ومنها قوله عزّ وجلّ في كتابه : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ ) (۱) . وقد أخبر، عزّ

وجل، في كتابه حكاية موسى والخضر عليهما السلام ما هو نص فيما نحن بسبيله حيث قال الخَضِرُ لموسى إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَوْ تُحِطْ بِهِ خُبْرُ . قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ الله صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا . قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْتَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا . فَأَنطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْنَهَا لِتُفْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا . قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا . قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرهِقنِي مِنْ أَمْرِى عُسْرًا . فَأَنطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا تكرا . قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا . قَالَ إن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَحِبَنِي قَدْ بَلَغَتَ مِن لَّدُنِي عُدْرًا . فَأَنطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَنْيا أَهْلَ فَريَةٍ أَسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَنَخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَيْنِكَ سَأَنْبِتُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَلَيْهِ صَبْرًا أَمَا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَ هُم مَلِكُ يَأْخُذُ كُل سَفِينَةٍ غَصْبًا . وَأَمَّا الْغُلَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَينِ فَخَشِينا أن يُرهِفَهُمَا طُغْيَنَا وَكُفْرًا . فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَوَةً وَأَقْرَبَ رُحما. اَلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَينِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَلِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِهَا كَنَزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَلَيْهِ صَبْرًا ﴾ (۳ ) . قال المفسرون في معناه : إنه قال له : أنا على علمٍ من عِلمِ الله لا تعلَمُهُ أنتَ ، وأنتَ على عَلْمٍ من عِلْمِ الله لا أَعلَمُه أنا . فعِلمُ موسى عليه السلام هو التشريع وهو المنقول الذي هو بالواسطة ، وعِلمُ الخَضِر عليه السلام هو اللدني الذي هو الإلهام، بغير واسطة .

والحق في هذه المواضع أن يقال : العلم اللَّدُنّي حقٌّ لا شكّ فيه، بدليل ما تقدَّم، لكنّ الدليل على تصديق من ادعى وجوده أن يكون عَمَلَه على الكِتاب والسُّنَّةِ، خالصاً من الشوائب، صادقاً في توجهه، عارفاً بالخواطر ، صالحها و فاسدها معرفة كلية ، لأن علم الخواطر علم قائم بذاته.

ونحن نذكر الآن شيئاً منه نشير به لبعض ما يحتاج الموضع إليه، فنقول : قد اختلفت المتصوفة اختلافاً كثيراً في هذه الخواطر، وأحسن ما قيل فيها وأوجزه : أن الخواطر على أربعة أقسام : نفساني وشيطاني، وملكي، وربّاني.

فالرباني أولها : هو مثل لمحة البرق لا يثبت، ثم يليه النفساني، مثل المُصلّي مع السابق،

(1) سورة البقرة من الآية ۲۸۲

(۲) سورة الكهف من الآية ٦٧ إلى ۸۲

رأس المصلّي في عنق السابق (۱) ، على ما يُعرف في سَبْق الخيل ولا يفرّق بين النفساني والرباني

إلا من كانت فيه الصفات المتقدم ذكرها ورزق التوفيق، فإذا حصل له التفرقة بينهما لم يجد في الرباني ، ل قط شيئاً مخالفاً لكتاب الله ، ولسنة رسوله ، ل ، لأن كل ما هو من عند الله ، سواء كان بواسطة أو بغير واسطة، فلا خلاف فيهما لأنّ الكلّ حق، قال عزّ وجلّ في كتابه : ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ (۲) فنصَّ ، عزّ وجل على أنّ كلَّ ما يأتي من قبله فليس فيه مخالف

والكلُّ حقّ .

ولهذا المعنى كان بعض الفضلاء وأهل هذا الشأن إذا خطر له الخاطر يقول : لا أصدِّقُكَ حتى تأتيني بدليلين : دليل من الكتاب ودليل من السنّة لعلمه بأن الربّاني لا يخالف الكتاب ولا السنة، فيجتمع له العمل بالعِلْمَينِ معاً : اللدُنّي والشَّرعي . وقد كان بعضهم إذا احتاج إلى معرفة أجزاء أوقاتِ الليلِ يرفع بصرَه وهو في فراشه وبيته مغلق عليه فيرى الكواكب في مواضعها التي هي فيها في ذلك الوقت فيعرف في أي وقت هو من الليل، فلا يُقنعه ذلك، ولا يعمل عليه، ويقول ليس هذا العلم المنقول، فيقوم فيفتح البابَ، ويخرج، فينظر إلى النجوم بعين بصره، فيراها في موضعها الذي راها فيها وهو في فراشه . ويتكرر ذلك منه مراراً، ولم ينتقل عن عادته .

وهذا هو حالهم لا ينفردون أبداً بالعلم باللدني حتى يوافقه المنقول، فيعملون بهما معاً اللهم إلا عند ضرورة لا يمكنهم العمل بالواقع من جهة المنقول فيبين لهم العلم في ذلك أعني العلم اللدني، فيعملون به لانحتام الوقت عليهم، ثم ينظرون في العلم المنقول بعد ذلك فيجدونه موافقاً لما هدوا إليه . ومثل ذلك ما حكي عن الثوري ) ، رحمه الله تعالى حين جمع الخليفة ببغداد أهلَ هذا الشأن، لَمّا وُشِي إليه فيهم وقيل له : إنّهم على غير استقامة فأمَرَ الخليفة بقتلهم . فلما جاء السياف إليهم يطلبهم للقتل، بادر إليه الثّوري رحمه الله فتعجب السياف من ذلك، وقال له : ما حملك على هذا؟ فقال : أُوثِرُ أصحابي بحياة ساعة. فتركهم ورجع إلى الخليفة فأخبره الخبر .

(1) المصلي من الخيل الذي يجيء بعد السابق، لأن رأسه يلي صَلا المتقدم وهو تالي السابق. وقال اللحياني إنما سمّي مصلياً لأنه يجيء ورأسه على صَلا السابق، وهو مأخوذ من الصَّلوَين لا محالة، وهما مكتنفا ذنب الفرس، فكأنه يأتي ورأسه مع ذلك المكان (اللسان)

(۲) سورة النساء، من الاية ۸۲ .

هو سفيان بن سعيد الثوري من بني ثور بن عبد مناة، أبو عبد الله : أمير المؤمنين في الحديث كان سيد أهل زمانه في علوم الدين والتقوى ولد بالكوفة وراوده المنصور العباسي على أن يَلِي ،الحكم ،فأبى وخرج من الكوفة فسكن مكة والمدينة. ثم طلبه المهدي فتوارى، وانتقل إلى البصرة ومات فيها مستخفياً سنة ١٦١هـ / ۸۸۷م من كتبه : الجامع الكبير، والجامع الصغير في الحديث واخر في الفرائض .

فتعجب الخليفة ومَن حَضَره . فسأل القاضي الخليفة أن يتركهم حتى يذهب إليهم ، فيبحث معهم في أمرهم، حتى يتبين له طريقهم، فأذن له الخليفة في ذلك.

فأتى القاضي إليهم، فطلب منهم شخصاً ليبحث معه، شخصاً ليبحث معه، فقام الثَّوري، فقام الثوري، رحمه الله، فسأله القاضي عن مسائل فقهيّة، فنظر عن يمينه وقال : نعم ثم نظر عن يساره وقال: نعم، ثم أطرق

ساعة ثم رفع رأسه وأجاب القاضي بجواب مقنع في تلك المسائل. فتعجب القاضي من أمره فسأله عن ذلك. فقال له : لمّا أن سألتني عن تلك المسائل لم يكن لي بها علم، فسألتُ ملك اليمين عنها، فقال: لا علم لي فسألت مَلَكَ الشمال ،فقال لا علم لي فسألتُ ربَّ العِزَّة، فأخبرني في قلبي بما قلتُ لك . فرجع القاضي إلى الخليفة وقال له : إن كان هؤلاء زنادقة فليس على وجه الأرضِ مُسلِم .

فما كان مثل هذا وما أشبهه هو الذي ينفردون فيه بالعلم اللدنّي للضرورة ولانْحِتام الوقت ثم يجدونه بعد ذلك على وفق المنقول لا زيادة ولا نقصان. فمن لا يعرف هذا الشأن تسبق إليه الخواطر النفسانية والشيطانية والمَلكية فيعمل على كل خاطر يخطر له منها ولا يفرّق فيها بين الصالح والفاسد فيكون في عمى وضلال وكلّ من اتبعه كذلك فيصدق عليهم قوله عزّ وجلّ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنعًا

ولأجل هذه الخواطر وما فيها من الاختلاف أخذ الفضلاء العارفون بها العهد على المبتدئين للسلوك ألا يُخفوا عنهم كلَّ خاطر يَرِدُ عليهم كائناً ما كان ليبينوا لهم تلك الخواطر الفاسدة والصالحة وما فيها بعد المشاهدة والعِيان. فنقل الجهال من المدعين للطريق هذه الصيغة إلى صيغة البيعة، وجعلوها من ضرورات الطريق لجهلهم باللفظ والمعنى .

: أنّه يشهد لِمَا أشَرْنا إليه عنهم ما حُكي عن بعض الفضلاء منهم ، أعني الفضلاء المتحققين أتاه شخص يريد السلوك ، فأدخَلَه الخلوة، وتركه أياماً، ثم دخل عليه وقال له : كيف ترى صورتي عندك ؟ فقال : صورة خنزير. فقال الشيخ : صدقت. ثم تركه في خلوته أياماً، ثم دخل عليه، وسأله مثل الأولى، فقال له صورة كلب، ثم كذلك إلى أن قال له صورة القمر ليلة كماله. فقال له : صدقت، الآن كَمُلَ حالك . وحينئذٍ أخرجه من الخلوة . وما ذاك إلا أن النفس إذا كانت في رعونتها وشهوتها مثلُ المِرآة الصَّدِئَةِ. فإذا أخذ صاحبها في المجاهدة فهي صقَالةٌ لها كصقالة الصَّفَّالِ للمرآة ؛ فقبل أن تَتمَّ صِقالتها إذا قابلتها الأشياء وقع

(۱) سورة الكهف، من الآية ١٠٤ .

المثالُ فيها فاسداً لبقاء بعض الصَّدَاً فيها، فإذا تَمَّت صقالَتُها وارتفع عنها ذلك الصَّدأ كله ظهر فيها

مثال الأشياء من غير زيادة ولا نقصان ورجعت تميز كلَّ خاطر بِحِدَتِه لِصَفائها .

ومنهم قوم يأتون بلفظ شنيع فيقولون: أنا هو وهو (أنا ويدَّعون ذلك حالاً، ويجعلونه من

الأحوال الرفيعة العظيمة وقائل هذا منهم يدور بين ثلاثة أقسام : إما أن يكون قد غُطي على عقله، فقال هذا، وهو لا يعقل ما قال. فقد ارتفع الخطاب عن هذا، فلا يلتفت لكلامه، ولا يُؤبَهُ له ، ولا يُحسب مقاماً . وهو ضرب من الجنون . وإما أن يكون جاهلاً يحكي عن غيره وليس له بذلك حال فهذا ينبغي تأديبه، لأن ذلك تحيل عقلا وشرعاً، وهو أن يرجع الخالق مخلوقاً، والمخلوق خالقاً.

وإما أن يكون له مذهب فاسد، فلما أن تعلق بطريق القوم صرّح به وجعله حالاً وهذا الأخير لا يخلو من أن يدعي ذلك بـ (المعنى) أو يدعيه بـ (الحلول) (۱) . والمعنى هو : أن يدعي أنه ليس له تصرف والتصرف لغيره فإن ادعى هذا فهو جبري. وقد تقدم الكلام معه وإن كان ادّعاؤه بالحلول فهو مجسّم ؛ وقد تقدم الكلام معه في ذلك أيضاً .

وإنما حكي عن السادة الفضلاء من أهل هذا الشأن التأدب والاحترام والوقار، في مقاماتهم، ولم يُخلوا قط بأدب من آداب الشريعة، لا في حال حضورهم، ولا في حال غيبتهم .

مثل ما حكي عن الثوري رحمه الله حين أخذه الحال وبقي في بيته سبعة أيام يدور لا ينام ولا يقعد ولا يأكل ولا يشرب ويقول : أحد أحد لا يزال كذلك . فبلغ ذلك شيخه فقال : أمحفوظ عليه أوقاتُ صلواته؟ فقالوا : نعم . فقال : الحمد لله الذي لم يجعل الشيطان عليه سبيلاً

ثم بقي بحث مع بعض العوام في عوائد اتخذوها ، ولم يُنكَر عليهم فيها . فالذِّكْر للعوام ، والكلام مع من سامحهم من العلماء فيما فعلوه لأن من رأى منكراً ولم ينكره كمَن فَعَله ، وهو ما اتخذوه من الرّشا عند النوازل) (۲) ، وما اتخذوا من أصحاب الجاه لأن يحموهم ويعطوهم على ذلك

(۱) :الحلول : هو التجسيد ، أو بمعنى أن الله جلّ جلاله قد حلّ متجسّداً في الذات البشرية، أو هو الصلة بين الرب الذي هو (اللاهوت) والعبد الذي هو (الناسوت)، ويقابله في اللغات الأوروبية كلمة (Incarnation) وعكسه الاتحاد) ويعني : امتزاج الذات الإلهية بالذات الإنسانية حتى يصيرا شيئاً واحداً أو هو الاستهلاك بالكامل في

الله ، والغناء عما سواه، وهو يعرف باسم (Unification) وكلاهما : الحلول والاتحاد مرفوض شرعاً. (٢) الرّشا : بضم الراء وكسرها . ج: رشوة. وهي ما يعطى لقضاء مصلحة، أو ما يُعطى لإحقاق باطل، أو إبطال

حق .

شيئاً معلوماً، وهذا كله لا يحلّ ولا يجوز لأن الله عزّ وجلّ، يقول في كتابه ( وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَلَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ ) (۱) وقال : عزّ وجلّ وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ) (۲) وقال صلى الله عليه وسلم (مَنْ ، لأخيه شفاعةً فأَهدَى له من أجلِها هَدِيَّةٌ، فَقَبِلَها ، فقد فَتَحَ على نفسه باباً عظيماً من أبواب

الربا ) ) . هذا مما هو بعد قضاء الحاجة دون شرط ، فكيف بها قبل قضاء الحاجة بالشرط ؟

وكيف يأخذون على الحماية ثمناً ، والحماية لا تخلو أن تكون في حق من حقوق الله تعالى، أو في مَظْلِمَة؟ (٤) فإن كانت في حقٌّ من حقوق الله تعالى، فلا يَحِلّ لأحد أن يُعِين أحداً على ألاّ يوفّي حقا من حقوق الله تعالى، فإذا كان هذا لا يَحِلّ فكيف يأخذون عليه شيئاً؟ وإن كانت في مظلمة تعيَّن عليه نصرُ ،المظلوم، لقوله عليه السلام انصُرْ أخاكَ ظالِماً أو مظلوماً) (٥) . فكيف يأخذون أجرة على ما تعيَّن عليهم فعله شرعاً؟

فتشبهوا بفعلهم هذا بالجاهلية حيث كانوا إذا نزلوا بِوَادٍ أو بموضع يقولون : أعوذ بسيّد هذا الوادي من شرّ أهله وقد أخبر عزّ وجلّ عنهم في كتابه حيث قال : ﴿ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يعوذُونَ بِيحَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقا ) (٦) أي غيظاً عليهم. وكذلك هؤلاء المساكين طالما يُعطون الرّشا، ويتخذون الجاه، يزداد عليهم مَن يعطونه ذلك غيظاً، وهو أشدّ عليهم من الظالمين لهم بالظلم صراحاً، لأنهم الذين يأكلون أكثر أموالهم . فنعوذ بالله من العمى والضلال.

وإنما يحتاج المؤمن أن يكون على أحد قسمين :

إن كان قويا أَخَذَ بالقوة، وإن كان ضعيفاً أخذ باللطف والرأفة. فالمؤمن القوي، في تصديقه، صفته أن يسلّم لِلَّه في أمره، ويعمل بمقتضى ما تضمنه قوله عزّ وجلّ : ( قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا (٧) وقوله عزّ وجلّ : ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٨)

وإن كان من القسم الآخر - وهو الضعيف - فقد أثبتتِ السنة له الدواءَ فشأنه أن يتداوى

(۱) سورة البقرة من الآية ۱۸۸ . ، (۲) سورة آل عمران من الآية ٦٤ .

(۳) أخرجه الإمام أحمد وأبو داود عن أبي أمامة رضي الله عنه كما في الفتح الكبير ۲۰۲/۳

(٤) المَظْلِمة : هي الظلامة، وهي ما يطلبه المظلوم

(٥) أخرجه الإمام أحمد والبخاري والترمذي من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه كما في الفتح الكبير ۲۸۱/۱ .

(٦) سورة الجن من الآية ٦ . (۷) سورة التوبة ، من الآية ٥١ . (۸) سورة المائدة، من الآية ۲۳ .

والدواء هو ما روي عنه عليه السلام أنه قال : ادفعوا البَلاءَ بالصَّدَقة) (۱) وقال عليه السلام (اسْتَعِينُوا على حوائِحِكُم بالصَّدَقة (٢) .

وقد حكي أنه كان في بني إسرائيل رجل يؤذي الناس، فاشتكوا به لنبي ذلك الزمان، فدعا عليه، ثم أخبرهم أنه يصيبه بلاءً في يوم كذا وكذا وكان الرجل قصاراً. فلما كان في ذلك اليوم المعيَّنِ فإذا بالرجل راجع إلى البلد وعلى رأسه رزمةُ ثياب فأَتَوْا لنبيهم فقالوا له : ها هو اليوم قد رجع ولم يصبه شيء. فدعا النبي به فأحضر ، فسأله : ما فعلت اليوم؟ فأخبره أنه كان معه رغيفان أخرجهما لغَدائه، ثم عَرَض له مسكين يسأله، فأعطاه الرغيفين فأمره النبي عليه السلام أن يُنزِل تلك الرزمة التي على رأسه، وأخَذَ ما فيها من الثياب، ففتحها فإذا حيّة عظيمة ملجَمَةٌ بلجام من نار . فقال النبي عليه السّلام هذا البلاء، كان أرسل عليه، وهذا اللجامُ المطوّق به هو الصدقة التي

تصدق بها .

وقد أبقى الله عزّ وجلّ هذا الخير لهذه الأمة بإخبار الشارع عليه السلام وهو ما تقدم. وقد ،وصف عليه السلام الفتن ووصف الدواء لها وكيفية النجاة منها، فقال: (الجأوا إلى الإيمان والأعمال الصالحات) (۳). وأشدّ من هذا كله أن قوماً منهم جهلوا هذا الأمر، وجعلوا الرُّشا المذكورة من باب المداراة. وهذا منهم جهل بالمداراة ما هي وإنما المداراة الممدوحة في الشرع بذل الدنيا، في صلاح الدين مثل ما كان النبي ، ل ، يفعل حين كان يعطي للمؤلفة قلوبهم الأموال الطائلة، حتى لقد كان عليه السلام يُعطي لبعضهم وادياً من غنم، ووادياً من بقر ، حتى حَبَّب إليهم الإيمان بالضرورة لكثرة عطائه ،لهم، فكانوا يرجعون إلى قبائلهم وأهليهم فيقولون لهم أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاءَ مَن لا يخاف الفقر (٤) .

وقد حكي عن بعض المتَّبِعين الذين فهموا هذا المعنى أنه رأى بياعاً ، وهو متغيّر ـيّر، فسأله عن حاله، فقال البياع : أنا مستأجر على بيع هذا الطعام بدرهمين في اليوم، واخذه مَوْزوناً ، والسّعرُ معلوم، ولا أعطي للناس في الرّطل إلا رطلاً غيرَ ،تُمُنِ وبعد ذلك ينقص في كل يوم رأس مالي سوى أجرتي در همان وأحتاج في داري إلى نفقة، فطلع عليَّ الدَّين، فأنا مهتم لذلك . فقال له ذلك

(۱) مروي بالمعنى. وقد أخرج الطبراني وأبو نعيم والخطيب عن ابن مسعود رضي الله عنه : حَصَّنوا أموالكم بالزكاة، ودَاوُوا مَرْضاكُم بالصَّدَقة، وأعِدُّوا للبلاء الدُّعاءَ .

(۲) مروي بالمعنى. وقد أخرج الديلمي في الفردوس ۱۲۵/۱ والمناوي في الفيض ٤٩٥/١ استعينوا على الرّزق

بالصدقة .

(۳) لم نعرف مصدره

(٤) أخرجه مسلم من حديث أنس رضي الله عنه في الفضائل .

فأعطاه ذلك

السيد : كم يكفيك في دارك من النفقة ؟ فقال : در همان فقال له : أنا أعطيك در همين . السيد ثمانية دراهم نفقة أربعة أيام . ثم أتاه بعد الأربعة أيام فأعطاه ثمانية دراهم عن أربعة أيام أُخَر . فلما أن جاءه في الثالثة، يعطيه قال له : والله لا آخذُ منك شيئاً . قال : وَلِمَ؟ قال: لأنه منذ تركتُ الأخذ من الناس رجعتُ أجِدُ كلَّ يوم در همين فاضلة عن أجرتي وعلى رأس مالي ودون نفقتي. فهذا وما أشبهه هي المداراة الممدوحة في الشرع . فمن كانت فيه إحدى هذه الأوصاف المتقدّم ذكرُها (۱) ، وهي ما ذكرناه في بعض العلماء النساك وبعض العوام المتقدم ذكرُهم وما أشبه ذلك، كيف يسوغ له أن يَدَّعي أنه من القسم الناجي؟ والنبي ، الله يقول في صفة الناجين (ما أنا عليه وأصحابي ) (٢)؟ وكيف يدخل بما يفعل من ذلك تحت توفية عموم ،الحديث وهو قوله عليه السلام في حديث البيعة (لا) تُشرِكوا بالله شيئاً؟) . و (الشيء) ينطبق على القليل والكثير ، كما تقدم، فهلا ينتبه المسكين من غفلته فيقيم ميزان الشَّرع على نفسه حتى يصح له حقيقة ما ادعى من ،الاتباعية وقد قال عليه السلام: (حاسِبُوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا) (۳).

وبعض

ثم نرجع الآن إلى بيان ما اشترطنا أن نبينه من اعتقاد أهل السنّة وأحوالهم.

، ووافق فأما اعتقادهم فهو على ما يقتضيه عموم قوله عزّ وجلّ : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَى

ذلك العقل والنقل . أما النقل فالآية الموردة هنا .

وأما العقل فلأن خالق الوجود لا يُشْبِه مَن خَلَق ، إذ إنَّ الصانع لا يشبه الصَّنعة ، ونَفَى التّكييف والتحديد، لأن التكييف والتحديد لا يكونان إلا في المخلوق لأنهما صفتان للمُحْدَث، وتعالى الخالق جلّ جلاله عن التكييف والتحديد والحلول .

وأن صفاته، عزّ وجلّ صفاتُ الجلال والكمال على ما يقتضي ذلك من الحياة والقدرة

(1) يعني ما ذكره قبل من الأوصاف الأميمة (۲) حديث صحيح . أخرجه الترمذي من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما والحاكم في المستدرك والبزار في مسنده والبيهقي في المدخل وأوله : افترقت بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين فرقة. الله (۳) أخرج الترمذي وابن ماجه في صفة القيامة عن شداد بن أوس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الكَيْسُ مَن دانَ نفسَه وعَمِل لما بعد الموتِ والعاجِزُ مَن أتبَعَ نفسه هواها ثم أردف الترمذي قائلا : ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وتزيَّنوا للعَرْض الأكبر، وإنما يخفّ الحساب يوم القيامة على من

حاسب نفسَه . ورواه ابن الجوزي في مناقبه ۱۷۸ .

والعلم والحكمة والإرادة وإدراك جميع المدرَكات على ما هي عليه مع نفي الكيفية في الذات والصفات، وأنه محيط بالجزئيات والكليات ) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (۱) ؟

وأنه هو المخترع لجميع المخلوقات العرش وما حوى والسَّماوات والأرض وما بينهما ، وما تحت الثرى، كما أخبر عزّ وجل في مقتضى التنزيل و أن خَلْقَه لذلك من غير احتياج إليه ، ولم يدركه نَصَب في اختراعها وإبدائها ولا شريك له ولا

مماثل .

وأنه ليس في خلقه علة لمعلول ولا في تقديم بعضها على بعض لحقِّ موجب ولا تأخير متأخر منها لاضطرار لازم ولا نفي جمعِ الضدينِ لعجز واقع ولا تناهي مخلوقاته وانحصارها لضعف لاحق، بل كان ذلك لاختيار .وحكمة . وكل نعمة وهداية منه مِنة وفضل ، وكل ضلالة ومحنة عدل مِنه وحكمة ) . لا يُدرَك بالعقل ولا يُتصوّر بالوهم، بل السبيل إلى معرفته العجز عن معرفته كما قال أبو بكر رضي الله عنه : سبحان من لا يُوصَل إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته، ويشهد لذلك قوله عليه السلام: (يا دليل الحائرين، زدني فيك تحيراً)(۳). فهو الواحد، الأحد، الموجود، الذي لم يتقدم وجوده ،عدم كان ولا شيء معه، وهو الآن على ما كان عليه، ولا يزال على ما هو عليه تنزه عن الحوادث والتغيرات والأعراض والممكنات، وأنه المتصرف في خلقه بمقتضى حكمته وقدرته ،وإرادته وأن جميع ما يصدر في العالم من حركات وسكنات وخواطر وهمات (٤) ولمات وأرق من ذلك وأجلَّ خلق من خلقه، وتصرفات العباد فيها كسب لهم . فالخلق له عزّ وجلّ من جهة الاختراع والكسب للعبيد من جهة الفعل والاختيار.

يشهد لذلك النقل والعقل .

أما النقل فقوله تعالى: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى (٥) فأثبت عزّ وجلّ، الرّميَ للعبد، وحقيقته للربّ، والآي في ذلك كثيرة .

وأما العقل فلأنه لو انفرد أحد من الخَلْقِ بذَرَّة من الخَلْق دونه لكان له شريكاً، ولا شريك له .

(۱) سورة الملك من الآية ١٤ .

(۲) نهاية العبارة تفسر بدايتها .

(۳) لم نعرف مصدره.

(٤) الهمة واللمة: الخطرة التي تقع في القلب .

(٥) سورة الأنفال من الآية .۱۷ .

قال عزّ وجلّ، في كتابه: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَاً) (۱) ، فكيف لو كان شركاءُ عِدة؟ فكان ذلك مستحيلاً عقلاً ونقلاً ، وكذلك أيضاً ، لو لم يكن للعبد كسب ما وقع التكليف عليه، ولا صح الخطاب بما في الكتاب من قوله تعالى ( وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ) (۲) ، ( بِمَا عَمِلْتُمْ ) (٣) ، ( بِمَا كُنتُم ﴿ تَعْمَلُونَ ) (٤) ، ولا صح أن يقول النبي ، ل ، لأبي بكر في الدعاء الذي علمه أن يدعو به : (اللَّهم إني ظلمتُ نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت) (٥) .

فصَحَ مذهب أهل السنة بلا شكّ فيه ولا ريب. وهو أن أفعال العباد خَلقٌ للرَّبِّ وكسبٌ للعبد، ولا التفات للكيفية، وأن تعليق الثواب على الطاعات والعقاب على المخالفات علة شرعية لا عقلية ولا علية (٦) ، يجب الإيمان بها والاستسلام إليها بمقتضاها، وأن ربط العوائد بعضها ببعض لحكمة اقتضتها الإرادة ،الأزلية وقد يُزيلها عزّ وجلّ لحكمة أخرى، أو يزيد عليها كلّ ذلك ممكن بحسب القدرة والحكمة لا مانع لما أراد، ولا راد لما قضى. وأن الخواص وجواهرها خلقٌ خَلْقه، وخاصيَّها خلقٌ من خَلْقِه . فقد يزيل الخاصيّة أحياناً ويبقي الجواهر، وقد يزيد فيها تارةً من ويزيلها أخرى. كل ذلك سائغ بحسب القدرة والإرادة وأن القرآن كلامه عزّ وجلّ منزلاً حقاً مُيسراً صِدقاً، من غير التفات للكيفية، كما قال جلّ جلاله : ﴿ وَنَزَّلْنَهُ نَنزِيلاً هُ تَنزِيلًا) (٧) وقال ﴿ فَإِنَّمَا يَسَرْنَهُ بِلِسَانِكَ ) (۸)

والإيمان بالكتاب والسنّة ،بخاصه وعامه، ومُجملهِ ، على مقتضى اللسان العربي ما عرفت العقول معناه وما لم تعرف سلّم فيه، وأذعن إليه من غير اعتراض ولا تأويل، لقوله عزّ وجلّ : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ) (۹) ولذلك قال عليه السلام لما أن سأله الصحابة رضي الله عنهم، فقال : فقالوا : (إنّا نَجِدُ في أنفُسِنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلّم به ، فقال : أَوَجَدْتموه؟ فقالوا: نعم. ذلك صريحُ الإيمان) (۱۰) يعني : في دفعه عنهم، لا في نفس وجوده. وإنما هو الإيمان في نفس

(۱) سورة الأنبياء من الآية ۲۲ . (۲) سورة البقرة من الآية ١٣٤ .

(۳) سورة التغابن من الآية ٧ . (٤) سورة المائدة، من الآية ۱۰۵ . (٥) أخرجه البخاري في صفة الصلاة ومسلم في الذكر والدعاء.

(٦) علية نسبة إلى العِلة، كما مَرَّ سابقاً .

(۷) سورة الإسراء، من الآية ۱۰٦ . (۸) سورة مريم، من الآية ٩٧ .

(۹) سورة ال عمران من الآية ٧

(10) أخرجه البخاري في العتق ومسلم في الإيمان .

تعاظم الأمر ودفعه وقد قال عمر رضي الله عنه : ديننا هذا دينُ العجائز يعني في العجز والتسليم، وقد قال الإمام مالك رحمه الله : كلّ ما يقع في القلب فالله بخلاف ذلك لأن كل ما يقع في القلب، على ما تقدم، إنما هو خلق من خلق الله ، فكيف يشبه الخالق المخلوق؟ وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله ، آمنتُ بالله كما أمر الله . وآمنتُ برسول الله كما أمرَ رسولُ الله ، . والسادة الفضلاء عن آخرهم على هذا الأسلوب سالكون، وإنّما اختلفت في التعبير صِيَغُهم لا غير، والمعنى واحد في الكل.

وكفى في هذا الموضع بياناً حديث جبريل عليه السلام حين أتى لتعليم الدين الحديث المشهور ، وقال فيه : فَإن لم تكن تراه فإنّه يراك ) (۱) و و وطريقة النبي ، ، ل ا ل له ، وأصحابه ، التي هي طريقه النجاة، كانت على هذه القدم.

ومتضمّن هذه القدَم يعطي المسارعة في كل أفعال البرّ بكل ممكن، لأن المعاينة تقتضي التصديق والمبادرة وترك الالتفات والتأويل. ولأجل هذا المعنى ضرب الله عزّ وجلّ المثل للمؤمنين ،بمريم عليها السلام، حيث قال في صفتها : وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبّهَا وَكُتُبِهِ، وَكَانَتْ مِنَ القننِينَ ) (۲) وما ضَلَّ مَن ضل وانحرف من انحرف إلا بسوء التأويل. نعوذ بالله من ذلك . هذا ما (٢)

تضمنه اعتقادهم .

وأما أحوالهم فهي الصدق، والتصديق، والاتباع ، وتَرْكُ ،الابتداع، وبذل الجهد، والاعتراف بالتقصير والتوكل ،والتسليم والافتقار والتعظيم وبذل النصيحة دون غش والتواضع دون تماوت، والتراحم ،والإشفاق والإيثار والإحسان والتواد بينهم والتعاطف بمقتضى الإيمان

كما وصفهم الله ، عزّ وجلّ، في التنزيل أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) (۳) فهذا بعضُ أحوالهم

وعقيدتهم على ما تقدم .

فإن اتبعتهم كنتَ معهم لقوله عليه السلام أنتَ) مع من أحببت) (٤) فإن المحبة تقتضي الاتباع والحب بغير اتباع دعوى بغير حقيقة، لأن المحب لمن يحب مطيع ، يشهد لذلك قوله،

(۱) قطعة من حديث طويل أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله عنهما :أوله : بينما نحن جلوس عند رسول الله ذات يوم إذ طلع علينا

(۲) سورة التحريم من الاية ۱۲ .

(۳) سورة الفتح، من الاية ٢٩ .

(٤) أخرجه البخاري في الأدب، ومسلم في كتاب البِرّ من حديث أنس رضي الله عنه .

عليه السلام: (لا يختلِسُ الخَلْسَةَ حين يختلسها وهو مؤمنٌ ، ولا يزني الزاني حين يزني وهو

مؤمن) (۱) لأن حقيقة الإيمان تقتضي الاتباع والتسليم

والمخالفة لا تكون إلا من أحد قسمين: إما من ضعف في الإيمان، أو عاهة تأتي عليه فإن وقعت منك مخالفة في بعض أحوالهم فحافظ على اعتقادهم واحذر من وقوع الخلل فيه، لأن المخالفة في الحال والاعتقاد قطعُ بينك وبينهم وسلامة الاعتقاد مع الخلل في الحال كَسْر ، والكسر قد ينجبر، والقطع لا يلتئم يشهد لذلك الحديث الذي نحن بسبيله، لأنه عليه السلام طلب البيعة أولاً على حقيقة التوحيد على ألا يشركوا بالله شيئاً، و (شيء) ينطلق على ما تقدم البحث في عموم لفظه ، وألا يأتوا من المحرمات شيئاً، فإن وقع شيءٌ مما حُرّم ، فوقع الحَدّ لأجله ، كانت الحدود تطهيراً للمحدود، وجبراً لكَسْره ، وإن لم يُحَدَّ بقي في المشيئة، إن شاء عزّ وجلّ، عذبه ، وإن شاء عفا عنه . وفي حقيقة الإيمان لم يُعْطِ عليه السلام فيه فترة ولا عذراً . ثم نرجع الآن

لتتبع ألفاظ الحديث .

الوجه الثالث : (٢)

قوله عليه السلام) ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم إنما نَصَ

عليه السلام على هذه الثلاثة لشناعتها وقبحها لأنها من الكبائر بالإجماع .

الوجه الرابع : لقائل أن يقول : لم ،خص عليه السلام بالقتل ،البنين دون غيرهم وقد جاء النهي عن القتل مطلقاً، ولم يفرّق فيه بين الصغير والكبير؟ والجواب من وجوه :(الأول) : أن العرب كانت تتهاون بقتل أولادها ، لما ذكر في الْمَوْؤودة، وغيرها ، فخصص عليه السلام ذكرهم تأكيداً في شأنهم حتى لا يفعلوا ذلك . (الثاني) أن الصغير لا يدفع عن نفسه فازداد لذلك التحريض في حقه . (الثالث) : أنه قد يحمل بعض الناس قلة ذات اليد إلى قتل الولد ، وقد نص عزّ وجلّ على ذلك في كتابه فقال: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِنْ إمْلَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ) (۳) ذلك تأكيداً في حق الأولاد، ولكي يُعلم أن الله هو الذي يرزق الصغير والكبير، فلا يتعلق بهم . الوجه الخامس ،قوله عليه السلام (ولا) تأتوا .ببهتان البهتان على نوعين : بهتان من طريق المباهتة وهي الموافقة للشخص في وجهه حتى يَبْهَتَهُ والنوع الثاني : هو ذِكْر شيء لم يقع منه،

أنه قد وقع .

(1) أخرجه البخاري في المظالم ومسلم في الإيمان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (۲) هذا الوجه تابع لتفسير حديث البيعة الأساسي، فَلْيُنْتَبَة.

فنهى عن

(۳) سورة الأنعام من الآية .۱۵۱

الوجه السادس ،قوله عليه السلام : تفترونه بين أيديكم وأرجلكم هذا اللفظ يحتمل وجهين: أحدهما أن يُحمل على ظاهره والثاني يحتمل أن يكون المراد به معنى ثانياً غير الظاهر . فإن كان الأول فيكون المراد بما بين الأيدي الرأس وما فيه من الجوارح، والصدر وما فيه وهو القلب، ويكون المراد بما بين الأرجل ما بينهما من الجوارح وهو الفَرْج . فكل مَن ذَكَر عن جارحة من هذه الجوارح المذكورة فعلاً أو قولاً أو اعتقاداً لم يقع فقد بَهَت (۱) المقول عنه ، لقوله : عليه السلام، حين سئل عن الغيبة فقال : (أن) تقول في المرءِ ما يكره. قيل : وإن كان حقًّا؟ قال : تلك الغيبة، وإن كان باطلا فهو البهتان) (٢)

وإن كان الثاني - وهو أن يكون المراد به معنى ثانياً غير الظاهر - فهو يحتمل وجوهاً :

(الوجه الأول: أن يكون ذلك كناية عن الدنيا وعن الآخرة، كما قال المفسرون في قوله تعالى: ﴿ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ (۳) قالوا : ذلك كناية عن الدنيا وعن الآخرة. فالأرجل: الدنيا، لقوله تعالى: ﴿ وَأَخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ ) (٤) . قيل أخذوا من تحت أرجلهم، والدنيا هي أقرب المنازل . فكنَى بالأرجل عنها لقربها ، وكَنَى بالأيدي عن الآخرة لأنها بعد الدنيا .

(الثاني) أن يكون المراد بذلك الباطن والظاهر فما بين الأيدي هو القلب، وكنى به عن الباطن، وما بين الأرجل هو التخطي، وهو فعل ظاهر قال تعالى في كتابه: ﴿ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ) (٥)

(الثالث) أن يكون المراد بما بين الأيدي الحال، والمراد بما بين الأرجل الماضي والمستقبل، لأن ما بين الأيدي ،حال، إذ إنه لا يحتاج فيه لحركة، وما بين الأرجل يكون من وجهين ماض أو مستقبل، لأنه لا يتأتى إلا بالسعي والسعي إما أن يكون قد وقع أو مستأنف . فمنع عليه السلام هذه الثلاثة الماضي والمستقبل والحال .

(الرابع) أن يكون المراد بما بين الأيدي ما يكون من كسب العبد ،بافترائه، والمراد بما بين الأرجل ما يكون من افتراء غيره لأن فائدة الأرجل، كما تقدم ليس فيها إلا النقل والتخطي . فإذا

وقع الاشتقاق جاز التأويل عليه من وجه ما .

(١) بَهَت فلاناً بهتاً وبَهتَةً وبُهتاناً قذفه بالباطل.

(٢) أخرجه مسلم في البر والصلة والترمذي عن أبي هريرة رضي الله . عنه .

(۳) سورة فصلت من الآية ١٤ .

(٤) سورة سبأ، من الآية ٥١ . (٥) سورة الأعراف من الآية ۳۳ .

وقد يحتمل أن يكون المراد جميع ما ذكرناه وأكثر منه، مع أن ما ذكرناه هنا منصوص على

منعه في غير ما اية وغيرِ ما حديث، فيجب الحذر عن كل ما تأولناه هنا، فيكون هذا اللفظ من الشارع عليه السلام من بديع الفصاحة والبلاغة، إذ إنه أتى بلفظ يسير يحوي معاني كثيرة. وقد أجمل، عليه السلام ذلك كله وزاد عليه في حديث آخر حيث قال : أتَّق) محارم الله تكنْ أعْبَدَ الناس وكل ما ذكرناه من جملة المحارم .

الوجه السابع ،قوله عليه السلام (ولا) تَعصُوا في (معروف) هذا أيضاً من أفصح الكلام وأبدَعِه ، لأنه ، عليه السلام جمع فيه المعروف كله شرعاً وعقلاً واجباً وندباً، فكان ذلك تصديقاً لقوله عليه السلام: (بُعِثْتُ لأتمم مكارم الأخلاق) (۲). ومكارم الأخلاق مما عرفت حُسنها شرعاً

وطبعاً. فبهاتين الصفتين - أعني تَرْكَ ما تقدم النهي عنه ، وامتثال ما ندب إليه هنا - تمّت البيعة .

ولا يُتوهم أن البيعة كانت لأولئك لا لغيرهم، بل هي لكل من دخل في الإسلام، أو ولد فيه إلى يوم القيامة. قال، عزّ وجلّ ، في محكم التنزيل لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) (۳) ولا فرق في ذلك بين الكتاب والسنة ، لأن الإنذار بهما معاً على حد سواء إلى يوم القيامة. فمن ترك شيئاً مما ذكر فقد نكث في البيعة ونكثه بقدر ما ترك . فليراجع نفسه قبل التلف .

الوجه الثامن ،قوله عليه السلام : فمن وَفَّى منكم فأَجْرُهُ على الله يريد من وفى منكم ، على مقتضى ما ذكرناه ولقائل أن يقول : لِمَ أَبْهَمَ عليه السلام هنا الأجر ولم يَحُدَّهُ؟ والجواب : أنه إنما أبهم عليه السلام هذا الأجر للعلم به وشهرته ،لأنه عليه السلام قد حده في غيرِ ما موضع، وقد حده عزّ وجلّ في غير ما موضع أيضاً منها حديث معاذ حيث قال له عليه السلام : وهل تدري ما حقُّ الله على عباده، وما حقُّ العبادِ على الله ؟ فقال : الله ورسوله أعلَمُ . فقال : حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يُشرِكوا به شيئاً، وحق العباد على الله إذا فعلوا ذلك ألا يعذَّب من لا يشرك به شيئاً، وإذا لم يعذبهم فقد دخلوا الجنة ) (٤) ، لأنه ليس هناك غير الدارَيْنِ : الجنة والنار. ومنها قوله عليه السلام (الإيمان إيمانان) (٥) . وقد تقدم معناه في الحديث قبل هذا، ومنها قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَيْكَةُ أَلَّا

(1) أخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه. (٢) أخرجه الإمام مالك في الموطأ في حُسن الخلق . وهو حديث صحيح. (۳) سورة الأنعام من الآية .۱۹ .

(٤) حديث متفق عليه .

(٥) لم نعرف مصدره.

تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ) (۱) . والاستقامة هي بمقتضى

الحديث الذي نحنُ بسبيله . والآيُ والأحاديثُ في ذلك كثيرة .

الوجه التاسع ،قوله عليه السلام ( ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب في الدنيا فهو كفارة وقد تقدم الكلام على ذلك الفصل أولاً في كونه دليلاً على أن الحدود كفارة للذنوب

الوجه العاشر : قوله : ( ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله فهو إلى الله، إن شاءَ عفا عنه، وإن شاءَ عاقبه) وهذا أدل دليل على صحة معتَقَدِ أهل السنة، وهو ما قدَّمناه من أن تعليق الثواب على الطاعات والعقاب على المعاصي والمخالفات ليس عِلّة عقلية ولا عِليَّة وإنّما هي عِلَّةٌ شرعية، لأنه لو كان ذلك لِعِلَّةٍ عقلية أو عليَّة لكان يؤاخذ عليها على كل حال في الدنيا أو في الآخرة، فلمّا كان ذلك تعبداً شرعاً كان العبد تحت المشيئة، فإن شاء عزّ وجلّ، أخذاً أخَذَه بالعدل، وإن شاء ،عفواً

عفا عنه بالفضل .

عنه ،

الوجه الحادي عشر : قوله : فبايعناه على ذلك هذا إخبار من عبادة بن الصامت رضي الله بأنهم امتثلوا ما أمرهم النبي و له على تلك الأوصاف المذكورة بالرضا والتسليم. وفائدة إخباره، رضي الله عنه، بذلك إنما هو تحريض لمن يأتي بعد على توفية تلك البيعة، إذ إنها لازمة لمن يأتي بعدهم كما هي لازمة لهم، وفيه من الفقه أن كل ما ندب الإمام إليه لمصلحة من مقتضى الدين أن يُبادر إليه، ولا يُترك ؛ لأنه تجديد لما تقدم لا أنه استئناف أمر ثان وبالله التوفيق.

اللهم اجعلنا ممن وَفَى ببيعة نبيك محمد المصطفى ، ه ، في السر والعلانية، وأذهبت عنه الشكوك والاعتراضات وعافيته من الوساوس والنزعات وسلکت به منهاج أهل السنّة ،والسنن وعدلت به عن طريق الزيغ والزلل، وحميته بعنايتك في الاعتقاد والقول والعمل، واجعلنا من عبادك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون يا ربَّ العالمين.

وصلى الله على سيدنا محمّد وآله وسلّم تسليماً .

(۱) سورة فصلت الآية ٣٠.

عن

حديث قتال المسلمين

أبي بَكْرَةَ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : إذا التقى المسلمانِ بسَيْفَيْهما فالقاتل والمقتول في النّار). فقلت يا رسول الله هذا القاتلُ، فما بالُ المقتول؟ قال : إنه

كان حريصاً على قتل صاحبه .

ظاهر الحديث يدل على لحوق الوعيد بمن اتصف بهاتين الصفتين المذكورتين . والكلام عليه

من وجوه :

الوجه الأول ،قوله عليه السلام إذا التقى المسلمان بسَيْفَيْهِما) هل يُحمّل على العموم أو على الخصوص؟ ظاهر اللفظ العمومُ ، وليس هو كذلك في الحقيقة، وإنما هو محمول على الخصوص. وبيان ذلك أنهما قد يلتقيان بغير قصد، وإذا وقع القتل على هذه الحالة كان قتل خَطَا، والإجماع قائم على سقوط الإثم عن قاتل الخطأ. وقد يكون التقاؤهما على اختلافِ تأويل، فيكون كل منهما تأوَّلَ ، فظهر له في تأويله الحقُّ ، فقاتَلَ على الحق، وإذا كان قتالهما على هذه الحالة لم يتناولهما عموم ،الحديث، ومثل ذلك قتالُ بعض السلف وهم مشهود لهم بالجنَّة، الفريقان معاً. وقد يكون التقاؤهما لتعلُّم الحرب، فتكون الضربةُ خاطئةً فيقع القتل، ولا يقع الوعيد، لأنه خطأ. وقد يكون أحدهما يدفع عن نفسه، والآخر طالب له بالظلم فيتناول الوعيدُ الظالم ولا يتناول الآخر .

ولهذا وجوه عديدة يطول ،تتبعها فبان بهذا أن اللفظ محمول على الخصوص لا على العموم والخصوص هو أن يكون كل واحد منهما قاصداً لقتل صاحبه ظلماً وعدواناً بغير تأويل ولا

شبهة ولا حق .

وهنا تنبيه لمن أتاه لص أو محارب ليسفك دمه، أو يأخذ ماله ألا يقاتله بنية أن يسفك دمه وإنما يقاتله بنيّة أن يدفع عن نفسه وماله فإن خرجت الضربة منه خاطئة فمات بها اللص كان شرَّ

قتيل، وإن قُتِل هو كان شهيداً لقوله عليه السلام) مَن قُتِل دون ماله فهو شهيد)(۱) . وقد قال الفقهاء في هذا الموضع : إنه إذا كان في سَعَة ناشده الله عزّ وجلّ في الترك، وإن لم يكن في سَعَة دفَع عن نفسه بالنية التي ذكرناها . ثم إذا خرج له بهذه النية، فإن جرحه فلا يجهز عليه، وإن هرب عنه فلا يتبعه، وإن سبقت منه الضربة فمات بها اللص فليس له في سَلْبِه (۲) شيء .

الوجه الثاني : فيه دليل لأهل السنّة في كونهم لا يكفّرون أحداً من أهل القبلة بذنب، لأنه عليه السلام قال : إذا التقى المسلمان بسَيْفَيْهِما) فسمّاهما (مسلمين) مع ارتكاب هذا الذنب العظيم، ولم يخرجهما عن دائرة الإسلام. الوجه الثالث : لقائل أن يقول : لم ،خص عليه السلام هذا الالتقاء بالسيف دون غيره من الأسلحة؟ والجواب : أن ذلك من باب الخاص، والمراد به العام لأن السيوف كانت في الغالب من عدة العرب، فنبه عليه السلام، بالغالب على الكل، فكل من تلاقى بأي نوع من السلاح المعدّ عادةً للقتل بهذه النية المحذورة يتناوله الحديث. وقد جاء عن الشارع عليه السلام النهي عن أقل من هذا، وهي الإشارة بالحديدة ويؤيد ذلك عموم قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (۳)

فلم يُخصص آلةٌ من غيرها .

الوجه الرابع : قوله عليه السلام القاتل والمقتول في النار) إثم هذين هل هو واحد ويسمى المقتول قاتلاً ، كما سُمي القاتل قاتلاً ؟ أو ليس إثمهما واحداً؟ وإنما يستوجبان جميعاً دخول

النار بإثمين مختلفين، كما يدخل المؤمن العاصي والكافر ، وليس دخولهما على حد سواء. أما صيغة قوله عليه السلام القاتل والمقتول في النار) فلا يؤخذ منه ،تفرقة وما ذكر عليه السلام، آخر الحديث يقتضي أن لا تفرقة بينهما وهو قوله عليه السلام (إنّه كان حريصاً على قتل صاحبه لأنه لما سُئِل : (هذا القاتلُ فما بالُ المقتول؟)، لأنهم قد علموا بمقتضى التنزيل أن القاتل محكوم له بالنار، وأن المقتول محكوم له بمغفرة الذنوب لقوله تعالى حكاية عن ولدَيْ ،ادمَ عليه السلام ) إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوا بِإِثْمِي وَإِيْمَكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاوُا الظَّالِمِينَ ) (٤) فأزال ، عليه السلام الإشكال الذي وقع للصحابة بما تقدم ذكره، فأعلمهم بأنه استوجب ذلك بحرصه وفسادِ

(1) أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه من حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه . (۲) السَّلب (بفتح السين واللام ما على القتيل من سلاح ونحوه ومنه الحديث من قتل قتيلاً فله سَلبه وهو التنفيل من الإمام لحث الجند.

(۳) سورة النساء ، الآية ٩٣ .

(٤) سورة المائدة من الآية .۲۹. وقوله التالي فأزال» جواب لمّا» في قوله : لأنّه لمّا سُئِل .

نيته، ولأن الحرص عمل، ويتضمنه فساد النية . فقد تساوى المقتول مع القاتل في هاتين الصفتين لأن ما في قوة البشر قد عمله كل واحدٍ منهما، وإبقاء عمر أحدهما وإنفاذ عمر الآخر ليس من قوة البشر ، ولأنه قد خَتَم عمره بالحرص على قتل مسلم.

وقد قال عليه السلام: (إن) الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لم يبق بينه وبينها إلا ذراع فيسقُ عليه كتابه ، فيعمَلُ بِعَمَلِ أهل النار ) (۱) ، ولأن الشريعة قد شدّدت في القتل حيث جعلت أقل الأجزاء منه كالفعل كله وهو أنه إذا اجتمع جماعة على قتل واحد وتَوَلَّى القتل واحد منهم، ولم يحصل من الكل إلا المساعدة بالحضور، فالكل عند الشرع ،قاتلون يجب قتلهم عن آخرهم. فإذا كان هذا في حق من حضر، ولم يحصل منه غير ذلك، فَنَاهِيكَ به فيمن حضر وحَرَصَ واجتهد . وقد جاء في القتل ما هو أشد من هذا كله وهو قوله عليه السلام: (مَن أعان على قتل مسلم ولو بشَطر كلمةٍ جاء يوم القيامة وبين عينيه مكتوب : يائس من رحمة الله (۲) . فإذا كان هذا المُعينَ بشطرِ كلمةٍ فمن باب أَوْلَى مَن جَمع ثَلاثاً، وهي غاية ما يمكن من قوة البشر وهي الحضور والحرص والاجتهاد. فبان بهذه العلة التي أعطاها عليه السلام أنه لا يبوء القاتل بإثم صاحبه إلا إذا كان صاحبه لم يَنْوِ لَهُ نيّةً فاسدة، ولم يَسعَ له في ضَرر ، فلما كانت نية هذا أو عمله فاسدَينِ استوى مع صاحبه في دخول النار كما تقدم.

الوجه الخامس : فيه دليل على أن بعض العصاة من هذه الأمة يدخلون النار لأنه عليه السلام، سمّاهما مسلمين، وأخبر بأنّهما يدخلان النار . وقد زاد عليه السلام هذا بياناً وإيضاحاً في حديث آخر حيث قال : (الإيمان إيمانان) (۳). وقد بيّنا معنى ذلك حين أوردناه في الحديث المتقدم، وهو حديث المحبة في الله والبغض في الله (٤) .

الوجه السادس : إخباره عليه السلام عن القاتل بدخوله النار هل المراد به التأبيد تاب أو تُصَّ منه، أو في الحال، فإن تاب أو اقتص منه ارتفع الإثم عنه ، ولم يدخل النار؟

قد اختلف العلماء في توبة ،القاتل فمن قائل يقول : ليس له توبة، وهو ابن عباس وزيد بن ثابت في أحد قوليهما، ومن قائل يقول له توبة وهو المشهور ، وهو مذهب أهل السنّة واحتج

(۱) متفق عليه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه . (۲) عزاه في الجامع الصغير إلى ابن ماجه في السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه . قال في فيض القدير ٧٢/٦: قال ابن حجر كما قال المنذري : ضعيف جداً. ونقل عن ابن الجوزي تبعاً لأبي حاتم في العلل : إنه باطل موضوع .

والله أعلم . ورواه الإمام أحمد في المسند.

(۳) سبق القول : لم نعرف مصدره . كذا، وسمّاه هناك : حديث حلاوة الإيمان .

المانعون بقوله تعالى: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ) (۱) ، واحتج أهل السنة بالآي والحديث . أما الآي فقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا . يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا . إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَلِحًا فَأُولَتَبكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ) (۲) فاستثنى ، عزّ وجلّ،

التائبين من غيرهم. وتأولوا ما احتج به الأولون بأن قالوا ذلك جزاؤه إن جازاه . وأما الحديث فقوله عليه السلام: (التوبة تَجُبُّ ما قبلها ) (۳) وهذا اللفظ يعمّ القتل وغيره. فمن أخرج القتل من تحت هذا العموم يحتاج إلى دليل وقد كان بعض العلماء إذا سئل : هل للقاتل من توبة؟ ينظر في حال السائل، فإن ظهر له عليه أمارات الندم قال له ،توبة وإن ظهرت له عليه الشراهة وإرادة الإقدام على القتل قال : لا توبة له فبلغ ذلك بعض الفضلاء من العلماء فاستحسنه هذا ما تضمنه اختلافهم في التوبة .

وأما القصاص فقد اختلفوا فيه أيضاً. فمن قائل يقول : بأن القصاص لا يرفع الإثم، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَوةٌ يَتأُولِي الْأَلْبَابِ ) (٤) فقالوا : إنّما جُعل القصاص مصلحةً للناس وردع بعضهم عن بعض، والمقتول المظلوم حقه باق يأخذه يوم القيامة. ومن قائل يقول: يرفع الإثم إذا وقع القصاص، واحتجوا بالحديث الذي تقدم قبل هذا وهو نص في الباب، وهذا هو الحق الذي لا خفاء فيه، لقوله تعالى لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (۹) وهو عليه السلام، أعلم بمقتضى الآية من المتأولين فيها (٦) .

الوجه السابع : إخباره عليه السلام عن المقتول أنه في النار . هل ذلك على التأبيد أو له

(1) سورة النساء ، الآية ٩٣ .

(۲) سورة الفرقان ، الايات ٦٨ - ٧٠ .

(۳) تجبّ : من جَبَّ يجُبْ جَبَّا تقطع وتمحو ما كان قبلها من الكفر والذنوب ولعل ما أورده المؤلف رحمه الله معنى الحديث أورده مسلم عن أبي هريرة مرفوعاً من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه . والرواية المشهورة الإسلام يَجُبّ ما قبله.

(٤) سورة البقرة من الآية .۱۷۹

(5) سورة النحل، من الآية ٤٤

(٦) سقطت الفقرة هذه من نسختي حلب وباريس وجاء فيهما بدلاً منها: وفي قول آخر : وأما من اقتص منه فهو غير متبع في الآخرة، والوعيد غير نافذ عليه إجماعاً على مقتضى حديث عُبادة، فإن لم يُقتص منه ولم يتب فهو في المشيئة عند أهل السنة

الخروج منها بعد ذلك؟ محتمل للوجهين معاً. ومثله القاتل أيضاً إن مات قبل التوبة أو القصاص لما في هذين الأمرين من الخطر، وهو أن يتردد كل واحد منهما بين أمرين :

(أحدهما) : فيه ما ذكرنا من الخطر والخوف الشديد، وهو المقتول هل يُخلَّد في النار أو لا يخلد؟ والقاتل مثله في ذلك الخطر العظيم، إن مات قبل أن يتوب أو يقتص منه

(وثانيهما): ما في القاتل من الخلاف إذا تاب أو اقتص منه هل يكون ذلك مانعاً له من دخول النار أم لا؟ على ما بيناه وكل واحد منهما عند الشرع محتمل لأحد الموضعين المذكورين. . فلأجل هذا ، أخبر عليه السلام بذلك ليكون ردعاً وزجراً .

الوجه الثامن : الظالم والمظلوم هل يلحقان بالقاتل والمقتول - أعني في الإثم - وأما التخليد

فلا إذا قصد كل واحد منهما ظلم صاحبه أم لا؟

أما الظلم فليس يشبه القتل من كل الجهات، لأن الظلم على نوعين حسي ومعنوي فالحسّي منه ما كان في الدماء والأموال والأعراض كما نص عليه السلام في حجة الوداع فالدماء قد تقدم الكلام عليها ، والظلم في الأموال لا يلتحق بما تقدم - وهو القاتل والمقتول - لأنا لا نقول للثاني (ظالماً) إلا من جهة التجنيس كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾ (۱) فالسيئة الثانية ليست بسيّئة حقيقية وإنما هي قصاص فسميت (سيئة) من جهة المجانسة، وهو من فصيح الكلام. وفي كيفية انتصاف الثاني من الأول نتكلم عليه في موضعه إن شاء الله تعالى. وبقي الكلام هنا على الظلم المعنوي، وهو المناسب للموضع وهو على قسمين نية بلا عمل ولا تسبّب ونية بعمل وتسبّب . فالذي هو نية بلا عمل ولا تسبب فهو مثل البغي والحسد والبغض وما أشبه ذلك من النيات السُّوءِ المحذورة شرعاً لقوله عليه السلام: (لا تحاسدوا ولا تباغضوا ، ولا تَدابَروا، وكونوا عبادَ الله إخوانا) (٢) . فهذا وما أشبهه ليس كالأعراض والأموال يتحاسبان فمن فضل له عند صاحبه شيء اقتص منه. وإنما مثل ذلك القاتل والمقتول وأنهما يعذبان معاً، ولا ينقص عذاب أحدهما من عذاب الآخر شيئاً، لأن أمور الباطن في الشر والخير أشد من الظاهر ، ولذلك قال عليه السلام (إن في الجسد مُضغَةً إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه، ألا وهي

(۱) سورة الشورى من الآية ٤٠ . الله عنه (۲) متفق عليه من حديث أنس بن مالك رضي

كان المقتول حريصاً على قتل صاحبه، وجرت مؤاخذته على نيته بلا عمل قام به، ولم ينفذ نيته لعذر ر قاهرِ لا

خيار له فيه فكان كالقاتل نيّة وفعلا .

القلب) (۱) . وليس المراد بالقلب هنا : الجارحة، وإنّما المراد ما يكون في القلب . يزيد هذا إيضاحاً وبياناً ،قوله عليه السلام لابن عبّاس إن قدرت أن تمسي وتصبح وليس في قلبك غِش لأحدٍ فافعل، ثم قال له : يا بني وذلك من سنتي، ومن أحيا سنّتي فكأنما أحياني، ومن أحياني كان له ما جَنى)(۳) ، وقال في الجنة)(۲)، وقال عليه السلام: (من أصبح وأمسى لا ينوي ظُلم أحدٍ غُفر له ما (جَنى

ن معي

عليه السلام في ضده : (من غشنا فليس منا) (4) ، و (مَنْ ضارّ بمسلم ضار الله به ، ومن مَكَرَ بمسلم مَكَرَ الله به) (٥) ، والآي والأحاديث في ذلك كثيرة . وأما الذي هو النية والعمل فهو مثل قطيعة الرحم ، لأنهما إذا تقاطعا معاً لا ينقص كل واحد منهما من الوعيد الذي توعد على ذلك شيئاً، ولا عذر له أن قاطعه غيره ،قبله لقوله عليه السلام (وأن تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ) (٦) ، ولإخباره ، عليه السلام) : بأن الله عزّ وجلّ لمّا أن خلق الخلق قالت الرَّحم : يا ربّ هذا مقام العائذ بك من القطيعة . قال : أما ترضين أن أصِلَ مَن وصلك، وأقطع من قطعك ؟ قالت: بلى يا رب . قال : فهو لَكِ) (٧) .

وأما الذي هو بالنية والتسبب فهو مثل الذي يسعى لشخص في خديعة أو مكر أو ما يضره وإن لم يصل إليه ما قصده من الأذى، لأن نيته الفاسدة وتسببه فيما فيه الأذى لمسلم ممنوعان معاً ، وصل ذلك أم لم يصل، وكان مثل من تقدم لا ينقص من ظلم أحدهما للاخر شيء، لأن كل واحد

(۱) متفق عليه من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه . وأوله : الحلال بيّن والحرام بيّن . (٢) أخرجه الترمذي عن أنس رضي الله عنه وقال : هذا حديث حسن غريب . وكلمة يا بني) مراد بها أنس وليس ابن عباس رضي الله عنهم جميعاً، وليس كما أوهم كلام المؤلف رحمه الله من أن المراد ابن عباس .

(۳) رواه السيوطي في الجامع الصغير، ونقل المناوي أن الحافظ العراقي ضعفه ولفظه : من أصبح وهو لا يهم ظلم

أحد غفر له ما اجترم. (٤) أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه في كتاب الإيمان . (٥) ورد هذا المعنى في أحاديث مختلفة، منها ما رواه الترمذي عن أبي بكر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ملعون من ضار مؤمناً أو مكر به، وما رواه الإمام أحمد عن أبي صرمة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : مَنْ ضارَّ ضار الله

به، ومن شاق شاق الله عليه) .

(٦) مؤلف من عدة أحاديث، منها ما رواه الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أنه لقي النبي الله فأخذت بيده فقلت : يا رسول الله ، أخبرني بفواضل الأعمال فقال : يا عقبة صِلْ مَن قَطَعك، وأعطِ مَن حرمك، واعفُ عمّن ظلمك . وما رواه الطبراني في الأوسط عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ألا أدلك

على أكرم الأخلاق في الدنيا والآخرة؟ أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك، وأن تعفو عمن ظلمك (۷) رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ : إن الله خلق الخلق، حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة . قال : نعم . أما تَرْضَيْنَ أن َأصِلَ من وصلك، وأقطعَ من قطعكِ؟ قالت: بلى . قال : فذلك لك . ثم قال رسول الله اقرؤوا إن شتتم : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِعُوا أَرْحَامَكُمْ. أَوَلَيْكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَرَهُمْ )

منهما قد سعى في ظهر الغيب لأخيه فيما منع شرعاً من نية فاسدة وتسبب فاسد ولأجل هذا كان الفضلاء من أهل العلم والعمل الذين رزقوا نور البصيرة لم يبغضوا أهل المعاصي والمخالفات لذواتهم، وإنما أبغضوا منهم تلك الأفعال التي نهى الشرع عنها وذمها، وأشفقوا عليهم لما به ابتلوا من سابق القدر عليهم وخافوا على أنفسهم لاحتمال تعدي الأمر إليهم، فكانوا بين بغض لأجل ما به أمروا، وإشفاق لأجل ما به طبعوا وخوف من ممكن يتوقعون، وكفى بذلك تنبيهاً قوله تعالى : وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ) (۱) أي لا يحملكم ما جبلتم عليه من رأفة الإيمان على أن تضيعوا ما كُلفتم به من توفية الحدود والله الموفق .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) سورة النور، من الآية ۲ .

حديث قيام ليلة القدر

عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من يقُم ليلَة القَدْرِ ، إيماناً

واحتساباً غُفِرَ لهُ ما تقدّم مِن ذَنبِهِ.

ظاهر الحديث يدل على فضيلة ليلة القدر والكلام عليه من وجوه

الوجه الأول : قوله عليه السلام (من) يقم هذا القيام يحتمل أن يكون المراد به العموم، ويحتمل أن يكون المراد به الخصوص. فإذا كان المراد به العموم فهو قيام الليل كله وإن كان المراد به الخصوص، فهو محتمل لوجهين أيضاً : (أحدهما ) : أن يكون المراد قيام أول الليل بعد صلاة العشاء تشبهاً بقيام رمضان. (الثاني): أن يكون المراد اخر الليل الذي هو التهجد وكنى عنه بالقيام توسعة، ومنه قوله تعالى: ﴿ قُ الَّيْلَ إِلَّا قَلِيلا ) (۱) . والمراد به التهجد، لأن النبي ، لا الهلال بعدما أُنزلت هذه الآية عليه إنما كان قيامه بعد النوم، وهو التهجد، لغةً. وكل هذه الأوجه محتملة لما نحن بسبيله، وأظهرها - والله أعلم - القيام بعد النوم الذي هو : التهجد ، لأن النبي ، ، أَخَذ به، ، ، عمله عليه، ولا يأخذ ، إلا بما هو الأفضل والأولى والأرجح ، ولو كان غير ذلك أفضل لكان ، فعله وترك المفضول .

واستقر

الوجه الثاني : قيام النبي ، ا ، كان مما ثَبت عنه الإحدى عشرة ركعةً أو الثلاثَ عشرة ركعةً ، على اختلاف الروايات، وأنه لم يزد عليها في رمضان ولا في غيره هل ذلك أقل ما يجزىء من القيام في ليلة القدر ، أو هو النهاية في الإجزاء فيها؟ الظاهر أن ذلك هو نهاية الإجزاء فيها، والدليل على ذلك من وجهين : الأول : أنه لا الله و إنما يأخذ في حق نفسه المكرمة بالأعلى والأرجح ولا

(1) سورة المزمل، الآية ٢

اخر

يترك شيئاً من ذلك ويأخذ بالأقل. (الثاني): ما روي عنه عليه السلام أنه قال: من قام بالآيتين من سورة البقرة كَفتاه) (۱) ، وفي رواية: (من آخر سورة آل عمران) (۲) . ومعنى (كفتاه) أي : أجزأتاه عن قيام الليل وسمّي بهما متهجداً. وإذا قلنا : إنه حصل له التهجد الذي كنى به عن القيام فقد حصل له بهما ما يفضل على ألف شهر، ليس فيه ليلة القدر ، لقوله تعالى : ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ

فإن قال قائل : كيف يكون إحدى عشرة ركعة أو ثلاثَ عشرة ركعة تناهياً في الإجزاء والكمال، وقد يزيد الإنسان في ذلك فيقوم الليل كله ومن قام الليل كله كيف يكون من قام بالإحدى عشرة ركعة أفضل منه ؟ قيل له من قام بالإحدى عشرة ركعة أو الثلاثَ عشرةَ ركعة أفضل ممن قام الليل كله، بدليل حديث عبد الله بن عمرو . والكلام على هذا السؤال يأتي في الكلام عليه ، إن شاء الله، فمن أراد فليقف عليه هناك .

فإن قال قائل : قد يقوم المرء بالآيتين المذكورتين في ركعات جملة، يردّدها (٤) ، وإذا كان كذلك فلا يسوغ أن تكون ركعتان لا ،غير تجزئان عنه قيل له: لو كان المراد ذلك لنص الورد

(4)'

اية

عليه ، وَلَبيَّنَهُ ، كما فعل ذلك في ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ (٥) فقال : يكررها كذا كذا مرة، وكذلك في الكرسي، وفي سورة ليلة القدر (٦) ، إلى غير ذلك من الأحاديث التي جاءت بالنص في التكرار فلما سكت هنا عن ذكر التكرار حكم بأنه لم يُرِده، مع أنه قد استمر فعل الصحابة رضي الله عنهم، على ما قررناه لأنهم لا يقولون : قام فلان بكذا إلا حيث انتهت قراءته من غير تكرار يكررها في الركعة الثانية، ولأن النبي ، و لا لا اله ، وخص هذا التهجد، الذي هو القيام وقال : من قام بعشر ايات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة اية كتب من القانتين ومن قام بألف آية كتب من المُقنْطِرِين ) ( ) . فلو كان عليه السلام يعني بهاتين الآيتين التكرار لنصّ عليه كما نص عليه في الأحاديث التي أوردناها، ولأن عمله ، الله لو كان على الوجه الذي ذكرناه أبداً لا يتحول عنه ، وهو عدم التكرار

(1) أخرجه البخاري ومسلم (والرواية : من قرأ ولم ترد (من) (قام (۲) أخرجه الدارمي في السنن ۳۲۵/۲ بلفظ : من قرأ آخر آل عمران في ليلة كُتب له قيام ليله. وإسناده ضعيف .

(۳) سورة القدر، الآية ..

(٤) أي : لا ينال ثواب التهجد من قرأ هاتين الآيتين في ركعتين لا في ركعات - حسب نص الحديث . سورة الإخلاص، الآية ا... (1) آية الكرسي هي : ( اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ...) وهي في (سورة البقرة، الآية (٢٥٥). وسورة ليلة (٦) القدر هي : ( إِنَّا أَنزَلْتَهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ .... الخ . (۷) أخرجه أبو داود وصححه ابن حبّان من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه . و (المقنطر) هو من يملك الأموال الكثيرة المكدّسة .

على ما نقل عنه في الصحيح، إلا في موضع واحد وهو قوله تعالى : ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ﴾ (١) فنقل ، عنه ، ، ، و لأنه مر بها ليلة في تهجده، فجعل يردّدها حتى طلع الفجر، فعبروا عنها بالتردد ولم يعبروا عنها بالقيام والتكرار فصح ما ذكرناه

فإذا

صح ذلك فيه يتبين قدر فضل ذلك النبي ، ا ا ا ا و و و و ومرتبته عند ربه، وقدر منة الله تعالى على هذه الأمة وبسببه ،لأنه عزّ وجلّ جعل لهم في التهجد بهاتين الركعتين ثواباً أفضل من ثواب عمل ألف شهر في أشق ،العبادات وهو الجهاد على ما يأتي ،بعد ومبلغها ثلاثون ألفاً من الأيام وثلاثون ألفاً من الليالي فمجموعها ستون ألفاً من الدهر أوزعنا (۳) الله وإياكم شكر نعمته وجعلنا من أهلها، وأعاننا عليها بمنّه . ومثل هذا من الفضل والمنّ على هذه الأمة - جَعَلنا الله من صالحيها بلا محنة - قوله تعالى : وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ) (۳) وقوله تعالى: لَين شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) (٤) فضَمِن عزّ وجلّ، بالشكر مَزيدَ النَّعَم ، ثم قال النبي : من قال كلما أصبَحَ وأمسَى : أَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلا الله وحده لا شريك له ، اللهم كلُّ ما أصبَحَتْ بي من نعمة، أو أمسَتْ بي من نعمة فمنك وحدك لا شريك لك ، لك الحمد ، ولك الشكرُ . فقد أدى شكر جميعِ نعم الله عليه)(٥) . فانظر إلى هذا الفضل العميم، كيف رضي عزّ وجلّ منا بهذا اللفظ اليسير عن شكر نِعَمٍ لا تُحصى ، وضَمِن

لنا به المزيد

الوجه الثالث : هل قيامها أفضل من قيام كل ليلة - ليلة من ألف شهر على انفراد الليالي - أو قيامها أفضل من مجموع قيام الألف شهر ؟ محتمل لوجهين معاً. والأظهر أنها أفضل من مجموع قيام الألف شهر، لأن به يحصل المقصود الذي من أجله أنزلت وهو التسلّي للنبي ، ، كما سيأتي بعد. وعلى هذا جمهور العلماء .

الوجه الرابع بعض العمل فيها هل يفضل جميع العمل في جميع تلك الليالي، وإن كان العمل في تلك الليالي متحداً أكثر من هذا العمل أم لا يفضل ذلك إلا إذا تساويا في العمل؟ ومثال

(۱) سورة المائدة، من الآية ۱۱۸ . (٢) أوزعنا الله : أَلْهَمَنا وأولَعَنا. (۳) سورة إبراهيم من الاية ٣٤ . (٤) سورة إبراهيم من الاية ٧ .

(٥) حديث مروتي ،بالمعنى، رواه أبو داود والنسائي من حديث عبد الله بن غنام رضي الله عنه . ولفظه : مَن قال حين صبح اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحدٍ من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك ، فلك الحمد والشكر ، فقد

أدى شكر يومه. ومن قال مثل ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليلته .

الأول : مَن صَلّى في هذه الليلة كانت له ألف حسنة، ومن صلى في تلك الليالي كانت له في كل ليلة مائة حسنة، فكانت الصلاة في هذه الليلة تَفضُل كلُّ ليلةٍ منها ليلةً من تلك بتسعة أعشار الثواب . ومثال الثاني : من صلى في هذه الليلة المذكورة ركعتين واخر صلى في كل ليلة من تلك الليالي ركعتين، وليالي تلك الألف شهر ثلاثون ألف ليلة وإيقاع ركعتين في كل ليلة منها تكون بستين ألف ركعة، فتكون هاتان الركعتان الواقعتان في هذه الليلة المذكورة تفضل تلك الستين ألفاً لا غير. ومن زاد على ذلك فلا تفضله هاتان الركعتان .

أما من جهة النظر إلى صيغة اللفظ فهو يعطي العموم، وأما من جهة النظر إلى بساط الحال الذي من أجله أنزلت فليس المقصود به الليالي وحدَها ولا الصلاة وحدها، وإنما المقصود الليالي والأيام، لأنه وقع ذلك على حمل السلاح في سبيل الله ألف شهر، على ما سيأتي (١) . وحامل السلاح مجاهد، ونوم المجاهد كقيامه ، لإخباره : بأن) نوم المجاهد عبادة، وأن الصائم القائم لا يبلغ أجره) (٢) ، وكفى في ذلك قوله : ( ما أعمال البر في الجهاد إلا كبصقة في بحر ) (۳)

فإذا قلنا : إن العمل بها يفضل العمل في الألف شهر، جميع لياليها وأيامها ، فأي مقدار يكون هذا العمل؟ وما عدده؟ وقد تقدم الكلام عليه في البحث في القيام، هل المراد به الكل أو البعض؟ وإذا كان البعض فهل المراد به أول الليل أو اخره، أو كله ؟ وقد تقدم هذا كله وأثبتنا الراجح من المرجوح ، بفعله ، .

الوجه الخامس : فرائض هذه الليلة هل أجرها يضاعف على أجر فرائض غيرها من الليالي أم لا؟ أما اللفظ فليس فيه ما يدل على الأفضلية في نفس الفرض وأما من جهة النظر والقياس فقد تتطرق الفضيلة للفرض أيضاً قياساً على ما جاء في الأعمال، أنها تضاعف في الأيام الفاضلة والبقع المباركة أما الأيام فهو ما روي في الأشهر الحُرُم ، ورمضان، والأيام

(۱) سيرد بعد عدة صفحات أن رسول الله هو الله أخبر بأن رجلاً كان في بني إسرائيل حمل السلاح في سبيل الله ألف شهر، فاستقلّ عليه السلام أعمال أمته لقصر أعمارهم، فسلاه الله بأن أنعم عليه وعلى أمته بأن جعل لهم ليلة

القدر .

(۲) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس من حديث معاوية رضي الله عنه بإسناد ضعيف . (3) أخرجه الديلمي في مسند الفردوس من حديث جابر رضي الله عنه بإسناد ضعيف، ورواه الشيخ ابن حبان من حديث أنس رضي الله عنه، ولفظه في مسند الفردوس ٣٩١/٤ برقم ٦٦٦٥ : ما أعمال العباد كلهم عند المجاهدين في سبيل الله إلا كمثل خطاف أخذ بمنقاره من ماء البحر . قال محقق المسند: إن الحافظ ابن حجر

قال في تسديد القوس (۲۲۱) : وفي رواية أبي هريرة : إلا كتفلةٍ تفلها رجل في بحر لجي . والله أعلم . (٤) الأشهر الحُرُم : ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرَّم ، ورجب. وسميت بـ (الحُرُم) لأن العرب كانوا يحرمون فيها

القتال .

البيض (۱)

(۱) ، وغير ذلك مما جاء به تضعيف الأجر للعامل فيه. وأما البقع فما روي في مكة والمدينة، وبيت المقدس، في تضعيف الأجر فيها. هذا ما هو من جهة القياس، وهو لا يتم، لأن من العلماء من ينازع في هذا ويقول : إن هذه الأمور لا تؤخذ بالقياس، وإنما هي متوقفة على ما نقل عن الشارع ، ولم ينقل عنه في مسألتنا هذه شيء، ولم نجد لذلك دليلاً قطعياً إلا بما أبديناه، والخصم ينازع فيه .

الوجه السادس : من قام في هذه الليلة بأقل من ركعتين هل يحصل له الفضل المذكور، أو بعضه، أو لا يحصل له شيء ؟ أما الفضل كله ،فلا ، لقوله ل له : ((كَفَتاه). فما يكون أقل من ذلك فلا يكفي، وقد تقدم هذا بما فيه كفاية. وبقي هنا الكلام على هل يحصل له البعض أو لا يحصل له شيء ؟ محتمل لهما معاً .

والظاهر من الاحتمالين أن له نصيباً منها بدليل قول ،التابعي رضي الله عنه، وهو سعيد بن المسيب (٢) : من شَهِد العِشاء في جماعة فقد أخذ بحظه منها ، يعني : ليلةَ القَدْر ومعناه : أن صلاة الجماعة بالنسبة إلى الواحد مندوبة فمن شهدها في جماعة فقد أتى مندوباً من جنس الصلاة، فحصل له بهذا المندوب جزء من فضلها لا أنه حصل له فضلها كله ولأجل هذا تحرز التابعي فجعلها عشاء، وجعلها في جماعة . فتحرّز بذكر (العِشاء) من المغرب لأجل أنه قيل إنها وِتْرُ صلاة النهار. وتحرز بقوله ( في جماعة) خيفة أن يصلي أحد العِشاء منفرداً فيقول : قد أخذت بحظي منها، وهو لم يأت إلا بالفرض . وليس المطلوب في هذه الليلة ذلك، وإنما المطلوب التنفل بالصلاة عدا الفرائض، كما تقدم في الاحتمال هل أولاً ، أو آخراً، أو كلاً ؟ فقول التابعي هنا محمول على أحد الاحتمالات المذكورة بأقل ما يمكن من العمل . وإذا حكم له التابعي بأنه قد أخذ بحظه منها، وهو لم يزد على الفرض شيئاً خارجاً عنه، فمن باب أولى أن يقول فيمن زاد على الفرض ركعة إنه أخذ بحظه منها ، إذ إنه أتى بالنفل من الصلاة، عدا الفرض .

الوجه السابع : فيه دليل على أن الصلاة في هذه الليلة هي المطلوبة، وأن غيرها من أفعال البر لا يجزىء عنها، لأنه لو فهم التابعي رضي الله عنه جواز غير ما هو متن ،الحديث أعني في تضعيف الأجر ، لذكر غيرها من الطاعات، وقال : قد أخذ بحظه منها .

(۱) الأيام البيض : هي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر من كل شهر قمري . وقيل : سميت بذلك لأنه لمّا عمّ النور لياليها ناسب أن تعم العبادة نهارها وأصل التسمية : أي أيام الليالي البيض لوجود القمر طوال الليل (۲) سعيد بن المسيب سيد ،التابعين وأحد الفقهاء السبعة في المدينة المنورة. جمع بين الحديث والفقه والزهد والورع . توفي سنة ٩٤هـ / ۷۱۳م .

الوجه الثامن فيه دليل على فضل الصلاة لهذه الأمة على غيرها من أفعال الطاعات، إذ إنّ ركعتين نافلة في هذه الليلة تَفضُلُ عملَ ألفِ شهر يُحمَل فيها السلاح في سبيل الله ، على ما سيأتي

بعد .

الوجه التاسع : قوله عليه السلام ( ليلة القدر) هذه الليلة سميت بهذا الاسم هل لحكمة فيها تقتضي تسميتها بذلك أم ذلك تعَبُّد؟ الظاهر أن ذلك مشتق مما قدّر فيها من الأحكام، لأنه قيل : إن الله تعالى يقدر فيها ما يكون في السنة كلها. ومعنى التقدير هنا : إبرازه للملائكة وإعلامهم بما يفعلون في جميع السنة . وقيل : سميت ليلة القدر لعظم قدرها لأن فيها ،أنزل عزّ وجلّ القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا، وفيها قدَّر هذا الأمر العظيم، ولأجل عِظَم قدرها ، وعِظَم ما قَدَّر فيها قال الله تعالى في تعظيمها و خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ (١) كما تقدم ﴿

الوجه العاشر : هل هي باقية أو رفعت؟ قد اختلف العلماء في ذلك فمن قائل يقول برفعها، واحتجوا بأن قالوا : كانت من خصائص النبي ، ، ، الله ، ثم رفعت لموته. ومن قائل يقول ببقائها وسلموا بأنها من باب الخصوصية للنبي ، ، ا ا ا ا ل ، لكنهم زادوا بأنهم أدخلوا أمة ، النبي ، ، ل لا ل ، في التخصيص ، وهذا هو الأظهر لوجوه منها ما روي في البساط (۲) الذي لأجله مُنَّ بهذه الليلة، وهو أنه كان ، ، أخبر بأن رجلاً كان في بني إسرائيل حمل السلاح في سبيل الله ألف شهر، فاستقل، عليه السلام، أعمال أمته لقصر أعمارهم، فسلاه الله بأن أنعم عليه وعلى أمته بأن جعل لهم ليلة القدر (۳)

فلو كانت خاصة به دون أمته لَما وقعت التسلية بها عند هذا البساط و (الأمة) تطلق على مَن لحقه، ومن أتى بعده ، ولم يذكر له ، له الله تقاصُرُ عُمُرِ أصحابه، وإنما ذكر أنه تقاصَرَ أعمار أمته، ولأن العلامة التي أخبر بها ، موجودة الآن، وهي ما روي عنه : أن الشمس تطلع في ، صبيحتها بيضاءَ نقيَّةً ، لا شعاعَ لها ) (٤) وكذلك يجدها أهل المراقبة لها إلى هَلَمَّ جَرَّا. هذا منقول من سلف إلى خَلَف، إلى زماننا هذا فلو رفعت لما رؤي من تلك العلامات شيء، ولأنه لم يزل أهل الخير والصلاح من الصدر الأول إلى هَلُمَّ جَرًّا يعاينونها عِياناً ، فبطل القول برفعها مرة واحدة . الوجه الحادي عشر : هل هذه الليلة بنفسها خير من ألف شهر أو العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ؟ محتمل للوجهين معاً. لكن الذي عليه العلماء أن المراد بالأفضلية هو العمل فيها ، وهو الحق الواضح، لأنه لو كان التفضيل فيها نفسها لم يكن في ذلك كبير فائدة، وإنما الفائدة في

(۱) سورة القدر من الآية ٣ . (۲) البساط هنا : هو الحال التي كان عليه السلام فيها المؤدية لهذه النعمة المسببة لها .

(۳) عزاه في الدر المنثور ۳۷۱/٦ لا بن المنذر وابن حاتم والبيهقي في السنن . وهو حديث مرسل . (٤) رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والبيهقي عن أبي بن كعب رضي الله عنه

تعظيم الأجر فيها كما هي حكمة الله أبداً في تفضيل البقع والأيام، يضاعف في ذلك الأجور للعاملين فيها مِنَّةً على عباده وتعطفاً .

الوجه الثاني عشر : هل هي ليلة معينة لا تتبدل أو هي تدور في ليال عديدة؟ قد اختلف العلماء في ذلك اختلافاً كثيراً. فمن قائل يقول : بأنها في رمضان مطلقاً. ومن قائل يقول : بأنها في العشر الأواسط من رمضان والقائلون بهذا اختلفوا في أي ليلة تكون منه . ومن قائل يقول : بأنها في العشر الأواخر من رمضان والقائلون بهذا اختلفوا في أي ليلة تكون منه. ومن قائل يقول : إنها ليلة النصف من شعبان وكل واحد من هؤلاء له مستند صحيح من طريق الاثار ومنهم من قال : بأنها تدور في ، السَّنة كلها استعمالاً لكل الآثار التي جاءت فيها وهو مذهب مالك، رحمه الله ، وبعض السلف . وهذا هو الأظهر (۱) ، والله أعلم إذ إن الأحاديث كلها تجتمع على هذا التوجيه ويعمل بها كل من غير إبطال أحدها . ولا يعترض على هذا بقوله عليه السلام: (أراني أسجد في صبيحتها في ماء وطين) (۲) فأصبح كذلك ليلة ثلاث وعشرين من ،رمضان لأنا لم نَنفِ أنها في رمضان ولكن نقول : هي تدور فقد تكون في رمضان وقد تكون في غيره، فكانت تلك السنة في تلك الليلة التي أخبر بها .

والحكمة في إخفائها لطف بالأمة ورحمة بهم، لأنها لو كانت معينة لكان من قامها يقع له الاتكال لما وعد فيها من الخير العظيم، فيقع التفريط في الأعمال. وهذا مثل إخفاء الصَّلاة الوسطى وغير ذلك، لكي تقع المحافظة على هذه الأفعال العظيمة، فيحصل للمرء من الثواب ما لا يصفه

الواصفون .

فعلى هذا ينبغي للمرء أن ينوي قيامها أول ليلة من السَّنة . فيقول : إن كانت الليلة ليلة القدر فأنا أقومها إيماناً واحتساباً، وينوي أن يفعل ذلك في كل ليالي السنة، ثم يستصحب قيام ليالي تلك السنة كلها، فإذا أكمل سنة بقيام لياليها من غير أن يُخِلَّ بواحدة منها ، فَيُرْجَى له أن يكون قد صادف الليلة قطعاً، وتجزئه النية الأولى على مذهب مالك (۳) ، رحمه الله ، على أصله في العمل المتتابع،

مثل الصوم وغيره، ولا يجزئه على مذهب الشافعي رحمه الله على أصله هو أيضاً في العمل المتتابع، إلا أن يجدّد نيّة كل ليلة .

(1) يقول الشيخ محيي الدين بن عربي في فتوحاته المكية : إنني رأيتها في شعبان وفي شهر ربيع وفي ،رمضان وأكثر ما رأيتها في شهر رمضان وفي العشر الأواخر منه، ورأيتها في العشر الوسط من رمضان في غير ليلة ،وتر، وفي الوتر منها. وأنا على يقين أنها تدور في السنة في وتر وشفع من الشهر حاشية ابن عابدين ۱۳۷/۲ .

(۲) متفق عليه .

(۳) النية مرة واحدة تكفي صيام رمضان كله وكذلك نية قيامه أول ليلة من السنة التماساً لليلة القدر في السنة كلها .

الوجه الثالث عشر : قوله عليه السلام: (إيماناً واحتساباً) الإيمان والاحتساب هل هما بمعنى

واحد أو هما صفتان متغايرتان؟ محتمل للوجهين معاً. فإذا قلنا بأنهما بمعنى واحد فهو ظاهر لا خفاء فيه، لأن الإيمان يتضمن الاحتساب إذا كان حقيقياً، فيكون فائدة تأكيده عليه السلام بهذه الصفة التي هي الاحتساب ليفرق بين الإيمان الحقيقي والإيمان الضعيف فيكون الفضل المذكور لا يحصل إلا لمن كانت له الدرجة العليا في الإيمان .

الصفة، وهي

وإذا قلنا بأنهما لمعنيين فهو ظاهر أيضاً لاخفاء فيه، لأن العمل بغير إيمان لا يقبل بالإجماع . فالإيمان شرط في القبول، وإذا حصل الإيمان فبنفس حصول العمل معه يحصل الفضل على عمل ألف شهر كما تقدم وبقي الاحتساب. فإذا حصل كان مقابله مغفرة ما تقدم وهذا جارٍ على قواعد الشريعة وآثارها فمن ذلك قيام رمضان الذي قال فيه : من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما بين رمضانَ إلى (رمضان) (۱) . وقيام رمضان فيه الأجر ابتداء، لكن لما أن زاد فيه هذه الاحتساب زيد له بمقابلها مغفرة ما بين رمضان إلى رمضان. ومن ذلك النفقة على العيال التي قال فيها : (إذا أنفق الرجل على أهله ، يحتسبها فهي له صدقة) (۲) ، والنفقة على العيال واجبة وفي عمل الواجب الأجر ، فإذا زاد الاحتساب زيد له في مقابله أجر الصدقة إلى غير ذلك مما جاء في هذا المعنى وهو كثير . الوجه الرابع عشر : فيه دليل على أن استصحاب الإيمان مطلوب في جزئيات الأعمال، لأنه، شرط هنا أن يكون قيام هذه الليلة بتصحيح النية فيما ذكر فيه، وقد اختلف العلماء في ذلك . فمن قائل يقول : المطلوب منه عند الشروعِ في الأعمال ، واستحصابه في الأجزاء شرط كمال .

وعلى هذا هم الجمهور.

الوجه الخامس عشر : فيه دليل على أن استحضار الإيمان زيادة فيه، لأن الإيمان قد ثبت أولاً، وإحضاره في النية قام مقام الزيادة

الوجه السادس عشر : فيه دليل على أن مَن لم يَنْوِ ِقيامَ هذه الليلة لم يحصل له الثواب المذكور وإن ،قامها ، لأنه ، شرط أن يكون قيامها بنية الإيمان والاحتساب وذلك لا يتأتى

حتى ينوي .

الوجه السابع عشر : قوله عليه السلام غُفِر له ما تقدم من ذنبه فيه دليل على أن أجلّ

(۱) رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (من صام رمضان وقامه إيماناً واحتساباً غفر له ما

تقدم من ذنبه ) .

(۲) متفق عليه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه .

الثواب على الأعمال المغفرة، لأن المغفرة جعلت ثواباً على قيام هذه الليلة، وقيامها خير من العمل ألف شهر يُحمَل فيها السلاح في سبيل الله على ما تقدم ولأن المغفرة هي الأصل، وهي المنجية من الهلاك، ولو كان من الرحمة ما عسى أن يكون مع عدم المغفرة فالهلاك ممكن. ولأجل ما فيها من هذا المعنى ،خص عزّ وجلّ، نبيه ، بها ، فقال : لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأْخَرَ ) (١) ، ولم يذكر له غير ذلك من الثواب، فدل بالعقل والنقل أن أفضل ما أعطي المرءُ : المغفرة؛ لأنه وإن كثرت الحسنات فهو محتمل للخلاص وضده، كما تقدم، ومن غفر له لم يبق عليه شيء يخاف منه كما تقدم الوجه الثامن عشر : فيه دليل على أن أعلى الأعمال الإيمان لأنه إن حصل قيام هذه الليلة خَلِيَّةً من أنوار الإيمان فيها لم يحصل الثواب المذكور ، فإذا حصل فيها أنوار الإيمان كان جزاء ذلك

أعلى الثواب، وهي المغفرة .

اللهم اجعلنا ممَّن غفرت له في الدارين بلا محنة، إنك جواد كريم .

وصلّى الله على سيدنا محمّد وآله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) سورة الفتح من الآية .۲ .

حديث إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ

عن ، أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ ، ولن يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلا غَلَبَهُ . فَسَدَّدوا وقارِبُوا ، وأَبْشِروا، واستعينوا بالغُدْوَةِ والرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ من الدُّلْجَةِ .

وجوه :

ظاهر الحديث يدل على أن الدين يسر وليس بعسر، وعلى طلب الرفق فيه . والكلام عليه من

الوجه الأول

قوله إن الدِّينَ يُسْرُ ) : هذا اللفظ يحتمل وجوهاً، وعلى كل وجه كلام من وجوه، إلى آخر الحديث. فنبدأ أولاً ،بوجه ونبين ،معناه، ثم نبين الحديث على ما يقتضيه ذلك الوجه إلى اخره ، ثم نرجع إلى الوجه الثاني ونبينه أيضاً إلى اخر الحديث، ثم كذلك إلى أن تفرغ الوجوه المحتملة للفظ ، ليكون ذلك أيسر على المُطالع، وأسرع للفهم، فنقول :

الوجه الأول : قوله عليه السلام: إنّ الدِّينَ يُسْرُ) احتمل أن يكون أراد به الإيمان، واحتمل

أن يكون أراد به الإسلام، واحتمل أن يكون أرادَهُما معاً. والإيمان هو التصديق، والإسلام هو الانقياد والأظهر أن يكون المراد هما معاً بدليل قوله تعالى: ﴿ وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا ، ثم قال : ﴿ وَلَمًا يَدْخُلِ الْإِيمَنُ فِي قُلُوبِكُمْ ) (۱) فلم يقبل منهم الظاهر لعدم تصديق الباطن، ولقوله تعالى: ﴿ إِنَّ المنتَفِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) (۲) مع أنهم قد أظهروا الانقياد، الذي هو الإسلام. لكنْ لَمّا أن لم يكن معهم الإيمان لم ينفعهم الإسلام إذ ذاك، وكذلك أيضاً في العكس ، وقد تقدم .

(1) سورة الحجرات من الآية ١٤ (۲) سورة النساء من الآية ١٤٥ .

فإذا قلنا بأن الإيمان والإسلام متلازمان فالمراد بـ (الدين) المذكور هنا : هما معاً، وإذا كان المراد هما معاً فنحتاج إذا إلى بيان يُسْرِهما .

فأما الإيمان فيكفي فيه من التيسير حديث الجارية المشهور، وهو حين سألها النبي صلى الله عليه وسلم : أينَ الله ؟ فقالت: في السماء، فقال لها : مَن أنا؟ قالت رسولُ الله . فقال لصاحبها : أعتقها فإنّها مؤمنة) (1) . فاقتنع ، لالا لال ، منها بأنها أقرت بأنه رسول الله وأن الله ،موجود، وهو قاهر حاكم ؛ لأنها أشارت إلى السماء، والسماء عند العرب كلُّ ما عَلا وارتفعَ، فكل من علا قَهَرَ وغَلَبَ . ولا يلزم منه ما قاله بعض الملحدين من التَّحَيُّز (۲) ، تعالى الله عن ذلك عُلُوّاً كبيراً ، لأنه ليس في الحديث - بمقتضى اللغة - ما يوجب القول بذلك .

الواضح

ولأجل هذا قال بعض علماء أهل السنة بأن الجاهل ببعض الصفات ليس بكافر، وهو الحق لأنه إن قيل بغير هذا القول يتضمنه تكفير عوامّ المؤمنين وقد وقع الإجماع من الصحابة والسلف بصحة إيمانهم، وقد قال النبي : نحن أمة أمية ، لا نقرأ ولا نكتب) (۳) ، وهذا بخلاف من يَنسب إلى الذات الجليلة ما لا يليق بها، فإذا اجتزىء في الإيمان بهذا القدر فهو يُسْر لا شك فيه . و وأما الإسلام فيكفي فيه من التيسير حديث ضمام (4) الحديث المشهور الذي سأل عن الإسلام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : خمس صلوات في اليوم والليلة قال : هل عَليَّ غيرُها؟ قال : لا، إلا أن تَطَوَّعَ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وصيام رمضان :قال : هل عَليَّ غيره؟ قال : لا ، إلا أن تَطَوَّعَ . قال : وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاةَ. قال: هل عَلَيَّ غيرُها ؟ قال : لا ، إلا أن تَطَوَّعَ . قال : فأدبر الرجل وهو يقول : والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفلح إن صَدَقَ (٥) والفالح هو من بلغ في الآخرة ما يؤمل، فإذا اجتزىء في الإسلام بهذا القدر، وكان صاحبه من المفلحين، فهو يُسْرٌ لا شكّ فيه .

الوجه الثاني : ،قوله ، الله : ولن يُشادَّ الدِّينَ أحدٌ إلا غلبه . هذا اللفظ من أبنية المفاعلة من فعل بمقتضاه غَلَبه الدين، فإن شدّد في دينه بحيث لم يبلغ به حَدَّ المغالبة فقد خرج عن هذا النَّهي، وكان من القسم المحمود، لأن ذلك قوة في الدِّين ورفعة في الهمم والمناصب ، لقوله ، و الاول :

(۱) رواه مسلم عن معاوية بن الحكم رضي الله عنه برقم ٥٣٧ . (۲) التحيز انضمام الأجزاء بعضها إلى بعض ووجودها في مكان . (۳) رواه الشيخان البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما .

(٤) ضمام بن ثعْلَبَة السَّعْدي من بني سَعْد بن بَكْر. قدم وفداً لقومه في السنة الخامسة الهجرية، وعاد مسلماً يدعو

قومه للإسلام. يقول فيه عمر رضي الله عنه : ما رأيت أوجز ولا أصرح منه .

(٥) متفق عليه من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه .

(المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف وفي كل خير ) (۱) . فأفاد هذا الإخبار بأن الضعيف أقلّ مرتبة من القوي، وأن الضعيف له من الخير بقدر ما يخلص به نفسه، إذا وفى القدر المُجْزِىء من إيمانه على ما تقدم قبل فلم يخرجه ، و الله ، وإن كان ضعيفاً، من باب الأفضلية . وهذا يدل بما يتضمن أن المطلوب الكمال الذي هو القوة والترفق ، فمن لم يقدر على الكمال فحينئذ يرجع إلى ما هو أدنى منه قليلاً بقدر طاقته، ويحذر أن يأخذ في طرف الكمال حتى يبلغ به الحال إلى حَدّ المغالبة، فيَغْلِبه ،الدين، كما تقدم، لأنه إن تعمق في أخذ الوجهين المذكورين اللذين هما الإيمان والإسلام فالدين قد يغلبه بالضرورة، لأنه يفني عمره ولا يبلغ من أحدهما معشاره. مثال ذلك في الإيمان من يريد أن يأخذ إيمانه بغير تقليد، فيشتغل بالاستدلالات والاستنباطات، فيفرغ منه العمر ولم يبلغ في ذلك ما أمل وقد أقر بالغلبة هنا رئيس من أراد أن يأخذ الإيمان بغير تقليد، وهو أبو المعالي (۲) رحمه الله ، فإنه حكى عن الثقات أنه قال : لقد خلّيت أهل الإسلام وعلومهم ، وركبتُ البحر الأعظم، وغصتُ في الذي نهوا عنه، كل ذلك رغبةً في الحق، وهروباً من التقليد والآن قد رجعت من الكل إلى كلمة الحق والويل لابن الجويني، يعني نفسه . فإذا كان هذا قول رئيس من أراد أن يأخذ بغير تقليد، وأقرّ بالعجز والغلبة، فكيف بمن جاء بعده يقفو أثره؟

ومثل ذلك من يريد أن يُوفي ما يجب للربوبية على العبودية من الحقوق فهذا أيضاً يفني عمره وهو لم يبلغ معشارَ ما ،أمل لأن الله عزّ وجلّ يقول في كتابه العزيز: ﴿يَتأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَانِهِ ﴾ (۳) وهذا لا يطيق البشر بعضه إلا وينقطع. ويكفي في هذا بياناً حديث عبد الله بن عمرو حين أراد أن يقوم الليل ويصوم النهار ، فقال له الله إنكَ لا تطيق ذلك ) (٤) . هذا ما هو في أمرين من أمور الدين فكيف به في باقي أجزائه على مقتضى التعظيم؟ فصدق عليه بالضرورة أن الدِّينَ غَلَبَه . وإنما الطريق المخلّص والحال المحمود هو الأخذ بالكمال دون أن يصل إلى حدّ المغالبة . وكيفية ذلك في الإيمان أن يأخذ أولاً إيمانه بالجزم والتصديق على ما طلب منه، وينفي عنه الشكوك، فإذا حصلت له هذه القاعدة وخلصت فحينئذ يأخذ في النظر والاستدلال على مقتضى ما

(1) رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه برقم ۲٦٦٤ .

(۲) سلفت ترجمته في الحديث الثالث .

(۳) سورة آل عمران من الآية ۱۰۲ .

(٤) رواه الإمام أحمد والبخاري والنسائي. وقد أثر عن ابن عمرو رضي الله عنه أنه قال في آخر حياته : ليتني أخذت

برخصة رسول الله ) .

أمر الله تعالى في كتابه من النظر إلى ملكوت السَّماواتِ والأرض، ليكون ذلك دليلاً على وحدانيته

عزّ وجلّ .

وكماله

ومن ذلك ما في السماء من الكواكب على اختلافها والشمس والقمر ومحاقه (۱) وغير ذلك، وما في الأرض من البقع واختلافها كما قال تعالى: ﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعْ مُّتَجَوِرَاتٌ وَجَنَّتُ مِنْ أَعْنَبِ وَزَرعَ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ ) (۳) وكذلك ما فيها من المياه عذبها ومالحها كما قال تعالى : هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَابِعَ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُل تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا ﴿ وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةٌ تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ ) (۳) وكذلك ما فيها من الثمار واختلاف * طعمها مع كونها تُسقى بماء واحد وتنبت في بقعة واحدة كما قال تعالى: ﴿ يُسْقَى بِمَاءٍ وَحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ﴾ (٤)

وهذا النظر والاستدلال على ما أشرنا إليه يكفي في كمال الإيمان، لأن الله عزّ وجلّ، جعل ذلك لخليله عليه ،السلام سبباً لعلم اليقين قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾ (٥) . ولهذا العلم أشار ، عليه السلام بقوله: (تعلموا اليقين فإني أتعلمه) (٦) ، ولم يقل ذلك في الإيمان، ولا طلبه جزماً ابتداء. فلما كان الأصل وهو الخليل لم يصل لعلم اليقين إلا بالدليل الذي ذكره عزّ وجلّ في كتابه، اتخذه النبي ، حالاً، ودلّ عليه سبيلاً لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ ))

فمن أراد الزيادة على هذا الحد الذي به يبلغ علم اليقين فقد دخل في المغالبة، وهو لا يطيق ذلك، فغلبه الدين بالضرورة إمّا لِقَصَرِ الزمان مع كثرة الأدلة، وإمّا لشكٍّ يعرض له أو شبهة . وكيفية ذلك في الإسلام أن يأخذ أولاً بالفرض من كل الجهات حتى يوفيه، فإذا وفى حينئذ فليأخذ من المندوب بقدر استطاعته، ولا يتغالَ في طرفٍ من المندوب حتى لا يُخِلَّ بالآخر، لأن هذه هي المغالبة في الأعمال، وهي تؤول إلى الخسارة إلا أن يتداركه الله باللطف والتوبة .

(۱) المحاق ما يرى في القمر من نقص في جرمه وضوئه بعد انتهاء ليالي اكتماله .

(۲) سورة الرعد من الاية ٤ .

(۳) سورة فاطر من الآية ١٢

(٤) سورة الرعد من الآية ٤ . (٥) سورة الأنعام من الآية .٧٥ .

(٦) أخرجه أبو نعيم في الحلية من رواية ثور بن يزيد مرسلا ، وهو معضل (العراقي في تخريج أحاديث الإحياء

(۷۲/۱

(۷) سورة ال عمران من الآية ٦٨ .

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله تعالى والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه

ومحرري الأقصى من المجاهدين ضد الصهاينة

صفحات من 100 إلى 200 راجع على النسخة المصورة

يشهد لهذا ما روي أن أبا بكر الصديق، رضي الله عنه، لقي النبي ، يوماً فقال : يا رسول

الله بماذا بُعِثْتَ ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بعثت بالعقل . قال : ومَن لنا بالعقل يا رسول الله ؟ قال : إن العقل لا حَدَّ له ، ولكنْ مَن حرَّمَ حرام الله ، وحلل حلالَه سُمِّي عاقلاً، فإن اجتهد سُمّي عابداً، فإن اجتهد سُمِّي جواداً، فإن اجتهد في العبادة وسمح في نوائب المعروف بغير حظ من عقل يدلّ على اتباع ما أَمَرَ الله واجتناب ما نَهى الله ، فَأُولئِكَ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُم يُحْسِنُونَ صُنْعا (1)

وكذلك أيضاً إن طالب نفسه بتوفية العبادات من كل الجهات إلى حد الكمال، فهذا أيضاً يقع في المغالبة من وجهين: أحدهما) العجز لقوله : (إنّ المُنبَيَّ لا أرضاً قَطَعَ ولا ظهراً أبْقَى) (۲) لأن البشرية لا تحتمل ذلك . (الثاني): أنه قد يجتمع عليه في وقت أو في جل الأوقات أنواع من الواجبات والمندوبات في زمن ،فرد، ولا يقدر إلا على أحدها . فقد وقع في المغالبة لأجل ما أخذ نفسه به. وإنما حال الكمال في هذا أن يأخذ نفسه أولاً بما أشرنا إليه، ويعمل على متضمن الكلام على بقية الحديث على ما سيأتي إن شاء الله تعالى .

ولقائل أن يقول : لم لم يقل عليه السلام : ولن يُشادَّ رجل أو امرأة) وقال بدله (أحد)؟ قيل له : ذلك يدل على فصاحته ، ، ، ،وبلاغته لأن (أحداً) في اللفظ أقل كلاماً وأكثر فائدة ولأنه يطلق على الذكر والأنثى، والقوي والضعيف، والحر والعبد ، والعالم والجاهل ، والعَلِيّ والدَّني ،

على اختلاف أحوال العالم .

الوجه الثالث : قوله صلى الله عليه وسلم : (فَسدَّدوا وقاربوا) . احتمل أن يكون هذان اللفظان لمعنى واحد ،

واحتمل أن يكونا لمعنَيَيْنِ .

فإن كانا لمعنى واحد فيكون المراد بهما الأخذ بالحال الوسط، لأن السداد والتقريب هو ما قارب الأعلى، ولم يكن بالدون، فهو متوسط بينهما .

وإن كانا لمعنيين فيكون المراد بـ (سدّدوا الأخذ بالحال الوسط، على ما تقدم، والحال الوسط هو ما نَصَّ النبي ، لا اله الا هو عليه في حديث عبد الله بن عَمْرو حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم : (صُمْ وأفطر، وقُمْ ونَمْ، وإن لنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقًّا ) ، ثم عمَّم بعد ذلك فقال : (وأعطِ

(1) لم تعرف مصدر الحديث. أما الآية الكريمة فهي في سورة الكهف من الآية ١٠٤. (۲) رواه البيهقي في السنن وفي شعب الإيمان قال الزبيدي فيه اضطراب روي موصولاً ومرسلاً ومرفوعاً و موقوفاً والمنبَتْ : هو من جهد دابته حتى أعيت والحديث يقال لمن يبالغ في طلب الشيء ويفرط حتى ربّما يفوته على نفسه .

لكل ذي حق حقه). فهذا هو السداد، وهو أن يمشي المرء في الأمور كلها على ما فُرِض ونُدِب من

غير تغال ولا تقصير في جهة من الجهات.

ويكون المراد بـ (قاربوا) أي من بلغ منكم إلى حد السداد الذي هو ما ذكرناه، ويعجز عن ذلك لعذر به فليقارب منه، لأن ما قرب من الشيء أعطِي حكمه، وهذا بشرط ألا يقع بهذا التقريب خَلَل ولا نقص في شيء من الواجبات، لأن الواجب إذا كان فيه شيء من ذلك لم يجز، وغيره من المندوبات لا يقوم مقامه ، بل إنه لا يطلق عليه أنه قارب إلى السداد إلا بعد توفية الواجبات من كل الجهات، ثم يأخذ من المندوب بعد ذلك ما يستطيع عليه ويعجز عن الوصول إلى حد السداد المذكور لعجز، إما لمرض أو غيره، فحينئذ يطلق عليه : أنه قارب .

وقد نص عزّ وجلّ على هاتين الطائفتين معاً في كتابه أعني : الطائفة التي أخذت بالسداد والطائفة التي أخذت بالتقريب، فقال تعالى في حق الطائفة الأولى : ﴿ وَالسَبِقُونَ السَّبِقُونَ . أُوْلَيْكَ الْمُقَرَّبُونَ ) (۱) وقال في حق الطائفة الثانية التي لم تستطع الوصول لذلك المقام، لكنهم قاربوا إليه إن تَجْتَنِبُوا كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْ خَلًا كَرِيمًا ) (۲)

وقد نضرب لهذا مثلاً ليكون أسرع للفهم، أعني في كيفية السَّداد وفي كيفية التقريب . فمثال ذلك أن يأتي الطالب أولاً لطلب العلم، ويعمل جهده على أن يكون من العلماء، فإن قدر على ذلك فيها ونِعْمَتْ لأنه يكون بذلك في الطائفة التي أخذت بالكمال وهو السداد فإن عجز عن ذلك فلا يخلي نفسه من طرف منه بحسب ما استطاع، لأن النبي ، ، ، ، قال : طَلَبُ العِلم فريضة على كل مسلم (۳) ، فيكون قد أخذ بالتقريب حين عجز عن التسديد .

وكذلك أيضاً يأخذ نفسه في التعبد بعد توفية ،الفرائض وإن قدر أن يكون من العابدين فليفعل لأن الله عزّ وجلّ، يقول على لسان نبيه الله لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى احبه. فإذا أحبته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ) ، فإن عجز أن يكون من العابدين فلا يخلي نفسه من طرف منه ، لإخباره، عليه السلام، أنه إذا كان يومُ

(1) سورة الواقعة، الآيتان ۱۰ و ۱۱ . (۲) سورة النساء من الآية .۳۱

(۳) رواه ابن ماجه وقال في الزوائد: إسناده ضعيف. وقال السيوطي كما نقل محقق مصابيح السنة : سئل النووي عن هذا الحديث فقال : ضعيف. وقال تلميذه المزي: هذا الحديث روي من طرق تبلغ رتبة الحسن. وقال الشيخ أبو غدة في تحقيق الأجوبة الفاضلة : صححه السيوطي ولم يسبق بتصحيحه، وعده من المتواتر حيث ذكره في الأزهار (النظم المتناثر (٢٧/٢٦) . (٤) جزء من حديث أخرجه البخاري مرفوعاً في الرقاق ومطلعه : من عادى لي وَلِيّاً .

القيامة يُنظر إلى صلاة العبد، فإن وَفّى وإلا قال تعالى : انظروا إن كان له نافلة فأكملوها له منها) (۱) ، وكذلك في جميع الفرائض إذا نقص منها يُنظر في النفل الذي هو من جنس ذلك الفرض الذي نقص فيُجبر منها. فالمقتصر على الفرض التارك للأخذ بالتقريب الذي أشرنا إليه هنا يُخاف عليه من عدم التوفية فيستحق العذاب .

يدل على ذلك ما روي أن النبي ، الله ، ورأى رؤيا في منامه، وكان مما رأى فيها رجلٌ يُشْدَخ (۳) رأسه، فسأل عنه، فقيل له : رجل علمه الله القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار، يُفعَل به ذلك إلى يوم القيامة (۳). ومعلوم أن قيام الليل ليس بواجب وكيف يعذَّب على ما ليس بواجب، والعذاب لا يقع إلا على ترك الواجب، أو وقوع الخلل فيه ؟ لكنه، وإن كان قيام الليل مندوباً، فالعذاب إنما يقع على وقوع الخلل في الواجب بيان ذلك أنه لما لم يكن ليعمل فيه بالنهار فقد أخَلَّ بالواجب، وهو لم يعمل المندوب الذي هو قيام الليل من حيث أن يجبر له الفرض به فوقع العذاب على ترك الواجب في الحقيقة وهو في الظاهر عليهما معاً.

ثم كذلك أيضاً : إن قدر أن يكون من الموقنين بعد توفية الإيمان المجزىء فليفعل، فإن عجز

عنه فلا يُخْلي نفسه من طرف منه لقوله عليه السلام: (تعلموا اليقين فإني أتعلمه). وقد حصل بما أشرنا إليه كفاية في ضرب المثال لما أردنا بيانه في التسديد والتقريب فنرجع

الآن إلى الكلام على الحديث .

الوجه الرابع : قوله عليه السلام وأبشروا) البشارة هنا على ضربين (أحدهما) معلوم محدود، و (الثاني) معلوم لا حد له.

فأما المعلوم المحدود فهو ما يُرجى من قبول الأعمال والثواب عليها، لأن الثواب عليها محدود بإخبار الشارع عليه ،السلام على ما نقل عنه، وقد قال عزّ وجلّ، في كتابه : ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًا يَرَهُ ﴾ ( ٤ ) وقال عزّ وجلّ : وَكَفَى بِنَا حَسِبِينَ ﴾ (٥) . وأما المعلوم الذي هو غير محدود فهو ما وعد عزّ وجلّ في كتابه حيث قال: ﴿ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ) (٦) فالزيادة معلومة عند الله تعالى مجهولة عندنا .

(1) رواه النسائي والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه

(٢) يشدخ يشق . : :

(۳) رواه البخاري ومسلم وسيرد) شرح (له .

(٤) سورة الزلزلة ، الايتان ۷ و ۸ .

(٥) سورة الأنبياء من الاية ٤٧ . (٦) سورة النساء، من الآية ۱۷۳ .

وفيه دليل على أن البشارة إنما تكون للعاملين، لأنه عليه السلام، لم يقل (أبشروا ) إلا بعد

ما نص على العمل الذي يوجب البشارة، وهو التسديد والتقريب لمن عمل بهما، فأتى بالبشارة للعاملين بذلك، وهو مثل قوله تعالى في كتابه : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَبِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ الله ) (۱) ، فنصَّ عزَّ وجلّ، على أن من فعل ما ذكره من الأعمال هو الذي يرجو رحمته عزّ وجلّ . وكذلك فيما نحن بسبيله، من أخذ بالتسديد والتقريب على نحو ما تقدم فهو الذي يستبشر .

ولقائل أن يقول : لِمَ قال عليه السلام ( أبشروا ) ولم يقل : أيقنوا؟ والجواب من وجهين : (الأول): أن الإيقان قطع بالأمر، والقطع لا يكون إلا الله وحده، وإنما لغيره قوة الرجاء لا غير، لأنه ليس للعبيد حق وجوب على الإله ، وإنما هو من طريق الفضل والمَنّ ، وما كان من طريق الفضل والمن فلا يطمع فيه إلا بقوة الرجاء، لا أنه يكون حتماً، وقد قال الله تعالى في كتابه: وَمَنْ أَوْفَ بِعَهْدِهِ، مِنَ اللهِ ﴾ (٢) . فتكون قوة الرجاء في هذا الوعد بحسب ما يرجى من عظيم الفضل اللائق بالجلال والكمال.

(الثاني) : أن ذلك سد للذريعة، لأنه لو قال : ( أيقنوا) لحصل به للضعفاء اغترار، وهو عين الهلاك، وربما يكون ذلك سبباً للتقصير في العمل مع كونه مهلكاً وهذا بخلاف البشارة، لأن البشارة رجاء، ونفس الرجاء يشرح الصدر ، وينشط للعمل، وتنتعش به الروح الأبية .

الوجه الخامس : قوله عليه السلام واستعينوا بالغُدوة والرَّوحَة وشيء من الدُّلجة) . الاستعانة هنا تنقسم ثلاثة أقسام: مستعين ومستعان به ومستعان عليه. فالمستعين هو المؤمن. والمستعان به أصله إعانة بعض لبعض لغرض ما من الأغراض كما روي في الحديث (ويعين الرجل على دابته يحمله عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة) (۳) أي يحمله له حتى يبلغه للموضع الذي أمل . والاستعانة هنا على وجهين : استعانة بالزمان واستعانة بالعمل .

فأما الاستعانة بالزمان فهي ما في طَرَفَي النهار من اعتدال الهواء ونشاط النفس فيهما، وما روي أن العمل فيهما أزكى مما في غيرهما . قال عزّ وجلَّ في كتابه خطاباً لنبيه عليه السلام وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ (4) وقال تعالى على لسان

ها

(1) سورة البقرة من الآية .۲۱۸

(۲) سورة التوبة من الآية ۱۱۱ .

(۳) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه

(٤) سورة الكهف من الآية ۲۸ .

نبيه ، عليه السلام : اذْكُرْني ساعة بعد الصُّبح وساعة بعد العصر أكفك ما بينهما)(۱) . والدلجة أيضاً كذلك لأن الدّلجة هي آخر الليل وآخر الليل هو أبداً للبدن ،أقوى لأنه قد أخذ راحته من النوم والغذاء، وقد ورد فيه من الفضل كثير . فمن ذلك قوله عليه الصلاة والسلام : يَنزِلُ ربُّنا كل ليلة إلى السماء الدنيا - وفي رواية : كلّ ليلة في ثلث الليل الأخير - فيقول : هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوبَ عليه ) (۲)) فإذا كان عزّ وجلّ، ينادي هكذا كلَّ ليلة في آخرها فمحال أن يدعو أحد إذ ذاك، أو يتوب أو يستغفر فيُرَدّ، لأن الله لا يُخلف الميعاد . والمراد بالنزول هنا نزولُ طَوْلٍ ومَنَّ ورحمة، دون حلول ولا انتقال .

وأما الاستعانة بالأعمال فهي أن تُعمَّر هذه الأوقات المذكورة بأنواع الطاعات وإذا عُمّرت بذلك لم يبق بعدها إلا الأوقات التي جعلت للراحات وهي ما نص عزّ وجلّ عليها في كتابه حيث قال : ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِيَسْتَعْدِنَكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَتُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحلم مِنكُر ثَلَثَ مَرَّتٍ مِن قَبْلِ صَلوةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَوةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتِ اَ

فعلى هذا فمفهوم هذا الحديث ما نص عليه السلام عليه في حديث اخر حيث قال: روحوا القلوب ساعةً بعد ساعة ) (٤) ، لكنه، عليه السلام زاد في الحديث الذي نحن بسبيله تعيين الأوقات التي جعلت للعبادة، أي جُعِلت العبادة فيها أفضل من غيرها من سائر الأوقات .

وإذا قلنا بهذا ـ وهو أن المطلوب عمارة هذه الأوقات بالطاعات - فهل ما يُعمَّر بها من الأعمال معيَّن أو غير معيَّن؟ احتمل الوجهين معاً .

فإن قلنا بالتعيين فهي الصلاة لأنها هي التي تسبق للذهن وإذا قلنا بأنها الصلاة فما الحكمة في تعيينها دون غيرها؟ فنقول - والله أعلم - إنها إنما اختصت بهذه الأوقات، وجعلت سبباً للاستعانة لما فيها من التعظيم الله ، والافتقار إليه، والدعاء واللجأ إليه، وما فيها من أنواع الخير على ما سيأتي بيانه في موضعه من داخل الكتاب إن شاء الله .

وإن قلنا بعدم التعيين فيكون ذلك من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى؛ لقوله عليه السلام

(1) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (۲) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (۳) سورة النور من الآية ٥٨ .

(٤) رواه الديلمي ۳۷۸/۲ برقم ۳۰۰٤ وعزاه الجامع الصغير لأبي داود في مراسيله. وروى مسلم عن حنظلة بلفظ :

یا حنظلة ساعة وساعة .

(موضعُ الصَّلاة من الدِّين مَوضعُ الرأس من الجسد) (۱) ، وهذا هو الأظهر، والله أعلم، لأنه قد تُفرَضُ في بعض الأوقات أعمال تكون أفضل من الصلاة بحسب الأحوال، وهي كثيرة تتعدد .

فعلى ما ذكرناه من هذا التعليل يترتب عليه من الفقه وجهان :

(أحدهما) اغتنام نشاط النفس وخلو الشغل وقد نص عليه السلام على ذلك حيث

قال : (اغتنم خمساً قبل خمس وعَدَّ منها : فراغَك قبل شغلك ، وصحتك قبل سَقَمِك ) (۲) . (الثاني) : اغتنام حسن الزمان ،واعتداله لأن ذلك مما يعين على العبادة، وقد نص عليه

السلام، على ذلك حيث قال : (أبرِدُوا بالصَّلاة) (۳)

وأما المستعان عليه فهو يحتمل وجوهاً (الأول) وهو أعمّها، صلاح الحال في الدنيا والفلاح في الاخرة، وهو بلوغ ما يؤمل من الخير على ما نص عليه العلماء (الثاني): أن يكون عائداً على التسديد والتقريب . (الثالث: أن يكون عائداً على البشارة وما تتضمن، إلى غير ذلك من الوجوه، على مقتضى ما يحتمله الحديث على ما أذكره بعد إن شاء الله تعالى .

هذا ما تضمنه البحث على هذا الوجه إن كان المراد بالدين الإيمان والإسلام) معاً. ثم نرجع الآن على ما اشترطنا إلى بيان الوجه الثاني، فنقول :

الوجه الثاني

الأول منه ،قوله عليه السلام: إنّ الدِّين يُسْرُ) قد يريد به الإسلام دون غيره وهي أفعال الدين على ما بيّناه .

بيان ذلك : أن الخطاب بالحديث إنما كان للمؤمنين والإيمان قد كان حاصلاً، وإذا كان المراد به الإسلام فالكلام على بقية ألفاظ الحديث تَضَمَّنه الكلام على الوجه قبله، فأغنى عن

إعادته .

الوجه الثاني : قوله عليه السلام إنّ الدِّينَ يُسرِّ) قد يريد به أن الشيء الذي وُعِدتم أنكم تتخلصون به من الأعمال، وضُمِنَت لكم به النجاةُ، هو توفية ما فُرِض عليكم .

(۱) جزء من حديث رواه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عمر رضي الله عنه بلفظ : لا إيمان لِمَنْ لا أمانة له، ولا صلاة لمن لا طهور له، ولا دين لمن لا صلاة له وموضع الصلاة من الدين كموضع الرأس من الجسد .

(۲) رواه الحاكم والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما .

(۳) رواه الإمام مالك والإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه .

الوجه الثالث ،قوله عليه السلام ولن يُشادَّ الدِّينَ أحدٌ إلا غَلَبَه أي لا تُوغِلوا في المندوبات فيؤول بكم الأمرُ إلى أن تُخِلّوا بالفرائض فيغلبكم الدِّينُ . ومثال هذا من يُكثر في طرف من المندوب ويترك شيئاً واجباً عليه من طرف آخر لم يفعله، وكذلك أيضاً من يتوسوس في الطهارة حتى يفضي به الأمر إلى إيقاع الخلل فيها ، وكذلك في سائر التَّعبدات إن تعمّق فيها حتى يُخِلّ بالفرض منها فقد غلبه الدِّين، لأن الدين هو الأصل الذي يتقرب به إلى ربه قد أخَلَّ به ، ولا يسوغ أن يتقرب بالفرع مع عدم توفية الأصل، لأن الله عزّ وجلّ، يقول على لسان نبيه عليه السلام : (لن يتقرب إليَّ المتقربون

بأحبَّ من أداء ما افترضتُ عليهم . ثم لا يزالُ العبد يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه ، فإذا أحبته كنتُ سَـ الذي يَسمعُ به ، وبَصَرَه الذي يُبصرُ به ، ويَدَه التي يَبْطِسُ بها) (۱) . وفي هذا إشارة إلى التربية بالتدريج في السلوك والترقي، ومنع الأخذ بالقوة أولاً في التعبدات من نوافل الليل والنهار وغير ذلك، لأن من يأخذ بذلك في بداءة أمره يغلبه الدِّينُ بالضرورة لقلة الرياضة فيما أخذ بسبيله

ومثل هذا ما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فَقَدَ سليمان بن أبي حَثْمَة (۳) في صلاة الصبح فلما كان من الغد مرّ على الشَّفَّاءِ أم سليمان فقال لها : لم أرسليمان في الصبح. فقالت : إنه بات يصلي فغلبته عيناه . فقال عمر : لأن أشهد صلاة الصبح في الجماعة أحَبُّ إليَّ من

أن أقوم ليلة .

فانظر كيف فضَّل حضور الصلاة في الجماعة على قيام الليل كله، مع أن قيام الليل فيه من المشقة ما هو معلوم، لكن لما أن كان ذلك القيام كله من جنس المندوب ، وال أمره إلى أن أوقع الخلل في فضل من فضائل المفروضات كرهه عمر ، رضي الله عنه . فلو قام من الليل ،بعضه، ونام بعضه، وحضر الصلاة في جماعة، لكان من الآخذين بالكمال، ولم يقع عليه بذلك غلبة في نقص فضيلة، ولا غيرها. فإذا أخذ المرء أولاً نفسه بالرفق والرياضة في تعبداته حتى يصير له ما أخذ من ذلك عادة، كانت العبادة عليه يسيرة ، لا مشقة عليه فيها حتى يبلغ بها النهاية، وهو كأنه لم يزد على نفسه شيئاً كما يروى عن ابن السَّمَاك (۳) ، رحمه الله ، وهو من أحد شيوخ الرسالة، أنه انتهت به نافلته في دكانه مع بيعه ألف ركعة في اليوم.

(1) رواه البخاري مرفوعاً في الزقاق، ومطلعه : من عادى لي وليا فقد اذنته بالحرب. (۲) سليمان بن أبي حثمة : هاجر صغيراً مع أمه الشفاء، وكان من فضلاء المسلمين وصالحيهم، واستعمله عمر رضي الله عنه على السوق، وهو معدود من كبار التابعين.

اسمه عبد بن أحمد الهروي ثم المكي المعروف بابن السماك المالكي . توفي سنة ٤٣٤هـ / ١٠٤٣م. محدث حافظ، صوفي . أصله من هراة، وسمع ببغداد والبصرة وهراة و سرخس و بلخ و مرو و دمشق و مصر. وحدث بخراسان و بغداد . وجاور بمكة وبها توفي من مصنفاته تفسير ومستدرك على الصحيحين والسنة والصفات، ومناسك الحج، ودلائل النبوة، وفضائل القران وفضائل ،مالك وكتاب الجامع، وكتاب الدعاء، وكتاب شهادة الزور، وكتاب العيدين، ومعجمان أحدهما فيمن روى عنهم الحديث، والثاني فيمن لقيهم ولم يأخذ عنهم .

الوجه الرابع ،قوله عليه السلام (فَسَدَّدوا وقاربوا أي قاربوا الجد، ولا تأخذوا الأخذ الكلي الذي تصلون به إلى المشادة فيغلبكم الدين. و (سددوا ) أي : ليكن جِدُّ كلِّ شخص على ما تقتضيه بِنْيَتُه وطاقته ومزاجه

ومن هذا الباب راح كثير من العباد لأنهم يأخذون أنفسهم أولاً بأن يعاندوا من ليس مثلهم من أهل النهايات فيأخذوا مأخَذهم، ويسلكوا مسلكهم، فيُقطع بهم في الحال عنهم، لأنه قد يكون من أرادوا التشبه به أكثر قوة في بدنه منهم، وأعدل مزاجاً، وأخذ نفسه أولاً فيما هو بسبيله الآن بالتدريج في السلوك والترقي، حتى صار له ما هو بسبيله من التعبد مزاجاً، كما حكيناه عن ابن السماك، ولهذا قال يُمْنُ بن رزق (۱) - رحمه الله - الإمام في الطريقين - : حذارِ حذارِ أهلَ - البدايات، أن تَتَشَبَّهوا بأهل النهايات فإن هناك مقامات لم تُحْكِموها. فعلى هذا فالشأن الذي يُبلغ به المقصود، إن شاء الله ، ويكون صاحبه من أهل السداد أن يُحكم أولاً الخَمْسَ التي فُرِضت عليه ، وهي السَّيرُ بواجباتها ومندوباتها والمحافظة عليها. فإذا رجع له ذلك مِزاجاً أَخَذَ إذ ذاك بالرفق والسداد على ما أشرنا إليه في النوافل .

الوجه الخامس ،قوله عليه السلام) وأبشروا) . البشارة هنا هي لمن زاد على الفرض، ولم يقتصر عليه، لأن الفرض قد جاء فيه ما جاء من الوعد الجميل في الكتاب والسنة في غير ما موضع . فإن حملنا البشارة هنا على ذلك فهو تحصيل حاصل، ونكون قد حملنا ألفاظاً جملةً على معنى واحد، وليس ذلك بالمَرْضي عند العلماء، وإنما يحمل كل لفظ على فائدة أو فوائد دون غيره من الألفاظ، إنْ وُجِدَ لذلك سبيل، وكفى في هذا دليلاً قوله تعالى: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ هَهُم مِّن

قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (۲) ولا ذاك إلا في النفل دون الفرض، والبشارة هنا على معنيين : (الأول) : هو أنه إذا أخذ بعد الفرض باليسير من النفل فَلْيَسْتَبْشِرْ بالزيادة، لمقتضى قوة البشارة، حتى يبلغ ما أمل من الأحوال الشريفة والمنازل المنيفة بلا كلفة لأن حقيقة البشارة لا تكون إلا في المستقبل، والبشارة بما قد وُعِد تحصيل حاصل . وإنما سميت بشارة مجازاً لا حقيقة وإنما البشارة الحقيقية مثل ما تضمنه ،إخباره عليه السلام ، لكعب بن مالك (٣) ، أحد الثلاثة الذين

(۱) يمن بن رزق إمام الطريقين. أصله من طليطلة . له مستدرك على الصحيحين وقضاء مالك، وكتاب التوبة . حدث في بغداد و خراسان وجاور بمكة وفيها توفي سنة ٣٦٠هـ ۹۷۰م .

(۲) سورة السجدة، من الاية ۱۷ .

(۳) كعب بن مالك : أنصاري خزرجي صحابي من أهل المدينة من أكابر الشعراء، وكان من شعراء النبي صلى الله عليه وسلم

شهد العَقَبَة وأحداً والمشاهد كلها إلا تبوك فإنه تخلف عنها ، وهو أحد الثلاثة الأنصار الذين قال الله فيهم:

وَعَلَى الثَّلَثَةِ الَّذِينَ خُلِفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَجُبَتْ .... الآية. وهم: كعب بن مالك وهلال

خُلفوا حيث تيب عليهم، فقال عليه السلام : ( أبشر يا كعب بخير يومٍ طَلَعَت عليكَ فيه الشمسُ ) ) . هذه هي البشارة الحقيقية، وهي خَفِيَّة دقيقة، لأن ظاهر اللفظ قد يستشكله السامع ، وقد استشكله بـ العلماء ، وقال : كيف يكون هذا خير يوم طلعت عليه فيه الشمس، وقد تقدمه يوم إسلامه، وهو خروجه من الكفر إلى الإيمان؟ وهذا القائل قد توهم أن هذا إشكال في الحديث، وليس ذلك بإشكال بيان ذلك : أنه أعقب يومَ إسلامه بهذا الذنب العظيم الذي استوجب به هَجْرَ النبي صلى الله عليه وسلم ، له والصحابة. فلما تيب عليه هذه التوبة التي علم النبي ، و أنه لا معصية بعدها، أخبره عليه السلام بأن ذلك خيرُ يوم طلعت عليه فيه الشمس؛ لأنه لم يقع منه بعد ذلك معصية ولا مخالفة، والتزم الصدق والعبادة حتى قبضه الله إليه على أحسن حال فلو أراد النبي ، البشارة في ، ا و الماضي، لقال : (أبشر فقد غفر لك وتيبَ عليك وتحصل بذلك الكفاية. ولكن لما أن أراد عليه السلام البشارة في المستقبل أتى بصيغة ما ذكر. ولأجل ما فهم الصحابي من هذه البشارة خلع إذ ذاك ثيابه ولم يكن ليملك غيرها، فأعطاها في البشارة، لعلمه بعظيم ما بُشِّر به .

وكل بشارة وردت من الشارع عليه السلام مبهمة، فالمراد بها ما ذكرناه من مقتضى هذه البشارة. ولهذا قال أهل السلوك فيمن بلغ بعض المنازل فدام عليه بأدبه : إنه يترقى إلى ما هو أعلى منه، فما دام على هذه الحال لا يزال في ترقّ حتى يبلغ غاية المنازل الرفيعة، عملاً منهم على مقتضى البشارة وهي ما ذكرناه

(الثاني) : هو أنه إذا أخذ بتوفية ،الفرض وما تيسر عليه من النفل، فدام على ذلك، ولم يزد عمله شيئاً، فنفس البقاء على ذلك زيادة وهي البشارة يؤيد هذا قوله عليه السلام، حين أخبر عن الأخوَيْنِ اللذين مات أحدهما قبل صاحبه بأربعين ليلة، فذكرت فضيلة الأول بين يديه، عليه السلام فقال عليه السلام عن الآخر : وما يُدريكم ما بَلَغَتْ به صلاته؟ إنما مَثَلُ الصلاة كمثل نَهَرٍ عَذَبٍ ، غَمْرِ (٢) ، بباب أحدِكم، يقتحم فيه كلَّ يومٍ خمْسَ ،مرّات، فما تَرَوْن ذلك يُبقي من دَرَيْهِ؟ فإنكم لا تدرونَ ما بَلَغَتْ به صَلاتُه ) (۳). ولهذا قال أهل السلوك : الدوام على الحال فيه زيادة

وترقُ ، عملاً بالحديث الذي أوردناه .

ابن أمية ومرارة بن ربيعة فتاب الله عليهم، وعدَرَهم، وغفر لهم، ونزل القرآن المَثْلُوُّ في شأنهم. وكان كعب بن يوم أحدٍ لبس لأمَةَ النبي وكانت صفراء ، وليس النبي لا لأمنه (تمويهاً للأعداء) فجُرح كعب بن مالك

مالك

أحَدَ عَشَرَ جرحاً. وتوفي كعب سنة ٥٠هـ / ٦٧٠م . (۱) متفق عليه . ولفظه : أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك . (۲) عَمْر : الغَمْر من الماء خلاف الضَّحْل، وهو الذي يعلو مَن يَدخله ويغطيه . (۳) رواه الإمام مالك والإمام أحمد بإسناد حسن وصححه ابن خزيمة .

الوجه السادس ،قوله عليه السلام واستعينوا بالغدوة والرَّوْحةِ وشيء من الدُّلْجَة. (استعينوا بالغَدوة أي بصلاة الضحى و (الرَّوْحَة) أي : الصلاة بين الظهر والعصر و (الدُّلْجَة) أي : قيام آخر الليل .

فإن قال قائل : لم عم عليه السلام الوقتين جميعاً وجعل من الثالث البعض؟

الله، وينام

قيل له : إن هذين الوقتين قريبان ،محدودان وهما معاً جزء من النهار، وآخر الليل جزء من الليل. لكنه غير محدود وإن كان عليه السلام قد حد الفضل فيه في حديث ،داود عليه السلام حيث قال: (أفضلُ الصلاة صلاة ،داود عليه السلام كان ينام نصف الليل، ويقوم سُدُسَه) (۱) . فالحد إنما حصل على الأفضلية، وما نحن بسبيله إنما وقع على الإجزاء الذي به تحصل الاستعانة. فمن قدر على الأخذ بالأفضل، فَبِها ونِعْمَتْ، وإلا فقد أخذ بالإجزاء الذي يستعين به، وهذا من باب التوسعة لأن ذلك وقت نوم وأعذار وليس النهار كذلك. وفي هذا دليل على التحريض على تعمير هذه الأوقات بأنواع العبادات، إذ إنَّ ذلك مما يُستعان به وما يستعان به لا يترك ، لأنه إن ترك ما يستعين به خيف عليه ألا يبلغ ما أمل . ولهذا اسْتُحِبّ له الابتداء أولاً باليسير أبداً، ويعمل عليه، ويكون ذلك دأبه لئلا يخلي نفسه من الاستعانة. فإن وجد النهاية لم يتركها، وإن حدث له ضعف أو شغل لم يترك قدر ما يطلق عليه اسم (الاستعانة) .

وقد نص عليه السلام على هذا المعنى الذي أبديناه في غير هذا الحديث حيث قال : (لِكلِّ عابد شرَّةٌ، ولكل شِرَّة فَتْرَةٌ ، فطوبى لمن كانت فترته إلى سُنّة ) (۲) . والسنة التي هي الفترة هي ما أشار إليها عليه السلام في هذا الحديث من الأخذ بالتعبد في هذه الأوقات اليسيرة. فسبحان مَنْ مَنَّ علينا بالخير به، وعلى يديه .

وفي هذا دليل لأهل السلوك والتربية حيث يستحبون أن تكون البداية أولاً في الليل وفي النهار ركعتين ركعتين، ثم يزيد على ذلك ما يشاء، وبحسب النشاط ، لئلا يخلي نفسه من الاستعانة، كما تقدم، حتى يبلغ بالتدريج ما أمل، لأن من أخذ من هذه الأوقات بقدر طاقته من العبادات ترقى إلى ما شاء الله من المراتب السنية ولا يدركه في ذلك تعب. فإذا أخذ بذلك كان أبداً في الترقي بالزيادة، تاركاً للنقص حتى يبلغ بذلك إلى نهاية ما يقتضيه حال البشرية .

وذلك مثل ما حكي عن بعض الفضلاء أنه أتاه أخ له يزوره فوجده يصلي الظهر، فجلس ينتظر فراغه من صلاته، فلما فرغ من الصلاة قام إلى النفل ، فجلس ينتظر فراغه من التنفل . فما زال

(۱) متفق عليه من عبد الله بن عمرو رضي الله عنه .

(۲) الشَّرَّة : الحِدة، والنشاط والحديث رواه الإمام أحمد وابن حبان والترمذي وقال: حسن صحيح غريب

كذلك إلى صلاة العصر، فصلى العصر ثم جلس للذكر، فخاف أن يقطع عليه ذِكْرَه ، فجلس ينتظر فراغه، فما زال كذلك إلى صلاة المغرب، فقام إلى الصلاة، فلما فرغ منها قام إلى التنفل ، فخاف أن يقطع عليه ،تنفله فجلس ينتظر ،فراغه فما زال كذلك إلى صلاة العشاء، فلما فرغ منها قام إلى التنفل، فجلس ينتظر فراغه من التنفل . فما زال كذلك إلى الصباح ، فقام إلى صلاة الصبح ، فلما فرغ منها جلس إلى الذكر، فجلس ينتظر فراغه. فبينما هو جالس في مصلاه لِذِكْرِه غلبته عيناه قليلاً، ثم استيقظ من حينه فجعل يمسح عينيه، ويقول أستغفر الله ، أعوذ بالله من عين لا تشبع من النوم. فانظر لما صار به من الحال، وهو يتنعم بذلك ؛ لأنه لولا الحلاوة التي وجدها في العبادة لما جعل هذه السِّنَةَ التي لا تنقض الطهارة ذنباً يستغفر منه ، فزال عنه التعب والمشقة اللذان يدركان البشر من ذلك ، ورجع له عوض الحلاوة والتنعم، وذلك ببركة الرفق والرياضة في التربية في السلوك .

نسأل الله أن يمن علينا بما مَنَّ به عليهم، وأن يعيد علينا من بركاتهم.

ثم نرجع الآن إلى البحث المتقدم والكلام على الوجه الثالث :

الوجه الثالث

الأول منه : قوله عليه السلام : ( إن الدين يُسْر ) قد يريد به أن ما تديَّنتم به بالنسبة إلى من كان قبلكم يُسر، وما كُلّفتم إلا بما تُطيقون، لأن الله عزّ وجلّ، قد رفع عن هذه الأمة الإصْرَ الذي كان قد جعل على الأمم الماضية، فجعل لهم عند الضيق المخرج. مثال ذلك : ما شرع لنا في التوبة وهو الندم والإقلاع والاستغفار وقد كانت لمن قبلنا بالقتل وكذلك أيضاً النجاسة طهارتها بالغسل، ولمن قبلنا بالقطع والمقراض. وكذلك أيضاً تَحِلة اليمين بالله ، شرعت لنا ولم تشرع لمن كان قبلنا وكذلك أيضاً أكل الميتة. وكذلك أيضاً لو كلفنا الله عزّ وجلّ، بما لا نطيق لكان ذلك سائغاً، لأنه الحاكم القاهر، لا راد لما قضى، ولكن بفضله عزّ وجلّ، ومنته عافانا، فلم يكلفنا إلا قدر استطاعتنا فقال تعالى : ( لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) (۱) ومن كُلّف قَدْر وُسعه فهو يُسْرُ

عليه لا تعسير .

ومثال ذلك أنه عزّ وجلّ، عفا عن الخطأ والنسيان وحديث النفس وما استكرهنا عليه . وكذلك أيضاً شرع لنا عزّ وجلّ عند العجز عن القيام في الصلاةِ القعود، وعند العجز عن القعود الاضطجاع، وعند العجز عن التحرك الإيماء. وكذلك شرع لنا عزّ وجلّ ، التيمّمَ عند عدم الماء ،

(1) سورة البقرة، من الآية ٢٨٦

سُرَ الصلاة في السفر والفِطرَ فيه إلى غير ذلك، وهو كثير موجود في كتب الفروع وقد قال عليه السلام : ( إن الله يحب أن تُؤتَى رُخَصُه كما يُحبُّ أن تُؤتَى عزائمه) (۱) .

من

الوجه الثاني ،قوله عليه السلام ولن يشادَّ الدِّينَ أحدٌ إلا غلبه يريد أن من شدد على نفسه بالأخذ بالأشد، وترك ما رخص له فيه، فقد شادَّ الدين، وإذا شادَّ الدين غَلَبه الدين، ومثال ذلك شدد على نفسه فترك اليمين المشروعة وحلف بالمشي إلى مكة والطلاق والعتاق وترك التيمم عند العجز عن الطهارة بالماء، وأراد القيام في الصلاة مع العجز عنه إلى غير ذلك، وهو كثير ، فيريد الأخذ بالكمال في كل الجهات ويترك الرخص. فمن فعل هذا فقد شاء الدين، فيغلبه الدين لأجل ما أدخل على نفسه. وقد ذم عزّ وجلّ، مَن فعل ذلك من الأمم الماضية، فقال عز من قائل : قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاة عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٢) .

العزم

عنه ،

الوجه الثالث : قوله عليه السلام: (فسددوا وقاربوا) . (قاربوا أي : قاربوا أولاً بالجد وقوة على الأخذ بالحزم والحزم هو ترك المحذور والعمل على براءة الذمة، والأعلى من المراتب والأفضل من الأحوال فإن وقع لكم عجز أو غفلتم أو وقعتم في شيء مما نُهيتم عن فسددوا . أي : أصلحوا حالكم بالخروج على المخارج التي جعلت لكم، والأخذ بالرخص التي تُصُدِّق بها عليكم إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ (٣) .

الوجه الرابع ،قوله عليه السلام: (وأبشروا ) أي : أبشروا ، فإن ذلك مخلص لكم ومبلغكم إلى رضا مولاكم وحسن العاقبة لكم، يؤيد هذا قوله عليه السلام: (رُبَّ ذَنْبٍ أَدخَلَ صاحبَه الجنة) (٤) قال العلماء : معناه أن ذلك الذنب كان سبباً لتوبته فتاب توبةً نصوحاً، فكان هو السبب الذي أدخله الجنة يزيد هذا إيضاحاً وبياناً ما قيل لبعض الفضلاء، حين غَلَب عليه، في وقتِ ما، خوفٌ من أجل التقصير في حق ،مولاه، ثم تَلمَّح سعة رحمته ، فخالط ذلك الخوف طمع في سَعَة رحمة ،مولاه فخوطب بأن قيل له : مَن أردناه اصطفيناه، فخوَّفناه، ورجَيْناه ، ومَن أبغضناه أَبْعَدْناهُ،

والهَيْناهُ .

الوجه الخامس ،قوله عليه السلام واستعينوا) بالغَدوة والرَّوْحة، وشيء من الدُّلْجة) .

(1) العزائم : ج ،عزيمة وهي فرائض الله التي أوجبها . والحديث أخرجه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه عن

ابن عمر رضي الله عنهما . (۲) سورة الأنعام، الآية ١٤٠ . (۳) سورة النساء، من الآية ۲۹ .

(٤) لم نعرف مصدره .

الاستعانة هنا هي أن مَن واظب على الأعمال في الأوقات المذكورة، يرزق بها العون على ما أخذ بسبيله من أفعال الطاعات، ويسر له ما عسر عليه من أمر دينه، ويُزاد قوة في إيمانه، فيتبين له قَدْرُ ما لطف به، وماذا أريد منه ، وهذا من أكبر أسباب العون فإن به يسهل العمل، وتسمو الهمم إلى

المراتب العلية .

ولأجل ما يحدث من هذه المعاني بعمارة تلك الأوقات قال بعض الفضلاء من أئمة التحقيق: وأنا أوصيك بدوام النظر في مرآة الفكرة مع الخلوة فهناك يبين لك الحق . ومن بان له الحق رُجيَ له اتباعه، وكان من أهله فنسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه .

ومما يناسب ما نحن بسبيله من وجه ،ما ،قوله عليه السلام، (وَيْلٌ لمن غَلَبَت آحاده عَشَراتِه) (۱) ومعنى ذلك : أن الحسناتِ جُعلت بفضل الله عشراً إلى سبعين إلى سبعمائة والله يضاعف بعد ذلك لمن يشاء، والسيئة بواحدة ، ثم بعد هذا الفضل العميم يَغْفُل ابنُ آدمَ المسكين عن نفسه، حتى لا يجد لنفسه مَخْرَجاً، إما بتغال في الدين، وإما بتضييع محاسبة نفسه، فيهلك مع الهالكين، وهو لم يشعر ولهذا ،قال عليه السلام (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا) (۳ ) . فيحق لمن غفل عن نفسه وألزمها هذا التغالي المذكور، أو غفل عن المحاسبة، ذلك الوعيد العظيم أعاذنا الله وإياكم من ذلك بمنّه .

فينبغي للعاقل أن يعين نفسه بما أشار الشارع عليه السلام إليه، وأن يقيم على نفسه ميزان الشرع، ولا يغفل عن محاسبة نفسه، ولا يشاد دينه لئلا يهلك بأحد هذه الوجوه . ثم نرجع الآن إلى البحث المتقدم والكلام على الوجه الرابع :

الوجه الرابع

الوجه الأول منه قوله عليه السلام : (إِنَّ الدِّينَ يُسْر ) . قد يُراد به : أنه يُسْرِّ على من عَرَفَه ، لأن مَنْ جَهله عَسُر عليه بمقتضى أدلته لجهله ،به فيكون هذا مثل قوله تعالى: ﴿ شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ) (۳) وشهادته لنفسه هي ما أظهَرَ في جميع مخلوقاته من آثار قدرته الدالة على وحدانيته وعظمته ، فيكون الحاصل من هذا التحضيض على علوم الدين بمقتضى الكتاب والسنّة على ما أشرنا إليه قبل . الوجه الثاني منه قوله عليه السلام : ولن يُشادَّ الدِّينَ أحدٌ إِلا غَلَبَه المشادة هنا هي : أن

(1) لم نعرف مصدره. (۲) رواه البيهقي في الزهد وذكره في مناقب

(۳) سورة آل عمران من الآية ۱۸ .

من أراد أن يأخذ علوم الدين بغير هذين الطريقين وهما الكتاب والسنة، إما بعلم العقل أو ما شابهه، واقتصر على ذلك، فيغلبه الدين إذ ذاك بالضرورة، لأنه إذا فعل ذلك عاد عليه مقام الحق مشكلاً، ومقام الحقيقة محتملاً ، فانقلب بصفقة خاسرة، خسر الدنيا والآخرة

الوجه الثالث : قوله عليه السلام فسدّدوا وقاربوا السداد هنا بمعنى سداد الحال . يقال : سدد فلان حاله : إذا أصلحه سدد الله فلاناً :أي: أصلح الله فلاناً . سدد القاضي : أي : حكم بينهم بالعدل. لا يباع إلا على وجه :سداد أي بوجه صالح على مقتضى الشريعة . وصلاح الحال هنا هو صلاحه في الدين بمعرفته ومعرفة أحكامه، والعمل على ذلك ،واتباعه ويشهد لهذا قوله عليه السلام : طَلَبُ العِلمِ فريضة على كلِّ مُسلم (۱). قال العلماء المحققون : معناه ما وجب على المرء عمله وجب عليه العلم به، لأنه لا يمكن توفية ما أمر به إلا بالعلم بحدوده

وقد اختلفوا فيمن عمل العمل بغير علم فصادف عمله لسان العلم على ثلاثة أقوال فمن قائل يقول : بأنّ له الثوابَ على عمله واحتج بأن قال : هذا عمل وقع على ما أمر به، ومن فعل ما أمر به كان له الثواب على الامتثال . ومن قائل يقول : بأن عليه الإثم في ذلك، واحتج بأن قال : إن الله عزّ وجلّ، لم يتعبد أحداً بالجهل، وإنَّما يجوز له الإقدام على العمل بالعلم به ، وأما مع الجهل فلا . قال الله تعالى : ( فَسَتَلُوا أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) (۲) فلما قدم على العمل بغير علم كان مرتكباً للنهي ومن ارتكب النَّهي أيم. ومن قائل يقول : بأنه ليس له ثواب وليس عليه عقاب واحتج بأن قال : إنه لم يقع بعمله في شيء مما نُهي عنه فلم يكن مأثوماً ، وأمر بألاّ يُقدِم على العمل إلا بالعلم، فلم يفعل ذلك، لم يكن له أجر عليه .

فإن العجز عن هذا السداد، الذي هو صلاح الحال بالعلم كما تقدم، فَلْيُؤْخَذْ بما تضمنه قوله عليه السلام: (قاربوا) ومعناه : السؤال لأهل العلم، كما تقدم لأن الله عزّ وجلّ، يقول: فَسْتَلُوا أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) والنبي ، يقول : (شفاء العِيِّ السؤال) (۳) .

الوجه الرابع ،قوله عليه السلام: (وأبشروا ) . البشارة هنا هي: أن من أخذ بالطريق المذكور الذي أبديناه فَلْيَسْتبشر بأن الله يرفعه في الدنيا والآخرة ويرزقه من حيث لا يحتسب إذا كان ذلك الله خالصاً. يشهد لهذا قوله عليه السلام تكفّل الله برزق طالب العلم) (4) . وهو ، عز

(۱) رواه ابن ماجه برقم ٢٢٤ . (۲) سورة النحل من الاية ٤٣ .

(۳) رواه الإمام أحمد والدارمي وأبو داود وابن ماجه والدارقطني كما في كشف الخفا رقم ٦٤٦ .

(٤) الرواية المشهورة من طلب العلم تكفل الله عزّ وجلّ برزقه) رواه الخطيب البغدادي في تاريخه ۳/ ۱۸۰ وفي =

رفع

وجلّ، قد تكفل برزق الخلق كلهم لكن فائدة هذه الأخبار البشارة لطالب العلم بأن الله تعالى قد عنه التعب في طلب الرزق والكدّ عليه ويسره له وسهله عليه من غير تعب يدخل عليه في ذلك بلا مَشَقَّةٍ. يزيد هذا إيضاحاً قوله عليه السلام: (إذا ابتدع في الدين بدعةٌ كِيد الدين، فعليكم بمعالم الدين، واطلبوا من الله الرزق . قيل : وما معالم الدين؟ قال : مجالس الحلال والحرام) (۱) . الوجه الخامس : قوله عليه السلام واستعينوا بالغَدوة والرَّوْحة وشيء من الدُّلجة). الاستعانة هنا هي : أن من عمر هذه الأوقات المنصوص عليها، بالتعبد فإن الله عزّ وجلّ، يعينه على ما أخذ بسبيله من التعلم، ويُفهمه وينوّر بصيرته. وهذا قد وجده كل من عمل ذلك بإخلاص وصدق، وقد قال، عزّ وجلّ، في كتابه : ﴿ وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٢)

ثم نرجع إلى البحث المتقدم والكلام على الوجه الخامس :

الوجه الخامس

الأول منه قوله عليه السلام: (إنّ الدِّينَ يُسْرِّ). قد يراد به أن ما كُلّفتم به بالنص ولا يمكن فيه التأويل : يُسْرٌ . وأن أكثر ما كُلّفتم به محتمل للتأويل وقابل له ، وإذا كان القابل للتأويل المحتمل له هو الأكثر فهو تيسير وتوسعة من المولى على عبيده. وقد نشير إلى شيء من ذلك بالنص على مسائل مما تحتمل التأويل ليتنبه بها لما ذكرناه .

فمن ذلك حديث بني قُرَيْظَة، الحديث المشهور، الذي قال فيه عليه السلام، للصحابة : (لا يُصَلِّيَنَّ أحد العصر إلا في بني قُرَيْظَة . فأدركَهم العصر في الطريق، فقال بعضهم : لا نصلي حتى نأتيها . له ، وقال بعضهم بل ،نصلي فإنه لم يُرِد منا ذلك. فذكر ذلك للنبي ، ا ، فلم يعنف أحداً منهم ) (۳) . : ذلك اختلاف الفقهاء في معنى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ فمن قائل يقول به على الإطلاق في ،الصلاة وفي ،غيرها، ومن قائل يقول مثل الأول، لكنه قيَّدها بألا تكون إلا قبل القراءة، ومن قائل يقول بأنها لا تكون إلا بعد القراءة .

الرحيم

ومن

الجامع لاداب الراوي والسامع ۳۸/۱ والقضاعي في مسند الشهاب ٢٤٤/١ و ٣٩١ والديلمي في مسند الفردوس ٧٥/٤ . وقال عنه الذهبي في الميزان ٤٨٢/٤ والسلفي في تحقيق الشهاب : موضوع .

(1) لم نعرف مصدره .

(۲) سورة العنكبوت، من الآية ٦٩ . (۳) متفق عليه عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما .

(٤) سورة النحل، من الآية ۹۸ .

ومن ذلك اختلافهم في معنى قوله تعالى: ﴿ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيْبًا ) (١ ) .

فمن قائل يقول به على العموم، ومن قائل يقول به على الخصوص، ومن قائل يقول بجواز التيمم به منقولاً كان أو غير منقول ومن قائل يقول بعدم الجواز عند النفل .

ومن ذلك أيضاً اختلافهم في قوله تعالى: ﴿وَرَبِّبُكُمُ الَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِسَآبِكُمْ ) (۲) فمن قائل يقول بتحريمها ابتداء، ومن قائل يقول بعدم التحريم حتى تكون في حِجْرِه ويكون كفيلاً لها .

ومن ذلك اختلافهم في الربا وما العلة فيه ؟ فخرج كل واحد منهم على ما أعطاه اجتهاده من التأويل في الاحتمال وكل ما اختلفوا فيه أبداً إنما هو من أجل الاحتمال الذي في الآية أو الحديث. وهذا الاختلاف توسعة ورحمة. وقد كان بعض من لقيته من الفضلاء الجِلَّة يقول : لا يحل أن يُتَدَيَّنَ إلا بالمشهور، ولا يُفتى إلا به، وتكون فائدة الخلاف في أمر إذا وقع وفات ولم يُمكن تلافيه على المشهور، فيُخَرَّج إذ ذاك على قول قائل ؛ لأنه أحسن من خرق الإجماع . ولَعَمْرِي لقد أحْسَنَ هذا في الفتوى، لأن به يستعمل جميع الوجوه، فيكون الأخذ أولاً بالكمال في الدين وهو القوة عملاً بقوله عليه السلام: (المؤمنُ القوي خيرٌ من المؤمن الضعيف وفي كل خيرٌ ) (۳). فإن تعسر عليه الأخذ بالكمال رجع إلى الخلاف وأخذ بالتيسير فيكون بينه وبين المحارم حاجز كبير، لأنه إن تعذر عليه الأخذ بالكمال وجد ما يرجع إليه من غير أن يخرق الإجماع، بخلاف من يأخذ أولاً نفسه بالعمل على الرخص ؛ لأنه إن تعذر عليه الأمر في وقت ما فلا يجد حيلة إلا الوقوع في المحارم، وقد قال عليه السلام: (إن) لكل مَلكِ حِمى، ألا وإن حِمَى الله مَحارِمُه ، فمن حام حول الحِمى يوشك أن يقع فيه ) (٤)

الوجه الثاني : منه قوله عليه السلام ( ولن يشاد الدين أحدٌ إلا غَلَبَه). معناه أن من يريد الأخذ بالكمال، فيريد أن يعمل في كل مسائله بالإجماع فيغلبه الدين؛ لأجل ما ألزم نفسه لأنه يجد كثيراً من المسائل لا ينعقد عليها إجماع .

الوجه الثالث : قوله عليه السلام فسدَّدوا وقاربوا) . السداد هنا على معنيين .

(الأول): أن يكون بمعنى صلاح الحال بالأخذ بما عليه الجمهور والجمهور هم الصحابة

(۱) سورة النساء من الآية ٤٣ .

(۲) سورة النساء، من الاية ۲۳ .

(۳) رواه الإمام أحمد ومسلم وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه . (٤) جزء من حديث رواه الستة من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه .

والصدر الأول لقوله تعالى: ﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ، مَا تَوَلَّى ) (۱) قال :العلماء : هم الصدر الأول، ولقوله عليه السلام (خَيْرُ القرونِ قَرْني ، ثم الذين يلونهم) (۲) .

(الثاني) : أن يكون الآخِذُ بالأظهر من الأدلة، وبالوجه الراجح من الوجوه المحتملات في اللفظ الواحد، ولا يلتفت إلى الشواذ من الطرفين، طرف التشديد وطرف الترخيص . وإنما الشأن الأخذ بالوسط، كما قال الخليفة لمالك، رحمه الله ، حين أراد أن يجمع كتاب المُوَطَّأ، فقال له : اترك تشديد ابن عمر، ورُخَص ابن عباس، وألّف بعد ذلك ما شئتَ . فقال مالك : فخرجت من عنده فقيهاً. ويكون معنى التقريب هنا عند العجز عن الأخذ بما أشرنا إليه في السداد لأجل العذر ، فيُخرج على قول قائل عند العذر، ولا يأخذ بطرف ،التشديد ولا بطرف الترخيص مع عدم العذر . ويكفي في هذا ما روي عن عمر رضي الله حين قيل له عن رجل أتى إلى المدينة يطلب غريب التفسير وغريب الحديث فأمر رضي الله عنه بإحضاره، وقال له : من أنت؟ فقال له : عبد الله بن فلان فقال له عمر وأنا عمر بن الخطاب، ثم أخذ جريداً من نخل، فجعل يضربه بها على رأسه حتى أدماه وهو يقول: أنا عمر بن الخطاب. فقال له الرجل : جزاك الله عني خيراً، قد زال ما كان في رأسي (٣) . ولا ذاك إلا أنه من يطلب ذلك فالغالب عليه أن يعمل على أحد . الطرفين إما بطرف التشديد فيأخذ بالمشادة ويترك السداد، وإما بطرف الترخيص فيكون له ذريعة لأن يقع في المحارم، ويترك الأخذ بالتقريب

الله عنه ،

الوجه الرابع : قوله عليه السلام (وأبشروا). معنى البشارة هنا هي أن من عمل بما ذكرناه فَلْيستبشر بأن الله يجعل له عند العسر يسراً، وعند الضيق مخرجاً، ويؤيد هذا قوله تعالى : ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ، وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ﴾ (٥) وقد حصل له زيادة لتلك البشارة أن

الله عزّ وجلّ قد جعله من المتقين .

(1) سورة النساء، من الآية ۱۱٥ .

جزء من حديث متفق عليه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه، ولفظه (خير الناس قرني ... إلى آخر

الحديث).

(۳) الرجل المشار إليه اسمه : صبيغ بن ،عسل، كان يسأل عن المتشابه، وكان سؤاله لعمر رضي الله عنه عن مشكلات القرآن، فأمر عمر الناس ألا يجالسوه، وضرَبَه حتى أدمى رأسه . فقال : حَسْبُكَ يا أمير المؤمنين قد ذهب الذي كنتُ أجده في رأسي. (انظر: الإصابة ،۱۹۱/۲ ، ومسند البزار ٤۲۳/۱ رقم ۲۹۰ ، والدارمي والخطيب وابن عساكر في التاريخ ۲۳۱/۲ ، والدارقطني في الأفراد (۲۰۲

(٤) سورة الطلاق، من الآيتين ۲ و ۳ . (5) سورة الطلاق، من الآية ٥

ولأجل الجهل بمعنى هذه البشارة دخل بعض الناس عندما ضاق عليهم شيء من الدنيا في المكروهات والمحرمات، ويقولون بأنهم معذورون لأنهم لا يجدون سبباً على زعمهم غير ما هم فيه . وهذا من العلامات الدالة على اقتراب الساعة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، يقول : (من أشراط الساعة طلب الرزق بالمعاصي ) (۱) . فنعوذ بالله من العمى والضلال.

فانظر إلى هذا العمى الكلي والصَّمَم السَّرمدي كأنهم لم يسمعوا قط هذه البشارة، ولم يعرفوا مقتضاها، وكأنهم لم يروا في الكتاب، ولم يسمعوا منه الآيتين المتقدمتي الذكر، وكأنهم لم يسمعوا قوله عليه السلام : لا يُنَالُ ما عند الله إلا بطاعة الله ) (٢) . وكل هذا يدل على أن من طلب الرزق بغير طاعة فقد طلب الشيء من غير ،بابه ، ومن طلب الشيء من غير بابه تعب في طلبه، ورجع بصفقة خاسرة .

وقد نشير إلى شيء من مآثر من مضى حيث كانوا يطلبون الرزق بطاعة ربهم، لِيُتنَبَّهَ بذلك لما أردنا بيانه فمن ذلك ما روي عن بعضهم أنه كان ذا عيال وضاق عليه الوقت، ولم يقدر على شيء، فوقع في باله الأخذ بالطاعة التي هي سبب للرزق فخرج إلى مسجد خرب، فنظفه، وبقي يتعبد فيه . فيخرج غدوة ويخبر أهله أنه يتسبب، ثم يروح عشية ، فيقولون له : أين الأجرة؟ فيقول : الذي خدمت عنده كريم، فاستحييت أن أطالبه حتى يكون هو الذي يعطيني . فبقي ذلك أياماً يسيرة ثم أتى ليلة على العادة إلى منزله، فلما كان بقربه شم روائح طعام ،عطرة، فتعجب من ذلك لأجل أنه يعلم أن جيرانه في ضعف بحيث لا يقدرون على ذلك. فلما أتى منزله فإذا الذي شمّ من ذلك في منزله. فتعجب من ذلك أكثر من تعجبه أولاً، ثم نظر فإذا في بيته طعام وإدام وقماش ودراهم ووجد أهله بكسوة حسنة، فسألهم من أين لكم هذا؟ فقالوا له : إن الكريم الذي أنت تخدم عنده بعث إليك بما ترى وهو يقول لك : لا تقطع الخدمة . فقال : أجل .

فانظر من طلب الشيء من بابه كيف نجح سعيه وظفر بمراده

الوجه الخامس : قوله عليه السلام واستعينوا بالغَدوة والرَّوْحة وشيء من الدُّلجة). الاستعانة هنا هي التعرض لنفحات الله تعالى في هذه الأوقات المذكورة، وتجد إذ ذاك لطفه بك كثيراً، وخيره عليك عميماً . يؤيد هذا قوله عليه السلام إذا سألت فاسْأَلِ الله ) (۳) وقوله عليه

(1) لم تعرف مصدره. (۲) رواه أبو نعيم في الحلية وابن أبي الدنيا والحاكم والبيهقي في المدخل، وصححه الحاكم في المستدرك على شرط مسلم . (۳) جزء من حديث رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما .

السلام : (تَعرَّضوا لنفحات الله ) (۱) وقوله عزّ وجلّ، على لسان نبيه عليه السلام)، يَنزِلُ ربُّنا كلَّ ليلة إلى سماء الدنيا في الثُّلُثِ الأخير من الليل، فيقول: هل من تائب فأتوبَ عليه ؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأستجيب له ؟ ) (۲) فكيف يقول، عزّ وجلّ، هذا ويستغفر أحد إذ ذاك، أو يتوب، أو يدعو ، فَيُرَدُّ؟ ذلك محال من طريق قوة الرجاء في فضله سبحانه ومِنتِه .

وقد نشير إلى شيء من مآثر من مضى في هذا أيضاً ليتبين به المقصود الذي أردنا بيانه فمن ذلك ما روي أن بعض الثوار نزل بحصن فضيّق على أهله حتى هَمّوا بإعطائه . ثم قال بعضهم : لا تعطوه حتى تستشيروا فلاناً على ما أردتم فعله . وكان فلان عندهم رجلاً صالحاً متمسكاً بالخير والسداد. فاستشاروه ، فقال لهم : لا يحل لكم أن تملكوا رقابكم لمن يخالف لسان العلم، ويسفك الدماء بغير حقها. فبلغ ما قال لهم إلى الثائر. فأرسل إليه يهدده وهو يقول له: أما تعرف بطشي وصِغَرَ سِنّي ؟ فأرسل الشيخ إليه الجواب، وهو يقول له : أما تعرف كِبَرَ سنّي وقيامي له بالليل، ودعاي له في الأسحار؟ فلما أن وقف الثائر على الجواب لَحِقَه الرعب، وأقلع من حينه . ومما يزيد هذه الأوقات شرفاً وترفيعاً وترغيباً في المحافظة عليها قوله تعالى : ( وَاصير نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْفَدَوْةِ وَالْعَشِي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوةِ الدُّنْيا ) (۳) فمن رغب في هذه الأوقات، وحافظ عليها، أعينَ على ما أخذ بسبيله، ثم زاده على ذلك بشارة، وأي بشارة ترتاح لها نفوس العاملين العارفين ؛ وهي ما أخبر، عزّ وجلّ، في كتابه حيث قال : ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَءَانَنهُمْ تَقْوَنهُمْ ﴾ ( ٤ ) .

يا لها من بشارة ارتاحت لها نفوس الموفقين، وسكن بها حزن الخائفين، وتسابقت لها أقدام السابقين ! منحنا الله منها من فضله ما يليق بفضله

ثم نرجع الآن إلى البحث المتقدم والكلام على الوجه السادس

الوجه السادس

الأول منه ،قوله عليه السلام: إنّ الدِّينَ يُسْرِّ ) . قد يراد به أن ما طلب منكم وهو الإذعانُ

(۱) رواه الطبراني والترمذي في النوادر والبيهقي في شعب الإيمان والسيوطي في جمع الجوامع من حديث أنس

رضي الله عنه .

(۲) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .

(۳) سورة الكهف، من الآية ۲۸ .

(٤) سورة محمد من الآية ۱۷ .

والاستسلام، يُسْر ، يشهد لهذا قوله عليه السلام للصحابة حين أنزل عليه : ﴿ وَإِن تُبْدُوا مَا فِى : أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله ) (۱) فشَقَّ ذلك عليهم فقال لهم : (لا تكونوا مثل بني إسرائيل، ولكن قولوا آمَنَّا بالله وما أَنْزَل) فَآمَنُوا وأَذعَنوا فأنزل الله إذ ذاك ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَتَبِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ، وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ . لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ (٢) فجاءهم هذا الفرح العظيم لاستسلامهم وإذعانهم لأمر ربهم والإذعان والاستسلام يُسْرٌ ، لا شك فيه لأنه قد عمل بالقلب دون جارحة تتحرك فيه

الوجه الثاني ،قوله عليه السلام ولن يُشادَّ الدِّينَ أحدٌ إلا غَلَبَه) . معناه : أن مَن لم يرض بالمقدور ولم يقع منه الإذعان والاستسلام لما فُرِض عليه، ويرى أن ما كلّفه من باب المشقة فقد شادَّ دينه، وإذا شادَّ دينه غلبه . وذلك مثل ما حكي عن بني إسرائيل حين أُمروا بالقتال فأبوا، وقالوا لنبيهم : فَأَذهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إنَّا هَهُنَا فَعِدُونَ ﴾ (٣) فشدد عليهم حين لم يَرْضَوْا ولم يذعنوا لما كُلِّفوا به فابتُلُوا لأجل ذلك بالتيه أربعين سنة، حتى مات فيه كبارهم ونشأ فيه صغارهم.

يزيد هذا إيضاحاً قوله تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّبِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . أُوْلَيْكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَتبكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (٤) فَمَن رُزِق الإذعان للمقدور، والصبر عند نزوله ، عَظُمَ أجرُه ، ولُطف به. وإن ضجر وتسخط كان مأثوماً ، والمقدورُ لم يتغيَّر ، فشادَّ دينه فغلبه الدِّينُ . نعوذ بالله من ذلك .

الوجه الثالث ،قوله عليه السلام (فسددوا وقاربوا) . السَّداد هنا بمعنى صلاح الحال في توطين النفوس للتسليم والانقياد والمقاربة هنا أي إن لم تبلغوا هذا المقام فقاربوا إليه، لأن ما قارب الشيء أُعطِي حكمه .

الوجه الرابع ،قوله عليه السلام: (وأبشروا) . البشارة هنا هي أن من فعل ما ذكرناه، ووطَّنَ نفسه على ذلك واستسلم، فليستبشر بما تضمنته بقية الاية الموردة إلى آخر السورة، وهو قوله عزّ وجلّ: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى

(۱) سورة البقرة من الاية ٢٨٤ . (۲) سورة البقرة، الآية ۲۸٥ و من ۲۸٦ . (۳) سورة المائدة ، من الاية ٢٤ .

(٤) سورة البقرة الايات ١٥٥ و ١٥٦ و ١٥٧ .

الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا

وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١)

الوجه الخامس قوله عليه السلام واستعينوا بالغَدوة والرَّوْحة وشيء من الدلجة) الاستعانة هنا هي أن من عَسُر عليه العمل بما ذكرناه من نفسه فليقف بالباب الجليل في هذه الأوقات المعينة، ويلزم ذلك، يُرزَق العونَ إذ ذاك على النفس ويظفر بالنُّجح. ولأجل تضييع هذه الاستعانة غلبت بعض الناس نفوسهم، فلم يحصل منهم ما أريد منهم من الإذعان والاستسلام لأجل أنهم وكلوا إلى أنفسهم لكونهم لم يستعينوا بما شُرع لهم الاستعانة به ومثل هذا قوله عليه السلام للصحابة حين أخبر بالفتن فقالوا له : ما النجاة من ذلك ؟ فقال : (الجَأوا إلى الإيمان والأعمال الصالحات) (۲) .

وهذه الفتن قد كثرت وتكاثرت والقليل النادر من أخذ بالدواء الذي يعينه على النجاة منها. لا جرم أنّ الهالك قد كثر ، والناجي قد قل لقلة الامتثال لما به أُمِر . فبادر أيها المسكين للعمل، واترك الكسل قبل وزود الحِمام وتراكمِ المِحَن ، ويقال لك : (الصَّيْفَ ضَيَّعْتِ اللَّبنَ) (۳) .

ثم نرجع إلى البحث المتقدم والكلام على الوجه السابع :

الوجه السابع

الوجه الأول منه ،قوله عليه السلام: (إن الدِّينَ يُسْرُ). قد يراد به الأخذ بأقرب الوجوه التي اختلف فيها دون تعمّق في أَحَد الطرفين، طرف التشديد وطرف الترخيص، وترك الالتفات والمبادرة إلى الامتثال . وإذا كان المراد هذا، وهو المبادرة إلى الامتثال وترك الالتفات فهو يسر

لا شك فيه .

الوجه الثاني ،قوله عليه السلام: ( ولن يُشادَّ الدِّينَ أَحدٌ إلا غلبه. أي لا يشدّد أحد على نفسه إلا ويشدّد الله عليه، لأجل تنطعه أو تسامحه في دينه . وذلك مثل ما حكي عن بني إسرائيل في البقرة التي أُمِروا بذبحها . لو أخذوا في امتثال ما به ،أمروا ، وذبحوا بعض البقر دون سؤال عن كيفيتها لأجزأت عنهم وكانوا بذلك ممتثلين للأمر، ولكنهم ث فسألوا عن صفتها وكيفيتها

(۱) سورة البقرة من الآية ٢٨٦ .

(۲) لم نعرف مصدره .

(۳) مثل يضرب لمن يطلب الشيء في غير أوانه .

ج (1)

فشدد عليهم فيها، فطلبوها فلم يجدوها ،زماناً ، ثم وجدوها بقرة واحدة عند شخص واحد، فطلبوها منه للشراء، فأبى عليهم، فما زالوا به إلى أن أنعم عليهم بالبيع، فاشتروها منه بملء جلدها ذهباً وفضة . قيل : مرة، وقيل عشراً . فشدَّدوا فشدّد عليهم .

ولأجل هذا كان النبي ، الله يكره كثرة السؤال (۱) ، ويذمّ فاعله خيفة التشديد، حتى كان

الصحابة رضي الله عنهم، يتمنون أن يقدم على النبي ، ا ، غريب يسأله، فيسمعون الجواب ) . وهذا المعنى إنما كان الخوف منه في زمن النبي ، لا لا لا لا ل ل لأن الأحكام كانت إذ ذاك تتجدد في كل وقت وحين، فلما انتقل إلى ربه طاهراً مطهراً ، ، زال ذلك .

لكن بقي في بعض الناس ما يشبه ذلك، وهو كثير . فمن ذلك الوسواس الذي لبعضهم في شيء من تعبداتهم حتى يُخلوا بلسان العلم فيه فيبقى في تعبده على ضلال، وهو يحسب أنه يُحسِن صُنْعاً. وقد قال يُمن بنُ رزق - الإمام في الطريقتين - رحمه الله : إن الشيطان يأتي لابن آدم، فيرغبه في المعاصي، هذا بعد عجزه عن أن يوقع له شبهة في عقيدته، فإن قدر عليه فهو مقصوده وإن لم يقدر عليه رجع إليه من طريق الوسواس في تعبده حتى يجعله يُخلّ بشيء من لسان العلم . فإذا نال ذلك منه قنع به، ثم تركه وحَبَّب إليه العبادة، ومَدَّ له في الصوت، وربما تعرض له بعد ذلك مارِدٌ من الشياطين يريد أن يُغوِيَه فيقول له : دَعْه، فإنه بعملي يعمل . فشاء دينه فغلبه الدين، فانقلب بصفقة خاسرة . نعوذ بالله من العمى والضلال.

الوجه الثالث قوله عليه السلام فسدّدوا وقاربوا). سددوا أي سَدّدوا حالكم باتباع الفروض والسنن ،وقاربوا ، أي إن لم تقدروا على هذا السداد فقاربوا إليه، فإن لم تقدروا فجاهدوا النفوس في الحمل عليه ) فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَال ) (۳) ؟

الوجه الرابع : قوله عليه السلام: (وأبشروا) . أي إن فعلتم ما أُمرتم به كما ذكرناه لكم فأبشروا عند تلك المجاهدة بتيسير سُبل الخير والهداية، يشهد لهذا قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) (٤)

روى البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله كره لكم ثلاثاً : قيل

وقال، وإضاعة المال وكثرة السؤال

(۲) مروي بمعنى الحديث الذي أخرجه البخاري عن أنس رضي الله عنه قال : نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الأعرابي فيسأل رسول الله ... إلى آخر الحديث .

(۳) سورة يونس من الاية ٣٢ . (٤) سورة العنكبوت من الاية ٦٩ .

الوجه الخامس : قوله عليه السلام واستعينوا بالغَدوة والرَّوْحة وشيء من الدلجة) . الاستعانة هنا هي الملازمة على قرع الباب في هذه الأوقات، والمحافظة على ذلك عند نزول المحن لأن ذلك هو سبيل النجاة، فيأتيكم العونُ من عالم الخَفِيّات يشهد لهذا قوله عليه السلام: (مَن فُتح له في الدعاء، فقد فتحت له أبواب الخيرات)(۱)، وقوله، عليه السلام، إخباراً عن ربه، عزّ وجلّ ، من شَغَله ذكري عن مسألتي أعطيتُه أفضل ما أُعطِي السائلين (۲) .

والفتن،

ثم نرجع الآن إلى البحث المتقدم والكلام على الوجه الثامن :

الوجه الثامن

الوجه الأول منه قوله عليه السلام: (إنّ الدِّينَ يُسْرٌ ) . قد يريد به قِصَرَ الأمل ؛ لأن قصر الأمل من الأسباب المعينة على الدين فيصير الدِّينُ بسببه يُسراً . بيان ذلك أن الأمل إذا قصر قلَّ الحرص وسهل الزهد، وخَفَّ العمل. وقد جاء هذا نصا منه عليه السلام، حيث قال : إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيتَ فلا تحدث نفسَك بالصَّباح) (۳) .

وقد رُوي أن عيسى عليه السلام مرَّ في سياحته بشيخ كبير ، وهو يخدم في حائط (٤) له ، فتعجب عيسى عليه السلام من كبر سنّه ، وشدّة حرصه على التكسب . فلما أن وقع منه التعجب في ذلك راه قد أزال المسحاة من يده وأقبل على العبادة متوجهاً يشتغل بأنواع الخير ، فبقي على ذلك برهة من الدهر، ثم قام إلى الخدمة، كما كان أوّلاً ، فتعجب عيسى عليه السلام من ذلك أكثر من تعجبه أولاً، ثم أتى الشيخ فسأله : ما الموجب في تركك الخدمة، وما الموجب في عودك إليها؟ فقال له الشيخ: كانت خدمتي أوّلاً لِمَا طُبع عليه البشر من التكسب في هذه الدار لتحصيل ضروراتهم، فخطرت لي فكرة في كبر سنّي، وأن الموت قد دنا مني فقلت: ما لي وللتعب ااتَّعَبُ لغيري؟ فتركت الخدمة، وأخذت فيما أنا سائر إليه . ثم خطر لي أن قلت : ولعل أن يَطُولَ عُمُري ، فأحتاج إلى الغير، ففضلت التكسب على ما كنت أخذتُ ،بسبيله، فعدتُ إلى حالتي الأولى .

وهذه سنة الله تعالى مع أوليائه، ما سَهَّل عليهم العمل، وقطعوا مفاوز أعمالهم بالشغل بعبادته، والإقبال عليه إلا أنه عزّ وجلّ قصّر ،آمالهم فتيسر عليهم من أجل ذلك ما تعشر على

(1) رواه الترمذي والحاكم في المستدرك وحسنه البغوي في المصابيح عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً. (۲) رواه البخاري في التاريخ والبزار في المسند والبيهقي في الشعب من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه (۳) رواه البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما وأوله : كن في الدنيا كأنك غريب.

(٤) حائط بستان، حديقة .

غيرهم وقد قال عليه السلام لأسامة حين باع أو اشترى نَسِيئة إلى شهرٍ فقال: (إن أسامة لطويلُ الأمل ) (١) .

الوجه الثاني منه ،قوله عليه السلام : ولن يُشادَّ الدِّينَ أَحدٌ إلا غَلَبه. معناه أن من أطال الأمل وقع له الكسلُ إذ ذاك، فغلبه الدِّينُ لأجل طول أمله . ومن آخر كلام عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه : يا هذا لا تُدخِل هَمَّ غدِك على يومك، فإن عشت فسيأتيك الله برزق جديد، وإن متَّ فلا تَشْغَلْ وقتك بما لا تلحقه. ومن هذا الباب ضاع كثير من العباد . الوجه الثالث : قوله عليه السلام: (فسدّدوا وقاربوا). سدّدوا أي: وطنوا النفس على قضر الأمل، لأن ذلك عين السداد وقاربوا أي: إن لم تقدروا على الأعلى في هذا السداد فقاربوا إليه، ولا تبعدوا عن الأعلى، والأخذ بالكمال فتُسبقوا، والمسبوق محروم .

الوجه الرابع ،قوله عليه السلام وأبشروا ) أي : أبشروا بصلاح دينكم ودنياكم إن قبلتم

ما به قد أشير عليكم، وأرشدتم إليه .

الوجه الخامس ،قوله عليه السلام واستعينوا بالغَدوة والرَّوحة وشيء من الدلجة). الكلام

على الاستعانة هنا كالكلام على الوجه قبله

ثم نرجع الآن إلى البحث المتقدم والكلام على الوجه التاسع :

الوجه التاسع

الوجه الأول منه قوله عليه السلام: (إنّ الدِّين يُسر ) . قد يريد به الرضا، لأنه معنى من المعاني يبلغ به أعلى المقامات، لأنه أعلى درجات السالكين يشهد لذلك قوله عليه السلام لابن عباس : (يا بني إن قدرت أن تعمل الله باليقين في الرضا فافعل وإلا فالصبر على ما تكره فيه خير

كثير ) (٢) .

الوجه الثاني قوله عليه السلام: (ولن) يُشادَّ الدِّينَ أحدٌ إلا غَلَبه أي من لم يرض بالمقدور ،وتسخط شاد دينه فيغلبه الدين ولهذا قال بعض الفضلاء من أهل السلوك تحرّ

(۱) رواه ابن أبي الدنيا والطبراني في مسند الشاميين وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإيمان بإسناد ضعيف . قاله العراقي في تخريج الإحياء. (۲) جزء من حديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي أوله : يا غلام إني محدثك كلمات، احفظ الله يحفظك) رواه الإمام أحمد والبيهقي في الشعب والترمذي في السنن والحاكم في المستدرك. ورواية الشيخ ابن أبي جمرة بالمعنى .

المقادير، فإن رضيتَ جَرَت وأنت مأجور ، وإن سخطت جرت وأنت مأزور (۱) . فغلبه الدين لأجل

ما ترتب عليه من الوزر عند عدم الرضا .

الوجه الثالث : قوله عليه السلام فسددوا وقاربوا سددوا :أي خذوا بحقيقة الرضا و (قاربوا) أي إن لم تطيقوا ذلك فقاربوا إليه والمقاربة إليه هي: الصبر كما تقدم من ،قوله عليه السلام لابن عباس : فالصبر على ما تكره فيه خير كثير . وفائدة الرضا لا تظهر إلا عند الشدائد وتراكم المحن، وأما عند العافية والرخاء فلا ، لأن كل أحد يرضى بذلك.

الوجه الرابع : قوله عليه السلام: (وأبشروا). البشارة هنا هي أن من أخذ بالوجه المذكور أو بالوجه بعده فَلْيستبشر بنجح سعيه وظفره بمراده كلّ على قدر رضاه أو صبره، ثم يزاد له عند ذلك بشارة أخرى، وأي بشارة، زيادة على ما احتوى عليه لفظ الحديث، وهي ما تضمنه قوله تعالى في كتابه * وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ) (۲) فإذا كانت الزيادة بحسب الفضل، فكيف يكون عظم البشارة؟

منحنا الله سبحانه منها من فضله ما يليق بفضله .

الوجه الخامس ،قوله عليه السلام واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من (الدلجة الاستعانة هنا كما هي في الوجه قبله .

ثم نرجع إلى البحث المتقدم والكلام على الوجه العاشر :

ميلة

الوجه العاشر

الوجه الأول منه ،قوله عليه السلام: (إن الدِّينَ يُسرِّ ) . قد يريد به اليقين، لأنه معنى من المعاني، ويُكتسب به أعلى الدرجات والمقامات. يشهد لهذا قوله عليه السلام في حق أبي بكر : (ما) فضلكم بكثرة صوم ولا صلاة ، ولكن بشيء وَقرَ في صدره) (٣) . والشيء الذي كان وقر في صدره هو قوة اليقين فنال أبو بكر ، رضي الله عنه أعلى المقامات، وفَضَل غيره بذلك المعنى الذي وقر في صدره دون تعب في العمل بجارحة . وهذا يُسر لا شك فيه .

ولأجل هذا حض عليه السلام على تكسبه ليتيسر على أمته حيث قال : (تعلموا اليقين فإني

(۱) مأزور من الوزر وهو الذنب. وهي عكس (مأجور)

(۲) سورة النساء من الآية ۱۷۳ .

(۳) قال السخاوي في المقاصد ٣٦٩ رقم ۹۷۰ : قال العراقي : لم أجده مرفوعاً، وهو عند الحكيم الترمذي في نوادر

الأصول من قول بكر بن عبد الله المُزَّني .

أتعلمه) (۱) . وهذا الذي حض عليه هو ما يُؤخذ بالكسب ؛ لأن اليقين على ضربين فيضي وكَسْبي . فأشار عليه السلام هنا إلى ما للعبد حيلة في تكسبه وكيفية التسبب إلى تعلمه هي التفكر فيما أظهر عزّ وجلّ في عالم الحس من أحكامه وإرادته الجارية مرة على نوع، وأخرى على ضده. والصورة واحدة، وما يظهر للعبد من ترجيح شيء ، ثم يرجح غيره عليه في وقته .

ولأجل النظر إلى هذه الدقائق التي أشرنا إليها قوي إيمان الأولياء والصالحين بزيادة اليقين

حتى قيل لبعضهم : بم عرفت الله تعالى؟ فقال : بنقضه لعزائمي . وكذلك أيضاً يتسبب في قوة اليقين بالنظر في ملكوت السَّماوات والأرض الذي جعله عزّ وجلّ للخليل عليه السلام سبباً لقوة اليقين كما تقدم في الحديث قيل : ولهذا قال عليه السلام : (تَفَكَّرُ ساعةٍ خيرٌ من عبادة الدَّهر ) (۲)، لأنه بالتفكر في مثل ما ذكرنا يحصل به من اليقين في ساعة واحدة ما لا يحصل في عبادة الدهر فيتيسر عليه الدِّين وإن كان صعباً. وقد وصفهم الله ، عزّ وجلّ، بهذه الصفة في كتابه، حيث قال : إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَأَنقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوهُ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ

اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ) (۳) .

فانظر لما أن قوي يقينهم بثقتهم بربهم زال عنهم رعب ما أخبروا به، وانقلبوا بعد ذلك بالفضل العميم والنعمة الشاملة في الدنيا والآخرة، فربحوا الدارين بتلك اللحظة التي فَوَّضوا الأمر فيها إلى ربهم، واستندوا إليه بقوة يقينهم.

الوجه الثاني : قوله عليه السلام: (ولن يُشادَ الدِّينَ أحدٌ إِلا غَلَبه) . أي من ضَعُف يقينه ، ولم يأخذ بالسبب الذي يقويه له، كما أشرنا إليه، فقد شادَّ دينه ومن شادَّ دينه غلبه الدِّين والغلبة هنا هي ما يكون من تسويلات النفس وتسويلات الشيطان ،وتخويفاته وقد وصفهم الله عزّ وجلّ، بذلك في كتابه حيث قال يَعِدُهُمْ وَيُمَنّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ) ( ٤ ) .

مداری

الوجه الثالث : قوله عليه السلام فسدّدوا وقاربوا) . أي خذوا بالأعلى من اليقين، واعملوا عليه وقاربوا أي إن لم تقدروا على الكمال فلا تبخسوا أنفسكم منه ، فيتعسّر عليكم الدين. ومن تعسر عليه دينه باءَ بالخسران والضلال . نعوذ بالله من ذلك .

(۱) تقدم تخريجه في الوجه الأول من هذا الحديث. (۲) سبق تخريجه في الحديث الأول.

(۳) سورة ال عمران من الآية ۱۷۳ والآية ١٧٤ .

(٤) سورة النساء من الاية ۱۲۰ .

الوجه الرابع : قوله عليه السلام وأبشروا) . أي أبشروا باليقين الفيضي الآتي من الفضل العميم إن أنتم امتثلتم الأمر بما أشير به عليكم فكسبتم من اليقين ما آلَ بكم إلى تكسبه .

الوجه الخامس ،قوله عليه السلام واستعينوا بالغَدوة والرَّوْحة وشيء من الدلجة) الاستعانة هنا كالوجه ،قبله يستعان بالعمل في هذه الأوقات المذكورة، ويُلجأ إلى الله فيها، لعله بفضله يجود، وبفضله أن يلهمنا النظر بالاعتبار في الأشياء التي يتقوّى بها اليقين، ويؤيدنا بالتوفيق من عنده ويزيدنا على ذلك .

الضرب الآخر : هو الذي لا يؤخذ بالكسب، وإنما يؤخذ بالفيض، فمن تعشر عليه شيء من هذا، أو حرم منه البتة، أو هو يريد الزيادة على ما حصل له فليقف بالباب في هذه الأوقات، ينجح له سعيه، ويظفَرُ بمُراده، لأن المخبر صادق، ومن أحيل عليه كريم، وهو لا يخلف الميعاد .

ثم نرجع إلى البحث المتقدم والكلام على الوجه الحادي عشر :

الوجه الحادي عشر

الأول منه ،قوله عليه السلام إنّ الدِّينَ يُسْرُ ) . قد يريد به ترك ما للنفس من الحظوظ، واستسلامها بين يدي ،مولاها لأن طلبها حظوظها وترك استسلامها هو الحجابُ الأعظم، ولأنها ما أشرفت قط على شيء إلا أفسدته إلا من عصمه الله من شرها ، فقمعها بالاستسلام والانقياد ، وتَرْكُها

يسير على من يسره الله عليه . وقد سئل بعض الفضلاء من السالكين عن كيفية الوصول، فقال : اترك نفسك وقد وصلت .

الوجه الثاني : قوله عليه السلام (ولن يُشادَّ الدِّينَ أحدٌ إلا غَلَبَه. أي أن من عمل على حظوظ نفسه، فبلغها ،آمالها، وترك استسلامها، فقد شاد دينه ، وإذا شاد دينه، غَلَبه الدِّين، لأنه يُحْرَم بحجاب نفسه ما أُعِدَّ له من الخيرات عند الاستسلام من الألطاف والعون وغير ذلك.

الوجه الثالث : قوله عليه السلام: فسددوا وقاربوا) . فسدّدوا أي اعملوا على تَرْكِ ما للنفس : من الحظوظ مرة واحدة وأزيلوها عن ذلك وسلّموها إلى خالقها تَسْعَدوا (وقاربوا) أي : إن لم تقدروا على ذلك، وغلبتكم نفوسكم، فخذوا في الرياضة والمجاهدات حتى يأتي لكم منها ما قد

أشير به عليكم . الوجه الرابع ،قوله عليه السلام: (وأبشروا) . أي أبشروا إن أنتم فعلتم ما ذكر لكم بأن الله خيْرٌ لكم من أنفسكم، وأرحم بكم منكم ، وأنه يبلغكم آمالكم كيف لا، وقد قال تعالى في كتابه :

وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) (۱) ، وقال تعالى ﴿ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانِ وَجَنَّتٍ هُم فيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمُ . خَلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) (۲) ، وقال تعالى ( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى . فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ) (۳).

الوجه الخامس ،قوله عليه السلام (واستعينوا بالغَدوة والرَّوحَةِ وشيء من الدلجة). أي استعينوا بهذه الأوقات، وحافظوا عليها تعانوا على ما أريد منكم ، وتفوزوا برضا ربكم عنكم . فهل من مشمّر يغتنم حصول زمن الإعانة قبل أن يفوته ثم لا يجد لنفسه على ما فرط فيه

إقالة ؟

ثم نرجع إلى البحث المتقدم والكلام على الوجه الثاني عشر :

الوجه الثاني عشر

الوجه الأول منه قوله عليه السلام: (إنّ الدِّينَ يُسْرٌ ) . قد يريد به إذا كان الدين الله خالصاً ويكون به وله فيعمل على التعظيم لحق ،مولاه، فإذا فعل هذا تيسر عليه الدين، لأنه يجد إذ ذاك حلاوة الطاعة، وتخفّ عليه بَلْ يتغذى بها، فيرجع ملكي (4) الباطن ، بَشَريَّ الظاهر. ولهذا قال

بعض الفضلاء من أهل السلوك مساكين أهل الدنيا، خرجوا من الدنيا ولم يذوقوا من نعيمها شيئاً قيل : وما نعيمها ؟ قال : حلاوة الطاعة. وقد ندب عزّ وجلّ لذلك في كتابه وحصّ عليه حيث قال: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ (٥) ، ثم جعله ، عزّ وجلّ متلوا في كل ركعة، مبالغةً في الحض على ذلك، حتى يكون حالاً، فإذا كان الله معينه وهادِيَه حُمِل باللطف والعناية، وتُوّج

بالبر والكرامة .

الوجه الثاني : قوله عليه السلام : (ولن يُشادَّ الدِّينَ أحد إلا غلبه). أي من اعتمد في دينه على نفسه، ولم يتعلق بالله فيه، فقد شاد دينه، وإذا شادّ دِينَه غلبه الدِّين، بما يظهر له من عيوب نفسه، و عجزه عن الخروج عنها، ثم يلحقه إذ ذاك أحد وجهين وكل واحد منهما إذا وجد في الشخص علم أنه هالك به إلا أن يتداركه الله باللطف والإقالة .

(1) سورة الأحزاب، من الآية ٤٣ (۲) سورة التوبة ، من الايتين ۲۱ و ۲۲ . سورة النازعات، من الآيتين ٤٠ و ٤١ .

(٤) مَلكي : نسبة إلى الملك . (٥) سورة الفاتحة ، الآية ٥ .

(أحدهما ) : القنوط من عدم بلوغ ما يؤمل فإذا اتصف بهذه الصفة خيف عليه إذ ذاك، لقوله

عليه السلام إخباراً عن ربه عزّ وجلّ ، يقول : لو كنتُ معجّلاً عقوبة لعجلتها على القانطين من

رحمتي) (1) .

على

(ثانيهما): رضاه بما هو عليه من الحال ودوامه عليه. فإذا اتصف بهذه الصفة أيضاً خيف عليه، لقوله تعالى في كتابه : ﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ) (۲) قال المفسرون : معناه : أنهم يصبرون الأفعال التي يعلمون أنها توجب لهم النار ، فكأن الصبر في الحقيقة على النار ، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَمَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ) (۳) ، ونحن نشاهدهم يأكلون طعاماً طيب المذاق، ولكن لما أن كان ذلك الأكل يؤول بهم إلى النار جعله عزّ وجلّ، كأنه النار .

الوجه الثالث ،قوله عليه السلام: (فسددوا وقارِبوا) . (سدّدوا) أي سددوا ما بينكم وبين أنفسكم، وتعلَّقوا بربكم في كل لحظاتكم واستعينوا به في كل أموركم و (قاربوا أي إن لم تقدروا على هذا السَّداد فقارِبوا إليه وخذوا أنفسكم بالرياضة في الوصول إليه، ولا تَغْتَرُّوا بطول المهلة لئلا يقال لكم : ﴿ أَوَلَوْ نُعَمِّرَكُم مَّا يَتَذَكَرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ (٤) .

الوجه الرابع : قوله عليه السلام وأبشروا ) . أي إن تعلقتم به واستسلمتم إليه فأبشروا أنكم تجدونه حيث تؤملون. كيف لا ؟ وقد قال تعالى على لسان نبيه عليه السلام (أنا عند ظن عبدي بي)(٥).

الوجه الخامس ،قوله عليه السلام : ( واستعينوا بالغَدوة والرَّوحة وشيء من الدُّلجة أي استعينوا بهذه الأوقات واغتنموا العمل والوقوف فيها بباب ،مولاكم تعانوا على ما أريد منكم ويسهل عليكم ما عَسُر . فالحاصل من هذا الوجه لمن امتثله زيادة بشرى على البشرى المتقدمة، لأن الإعانة تقتضي البشرى وقد تقدمها بشرى أخرى والبشارات هنا ،متعددة والمخبر صادق

والمقصود غني كريم ، يقبل من المُحْسِن ، ويتجاوز عن المسيء فهل من مشمّر صادق؟ ومثل هذه البشارة ما تضمنه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ؟ أَلَمْ يَجْعَلْ

(1) لم نعرف مصدره. (۲) سورة البقرة من الآية ١٧٥ .

(۳) سورة النساء من الآية ۱۰ و (ناراً) مجاز مُرْسَل علاقته المستقبلية

(٤) سورة فاطر من الاية ۳۷ .

(٥) حديث قدسي. متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .

كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ؟ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ ؟ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ ؟ فَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مأكولم ﴾ (۱) وذلك أن الله عزّ وجلّ، لما أن قال للملائكة ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) فقالت الملائكة : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ) (۲) فغضب عزّ وجلّ عليهم ففزعوا، فطافوا بالعرش أسبوعاً، فغفر عزّ وجلّ لهم وأقالهم ، ثم قال لهم : ابنوا في الأرض بيتاً يطوف به المذنبون من بني آدم أسبوعاً كما طفتم أنتم بالعرش فأغفر لهم وأرحَمَهم ، كما فعلتُ بكم. ففعلوا .

فلما جاء الطُّوفان رُفع، وبقي أساسه ثم ،أمر عزّ وجلّ خليله إبراهيم عليه السلام ببنيانه، وأمره أن ينادي إليه ، وقال له : عليك بالنداء وعلينا البلاغ فامتثل ما قيل له، فأوقع الله صوته لكل من كان سبق في علم الله أنه يحج إليه من ولد آدم في الأرحام والأصلاب. فلما أن تعرض صاحب الفيل إلى هدم هذا البيت الذي جعله عزّ وجلّ سبباً لرحمة بني آدم وللمغفرة لهم، وأراد أن يحج الناس إلى بيت بناه صاحب الحبشة، وكان جيشه لا يطاق فعل الله به ما قد نص في السورة ومتضمن الإخبار بذلك وفائدته أن تعلم عِظم رحمة الله عزّ وجلّ ولطفه ،بخلقه، لأنه عزّ وجل، يقول بمتضمن ذلك الإخبار : (يا أيها المؤمن المذنب ؛ انظر إلى أثر قدرتي كيف أهلكتُ من أراد أن يقطع عنك ،رحمتي، مع تمردك عَلَيَّ، وأخذك لنعمي لتستعين بها على المعاصي؟ هذا ما أنا لك، وأنت على هذا الحال فكيف أكون لك إذا أقبلت عليَّ، وامتثلت أمري واتَّبعتَ كتابي وسنة نبيّي؟ أيقدر أحد على ضرّك، أو يصل إليك بسوء؟ كيف تكون لو تركتك لنفسك، أو تركتُ نصرتك إلى غيري أو أحوجتك إلى غيري؟ أقبل عليّ تجدني بك رحيماً، وعليك منعِماً، ولك وليا وناصراً. أولم تسمع خطابي لك ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (۳) فاستنصر بي أنصرْك ، وتضرع إلي أرحمك إني أرحم بك منك وأقوى على نصرتك منك .

فمن تأمل هذه البشارة ،ففهمها وعمل عليها، وجدها صدقاً حقاً ولقد رأيت بعض الفقراء، وكانت سنه فوق المائة سنة ، يقول : منذ رأيت شيخي لم أطلب حاجة من أحد فيقال له في ذلك فيقول : إنه أوصاني وقال لي في وصيته : اجعل حاجتك في كفكَ. فكنتُ كلّما أردت حاجة بسَطتُ يدي إلى الدعاء، فدعوتُ الله في قضائها، فإن كانت خيرا قضاها لي، وإن كانت شرًا أبعدها عني .

ثم نرجع الآن إلى البحث المتقدم والكلام على الوجه الثالث عشر .

(۱) سورة الفيل الآيات ١ - ٥ . (۲) سورة البقرة من الاية ۳۰ .

(۳) سورة الروم، من الآية ٤٧ .

الوجه الثالث عشر

الأول منه قوله عليه السلام: إن الدِّينَ يُسرِّ ) . قد يريد به جميع الوجوه المتقدم ذكرها وما يتشعب منها ، أو أكثر منها، لولا التطويل لذكرنا منها جُمَلاً كلها بأدلتها . لكن من نظر وتأمل ما أشرنا إليه على تنويع احتمالاته سهل عليه النظر فيما عداه وبانت له طرق الرشاد، وتبين له اليسر على مقتضى احتمالاته ومشادة كل وجه بما يضاده، وبشارته بحسبه والاستعانة فيه بحسب مناطه والزيادة في الكل بحسب الفضل العميم .

جعلنا الله ممّن هداه لذلك ،بمنه وأسعده بما إليه هداه .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .

اليه

حالة

خاردار

مان

لولنا (1)

حديث وفد عبد القيس

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن وفد عبد القيس لما أَتَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، قال : مَنِ القوم ؟ أو من الوفد؟ قالوا : ربيعة قال : مرحباً بالقوم أو بالوفد، غيرَ خَزايا ولا نَدامَى فقالوا : يا رسول الله ، إنَّنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحيّ ال من كفار مُضَر، فمُرْنا بأمرٍ فَضْلٍ نُخبِرْ به مَن وَراءنا، ونَدخُل به الجنةَ. وسألوه عن الأشربة فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع أمرهم بالإيمان بالله وحده . قال : أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ الله ، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تُعطوا من المَغْنَمِ الخُمس (۱) . ونهاهم عن أربع عن الحنتم والدُّبَاءِ، والنقير والمزفّت. وربما قال المُقيَّر. وقال : احفظوهن، وأخبروا بهنّ مَن وَراءَكم.

ظاهر الحديث يدل على وجوب الأربعة المأمور بها فيه وترك الأربعة المنهي عنها فيه، والحض على ذلك بالحفظ والتبليغ . والكلام عليه من وجوه :

الوجه الأول: قوله (مَن القَوْمُ أو مَنِ الوفد . هذا شك من الراوي في أيهما قال عليه السلام، هل القوم أو الوفد؟ وفي هذا دليل على صدقهم وتحرزهم في النقل، لأنه لما أن وقع له الشك أبدى ما كان عنده .

الوجه الثاني : فيه دليل على أن من السنة سؤال المقصود للقاصد عن نفسه حتى يعرفه ؛ لأنه،

عليه السلام، سأل عن هذه القبيلة حين قدمت عليه حتى عرفها .

(۱) لعلها إشارة منه إلى نصرهم على كفار مضر، وأخذ الغنائم منهم.

الوجه الثالث : في هذا من الفقه أن يُنزَلَ كل إنسان منزلته ؛ لأن سؤاله عليه السلام إنما كان

لأجل هذا المعنى ،ولأنه عليه السلام قد نص على ذلك في غير هذا الحديث حيث قال : (أنزلوا الناس منازلهم) (۱) . فما نص عليه في هذا الحديث فعله فيما نحن بسبيله، فإذا لم يعرف الإنسان القادم عليه لم يتأنَّ له أن يُنزِلَه منزِلَتَه . ولهذا كان الخلفاء، رضوان الله عليهم، إذا جلس أحد بإزائهم، وهم في المسجد سألوه : ما معك من القرآن؟ ولا ذاك إلا لأن يُنزِلوه منزِلَتَه ، لأن الفضل كان عندهم بحسب ما يكون عنده من القرآن .

الوجه الرابع : قوله (قالوا ربيعة) فيه دليل على ما خَصَّ الله عزّ وجلّ به العرب من الفصاحة والبلاغة؛ لأنه لما أن سأل عليه الصلاة والسلام من هم؟ لم يذكروا له أسماء أنفسهم ولا انتسبوا إلى آبائهم وأجدادهم، لأن ذلك، يطول الكلام فيه، وقلّ أن تتأتى المعرفة بهم عن آخرهم . لذلك أضربوا عن ذلك، وسمّوا القبيلة التي يحصل بها المقصود دون إطالة كلام إبلاغاً في البيان، وإيجازاً في الاختصار .

الوجه الخامس : فيه دليل على جواز الإخبار بالكل عن البعض، لأن من قدم في هذا الوفد لم يكن قبيلة ربيعة كلها، وإنما كان بعضها، فسموا البعض بالكل، وهذا مستعمل في ألسنة العرب كثيراً ما يسمون البعض بالكل، والكل بالبعض. وهذا من فصيح الكلام.

الوجه السادس ،قوله صلى الله عليه وسلم مرحباً بالقوم أو بالوفد ،مرحباً ، أي صادفتم رَحباً وسَعَة. وفيه دليل على التأنيس للوارد، وذلك بشرط أن يكون ما يأنسون به مطابقاً لحال المتكلم، لئلا يدرك الوراد طمع في المورود عليه فيما لا يقدر عليه لأن الرَّحبَ والسَّعة التي أخبر بها عليه الصلاة والسلام للقادمين عليه كانت عنده حقيقة حِسّاً ومعنى.

الوجه السابع : فيه دليل على أن من حسن المخاطبة تسمية الوارد حين الكلام معه، لأنه عليه السلام، قد سمّى هذه القبيلة التي وردت عليه حين خاطبهم ، حيث قال: (مرحباً بالقوم أو بالوفد على شكٍّ الراوي في أيهما قال عليه الصلاة والسلام، ولأن تسمية القادم زيادة في التأنيس وإدخال سرور عليه، وفي إدخال السرور عليه من الثواب ما قد علم، ولأنه قد يظن القادم أن الكلام مع غيره لأجل قلة أُنْسِه بالمَحَلّ .

الوجه الثامن : قوله عليه السلام: (غير خزايا) . أي أنتم مسعوفون (۳) في كل مطلوباتكم، لأن مَن لم يَخْزَ فقد أجيب وأسْعِف ، لأن نفي الشيء يوجب ضده.

(1) أورده مسلم في مقدمة صحيحه عن عائشة رضي الله عنها معلقاً. (۲) كذا. والصواب: مُسْعَفون». وفي نسخة الأحمدية : مسعودون .

الوجه التاسع : قوله عليه السلام ولا) ندامى هذا إخبار لهم بالمسرة في الآجل، لأن

الندامة في الغالب لا تكون إلا في العاقبة لأن حُبَّ الإنسان في الشيء أولاً قد يَخْفى عليه، لأجل حبه فيه فائدة ما ترك من أجله . فقد يتبين له بعد حصول المراد فائدة ما ترك، فيندم عليه أو يسرّ . فأخبرهم عليه السلام أولاً بالخير عاجلاً وآجلاً ، فلا يزال الخير لهم ، والفرح متصلاً . وكذلك هو أبداً كل من قصد جهة من جهات الحق سبحانه ، حصل له الفرح والفَرَجُ عاجلاً وآجلاً ، لأن النبي قال: (مَن ترك شيئاً لله عَوَّضه الله خيراً منه من حيث لا يحتسب) (۱) . فكل من ترك جهة الله فهو قاصد الأخرى بدلاً منها فالوعد الجميل خير، وإنما يكون الندم والحزن والخسران في غير هذه

الجهة المباركة .

الوجه العاشر : في هذا دليلٌ لأهل الصُّوفة في عملهم على ترك ما سواه وإقبالهم به عليه، إذ إن ذلك يُنالُ به حسن الحال في الحال والمآل

الوجه الحادي عشر : قولهم : يا رسول الله فيه دليل على أنّ هذا الوفد كانوا مؤمنين حين قدومهم، لأنه لو كانوا غير مؤمنين حين قدومهم لم يكونوا ليذكروا هذا الاسم، وَلَذَكروا غيرَه

من الأسماء .

الوجه الثاني عشر : فيه دليل على التأدب والاحترام مع أهل العلم والفضل والصلاح والخير وأن يُنادوا بأحب أسمائهم إليهم، لأنهم نادوا النبي ، لا لا لا له بأحب أسمائه إليه وأعلاها، وذلك من التأدب منهم معه والاحترام له .

الوجه الثالث عشر : قولهم : (إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام هذا الشهر هو رجب الفرد، شهر الله الأصم (٢) . فيه دليل على تعظيم هذا الشهر وفضله، إذ إن الله عزّ وجلّ، جعل له حرمة منذ كان في الجاهلية وفي الإسلام

الوجه الرابع عشر : فيه دليل على عِظَم قدرة الله عزّ وجلّ لأن الجاهلية قد عظَّمت هذا الشهر، ولم تَدْرِ لماذا عظمته، إلا أن ذلك وقع في نفوسها فعظَّمته. والمؤمنون عظموه لأجل إعلامهم بحرمته فأبدى القادر ما شاء كيف شاء مرةً بواسطة، ومرَّة بغير واسطة .

الوجه الخامس عشر : فيه دليل على لطف الله تعالى بجميع خلقه ورأفته بهم كانوا مؤمنين أو

(1) لم نعرف مصدره . (۲) سُمِّي بالأصم لأن العرب فيه كانوا لا يتصايحون لحرب

کافرین

لأن إلهام الجاهلية لتعظيم هذا الشهر حتى يرفعوا فيه القتال ويسلكوا فيه السبيل حيث شاؤوا لا يعترض أحد أحداً ، لطف (۱) منه ، عزّ وجلّ، ورحمة بهم في هذه الدار .

الوجه السادس عشر : فيه دليل على أن كل من جعل الله فيه سِرًّا من الخير وألهم أحداً إلى تعظيمه وحرمته عادت عليه بركته وإن كان لا يعرف حقه لأن الله عزّ وجلّ قد حرّم هذا الشهر وجعل له حرمة يوم خلق السماوات والأرض. فلما ألهم هؤلاء تعظيمه مع كونهم جاهلين بحرمته عادت عليهم البركات التي أشرنا إليها . الوجه السابع عشر : قولهم : ( بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر) أي أن هؤلاء الكفار يقطعون بينهم وبين النبي ، الله ، فلا يستطيعون المجيء إليه بسببهم إلا في الشهر الفرد الذي يرتفع فيه القتال وفيه دليل على إبداء العذر عند العجز عن توفية الحق واجباً كان أو مندوباً لأنهم ذكروا العذر الذي يمتنعون بسببه من المجيء إليه وبيَّنوه .

الوجه الثامن عشر : في هذا دليل لما قدمناه من أن هذا الوفد كانوا مؤمنين، لأنهم سموا مضر كفاراً ؛ فلو كانوا غير مؤمنين لما سمّوهم كفاراً .

الوجه التاسع عشر : فيه دليل على أن التوفيق تخصيص بالقدرة، ولا يؤثر فيه قرب النسب، ولا قرب المكان ولا قرب الزمان، لأن قبيلة مضر (۲) أقربُ فمُنِعوا، وقبيلة ربيعة أبعد فأسعِدوا ولهذا قال ابن الجوزي رحمه الله : لو كان الظفر بالهياكل والصور ما ظفر بالسعادة بلال الحبشي وحُرِم أبو لَهَبٍ القرشي .

منهم

لديهم .

الوجه العشرون : قولهم : فمُرْنا بأمرٍ فَضل أي قطع ، لا نَسْخَ بعده ولا تأويل، وذلك حذراً لئلا يحتاجوا في أثناء السَّنة للسؤال أيضاً والتعليم فلا يجدوا سبيلاً إليه، لأجل العذر الذي كان وفيه دليل على طلب الإيجاز في التعليم مع حصول الفائدة فيه، وهو من الفقه والتيسير . الوجه الحادي والعشرون : قولهم : نُخبِرْ به من وراءنا فيه دليل على جواز النيابة في العلم . الوجه الثاني والعشرون : قولهم ونَدخُلْ به الجنة فيه دليل على أنه يُبدأ أولاً في السؤال عن أمر بما هو الآكد ،والأهم، لأنهم سألوا أولاً عن الأمر الذي يدخلون به الجنة، وهو الأهم، ثم بعد

ذلك سألوا عن غيره .

الوجه الثالث والعشرون: فيه دليل على أن الأعمال هي الموجبة لدخول الجنة ولا يظن ظان

(1) لطف : خبر لـ (أن) مرفوع بالضمة . (۲) إن سيدنا محمد الله من مضر .

أن هذا معارض لقوله عليه السلام: (لن) يدخل أحد بعمله الجنة. قالوا : ولا أنت يا رسول الله؟

قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضله ورحمته) (۱)

والجمع بينهما أن يقال (۲) : الحديث الذي نحن بسبيله خطاب للعوام، لأنه مقتضى الحكمة، وعادة الله تعالى أبداً أنما يخاطبهم بما تقتضيه الحكمة، والقرآن بذلك ملان. فمن ذلك قوله تعالى : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (۳) إلى غير ذلك من قوله تعالى : ( بِمَا عَمِلْتُمْ ) (٤) و بِمَا كُنتُر تَكْسِبُونَ ) (٥) ( وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ) (٦) بِمَا أَسْلَفْتُمْ ) (٧) ( بِمَا تَفْعَلُونَ ) (۸) إلى غير ذلك وهو كثير . والخطاب في الحديث الآخر لأهل الخصوص ، وهم المنهمكون في التوحيد والمحققون بالقدرة. فلو قيل لمن يتحقق بالقدرة هذا الحديث لأدى بهم الأمر إلى ترك مقتضى الحكمة، وترك العمل بمقتضى الحكمة كفر بإجماع وإن اعتمد على القدرة والعمل بمقتضى الحكمة، وإن إجلال القدرة إيمان محض. ويدخل بذلك في ضمن قوله تعالى : لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ) (۹) والنهاية هي الجمع بين مقتضى الحكمة بتصحيح العمل وإجلال القدرة بتفويض الأمر لها . ولهذا قال بعض الفضلاء : اعمل عمل من لا يرى خلاصاً إلا بالعمل، وتَوَكَّلْ تَوَكُل من لا يرى خلاصاً إلا بالتوكل ولأجل العمل على هذه الصفة ،أثنى عزّ وجلّ في كتابه على يعقوب عليه السلام، حيث قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَهُ ﴾ (١٠) لأنه جمع بين الحقيقة والشريعة . وسأذكر ذلك وأبينه في موضعه من داخل الكتاب إن شاء الله تعالى .

(4),

الوجه الرابع والعشرون قوله (وسألوه عن الأشربة الأشربة في اللغة تطلق على كل شراب، عدا المحرَّم ، لأن المحرَّم عندهم يسمى بالخمر والأشربة المعهودة عندهم هي ما كان من نقيع التمر ونقيع الزبيب وغير ذلك مما فيه مصلحة لهم . وفي سؤالهم عن الأشربة دليل على أنه

(۱) رواه البخاري في كتاب الرقاق ومسلم في صفة القيامة والجنة وابن ماجه في الزهد بألفاظ مختلفة . (۲) جاء في النسخ الأخرى بدلاً من هذا التعليل ما يلي : إن الأعمال هي سبب لدخول الجنة . ثم إن التوفيق للأعمال والهداية للإخلاص فيها، وقبولها برحمة الله تعالى وفضله . فصح أنه لم يدخل الجنة بمجرد العمل، وصح أنه دخل بالأعمال، أي بسببها وهي من الرحمة فدخول الجنة برحمة الله تعالى والدرجات بحسب الأعمال .

(۳) سورة النحل من الآية ۳۲ .

(٤) سورة التغابن من الآية 7 (٥) سورة الأعراف من الآية .۳۹ (٦) سورة البقرة من الاية ١٤١ . (۷) سورة الحاقة، من الآية ٢٤ . (۸) سورة النمل من الآية .۸۸ .

(۹) سورة يونس، من الاية ٢ (۱۰) سورة يوسف من الآية ٦٨ .

نهي لأنه لو لم يبلغهم في ذلك شيء لما سألوه عنها . وفيه زيادة دليل ،

بلغهم في بعضها تحريم ) لما قدمناه من أنهم كانوا مؤمنين قبل قدومهم .

الوجه الخامس والعشرون : قوله : ( فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع فيه دليل على أن الجواب

لا يكون إلا بعد تمام الخطاب، لأنه عليه السلام لم يجاوبهم حتى أتموا جميع سؤالهم . الوجه السادس والعشرون فيه دليل على أن الفصيح من الكلام الإجمال أولاً، ثم التفسير للإجمال بعده، لأنه عليه السلام أجمَلَ لهم أولاً، ثم بعد ذلك فَسَّر ما أجمل . والحكمة في ذلك أنه عند الإخبار بالإجمال يحصل للنفس المعرفة بغاية المذكور، ثم تبقى متشوقة إلى معرفة معناه فيكون ذلك أوقع في النفس، وأعظم في الفائدة. الوجه السابع والعشرون : أمرهم بالإيمان بالله وحده فيه دليل على أنه يبدأ من الجواب بما هو الأهم والآكد، لأنه عليه السلام، بدأ أولاً بالأصل الذي هو الإيمان، ثم بعد ذلك أجاب

عن الغير .

الوجه الثامن والعشرون : فيه دليل لقول من يقول بأن الكفار ليسوا بمخاطبين بفروع الشريعة لأنه عليه السلام، لم ينص على الأعمال حتى أثبت الإيمان.

الوجه التاسع والعشرون : قوله أتدرون ما الإيمان بالله وحده فيه دليل على استفهام المعلم للمتعلم عما يريد إلقاءه إليه، لأنه عليه السلام استفهم عن حقيقة فهمهم في الإيمان، ثم بعد

ذلك بيَّنه لهم .

الوجه الثلاثون : قوله : (قالوا : الله ورسوله أعلَمُ فيه دليل على التأدب والاحترام مع أهل الفضل والدين، لأنهم التزموا الأدب بين يدي النبي ، الله فردوا الأمر إليه فيه فيما استفهم عنه تأدباً واحتراماً منهم له، والحكمة في ردهم الأمر إليه من وجوه : ((الأول) : التأدب كما تقدم . (الثاني) : أن سمعهم منه تحقيق وتثبيت لما كان عندهم. (الثالث) : خيفة التوقع لئلا يكون زاد في الأمر شيء أو نقص، لأن الله عزّ وجلّ يحدث من أمره ما شاء بالزيادة والنقص، وهذا الوجه قد انقطع بانتقال الشارع عليه السلام، والوجهان الأولان باقيان لأن علتهما موجودة

الوجه الواحد والثلاثون في هذا دليل لما قدمناه من أن هذا الوفد كانوا مؤمنين لأنهم التزموا الأدب بين يدي النبي ، واحترموه غاية الاحترام وذلك مثل ما التزم الصحابة، رضي الله عنهم، من التأدب والاحترام حين قال ، له م ه م ا ) أي بلد هذا؟ أي شهر هذا؟ أي يوم هذا ؟ فقالوا : الله ورسوله أعلم) (۱) . وقد أقروا في هذا اللفظ الله بالوحدانية ، وله ، ، ، ، بالرسالة .

(1) رواه البخاري في الحج، ومسلم في القسامة

الوجه الثاني والثلاثون قوله : (قال) شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فيه دليل لمن يقول بأن أول الواجبات الإيمان دون نظر ولا استدلال لأنه عليه السلام لما أن ذكر لهم الإيمان لم يذكر لهم بعده نظراً ولا استدلالاً

الوجه الثالث والثلاثون فيه دليل على جواز الجواب بأكثر مما سئل عنه، بل يلزم ذلك إذا كان هو الأصل الذي عليه يتقرر ،الجواب وبعد صحته يتقرر ،السؤال لأنهم إنما سألوه عن الأفعال التي توجب لهم الجنة، فأجابهم عليه السلام عن الأفعال والاعتقاد وهذا مثل قوله ، ، حين سئل عن ماء البحر ، فقال : هو الطَّهُورُ ماؤُهُ، الحِلُّ مِيتَتُه) (۱) ، فأجاب بأكثر مما سئل عنه، لأن

الحاجة دعت إليه .

الوجه الرابع والثلاثون قوله : (وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وصيام رمضان، وأن تعطوا من المَغْنَمِ الخَمُسَ) فيه دليل على أن الفروع لا تترتب على الأصول إلا بعد تحققها، لأنه ، ، لم يذكر لهم فروع الإيمان حتى تحقق منهم ،به ، وإن كان ما تقدم له من قرائن الحال يقتضي أنهم مؤمنون كما ذكرنا ، لكن لم يقنع بذلك حتى كان بالمشافهة والتعليم.

الوجه الخامس والثلاثون: قد اختلف العلماء في ترك النبي ، ، ، ذكر الحج هنا. فمن قائل يقول : إنما سكت عن الحج لعلم الناس به من كثرة شهرته، وهذا ليس بالجيد، لأنه يلزم على ذلك ألا يذكر الصلاة من باب أولى، لأن الصلاة تتكرر في اليوم خمس مرات، وذلك أعظم ما يكون من الشهرة. والحج إنما هو مرة في السنة، فقد لا يعرف، ولا يعهد، ولا سيما في أول الإسلام ومن قائل يقول : إنما لم يذكره لأنه لم يكن فرض بعد وهذا لا بأس به، لكن بقي عليه شيء . وهو : : أن هذا الوفد قد اختلف في قدومه فقيل كان قدومه سنة خمس، وقيل سنة سبع وقيل سنة تسع . فعلى القول بأن قدومه سنة خمس أو سبع فهذا التوجيه صحيح، لأن الحج لم يكن فُرِضَ بَعْدُ، وعلى القول بأن قدومه كان سنة تسع فيبطل التوجيه بذلك مرة واحدة

ويظهر لي في هذا أنه إن كان القدوم سنة خمس أو سبع فالتوجيه ما قاله هذا القائل من أن الحج لم يكن فرض بعد، وإن كان قدومه سنة تسع فالتوجيه الذي لاخفاء فيه هو أنه إنما سكت عن لأن الله عزّ وجلّ، لم يفرضه إلا مع الاستطاعة، وهؤلاء ليس لهم استطاعة، لأن العدو قد بينهم وبين البيت وهم كفار مضر . فكيف يذكر لهم الحج وهم قد نصوا له أولاً على العلة التي هي موجبة لسقوطه عنهم ؟ فيكون تكليف ما لا يطاق ؟ وذلك ممنوع في هذه الشريعة السمحة .

الحج

حال

(۱) رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربع وابن حبان والحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .

ثم انظر إلى ما يؤيد هذا ويوضحه، وهو أنه لما أن ذكروا له أنهم في المضاربة مع أعدائهم والمضاربة إذا كانت فللغالب الغنيمة، فأضرب لهم عمّا لا يجب عليهم، وهو الحج، لأجل العذر الذي ذكروا له، ونص لهم على الخُمس الذي لم ينص لغيرهم عليه، لأجل علمه بأنهم محتاجون إلى ذلك، لأجل أن الغنيمة في ضمن القتال ، كما تقدم (۱) .

الوجه السادس والثلاثون في هذا دليل على أن يخبر كل إنسان بما هو واجب عليه في وقته ولا يلزم غير ذلك، لأنه عليه السلام، ذكر لهم ما هو الواجب عليهم في وقتهم، وترك ما عداه وإن كان يلزمهم بعد ذلك . ولأجل هذا قال بعض العلماء في معنى قوله : طلب العلم فريضة على كل (مسلم) (۲) قالوا : المراد به ما هو واجب عليه في وقته (۳) .

الوجه السابع والثلاثون لقائل أن يقول : قد قال أولاً فأمرهم بأربع ، ثم أتى في التفسير بخمس، وهي : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان، وإعطاء الخُمُس؟ والجواب : أنهم سألوا عن الأعمال الموجبة لدخول الجنة. فأمرهم،

عليه السلام أولاً بالأصل الذي تترتب عليه الأعمال، وهو الإيمان، ثم أجابهم بعد ذلك بالأربع. فإن قال قائل : نعد الإيمان من الأربع ونجعل الآخر زائداً على الأربع. قيل :له ليس الأمر كذلك، لأنه قد علم أنهم مؤمنون بالأدلة التي تقدمت في الحديث على ما بَيَّنَّاه، لكن احتاج إلى ذكر الإيمان هنا للمعنى الذي قدمناه وهو ألا يكون فرع إلا عن أصل متحقق، فذكره ليقعد هذه القاعدة الشرعية وفيه أيضاً معنى ثانٍ وهو أنه لو كان الزائد الخامس لأبداء الراوي، فقال: وزادهم على ذلك، لأنه قد تحرى فيما هو أقل من هذا في أول الحديث حيث قال : مَنِ الوفد أو مَنِ القوم؟ فكيف به في هذا؟ وعادة الصحابة أبداً التحري الكلي والضبط الكلي في نقلهم، فلما كان الأمر ظاهراً، كما ذكرنا، لم يحتج إلى بيان ولا إلى عذر .

(1) جاء في حاشية نسخة باريس نقلاً من ابن حجر، ما يلي : ... قول من قال : إن ترك ذكره - يعني الحج - لأنهم لم يكن لهم إليه سبيل من أجل كفار مضر ليس بمستقيم، لأنه لا يلزم من عدم الاستطاعة في الحال ترك الإخبار به ليعمل به عند الإمكان كما في الآية. بل دعوى أنهم كانوا لا سبيل لهم إلى الحج ممنوعة، لأن الحج يقع في الأشهر الحرم، وقد ذكروا أنهم كانوا يأمنون فيها. لكن يمكن أن يقال: إنه إنما أخبرهم ببعض الأوامر لكونهم سألوه أن يخبرهم بما يدخلون بفعله الجنة، فاقتصر لهم على ما يمكنهم فعله في الحال، ولم يقصد إعلامهم بجميع الأحكام التي يجب عليهم فعلا وتركاً. ويدل على ذلك اقتصاره في المناهي على الانتباذ في الأوعية مع

أن في المناهي ما هو أشد في التحريم من الانتباذ لكن اقتصر عليها لكثرة تعاطيهم لها .

(۲) رواه ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه . (انظر النظم المتناثر (٢٧/٢٦ ) . (۳) كأن هذا الحديث يشير إلى وجوب إتقان العلوم المستجدة في كل عصر لتبقى الأمة الإسلامية رائدة وسابقة لغيرها، ولئلا تكون عالة في هذه المخترعات والاكتشافات الجديدة على غيرها فيسهل استنزاف خيراتها

وثرواتها وخيرة أبنائها .

الوجه الثامن والثلاثون فيه دليل على أن تارك هذه الأفعال المذكورة لا يدخل الجنة وإن

كان مقراً بها، لأنهم سألوا عن الأعمال التي بها يدخلون الجنة ، فنص لهم عليه السلام على هذه الأعمال بعدما قرر لهم الإيمان، كما تقدم فالحاصل من هذا أنهم إن لم يعملوا ما نص لهم لم يدخلوا الجنة، وإذا لم يدخلوا الجنة دخلوا النار لأنه ليس هناك إلا الداران وبهذا يحتج من يقول : بأن التارك لها مع إقراره بها يقتل كفراً، وهو القليل، والجماعة على أنه يقتل حدا لا كفراً. وهو في المشيئة إن شاء، عزّ وجلّ، عذَّبه ، وإن شاء غَفَر له . وإذا عذبه فالتخليد ليس هناك لاعتقاده الإيمان.

الوجه التاسع والثلاثون في هذا دليل على أنه يُبدأ أولاً بالفرائض، ويبدأ من الفرائض بالأوكد فالأوكد، لأن الفرائض كثيرة مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى غير ذلك ، ولكنه ،

قد فضل هذه على غيرها وما فضل على الغير فالمحافظة عليه اكد ، مع أن المحافظة على الكل واجبة . الوجه الأربعون فيه دليل على فضل العلم على غيره من الأعمال، لأنه لا يُعلم هذا وأمثاله إلا بالعلم وعدم العلم به سبب لوقوع الخلل فيه . وإذا وقع الخلل فيه أو ترك وقع الحرمان من دخول الجنة والهلاك، نعوذ بالله من ذلك . الوجه الحادي والأربعون فيه دليل على أن أفضل العلوم علم الكتاب والسنة، لأنه لا يعرف هذا وأمثاله إلا من الكتاب والسنة ، وهو المقطوع به والمخلص الوجه الثاني والأربعون قوله: (ونهاهم عن أربع : الحَنْتَم ، والدُّبّاء، والنقير، والمزَفّت وربما قال المقيَّر الحنتم: اختلف فيه، فقيل : هو المطلي بالزجاج ، وقيل : هو الخَليّ عن ذلك . والدباء هي اليقطين والنقير هو عود النخل كانت العرب تحفر عود النخل وتنبذ فيه . والمزفّت هو ما طلي بالزفت، وربما قال : المقيَّر . شك من الراوي في أيهما فقال له الله ، ولكن المعنى يجمعه مع الأربع، وإن كان لم ينص عليه ، لأن المقيَّر هو ما طُلِي بالقار .

الوجه الثالث والأربعون : ظاهر هذا النهي يدل على تحريم الانتباذ في هذه الأواني لأن النهي يقتضي التحريم، وليس كذلك لقوله عليه السلام حين سئل عنها ثانية فقال : (انبذوا ، وكلُّ مسكر حرام) (۲) فأخبر عليه السلام، أن النهي إنما كان خيفة إسراع التخمر، فإذا أُمِن مِن ذلك، فلا

بأس به.

الوجه الرابع والأربعون فيه دليل لمذهب مالك رحمه الله، حيث يقول بسد الذرائع، لأنه،

، إنما نهى عن الانتباذ في هذه الأواني، لأن التخمر يسرع فيها

(1) كأنه يريد المتفق عليه .

(۲) رواه مسلم وأبو داود والنسائي بألفاظ مختلفة .

الوجه الخامس والأربعون فيه دليل لمذهب مالك رحمه الله أيضاً في المشهور عنه أن

المرء يخاطب بالإيمان وإن لم تبلغه الدعوة، لأن نهيه عليه ،السلام عن الانتباذ في هذه الأواني إنما هو من أجل التخمر الذي يسرع إليه كما قدمنا وصاحبه لم يشعر به فیشر به جاهلاً به، فيكون قد شرب حراماً، وهو لم يشعر فيعاقب عليه فنهى عليه السلام عنها لأجل هذا المعنى، وإنما أحلها لهم بعد ذلك لأنهم قالوا : إن أرضنا لا تحمل الأزقاق (۱) من أجل حيوان عندهم يقطعها لهم. فلما أن تبين له هذا العذر منهم ورأى أنهم مضطرون إليها قال انبذوا ) وكلّ مسكر حرام إيقاظاً لهم وتنبيهاً على تفقدها في كل وقت وحين لئلا يسرع التخمر لها وهم غافلون. الوجه السادس والأربعون فيه دليل على فصاحته عليه السلام وإبلاغه في إيجاز الكلام مع إيصال الفائدة بالبيان لأنهم سألوا عن الأشربة وهي كثيرة. فلو ذكرها لاحتاج إلى تعدادها كلها ووصفها، ولكنه عليه السلام أضرب عن ذلك وأجاب عن الأواني المذكورة لا غير. فكأنه عليه السلام يقول : الأشربة كلها حلال إلا ما نبذ في هذه الأواني . فكان هذا تصديقاً لقوله عليه السلام: (أوتيت جوامع الكلم) (۲) .

الوجه السابع والأربعون : ظاهر هذا الإخبار يدل على أن الأشربة كلها حلال . وليس كذلك، لنهيه عليه السلام في حديث آخر عن شراب الخليطين مثل التمر والزبيب ، أو الزبيب والعنب، إلى غير ذلك، مع أن العلة واحدة في الكل وهي إسراع التخمر. فعلى هذا يجب اطراد هذه العلة، فحيثما وجدت وقع المنع ، وحيثما فقدت اطردت الإباحة .

الوجه الثامن والأربعون ،قوله عليه السلام (احفظوهن فيه دليل على الأمر بحفظ العلم

والوصية عليه .

الوجه التاسع والأربعون قوله عليه السلام وأخبروا) بهن مَن وَراءَكم فيه دليل على الحض على نشر العلم وتبيينه، وفيه دليل لما قدمناه وهو جواز النيابة في العلم . وصلّى الله على سيدنا مولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

الله عنه .

(1) الأزقاق : ج زِق (بكسر الزاي) وهو السِّقاء من جلد الحيوان الذي يجز ولا يُنتف . (۲) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عمر رضي (۳) رواه البخاري ومسلم وأبو داود من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه .

حديث احتساب النفقة على الأهل

عن أبي مسعود البدري(۱) ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إذا أنفَقَ الرّجُلُ على أهلِهِ ، يَحْتَسِبُها ، فهي له صَدَقَة

ظاهر الحديث يدل على أن الإنفاق مع الاحتساب صدقة. والكلام عليه من وجوه

الوجه الأول ،قوله عليه السلام: إذا أنفق الرجل) . النفقة هنا هي : ما أوجب الله تعالى على : الرجل لعياله من الطعام والشراب والكسوة والخدمة والسكنى وغير ذلك من ضروراتهم المعلومة عادة وشرعاً. ولذلك قال : (أنفق) ولم يقل (أطعم) ، لأن (أنفق) يعمّ كل ما ذكرناه و (أطعم) لا يفيد إلا المأكل لا غير .

الوجه الثاني : قوله عليه السلام على أهله الأهل هنا يحتمل وجهين : (الأول) : أن يكون المراد الزوجة، ليس إلا. (الثاني) : أن يكون المراد الزوجة وكل ما تلزمه نفقته شرعاً، لأن العرب تقول : أهل الرجل، وهي تريد زوجته وتقول أهل الرجل وهي تريد أهله وأولاده. وقد جاء المعنيان في الكتاب وفي الحديث. أما الكتاب فقوله تعالى : ( وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَمُ (۲) وكان ذلك زوجته وبنيه وقوله تعالى: ﴿ فَأَنجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ ﴾ (٣) . وأما الحديث فقول أسامة للنبي أهلك يا رسول الله (4) . يريد زوجته لا غير. والأظهر من هذين الوجهين العموم

لأنه وإن

اسمه: عقبة بن عمرو يعرف بـ (البدري) لأنه سكن أو نزل ماء بِبَدر - في أصح الأقوال - وشهد العقبة .

ت ٤١هـ / ٦٦١م.

(۲) سورة ص من الآية ٤٣ (۳) سورة الأعراف، من الآية ٨٣ .

(٤) جزء من حديث الإفك . رواه البخاري ومسلم عن السيدة عائشة رضي الله عنها .

كان المراد الزوجة لا غير فغيرها من باب أولى لأن الزوج له الاستمتاع بها في مقابلة النفقة عليها (۱) ، والنفقة على الأهل ما عداها ليس فيه ذلك، وفيه زيادة صلة الرحم .

الوجه الثالث : قوله عليه السلام (يحتسبها الاحتساب هنا هل يشترط فيه إحضار الإيمان، أو لا؟ احتمل الوجهين معاً .

فإذا كان المراد الإيمان والاحتساب معاً فيكون ترك ذكر الإيمان هنا للعلم به ، وشهرته ولأنه قد ذكره في غير ما حديث من ذلك قوله عليه السلام من قام رمضان إيماناً واحتساباً) إلى غير ذلك، فيكون الاحتساب يتضمن الإيمان .

وإن كان المراد به الاحتساب دون شرط إحضار الإيمان فيكون لفظ الحديث على ظاهره. وهذا أظهر وأرجح والله ،أعلم بدليل أنه عليه السلام لما أن ذكر هنا الاحتساب وحده جعل ثوابه ثواب الصدقة. ولما أن ذكر الإيمان وحده في حديث آخر جعل ثوابه حسنات والحديث هو قوله عليه السلام : (مَنِ احتَبَس فرساً في سبيل الله إيماناً ،بالله وتصديقاً بوعده فإن شِبَعَه ورِيَّهُ ورَوْتَه وبَوْلَه حسنات في ميزانه يوم القيامة) (۳). ولما أن ذكر الإيمان والاحتساب معاً جعل ثوابه مغفرة للذنب، وهو أعلى الثواب، كما تقدم في حديث ليلة القدر .

الوجه الرابع : هل هذه الصدقة مقصورة في هذا الموضع لا تتعداه، أو هي متعدية؟ احتمل الوجهين معاً. والظاهر التعدي، لأنه عليه السلام، قد نص على ذلك في غير هذا الحديث حيث قال: (ويميط الأذى من الطريق صدقة، والكلمة الطيبة صدقة (٤) إلى غير ذلك مما جاء في هذا المعنى وهو كثير ،ولأنه عليه السلام قد جعل لإحضار الإيمان والاحتساب أجراً زائداً، وذلك يدل على أنه مقصود بنفسه، وإذا كان مقصوداً بنفسه اقتضى تعديه لكل الأعمال، واجباً كان أو ندباً، ولأنه عليه السلام قد قال: أوقع الله أجره على قدر نيته) (٥) . والنية هي القصد لفعل من

(1) إذا كان استمتاع الرجل بزوجته في مقابلة النفقة عليها، فاستمتاعها به في مقابل ماذا؟ ونرى أن الاستمتاع حق مشترك على السواء، كما قرره المحققون من الفقهاء، وليس للزوج حق هجر زوجته (الإيلاء منها أكثر من أربعة أشهر. وليس المراد تعليق الاستمتاع بشرط الإنفاق، فقد يبقى استمتاع الزوج بزوجته من غير إنفاق عليها لفقره المدقع، ويبقى ينفق عليها إذا كانت مريضة دون أن يستمتع بها .

(۲) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (۳) رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .

(٤) جزء من حديث طويل أخرجه البخاري في الصلح ومسلم في الزكاة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وأوله :

كل سلامى من الناس عليه صدقة . جزء من حديث أخرجه الإمام مالك في الموطأ، والإمام أحمد في المسند، والنسائي من حديث جابر بن عتيك رضي الله عنه ، وأوله : ما تعدون الشهادة؟ قالوا : القتل في سبيل الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الشهداء سبعة .

الأفعال، واجباً كان أو ندباً، فهي معنى لا تزيد ولا تنقص، وإنما ترتفع وتسمو بانضمام أحد هذين

الوجهين لها أو كليهما، وهما الإيمان والاحتساب

الوجه الخامس: في هذا دليل لأهل الصوفة حيث يأخذون في تنمية ،أفعالهم واجباً كان أو ندباً، بحسن نياتهم. أما الواجب فيزيدون فيه الإيمان والاحتساب. وأما المندوب فيزيدون فيه أكثر من ذلك، لأنهم ينذرونه أولاً على أنفسهم فيصير واجباً، ثم بعد الوجوب يزيدون فيه نية الإيمان والاحتساب، وأما المباح فيتخذونه عوناً على طاعة ربهم فيصير مندوباً، ثم بعد ذلك يزيدون له الإيمان والاحتساب، فترتفع أعمالهم لأجل ذلك، وتسمو هممهم ولأجل هذا المعنى كان لهم القدم السابق على غيرهم، وإن كانت أفعالهم مع أفعال غيرهم في الظاهر على حد سواء، وقد قال عليه السلام: (إن الله لا ينظرُ إلى صُوَرِكم ، ولكنْ يَنظُرُ إلى قلوبكم ) ) .

الوجه السادس ،قوله عليه السلام فهو له صدقة) . الصدقة هنا بمعنى الأجر، لأنه ليس الفائدة في الصدقة إعطاءها، وإنما الفائدة فيها ما يترتب عليها من الأجر . وهذا الأجر المنصوص عليه هنا ليس هو ثواب ذلك العمل وحده، وإنما هو زيادة الأجر الذي له في النفقة، لأن النفقة عليه واجبة. ومن فعل الواجب كان مأجوراً لامتثاله الأمر، وزيد بحسب ما زاد من إحضار الاحتساب أو الإيمان، أو هما معاً، أجراً ثانياً .

الوجه السابع : في هذا دليل على أن إحضار الإيمان والاحتساب مندوب إليهما في الأفعال وليسا واجِبَيْنِ ،لأنه عليه السلام عَيَّن لفاعلهما الثواب ولم يخبر أنّ على تاركهما عقاباً ، وهذه الصفة هي للمندوب .

الوجه الثامن : لقائل أن يقول : لِمَ جعل في الإيمان والاحتساب هذا الثواب المذكور، مع أنه ليس فيهما تعب ولا كبير مشقة، لأن الجوارح لا تتحرك فيهما ولا تتصرف؟ والجواب : أنه إن قلنا إن ذلك تعبد فلا بحث يرد عليه وإن قلنا: إنه معقول المعنى، فحينئذ يحتاج إلى البيان : والأظهر من الوجهين أنه : معقول المعنى.

بيان ذلك : أن القلب جارحة بنفسه، وإحضار النية فيه بهذه الأوصاف تعب للنفس، وزيادة تعب النفس يزيد به الأجر، بدليل قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) (۲) وكل نوع من الأنواع التي تتعب النفس يسمى مجاهدة - وقد تقدم في الحديث قبل - ولأن له أن يفعل ما أمر به على حِدَة واجباً أو مندوباً دون إحضار الإيمان والاحتساب بل له أن يفعل بعض الأفعال دون

(۱) رواه مسلم في باب البر والصلة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (۲) سورة العنكبوت من الآية ٦٩ .

إحضار النية البتة، بدليل قوله عليه السلام: (خير الأعمال ما تقدمته النية)). فقد جعل، عليه السلام، إحضار النية في العمل من باب الخيرية. وإذا كان ذلك في باب الخيرية فإيقاع العمل دونها جائز مجزىء . وإلى هذا ذهب أكثر العلماء .

لكن هذا ليس على العموم بمقتضى ما يدل عليه صيغة اللفظ وإنما هو في بعض الأعمال دون بعض بحسب ما تقتضيه قواعد الشريعة لأن الأعمال تختلف فمنها ما يكون واجباً، ومنها ما يكون مندوباً، لا يعمل إلا لله، ومنها ما يكون مندوباً. وقد يعمل الله ، وقد يعمل لغير الله . أما الواجب فلا بد من إحضار النية فيه، لأن الواجبات جعل لها حدود وصفات وأسماء، فلا بد من تعيين ذلك بالنية وإلا فالعمل ،باطل مثال ذلك الصلوات المفروضات لها أسماء وصفات ،وحدود فلا بد من تعيين الصلاة لتمتاز عن غيرها فيحتاج إلى النية عند الإحرام لهذه العلة وتكون نيته بخمسة شروط على مذهب الشافعي (الشرط الأول : تعيين الصلاة (الثاني) : اعتقاد وجوبها . (الثالث) : العمد إلى أدائها . الرابع) : إحضار الإيمان إذ ذاك . (الخامس) : ما قدمناه من اقتران النية بالإحرام .

أما عند الإمام مالك رحمه الله فلم يحك عنه في ذلك شيء، واختلف أصحابه في ذلك كثيراً. فمنهم من شرط فيها مثل شرط الإمام الشافعي رحمه الله منهم من قال : إن وقعت بتلك الأوصاف قبل الإحرام بيسير أجزأت ومنهم من قال : يكفي في ذلك العمد إلى الصلاة بعينها، وزيادة تلك الأوصاف زيادة كمال. وهذا هو الأظهر من مذهب مالك رحمه الله في هذه المسألة لأنه لو كان ذلك واجباً، وترك الكلام فيه لما صح أن يكون إماماً، وقد أجمعوا على أنه إمام. واختلف في تعيين الركعات وتعيين الزمان إلى غير ذلك، وهو مذكور في كتب الفقه . ومثل ذلك أيضاً تَحِلّة اليمين (۲) ، إن أعتق المرء، أو تصدق أو صام، ولم ينو تحلّة اليمين لم يجزئه عن كفارته، وأعاد مرة أخرى. وكذلك أيضاً كفارة الظهار (۳) ، وصدقة المال، إلى غير ذلك من سائر الواجبات، إن لم يحضر النية لذلك لم تنفعه ويعيد .

وأما المندوب الذي لا يعمل إلا الله ، فهذا هو الذي يدخل في ضمن قوله عليه السلام خير الأعمال ما تقدمته النية ففعله دون نية مجزىء ، وتقديم النية فيه زيادة خير . مثال ذلك من قام يتنفل

(1) لم نعرف مصدره . (۲) تَحِلّة اليمين : من حلّل اليمين تحليلاً وتحِلّة وتحلاً جعلها حلالاً بكفارة، أو بالاستثناء المتصل نحو : والله لأفعلن ذلك إلا أن يكون كذا . (۳) الظهار : هو طلاق الجاهلية ونهى عنه الإسلام. يقول الرجل لزوجته: أنتِ عَلَيَّ كظهر أمي. أي أنتِ علي

حرام.

بركعتين، فهو مأجور في إيقاعهما، وإن لم يحضر نية لأن هذا الفعل بوضعه لا يكون إلا الله، وتقدم النية فيه أفضل . كذلك أيضاً إعطاء الصدقة التي ليست بواجبة، إذا أعطاها لمن لم يتقدم له به معرفة، ولم يكن له عليه حق، فبنفس الإعطاء حصل الأجر، وإن لم يكن له ،نية وتقدم النية أفضل. وأما المندوب الذي يعمل الله ، ويعمل لغير الله، فهذا لا بد من إحضار النية فيه لأنه مشترك، فيحتاج إلى إحضار النية ليخلصه الله . مثال ذلك الغسل للجمعة، على قول من يقول بأنه سنّة، لأنه يشترك فيه التعبد وغيره. فقد يغتسل ،تعبداً، وقد يغتسل تبرداً وتنظفاً، فيوقع النية ليفرق بين المباح والتعبد .

الوجه التاسع : لقائل أن يقول : لم جعل في أعمال الباطن هذا الثواب، وهو أعظم من الثواب على أعمال الظاهر، وجعل إحضار الباطن سبباً في صحة جل أعمال الظاهر؟

الجواب : أنه إن قلنا : إن ذلك تَعَبُّد فلا بحث وإن قلنا إنه معقول المعنى، فحينئذ يحتاج إلى بيان . والأظهر أن ذلك لحكمة وهي - والله أعلم - أنه لما كان أجل الأشياء من جميع النعم والتعبدات الإيمان ومحله القلب فكل ما كان صادراً عن المحل الذي هو وعاء للإيمان كان أَجلَّ من غيره. يؤيد هذا ،قوله عليه السلام مُضغة في الجسد إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد ألا وهي القلب ) (۱) فصلاحه أعظم من صلاح غيره، وفساده، أعظم من فساد غيره، لأن الجوارح كلها منقادة إليه .

جعلنا الله ممن أصلح منه الظاهر والباطن بمنّه

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) جزء من حديث رواه البخاري ومسلم من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه .

ياك

حديث مَن يُرِد الله به خيراً يُفَقَّهْهُ فِي الدِّين

البخاري، رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مَنْ يُرِدِ الله بهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ الدِّينِ. وإنَّما العِلْمُ بالتَّعَلُّمِ .

في

ظاهر الحديث يدل على تعليق الخير بالفقه، وأن العلم لا يُنال إلا بالتعلم والكلام عليه

من وجوه

الوجه الأول ،قوله عليه السلام (مَن يُرِد الله به خيراً). الإرادة المذكورة هنا، هل هي على بابها، أي على ما تقتضيه صيغة اللفظ فيكون في المستقبل أو يكون بمعنى الماضي؟ احتمل الوجهين معاً ، لأن العرب تستعمل المعنيين في كلامها وقد جاء القرآن والحديث بذلك في غير ما موضع . فمن ذلك قوله تعالى: ﴿ أَتَ أَمْرُ اللَّهِ ) (۱) وهو يأتي بعد الخطاب، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَعِيسَى ابْنَ مَريم ) (۲) والمراد به يوم القيامة. فإن كان المراد بصيغة لفظ الحديث هذا المعنى، وهو أن يكون للماضي، فمعناه ما سبق من حكمته عزّ وجلّ، وقدرته .

وإن كان المراد به الوجه الثاني - وهو أولى لأن اللفظ يُحمّل على صيغته في المستقبل، ويكون بذلك مطابقاً للفعل الصادر من العبد ، لأن فعل العبد لا يكون إلا بإرادة المولى وقدره، قال تعالى في كتابه فَسَنُيَسِرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾ (٣) فَسَنُيَسَرُهُ لِلْمُسْرَى ) (٤) وقال تعالى: ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ الله

(1) سورة النحل من الآية 1 (۲) سورة المائدة، من الآية ١١٦ .

(۳) سورة الليل من الاية ٧ . (٤) سورة الليل، من الآية ١٠ .

الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَذِبِينَ (١) وهو ، عزّ وجلّ، قد علم من هو الصادق، ومن هو الكاذب. لكن المراد بهذا العلم العلم الذي يقع عليه الجزاء بمقتضى الحكمة - فإن كان المراد به هذا المعنى فتكون الإرادة في العاقبة .

ولأجل احتمال هذين المعنيين لهذه الألفاظ وما شاكلها افترق المؤمنون على طائفتين. فطائفة غلب عليها الخوف من السابقة، وطائفة غلب عليها الخوف من الخاتمة. وإن كان المعنيان

متلازمين لأن السابقة إذا تضمنت الخير أو الشر فالخاتمة في ضمنها داخلة، وكذلك بالعكس. لكن بينهما فرق ما من طريق المشاهدة وعدمها، وهو أن السابقة لا يعلمها أحد إلا الله عزّ وجلّ، أو من شاء إطلاعه عليها بالإخبار له، وذلك من باب خرق) (العادة وهي لا تكون إلا للأفراد، فلا يقع بالسابقة علم إلا عند معاينة الخاتمة، لأنها تدل عليها، إذ هي تتضمنها . والخاتمة بخلاف السابقة، لأنها مشاهَدَة مدرَكة حين يقضي الله بها يعاينها الناس بعضهم من بعض،

ويعاينونها من أنفسهم، ولهذا ،قال عليه السلام من مات على خير عمله فارجوا له خيراً) (٢) . وقد نطق الكتاب والحديث بهما معاً، فقال تعالى في السابقة : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنا الْحُسْنَى أُوْلَيْكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ) (۳) وقال تعالى في الخاتمة : ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ ) (٤) . قال العلماء : معنى التثبيت في الحياة الدنيا عند الموت، والثبات في الآخرة : عند سؤال الملكين في القبر . وأما الحديث فقوله عليه السلام لأبي هريرة : جفَّ القلمُ بما أنتَ لاقٍ فاقتصر (٥) على ذلك أو زد)، فدل على السابقة، وقوله عليه السلام: (إنّما الأعمال بخواتيمها) (٦) ، فدل على الخاتمة .

الوجه الثاني : قوله (خيراً) . احتمل أن يكون (الخير ) هنا محمولاً على صيغة ،لفظه فيكون على العموم، لأن الصيغة منكرة، واحتمل أن يكون معناه الخصوص، لأن ذلك سائغ في ألسنة العرب. فإن كان المراد به العموم فيكون معناه الخير في الدنيا وفي الآخرة. وإن كان المراد به الخصوص فيكون معناه ما قاله بعض العلماء أن المراد بالخير المطلق (الجنّة)، وهذا ليس بالقوي والأول أولى.

(1) سورة العنكبوت من الآية ..

(۲) رواه الديلمي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه .

(۳) سورة الأنبياء من الآية ۱۰۱

(٤) سورة إبراهيم، من الآية ٢٧

(٥) رواه البخاري في النكاح عن أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه الطبري، حكاه الحميدي في الجمع بين الصحيحين . وفي رواية (فاختص) من الخصاء، وهو تعطيل قوة الذكر عن الجماع والإنجاب.

(٦) رواه الإمام أحمد في مسنده عن معاوية رضي الله عنه .

الوجه الثالث : قوله عليه السلام ( يفقهه) . الفقه هو الفهم يقال : فقه فلان إذا فهم. قال تعالى: ﴿ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ) (۱) أي لا يفهمون حديثاً والفهم هنا

يحتمل معنيين :

(الأول) : أن يكون المراد الفهم في أحكام الله . (الثاني) أن يكون المراد الفهم عن الله .

فإن كان المراد الأول فيكون الحديث الآتي بعده مفسراً لهذا المجمل، لأنه قال فيه : يفقهه في الدين، وإذا اجتمع مُطلق ومقيَّد حُمِل المطلق على المقيَّد . وهذا الفقه لا يؤخذ إلا بالتعلم على ما أشار إليه عليه السلام في الحديث بعد، فيأخذ أولاً في الحفظ والضبط والاجتهاد في مطالعة الكتب الصحاح فإذا فعل هذا كان له الأجر على نفس فعله ذلك، إذا كان خالصاً لا يشرك فيه غيره، وأجره أجر الناقل للفقه، ولذلك قال عليه السلام : رُبَّ حامل فقه إلى مَن هو أفقَهُ منه) ، (۲) وكذلك قوله عليه السلام في حجة الوداع: ألا) فَلْيُبَلِّغ الشاهدُ الغائب، فلعل بعض من يَبْلُغُه أن يكون أوعى له من بعض مَن سمعه) (۳) .

معه

ثم بعد تحصيل ما أشرنا إليه والعمل به يأتيه إذ ذلك الفقه، وهو نور يقذفه الله في قلبه يكون الفهم أو به بقدرة الله عزّ وجل. ولذلك قال الإمام مالك رحمه الله : ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يضعه الله في القلوب، لأن الحفظ مع قلة الفهم قل أن يكون معه علم . وقد ذم الله عزّ وجلّ، مَن صَدَر منه ذلك في كتابه، حيث قال : كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ) (٤)

ولأجل عدم تحصيل هذا الشرط الذي أشرنا إليه الذي هو سبب لحصول هذا الفقه، كان كثير ممن يدعي العلم بزعمهم لما حفظوا بعض الكتب وطالعوا بعض الشروحات، إذا سمعوا معنى من المعاني لم يروه منقولاً في الكتب التي حفظوها أو طالعوها يقع منهم الإنكار مرة واحدة، ويحتجون بأن يقولوا: ما سمعنا من قال هذا . وإن رأوا في بعض الكتب مسألة وَهَم (٥) قائلها ، أو صُحُفت في النقل، أو أرتجت عليه أخذوها بالقبول ووقع لها التسليم، وقالوا: هي منقولة،

ونسبوها إلى صاحب الكتاب .

(1) سورة النساء، من الآية ۷۸

(۲) جزء من حديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن زيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود رضي الله

عنهما .

(۳) جزء من خطبة النبي الله في حجة الوداع رواها البخاري عن أبي بكر رضي الله عنه

(٤) سورة الجمعة من الآية ٥ . وهم (بكسر الهاء) في الحساب على وزن وَجِلَ. وَوَهم (بفتح الهاء) في الشيء على وزن وَعَد - وهنا من الثاني .

ولا ذاك إلا لعدم النور الذي به يفهمون لأجل أن البساط (۱) الذي عليه يأتي لم يفعلوه مع

أن البساط قد وقع من بعضهم في الظاهر الذي هو النقل، كما أشرنا إليه، لكن حرموا من أحد وجهين : إما أن يكون عملهم لغير الله ، وإذا كان كذلك فالنور عليهم حرام، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، يقول : (من عمل من هذه الأعمال التي تُراد للآخرة شيئاً يريد به عَرَضاً من الدنيا لم يجد عَرْفَ الجنّة، ورائحة الجنة تُشم على مسيرة خمسمائة سنة ) (۲) . وإما أن يدخل عليهم العُجب في نقلهم، فيظنوا أن ذلك هو غاية العلم، فيحسبوا أنفسهم من العلماء، فيحرموا لأجل دعواهم. فلو رُزق المسكين معرفة نفسه، وأنه إنما يطلق عليه (ناقل) إن كان نقله على وجهه لرجي له عند الاعتراف بحاله وعجزه بأن الله تعالى يمن عليه بشيء من النور . ومن رُزق شيئاً من النور رُجي له التوفيق والزيادة حتى يلحق بأهل الخير العميم المتقدمي الذكر . فالحاصل من أحوالهم اليوم أن الكتب رجعت عندهم أسفاراً منقولة الأصول والشروح أسفار ،محمولة ، وهذا هو نفس ما ذم الله تعالى في كتابه، كما تقدم، وقلما يكون مع ذلك توفيق .

نعوذ بالله من العمى والضلال

وإن كان المراد بـ (الفقه) الوجه الثاني وهو : الفهم عن الله، فيكون هذا الحديث مستقلاً بنفسه، والحديث الآتي بعده مستقل بنفسه، لأن هذا يُراد به الفهم عن الله ، والآخر يُراد به الفهم في

أحكام الله عزّ وجلّ وحَمْلُ الحديثين على معنَتَيْنِ أظهَرُ وأفيد من حَمْلِهما على معنى واحد .

وقد يجوز أن يكون الحديث الذي نحن بسبيله على معنيين والحديث الآتي بعده مؤكِّدٌ للمعنى الواحد منهما، وهو ظاهر بين لأن الفهم في أحكام الله اكد . وهذا الفقه هو النور والإلهام، وهو مأخوذ من السنة، كما قد أشرنا إليه في حديث البيعة .

وهذا لا يجده إلا أهل التحقيق والصدق والإخلاص والهدى والنور والحكمة والبرهان فهموا فَفَهِمُوا، وأُريدوا فأرادوا أولئك الصفوة الكرام عيون الله من خلقه في أرضه، كما قال عمر رضي الله عنه عن علي رضي الله عنه إن الله عيوناً في أرضه من خلقه، وإن عَلِيّاً لَمِنْهُمْ (۳). وكان ، رضي الله عنه ، يقول : نعوذ بالله من معضلة لا يكون فيها عليّ. مع أن الخلفاء رضي الله عنهم كلهم عيون في العيون لكن كل واحد منهم يرفع صاحبه تواضعاً في نفسه

(۱) البساط - هنا - بمعنى الوسيلة والأداة .

مروي بالمعنى. وأصله بشر) هذه الأمة بالسناء والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له من نصيب رواه الإمام أحمد وابن حبان والحاكم والبيهقي من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه . والله أعلم.

(۳) لم نقف على مصدره .

وتعظيماً لصاحبه، لما خصه الله به. كذلك التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين فكل من فهم عن الله فَهم أحكامه، ولا ينعكس اختارهم عزّ وجلّ من خلقه فاختاروه على خلقه وعلى ما سواه فهم به وله ، بلا مثنوية (۱) ولا التفات .

بحرمتهم

نسأل الله بحر متهم عنده أن يمن علينا كما مَنَّ عليهم، ولا ربَّ سواه .

الوجه الرابع : يترتب على هذا من الفقه أن مَن مُنْ عليه بأحد هذين الوجهين فليستبشر بالخير العظيم والفضل العميم إذ إن الشارع عليه السلام قد جعل ذلك علامة على من أراده الله للخير ويسره إليه وكيف لا تحق لهم البشارة، وبهم يُرسِلُ الله الغيثَ، ويرفع الجدب، ويرحمُ

البلاد والعباد ؟

الوجه الخامس : لقائل أن يقول : لِمَ ،قال عليه السلام هنا (مَن يُرِد الله به خيراً يُفقهه في الدين) وذكر في غيره من سائر الأعمال الثواب وعيَّنه وحدَه ، ومثل ذلك أيضاً قوله عليه السلام في العلم : (ما أعمال البِرِّ في الجهاد إلا كبصقة في بحر ، وما أعمالُ البِرِّ والجهاد في طلب العلم إلا كبصقة في بحر) (۲)؟

والجواب أنه عليه السلام إنما لم يحدد هنا الأجر ولم يعينه إشعاراً منه وتنبيهاً على أن ذلك إذا وجد على حقيقته فليعلم صاحبه بأن السعادة قد حصلت له، وليستبشر بأن الله عزّ وجلّ، لا يَنكُسُه على عَقِبه، ولا يُخيّب مقصده، لأن ما عدا هذا العمل من أعمال البر من جهاد وغيره هو محتمل لأن يكون عارية (۳) ، ومحتمل لأن يكون حقيقة، فإن كان حقيقة فيكون له فيه ما وُعِد ، وإن كان عارية فكأنه لم يكن كما قال عليه السلام: (إن) الرجلَ منكم لَيَعْمَلُ بعمل أهل الجنة حتى إذا لم يبقَ بينه وبينها إلا شبرٌ أو ذراع، فَيَسْبِقُ عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار ) (٤) .

وهذا العمل الخاص إذا مُنَّ به صح ، ولا يمكن عدم ،الصحة لأن الإرادة قد سبقت بالخير وإنفاذه، وما أراده عزّ وجلّ وحكم به لا ناقض ،له على ما بيَّناه فهي بشارة عظيمة ونعمة كبيرة، وترغيب في هذا العمل الخاص. فَليستبشرُ من فَهِم، وليلجأ من عَجَز، فلعل الكريم الجواد يَمُنُّ بنفحة من نفحات جوده ،بجوده إنه ولي كريم.

(1) كأنه يريد : هؤلاء الصفوة موحدون الله توحيداً كاملاً .. يرون كل ما في الوجود يشهد أن الله واحد وموجود وآياته بارزة لِمَن كَانَ لَمُ قَلْبُ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ . فهم لا يرون إلا الله ولا يلتفتون إلى ما سواه.. إنه ملأ

عليهم قلوبهم وعقولهم وسمعهم وبصرهم ووجودهم.

(۲) سبق تخريجه في الحديث الخامس. (۳) العارية : ما تعطيه غيرك على أن يعيده إليك . والمراد هنا : غير المخلص

من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في خلق الجنين في بطن أمه . متفق عليه .

الوجه السادس ،قوله عليه السلام (وإنما العلم بالتعلم) . إنما أتى عليه السلام هنا بـ (إنما) التي هي للحصر، ليبين أن العلم لا يُتَوَصَّل إليه إلا بالتعلم ولا سبيل إلى غير ذلك، ومن حاول غير ذلك فقد ضل عن الطريق وإنما أتى عليه السلام بالألف واللام في العلم والتعلم ) ليبين به ، أن العلم هو الذي يكون عَلَماً على الخير ، لأن العلوم كثيرة ، فأتى بالألف واللام التي هي للعهد، لينبه على العِلم الخاص النافع الذي أراده منا .

فإن قال قائل : قد تكون الألف واللام للجنس .

قيل له : ذلك لا يسوغ هنا، لأن علوم الشرائع من ،آدم عليه السلام إلى النبي ، ، ، ل ل ا ل ، كلها من الله تعالى إلى الرسل عليهم السلام إما بواسطة المَلكِ ، وإما بغير واسطة المَلكِ بحسب ما مشت الحكمة على ما عرف من قواعد الإخبار بالشرائع والمكلَّفون يتلقون ذلك من الرسل، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فأصله النقل . وإذا كان أصله النقل، فلا تكون الألف واللام هنا إلا للعهد، لأن المراد بالعلم العلم الشرعي، وغير العلم الشرعي ليس أصله النقل، وإنما أصله الاستنباط، والاستنباط أيضاً منه ما يكون جائزاً شرعاً ، ومنه ما يكون ممنوعاً شرعاً .

فلأجل هذه العلة التي أبديناها وهي كثرة العلوم وفيها ما هو ممنوع ، لم يَسُغْ أن تكون الألف واللام للجنس والمراد بـ (العلم) المشار إليه هنا قد نص عليه السلام عليه في غير هذا الحديث حيث قال : تركت فيكم الثّقلين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وعترتي أهل بيتي) (۱) وما تضمنا من المعاني من علوم الفرائض وغيرها .

وقد نص عليه السلام على أشياء جملة وهي تتفرع من الثقلين كما تقدم. فمن ذلك قوله عليه السلام تعلموا الفرائض فإنها من دينكم ، وهي أول ما يُنسى) (۲) ، وقال أيضاً في هذا المعنى بنفسه : (تعلموا الفرائض، وعلموها الناس فإني امرؤ ،مقبوض، وإن العلم يُقبض من بعدي، حتى إن الاثنين يختلفان في الفريضة فلا يجدان مَن يَفصل بينهما ) (۳) ، وكذلك كل ما حضت الشريعة عليه فهو منها .

وأما (العلم) المعرف بالألف واللام فهو ما عرف بالشرع أو بالعادة التي ليس فيها خلل من جهة الشريعة . أما الذي يعرف من جهة الشرع فهو كأمره عليه السلام بالتبليغ في حجة الوداع

(1) سبق تخريجه في الحديث (۳).

(۲) رواه ابن ماجه وصححه الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه . والفرائض : هي علم المواريث . (۳) رواه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه .

كما تقدم ،وكقوله عليه السلام (يسروا ولا تعسروا) إشارة إلى الرفق في التعليم ،وكقوله عليه السلام : (إنما أنا قاسم والله يعطي) (۱) على ما أبينه بعد في الحديث الآتي .

وأما ما يعرف بالعادة فهو مثل المؤدب يعلم أولاً الصبيان الهجاء ومعرفة الحروف، ثم شيئاً من القرآن، ثم شيئاً من اللغة، ليفهموا به کتاب ربهم وسنة رسولهم، وما أشبه هذا على ما تقتضيه الشريعة من الإجارة (۲) على ذلك، أو الجعل (۳) عليه على الخلاف في ذلك، وما سوى ذلك ممنوع مثل الألفاظ والاصطلاحات التي أحدثت ودلائل الشرع تمنعها. وقد أشرنا إلى شيء من ذلك في الأحاديث ،قبل، وقد نص عليه السلام على منع ذلك حيث قال : (يأتي في آخر الزمان قوم يحدثونكم بما لا تعرفون أنتم ولا آباؤكم ، فخذوا ما تعرفون ودعوا ما تنكرون) (٤) . الوجه السابع : في هذا من الفقه أنه لا يكون الفقه إلا بعد معرفة العلم المنقول أو معه على ما قررناه قبل، لأنه هو الأصل . ولذلك عطف بالواو التي تقتضي التشريك والتسوية بين الشيئين . أوزعنا (٥) الله من كليهما أوفر نصيب بمنه

وصلى الله على سيدنا ومَوْلانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً

(۱) متفق عليه من حديث معاوية رضي الله عنه (۲) الإجارة الأجرة على العمل.

(٣) الجُعل : والجمال والجعالة: ما يجعل على العمل من أجر أو رشوة. (٤) رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ مختلف .

(٥) أوزعنا الله جعل الله لنا قسم لنا .

حديث من سلك طريقاً يطلب به علماً

البخاري رضي الله عنه قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : من سلك طريقاً يطلبُ به عِلماً ، سهل الله له طريقاً إلى الجنّة .

ظاهر الحديث يدل على أن من حاول أمراً ليكون له عوناً على طلب العلم، سهل الله عليه الوصول إلى الجنة . والكلام عليه من وجوه

الوجه الأول ،قوله عليه السلام من سلك طريقاً) ، السلوك بمعنى الدخول قال تعالى : مَا سَلَكَكُمْ فِي سَفَرَ ) (۱) ، أي ما أدخلكم؟ وقال النبي : (لو سلكوا جُحرَ ضَبْ لَسَلَكتُموه) (٢) ، أي لو دخلوا لدخلتم . فإذا كان المراد به الدخول فهل هو مقصور على الدخول في طلب العلم، أو يتعدى إلى غيره؟ احتمل الوجهين معاً.

والظاهر تعديه، لأن ذلك في الشريعة كثير، فمن ذلك قوله عليه السلام: (لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان) (۳) ، وقوله عليه السلام ينفق على عياله يحتسبها)(٤)، على ما مرّ الكلام عليه. وإذا كان متعدياً فيترتب عليه من الفقه أن كل ما كان عوناً على الخير فهو خير، وقد وقع النص على ذلك، وهو ما جاء في نوم المجاهد أنه عبادة، لكونه عوناً له على الجهاد لكن ليس يؤخذ هذا على عمومه، وإنما هو بشرطين:

الشرط الأول : أن يكون الذي يستعان به جائزاً شرعاً ، ولا يكون حراماً ولا مكروهاً، يشهد

(1) سورة المدثر، الآية ٤٢ .

(۲) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأوله : لتتبعن سنن من قبلكم . (۳) رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه عن أبي بكرة رضي الله عنه، بلفظ : (لا يحكم أحد بين

اثنين وهو غضبان.

(٤) نص الحديث في البخاري : إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها ، فهي له صدقة وهو موضوع الحديث الثامن .

لهذا قوله عليه السلام للذي طلب منه الوصية وأراد أن يوجز له فيها، فقال له: (لا تقل شيئاً تستعذر عنه في يوم القيامة) (1) .

وقد حكي عن بعض الفضلاء أنه أصابه من العبادة تعب وجوع لقلة ذات اليد، ثم فتح عليه في لبن لم يطب له طريقه فامتنع منه فقالت له والدته لما امتنع اشربه وارجُ الله أن يغفر لك . فقال لها : أرجو الله أن يغفر لي ولا أشربه فانظر كيف امتنع من شربه، وإن كان عوناً له على ما كان بصدده. لكن لما أن كان فيه كراهيةٌ ما لم يُقدِم عليه، وتركه ،البتة، لأن الخسارة التي تعود عليه منه أكثر من الفائدة بل هو عري عن الفائدة، لأنه لا يعين على الطاعة إلا الحلال . (الشرط الثاني : أن ينوي به العون على طلب العلم أو على وجه من وجوه الخير على القول بتعدية الحكم، وعلى القول الآخر فيكون في طلب العلم ليس إلا ، لأن المباح لا يؤجر عليه، ولا يقربه إلى الجنة حتى ينوي به العون على الطاعة. فإذا كان الشيء الذي ينوي به العون على الطاعة من طلب العلم ،وغيره فرضاً كان أو مندوباً، كان له أجر المندوب وزيادة القرب إلى الجنة، لأنه عليه السلام أتى بـ (الطريق) نكرةً والنكرة عامة في أن يكون فرضاً أو ندباً أو مباحاً، والرابع (٢) ممنوع على ما بيناه .

وهل يتصور هذا في الفرض؟ أعني أن يكون له أجر الفرض وزيادة القرب إلى الجنة إذا اعتقد به العون على طلب العلم ؟ فالمشهور من مذاهب الفقهاء منع ذلك، لأنهم اختلفوا في فرض وندب إذا اجتمعا بنية واحدة، هل تجزىء أم لا؟ على قولين :

ومسألتنا من ذلك الباب، وعموم لفظ الحديث يقتضي الجواز لكن من أراد أن يخرج عن الخلاف ، ويعمل بنص الحديث ليعظم له الأجر ، فينوي في هذا الفرض مثلما ينوي المغتسل يوم الجمعة من الجنابة وللجمعة، الذي يريد أن يخرج من الخلاف يقول : طهوري هذا الجنابتي وأرجو أن يجزيني عن غُسل جمعتي ، فيحصل له الخروج عن الخلاف ويكون متبعاً للفظ الحديث، عاملاً عليه.

الوجه الثاني ،قوله عليه السلام يطلب به علما ) . الطلب هنا يحتمل وجهين : (الأول) : أن يكون المراد به تحصيل العلم والاشتغال به (الثاني) أن يكون المراد الاهتمام به والمسارعة إليه. يدل على هذا قوله عليه السلام: (تعلّموا العلم فإن تعلمه الله حسنة وطلبه عبادة) (۳). ففرق

(1) لم نعرف مصدره (۲) والرابع أي القسم الرابع من أقسام المستعان .به. وقد بين الأقسام الثلاثة قبله، فذكر أن منها الفرض، والندب، والمباح، وأما الرابع فهو الحرام. (۳) جزء من حديث طويل هذا مطلعه. رواه أبو الشيخ وابن حبان في كتاب الثقات وابن عبد البر وقال : ليس له إسناد قوي . (انظر تخريج الحافظ العراقي لأحاديث إحياء علوم الدين ٢٢/١).

بين التعلم وطلب العلم، وجعل نفس الطلب أعلى من نفس التعلم لأنه عليه السلام شبه الطلب بالعبادة، وجعل نفس التعلم إذا كان الله حسنة، والحسنة من بعض ما تتضمنه العبادة . الوجه الثالث : لقائل أن يقول : لم كانت الوسيلة هنا أفضل من الشيء المقصود، وينبغي أن

يكون بالعكس على ما عرف من قواعد الشريعة والعوائد ؟

والجواب : أن الشيء المقصود لم يجعل أخفض رتبة من الوسيلة ولا مثلها، لأن الشيء المقصود إنما هو نور يضعه الله في القلوب على ما نقلناه عن العلماء والدرس والنقل والرواية سبب لتحصيل ذلك النور الذي يكون به العلم كما تقدم من قول مالك، رحمه الله : ليس العلم

بكثرة الرواية.

فالحاصل

من

:هذا أن الشيئين المذكورين سببان إلى تحصيل النور، وأحدهما أشق على النفس ،وأشد وهو الحث والطلب فجعل له مقام العبادة التي فيها مشقة النفس ومجاهدتها . والثاني أخف وهو الدرس والنقل، فجعل فيه حسنة. وهذا نص صريح من الشارع عليه السلام فيما نقلناه عن العلماء من أن العلم ليس بكثرة الرواية .

الوجه الرابع : لقائل أن يقول : لِمَ أتى بـ (العلم) نكرة، ولم يأت به مُعَرَّفاً، كما أتى به مُعَرَّفاً

في الحديث قبله؟

والجواب : أن قرينة الحال هنا أغنت عن التعريف وهي قوله عليه السلام (سهل الله له طريقاً إلى الجنة والتسهيل للجنة لا يكون إلا بالعلوم الشرعية ولما أن كانت العلوم الشرعية متعددة أتى به نكرة، من ذلك علم الفرائض والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك. فلمجموع الأمرين أتى به نكرة ـ وهما البساط (۱) ـ وكثرة العلوم .

ثم انظر إلى الحديث الذي استدللنا به لما أن أتى به في معرض مدح العلم وما لصاحبه من الخير أتى به معرَّفاً، وقيَّده بأن يكون الله ، ثم عطف بالواو ، وجميع الخيرات التي ذكرت في الحديث بعد ذلك اللفظ حتى يكون الوصفان شرطاً في الخيرات المذكورة بعد والوصفان هما ما تقدم، من أن (العلم) معرَّفاً يشير به إلى العلم الشرعي ويترك ما عداه ، وأن يكون الله خالصاً.

وبقية الحديث هو قوله عليه السلام وطلبه) ،عبادة ومذاكرته تسبيح، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله ،قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، ومنازل سُبل أهل الجنة، والأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح

(۱) البساط : سبق أن قلنا : إن المراد به الوسيلة) والأداة .

نے

على الأعداء، والزَّين عند الأخلاء يرفع الله به قوماً ويجعلهم في الخير قادة وأئمة . تُقتَبَس آثارُهم ، ويُقتَدَى بفعالهم ، ويُنتَهَى إلى رأيهم . تَرغَب الملائكة في خُلّتهم، وبأجنحتها تمسحهم ويستغفر لهم كل رطب ويابس حتى الحيتان في البحر ،وهوامه، وسباع البر وأنعامه . لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصباح الأبصار من الظلمة . بالعلم تُبلغ منازل الأخيار والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، والتفكر فيه يُعدّل بالصيام ومدارسته ،بالقيام وبه تُوصل الأرحام، ويُعرَف الحلال والحرام والعلم إمام العمل والعمل تابعه فَيُلْهَمُه ،السعداء ، ويحرمه الأشقياء). فكل هذه الخيرات والنعم لا تحصل إلا بعد حصول ذينك الشرطين ،وصحتهما، وحينئذ تكون هذه الخيرات تابعة لهما . والحديث أخرجه صاحب الجلية (1) . فإن احتج محتج بتضعيفه قيل :له قد صحح إسناده الأستاذ السمر قندي

، رحمه الله .

الوجه الخامس : قوله عليه السلام سهل الله له طريقاً إلى الجنة ). سهل أي قرب ولقائل أن يقول : لم جعل ثواب هذا العمل التسهيل ولم يجعل له حسنة ولا غير ذلك كما جعل في الحديث الذي أوردناه .

والجواب : أنه إن قلنا بأن الحسنة كناية عن الأجر، والتسهيل كناية عن تسهيل الطريق له إلى نيل العلم فالحسنة أرفع وإن قلنا بأن التسهيل كناية عن التسهيل إلى الجنة، فهو أرفع من الحسنة، لأنه لا يُقَرَّبُ أحد إلى الجنة إلا وقد عوفي من النار والمعافاة من النار أفضل من كثير من الحسنات مع دخول النار ولذلك ،قال عليه السلام: (لو لم يكن إلا النجاة من النار فقد فاز فوزا عظيماً) (۳). فعلى هذا يكون التسهيل أرفع من الحسنة وأفضل الوجه السادس : لقائل أن يقول : لم لم يقل ( أدخله الجنة) عوض هذا التسهيل، كما قال في

أحاديث غير هذا؟

والجواب : أن دخول الجنة هو بالأعمال، بفضل الله ، كما تقدّم . وقد قدمنا أن ما هو فيه الآن سبب إلى تحصيل العلم ليس العلم نفسه، وليس السبب للعلم كالعلم. فلذلك عَدل عن ذكر دخول الجنة، وأتى بصيغة التسهيل.

(1) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء : كتاب في عشرة أجزاء. ألفه أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني المتوفى سنة ٤٣٠ هـ / ١٠٣٨م. حافظ ، مؤرخ، من الثقات في الحفظ والرواية .

(۲) الأستاذ السمر قندي : هو الحسن بن أحمد القاسمي. إمام زمانه في الحديث استوطن نيسابور. له بحر الأسانيد في صحاح المسانيد. جمع فيه مئة ألف حديث في ثمانية أجزاء. توفي سنة ٤٩١ هـ / ١٠٩٨م. (۳) مروي بالمعنى لحديث رواه الإمام أحمد في المسند ۲۳۱/۵ والترمذي في السنن كتاب الدعوات وفيه فإن تمام النعمة دخول الجنة والفوز من النار .

الوجه السابع : هذا الثواب المذكور على هذا الفعل احتمل أن يُراد به الآخرة ليس إلا ، واحتمل

أن يكون ذلك عاماً في الدنيا وفي الآخرة. فإن رجعنا إلى صيغة لفظ الحديث فهو للاخرة ليس إلا . وإن نظرنا لغيره من الأحاديث فنقول بعمومه في الدنيا وفي الآخرة، وهو الأظهر، بدليل ،قوله عليه السلام من خرج إلى المسجد ، ليعلم خيراً أو ليتعلمه كان في ذمة الله، فإن مات أدخله الله الجنة ، وإن رجع كان كالمجاهد، رجع بالأجر والغنيمة) (1) . فقد نص عليه السلام على مَا لَهُ في الدنيا من الثواب فلا سبيل إلى القول بغيره لكن هذا لا يكون إلا إذا كان (العلم) المعرف، الذي أشار إليه عليه السلام ويكون الله خالصاً. وفي تخليصه، وحصول حقيقة الفقه الذي أشرنا إليه قبل، هو (۳) الشأن . فإذا حصل أحدهما أو مجموعهما فقد حصلت حقيقة السعادة، لأنه قد قدمنا أن ذلك إذا وجد فهو علامة على أن صاحبه لا يمكر به، ولا ينكص على عقبه . ومثل هذا ما قاله ،هر قل، وهو الحق الواضح : إن الإيمان إذا خالط بشاشته القلوب لم يخرج منها

مَنَّ الله علينا بمجموعهما بِمَنْهِ ويُمْنِهِ .

الوجه الثامن : لقائل أن يقول : لِمَ أتى بـ (الطريق) نكرة في الأول والثاني ولم يأتِ به مُعرَّفاً؟ والجواب : أن العلوم الشرعية كثيرة، كما ذكرنا، منها علم القرآن وعلم الحديث، إلى غير ذلك من العلوم الشرعية فلما كانت كثيرة كانت طرقها كثيرة ،مختلفة، لأنه ليس ما يتوصل به إلى علم القرآن هو الذي يتوصل به إلى علم الحديث. وكذلك العلوم كلها لكل علم اصطلاح يخصه وهو الطريق إليه. فلكثرة هذه الطرق أتى بها (۳) نكرة. فمن أتى لعلم واحد منها سهل عليه ذلك الطريق الواحد، وإن أتى لمجموعها سهلت عليه الطرق كلها . وهذا مثل ما أخبر عليه السلام عن الأعمال أن كل صاحب عمل يُدعَى من باب من أبواب الجنة، يختص بذلك العمل، حتى قال في آخره ويدعى الصائم من باب الرَّيَّان فقال أبو بكر ، رضي الله عنه، ما على كلِّ مَن يُدْعَى من تلك الأبواب كلها ؟ فقال عليه السلام: (وأرجو أن تكون منهم) (٤) . فكذلك من طلب العلوم الشرعية كلها قرب من كل باب من تلك الأبواب. فإن طلب البعض وترك البعض قرُبَ من بعض دون بعض. جعلنا الله ممن طلب الكلَّ، وسهّل عليه الوصول إلى الكُلِّ ، ونودي من الكل بمنه وكرمه

لا رب سواه، والحمد لله وحده

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(1) لم نعرف مصدره بهذا اللفظ .

(۲) كذا، بزيادة (هو) .

(۳) أي بالطريق .

(٤) أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، بلفظ مختلف .

حديث قيام الأمة المحمدية على الحق إلى يوم القيامة

عنه ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ، يقول : من يُرِدِ الله به خيراً يُفَقَّهُهُ ، :

عن معاوية ، رضي " في الدين. وإنّما أنا قاسم، والله يُعطي . ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرُّهم

مَن خالفهم، حتى يأتي أَمرُ الله .

ظاهر الحديث يدل على ثلاثة أحكام

(الحكم الأول) : تعلق الخير بالفقه في الدين.

(الثاني) : أن حقيقة الإعطاء إنما هي الله عزّ وجلّ، دون غيره .

(الثالث) : إبقاء هذه الأمة على الحق إلى يوم القيامة حتى يأتي أمر الله لا يضرهم من

خالفهم. والكلام عليه من وجوه

الوجه الأول: قوله عليه السلام: مَن يُرِدِ الله به خيراً يُفَقِّهْهُ في الدين). الكلام عليه كالكلام

على الحديث قبله، لكن هنا زيادة الدين)، وهو يحتمل وجهين :

(الأول) : أن يكون المراد به العلم الذي يقوم به الدين .

(الثاني) : أن يكون المراد به التدين .

فإن كان المراد به الأول فيكون تأكيداً لأحد المحتملات في الحديث قبله وإن كان المراد به الثاني فمعناه أن يفهم المرء ما تديَّن ،به وحقيقة الحكمة في التدين به، وفي أمثاله نوعاً نوعاً فيزداد إذا ذاك إيمانه ويقينه عند فهمه لحسن ما تديَّن به. وذلك أن حكمة الحكماء لو جمعت في حكيم واحد، ثم رُزق صاحبها التوفيق وقوة اليقين ما كان يرى أن يزيد فيما حُدَّ وشرع ذرة، ولا ينقص منه ذرة، لما فيه من الحسن واللطف في الحكمة. ومن ظهر له هذا المعنى

فقد أعطِي خيراً لم يُعطَ غيرُه مثله . قال عزّ وجلّ في كتابه: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (۱) ، وإليه أشار علي بن أبي طالب رضي الله عنه، الذي هو باب العلم لأن النبي قال في حقه : (أنا) مدينة العلم وعلي بابها ) (۲) فقال، رضي الله عنه : لكل اية ظهر وبطن، ولكل حرف حَدٌ ومطلع (٣) . فالحَدّ والبطنُ والظَّهرُ يتقارب الناس في ذلك بعضهم فوق بعض درجات، والمطلع خصّ الله عزّ وجلّ به الخصوص مِن خلقه وأكرمهم به ، وهو الحكمة في وضع هذا على هذه الصفة .

والأظهر من الوجهين : هذا الوجه الذي نحن بسبيله، وهو صعب عسير، لا يستطيع الوصول إليه إلا مَنْ خالط الإيمانُ قلبه وأبلَجَ اليقين فؤادَه ، وكان عِلمُه وعَمله الله خالِصاً، وأوتي النور والحكمة، وأُمِدَّ بالعون والرحمة، وهو فضل الله يؤتيه من يشاء .

والألف واللام للعهد لأن المراد به دين الإسلام

الوجه الثاني : قوله عليه السلام وإنما أنا قاسم ؛ والله يعطي هذا أدل دليل على علوّ منزلته عليه ،السلام عند ربه ،وخصوصيته، إذ إن هذا الخير العظيم الذي رحم الله به المؤمنين جعله على يديه. وقد روي في الأثر أن الله عزّ وجلّ يقول : أنا الله لا إله إلا أنا خلقتُ الخير وخلقتُ له أهلاً، فطوبى لمن خلقتُه للخير ، وخلقتُ الخير له، وأجريتُ الخيرَ على يديه) (٤ ) . فالنبي ، ، هو أجلّ من أُجرِيَ الخيرُ على يديه .

الوجه الثالث : لقائل أن يقول : لِمَ سَمَّى عليه السلام نفسه المكرمة بهذه الصفة وهي (القاسم)، وحقيقة هذه الصفة إذا تحققت هي : إذا كان الإنسان يَقسِم شيئاً محسوساً على أشخاص

معلومين؟

والجواب : أنه عليه السلام، إنما وَصَفَ نفسه المكرمة بهذه الصفة للمعنى الذي ذكرنا وهو أن الله عزّ وجلّ، قد قسم هذا الخير الذي رحم به المؤمنين على يديه، فبين عليه السلام الشريعة بأتم بيان ثم حدَّ الحدود، ورغب وحذَّر ، فقال : مَن فعل كذا فعليه كذا على ما جاء في الأحاديث. وكذلك القاسم في الشيء المحسوس سواء مَثَل ذلك الفَرَضِيُّ، يحقق لكل إنسان قِسْطَهُ، فيبين له قَدْرَ مَا لَهُ من الحق، وما عليه من اللوازم فهذا من أبدع التمثيل وأفصحه .

(۱) سورة المائدة من الآية ٥٠ .

(۲) رواه العقيلي وابن عدي والطبراني والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما . (۳) المطلع : مكان الطلوع. أي لكل حرف مصعد يصعد إليه من معرفة علمه . (٤) عزاه المدني في الإتحافات السنية والنبهاني في الفتح الكبير للطبراني في الكبير عن ابن عباس رضي الله عنهما .

تم

ثم انظر إلى الفَرَضِي فإنه ليس عليه أن يبلغ صاحب الحق حقه، وإنما يبلغه ويعطيه من بيده

الأمر والنهي . والنبي ، ، جعل نفسه المكرمة كذلك سواء، لأنه أخبر عن نفسه بأنه هو القاسم أخبر بأن المنفّذ لذلك، والمعطي إنما هو الله جل جلاله ، وذلك بقوله : (والله يعطي) فالله عزّ وجلّ، هو المعطي، وهو المانع ، لأن الأمور كلها بيده ، ومصدرها عن قضائه. وقد نص، عزّ وجلّ، على هذا المعنى وبيَّنه في كتابه في غير ما موضع فمن ذلك قوله عزّ وجلّ :

عَلَيْكَ هُدَتْهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ ) (۱) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُختَلِفِينَ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ (۳) وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَهِلِينَ ﴾ (٤) إلى غير ذلك وهو كثير. وقد ظهر هذا المعنى ورُئي في الوجود حسّياً ، لأنه عليه السلام، بيَّن طريق الهدى، على حد واحد ولم يخص بذلك بعض الناس دون بعض فهدى عزّ وجلّ من شاء بفضله إلى التصديق والاتباع وخذل من شاء بعَدْلِهِ ، فكذَّب ،وأعرَض ، وهدى من شاء بحكمته إلى قبول البعض، والإعراض عن البعض .

الوجه الرابع في هذا دليل على أن للعالم أن يضرب الأمثال في تقرير الأحكام بقدر ما يفهم المخاطب ما أريد منه ، إذ إنه عليه السلام، شبَّه نفسَه المكرَّمة بـ (القاسم على ما تقدم، ولهذا المعنى قال مالك رحمه الله : بالمعاني استُعبدنا لا بالألفاظ وكذلك قالت ذات النطاقين(٥) للمؤدب، حين أتته بولدها ليعلّمه القرآن : (أدبه ، وأحْسِنُ تأديبه، والرحمن علم القرآن). فمثل هؤلاء فهموا من هو المعطي وكيف تصريف الحكمة في الأشياء، ومن غلب عليه الجهل بهذا المعنى يَنْسُب قلة حفظ الصبي للمؤدب وليس كما يزعم وإنما المانع والمعطي هو الله جل ،

جلاله، في الأشياء كلها ، دِقّها وجِلَّها (٦) ، رزقاً كان أو علماً أو عملاً. وإنما وظيفة المكلف في ذلك عمل الأسباب امتثالاً للحكمة والتعلق في حصول الفائدة ،بربه عزّ وجلّ.

(1) سورة البقرة من الاية ۲۷۲ . (۲) سورة فاطر من الآية ٢٣ (۳) سورة هود من الآيتين ۱۱۸ و ۱۱۹ . (٤) سورة الأنعام من الاية ٣٥ .

ذات النطاقين هي أسماء بنت أبي بكر الصديق صحابية من الفضليات اخر المهاجرين والمهاجرات ت ٧٣هـ / ٦٩٢ م . وهي أخت السيدة عائشة لأبيها وأم عبد الله بن الزبير. تزوجها الزبير بن العوام فولدت له عدة أبناء بينهم عبد الله ، ثم طلقها الزبير فعاشت مع ابنها عبد الله بمكة إلى أن قتل، فعميت بعد مقتله . للنبي طعاماً حين هاجر إلى المدينة، فلم و خبرها مع الحجاج مشهور . سميت بذات النطاقين لأنها . تجد ما تشده به فشقت نطاقها و شدت به الطعام لها ٥٦ حديثاً.

(٦) دقها وحلها صغيرها وكبيرها .

الوجه الخامس في هذا من الفقه وجهان: (الأول): أن الأسباب لا تأثير لها بذواتها إلا بحسب ما شاء القادر. (الثاني) : أنه لا بد من الأسباب، إذ إنها أثر الحكمة، وتركها مخالفة وعناد. الوجه السادس : لقائل أن يقول : قد حضت الشريعة وندبت في أعمال البر، ومن ذلك ما

نحن بسبيله، وقد ذمّت الدنيا، وزهدت في أسبابها وذلك كثير ، ومن ذلك قوله عليه السلام (لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب) (۱)؟ والجواب : أنه لما كانت هذه الدار قد قسمت فيها الأرزاق وضمنت بمقتضى الآي والأحاديث أمر الشارع عليه السلام، لأجل ذلك بالزهد في التسبب، لأنه مقتضى الإيمان، لأن الله عزّ وجلّ، يقول في كتابه : يؤمنون بالغيب )

والحرص في التسبب عاهة في الإيمان، وضعف في التصديق وتعب في تحصيل حاصل . والرغبة في التسبب في أعمال البر يقوى به الإيمان ويكون موافقاً (۳) لما به قد أمر ، ومع ذلك فرزقه قدر له في الدنيا لا بدَّ أن يأتيه حتماً، لقوله عليه السلام من بدأ بحظه من آخرته نال من

الذي

آخرته ما أراده ولم يفته من دنياه ما قسم له) (٤) . والآي والأحاديث في هذا المعنى كثيرة .

والحث (٥) هنا من حقيقة الإيمان، وكل ما هو من حقيقة الإيمان أو لازمه كان صاحبه مشكوراً مثوباً. ومثل هذا المجتهد إذا اجتهد فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجرٌ واحدٌ ، لأنه قد بذل جهده في الأدوات، فلما أخطأ لم يضيّع ،الله عزّ وجلّ له ،تعبه لأنه لم يترك من جهده شيئاً بمقتضى ما أمر بخلاف العامل بالجهل، فإنه لا يُؤجر ، وإن أصاب الحق، على أظهر الوجوه وأولاها .

الوجه السابع في هذا دليل على أن الزهد لا يسهل إلا بالتقوى لأنه عليه السلام، قال: (فاتقوا الله ، وأجملوا في الطلب)، ومثل ذلك قوله تعالى ( وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ ) (٦) . والواو فيهما : واو الحال (۷) . فالأصل هو التقوى فإذا حصل ذلك حالاً أتى إذ ذاك الزهد راغباً .

(۱) رواه ابن أبي الدنيا في القناعة، والحاكم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه وصححه على شرط الشيخين ورواه البيهقي في شعب الإيمان وقال : إنه منقطع. ولفظه : (... وإن الروح الأمين نفث في روعي : إن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب.

(۲) سورة البقرة من الآية ..

(۳) كذا بالتذكير. (٤) لم نعرف مصدره.

(٥) الحث: التحضيض والإعجال. ويراد به هنا: الرغبة في التسب

(٦) سورة البقرة من الاية ۲۸۲ .

(۷) هذا يقتضي تقدير (أنتم) بين الواو والفعل المضارع، لأن واو الحال لا تباشره.

ولأجل هذا المعنى كان أهل الصوفة أكثر من غيرهم زهداً ورفضاً للتسبب لكثرة تقواهم وقد قال عليه السلام: (لو) توكلتم على الله حَقَّ توكُلِهِ لَرَزقكم كما يرزقُ الطّيرَ، تَغدو خماصاً، وتَرُوحُ بطاناً) (۱) ، مع أنه قد قال بعض من غلبت عليه شهوة الطلب في معناه : إن طيران الطير في الهواء سبب في رزقه، فهو تحضيض على التسبب وهذا ليس بشيء. وقد أجابه بعض أهل التحقيق بجواب مقنع وهو الحق الذي لا خفاء فيه فقال طيران الطائر كحركة يد المرتعش سواء، لا حكم لها .

والمجاوب بهذا هو الذي فهم تخصيص الشارع عليه السلام الطير بالذكر من بين سائر الحيوانات من الوحوش والحشرات وغير ذلك، لأن الوحوش والحشرات تتبع أسباب معاشها . فمن كان منها يرعى تراه أبداً يتبع أرض الخصب ويترك أرض الجَدْب، فلا تراها قَطُّ في أرض جَدْبَةٍ، ومن كان منها يقتنص تراه أبداً يتبع أثر الصيد بالشمّ حتى يقتنصه . فلما كان هؤلاء يشبهون بني ادم في التسبب عَدَل عليه السلام عن ذكرهم وذكر الطير الذي يطير في الهواء، وليس في الهواء جهة تُقصد، ولا حَبّ يُلتقط ، ولا شيء يُرعى إلا هواء وضياء، ثم يمرح في ذلك، ويتردد فيه حتى يؤتى به إلى رزقه أو برزقه إليه. فلأجل هذا المعنى خصَّ الطير بالذكر دون غيره من الحيوانات، وإن كانت الكل تغدو خماصاً، وتروح بطاناً .

الوجه الثامن : قوله عليه السلام ولن تزال هذه الأمة (الأمة هنا هل المراد بها العموم أو الخصوص؟ محتمل للوجهين معاً .

فإن كان المراد بها الخصوص، فهو ظاهر من وجوه .

(الأول) : أن العرب تسمي البعض بالكل، والكل بالبعض

(الثاني) أنه عليه السلام قد أخبر بالفتن التي تكون في آخر الزمان مِن رَفْعِ العِلم وظهور الجهل وظهور الجَوْر (۲) إلى غير ذلك مما جاء في أحاديث ،الفتن وكلها أخبار وما نحن بسبيله خبر والأخبار لا يدخلها نسخ. فإذا حملنا الخبر الذي نحن بسبيله على الخصوص، صحت الأخبار التي تعارِضُه كلها ، يؤيد هذا قوله عليه السلام افترقت بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين

(۱) رواه الإمامِ أحمد في المسند والترمذي والنسائي وابن ماجه وصححه الحاكم وابن حبان والخماص: جمع خمصان وخمصانة وهو من كان ضامر البطن وخاليه من الطعام من شدة الجوع أو الضعف وعكسه البطان . وتغدو تبكر في الذهاب وتروح تعود في المساء. (۲) أحاديث آخر الزمان من رفع العلم وظهور الجهل والجور كثيرة منها ما رواه البخاري في كتاب الفتن، ومسلم في العلم باب رفع العلم والإمام أحمد في ظهور الجور.

فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا (واحدة) (۱) . فهذه الواحدة الباقية في هذا الخبر هي : هذه الأمة المنصوص عليها فيما نحن بسبيله، فتكون الطائفة الناجية من الثلاث والسبعين هي هذه الأمة المنصوص عليها .

وقد ثبت في بعض الروايات ما هو نص فيما نحن بسبيله فقال فيها : (لا تزال طائفة من هذه الأمة).. ومعنى هذا على ما قاله بعض العلماء أنه لا تزال طائفة من أهل العلم قائمين بوظيفة العلم، على ما يُرضِي الله، وطائفة من أهل الحقيقة كذلك، وطائفة من أهل الأعمال الزاكية) كذلك، وكذلك في كل نوع من أنواع الخير، علماً كان أو عملاً أو حالاً، لا تزال طائفة من المؤمنين) قائمين بذلك الشأن لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله )

التي

وإن كان المراد بالأمة المذكورة العموم فوجهه ظاهر أيضاً، لأن الأمة الحقيقية هي اتصفت بهذا الوصف المذكور في الحديث، وهي المراد بقوله عليه السلام: (أُمّتي كلها في الجنة ) (۳) يعني الأمة الحقيقية الماشية على سَنَيْه وسُنّته ، وما عداهم في حكم المشيئة . فمنهم من لا يكون من الأمة أصلاً، وهم الذين يبدل بهم (٤) عند الخاتمة . نعوذ بالله من ذلك . ومنهم من يدخل في ضمن قوله عليه السلام يوم القيامة : فسُحقاً فسُحقاً فسُحقاً) (٥) فيكون لهم طرف من الإيمان لأنهم يحشرون بعلامة هذه الأمة عليهم .

ومنهم من تناله الشفاعة بعدما ينال ما قدّر له من ذلك الأمر العظيم. يدل على ذلك قوله

عليه السلام: اختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) (٦) .

ومنهم من يعذب بأنواع العذاب بحسب اختلاف معاصيهم لأنه روي في غير ما حديث أن

لكل نوع من المعاصي عذاباً يخصه أو ما في معناه .

(۱) صحيح متواتر. (انظر الحديث (۳).

(۲) متفق عليه.

(۳) رواه البخاري - كتاب الاعتصام - بلفظ كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى .. الخ)

(٤) لعله يعني: تسوء عاقبتهم والعياذ بالله .

جاء ذكر هذه الألفاظ في البخاري في حديث الذود عن الحوض وفي الرقاق، وفي الأنبياء، وفي بعض مواطن التفسير. وكذلك في صحيح مسلم في الجنة . باب فناء الدنيا من حديث ابن عباس رضي الله عنهما (وفيه فأقول فسُحقاً) . ورواية مسلم (وفيه فأقول : سُحقاً سُحقاً لمن بدل بعدي. وأما اللفظ الثالث فلم يَرِد في كلا

الصحيحين .

(٦) رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان والحاكم عن جابر رضي الله عنه بلفظ (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) .

الوجه التاسع : في هذا دليل على أن من وجدت فيه الصفات المذكورة في هذا الحديث

ومات عليها، قطع له بالسعادة حتماً للوعد الجميل ومن كان على غير الصفة المذكورة بقي في المشيئة متوقعاً لما ذكرناه من هذه الأمور الخطيرة .

أيقظنا الله من سنةِ الغفلة، وحملنا على سبيل الهدى بفضله

الوجه العاشر : في الحديث بشارة عظيمة، وأي بشارة لمن أراد الخير ، وصَدَق فيه، لأنه، عليه السلام قد أخبر أن هذه الأمة لا تزال أبداً على هذا الحال الذي أخبر به إلى يوم القيامة. فعلى هذا فخيرهم متعدّ، لأنه لو كان غير متعد لانقطعت ،آثارُهم ، ولكنهم يخلفون جيلاً جيلاً. فمن أراد الخير وصدق فيه يُرجى له أن الله تعالى ييسر له من هذه الطائفة من يدلّه عليه، ويُلهمه إليه، لأن المخبر صادق، والأمر كذلك فيه . ولولا هذا الخير لكاد لكثرة ما ظهر من الفساد أن يَقطَع الإنسانُ بأن هذه الطريق قد انقطعت، أو يقطع اليأس من نفسه بأنه لا يصل إلى هذه الطريق، ولا يجد من يدلّه عليه، ولا مَن يرشده إليه .

الوجه الحادي عشر : قوله عليه السلام قائمة على أمر الله ) . (قائمة) يحتمل وجهين : (الأول) : أن يكون معناه (مُوَفِّية)، لأن العرب تقول : فلان قام بالأمر ، أي : وفاه حقه . (الثاني) : أن يكون معناه ثابتة على أصولها وقد جاء ذلك في الكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿ قَابِمَةً عَلَى أُصُولِهَا ﴾ (١) أي ثابتة على أصولها (۱) .

وقوله : (على أمر الله :أي: بأمر الله، لأن العرب تبدل الحروف بعضها ببعض. هذا إذا كان المراد بـ (قائمة) الوجه الأول. وإن كان الثاني فتكون (على) هنا على بابها . و (أمر الله) هنا هو : اتباع ما أمر ، واجتناب ما نَهى على واجبه ومندوبه ، ولذلك أتى بلفظ الأمر الذي يحتمل الوجوب والندب، وجميع محتملاته على ما هو معروف بين المتكلمين .

الوجه الثاني عشر : في هذا دليل على ظهور الباطل وكثرته لأنه إذا لم يكن على الحق إلا طائفة واحدة فالباقي على الضلال . قال عزّ وجلّ، في كتابه : ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَل (٢) فإذا وجد الحق فما سواه هو الباطل. وقد وصف عزّ وجلّ هذه الطائفة في كتابه حيث قال : وَقَلِيلٌ مَّا هُم ) (٣) . فإن كنت لبيباً فافزع (٤) عن الأكثر ، ومِل إلى الأقل تحظ بالسلامة. ولهذا

(۱) سورة الحشر، من الآية ٥ . (۲) سورة يونس، من الآية ٣٢ . (۳) سورة ص ، من الآية ٢٤ . (٤) فافزع عن الأكثر انفر وابتعد .

قال عليه السلام: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء من أمتي. قيل يا رسول الله :

ومن الغرباء من أمتك ؟ قال : الذين يصلحون إذا فسد الناس) (۱) .

الوجه الثالث عشر : قوله عليه السلام لا يضرهم من خالفهم الضر هنا يحتمل ثلاثة أوجه : (الأول) : أن يكون المراد به الأشخاص القائمين بالأمر لا يقدر أحد على ضرهم. (الثاني) : أن يكون المراد أن الضر لا يلحق فعلهم ، ويقبل منهم، ولا ينقص لهم من أجورهم شيء، إن كانوا مجاورين للمخالفين لهم ومخالطين لهم (الثالث) أن يكون لا يضرهم ولا يضر عملهم. وهذا هو أظهر الوجوه، بدليل قوله تعالى: ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (۲) وقوله تعالى : لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُه ) (۳)

الوجه الرابع عشر: في هذا بشارة عظيمة لمن اتصف بالصفة المذكورة في هذا الحديث إذ إنه لا يخاف الضرر وإن كثر ،أهله فيكون أبداً مطمئنَّ النفس ، منشرح الصدر، لأن المخبر صادق، والمخبر عنه عالم قادر ،وقد نبه عزّ وجلّ على هذا المعنى، وصرّح به في كتابه، حيث :قال: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) كما تقدم. والمؤمنون الذين أوجب لهم النصر بمجرد الفضل هم الموصوفون في هذا الحديث. ولهذا قال بعض الفضلاء، وهو يُمن بن رزق، رحمه الله : إذا وافقت الشَّريعة، ولاحظت الحقيقة فلا تبال وإن خالف رأيك جميعَ الخليقة . الوجه الخامس عشر : قوله عليه السلام (حتى يأتي أمرُ الله ) . (حتى) احتملت الوجهين :

(الأول) : أن تكون على بابها للغاية (الثاني) : أن تكون بمعنى (قرُبَ) . و (أمر الله احتمل وجهين (الأول) : أن يكون المراد به قيام الساعة (الثاني): أن يكون المراد به الآيات الكبار ونعني بـ الآيات الكبار :هنا ما روي أنه بعد ما ينزل عيسى، عليه السلام، ويُحيي الله به هذا الدين ويعيش ما شاء الله، بحسب ما جاء في الأحاديث، ويموت ويدفن بين المسلمين، ثم يبقى المسلمون بعده يسيراً، ثم يقع فيهم الخلل، ويكثر، فإذا تفاحش ذلك فيهم يرسل الله ريحاً لينةً من تحت العرش تقبض أرواح المؤمنين، ثم يرفع القرآن، ولا يبقى إذ ذاك إلا الأشرار، فيخرج إليهم الشيطان، فيغويهم حتى يرجعوا إلى الجاهلية الأولى. فإن كان المراد بـ (الأمر ) هذا الوجه فتكون (حتى) على بابها للغاية . وإن كان المراد به الوجه

الأول فتكون (حتى) بمعنى : (قرب) كما تقدم.

(۱) رواه الآجري في كتاب فضل العلم بهذا اللفظ ، ورواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ آخر .

(۲) سورة الروم، من الآية ٤٧ (۳) سورة المائدة، من الآية ١٠٥ .

الوجه السادس عشر : في هذا دليل على أفضلية هذه الأمة على غيرها من الأمم، إذ إن الله ، عزّ وجلّ، أبقاها على دينها إلى قيام الساعة من غير أن يدخل عليها في ذلك خلل، ولا تتعبد بغير ما شرع لها، وغيرها من الأمم ليس كذلك ، لأنه لم تأتِ قط أمةٌ حتى تنقرض الأخرى .

الوجه السابع عشر : في هذا دليل على شرف النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلو منزلته عند ربه، إذ إن تشريف أمته وتفضيلها يتضمن تشريفه من باب أولى، ورفع قذره، إذ إن بسببه حصلت لها هذه السعادة العظمى . جَعَلَنَا الله من أمته، وأسعدنا باتباع سنته، إنه ولي كريم .

الوجه الثامن عشر : في الحديث إشارة لأهل الصوفة، وهو أن أمر الله تعالى، عندهم عام والمراد به الخصوص، أي يختص بكل واحد بحِدَتِهِ، دون مشاركة غيره، وهو الموت فيكون المراد بسياق الحديث بأن يموتوا على الخير ، فتنشرح صدورهم للوعد الجميل، وينتظرون الموت يفرحون به كالغائب يَقدُمُ على أهله

جعل الله به ،فَرَحَنا وجعل يومَه خَيْرَ أيامنا بِمَنّه ،ويُمْنِه إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير، والحمد لله وحده .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

حديث سؤال القبر وفتن

عن أسماء، أسماء ، رضي شيء لم أكن أُرِيتُه إلا رأيتُه في مقامي هذا حتى الجنة والنار . فأُوحِيَ إِليَّ : أنكم تُفْتَنون في قبوركم - مِثْلَ أو قريباً (لا) أدري أي ذلك قالت أسماء) - من فتنة المسيح الدجال يقال : ما عِلْمُك بهذا الرجل ؟ فأما المؤمنُ أو الموقنُ لا أدري أيهما قالت أسماء) فيقول : هو محمّد، رسولُ الله ، جاءنا بالبينات والهدى، فأجبناه واتَّبعناه هو محمد ثلاثاً . فيقال : نَمْ صالحاً . . قد عَلِمْنا إنْ كنتَ لَمُوقِناً به. وأما المنافقُ أو المرتابُ لا أدري أتي ذلك قالت أسماء) فيقول : لا أدري سمعتُ الناس يقولون شيئاً، فقلته

الله عنها، أن النبي ، حَمد الله وأثنى عليه ثم قال ما من ،

ظاهر الحديث : يدل على فتنة القبر، وسؤاله والكلام عليه من وجوه :

الوجه الأول : (حمد الله) . فيه دليل على أن الأمور المهمة تستفتح بحَمدِ الله ، لأن هذا الذي استفتح عليه السلام بالحمد فيه كان أمراً مُهما عظيماً، وهو أنه عليه السلام، كان قد انصرف ، من صلاة كسوف الشمس، ثم أقبل على الناس يَعِظُهم ويُذَكَّرهم، وكذلك كانت سُنَّته، عليه السلام في كل أمر له بال يستفتحه أولاً بالحمد وكذلك السنّة في خطبة النساء، لأنه أمر له بال. وقد تقرر ذلك من فعله عليه السلام ومن فعل الصحابة

الوجه الثاني : قولها : (وأثنى عليه). فيه دليل على أن الثناء بعد الحمد من السنَّة، ومرغب فيه، لأنه عليه السلام كان يفعل ذلك، واستقر عمله وعمل الصحابة عليه. هذه هي السنة فيما يخصه، عليه السلام. وأما غيره فلا بُدَّ له من الصلاة عليه لقوله عليه السلام: (عليكم بسنتي وسُنَّةِ الخلفاء من بعدي) (۱) . والخلفاء بعده ، والصحابة عن آخرهم كانوا يصلون عليه ، بعد

الحمد والثناء على الله عزّ وجلّ .

(1) سبق تخريجه في الحديث (۱)

الوجه الثالث : قوله عليه السلام (ما) من شيء لم أكن أريتُه إلا رأيتُه في مقامي هذا فيه دليل على أنه عليه السلام ، لم يكن يرى من الغيب جميعه في الزمانِ المتقدم على هذا الموطن إلا البعض، وأنه في هذا الموطن تكملت له الرؤية لتلك الأشياء كلها .

ويرد على هذا سؤال ، وهو : أن يُقال ما المراد بقوله عليه السلام: (ما من شيء لم أكن أريتُه إلا رأيتُه ؟ هل المراد به جميعُ الغيوب ؟ أو المراد به ما يحتاج به الإخبارُ إلى أمته، وما يخصه، عليه السلام في ذاته المكرمة؟

والجواب : أن لفظ الحديث محتمل للوجهين معاً، والظاهر منهما الوجه الأخير، وهو: أن يكون المراد به ما يحتاج به الإخبار إلى أمته وما يخصه عليه السلام، في ذاته المكرمة، أو ما أكرمه الله بالاطلاع عليه .

والأول ممنوع ، يدل على ذلك الكتاب والسنة . أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا الله ) (۱) وأما الحديث فقوله عليه السلام: (مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله . لا يعلم ما تَغِيضُ الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غدٍ إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحدٌ إلا الله ، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله ، ولا يعلم متى تقوم الساعةُ إلا الله) (۲) ، وأنه لا يمكن أن يُحْمَل هذا على جميع الغيوب، لأن ذلك يؤدي إلى استواء الخالق والمخلوق وهو مستحيل عقلاً وقد قال عزّ وجلّ، في كتابه كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (۳) والأشياء منها ما قد وقع قبل خَلقِ بني آدم ومنها ما يقع بعد موتهم، فكان ذلك مستحيلاً من طريق العقل والنقل . الوجه الرابع : فيه دليل على أن ما أرِيَ له عليه السلام من الغيوب، فله الإخبار به، وله ألا يخبر به، وله أن يخبر ببعضه ولا يخبر بالبعض، بخلاف الوحي، فإن عليه أن يخبر به كله، لأنه، عليه السلام، لما أُرِي له هنا ما أري أخبر ببعض ما رأى ، وهو الجنة والنار، وسكت عن الغير، ولم يكن ليفعل ذلك في الوحي، إلا أن يخبر به كله، كما أوحي إليه .

والحكمة في ذلك - والله أعلم - أنه قد يكون فيما يُرى أشياء لا يمكن لأحد الاطلاع عليها ، ولا يقدر على ذلك إلا هو عليه السلام ، لِمَا أمدَّه الله به من القوة والعون بخلاف الوحي، فإنه لا

يكون إلا بقدر ما تقدر الأمة على تلقيه .

(۱) سورة النمل من الآية ٦٥ .

رواه الإمام أحمد والبخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما .

(۳) سورة الرحمن، من الآية .۲۹ .

الوجه الخامس : فيه دليل على عِظم قدرة الله تعالى، إذ إنه عليه السلام رأى في هذه الدار، في هذا الزمن اليسير ما لم يره ليلة المعراج في العالم العلوي ومشاهدة الملكوت الوجه السادس : فيه دليل على أن القدرة لا تتوقف على ممكن لأنه عليه السلام رأى في

هذا الزمن اليسير أموراً عظاماً، ثم عَقَلَها جميعها، مع إبقاء أوصاف البشرية عليه . الوجه السابع ،قوله عليه السلام: (حتى الجنّة والنّار ) . هذا اللفظ محتمل لوجهين : (الأول): أن يكون عليه السلام أراد أن يخبرهم بأنه عاين كلَّ ما يَلْقَوْن بعد خروجهم من هذه الدار حتى يستقروا في الجنة والنار . (الثاني): أن يكون عليه السلام أراد أن يخبرهم بعظم ما رأى من أمور الغيب، فذكر الجنة والنار، تنبيهاً على ذلك، لأن الجنة قد رُوي أن سقفها عرش الرحمن والنار في أسفل السافلين تحت البحر الأعظم. فإذا رأى هذين الطرفين فمن باب أولى أن يرى ما بينهما

الوجه الثامن : فيه دليل لأهل السنة، حيث يقولون : بأن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان

حقيقة، إذ إنه عليه السلام عاينهما في هذا المقام .

الوجه التاسع فيه دليل على أن الجواهر لا تَحجُب ،بذواتها لأنه عليه السلام قد رأى الجنة من هذه الدار وهي في العالم العلوي فوق السبع الطباق، وسقفها عرش الرحمن - كما تقدم - محدقةٌ بالسُّور، ولها شُرَفات وأبواب إلى غير ذلك مما قد علم من صفتها وعلوّها. ورأى النار وهي في أسفل سافلين تحت البحر الأعظم الذي عليه قرار الأرضين - على ما قد علم - ثم مع هذا البعد والكثافة العظمى لم يحجبه شيء من ذلك عن الرؤية والمعاينة .

وهي

الوجه العاشر : فيه دليل على عظم قدرة الله تعالى، وأنها لا تُحصَر بالعقل، ولا تجري على قياس، لأنه عليه السلام قد رأى الجنة من هنا وعاينها وليلة أسري به لم يرها وإنما رأى سدرة المنتهى، وهي ليست في الجنة - على ما سيأتي بيانه في حديث المعراج، إن شاء الله - ورأى النهرين اللذين ينبعان من أصلها، ويمضيان إلى الجنة - وكل هذا يأتي في حديث المعراج، إن شاء الله - فكان هذا أدلَّ دليل على أن القدرة تحجب ما شاءت كان بواسطة أو بغير واسطة وتُبدي ما شاءت كان بحجاب أو بغير حجاب .

الوجه الحادي عشر : يترتب على فائدة الإخبار بهذا ترك الالتفات للعوائد، وتقوية الإيمان وترك الهم والفرح لإصابة شيء أو ذهابه إذا تحقق المرء بعظم القدرة التي هو صادر عنها فينشرح صدر المؤمن إذ ذاك للتعلق بجناب مولاه، وعدم الالتفات إلى ما سواه، وتكون يده لا تعويل عليها فيما يتصرف فيه من الأشياء، إبقاء لأثر الحكمة .

الوجه الثاني عشر : قوله عليه السلام تفتنون في قبوركم). (تفتنون) بمعنى: رون . قال، عزّ وجلّ في كتابه : ﴿ المَ. أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ )

١) أي:

لا يُخْتَبَرون؟ لكن الاختبار هنا بوجه خاص، كما أخبر في باقي الحديث، على ما سيأتي بيانه . الوجه الثالث عشر : فيه دليل على أن الله عزّ وجلّ قد عافى نبيَّه عليه السلام من فتنة القبر، وأكرمه بذلك، لأن ،قوله عليه السلام (تُفتَنُون) خطاب مواجهة، فلم يكن هو عليه السلام، داخلاً في الخطاب، ولو كان داخلاً مع أمته في ذلك لقال : نُفَتَنُ في قبورنا. يزيد هذا إيضاحاً وبياناً ،قوله عليه السلام في باقي الحديث : يقال : ما عِلْمُكَ بهذا الرجل؟) ولا يمكن أن يسأل عن نفسه المكرمة .

فإن قال قائل : لعل أن تكون له فتنة خاصة به، ليست على هذه الصيغة

قيل له : لو كانت له فتنة خاصة لذكرها ،وبينها ليسلي أمته بذلك، ويهون عليهم ما هم إليه سائرون، كما فعل عليه السلام ذلك في غير ما موضع فمن ذلك قوله عليه السلام : (لِيُعَزَّى المسلمون في مصابهم المصيبة بي) (۳) ، ومن ذلك قوله عليه السلام، لفاطمة حين قالت: (واگرْباهُ) فقال : لا كَرْبَ على أبيكِ بعد اليوم) (۳)

ومن ذلك إخباره عليه السلام عن نفسه المكرمة بأنه يصعق يوم القيامة فيمن يصعق ثم يفيق من تلك الصَّعقة، ويكون هو أول من يُفيق، فيجد موسى عليه السلام متعلقاً بساق العرش لا يدري ري أَصَعِق فيمن صَعِق (٤) ، وقام قبله ، أم لم يصبه شيء؟ إلى غير ذلك مما جاء في هذا المعنى . فلو كانت له، عليه السلام فتنةٌ تخصّه لما ترك ذكرها كما لم يترك ذكر ما أشرنا إليه، ولأن في ، ذكره لذلك لطفاً بأمته، وتهويناً عليهم فيما بين أيديهم - كما تقدم - وكان عليه السلام، ينظر أبداً ما هو أحسن لهم فيفعله، لأنه كان بالمؤمنين رحيماً .

الوجه الرابع عشر : هذه الفتنة ، هل هي عامة في الخلق كلهم صغاراً وكباراً؟ أو هي مختصة

(1) سورة العنكبوت، الآيتان ۱ - ۲ .

(۲) نص الحديث عن سعد بن سهل رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سيُعَزّي الناس بعضهم بعضاً من بعدي ... إلى آخر الحديث رواه أبو يعلى في المسند والطبراني في الكبير والبيهقي في شعب الإيمان . والمسلمون : نائب فاعل للفعل المبني للمجهول : يعزّى) . و (المصيبة) مفعول مطلق للمصدر .(مُصاب). (۳) رواه البخاري في المغازي باب مرض النبي لا الهلال و الإمام أحمد في المسند وابن ماجه والنسائي عن أنس رضي عنه بلفظ : لما ثقل رسول الله الله عن العمل لم يتغشاه الكزب، فقالت فاطمة : واكَرْبَ أبتاه . فقال : ليس على أبيك كَرْبُ

الله

بعد اليوم .... الخ . (٤) صعقة النبي صلى الله عليه وسلم و رواها البخاري في كتاب الخصومات، وفي الأنبياء . ورواها مسلم في الفضائل في حديث طويل عن أبي هريرة رضي الله عنه .

بمن بلغ التكليف دون غيره؟ لفظ الحديث محتمل للوجهين معاً، والأظهر من الوجهين العموم لأنه عليه السلام قد صلى على صبي، ودعا له بأن يعافيه الله من فتنة القبر، فلو لم تكن الفتنة عامة لما صح أن يدعو له بذلك .

الوجه الخامس عشر : إذا كانت الفتنة عامة هل (۱) هي على حد سواء، للصغير والكبير، أو تختلف ؟ محتمل للوجهين معاً ، لأن القدرة صالحة لكليهما، وأمور الآخرة لا تؤخذ بالعقل ولا بالقياس ، وإنما هي موقوفة على إخبار الشارع عليه السلام ومسألتنا هذه لم يرد فيها نص ، فيتعين فيها

هي

الإيمان بالفتنة مطلقاً، والتعيين فيما نص عليه ، وعدم التعيين فيما لم ينص عليه وتركه للاحتمال .

الوجه السادس عشر : فيه دليل على رد الأرواح إلى الأجساد في القبور، لأن الفتنة لا تكون إلا للحيّ، وأما الميت فلا يتأتى أن يُفتَن لأنه لا يفهم ولا يعقل ولا يُحِس بألم ولا تنعم وهذه الحياة التي في القبر، والموتة التي تكون بعدها هي إحدى الحياتين وإحدى الموتتين اللتين أخبر بهما ، عزّ وجلّ، في كتابه حيث قال : رَبَّنَا أَمَتَنَا اثنين وأحييتنَا اثْنَتَين (۲) ، على ما قاله بعض العلماء . ﴾

الوجه السابع عشر : في هذا دليل على عِظم قدرة الله تعالى، وأنه لا يعجزها ممكن نحو ما تقدم لأن الحي أبداً مهما أهيل عليه شيء من تراب ينطفىء ويموت ، وهو الآن يحيا تحت التراب، ولا يضُرّه . وهذا مما يجب الإيمان به على ما جاء الخَبَر ، ويُترك الالتفات للكيفية، لأنه من جملة الغيوب، والله عزّ وجلّ، يقول في صفة المؤمنين : يُؤْمِنُونَ بِالغَيبِ .

الوجه الثامن عشر ،قوله عليه السلام (مثل أو قريباً من فتنة المسيح الدجال مثل أو قريباً شك من الراوي الذي روى عن أسماء في أيهما قالت وفيه دليل على تَحَرّيهم في النقل وصدقهم، لأنه لما أن أشكل عليه ما قالت أسماء أبدى الإشكال ولم يأخذ بقوة الظن فيخبر به .

الوجه التاسع عشر ،تمثيله عليه السلام فتنة القبر بفتنة المسيح الدجال تحتمل وجهين (الأول) : أن يكون مثل بها لِعَظَمِها ، إذ إنه ليس في الدنيا فتنة أعظم منها . أعاذنا الله منها بمنّه .

(الثاني) : أن يكون مثل بها تنبيهاً منه عليه السلام على حال المنافق أو المرتاب في قصر العلة . وذلك أن الدجال يَدَّعي الربوبية، ويستدل عليها بأشياء منها : أنه يُحْيِي وَيُمِيت، ومنها أنه يسير لِسَيْره مِثلُ الجنة عن يمينه ومثل النار عن يساره ، ومنها : أن أموال من يأبى عن اتباعه تَتْبَعُهُ، إلى غير ذلك مما جاء في عظم فتنته. وبعد هذا كله ذاتُه تكذب كلَّ ما اسْتَدَلَّ به، لأنه أعور ،

(1) كذا بحذف الفاء قبل (هل). (۲) سورة غافر من الاية ١١

ومركوبه أعور ، فلم تعطه قدرته أن يحسّن خَلْق نفسه، ولا خَلْق مركوبه . ثم بعد ذلك يَنْزِل عيسى عليه السلام، فيقتله بحربته، حتى يُرى دمه في الحربة . فلو كان إلها لدفع النقص والهلاك عن نفسه والمنافق أو المرتاب أشبه في هذا المعنى، لأنه أظهر الإيمان في الدنيا، وتلبس به في الظاهر، ولم يكمل ما شرط عليه فيه فإذا احتاج إلى الإيمان، واضطر إليه لم ينفعه ، فأشبَهَ الدجال في علته القاصرة، ولحوق الهلاك به .

وقد يحتمل أن يكون عليه السلام، مثل به تنبيهاً على هذين الوجهين معاً، وهو الأظهر، والله أعلم، لأنه أجمع للفائدة .

الوجه العشرون ،قوله عليه السلام : يقال : ما عِلْمُكَ بهذا الرجل؟). هذا الرجل المراد به : ذاتُ النبي ، ، ، ورؤيتها بالعين. وفي هذا دليل على عِظَم قدرة الله تعالى، إذ الناس يموتون في الزمان الفرد في أقطار الأرض على اختلافها وبعدها وقربها كلهم يراه عليه السلام قريباً لأن لفظ (هذا) لا تستعمله العرب إلا في القريب.

في

الوجه الواحد والعشرون : في هذا ردّ على من يقول بأن رؤية ذات النبي ، ، في الزمن الفرد أقطار مختلفة على صور مختلفة لا تمكن؛ لأن القدرة صالحة بمقتضى ما نحن بسبيله، وقد قال عليه السلام: (من راني في المنام فقد راني حقاً) (۱) . فمَن يقول بعدم الرؤية فقد كذب هذا الحديث ، وقد حَصَرَ القدرة التي لا تُحصَر ولا ترجع إلى حد، ولا إلى قياس .

الوجه الثاني والعشرون : فيه دليل لمن يقول : بأن رؤية النبي ، الله ، في الزمن الفرد في أقطار مختلفة سائغة ممكنة. فدليلهم من طريق النقل : ما نحن بسبيله . ودليلهم من طريق العقل : أنهم جعلوا ذاته السنية كالمراة كل إنسان يرى فيها صورته على ما هي عليه من حسن أو قبح، والمراة على حالها من الحسن لم تتبدل (۲) .

الوجه الثالث والعشرون : فيه دليل على أن الإبهام عند الاختبار من الشدة في الامتحان، لأنهما عدلا عن ذكر الاسم المعلوم بالإشارة إلى الذات المكرمة وعدلا عن ذكر الإيمان إلى ذكر العلم فكان ذلك إبهاماً على إبهام كل ذلك شدة في الامتحان. ولو لم يريدا شدّة الامتحان بذلك لقالا له : كيف إيمانك بمحمد هذا ؟ فيكون أخفَّ عليه، بل فيه شَبَه من تلقين الحُجَّة

نسأل الله أن يلهمنا الحجة عند عِظَم هذا الامتحان

(1) رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، بلفظ آخر .

(۲) جاء في نسخة باريس ما يلي: (ومنهم من جعلها كالشمس، وهو أولى لأنها تُرى من جميع أقطار الدنيا وهي

ني محل واحد) .

الوجه الرابع والعشرون: فيه دليل لما قدمناه من أن الجواهر لا تَحجُب بذواتها، لأن الناس كلهم يرون النبي ، الله ، وهم في بطون الثرى، ويُسألون عنه . والثرى أكثر كثافةً من الجواهر كلها . وكلهم يرونه قريباً متدانياً، لأن (هذا) لا تستعمل إلا للقريب المتداني . الوجه الخامس والعشرون فيه دليل على صحة كرامة الأولياء في اطلاعهم على الأشياء البعيدة، يرونها رؤية العين قريبة منهم، ويخطون الخطوات اليسيرة فيقطعون بها الأرض الطويلة، لأن القدرة صالحة لكل ذلك، ولهذا قال بعضهم : الدنيا خطوة مؤمن، ومثل هذا اطلاعهم على القلوب مع كثافة الأبدان .

وقد حكي عن بعض الفضلاء منهم في هذا الشأن أنه اجتمع مع بعض إخوانه ،بموضع ، وكان في القوم رجل من العوام، ليس منهم ، فاطلع بعض إخوانه على قلب ذلك الرجل، فرأى شيئاً منه لا يعجبه، فخرج عنهم ، فخرج إليه هذا السيد المتمكن فقال له : ارجع ما رأيتَ فقد راه غيرُك ، وإن لم يُحمل هذا هنا فأين يُحمَل؟ فرَدَّه من طريق الفتوة (١) . الوجه السادس والعشرون فيه تفسير وبيان وإيضاح لأحاديث ومسائل جملة، تُشْكِلُ على

بعض الناس عند سماعها .

فمن ذلك ما رُوي في الموت أنه يُعرَضُ يوم القيامة على أهل الدارَيْن ويعرفونه ومن ذلك معرفة المؤمنين ربهم عزّ وجلّ يوم القيامة حين يَتَجلَّى لهم، ويقول: (أنا ربكم) . فيقولون: (أنت ربنا ولم يتقدم لأكثرهم رؤيته عزّ وجلّ ولا معرفته .

ومن ذلك ما يتفق لبعض الأولياء من معرفتهم ببعض المسائل الفقهية من غير أن يتقدّم لهم بها علم، ثم يجدون ذلك موافقاً للعلم المنقول، سواء بسواء، إلى غير ذلك مما يشبه هذا المعنى. وهذا كله في القدرة مع هذه القاعدة التي تقدم ذكرها لا إشكال فيه، لأن القدرة تصنع ، ما شاءت

كيف شاءت .

الوجه السابع والعشرون قوله فأما المؤمن أو الموقن هذا شكٍّ من الراوي في أيهما قالت أسماء، وفيه دليل على ما تقدم من صدقهم وتحريهم في النقل والمؤمن والموقن صفتان متقاربتان على ما سيأتي بيانه في باقي الحديث إن شاء الله .

الوجه الثامن والعشرون :قوله : ( فيقول: هو محمّد رسول الله . جاءنا بالبيناتِ والهُدى فأجبناه ، واتَّبَعناه . وهو محمّد ، ثلاثاً) هذا جواب أجلَّ ما يُمكن من المعرفة والإيمان، لأنهم أخبروا

(۱) الفتوة ـ هنا - بمعنى : المكاشفة القلبية .

باسمه، عليه السلام وشهدوا له بالرسالة وبالهدى وبالبينات، وادعوا أنهم أجابوا لذلك واتبعوا، وهذا غاية ما يمكنُ البشر في الفعل والجواب . ثم مع هذا الجواب المقنع لم يُقنَع منهم بالجواب مرة واحدة، حتى أعادوها ثلاثاً.

الوجه التاسع والعشرون : يَرِدُ على هذا سؤال، وهو أن يقال : إعادتهم السؤال، ثلاثاً، هل هو تعبد أو معقول المعنى؟ والجواب : أنه محتمل لهما معاً. فإن قلنا بالتعبد، فلا بحث وإن قلنا بأنه معقول المعنى فهو ظاهر من طريق العقل والنقل .

أما العقل فلأن من فعل شيئاً وأتقنه مرة واحدة لم ينسب بفعله ذلك، لا إلى صنعة ولا إلى إتقان، لأن الواحدة قد تكون بحكم الوفاق، والاثنين كذلك محتملان . فإذا فعل ذلك ثلاثاً نُسِب إلى حسن الصنعة والإتقان في ذلك الشيء الذي فعل، لأنه لا يمكن أن يقع الشيء في الغالب ثلاث مرات حَسَناً إلا عن تدريب به ومعرفة .

ومثال ذلك (الرامي إن رمى ،أولاً، فأصاب فإنه لا يحسب رامياً، إذ إنها قد تكون وفاقاً، وكذلك في المرتين فقد تكونان وفاقاً فإن كرر ذلك ثلاثاً عُلم أنه لم يصب إلا لمعرفته وحسن صنعته، لأن الثلاثة في الغالب لا تكون وفاقاً

وأما النقل فلأنه عليه السلام كان أبداً يكرر السؤال ثلاثاً، في كل أمر ذي بال. وهذا أمر له خطر وبَالٌ ، فكان التكرار فيه ثلاثاً .

الوجه الثلاثون في هذا دليل على أن الأحكام في الآخرة جارية على مقتضى الأصول الشرعية

في هذه الدار .

الوجه الحادي والثلاثون تكرار هذه الثلاث هل المراد به تكرار الجواب فقط، فيكون الملكان عليهما السلام سألاه مرة واحدة، وأجاب هو ثلاث مرات؟ أو المراد به تكرار السؤال

والجواب؟

محتمل لهما معاً. لكن ظاهر اللفظ ينص على أن المراد السؤال والجواب معاً لأنه ذكر السؤال والجواب، ثم بعد ذلك قال : (ثلاثاً) فدل على أن ما ذكر قبل ذكر الثلاث يُعاد بِرُمَّتِهِ (۱) الوجه الثاني والثلاثون في هذا دليل على أن الحق لا يتبدل وإن امتُحِنَ صاحبه به مراراً ،

(۱) في حاشية نسخة باريس ما يلي : قال محشيه قلت أفاد هذا أن الذي تكرر ثلاثاً هو لفظ (محمد) ، وظاهره أن السؤال لا يتكرر، وكذا الجواب، وإنما المكرر هذا اللفظ فقط . فقوله (ثلاثاً) معمول لـ (يقول)، لكنه قيد في قوله (هو (محمد) خلافاً لما

قيده كلام الشارح .

لأنه لَمَّا أن كان هذا المسؤول على الحق ، وأعيد عليه السؤال ثلاثاً، لم ينزع عن الجواب، وبقي متمسكاً به لمعرفته وتحققه . ولو كان الجواب بالباطل لدهش عند السؤال الثاني أو الثالث، ونزع عنه خيفة أن يكون لم يصب الحق، فيكون إعادة السؤال لأجل ذلك وقد قال عزّ وجلّ، في كتابه وَلَوْ ولو كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) (۲) فما كان من عند الله فهو حق، والحق لا

خلاف فيه ولا يتبدل .

الوجه الثالث والثلاثون فيه دليل على أن (المَيْزَ ) (۳) خَلَقٌ من خَلقِ الله يعطيه عزّ وجلّ من شاء، بمقدمة وبغير ،مقدمة، لأن أكثر هذه الأمة لم يتضلع بالعلوم حتى يعلم ذات النبي ، و لا الله ، وصفاته بالعلم، وإنما ذلك القليل منهم، ثم مع الجهل بصفته وذاته إذا رأوه يقولون : هو محمد . ويكرر عليهم السؤال ثلاثاً، ثم لم ينزعوا عن ذلك، ويعرفون أنه الحق. وهذا أدل دليل على ما قدمناه من رفع الإشكال في بعض الأحاديث وبعض المسائل. وكذلك أيضاً في الآي إذ إن القدرة صالحة بمقتضى ما نحن بسبيله لكل ما ورد من ذلك

الوجه الرابع والثلاثون في هذا دليل لأهل السنة، حيث يقولون بأن الجهل ببعض صفات الباري - عزّ وجلّ - مع اتباع أمره ونهيه لا يضرّ وأن معرفته عزّ وجلّ بالدليل والبرهان مع ترك الاتباع لأمره ونهيه لا تنفع لأن المؤمنين كلهم : مَن عَرَف منهم صفة النبي ، لا الله ، ولو لمن لم يعرفها : إذا رأوه عرفوه أشد المعرفة، لأنهم يُسألون عنه ثلاث مرات وهم يجيبون بأنه هو محمّد رسول الله ، ه ، و لو لم ينزعوا عن ذلك

ومن المنافقين أو المرتابين من ،راه عليه السلام في الدنيا وعرفه بحقيقة المعرفة ، ثم عند فائدة المعرفة تنكرت المعرفة عليه وما ذاك إلا لأن المؤمنين كانوا متبعين لسنته ، والمنافقين لم يتبعوها، فعاد عليهم العلم جهلاً. فهل من مستيقظ من غفلته مشمّر عن ساق ،صدقه ليسلكَ

محجة خلاصه ؟

الوجه الخامس والثلاثون قوله : فيقال له : (نَمْ صالحاً) . النوم، حقيقة، ويحتمل أن يكون مجازاً .

هنا يحتمل أن يكون

فإن كان حقيقة فيكون فيه دليل على أن النفس تبقى في القبر مع الجسد هذا على قول من

(١) لم ينزع عن الجواب لم يكفّ، أو ظل على جوابه ولم يغيّره .

(۲) سورة النساء، من الاية ۸۲ .

(۳) الميز التمييز والفرز . يقال : مازه فرزه ويراد منه النور الذي يعطيه الله تعالى لعبده يعرف فيه رسول الله له ،

كما يعرفه النائم في رؤيا صالحة .

يقول : بأن النفس والروح اسمان لمسمَّتَيْنِ مختَلِفَينِ . والذين يقولون بهذا يقولون بأن النائم تقبض روحه وتبقى نفسه في الجسد. فإذا أراد عزّ وجلّ أن يميته، وهو نائم، قبض الذي في الجسد فألحقه بالمقبوض . وإن أراد بقاءه ردّ المقبوض إلى الجسد، فرجع نَبهان حياً، ولا تقبض الروح والنفس معاً إلا عند الانتقال من هذه الدار. وعلى هذا حملوا قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخـ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى (١)

فإذا كان المراد بالنوم هذا وهو النوم الحقيقي الذي يعهد في دار الدنيا، فيكون فيه دليل على أن الموتة التي في القبر لا يوجد لها ألم كما يوجد في هذه الدار ، إذ إن النائم لا تعب عليه في نومه بل هو راحة له ورحمة. هذا البحث فيه على قول من يقول : بأن النفس والروح اسمان لِمُسَمَّيين مختلفين .

وأما على قول من يقول بأن النفس والروح اسمان لمسمى واحد ، فليس يكون النوم حقيقة وإنما هو موت، فكنيا عنه بالنوم، وهي إحدى الموتات المتقدم ذكرها وإنما عدلا عن الحقيقة إلى المجاز ليُحسنا له في العبارة لئلا يلحقه ،رعب، لأن الميت يلحقه التنغيص والتألم عند موته، والنائم لا يلحقه تألم ولا تشويش . فهذا كناية منهم (۲) على أنه لا تعب عليه بعد هذا الوجه السادس والثلاثون الصلاح هنا يحتمل أن يكون مجهولاً لا يُعرف ويحتمل أن يكون معروفاً .

أما الاحتمال الأول فهو ظاهر الحديث، لأنه أتى بالصلاح منكراً ، فهو لا يُعْرَف . وأما الاحتمال الثاني فقد تؤخذ معرفة الصلاح المذكور هنا من حديث آخر ، قال فيه : إنهما يَفْتَحان له كُوَّةً عند رأسه إلى الجنة، وكُوَّةً عند رجليه إلى النار، ويرى مقعده من النار الذي عافاه الله منه وأعطاه إلى الكفار، ويرى مقعده من الجنة الذي مَنّ الله عليه ،به ثم يقولان له: من هذا عافاك الله ، يا وَليَّ الله - يعنيان الكُوَّةَ التي إلى النار - ثم يُغلقانها ويقولان له: هذا ما وَعَدَك الله يا وَلِيَّ الله - يعنيان ما رأى له في الجنة - ويُبقيان له الكوَّة التي إلى الجنة يدخل عليه مِن عَرْفها ونعيمها إلى القيامة ، ثم يُفسح له في قبره مدى بَصَره (۳) وكفى بهذا صلاحاً. والأحاديث في هذا المعنى

يوم

كثيرة ومتعددة .

(۱) سورة الزمر من الآية ٤٢ .

(٢) كذا والصواب منهما . والضمير عائد على الملكين المذكورين في الوجه الحادي والثلاثين . (۳) مركب من أحاديث عدة رواها مسلم في صحيحه في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها ـ باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار ، ورواها الترمذي في كتاب الزهد - باب ذكر القبر والبلى .

الوجه السابع والثلاثون قوله : (قد علمنا ،العلم هنا يحتمل أن يكون المراد به علم

الحال الذي يقع عليه الجزاء، ويحتمل أن يكون المراد به ما عَلِماه من طريق الغيب فيكونان يعرفان المؤمن والكافر حين يعاينانه والأظهر من هذين الاحتمالين: الأول للقرينة التي قارنته وهو سؤالهما ثلاثاً، ثم بعد الثلاث يقولان : قد علمنا . وهذا يدل على أن المراد علم الحال الذي يقع عليه الجزاء، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَذِبِينَ (١) وهو، عزّ وجلّ قد عَلِمَ الصادق والكاذب قبل ، وقد كتب في اللوح المحفوظ قبل خلقه، وعِلْمُ الله تعالى لا يتجدد. لكن هذا العلم المراد به العلمُ الذي يقع عليه الجزاء، وتنقله الحفظة بالضبط والشهادة، على ما قاله العلماء وما نحن بسبيله مثله .

الوجه الثامن والثلاثون قوله : إن كنت يريدان فيما سلف من دار الدنيا، لأنهما لو أرادا في الوقت لقالا : إنك .

الوجه التاسع والثلاثون في هذا دليل على جواز الحكم بالشاهد على الغائب، لأنهما عرفا من حاله كيف كان في دار الدنيا ويُستَدَلّ بحُسْنِ المقال على حُسْن الحال في الدنيا، لأن بحُسن مقاله استدلا على حسنِ حاله في الدنيا . لكن هذا لا يمكن إلا إذا قامت قرينة لا يمكن معها التزوير . الوجه الأربعون قوله : (لَمُوقِناً به. إنما ذكر (الموقن) لأن الموقن أعلى من المؤمن فكل موقن مؤمن ولا ينعكس.

الوجه الحادي والأربعون في هذا دليل على أن الموقنين محفوظون في الجواب عند السؤال وأنهم يَخْلُصون من الفتنة التي تطرأ عليهم في هذا الموطن. وأما المؤمن فسيأتي بيانه في باقي الحديث، إن شاء الله .

الوجه الثاني والأربعون قوله : (وأما المنافق أو المرتاب لا أدري أي ذلك قالت أسماء). المنافق والمرتاب متقاربان في المعنى، لأن كليهما صاحبه مُظهِرُ للإيمان، مُسِرٌّ للكفر. وفيه دليل على تحريهم في النقل وصدقهم كما تقدم. الوجه الثالث والأربعون : قوله : ( فيقول لا أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته) . فيه دليل على أن اتباعَ الناس دون علم مهلك، لأن السبب المهلك لهذا أن جَعَل دينه تبعاً للناس من غير علم ولا معرفة . فالعاقل يأخذ دينه من القواعد الشرعية التي بها الخلاص كما تقدم للناجي قبل . الوجه الرابع والأربعون : لقائل أن يقول : لِمَ ،ذكر عليه السلام، هذا الطرف، وهو الهالك

وذكر الطرف الآخر، وهو الناجي، وسكت عن الطرف الوسط ؟ والجواب :

(۱) سورة العنكبوت من الآية ..

أنه إذا وُجِد حُكْمان منوطان بعلتين مختلفتين، ثم وُجِدَت تانك العلتان في شيء واحد مجتمعتين، فلا بدَّ من أثر الحُكْمين أن يظهر في ذلك الشيء. ومثل هذا ما قاله بعض العلماء في معنى قوله تعالى ﴿ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالُ ) (۱) ، أنهم هم الذين خرجوا إلى الغَزْوِ بغير إذن أبويهم،

فاستشهدوا. فالشهادة تَمْنَعهم من دخول النار ، وعقوق الوالدين يمنعهم من دخول الجنة .

يزيد هذا إيضاحاً وبياناً ما حكي عن بعض الصالحين أنه كان خطيباً بأحد الأمصار بجامعها الأعظم، فلما انتقل راه صاحب له في النوم، فسأله : ما فَعَل بك الملكان في القبر؟ فقال: سألاني فأُرْتِجَ عَلَيَّ (٢) ، فلم أذرِ ما أجاوبهما، فبقيت متحيراً ساعة، فإذا أنا بشاب حَسَنِ الصورة، قد خرج من جانب القبر، فلقنني الحُجَّة ، فلما جاوبتهما وذهبا عني أراد أن ينصرف فتعلقتُ به ، فقلت له : من أنتَ ، يرحمك الله ، الذي أغاثني الله بك؟ فقال : أنا عملك قلت : وما أبطأك عني حتى بقيتُ متحيراً في أمري؟ فقال لي : كنتَ تأخذ أجرةَ الخَطابة من السَّلْطنة. فقلت : والله ما أكلتُ منها شيئاً، وإنما كنتُ أتصدَّقُ بها . فقال لي : لو أكلتها ما أتيتُك ، ولأَخْذِكَ إياها أُبطأتُ عنك .

فتبين بهذا ما ذكرناه من أن العلتين إذا اجتمعتا في الشيء الواحد يظهر حكمهما، لأنه لما أخذ ، بَطَأَ (۳) عنه ، ولما لم يأكل أتاه بعد البطء، فحصل له من أجل الأخذ رجفة، ومن أجل عدم الأكل والتصرف إعانة ورحمة، وعلى هذا فقس.

هما الوجه الخامس والأربعون لما بيَّن حكم الموقن أو المؤمن الكامل الإيمان اللذين متقاربان بقي الإيمان الضعيف الذي هو مختلط . فقد يكون بعض الناس تغلب حسناته سيئاته، وقد يكون بعضهم بالعكس، وقد يكون بعضهم بالسَّوِية، ثم يتفاوتون في ذلك بحسب الأحوال والأعمال. فأحوالهم بالنظر إلى هذا المعنى كثيرة متعددة. فلو ذكره لاحتاج أن يبيّن كل شخص بِحِدَتِهِ كيف تكون فتنته، وكيف يكون جوابه، وكيف يكون خلاصه أو هلاكه ، فيَطول الكلام في ذلك أكثر ما يكون، بل إنه قد لا يُحْصَرُ لكثرة اختلاف الأحوال. فذكر عليه السلام ،الطرفَينِ وبين حكميْهما اللذين هما محصوران، وترك الطريق الوسط لكثرته يُؤخَذُ بالاستقراء . وهذا أبدعُ ما يمكن من الاختصار والفصاحة وحسن الإدراك في العبارة، إذ إنه ذكر الطرفين وبيّن علتَهما . وعلتُهما إذا تؤملت تدل على أحوال الغير .

(۱) سورة الأعراف من الآية ٤٦ .

(۲) أَرْتِج عَلَيَّ : أغلق عَلَيَّ باب النطق أو التفكير ، من رَبَّجَ الباب أي أغَلَقَه

(۳) الصواب : بَطُوَ أو أبطأ.

فإن قال قائل : إنما ذكر عليه السلام (المؤمن) على الإطلاق، ولم يقيده ، فلِمَ قيَّدتموه بصفة، وهي الكمال؟

قيل له : إنما قيدناه بصفة الكمال لأنه قد سوّى في الإخبار بين الإيمان واليقين. واليقين أعلى من الإيمان الكامل على ما تقرر وعُلِم، ولا يمكن أن يُسَوَّى في الإخبار بين ناقص وكامل وإنما يُسَوَّى بين صفتين متماثلتين أو متقاربتين وقد تقدم أن الإيمان الكامل يقارب اليقين. وقد نص عليه السلام على أن المؤمنَ الناقص الإيمان لا بد له من العذاب في الغالب، فكيف يقع له الخلاص هنا، وهو بعدُ يُعَذَّب؟ والنص الذي ورد في ذلك ما روي عنه، عليه السلام، أنه قال: الإيمان إيمانان، إيمان لا يُدخل صاحبَه النارَ ، وإيمان لا يُخَلَّدُ صاحبه في النار ) (۱). فالإيمان الذي لا يُدخل صاحبَه النار هو الإيمان الكامل، وصاحبه هو الذي يقع منه الجواب عند السؤال بصيغة ما ذكر في الحديث والإيمان الذي لا يخلد صاحبه في النار هو الإيمان الذي يكون معه بعض

المخالفات .

الوجه السادس والأربعون : يترتب على مجموع هذا الحديث من الفقه وجهان : (الأول): تقوية الإيمان، ورسوخ اليقين لكثرة ما فيه من الأدلة على عظم القدرة ، وعِظَمِ القادر، كما تقدم في غير ما موضع قبل هذا . (الثاني) : أخذ الأهبة للارتحال والأخذ بطريق الخلاص والعمل على ذلك ما دام المرء

يجد لنفسه مهلة في هذه الدار ؛ لكثرة ما فيه من الإخبار والتبيين لطرق الخلاص وغيرها . فهل من مُشَمِّرِ لخلاص نفسه قبل حلوله في رَمْسِه، لأنه لا ينفع الاعتذار مع تقدم الإنذار ؟ وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

(1) لم نعرف مصدره .

حديث أسعد الناس من قال لا إله إلا الله

عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنه قال : قلتُ: يا رسول الله، مَنْ أَسعَدُ الناسِ بشفاعتك يوم القيامة ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد ظَنَنْتُ - يا أبا هريرةَ ـ أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أوّلَ منك ، لِمَا رأيتُ من حَرصِكَ على الحديث. أسْعَدُ الناس بشفاعتي يومَ القيامة من قال : لا إله إلا الله، خالِصاً من قلبه ، أو نفسه

ظاهر الحديث يدل على أنه لا يَسْعَد بشفاعة النبي ، ، ل ا ل ل له يوم القيامة، إلا من قال : لا إله إلا الله ، خالصاً من قلبه أو نفسه . والكلام عليه من وجوه :

الوجه الأول: قوله : (يا رسول الله فيه دليل على تقديم ذكر المسؤول على المسألة. وإذا كانت أسماء المسؤول متعددة ، فَلْيُذكَر منها أعلاها وأحبّها إلى الشخص، إذا كان ذلك الاسم على لسان العلم، لأن هذا الصحابي رضي الله عنه ، لما أن أراد أن يسأل النبي ، ، لم يسأله، حتى ناداه باسمه. ولما كانت أسماؤه عليه السلام متعددة، ناداه بأعلاها وأحبّها إليه ، وهو : رسول)

الله ) ،

الوجه الثاني : في هذا دليل على ترك الدعاء والتملُّق عند السؤال، لأنه لم يذكر بعد الاسم المعظم إلا حاجته، دون دعاء ولا تملُّق .

الوجه الثالث : فيه دليل على أن حبّ الرسول عليه السلام بالاتباع دون المقال لأن هذا الصحابي ، رضي الله عنه كثيرُ الحب للرسول صلى الله عليه وسلم - على ما قد تقرر وعُلِم - وكان في الاتباع بحيث لا يُجْهَل ذلك منه، لكنه لما نادى النبيَّ ، ، ، ، لا الهلال و هنا لم يزد على الاسم المعلوم شيئاً . والصحابة عن آخرهم مثله في هذا المعنى، وهم المهاجرون والأنصار والصفوة المحبّون ثم مع تأكد هذه المحبة لم يأتِ عن واحد منهم أنه أطراه يوماً واحداً، ولم يقصروا في تعظيمه وترفيعه، على ما قد عُلِم بالضَّرورة من أحوالهم .

الوجه الرابع : فيه دليل لأهل الصوفة حيث يستحبون استفتاح الكلام بذكر الحبيب، ويقولون

بان استفتاح الكلام بذلك يُنوِّرُ القلب، ويهدي إلى الصراط المستقيم ويأتي بالفوائد دوماً لأنه لما أن نادى أولاً بأحب الأسماء إليه أثمر له ذلك تضعيف المسرّة

وبالمسرات يجيء والبشارة، على ما سيأتي .

يزيد هذا إيضاحاً وبياناً ما روي عن عبد الله بن عمر، أنه أصاب يده أو رجله ألم، فلم يستطع مدها، فاشتكى ذلك إلى الطبيب، فقال له الطبيب : لا تمدَّ يدَك أو رجلك حتى تنادِي بأحبّ الأسماء إليك، فنادى (وامُحَمَّداه) فامتدَّتْ يَدُه

الوجه الخامس ،قوله رضي الله عنه : (مَنْ أسعَدُ الناس بشفاعتك يوم القيامة؟). فيه دليل : على أن مِن أدب العلمِ حُسْنَ السؤال، لأنه سأل عن الشفاعة، ولم يذكر ما عنده من خبرها، وما وقع

له من النظر والتردد حتى اضطر إلى ذكرها .

الوجه السادس : لقائل أن يقول : لمَ قال : (من أسعد ؟) ولم يقل : (مَن هم أهلُ شفاعتك؟) والجواب : أن هؤلاء المشفوع فيهم يوم القيامة أصناف مختلفة. فمنهم المؤمنون المذنبون، ومنهم الكفار، والمنافقون - على ما سيأتي بيانه - . والمنافقون في الدَّرْكِ الأسفل من النار . والمؤمنون المذنبون يدخلون النار بذنوبهم . فمنهم من يخرج منها بعد القصاص بغير شفاعة ومنهم من يخرج بالشفاعة. فمن شُفع له ثم عُذِّب لم تحصل له سعادة تامة، وإنما حصلت له سعادة خاصة، لأنه عوفي في الوقت من بلاء، ثم أعقبه بعد ذلك بلاء أشد منه، على ما سيأتي بيانه

وشفاعته، عليه السلام على ضربين عامة وخاصة فالعامة أذكرها بعد والخاصة هي لأمته المذنبين. فإذا شَفَع فيهم أخرجوا من النار ، وعُفي عنهم، وأدخلوا الجنة : هذه هي الشفاعة الخاصة، والسعادة التامة . فلأجل ذلك قال: (أسعَدُ) التي هي من أحد أبنية المبالغة، لأنها سعادة لا شقاء بعدها أبداً .

الوجه السابع فيه دليل على قوة إيمان الصحابة وفضلهم؛ لأنه لا يَسأل عن المسعود : بالشفاعة وغير المسعود إلا من تحقق إيمانه بها ، وقَوِيَ تصديقه بذلك؛ ولذلك قال عليه السلام ما فَضَلكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة ولكن بشيء وَقرَ في صدره (۱) . وما وقر في صدره، رضي الله عنه هو قوة الإيمان واليقين. وكذلك الصحابة رضي الله عنهم عن آخرهم إنما فَضَلوا غيرهم بما وقر في صدورهم من ذلك. وما خُذِل من خُذِل وارتدّ من ارتد إلا عند ضعف الإيمان

(۱) ذكره الغزالي في الإحياء. قال العراقي: لم أجده مرفوعاً ، إنما هو عند الحكيم الترمذي من كلام بكر بن عبد الله المزني .

والتصديق، فيطلب إذ ذاك الكيفية فى أمور الآخرة، وفي القدرة، فيمرق من الدين كما يمرق السهم

من الرَّمِيَّة ، وهو المسكين لا يشعر بنفسه (٢) . أعاذنا الله من بلائه بمنه .

الوجه الثامن : فيه دليل على طلب السعادة والاهتمام بها، والعمل على أسبابها، لأن من عرف طريق السعادة عمل عليها، وترك ما عداها ؛ فلذلك سأل عنها .

الوجه التاسع : لقائل أن يقول : لم قال : (الناس) ولم يقل : (أمتك)؟ والجواب : أنه إنما عدل عن ذكر (الأمة) إلى ذكر (الناس)، لأن شفاعة النبي ، ا ، و على ضربين - كما تقدم - عامة وخاصة . فالعامة هي لجميع العالم من الجن والإنس للكافر والمنافق والمؤمن، على ما جاء في الحديث الصحيح أن العالم يبقون في المحشر بتلك الأحوال المهلكة - التي قد نُص عليها في غير ما آية وغير ما حديث - والنار قد أحدقت من كل الجهات والشمس قد دنت منهم، حتى يكون بينها قدر المِرْوَد ، الذي تكحل به العين رجل الرّجل على رجل المرأة، ورجل المرأة على رجل وبينهم الرجل، ثم لا يعرف أحدهما صاحبه

حتى قالت عائشة رضي الله عنها، حين سمعت شيئاً من :هذا يا رسول الله ؛ الرجال ينظرون إلى النساء (۳)؟ قال : يا عائشة، الأمرُ أشدُّ من أن يُهمَّهُم ذلك . ثم يغرقون من شدة ما هم فيه حتى يبلغ عَرَفهم في الأرض سبعين ذراعاً. فمنهم من يُلجمه العرق، ومنهم من يبلغ أذنيه، ومنهم من

يبلغ عنقه، ومنهم من يبلغ ثدييه . ثم هم كذلك يتفاضلون في ذلك الأمر العظيم بحسب أعمالهم . ثم يبقون مع شدة هذه الأهوال التي أشرنا إليها ،وغيرها على ما قد عُلم من الأحاديث والآي، قدر ثلاثمائة سنة من أيام الدنيا، لا يأتيهم خبر من السماء، ولا يعرفون ماذا يُراد بهم؟ ثم يلهمهم الله عزّ وجلّ طلب الشفاعة، فيأتون إلى آدم عليه السلام، فيقولون له : يا ادم؛ أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأسجَدَ لك ملائِكَتَه . ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ اشفع لنا إلى ربنا فمن كان من أهل الجنة مرّ إلى الجنة ومن كان من أهل النار مرّ إلى النار . فيذكر آدم عليه السلام خطيئَته فيبكي ويقول : نَفْسِي نفسِي ؛ اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى

نوح عليه السلام

فيذهبون إلى نوح عليه السلام فيقولون له : أنت أول الأنبياء والرسل، وقد سمّاك الله عبداً

(1) الرَّمِيَّة : الصَّيد الذي ترميه .

وهو الذي يتساءل ويتشكك - من خلال ضعف إيمانه ـ عن أمور الآخرة، وعن قدرة الله تعالى خلافاً لمن كمل

إيمانه أو بلغ اليقين، وانقطع تساؤله وانعدم شكه . (۳) متفق عليه من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها .

شكوراً. ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ اِشْفَعْ لنا إلى ربنا فمن كان من أهل الجنة مرّ إلى الجنة، ومن كان من أهل النار مرّ إلى النار فيذكر نوح عليه السلام خطيئته وهي دعاؤه على قومه فيبكي ويقول : نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم عليه السلام

فيذهبون إلى إبراهيم عليه السلام فيقولون له مثل مقالتهم الأولى فيجاوبهم عليه السلام كجوابهم. ثم يرسلهم إلى موسى عليه السلام فيكون سؤالهم وجواب موسى عليه السلام

كما كان السؤال والجواب الأول، ثم يرسلهم إلى عيسى عليه السلام فيقول لهم مثل الأول

ثم يرسلهم إلى محمّد عليه الصلاة والسلام فيقولون له أنت حَبيبُ الله ، وصَفوتُه من خَلقه، وقد أنزل عليك كتابه الحكيم، وقد خصك بالفضل العميم. ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ اِشفَعْ لنا إلى ربنا فمن كان من أهل الجنة مرَّ إلى الجنة ومن كان من أهل النار مرّ إلى النار .

فيقول : أنا لها فيقوم في الشفاعة، فَيَشفَع - على ما جاء في الحديث - فيأمر الله عزّ وجلّ، بالفصل بين العباد، ويُنصَب الصِّراط على متن جهنم ويوضع الميزان ويقع الحساب. فهذه هي الشفاعة العامة التي ينتفع بها كل العالم من الجن والإنس والحشرات. فلأجل ذلك عَدل عن ذكر (الأمة) إلى ذكر (الناس) . وأما الشفاعة الخاصة فقد تقدم بيانها (٢) .

الوجه العاشر : في هذا دليل على أن السؤال بالجنس (۳) أفيد من السؤال بالنوع، لأنه، رضي يعلم أن أسعد الناس بالشفاعة من أمة النبي ، المؤمنون . ثم عدل، مع علمه بذلك، لذكر ،الجنس، لاحتمال أن يكون ثَمَّ حُكم آخر ، لا يعرفه . فلما أُخبِر بالأمر ، على ما هو عليه ، رجع

الله عنه ،

له ذلك حكماً قطعياً، لا احتمال فيه .

الوجه الحادي عشر : في هذا دليل على أن أمور الاخرة لا تؤخذ بالعقل ولا بالقياس والاجتهاد، لأنه رضي ! الله عنه، قد علم الشفاعتين اللتين في يوم القيامة، وترجّح عنده من هو الأسعد بالشفاعة، وغيره إذ ذاك معلوم بالضرورة، لكنه لم يلتفت إلى ما ظهر له من مدلول جميعها حتى تلقاه من صاحب الشرع مشافهة. وهذا يدل على أن هذا عندهم حكم ثابت لا يسوغ فيه غير

النقل، كما تقدم.

(۱) :يريد كجوابهما.

(۲) أحاديث الشفاعة متواترة، وقد رواها أصحاب المسانيد والصحاح والسنن والمعاجم عن عدد كثير من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين .

يريد بـ (الجنس) الألف واللام الداخلتين على كلمة (الناس) فهما لإرادة ،الجنس، أي جميع عباد الله من المؤمنين وغير المؤمنين . ولو كانت الألف واللام للنوع لقصد بهما أمة محمد الله ، دون غيرها من الأمم .

الوجه الثاني عشر : لقائل أن يقول : لم قيَّد الشفاعة بيوم القيامة، وهي مستمرة أبداً على الدوام في الدنيا وفي الآخرة، لا يزال عليه السلام، يَشفَع ويُشفّع؟

والجواب : أنه إنما قيدها بيوم القيامة، لأنه قد عاين هذه الشفاعة التي في الدنيا وعرفها ، وإن كانت على المشيئة، لكنها وقعت كالمقطوع ،به لأنه عليه السلام، لم يشفع قطّ لأحدٍ في هذه الدار إلا أجيبَ وأُسعِفَ ، فلم يكن ليسأل عن شيء قد عاينه وعرفه، لأن السؤال عن ذلك كتحصيل حاصل، والصحابة أجلّ من ذلك .

الوجه الثالث عشر ،قوله عليه السلام: (لقد ظننتُ يا أبا هريرةَ، أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أوّل منك ، لما رأيتُ من حرصك على الحديث). ظننت : يحتمل أن تكون على بابها ، ويحتمل أن تكون بمعنى (علمتُ) . والأظهر منهما : (العلم) للقرينة التي تقويه في الحديث بعد، وهي قوله : (لِما رأيت من حرصك على الحديث .

الوجه الرابع عشر : في هذا دليل على أن من السنة إدخال السرور على السائل قبل ردّ الجواب عليه، لأنه عليه السلام، قدم قوله : (لقد ظننت على رد الجواب عليه والسرّ الذي في هذا الإخبار من إدخال السرور هو : أنه لا يتأتى ما أخبر به حتى يكون كما قال : لما رأيتُ من حرصك على الحديث . ولا يظهر له عليه السلام منه الحرص على الحديث إلا إذا كان يلتفت إليه على الدوام، ويراعي أقواله وأفعاله والتفاتُه عليه السلام لحظة واحدة للشخص كان عند الصحابة أعظم ما يكون من السرور ، فكيف بها في مرور الليالي والأيام؟

الوجه الخامس عشر : فيه دليل على استنباط الأحكام بالأظهر من الأدلة، لأنه عليه السلام

جعل الظنَّ هنا قطعياً، لقوة الدليل الذي ظهر له على ذلك، وهو الحرص على الحديث . الوجه السادس عشر : فيه دليل على أن إتباع المسَرَّةِ بالمسَرَّة أولى وأبلغ في المَسرَّة، لأنه، عليه السلام لو سكت عند قوله : (أول) منك) لكان الصحابي يُسَرّ بذلك، فلما زاد له السبب الموجب لذلك، وهو من كسبه الذي هو الحرص ، كان ذاك إدخالَ مُسَرَّةٍ على مَسرَّة. ومثل هذا قوله عليه السلام لسيد وفد عبد القيس : فيك خصلتان يحبهما الله ورسوله قال يا رسول الله أتصَنْعه أنا أو شيء جبلني الله عليه ؟ قال : بل شيء جبلك الله عليه . فقال : الحمد لله

ذلك شيء

الذي جبلني على خصلتين يحبهما الله ورسوله) (۱) .

(۱) متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ، ورواه مسلم والنسائي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه . وعبد القيس : أبو قبيلة من أسد، وسميت القبيلة به، وكان موطنها البحرين والأشج لقب غلب عليه . وقد لقبه

به رسول الله ، واسمه : المنذر بن عائذ (انظر الاستيعاب ص (١٤٤٨ .

ومثل هذا أيضاً ما ،وصف عزّ وجلّ في كتابه المؤمنين حين يدخلون الجنة، فقال لهم : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (١) . ﴿ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (٢) . ﴿ بِمَا أَسْلَفَتُمْ فِي الْأَيَّامِ ﴾ هو

الخالية ) (۳) ، كل ذلك إعظام في إدخال السرور عليهم والزيادة لهم منه .

نسأل الله بمنه أن يمن علينا بذلك بكرمه.

الوجه السابع عشر : فيه دليل على تسمية السائل عند رد الجواب عليه لأنه عليه السلام ناداه باسمه قبل ردّ الجواب عليه . والحكمة في ذلك تظهر من وجهين :

(الأول) : أن نداءه باسمه أجمعُ لخاطره ، فيكون ذلك سبباً لتحصيل جميع ما يلقى إليه، ومثل ذلك نداؤه عليه السلام لمعاذ بن جبل ثلاث مرات، وهو معه على الراحلة، ثم بعد الثلاث ألقى إليه ما أراد كل ذلك ليأخذ الأهبة للإلقاء، ويصغي لسمع الخطاب .

(الثاني) : أن في ندائه باسمه إدخال سرور عليه لأن النداء أبداً إذا وقع من الفاضل إلى المفضول يحصل له به ابتهاج ،و سرور فكيف به وهو نداء سيّد الأولين والآخرين لتلك السادة المباركين الذين قد ثبت حبهم له بالتواتر، وكانوا يتبركون منه بلمحة أو لحظة أو أي نوع كان؟ يؤيد ما ذكرناه من هذا الوجه ما روي عن عبد الله بن عمر أنه أصاب يده أو رِجْلَهُ ألَم، القصة بكمالها، وقد تقدم ذكرها في الحديث قبل هذا (٤) .

الوجه الثامن عشر : فيه دليل على أن من السنة إدخال السرور بكل ممكن يمكن لأنه عليه السلام، قد أدخل السرور على هذا السائل في ثلاثة مواضع: في هذا الموضع، وفي الموضعين المتقدمي الذكر . هذا ما فعل واللفظ قليل، فكيف به فيما عداه؟

عنه،

الوجه التاسع عشر : فيه دليل على تقديم الأولى في حق السائل، وإن كان لم يسأل لأنه، عليه السلام عَدَل عن الجواب الذي هو عام للسائل ولغيره، وذكر قبله ما هو الأولى في

حقه، وما يُسر به .

الوجه العشرون: فيه دليل على جواز الاستدلال على حال المرء بفعله، لأنه عليه السلام استدل على حاله بما ظهر له من فعله وهو الحرص والحرص عمل من الأعمال، فعلى هذا

(۱) سورة النحل، من الآية ٣٢ (۲) سورة الأعراف من الآية ٤٣ .

(۳) سورة الحاقة، من الاية ٢٤ .

(٤) كذا، والصحيح أن ذكر حديث عبد الله بن عمر تقدم في هذا الحديث نفسه قبل صفحات .

فالاستدلال بالأعمال أولى من الاستدلال بالمقال لأن المقال قد يحتمل التجوّز في الكلام وغيره

والفعل ليس كذلك .

الوجه الحادي والعشرون : فيه دليل على أن ما يخص الشخص نفسه أكد عليه مما هو مشترك فيه مع غيره، لأنه عليه السلام لم يذكر له ما هو له ولغيره إلا بعد ما حصل له ما يخصه في نفسه، وهو قوله أوَّل منك بهذا الحديث .

الوجه الثاني والعشرون : فيه دليل على أن السنَّة في الحكمة لا تُلقى إلا لأهلها وأن الأشياء لا يتعدى بها وقتها لأنه عليه السلام لم يخبر بفضل هذا السيد إلا عند سؤاله عن هذا الحديث، الذي قد يغفل عنه كثير من السادة الفضلاء.

الوجه الثالث والعشرون فيه دليل على أن تسمية الحديث ( حديثاً) من الشارع عليه السلام لأنه عليه السلام قد سماه بذلك هنا، حيث قال : أن لا يسألني هذا الحديث ، و لما رأيت من حرصك على الحديث). فسمى المفرد والجمع باسم (الحديث)

الوجه الرابع والعشرون : فيه دليل على فضل هذا الحديث على سائر الأحاديث، لأنه عليه السلام، قد أشار إليه بالأفضلية، وخصّه من بين الأحاديث بقوله : أن لا يسألني عن هذا الحديث

أحد أول منك فلو لم يكن لهذا الحديث مزيّة على غيره من الأحاديث لما جعله أولى به من غيره لأن ذلك مدح للسائل، وتعظيم ،له لأنه أصاب بسؤاله كنزاً عظيماً . وكيف لا، وقد حصل له فيه من أدلة الإيمان غير ما واحد ـ على ما تقرر ،قبل وما أذكره بعد - وحصل له فيه من علوم الآخرة أو فرُ نصيب، وعلوم الآخرة السؤال عنها نادر من أجل الاشتغال بعلوم الدنيا؟ إذ إن الأعمال مرتبة عليها، فلا يمكن تحصيل علوم الآخرة إلا بعد تحصيل علوم الدنيا التي بها التكليف مَنُوط ، اللهم إلا قدر (۱) ما يتضمَّنُه الإيمان منها ، فلا بدّ منه .

ويكفي في ذلك ما نص عليه جبريل عليه السلام حين أتى ليعلم الدين، فسأل عن الإيمان، فقال عليه السلام أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر ) (٢) . فكان هذا السيّد رضي الله عنه ، ممن حصل ما يحتاج إليه من علوم دنياه، ثم بعد ذلك أخذ العلم الآخر . فلذلك حصلت لهم مزيّة بهذا الحديث ولا يحصل بهذا ذمّ لغيره من الصحابة رضوان الله عليهم ممن كان متكسباً، لأنهم أيضاً حصلت لهم مزية امتازوا بها ، وهي معرفتهم بأحكام الله يدل على هذا ما حكي عنهم، رضي الله عنهم، أن أكثرهم مالاً كان أكثرهم علماً ، فأصلوا

(۱) قَدْرَ مستثنى من (علوم الآخرة . (۲) رواه البخاري ومسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

رضي

الله عنهم ، قواعد الأحكام على جملة أنواعها، مما يتعلق بالأبدان والذمم والأموال علماً وعملاً . ولما تجرَّد هذا السيّد عن كثير من الدنيا حصل معرفة ما أحكمته الحكمة الربانية في أمور الآخرة ، وبَلَّغه إلينا مثل هذا الحديث وغيره. فجزاهم الله عنا جميعاً خيراً .

الوجه الخامس والعشرون: فيه دليل على فضل الحديث جملة، وأنه أعظم ما يُتقرب به إلى الله تعالى من بين سائر العلوم كلها عدا الكتاب العزيز، لأنه عليه السلام، قد مدح هذا السائل وعَظَّمه، وجعله أول من يسأل عن هذا الحديث، ولمعرفة ما احتوى عليه من الفوائد، ولكونه كان حريصاً على الحديث وكيف لا وقد قال عليه السلام تركت فيكم التقلَيْنِ، لن تَضِلُّوا ما تمسكتم بهما ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي) (۱) . يريد : سُنَّته عليه السلام لأن أهل بيته لا يفعلون إلا ما كان عليه السلام يفعل فليس بعد القرآن إلا الحديث؛ مَن تمسك بهما فقد نجا، ومن

خالفهما فقد هَوَى .

الوجه السادس والعشرون: فيه دليل على أن مدح العمل لصاحبه مندوب إليه، لأنه، عليه السلام، قد مَدَح هذا السيّد، لأنه جعله أول من يسأل عن هذا الحديث للعمل الذي صدر منه، وهو الحرص. وهذا بخلاف مدح الذات لأنه ممنوع. والفرق بينهما أن مَدْحَ العمل يزيد صاحبه فيه تغبطاً وحرصاً، ومدح الذات يُخاف منه العجبُ والالتفات .

الوجه السابع والعشرون فيه دليل على إبداء الدليل من الفاضل إلى المفضول لأنه عليه السلام، أفضل الناس وأعلاهم قدراً، ثم مع ذلك لما أن ذكر لهذا أنه أول من يسأل عن هذا الحديث أتاه بالدليل على ذلك، وهو الحرص الذي كان منه ، ولم يقتصر على إعطاء الحكم دون دليل عليه . الوجه الثامن والعشرون لقائل أن يقول : لِمَ ،خص عليه السلام، هذا بالحرص على الحديث، ومعلوم أن الصحابة رضي الله عنهم عن آخرهم كانوا يحرصون على الحديث أعظم الحرص ويعظمونه ويحبونه ؟

والجواب : أنهم كلهم كذلك حقاً ، لكن لهذا السيد زيادة في هذا الشأن على غيره ويتبين ذلك ويتضح بما روي عنه رضي الله عنه، أنه قال : كان إخواني من الأنصار يشتغلون بإصلاح حوائطهم في بعض الأوقات، وإخواني من المهاجرين يشتغلون بالتسبب في الأسواق، وأنا التزمت النبي صلى الله عليه وسلم ، لِمَلْء بطني ، فوعيتُ ما لم يَعُوا . فلهذه الزيادة - وهي الملازمة - حصل له هذا التشريف وكذلك الصحابة رضي الله عنهم كلهم كانوا يتنافسون في هذا وأشباهه، مهما كان شيء

(۱) سبق تخريجه في الحديث ٣ .

من

ما

ت

الخير تراهم يبادرون إليه ويسارعون فإذا زاد أحدهم ذرّة في وجه من وجوه الخير على غيره نسبت تلك الطريقة ،إليه وكان هو إمامها، وكذلك التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين.

يبين ما قررنا هنا، ويوضحه ،قوله عليه السلام: (أنا مدينة السخاء وأبو بكر ،بابها، وأنا مدينة الشجاعة وعمر ،بابها وأنا مدينة الحياء وعثمان ،بابها وأنا مدينة العلم وعلي بابها) (۱) ، مع أن الأربعة، رضي الله عنهم، ، كانت فيهم تلك الصفات كلها لكن كان كل واحد منهم يفوق صاحبه بشيء ما من تلك الصفة المذكورة، فنسبت إليه

الوجه التاسع والعشرون في هذا دليل لأهل ،الصوفة وأي دليل، لأنهم لما أن أربوا على إخوانهم المؤمنين بقطع العلائق والتعلق بالله والاضطرار إليه والتوجه إليه في جلّ أوقاتهم، صَفَت بواطنهم، فخصوا باسم الصفاء والصفوة، مع أن المؤمنين لا بد فيهم من الصَّفاء، إذ إن الإيمان يقتضي ذلك . لكن لما أن كان لهم زيادة في ذلك الشأن خُصُّوا به دون غيرهم .

أعاد الله علينا من بركتهم بمنه ويمنه .

الوجه الثلاثون ،قوله عليه السلام : أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال : لا إله إلا الله، خالصاً من قلبه أو نفسه، أسعد الناس بشفاعتي : الكلام عليه كالكلام على قول السائل : من أسعد الناس بشفاعتك؟) وقد تقدم بما فيه كفاية وبقي الكلام هنا على قوله عليه السلام: ( من قال : لا إله إلا الله، خالصاً من قلبه أو نفسه.

فأما قوله عليه السلام من قال : لا إله إلا الله فهي تحتمل وجهين أيضاً .

(الأول) : أن يكون المراد بها العموم الثاني) : أن يكون المراد بها الخصوص فإن كان المراد بها : العموم فهي تحتمل وجهين : (الأول) أن يكون المراد من قال : لا إله إلا الله، ولو مرة واحدة في عمره (الثاني): أن يكون المراد من قالها وداوم عليها حتى توفي عليها . وإن كان المراد : الاحتمال الثاني - وهو الخصوص - فهو مَن يقولها عند الموت .

والضرب (الثاني) : من العموم المتقدم يرجع إلى هذا الخاص، لأنه وإن قالها على الدوام، ثم لم يتلفظ بها، ولم يعتقدها عند الموت، كان ما قال قبل ذلك هباءً منثوراً. وهذا هو أظهر الاحتمالات وأولاها ، بل لا يسوغ غيره في هذا الموضع بدليل قوله عليه السلام الأعمال بخواتيمها)) وقوله ، عليه السلام : ( يعمل أحدكم بعمل أهل الجنة، حتى إذا لم يبق بينه وبين الجنة

(١) لم نعرف مصدره بهذه الصورة المذكورة. (۲) رواه الإمام أحمد والبخاري والترمذي وابن حبان وابن خزيمة بألفاظ أخرى .

إلا شبر أو ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار وإن الرجل منكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى لم يبق بينه وبينها إلا شبر أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة)(۱) ، وقوله عليه السلام: (مَن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) (۲) ، وهذا نص في المسألة نفسها، فلا يسوغ الجنوح إلى غير ما نص عليه .

الوجه الواحد والثلاثون فيه دليل على أن من خالط إيمانه شائبة ما لا يسعد به لأنه عليه السلام، شرط فيه الإخلاص، والإخلاص يتضمن عدم الشوائب، دِقها وجلها.

الوجه الثاني والثلاثون فيه دليل على أن من اعتقد الإيمان، دون النطق به لا يسعد به ولا تناله هذه الشفاعة الخاصة لأنه عليه السلام، شرط في ذلك التلفظ، والشرط إذا عُدِمَ عُدِمَ

المشروط .

الوجه الثالث والثلاثون من آمن بالله مخلصاً، لكنّه لم يتلفظ بالشهادة لعذرِ كان لَدَيْه يمنعُه من ذلك، ثم اختَرَمَتْهُ المنيّة قبل زوال ذلك العذر ، هل تلحقه الشفاعة أم لا، أو يكون من أهل الإعذار ؟ هذا موضع بحث ونظر. وأرجح ما في ذلك وأظهَرُه أنه يكون من أهل الإعذار، لأن الله ، عزّ وجلّ، يقول في كتابه إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَنُ بِالإِيمَنِ ) (۳)

الوجه الرابع والثلاثون : قوله : (من قلبه أو نفسه) . هذا شكٍّ من الراوي في أيهما قال النبي، ، وكلاهما بمعنى واحد ، لأن المراد بالنفس ما بَطَن، وما بَطَن المراد به (القلبُ)، لأن فيه يستقر الإيمان، وهو الأميرُ على الجوارح، يؤيد هذا ،قوله عليه السلام مُضغةٌ في الجسد إذا صَلَحَت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) (٤)

وفيه دليل على صدق ،الصحابة رضي الله عنهم، وتحريهم في النقل، لأنه لما أن حصل له مع أن اللفظين بمعنى واحد لا يقع في

الشك في أي اللفظين قال عليه السلام، أبدى ذلك، الإخبار بأحدهما دون الآخر خلل في المعنى ولا في الحكم. نسأل الله بمنّه أن يمن علينا بالاقتداء بهم وبِنَبِيّه، إنّه ولي كريم. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) جزء من حديث طويل رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله (۲) رواه الإمام أحمد وأبو داود والحاكم وصححه . ب الله عنه

(۳) سورة النحل، من الآية ١٠٦ .

(٤) سبق تخريجه في الحديث ٨ .

حديث رفع العلم بقبض العلماء

عن عبد الله بن عَمْرو بن العاص ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : إن الله لا يَقبِضُ العلم انتزاعاً، يَنتَزِعُه من العِباد ، ولكن يَقْبِضُ العلم بقبْضِ العُلماءِ ، حتى إذا لم يُبْقِ عالماً اتَّخَذَ النَّاسُ رؤوساً جهالاً ، فسُئِلوا فأفتوا بغيرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وأضَلُّوا .

ظاهر الحديث يدل على أن قبض العلم يكون شيئاً بعد شيء، ولا يكون مرة واحدة . والكلام

عليه من وجوه :

الوجه الأول ،قوله عليه السلام: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً، ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء) . فيه دليل لأهل السنة حيث يقولون : بأن الأعمال خَلْق للرب، وكسب للعبد، لأنه لا يقبض إلا ما قد أعطى فالقبض بمعنى الاسترجاع، وقد صرح عليه السلام، بإعطاء الله ذلك لعبيده وبَيَّنَهُ في حديث تقدّم بيانه قال فيه من يُرِد الله به خيرا يُفقَهْهُ في لأن العلماء الدين) (۱) . فهذا الخلق الله قد ثبت بالنقل، وأما الكسب فهو مشاهد مرئي محسوس، ينقلون العلوم، ويدرسون، وهو تكسبهم . الوجه الثاني : الألف واللام في هذا العلم) المذكور يحتمل أن تكون للجنس، ويحتمل أن تكون للعهد والأظهر من الاحتمالين العهد للقرينة التي أتت في الحديث بعد تبيينه، وهو قوله : ( ضَلُّوا (٢) وأَضَلُّوا). والضلال المحذور إنما هو فيما عدا العلوم الشرعية، لأن العلوم الشرعية هي التي بها الهداية، ولا يقال لغيرها من العلوم هداية مطلقة، حتى تخصص باللفظ، فيقال : هداية لكذا وضلال عن كذا والعلم المذكور هنا المراد به الفهم في كتاب الله ، وسُنّة نبيه عليه

السلام

(۱) هو الحديث التاسع من هذا الكتاب . (۲) الرواية : فضَلُّوا .

الوجه الثالث : لقائل أن يقول : ظاهر هذا الحديث مُعارِض لما روي عنه عليه السلام في الكتاب العزيز أنه يُرفع جملة واحدة وقيل له : يا رسول الله أوليس قد وعيناه في صدورنا، وأثبتناه في مصاحفنا وعلمناه أبناءنا ونساء نا؟ فقال عليه السلام: (تأتي عليه ليلة يرفع من الصدور والمصاحف فلا يبقى في الصدور ولا في المصاحف منه شيء)(۱) ، ثم تلا قوله عزّ وجلّ وَلَيِن شِئنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ، عَلَيْنَا وَكِيلًا ) (۲)

في

والجواب : أنه لا تعارض بينهما، بدليل ما نقلناه عن الأئمة بأن العلم نور يضعه الله القلوب، فيقع بذلك النور الفهمُ في كتاب الله وفي سنة نبيه عليه السلام وقد نطق الكتاب والحديث بهذا المعنى وبيّنه (۳) أتمّ بيان . فأما الكتاب فقوله عَزَّ وجلّ : ﴿ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) (٤) . ولا يُفهم معاني القرآن وأحكامه إلا بالنور، ومهما فقد النور وقع الضلال.

نعوذ بالله من ذلك .

وأما الحديث فقوله عليه السلام: (إنكم أصبحتم في زمن كثير فقهاؤه، قليل قراؤه وخطباؤه قليل سائلوه كثيرٌ مُعطوه العملُ فيه خيرٌ من العلم. وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه ، كثير خطباؤه ، قليلٌ مُعطوه ، كثيرٌ سائلوه، والعلم فيه خيرٌ من العمل ) (٥) . فقد جعل عليه السلام، أولئك يفهمون، وهؤلاء لا يفهمون، مع أن هؤلاء أكثرُ حفظاً، وأكثرُ ضَبطاً للحروف . وأتى بذلك في معرض الذمّ لهؤلاء لكونهم لا يفهمون الأحكام، فلم يبق إلا أن يكون النور الذي كان عند أولئك عَدِمه هؤلاء، فرجع المساكين مثل بعض من تقدّم من الأمم الماضية، نَقَلةٌ وحَمَلةً ، لأن الله عزّ وجلّ، قد وصفهم بذلك في كتابه حيث قال : كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ) (٦) . وها هو اليوم قد كثر هذا الأمر وتفاحش، لأن النّقَلَةَ والأسفار قد كثرت، والقليل النادر من تجد عنده طرفاً من العلم الذي هو النور. فهذا العلم هو الذي يُقبَض شيئاً فشيئاً، فما يزال يرتفع

(۱) رواه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه، وابن مردويه ، والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود موقوفاً عليه .

(۲) سورة الإسراء من الآية ۸٦ (۳) يريد : وبَيَّناه .

(٤) سورة النساء، من الآية ٨٣ .

(٥) أخرجه الطبراني من حديث حزام بن حكيم عن عمه ، وقيل عن أبيه، وإسناده ضعيف (العراقي على الإحياء

(٦) سورة الجمعة من الآية ٥ .

شيئاً فشيئاً حتى يُرفع المصحف. فإذا رُفع المصحف ارتفع معه ذلك الطرف من النور الذي بقي عندهم، فيبقون بعد ذلك في الضلالة يتخبطون، وعن طريق الحق زاهقون، مع أن الأحكام تبقى عندهم مسطورة في الكتب، لكن لعدم النور وارتفاع الأصل لا يفهمون تلك الأحكام. ففي ابقاء الأصل بشارة ببقاء ذلك النور ، وإن قل .

الوجه الرابع : لقائل أن يقول : لِمَ ،نعت عليه السلام القبض أولاً بالنزع ، ثم نعته بعد ذلك بصفته التي هي : القبض ؟

والجواب : أن الانتزاع فيه شدة وغلظة والقبض فيه لين وتسهيل. فأخبر، عليه السلام، بأن شدة الانتزاع لا تكون، وإنما يكون قبضاً ،برفق، لا سيما وقد جعله عزّ وجلّ مغطى بحكمة قبض الوعاء، وذلك ألطف وأخف، لأنه لو كان قبضه بادياً دون حكمة تستره لكان العالم يجد منه خوفاً

ووحشة، وهو عزّ وجلّ، بعباده رؤوف رحيم، لأن العالم إذا مات لم يقطع الناسَ إياسُهم بأن الله عزّ وجلّ، يقيم عالماً مقامه فإذا أقيم ذلك العالم مقام الأول انجبرت النفوس، ولم يحصل لها علم بمقدار من قبض، ومن أقيم فبقيت الآمال في الفضل ،راجية والعين بما أبدلت قريرة . وهذا أبدع ما يكون من اللطف والحكمة .

الوجه الخامس : إذا قبض العالم، ثم أقيم آخرُ مكانه ، هل يكون مثله، فيجبر تلك الخَلَّة وقعت في الإسلام أم لا؟

التي

ظاهر الحديث يفيد أن لا . ويعارضه قوله عليه السلام: إذا مات العالِم تُلِمت في الإسلام ثلمة، لا يَسدُّها إلا عالم آخر ) (٢) . فظاهر هذا معارض لما نحن بسبيله، وليس بينهما تعارض في الحقيقة، لأنه إذا مات الأول، وقام الثاني فسدّ تلك الثَّلمة، فهو معلوم بالضرورة أنه ليس كالأول على حد سواء، لأن الثوب المرقع ليس كالصحيح وكلاهما يستُر، وإن كان لا بخس (۳) المرقع . وهذا موجود حسّاً، ولا سيما إذا قلنا بأن العلم - كما قدمناه عن أئمة الدين - نور يضعه الله في القلوب، فنقصه معلوم بالضرورة وموجود حسا؛ لأن نور الصحابة رضي الله عنهم ليس كنور

في

(۱) الإياس : من أيستُ منه ايس يأساً لغة في يئست منه أيأس بأساً، ومصدرها واحد والإياس واليأس بمعنى واحد اللسان أيس مروي بالمعنى عن أبي الدرداء مرفوعاً موت العالم مصيبة لا تجبر وثلمة لا تسد. رواه الطبراني وفيه مجاهيل. وعن عائشة رضي الله عنها رفعته : موت العالم ثلمة في الإسلام لا تسد ما اختلف الليل والنهار . رواه البزار بإسناد ضعيف، ورواه البيهقي في شعب الإيمان من كلام ابن مسعود رضي الله عنه ٢ / ٢٦٨ بإسناد صحيح . (۳) البخس النقص العيب .

التابعين ، ونور التابعين ليس كنور تابعي التابعين، ثم كذلك جيلاً بعد جيل، ففي كل جيل يرتفع منه

شيء ويقل .

ولأجل هذا المعنى كان العلم أولاً في صدور الرجال، ثم انتقل إلى الأوراق والكتب، وبقيت مفاتيحه في صدور الرجال. ثم الآن كثرت الكتب والأسفار وقلت المفاتيح، وإن وجد مفتاح فقلما يكون مستقيماً إلا النادر القليل .

ثم رجعت العلوم الشرعية مثل علوم القرآن والحديث كقدَح الراكب)، وما بقي النظر إلا بعض علوم ،الفروع وانصرفت الهمم إلى علم الجدل والمنطق وعلم النجوم وعلم الطبائع وما أشبه ذلك ، فارتكبوا النهي، واستقرّت سنَّتُهم الذَّميمة عليه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تجعلوني كقدح الرَّاكب ) (٢) . وهؤلاء قد اتخذوا القرآن والحديث كذلك ، ثم يريدون الكلام في دين . الله بتلك العلوم الرديئة. فمن كان باكياً فليبك على ذهاب العلم وأهله والدين وضعفه. فإنا لله ،

وإنا إليه راجعون

فمنذ انتقل النبي ، ، إلى رحمة ربه أخذ العلم في النقص شيئاً بعد شيء إلى هلمّ جرّاً ، إلى أن يُرفع القرآن. وقد نصَّ بعض الصحابة على هذا المعنى وبيّنه حيث قال : لم ننفض أيدينا من التراب حين دفنا النبي ، و إلا ووجدنا النقص في قلوبنا (۳). لكن كان النقص في ذلك الوقت لا يعرفه إلا أهل القلوب، وكذلك في القرن الذي بعده وكذلك في القرن الثالث الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم ، بأنهم خير القرون . فالعلم إذ ذاك ينقص ، وهو في الظاهر متوافر متزايد لكثرة العلماء

وكثرة الكتب .

والمعنى الخاص الذي أشرنا إليه لا يعرفه إلا من أشرنا إليه ، وهم أهل القلوب، ولذلك قال أسامة بن زيد رضي الله عنه : إني لأسمع منكم في اليوم أشياء مراراً ، لا تبالون بها، كنا نَعُدُّها في زمان رسول الله ، الله من الموبقات . أو كما قال . ثم بعد القرن الثالث رجع النقص يظهر لسائر الناس ويستبين وها هو اليوم أظهر من الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب.

(۱) قدح الراكب هو الإناء المعد للشرب. وجمعه وجمعه أقداح. وقدح الراكب يعلقه الراكب في آخر رحله عند فراغه

من ترحاله ويجعله خلفه .

(۲) أي لا تؤخروني في الذكر. والحديث : عزاه السخاوي في القول البديع لعبد بن حميد والبزار في مسنديهما، وعبد الرزاق في الجامع ، وابن أبي عاصم في الصلاة، والتيمي في الترغيب والبيهقي في الشعب، وأبو نعيم في

الحلية، وغيرهم كثير، وكلهم من طريق موسى بن عبيدة الربذي. وهو ضعيف، والحديث غريب . (۳) لعله معنى لحديث أنس رضي الله عنه قال : والله ما دفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما نفضنا أيدينا من ترابه حتى أنكرنا قلوبنا . رواه البخاري والإمام أحمد والدارمي وابن ماجه والنسائي .

الوجه السادس : لقائل أن يقول : هذا الحديث معارض لقوله عليه السلام في الحديث المتقدم : لن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يَضِرُّهم مَن خالفهم حتى يأتى أمر الله) (۱) . وأخبر هنا : بأن العلم يقبض، وإذا قبض العلم بقي الجهل ، فيقع الضلال، كما قد نَصَّ النبي ، ل ، عليه . والجواب : أنه لا تعارض بينهما، لأن المراد بالطائفة المذكورة - في الحديث المتقدم ـ أنها تبقى موفية بالحق الذي يلزمها لا تخلّ منه بشيء . وأما العلم الذي هـ النور فليس هو عندهم كما كان عند من تقدمهم يؤيد هذا المعنى قوله عليه السلام أنتم في زمان مَن تَرَك عُشْرَ ما أُمِرَ به هلك، ويأتي زمان مَن فَعَل عُشْرَ ما أُمِر به نجا (۳). يريد في أعمال البر من المندوبات، عدا الفرائض، لأن الفرض في أول الزمان وآخره مطلوب على حد سواء، وإنما المعتبر هنا الذي عليه وقع النص (ما عدا الفرض من أعمال البر ، لأن الدين مطلوب بفرضه وندبه وادابه ونفله وكان الصدر الأول، رضي الله عنهم، يحافظون على توفية جميع ذلك . وكان النبي ، ، ، يطلب ذلك منهم، ويحرضهم عليه مثل ما روي عنه عليه السلام أنه هَمَّ أن يحرق بيوت قوم كانوا لا يشهدون الجماعة وشهود الجماعة على الواحد مندوب . وكذلك ما روي عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم كانوا يطلبون من الناس تسوية الصفوف (۳)، وتسوية الصفوف في الصلاة من المندوب فكانوا رضي الله عنهم يحضون على ذلك أكثر الحض ، ويَحرِصون عليه أكثر الحرص لئلا يقع لهم خلل في شيء من ذلك، فيقعون في ترك ما حُدَّ لهم .

وأما اليوم فذلك لا يُتَصَوَّر لِمَا حَدَث في الأعمال من البدع والمنكرات وقلَّ أن يتخلص العُشْرُ إلا بالجهد الكبير. ونعني بالخلاص هنا أن يقع العملُ على ما حُدَّ وشُرِع، دون بدعة ولا منكر ومثال ذلك شهود الجنازة والصلاة عليها، أو حضور العرس وما أشبه ذلك، قلّ أن يقدر الإنسان أن يفعل شيئاً من ذلك ، لِمَا كَثر فيه من البِدَع الفاحشة والمناكر المتلفة إلا نادر قليل، فليس تركهم للتسعة الأعشار رغبةً عنها، ولا زهداً فيها، ولو كان كذلك لما نَجَوْا، وإنما هو من أجل ما قررناه . فالطائفة المذكورة المراد بها ما بيناه هنا من أنها لا تنقص مما يلزمها شيئاً .

الوجه السابع : يظهر من الحكمة في نقص هذا العلم وجهان

الأول: أنه لما كان العلماء ورثة الأنبياء عليهم السلام فمعلوم بالضرورة القطعية أن

(1) متفق عليه من حديث معاوية رضي الله عنه بلفظ (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله ، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله ، وهم ظاهرون على الناس). انظر الحديث (۱۱).

رواه الإمام أحمد والترمذي بسند ضعيف . وأوله : إنكم في زمان إلخ . . (انظر فيض القدير للمناوي) .

معنى الحديث رواه مسلم کتاب المساجد .

العلماء ليسوا كالأنبياء . وذلك موجود مشاهد في عالم الحس، لأن الوارث أبداً ليس كالموروث من

كل الجهات، وإن كان يرث جميع المال لأن المتوفّى ينفرد بالكفن ومؤنة الدفن، وما يحتاج إليه في تجهيزه. فقد نقص من المال شيء ما دخل مع الموروث في قبره لا ينتفع الوارث به ولا يستطيع الوصول إليه. هذا إذا لم يُوص، فإن أوصى فقد أباحت له الشريعة الوصية بالثلث ، فقال

موتكم))،

عليه السلام: (إن الله تصدّق عليكم بثلث أموالكم تتصدقون بها عند موتكم ، فحجزه عن الوارث والحكمة فيما نحن بسبيله من هذا القبيل لأن كل من أنعم عليه بشيء لا بد أن يختص منه

بشيء، لا يناله غيره بمقتضى الحكمة .

الثاني : أن الوعاء له اشتراك ما مع ما أودع فيه فلا بد أن يصحبه منه شيء يدل على ما كان فيه، وذلك الشيء الباقي في الوعاء نقص من الشيء المودَع فيه، مثال ذلك : أوانٍ مملوءة إحداها زيتاً، والأخرى عسلاً، والأخرى سمناً، إلى غير ذلك من الأشياء فلا بد أن يبقى في الوعاء بقية تدل على ما كان فيه، وذلك الشيء الباقي في الوعاء نقص من الشيء المودع فيه . وإن كانت العلوم أنواراً لا ينقص من أعيانها شيء، لكن لما أن شاء الحكيم أن يُرفع من أوعيتها شيء منها وقع ظهور النقص في هذا العالم فاتحدت النسبة بمقتضى الحكمة كما أشرنا

ولذلك قال أهل التحقيق : عدد الطرق إلى الله عزّ وجلّ على عدد الأنفاس، لأنه ليس كل شخص حاله كمثل حال الآخر من كل الجهات، وإن وقع الشبه بين الحالتين فلا بد من فرق ما بينهما، كما هو مشاهد في عالم الحِسَ. فصُوّر الناس في وضع الخلقة على حد ،واحد وليس في حقيقة الشبه كذلك، لأن كل واحد يختص بصفة ما يمتاز بها في النعت عن غيره، وإن أشبهه في أكثر الصفات وكذلك جميع الحيوانات على اختلاف أصنافها على حد واحد في صفة وضع الخلقة، وليس كذلك في حقيقة الشَّبه . فسبحان من أظهر أثر عظم قدرته بجميل وضع حكمته في

جميع بريَّتِهِ.

ولأجل هذا المعنى - الذي أشرنا إليه - أحال عزّ وجلّ في كتابه بالنظر إليه ليستدل به على وحدانيته، فقال عز من قائل ( سَنُرِيهِمْ وَايَتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ ) (۳) ) .

الوجه الثامن ،قوله عليه السلام : (حتى إذا لم يُبْقِ عالِماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً ، فسئلوا

فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلّوا فيه دليل على أن الضلال المخوف لا يقع مهما بقي من الطائفة

(1) يريد هو ما .

(۲) رواه الترمذي بلفظ : إن الله تصدّق عليكم عند وفاتكم ، بثلث أموالكم، زيادة لكم في أعمالكم . (۳) سورة فصلت من الآية ٥٣ .

المذكورة واحد، لأن تلك الطائفة هم الذين تمسكوا بالعلم وعملوا به، لأنه مهما بقي عالم واحد على الحق لم تضر الضلالة وإن ظهرت لعدم الاجتماع عليها وقد قال عليه السلام لن) تجتمع أمتي على ضلالة) (۱) . وكثير ما بين الظهور والاجتماع، لأن الاجتماع هي الحالقة (٢) . أعاذنا

الله من ذلك بمنّه .

يبين هذا ويوضحه ما روي أن أحد أنبياء بني إسرائيل مرّ على قرية وقد أهلكها الله تعالى فقال : يا رب ! كيف أهْلَكْتَهم وكنت أعرف فيهم رجلاً صالحاً؟ فأوحى الله إليه أنه لم يَغَر (۳) لي قطُّ يوماً واحداً». فأفاد ذلك أن موافقته لهم على الباطل، وإن كان يعرف الحق، كانت سبب هلاكهم، ولو خالفهم ما هلك ولا هلكوا

الوجه التاسع: في هذا المعنى وجه من الحكمة والاعتبار، وذلك أنه لما أن جعل عزّ وجل هذه الدار للتغيير والذهاب جعل كل ما فيها بمقتضى الحكمة بتلك النسبة يلحقه النقص والذهاب لأن أجَلّ ما فيها العلم والإيمان، وها هما يلحقهما النقص حتى يذهبا ، فلحقت علة الدار لسكانها

وما فيها .

الوجه العاشر : في هذا المعنى دليل ترغيب للزهد في هذه الدنيا وتحريض على تركها، إذ هي وما فيها للنقص ، ففي ماذا الرغبة ، وعلى ماذا التعب؟

الوجه الحادي عشر : فيه دليل على أن بلاء هذه الدار أكثر من خيرها، لأنه إذا قلَّ العلم والإيمان، وهما عَيْنُ الخير ، كثر ضدهما ، وهما الكفر والجهل ، فهما موجبان للشر، بل هما عينه الوجه الثاني عشر : يؤخذ من هذا الفقه تأكيد التخلّي عن الالتفات لهذه الدار وما فيها لمن العامة عقل، إذ إن خيرَها يَقِلّ، وشرَّها يزيد فخيرها ،نادر و شرها كثير ،موجود، وقد قال علي بن أبي الله عنه : لو كانت الآخرة من خَزَف وهي باقية والدنيا من فضة، وهي فانية، لكان يقتضي الزهد في الدنيا، وإن كانت من فضة لِكَوْنها فانيةً، والرغبة في الآخرة، وإن كانت من خزف لكونها باقية فكيف والأمر بضد ذلك؟

طالب رضي

الوجه الثالث عشر : فيه دليل على أن حقيقة الرئاسة لا تكون إلا بالعلم، إذا كان على حقيقته -

(1) رواه الإمام أحمد والطبراني والترمذي وابن ماجه والحاكم عن عدد من الصحابة الكرام . (۲) يريد بـ (الاجتماع) : اتفاق الناس جميعاً على ضلالة، دون أن يكون فيهم رجل واحد ينكر تلك الضلالة. وذلك ما عبّر عنه المؤلف، رضي الله عنه ، بكلمة (الحالقة)، ويعني بها : التي تحلق الدين لا التي تحلق الشعر . (۳) لم يَغَر : لم تثر نفسه غَيْرة . والفعل : غار يغار غَيْرة . يقال : غار الرجل على زوجته: أي ثارت نفسه لإبدائها زينتها ومحاسنها لغيره فهو غيران وهي غيرى والجمع : غيارى، وغير .

وهو أن يكون الله خالصاً، على مقتضى الكتاب والسنة - وأن رياسة غير العالم ليست بحقيقة ، لأنه عليه السلام نَصَّ على أن العالم ما دام بين أظهرِ الناس دام به الخير، وأن الجاهل إذا كان مكانه وقع به الضلال والهلاك والعلة في هذا المعنى ظاهرة بادية لأن كل الناس يحتاجون إلى العالم ليرشدهم لطريق ربهم ويبين لهم أمره ونهيه وغير العالم ليس كذلك، لأنه قد يحتاج إليه بعض الناس في تلك اللحظة التي رأس بها، وقد لا يحتاج إليه، وهو الكثير، ولهذا المعنى قال، عليه السلام: (نِعمَ الرجلُ العالم، إن احتيج إليه نَفَع وإن استغني عنه أغنى نفسه)(۱) . ومعنى الغنى هنا : الغنى بالله عزّ وجلّ، فهذه هي حقيقة الرئاسة . وقد بدا الآن ظهور ما أخبر عنه الصادق عليه السلام رأسوا بغير علم فاستفتوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وضلّ من اتبعهم فلينتبه الجاهلُ المسكينُ من غفلته، وليفق من سكرته، وليحذر من هذا الأمر العظيم الذي حلّ به .

الوجه الرابع عشر : فيه دليل على أنه لا بد للناس من رؤوس بمقتضى الحكمة لأنه عليه السلام، أخبر أن العالم إذا عُدِم لم يبق الناس لأنفسهم كذلك، وإنما يتخذون رؤوساً غير ذلك الصنف لتشبههم بهم، فيقعون إذ ذاك في الضلال كما أخبر عليه السلام

الوجه الخامس عشر : فيه دليل على أن أخذ الأشياء على غير ما أحكمته الشريعة لا يوجد لها فائدة، بل تنعكس الفائدة بالضرر ، لأن العوام لم يتخذوا هؤلاء الجهال رؤوساً إلا لأجل الفائدة التي عهدوها ممن تشبَّهوا بهم ؛ وهو الإرشاد لما يصلحهم، كما تقدم . فلما لم تكن فيهم الشروط التي أحكمتها الشريعة جاءهم إذ ذاك ضد ما أرادوه وهو الضلال

الوجه السادس عشر : فيه دليل لمن يقول بأن العالم لا يلزمه التعليم قبل السؤال، لأن الفتيا لم تقع حتى وقع السؤال .

الوجه السابع عشر : فيه دليل على أن البهرجة لا تجوز (۲) على عالم، لأن العوام إنَّما اتَّخذوا هؤلاء الجهَّال رؤوساً لأجل تشبههم بأهل العلم في الكتب مثلاً وفي جنس الكتب والنظر فيها . فلما رأى الناس ما جرت العادة به يكون علماً على العلم - وهو النور كما تقدم في وصفه قبل - ظنوهم من الرؤوس حقيقة ، فصحت البهرجة عليهم . ولهذا قال يُمْنُ بن رزق (۳) ، رحمه الله : لِقِلَّةِ العقلاء لم

يُعْرَفِ الحَمْقى .

(۱) رواه الديلمي في مسند الفردوس ۱۰/۵ وذكر محقق الفردوس عن سلسلة الأحاديث الضعيفة أنه موضوع.

(۲) لا تجوز لا تنطلي لا تخفى. (۳) تقدمت ترجمته في الحديث (۲).

وهذا المعنى بنفسه قد ظهر اليوم في زماننا هذا وكثر وتفاحش، قوم يقرؤون النحو والأصول والمنطق وعلم الكلام وعلم الطبائع وما أشبه ذلك، ثم يدّعون بها الرئاسة، ويريدون أن يفتوا في دين الله بتلك العلوم ويرجع ذلك عندهم بعقولهم الفاسدة، حتى إن بعضهم يدعي الاجتهاد على زعمه ويُخطىء من تقدَّم من الفضلاء وأئمة الدين، وذلك لقلة فهمه لما قالوا وسوء لأنه لو حسن بهم الظن لعاد عليه من بركتهم بما يفهم من كلامهم

ظنه بهم

فالحذر الحذَرَ من هذه الطائفة الرديئة. وقد حذر عليه السلام منها وبينها أتم بيان ، فقال : (يأتي في آخر الزمان أقوام يحدّثونكم بما لم تعرفوا أنتم ولا آباؤكم) (۱) ، أو كما قال عليه السلام فخُذ ما تعرف، ودَع ما تنكر ، وعليك بِخُوَيصَّةِ (نفسِك .

الوجه الثامن عشر : فيه دليل على أن العامّي وظيفته السؤال والامتثال دون بحث، لأنه، عليه السلام ، لم يجعل لهم في الحديث وظيفة إلا السؤال وامتثال ما أشير عليهم في ذلك السؤال، وإنما ضلوا إذ إنهم لم يصادفوا الرأس الحقيقي .

الوجه التاسع عشر : فيه دليل على أن من عمل بفتوى على غير وجهها يلحقه من الإثم مثلما يلحق المفتي بها، لأنه عليه السلام، قد جعله ضالاً ، كما جعل ضَلال المفتي له بذلك سواء . يؤيد هذا المعنى ويزيده إيضاحاً، ما روي عنه عليه السلام في الضد أنه قال : العالم والمتعلم شريكان في الأجر) (٢) .

الوجه العشرون: فيه دليل على أن الجاهل لا يُعْذَر بجهله عند وقوعه في المحذور، لأنه، عليه السلام، قد جعل العوام الذين لم يصيبوا بفتياهم أهلها ضالين مثل الذين أفتوهم بها، مع أنهم المساكين جاهلون بالأمر ليس لهم معرفة بما يميزون الفتيا الصحيحة من السقيمة.

فارجع أيها الهائم إلى طريق الرشاد قبل سبق الحرمان بغلق الباب . وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .

السلعة

(۱) رواه الإمام أحمد في المسند ومسلم في المقدمة. (۲) رواه الطبراني في الكبير عن أبي الدرداء رضي الله

اوهاية

حديث الحساب والعرض

عن عائشة ، زوج النبي ، لا أنها كانت لا تسمع شيئاً لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، وأن النبي ، لا الله قال : مَن حوسِب عُذَّبَ . قالت عائشة : فقلتُ : أوَليس يقولُ الله عزّ وجلّ: ﴿ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ) (١) . فقال : إنّما ذلك العَرْض، ولكن من نوقِش الحِساب يَهْلِك .

ظاهر الحديث يدل على أن الهلاك مع المناقشة والكلام عليه من وجوه

الوجه الأول : قوله عليه السلام (مَن حوسب عُذَّب هل هو على عمومه، أو على الخصوص ؟ فالظاهر أنه خاص لكونه خصصه بعد بالمناقشة وعلى مقتضى الآثار، مع اختلافها ينقسم الحساب على أقسام.

فمنه عَرْض - كما أخبر في باقي الحديث - وقد جاء ما يبين كيفية هذا العرض في حديث ثانٍ حيث قال : ( إنّ الله عزّ وجلّ، يحاسب عبده المؤمنَ سرّاً، فيلقي كَنَفَه (۲) عليه ، ويقول : يا عبدي فعلت كذا في يوم كذا فعلت كذا في ساعة كذا فلا يمكنه إلا الاعتراف، حتى يظن أنه هالك . فيقول : يا عبدي، أنا سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفِرُها لك اليوم . اذهبوا بعبدي إلى الجنّة . فإذا رأه أهلُ المَحْشَر يقولون : طُوبَى لهذا العبد ، لم يَعْصِ الله قطُّ)(۳) فهذا بيان العَرْض المجمل هنا ،

لأنه عَرْضُ ولا عقاب فيه .

ومنه نوع آخر، وهم الذين لهم ، وعليهم، فيُؤخَذ منهم ، فيُعطى فيما عليهم، فتكون حسناتهم

بالسوية مع سيئاتهم، فيبقى لهم الإيمان، يدخلون به الجنة . وهذا نوع من العَرْض .

(۱) سورة الانشقاق ، الآية ٨ . (۲) كَنَفُ الله : رحمته وسَتْرُهُ وحِفْظُه.

(۳) رواه الإمام أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنه . والحديث هنا مروي بالمعنى .

١٩٩٠ حديثاً وهي 296 من البخاري شرحت ب 1694 حديثا ويليه كتاب المرائي الحِسان

شرح-مختصر-البخاري-أبي-جمرة-الدكتور-بكري 300-400-

قَدْرَ عَرْضِه - حتى نعلم كم رجلٍ ) يَسَعُ عَرْضُه . والقُرعة لا تكون إلا على شيءٍ مُدرَك، ويُعلم أنه لا يَسَعُ الكل، فإنه إذا وَسِعَ الكُلَّ فلا قرعة. فإذا لم يَسَعُهم حينئذٍ يُحتاج إلى القُرعة، لِيُعْلَم من هو أَوْلَى به من غيره. فالذي تكتبه الملائكة لا تُمكن القرعةُ عليه لعَدَمِ العلمِ ،بقَدْره ، وماذا يسع، فجاء الدليل للذين يقولون : إنه في المسجد .

ولا نحتاج أيضاً إلى القرعة إلا إذا جئنا في فَوْرٍ واحد (٢) ، لأنه قد ثبت بالشَّرع أنَّ مَن سَبَق إلى شيء من المباح فهو أحق به. فإذا تلاحقوا به على حد سواء، قُسِم بينهم إن كان مما تأخذُهُ القسمة، ويمكن ذلك فيه . وإلا فمن يكون أولى به فعند ذلك يُحتاج إلى القرعة كهذا ومثله، لأنه لا

يمكن القسمة فيه .

وهنا بحث في قوله عليه السلام (الناس) هل الألف واللام للعهد أو للجنس؟ فإذا قلنا : للعهد، وهم المؤمنون فيترتب عليه من الفقه أن العبيد والأحرار والإناث والذكور في ذلك سواء، وأنه لا يستأذن العبيد في ذلك ساداتهم، ولا النساء في ذلك أزواجهنَّ . ويزيد ذلك إيضاحاً ،قوله عليه السلام: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)(۳). قلنا : كذلك يعطى الحكم، لكن لما حدثت أمور لم يبق من ذلك إلا خاص في خاص، وهم الرجال دون النساء، ولا من العبيد، إلا من يُعرَف منه الخير، لأنه يَجعلُ ذلك ذريعةً لتضييع حق سيّده ولذلك كانت عائشة ، رضي الله عنها ، تقول : لو أدرك رسولُ الله ، ما أحدث النّساء لمنعهنّ المساجد كما مُنِعَهُ نساء بني إسرائيل (٤) .

وما فعلت عاتكة، زوجة عمر ، رضي الله عنه أنها كانت تستأذنه في الخروج إلى المسجد، فيسكت. فتقول له لأخرجَنّ، إلا أن تمنَعَني فلا يمنعها لأجل ما عارضه من قوله عليه : السلام، لا تمنعوا إماء الله مساجدَ الله ) . فتركها يوماً خرجت إلى صلاة الصبح، وتقدَّمها، ووقف لها بموضع في الطريق في الظُّلمة، حتى خطرت عليه، فوثب عليها، وقرصها في نهدها، ولم يتكلم ، ولم يقل لها شيئاً، لكي تجهل من هو الفاعل لذلك . فرجعت رضي الله عنها، إلى بيتها، ولم تتم على مضيها إلى المسجد، ثم لم تخرج بعد ذلك. فقال لها عمر رضي الله عنه : لِمَ تركت الخروج ؟ فقالت : قد فَسَد الناس (٥) . فعللت عدم خروجها إلى المسجد بفساد الناس.

(۱) كذا بجز (كم) الاستفامية . وهو لغة .

(۲) في فور واحد في ان واحد . (۳) رواه الإمام أحمد والإمام مالك ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما . (٤) رواه الإمام مالك والشيخان عن السيدة عائشة رضي الله عنها موقوفاً .

(۵) رواه الإمام مالك في الموطأ.

وأجازه ذلك السيد، رضي الله عنه الذي قد أمرنا باتباعه فإنه أحد العمرين وأحد الخلفاء، رضي

الله عنهم .

الوجه الخامس: فيه دليل على التحيل في كسب أفعال الخير بكل ممكن يؤخذ ذلك من

قوله عليه السلام : (ثم لم يجدوا فلا يرجعون للقرعة إلا عند عدم القدرة على تحصيله. ومن هنا أخذ أهل الصوفة دليلاً لهم في الحيلة على النفوس ومجاهدتها. ومما يذكر عن بعضهم أنه بقي زماناً يحسن للنفس زِيَّ القوم حتى لَبِسَته ، فلما لبِسَتْه كان إذا أرادت أن تفعل فعلاً ليس هو من فعل القوم يقول لها لَبِسْتِ زيَّ القَوْم ، ثم تخالِفِينَهُم؟ أو تريد شيئاً من حال أهل الدنيا ؟ فيقول لها هذا لا يليق لمن تزيّا بهذا الزي . ومثله عنهم كثير .

الوجه السادس : فيه دليل على فصاحته . يؤخذ ذلك من حسن تنويعه عليه السلام العبارة لمّا كان الأذان والصف الأول انحصر في فعلهما، ولا يمكن الكثرة فيهما، عبّر عنهما بالقرعة. ولما كان التهجير كناية عن المبادرة في الزمان ومعنى التهجير هنا في يوم الجمعة - على قول أهل الفقه - ولا أعلم فيه خلافاً - والزمان ظرف يسع القليل والكثير - عبّر عنه بالتسابق، فجعله تسابقاً. وهو لا يحصل إلا بالجد والاجتهاد. الوجه السابع : فيه دليل لمذهب مالك رضي الله عنه ، الذي يقول : إنَّ الأفضل في الجمعة التهجير . وفَضَّل تلك القُرَب المذكورة من بَدَنَةٍ إلى بَيْضة في الساعة الواحدة في السبق على حاله. فمن سبق أخذ بدنة، ثم الثاني بقرة، ثم كذلك حتى العاجز بيضة وجعل العبارة عن العتمة والصبح لما كان الغالب على المنع منهما النوم أو الغُسل أو العجز ، قال (حَبْوا) ية الوجه الثامن : فيه دليل على المبادرة للعمل على المنشط وترك الكسل . يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام (حبوا) فإن من هذا حاله فهو أعظم الكسل .

الوجه التاسع : فيه دليل لأهل الصوفة في أخذهم النفوسَ بالمجاهدة، فإن هذا أعظمُ

المجاهدات .

الوجه العاشر : فيه دليل على أن ما هو من شعائر الإسلام المفروضة أن الأفضل فيه الإظهار لأن هذه المذكورة كلها من شعائر الإسلام المفروضة .

ثم نرجع للقسم الثاني من الألف واللام في (الناس) إن كانت للجنس - وهي محتملة - فيكون فيه دليل لمن يقول بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة وهم على كفرهم ، لأنهم لو عَلِموا ما فيه لبادروا إلى الإسلام وعملوا هذه الأعمال، ولهذا جاءت الإشارة هنا بلا تعيين أولاً ويترتب على هذا الوجه من الفقه أن يُشَوَّقَ الكافر والعاصي والطائع - على حد سواء - إلى

ما أم

هناك

لو

الب

آن

ذلك

فراع

لأنه

الج

ما أعد الله ، عزّ وجلّ، من الخير، ويحذّر ممّا هناك من الخوف لمن لم يستَقِم، لعلّه تحصل له هناك إنابة (١) .

الوجه الحادي عشر : فيه دليل على أن التشويه مع حصول الأفضل في الدين أولى . يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام، ولو حبوا) فإن الحبو في حق الكبير تشويه، ولا سيما لمن له منزلة فراعى هنا الدين، ولم يراع التشويه .

الوجه الثاني عشر : فيه دليل لمن يقول : إنه يصلي الجمعة، وإن كان طين يُشَوِّه ثيابه ووجهه ، لأنهم اختلفوا إذا كان الطين كثيراً يشوه الثياب ،والوجه هل يكون عذراً يجوز معه التخلّف عن الجمعة؟ على قولين وبالتفرقة فالحُجّة هنا لمن لم يجعله عذراً .

الوجه الثالث عشر : فيه دليل على جواز الاستهام لقوله عليه السلام (الاسْتَهَمُوا ) .

الوجه الرابع عشر : فيه دليل على أن المساجد لا يتملك منها أحد شيئاً .

الوجه الخامس عشر : فيه دليل على أنه لا يجوز له أن يأخذ من المسجد إلا قَدْر ،ضرورته لأنه لو كان له أكثر من ذلك لَبَيَّنَه ، عليه السلام هنا، لأنَّ وقت القرعة هو وقت انفِراد الحكم، وتأخيرُ البيان عند الحاجة إليه لا يجوز ،فكونه عليه السلام، أمر بالقرعة ولم يحدّ شيئاً دلّ على أنه ليس له أن يقترع إلا إذا لم يجد ما يحمله وغيره، وأن ما فَضَل عن قدر ما يحتاج هو إليه فلا يدخل تحت القرعة. وقد جاء هذا المعنى في حديث آخر ، وأنه متوعد عليه .

الوجه السادس عشر : فيه دليل على أن المسابقة تكون حسّا ،ومعنى فهنا تكون معنى لا حِسا، فإن المسابقة على الأقدام حِسَّا تقتضي الجَرْيَ والسرعة والجَرْي هنا والسرعة ممنوعان من حديث آخر لقوله عليه السلام: إذا أتيتم الصلاة، فلا تأتوها وأنتم تسعَوْن، وائتوها وعليكم السكينة) (۲) فلم يبق هنا إلا أن تكون معنى، وهي الشغل بمراقبة الوقت . وهنا بحث وهو أنه عليه السلام جعل العتمة والصبح على حد سواء، وقد قال عليه السلام : من شَهِد العتمة فكأنما قام نصف ليلة، ومن شَهِدَ الصبح فكأنما قام ليلة) (۳)؟

فالجواب : أن هذا لا يلزم من كونه جَعَلَها في حرمة المبادرة أنهما على حد سواء أن يكونا في الأجر، إنما ساوى ما بينهما لعظم ما بينهما وبين غيرهما من الصلوات، كما قال، عليه السلام:

(۱) الإنابة : التوبة .

(۲) رواه الإمام أحمد والشيخان عن أبي قتادة رضي الله عنه . (۳) أخرجه البيهقي في الشعب عن عثمان رضي الله عنه .

بيننا وبين المنافقين شهودُ العَتَمةِ والصبح لا يستطيعونهما)(١) لأن الشاهدين إذا كانا عَدْلَينِ لا يلزم أن يكون أحدهما أرفع حالاً من الآخر، لأنهما إذا تساويا في القدر المجزىء من العدالة فلا بأس أن يزيد أحدهما على الآخر وهذا مثله فقد زادتهاتان الصلاتان فضلا على غيرهما من الصَّلوات، وبقي ارتفاعهما فيما بينهما معنى ثانياً .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) رواه الإمام مالك عن سعيد بن المسيب مرسلاً .

حديث إتيان الصلاة بالسكينة

عن أبي قتادة (١)، رضي الله عنه ، قال : بينما نحن نصلي مع النبي ، الله ، إذ سَمعَ جَلبَةَ رجال، فلما صلى قال : ما شأنكم؟ قالوا : استَعجَلْنا إلى الصلاة . قال : فلا تفعلوا. إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسَّكِينَةِ . فما أدركتم فَصَلُّوا ، وما فاتكم فَأَتِمُّوا .

ظاهر الحديث : إتيان الصلاة بالسكينة وإتمام ما فات منها والكلام عليه من وجوه الوجه الأول: أن الحكم الشرعي لا يكون إلا بعد تحقيق موجبه . يؤخذ من قوله عليه السلام: (ما شأنكم؟) فلما ذكروا استعجالهم إلى الصلاة حينئذ قال لهم الحكم في ذلك، لأن استعجالهم احتمل أن يكون لما ذكروا ، أو لعذر عَرَض لهم، لأن الحوادث لا تنحصر .

الوجه الثاني : فيه دليل على أن يجتهد المكلف برأيه فيما لم يكن فيه نص من الشرع . يؤخذ ذلك من كون النبي ، ل ا ل ، لم ينههم إلا فيما يُستَقْبَل ، ولم يأمرهم بإعادة الصلاة، ولا أبطَلَ عليهم عملهم . فدل ذلك على جواز فعلهم فيما مضى .

وهنا بحث هل هذا على الوجوب، أو على الندب؟ وهل له حد معلوم؟ أعني : السَّكينة

المذكورة، أم لا؟ فالجواب على قولنا : هل هو على الوجوب أو غير ذلك؟ فصيغة الأمر مختلف فيها - على ما تقدم في غير ما موضع - لكن الأظهر هنا : أنه على الندب، بدليل أن التأدب والخشوع في الصلاة نفسها مختلف فيه، وأكثر الفقهاء على أنه شرط ،كمال، وقد قال ، في حديث آخر : (لا يزال العبد في صلاة ما دام ينتظرُ الصَّلاة) (٢) . فأعظمُ حُكم الوسيلة إلى الشيء أن يجعله كالشيء نفسه، فهذه الصفة في الصلاة نفسها مختلف فيها، فكيف في الوسيلة؟

(۱) تقدمت ترجمته في الحديث ١٨ .

(۲) رواه الإمامان مالك وأحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ اخر) .

ولوجه آخر : لو كان على الوجوب لأشار إليه عليه السلام بزيادة ما، لأنه المشرع، وهذا

وقت بيان الحكم، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز .

ولوجه آخر : وهو إنما كان سرعتهم في المشي رغبة في الصلاة من أجل الأجر وطلب المزيد فيه، فأراد، عليه السلام إخبارهم بأنَّ لهم الأجرَ فيما أمرهم به لأن تسكن نفوسهم بذلك . وهذا من الحديث الشاهد الذي أوردناه وأمّا من الحديث نفسه فلأنه عليه السلام ، فهِمَ منهم إظهار الجِدّ من أجل ما وقعوا فيه من الماضي. فسكَّنَ خواطِرَهم بإعطاء العذر لهم في ذلك، ذلك، وتبيين

الحكم بعد .

الوجه الثالث : فيه دليل لمن يقول : إن ما لَحِقَ المأمومُ من الصلاة مع الإمام إنه أولُ صلاتِه . يؤخذ ذلك من قوله (فَأَتِمّوا) وتمامُ العمل هو آخِرُه . لكن يعارضنا ،قوله عليه السلام في حديث غيره : (فما فاتكم فاقضوا) (۱) فدل هذا على أن الذي أدركه المصلي هو آخر صلاته، ويقضي ما فاته، والحديثان صحيحان فمن أجل ذلك اختلف العلماء في البناء والقضاء. فمنهم من قال بالبناء مطلقاً، ومنهم من قال بالقضاء مطلقاً، ومنهم من جمع بين الحديثين وهو مالك، رحمه الله، ومن تبعه، وقال: يكون بانياً في الأفعال قاضياً في الأقوال وهو أحسن الوجوه لأن إعمال الحديثين خير من إسقاط أحدهما .

لم

الوجه الرابع : فيه دليل على أن التفات الخاطر إلى النوازل إذا كان في الصلاة، ما لم يخرجه من الشغل بصلاته : جائز، وليس بمفسد للصلاة، إذا كان يسيراً . يؤخذ ذلك من سمعهم، رضي الله عنهم، وسمع رسول الله ، جلبة ،الرجال وهم في الصلاة ولم يأمرهم بإعادة ولا ذكر لهم أن في عملهم خللاً .

الوجه الخامس: فيه دليل على أن إمساك الحاجة في السر في الصلاة لا يفسدها، إذا كان الغالب على القلب الشغل بصلاته . يؤخذ ذلك من تمادي ذكر أمر الجلبة في قلب النبي ، ل ، حتى فرغ من صلاته، وحينئذ سأل عنها .

وجواز هذين الوجهَيْنِ " إذا عرَضَ الأمرُ ، وهو في نفس الصلاة، ولا يتعمَّده هو . يؤخذ ذلك من مجموع معنى هذا الحديث. وقوله ، حين سُئل عن المَرْءِ يلتفت في الصلاة، فقال: (تلك خلسة يختلسها الشيطان من صلاة أحدكم) (۳) لأن الالتفات بالاختيار من المصلي، دون عذرٍ طَرَاً

(1) لم نقف على مصدره. (٢) أي الرابع والخامس وخبر (جواز) هو متعلق (إذا) .

رواه الإمام أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي عن عائشة رضي الله عنها (بألفاظ مختلفة) .

(کل) ((٢)

عليه، فإن ذلك خروج عما كان بسبيله ومن قول مولانا جلّ جلاله ، ﴿ وَمَا أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُوا الله مخلصين ) (۱) . فإذا دخل بغير إخلاص، فأين تَوْفيه ما أمر به؟ وقوله : (إذا دخلَ الرجلُ في الصلاة أقبل الله عليه بوجهه فإن التفت أعرَضَ عنه ) (٢) . فإذا دخل بغير إقبال أو معرضاً بقلبه لشغله بما كان فيه فما له وللإقبال ؟ هيهات بينهم مفازات، لا يقطعها إلا المُشَمرون .

فانتبه إن كنت نائماً، وشَمِّرْ إن كنتَ يقظانا (۳).

الوجه السادس : فيه دليل لأهل الصوفة الذين يقولون : إن أحسن الصلاة أن يبقى من البشرية شيء ما، لتلقي الخطاب، وتوفية أركان ما أُمِرَ به. وأحسَنُ الذِّكْر أن يفنى الذاكر في المذكور، حتى لا يعرِف مَنْ على يمينه ولا مَنْ على يساره ؛ لأنه لو لم يكن ذلك كذلك ما كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، في هذا الموضع يسمَعُ الجَلَبَة. وفي غير الصلاة يقول عليه السلام: (إنَّه لَيُغان على قلبي، فأستغفرُ في اليوم والليلة سبعين مرة) (٤) فكيف يُغان على قلبه عليه السلام، وهو من خصائصه أنه يقول تنام عيناي ولا ينام قلبي) (٥)؟

وقد اختلف الناس في معنى قوله عليه السلام يُغان) على قلبي) بأقاويل عديدة، فانفصلنا عنها ، ولم نرجّح إلا ما أذكره بعد ذكر ما أجمعوا على أنه أحسنُ ما قيل فيه والانفصال عنه

إن شاء الله .

فأحسن ما قالوا فيه أنه عليه السلام كان يترقّى من مقام إلى مقام، فإذا ترقى من المقام الذي كان فيه إلى ما هو أعلى استغفَرَ من المقام الذي كان فيه ؛ وكأنّه الآن بالنسبة للحالة التي كانت قبل كَمَنْ غِينَ على قلبه .

والانفصال عن هذا الوجه بأن تقول : سَلَّمْنا هذه المقالة، وهي حَسَنة، إلى ليلة المعراج، حين ارتقى إلى الحضرة العَلِيّة، والمشاهدة بعين الرأس - على مذهب ابن عباس، وهو الحق - فبعد هذا الترقي لا زيادة في الترقي.

وبقي الجواب عما : لِمَ كان يُغان على ذلك القلب المبارك ؟ فنقول، بفضل الله : إنه كان من صفته عليه السلام كما وصفه الواصف طويل الفكرة كثير ،الذكر قليل اللفظ ،ففكرته ، ، ا ا ا را ،

(۱) سورة البينة ، من الآية ٥ .

(۲) رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما ( بلفظ آخر ) .

(۳) كذا بالتنوين .

(٤) يُقال : غِينَ على كذا : أي غُطّي عليه ومنه الحديث. فالغين : ما لطف من الغطاء . والحديث النبوي أخرجه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن الأغر المزني رضي الله عنه . (٥) أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها .

قد تكون في صفة من الصفات أو اسم من الأسماء، ولا يمكن في الزمان الفرد الفكرةُ في جميع الأسماء. ولا يمكن في الزمان الفرد الفكرة في جميع الأسماء والصفات . فإذا اشتغل القلب بالفكرة في أحد الأسماء أو الصفات استولى على القلب المبارك من تعظيم ذلك ما صار عليه كالرّانِ ؛ لأن الران هو الشيء الذي يغطي القلب من حُسنٍ أو ضده

فإذا سُرِّيَ عنه من تلك الحالة الجليلة استغفر من شيئين: أحدهما من شغله عن الذي بقي من الأسماء والصفات لأن كل واحد منهما يطلب حقه من التعظيم في كل نَفْسٍ يَرِدُ . و (الوجه الآخر) هو تقصيره عن توفية حق تلك الصفة أو الاسم بوضع البشرية، لأن الفاني لا يمكن أن يوفي حق الباقي : قطعاً حتماً، ولذلك قال له : (أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك ، لا أحصي ثناء عليكَ أنتَ كما أَثْنَيْتَ على نفسك) (۱) .

وهنا بحث هل ما قالوه هو الأحسنُ في الصلاة كلها على اختلاف أنواعها، أو ذلك في الفرض ليس إلا ؟ الظاهر - والله أعلم - أنه في المكتوبة بالإجماع وأما النافلة فالأظهر فيها أنها من

قبيل الذكر . يؤيد ذلك مسألة عليّ ، رضي الله عنه ، حين كان في فخذه سهم قد اذاه ، فقالوا له فيه أن ينزعوه، فيأبى عليهم، ويمهلهم قليلاً قليلاً. فقال بعضهم : لا تستطيعون أن تنزعوه إلا حين يكون في الصلاة. ففعلوا ذلك، فنزعوه منه وهو ساجد في النافلة . فلما انصرف من الصلاة راهم محدقين به، فقال: ما بالكم؟ أو تريدون نزع السهم؟ فقالوا :له ها هوذا أخذناه فقال والله ما عرفتُ بكم. ومثله كثير عن المباركين .

وأما الجواب على قولنا هل للسَّكينة حَدّ ، أو لا؟ فقد قال العلماء : إن حدّها ما لم يخرجك عن الوقار. وقد روي عن ابن عمر أنه كان إذا سمع الإقامة، وهو يأتي إلى المسجد، يمد في الخطا، ويخفف وقع قدمه. وهذا الحال آخِرُ حالِ السَّكينة

وبقي الكلام على ما يدرك من الصلاة ما يُحسَب منه وما لا يُحسَب فقد بيّنه عليه السلام في حديث آخر، وهو قوله عليه السلام: (ادخلوا معي على الحالة التي تجدوني عليها . فإن وجدتموني راكعاً فاركعوا واحسبوها ركعة، وإن وجدتموني ساجداً فاسجدوا، ولا تحسبوها شيئاً) (٢) .

الوجه السابع : فيه دليل على أن الدين يسر . يؤخذ ذلك من أنهم لما اهتموا بما وقع منهم من التأخير عن الصلاة، فأسرعوا جعل لهم المخرج بأن قال لهم : (عليكم بالسكينة إلى آخره . والذي يقع ذلك منه - أعني - أعنى تأخير الصلاة عن وقتها - يدخل تحت ،قوله جل جلاله : أضاعوا

(۱) رواه أبو داود والنسائي والترمذي عن السيدة عائشة رضي الله عنها .

(۲) لم نقف على مصدره .

ي

نه

الصَّلَوٰةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَتِ فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيَّا) (۱) وروي عن عائشة ، رضي الله عنها ، أنها قالت: «والله ما تركوها، وإنما أخرجوها عن وقتها المختار (۲) . فإذا كان الأمر في تفصيل الأوقات على هذا المعنى فكيف به في فوات شيء منها مع النبي ؟ لأن الوقت فيه خلافٌ بين العلماء والصَّلاة ، لا خلاف أنَّها أفضل الصلوات .

معه

ويترتب على هذا الوجه من الفقه لأرباب القلوب : أن الهَمَّ على عمل من الخير إذا فات بُدل منه . لكن ليس البدَل كالمبدلِ منه من كل الوجوه . ويؤيد هذا ،قوله ، حين سأله زيد ما علامه الله على من أحبه ؟ فقال : يا زيد كيف أصبحت؟ قال : أصبحت أحب الخير وأهله، وإن قدرتُ عليه بادرت إليه، وإن فاتني حزنت عليه وندمت فقال : النبي فذلك علامة الله فيمن يُريد . ولو أرادك لِغيرِها لَهَيَّأْكَ لها ) (٣) .

فلما قال : حزنتُ عليه فحينئذ صح له ما تضمنه الحديث. ويقويه أيضاً قوله عليه السلام: (النَّدم توبة) (1) . وفي هذا من الفقه معنى عجيب وهو أن نفس الندم يكون إما مذهباً للإثم، إذا كان على فعل ممنوع ،وقع ، إن حملنا ، قوله : ( الندم توبة على ظاهره .

وإن تأولنا بأن قلنا : هو أعظم الأسباب في التوبة، أو أكبرُ أجزائها، كقوله، عليه السلام، (الحج عَرَفَة ) (٥) ، فعلى هذا التأويل يكون أقوى الأسباب في الخلاص مما وقع فيه، وكلاهما خير عظيم. ويكون لما فات من الخير جابراً، كما تقدم.

يزيد ذلك إيضاحاً ،قوله صلى الله عليه وسلم (ما أمسى المؤمن فيها - يعني في الدنيا - ولا أصبح إلا حزينا) (٦) لأنه بالضرورة بين أحد أمرين إما غفلة عن مندوب وإمّا سهو حتى يقع في مكروه وهذا أقلها .

ويترتب أيضاً على هذا المعنى وجه من الفقه ووجه من طريق أهل الحقائق، فأما الذي من الفقه فيكون وجود الحزن على فوات شيء من الخير أو الوقوع في شيء من ضده، من علامة الإيمان وأما الذي هو من طريق أهل الصوفة فإن قولهم : إن القلب إذا خَلا من الحُزن خَرِبَ . .

(۱) سورة مريم من الآية ٥٩ . (۲) روي هذا القول - كذلك - عن ابن مسعود والنخعي والقاسم بن مخيمرة ومجاهد وعمر بن عبد العزيز وغيرهم. (۳) انظر : أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ٣٠٨/٤ .

(٤) رواه الإمام أحمد والبخاري في التاريخ وابن ماجه والحاكم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (٥) رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن والحاكم والبيهقي في الكبرى عن عبد الرحمن بن يعمر رضي الله عنه .

(٦) لم نقف على مصدره .

ويترتب عليه من طريقهم أيضاً وجه آخر ، وهو : أنَّ مَن كان حاله هذا كان حاله حال المراقبة -

وهو أجلّ الأحوال - ولا بد لصاحب هذا الحال أن يتخلّل خوفَه رجاء، وإلا كان ناقصاً عن حال الكمال، بدليل قوله : (المؤمنُ تسُرُّه حسناته، وَتَسُوؤُهُ سيّئاته) (۱) . فإنه إذا وَجَد من نفسه هذا الخوفَ سُرَّ به، فتجتمع له علامتان من الإيمان : وجود الخوف في موضعه، والفرح في موضعه . ولذلك قيل لبعضهم في بعض مناجاته: ليكن خوفك خوف محب ومحبوب ؛ لأن المحبَّ مهما رأى أقل شيء خاف من أن يكون ذلك سبباً للبعد والمحبوبُ وإن رأى ما يوجب البُعدَ يَعلمُ أنَّ المحبوبَ لا تَضُرُّه الذنوب، فلا تحزنه، فيكون حاله في الزمان الواحد محبوباً مُحِبّاً. وهذه أكمل

الحالات.

جعلنا الله من أهلها بمنّه أمين.

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) مروي بالمعنى لحديث أخرجه الإمام أحمد وابن حبان والطبراني والحاكم والبيهقي في الشعب والضياء في المختارة عن أبي أمامة رضي الله عنه ، وأصله : إذا سرتك حسنتك ، وساءتك سيئتك فأنت مؤمن .

اقبة - حال هذا

رأى

ان

مَل

حديث القيام إلى الصلاة

عن أبي قتادة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أُقيمت الصلاة فلا تقوموا ، : حتى تروني، وعليكم بالسَّكينة والوقار .

ظاهر الحديث : يوجب ترك القيام إلى الصلاة، وإن أقيمت ، حتى يخرج ، . والكلام عليه

من وجوه

الوجه الأول : يؤخذ منه تأكيد الإقامة في الصلاة لقوله عليه السلام، إذا أُقيمت الصلاة) فلولا أنَّه أمرٌ مستَعْمَلُ في كل صلاة مكتوبة لما قال ذلك . وهي من السنن المؤكّدة الخارجة عن الصلوات . الوجه الثاني : جواز الإقامة والإمام ليس بحاضر. يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام (لا) تقوموا حتى تَرَوني). فلو كان حاضراً ما قال (حَتَّى تَرَوني). الوجه الثالث : هل هذا النَّهيُ على التحريم أو الكراهة؟ وهل هذا الفعل خاص به، عليه

السلام، أو ليس؟

الجواب عن الأول : فليس هذا مما نقول فيه تلك التقسيمات التي في الأمر، لأنه في أمر خارج عن الصلاة ؛ وإنما هو لفوائد ، منها : أنه لا الله ما أراد أن يبين حكماً من أحكام الله ، وهو أن الإقامة ليس اتصالها بالصلاة من اللوازم وإنّما هي إخبار بأن وقت الدخول في الصّلاة قد حان، فقد يكون متصلاً بها ، وقد يكون بينهما بَوْن ما . كما أن الأذان دال على دخول وقت الصلاة ، وقد تُوقع الصلاةُ في أَوَّلِهِ ، أو بعده. لكن لمّا كان الغالب من فعله عليه السلام الاتصال بها خاف أن يُعتَقَدَ أنّه من الواجب فبينه ، عليه السلام هنا بالقول، وقد بينه في موضع آخرَ بالفعل، وهو ما رُوي عنه ، أنَّه إذا نزَل من المنبر، وأقيمت الصلاة ، ربَّما سارَرَه (۱) أحدٌ من الصحابة، فيجاوبه ، وحينئذٍ يدخُل في الصلاة .

(۱) كذا والقياس : ساره .

ويترتب على هذا من الفقه أنه إذا كان الإنسان في صلاة، وأقيمت عليه صلاة أخرى، والإمام ليس بحاضر، لا يقطع صلاته. وقد قال أهل العلم : إنّه مَن كان في صلاة وأقيمت عليه صلاة إنه يقطع التي هو فيها ويصلّي التي أقيمت وحينئذٍ يُعيد التي كان فيها . ويجتمع قولهم مع الحديث: إذا كانت الإقامة . . كما قلناه والإمام حاضر .

الوجه الرابع : فيه دليل على توفيته لا لا لو تعليم جميع الأحكام. يؤخذ ذلك من أن هذا الأمر

على دقته وخفائه لم يُهْمِله حتى بيَّنه قولاً وفعلاً .

وفيه أيضاً وجه من وجوه الرفق وكان عليه السلام بالمؤمنين رحيماً، وهو ربما يكون هناك ضعيف، فيقوم عند سماع الإقامة، فقد يتأخَّر عليه السلام لوجه ،ما، فلا يَصِل ذلك الضعيف إلى الصلاة إلا وهو قد عجز عن القيام فيصلي قاعداً، فيفوته القيام. وقد يكون بَرْد أو حَرّ والغالب عليهم رضي الله عنهم، قلّة الثياب، فيلحق القائم شدة البرد والحَرّ ، فيكون سبباً التشويشه في الصلاة .

ويترتب عليه من الفقه أن المتعبد ينظر قبل الدخول في صلاته أو تعبده ما يُصلح به حاله في

تعبده، ولا يكون معه فيه تشويش.

الوجه الخامس : فيه دليل لمالك رحمه الله الذي يقول : إن الصلاة إذا أقيمت إن الناسَ بالخيار في القيام ما بين الإقامة، واستفتاح الإمام الصلاة، لأن الشافعي يقول : يقام إلى الصلاة

عند قوله : (قد قامت الصلاة) .

الوجه السادس : فيه دليل على أن يُحمّل القوي في الأحكام محمل الضعيف . يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام فلا تقوموا حتى تروني فساوى بين القوي والضعيف، ويؤيد ذلك قوله عليه السلام (سيروا بسير أضعفكم) (۱) .

الوجه السابع : فيه دليل على لحظ القدرة في الشيء اليسير مع استصحاب الحكمة يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام، إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني). فالحكمة : هي الإخبار بحال الإقامة، لأنها قد عُرِفت عَلَماً على الدخول في الصلاة الوقتيّة . واللحظ إلى القدرة هو عن نهيه عليه السلام، لا يقوموا حتى يروه، مخافة أن يبرز من الغيب مانع يوجب تأخيره عن الخروج في الوقت. فلحظ القدرة مع أحكام الحكمة من أجل المراتب لمن فهم على نحو ما قدمنا في غير

ما حديث .

(۱) رواه الشافعي في مسنده بلفظ سيروا على سير (أضعفكم وابن ماجه والحاكم على شرط مسلم وابن خزيمة وصححه والحارث بن أبي أسامة عن أبي هريرة رضي الله عنه .

الامام

ـاة إنه

ديث

الأمر

كون ذلك

ا أو

سبباً

ة

الوجه الثامن : فيه دليل لأهل الصوفة الذين يقولون : إن من أدب العبادة ألا ترجع من الأعلى إلى ما هو دونه . يؤخذ ذلك من نهيه عليه السلام (لا تقوموا حتى تَرَوني) خشية أن يبرز من القدر ما يوجب تأخير الخروج، فيرجعون من القيام إلى الخدمة إلى القعود، فيكون نقص مرتبة في ذلك . الوجه التاسع : فيه دليل على أنه لا يجب الدخول في العبادة حتى تتم شروطها . يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام حتى تروني لأن الإقامة - وإن كانت تُخير بالدخول في الصلاة - لكن من تمام ذلك الإمام . فإذا لم يَرَوُا الإمامَ لم يجب عليهم القيام. ويلزم منه عَكْسُه، وهو إذا كَمُلت الموجبات فلا يجوزُ التأخيرُ لغير عذر .

الوجه العاشر : يؤخذ منه الالتفات والاهتمام بالإمام يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام (حتى تروني) فذلك تحضيض على ما قلنا . ويترتب على ذلك الاهتمام بأمر الدين كله لأنه من تعظيم الشعائر وهو من التَّقوى .

الوجه الحادي عشر : فيه دليل على أن السنة الاهتمام بتوفية السابق، وإن كان ما بعده أرفع منه . يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام لا تقوموا حتى تروني لأن الصلاة - ولا بد - أرفع من الإقامة، فاشتغالك أنتَ بالنّظر إليه : هل خرج أم لا؟ - وهو توفية حق الإقامة ـ أولى من الاشتغال بالصلاة التي لا تأتي إلا بعد توفية الإقامة بشروطها .

وفيه وجه من الحكمة . وهو أن تُوَفِّيَ لكل ذي حق حقه، وإن قل، ولا يَشَغَلَك حقٌّ الأعلى عن توفية حق الأقل . يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام فلا تقوموا حتى تَرَوْني).

الوجه الثاني عشر : فيه دليل لأهل الصوفة الذين يحضون على الاشتغال بتوفية حق الوقتِ ومراعاته، وإن قل ، لأن ذلك الالتفات - وهو أمر يسير - هو حقٌّ الوقت فلا يُشغَلُ عنه بما بعده، وإن كان أعلى منه، ولا يتهاون به، فَيَحصل في العتب أو الذمّ.

ومن كلام من نُسب إلى الخير : من حافظ على توفية حقّ وقته - وإن قَلَّ ـ خَتَ حِملُه ، وقَلَّ هَمُّه ، وصَلَحَ عِلْمُه ، وحسن عمله، وصح له اسم النبل والمعرفة، وربح دنياه وآخرته . وقوله عليه السلام : وعليكم بالسَّكينة والوقار لأن السَّكينة والخضوع هنا من نسبة العبادة، ولأن العبادة هي التواضع والانقياد . ولذلك أثنى ،مولانا جل جلاله عليهم فقال ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ) (۱) وقال : (المؤمِنُ هَيِّنٌ لَيْن) (۲). فصفة

(1) سورة الفرقان، الآية ٦٣ (۲) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه . ومعنى (هين): ساكن متئد تئد. و(لين) متواضع وبسيط . وهي قريبة من معنى هين.

المؤمن أن يكون هيناً ليناً من غير ضعف، ومن غير تماوت. وهذه الحالة كثيراً ما نجد الشارع، عليه

السلام، يحضُّ عليها في غيرِ ما موضع .

فانظر هنا إلى هذا الحديث : لَمَّا أن حض أولاً على ألا يقوموا حتى يَرَوْه خاف أن يُسرِعوا في الالتفات عندما يسمعون الإقامة، أو يسرعوا إلى القيام عند ما يَرَوْنه فقد يلحق لبعضهم من ذلك تالُمٌ؛ لأن الجَمْعَ إذا قاموا في مرةٍ واحدةٍ مسرعين يلحق الضعيف والقوي من سرعة القيام أذى، فأكمل عليه السلام الفائدة في التعليم وأبدى مقتضى الحكمة بأن قال : وعليكم بالسَّكينة وهي التأني والرفق في النظر، والقيام مع حضور الخاطر بما هو فيه، والاهتمام به في جميع أنواع العبادات؛ لأن تلك الحالة هي هنا سنَّة العبادة ولذلك كان عليه السلام، يقول عند النَّفْر من عَرَفَة، وهو قد شَنَق العضباء (۱) : (عليكم بالسَّكينة ويشيرُ بيده يميناً وشمالاً، حتى إذا صعد جبلاً

أرخى لها قليلاً ، فإذا نزل عاد لِمَا كان عليه قبل .

فجزاه الله عنا من مُعلّم خيراً، ومن رسول ونبي ، خير ما جزى رسولاً ونبيًا عن أمته، وحشَرَنا

في زمرته غير خزايا، ولا نَدَامَى بِمَنْهِ . آمين .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(1) العضباء: لقب ناقة النبي

ومعنى الكلمة: الناقة المشقوقة الأذن. ولم تكن ناقته عليه الصلاة والسلام عضباء. وشنق البعير كفه بزمامه حتى الزق ذِفْرَبَيْهِ بقادمة الرحل، أو رفع رأسه وهو راكبه . و(الذفْرَى) العظم

الشاخص خلف الأذن وهما ذفران.

حديث انتظار الإمام

عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال : أُقيمت الصَّلاة، فسَوَّى النّاسُ صفوفَهم، فخرج رسولُ الله ، ، ، فتقدَّمَ، وهو جُنُبٌ، ثم قال : على مَكانِكُمْ. فرجَعَ فاغتَسَل ، ثم خرج

ورأسُه يَقْطُرُ ماءً . فصلَّى بهم .

ظاهر الحديث : انتظار الناس بعدما سَوَّوْا صفوفهم إلى الصّلاة، لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى رجع

واغتسل وخرج . والكلام عليه من وجوه

مثلاة

الوجه الأول: أن الجماعة ينتظرون الإمام إذا طرأ عليه ،عذر ما لم يكونوا تَشَبَّئوا بالصلاة. يُؤخَذ ذلك من قوله (عَلَى مَكانِكُم، فرجع فاغتسل .

الوجه الثاني : يؤخذ منه أنهم لا ينتظرونه إلا إذا كان شغله يسيراً. يؤخذ ذلك من فعله عليه السلام ، لأنه لم يكن إلا قدر ما اغتسل .

الوجه الثالث : يؤخذ منه أنهم لا ينتظرون الإمام إلا إذا أمرهم بذلك . يُؤخَذ ذلك من جمع هذا الحديث مع الحديث الذي ذكر فيه أنه عليه السلام، خرج ليُصلح بين بعض قبائل العرب، وحان وقت الصلاة، فقدَّم الصَّحابة رضي الله عنهم أبا بكر رضي الله عنه . الله عنه . فأتاهم ، وهم في الصلاة، فأتمَّ الصَّلاة معهم . فلما فرغ قال لهم : (حَسَنُ ما فعلتم ) (١) أو كما قال عليه السلام، لأنه

(۱) قصة صلح الرسول الله بين بني عمرو بن عوف وعودته أثناء الصلاة وإمامة أبي بكر رضي الله عنه بالناس .. أخرجها الإمام مالك والإمام أحمد والحميدي والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والطبراني في الكبير والبغوي في شرح السنة عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه. وتفصيل الخبر : أن أناساً من بني عمرو بن عوف كان بينهم شيء، فخرج إليهم النبي الله في أناس من أصحابه يصلح بينهم، فحضرت الصلاة ولم يأت النبي عليه السلام فأذن بلال بالصلاة ولم يأت النبي عليه السلام فجاء إلى أبي بكر رضي الله عنه وقال : إن النبي و حبس ، وقد حضرت الصلاة، فهل لك أن تؤم الناس ؟ فقال : نعم، إن شئت. فأقام الصلاة، فتقدم أبو =

حين خرج، ولم يأمرهم أن ينتظروه بالصّلاة، فلما جاء وقتُ الصلاة قاموا بما به أمروا ، وهنا لما

أمَرَهم بأن ينتظروه امتثلوا .

ويترتب عليه من الفقه ما قدَّمنا اللهم إلا أن يَعلَموا بالقطع أن شُغل الإمام يسير، وإن لم يأمرهم بالانتظار ، فَلِحُرمته إذا كان في الوقت سَعَة، ولم يخرج الوقت المختار ، فلينتظروه . وقد قال بعض العلماء : إنه إذا كان شخص يواظب على الصلاة في مسجد واحد، وحان وقتُ الصلاة، وهو لم يجىء، إنه يُنتظَر قَدْر ما تُوقع صلاة ، وحينئذ يصلون؛ لأن لملازمته حرمةً، ينبغي ألا يُغفل عنها والإمام - ولا بدَّ - أكبَرُ حرمةً من هذا.

ولذلك نذكر حكاية الشيخ الذي كان يأتي الصلوات فيؤذن عند باب المسجد، وحيئنذ يدخُل . فاعتقل يوماً عن وقته المعهود، فأقام المؤذن الصلاة، ودخلوا في الصلاة. فجاء الشيخ وهم في الصلاة، فتغيَّر خاطره ، لكونه فاته الأذان ولم يقل شيئاً فلما كان الليل رأى المؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم ، فقال له : تأدب مع الشيخ . فلما جاء الشيخ إلى صلاة الصبح قال للمؤذن : أظننت أني ليس معي من ينتصر لي؟ فتاب المؤذن واعتذر للشيخ . وهكذا هو حال كل من صَدَق مع مولاه، فإنه يَنصُره .

الوجه الرابع : فيه دليل على تسوية الصفوف، وهو من سنّة الصلاة. يؤخذ ذلك من قوله فسوّى النّاس صفوفهم. فلولا ما كانت تلك سنّة معلومة ما ذكرها الصحابي ، رضي الله عنه . وهنا بحث : هل هذا الحديث معارض للذي قبله أم لا؟

فإن حملناه على ظاهره ففيه تعارض، لأن المتقدم قال فيه (لا تقوموا حتى تَرَوْني) وهنا (سُوبَتِ الصفوف وحينئذ خرج رسول الله ، . ولعل هذا ومثله كان الموجِبَ لِنَهْيِهِ عليه السلام في الحديث ،قبل ألا يقوموا حتى يَخرُج .

وإن تأوّلنا وقلنا : معناه : (أقيمت الصلاة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسوى النّاس صفوفهم، لأن هذا في لسان العرب كثير ، يقدمون المؤخّر، ويؤخرون المقدَّم، إذا لم يقع على السامع إلباس،

بكر رضي الله عنه ، ثم جاء النبي عليه السلام يمشي في الصفوف حتى قام في الصف الأول، فأخذ الناس في التصفيح ، أي التصفيق باليدين، حتى أكثروا . وكان أبو بكر رضي الله عنه لا يكاد يلتفت في الصلاة، فالتفت فإذا هو بالنبي عليه السلام فأشار إليه بيده فأمره يصلي كما هو ، فرفع يده أبو بكر فحمد الله ثم رجع القهقرى وراءه حتى دخل في الصف ، وتقدم النبي الله فصلى بالناس . فلما فرغ أقبل على الناس فقال : يا أيها الناس، إذا نابكم شيء في صلاتكم أخذتم بالتصفيح، إنما التصفيح للنساء. من رابه شيء في صلاته فليقل (سبحان الله).

كقول مولانا، جلّ جلاله ) فَجَمَلَهُ غُنَاء أَحْوَى ) (۱) ومعلوم أنه لا يكون غثاء حتى يكون أولاً أحوى،

فكذلك هنا، لما تقرّر الحكم بألا يقوموا حتى يروه ، قدّم المؤخر للعلم به أنّه مؤخّر .

الوجه الخامس : فيه دليل على أن الجُنُب لا تجب عليه الطهارة إلا عند العبادة. يؤخذ ذلك من أن النبي ، ، أخر الطُّهور عن وقت الجنابة حتى نسيه وخرج، وهو جنب، فلو كان وقوع الطهارة واجباً إثر الحدث ما أخره النبي ، لا لا لا ، حتى نسيه .

الوجه السادس : فيه دليل على جواز الحكم بقرينة الحال إذا لم يحتمل غير وجه واحد. يؤخذ ذلك من قول الصحابى (وهو جُنُب ) لأن الصحابي لم يعرف ذلك إلا من قرينة الحال ـ وهي ما وصفه آخراً بقوله ( ورأسه يقطر ماءً) - لأنه لما ترك ، الله و الصلاة بعدما كان الناس سؤوا صفوفهم، وأمرهم بانتظاره، ثم خرج بأثرِ الطهور عليه، لم يبق وجه يتقرر في الموضع غير الجنابة لا غير حقا، ولولا ذلك ما أخبر بالقطع . ويترتب عليه من الفقه : أن كل وجه يُتَوصَّل إلى القطع بمدلول عليه فهو طريقٌ يَحصُل به علمٌ حقيقي يجب الحكم به .

فأخبر

الوجه السابع : فيه دليل على أن ما هو من ضرورة البشرية ليس بمنافٍ للعبادة، إذا فعل على مَشْروعِيَّتِه . يؤخذ ذلك من أن سيدنا محمداً ، الله بالإجماع أعبَدُ الناس. وترى ما طُبِعَت عليه البشرية من الجماع وغيره ولم يُخِلَّ بعبادته شيئاً؛ لأنه عليه السلام لم يكن يأتيها إلا على مشروعيتها . وهذا هو غاية الكمال في البشريّة ؛ لأنه يرجع ما طُبع عليه تابعاً لما أُمِرَ به . وقد قال مولانا، جل جلاله : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِّيَّةً ) (٢) فمفهوم هذا - وهو ذكرُ الزَّوجة والذريَّة - لأنهما أعظمُ ما يَفْتَتِن بهم الناس، والنكاح أكبرُ الشَّهوات، فدلَّ على أن جميعهم ، صلوات الله عليهم على طبع البشرية من كل الجهات إلا أنَّهم لم يمنعهم ذلك من توفية أعلى الأحوال؛ وهي توفيه حق النبوّة والرسالة. وبهذا سقط عُذْرُ غيرِهم بألا يمنعهم شيءٌ مما طبعت عليه البشرية من توفية ما كلفتهم الربوبية، فقامت الحجة الله عزّ وجلَّ، على عباده

قُل فيلو الحمة الكلمة) (۳)

(۱) سورة الأعلى الآية ٥ .

(۲) سورة الرعد من الآية .۳۸

(۳) سورة الأنعام، من الآية ١٤٩ ..

الوجه الثامن فيه دليل على عدم الحياء في الدين يؤخذ ذلك من أن سيدنا محمدا ، ، : لما اقتحم للجنابة لم يعتذر ولا غطّى على رأسه كي يخفي ذلك، وإنما ترك الأمر على ما وقع

حتى يُقعد هذه القاعدة التي ذكرنا .

الوجه التاسع : فيه دليل على أن التعمق في العبادة والوسواس إما بدعة أو بلوى . يؤخذ ذلك

من أن سيدنا محمدا ، ، ، لم يطل المكث في طهوره .

يؤخذ ذلك من قوة كلام الصحابي الذي قال : إنه عليه السلام تركهم قياماً ورجع فاغتسل وخرج فصلى بهم، فدل أنهم بقوا قياماً ينتظرونه. ولو كان لبتُه في طهوره يَطُولُ ، لأمرهم بالقعود وحينئذ ينتظرونه ، لما يُعلم من رفقه عليه السلام بأمته والتيسير عليهم في جميع الأمور، مما هو قد رجع علم ضرورة لا يُحتاج فيه إلى دليل .

وفعله، عليه السلام، ذلك، فيه وجه من الفقه، لأن تعلمهم يفعله أن الإسراع في الطهور، والإبطاء في الصلاة هي السنة، لأن التعليم بالفعل ولا سيما من المشرع عليه السلام أبلغ من القول . وكذلك كان له ، يقصر الخطبة، ويطيل الصلاة .

واليوم، الأمر من الأكثر ، ممن يدعي العلم بالضد مما ذكرنا فأنى لنا الاقتداء، بمن خالف سنة رسوله . أعاذنا الله من ذلك بِمَنْهِ .

الوجه العاشر : فيه دليل لأهل الصوفة الذين يقولون : لا يرجع المتعبد من الأعلى إلى الأدنى. يؤخذ ذلك من أنه عليه السلام أمرهم أن يبقوا على حالهم، ولم يأمرهم بالقعود؛ لأنهم قد قاموا إلى التوجه، فكرة أن يقول لهم : ارجعوا إلى الجلوس، فقال : على مكانكم .

الوجه الحادي عشر : فيه دليل على تركه التجفيف من الطهور يؤخذ ذلك من قول الصحابي ورأسه يقطر ماءً . والذي يجفف لا يقطر منه الماء ، وقد جاء ، عنه، ، ، ، ، أنه جفف، وجاء عنه أنه لم يجفف، كما يقتضيه هذا الحديث فالوجهان على هذا جائزان . وهي توسعة من الله على عبيده. الوجه الثاني عشر : فيه دليل على أن الإيمان كان في حياة رسول الله ، ، ، أقوى مما كان بعده. يؤخذ ذلك من قول الصحابي (فسَوَّى الناس صفوفهم من غير خبر ، منه ، له له و وجاء أن زمان عثمان رضي الله عنه ، وكل أناساً بتسوية الصفوف، فلا يكبرون حتى يأتوه فيخبروه أن الصفوف قا استوت، كما أخرجه مالك في مُوَطنِهِ. فبان الفرق بين الإيمان في الزمانين، فما بالك بإيمان

أهل وقتنا؟ أجزل الله لنا النصيب منه بِمَنه . ويترتب على هذا من الفقه أن بقدر قوة الإيمان تَخِفٌ أعمال البر ، يؤيد ذلك قوله تعالى

ما وقع

حد ذلك

غتسل، قعود

مما هو

ظهور،

بلغ من

خالف

إلى

لأنهم

حابي

ته أنه

ده .

وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِمِينَ ) (۱) وبهذا النوع من قوة الإيمان ظهر على أيدي الصحابة، رضي الله عنهم، ما لم يظهر على يد غيرهم ولا قدروا عليه، ثم بعدهم أهل الصوفة ما حملت أبدانهم تلك المجاهدات، وظهرت لهم تلك الأحوال السنيّة، إلا بقوة إيمانهم .

وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

كان

مان

ـوف

ـمان

ته له کا ناجا

(1) سورة البقرة من الاية ٤٥ .

بالى

حديث سبعة يظلهم الله يوم القيامة في ظل عرشه

، يومَ لا

عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه ، عن النبي ، الله ، قال : سبعة يظلهم الله في ظله ، ظل إلا ظله : الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه ، ورجل قلبه معلق بالمساجد ، ورجلان تحابًا في الله اجتمعا عليه وتفَرَّقا عليه، ورجل طلبته امرأةٌ ذاتُ منصِب وجَمال ، فقال : أخافُ الله، ورجلٌ تصدَّقَ بصَدَقَةٍ فأخفاها ، حتى لا تَعلَمَ شِماله ما تنفقُ يَمينُه ، ورجلٌ ذَكَرَ الله ، عزّ وجلَّ ، خالياً ففاضت عيناه .

إني

ظاهر الحديث : أن السبعة المذكورين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله . والكلام عليه من وجوه : الوجه الأول: ما معنى يُظِلُّهم؟ وهل لا تكون (۱) هذه الخصوصية بهذا الظل إلا لهؤلاء المذكورين لا غير ؟ أو لهم نظائر ؟

فالجواب عن الأول : أن يقال : معنى ( يظلُّهم بظله) أي: أنه، جلّ جلاله، يُعافيهم من هول ذلك اليوم العظيم، وحَرِّه بظله المديد ورحمته الواسعة والكيفية لا مجال للعقل فيها، لأن الآخرة يُصدق بها ، ولا يُتَعَرَّضُ إلى كيفيَّتها .

وأما قولنا : وهل هو لهؤلاء المذكورين أو أكثر؟ فقد جاءت أحاديث أُخَر ذكر فيها آخرين، وأخبر ، ، أنهم مثل هؤلاء في الظل.

وهنا بحث : لم جاءت الأخبار عنهم في أحاديث متفرقة؟ فتفريق الأخبار لحكم. منها : أنه قد تكون الأخبار بقدر ما يحتاجه الوقت ليكون لأهل الوقت اهتمام به، كما جرت عادته ، أنه حين سأله بعض الصحابة : ما خيرُ الأعمال ؟ فقال للواحد بخلاف ما قال لغيره،

(1) يريد: أولا تكون .

ويكون الجمع بينهما بأن نقول : أخبر لكل (۱) شخص بما هو الأفضل في حقه ؛ لأنه ، ل ، مثلُ الطبيب الذي يَصفُ لكل شخص من الدواء ما هو الأصلح له فطبه أي طبّ ودواؤه أي دواء ! كما

قال لعبد الله بن عمر : نِعْمَ الرَّجلُ لو كان يقوم الليل (۳). فرجع عبد الله لا ينفك ملازماً قيام الليل .

وقد يكون ، ، لم يعلم في الوقت إلا بالذي أخبر به في الحديث الواحد، ثم بعد ذلك أخبر بالغير، كما قال عليه السلام في حديث عذاب القبر : ( ما من شيء لم أكن أريتُه إلا رأيتُه في مقامي هذا) (۳)، لأن نزول الأحكام مفرَّقةً أيسر على المكلَّف من أن تكون جملة . هذا من طريق اللطف، والله لطيف بعباده .

وفيه وجوه أخر، لأن دوام تعمير الأوقات بالأخبار بأمور الدين وبشائره وأحكامه فيه تنشيط لنفوس العبيد، وإظهارٌ للرَّحمة بهم. فإن تردّدَ أوامر المولى على العبيد وبشائرهم وجوائزهم ومراسلاتهم دليل على العناية بهم. ولا شيء أفرح لقلوب العبيد من علمهم باعتناء المولى بهم، وتكرار نِعَمِه عليهم. وبهذا المعنى ذكر عن أيوب عليه السلام لمّا عافاه الله عزّ وجلَّ، أنزل عليه فراشاً من ذهب مَلا كلَّ ما له من الأواني ثم رأى جرادة من ذهب تطير، فجرى وراءها، فأوحى الله عزّ وجلَّ إليه : أَمَا أقنَعَكَ كلُّ ما أعطيتك (٤)؟ قال : بَلَى يا ربّ ولكن من يَشبَعُ من خيرِك؟ فشكر الله له ذلك .

الوجه الثاني : فيه دليل على أن أعمال الخير دالة على سعادة الشخص. يؤخذ ذلك من قوله، عليه السلام (سبعة يظلهم الله فجعل موجب الظل تلك الأعمال .

الوجه الثالث : فيه دليل على أن جميع أفعال البر مطلوبة منا وإن لم يكن بعضها فرضاً . يؤخذ ذلك من وصفه عليه السلام ثواب الأعمال، ولم يأمر بعملها لأن كثرة الربح تحض بضمنها

على المعاملة .

الوجه الرابع : فيه دليل على أن أمر الآخرة بضد أمر الدنيا . يؤخذ ذلك من أن الدنيا ندب إلى التقليل منها كقوله عليه السلام: (فاتَّقوا الله ، وأَجْمِلوا في الطَّلَب) (٥) والآخرة رغب في التكثير منها، وإن كان الشخص معه من العمل ما يتخلص به. وقد زاد ذلك إيضاحاً قوله تعالى ( وَلَا تَمنُن

(۱) زاد اللام للتقوية.

(۲) رواه الإمام أحمد والشيخان عن ابن عمر عن حفصة بلفظ آخر .

هو جزء من الحديث رقم (۱۲) في هذا الكتاب. (٤) أخرجه الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ آخر . (٥) انظر تخريجه في الحديث (۱۱) ومطلعه : إن روح القدس نفث في روعي .

تَسْتَكْير) (۱) أي : لا تقل معي من أعمال الخير ما يكفيني، فتقلل من العمل - على أحد الأقاويل -

مما قيل في معنى الآية .

الوجه الخامس : فيه دليل على أن إعطاء الأجور على الأعمال لا يترتب على علة عقلية ولا علية. يؤخذ ذلك من أن هذه الأعمال السبعة فيها واجب وفيها مندوب، والثواب فيها على حد واحد، وقد أجمعت الأمة - بمقتضى الأدلة الشرعية - على أن الفرائض أعلى من غيرها من الأعمال. فلو كان الثواب عِليَّةً من العلل ما كان يسوي بين ثواب الفرض والندب، وقد سوى هنا

بينهما، فليس ذلك لعلة .

فإن احتج محتج بأن يقول : تَسَاوَوْا في أن الظل عَمَّهم وتفاوتوا فيه في عظمته وامتداده وغير ذلك من حسن ،أوصافه كما أن أهل الجنة يدخلون الجنة ويتفاوتون في المنازل فيها . فالجواب : أن الذي أخبرنا بالجنة أخبرنا بتفاوت المنازل فيها والذي أخبرنا بالظل لم يفرّق وأمور الآخرة هي غَيْب والغيب لا مجال فيه للقياس ولا للعقل وإنما الشأن فيها التصديق بها، على ما جاءت به اللهم إلا أن يكون بعض ما يُستَدَل به على الزيادة في الأجر، إذا نُظر من طريق الجمع بينهما ، فيُرجع إلى طريق الأخبار ، كما هو أيضاً .

الوجه السادس : فيه دليل على أن بعض الفرائض ثوابها أعلى من ثواب غيرها، لأن الذي هنا مذكور من الفرائض ثوابه أكبرُ من غيره من الفرائض، لأن المعافاة من هول ذلك اليوم أكبر الثواب ؛ لأن من عوفي منه لم يبق عليه خوف .

الوجه السابع : فيه دليل على أن بعض المندوبات ثوابها أعلى من ثواب بعض الفرائض . يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام سبعة يظلهم الله والأكثرُ من السبعة هو من المندوب . وهذا الثواب لم يأتِ مثله على بعض الفرائض .

وهنا بحث: كيف يمكن أن يكون بعض المندوبات أفضَلَ ثواباً من بعض الفرائض؟ وقد قال ، حكاية عن مولانا : (لن يتقرب إلي المتقربون بأحبَّ من أداء ما افترضتُ عليهم) ؟؟ وصيغة (أحبّ) تعطي الأفضلية في الفائدة؟ فالجواب : أنه ما يصح له علم ثواب المندوب إلا بعد تحصيل المفروض، لأنه إذا عمل المندوب ولم يأت بالمفروض ، استوجب دخول النار . وقد جاء أن وادياً في جهنم يُسمَّى «الغيّ» هو لمن ترك شيئاً من الفرائض . ومن ترك المندوب فلا عقاب عليه

غير أنه فاته ثواب عظيم .

(1) سورة المدثر، الآية ٦ .

(۲) انظر تخريجه في الحديث (٦) ومطلعه : من عادى لي وليا .

فصورة الجمع بين الوجهين أن نقول : إن الفرائض أرفع لأنها بالوعد الجميل من جاء بها لا

زيادة

يدخل النار . وبعض المندوب أكثرُ ثواباً من الفرض . لكن ذلك الفرض - وإن كان ثوابه أقل من أجر المندوب ـ فقد فاته الفرض بأمرٍ أعظم من ذلك وهو البعد من النار، وقد قال : (لو لم يكن إلا النجاة من النار لكان فوزاً عظيماً) (۱) فوقعَ الفرقُ بأن الواحد - وهو المندوب - أكثرُ ثواباً ، والآخرُ وهو الفرض أكثر فائدة والفائدة تحوي أشياء من المنافع عديدة. وتعظيم الأجر لا يقتضي على غيره غير التفضيل في ذلك الوجه الواحد ليس إلا كقولنا مثلاً زيد أجمَلُ من عَمْرو ، وعمرو خير من زيد فزيد ما فضل عَمْراً إلا في الجمال ليس إلا وعمرو فاق زيداً في أشياء عديدة، لقولنا : هو خير منه ، فنسبة ما فضل عليه في الوجه الواحد بنسبة الذي زاد عليه من وجوه عديدة كنسبة صاحبين كانت خياطة ثوب أحد الصاحبين خيرا من خياطة ثوب صاحبه وثوب صاحبه

أرفع منه : فأشرفهما وأرفعهما في اللباس الذي ثوبه أرفع وإن كانت خياطة ثوب صاحبه أرفع .

الوجه الثامن ،قوله عليه السلام ( يوم لا ظل إلا ظله الظلال كلّها لله ، مِلْكٌ في الدنيا والاخرة. فالحكمة في الإخبار بهذه الصيغة هنا أن ظلال الدنيا - وإن كانت له جل جلاله - فمنها ما قد جعلها، عزّ وجلّ ملكاً للعبيد يتملكونها بحسب ما شرع لهم ذلك، لا يتصرف فيها أحد إلا برضاهم، حكماً منه بذلك، مثل ظلال الحدائق المتملكة . وظلال الله عزّ وجلّ لم يجعل لأحد عليها ملكاً، فمن احتاج إلى شيء منها أخذَها دون عَنَت في ذلك، مثل الظلال التي في القَفْرِ، أو قد خرج أصحابها عنها الله عزّ وجلّ، وسبَّلوها له. وظلالُ الآخرة ما فيها مُباح، بل كلها قد تُمُلكت بالأعمال التي عَمِلها العاملون الذين هداهم بفضله لتلك الأعمال التي ذلك ثوابها بمقتضى قوله : (المؤمنُ في ظلِّ صَدَقته يومَ القيامة) (٢).

التي قد

فليس هناك لصعلوك الأعمال (۳) ظل، فكأنه عليه السلام يقول ليس هناك ظل إلا لمن عمل هنا الله ، فلما أضاف أعمال البر هنا إليه كما قال عزّ وجلّ، كُلُّ شَيْءٍ هَالِكُ إِلَّا وَجْهَهُ) (٤) أي : ما كان لوجهه فهو باقٍ يَنتفع به صاحبه في الدارين وما ليس لوجهه فهو - وإن كان نفعه موجوداً لصاحبه في هذه الدار - لم يجده هناك حيث الحاجة إليه فهو هالك، أي ليس يُنتفع به، وقد يتضَرَّرُ به، فيكون أبلغ في الهلاك فأضاف ثوابها في الآخرة إليه (٥) .

(۱) انظر تخريجه في الحديث (۱۱)

(۲) انظر الحديث رقم (۱۳۸) .

(۳) صعلوك الأعمال : الفقير إلى الأعمال الصالحة المقبولة في الآخرة.

(٤) سورة القصص من الآية ۸۸ ، .

(٥) أي : في قوله ( وجهه) حيث أضاف الأعمال، أعمال البر، إليه تعالى.

الوجه التاسع : فيه إشارتان عجيبتان :(إحداهما) : الإرشاد إلى الإخلاص في العمل، ولهذا قال بعض الفقراء : الصدق والإخلاص علامة الخلاص والثاني) : هي رد الفرع إلى أصله بإضافة الفرع الذي هو الظل إليه، كما كان الأصل في الدنيا مضافاً إليه . وهو من بديع الحكمة ويترتب على هذا من :الفقه الحث على الأعمال الخالصة التي توجب هناك ذلك الظل

المبارك . جعلنا الله ممَّن أجزل له منه الحظ بمَنِّه .

الوجه العاشر : فيه دليل على عظم قدرة القادر جل جلاله يؤخذ ذلك من أن الأعمال هنا

معان، وهناك بهذا الخبر الصدق جواهر محسوسات.

وهنا بحث : هل هذه السبعة خصت بهذا الثواب تعبداً لا يُعقل لها معنى ، أو هي معقولة المعنى؟ فإن قلنا : إنها تعبّد غير معقولة المعنى فلا .بحث وإن قلنا إن معناها معقول، فما هو؟ فالجواب - والله أعلم - أن العلة فيها على وجهين :

أحدهما) : قوة قهر النفس والهوى، وهو من أكبر الموجبات لخير الدنيا والآخرة، لأنه، جل جلاله ، قال : وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى . فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ) (۱) وقال : رجعتم من الجهاد

الأصغر إلى الجهادِ الأكبر، وهو جهاد النفس ) (۲) و (الوجه الآخر ) هو حقيقة الإخلاص، وقد قال، جل جلاله : ( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) (۳) وقال : ( إن الله لا يقبل عمل امرىء حتى يتقنه . قالوا : وما إتقانه يا رسول الله ؟ قال : يُخلصه من الرياء والبدعة) (٤) وترك الرياء هو عين الإخلاص، وكلتا العلتين الحامل عليهما خوفُ الله عزّ وجلّ، فاختَبِرْها واحدةً واحدةً تجد ذلك

الوجه الحادي عشر : قوله عليه السلام الإمام العادل فلأنه لا يمنَعُهُ من الظلم، ولا يَفْهَرُ نفسه على العدل، مع تمكنه من الظلم لقدرته عليه من طريق الحكم، وقدرته على قهر ،غيره ولا أحد يقدر أن يصده عنه ، عنه إلا شدة خوفه من الله . وقد جاء الحديث عن الذي أمر أهله أن يحرقوه إذا مات، فلما مات فعلوا به ذلك، فجمعه الله وقال له : لِمَ فعلتَ هذا ؟ قال : من خشيتك يا رب. فغفر له فشدة خوفه كان منجِياً له . الوجه الثاني عشر : قوله عليه السلام وشاب نشأ في عبادة ربه). فلأن العبادة هي قهر النفس، وخروجها عن راحتها وحملها على المجاهدات، والدوام على ذلك

(۱) سورة النازعات من الآية ٤٠ وتمام الآية ٤١ (۲) انظر تخريجه في الحديث (١٦) ومطلعه : قَدِمْتُمْ خَيْرَ مَقْدَم

(۳) سورة البينة من الآية ٥ .

(٤) انظر تخريجه في الحديث (۲) ومطلعه : إن الله يحب إذا عمل العبد عملاً أن يحكمه .

قوة شهوات

لهذا

سافة

ظلَّ

هنا

النفوس زمان الشباب فما حمله على ذلك إلا الخوف الشديد. ولهذا المعنى يُروى عن بعض أنه كان يأوي إلى فراشه فلا يقدر على النوم . فيقول : اللهم إنك تعلم أن خوف نارك

المتعبدين

منعني

الكَرَى ، ثم يقوم فيصلي، حتى يصبح. الوجه الثالث عشر : قوله عليه السلام ورجل قلبه معلق بالمساجد فحقيقة الإخلاص توجب تعلق القلوب بالعبادات. وأرفع ما تكون الصلاة في المساجد، فهو مشغول بأرفع العبادات، كما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان يسمّى (حمامة) المسجد لكثرة ملازمته إياه .

الوجه الرابع عشر : قوله عليه السلام ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه فهو يوجب شدة الإخلاص منهما ، حتى لم يبق للنفس شهوة ولا ميل لشيء من الأشياء إلا لله و بالله . الوجه الخامس عشر ،قوله عليه السلام ورجل دعته امرأة ذات مَنصِب وجَمال فقال :

إني أخاف الله، فهذا لِعِظَم قَهْرِ النفس عن هواها، والحامل على ذلك شدة الخوف من الله . وهنا بحث وهو : لِمَ قال عن المرأة مع هذين الوصفين اللذين فيها؟ لأن ذات المرأة وحدها من أكبر الفتن، وقد قال : ما تركتُ بعدي فتنةً هي أضرُّ على الرجال من النساء)(١). فذكر الوصفين كل واحد منهما من أقوى البواعث في شهوات الجماع والرغبة فيها، وقد قال : : تزَوَّجُ المرأة لجمالها وحسبها ) (۲)، لأن ما ترغب النفوس في واحد طبعاً إذا اجتمع أكثر من واحد كان أشد في الرغبة فيه وقوة الشهوة. فمن أجل ذلك عَظُم الأجرُ لتاركه .

ومثل ذلك يذكر عن بعض أهل الصوفة، كان بعضهم ممسكين في الخلوة، وبعضهم غير ممسكين، ثم فتح عليهم بطعام طيب، فقال الشيخ : قدَّموا أهل الخلوة. فخرج بعضهم عنه لإخوانه قبل أن يعرف ما هو، وقام بعضهم فكشف الطعام حتى عاينه وعرف ما هو ، ثم بعد ذلك خرج عنه . وقام بعضهم فعاينه ورفع منه لقمة لفيه حتى عرف طعمه بها، وتأكدت عنده قوة الشهوة لذوقه طيب الطعام، ثم بعد ذلك خرج عنه. فكان زهد الأكل اختياراً للطعام أعظم منزلة لقوة شهوته، وقهره لها . الوجه السادس عشر ،قوله عليه السلام : ( ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله

ما تُنفِقُ يمينه) فهذا تحقيق في الإخلاص . ومثل ذلك يُرْوَى عن بعض أهل الصوفة، أنه كان قلما يقبل شيئاً. فلما كان ليلةً بعد العشاء الآخرة فإذا رجل يقرع الباب فخرج إليه، فإذا هو رجل من جيرانه، وكان صانعاً في الخياطة،

(۱) تقدم تخريجه في الحديث (۳۳).

(۲) رواه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه .

فقال له : خطتُ اليوم بكذا وكذا ، واشتريتُ به هذا الطعام معه وما يُحتاج إليه في البيت، ورأيت أنها من جهةٍ حلال ارتضيتُها لك، وهذا ليل مظلم، ووالله ما عرفتُ أحداً، ولا راني أحد حين جتك، وها هوذا . ثم رَمَى ما كان بيده بالباب وولى . فما حَمَلَه على هذا الإخفاء العظيم إلا رغبه

في الإخلاص في العمل .

عند

الوجه السابع عشر : قوله عليه السلام ورجل ذكر الله عزّ وجلّ، خالياً ففَاضَت عيناه، فلأنه اجتمع له الوصفان الخوفُ والإخلاص، وهذه الأوصاف الحميدة لا يقع منها شيء إلا ذهاب أوصاف النفس، وعلى قدر غيبتها يكون الفتح. ولذلك قال بعض من نسب إلى القوم : إذا رأيت نفسك لم تَرَ غيرَها ، وإذا لم تَرَها لم يبق لك شيءٌ إلا رأيته، فارغب في رؤية ما لا تُحصيه ومن المحاسن ما لا تعرف منه ذرّة، بالإعراض عما لا يساوي في الحقيقة ذرَّة. فإذا كنت بهذا الوصف عاد الورى بأسره لا يعدل منك ذَرَّة .

عدا،

وبقيت بحوث منها :

البحث الأول : هل الإمام العادل هنا الذي له الحكم على الخاصة والعامة وله البَيْعَة، أو

الإمام كل من كان مسترعى رعية قلت أو كَثُرَتْ، لقوله عليه السلام (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته . والرجل راع في بيته ومسؤول عن رعيَّتِه)؟ احتمل . لكن الأظهر الذي له البَيْعَة ، ولا

ننفي

الآخر بالأصالة .

البحث الثاني : قوله في الشاب الذي نشأ في عبادة ربِّهِ : هل هو مقيَّد أو مطلق؟ ظاهره مطلق، وهو مقيد بأصول الشريعة وهي كثيرة فمنها ما تقدم ذكره من قوله : ( إن الله لا يقبل عمل امرىء حتى يُنْقِنَه قيل : وما إتقانه ؟ قال : يخلصه من الرياء والبدعة) وإلا كان هباءً منثوراً . البحث الثالث : قوله في الرجل الذي قلبه متعلق بالمساجد) فليس على عمومه . أعني : أن الرجل يكون قلبه متعلقاً بكل مسجد في الدنيا، فإن هذا المعنى لا فائدة فيه ولا يمكن أيضاً أن يتعلق قلب أحد بما لم يرَ ، ولم يسمع ، ولم يعرف ، فما بقي إلا أنه ، ، ، تحرز بقوله بـ (المساجد) ولم يقل بـ(المسجد)، لأن هذا الاسم من أسماء الغلبة للكعبة، أو لمسجده ، ل ، لأنه إذا سمع السامع من الشارع عليه السلام هذا الفضل العظيم لم يسبق لقلبه إلا أحد هذين المسجدين فعدل عن وصف المسجد بالفرد إلى الجمع، وهو الجنس، ويكون المعنى: أي مسجد كان من جملة المساجد، كما قال ،مولانا، جل جلاله: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ ) لجنس الفقراء والمساكين . فإذا أعطى إنسان صدقته لمسكين واحد فقد وقعت في مستحقها وأجزأته

(۱) سورة التوبة من الآية ٦٠

) أي

حسین

ند

ذا

عن فرضه . ويكون معنى تعلق قلبه بها : أنه إذا خرج منه بقي قلبه متعلقاً به أن يعود إليه لأداء الصلاة التي تأتي بعد، وإنما المساجد لما بنيت له .

وفيه من الفقه : أن هذا الذي قلبه متعلق بالمساجد إنما هو زائد على ثواب صلاته ؛ لأن ثواب الصلاة قد جاء ما حَدُّه في الجماعة وما حده في الوحدة، وجاء ثواب الخُطى إلى المساجد، وما قدْرُه ، وانتظار الصلاة وما قدر الأجر في ذلك، فما بقي من مقابلة هذا الثواب العظيم إلا تلك النية المباركة، وقد قال : (نيه المؤمنِ أبلَغُ من عمله) (۱) لأن تلك النية المباركة هي نتيجة قوة

خالص إيمانه .

البحث الرابع: قوله في الرجلين اللذين تحابا في الله هل يكون ذلك على عمومه؟ - أعني : إذا تحابا في الله إلا أنه يجد كل واحد منهما منفعة من صاحبه أو يرجوها منه إما في العاجلة أو الآجلة . مثال ذلك ؛ أن يصحب أحدهما الآخر، ويجد به عَوْناً على شيء من دنياه، حسًا أو معنى أو يقول : يكون لي عُدّةً في الآخرة، يشفَع لي أو ما أشبه ذلك - أو لا يكون له ذلك الظلّ إلا حتى تكون صحبتهما الله عزّ وجلّ لا لغيره؟ احتمل. والظاهر - والله أعلم - أن يكون الله خالصاً لا لِحَظ دُنْيَوِيٌّ ولا أُخْرَوِيّ، كما روي في الهدية، عن عبد الله بن عمر أنه قال : من كانت هِبْتُه لوجه صاحبه فله ذلك، وليس له على الله ثواب. ومن كانت هِبَتُه لوجه الناس فله ذلك . ومن كانت هِبَتُه للثواب فإما أثابه الموهوب له، أو يَرُدُّ هِبَتَه . وإن كانت خالصة الله فتلك التي يُثيبه الله عليها .

ويقوّي ذلك ما قاله ، عن ،مولانا جل جلاله يقول يوم القيامة، لمن خلط في عمله

لغير الله شيئاً : (أنا أغْنَى الشركاء، إذهب فخُذِ الأجر من غيرِي الذي شَرِكتَه فيه) (۲)

فالمتحابون في الله على ثلاثة وجوه

إما أن يكونا تحابا في الله ، مع رجاء حطام في هذه الدار معنويا كان أو حسنًا ، فهذا طالب حاجة، وَهِمَّتُه في دنياه، فليس له إلا حاجته قضيت أو لم تُقضَ كما قال الله : مَن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه .

والثاني : أن تكون صحبته الله ، مع رجاء حظِّ أَخْرَوِيّ، حسّا كان أو معنى، فهذا أيضاً طالب حاجة، لكن نفسه أرفع من الأول، وهو الأكثر عند المنتسبين للخير، فله حاجته قضيت أو لم

تُقضَ.

(۱) سلف تخريجه في الحديث (۲).

(۲) رواه مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ مختلف .

والثالث : الذي تكون صحبته الله ليس إلا، فهذا الذي يَصْدُق عليه اسم المتحابين في الله على حقيقة اللفظ . وإذا كان كذلك لا يغيّره من أخيه شيءٌ يَصدر له منه، وإذا كان على غير هذا الوجه فقلما يثبت عند الامتحان. فإذا كانت نية أحدهما الله ، ونية الآخر لغير ذلك ، فلكل امرىء ما نَوَى.

وقد ذكر عن بعض من اصطحبا الله أنه جفا أحد الأخوين أخاً له، فقال الذي جُفي عليه للآخر : امْضِ يا أخي فاحضر مجلس ،فلان من أهل الصوفة في الوقت فامتثل ما قال له صاحبه. فلما حضر المجلس، تكلم ذلك السيد في ذلك المجلس على ما كان وقع من ذلك الشخص لصاحبه، وتبين له من المجلس أنه تعدّى على أخيه وجفاه فتاب ،واستغفر، وعزم أن يعود فيقبل أقدام صاحبه، لعله يعفو عنه . فلما دخل على صاحبه أخبره بالذي جاء بسببه فقال له يا أخي افعل . : ذلك مع نفسك، فإني ما صحبتك إلا الله خالصاً. فكيف يعزّ عليَّ ما يصدر منك، وإنما وجهتك في حق نفسك لا غير ؟

البحث الخامس : قوله طلبته امرأة ذات منصب وجمال). هنا من الفقه أن من السنّة الكناية عن الشيء القبيح شرعاً، والإعراض عن تسميته. يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام (طلبته) والطلب هنا يعني : طلبت منه وقوع الفاحشة المحرمة، فكنى بطلبته عن هذا الأمر الممنوع شرعاً،

ولم يفصح به .

البحث السادس : قوله (أخفاها). هل هذا على العموم - أعني صدقة الواجب والتطوّع - أو معناه الخصوص، فيريد بهذا صدقة التطوّع لا غير ؟ صيغة اللفظ محتملة، لكن الذي قاله العلماء: أن أفعال البرّ كلها : الفرضُ منها : الأفضلُ فيه ظهوره، والتطوّع كله : الأفضل فيه إخفاؤه، لأنه قال : صلاة المرء في بيته أفضل له إلا المكتوبة) (۱) . فإذا كانت الصلاة ـ التي هي رأس الدين كذلك ، فالغير من باب أولى. وسيأتي الكلام على هذا في موضعه من الكتاب - إن شاء الله .. البحث السابع : قوله (ذَكَرَ الله خالياً ففاضت عيناه . هل يعني بقوله : (خالياً) حسّاً أو معنى؟ أو مجموعهما؟ وأعني بقولنا : ( حِسّاً) أن يكون في موضع وحده، ليس معه أحد من بني آدم . وأعني بقولنا : (معنى) أنه لا يكون الموجب لبكائه إلا خوف الله عزّ وجلّ، ليس إلا . و(مجموعهما) وهو

حين يكون وحده ولا يكون موجب بكائه إلا خوفَ الله .

فأما إذا كان الوجهان معاً فلا شك أن هذا أكمل الأحوال.

وأما إذا كان خلياً من دون البشر، ووافق بكاؤه فكرة أخرى ليست من الله، ولا من ذكره

(۱) رواه البخاري والنسائي وابن حنبل عن زيد بن ثابت رضي الله عنه. ولفظه : صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة .

جد

ما

م

بشيء، فلا خلاف أن هذا الحال ليس المشار إليه هنا وهي حالة مذمومة، لأنه مُراء، إذ أظهر أنه

من أجل الله، لكن خرج الدمع بحكم الوفاق عند ذكر الله في الخارج، وهو في الحقيقة غير ذلك . وأما الوجه الثالث، وهو أن يكون ذكره في جمع، وذكر الله وقلبه خال مما سواه، وكان ذلك الذكر هو المؤثر لخروج الدمع ، فيرجى أن يكون من هؤلاء المباركين، لأنه يَصْدُق عليه : (خالياً) معنى . فإذا وقع وجه ما محتمل رُجي، والمتحقق مقطوع به ، وهو الجميع، كما تقدم. وهنا بحث آخر، وهو: هل قوله ( ذكَرَ الله) هل يكون الذِّكْرُ المعني هنا باللسان والشفتين، أو بالقلب وإن لم يتحرك اللسان، أو بأيهما كان يُسمَّى ذاكراً؟ فالجواب : أنه ينطلق على كل واحد من هذه الوجوه أن يوصف صاحبها (۱) بالذكر ، بدليل قول سيدنا ، في الحديث الصحيح كناية عن مولانا، جلّ جلاله: مَن ذَكَرَني في نفسه ذكرتُه في نفسي، ومن ذكرني في مَلاً ذكرتُه في ملأ خير منهم) (۲) فقد سمّاهما (ذاكِرَيْنِ) والطفيلي يتعلق بأقل من هذا . وأما على مذهب أهل الصوفة فذكر القلب عندهم أفضل وأما على ما قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فذِكْرُه عند الأمر والنهي فذكره عند الأمر والنهي خير له من اللسان؛ لأنه قال : ذِكْرُ الله عند أَمْرِهِ ونهيه خير له من ذكره باللسان .

فالجواب عن قول عمر رضي الله عنه : نعم، إن ذكر الله عند أمره ونهيه خيرٌ من ذكره باللسان، لكن لا يتناوله هذا الحديث، ويُرجَى أن يكون حاله أرفعَ من هذا .

وأما ما قاله أهل الصوفة فعلى ملاحظة قول سيدنا ): بَضْعَةٌ في الجسد إذا صَلَحَتْ صَلَح الجسد ألا وهي القلب) (۳). فعلى هذا يترجّح قولهم على قول غيرهم، والشأن العمل على الخروج عن الخلاف والأخذ بالكمال في كل الأحوال.

جعلنا الله مِمَّن مَنَّ عليه بذلك بِمَنْه . امين . والحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

(1) الصواب صاحبه. (۲) أخرجه عبد الله بن المبارك عن خالد بن معدان في الزهد والرقائق .

(۳) جزء من حديث رواه الشيخان وأصحاب السنن عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما .

حديث تقديم العشاء على الصلاة

عن عائشة (١) ، رضي ، رضي الله عنها ، عن النبي ، ل ، قال : إذا وُضِعَ العَشاءُ وأُقيمتِ الصَّلاةُ

فابدؤوا بالعشاء .

ظاهر الحديث يدل على جواز تقديم العشاء إذا وُضِعت، وإن أقيمت الصلاة والكلام عليه

من وجوه :

الوجه الأول : هل الأمر هنا على الوجوب، أو الندب أو الإباحة، أو هو على جهة التوسعة، ليتأتى بذلك للمكلَّف العمل بفقه الحال، فالذي يكون لحاله أرفَعَ يفعل؟ فالأمر محتمل للجميع لكن الأظهر - والله أعلم - أن يكون هذا توسعة، ليكون المكلف في كل وقت يأخذ بالأصلح في دينه . فإن كان مَثَلاً وُضعت العشاء، وله بها حاجة أكيدة من حيث أن قدَّم الصلاة عليها كان خاطره فيها، أعني في عشائه، أو به ضعف عن توفية أركان صلاته فإذا تعشّى وجد بها قوة على توفية صلاته، فهذا وما أشبَهَه تقديمُ العَشاء في حقه أفضل. وإن كان ممن لا شهوة له في عَشائه، وقواه مجموعة ، أو أنه يخاف إن تعشى يلحقه ما يلحق بعض الناس إثر الطعام من الكسل، فهذا وشبهه تقديم الصلاة خير له وإن كان مِمَّنِ الأمرُ عنده ،سِيّان، قدَّم العَشاء أو الصلاة لم يظهر له ترجيح بينهما، فهنا ينظر لوقت الصلاة فإن كانت مَغرِباً فالأولى تقديمها، لأنه الوقتُ المُجمع على فضيلته، وإن كانت العِشاء فلا يخلو أن يدرك جماعة أخرى، أو ليس ؛ فإن كان يدرك جماعة أخرى فتقديم العشاء أفضل، لأن تأخير الصلاة وترك الشغل بعدها أفضل، وإن كان لا يدرك جماعة أخرى فتقديم الصلاة ،أولى، لأنه من صلاها في جماعة فكأنما قام نصف ليلة وكما رجحنا بالنسبة إلى

(۱) انظر ترجمتها في الحديث (۱).

النظر إلى حاله، فكذلك يلزمه الترجيح لنظر الغير إن كانت عشاءُ غيره ملتزمةً مع عشائه(۱) ، لقوله : (كُلُّكُمْ رَاعٍ وكلُّكُمْ مسؤول عن رَعِيَّتِهِ ) (۲) .

وُضِع

الوجه الثاني : فيه دليل على أن وقت المغرب ممتد يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام: (إذا العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعَشاء) لأن العشاء ما لها من أوقات الصلوات بِجَرْيِ العادة عندهم إلا صلاة المغرب وصلاة العشاء، والغالب منها موافقتها لصلاة المغرب بدليلين، (أحدهما) : ما عرف من حال الصحابة رضى الله عليهم من كثرة دوام صومهم، و(الاخر) من الحديث من قوله عليه السلام) وأقيمت الصلاة.

وإقامة الصلاة لا يسمعها إلا من يكون في المسجد، وما قرب من المسجد ؛ وهذا اللفظ عام يتناول من يكون في المسجد، ومن لا يكون في المسجد بقُرْب أو بُعْد، وهو الأكثر ، وكيف يسمع الإقامة من ليس في المسجد وهو بالبُعد منه؟ فإذاً لا يمكن لأن الإقامة فيما عدا المغرب ـ إذ ليس لها زمان معيَّن يعرف به وقتها - لأنه قد جاء عن سيدنا ، ، أنه مرةً يُوقع الصلاة في أول الوقت، وأخرى في أول الوقت والوقت متمكن (۳) ، والخلفاء بعده كانوا يقعدون في آخر المسجد، فلا يقيمون الصلاة حتى يتجمع الناس، فدل ذلك على عدم تعيين وقت الإقامة. ولم يختلف النقل عن سيدنا ، وعن الخلفاء بعده، ومن بعدهم إلى هلم جرًا أن المغرب لا تتأخر الإقامة عن وقت الأذان ،بها، فكان سَمْعُ الأَذان سَمْعَ إقامتها ؛ فبان بهذين الدليلين أن الظاهر - من الإشارة بالصلاة في الحديث - صلاة المغرب . وثبت بهذا الظاهر أن صلاة المغرب لها وقت ممتد . يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام (فابدؤوا بالعشاء). فلو لم يكن وقتها ممتدا ما أمرهم بترك الصلاة حتى يخرج وقتها، وهم ذاكرون وقادرون . الوجه الثالث : فيه دليل على أن الأفضل في صلاة المغرب أولُ وقتها . يؤخذ ذلك من قوله (إذا أقيمت الصلاة فلولا دوامه عليه السلام - على أن إثْرَ الأذان لها تُقام، حتى رجع ذلك لها عَلَماً لا يحتاج فيه لغيره - لما أخبر بِسَمْعِ الأذان عن سَمْعِ الإقامة ، وما دام عليه الا الله ، وهو الأفضل ،

بلا خلاف .

الوجه الرابع : يؤخذ من هذا من الفقه أن العادة، إذا كانت لا تنخرم، قامت في الإفصاح بها ، وأغنت عن النطق بما دلت عليه ، بلا إفصاح به.

مقام

(۱) لعله يعني ) أنه إذا كانت الوليمة أو المأدبة جماعية في أسرة وكانت الجماعة مرتبطة به وقلوبهم مشغولة بالطعام، فيقدر لهم حالهم . وهذا من فقه الحال .

(۲) جزء من حديث رواه الإمام أحمد والشيخان والترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما .

(۳) أي: متسع .

ويؤخذ منه من الفقه أن من لازم شيئاً من الأشياء لا ينفك عنه كان وصفه بذلك الشيء زيادة

بيان في تعريفه .

يؤخذ ذلك من أن الأذان شرع للإعلام بدخول وقت الصلاة والإقامة شرعت للإعلام للدخول في الصّلاة، فلما لازمت الإقامة في المغرب للأذانِ زادت في تعريفه وصفاً، لأنه يُعلم به الأمران معاً، ويُخبَر عنهما بأحدهما ويصدق عليه كما فعل هنا سيدنا ، ، ، الذي أخبر ـ

بالإقامة كما تقدم.

عنه

الوجه الخامس : هنا :بحث لم قال (إذا وضع العشاء) ولم يقل (إذا كان وقت العشاء)؟ وبحث آخر : هل هذا خاص بالعشاء، لا يمكن في غيرها ؟ أو هو جائز في العشاء وغيرها ، ويكون ذكر العشاء هنا من باب التنبيه بالأعمّ على الأخص؟

فالجواب عن الأول : أن وضع العشاء وهو جعلُها بين يدي صاحبها سبب لتحريك الشهوة للطعام مما يوجب تعلّق القلب ،به وتعلّقُ القلب به يوجب عدم الحضور في الصّلاة، وعدم الإخلاص، وعدم الخشوع وهذه الأشياء هي من الأسباب الموجبة لعدم قبول الصلاة فلما كان حضور طعامه علةً يتوقع منها عدم القبول، قيل له : داوِ علتَك بأكلك طعامك. وحينئذ تقدّم لصلاتك، لأن مولانا جل جلاله يقول: ﴿ فَإِذَا فَرَغَتَ فَأَنصَبْ . وَإِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَب ) (١) . قال علماؤنا : إذا فرغت من أمور ضروراتك، فإن القلب أبداً متعلق بضروراته، فإذا فرغ منها حَسُنَ الدّخول في العبادة، وكما رُوي عن عبد الله بن عمر أنه إذا كان صائماً، ورأى من بعض جواريه ما يعجبه إذا كان وقت المغرب يأكل ويجامع ويتطهر وحينئذ يصلي. فهذا السيد عرف معنى الآي والحديث؛ ولذلك كان أَتْبَعَ الناس للسنة . فإذا دخل وقت العشاء، ولم تكن قُدِّمت له، فيجب على ذلك تقديمُ الصلاة، لأنه يجتمع له تضييع، لا هو يأكل طعاماً، ولا هو يؤدي ما عليه من صلاته الوجه السادس: يترتب عليه من الفقه أن الحق للمتقدم. يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام

(إذا وضع العشاء) لأن وضع العَشاء مقدَّم على الصلاة، فكان الحق لها الوجه السابع : فيه دليل لأهل الخواطر، لأنهم يقولون : الحكم للخاطر الأول وأما قولنا : هل هذا خاص بالعشاء ليس إلا ؟ أو هو فيها وفي غيرها؟ فالجواب : إن قلنا : إن هذا تعبد غير معقول المعنى، فيكون مقصوراً على ما جاء فيه لا غير . وإن قلنا إنه لعلة، وهو الأظهر - والله أعلم - فإذا فهمنا العلة، عدينا الحكم والعلة ، والله

(۱) سورة الشرح، الآيتان ۷ و ۸ .

ـادة

به

أعلم هنا إن كانت ما أشرنا إليها قبل من تعلق القلب بالطعام ليس إلا . فإذا كان هذا جائزاً في المغرب مع ضيق الوقت فمن باب أحرى في غيرها .

وإن قلنا : إن قوة الشهوة للطعام لا تراعى إلا مع الصوم فيكون موقوفاً على وجود هاتين العلتين : الصوم، وتعلق القلب بالطعام

وإن قلنا : إنما احتيج هذا في المغرب وحدَها لكون العمل على ألا تؤخّر، وأن غيرها من الصلوات لك أن تؤخرها إلى أي وقت شئت من أجزاء وقتها المختار بغير علة أكل ولا غيره

فلا بحث .

الوجه الثامن فيه دليل على أن من السنّة المحافظة على المندوبات، ولا تُترك إلا لضرورة. يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام: إذا أقيمت الصلاة. وصلاة المرء في الجماعة من المندوبات، على رأي أكثر جماعة أهل العلم ودلَّ أنه إذا لم يكن له عذر لا يترك المندوب، لأنه لم يُبح له تركُ الصلاة إلا من أجل علّة الطعام وتَقدُّمه .

وهنا بحث في قوله عليه السلام: إذا وضع العشاء) هل هذا على ظاهره، أعني : أنها توضع بين يدي صاحبها؟ أو يكون وضعها بمعنى أنها قد استوت، فلا يمنع من تقدُّمها وأكلها إلا الصلاة، لأن العرب تسمي الشيء بما يقرب منه؟ احتمل الوجهين ونجد أيضاً العلة مع وجودها في الوقت، سواء كانت بين يدي صاحبها، أو حاضرة في المنزل ليست بين يديه موجودةً في النفس

ذلك التعلق .

الوجه التاسع : فيه دليل على أن المتبع للسنة تَصرُّفه كلُّه طاعةٌ مأجورٌ عليه . يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام (إذا وُضِع العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء لأن المتبع للسنة لا يبدأ هنا بالعشاء إلا لأمر الشارع عليه السلام بها، فيكون مأجوراً لكونه ما وقع أكله لهذه العشاء إلا للأمر بها، وغيره لم يأكل عشاءه إلا اختياراً منه ورعياً لشهوته إليها، وكثير من يأكل للأمر ومَن يأكل للشهوة. وكذلك يكونان في جميع أمورهما ، كلٌّ على مقتضى حاله .

الوجه العاشر : فيه دليل لأهل الصوفة الذين تركوا ملاحظة الشهوة وعملوا على ذلك، حتى لم يبق لهم منها شيء، لأنها هي أو جبت تأخر العبادة، فإذا عُدِمت أوقعَتِ العبادة في

وقتها المختار .

التي

الوجه الحادي عشر : فيه دليل على رفق المولى ،بعبيده وأنه عزّ وجلّ غنيّ عن عبادتهم. يؤخذ ذلك من أمره عليه السلام بتقديم العشاء على الصلاة، لأن الغذاء مما تشتهيه النفوس، وتستريح به وتتنعم والعبادة إنما فيها التعب في الغالب من أحوال الناس لأن أهل الخصوص

يتنعمون بالعبادة كما يتنعم غيرهم بالأطعمة الطيبة . ولهذا المعنى ذكر عن إبراهيم بن أدهم (۱) أنه قال: مساكين أهل الدنيا خرجوا منها ولم يذوقوا من نعيمها شيئاً. قالوا: وما نعيمها؟ قال : لذة الطاعة، خرجوا ولم يذوقوها فلا دنيا لهم، ولا آخرة. وقد كان سيدنا ، ، يقول : (أرحنا بها یا بلال) (٢) يعني : الصلاة، : الوجه الثاني عشر : فيه دليل على أن الأحكام الشرعية أتت على الغالب من أحوال الناس. يؤخذ ذلك من تقديم العشاء على الصلاة، لأنه جُبلت النفوس بالميل إلى طعامها . هذا هو الغالب من أحوال الناس فجاء الأمر على الحكم الغالب .

الوجه الثالث عشر : يؤخذ منه أن الخطاب العام يشترك فيه أهل الخصوص والعوام، والخطاب الذي هو للخواص لا يشاركهم فيه العوام مثل هذا الأمر هنا اشترك فيه الكل، ومثل المحسنين لم يدخل مع المحسنين غيرهم.

وأما الدليل على كونه عزّ وجلّ، مستغنياً عن عبادة العابدين، فلأنه لو كان محتاجاً إليها، لم يكن عزّ وجلّ يسامحهم في تأخيرها عن وقتها واشتغالهم بما فيه راحة نفوسهم . الوجه الرابع عشر : فيه دليل على أن أمور الدنيا ما تستباح عند أهل الإرادة إلا أن تكون عوناً على الآخرة. يؤخذ ذلك من أنه عليه السلام ، لم يبح لهم تقديم الطعام الذي هو من حظوظ النفوس - وحظوظ النفوس كلها دنيوية - إلا من أجل حُسن الصلاة وإتمامها، والصلاة أُخروية. فأعظم أمور الدنيا هو الأكل الذي الكلُّ محتاجون إليه وغيره قد يستغنى عنه ولا يضر ، والأكل إذا عدم أوجب العدم في العادة المستمرة، وهو عون على أعلى أمور الآخرة، وهي الصلاة، لأنه قال بين المؤمن والكافر ترك الصلاة) (۳) فنبه عليه السلام في الحكم الأعلى من أمور الدنيا على الأعلى من أمور الآخرة، فالغير هنا في حكم التَّبَع لهما ، فهما من باب التنبيه بالأعلى على

الأدنى.

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) انظر ترجمته في الحديث (۱). (٢) أخرجه الإمام أحمد وأبو داود عن رجل من الصحابة .

(۳) أخرجه الترمذي عن جابر رضي الله عنه بلفظ بين الإيمان والكفر ترك الصلاة)، وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن جابر بلفظ بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة .

حديث تخفيف الصلاة

عن (۱) أنس بن مالك (١) ، رضي الله عنه ، يقول : ما صليت وراءَ إمام قط أخفَّ صلاةً ، ولا أتم، من النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن كان ليسمعُ بكاءَ الصَّبِيِّ ، فيخفِّفُ، مخافة أن تُفتَنَ أمه

ظاهر الحديث تخفيف صلاة النبي ، الله مع إتمامها ، ورَعْيُه في تخفيفها أيضاً حقَّ الغير . والكلام عليه من وجوه

كذلك ؟

الوجه الأول : تبيين هذا التخفيف والإتمام ، وهل هذه الحالة دائمة منه، عليه السلام، أو ليس

فالجواب عن الأول : أن تخفيف الصلاة يكون بتقصير القراءة، وقد يكون بتقصير القيام وقد يكون بتقصير أركانها كلها، إلا أنه يُشتَرَط ألا يُخِلَّ بواحدٍ منها، فإنه إذا أخَلَّ بواحد منها

فليست بصلاة .

وما يُفهم التخفيف حتى نذكر شيئاً من عاداتهم المنقولة عنهم في طول صلاتهم، لأن الله تعالى قد أمر بإطالة الصلاة في كتابه حيث يقول : ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَنِتِينَ ﴾ (٢) . والقُنوت في الصّلاة لغة هو : طول القيام فيها . وما كان النّبي ، ، ، ولا الصحابة يتركون ما هو أقلُّ من هذا، فكيف بهذا الأمرِ الجَلي ؟ و ما تورّمت قدماه لا لا لا لا لا لا لا لو لا القيام في الصلاة، وقد نُقل عن الصحابة وعن

(1) أنس بن مالك الأنصاري الخزرجي، أبو حمزة صاحَبَ رسول الله عليه السلام وخَدَمَهُ عشر سنين فما عتب عليه في فعل ولا ترك روي له عن النبي عليه السلام (۲۲۸٦) حديثاً، اتفق الشيخان منها على (۱٦٨) حديثاً . وكان أكثر الصحابة نسلاً بدعوة الرسول عليه السلام بطلب أمه أم سليم بعد أن صلى في بيتها فقال : اللهم ارزقه مالاً وولدا وبارك له. وقد دفن من أبنائه لصلبه حتى مقدم الحجاج للبصرة بضعة وعشرون ومئة . وجاوز عمره المئة . توفي بالبصرة سنة ٩٣ هـ / ۷۱۲م طبقات ابن سعد (۱۰۷

(۲) سورة البقرة من الآية ۲۳۸ .

السلف، رضي الله عنهم أنهم يكونون في الركعة، فيخرج الرجل إلى البقيع ويرجع إلى المسجد، وهم في الركعة الواحدة لم يتموها، وأن الرجل منهم كان يدعو في سجوده، بعدما يسبّحُ الله سبحانه، ويصلي على النبي ، ، ، ، ويستغفر لنفسه ولأبويه ولسبعين من أصحابه وقرابته، ويُسميهم

بأسمائهم وأسماء ابائهم وقبائلهم .

وحديث معاذ بن جبل أنه صلى المغرِبَ بقومه بسورة البقرة، فقال له رسول الله : (أَفَتَّان أنت يا معاذ؟) (۱) وإنما قال له ذلك لأنّ صلاة المغرب : السنَّةُ فيها التخفيف، من أجل أن ذلك وقت إفطار الصائم، ووقتُ الضرورات أيضاً، وكان ، بالمؤمنين رحيماً .

وما روي عن أبي بكر ، رضي الله عنه أنه كان يصلي الصبح بسورة البقرة في الركعتين معاً. فأبو بكر رضي الله عنه وعن جميعهم، فهم عن النبي ، ل ، فجعل التطويل في محله . والكل سادة ل

على خير .

وما روي عن عثمان رضي الله عنه حيث قال بعض الصحابة ما حفظت سورة يوسف إلا من عثمان، لكثرة ما كان يردّدها في صلاة الصبح .

وقد جاء في الموطا عن أمّ الفضل بنت الحارث (۲) : أنها سمعت عبد الله بن عباس (۳) يقرأ وَالْمُرْسَلَتِ عُرفا ) (٤) فقالت له : يا بني، لقد ذكرتني بقراءتِكَ هذه السورة، إنها لآخرُ ما سمعتُ رسول الله ، ، يقرأ بها في المغرب ) .

(۱) جزء من حديث أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما . أما معاذ فهو معاذ بن جبل الأنصاري الخزرجي، أحد الذين جمعوا القرآن على عهد النبي عليه السلام، وأحد الذين شهدوا المشاهد كلها مع الرسول الكريم وبعثه عليه السلام بعد غزوة تبوك قاضياً ومرشداً لأهل اليمن. روي له (١٥٧) حديثاً. ومن كلام عمر : لولا معاذ لهلك عمر» ينوّه بعلمه .

انظر طبقات ابن سعد ۳/ ۱۲۰ والحديث ۱۳۷ من هذا الكتاب).

(۲) أم الفضل بنت الحارث : هي لبابة بنت الحارث الهلالية، وتعرف بلبابة الكبرى تمييزاً لها عن أخت لأبيها اسمها لبابة) وتعرف بالصغرى. وأم الفضل هي زوجة العباس بن عبد المطلب، من نبيلات النساء ومنجباتهن. ولدت من العباس سبعة، أحدهم عبد الله بن عباس أسلمت بمكة بعد إسلام خديجة. وكان الرسول الكريم يزورها ويقيل في بيتها . روت ۳۰ حديثاً، منها ٣ في الصحيحين . توفيت نحو سنة ٣٠ هـ / ٦٥٠ . (الأعلام (١٠٢/٦ ) . (۳) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب حبر الأمة الصحابي الجليل ولد بمكة ونشأ في بدء عصر النبوة، فلازم رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى عنه الأحاديث الصحيحة، وشهد مع عليّ الجمل وصفّين، وكفّ بصره في آخر عمره، فسكن الطائف وبها توفي. له في الصحيحين ١٦٦٠ حديثاً الأعلام (۲۲۸/٤

(٤) سورة المرسلات، الآية ١ . (5) جزء من حديث :أوله أن أم الفضل بنت الحارث سمعته وهو يقرأ ( وَالْمُرْسَلَتِ عُرفا ) فقالت له : يا بني لقد ذكرتني بقراءتك أنها لآخر اية إلخ.. أخرجه الإمام مالك وأحمد والبخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما .

وكانت قراءته عليه السلام بطيئة حسنةً، كما نعتها الواصف لها، قال: «كانت قراءته ، عليه السلام لو شئتُ أن أعدَّ حروفَها لَعَددتُها». فبتقرير هذه الآثار علمنا أنه عليه السلام، ما كان نهيه لمعاذ على الإطلاق، وإنما كان لكونه طوَّلَ ذلك التطويل في المغرب. وقد ثبت بالسنّة، خلَفاً عن سلف، أن العمل جرى على أن المستحب في صلاة المغرب أن تكون أخفَّ الصلوات، ولولا ذلك ما كان أبو بكر ، رضي الله عنه يصلي في الصبح بالبقرة، كما ذكرنا

فلما كان المتعاهَدَ منهم في الصّلاة التَّطويلُ، فإذا كانت هناك علة، كما ذكر من بكاء الصبي أو ما يشبه ذلك، خفَّف عليه السلام، حتى خرج بذلك التخفيف عن العادة الجارية لهم، كما قال بعض الصحابة : ما رأيتُ رسول الله ، صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاةَ الصّبح يوم النحر بالمُزْدَلِفة» (۱) . وليس يعني بـ ( ميقاتها) أنه صلاها قبل الوقت الذي وُقت لها، ذلك محال، وإنما يعني (لغير وقتها الذي كان عليه السّلام يصليها فيه، فإنّه كان بعد طلوع الفجر كما جاء عنه ، أنه يركع ركعتي الفجر، ثم يضطجع ما شاء الله ، ثم يخرج ويصلّي في هذا اليوم عند أول انصداع الفجر، وهو أول الوقت كان يصليها، فقد أخرجها عن ذلك الوقت المعلوم لها، وهو التأخير اليسير، كما شرحناه وهذا مثل ذلك سواء ، لأنه من أجل تلك القرينة خفَّفَ .

الوجه الثاني : يترتب عليه من الفقه جواز تحويل النيّة في أضعاف الصّلاة إلى خلاف ما دخل عليه من زيادة أو نقص، لكن بشرط ألا ينقص من الحد المجزىء شيئاً. ومن أجل ذلك تحرّز الصحابي رضي الله عنه، بأن قال ولا أَتَمَّ وفي هذا التحرُّزِ من الصحابي دليل على فضلهم وصدقهم في نقلهم .

ويترتب أيضاً عليه من الفقه أنه لما كانت الصّلاة - وهي رأسُ الدِّين - يجوز فيها تحويل النية من الأعلى إلى الأدنى، مع إحراز الكمال، فكذلك تكون القاعدة في جميع أمور الدين أن يكون الشأن العمل على حالة الكمال ولا يرجع لقذر الإجزاء إلا عند الأعذار ؛ وإذا رجع إلى قدر الإجزاء يحافظ ألا ينقص من الواجبات شيئاً .

وعلى هذا البيان المتقدّم من أحوالهم، فقد اختلفت الأحوال، وظهر النقص، وقد رأيتُ بعض من يُنسَب في الوقت إلى العلم - وهو ممن يُقتدى به - لا يكمل الواجب من بعض أركان صلاته، فإنا لله وإنا إليه راجعون على تضييع العلم وحقيقته، وتضييع العمل وتمامه . ولهذا المعنى

(1) أخرجه البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مع اختلاف يسير في اللفظ. والمقصود بقوله (بعض

الصحابة عبد الله بن مسعود .

قال رزین

الأسماء على غير

رحمه الله : «ما أوقع الناسَ في الأمور المحذورات إلا وضعُهم المسميات المعروفة أولاً لأنا الآن إذا أخذنا بالتخفيف في صلواتنا خرجنا عن حدّ الإجزاء، لأن المطوّل منا في صلاته لا يصِلُ بجهده إلا إلى الإجزاء بالنيّة، فإن نقص منه شيئاً خرج عن بابه

الذي طلب .

ويترتب على تخفيفها من أجل بكاء الصبيّ رَعْيُ حقوق الغير كما تراعي حقوق نفسك. فتخفيفها من أجل الصبي كمال فيها، فإنّه حصل له في صلاته القدر المجزىء ، وبذلُ الكمال لجَبْرِ صلاة أم الصبي ليرفع الفتنة عنها بتعجيل الصلاة ، وجَبرِ الصبي نفسه فجاء الجَبرُ هنا متعدّياً وهو الأكمل .

وأما على قضرها من غير بكاء الصبي فتبيين منه ، ل ، للقدر المجزىء في العمل، كما بيّنه بالقول، وتبيين مقادير الأحكام أرفع الأعمال، ويترتب على هذا من الفقه أنه كان ، ، في كلّ الأحوال على أتمها وأعلاها .

وأما الجواب على حدّ إتمامها : فنعرفه بحده ، حين قال للمصلي : ارجع فصل، فإنّك تُصَلّ) (۲) فعل ذلك معه ثلاثاً، ثم قال له عليه السلام لما أن سأله التعليم: (إذا قمتَ للصَّلاةِ فكبّر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركغ حتى تطمئِنَّ راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً ، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها، وبقوله عليه السلام كلّ ركعة لم تقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، هي خداج، هي خداج) (۳) لأن التمام في الصلاة في ثلاثة أشياء : في الإجزاء، وفي القراءة، وفي إكمال الأركان، وفي إكمال عددِ الرَّكعات . ويكون ذلك بعد تحقيق دخول وقتها .

الوجه الثالث : فيه دليل على تحرّي الصّحابة رضي الله عنهم، لأنهم كانوا يقتدون في الكمال بأتم الحالات، وفي الإجزاء لا يأتون به إلا ومع ذلك زيادة خيفَة أن ينقصهم من الإجزاء شيء ما، ولا يتحقق الإجزاء في الأقل إلا بالقطع بالزّيادة اليسيرة فيه ما لم تكن تلك الزيادة محظورة في الشرع ، مثل مَنْعنا الرابعة في الوضوء (٤) ، أو تكون تلك الزيادة لم يفعل هو ، ، ، منها شيئاً، لئلا نخرج بها إلى البدعة، وقد جاء فيها من الدم ما جاء ، لقوله : ( من أحدث في أمرنا ما

(۱) انظر ترجمته في الحديث (۳). (۲) انظر تخريجه في الحديث (۳۰) .

(۳) أخرجه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنا (٤) المراد : المرة الرابعة بعد الغسل ثلاثاً) .

ليس منه فهو رَةٌ) (۱) ، وقوله عليه السلام : كلُّ بدعة ضلالة) (۲) وما أشبهه ومثل ذلك اجتماع الناس للدعاء بعد الصلوات فهذا وما أشبهة من البدع، لأنه لم يأتِ أن النبي ، ا ، ولا مَنْ بَعدَه من الصحابة والتابعين فعلوا ذلك، ويترتب على تقصيرها من غير عذر أنّه جائز، وأن الأفضل ما كان يداوم ،هو ، ، عليه ، ومَن بعده من السَّلَفِ الصّالح.

الوجه الرابع : فيه دليل على فضل العلم لأنه به يُعرف حدّ الإجزاء، فيما كلف، وحدّ الكمال، لأنه يأتي بالأشياء على ما أُمِرَ بها، لأن الجاهل قد يجعل الكمال واجباً، فيكون زاد في فرائض الله تعالى، أو يكون يجعل زيادة الكمال ،بدعة فيكون أيضاً يجعل في دين الله ما ليس فيه أو يكون يجعل حدَّ حد الإجزاء هو الكمال، ثم يأخذ في أنقص منه ، ويجعله من باب التخفيف، وهو العضال. وقد كَثر في وقتنا . ومثلُ هذا ينبغي في جميع أمور الدين أن يعرف الشخص القَدْرَ الذي يجب عليه، وما هو قَدْرُ الزّيادة المستحبَّة، ولذلك قال : طلب العلم فريضة على كل مسلم) (۳) قال العلماء : كلّ ما كان عليك فعله فرْضاً فالعلم عليك به فرض، لأنه لا يمكن أن يُوَفِّيَ

ما عليه مَنْ جهله .

الدّاء

الوجه الخامس : فيه دليل على جواز صلاة النساء مع الرّجال لكن ذلك اليوم ممنوع ، ومنع ذلك من زمان الخلفاء، ومما يروى في ذلك الوقت قول عائشة ، رضي الله عنها : «لو أدرك رسول الله ، ، ما أحدث النّساء ، لَمَنَعَهُنَّ المساجدَ ، كما مُنِعَه نساء بني إسرائيل» (٤) وقول زوجة عمر بن الخطاب رضي الله عنها، لما امتنعت من الخروج إلى المسجد فسألها عمر عن عمر عن ذلك فقالت : فَسَدَ الناس (٥) . وأقرّها عمر على ذلك، فجاء ،فعلها رضي الله عنها على مقتضى هذا الحديث الذي نحن بسبيله، لأنها تركت الأكمل في صلاتها، وهو الخروج إلى المسجد، للعلة الواردة، وهي ما ذكرته من فساد الناس فدلّ على أنهم رجالاً ونساءً أعرف بأحكام الله تعالى منا وهم الذين استعملوا الأحاديث والآي على ما هي عليه ، بغير زيادة ولا نقص .

(1) أخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها . (۲) جزء من حديث مطلعه : أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله . أخرجه الإمام أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما . (۳) روي من عدة طرق وعن عدد من الصحابة الكرام. منها ما أخرجه ابن عدي والبيهقي في الشعب عن أنس وأخرجه الطبراني عن ابن مسعود، والطبراني في الأوسط عن ابن عباس وفي رواية أخرى عن أبي سعيد

الخدري رضي الله عنهم جميعاً . (٤) انظر تخريجه في الحديث (۳۷) .

(5) كانت زوجة عمر رضي الله عنه خرجت إلى المسجد عند صلاة الفجر لحديث لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) وكمن لها عمر في طريق عودتها من المسجد، فتصدى لها متخفياً وقرصها في صدرها. وفي اليوم الثاني قال لها : ألا تخرجين لصلاة الجماعة في المسجد ؟ فقالت له : فسد الناس .

الوجه السادس : فيه دليل على جواز دخول الصبي الصغير المسجد، ويعارضنا قوله : جَنّبوا) مساجدَكم صبيانَكم ومجانينكم ()، ويسوغ الجمع بينهما بأن نمنع دخولهم في غير الصلاة، ونجيز دخولهم في أوقاتِ الصَّلاة من أجل الضرورة، مع التحفظ

الوجه السابع : فيه دليل لمذهب مالك في الأخذ بسَد الذريعة يؤخذ ذلك من قوله : (مخافة أن تُفتَنَ أُمه ، وقد لا تقع منها فتنة . فلما كان الأمر محتملاً أخذ عليه السلام بالأحوط وهو : سَدّ

الذريعة .

الوجه الثامن : فيه دليل على أن الفكرة في الصلاة في الأمر إذا وقع - وهو فيها - أنه جائز . يؤخذ ذلك من قوله (لَيَسْمَعُ بكاء الصبي فيخفّف لأن سمعه له ، ونظره له فكرةٌ في أمر ليس من الصَّلاة، إلا أنه يلزم منه أن يكون يسيراً، لا يخلّ بالصلاة يؤخذ ذلك من قوله (ولا) أتم) فلو كان مما يشغله عن الصلاة ما أتمها .

الوجه التاسع : فيه دليل على جواز النظر في حكم من الأحكام إذا احتيج إليه، وإن كان في العبادة، والعمل إن أمكن مع إبقاء العبادة دون نقص من واجبها يؤخذ ذلك من تقصيره، عليه السلام، الصلاة من أجل بكاء الصبي، وقد دخل على العمل، وهو التطويل فيها، فإن تقصيره لها عمل من الأعمال، ونَظرُ حكم من الأحكام، فاجتمع فيه ستة أشياء : الالتفات للواقع، والفكرة في الحكم، والعمل الممكن فيها والرابع حق الغير، والخامس سَدّ الذريعة، والسادس حَملُ القوي على ما يقتضيه حالُ الضعيف، إذا كانا في الأمر متلازمين. ومثله قوله : (سيروا بسَيْرِ أضعفكم) (۲) .

وأما الجواب على قولنا : هل كانت تلك الحالة دائمة أم لا؟ فالجواب : أنها لم تكن دائمة وإن كان قد أشرنا إلى ذلك عند تبيين أحوالهم، ولم يكن ذلك موضعَه، وإنما وصفُ الحال أحوج إليه .

وهنا أذكر الدليل على عدم دوام ذلك، فيكون في موضعه، والأول يقوّيه وهو أيضاً يصدّقه وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) (۳) فكل ما هو في الأمور حق فهو يصدّق

جزء من حديث أخرجه الطبراني في الكبير والبيهقي عن مكحول عن وائلة وأبي الدرداء وأبي أمامة رضي الله

عنهم .

(۲) رواه الشافعي في مسنده والترمذي وحسنه وابن ماجه والحاكم وقال : على شرط مسلم وابن خزيمة وصححه والحارث بن أبي أسامة عن أبي هريرة رضي الله عنه، بألفاظ مختلفة

(۳) سورة النساء، من الآية ۸۲ .

بعضه بعضاً، فإن الشَّبَه بينهما من أجل أن الحقَّ فيه واحد، والحق لا يتغيَّر، فالدليل على ما جاء ، أنّ ما من سورة في القرآن إلا وقد صَلَّى الله بها في الصلاة. وفي القرآن ـ كما هو

معلوم - الطوالُ من السُّوَر، والقصار، وما بين ذلك . فدل ذلك على ما قلناه ويترتب على هذا من الفقه العلم بسَعَة السنّة، لأنه لو لم يفعل هو ، ، ذلك كان الناس يتحرون الذي كان هو ، ، يفعله .

الوجه العاشر : فيه دليل على رحمته عليه السلام بأمته ، و لأنه لا هل هو فعل ذلك . فالجَلْد الكيسُ قد أخذ بجزء وافر من السنّة، والعاجز المسكين لم يُحرم من حظ ما من السنّة، وما بينهما سَعَة وتوسط في الخير الذي هو السنة .

الوجه الحادي عشر : فيه دليل لأهل الصوفة الذين يقولون بجبر القلوب، وهو عندهم من أعلى الأحوال ) . يؤخذ ذلك من رعيه عليه السلام فتنة أم الصبي والصبي أيضاً نفسه. إلا أنه بقيد لا يعرفه إلا السادة الأفذاذ وهو ألا ينقصه من حاله الخاص فيما بينه وبين مولاه شيء.

يؤخذ ذلك من قوله (ولا) أتمَّ لأن حالة عبادته المجزىء منها لم ينقص منها شيء. ولهذا المعنى قال بعض السادة منهم : من الغرائب صوفي سني (٢) . وهو إذا وقع قطب الوقت، وتاج الوجود، وهو فضل الله يؤتيه من يشاء .

مَنّ الله بفضله علينا بما به مَنْ عليهم بمنّه . آمين .

وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(1) يقول ابن أبي جمرة في موضع آخر هو أعلى الأحوال. وفي الحديث : اطلبوني عند المنكسرة قلوبهم من

أجلي. (۲) صوفي سني أي : ملتزم بالسنّة باطناً وظاهراً .

حديث أصل صلاة التراويح

عَن زيد بن ثابت (۱) ، ، أنَّهُ قالَ : من حَصيرٍ ، في رَمَضَانَ، فَصَلَّى فِيهَا ،ليالي، فَصَلَّى بِصَلاتِهِ نَاسٌ من أَصحابِهِ . فَلَمَّا عَلِمَ بِهِم جَعَل يَقعُدُ ، فَخَرجَ إليهم ، فقالَ : قَد عرَفتُ الذي رَأيتُ من صَنيعكُم، فَصلُّوا أيُّها النَّاسُ في بُيُوتِكُم، فإنَّ أفضلَ الصَّلاةِ صَلاةُ المَرءِ فِي بَيْتِهِ ، إلا المكتوبة

ي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ الله ، ، اتَّخَذَ حُجرَةٌ، قَالَ : حَسِبْتُ

ظاهر الحديث جواز صلاة النافلة في المسجد والأفضل فيها صلاتها في البيوت والكلام

عليه من وجوه :

الوجه الأول : جواز اتخاذ الحجرة في المسجد، إلا أنها لا تكون بناء، ولا شيئاً يثبت . يؤخذ ذلك من قوله (اتخذ حجرةً من حصير لأن اتخاذها تغيير للمسجد والمسجد جنس، ولا يجوز تغييره. وإذا كان مثل الحصير أو الثوب بقي المسجد على حاله لم يتغيّر، وذلك الثوب تستمر له به الخلوة، ويَحْسُنُ به حاله، لأنه يكون أجمعَ له في عبادته .

ويترتب على ذلك من الفقه : أن يتسبب المرء فيما يكون له أجمعَ لخاطره في عبادته، ما لم يكن التسبب بدعة ممنوعة، لأنه جاء أن الله جل جلاله، يقول يوم القيامة لصاحب البدعة : هَبْ أني أغفر لك فيما بيني وبينك، فالذين أضللت كيف أفعل بهم؟

زيد بن ثابت الأنصاري الخزرجي من أكابر الصحابة وأعلمهم بالفرائض وكان كاتب الوحي . ردّه الرسول عليه السلام يوم بدر لصغر سنه، وكان عمره حين الهجرة أحد عشر عاماً، وكان يكتب المراسلات للنبي عليه السلام ولأبي بكر وعمر وهو أحد الذين جمعوا القرآن في عهد النبي عليه السلام، ثم في عهد أبي بكر الصديق، ثم نسخه لعثمان نسخاً أرسلها إلى الأمصار . روى عن النبي (۹۲) حديثاً، وروى عنه الصحابة والتابعون رثاه ابن عباس يوم موته فقال : دُفن اليوم علم كثير . توفي في المدينة المنورة سنة ٤٥ هـ / ٦٦٥م. الأعلام ٩٥/٣ ) .

وليد الوجه الثاني : فيه دليل على أن قيام رمضان في المساجد سنة، وليس ببدعة، لأنه لما فعله ، ، فهو سنة ، ويعارضنا قول عمر رضي الله عنه ، نِعمت البدعة هذه (۱) فما يصح أن تسمى هذه بدعة، وقد فُعِلَتْ وإنّما البدعة لغةً ما فعله الشخص ولم يفعله غيره قبله ولا يمكن أن نقول ء ( بدعة) وليس فيه ما يتضمنه هذا الاسم.

وزوال الإشكال أن نقول : إنما سمّاها عمر ( بدعة) لأنه لما جمعهم على القارىء ،الواحد : وَحَدَّ لهم أن يصلي بهم إحدى عشرة ركعة، فسمى ذلك التحديد بالإحدى عشرة : (بدعة) وسماها (نعمت البدعة لأنه ما جعله حدّها لهم، إلا أنه اقتدى في ذلك التحديد بما روته عائشة ، رضي الله عنها، أن رسول الله ، ل ، لم يزد في تنفّله في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة. فمن أجل اتباعه للنبي ، ، ، في ذلك قال لها نعمت البدعة ) .

وهنا أيضاً تعارض آخر ، وهو كونه الله ، صلى النافلة في المسجد، ثم قال آخر الحديث : فإن أفضلَ الصَّلاة صَلاةُ المرء في بيته إلا المكتوبة ، و هو ، ل ، لا يفعل من الأمور إلا الأفضل؟ فالجواب أن نقول : إن التنفل - ما عدا التهجد في رمضان - الأفضل فيه أن يكون في البيوت، وإن تهجد رمضان الأفضلُ فيه أن يكون في المسجد يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام في حديث غير هذا خفت أن تُفرَضَ عليكم فلا تُطيقون) (۲) فلما توفي هو الله، ارتفع الفَرْض ، ففعل عمر ، رضي الله عنه ، الأفضل لمّا أَمِنَ العِلَّة .

ويترتب على هذا الوجه من الفقه أنه إذا كان منعُ الشيء من أجل علة، فارتفعت العلة، جاز فعله، لأن الموجب للحذر قد زال .

الوجه الثالث : فيه دليل على جواز أن يأتم شخص بغيره ، والإمام لا يعلم به . يؤخذ ذلك من أن النبي ، ، ما جعل الحجرة إلا أنه يُصلي وحدَه ، ثم انتَمَّ به من ائتم ، فلمّا عَلِم بذلك لم ينكره ، وعدم الإنكار منه ، عليه السلام بعد العلم دليلٌ على الجواز.

الوجه الرابع : فيه دليل على جواز الحائل بين الإمام والمأموم. يؤخذ ذلك من كونهم ائتموا

به عليه السلام وبينهم الحصير .

الوجه الخامس : فيه دليل على أفضلية رمضان يؤخذ ذلك من كونه عليه السلام اختصه بهذه العبادة دون غيره من الأشهر .

(۱) أخرجه الإمام مالك وعبد الرزاق والبخاري وابن خزيمة والبيهقي والفريابي في السنن من كلام عمر رضي الله عنه . جزء من حديث أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وأوله: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد إلخ. وقوله فلا تطيقون أي : فأنتم لا تطيقون ذلك .

الوجه السادس : فيه دليل على أن تعظيم الأيام الشريفة والبقع لا يكون تعظيمها إلا بأنواع العبادات. يؤخذ ذلك من أنه عليه السلام، ما أظهر تعظيم هذا الشهر إلا بزيادة في التعبد . الوجه السابع : ويؤخذ منه فضل سيدنا ، ، ، لأنه لما رأى اعتناء ،مولانا جل جلاله ، يُدارِسه

بتعظيمه لهذه اللّيالي بأن جعل جبريل عليه السّلام ينزل عليه ، ، كل ليلة من رمضان، فيها القرآن، ولم يفعل ذلك في غيره من الأشهر زادَ ،هو عليه السلام من تلقاء نفسه زيادةً للحرمة، وهو أن زاد فيه صلاة لم يفعلها في غيره، وأظهَرَها لأمته بالفعل، لأن يقتدوا به، فهذا

تعظيم الشعائر، وقد قال تعالى : ( وَمَن يُعَظِّمْ شَعَبَرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ) (۱) وبقدْر تَقْوى القلوب تكونُ الفضيلة، ولا أحَدَ أَشدُّ تقوى من سيدنا ، .

وقوله (ليالي) تعطي الكثرة، وتكثيره عليه السلام الليالي ؛ وبعد ذلك قال لهم ما قال، دال على تعظيمه عليه السلام للأمر، والاهتمام به يؤخذ ذلك مما استقرِي من الأحاديث ، أنه لا لا لا ، إذا كان الأمر عنده له بال يكرّر القولَ به ثلاثاً فلمّا كان هنا التعليم بالفعل كرّره بالفعل أيضاً، كما كان يكرّر بالقول، كقوله عليه السّلام يا معاذ فقال : لَبَّيْكَ يا رسول الله وسَعْدَيْكَ. فقال: يا معاذ، فقال : لَبَّيْكَ يا رسول الله وسَعْدَيْكَ . فقال : يا معاذُ بنَ جَبَل : هل تدري ما حقُّ الله على عباده؟ وما حقُّ العبادِ على الله (۲)؟ فإنه عليه السلام لم يخبره حتى ناداه ثلاثاً، وهو في كل مرة يجيبه، وكقوله عليه السلام في حَجَّة الوداع : أي بلد هذا؟ أي يوم هذا؟ أيُّ شهرٍ هذا (۳) ؟ فأعاد ، عليه السلام السؤال ثلاثاً، وهذا كثير في السنة .

الوجه الثامن فيه دليل على أن قرينة الحال إذا كانت محتملة فلا بد من البيان بالقول ولا يجوز الاقتصار عليها . يؤخذ ذلك من أنه لما أن قعد ، و بعد أن صلّى الليالي احتمل جلوسه أن يكون عن ضعف أو نهي أو غير ذلك، فاحتاج أن يبين بالكلام ما أوجَبَ الجلوس.

الوجه التاسع : يؤخذ منه أن القرينة إذا كانت لا تحتمل إلا وجهاً واحداً قامت مقامَ الإفصاح وجاز الاقتصارُ عليها فيما يقتضيه مدلولها على الإفصاح بذلك. يؤخذ ذلك من أنه عليه السّلام ، لما صلّى وصلوا معه، لم يَحْتَج أن يقول لهم في ذلك شيئاً، لأن نفس الصلاة دلّت على تعظيم

الشعائر نضًا لا احتمال فيه .

(۱) سورة الحج من الآية ٣٢

سعد والحكيم

(۲) أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه وابن حبان عن معاذ رضي الله عنه (۳) حديث مطوّل من خطب النبي الا الله في يوم النحر، أوله أيها الناس أخرجه الإمام أحمد وابن الترمذي عن العداء بن خالد رضي الله عنه والطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه والبزار عن وابصة رضي الله عنه .

إذا جاءت علةٌ تدلُّ على ترفيعه .

الوجه العاشر : فيه دليل على أن المفضول قد يرجع فـ يؤخذ ذلك من جلوسه، صلى الله عليه وسلم عن وقت هذه العبادة والعبادة في هذا الوقت أفضل. فلما كان جلوسه عليه السلام من أجل التعليم وتقعيد الأحكام أرفع العبادات، فمن أجل زيادة هذه العلة رجع المفضولُ فاضلاً.

الوجه الحادي عشر : فيه دليل على أنه إذا اجتمعت للعبد ،عبادتان لا يمكن في الزمان الجمعُ أخذ الأعلى . يؤخذ ذلك من كونه ، و اثر القعود على الخروج إلى الصلاة، لأنه أفضل إذ هو لتقعيد الحكم وبيانه .

بينهما،

الوجه الثاني عشر : فيه دليل على صدق الصحابة رضي الله عنهم في نقلهم يؤخذ ذلك . من قوله (حسبت) لما وقع له شك قال : (حسبت) .

الوجه الثالث عشر : فيه دليل على أنه لم يُصَلِّ هذه الصَّلاةَ معه ، إلا البعض من الصحابة . يؤخذ ذلك من قوله (ناس من أصحابه) .

وهنا بحث في قوله لما علم بهم كيف يجتمع هذا مع قوله عليه السلام (قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم ؟ والانفصال عنه أن نقول: إن معنى (علم بهم هنا أحد وجهين : إما أن يكون أخبره بصلاتهم معه أحدٌ منهم أو من غيرهم، فتكون (علم) بمعنى الإخبار، أو يكون لما رأى من التزام القيام ، معه ، فظاهرُ حالهم يقتضي فظاهرُ حالهم يقتضي أنهم عزموا على دوام العمل معه عليه السلام فيكون (عَلِم) بمعنى (تَحَقَّق) من قرينة حالهم الدوام.

ومما يزيد هذا المعنى إيضاحاً ما جاء أنّه أوّلَ ليلة صلّى معه قلائل، ثم حدثوا في اليوم من صبيحة الليلة، فكثر الناس فكانوا في كل ليلة يتزايدون ويكثرون . فهذا أقوى دليل على العلم بأنهم قد عزموا على الدوام ،معه، وهو عليه السلام من أول ليلة قد عرفهم، وما تزايد فيهم كل ليلة ويترتب على هذا من الفقه أنه من داوم على شيءٍ نُسب إليه وحكم له أنه من أهله

وقوله (جعل يقعد فخرج إليهم معنى ذلك أنه عليه السلام قعد عن الخروج حتى ذهب الوقت الذي كانت عادته عليه السلام يخرج إلى تلك الحجرة، ويصلي فيها، فخرج عقب ذلك الوقت إليهم، لأنه أتى بالفاء التي تعطي التعقيب دون مهلة وخرج إليهم لا للحجرة التي كان يصلي فيها . يؤخذ ذلك من قوله : (إليهم) لأن تقرير الحكم لا يكون إلا بالمشافهة.

الوجه الرابع عشر : فيه إشارة صوفية وهي : أن صاحب الحال المتمسك بالأحكام هو في تجل ومخاطَبات . وهذه كانت حال سيّدنا ، و عند تلاوة القرآن إذا مَرَّ بآيةِ رحمةٍ سأل الله ، وإذا مَرَّ بآية عذاب استجار ، وإذا مرَّ بآية تدلّ على صفة من صفاته جلّ جلاله، من خلق وقدرة وعظمة

واع

سبح ). فكان عليه السّلام، كلّ آية تمرّ به يتصف بالوصف الذي يحبّ لمن يخاطب في الحال بتلك الآية، ويجاوب بما يقتضيه الأدب. ومثل ذلك قال عليه السلام للصحابة ، رضي الله عنهم حين قرأ عليهم (الرحمن) وهم سكوت فقال لهم : ألا تقولون ما قالت الجنّ حين سمعوها ؟ قالوا : وما قالت ؟ قال : كلّما قلت : فَبِأَي الَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِبَانِ ) ؟ يقولون : وَلا بواحدة منها يا ربَّنا)(۲)

فانظر حسن تعليمه ، وإرشاده لحسن الأدب مع الربوبية، مع غنائه عن الكلّ وجلاله .

الوجه الخامس عشر : فيه دليل على جواز أخذ ما لا بد منه من الدنيا، وهو أيضاً عَوْن على التزود للآخرة. يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام فصلوا أيها الناس في بيوتكم . فلولا جواز اتِّخاذ البيوت ما قال لهم : (صلوا) في بيوتكم . فإضافتها إليهم تقتضي جواز اتخاذها وأنها عَوْن على الآخرة، لأنه يخلو فيها بعبادته ومناجاة معبوده بلا مشوّش يشوّش عليه . وكذلك ما يكون من غيرها من ضرورات البشرية إذا كان على لسان العلم، والقَصْدُ به العون على الطاعة حالاً لا دعوى فإنه في الحقيقة كله اخِرُه محمود . وقوله (فإن أفضل (الصّلاة تكون الألف واللام هنا للجنس . الوجه السادس عشر : فيه دليل على جواز الصّلاة المكتوبة في البيوت. يؤخذ ذلك من قوله

(أفضل) لأن باب (أفضل) لا يكون مع المنع.

وفيه من الفقه أن النافلة تجوز في البيت وفي المسجد، وهي في البيت أفضل، إلا ما كان من تهجد رمضان كما قلنا أولاً هذا إذا لم تكن هناك علة فإن كانت هناك علة رجع المفضول فاضلاً. مثال ذلك أن يكون للشخص في منزله من يشوّش عليه ولا يمكن له معه صلاة، فالمسجد إذ ذاك أفضل له. وتجوز الفريضة في البيت وفي المسجد، وهي في المسجد أفضل. هذا إذا لم تكن هناك علة أيضاً، فإن كانت هناك علة مثل أن يكون مغصوباً، أو إمامه فاسقاً، أو ما أشبه ذلك فهي إذ ذاك في البيت أفضل. وكذلك فعل السلف حين فَسَق بعض الأئمة كانوا يصلون في بيوتهم، ويصلون معهم نافلة

الوجه السابع عشر : فيه دليل لمن يقول : إن الفرض والمكتوب (وتلك الخمسة الألقاب) (۳)

(۱) أخرجه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما . (۲) أخرجه الترمذي وابن أبي الدنيا وابن عدي والحاكم والبيهقي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما كما رواه البزار وابن أبي الدنيا عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بألفاظ تختلف وما أورده المؤلف رضي الله عنه . (۳) (وتلك الخمسة الألقاب لعله يريد من تلك الألقاب الخمسة. ومن معاني الفرض : التوقيت فَمَن فرض فيهن الحج ) والتقدير - ومنه علم الفرائض - المقادير السهام والتفصيل (سُورَةُ أَنزَلْنَهَا وَفَرَضْنَهَا) والوجوب خمس صلوات مكتوبة والتخصيص ( مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٌ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَمْ أو لعله يريد: إن الفرض والمكتوب - وما في كلمة (الفرض) من مدلولات وألقاب هي في الفرض إلخ

حال

هم،

وا

ملی

ـاذ

ما

في الفرض على حد واحد يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام إلا المكتوبة) وهي المفروضة، فعبّر (إلا)

عليه السلام بصيغة الكتب عن الفرض .

الوجه الثامن عشر : وفيه دليل على طلب المندوبات. يؤخذ ذلك من قوله ) ، (صلوا) فإن هذا أمر وأقل أحواله الندب .

الوجه التاسع عشر : فيه دليل لأهل الصوفة الذين يقولون : إن إخفاء الحالة هو الأكمل في الأحوال. يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام صلاة المرء في بيته أفضلُ إلا المكتوبة) (۱) لأن زيادة التنقل بعد أداء الفريضة زيادة في الإيمان، كما قال ابن أبي زيد (۲)، رحمه الله تعالى: «يزيد بزيادة الأعمال، وينقص بنقصها، فيكون فيها النقص، وبها الزيادة في الإيمان حال من أكبر الأحوال. وقد نص عليه السلام على أن إخفاءه أفضل فصح ما تأولناه. وقد قال بعضهم : اجعل قلبك خزانة سرك ، ومَوْلاك موضعَ شكواكَ .

رضي الله عَنَّا بِهم ، ومَنَّ علينا بما به مَنْ عليهم ، لا ربَّ سواه، ولا مَرْجُو إلا إياه . وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

الحدا

(1) أخرجه النسائي والطبراني عن زيد بن ثابت رضي الله عنه بلفظ (أفضل الصلاة صلاة المرء إلخ..). (۲) ابن أبي زيد هو عبد الله بن عبد الرحمن أبي زيد النفزاوي القيرواني. فقيه مالكي ويلقب بقطب المذهب وبمالك الأصغر. له تصانيف كثيرة منها كتاب (النوادر ) الذي أجزاؤه تزيد على المئة. توفي بالقيروان سنة ٣٨٦

هـ / ٩٩٦ م . (الأعلام (٢٣٠/٤) .

حديث جواز المشي في الصلاة

عَن أَبِي بَكْرَة (١) ، رَضِيَ الله عَنهُ ، أَنَّهُ انتهى إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَهُوَ رَاكِعٌ ، فَركَعَ قَبلَ أَن صلى الله عليه وسلم ، يَصِلَ إِلَى الصَّفٌ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ، ، فَقَالَ : زَادَكَ الله حِرصاً ، وَلاَ تَعُدْ .

ظاهر الحديث يدل على جواز المشي اليسير في الصلاة والكلام عليه من وجوه الوجه الأول : هل يكون المشي اليسير فيها كلّها؟ أعني في حالاتها كلها ، أو لا يكون ذلك إلا في هذا الموضع وهو الركوع ليس إلا؟

فإن قلنا : إن سبب الجواز معقول المعنى، وهو قلة العمل فيها، فيجوز في كل حالاتها كلها، ما لم تقترن به علة مانعة . ولذلك قال العلماء : إنّه يجوز المشي اليسير في كل حالات الصلاة، من قيام وركوع وجلوس ولا يجوز ساجداً، لأنه فيه أمران : (أحدهما) التشويه والمثلة (۲)، وذلك في الشرع ممنوع. و(الثاني) توقع الضرر ، بل هو من قبيل المقطوع به ، لأنه يتأذى بذلك، والأذِيَّة أيضاً

ممنوعة .

وإن قلنا: لا نفهم علته فلا يجوز إلا في هذه الحالة، وهذا مذهب أهل الظاهر الذين يستعملون الأحكام حيث وردت ليس إلا .

وقوله (انتهى إلى النبي ، أي : قرب منه ، لأن العرب تسمي الشيء بما قَرُب منه .

الطائف

يع بن الحارث الثقفي، أبو بكرة صحابي من أهل الطائف كني بذلك لأنه تدلى من حصن ببكرة، وكان أسلم وعجز عن الخروج من الحصن إلا بهذه الوسيلة. روى عن النبي (۳۲) حديثاً اعتزل يوم الجمل فلم يقاتل مع أي من الفريقين. كان صالحاً عابداً . قال الحسن البصري: لم يكن أعلم منه ومن عمران بن الحصين. توفي بالبصرة سنة ٥٢هـ ٦٧٢ الأعلام (۱۷۹)

(۲) المثلة : التشنيع.

ويترتب على هذا من الفقه ألا يبعد الإمام عن الجماعة. وقد نص العلماء على ذلك في

الإمام ، لَمّا ذكروا شروط الإمامة في الصلاة ذكروا ألا يبعد من الجماعة، وعلّلوا ذلك بعلل، منها : ربما تكون في ثوبه نجاسة لم يعلم بها، فإذا كان بالقرب منهم رأوها فيخبرونه وربما سها فسبحوا له فلم يسمعهم، فيجذبونه بثوبه . وربما أحدث هو فيمد يده، ويستخلف من يُتِمّ بالقوم ، فإذا كان بالبُعدِ احتاج أن يستخلف بالقول وفيه بين العلماء خلاف ويؤخذ منه : أنه إن ذكر شيئاً من العبادات في الصلاة وتمادى في ذلك أنه إن لم يخل بشيء منها جاز، والحجة في هذا وبما استدللنا عليه من هذا الحديث ذكر النبي ، ذلك ، وتمادي ذكره إلى بعد فراغه من الصلاة. ا ل ويترتب على ذلك من الفقه أن المرء إذا كان في أمر لا بدَّ له فيه من عمل، ولا يمكنه التأخير فيه، ولا علم له بما يصنع أنه يجتهد ويعمل بما يغلب على ظنّه ، فإذا كان بعد يسأل العلماء، فإن وافق عمله لسان العلم فحسن مجزىء، وإلا جَبَرَ الخَلَلَ الذي وقع منه على لسان العلم .

ولا يدخل هنا الخلاف الذي ذكروا فيمن عمل عملاً بغير علم، ووافق عمله لسان العلم، هل يكون مأجوراً أم لا؟ على ثلاثة أقوال، لأن ذلك الذي يعمل العمل بالجهل هو متمكن من السؤال، ولم يسأل، وهذا لم يكن متمكناً من السؤال، ولا يمكن له التَّرْك، وهو لا يعلم كما فعل أبو بكرةَ في هذا الحديث .

الوجه الثاني : قوله : زادك ) الله حرصاً ولا تَعُد دعاؤه عليه السلام، له بالحرص، حض على العبادة معناه : زادك الله حرصاً في اجتهادك في طلب الأعلى في العبادات، لأنه لو صلى حيث أحرم أجْزَ أَنه صَلاتُه ، ولمّا كان الصف الأول أرفعَ، والقرب من النبي ، ل ، أرفع ما في الصف الأول، فأراد هو أن يأخذ الأفضل من الصفوف ومن الأماكن من الصف الأول .

ويترتب عليه من الفقه أن قوة الباعث هي الحاملة على العبادات وهذا دليل لأهل الصوفة

الذين يقولون : إنما حملت الرجال الهِمَمُ لا الأبدان .

وقوله : ( ولا تعد) أي لا تَعُد للتأخير حتى تحتاج إلى أن تَدِبَّ في صلاتك .

الوجه الثالث : فيه دليل على أن المستحبّ في الأكمل أن يُعمل عليه قبل الشروع في العمل

وهذا المثل الساري قَبْلَ الرَّمْيِ تُراسُ السِّهام) (۱) .

(۱) جاء في الأمثال : قبل الرَّماء تُملأ «الكنائن ويضرب في تهيئة الآلة قبل الحاجة إليها، كما جاء كذلك قولهم : قبل الرمي تراش السهام وهو في المعنى ذاته، و«تراش تركب عليها الريش من قولهم: راش السهم رَيْشاً

وارتاشه . (انظر المستقصى في الأمثال للزمخشري (۱۸٦/٢ و ۱۸۷) .

الوجه الرابع : وفيه دليل لأهل الصوفة الذين قدَّموا قبل الأعمال الزّهدَ في الدنيا، لأنه الباعث على تمكن أسباب الكمال في العبادات، وإلى الفوز بحَوْزِ أَسْنِمَتِها . ولذلك حكي عن عيسى عليه السلام، لما كان في سياحته لَقِيَ قبل الصُّبح رجلاً نائماً ، فوكَزَهُ برجله، وقال له : قم، فقد سبقك العابدون . فقال له : دغني، يا روح الله أنام، فقد عبَدتُه بعبادة ليس على وجه الأرض مثلها أو بأحب العبادة إليه، فقال له، عليه السلام وما هي ؟ قال : الزّهد في الدنيا . فقال عيسى عليه السلام : نَم نومة العروس في خدرها، فقد فُقت العابدين. الوجه الخامس : يؤخذ منه الدعاء للشخص، وإن لم يطلبه إذا رأى فيه لذلك أهلية لأنه يُعان به على ما هو بسبيله. يؤخذ ذلك من دعاء سيدنا ، ل ، لأبي بكرةَ ، ولم يسأله ذلك ، لما رأى في

من دلائل الخير .

وهنا بحث : لِمَ دعا له بزيادة الحرص وقال له ( ولا تَعُد ولم يقل (لا جعلك الله تعود لمثلها؟ فالجواب : أن دعاءه عليه السلام بزيادة الحرص عون على الخير . ولو دعا له بألا يعود ودعاء سيدنا ، مستجاب ـ فقد يكون دعاؤه يمنعه من أنواع من الخير ، لأنه قد يتأخر عن صلاة الجماعة في وقت ما لما يكون له أفضل مثل تمريض مريض لا يكون له مَن ،يمرّضه أو حضور ، ميت لا يكون له من يقوم به، أو خروج لغزو ، أو ما أشبه ذلك من أنواع الخير . فلما احتمل دعاؤه عليه السلام أن يكون فيه عون على الخير أو مَنْع منه ، لم يَدعُ له ، ونَدَبه إلى الأفضل. وحيث كان الدعاء خيراً كله دعا له، وإن لم يسأله .

ويترتب على هذا من الفقه ألا يدعو أحد بدعاء إلا حتى (١) يعلم ما يترتب عليه ويتيقن أنه خير كله، سواء كان لنفسه أو لغيره .

الوجه السادس : فيه دليل على حُسنِ ما طَبَع الله عزّ وجلّ، عليه نبيه ، ، ، من حُسنِ السجايا. يؤخذ ذلك من كونه عليه السّلام أتى على البديهة بهذا الجواب الذي يتضمن هذه الفوائد التي لا تفهم إلا بعد النظر والتثبت والتّوفيق .

وفيه زيادة بيان وإيضاح لقول ،مولانا، جلّ جلاله اطلبوني عند المنكَسِرَةِ قلوبهم من أجلي) لأنه سبحانه، لا يَحُلّ في شيء، وإنما معناه : رحمتي أعلى من دعائه، فلما انكسر قلب الصحابي ، رضي الله

الله ؟

، فدعا له بالخير .

(1) كذا بزيادة (إلا) قبل حتى) .

حالة على المنكسرة قلوبهم . وأي رحمة

، بما فعل دون علم، سخر له،

الباعث

عليه

سبقك

بأحب

ه يُعان

ى فيه

تعود

يعود صلاة

الوجه السابع : فيه دليل لأهل الصوفة الذين يقولون بجبر القلوب. يؤخذ ذلك من دعاء

الله عنهم، دعاؤه ، لهم،

سيدنا ، و لهذا الصحابي، لأن أفضلَ السّرور ،عندهم رضي فجَبَرَه ، وبإدخال السرور عليه لما رأى من انكسار قلبه عند إخباره بما صنَع ، وهو لا يعلم ما

حكم الله فيه

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

العة

ضور

اؤه ،

كان

سن ـده

مة

ولت كالة

حديث وجوب توفية أركان الصلاة

عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ، أَنَّ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، دَخَلَ المَسجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيُّ ، ، فَرَدَّ النَّبِيُّ ، عَلَيْهِ السَّلاَمَ. فَقالَ: ارجعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَم تُصَلِّ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، فَقالَ : ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لم تُصَلَّ (ثَلاثاً) . فَقالَ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ نَبِيّاً ، ما أُحِسنُ غَيْرَهُ، فَعَلَّمْنِي. فَقَالَ: إِذا قُمتَ إلَى الصَّلاةِ فَكَبَر ، ثُمَّ اقرأ ما تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرآنِ (۲)، ثُمَّ اركَع حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعاً، ثُمَّ ارفع حَتَّى تَعتَدِلَ قَائِماً، ثُمَّ اسجُد حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِداً، ثُمَّ ارفَع حَتى تَطْمَئِنَّ جَالِساً ، ثُمَّ اسجد حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِداً، ثُمَّ افعَل ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلّها .

ظاهر الحديث يوجب توفية أركان الصلاة من قيام وركوع وغيره من شأنها، ومن لم يفعل لم تُجْزِهِ صلاته والكلام عليه من وجوه

(1) أبو هريرة : عبد الرحمن بن صخر أحفظ من روى الحديث بدعاء النبي له . وكان اسمه في الجاهلية عبد شمس وسماه الرسول عليه السلام عبد الرحمن) وكنّاه أبا هريرة» إذ كانت له هرة يحملها في ثيابه روي له (٥٣٠٠) حديث في مسند بقي بن مخلد . وكان أبو هريرة شكا سوء حفظه إلى الرسول عليه السلام فأمره ببسط ردائه ودعا فقال : اللهم أسألك علماً لا ينسى فقال : امين». وكان مع الرسول عليه السلام في حضره وسفره وحجه وغزواته توفي سنة ٥٩) هـ الإصابة لابن حجر). (۲) هذا من حجة الأحناف في عدم فرضية الفاتحة، وعلى هذا الآية الكريمة ) فَاقْرَءُوا مَا تَيْسَرَ مِنْةُ وَعَاثوا) . أما فأخذ بحديث (الخداج) ولو مقتدياً بجهرية والحنابلة خيروا المقتدي في الصلاة السرية ومنعوها في الجهرية أيضاً لآية (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرَهَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا ) . والإجماع على أن هذه الآية نزلت في القراءة بالصلاة. فالاستماع في الجهرية والإنصات في السرّية وهو أقوى أدلة الأحناف.

الشافعي

الوجه الأول: وجوب القراءة في الصلاة بغير تعيين. يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام: اقرأ ما تَيَسَّر معك من .(القرآن .

وهنا بحث وهو أنه يعارضنا ،قوله عليه السلام في حديث غيره كلُّ صلاةٍ لا يُقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج هي خداج هي خداج) (۱) ، وحديث آخر : كلُّ ركعة) ، والنَّسْخ لا يعلم فيهما . ويسوّغ الجمع بينهما بأن نقدّر هنا محذوفاً، والموضعُ يحتمله، فيكون التقدير : ما تيسر معك من القرآن بعدَ أم القرآن وهو مذهب جمهور الفقهاء، لأنه احتمل هذا الحديث أن يكون قبل نزول أم القرآن فيكون على ظاهره بلا تأويل .

واحتمل أن يكون ذلك بعد نزول أمّ القرآن، وتقرير الحكم بإثباتها في الصلاة، فرجع الحكم بها معلوماً، كما أن الصلاة معلومة، والمحتمل لا يعارض به النص، ويكون إذ ذاك الجمع كما قدمناه

أولاً ، والاحتمال الأول بعيد، لأن أمَّ القرآن مكيَّة، وهذا الحديث مدني، والله عزّ وجلّ، أعلم . الوجه الثاني : فيه دليل على الأمر بتكبيرة الإحرام يؤخذ ذلك من قوله : (إذا قمت إلى الصَّلاة فكبر). ويؤخذ منه أن التكبير كان عندهم معروفاً في الصّلاة يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام : (فكبر) ولم يعلمه صفة التكبير ، ولو لم يكن معلوماً ما جاز السكوت عنه عند الحاجة إليه .

وهنا بحث، وهو أن يقال : ما هو حدّ الاستواء؟ اختلف العلماء في ذلك الحد فمنهم من

قال : قدر ثلاث تسبيحات، ومنهم من قال غير ذلك، ومنهم من لم يجعل له حدا إلا ما حده ، ل ، هنا، وهو قول مالك رحمه الله تعالى ومن تبعه، وهو الأظهر لأن الذي أعطي البلاغة والنّور والحكمة أخبرنا بالأمر الذي يأخذ كل النّاس منه القَدْرَ الذي فيه إجزاء فَرضهم، لأن الناس فيهم الخفيف البدن الخفيفُ الحركة، فهذا بأقل من ثلاث تسبيحات (۳) تعتدل منه جميع ومنهم الثّقيلُ البَدَن الثّقيلُ الحركة، فهذا بمقدار الثلاث تسبيحات لا يتم له فَرضُه، ومنهم ما بين ذلك، وهم أيضاً في النطق بالتسبيح مختلفون .

مفاصله،

الوجه الثالث فيه أيضاً من الحكمة معنى ،لطيف لأنه لما نهى ، عن والتفقير (۳) في الدّعاء، لأنه إذا كان الداعي مشغول الخاطر بتفقير دعائه، ذهب منه المقصود من الدعاء، وهو حضور القلب، فلم يحصل على فائدة ما أراده من الإجابة لعدم شرط الحضور

(1) أخرجه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه . من الفقهاء من قال بفرض التسبيحات في الركوع والسجود. وهذا الحديث حجة عليه، إذ لو كانت فرضاً لعلمه

إياها .

(۳) التفقير : التكسير والمراد هنا : التقطيع وجعله فقرات متوازنة .

فنهى ، ل ، عن هذا رحمة بأمته . ويشبه هذا من طريق الحكمة، لأن الصلاة المطلوب منها أمران : (الظاهر) وتوفيته، وقد بيّنا العلة فى ذلك آنفاً، و(الباطن) وهو الحضور والخشوع مختلف فيه بين العلماء، هل هو فرض في الصلاة أو شرط كمال ؟ وشَغلُ الخاطر بهذه التسبيحات ينافي الخشوع والحضور. فمن أجل هذه العلة لم يحد ، ، ، ، ، فى ذلك حدا إلا حقيقة الاعتدال. فمن فهم هذا المعنى أبقى الحد فيه على ما حده ، له ، وهو فضل الله يؤتيه من يشاء .

وهنا بحث، وهو ما الحكمة بأن جعل مفتاح الصلاة (الله أكبر ) ثم فَصَل بهذه الصيغة

المباركة بين أركان الصلاة؟

فالجواب : إن قلنا : إن هذا تعبُّد غير معقول المعنى، فلا .بحث وإن قلنا وهو الحق: إن الحكيم لا يفعل شيئاً إلا لحكمة، فما الحكمة هنا؟ فنقول والله أعلم : لما كانت الصلاة توجهاً إلى المولى الجليل ومناجاة له، كما أخبر الصادق لا في قوله فإنما يناجي ربه)) ، ولقوله عليه السلام: (إذا دخل العبد في الصلاة أقبل الله عليه بوجهه الكريم ، وقد قال عزّ وجلّ: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله ) (۳) وقد جرت الحكمة أنه لا يُدخل على الملوك إلا بالإذن، وعند الإذن منهم يدخل عليهم الداخل بحضور قلبه ويلتزم الأدب، ويعرف على من هو داخل فجعل التكبير هنا دالاً على الإذن للوقوف بين يدي المولى الجليل ليُحضر قلبه ويعرف بين يدي من هو ؟ وجاء الإذن بهذا الاسم العلم الذي لم يشاركه فيه أحد من خلقه حتى يكون سبباً لحضور حقيقة التوجه إذا ذاك .

الوجه الرابع : فيه تنبيه على رفض ما كان يأخذ فيه قبل الصلاة، كما جاء في نداء الصبح للصلاة الصلاة خيرٌ من النوم، لأن النوم مما تستطيبه النفوس فأشعرنا بأن ما دُعِيَت إليه من الصلاة خيرٌ وأطيب مما هي فيه . فكذلك قوله : (الله أكبر ) فإنه يقول لك بضمن الحكمة : ما كنتَ فيه، أو ما أنتَ فيه من خير أو ضده أو عبادة من العبادات، أو نوع من أنواع المباحات (الله أكبَرُ) أي ما دعاك الله إليه أكبَرُ مما أنت فيه فاضرِب عنه، وأقبل على مولاك تجده خيراً لك في الحال والمآل .

ولذلك قال عز وجل في حقها : ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِمِينَ ﴾ (٤) فإن مَن ليس من الخاشعين إذا جاءت الصلاة كانت قاطعة له عما كان بسبيله، وهذا على النفوس من أكبر الأشياء،

(1) أخرجه الإمام مالك في الموطأ، والإمام أحمد في مسنده والبخاري ومسلم. (۲) جزء من حديث أخرجه البزار عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما بلفظ اخر

(۳) سورة البقرة من الآية ١١٥ .

(٤) سورة البقرة ، من الآية ٤٥ .

أخف الأشياء عليهم، وأحبها إليهم، لما

وأما الخاشعون فإنهم ينتظرونها انتظار فرح بها وهي / يجدون فيها من النعيم والقرب والخلو بالمحبوب، ولذلك قال : (وجُعِلت قرة عيني في الصلاة) (1) . وقد نقل عن بعض الرجال أنه قال : تعبت بالصلاة عشرين سنة، وتنعمت بها عشرين سنة. وما ذاك إلا لما لم يحصل له مقامُ الخاشعين تعِب ، فلما ذاق طعم الخشوع جاءه ذلك النعيم

والخير التام .

وأما الحكمة في الفصل به (۲) بين أركان الصلاة فإنه إما تحقيق لرجاء، أو تحقيق لخوف، أو تحقيق لوعد أو وعيد، أو لنفي إعجاب أو وسوسة. مثال الرجاء : أن يكون قد ابتهل في الركن الذي كان فيه من الصلاة بدعاء فيما يرجو به خيراً، فجاء بعده (الله أكبر ) بشرى لبلوغ ما أمله من فضله عزّ وجلّ في إجابة دعائه . أو خوف إن كان في دعائه خائفاً من شيء، فجاء بعده (الله أكبر ) أي هو أولى بالخوف ؛ فإذا خفته فلا تخف غيره . أو كان قد قرأ آية وعدٍ أو وعيد فجاء بعده الله أكبر)، تحقيق لمقتضى ما قرأ، أو نفي إعجاب إن وقع للنفس أنها قد وفَّت ما عليها، وأن لها بذلك حقًا على الربوبية واجباً، فجاء بعده (الله أكبر) أي حقٌّ الله أكبر ، كما جاء وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ) (۳) معناه ذكره لك في الأزل أنْ جَعَلَك من الذاكرين له ﴿ أكبر من ذِكرِك أنتَ الآن له .

الوجه الخامس : فيه دليل على أن الأدب - إذا دُخِل المسجد - أن تقدم الصلاة، وبعدها يكون السلام على الغير. يؤخذ ذلك من قوله : (دخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على النبي ، ا ، ولم يقل له النبي ، ، في ذلك شيئاً، فإقراره عليه السلام له على ذلك حُكم به ، وذلك في الأحاديث إذا

استقريت كثير .

الوجه السادس فيه دليل على حرمة العبادة وأنه لا يُكلّم من هو فيها ولا يُعَلِّم، وإن أفسدها . يؤخذ ذلك من أن النبي ، ، ، لما رأى الرجل يصلي، وهو لا يحسن صلاته، لم يقل له الله شيئاً حتى فرغ، وأتى إليه، فقال له عليه السلام ارجع فصل) . والصلاة التي صلّى إن كانت فريضة يترتب على ذلك من الفقه أنه إذا نقص من توفية أركان الصلاة شيء لم تجز، وإن كانت نافلة يترتب عليها من الفقه أنه من دخل في نافلة، وأنقص منها شيئاً، أو أفسدها باختياره أنه يأتي يبدلها . والحجة في ذلك لمالك رحمه الله تعالى الذي يقول : إن النافلة تجبّر كما يجبر الفرض، ومن

(۱) جزء من حديث أوله : حُب إلي من دنياكم ثلاث أخرجه الإمام أحمد والنسائي والحاكم والبيهقي في الكبرى

عن أنس رضي الله عنه. (۲) به : الضمير يعود على التكبير وهو قول المصلي : (الله أكبر) .

(۳) سورة العنكبوت، من الآية ٤٥ .

دخل فيها وجب عليه إتمامها لأنه قال: (فَصَلَّ) وليس فى الحديث ما يدل على أنها فرض

فالأظهر أنها تحيّة المسجد .

الوجه السابع : فيه دليل على أن تكرار العمل بغير تمام لا يُعد شيئاً . يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام ارجع فَصَلِّ فإنك لم تُصلِّ ) (ثلاثاً) .

الوجه الثامن : فيه دليل لمن يقول : إن العالم لا يتعين عليه أن يعلم حتى يُسأل . يؤخذ ذلك

من أن سيدنا ، ، لم يعلمه حتى قال له : فَعَلّمْني .

الوجه التاسع : يؤخذ منه ألا يُحكم بشيء محتمل حتى يُبحث عن حقيقته . يؤخذ ذلك من أن النبي ا ا ا ا ا ل ل ل لم ينتقد عليه ، ولم يعبه، وما قال له إلا ارجع) فَصَلِّ، فإنك لم تُصَلِّ لأن قلة توفيته للصلاة احتمل أن يكون ذهوله لشغل بال أو لجهل كما ذكر عن نفسه. فلما وقع الاحتمال لم يزده، عليه السلام على الإخبار بعدم الإجزاء شيئاً .

الوجه العاشر : فيه دليل على جواز النظر للمتعبد، إلا أن يكون مواجهاً له فلا ينظر إليه لأنه إذا نظر إليه وهو مواجه له شوّش عليه - ذكَرَه بعض العلماء - أو لِيُدِرْ وجهه عنه . يؤخذ ذلك من أن النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يقل له ارجع فصل فإنك لم تصل إلا أنه نظر إليه طول مقامه يصلي، ولولا ذلك

ما علم حاله .

ويترتب على ذلك من الفقه أن لكل راعٍ أن يتفقدَ مَنْ تحت رعايته في أمر دينهم، هل يوفون أم لا؟ فإنه مسؤول عنهم، ولذلك كتب عمر ، رضي الله عنه، إلى عماله : إن أهم أموركم عندي

الصلاة .

الوجه الحادي عشر : يؤخذ منه جواز السّلام بعد الصّلاة، وإن كنتَ قد سلّمتَ قبلها . يؤخذ ذلك من أنه كلما جاء من تلك الصلاة التي ردّه النبي ، ا إليها أعاد السلام ، عليه ، و الله ، ولم ينكر عليه وعدم إنكاره عليه السلام دال على الجواز. وهنا إشارة من طريقة أهل التحقيق في المعاملات، لأن الدخول في الصلاة خروج من هذا العالم إلى العالم العلوي بسره . فلما سلّم من الصلاة، فهو رجوع إلى هذا العالم ، فهو الآن قادم من عالم إلى عالم آخر ، فلَزِم ، أو جاز، أو ندب إلى السّلام، وما هو أقل من هذا الاعتبار.

روي عن الصحابة رضي ال عنهم أنهم كانوا إذا كان الواحد منهم يمشي مع أخيه ، وحال بينهما شجرة أو شيء، ثم تراجعا من ذلك الأمر اليسير، سلّم أحدهما على صاحبه (۱) ، لأن الفُرقة -

(۱) مروي بالمعنى وأصله : إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه ، فإن حالت بينهما شجرة أو حائط أو حجر ثم لقيه "

عليه

ذلك

أن

فيته

ـن

وإن كانت يسيرة - فقد انقطع استصحاب الحال، وجاء أمر اخر فينبغي أن يبدأ بالسلام، لما فيه من الأجر والخير والبركة. فهؤلاء رضي الله عنهم كانوا يعرفون مقدار ما نُدِبوا إليه، وأن خواطرهم عاملة بذلك. ولو فعله اليوم أحد لكان ينكر عليه : فإنا لله وإنا إليه راجعون على الغفلة التي قد توالت ، فما يفيق سكران الغفلة إلا وشمس القيامة قد بزغت، فأنى لنا بجبر ما ضاع من العمل؟ الوجه الثاني عشر : فيه دليل على فضل الصحابة وعدم التصنع عندهم، رضي يؤخذ ذلك من قوله : (والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني لأنه تواضع، ولم يكفه الإخبار

إلا حتى

الله عنهم.

(1) أكده باليمين . وقد قال العلماء: لا يُحرم طالب العلم إلا من وجهين إما من الكبر أو من الحياء، فإن الدين ليس فيه كبر ولا حياء في قول حقٌّ، أو تعليمه، ولذلك قال : (نِعْمَ النِّساءُ نِساء الأنصار لم يمنعهنّ الحياءُ مِن أنْ يَتَفَقَّهْنَ في الدِّين) (۲) .

الوجه الثالث عشر : فيه دليل لأهل الصوفة لأن فضيحة النفس بما فيها موت لها، وموتها حياتها. موت النفوس حياتها . من أحبَّ أن يحيا يموت .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

فليسلم عليه . أخرجه أبو داود وابن ماجه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة رضي الله عنه

(1) كذا بإقحام إلا» (۲) انظر تخريجه في الحديث (۲۱) .

احلة رياء حية

حديث رد المأموم على الإمام بالحمد في الرفع

کا

عَن أَبي هُرِيرَةَ، رَضي الله عنه ، أَنَّ رسُول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : إذا قال الإمامُ : سمع الله لِمَن حَمِدَه . فقُولوا : اللَّهُمَّ ربَّنا لك الحمدُ (۱) . فإنَّهُ مَن وافق قوله قول الملائِكَة غُفِرَ لهُ ما تقدم مِن

ذَنْبِهِ

ظاهر الحديث : أن من وافق تحميده عند قول الإمام : (سمع الله لمن حمده قول الملائكة غفر له . والكلام عليه من وجوه

الوجه الأول: ما معنى قوله عليه السلام وافق) قوله قول الملائكة هل في الزمان أو في الإخلاص، أو في مجموعهما؟ محتمل والأظهر موافقتها في الزمان والإخلاص، لأنه لم يبق محتمل آخر، وبقي الوجهان على طريق الطمع والرجاء في فضل الله تعالى. وهنا بحث في قوله عليه السلام: (قول الملائكة هل يعني به ملائكة ،معروفين فتكون الألف واللام للعهد ؟ أو يعني به : جنس الملائكة فتكون للجنس؟ احتمل . لكن جاء حديث آخر (قول الملائكة في السماء) فدلّ على أنها للعهد، وأنهم ملائكة في السماء .

ومما يقوي هذا ما جاء عنه ، ، ، في قوله : (يا مَنْ أَظْهَر الجميل، وستر القبيح. إن الله عزّ وجلّ، خلق تحت العرش تماثيل على صفة كل شخص من بني آدم. فإذا تحرّك الآدمي بأي نوع تحرك ذلك التمثالُ بمثل ما تحرّك به الآدمي . لكن - بفضل الله - إن كان تحرَّك الآدمي بطاعة تحرّك ذلك التمثال بمثلها ، فأبصرته الملائكة، فاستغفَرَتْ له، ودعت له. وإن كان بمخالفة أو مكروه ستّر

(1) للحديث روايات عدة منها : ولك الحمد) ومنها بدون .(اللهم). وقد أخذ الأحناف بجمع الروايات (اللهم ربنا

ولك الحمد وقالوا : هو الأفضل.

من

كة

الله ، عزّ وجلّ حركة ذلك التمثال عن الملائكة، فلا يَرُونه حين يتحرّك بالمعصية)(۱). فسبحان مَنْ هذا حِلمُهُ بعد عِلمِهِ .

الوجه الثاني : فيه دليل على عظم قدرة الله عزّ وجلّ يؤخذ ذلك من أن هذا العالم على كثرته تكون الملائكة في العالم العلوي يراقبونهم واحداً واحداً .

الوجه الثالث : فيه دليل لمن يقول : إن بني ادم الصالحين أشرف من الملائكة . يؤخذ ذلك من كون العالم العلوي مترقبين لهم، ويُؤمنون على دعائهم، واحداً واحداً

الوجه الرابع فيه دليل على زيادة شرف هذا الركن من بين أركان الصلاة، لأنه لم يجيء أن الملائكة تشارك الآدمي في هذه العبادة بالموافقة إلا في هذا الركن، وتأمينهم عند آخر الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ ) بقولهم : (آمين) فهذا أيضاً دليل على فضل السورة، لأنه لم يجىء أنها تُؤمّن على القراءة في شيء إلا على خاتمة الفاتحة . وهذا الموضع - وهو تحميدها - على قول الإمام (سمع الله لمن حَمِده دال على تعظيمها من بين الأركان والأقوال .

الوجه الخامس : فيه دليل على فضل صلاة الجماعة على غيرها يؤخذ ذلك من أنها لا تؤمن وتحمد على قول الفَذَ امين عند قوله (سمع الله لِمَن حَمِده) وإنما تفعل ذلك للإمام ليس إلا. وفي هذا الموضع دليل بقوة الكلام على المحافظة عليها ، لأنه لما أخبر ، ، بما فيها من الأجور، كأنه بقوة الكلام يقول : لا تغفل عنها، وحافظ عليها .

وهنا بحث لطيف، وهو ما الحكمة بأن خُص هذا الموضع وحده بهذا التشريف؟ فإن قلنا : إنه تعبد، فلا بحث وإن قلنا إنه لحكمة فما هي؟ فنقول - والله أعلم - : لمّا جاء أن الركوع منعت فيه القراءة، ومُنع فيه من الدعاء، وشرع فيه تعظيم الرب عزّ وجلّ، وقد قال تعالى: على لسان نبيه من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين) (٢) . فلمّا كان هؤلاء امتثلوا ما أمروا به في حال الركوع بترك كل شيء، واشتغلوا بتعظيمه، جلّ جلاله، تفضّل، عزّ وجلّ عليهم بأن جعل لهم في هذا الموطن - الذي هو رفعُ الرأس من هذا التعظيم لجلاله - هذا

(۱) مركب من أكثر من حديث أوّله ما أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات من أن جبريل عليه السلام جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحسن صورة راه ضاحكاً مستبشراً، وبشره بأن الله أرسله إلى النبي عليه السلام بهدية وهي كلمات من كنوز عرشه ودعاء أوّله (ي) من أظهر الجميل وستر القبيح .. إلخ). (۲) أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد، وابن شاهين في الترغيب في الذكر، وأبو نعيم في المعرفة، والبيهقي في الله عنه . الشعب عن ابن عمر رضي الله عنهما، وعبد الرزاق عن جابر رضي

الخير العظيم، وأمر نبيَّه ، أن يخبرهم به ليعرفوا قدرها من نعمة لأنه ليس في جميع الثواب

هي

أعظم من المغفرة، كما قررناه في الأحاديث قبل . وفيه معنى آخر ،لطيف وهو لمّا جاء قول إمامهم (سمع الله لمن حمده) أي إنه قد سمع حمدكم إياه، وجازاكم عليه بمقتضى وعده الجميل - وهو قوله عزّ وجلّ: (مَن شَغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين) - جاء جوابهم : (اللهم ربَّنا لك الحمد) ، وهذا شكر على تلك النعمة، لأن الحمد يقوم مقام الشكر، وهو أعلى وجوه الشكر، وقد قال جل جلاله: لين شكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) (۱) فلما شكروا زيدت لهم المغفرة، فجاءت زيادة الكريم توفية لوعده الجميل ( وَمَنْ أَوْفَ بِعَهْدِهِ، مِنَ اللهِ ) (۲) وكانت الزيادة خيراً من العمل، لأن الزيادة بمقتضى الفضل، وإن كان الكل من الخير بفضله سبحانه . لكن الزيادة ليست بمقابلة شيء من الأعمال، فهي فضل صرف فجاءت بأعظم الأشياء، ولذلك قال جلّ جلاله: ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ) (۳) وهذا أجلّ البشارات، وأجل السرور ، لأن ما هو مقتضى فضل ذي الجلال والإكرام لا يبقى معه هم ولا نَصَب ، ولا حظ من خير إلا وقد أجزل لمن منّ عليه بهذه النعمة . جعلنا الله من أهلها بفضله، ولذلك قال عزّ وجلّ : وَسَتَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ﴾ (٤) لأنه إذا كان السؤال من المسكين إلى الجليل، وهو ليس بملتفت لعمله، كان أنجح في الاستجابة، ولا ينتبه إليها إلا من خص بها جعلنا الله منهم بفضله .

الوجه السادس وهنا إشارة صوفية لأنهم لما رأوا هذه الإشارة وغيرها تقتضي تفضيل ترك الحظوظ على غيرها عملوا على الخروج من حظوظ النفوس جملة من غير تفصيل واشتغلوا بذكر الصَّمد الجليل، فأورثهم عزّ وجلّ العزّ الرفيع، بأن شرفهم، فقال عزّ وجلّ، في محكم التنزيل: لا تُلْهِيهِمْ تِجَرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ ) (٥) وقال عز وجل : ( وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْمَشِي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ (٦)

فَهمنا الله ما فَهَّمهم، وَجَعلنا في الأحوال معهم، لا ربَّ سواه. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً

(1) سورة إبراهيم من الآية . (۲) سورة التوبة، من الآية ۱۱۱ . (۳) سورة النساء، من الآية ۱۷۳ . (٤) سورة النساء من الآية .۳۲.

(٥) سورة النور، من الآية ٣٧ . (٦) سورة الكهف من الآية .۲۸ .

ـن

ت

حديث رؤية المولى عز وجل

عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أنَّ الناس قالوا يا رسول الله ، هل نرى ربَّنا يومَ القيامةِ؟ قالَ : هل تُمارون (۱) في القمر ليلةَ البدرِ ليس دونَهُ سحابٌ؟ قالوا لاَ يا رسولَ الله . قال : فهل تُمارونَ في الشَّمس ليس دونَها سحابٌ؟ قالوا: لا يا رسول الله . قال : فإنَّكُم تَرَوْنَهُ كذلك . يُحشَرُ الناسُ يومَ القيامةِ، فيقولُ : مَن كان يعبد شيئاً فليتبعه فمنهم من يتبع الشمس، ومنهم من يتبعُ القمر، ومنهم من يتبعُ الطواغيت، وتبقى هذه الأُمَّةُ فيها

منافقوها .

فيأتيهم الله عز وجل، فيقولُ : أنا ربُّكُم . فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فيدعوهم، فيُضرَبُ الصِّراط بين ظهراني (٢) جهنم ، فأكون أول من يجوز (۳) من الرسُلِ بأُمتِهِ ، ولا يتكلّمُ أحدٌ يومئذٍ إلا الرُّسُلُ. وكلامُ الرُّسل يومئذ : اللهمَّ سَلّمْ سلّمْ .

وفي جهنَّمَ كلاليب مثلُ شَوكِ السَعْدانِ (٤) . هل رأيتُم شَوكَ السَعْدانِ ؟ قالوا نعم قال فإنّها مثلُ شوكِ السَّعْدانِ، غير أنّهُ لا يَعلمُ قَدْرَ عِظَمِها إلا الله عزّ وجلَّ، فَتَخْطَفُ الناسَ بأعمالهم ، فمنهم من يُوبَق (٥) بعمله ، ومنهم من يُخَرْدَل (٦) ، ثم ينجو . حتى إذا أراد الله رحمة من أراد من أهل النارِ أَمَرَ الله الملائكة أن يُخرِجوا مَن كان يَعبدُ الله ، فيُخرجونهم، ويعرفونهم بآثارِ السجود ، وحرَّمَ الله على النار أن تأكل َأثَرَ السجودِ

(۱) هل :تُمارُون: هل تَشْكُون أو تتردَّدون.

(۲) بين ظهراني جهنم: على وسطها . (۳) يجوز يجتاز ويقطع من طرف لآخر.

(4) شوك السعدان السعدان نبت ذو شوك، وهو من أطيب مراعي الإبل ما دام رطباً، فإذا يبس كلح وقسا فتعافه .

(٥) يوبَق بعمله : يهلك بسبب عمله السيّىء.

(1) :يخردل يُصرع ويرمى.

فيُخرجون من النارِ، فكلُّ ابنِ آدمَ تأكُله النارُ إلا أثَرَ السُّجودِ. فيُخرجون من النارِ قد امتَحَشُوا (١) ، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون كما تنبتُ الحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيْلِ (٢) . (۱) ثمَّ يَفرُخُ الله سبحانه وتعالى، من القضاء بين العباد، ويبقى رجل بين الجنة والنار، وهو آخرُ أهل النارِ دخولاً الجنّةَ مُقبلاً بوجهه قِبَلَ النّارِ ، فيقولُ : يا ربّ، اصرِف وجهي عن النارِ فقد قَشَبَني (۳) ريحُها، وأحرقني ذكاؤها (4) . فيقولُ : هل عسَيْتَ إِن فُعِل ذلك بكَ أن تسأل غير ذلك؟ فيقول : لا ، وعِزَّتِكَ، فيعطي الله عزّ وجلّ، ما شاء من عهد وميثاق، فيصرِفُ اللهُ وجهَهُ عن النار .

فإذا أَقبَلَ به على الجنّةِ، رأى بَهْجَتَها ، سكت ما شاء الله أن يَسْكَتَ ، ثم قال : يا ربِّ، قدمني عند باب الجنة . فيقولُ الله : أليس قد أعطيت العهود والمواثيق ألا تسأل غير الذي كنتَ سألت؟ فيقولُ : يا ربِّ، لا أكونُ أشقى خلقِكَ . فيقولُ : فما عسيتَ إن أُعطيتَ ذلك الا تسأل غيره ؟ فيقولُ : لاَ، وعِزَّتِكَ، لا أسألُ غير ذلكَ. فيعطي ربَّهُ ما شاء من عهد وميثاق . فيقدمه إلى باب الجنَّةِ .

فإذا بلغ ،بابها، فرأى زهرتها وما فيها من النَّضْرةِ والسُّرورِ، فيسكتُ ما شاءَ اللهُ أن يسكت، فيقولُ: يا رب، أدخلني الجنّةَ، فيقولُ الله عزّ وجلَّ : وَيْحَكَ يا ابن آدم، ما أغْدَرَكَ! أليس قد أعطيت العهود والمواثيق ألا تسألَ غير الذي أُعطيت؟ فيقول : يا ربِّ، لا تجعلني أشقى خلقك . فيَضحَكُ الله عزّ وجلّ منه، ثم يأذَنُ الله له في دخول الجنة ، فيقولُ: تَمَنَّ. فيتمنى حتى إذا انقطعت أُمنِيَّتُه قال الله عزّ وجلَّ : زِدْ من كذا وكذا . أقبلَ يُذَكَّرهُ ربُّهُ. حتى إذا انتهت به الأماني قال الله سبحانه : لكَ ذلكَ، ومثله معه. وعن أبي سعيد (٥) : إِنِّي سمعته يقولُ : لك ذلك وعَشَرَةُ أمثاله .

(۱) امتحشوا تقشر جلدهم عن لحمهم احترقوا

(۲) حميل السيل: ما حمله السيل من غثاء وطين والحبة : بزور العشب والبقول البرية التي لا تؤكل والحَبَّة

البذور التي تؤكل . (۳) قشبني : اذاني . (٤) ذكاؤها جمرها الملتهب .

(5) أبو سعيد : هو أبو سعيد الخدري : سعد بن مالك الخدري أنصاري خزرجي من ملازمي الرسول عليه السلام. روى عنه (۱۱۷۰) حديثاً. توفي في المدينة سنة ٧٤هـ / ۱۹۳م. (الأعلام / ۱۳۸۳).

ظاهر الحديث تحقيق رؤية ربنا جل جلاله يوم القيامة والكلام عليه من وجوه الوجه الأول : قوله عليه السلام هل تُمارُون؟ معناه هل تَشُكّون؟ وعلى الرواية الأخرى : هل تُضارُّون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ فهذه من الأشياء التي لا يشك أحد أن القمر موجود مزئي. ولو سكت عليه السلام واقتصر على هذا المثال لكان في البيان والتحقيق كافياً . ثم أكده عليه السلام بأن قال: هل) تمارون في الشمس ليس دونها سحاب؟) وفي ابتدائه عليه السلام أولاً بالقمر، ثم بالشمس بعده من الحكمة وجوه . منها : اتباع الأب الجليل وهو : إبراهيم الخليل عليه أفضل الصلاة والسلام كما اتبعه عليه السلام في الملة، اقتدى به في الدليل فكان دليل الخليل على إثبات وجود الربوبية، واستدلال الحبيب بمقتضى ذلك الدليل نفسه على إثبات الرؤية. فكل استدلّ بمقتضى حاله لأن الخلة تصح بالوجود، والمحبة لا تقع إلا برؤية المحبوب.

الوجه الثاني : فيه من الحكمة أن رؤية القمر يُقِرُّ بها كلُّ مَن يبصر ، ولو كان من ضعف بصره ما عسى أن يكون فعند تمام البدر دون سحاب يبصره ضرورةً . وبقي مَن لا بصرَ له يكون عنده وجود رؤية القمر تقليدا، والشمس يشهد بوجود رؤيتها من له ،بصر، ومَن لا بصر له فإن الأعمى يلقاه حَرُّها، وإذا قابلها وقت الظهيرة وليس دونها سحاب أحس بإدراكها بزيادة يجدها على ما يخبرونه بذلك. فأكدها ، ، ، بأشدَّ من الأوَّل. ويكون معنى المثال في تحقيق الرؤية لا في الكيفية، لأن القمر والشمس متحيّزان (۱) ، والحق سبحانه وتعالى ليس بمتحيز وليس أيضاً

شيء من مخلوقاته يشبهه . هذا بدليل العقل والنقل .

فأما من طريق العقل : فبالإجماع منهم أن الصنعة لا تشبه الصانع والشمس والقمر خَلقُ من

خلقه عزّ وجلّ، فليس بينهما شَبَةٌ بوجه من الوجوه . وأما من طريق النقل : فما جاء في التنزيل لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَى (٢) وإنما العرب تشبّه الشيء بالشيء لشبه ما يكون فيه ، كقولهم (زيد) مثل (الأسد والبشر ليس بينه وبين الأسد في الخلقة مماثلة، وإنما شبهوه به لكثرة شدّته ومثل ذلك قولهم : فلان) مِثْلُ القمر) ولا شبه في الخِلْقة بينهما، وإنما شبهوه به لحُسنه هذا في المحدثات التي بينها نسبة الحدوث، فكيف بمن لا نسبة بينه وبين خَلْقه، جلّ جلاله؟

(۱) التحيز التلبث والتمكث والتلوّي والتقلب ومثله التحوّز والمتحيّز المتحول من مكان إلى مكان، أو

المتنحي، ومنه قوله تعالى : ( أَوْ مُتَحَيّذًا إِلَى فِشَر ) .

(۲) سورة الشورى، من الآية ۱۱ .

وهذا مثل ما يقول الناس بعضهم لبعض، إذا سأل أحدهم الآخر في أمر : هل هو حق أم لا؟ فيحلف له أنه حق كما أنت موجود فى الوجود، لأن علم الضرورة لا يشك أحد فيه . فردَّ لهم، علم الإيمان بالرؤية التي هي من قبيل التصديق بالغيب من قبيل علم الضرورة الذي هو مقطوع به، لا يخالف فيه أحد في الوجود وعلم الضرورة هو كعلمك بأن السماء فوقك موجودة ، وأن الأرض تحتك موجودة، وأنك فيها موجود ،الآن، وكذلك ما أدركته من جميع الموجودات تشهد بالقطع الذي لا ارتياب فيه بأنها موجودة حِسّاً .

الوجه الثالث : فيه من الفقه : جواز الاستدلال بالعلم النظري على علم الضرورة وبنائه عليه . وفيه من الفقه أيضاً أن يخاطب كل شخص بما يفهمه لأن العرب فهموا عنه عليه السلام المعنى الذي أشرنا إليه . ولو كانوا غير عرب لم يبين لهم عليه السلام إلا بما كانوا يفهمون عنه

يؤيد ذلك قوله عليه السلام: (خاطبوا الناس على قدر عقولهم ( ۱ ) أي : على قدر ما يفهمون. وعلى رواية (تُضَامُّون) أي لا تتضاغطون لأن القمر، إذا ارتقب في أول ليلة، تضاغط الناس على من أبصره، لكي يُرِيهم إياه ويتعبون في إدامة النظر إليه، وبعضهم يتعب، وقد لا يراه لضعف بصره. وإذا كان ليلة كماله لم يتضاغط أحد مع أحد ولا يتعب أحد في رؤيته، بل يكون قد كسا نوره جميع الأرض، وانشرحت له الصدور فيكون معنى هذا الوجه مثل الأول في تحقيق الرؤية. وزيادة معنى ثانٍ : أنكم أيها المؤمنون كلكم ترون ربكم يوم القيامة، كما ترون البدر عند كماله دون سحاب، والشمس دون سحاب بلا تعب، كذلك ترون ربكم حقًّا ، لا شك في ذلك، كما يشهد له

آخر الحديث .

الوجه الرابع : قوله عليه السلام ترونه كذلك عائد على تحقيق الرؤية ، التي أخبر بها ، عليه السلام من أنهم لا يشكون في القمر ولا في الشمس بتلك الصفة . فيقول : كذلك ترونه حقًا بلا ريب ولا امتراء

وهنا تنبيه، وهو: أنه لا يلزم من الرؤية : التحديد ولا الإحاطة، لأن بعض مخلوقاته سبحانه نراها ونعلم بالقطع أنها محدودة ، ولكن لا نحيط نحن بها، مثل السماء والأرض نحن تدرك كل واحدة منهما ،ونبصرها ولا نحيط بها ونحن نعلم بالضرورة أنها محصورة محدودة فكيف بمن ليس كمثله شيء؟ تنبيه ثاني وهو أنه لا يلزم أيضاً من الرؤية الجهة لأنا نرى من خلقه كثيراً وليسوا هم في جهة، مثل الليل والنهار، فإنا نبصرهما، وليسا في جهة، فكيف بمن ليس كمثله شيء ؟

(۱) رواه الديلمي بسند ضعيف عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً بعبارة : أمرنا أن نخاطب الناس إلخ ..

تنبيه آخر أيضاً، وهو أنه لا يلزم من الرؤية إدراك جميع الصفات. فإنا نبصر من بعض مخلوقاته ما ،نبصره، ولا ندرك منه حقيقة صفته، كالماء، فإنا نبصره ونشربه، ولا نعلم له لوناً، لأنه كلما جعل في شيء يكون لونه لون ذلك الشيء، وحقيقة لونه القائمة به لا يدركها أحد، ولم يقدر أحد من المحققين أن يخبر عنها بلون ما ، فكيف بمن ليس كمثله شيء؟

فتحصل من ذلك كله تحقيق رؤيته جل جلاله بلا ريب مع نفي الكيفية بلا ريب أيضاً . الوجه الخامس : قوله عليه السلام: ( يُحشَرُ الناسُ يوم القيامة) أي يُجمع كما قال عزّ وجلّ: وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَ ابنِ حَشْرِينَ) (۱) أي مَن يجمع الناس .

وفيه من الفقه الإيمان بالبعث بعد الموت وبكل ما ورد من الأخبار في ذلك اليوم العظيم، والتصديق بذلك أنه حق، كما أخبر عليه السلام، ولا يُتَعَرَّضُ أيضاً إلى الكيفية في كل ما جاء من أمر الساعة، فإنه أمر لا تسعه العقول، وطلب الكيفية فيه ضعف في الإيمان وإنما يجب الجزم بالتصديق، كما أخبر عليه السلام لأن قدرة القادر لا يُعجِزُها ممكن، بل تفعل ما شاءت

كيف شاءت .

الوجه السادس : قوله عليه السلام فيقول : من كان يعبد شيئاً فليتبعه). (شيء) يعمّ جميع الأشياء، مدركة كانت أو غير مدركة. فالمدرَك منها مثل الشمس والقمر والنجوم والأوثان على اختلافها، وغير المدرك منها مثل الملائكة وهوى النفوس، لقوله عزّ وجلّ : أَفَرَهَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَمُ

هونه) (٢) وما أشبهها

وفي قوله عليه السلام أولاً من كان يعبد شيئاً) ثم ذكر الشمس والقمر، ثم عمّم بذكر الطواغيت، دليل على أن كل ما يُعبد من دون الله - كائناً ما كان - هو من جملة الطواغيت. فلو سكت عليه السلام عند قوله (شيئاً) لكان احتمل ما بيَّنه بالمثال وهو ما سوى الله من مخلوقاته ، واحتمل أن يريد: (مَن عَبَدَ الله) فإنه يُبَدِّ (۳) في ذلك الوقت على جميعِ مَن عُبد من دون الله ، فيتبعه كل من كان يعبده . فإنّ (شيئاً) يصدق على المولى جل جلاله وعلى غيره من مخلوقاته ولذلك قال، عزّ وجلّ : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَى ) فهو جلّ جلاله (شيء) وليس كمثلِهِ شَيْءٌ . وذكر عليه السلام الشمس والقمر لأنهما أعظم المخلوقات المدركات التي عُبدت من دون

(1) سورة الأعراف، من الآية ۱۱۱ . (۲) سورة الجاثية، من الآية ٢٣ . (۳) يُبدأ : يُقدَّم ويُفضّل .

الله، ثم عاد عليه السلام إلى إجمال الأوثان بقوله (الطواغيت) فأزال بهذا الاحتمال الثاني، وصع به

الوجه الأول، كما ذكرناه ويترتب على هذا من آداب الفقه أن مِن حُسنِ الكلام إذا كان في كلام المتكلم ما يقع فيه أو ه احتمال للوجه الذي أراده أو لغيره أن يأتي بمثال أو إشارة يذهب بها ذلك المحتمل،

بعضه

ويحقق ما أراده .

ويترتب عليه من الحكم الا يُحكم على المتكلّم إلا بما يقتضيه جميع كلامه من أوله إلى

آخره، ولا يلزم البعض ويترك البعض إذا كان الكلام مرتبطاً بعضُه ببعض . الوجه السابع : فيه دليل على أن الحكم يوم القيامة ليس الشخصُ فيه ـ كما هو هنا ـ باختيار نفسه. يؤخذ ذلك من قوله : (مَن كان يعبد شيئاً فليتبعه) ثم لا يَسَعُه إلا الاتِّباع، وإن كان يُفضي به - كما هو متحقق - إلى الهلاك وهنا الأمر قد ورد والمتبعون على اختلاف، فمتبع بالجملة وتارك بالجملة أيضاً، وما بينهما. والحكمة في ذلك - والله أعلم - لمّا كانت هذه الدار يجتمع فيها الحق والباطل كان أهلها على ذلك الوضع، ولما كانت تلك حق كلُّها، كان الكلّ فيها على

مقتضى وضعها .

وهنا بحث وهو أنه قد أخبر أنه من كان يعبد شيئاً اتَّبعه وسكت ولم يخبر عن استقرارهم أين يكون؟ فسكوته عليه السلام عن غاية الاستقرار يؤخذ ذلك من مفهوم الكلام، وهو أنه لما أخبر عليه السلام بأنهم طواغيت، وقد عُلِم بقواعد الشرع أن الطواغيت كلها في : النار، فللعلم بذلك سكت عنه عليه السلام، وإن كان قد بيّنه في حديث آخر، فإنه عليه السلام ذكر فيه أنهم يردون جميعاً النار الأوثان وعُبّادُها ، وقد نبه عزّ وجلّ، على ذلك في كتابه، بقوله عالى في فرعون - وهو واحد ممن عُبد من دون الله - ﴿ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الوِرْدُ

الْمَوْرُودُ) (۱)

فال

الوجه الثامن : قوله عليه السلام وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها). وهنا بحث في (الأمة): هل الألف واللام للجنس، يعني أمة التوحيد من الثَّقَلَيْنِ من أول العالم إلى آخره، أو للعهد يعني به أمة محمد عليه السلام، لا غير ؟ احتمل والأظهر أنها للجنس، بدليل ما عدا عباد الطواغيت، وهم جميع الرسل وأممهم من الجن والإنس أي أنهم لا يتبعون ،وثناً، وإن كان فيهم المنافقون، وهم غير مؤمنين، لكنهم لما ادعوا أنهم مؤمنون أبقوا مع المؤمنين .

(۱) سورة هود من الآية ۹۸ .

نجر

به

الوجه التاسع : قوله عليه السلام حتى يأتينا ربنا) تمحيص ثانٍ لحقيقة دعوى الإيمان فهناك يتميز الخبيث من الطيب، وفي هذا الموضع دليل على فضل الإيمان، لأنه لما تلبس هؤلاء

المنافقون بدعوى الإيمان أبقيت عليهم حرمة ما في ذلك الوقت العظيم من أجل تلك الدعوى .

الوجه العاشر قوله عليه السلام (فيأتيهم الله عزّ وجلّ) الإتيان : هنا بمعنى الظهور، لأن الإتيان في اللغة يكون بمعنى المجيء والانتقال كما تقول : أتى زيد وقد يكون بمعنى الظهور كقولهم : أتى الأمر الذي قلتم بمعنى ظهر، وأتى الحق أي ظهر، ومثله قوله عليه السلام: (لا يبقى العدل بعدي إلا يسيراً، فإذا طلع الجَوْرُ ذهب من العدل مثله) والجَور ليس هو جرماً يطلع ويبرز، وإنما هو بمعنى ظهوره؛ فيكون الإيمان بالإتيان مع عدم الكيفية والأوصاف اللائقة بالمحدثات كلها .

الوجه الحادي عشر : قوله عليه السلام: ( فيقول : أنا ربكم هذا أيضاً يجب الإيمان به مع نفي الكيفية، لأن ،مولانا ،سبحانه لا يتكلم بحرف ولا بصوت وإنما هذا ميسر بلغة سيّدنا محمد ، كما يسر القرآن الذي هو كلامه عزّ وجلّ فيَسَّر لهم إذ ذاك كلامَ مولانا جلّ جلاله ، بلغة العرب، كما يسر لهم كلامه في الدنيا باللسان العربي .

و احتمل أن يكون عزّ وجلّ يكلمهم بكلامه الذي هو صفته عزّ وجلّ كما كَلَّم ،موسى عليه السلام، وفهمه له كيف شاء وتكون يسرت العبارة هنا لسيدنا محمد ، ، ، ،بلغته، كما يسّر القرآن بلغته، بمقتضى الحكمة والكيفية في الموضعين غير ملحوظة، بل منفيّة نفياً كليا .

ويترتب على ذلك من الفقه الإيمان القطعي بالكلام المذكور مع عدم الكيفية، وكذلك في كل موضع يقع الكلام في ذاته الجليلة، سبحانه، وفي صفة من صفاته، لا سبيل للنظر في الكيفية، في شيء من ذلك .

الوجه الثاني عشر : قوله عليه السلام :) فيقولون: هذا مكاننا ، حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربُّنا عرفناه هذا أدل دليل على أن إدراكات الحواس خَلقٌ من خَلق الله يخلق عزّ وجلّ فيها ما يشاء كيف يشاء. يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام : ( يأتيهم ، فيقول : أنا ربكم على المعنى المتقدم فمع الرؤية والكلام لم تقع لهم ،معرفة، لأن حجابهم جُعِل من عند أنفسهم

و نضرب بذلك مثلاً في عالم المخلوقين - وللهِ المَثَلُ الأعلى - مَثَل قرص الشمس إذا أقبلت وقيل لضعيف البصر : انظر الشمس، وهو يعلم بالقطع أن عين الشمس إذا لم يكن دونها سحاب أنها مستنيرة، فإذا نظر إليها ببصره رأى فيها طرقاً حُمْراً وصُفْراً وسُوداً، فيقول : ليست هذه الشمس التي أعلم. فيقال له : منك عدم حقيقة الإدراك فينازع في ذلك . فيقال له : داو بصرك، ثم تعال

فحينئذ

وأبصرها، فإذا داوى بصره، وعاد إلى نظرها رآها على حال كمالها من الحُسن والضياء، يسلّم أن حجابه كان من عند نفسه. هذا في مخلوق مع مخلوق، فكيف مع من لَيْسَ كَمِثْلِهِ فالحُجُبُ كلها، التي لنا منا بمقتضى القدرة والحكمة الربانية .

من عند

الوجه الثالث عشر : فيه تعلّق لأهل الصوفة الذين يقولون : بأن الحجبَ كلّها أنفسهم، فمَن صح له منهم الخروج الكلّي عنها فقد وَصلَ وعَرف وخاطب وخُوطب ، وأبصَرَ ، وبُصْرَ، لكن مع التزام حدود الإكبار والإعظام وتقرير القواعد الشرعية، والتنزيه اللائق بالجلال. الوجه الرابع عشر : قوله : (هذا مكاننا أي: لا نبرح منه وقوله : (حتى يأتينا ربنا ) أي : كما وعدنا في دار الدنيا .

ويؤخذ هنا من الفقه أنه على قدر حال علمك في هذه الدار يكون حالك في تلك الدار، ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قيل له عن فتاني القبر، قال: أيكون معي عقلي؟ قيل : نعم . قال : لا أبالي وذلك لعلمه أن علمه يكون على أكمل حالات الإيمان، فلذلك قال : إذا بقي معي ما عقلته من الإيمان فأنا ناج، لا شك فيه . وإنما خاف من تبديل الحال، ولذلك قال أهل العلم بالمعرفة والشريعة : إن التجلي هناك في دار الكرامة يكون تفاوت الناس فيه على قدر معرفتهم في هذه الدار بالإجلال والإعظام.

وقوله : (فإذا جاء ربنا عرفناه معناه : فإذا تجلى لنا وعرَّفنا نفسَه عرفناه، لأن المؤمنين هنا يعرفون أن قدرته، جلّ جلاله عظيمة تفعل ما شاءت كيف شاءت .

وهنا بحث هل كل الناس يقولون ذلك على لسان واحد ؟ أو أهل الخصوص والمعرفة هم الذين يجاوبون ويُخاطبون، والغير في حكم التَّبع ، كما هو الأمر في هذه الدار ، لأن العرب إذا تكلّم البعض من الجمع، قالوا : قال القوم ؟ الأمر محتمل للوجهين معاً. والقدرة صالحة أن تعطي هناك للعامي من حسن الجواب والأدب كما تعطيه للذي قد مُنَّ عليه بالمعرفة هنا .

وفيه بشارة عظيمة، وهي : الإخبار بإبقاء الإيمان، وهذا القدر من الاتصال حتى يقع الخطاب بين هذا العبد الذي هو على ما هو عليه من الحقارة مع هذا المولى الجليل، مع ما هو عليه من الاستغناء والجلال ولذلك رُوي عن بعض المتعبدات أنها كانت تفرح بالموت وتقول : أوليس يخاطبني، ويقول لي : يا أمَةَ السّوءِ، فعلت كذا وكذا؟ فذلك غاية مطلبي .

وقوله : (فيأتيهم الله) أي : يتجلى لهم . وقوله : ( فيقول : أنا ربُّكم) هو على ما تقدم من القول قبله من البيان. وقوله : ( فيقولون: أنت ربُّنا ) فحين مَنَّ عزّ وجلّ عليهم بالمعرفة عرفوه . وقوله : (فيدعوهم) هنا أي يدعوهم إلى الاتباع لما جاء في حديث غير هذا. وقوله : (فيتبعونه) أي : يتبعون

بننذ

مند

ما

حيث يُؤمرون وقد جاء أن هذا الموطن - أعني موطن الاتباع - يكون التفرقة بين المؤمنين والمنافقين حتى يقال لهم: ارجعوا وراءكم فيلتفتون فيضرب بينهم بسُورٍ ، كما أخبر جلّ جلاله في كتابه (فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ ) ١) . وقد جاء أيضاً مثله في حديث غير هذا .

الوجه الخامس عشر : فيه من الفقه أنه عند الاختبار يتبين حقيقة الحقائق. ويترتب عليه من الفائدة، بعد الإيمان القطعي به أن يختبر المرء هنا حال إيمانه حتى يعلم من أي الفِرَق هو ؟ ولذلك قال : (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا) (۲)

وَلْتَعلَمْ أن حُكم الله عَدْل وما أمرنا به حق، وأن الحكم لا يتبدل، فلا تمهل نفسك وتطمع

في الخلاص بضد موجبه، فهو عين الحمق.

وهنا سؤال، وهو أن يقال: ما الحكمة في تجلّي مولانا لنا أولاً، ولم يُعطنا المعرفة، وفي

الثانية يتجلى لنا، ويمنّ علينا بالمعرفة؟ ولم لا يتجلى لنا عندما اتبعت كل أمة ما عبدت؟ فإن قلنا : هذا مما استأثر الحق عزّ وجلّ به ولا سبيل لنا لمعرفة الحكمة في ذلك، فلا بحث وإن قلنا : إن الحكيم لا يفعل شيئاً إلا لحكمة، وما أخبرنا إلا أن نتفكر ونعتبر ونتصبر، وهو الأظهر، والله أعلم، فما الحكمة في أنه - عزّ وجلّ ـ تجلّى لنا مرتين، ومنعنا في الأولى المَيْز، ومَنَّ به علينا في الثانية؟ فنقول ، والله أعلم لأن يكون بدء الخير، وهو التجلي والكلام بما كنا عرفناه به في الدنيا، أنه ليس كمثله شيء، وأن كل ما فينا من حواس، وما فينا من إدراك، خَلقٌ له عزّ وجلّ . فعرفنا أولاً بالصفة التي ابتدأنا بها في الخلق أولاً وآخراً، وهي صفة القدرة المتصرفة فينا مع إبقاء صفات دعوانا فيما جبلنا عليه أولاً بأول بمقتضى الحكمة.

وأما كونه - عزّ وجلّ ـ أخر التجلّي حتى لم يبق إلا هذه الأمة، فيها منافقوها، على البحث المتقدم، وهم جميع الرسل وأممهم جنّاً وإنساً ، فذلك - والله أعلم - ليُظهِر لهم قدر النعمة عليهم ، إذ يعاينون ذلك الجمع الكثير كلهم يَرِدون النار ثم يمنّ عليهم بعد ذلك بالتجلي والخطاب فيقدرون إذ ذاك على قدر المنة بمقتضى الحكمة، كما جعل - عزّ وجلّ - بين الجنة والنار طيقانا (۳) يُبصِرُ أهل الجنة منها أهل النار وما هم فيه، فيكبرُ عندهم قدرُ النعمة التي هم فيها، لأن النعمة لا

تُعرف إلا بمعرفة ضدّها .

(۱) سورة الحديد من الآية ۱۳ . (۲) أخرجه ابن المبارك وسعيد بن منصور والإمام أحمد في الزهد وابن أبي الدنيا وأبو نعيم في الحلية وابن عساكر

من كلام عمر رضي الله عنه . (۳) الطيقان مفردها ،طاق، وهو ما عُطِف وجُعِل كالقوس من الأبنية .

جعلنا الله من أهل نعمه في الدارين بمنه .

وقوله : ( يضرب الصراط بين ظهراني (جهنم) يُضرَب الصراط :أي: يُنصَب كما تقول : ضربت الحبل ، أي : نصبته . وقد جاءت صفة الصراط أنه أدق من الشعرة، وأحَدُّ من السيف، وأنه سبع عقبات ؛ وأن طول كل عقبة مقدار ثلاثة آلاف سَنَة، على أحد الأقاويل .

وقوله : بين ظهراني (جهنم) أي: على وسط جهنم، لأن الحروف عند العرب يُبدل بعضها من بعض، وهو من فصيح الكلام كقوله عليه السلام في حديث الإسراء أتينا على السماء السادسة معناه إلى السماء .السادسة وتقول العرب : فلان بين ظهراني القوم، أي: في وسط القوم. فيكون المعنى : فيُنصَبُ على وسط جهنم . وقد جاء أن النار تدور بالناس في المحشر، كما يدور الخاتم ،بالإصبع، وأن الشمس من فوقهم وليس لهم طريق إلى الجنة إلا على الصراط إذا

نُصِب، وصفته كما تقدم . ويترتب على ذلك من الفقه الإيمان بالصِّراطِ أنّه حق، وأنه الآن مخلوق . يؤخذ ذلك من : قوله عليه السلام : (يُضرَب) فلو لم يكن مخلوقاً لأخبر أنه يُخلق. فلما أخبر، عليه السلام، في غير هذا الحديث به، وبصفته، وتحقق وجوده ، أخبرنا هنا بأمر قد عُلِم . ولو لم يكن كذلك لأَخبَرَ به حتى يُعرَف هذا الاسم على ماذا يقع؟ والصراط في اللغة هو : الطريق . قال تعالى ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِى مُسْتَقِيمًا ﴾ (۱) أي طريقي .

الوجه السادس عشر : يؤخذ منه الدليل على عظيم قدرة القادر جلّ جلاله . يؤخذ ذلك من كيفية وصف هذا الصراط ، وعِظَمِ النار التي هي بِقَدْر طُوله ، وهذا الترتيب العجيب . الوجه السابع عشر : فيه دليل لمذهب أهل السنّة الذين يقولون بأن النار مخلوقة موجودة

الآن، لأن الصراط لا يُضرب على شيء إلا أن يكون مخلوقاً موجوداً حِسّاً .

الوجه الثامن عشر : فيه دليل على أنه لا يخرج إلى المحشر من جميع النيران إلا جهنم وحدها لأن النار - كما أخبر عزّ وجلّ - في الكتاب وكما أخبر عليه السلام في الحديث سبعة . فالأولى منها جهنم، وهي التي يدخلها المذنبون من أمة محمّد عليه السلام وغيرهم من المؤمنين

المذنبين . فمنهم من يقع فيها من على الصراط، ومنهم من يدخل من بابها . أعاذنا الله منها بفضله .

وهنا بحث، وهو : لم خُصت هذه من جميع دَرَكات النار بالخروج إلى المحشر دون غيرها؟ فالجواب أنه لما أحكمت الحكمة الربانية أن الصراط لا يجوز عليه إلا أهل الإيمان، وأن الكفار لا

(1) سورة الأنعام من الآية ١٥٣ .

يعبرون عليه فإنه إنما جُعل طريقاً إلى الجنة والكفار ليسوا من أهلها فلا يعبرون عليه وإنما يدخلون ما أعد لهم من الدّرَكات على أبوابها ومن أهل الإيمان من لا يكون دخوله النار إلا أن يقع من على الصراط، فلم يُنصَب الصراط إلا على النار التي هي مختصة بأهل الإيمان، لئلا يقع أحد من المؤمنين في نار ليست له . حُكْمٌ عَدْلٌ بمقتضى حكمة الحكيم الذي ليس كمثله شيء . الوجه التاسع عشر : فيه دليل على أن أمور الآخرة ليست على وضع أمور الدنيا في غالب أمرها . يؤخذ ذلك من أن الصراط بهذه الصفة - يتحمل جواز جميع المؤمنين، في مقدار بعض يوم من أيام الدنيا، لأنه جاء أن الحق - سبحانه - يفرغ من الفصل بين العباد في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا (١) ، والجواز على الصّراط في جزء من ذلك النصف . والعادة في هذه الدار أن ذلك القدر من

٩٦ وص

(۱) قول المؤلف الشيخ ابن أبي جمرة أن الحق - سبحانه ، يفرغ من الفصل بين العباد في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا) موافق لما جاء به بعض المفسرين منهم الجلال السيوطي والجلال المحلي، فقد جاء في تفسيرهما في شرح قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) - سورة إبراهيم من الآية (٥١) : يحاسب جميع الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك . وعلق القاضي الشيخ محمد أحمد كنعان في كتابه (قرة العينين على تفسير الجلالين) بما يلي: (لقد سها الجلال السيوطي بوصفه النهار بأنه من أيام الدنيا، وكرّر ذلك في ثلاثة مواضع أخرى ص ٤٠ وص ۱۷۲ ، ومثله فعل الجلال المَحَلي ٦١٩ . والصواب : أن الله تعالى يحاسب الخلق كلهم في مقدار) نصف نهار). أما مقدار هذا النهار فقد جاء مبيناً في قوله تعالى: ﴿ تَمْرُحُ الْمَلَيْكَةُ وَالرُّوحُ اليوفي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُرُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) وهو يوم القيامة، فيتم الحساب في نصف هذا اليوم لما رواه ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (يقوم الناس لربّ العالمين مقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة، يُهوّن ذلك على المؤمن كتدلي الشمس للغروب إلى أن تغرب . ويؤيده ما رواه الشيخان في عقاب مانعي الزكاة في المحشر، وفيه قوله : ( في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقضَى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة

رضي

وإما إلى النار) .

ص

وروى ابن المبارك في الزهد وابن أبي حاتم والحاكم وغيرهم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه موقوفاً عليه قال: (لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقبل هؤلاء وهؤلاء) . وهؤلاء أي: المؤمنون في الجنة، والكفار في النار .

فيوم القيامة طويل جدا على الفاسقين، وهو أطول على الكافرين ) وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَفِرِينَ عَسِيرًا . ولكنه يهون على المؤمنين، كل بحسب عمله . فمنهم الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب وهم سبعون ألفاً من أمة محمد كما في حديث رواه الشيخان ويكون قصيراً على الفقراء من المسلمين، فيدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمئة عام كما في حديث رواه الترمذي وصححه الحاكم. وفي رواية لمسلم : قبل أربعين عاماً، بينما الأغنياء محبوسون للحساب على مالهم من أين اكتسبوه وفيم أنفقوه .

أما ما رواه أحمد وأبو داود عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن النبي الله أنه قال : (إني لأرجو ألا تعجز عند ربّها أن يؤخرهم نصف يوم. قيل لسعد وكم نصف يوم؟ قال : خمسمئة عام فهو محمول على قرب قيام الساعة على الصحيح، وليس على يوم الحساب ؛ لذلك أورده أبو داود في (باب قرب الساعة). والمعنى: يمهلهم من زماني هذا إلى انتهاء خمسمئة سنة بحيث لا يكون أقل من ذلك إلى قيام الساعة . ولو زاد

فلا مضايقة فيه .

الرقة والحدة لا يقدر أن يحمل من الثقل شيئاً، فكيف بثقل ذلك العالم العظيم؟ ولأن الطريق الواسعة أيضاً في هذه الدار لا يمرّ عليها من الجمع الكثير إلا اليسير فكيف مع تلك الرّقة والدقة؟ وأيضاً فإن الطريق الضيّق هنا إذا كان على مهواة، لا يملك أحد أن يستطيع المرور عليه . وهناك أهل النجاة يمرون عليه ، وما عندهم من ذلك خبر ، كما أخبر ، الصادق لا . فسبحان مَنْ هذه قُدْرتُه . الوجه العشرون: قوله عليه السلام فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته فيه دليل لما ذكرناه (۱) أولاً ،لأنه عليه السلام عنى بـ ((الأمة: جميع الموحدين من ادم عليه السلام، إلى

محمد، عليه الصّلاة والسلام

الوجه الحادي والعشرون فيه دليل على فضل سيدنا محمد على جميع الرسل عليهم السلام وفضل أمته على سائر الأمم . يؤخذ ذلك من تقدمه عليه السلام بأمته في الجواز

على الصراط .

وقوله عليه السلام ( ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل) يعني : حين الجواز على الصراط لا في اليوم كله بدليل ما جاء في كلام الناس أنهم يطلبون الشفاعة ويمشون من رسول إلى رسول وما يحتاج الناس بعضهم مع بعض عند الحساب، ومن كلامهم في هذا الحديث مع مولانا - جلّ جلاله - حين يقول لهم : أنا ربكم .

ويوم القيامة يوم واحد والأهوال فيه مواطن فعبَّر عن كل موطن باليوم وهذا سائغ في لسان العرب من تسميتهم البعض بالكلّ والكلّ بالبعض كما تقول : جاء زيد يوم الخميس، وما جاء من اليوم إلا في ساعة واحدة ؛ وبهذا المعنى يجتمع كل ما جاء من الأخبار في يوم القيامة، لأنها كلها أخبار والأخبار لا يدخلها ،نسخ وهي كلها حق

الوجه الثاني والعشرون: فيه دليل على شدة الهول في ذلك الموطن، بدليل أنه لا يقدر أحد أن يتكلم، لأنه لا يمنع من الكلام - لا سيما من الدعاء - إلا الهول العظيم. ومما يدل على ذلك كلام الرسل - عليهم السلام - الذي هو دعاء بالسلامة، وهم الآمنون

الوجه الثالث والعشرون: فيه دليل على أن الدعاء هناك يُرجى قبوله والخير من أَجَلّه . ولولا

ذلك لما كانت الرسل - صلوات الله عليهم - يَدْعُون .

الوجه الرابع والعشرون فيه دليل على فضيلة هذه الصيغة في الدعاء وهي قولهم عليهم

(۱) في الوجه الثامن من شرح هذا الحديث

مة

ن

اة

السلام : اللهم سَلّمْ سَلَّمْ. فلولا ذلك لما كانوا يدعون بها في هذا الموضع العظيم. وقيل: إن

معناها : أسألك بجميع ما سُئلت به .

الوجه الخامس والعشرون: قوله عليه السلام في جهنم كلاليب مثل شوك السعدان هل رأيتم شوك السعدان؟ :قالوا نعم قال : فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله عزّ وجلّ) فيه من الفقه التشبيه في الأخبار إذا عرف ما يُشَبَّه به أنه أبلغ في البيان، لأن شوك السعدان كثير في البرية، له أطراف شديدة الحدة، إذا تعلقت بشيء قلما (۱) تنفصل عنه إلا وقد أخذت منه . فإذا كانت هذه هنا على هذه الصفة مع وُسع الأرض ودقتها هنا، فكيف هناك مع ذلك العظم وضيق الطريق؟ فانظر ما أبدع هذا التشبيه ! وإن الذي تتعلق به إما ترميه في النار ، وإما تُخَرْدِلهُ كما أخبر عليه السلام . وفيه أنها - وإن كانت بهذه الصفة - لا يكون تعلُّقها بأحد إلا بقدر ذنوبه، فهو بمعنى التخردل ويكون تشبيه التخردل بقدر الذنوب التي من أجلها تعلقت فاحذر أيها المسكين هنا تنج هناك، ولذلك جاء عنه : أن النار تقول للمؤمن : جُزْ يا مؤمن، فقد أطفأ نور وجهك لَهَبي) (۲)

فشتان ما بينهما .

الوجه السادس والعشرون فيه دليل على عظم القدرة لأن تلك الكلاليب لم يذكر عليه

السلام أنها في أيدي زبانية، وإنما ذكر أنها في جهنم، دون محرّك يحركها إلا القدرة . الوجه السابع والعشرون فيه دليل على أن المعلم يسأل من علمه بما يعرف أنه يعرفه، حتى يتيقن بالتحقيق أنه قد علم. يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام) هل رأيتم شوك السعدان؟ حتى قالوا نعم وهو عليه السلام يعلم أنهم يعرفونها، لكن الحكمة حتى يتيقن من أنهم قد عرفوا تمام المعرفة .

الوجه الثامن والعشرون فيه دليل على أن عدم التحديد في الموضع المخوف أبلغ يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام (لا يعلم قدر عظمها إلا الله عزّ وجلّ. فلو ،وصف عليه السلام قدْرَ عظمها ما كان أوقع في نفس من تعلق به مثل ما إذا ردَّه إلى علم الله .

وقوله (تخطف (الناس) أي : تجذبهم إلى جهنم من أجل أعمالهم الخبيثة كما تقدمت الإشارة انفاً. وقوله ( فمنهم أي من الناس. وقوله ( من يوبَق بعمله ) أي : يُهلك بسبب عمله السُّوء، كقوله

يريد فقلما .

مروي بالمعنى . أخرجه الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن يعلى بن منبه رضي الله عنه . وأوله : تقول النار للمؤمن . .

عز وجل أَو يُويقهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ وَيَعْفُ عَن كَثِير ) ) . وقوله (ومنهم من يخردل) أي : تأخذ تلك الكلاليب منه بقدر ذنوبه . وقوله ( ثم ينجو ) فيكون الناس على هذا الخبر الصدق ثلاثة أصناف : ناج بلا تشويش وهو ما قدمنا ذكره الذي تقول له النار: جُزْ يا مؤمن ومنهم الذي توبقه أعماله

فيهلك، وما بين ذلك الذي يخردل، ثم ينجو .

وهؤلاء ليسوا على صفة واحدة بل منهم الكثير التخردل ومنهم القليل، وما بين ذلك يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام بقدر أعمالهم ومعلوم بالضرورة أن أعمال الناس ليست على حد واحد وكذلك الفرقة الناجية ليست على حد واحد في العذاب. يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام بقدر أعمالهم . وقوله عليه السلام (ثم ينجو) يعطي المفهوم هنا أن المُخردَل لا ينجو إلا بعد بطء، لأن

(ثُمَّ) تعطي المهلة في الزمان، فلا يكون زمان نجاته إلا بعد طول أو تعب ويعطي أن ضِدّه - الناجون ـ تكون نجاتهم بسرعة وقد جاء ذلك في قوله عليه السلام (إن) من المؤمنين من يَجوزُ على الصراط مثل البرق ومنهم مثل الريح ومنهم مثل الجواد السابق، ومنهم مثل أشدّ الرجال جرياً، ومنهم مَشيا) (٢) . وهذا أدلّ دليل لما قدمناه آنفاً، وهو أن الثلاثة أصناف ليسوا على حد

واحد .

وقوله (حتى إذا أراد الله رحمةً من أراد من أهل النار ) أي : أنه وصل الوقت الذي سبق في علم الله وإرادته أن يرحم من سبقت له الرحمة في ذلك الوقت من أهل النار ، لأن الإرادة من الله ليست كإرادتنا تحدث بعد أن لم تكن . تعالى الله أن تكون صفاته تُشبه صفاتِ المُحْدَثين .

الوجه التاسع والعشرون: فيه دليل على أن من كان من أهل الإيمان، وإن كان في أي حالة لا يقطع إياسه من رحمة أرحم الراحمين فلعله ممن سبق له من الخير سابقة، وقد قال جلّ جلاله : ﴿ إِنَّهُ لَا يَأْيْتَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ ) (۳) وقد روي أن عمر بن عبد العزيز، رأى في النوم أن القيامة قد قامت وحوسب الخلفاء، فأُمِرَ بهم ذات اليمين، حتى وصل الأمر إليه فحوسب، فأمر به ذات اليمين فهو سائر مع الملائكة، فلقي في الطريق مثل الجيفة. فقال للملائكة : من هذا؟ قالوا: اسأله، فهو يخبرك . فَوَكَزه برجله، وقال له : من أنت؟

رضي

الله عنه ،

(۱) سورة الشورى من الاية ٣٤ .

جزء من حديث أخرجه الشيخان من حديث الرؤية عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه

(۳) سورة يوسف من الاية ۸۷ .

فقال له : أنا الحجاج . فقال له : ما فعل الله بك؟ فقال: قتلني بكل قتيل قتلته قتلة . وقتلني بسعيد ابن جُبَيْر (۱) سبعين قتلة . وأنا أنتظر ما ينتظر الموحدون .

وقوله : (أمر الملائكة أن يُخرجوا من كان يعبد الله أي قوماً ممن كانوا يعبدون، بدليل قوله في حديث آخر (إنه يخرج أولاً من كان في قلبه مثقال حبة من الإيمان، وفي الثانية أدنى حبة من الإيمان، وفي الثالثة أدنى أدنى حبّة من الإيمان فاحتمل هنا أن يكون أراد أن يخبر بالكل عن البعض، وأراد أن يخبر عن جميع المخرجين وإن كانوا في مرار عدة، اختصاراً، ولكونه عليه السلام، قد أخبر به في مكان آخر مفصَّلاً. فإن الفصيح يختصر في أخباره، ليُحفَظ عنه، ويطول ليفهم بحسن البيان عنه. وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، قد أوتي من كلا النوعين أكملهما وأعلاهما وقوله أن يُخرجوا من كان يعبد الله معناه : من كان مؤمناً، لأن المؤمنين ينطلق عليهم اسم (عباد) وإن كان منهم المذنب، لأنه قد عبد الله، أي أنه قد أقرَّ له سبحانه بالألوهية، ولم يجعل له شريكاً، ولا عبد شيئاً من دونه لأنه لو كانت عبادته على ما يُعرَف من اللغة الاصطلاحية ما دخل النار، والعرب تسمّي الكل بالبعض والبعض بالكل

وهنا دليل لمذهب أهل السنة الذين يقولون : إن النار لا تُحرق بذاتها، وإنما الحرق خَلقٌ من خَلْق الله تعالى يُصيبُ به مَن يشاء. فلو كانت تُحرق بذاتها، لأحرقت الملائكة وغيرهم، وأحرقت مواضع السجود كما تحرق سائر الجسد فبان بتبعيض حرقها أن ذلك ليس بمجرد وجود جوهرها بل ذلك بحسب ما يخلق فيها (۲)

وقوله ( ويعرفونهم بأثر السجود، وحرّم الله على النار أن تأكل أثر السجود هنا بحوث منها : أن يقال : هل أثر السجود لا تأكله النار ممن كان مؤمناً سجد أو لم يسجد؟ فإن قلنا بذلك فقد أخرجنا اللفظ عن موضعه لأنه - عليه السلام - قال ( يعرفونهم بأثر السجود) وأثر الشيء لغةً لا يكون إلا بعد ما مرّ عليه ذلك الشيء لاسيما مع قوله عليه السلام: (بين المؤمن والكافر تَرْكُ

الله

(1) سعيد بن جبير : الأسدي بالولاء الكوفي كان أعلم التابعين أخذ العلم عن عبد الله بن عباس وابن عمر رضي عنهم، وكان ابن عباس يقول إذا أتاه أهل الكوفة يستفتونه : أتسألونني وفيكم ابن دهماء؟ يعني سعيدا ولما خرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث على عبد الملك بن مروان كان سعيد معه إلى أن قتل عبد الرحمن فقبض عليه واليها خالد القسري وأرسله إلى الحجاج فقتله بواسط. قال عنه أحمد بن حنبل : قتل الحجاج سعيداً وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه . ت ٩٥هـ / ٨٩٢م الأعلام ١٤٥/٣ . (۲) مذهب أهل السنة أن الله عزّ وجلّ خالق الأفعال كلها، فالنار لا تحرق إلا إذا وضع الله فيها قوة الإحراق، بدليل سلبه قوة الإحراق من النار التي أعدت لحرق سيدنا إبراهيم الخليل قُلْنَا : يَنَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَمًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) ورمي بها فلم تصب منه شيئاً، وكذلك السكين لا تقطع إذا سحب الله منها قوة القطع ، وكذلك الخبز لا يشبع إذا سلب الله منه قوة الإشباع، ومثله الماء لا يروي إذا سلب الله منه قوة الإرواء، وهكذا.

الصلاة) (۱) لأنه لو صلى صلاة واحدةً فقد حصل في العضو أثر صلاة ، وإنما بَحْثنا على من لم يصل لا واحدة، ولا أكثر. وعلى هذا التوجيه يكون الخوف على من ترك الصلاة ،أشد لأنه يُخاف عليه التبديل

عند الموت. وإن مات على الشهادة فيخاف عليه ألا يخرج مع هؤلاء المؤمنين لعدم العلامة عنده وهنا حديث يعارضنا، وهو قول جبريل للنبي : من مات من أمتك يَشهدُ أن لا إله إلا الله دخل الجنّة . قال : وإِنْ فَعلَ كذا وكذا؟ قال : وإنْ فَعلَ كذا وكذا) (۳) ، والانفصال عنه أن نقول : أشدّ الخوف على تارك الصلاة عند الموت؛ فإن مات مُقرّاً بها، مُخلِصاً بها، لا يُخرج مع هؤلاء أصحاب العلامة، وإنما يُخرج مع أصحاب القبضة التي يقبض الله - عزّ وجلّ - كما جاء في الحديث أن الله - عزّ وجل - بعد شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ، والأولياء والصالحين في العصاة الذين يكونون في جهنم، فيُخرجونهم منها، ولم يبق إذ ذاك في النار إلا مَن حَبَسه القرآن فيقول الله عزّ وجلّ: قد شفعت الرسُلُ، وشفَعت الأنبياء، وشفَعت الملائكةُ، وشفَعت العلماء، وبقيت شفاعة أرحم الراحمين. فيقبض في النار قبضة فيُخرج في تلك القبضة كلَّ من حَبَسَه القرآن (۳) ، فيكون هؤلاء في جملتهم) وسيأتي الكلام على جملتهم في موضعه من داخل الكتاب إن شاء الله .

وهنا بحث في قوله عليه السلام ( حرَّم ) : هل هذا إخبار عن منع مولانا - جلّ جلاله - الحَرقَ أن يصل إلى تلك الأعضاء بالقدرة؟ أو أن النارَ يُخاطبها ،الحق سبحانه، فالذي أذن لها أن تحرقه تحرقه وما حرمه عليها لا تعتدي عليه؟ وهل هذا الخطاب لها - وهي من جملة الجواهر التي لا فهم لها ولا عقل - فتفهم عن الله ، كيف شاء؟ أو أنها عند الخطاب يوضع فيها إدراك بما تفهم عن الله ، وأنها تخاطب بالمقابلة والقدرة هي المتصرّفة ؟ أو أنها تفهم وتعقل، وأن الحَرقَ منها، لكن بقدرة الله تعالى فتكون مثل بني آدم أفعالهم كَسْبٌ لهم، وهي في الحقيقة خَلْقٌ لربهم، وهم

عليها مثابون ومعاقبون؟

احتمل كل الوجوه ؛ لكن الأظهر أن الحرق منها ، بدليل ما جاء أن النار اشتكت إلى ربّها

فقالت : أكل بعضي بعضاً . فأذن لها بنَفَسَينِ في كل عام، نَفَسٍ في الشّتاء، ونَفَسٍ في الصيف وما جاء أنها تخاطب سيدنا محمداً ، ل ، وفي المحشر . . والأحاديث في كلامها كثيرة وما جاء أنها تلقط الناس في المحشر ، وتعرف أهلها بما جَعلَ الله من العلامة فيهم .

(1) أصل الحديث بين الرجل والشرك ترك الصلاة . أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن جابر بن عبد

الله رضي الله عنهما .

(۲) مروي بالمعنى أخرجه البخاري عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه

(۳) حبسه القرآن أي من وجب عليه الخلود في النار .

(٤) جزء من حديث أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق - باب صفة النار عن أبي هريرة رضي الله

بديل

الله

شد

م،

م)

الوجه الثلاثون فيه دليل على فضل العبادة، إذ مع استيجاب العقاب لا تُعذَّب تلك المواضع. وهنا إشارة صوفية : لما علم أهل الصوفة بأن مواضع العبادات لها حُرمة - بمقتضى هذا الحديث - بقوله ، لا يجتمع في جوف امرىء غبار في سبيل الله ، ودخان جهنّم ، حتى يعودَ اللبن في الضرع ) ) . وما جاء في الآثار من مثل هذه المعاني الجليلة، جعلوا قلوبهم وجميع أبدانهم كلها صرفاً للعبادة، فاستوجبوا بذلك بحُسنِ الوعد الجميل المقامَ الرفيع في الدارَينِ وَفي ذلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) (٢) .

الوجه الحادي والثلاثون: قوله عليه السلام) فَيُخرجون من النار، فكلّ ابنِ آدمَ تأكُله النارُ إلا أثر السجود هنا بحث وهو : لِمَ كرَّر القول إن ابن ادم تأكله النار إلا أثر السجود؟ وهو عليه السلام، قد أخبر أولاً أن مواضع السجود قد حرَّمها الله عزّ وجلّ على النار فيكون تكراراً لغير فائدة، وحاشى سيدنا محمداً ، ل ، أن يقول شيئاً لغير فائدة .

فالجواب أن نقول : ما كرَّر عليه السلام ذكرَ النارِ أنها لا تأكل مواضع السجود من ابن ادم بعد ذكر خروجهم إلا لزيادة فائدة ثانية وهي أن النار ليست مثلنا . حُرّمت الأشياء علينا فمِنّا المُجتَنِبُ لما حرم عليه ومنا الواقع ،فيه وأن النارَ طائعةٌ جميعها لا تتعدى على ما حُرّم عليها، حتى يُخرجوا منها ، وهي لم تتعدَّ فيهم ما أُمِرَت به .

وفيه معنى زائد على ذلك، وهو: أن النار أكبر جرماً منا وأشدُّ ، وهي لا تَعصِي، ونحن على حقارتنا وضعفنا نَعصي . وفيه معنى شديدٌ من التوبيخ للمخالفين لأمر الله - عزّ وجلّ ـ كما قال جلّ

جلاله في كتابه عَلَيْهَا مَلَيْكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ (۳) قوله تعالى: لَا يَعْصُونَ ) مع ما فيه من الإرهاب معنى مثل هذا من التوبيخ لأنهم مع غلظتهم وشدتهم لا يعصون الله وأنتم مع ضعفكم وقذارتكم تعصون مليككم فيجتمع فيه الترهيب

والتوبيخ .

وقوله: (فيخرجون من النار قد امتحَشوا) أي ذهب ما لهم من اللحم ويا ليتهم عُدِموا لأنهم لو عُدِموا لكانوا استراحوا . وقوله ( فيُصَبّ عليهم ماءُ الحياة فينبتون كما تنبت الحِبَّة في حَمِيل السيل الحِبَّة هي كل بذر ما عدا المطعوم فإن كل ما هو مطعوم قيل له (حَبّة) بفتح الحاء ، وكل ما ليس بمطعوم مثل العشب في البرية وما أشبهه قيل له ( حِبّة) بكسر الحاء لغة .

(1) أخرجه النسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة رضي الله

(۲) سورة المطففين من الآية ٢٦ .

(۳) سورة التحريم، من الآية ٦ .

وفي هذا من الفائدة الإخبارُ بالحكمة وهي أن ما ينبت من اللحم بماء الحياة لا يفنى، وفيه الإخبار بسرعة ما يحيا من الأشياء عند وضع ماء الحياة عليه بقدرة الله تعالى، كما أخبر عن السامري حين أبصَرَ ،جبريل عليه السلام حين أتى إلى موسى عليه السلام، على فرس الحياة، فراها لا تضع حافرها على شيءٍ إلا اخضَرَّ في الوقت فأخذ من أثرها، فجاء من قصته ما أخبر الله عزّ وجلّ في كتابه لما وضعها في الحُلِيّ ، وقال :له كنْ عِجلا، عاد في الحين عجلاً له خوار، كما أخبر هنا في هذه الدار التي خُلِقت للفناء . فكيف في تلك الدار التي هي مثل ذلك الماء للحياة والبقاء؟ وهذا من أقوى الأدلة على قدرة الله سبحانه وتعالى .

الوجه الثاني والثلاثون فيه دليل على عِظَم ما أودَع الله - عز وجل - في هذا السيد ، من المعرفة بأمور الدنيا والآخرة. يؤخذ ذلك من كونه عليه السلام شبَّه سرعة نباتهم بنباتِ الحِبَّة في حَمِيل السَّيل، إذ مع السَّيل تكون أسرع في النبات في الأرض من غيرها، لأنه يجتمع فيه التراب الرّخْوُ الذي يجذبه السيل، وكثرة نَداوته فلولا معرفته عليه السلام بأمور الدارين لما كان من كلامه

هذا التشبيه العجيب . الوجه الثالث والثلاثون فيه دليل على استصحاب الحكمة والقدرة معاً في تلك الدار، كما هما في هذه الدار. يؤخذ ذلك من أنه لم ينبت لهم لحم إلا حتى (٢) صُبَّ عليهم ماء الحياة . والقدرة صالحة على أن تنبت لهم اللحم دون سبب فهذا أثر الحكمة وكونهم في النار تأكل لحومهم وتَمْحَشُهم ولا تأكل أثر السجود، أثر للقدرة. فسبحان من أقام ما في الدارين بقدرته ، وصرَّف ما فيهما من الأشياء بحكمته .

وقوله (ثم يفرغ الله سبحانه من القضاء بين العباد يعني بين هؤلاء المذكورين وغيرهم، إلا هذا الشخص المذكور بعد، فيكون الحكم فيه كما أخبر ، وأتى بـ ( ثم) التي تقتضي المهلة، لأن هؤلاء الذين يُخرجون من النار - كما أخبر عليه السلام انفاً ـ لم يُخرجوا من النار حتى مكثوا فيها ما شاء الله بعد يوم الحساب الذي حكم فيه بين العباد وهذا أيضاً من تمام الحكم للوعد الجميل في هذه الدار من مات على الإسلام فلا بُدَّ له من دخول الجنة، لأن حساب يوم القيامة سريع ، وهذا فيه بطاء، من أجل توفية المقدور على هؤلاء. فلما كان أوله مرتبطاً بآخره اقتضى طولاً ، فأتى عليه السلام بـ ( ثم) التي تدل على ذلك .

(۱) السامري: رجل من بني إسرائيل، قصَّ الله عزّ وجلّ علينا قصته في سورة طه من الآية ۸۳ إلى الآية ۹۸ . واسم السامري موسى بن ظفر، صنع من حلي بني إسرائيل العجل الذي عبدوه في غياب موسى عليه السلام وابتلاء الله بترك مخالطة الناس، وكان إذا مسه أحد أصيب بالحمّى . (۲) كذا بإقحام إلا » .

الوجه الرابع والثلاثون قوله عليه السلام ويبقى رجل بين الجنة والنار المعنى أنه ليس هو أحدهما. وفيه دليل لأهل السنة الذين يقولون وهو الحق إن الجنة والنار مخلوقتان، موجودتان جواهر . يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام بين الجنة والنار) .

في

الوجه الخامس والثلاثون قوله عليه السلام (وهو) اخِرُ أهل النار دخولاً (الجنة فلا تكون المسافة إلا في المحسوسات، ولا الدخول إلا في محسوس أيضاً. وفيه دليل على أن بين الدارين في الآخرة مسافة . يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام في حديث غيره ( إن لها أربع جدارات، غلظ كلّ جدارٍ أربعون سَنَة ) (۱) .

الوجه السادس والثلاثون قوله عليه السلام ) يقول : يا ربِّ اصرف وجهي عن النار، فقد قشَبَني ريحُها أي : تأذيتُ بريحها . والقَشَب : النَّتَن . يقال ما أقشَبَ بيتهم ! أي : ما أنتَنَه وأَقذَرَه . وفيه دليل على أن دار الذنوب والمعاصي تُنتن، وأن الشخص يتألم به التألم الشديد. وفي الحديث : أن رجلاً يُرمى في النار ، وله ريح منتنة، فيتألم لها أهل النار فيقولون يا فلان ما شأنك؟ أليس كنتَ تأمرُنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر ؟ فيقول : كنتُ أمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر واتيه (٣) . وقيل فيه وجوه غير هذا وهذا أنسبها، من أجل أن الجنة ريحها طيب، وهو من أكبر ،نعيمها فكذلك النار ريحُها نتن، وهو من أكبر عذابها .

وهنا بحث : كيف يُتَنَجَّس بالرائحة؟ وقد اختلف العلماء في الرائحة النَّجِسة على المَحلّ : هل تسلب الطهارة إذا كانت لا حالة؟ قولان .

الوجه السابع والثلاثون قوله عليه السلام : (وأحرقني ذكاؤُها فيه دليل على عِظَم حَرّ النار ، وعظم نتنها ، إذ إنها بعد أربع جدارات يقشِبُه ريحُها ، ويحرقه ذكاؤها، فكيف حال من هو فيها؟ وهنا بحث، وهو : أنه يُعارضنا حديث هَنَّاد الذي قال له الله فيه : (هو اخر أهل النار خروجاً منها، واخِرُ أهل الجنة دخولاً) (۳) وقد قال عليه السلام عن هذا المذكور مثل ما قال عن ذلك. المدة فنقول، والله الموفق : إن الجمع بين الحديثين أن هذا اخر أهل النار الخارجين عنها، لأن

الصلاة ولاية: واشعة (ت)

(1) رواه الترمذي والحاكم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بلفظ السُرادِقِ النار أربعة جُدر ، كِثَفُ كل جدار مسيرة أربعين سنة) .

(۲) أخرجه الإمام أحمد والشيخان عن أسامة بن زيد رضي الله عنه . (۳) رواه البخاري في كتاب التوحيد والرقاق، ومسلم عن عبد الله بن مسعود بدون تسمية. وجاءت تسميته بـ جهينة) في كتاب أفراد مالك) للدارقطني و غرائب مالك للخطيب البغدادي. وقال الدارقطني : إنه حديث باطل. ونقل الحافظ في الفتح عن السهيلي أنه جاءت تسميته بـ ( هناد) ولم نجد لهذه التسمية رواية فيما توفر بين

أيدينا من مراجع .

التقسيم يُعطي أنهم على ضربَينِ : داخل فيها، وخارج عنها - كما أخبر عليه السلام ـ لأنه أخبر عن هذا أنه من أهل النار لأنه أقرب إليها من الجنة. والعرب تسمي الشيء بما يقرب منه . ولولا قربه منها لما أحرقه ذكاؤها. وهناد داخل فيها، فهناد اخر من يخرج منها، واخر من يدخل الجنة من الخارجين منها، والذي هو مذكور في هذا الحديث هو اخر من يدخل الجنة من أهل

النار الذين هم خارجون عنها . الوجه الثامن والثلاثون فيه دليل على قوّة الرجاء في إجابة الدعاء، وإن لم يكن الداعي أهلاً للإجابة. يؤخذ ذلك من أن هذا السائل قد صح أنه من أهل النار ، ومن هو من أهل النار فهو من المبعدين مقطوع ،به ثم يتفضل - عزّ وجلّ - عليه ويُنيله رحمته، فكيف مَن هو في حال الاحتمال؟ لأن الناس كلهم في هذه الدار محتملون للسعادة ، وغيرها، فهو أقوى رجاءً في رحمة

أرحم الراحمين .

الوجه التاسع والثلاثون فيه دليل اخر في قوة الرجاء في قضاء حاجة من لا يعرف من الأدعية شيئاً إذا ذكرها لمولاه يؤخذ ذلك من أن هذا لم يَدعُ بشيء من الأدعية، وإنما طلب حاجته، وشكا

ضُرَّه، بأن قال : اصرِف وجهي عن النار . وذكر ما هو فيه، فأجيب في مسألته وكُشِف ضُرُّه .

وقد دخلت مرة على بعض أهل الخير - رحمه الله - وهو ينادي يقول ( ارحمني والسلام) وهو مستغرق في حاله فقلت ما هذا السؤال؟ فقال لي : دعني فإني تفكرت في الدنيا وما فيها من البلاء والهموم، وفي الآخرة وما فيها من المحن والأهوال، فلم أدر بماذا أدعو ، ولا كم ذا أعدد؟ فقلت: ارحمني والسّلام) . فوجدتُ حلاوة لكلامه في الوقت وإلى هلمّ جرّاً كلما ذكرته وجدتُ تلك الحلاوة، فعلمتُ أن الله - سبحانه وتعالى - استجاب له بفضله لما رزقه في الوقت من الصدق مع مولاه من الله علينا بذلك بمنّه

ويُقوّي هذا الرجاء الذي أشرنا إليه قوله جلّ جلاله: ﴿ قُلْ يَعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ) (۱) ، وقوله : ( فيقول: فهل عسيت إن فعل ذلك بك أن تسأل غير ذلك) معناه : فهل تطلب زيادة إن فُعِل ذلك بك؟ كما قال جلّ جلاله: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ ) (۲) قيل : معناه تريدون وبدل (تريدون هنا قوله أن تسأل غير ذلك) ) : ومعناه : فيقول الحق سبحانه وما سكت عن ذكره هنا إلا لأن خطاب العبد كان له أولاً ، فهو

(۱) سورة الزمر من الآية ٥٣ . (۲) سورة محمد من الآية ۲۲ .

أخبر

منه .

يدخل

، أهل

، أهلا

و من

حال

دعية

شكا

هو

من

د؟

تُ

ق

ن

سبحانه المجاوبُ له . ولو كان غيرُه هو الذي جاوبه لذكره، لأن عادة التخاطب ألا يجاوب إلا

الذي خوطب ؛ فإن كان خلاف ذلك ذكره لخروجه من العادة المعلومة .

الوجه الأربعون: قوله فيقول : لا ، وعِزَّتِك هنا إشارة صوفية، وهي أن فرحه أوجب مبادرته باليمين. فعلى مذهب الصوفية يكون فرحه بالمخاطبة أكبر من قضاء الحاجة لأنهم يقولون : مَن لم يَرَ النعمة إلا في قضاء الحاجة فذلك محجوب، وإنما النعمة في التفات الموالي وجوابهم. وأهل الحجاب يقولون هنا فرحه بحاجته أوجَبَ له مبادَرَتَه باليمين.

الوجه الواحد والأربعون : قوله فيعطي الله - عزّ وجلّ ـ ما شاء من عهد وميثاق هنا دليل على أن العهد آكد في المواثيق من الأيمان، لأن المولى - سبحانه - لم يقنعه منه ما أقسم به، حتى أخذ عليه العهد والميثاق . والعلة في ذلك قد ذكرها العلماء، وهي أن الأيمان جُعِل فيها المخرج، : الكفّارة بعد الحنث أو قبله والعهد لم يُجعَل له مَخرَج، بل زيد فيه تأكيد لقوله عزّ وجلّ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسئولا) (1) .

وهي :

وقوله: (فإذا أقبل بوجهه على الجنة) . (على) هنا بمعنى (إلى) فإذا أقبل أي : قرب بوجهه إلى الجنة. وقوله : رأى بهجتها أي حُسنَها ، كما أن ذكاء النّار وقشَبَها ينال من خارجها، فكذلك الجنّة يُرى حُسنُها ويُنال خيرُها من خارجها، لأن كلَّ إناء بالذي فيه يرشَحُ .

الوجه الثاني والأربعون قوله سكت ما شاء الله أن يسكت ثم قال: يا رب قدمني إلى باب الجنة . فيقول الله : أليس قد أعطيت العهود والمواثيق ألا تسأل غير الذي كنت سألت؟ هنا دليل على طمع ابن ادم يؤخذ ذلك من كونه لمّا عوفي من ذلك البلاء، ورأى الخير، لم يقدر أن يصبر عنه لما طبع عليه، فنسي العهود بغلبة الطمع، وسأل القرب إلى الخير، وهو باب

الجنة . ولعل وعسى .

الوجه الثالث والأربعون فيه دليل على أن الضعيف لا يسأل إلا على قدر ضعفه. يؤخذ ذلك من سؤاله أولاً بأن يُعافى من قربه من النار ، ولم يتجاسر أن يطلب ما طلب ثانية . فلو نظر لمن يطلب منه لَطَلَب أولاً الذي طلب آخراً . الوجه الرابع والأربعون فيه دليل على قناعة النفس عند اليأس باليسير يؤخذ ذلك من أنه لم يطمع في الجنة لعمله المقارب، وطمع بأن يعافى من النار ليس إلا.

وهنا إشارة صوفية، لأنهم يقولون : إقطعِ النفس عن المباح ما كان ضرورياً كان أو غير

(۱) سورة الإسراء، من الآية ٣٤ .

ضروري، يقع الصلح معها على اليسير من القدر الضروري، وتقنع به وتفرح. مثال ذلك : أن تمنعها الأكل مرة واحدة يقع الصلح معها بكسيرات تقيم بها ظهرها، كما قال : حسبُ ابن آدم لقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَه ) (۱) فإن بقيَتْ على طمعها فلا تُقنعها الدنيا بأسرها كما قال : (لو أن لا بن ادم

واديين من ذهب لا بتغى لهما (ثالثاً) (٢) . وقد قال أهل التوفيق : من لم يرض باليسير فهو أسير . الوجه الخامس والأربعون فيه دليل على لُطف الله عزّ وجلّ ببني ادم، ومَعذِرَته لهم، لما يعلم من ضعفهم . يؤخذ ذلك من كونه - جلّ جلاله - قبل منه أولاً العهود والمواثيق. وهو - عز وجل - يَعلَمُ أنه لا يصبر عما يرى من الخير، ولا بد له أن ينكث . ومثل ذلك قوله تعالى ( وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) (۳) لأن هذا معنى لطيف لما أتى بقوله وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ( إثر الإخبار بقبول التّوبة .

وقد جاء في الكتاب في غير ما موضع أنه - عزّ وجل - عالم بما نفعل، وهذا من شرط

الإيمان بأنه عزّ وجلّ عالم بما نحن فاعلون لأن من التائبين من يُوفي، ومنهم من يَنكُث ، وهو -

سبحانه - عالم بمن يُوفي وبمن ينكث، لكن قبلها من الكلِّ على حد واحد، ويُثيبهم عليها

ويمدحهم على ذلك .

وكفى في ذلك ما جاء عن بعض بني إسرائيل أنه كان يُوقِعُ الذَّنب ثم يتوب، ثم يوقع الذنب ثم يتوبُ، حتى قالت الملائكة : ربَّنا ألا ترى هذا العبد كيف يهزأ ، يُوقِعُ الذنب ، ثم يتوب؟ فقال، جلّ جلاله ملائكتي ألا ترَوْن ،عبدي يعلم أن له ربّاً، يأخذ بالذنب ويقبل التوبة؟ وعِزّتي، لا أزال أقبل توبته ما تاب إليَّ) (٤) . ولولا فضله - عزّ وجلّ ـ لكان يفضح الناكث ويقول له : لا أقبل توبتك، فإنك تَنكُث . وقد قال : (المؤمنُ التواب يبقى له فضلةٌ من عمله يدخل بها الجنة) .

وقوله ( فيقول: يا ربّ، لا أكون أشقَى خَلقِك هنا ،بحث وهو : كيف يكون أشقى خلقه،

(۱) جزء من حديث مروي بالمعنى، أخرجه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم عن المقداد بن معد يكرب رضي الله عنه . جزء من حديث أخرجه الإمام أحمد والشيخان والترمذي عن أنس رضي الله عنه، والشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما، والبخاري عن ابن الزبير رضي الله عنهما، وابن ماجه عن أبي هريرة وأخرجه الإمام أحمد رضي الله عنه ، والإمام أحمد عن أبي واقد رضي الله عنه ..

(۳) سورة الشورى الآية ٢٥ . (٤) أورده البخاري في كتاب التوحيد، ومسلم في باب سعة رحمة الله وأنها تغلب غضبه عن أبي هريرة رضي واللفظ فيهما مخالف لما أورده الشيخ ابن أبي جمرة رضي الله عنه .

الله عنه

وهو - عزّ وجلّ - قد عافاه من النار والقرب منها ، وقد قال له الله : (لو لم يكن إلا النجاة من النار لكان فوزاً عظيما، ولم يجىء أن أحدا رأى الجنة ثم حُرمها لأن الكفار من محشرهم يمرون إلى النار؟ فعلى هذا التأويل يكون أشقى الخلق كونه رأى الجنة ولم يدخلها

واحتمل وجهاً آخر وهو: أنه مَن مَنَّ الله عليه بأن عافاه من النار أدخله الجنة، لقوله : (والذي نفسي بيده ليس بعد الدنيا من دارٍ إلا الجنة أو النار . فإذا كان هذا بقرب الباب فيكون أشقى خلقه المرحومين فيكون اللفظ عاما ومعناه الخصوص، وهذا في كلام العرب كثير ، لأن من عوفي من النار ومجاورتها فقد رُحم، ودخل في جملة الفائزين كما قال : (لو لم يكن إلا النجاة من النار لكان فوزاً عظيماً .

الوجه السادس والأربعون فيه دليل على كثرة تحيل بني ادم فيما يُصلحهم. يؤخذ ذلك من أنه طلب أولاً أن يُبعد من النار لعله يُحصل نسبةً لطيفة في أهل الخير، وهذا من تدقيق الحيل على العليم الخبير ، فكيف مع غيره؟ ولذلك قال آخر المسألة : فيضحك الله منه .

الوجه السابع والأربعون فيه دليل على أن ما هنا للشخص من العقل والفكرة والتحيل باقٍ هناك، فإنه يُبعث على ما كان عليه . يؤخذ ذلك من هذه الحيلة اللطيفة وما جاء من تحاج الروح والنفس وغير ذلك من الأحاديث مما يشبه ذلك .

الوجه الثامن والأربعون : قوله (فيقول ما عَسَيتَ الكلام عليه كالذي قبله. وقوله إن أعطيت ذلك ألا تسأل غيره حتى يقدم إلى باب الجنة . الكلام عليه كالكلام قبل وقوله فإذا بلغ بابها فرأى زهرتها أي حُسنَها . وقوله وما فيها من النضرة والسرور ) أي : حسن المنظر، وما تُسَرّ النفس به إذا رأته من أنواع النعيم، ومن حُسن السُّرور كما أخبر - عزّ وجلّ ـ به في الكتاب العزيز في قوله عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ ) (١) أو تكون (الزهرة) كناية عما فيها من الزهر والفواكه، و(النَّضْرة) كناية عن حسن نظامها. ويجمع كل هذا وأكثر منه قوله تعالى ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِى لَهُم مِّن قُرَّة

وقوله (فيسكت ما شاء الله أن يسكت فيقول : يا رب أدخلني الجنة) جاء البحث المتقدم في التحيل، وما طبع عليه من كثرة الطلب والتحصيل فيما ليس مثل ذلك، فكيف بما لا تطيق الألسن أن تَصِفَه؟ فكذلك النفوس لا تطيق الصَّبرَ عنه . وهنا بقيت الصفة التي طبع عليها وهي أنه لا ينظر إلا

(1) سورة الواقعة من الآية ١٥ . (۲) سورة السجدة، من الآية ١٧ .

إلى تحصيل الأقرب فالأقرب لَمَّا طلب أولاً أن يُبعد من النار فأسعِفَ في ذلك، ثم قرب إلى بار

الجنة، فلم يبقَ بعد القرب إلا الدخول، فطلبه فهو على حالته الدنيوية لم يتغير .

وقوله فيقول الله : وَيْحَكَ يا ابن ادم ما أغدرك !) هذا زجر أشدّ من الأول، لتكرار النكث ثلاث مرات، وبقي هو على كلامه الأول، لم يزد عليه وهو قوله (لا تجعلني أشقى خلقك .

وفيه من الفقه أنه إذا فتح على شخص من وجه ما، يلتزمه، لأنه لمّا قُبِلَ هذا منه في الأولى وما بعدها وأسعف من أجله في طلبه استصحبَ ذلك الحال، وقد قال : (مَن رُزِقَ من باب فَلْيَلْزَمْهُ) (۱) . فامتثل هذا الأمر هنا ، ولو التزم الأمر في الدنيا ما احتاج إلى هذا . وكونه - عزّ وجلّ - زاد هنا قوله : (ما أغدَرَك) يؤخذ من ذلك ألا يُنسب الشيء للشخص ويُعرف به حتى يتكرر منه، وأقل عدد التكرار الذي ينسب به إليه ثلاث، لأن الواحدة والاثنتين قد تكونان غلطاً أو نسياناً، أو إحداهما غلطاً والأخرى نسياناً، ولا تكون الثالثة إلا تعمّداً، فيتحقق أن ما وقع قبلها كان مقصوداً من خير أو غيره . يؤخذ ذلك من أن مولانا - جلّ جلاله - لم يقل له : ما أعْدَرَك إلا في الثالثة .

الوجه التاسع والأربعون هنا بحث وهو : لم سمّى هنا ابن آدم؟ فيه إشارة لطيفة، لأن عدم الوفاء هو الأصل والغالب فينا إلا من عصم الله والتزكية هي من طريق الفضل ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ ، اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا ) (۲) والنفس أمارة بالسُّوء إلا ما رحم ربي لكنه توبيخ بحسن لطف، لأن توبيخ الكريم دال على كثرة إعطائه وتوبيخ اللئيم دال على عظم منعه . ولذلك جاء أن مولانا - سبحانه - يحاسب المؤمنَ يوم القيامة سِرًّا، ليس بينه وبينه ،ترجمان يقول :له يا عبدي فعلت كذا فيعترف العبد لمولاه بذلك حتى يظن أنه هالك لكثرة ذنوبه فيقول الله تعالى : أنا سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم (۳) .

وفائدة ذلك من الحكمة أنه لو قال سبحانه: اذهبوا) بعبدي إلى الجنة برحمتي ما قنع بذلك . كما جاء عن بعض بني إسرائيل : أنه كان في جزيرة منقطعة في وسط البحر، ليس معه فيها أحد، مشتغل بعبادة الله ، لا يَفْتُر، وأنبت الله له في تلك الجزيرة شجرة ،رمان، تنبت له في كل يوم رمانة يأكلها، وأجرى الله له عيناً من ماء فبقي على تلك الحالة خمسمائة سنة، ثم سأل ربه - عز

(۱) رواه البيهقي في الشعب عن أنس رضي الله عنه . (۲) سورة النور من الاية ۲۱ .

جزء من حديث مروي بالمعنى، أخرجه الإمام أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر رضي عنهما ، أوله (إن الله تعالى يدني المؤمن فيضع عليه كنفه وستره من الناس . . ) .

ن

وجل - أن يقبضه ساجدا، فأتحفه الله بذلك . ثم بعد هذا أخبر عنه - عليه السلام - أن يؤتى يوم القيامة به فيقول الله عزّ وجلّ : اذهبوا بعبدي إلى الجنة برحمتي. فيقول: يا ربّ، بل بعملي. فيأمر الله - عز وجل - الملائكة أن يحاسبوه على شكر نعمة حاسة البصر، فيحاسبونه، فما تفي عبادته الخمسمائة سنة بذلك. ويبقى ما عداه لم يوف منه بشيء . فيقول : يا رب أدخلني الجنة برحمتك . فيقول - عزّ وجلّ - له : نِعْمَ العبد كنتَ، اذهبوا بعبدي إلى الجنة برحمتي

فإذا قرره على ذنوبه اجتمع له الفرح بمغفرة الذنوب وبستره الذي لم يُفضح وبما وَهَبَ له من النعيم ، فكثرت النعمة عنده فرضي عن المنعِم، وذلك من جملة الإنعام من المنعِم أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (٢) . وهنا كذلك لما أراد الله - عزّ وجلّ ـ بفضله أن ينعمه بدخول دار الكرامة أكثر له في التوبيخ ، وقرّره على غدره أصلاً وفرعاً ومستصحباً في الدارين .

الوجه الخمسون : فيه دليل على الطمع في فضله - جل جلاله - لأنه ذكره - سبحانه - أيضاً قدرَ نعمته عليه بالعفو هنا، وتغمَّده بفضله، وبصفحه عنه عما جرى . فكذلك استصحب لك أنتَ ذلك الفضل بمجرد الفضل، لِيَصِحَ أن النعمة إنما هي بمجرد الفضل من الرب ليس إلا، إما بهداية، وإما بعفو وتجاوز، أو بمجموعهما ، لمن شاء، كيف شاء، لا يُسأل عما يفعل .

واستصحاب العبد صنة الرجاء - وإن رأى من المولى ما عسى أن يرى - هي صفة الإيمان لأنه - عزّ وجلّ ـ يقول لَا يَأَيْتَسُ مِن زَوْعِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ ) (۳) فتلك الصفة أيضاً - التي كانت هنا ـ من الرجاء في أصل أبيه ، أبقيت عليه ، حتى كَمُلَت له بها السعادة، وهو دخول الجنة. مَنَّ الله بها علينا بلا محنة بفضله، فهو الولي الحميد .

الوجه الواحد والخمسون هنا بحث ، وهو : لِمَ قال في الآخرة (يقول الله) ولم يقل ذلك في المرتين المتقدّمتين؟ فالجواب : أنه لما كثر الترداد بطرق الاحتمال أتى بذكر (الله تعالى، لزوال احتمال يقع وتحقيقاً لما قلناه وتأكيداً .

وقوله ( فيضحك الله معنى الضَّحِك من المولى - سبحانه - ليس كمثل الضَّحِك منا ، الذي هو

(1) جزء من حديث طويل أخرجه الحكيم الترمذي والحاكم وتعقب البيهقي في الشعب والعقيلي في الضعفاء والحافظ في لسان الميزان وقال : لم يصح هذا عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه . الله عنه . وسماه البيهقي (حديث) العابد والرمانة) وأوله : خرج من عندي خليلي جبريل عليه السلام انفاً فقال : يا محمد والذي بعثني بالحق إن الله لعبدا من عباده عبد الله خمسمائة سنة إلخ ...) .

(۲) سورة الملك، من الآية ١٤ . (۳) سورة يوسف من الآية ۸۷ .

الاضطراب والخِفّة وإنّما هو إشارة إلى ما يصدر من الملوك عند الضَّحِك من كثرة الإحسان، وما يكون فيه أيضاً من الإشارة إلى التعجب، كما تقدم. تعالى الله أن تكون صفاته تشبه صفاتِ المحدثات، وإنما خوطبنا بما نفهم على عادتنا . وقوله (ثم يأذن في دخول الجنة) أي : ينعم بذلك

ويُبيح له الدخول . وقوله ( فيقول : تَمَنَّ) قد جاء من طريق آخر أنه إذا دخل يرى الناس قد أخذوا منازلهم، فيقول - عزّ وجلّ ـ له : تَمَنّ . فيتمنى حتى تنقطع أمنيته . وناهيك من تمني طماع إذ رأى خيراً كثيراً، وهو يعلم أن القائل له (تمَنَّ) غنيّ كريم . وقوله (حتى إذا انقطعت أمنيته أي : لم يبق له شيء يطلبه إلا أعطيه، فلا تسأل عن قدره . وقوله (قال الله سبحانه : لك ذلك ومثله معه) أي : ضعفين مما سأل .

وقوله ( عن أبي سعيد يقول : ذلك لك وعشرة أمثاله هذه صفة كرم مَن ليس كمثله شيء، وتحقيق لقوله عزّ وجلّ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ﴾ (۱) فالأصل بفضله، والزيادة من فضله، لكن لما كان الأصل خالطه وصفٌ ما من العبد إما من عبادة وإمّا من سؤال - وهو محل النقص - وكانت الزيادة لمجرد الفضل لا مقابل لها من محل النقص - وهي العبودية - كانت أضعافاً مضاعفة من

الأصل.

ولذلك كان من وصيّة بعض السادة الفقراء : لا تيأسوا من مسألة الفضل، فإنه أنجح في المقصد، حتى إن بعض من كان يُحسِنُ الظَّنَّ بالفقراء سمعها فأخذها بصدق، وسأل بها في حاجة له وزاد فيها وزيادة من فضلك كما يليق بفضلك فرأى فيها من العجائب العجب العجاب. ثم قيل له : هذه الزيادة ما سبقك بها أحد.

بفضله .

مَنَّ الله علينا بخير الدارَينِ بلا محنة بفضله كما يليقُ بفضله والزيادة بفضله كما يليق

وفائدة هذا الحديث : الإيمان الجزم بما فيه من أمور الآخرة، وقوة الرجاء في فضل الله ، وكثرة الخوف من مَكْر الله ، وبذل الجهد هنا في أسباب السعادة، بينما المرء في زمن المهلة ويجعل ما هو مذكور كأنه قد وقع . وهذه إشارة صوفية، وهي عندهم أعلى الأحوال، لأنهم يقولون : اطو المسافة واترك الرعونة، وقد وصلت . وقد نبَّة المولى - سبحانه - على ذلك في كتابه حيث قال (أَفَرَيْتَ إِن

(۱) سورة النساء، من الآية ۱۷۳ .

ــاتِ

مك،

قول

وهو

ـره .

لما

من

جة

متَعْنَهُمْ سِنِينَ. ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ . مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَمُونَ ) (۱) وما غرَّ أهل الدنيا إلا بعد الأمر عندهم ، فبه طال الأمل، وقسَتِ القلوب، ورغبوا في العاجلة، وزهدوا في الآخرة . جعلنا الله ممن قصر ،أمله وحسَّنَ عمَله بمنّه وفضله .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم تسليماً .

يق

اجرامل

مل

الله

(1) سورة الشعراء ، الآيات ۲۰۵ - ۲۰۷

حديث جواز الدعاء في الصلاة

عن أبي بكرِ الصِّدِّيقِ(۱)، رَضِيَ الله عَنهُ ، أَنَّهُ قالَ لِرَسُول الله صلى الله عليه وسلم : عَلَّمْني دُعاء ، أدعُو بهِ في صَلاتِي. قَالَ: قُلِ : اللّهمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفسي ظُلماً كثيراً، ولا يَغْفِرُ الذُّنوبَ إِلا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لي مَغْفِرَةٌ مِن عِندِكَ وارحمني ، إِنَّكَ أنت الغَفُورُ الرَّحِيمُ .

ظاهر الحديث يدل على جواز الدعاء في الصلاة، وفضل هذا الدعاء المذكور والكلام عليه

من وجوه :

الوجه الأول : طلب التعليم من الفاضل، وإن كان الطالب يعرف ذلك النوع . يؤخذ ذلك من قول أبي بكر، رضي الله عنه ، علمني دعاء)، وهو معلوم أنه يعرف من الأدعية ما لا يعرف غيره من وجهين : من أجل فصاحته وقوة إيمانه، ومن أجل كثرة ملازمته لرسول الله ، لكن رغب في زيادة بركة النبي ، صلى الله عليه وسلم .

وهنا بحث، وهو : لم قال (في صلاتي) ولم يقل (أدعو به) على الإطلاق؟ فالجواب : أنه إنما قال ذلك لأن الشارع عليه السلام حض على الدعاء في الصلاة بقوله عليه السلام أقرَبُ ما يكون العبد من الله إذا كان في الصلاة، وأقرب ما يكون في الصلاة إذا كان ساجداً، فأكثروا فيه الدعاء، فقمين أن يُستجاب لكم) (۲) أي : حقيق.

(۱) هو عبد الله بن أبي قحافة، أبو بكر الصديق أول خليفة الرسول الله ، وصاحبه في الغار وفي الهجرة، وبنته عائشة زوجة النبي عليه السلام لقب بالصدّيق لما قال لأبي جهل في الإسراء والمعراج : لئن قالها لقد صدق، وهو أمير الحج في حياة الرسول الكريم سنة تسع وهو الذي استخلف عمر بن الخطاب بعده. وكان موقفه في حرب الردة وبعيد وفاة الرسول عليه السلام لا نظير له. وقد كاد عمر بن الخطاب يفقد صوابه بوفاة النبي عليه السلام. ويقول علي بن أبي طالب : لقد استخلفه الرسول وأنا صحيح غير مريض، ومقيم غير مسافر ولو شاء لدعاني، وقد رضيه لديننا أفلا نرضاه لدنيا نا؟، توفي عن ثلاث وستين سنة كعمر الرسول عليه السلام تماماً، وقد

صلى إماماً على السيدة فاطمة بطلب زوجها سيدنا علي رضي الله عنهم أجمعين . (۲) أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه . واللفظ مختلف .

دعاء، أدعُو بَ إِلا أَنْتَ،

والكلام عليه

خذ ذلك من ف غيره من سب في زيادة

ب : أنه إنّما

أقرَبُ ما فأكثروا فيه

هجرة، وبنته

ـقد صدق ،

ن موقفه في عليه ة النبي ر، ولو شاء

تماماً، وقد

الوجه الثاني : يترتب على هذا من الفقه : أن ينظر المرء في عبادته إلى الأرفع، ويتسبب فيه بمقتضى الحكمة الشرعية وإن كان الدعاء - كما تقدم في الحديث قبل - جائزاً أن يكون طلباً مجرَّداً، يُرجَى فيه النُّجح - كما أبدينا - لكن الأفضل أن يُستعمل من موجباتِ الرحمة من الألفاظ والأزمنة والأماكن وما أشبه ذلك أرفَعُها . قد دلّت أصول الشريعة على ذلك كله، وكَفَى في ذلك إشارة قوله عزّ وجلّ فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنصَبْ . وَإِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَب ) (۱) فهذه كلها أسبابٌ في رجاء قبول الدعاء، لأن التفرغ من الأسباب يحصل منه حضورُ القلب والإخلاص، والرغبةً يحصل منها دوام التذلل . وتكرار الألفاظ المستعطفة، والانتصاب - وهو الصلاة - يستدعي جميعَ وجوه القُرَب، فإنها أعلاها . فإذا أمر بالأعلى فغيرُه في الضّمن.

الوجه الثالث : قوله عليه السلام قال : قل : اللهم إني ظلمت نفسي إلى آخر الحديث . هنا بحث وهو : أي نسبة بين هذه الألفاظ وبين نسبة ما طلب الطالب؟ لأن المعروف من الأدعية الشرعية أنها ألفاظ، تقتضي بمتضمنها حرمة شيء من الأشياء وصفةً من الصفات الجليلة، والأسماء الرفيعة كقوله جلّ جلاله ) وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) (۲) وكقوله ، إن اسم الله الأعظم ما دعا به أحدٌ إلا أجيبَ دُعاؤُه ) (۳) ، وكقوله : (إذ سألتم الله فاسألوه بجاهي، فإن جاهي عند الله عظيم) (٤) . والآثار في هذا المعنى كثيرة، والأدعية المأثورة ، عنه ، و الله ، كثيرة. فالجواب عن ذلك

من وجوه :

(الأول): أن النبي لا فهم من أبي بكر ، رضي الله عنه، ما قصد بقوله (أدعو به في صلاتي أنه أراد دعاء الإجابة فيه في معنى : المقطوع بها، ويحصل له به خير الدنيا والآخرة، بمقتضى الحكمة الشرعية فأجابه الله بهذه الإشارة العجيبة، كأنه عليه السلام يقول : ليس على الله حق واجبٌ حَتم، وإنما هي أسباب يُسعِد بها من يشاء، ويَحرِم من يشاء، فمن أسعده فمن عنده وبفضله. فاطلب أعلى الأشياء، وهي المغفرة - كما تقدم البحث فيها في الأحاديث قبل من الأصول، وهو الفضل - ولا تُعلق خاطرَك بغير ذلك .

وهذا كما أخبر ، عن نفسه المكرمة حيث قال عليه السلام (لن) يُدخل أحداً عمله الجنةَ . قالوا : ولا أنتَ يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله بفضل رحمته) (٥) ، وهو عليه السلام

(۱) سورة الشرح، الآيتان ۷ و ۸. (۲) سورة الأعراف، من الآية ۱۸۰ . (۳) أخرجه السيوطي في جمع الجوامع برقم ٦١٨٥

(٤) لم نقف على مصدره .

(0) أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه .

الذي جاء بأثر الحكمة، وقال عليه السلام: خمس صلوات افترضهن الله على عباده، فمن جاء بهن، لم ينتقص منهن شيئاً، استخفافاً بحقهن فإن الله جاعل له يوم القيامة عهداً أن يدخله الجنة) (۱) . والجمع بين هذين الحديثين أن نقول : الوعد بالخلاص لمن جاء بالأعمال ـ كما مر - مقام العوام، وهو وعد حق، يوفي لهم به ﴿ وَمَنْ أَوْفَ بِعَهْدِهِ، مِنَ اللهِ (۳) وبقي الخلاص ) (٢)

بمقتضى الأعمال هو مقام الخواص، مثل سيدنا ، ، الذي هو من خواص الخواص. والتابعون له بإحسان إلى يوم الدين وأبو بكر ، رضي الله عنه ، من الخواص، وكيف لا وقد قال : (ما فَضَلكم أبو بكر بكثرة صوم ولا بصلاة ، ولكن بشيء وقر في صدره)(۳)؟ والمطلب الذي طلبه من النبي الا الله وهو مقام العوام. فكأنه عليه السلام يقول له بالضمن : أنت من قوم ليس هذا مَقامَهم، بل نجيبك على ما يقتضيه مَقامُك، وهو مقام الخواص الذين يجمعون بين الشريعة والحقيقة. فالشريعة هي الأعمال والدعاء والمحافظة على ذلك، والحقيقة هي ألا يرى شيئاً من الخير في الدارين إلا بمجرد الفضل لا غير . ويترتب على هذا من الفقه : أن يُحمَل كلُّ إنسان على ما يقتضيه

حاله ، وإن لم يكن هو يطلب ذلك، وقد قال عليه السلام : (أنزِلُوا الناس منازِلَهم) (٤) . وهذا عام و(وجه آخر) وهو : أنه عليه السلام جعله يطلب مقصده من عند مولاه عزّ وجلّ، لأنه إذا كان من عنده، سبحانه بلا واسطة من محل النقص - وهي العبودية - كان أكمل ثم نَجَّحَ له المسألة بذكر هذين الاسمين الجليلين وهما (الغفور والرّحيم) الذي (٥) مقتضى أحدهما أنه يُعطي إذا سُئِل - وقد سأله مما عنده فكان أجدر في تحصيل ما طلب - والاسم الآخر يقتضي المغفرة، ومن غفر له فقد رُحِم ، ومن رُحِم أيضاً فقد غُفِرَ له.

واحتمل وجهاً آخر) وهو : أن الدعاء متوقف قبوله على المشيئة ، لقوله عزّ وجلّ بَلْ إِيَّاهُ تدعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَاءَ (٦) فجعل عزّ وجلّ الإجابة مرجوة، غير مقطوع بها وقال

تلف

(۱) مروي بالمعنى. أخرجه الإمام مالك والإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن عبادة

بن الصامت رضي الله عنه . (۲) سورة التوبة من الاية ۱۱۱ .

(۳) قال الحافظ العراقي : لم أجده مرفوعاً ، وهو عند أبي يعلى والحكيم الترمذي عن عائشة رضي الله عنها . وقال في النوادر: إنه من قول بكر بن عبد الله المزني .

(٤) رواه مسلم عن السيدة عائشة رضي الله عنها تعليقاً بلفظ (أمرنا أن ننزل الناس منازلهم ووصله أبو نعيم في المستخرج وأبو داود وابن خزيمة والبزار وأبو يعلى والبيهقي في الأدب والعسكري في الأمثال وغيرهم من

حديث ميمون بن أبي شبيب رضي الله عنه .

(٥) يريد اللذين . : (٦) سورة الأنعام من الآية ٤١.

فمن جاء أن يدخله

كما مز -

الخلاص

وقد قال ـب الذي

يس هذا

الشريعة من الخير

يقتضيه

لأنه إذا ـجَّحَ له يُعطي غفرة

ـل إِيَّاهُ

وقال

عبادة

وقال

في

عز وجل في المضطر : ( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ) (۱) فأوجب تعالى ـ بفضله ـ إجابة المضطر بالوعد الجميل ( وَمَنْ أَوْفَ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ) (٢) . فَنَقَلَه عليه السلام من صيغة الدعاء الذي

صاحِبُهُ بين الخوف والرجاء إلى حالة الاضطرار التي الإجابةُ فيها مضمونة .

وحقيقة الاضطرار تؤخذ من قوله (ظلمتُ نفسي ظلماً كثيراً) أي: ليس لي حيلة في رفعه. فهذه حالة الافتقار لأن من لم يقدر أن يقوم بما يغفر ذنوبه فهو مضطر حقيقي، لأنه لو كان معه ذنب كبير، وكان معه شيء كثير مما يكفر به الذنوب ما قال اغفر لي مغفرة من عندك أي : ليس لي موجب لها . فصح بمتضمن هذين اللفظين حقيقة الافتقار المحض، فحصل له ما طلب. وفي النفس حاجات وفيكَ فَطانة. فداكُما أبي وأمي من معلم ومتعلم، ما أحسنَ آثارهما، وأَنْوَرَ

بواطنَهما، وأجلَّ أحوالهما . أعاد الله علينا من بركاتهما بمنّه .

الوجه الرابع : هنا بحث في قول هذا السيد رضي الله عنه ظلمت نفسي الله عنه (ظلمت نفسي ظلماً كثيراً) هل هو حقيقة أو مجاز؟ فأما أن يكون مجازاً فهذا مستحيل أن يقول النبي ، ، ، شيئاً يوجب المغفرة، فيكون مجازاً، ولا أبو بكر أيضاً يخاطب المولى الجليل بالمجاز عند موطن الرغبة، فلم يبق إلا أن يكون حقيقة . وإذا كان حقيقة فما هو ؟ لأن ما كان قبل الإسلام لا يؤاخذ به، وبعد الإسلام هو السيد القدوة في الخير . فما هذا الذنب؟

فالجواب : وهو ما تقدم في الحديث قبل عند قول الله تعالى يا ابن آدم ما أغدَرَك ! فما كان من خير في الدنيا وفي الآخرة فهو من فضله جل جلاله إما بهداية لموجب ذلك من الأفعال التي نصبتها الحكمة الإلهية لذلك، أو بمجرد العفو والفضل بلا موجب من عمل .

يؤيد ما قلناه : قوله تعالى: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ) (۳) وقوله عزّ وجلّ ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا (٤) وقوله عزّ وجلّ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَارَةُ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ ري ) (٥) فأخبر الصادق عليه السلام الصديق رضي الله عنه، أن يُقر بالأصل، وهو الاعتراف بما طبعت النفس عليه، وهو حقيقة الحق، ويطلب الخير التام - وهي المغفرة والرحمة - من عند

الغفور الرحيم .

(1) سورة النمل من الآية ٦٢ . سورة التوبة من الاية ۱۱۱ . (۳) سورة النحل من الاية ٥٣ . (٤) سورة النور، من الآية ۲۱ . سورة يوسف، من الآية ٥٣ .

ولذلك يقول بعض من يُنسَب إلى الخير : كلَّ شيءٍ يَكبُرُ في هذه الدار، إما حسّاً وإما معنى إلا النفس عند أهل التحقيق والمعرفة كلما زادت معرفتهم زادت النفس عندهم حقارة وذلة . وهذا الحديث شاهد على ما قاله لأنه إذا كان الذي تناهى في الصدق والتصديق رضي الله عنه ، رُدّ إلى

هذا الاعتراف العظيم - كما أبديناه - فهل بقي من النفس عند هذا السيد شيء له قدر؟ معاذ الله . فمن أراد الخلاص والإخلاص فَلْينسج على منواله . ضَمَّنا الله في سلكهم بمنّه .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .

حديث رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة

عَنِ ابنِ عباس (۱)، رَضِي الله عنهُما ، أَنَّ رَفعَ الصَّوتِ بالذكرِ حينَ ينصرفُ النَّاسُ مِنَ المَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلّم .

ظاهر الحديث يدل على أن الناس كانوا على عهد رسول الله لا إذا انصرفوا من المكتوبة يُسمَع رَفع صوتهم بالذكر . والكلام عليه من وجوه :

منها : تبيين الكيفية فيه، وهل كان ذلك عاما في الخمس، أو هو خاص ببعضها؟

أما الجواب على أنه عام أو خاص، فمحتمل لهما معاً والأظهر أنه خاص. والدليل على خصوصيته يُؤخذ من أحاديث منها ما رُوي أن النبي ، الله ) كان إذا فرغ من صلاة الصبح أقبل بوجهه المُكرَّم على الصحابة رضي الله عنهم، فيقول : هل رأى منكم أحد الليلَةَ رُؤيا؟ فإن رأى أحد قصها . فيقول ما شاء الله من الحديث، وبقي يحدثهم) (٣) . فإذا بقي هو ـ عليه السلام - يحدثهم فلا شك أن الخلفاء والأكثر من الصحابة رضي الله عنهم كانوا يجلسون ،معه لاسيَّما أهلُ الصفة (٤) من الصحابة رضي الله عنهم فإنهم لم يكونوا يخرجون من المسجد إلا عند حاجة البشر، وكانوا يديمون الجلوس في المسجد بل كان أكثر الصحابة ينتظرون الصلاة بعد الصلاة، لما فيها من الأجر، كما أخبر ، لا بقوله : (فَذَلِكُمُ الرِّباطُ ، فذلِكُمُ الرّباطُ، فَذَلِكُمُ الرِّباطُ ) (٥) ثلاثاً .

(۱) سلفت ترجمته في الحديث ٤٣ . (۲) المكتوبة هي الصلاة المفروضة. (۳) أخرجه الإمام أحمد والشيخان والبغوي في شرح السنّة عن سمرة بن جندب رضي الله عنه (انظر الحديث (٦٩) . (٤) أهل الصفة هم فقراء المهاجرين ومن لم يكن له منهم منزل يسكنه، فكانوا يأوون إلى موضع مظلل في مسجد المدينة يسكنونه. وكان أبو هريرة واحدا منهم.

جزء من حديث طويل أوله ألا أدلكم على ما يمحو الله به (الخطايا أخرجه الإمام مالك ومسلم والترمذي

والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه

فلم يبقَ أن ينطبق عموم هذا الحديث إلا على الخصوص، وهو ما جاء في حديث ذي اليدين في قوله ( خرج السَّرْعان وهم الذين لهم الأشغال الضروريات، فيذكرون إثْرَ الصلاة، لما جاء فيه، لئلا يفوتهم شيءٌ من المندوبات، فيخرجون مسرعين فمن أجل سرعتهم وهم كلهم - رضي الله عنهم - محافظون على المندوبات، وإعلانهم بذلك من أجل أنه إذا كان أحدُهُم خارجاً، وهو يذكر سِراً، قد يأتي من يُكلِّمه أو يَشغَله ، فيَحتَرِم (١) الذكر. فإذا كان ذكره جهراً من أجل (۱) هذه العلة كان

أفضل ، لأنه جاء عنه ل له أن الذِّكْرَ الخفي يفضل الذكرَ الجَليَّ بسبعين درجة ) (۲) . هذا إذا كانا جميعاً لغير علة لما قد يُداخل الجهر من الرياء، وأما مع هذه العلة التي هي، إن لم يَجهَر به فاته الذِّكْرُ بالجملة، فالجهر إذ ذاك أفضَلُ وقد يكون - والله أعلم - سبب وقوله ، لالالالا

الذِّكْرُ الخفِيُّ يَفضُل الجَليَّ بسبعين درجة خوف دوامهم على الجهر، كما ذكر راوي الحديث واحتمل أن يكون ذلك من العرب الذين كان إسلامهم عن قريب فلم يُنْهَوا عن ذلك، لما فيه من التأنيس لهم والتحبيب للإيمان وأخبر الغير بالأفضل، ليعملوا عليه مع الإمكان، وسكت للبعض على الإعلان ليدل على الجواز فيكون فيه لأهل البدايات وأهل الأعذار أسوة . فالدين يُسر . وأما الكلام على الكيفية في الذكر هنا فيحتمل وجوهاً :

منها ما قدمنا الكلام فيه، وهو مخافة أن يفوتهم الذكرُ المأثور إثر الصلوات، وهو ثلاث وثلاثون من التسبيح، ومثله تحميد ومثله تكبير، وختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له واحتمل أن يكون الذكر المأثور عند الخروج من المسجد ، وهو قول الخارج بعدما يقدم رجله اليسرى في الخروج : (بسم الله ، اللهم افتح لي أبواب فضلك ) (۳) لأنها هي السنّة . وهو الأظهر . ويبقى الحديث على ظاهره وتكون فائدة إظهارهم لذلك أن يتعلم هذه السنّة من لم يعلمها ويتذكر صاحب الشغل الضروري إذا سمعها، فيكون له الأجر في الذكر من وجهين من الذكر، وما يتعدى به للغير من الخير ، لأنه قصد بإعلانه التعليم والإلهام كما قال عمر رضي تعالى عنه حين سأله سيدنا ، صلى الله عليه وسلم (الم) ترفَعُ صوتك بالقراءة بالليل) ؟ فأجاب بأن قال: (أوقظ الوَسْنانَ، وأطرُدُ الشيطانَ). فأقره النبي ، ، على ذلك بعد أن أمره بالخفض قليلاً. والصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا يعملون شيئاً من الأعمال إلا بنية صالحة ، وعِلْمٍ من الكتاب والسنَّة .

نفس

الله

(۱) احترم الشية: مبيعه. وتأتي بمعنى ها به وَرَعَى حُرْمَته. واجتمع المعنيان في قولهم : لا تحترم فتحترم أي لا

تهب فيفوتك الخير

(۲) أخرجه ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب وضعفه عن عائشة رضي الله عنها بلفظ (يفضل الذكرُ الخفي الخ . . . . (۳) أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث السيدة فاطمة عليها السلام

ويترتب على هذا الوجه من الفقه تقديمُ النيّة على العمل، وقد قال : (خير العمل ما

تقدَّمته النية) (۱) وأن العامل بعمل من الأعمال إذا قدر أن يجتمع له فيه نيات من الخير عدة فليفعل، لأنه أكثرُ أجراً . إلا أنه يُشترط أن يكون ذلك العمل غير واجب، فإنه إن كان واجباً وأضاف إليه في نيته نية عمل آخر فإن فيه خلافاً بين العلماء: هل يُجزِتُه عن فَرْضِه وما نوى معاً، أو لا يجزئه عن واحدٍ منهما، أو يُجزئه عن الأقل، أو يُجزئه عن الأعلى؟ أربعة أقوال. هذا ما لم يكن قارناً في الحج والعُمْرة، فإن هذا الموضعَ وحدَهُ مُجمّع على إجزائه للعملين معاً بشرط إراقة الدم، كما هو مذكور في كتب الفروع ، فينبغي - إن كان فرضاً - أن يُفرد ،نيته خروجاً من الخلاف من أجل أن تبقى ذمته على أحد الأقاويل عامرة بما كُلِّف من أداء فَرضِه .

قامة

ويقوي ما تقدم ذكره من أنه مخصوص بصلاة الصبح أنه إذا أتى مُطلقٌ ومقيَّد، يُحمَل المُطلق على المقيَّد، ويكون مخصصاً له. وإذا كان كذلك فالعمل من ذلك الوقت إلى هَلُم جراً عليه، لأن الغالب من الناس اليوم إذا خرجوا من صلاة الصبح جهروا بالذكر، لأن الوقت وقتُ خلوة في الطرق من الناس إلا الذين خرجوا من الصلاة وخروجهم من الصلاة لا يكون إلا متفرقين غالباً، والنفوس في ذلك الوقت منوَّرة متنعمة بالذكر وكانت بيوتهم رضي الله عنهم وبسطة ) ، فكان يُسمع ذكرهم من المنازل وأهل المنازل منهم مستيقظون لا يحبسهم في المنازل إلا الأعذار وما منع الناس اليوم من سماع الذكر في ذلك الوقت إلا تعليةُ المباني، وكثرةُ النوم والغفلة فيكون معنى إخبار ابن عباس رضي الله عنه ، بهذا من أجل أن يعتقد معتقد أن إظهار الذكر ذلك الوقت مفضول بالنسبة إلى الذكر الخفي، لأنه إذا كان في الطريق وهو وحده فلا فرق إذ ذاك بين الطريق وبين بيته، وتنبيه (۳) منه أيضاً على التأكيد بالاشتغال بالذكر في ذلك الوقت، وكثرة الحَضُّ عليه، لأنه يزيد في الرزق، فإن الرزق يُقسَم ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس فالذي كان في ذلك الوقت مشغولاً في عبادة، يكون رزقه أوسعَ ، على ما جاء به الأثر

ويترتب على ما في الدليل من الفقه أن الطاعة إذا كانت سبباً لزيادة الرزق فالاشتغال بها ولى، لأنه بها يحصل خير الدنيا والآخرة، وقد جاءت الآثار أيضاً في هذا النوع كثيرة، ولذلك كان أهل الضفّة أقل اهتماماً في طلب الرزق، لتيقنهم بهذا وأمثاله، وكانوا أحظى حالاً في الدارين . إلا أن هنا شرطاً، وهو أن يكون شغله بالطاعة خالصاً لله - عزّ وجلّ - لا من أجل الرزق، فإنه إذا كانت طاعته من أجل الرزق فلا دنيا ولا آخرة، وفي معناه قيل : إن الخير بالطاعات منوط، وصاحبها

(1) لم نقف على مصدره . (۲) القامة من الإنسان .طوله بسطة زيادة . (۳) وتنبيه : العطف على المصدر المؤول : أن يعتقد.

بالبركات ،موصوف والمعاصي صاحبها ممقوت وداراه بالبلايا محفوفتان وقيل أيضاً: بالطاعات مُربحتان واتقاء السوء بهما معروف

وهذا البحث على أن الذكر كان منهم عند خروجهم من المسجد. وأما إن حملنا الانصراف المذكور على خروجهم من صلاة المكتوبة فلا حاجة إلى هذا البحث كله. وقد قال ابن بطال (۱) . رحمه الله - في شرح البخاري لما أن تكلم على هذا الحديث قال: يحتمل أن يكون هذا عند الجهاد في بلاد العدو. فإن كان على هذا فالعمل عليه إلى الآن لأن السنة أن المجاهدين إذا انصرفوا من المكتوبة في الخَمْس يرفعون أصواتهم بالذكر ، ليُرهبوا بذلك العدو. وإن لم يكن محمولاً على هذا فهو منسوخ بالإجماع (۳) والإجماع لا يحتج عليه . وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .

(۱) ابن بطال : هو علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال أبو الحسن عالم بالحديث من أهل قرطبة له (شرح

البخاري). توفي سنة ٤٤٩هـ / ١٠٥٧م) (الأعلام ٩٦/٥) (٢) يريد أن رفع الصوت بالذكر عند الخروج من المسجد منسوخ ، وأما رفعه بعد المكتوبة في الجهاد فغير منسوخ

حديث كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيت

عَن عَبد الله بن عُمَر (۱) ، رَضِيَ الله عَنهُما ، يَقولُ: سَمِعتُ رَسول الله صلى الله عليه وسلم يَقولُ: كُلكم راع وكُلُّكُمْ مَسئُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ ، الإمامُ راعٍ ومسؤولٌ عَن رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ راعٍ في أهلهِ ومسؤول عَن رَعِيَّهِ ، والمَرأَةُ راعية في بيتِ زَوجِها وَمَسؤولَة عَن رَعِيَّتَها، وَالخادِمُ راعٍ في مالِ سَيِّدِهِ ومسؤول عن رعيَّتِهِ . قال : وحَسِبْتُ أَنْ قَد قالَ : وَالرَّجُلُ راعٍ في مالِ أَبِيهِ ومَسؤول عَن رَعِيَّهِ، وَكُلُّكُم راعٍ، وكُلُّكُم مَسؤولٌ عَن رَعِيَّهِ .

ظاهر الحديث يدل على أن كل من استرعي على شيءٍ يُسأل عنه . والكلام عليه من وجوه : الوجه الأول: أن يقال : ما معنى الرعاية؟ وهل هي مقصورة على المذكورين في الحديث؟ أو تتعدى بالحكم؟ وما هو منها واجب؟ وما هو منها مندوب؟

فأما الكلام على الرعاية فهي بمعنى الحفظ والأمانة . ومنه قولهم : رعاك الله . أي : حفظك . وراعي الغنم : أي : الحافظ لها، والأمين عليها .

الوجه الثاني : وهل يتعدى لأكثر مما في الحديث أم لا؟

فإن قلنا بفهم العلة فحيثما وجدنا تلك العلة عدينا الحُكم . ويكون الحديث من باب التنبيه بالأقل على الأكثر، إذ هي الأمانة والحفظ وقواعد الشريعة من هذا كثيرة تدل عليه بالنص والضمن. فتكون فائدة الإخبار بهذا الحديث تنبيهاً على المذكورين لأنه أمر يُعقل، لأن الناس لا يحسبون الراعي لهم إلا الخليفة ليس إلا وأن غيره ممن ذكر بَعد لا يدخل عندهم في باب الرعاية

(۱) عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، أبو عبد الرحمن صحابي من أعز بيوتات قريش في الجاهلية. كان جريئاً جهيراً، نشأ في الإسلام وهاجر إلى المدينة مع أبيه ، وشهد فتح مكة، ومولده ووفاته فيها. أفتى الناس في الإسلام ستين سنة . له في كتب الحديث ٢٦٣٠ حديثاً . توفي سنة ٧٣هـ / ٦٩٢م (الأعلام ٢٤٦/٤) .

(۲) عدينا الحكم صرفناه إلى غيره، وطبقناه عليه .

ولا في باب الأمانة، لأن الرجل يقول : أهلي قد أبيحوا لي وليس لهم قبلي شيء غير الذي يجب علي من نفقة أو غير ذلك مما جرت به العادة وهي مسؤولة عن نفسها ولا يفكر أن عليه شيئاً مما يزيد على ذلك. والابن يقول : مال أبي ما عَلَيَّ أنا منه؟ بل هو الحاكم عليَّ . وتقول الزوجة مثل ذلك، والعبد مثلهم . فتضيع بين ذلك الحقوق، ويُسألون عنها ، وهم قد أغفلوها . فجاء التنبيه على ذلك من باب توفية النصح لمن استرعي ، وهو - عليه السلام - أكبر الرعاة توفية . وبقي غير هذه من الأمانات تدل عليها هذه وما يجب لكل واحد منهم على صاحبه فيما يخص صاحبَ الرعاية الكبرى الذي له البيعة، وقد تقدم الكلام فيه في حديث عُبَادة بن الصامت (۱) . وأما ما بعده فنذكر فيه بحسب ما يفتح الله - عز وجل - به .

الوجه الثالث : قوله عليه السلام) والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته) (الأهل) هنا مبهم، فما يعني به؟ لأن الأهل ينطلق على (الزوجة) كما قال أسامة ، رضي الله تعالى عنه، حين سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الإفك ، فقال أهلك يا رسول الله عَنَى به

عائشة ، رضي الله عنها . واحتمل أن يريد بالأهل (مَن لزم الرجلَ نفقته شرعاً) كقول نوح عليه السلام إِنَّ ابْنِي مِنْ أهلي) (۳) وكقول مولانا - جلّ جلاله - في قصة أيوب عليه السلام ) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَمُ وَمَثْلَهُم مَّعَهُمْ ) وكانوا زوجته وبنيه والعبد أيضاً داخل في الأهل، لأنه من جملة الرعية، بدليل قوله عليه السلام، في سلمان (٤) هو من أهل البيت، وكان عبدا ، ولأنه مما أبيح له النظر إلى زينة سيدته ، كما أبيح لذوي المحارم لقوله تعالى ( أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ ) (٥)

(1) عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي أبو الوليد ،صحابي من المشهورين بالورع شهد العقبة وكان أحد النقباء، كما شهد بدرا وسائر المشاهد، ثم حضر فتح مصر. وهو أول من ولي القضاء بفلسطين، ومات بالرملة أو ببيت المقدس. روى ۱۸۱ حديثاً اتفق الشيخان على ستة منها. وكان من سادات الصحابة . توفي سنة ٣٤هـ / ٦٥٤م . الأعلام) (۳۰٤ .

(۲) سورة هود من الاية ٤٥ . (۳) سورة ص من الاية ٤٣ .

(٤) سلمان الفارسي : صحابي من مقدميهم أصله من مجوس أصبهان ، عاش عمراً طويلاً ورحل إلى الشام فالموصل ،فنصيبين، فعمورية، وقرأ كتب الفرس والروم واليهود ، وقصد بلاد العرب، فلقيه ركب من بني كلب فاستخدموه ثم استعبدوه وباعوه، فاشتراه رجل من قريظة فجاء به إلى المدينة. وعلم سلمان بخبر الإسلام فقصد النبي الله بقباء كلامه، ولازمه أياماً وأسلم، وأعانه المسلمون على شراء نفسه من صاحبه. وكان قوي الجسم، صحيح الرأي، وهو الذي أشار على الرسول الكريم بحفر خندق حول المدينة في غزوة الأحزاب. وقال فيه عليه السلام (سلمان منا أهل البيت . له في كتب الحديث (٦٠) حديثاً . توفي سنة ٣٦هـ / ٦٥٦م ( الأعلام ۳ (۱۷۰) (٥) سورة النور، من الآية ٣١.

وسمع

يجب

أمها

مثل

على

من

عاية

فيه

الله

به

ين

احتمل الوجهين معاً، لكنّ الأظهر أن يكون الأعم منهما ، فإن الفائدة فيه أعم، ولأنه عليه السلام، قال في آخر الحديث والرجل راع في مال أبيه ولم يذكر أن الأب راع في مال ابنه، فلما كان (الابن) من جميع من دخل في قوله عليه السلام: (أهله ) لم يُعِد ذكرَه . ومثل ذلك في العبد والزوجة، وذكرهم عليه السلام لنعلم أنه - وإن كان صاحب البيت مسؤولاً عنهم - فإن كل واحد

منهم مسؤول أيضاً على قدر ما يَخُصُّه، على ما يُذكَر بعد .

فأما ما يجب على الرجل من الحق في زوجته وولده وعبيده فمنه ما هو عند الناس كلهم عالمهم وجاهلهم ،معروف كالكسوة والنفقة والسكنى، لاخفاء به ، وهذا بعضُ من كلّ . فإن الذي يجب عليه زائداً على ذلك حفظهم في دينهم حتى يحملهم عليه ، فرضه وندبه كل على وجهه. وهواكد من النفقة والكسوة، بدليل أن الكسوة والنفقة قد تسقط عنه بالعُسر. والإرشاد إلى الدِّين وتعليمه لا يَسقط عنه بوجه وما لا يَسقط أكد ضرورةً مما يسقط . لكن لما رأى الناس الحكام يحكمون في النفقة والكسوة وما يتعلق بالأمور الدنيوية، ولم يحكموا في غيرها على الرعاة، لم يبقوا يجعلون الواجب إلا ما حكم فيه ليس إلا . وغاية الذين ينسبون إلى العلم والخير - في الأغلب منهم - ينسبون ما زاد على ما حكم به أن الكلام فيه من قبيل المندوب الذي إذا فعلوه كانوا مأجورين، وإن لم يفعلوه لم يأثموا. وهذا جهل محض ، وغلط ،ظاهر، بدليل الكتاب والسنة وقول الأئمة. أما الكتاب : فقوله جلّ جلاله ) يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾ (١) وقوله عزّ وجلّ وَأمْر أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ وَأَصْطَبِرْ عَلَيْهَا ) (۲) .

وأما الحديث : فقد روي أن الرجل إذا كان له الولد، وبلغوا وفرّط فيهم حتى وقعوا في المحذور، فإن عليه من الإثم قدْرَ ما عليهم وأيضاً قوله عليه السلام في الصلاة : مُرُوهُم) بها لِسَبع واضرِبُوهم عليها لِعَشْرِ ) (۳) ، وليس هذا في الصلاة وحدها، بل هي هنا من باب التنبيه بالأعلى

على الأدنى .

وأما قول الأئمة: فما ذكره ابن أبي زيد (٤) في رسالته وغيره قال : ويُضربون على الصلاة العشر، كما جاء، وكذلك في غيرها من الواجبات .

وقد اختلف العلماء فيما يفعله الوليّ بمن هو في ولايته من خير، ويجبره عليه، وذلك قبل

(1) سورة التحريم، من الآية ٦ .

(۲) سورة طه من الاية ۱۳۲ .

(۳) أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما .

(٤) سلفت ترجمته في الحديث (٤٤) .

بلوغه . من المأجور على ذلك العمل؟ على ثلاثة أقوال : منها : أن الوليَّ هو المأجور والآخر أنّ الصبي هو المأجور ، لأنه هو الفاعل لذلك الفعل والآخر أنهما معاً مأجوران. وهو الأصح بدليل قول سيدنا محمد ، للمرأة إذ رفعت له الصبي، وهي في المِحَفَّة ، في حَجّة الوداع فقالت : با رسول الله الهذا حَجّ ؟ فقال : نعم ، ولَكِ أجرٌ (۱) .

وأما في العبيد فقول سيدنا : إن زنت الأمة فاجلدوها فإن زنت فاجلدوها، وإن زنت في الثالثة أو الرابعة فبيعوها ، ولو بضفيرِ حَبْل ) (۲) ومثله ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنه كان معها قوم يسكنون في بعض ملك لها، فرأت يوماً في بعض الأماكن أثراً لتلك الخطوط التي يلعب عليها النرد، فأمرت بإخراجهم إن بقوا على ذلك الحال . ولهذا قال العلماء: لا يجوز للمرء أن يؤجر شيئاً من ماله ممن يعلم أنه يعمل فيه محرَّماً من المحرَّمات . ومما يؤيد ذلك أيضاً قوله عزّ وجلّ في كتابه ( وَلَا تُكْرِهُوا فَنَيَتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ) (۳) أي : الزنى . فكما يحرم عليه أن يؤاجرَ أَمَتَه في الزِّنى، ولا يحل له أن يأخذ ذلك الشيء، فكذلك غيره من المال. ومما يقوّي ما قلناه ما كتبه ،عمر رضي الله عنه إلى عماله : إن أهمّ أموركم عندي الصلاة من حفظها، وحافظ عليها، حفظ دينه ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع .

فالضابط في هذا أعني : جميع ما يجب على الرجل من الحقوق في أهله بعد ما تقرر عليه

بالحكم في علم الخاص والعام كما تقدم ذكره أن نقول :

كل ما هو على الرجل واجب فهو عليه واجب أن يحمل أهله عليه، إن كانوا كباراً، إلا ما أسقطته الشريعة عنهم ، كالجُمُعة مثلاً عن المرأة وعن العبد مما قد تقرر بالشرع وهو مذكور في كتب الفقه . وإن كانوا غير بالغين فيكون مندوباً ، كما تقدم : ما هو عليه أيضاً مندوب يحملهم عليه، مع إعلامه لهم أنه مندوب كما كانت الخلفاء، رضي الله عنهم يفعلون في تسوية الصفوف ويبينون أولاً في الخطبة أنه ليس من الواجبات ، ثم يوكّلون أناساً يجبرون الناس على تسويتها، ولا يدخلون في الصلاة حتى يعلموا بأنها قد استوت. وتمام البحث على هذا الفصل يأتي في موضعه من الكتاب - إن شاء الله تعالى - ولا يسامحهم في ترك شيء من ذلك .

ثم نرجع الآن نبين ما السبب في كون الحكام حكموا في مثل النفقة والكسوة وما أشبه ذلك حتى رَجحَ عند الناس أنه فرض - بلا شك - عندهم لما تكرر ذلك ، واستمر العمل به ولم يحكموا

(۱) رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما . (۲) رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم بلفظ مختلف.

(۳) سورة النور من الاية ٣٣ .

في أمور الدين؟ وذلك أن الحاكم لا يحكم لك إلا فيما ترفعه أنت إليه من الحقوق، وما لا ترفعه أنت إليه لا يحكم لك فيه . مثال ذلك : أن يكون لك على شخص ثلاثُ حُجج، أو أربع، ثم تطلبه بالحجة الواحدة بتلك الحجة الواحدة يحكم لك الحاكم، ولا يلزمه أن يحكم لك ببقية الحجج وأنت لم تُبدِها له، ولا طلبت ذلك منه .

وكذلك ما نحن بسبيله، لما كان للمسترعى على الراعي حقوق من واجبات الدين، ولم يوفها له ما جاء منها على شهوة نفسه فرح بكونه لم يعطها إياه، فلم يذكرها، ويكون ذلك من المسترعَى من أحد وجهين إما لأنه لا يعلم بها، ولو علم ما طلبها منه، أو لأنه يعلمها ويفرح بكونه لم يطالبه بها. وقد يكون ذلك سبباً لحبه إياه، فإنه مما يعجب نفسه (۱).

والآخر الذي هو من قبيل حظ الدنيا مثل الأكل والشرب والكسوة لم تسامح نفس المسترعى أن يتركها للراعي فطلبه ،بها فاحتاجوا إلى الحكام في ذلك، وتوالى الأمر في ذلك بين الناس فرجع وجوبه مشهوراً معلوماً.

ولما قلَّ طالب الأجر، وكذلك فاعله وكذلك العالم ،به تنكر حتى رجع المتكلم به كأنه ابتدع بدعة في الدين. فإنا لله وإنا إليه راجعون على ثلمة وقعت في الدين بتغيير أعلامه، وذهاب عماله، حتى إنه أفرط الأمر إذا رؤي أحد يأمر أهله بما يتعين عليه وعليهم من أمور الدين يُنهَر ، ويقال له : دَعه، فإنما هو صبي، حتى يكون في سنك، وحينئذ يرجع الأمر كأن الدين دينان، دِينُ للصغار، ودين للكبار .

ما

في

أيضاً أنه كان

یه،

ولا

معه

موا

مع

رحم الله السلف، لقد أخبرني بعض مشايخي - رضي الله عنهم أجمعين ـ عن بعض مشايخه أحد أصحابه قاعداً، وقد جاءه ابن له صغير في المكتب، فقال له : قد حفظت الوحي، أفأقعد، أو أمشي ألعب؟ فلم يجبه فكرر ذلك عليه مراراً، فلم يجبه، حتى قال له صاحبه ألا تقول له يلعب أليس ذلك من مشروعية الصغار؟ فإن ذلك مما يصلحهم ؛ فقال له : تريد أن يكون في صحيفتي : اذهب فالعب؟ لا أفعل إن فعل لا أمنعه. فانظر كيف كانت التربية عندهم، وكيف التحرز على ما يكتب في الصحيفة. هذا فيما يتعلق بالمشروعية من الدين.

وأما ما هو من قبيل ما أبيح للنفس فإن تركه لهم - ما لم يقع في الدين مفسدة - مندوب . والمستحب في حقه وما يكون بينهم، بعضهم مع بعض فالمستحب أيضاً أن يندبهم إلى ذلك من

(1) خلاصة هذا المقطع : إذا أهمل الراعي الواجبات الدينية للمسترعى، وفرح الراعي بأنه لم يُطالب بها، فهذه شهوة من شهوات نفس الراعي. وإذا فرح المسترعى بأنه لم يطالب بواجبات تثقل على نفسه فهذه شهوة من شهوات نفس المسترعى وهذا الفرح نفسي غير ديني ولا مشروع وقد كان الصحابة في حياتهم مع رسول الله : الراعي فيهم والمسترعى متضامن ومرجّح واجبات الدين على واجبات .الدنيا . وهذا هو الفرح الحق المبين .

غير عزيمة عليهم، ليروضهم على مكارم الأخلاق، لأن تلك هي السنة كما قال، صلى الله عليه وسلم: (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) (1) . (۱).

والدليل على ما قلناه من أن ترك حظ النفس منه لهم مندوب في حقه، قوله : (المؤمن يأكلُ بشهوة عياله) (۲) فجعل عليه السلام ترك شهوته في الأكل لشهوتهم من علامة كمال الإيمان، لأنه إذا أكل بشهوته لم يخرج بذلك من الإيمان لأنه مما هو مباح له فما لا يخرجه فعله من الإيمان فتَرْكُه من كمال الإيمان. وهذا منه الهلال اليوم من باب التنبيه بالأعلى على ما سواه، لأنه إذا كان الأكل الذي به أجرى الله عزّ وجلّ بمقتضى حكمته حياة هذا الجسد وهو يتكرر في اليوم والليلة دائماً . والأكل بالشهوة على ما يقوله أطباء الأبدان مما يزيد في صلاح الأبدان ، وقد جاءت السنّة بالتطبب حتى إن الحذاق منهم قالوا : إن الطعام الذي يضر في بعض الأبدان إذا أُكِل بشهوة صادقة إنه لا يضر أكله، فجعل ترك ذلك لهم من علامة الإيمان الكامل، فيكون مُؤثِراً صلاح دينه على صلاح بدَنِهِ، بمقتضى علم الطبّ. فهذا من الباب الذي أشرنا إليه آنفاً .

وأما الشرط الذي ذكرناه أولاً - وهو : ما لم يكن فيه ضرر في الدين ـ فمثل النكاح ، إذا كانت له به حاجة إن لم يفعله يكن في تركه خلل في دينه ولو كانت الزوجة لا تريد في ذلك الوقت ذلك الشأن، فلا ينبغي له هنا ، وما أشبهه ترك ما عنده لما عندها ، ولذلك جعل الشرع ترك النفقة التي هي من جملة الواجبات - كما قدمناه - أولاً مع وجود النشوز وهو امتناعها من الوطء بغير عذر شرعي، وأمر بالضرب لقوله جل جلاله ﴿ وَالَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ) (۳) والإخبار أيضاً هنا بالنكاح لأن تُوفي حقه الذي شرع له فيه، وذلك أيضاً من أكبر أسباب المفاسد في الدين إن لم يفعله، فهو من التنبيه بالأعلى على مقابلة الوجه الذي قبله .

فانظر إلى هذا النظام العجيب في الشرع، إذا تأملته كيف جعل ترك حظ النفس - إذا لم يكن فيه خلل في الدين - كيف هو على ما قدمناه وكيف تؤفيتها حظها ، إذا كان بتركه خلل في الدين عاد فعله معروفاً من أكد الأشياء وأوجبها ، لأنه إذا كان منع يوجب إسقاط واجب عاد أخذه واجباً،

مع

ذلك يبيح

وزيادة في التأكيد إذا كان نشوز ممنوع شرعاً، فجاء أخذها هنا حظها من أكبر العبادات. وعلى هذا فقس .

أخذه ممنوعاً وهو الضرب، لأن ضرب الرجل امرأته دون

(1) أخرجه الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه

(۲) لم نقف على مصدره .

(۳) سورة النساء، من الآية ٣٤ .

ويترتب على هذا البحث من الفقه أن الدين وصلاحه هو المقصود، وغير ذلك في حكم

قال له

التّبع ، ما لم يقع به خلل في الدين، ولا يؤول به ذلك إلى مباح ، طرفاه في الفعل والترك سِيَّان . وبهذا الدليل يَرجَحُ طريق أهل الصوفة طريق غيرهم، لأنهم بنوا طريقهم على ترك حظوظ النفس، وحمل الأذى، وترك الأذى، وإدخال السرور ، حتى إنه يذكر عن بعضهم أنه لقيه شخص، فقال له ذلك الشخص : كيف حالك؟ فقال متشوّش أو ما في معناه فلما انفصل عنه قال له أصحابه : وكيف يا سيدنا تقول ذلك؟ قال لهم : إني أعلم أنه يبغضني، فأردت أن أدخل عليه سروراً، رعياً لأهل الطريق. وقد جاء بعض المتفقهين فقال : وكيف يدخل عليه سرورا بكذب، وهذا لا يَحِل؟ ما وقع فيه أكبر مما قصد وانفصل عنه بعض الناس : أليس (۱) هما مسلمان معاً؟ فقيل : بلى . قال : فإذا كان أحدهما يبغض الآخر بغير موجب إذا كان المبغوض مسلماً حقًا، ساءه حال أخيه، لكون إيمانه ناقصاً، لأن المؤمن يؤلمه من أخيه المؤمن ما يؤلمه من نفسه، فكما يشوّشه من نفسه نقص إيمانه، فكذلك من أخيه . فأخبره بصدق مقتضى حاليهما. وهذا من أحسن وجوه الانفصالات، إلا أنه لا يعرف وجه هذا الانفصال إلا من حصل له حظ من الطريقين الحال والعلم) وألا يكون في أحديهما مقلّداً

ومما يؤيد هذا ويقوّيه قوله : (لأن يؤدب أحدكم ولده خيرٌ له من أن يتصدق بصاع من طعام) (۲) لأن الولد معلق بالقلب، كما قال له : (الولد) مبخَلَةٌ مَجبَنَة ) (۳) أي : هو أقوى الأسباب في هاتين الحالتين الذميمتين، لأن حبه يمنع من إنفاق المال، ويرى أن ابنه أولى من الصدقة، وإذا خرج إلى الجهاد فقلبه به مشغول بالرجوع إليه، فيكون سبباً لجبنه وفراره هذا هو الغالب فجاء الحديث على الغالب من أحوال الناس والمال أيضاً معلق بالقلب لكن تعلقه بالولد أكبر، وما يؤلم الولد يؤلم القلب، فجاء أدبه الذي يؤلم ابنه والذي به يتألم قلبه أرفع له من صدقة صاع من طعام، لأنه أشق على النفس .

وهنا بحث وهو : أن يقال : لِمَ حدَّد الطعام بقدر الصاع؟ فإن كان الطعام أكثر من الصاع

فيجب على هذا أن تكون الصدقة أكبر، فإن تَرَكَ تأديب ابنه وتصدّق بصاعين كان له أعظم . فالجواب أن نقول : ليس المقصود الترك للأدب والزيادة في الصدقة، وإنما المقصود تبيين الأفضلية في الأعمال، لأن الأدب الشرعي للصغير إنما هو بالشيء اليسير مثل السوط مرة، وفتل

(1) يعني : أليس الشأن . (۲) أخرجه الإمام أحمد عن جابر بن سمرة رضي الله عنه (۳) رواه الإمام أحمد عن راشد بن يعلى بن مرة العامري رضي الله عنه .

به فیلمان

الأذن مَرَّة، أو ما أشبه ذلك. وأقل ما جاء في الكفارات المشروعة أيضاً المُدّ، كما جاء مد ) لكل مسكين . فأقل الأشياء في الأدب - كما بينا - أرفع من أقل ما حُدَّ في الصدقات المشروعة. والقدر المحدود في الصدقة المشروعة هو الذي يحصل به كمال راحة النفس، وهو غاية شبعها في الغالب، لأن شبعها من الطعام كَمَّل لها جميع شهوتها ومنافعها وجميع قواها على توفية مآربها، إحياؤها. وإحياؤها فيه ما فيه معلوم شرعاً وطبعاً. فجعل أقل التألم - وهو الأدب الشرء أشق على النفس - أعلى من أرفع الأشياء، وهو ما يعود إلى إحياء النفوس، لكونه ليس له ذلك التألم الذي يوازي الآخر المذكور قبل، في نفس الفاعل .

وبه

ويترتب على هذا البحث من الفقه : أن أفضل العلوم فهم سرّ الحكمة في حكم الحكيم، لأنه يقوى به الإيمان، وفيه عون على النفس، يؤيد ذلك قوله تعالى ( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (۳) فإن اليقين لا يحصل في الغالب إلا بالنظر والفهم والتدبّر ، ولذلك قال الله صلى الله عليه وسلم : تعلموا اليقين فإني أتعلمه) (۳).

ويجب عليه أيضاً أن يعاملهم بما يكون لهم عوناً على توفية ما يجب له عليهم . ومما يدل على ذلك قول رسول الله الله لحين جاءه بعض الصحابة بهبة وهبها لبعض أولاده أن يشهد فيها قال له : ألك أولاد غيره؟ قال : نعم. قال : فكلهم أعطيته مثل ما أعطيته ؟ قال : لا . قال : أتحب أن يكونوا لك في البِرِّ سواء؟ قال : نعم قال : فاعدِلْ بينهم فانظر إشارته عليه السلام بقوله : أتحب أن يكونوا لكَ في البرِّ سواء؟) (٤) فكأنه عليه السلام يقول :له فعلك ينافي .مطلبك فحصّ بهذا على أن يعينهم على البر .

ومثله ما روي عنه حين سأله نساؤه من تحب؟ فأعطى كل واحدة منهن دينارا سرًّا، فقال : (صاحبة الدينار) . فأدخل عليهن جميعاً السرور دون تشويش على الغير، لأن ذلك عون على حسن العشرة . وحسن العشرة هي في حقهن لما يعود عليهن في ذلك من خير . وأما في المماليك فكان عليه السلام يطحن مع الخادم ويقول ( لا تكلفوهنَّ ما لا يُطِقْنَ) (٥)

ـد الأحناف ملء الكفين أو ما يساوي ربع صاع. والصاع

(۱) المد: مكيال ،قديم، اختلف الفقهاء في تقديره، وهو ند الأحناف قريب من أربعة كيلوغرامات، وعند الشافعية أقل من ذلك .

عند

(۲) سورة المائدة من الآية ٥٠ .

(3) أخرجه أبو نعيم في الحلية عن ثور بن يزيد مرسلاً ولفظه (تعلموا اليقين كما تعلموا القرآن حتى تعرفوه فإني

أتعلمه) .

(٤) أخرجه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير بلفظ آخر . (٥) أخرجه البخاري ومسلم عن المعرور بن سويد بلفظ مختلف .

وقوله عليه السلام) إذا جاء أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو لقمتين أو أكلة أو أكلتين) (۱) والبحث فيه في موضعه من داخل الكتاب إن شاء الله تعالى، لأنه من باب العون على توفية حق السيد، وحفظ ماله .

ومثله ما روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يكتب كتاباً، وهو خليفة، ومعه بعض أصحابه، وكان ليلاً، فنام العبد وفرغ الدهن من السراج ولم يفرغ الكتاب. فقال له جليسه أيقظ الغلامَ يسكب الدهن في المصباح فقال له هو في أول نومه. وقام هو رضي الله عنه، وجعل الدهن في السراج، ثم رجع يكتب فقال : قمت وأنا عمر بن عبد العزيز ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز . ولو جئنا نتبع ما جاء في مثله لكان كثيراً ، واليسير يغني مع الفهم عن الكثير .

الوجه الرابع : قوله عليه السلام والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها). انظر إلى هذه الفصاحة في الفصل والإعجاز في توفية المعنى، لأن المرأة لا تباشر من حال الزوج إلا ما هو في الدار، فلم تكلّف ما هو خارج الدار ، لكونها لا تصل إليه اتصالاً كلياً. والذي يجب عليها في ذلك ما جاء مفسراً في حديث غير هذا وهو قوله عليه السلام (ولكم عليهن ألا يُدْخِلْنَ أحداً دُورَكم، ولا يُوطِثْن فُرُشَكم غيركم إلا بإذنكم) (۲) ، وقوله عليه السلام: (تحفظ المرأة زوجها في

نفسها وماله). هذا هو الواجب .

وأما المندوب فقوله عليه السلام: (جهاد المرأة حُسنُ التَّبَغُل ) (۳). والجهاد على ضربين : واجب ومندوب وكذلك حسن التبعل على هذين الوجهين فما كان من حفظ نفسها وماله وما أشبههما من قبيل الواجب وما كان من التَّزَيّن له وبماله إن ،قدرت وزيادة التحفظ عليه وعلى عرضه، وما أشبه ذلك فهو من قبيل المندوب .

الوجه الخامس : قوله عليه السلام والخادم راع في مال سيده) . انظر أيضاً إلى هذا الترتيب العجيب: لما أن كان العبد لا يقدر أن يتصرف على المعهود ، ولا يُفسد أو يصلح إلا المال، قيل: هو مسؤول عنه، لأنه مؤتَمَن عليه . هذا في الغالب. فإن ائتمنه على غير ذلك وجب عليه التوفية لأن الأمر جاء على الغالب من عادة الناس. ومثل ذلك نقول في الزوجة، إن ملكها التصرف فيما زاد على ما في الدار وجب عليها

(1) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه .

(۲) جزء من خطبة الرسول الله في حجة الوداع . (۳) أورده ابن الجوزي في الموضوعات ١٥٣/٢ .

حفظه، أي توفية الأمانة فيه . حتى إنه قال بعض الناس : مما يجب على المرأة أن تخبر زوجها كل ما يزيد أو ينقص في دارها وفائدة ذلك أنه المطلوب بحسن النظر لهم . فإذا أخبرته بالكليات والجزئيات كان نظره بحسب ذلك، فعاد الخير عليهم جميعاً، وكان ذلك عوناً له على توفية حقوقهم، فيكون من باب العون على الخير . وكذلك العبد مكلف ألا يخون سيده في شيء دَق أو جل، ولا يخفي عنه أيضاً من كل ما يزيد أو ينقص شيئاً للفائدة التي ذكرناها في المرأة . الوجه السادس : قوله عليه السلام والرجل راع في مال أبيه هذا لا ينطبق عليه اسم (رجل) حتى يكون بالغاً، لأنه إذا كان بالغاً وقع عليه التكليف، وحينئذ يكون مسؤولاً، وأما غير البالغ فليس بمسؤول. وهو أيضاً إما في حضانة الأم وكفالتها ، أو لمن جعل الأب ذلك له، فيكون غيره

المسؤول عنه . فالذي يجب على الابن أيضاً أن يحفظ مال أبيه ، ولا يأخذ منه شيئاً إلا بإذنه .

وانظر إلى هذا التنبيه العجيب للابن من أجل أن يخطر له أن مال أبيه كونه يعود إليه بعد، يقول : ليس أنا مثل غيري فنبه عليه السلام أنه في الوقت مثل غيره، ولا يجوز له التصرف إلا كما يجوز للغير، وإن كان المال قد يعود له بعد. ولذلك إذا سرق الابن مال الأب قطع لأنه ليس له الآن فيه شيء إلا القدر الذي جعل له من النفقة، إن كان في وقت يجب له والمال ينطلق على جميع الأنواع التي تُتَمَوَّل من جميع الأموال .

والذي يُندَبون إليه جميعاً ـ أعني الابن والخادم والزوجة - مثل أن يعينوه في الأشياء التي ليست عليهم، ويوفروا عليه، وينبهوه على المصالح التي يعرفونها ، لكونهم في الغالب أكثر مباشرة للأشياء منه. فهم أعرف بالجزئيات الطارئة، وما يترتب عليها من المصالح وغيرها . أو ضابطه أن يكونوا ينظرون فيه كأنه لهم، لأن ذلك من حقيقة الأمانة ، كما قال الله حتى يُحبَّ لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه) (۱) هذا في الأجانب، فهؤلاء من باب أولى.

وهنا بحث صوفي، وهو: أنهم جميعاً في الحقيقة أمناء فيه والمال للمولى الأعلى. فانظر لنفسك بترك الدعوى، وتوفية الأمانة، واتصف بأوصاف العبودية، ولا تتصف بأوصاف الربوبية بتحقيق الملك بمجرد الدعوى، فمن هنا شَقِيَ مَن شقي وسَعِدَ مَن سَعِدَ .

وقد كان بعض السادة يقول لأولاده : لو علمتكم شيئاً واحداً أفلحتم وكان مهابا (۳) فكرر

(۱) (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). أخرجه الإمام أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن

ماجه عن أنس رضي الله عنه . (۲) كذا والصواب : مهيباً .

ذلك عليهم مراراً مع الأيام، ولا يزيدهم على ذلك شيئاً، إلى أن تجاسر بعضهم فسأله . فقال لهم : ادخلوا في اسم (العبودية) وقد حصل لكم الفوز الأكبر. قالوا: وما حقيقتها؟ قال : تَركُ الدعوى والاعتراض، وحقيقة الامتثال والتسليم. فلقد أحسن فيما إليه نَدَب .

جعلنا الله عبيداً له حقا بمنّه ، لا ربَّ سواه، آمين.

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

عَن أَنَسٍ (۱)،

حديث التبكير والتبريد بالصلاة

يَ الله عَنهُ، يَقولُ : كانَ النَّبِيُّ ، ، إذَا اسْتَدَّ البَردُ بَكْرَ بالصَّلاةِ، وَإِذا

اشتَدَّ الحَرُّ أَبرَدَ (٢) بالصَّلاةِ، يَعني الجُمعَة.

ظاهر الحديث يدل على التبكير بصلاة الجمعة في البرد وتأخيرها في الحَرّ. والكلام عليه

من وجوه

الوجه الأول : الكلام على ما معنى التبكير في أي وقت هو ؟ وكذلك التأخير . فأما التبكير فالمعني به أولُ الزوال، لأنه ما جاء عن النبي ، ، أنه صلاها قط قبل الزوال. وأما التأخير فبشيء يسير، كما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا إذا رجعوا من صلاة الجمعة يقيلون قائلةً الضحى، فدل ذلك على أنه لا يكون تأخيرها كثيراً، لأنه قدر ما تبدأ الرياح تهب .

الوجه الثاني : هنا ،بحث وهو ما الحكمة في التبكير بها في البرد؟ وما الحكمة في التأخير بها أيضاً في الحر؟ فإن قلنا: إنه تعبد فلا بحث وإن قلنا إنه معقول المعنى، فما الحكمة؟ فنقول، والله أعلم : لَمّا بعثه الله عزّ وجلّ رحمة للمؤمنين كما أخبر جلّ جلاله بقوله في حقه بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيرٌ ) (۳) فكان ، كلّ ما كان فيه تأذ أو شيء من التشويش يزيله عن المؤمنين، فلما كان شدة البرد مما يؤلمهم، لا سيما مثل أهل الصُّفّة، لأن الغالب عليهم وعلى البعض من الصحابة رضي الله عنهم قلة الثياب بكر عليه السلام بها من أجل تألمهم من البرد. والبرد بكرة شديد، كما أن حرّ القائلة شديد. فكان يُبرد بها في الحَرّ ، لكثرة التألم من الحَرّ أيضاً .

(1) أنس بن مالك النجاري الخزرجي الأنصاري أبو حمزة صاحب رسول الله و خادمه . روى عنه ٢٢٨٦ حديثاً. مولده بالمدينة، وأسلم صغيرا، وظل في خدمة الرسول الكريم إلى أن ،قبض، ثم رحل إلى دمشق، ومنها

إلى البصرة، وفيها مات سنة ٩٣ هـ / ٧١٢م) الأعلام) (٣٦٥١) .

(۲) أبرد : دخل في البرد والمراد تأخير القيام بالشيء حتى يبرد الحر. (۳) سورة التوبة، من الآية ۱۲۸ .

الوجه الثالث : يترتب على هذا من الفقه أن كل ما يكون للمرء فيه تشويش في الصلاة فينبغي أن يزيله، لأنه مما يُحسّن صلاته، لأن التشويش لا يمكن معه خشوع ولا حضور قلب وهما من أجل ما يطلب من المصلي، ولذلك قال : (لا يصلي أحدكم وهو يدافع الأخبَثَينِ) (۱) . الوجه الرابع : فيه دليل على ابتداء الكلام بالألفاظ العامة، ثم يخصص ذلك العام في الخبر نفسه، وهو من فصيح الكلام يؤخد ذلك من كونه أتى أولاً بلفظ (الصلاة) عامة ، ثم خصصها آخراً بأن قال: (الجمعة). وفيه من الفائدة أنه لا يؤخذ من كلام المَرْءِ بعضُه ويُترك بعضُه لأن أول الكلام قد بينه اخره، وبالعكس، لكن بشرط ألا يتنافى المعنى الأول مع الآخِر . الوجه الخامس : فيه دليل على أن سيدنا يشرع من الأمور في الدين بحسب ما يفهمه الله ، تعالى، ويجب العمل به يؤخذ ذلك من كونه عليه السلام قدّم الصلاة وأخرها، ولم يخبر أن ذلك كان بوحي، وكان عليه السلام إذا كان ما يأمر به أو يفعله بوحي يخبر به أولاً .

وفي هذا دليل للذين يقولون في قول مولانا جلّ جلاله لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَنكَ الله ) (٢) هو : كل ما يخطر له ، أو يراه مصلحة أن يفعله، وإن لم يكن أُوحي إليه فيه شيء، لأن كل ما يتعبّد - عليه السلام - به هو من قبيل الوحي، إما بالواسطة - وهو إتيان الملك به ـ وإما بِوَحي إلهام . ولذلك لم يختلف أهل التوفيق والتحقيق أن اتباع السنة في أي شيء كانت هي أفضل الأعمال وأقربها إلى الله ، عزّ وجلّ، ويؤيد ذلك قوله تعالى ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) (٣) .

الوجه السادس فيه دليل على أن المطلوب في الصلاة إخلاء القلب، لأنه بيت الربّ، عزّ وجل . يؤخذ ذلك من كونه عليه السلام يلحظ شدة البرد والحر اللذين هما ولا بد، يصلان إلى القلب حتى يشتغل بذلك عما هو بسبيله فكذلك ينبغي في كل ما يشغله من أي شيء كان. ومن أجل ذلك خرج أهل التوفيق عن الدنيا، لأنه لا شيء أكثر تشويشاً منها ، ومن أجل ذلك أيضاً تركوا الشهوات وطلب المناصب، لأن ذلك أيضاً من أكبر التشويشات، ولذلك قال تعالى: ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلوةَ وَأَنتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ) (4) قال أهل التوفيق : سُكارى

من حُبِّ الدنيا .

(1) أخرجه مسلم وأبو داود عن عائشة رضي الله عنها بلفظ الا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان)

والأخبثان هما: البول والغائط . (۲) سورة النساء، من الآية ١٠٥ . سورة ال عمران من الآية ۳۱ .

(٤) سورة النساء، من الآية ٤٣ .

الوجه السابع : فيه دليل على أنه إذا كان التشويش يسيراً لا يُبالى به، لأنه قلما ينفك أحد منه إلا الخواص وقليل ما هم يؤخذ ذلك من قوله ( في الحرّ والبرد فوصفهما بالشدة، فإذا لم تكن فيهما شدة فلا بد من تألم ما لأن البشرية خُلقت ضعيفة، والضعيف كل شيء يؤثر فيه بالقدرة، ولذلك قال العلماء : إن الحقن (۱) إذا كان يسيراً لا يمتنع معه الخشوع فالصلاة جائزة . الوجه الثامن : فيه دليل على الأمر بالنظر لمصلحة العامة، لأنه من أجل قلة حمل البعض ذلك الأذى، الذي هو الحر والبرد، لأنه بالقطع منهم من يتحملهما، ويفرح بهما ، لما يكون له فيهما من الأجر، لأن الأجر في العبادة بقدر التعب، والتعب يزيد الأجر، لأنه من جملة المجاهدات، ولهذا كان بعض المتعبدين يصلي وِرْدَه في الحرّ في البيت وفي البرد في سطح البيت للعلة المذكورة وقد قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) (٢) . فحمل عليه السلام الكل على عمل واحد، فنقص الأجر للبعض من أجل أن غيرهم قد لا تجزئه صلاته من كثرة التشويش الذي يلحقه أو قد يلحقه منه مرض يمنعه حضور صلوات كثيرة . إلا أن هنا معنى ما ، وهو بشرط ألا يدخل لأحد

الفريقين خلل في الدين لأن أحد الفريقين إنما نقصه زيادة في الأجر، بعدما كمل له فرضه . الوجه التاسع فيه دليل على أنه لا يؤخذ ما زاد على الواجب من العبادات من المندوبات إلا : بشرط ألا يدخل على الغير نقص في فرضه يؤخذ ذلك من كونه - عليه السلام - ما حَرَم البعض زيادة الأجر، كما وصفنا إلا من أجل نقص فرض الغير .

الوجه العاشر : فيه دليل على أن قوله عليه السلام: (سيروا بِسَيرِ أضعفكم) (۳) أنه ليس في السفر وحده، بل في كل موضع لأن هذا الحديث من ذلك القبيل، لما لم يقدر البعض على حمل الأذى خفف عليه السلام عن الكل، وحملهم مَحْمَلَ الضعفاء .

الأرفق

ويترتب عليه من الفقه أن الإمام ينظر إلى جماعته، فإن رأى فيهم مريضاً أو ضعيفاً أو يعلم : صاحب حاجة يخفف فهي السنة. وإن علم أنهم أقوياء في الأبدان والإيمان أخذ بهم نحو الأفضل، وأطال الصلاة وكذلك ينبغي لكل من له رعاية أعلى أو أدنى أن ينظر إلى ما هو بهم في جميع الأمور يسيراً كان أو كثيراً. والكمال فيه مطلوب، وما يوجد هذا الحال إلا بفقه الحال . وفقه الحال ـ على ما ذكره السادة الفقهاء - أنفع أنواع الفقه لأنه هو نور ،الفقه وزبدته مثل

(1) الحقن والاحتقان : هو احتباس البول وتجمعه في المثانة، وهو من المزعجات والمؤلمات، ويسمى صاحبة

(حاقن) وفي المثل : لا رأي لحاقن

(۲) سورة العنكبوت من الآية ٦٩ .

(۳) ذكره العجلوني في كشف الخفا ٥٦٣/١ والقاري في الأسرار المرفوعة ۲۲۱

الصَّرْف للذي يقرأ النحو، ويسميه أهل الصوفة (المراقبة) لأنه في كل نَفَسِ مراقب . ما حُكمُ الله

عليه ؟

وقد أُخبرت عن بعض الأجلة من الفقهاء حقًّا، أنه كان إذا سئل مسألة يسكت ساعة، وحينئذ يجيب . فسئل عن ذلك ، فقال : انظر أيهما خيرٌ لي وحينئذ أفعل . فانظر كيف جمع هذا السيد بين ثلاث : الفقه العام، وفقه الحال، والمراقبة .

ولقد أدركتُ بعض المباركين من أهل الصوفة وأنه اجتمع يوماً مع بعض الفقهاء المتبرزين للفتوى، وكان فيه أهلية لذلك، غير أنه كانت السلطنة تستعمله في المشاورة في الأمور لفضله، فتكلم مع ذلك الفقيه وطلب منه الدعاء، وكان ذلك من شأنه التنازل للفقهاء وطلب الدعاء منهم ، فقال له الفقيه - على طريق التواضع أيضاً - بل أنت الذي ينبغي أن تدعو لي لأنك من علماء المسلمين وفقهائهم . فلم يتمالك - رحمه الله - أن غلبته الدموع حتى كادت نفسه تَزهَق من كثرة بكائه، وهو يردد ويقول : مِثْلي يُحسَب من العلماء والله ما يكون العالم عالماً حتى لا يخرج له نَفَس إلا لله، وبالله، وإنما نحن ممن يلعب في دين الله . فلقد رجوت بذلك اليوم وذلك الاعتراف مع - ما كان فيه من الدين - أن الله عزّ وجلّ يرفعه بذلك في الآخرة مع المقرَّبين .

جعلنا الله جميعاً هناك بفضله، لا رب سواه .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً

حديث تحية المسجد والإمام يخطب

عَن ، جابِرِ بنِ عَبدِ الله (۱) ، رَضِيَ الله عَنهُما ، قال : جاءَ رَجُل وَالنَّبِيُّ ، يَخْطُبُ النَّاسَ يَومَ الجُمعَةِ . فقالَ : أَصَلَّيتَ يا فُلانُ؟ قَالَ: لاَ قَالَ قُمْ فَاركَعْ

ظاهر الحديث يدل على جواز تحية المسجد والإمام يخطب والكلام عليه من وجوه

الوجه الأول: الحديث الذي يعارضه وهو أن رسول الله ، و كان يخطب يوم الجمعة، ، ، ودخل رجل فجعل يتخطى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : اجلس فقد اذيت) (۲). وفي هذا الحديث دليل على منع التحية والإمام يخطب ومن أجل هذين الحديثين وقع الخلاف بين الإمامين مالك والشافعي رحمهما الله .

فالشافعي

أخذ بالحديث الأول، وهو جواز الصلاة والإمام يخطب وعلل الحديث الثاني بأن قال : إنما أمره بالجلوس من أجل علة الأذِيَّة . ومالك ومن تبعه أخذ بالثاني، وهو منع الصلاة مع الخطبة، وعلّل هو وأصحابه بأن قالوا : إن الرجل كان ربَّ الثياب ، فأراد النبي ، لا الله ، وأن يأمره بأن يقوم فيصلي، فَيَتَصَدَّقَ عليه .

وكلا العلتين - فيما يظهر والله أعلم - ليستا بالقويتين ؛ بدليل احتمالهما معاني أخر. فإذا احتمل الموضع عدة معان فليس أحد المحتمَلات يكون علة يُناط بها الحكم، ويكون مثل الأدلة إذا تعارضت حيث يُنظر الدليل من خارج، أو يؤخذ أحد المحتمَلات من أجل الخلاف الذي في إذا تعارضت، وهي أربعة أقوال فنرجع الآن نبين احتمال كل حديث .

الأدلة

فأما الحديث الأول - وهو الذي قالت المالكية عنه : إن النبي لا لا لا أراد أن يقوم فيتصدق عليه .

(۱) جابر بن عبد الله بن عمرو الخزرجي الأنصاري صحابي من المكثرين في الرواية عن النبي . له ولأبيه

صحبة . غزا تسع عشرة غزوة. روى له الشيخان ١٥٤٠ حديثاً . توفي سنة ۷۸هـ /٦٩٧م .

(۲) رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والطبراني عن جابر رضي الله عنه .

فهذه دعوى لا تصح إلا إذا روي عنه ذلك، كما قال عليه السلام في لحم الأضاحي: إنما . الله نهيتكم من أجل الدافة) (۱) .

وأما الاحتمال الذي يحتمل زائداً على هذا الوجه الذي قالوه من الاحتمالات أن يكون عليه السلام قال له ذلك، وهو قاعد على المنبر ، لم يشرع في الخطبة ،بعد ، لأن العرب تسمي الشيء بما قرب منه واحتمل أن يكون على آخر الخطبة، ويصدق عليه أن يقال، وهو يخطب. واحتمل أن يكون ذلك قبل أن يؤمروا بالإنصات للخطبة .

واحتمل أن تكون تلك الخطبة - وإن كانت في يوم جمعة - لأمر آخر لأن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان إذا حزبه أمر خطب الناس، وألقى إليهم ذلك الأمر، وما بدا له فيه . وهذا ـ والله أعلم - أظهر ، بدليل قوله عليه السلام للداخل: أصليت يا فلان؟ قال : لا . قال : قم (فاركع). لأن هذه الخطبة لو كانت للجمعة ما قال له : أصليت؟ لأن وقت الصلاة لم يدخل لأنه بالإجماع لا يجوز لأحد أن يصلي يوم الجمعة الظهر حتى تفوته الجمعة ،قطعاً، وأنه إن صلى والإمام يخطب ولم يصل بعد، فإن صلاته لا تجزئه والذهاب يوم الجمعة للجمعة إنما يكون قبل الزوال، وهو التهجير وأكثر ما يتأخر المتأخر أن يجيء والإمام يخطب، كما فعل هذا، فلا يتقدم له وقت يمكن له فيه صلاة. فكيف يصح أن يسأله النبي ، الله ، أصليت يا فلان؟

فبهذا التوجيه سقط دليل الشافعية بالحديث نفسه، وهو من القوة بحيث لا يخفى . وهذا إن كان | المراد بقوله : «أصليت» صلاة الفرض وأما إن كان المراد بقوله : أصليت تحية المسجد - وهو الظاهر ، لقوله عليه السلام (قم) (فاركع) ولم يقل : فَصَلِّ - فبطل هذا الجواب . والله عزّ وجلّ أعلم . الوجه الثاني : فيه دليل على أن صلاة الداخل يوم الجمعة والإمام يخطب ممنوعة قد ثبت الحكم بذلك عندهم من أجل أن الصحابي رضي الله عنه ، دخل والنبي ، ، ، يخطب ، فظن أنها خطبة الجمعة ،فقعد ولم يُصَلّ، ويكون أمرُ النبي الا الله له بالركوع فيه من الفقه وجهان: (الوجه الأول) أن الركوع والخطيب يخطب ما عدا خطبة الجمعة جائز و الوجه الثاني احتمل أن الوقت الذي قال عليه السلام فيه : أصليت؟ كان بعد أداء العصر بدليل أنه عليه السلام لم يأمره بالركوع إلا بعد أن قال له : أصليت؟ فدل أنه لو قال الداخل له : صليتُ ، لم يأمره بالركوع لأن الركوع بعد صلاة العصر ممنوع ؛ بل مكروه لوقت الغروب، فيحرم

(۱) الدافة : الجماعة من الناس تقبل من بلد إلى بلدٍ وتمام الحديث: إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت عليكم . فكلوا وتصدقوا وادخروا). رواه ابن حبان عن السيدة عائشة رضي الله عنها . (۲) التهجير : (إلى الجمعة وغيرها : التبكير والمبادرة إلى كل شيء ومنه الحديث : (لو يعلم الناس ما في التهجير

لا ستبقوا إليه).

الوجه الثالث : فيه أيضاً تقوية لمنع الركوع بعد العصر، ويكون ما فعله من أجل العذر. فإن اعترض معترض وقال وكيف يكون الصحابي يقعد حتى يخرج وقت الجمعة، ولا يصلي ولا يعلم هل صلى الناس أو لم يصلوا حتى يأتي في غير وقت الصلاة ويظن أن هذا الوقت هر وقت الجمعة ؟

فالجواب : أن هذا ليس من قبيل المحال، بل هو من قبيل الممكن الجائز . فإنه قد ينام الشخص إلى هلم جراً ولا يستيقظ لصلاة الظهر، وقد يجيء والناس يصلون العصر ويظنه الظهر، ولا يعلم حتى يرى بعد ذلك الشمس قد ،اصفرت فيسأل عن العصر، فيقال له : ذلك الذي صلينا قبل بيسير والذي صليت معنا كان العصر. فقد يحلف أنه ما صلى معهم إلا بنية الظهر . وكثيراً ما يقع ذلك في الأيام القصار، أو يكون في شغل ضروري قد أشغل خاطره ، ولا يلهم إلى الصلاة إلا مع أذان العصر وهو

يظنه ظهراً، حتى يأتي الله بمن ينبهه على ذلك، وهذا كثير وقوعه، فلا يمتنع ما قلناه .

وأما حجة الشافعية بالحديث الثاني الذي قال عليه السلام فيه : اجلس فقد اذيت) إنما أجلسه من أجل الأذيَّة، والصلاة جائزة ، اللهم إن سُلَّم أن الإجلاس كان من أجل الأذية، فلا اعتراض عليه، لأنه نص في الحديث. وأما كونهم يقولون : الصلاة جائزة احتمل جواز الصلاة وضده. فإذا وقع الاحتمال بطل الدليل .

لكن بالبحث المتقدم صح القول للمالكية، ولا يكون بالاحتمال الذي ذكرناه انفاً تعارض بين الحديثين، وقد خرج مسلم أنه ، قال : (من دخل يوم الجمعة والإمامُ يخطب فليركع ركعتين خفيفتين) . فإن صح هذا فهو نص في الباب لا يحتمل التأويل، ومن أجل هذا جاء في مذهب مالك قوله على نص الحديث أنه من دخل يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين خفيفتين. وما ذكرنا أولاً ظاهر الحديث ومعارضته بالثاني إلا تأدباً مع من تقدم لأنهم رضي الله عنهم لهم الفضل علينا، ولا ينبغي لأحد أن يَجْحَد فضلهم علينا، فإن ذلك غباوة وجهالة . وإن كان بعض المواضع فتح فيها على من تأخر أكثر مما فُتح على من تقدم فليس ذلك مما يُخلّ بجلالة منصبهم، وإنما ذلك من طريق المنّ من المولى الكريم ليبقي لمنكسر القلب بالتأخير شيئاً يجبره به، ولذلك قال : فلعل بعض من يبلغه أن يكونَ أوعى له من بعض من فجعل للآخر البعض والأكثر للمتقدم. ولحكمة أخرى لأن تبقى عجائب الكتاب والحديث

وفوائدهما لا تنقطع إلى يوم القيامة .

سمعه) (۱)

جزء من حديث أوله : إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض إلخ . . أخرجه الإمام أحمد

والبخاري ومسلم وأصحاب السنن عن أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه

.. فإن ملي ولا

فت هو

شخص

والذي

الأيام

ـر وهو

إنما

، فلا ـصلاة

بين

تعتينِ

مالك

ذكرنا ـضل

مما

ولفائدة أخرى أن تبقى النفوس تتشوّف إلى استمطار الفضل من الفتاح العليم لقوله عزّ وجلّ :

وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ ) (۱) فلو كانت الفوائد قد فرغت لما كان يحصل للمخاطب المتأخر من فائدة معنى هذه الآي والأحاديث شيء، وقد قال ، في القرآن (إنه لا تنقضي عجائبه ولا يَخْلَقُ على كثرة الردّ ) (۲) .

لكن هنا إشارة إلى أن ما يُفتح لمن تأخر لا يمكن أن يكون مخالفاً لجميع من تقدم . غير أنه إما أن يقوي ضعيفاً من الأقوال أو ما كانوا هم رضي الله عنهم أخذوه بإجماع يأتي المتأخر فيه - إذا فتح له بدليل واضح، أو زوال إشكال بحجة قائمة اشتغل من تقدم عن ذلك. أما ما كان لهم به اهتمام لندارته، أو ما كان ذلك الإشكال عندهم إشكالاً لقوة إيمانهم، فما جاء في المتأخر مع ضعف الإيمان وقلة الفهوم عاد مثل الجبال فيظن الظان بجهله أنه أتى بشيء لم يقدر من سبقه على مثله، وهذا مما قدمناه جَهل بالعلوم وبأهلها .

فإن خالف ما ظهر له كلَّ من تقدم من طريق ما تقتضيه قواعد الشرع فيتهم نفسه، فإن في عين كمال فهمه نقصاً لا شك فيه بدليلين: أحدهما منطوق به وهو قوله عليه السلام: (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) (۳) و(الآخر) بالإجماع أن عمل المتقدمين أقوى من عمل أهل ،وقتنا، والعمل هو ثمرة العلم فإذا كانت ،شجرتان ثمر الواحدة خير وأكثر من الأخرى، قطع بالجزم أن التي ثمرها أكثر وأحسن خير من الأخرى بلا خلاف في ذلك عند من له

بصيرة وعقل .

الوجه الرابع : فيه دليل على جواز الكلام في الخطبة إذا كان فيه مصلحة في الدين يؤخذ ذلك من قطعه ، ، الخطبة بكلامه مع الرجل. ويترتب عليه من الفقه أنه إذا كان المرء في عبادة، ويمكنه عمل آخر بلا خلل يقع في الذي هو بسبيله، جائز ، ما لم يمنع من ذلك وجه من وجوه الشرع. ولهذا المعنى أجاز بعض الفقهاء أنه إذا كان أخذ في نافلة، وقرع الباب من له في دخوله مصلحة، وأنه إن تركه حتى يتم ما هو فيه أنه يروح

حمد

(۱) سورة البقرة من الآية ۲۸۲ .

أوله إن جزء من حديث طويل أخرجه الإمام أحمد والدارمي والترمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ألا إنها ستكون فتنة - وفي رواية فتن - قلت : ما المَخْرَج منها يا رسول الله ؟ قال : كتاب الله ، فيه نبأ ما قبلكم وخَبَرُ ما بعدكم.. إلى آخر الحديث. (۳) أخرجه ابن أبي شيبة والإمام أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه عن ابن مسعود رضي الله عنه بلفظ (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم الخ ....

عنه ولا يجده، أنه يقول ﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلَم ) (١) ويرفع بها صوته، ليشير إليه أنه في صلاة. وهذا عندي فيه نظر لأنه ينطق بالقرآن على خلاف ما أمر به فأولى من ذلك أن يباح له اليسير من الكلام الذي فيه الخلاف من أجل الضرورة، ليسلم بذلك من التهاون بالكتاب العزيز والله المرشد

للصواب بمنّه .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) سورة الحجر، من الآية ٤٦ .

حديث دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم

عَن أنس بن مالك، رَضِيَ الله عَنْهُ ، قَالَ : أَصابَتِ النَّاسَ سَنَة (١) على عَهد النَّبِيِّ ، ل ، فبينا النبي صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ في يوم جُمعَةٍ، قامَ أَعرابي فَقالَ: يا رسول الله ، هَلَكَ المالُ ، وجَاعَ العِيالُ، فَادعُ الله لَنَا . فَرَفَعَ يَديهِ، وما نَرَى في السَّماءِ قَزَعة(۲)، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ما وَضَعَهُما حَتَّى ثَارَ السَّحابُ أمثالَ الجِبالِ ، ثُمَّ لَم يَنزِل عَن مِنبَرِهِ حَتَّى رَأيتُ المَطَرَ يَتَحادَرُ عَلَى لحيته . فَمُطرنا يَومَنا ذلِكَ، وَمِنَ الغَدِ، وَمِن بَعدِ الغَدِ، والذي يليه، حتّى الجُمُعَة الأُخرى. وقامَ ذَلِكَ الأَعْرابِيُّ - أو قال غيره - فَقالَ : يا رَسُولَ الله تَهَدَّمَ البِناءُ ، وَغرِقَ المَالُ ، فادعُ الله لَنَا . فَرَفَعَ يَدَيه وقالَ: اللَّهُمَّ حَوالَينا وَلا عَلينا. فَمَا يُشيرُ بِيَدِهِ إِلَى ناحيةٍ مِنَ یه السَّمَاءِ إِلا انفَرَجَت وَصارَتِ المَدينَةُ مِثل الجَوْبَة (۳) ، وَسالَ الوادِي - قناة (٤) ـ شَهراً . وَلَم يجيء أحد من ناحِيَةِ إِلا حَدَّثَ بالجَوْدِ (٥)

ظاهر الحديث يدل على جواز الكلام للإمام وهو في الخطبة لأمر أكيد، وجواب الإمام على ذلك . والكلام عليه من وجوه

الوجه الأول منها : جواز الإشارة إلى شيء يعرف بالعادة ويجزىء عن تبيينه يؤخذ ذلك من قوله (سَنَة) ولم يعين ما هي، لأنه قد عرف بالعادة أنه أشار إلى السنين التي فيها القحط والجوع.

(1) السَّنَة : الجدب والقحط .

(۲) القزع: قطع السحاب المتفرقة في السماء مفردها : قَزَعة

(۳) الجوبة : الحفرة المستديرة المتسعة.

قناة : اسم مكان وهو هنا بدل من الوادي ممنوع من الصرف.

(٥) الجود المطر الغزير الذي لا مطر فوقه .

ومن ذلك قوله عليه السلام) اجعلها عليهم سِنينَ كسِني يوسفَ . اللهم اشدد وطأتك على مُضَى

اللهم

أنج الوليد بن الوليدِ وعُتْبَةَ، وربيعةَ ، وعيَّاش، والمستضعفين بمكة (۱) .

ويجوز الاستسقاء بالدعاء من أهل الفضل بغير خروج . يؤخذ ذلك من دعاء النبي ، بالغيث عند قول الأعرابي له ما قال.

الوجه الثاني : فيه دليل على طلب الدعاء ممّن فيه أهلية للقبول عند الملمات. ومن أدب الطلب بثّ الحال إليه قبل طلب الدعاء. يؤخذ ذلك من قصد الأعرابي إلى النبي ، الله، لأنه بالإجماع الأفضل فطول حياته - عليه السلام - كان لا يُقصد في المهمات غيره إجماعاً، ولذلك كان عمر ، رضي الله عنه ، يقول للعباس، عند احتياج الناس إلى المطر وخروجهم إلى الاستسقاء ويؤخذ كنا نستسقي بالنبي عليه السلام والآن نستسقي بك، فإنك عمّه، وأقرب الناس إليه (۲) الأدب في تقدمه تبيين الحال قبل طلب الدعاء من فعل الأعرابي ذلك، وأقره النبي ، . الوجه الثالث : فيه من جهة الحكمة أنك إذا شكوت ما بك من الضرّ لمن فيه دين رقّ لك وكان دعاؤه لك بقريحة. وعند تلك الرقة، وجَمْعِ ذلك الخاطر المبارك تُرجَى الرحمة والإجابة . الوجه الرابع : فيه دليل على أن فرض الكفاية من قام به كفى إذا عرف وجه الصواب في ذلك . يؤخذ ذلك من أن هذا الأعرابي لمّا لحق الناسَ ما لحقهم من القحط، تعين على الكل اللجا إلى الله عزّ وجلّ، وإلى رسوله ، له الله ، لما نزل بهم ، وفي الوقت من هو أعلى من ذلك الأعرابي مثل الخلفاء، رضي الله عنهم وجلة الصحابة، فلم يتكلموا ، وقام ذلك الأعرابي بالوظيفة، وأقره النبي ، على ذلك . ولو لم يكن ذلك كذلك لقال له النبي ، ، ل ، في ذلك شيئاً يُعلم به أن الحكم ليس كذلك، لأن تأخير البيان عند الحاجة لا يجوز .

الوجه الخامس: فيه دليل على أن طالب الحاجة ينادي إلى من يطلبها منه بأرفع أسمائه . يؤخذ ذلك من أن الأعرابي نادي النبي الله ، و بأرفع أسمائه وهو : (رسول الله) . الوجه السادس : فيه دليل من الحكمة استعطاف المطلوب منه ،الحاجة، فإنه مما تُسَرُّ به النفس، فقد يكون عوناً على قضائها، لكن بشرط ألا يتعدى في ذلك لسان العلم تحرزاً من أن

(1) أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه في كتاب الأذان، باب يهوي بالتكبير حين يسجد ونصه : كان رسول الله ، ، ، حين يرفع رأسه يقول : سَمِعَ الله لمن حمده، ربَّنا ولك الحمد - يدعو لرجال يسميهم بأسمائهم فيقول: اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين، اللهم

(۲) أخرجه البخاري وابن سعد وابن خزيمة وأبو عوانة وابن حبان والطبراني والبيهقي عن أنس رضي الله عنه . اشدد وطأتك على مضر ، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف . وأهل المشرق يومئذ من مضر مخالفون له .

يكون ما يُسَرُّ ذلك الشخص به ممنوعاً شرعاً، فلا يجوز لأنه من حاول أمراً بمعصية كان له أبعد

فيما يرجو .

وقوله (هلك المال المال عند العرب هي : الإبل، كما أن المال عند أهل التجارة الذهب أو الفضة، كل أحد بحسب عادته .

الوجه السابع : فيه دليل على رفع اليدين في دعاء الاستسقاء يؤخذ ذلك من قوله (فرفع يديه). ولذلك لم يُرو عن الإمام مالك رحمه الله أنه رفع يديه إلا في دعاء الاستسقاء خاصة. وهل يرفع في غيره من الأدعية أم لا؟ فيه خلاف بين العلماء .

وقوله (وما نرى في السماء قرعة ) أي : شيئاً يستر من السحاب. وقوله (فوالذي نفسي بيده ما وضعها) أي ما أتم الدعاء. وقوله (حتى ثار السحاب أي كثر. وقوله (أمثال الجبال) في هذا الموضع دليل على عظم قدرة الملك الجليل. يؤخذ ذلك من سرعة اختراعه، عزّ وجلّ، لذلك السحاب العظيم في هذا الزمن القريب جدًّا .

الوجه الثامن فيه دليل على عظم حرمة النبي ، . يؤخذ ذلك من سرعة ،إسعافه عليه السلام بمطلوبه في الوقت.

الوجه التاسع فيه دليل على جواز مساق اليمين في الكلام وهو من أحد الأقسام الذي يسميه بعض الفقهاء لغو اليمين يؤخذ ذلك من قوله فوالذي نفسي بيده .

الوجه العاشر : فيه دليل على أن تغيير العادة قد تكون دالة على رحمة أو غيرها . يؤخذ ذلك من أن حبس المطر قبل تغيير حاله - وهو يؤول إلى هلاك المال ـ فهذا تغيير نقمة، وقد جاء : (إذا أبغض الله قوماً أمطر صيفهم ، وأصحى شتاءهم وكوْنِ (۱) تعجيل السحاب والمطر عند دعاء سيدنا تغيير عادة إلا أنها تغيير رحمة .

وقوله (ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته أي لم يفرغ من الخطبة حتى كثر المطر، لأن المطر ينفذ من سقف المسجد ، لأن سقف المسجد كان من جريد النخل، ولا بد أنه كان يحبس شيئاً من المطر ثم يهطل ، حتى يتحادر المطر على لحيته . الوجه الحادي عشر : وفيه من الفقه أن الخطبة أو الصلاة إذا تُلُبَسَ بهما لا يُقطعان للمطر . يؤخذ ذلك من أن سيدنا ، نزل عليه المطر حتى تحادر على لحيته، وأتم الخطبة والصلاة .

(۱) العطف على المصدر المؤوّل : أن حبس .

. الوجه الثاني عشر : فيه دليل على أن الدعاء من أكبر وسائل الخير يؤخذ ذلك من سرعة الفائدة بدعائه عليه السلام. وقد قال : (من ألهم الدعاء فقد فتح عليه أبواب الخير)(۱) ولهذا يقول أهل الصوفة : إن الدعاء نفسه هو عين الخير، وقضاء الحاجة في حكم التَّبَع ، لأنه مناجاة للمولى الجليل، وإظهار الفقر إليه، وهو خلع العبودية (۳) ، ولم يُخلع على عبدِ أجلُّ منها . وكفى في ذلك قوله تعالى ﴿ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ ﴾ (۳) فما حصل لهم الشرف الرفيع ولا الحماية العظيمة إلا بهذا الوصف العجيب، وهو وصف العبودية، وقد قال عز وجل في الضد وَأَنَّ الْكَفِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ﴾ (٤) .

الله عنهم -

الوجه الثالث عشر : قوله فمطرنا يومنا ذلك ...) إلى قوله : (الجمعة) فيه دليل على أن الإعطاء يكون على قدر حرمة الشفيع . فلما كان هنا الشفيع صاحب حرمة عظيمة توالت الأمطار، حتى استوفوا ما أرادوا من الخير . ولهذا المعنى وقال : أئمتكم شفعاؤكم فانظروا بمن تستشفعون) (ه) . الوجه الرابع عشر : فيه دليل صوفي لأنهم يقولون : قدم محبوبَكَ قبل مطلوبك تجد مرغوبك . الوجه الخامس عشر : قوله (وقام الأعرابي أو قال غيره) شكٍّ من الراوي . وهنا بحث : لِمَ قام في المرتين هذان الأعرابيان أو الأعرابي الواحد - على شك الراوي - ولم يتكلم من الخلفاء أحد من الصحابة؟ فالجواب : أن مقام الخلفاء والصحابة - رضي الرضى والتسليم ومقام السائل الفقر والتمسكن . وقد قحطت مرة جزيرة الأندلس، فأتوا لبعض الصالحين المتولهين، فرغبوا منه أن يخرج للاستسقاء . . . وكانت عادته أن يركب قصبة ، يظهر بذلك ما يشبه الحمق. فخرج معهم معهم وأتى غيطاً للملك، فقرع الباب قرعاً عنيفاً، فخرج إليه الجَنّان (٦) مسرعاً، فقال له: ما شأنك؟ فقال : اسْقِ كلّ ما في الغيط . ويسمى الغيط بالأندلس بستاناً. فقال له : ما أكثر فضولك ! أنا أعرَفُ بستاني، إذا احتاج السقي سقيته. فردّ رأسه إليهم، وقال لهم: سمعتم مقالته، هو أعرف ببستانه فما أردتم مني إلا أن يخزيني. ثم ركب ،قصبته وتركهم وانصرف، فما رجعوا إلا وهم قد سُقوا.

(۱) تقدم تخريجه في الحديث (٦) - الوجه السابع .

(۲) الخلع مفردها خلعة وتعني : العطية الكريمة وتكون تكريماً من الخالع للمخلوع عليه .

(۳) سورة الحجر من الآية ٤٢ .

(٤) سورة محمد من الآية ۱۱ .

(٥) انظر : إتحاف السادة المتقين للزبيدي ٣/ ١٧٥ .

(٦) الجَنَّان : العامل في الجنّة، وهي البستان .

وسيدنا ، ، كان يحمل كُلاً على حاله . فالضعيف يجبره، والقوي يحمله، وما بين ذلك يلطف به ، كل ذلك رحمة من الله بعبيده، ليدخل في هذه السنة المباركة القوي والضعيف، وكل واحد منهم متبع، إلا أنه بشرط أن يكون كل واحد من القوم يعرف شربه من الحقيقة أو من الشريعة، أين هو، وما شروطه، وما وظيفته ؟ وهنا هي الفائدة العظمى. جعلنا الله ممن مَنَّ بها عليه بمنّه . الوجه السادس عشر : قوله فقال : يا رسول الله تهدم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا) . البحث هنا كالبحث في قوله (هلك المال غير أن هنا معنى آخر. وهو أنه يدعى بالصحو عند كثرة المطر ودوامه، كما يدعى بطلبه عند إبطائه وعدمه، لأن كلتا الحالتين ضرر، والمقصود للضعيف ما

فيه رفق.

الوجه السابع عشر : وفي قوله عليه السلام (حوالينا ، ولا علينا من الفقه أنه لا يطلب من رفع الأذى إلا قدر ما تحقق أنه أذى لأنه لما تهدم البناء في المدينة وغرق المال - وهي الإبل كما تقدم - لأن كثرة المطر للإبل تتوجّل فيه ولا يصلح لها به حال والجبال والصحارى، ما دام المطر فيها كثرت الفائدة فيها في المستقبل من كثرة المرعى والمياه وغير ذلك من المصالح، فدعا أن يرفع قدر ما فيه الضرر وتبقى الجبال وما حولها، لما يُرجَى فيها من الخير. الوجه الثامن عشر : في هذا دليل على ما أعطى الله سبحانه ،نبيه عليه السلام من الإدراك العظيم للخير على سرعة البديهة .

الوجه التاسع عشر : قوله (فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب فيه دليل على عظم معجزته ، عليه السلام في ذلك، وهو أن سخّرت السحاب له كلما أشار إليها امتثلت بالإشارة دون كلام، لأن كلامه عليه السلام مناجاة للحق وأما السحاب فبالإشارة، فلولا الأمر لها بالطاعة له عليه

السلام، لما كان ذلك ، لأنها أيضاً ـ كما جاء - مأمورة، حيث تسير وقدر ما تقيم وأين تقيم. وهنا إشارة لطيفة وهي أن السحاب تفهم - على بعدها - منه الإشارة، والمحروم والأطروش (۱) القلب يسمع دور المواعظ ولا ينتبه كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم ) (۲) ومن لم يكن له في

القدم سعادة فكل موعظة عليه خسران . وقوله إلا انفرجت أي زالت وتنحت امتثالاً لما به أمرت. وقوله (وصارت المدينة مثل الجوبة معناه : مثل جيب الثوب أي في ناحية منه. وقوله وسال الوادي، قناه، شهراً) أي جرى

(1) الأطروش : الأطرش الأصم . (۲) سورة المطففين من الاية ١٤ .

الماء من المطر شهراً وهو من أبعد أمد المطر الذي يصلح الأرض التي هي متوعرة جبلية، لأنه يتمكن في تلك الأيام بطولها الذي فيها، لأنها بارتفاع أقطارها لا يثبت الماء عليها، فيبقى فيها حرارة. فإذا دام سكب المطر عليها قلت تلك الحرارة، وخصبت الأرض ، ولذلك قال جلّ جلاله في كتابه : كَمَثَلِ جَنَّتِي بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَتَانَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ) (۱) لأن المطر الوابل هو

الشديد، فتخصب أرضها، فيأتي ثمرها ضعفين مما هي العادة فيه

وقوله (ولم يجىء أحد من ناحية إلا حدث بالجود أي كل الجهات دام فيها المطر. وهنا إشارة، وهي: أن بَرَكة الجوار أفادت الأرض الرحمة وهي جماد فكيف بالحيوان؟ ومن ذلك مجاورة أبي طالب مع عدم الاتباعية، حصلت له البركة وهي كونه أقل أهل النار عذاباً، لكن في المجاورة إشارة : لَمّا كان فيها منفعة ما وهي ما يوجد فيها من العون، بما يخرج منها لأهل الإيمان، لحقتها البركة. فإن كانت بزيادة ما ، ولو بالقرب، لحقتها حرمة الاحترام.

ألا ترى كيف جعل النبي ، ل ، لما قَرُبَ من المدينة بقدر اثني عشر ميلاً حرماً كحرم مكة، لا يقتل صيده، ولا يُعضد شجره ، لحرمة من جاورها !؟ فهو مثل الاتباع في العاقل المخاطب، لأن (۲) المنفعة من كل نوع من الخلق بحسب ما يتأتى منه فإذا كانت المجاورة بنسبتها، يكون الخير، وأقلها عدم وجود الشر. جاء في الخبر : هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) (۳) وإلا كان الضد. ولذلك يقول أهل التحقيق : إن الرجل إذا كان محققاً كان مثل النار ، لأن النار من استعملها وتحفظ منها وجد فيها منافع شتى، كما قال عزّ وجلّ وَمَتَنَعَا لِلْمُقْوِينَ ) (٤) قال العلماء : معناه المحتاجين. ومن استعملها ولم يتحفظ منها فإنها تضره وكذلك الرجل المحقق من عرفه وتأدب معه وجد فيه منافع، و من از دری به يلحقه الضرر منه ، وإن لم يقصد هو ذلك، لأن الله عزّ وجلّ، يغار له، لقوله عزّ وجلّ (من أهان لي وليا آذنني بالمحاربة) (٥) .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .

(۱) سورة البقرة من الآية ٢٦٥ . (۲) ولا يعضد شجره لا يقطع .

(۳) أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه في كتاب الدعوات، باب فضل ذكر الله عزّ وجلّ بلفظ اخر .

(٤) سورة الواقعة من الآية ۷۳ .

(0) أخرجه الطبراني في الكبير والهيثمي في معجم الزوائد والسيوطي في الحاوي للفتاوي بلفظ آخر .

حديث صلاة النوافل قبل الفرائض وبعدها

عَن عَبدِ الله بنِ عُمَرَ، رَضِيَ الله عَنهُما ، أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كانَ يُصَلِّي قَبلَ الظُّهرِ رَكعتينِ، وَبَعدَها رَكَعَتَينِ، وَبَعدَ المَغرِبِ رَكَعَتَينِ في بَيْتِهِ ، وَبَعدَ العِشاءِ رَكَعَتينِ وَكانَ لاَ

يُصَلِّي بَعدَ الجُمُعَةِ حَتَّى يَنصَرِفَ ، فَيُصَلِّي رَكَعَتَينِ .

ظاهر الحديث يدل على ثلاثة أحكام

ركعتين .

الأول : الإخبار بركوعه عليه السلام قبل الظهر وبعدها في المسجد .

الثاني: أنه عليه السلام كان لا يركع بعد المغرب في المسجد، وكان يركع في بيته بعدها

الثالث : أنه كان لا يركع في المسجد يوم الجمعة لا قبل ولا بعد، وأنه عليه السلام كان

يركع في بيته عند انصرافه منها ركعتين. والكلام عليه من وجوه .

الوجه الأول : هذا الذي جاء عنه ، عليه السلام من صفة هذا التنفّل، هل هو تعبد لا يعقل له

معنى، أو ذلك يعقل له معنى ؟ ولمَ ترك الصبح والعصر ولم يذكرهما ؟ وما الحكمة فيهما ؟ فالجواب : أما كون الصبح والعصر لم يُذكرا فقد ذُكرا في موضع آخر، لأنه قد جاء (لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر ) (۱) . وقد جاءت فيهما أحاديث كثيرة، وأنه عليه السلام كان يخففهما. وقد ذكرت العلة في تخفيفهما وقد جاء أن العصر كان عليه السلام يركع قبلها ركعتين. والأحاديث في ذلك أيضاً كثيرة . وأما هل لتلك الصلاة معنى أو هي تعبّد؟ فإن قلنا : إن ذلك تعبد، فلا بحث . وإن قلنا: إنه

(۱) رواه البيهقي عن ابن عمر، وعن أبي هريرة، وعن سعيد بن المسيب مرسلاً . واللفظ مختلف .

حين

لحكمة ، فهي - والله أعلم - الإرشاد إلى الزيادة في الخدمة، كما قال عليه السلام ، لضمام (۱) قال له (هل عليَّ غير ذلك؟ فقال : لا ، إلا أن تطَوَّع فكان ندبه عليه السلام إلى التطوع بالقول، ثم جاء ،عمله عليه السلام هنا تحضيضاً على ما ندب إليه بالقول فإن عمله عليه السلام أبلغ في التعليم، وتقعيد الأحكام بالفعل أبلغ ، وإن كان القول كافياً - كما هو معلوم من الشريعة في غير

ما موضع - وهذا وجه حسن .

الوجه الثاني فيه من الفقه أن كل ما يأمر المرء به ،غیره ويرغبه ،فيه من أفعال البر، ينبغي له أن يفعله هو حتى يكون له ذلك حالاً ومقالاً ، لئلا يدخل بذلك تحت قوله تعالى ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ امَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ؟ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ) (٢) ولذلك قال بعض من نسب إلى الحال : سيعلم صاحب فقه الكلام وصاحب فقه الحال عند هبوب رياح القيامة، وانجلاء غمام الدنيا من فارس الميدان منهما؟

وإذا نظرنا لمجموع عددها زاد لنا معنى مع ذلك، وهو معنى لطيف، وهو من شيم أهل الهمم، لأنا وجدنا الصلاة التي زادها ، هو ، بحسب ما وردت بها الآثار أربعاً وأربعين ركعة والوتر واحدة، فذلك خمس وأربعون مع الخمسة المفروضة، فذلك أصل العدد المفتَرَض أولاً ، وهو خمسون صلاة وطلب ، و لأمته أيضاً التخفيف شفقة عليهم، وأخد ،هو ، ، ، في حق نفسه المكرمة بالعمل على التوفية والكمال، حتى يحصل له الثبوت في قدم قوله عزّ وجلّ الَّذِى وفى) (۳) وكقول موسى، عليه السلام ) أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ ) (٤) ثم إنه أكمل أبعد الأجلين، لأن الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم أجمعين هم أهل الهمم السنية. وكيف لا وهم خير الخيرة من البرية؟

فنحتاج إذا أن نسمي تلك الأربع والأربعين وهي ركعتا الفجر والضحى - على ما انتهت الأخبار عنه ، ، أنها اثنتا عشرة ركعة - وعند الزوال بعدما كان نهى عن الصلاة في ذلك الوقت ثم رجع عليه السلام فصلّى فيه أربعاً، على غلبة الظن في تيقن العدد، وقبل الظهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وقبل العصر ،ركعتين وبعد المغرب ركعتين وتحية المسجد ركعتين، وبعد العشاء ركعتين، وإن كانت الصلاة التي عند استواء الشمس ركعتين، فيكون تمام الأربع والأربعين ما روته

(۱) سلفت ترجمته في الحديث ٦ . (۲) سورة الصف الايتان ۲ و ۳. (۳) سورة النجم من الآية ٣٧ . (٤) سورة القصص، من الآية ۲۸ .

حين

بلغ

فال

ة،

هل

ـة ،

حق

پی

تير

ها.

عائشة ، رضي الله عنها ، أنه عليه السلام كان يصلي على فراشه ركعتين، وحينئذ ينام، ) وقيام الليل اثنتا عشرة ركعة، والوتر واحدة لأنه يُطلق على كل ركعة صلاة، بدليل قوله عليه السلام: (إن الله زادكم صلاة إلى صلاتكم ، ألا وهي الوتر (۱) . فقد سمى عليه السلام الواحدة صلاة. ) (١) ويظهر فيه من الحكمة أن المولى سبحانه، لما نقص من العدد واحدة، زادها هو، جلّ جلاله، ليكمل الفضل بفضله على سيدنا ، صلى الله عليه وسلّم وعلى أمته . جعلنا الله من صالحيها في الدارين بمنه، فكما نقص العدد منها أولاً تفضلاً وتخفيفاً أكمله آخراً تفضلاً وإكمالاً .

وهنا بحث لطيف وهو أنه لم جعلت هذه الأمة شهداء على الأمم؟ بمقتضى قوله عزّ وجل، في كتابه : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِنَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) (۳) وقد كان من كلام ،موسی علیه السلام لسيدنا : (إني عالجت بني إسرائيل أشد ال المعالجة وإن أمتك لا تطيق ذلك فتفضل المولى جلّ جلاله بأن وفق هذا السيد ، ، للكمال في إكمال العدد المطلوب أولاً، حتى يكون تزكية في الشهود، فإن من شرط الشهادة التزكية والعدالة، فبانت تزكية هذه الأمة بفضل الله تعالى ولم يتركها ،سيدنا ، مع ضعفها، حتى تكون عدالتهم ظاهرة من أجل تحقيق الأحكام، ثم لم يقتصر ،هو ، و لا الله ، لا على ذلك ليس إلا ، لأنه ، عليه السلام ترك لنا بابين إلى الزيادة مفتوحين :

(الواحد) بقوله عليه السلام: (رحم الله عبداً صلى أربعاً قبل أربع، وصلى أربعاً بعد أربع . ومن صلى بين العشاءين اثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً في الجنة) (۳)، وما أشبه ذلك من الأحاديث التي جاءت في مثل هذا المعنى وهي كثيرة .

والباب (الثاني) إشارته عليه السلام إلى تمام التزكية في باقي الأقوال والأفعال، بقوله

عليه السلام: (من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً) (٤) . فبالله عليك يا أخا الشبهات والشهوات انتبه لنفسك يسيراً، ولا تحرمها هذا المقام الرفيع الجليل، وتُقِمْها مقامَ الذل والتعنيت. فإن من اتبعَ شهوته ذهبت مروءته وشان دينه، ومن كان بهذه

(1) أخرجه الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما .

سورة البقرة، الآية ١٤٣ .

(۳) مركب من حديثين : الأول: رحم الله امراً صلى قبل العصر أربعاً. أخرجه أبو داود والترمذي وابن حبان عن ابن عمر رضي الله عنهما. والثاني : من صلى في اليوم والليلة اثنتي عشرة ركعة تطوّعاً بنى الله له بيتاً في الجنة . أخرجه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أم حبيبة رضي الله عنها .

(٤) أخرجه الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما .

الصفة ضاع عمله وكانت النار أولی به وقد قال : لو صمتم حتى تكونوا كالأوتار، وقمتم حتى تكونوا كالحنايا، ولم يكن لكم وَرَع حاجز ، لم يمنعكم ذلك من النار)) (1) . وإن الفتى إذا نبذ

شهواته طمعت نفسه في اكتساب الحور والقصور. فتنبه إلى هذه الحكمة العجيبة منه ، في تفريقه عليه السلام هذه الصلوات على هذا الترتيب العجيب، لأنه عليه السلام لو جعلها في وقت واحد أو جعلها عدداً مرتباً، لا يزاد فيها ولا ينقص، لكان في ذلك مشقة، وربما لا يقدر عليها كثير من الناس، فلما جعل عليه السلام منها ما هو مستصحب مع الصلوات المفروضة، ومنها ما هو في غير وقت الصلوات إلا أنه بتوسعة مثل قيام الليل إذ الليل كله ،ظرف والضحى من بعد طلوع الشمس إلى الزوال، فمن عجز عن قيام الليل والضحى لم يعجز عن التي هي مع الصلوات - كما تقدم - فكانت خفيفة على الناس ، حتى فَلم يكون من مصل يصلي فريضة ولا يتنفل قبلها ولا بعدها وإن كان فيكون في حكم النادر الذي لا حكم له .

فانظر إلى هذه الإشارة اللطيفة : لما طلب منا أولاً خمسين، ثم ثبت الفرض على خمس فجاء الأصل خمساً ووفاء الكمال خمسين فما نقص من الأصل الذي ثبت بالحكم الحتم وهو خمس أكمل من الأصل المطلوب أولاً وهو الخمسون، وسميت نفلاً لكونها غير حتم ، ولذلك جاء أنه إذا كان يوم القيامة يقول مولانا جلّ جلاله: انظروا إلى صلاة عبدي فإن أتى بها كاملة وإلا قال عزّ وجل انظروا إن كانت له نافلة فأكملوها منها (٢) . فأكمل الأصل - الذي هو الفرض - من الأصل الذي كان أولاً بالوضع فجاء قوله تعالى ﴿ مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَى ) (۳).

وبقي بحثان : (أحدهما) لم كان عليه السلام لا يصلي بعد المغرب إلا في بيته؟ و(الثاني) مثله في الصلاة التي بعد الجمعة.

فالجواب : إن قلنا : إن ذلك تعبّد، فلا .بحث وإن قلنا إن ذلك لحكمة - وهو الحق - فما هي؟ فنقول: أما كونه عليه السلام لم يصل بعد المغرب إلا في بيته فقد أجبنا عنه في غير هذا الحديث، لكن نشير الآن إلى بعضه لكون النفس متشوقة إليه . وذلك أن المغرب وقت ضيّق، فقد يأتي الناس إلى صلاتهم، ويتركون ضروراتهم والغالب عليهم الصوم والكد في الأسباب. فلو بقي

(1) أخرجه السيوطي في الجامع الكبير بلفظ : لو صليتم حتى تكونوا كالحنايا، وصمتم حتى تكونوا كالأوتار، ثم كان الاثنان أحب إليكم من الواحد لم تبلغوا الاستقامة). رواه عمرو بن عساكر من طريقه . وقال مالك بن دينار لم يسمع من أبي مسلم والديلمي. (۲) أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ آخر . (۳) سورة ق ، الآية .۲۹ .

يد

ها

النبي صلى الله عليه وسلم ، يركع في المسجد ، لما خرج أحد منهم - في الغالب - فيلحقهم بذلك تألم، وهو عليه السلام، الذي قال في هذه الصلاة خصوصاً إذا وُضع العشاء، وأقيمت الصلاة، فابدؤوا بالعشاء) (۱) رحمة منه لهم . وقد تقدم الكلام عليه، فكيف في النافلة؟

وأما كونه عليه السلام لم يصل أيضاً بعد الجمعة في المسجد فقد بين عمر ، رضي الله

عنه، العلة في ذلك بمحضره عليه السلام وأجاز ذلك، كما في كتاب مسلم لأنه لما حض عليه السلام على التنفل بعد الجمعة كما جاء في مسلم أيضاً قام رجل بعد الفراغ من صلاة الجمعة يركع، فجبذه ،عمر ، رضي الله عنه ، حتى أبعده ، وقال له : اقعد). تشبه الجمعة بمن فاته من الظهر ركعتان) والنبي ، ، قاعد ولم يقل شيئاً . فسكوته عليه السلام دالّ على جواز ذلك الحكم وهو المشرع . فلو لم يكن الحكم كذلك لتكلم عليه السلام بما يبيّن به الحكم، لأن السكوت عن بيان الحكم عند الحاجة إليه لا يجوز، فجاءت صلاته عليه السلام بعد الجمعة في بيته تبييناً لمن أراد أن يصلي بعدها من حيث ألا تكون الصلاة متصلة بها .

وقد تكلم العلماء في التنفل بعد المغرب وبعد الجمعة في المسجد ، هل يجوز أم لا؟ فأما التنفل بعد المغرب في المسجد فلم يُمنع أحد من ذلك، لأن تلك العلة التي ذكرنا عن سيدنا ، ، معدومة في غيره، لكن الأفضل في البيت من أجل ما في الاتباع من الفضل ، وقد كان من السلف من يتنفل في المسجد بعد المغرب. وأما بعد الجمعة فالذي أجاز ذلك منهم قال : لا يفعل حتى يخرج من باب ويرجع من آخر . ومنهم من قال : ينتقل من موضعه إلى موضع آخر. ومنهم من قال : يجلس في موضعه ساعة حتى تذهب علة الشبه التي نهى عنها - كما حكيناه انفاً ـ ولم يختلف أحد أن تنقله في البيت أفضل. وفيه وجوه من الفقه .

(أحدها) الأخذ بسد الذريعة لأنه لو فعل ذلك في زمان النبي ، والخلفاء، رضي الله عنهم، لكان الناس يقولون : تلك الركعتان تمام لعدد ركعات الظهر وقد كان يؤول الأمر لأن يعتقد أنها فرض، أما ترى أن بعض العلماء يقول في الخطبة : إنها بدل من الركعتين، وأن من فاتته الخطبة لا تجزئه الجمعة، ويصلي ظهراً أربعاً؟ وهذا بعيد أين نسبة الخطبة من الصلاة؟ فكيف في الركوع الذي هو من جنس الصلاة؟ ولم يجىء أن أحداً من السلف فعل ذلك .

وقد صار اليوم العمل على خلاف هذا، وهو ما يفعله الناس بالديار المصرية وغيرها ممن حذا حذوهم من التزامهم الركوع إثر صلاة الجمعة متصلاً بها، وهو من البدع . ثم إنهم زادوا في ذلك بأن سموها سُنة الجمعة، وهذا مناقض للحديث الذي نحن الآن نتكلم فيه والذي أوردناه من حكم

(۱) هو موضوع الحديث ٤٢ .

النبي ، كما جاء في مسلم . ولا أحد ممن ينسب أو ينتسب للعلم يغيّر ذلك، بل يفعله ، ويحتج بأن يقول على ما بلغني : هو وقت يجوز فيه الركوع . فكأنه لم يسمع قط هذين الحديثين اللذين هما في الصحة والشهرة بحيث المنتهى ، أو كأنه لم يعرف قط المراد بسياقهما، وما يستنبط منهما، فأين

العلم، وأين أهله؟

فإنا لله وإنا إليه راجعون، على حوادث حدثت في الدين، وأكثرها من هذه الطائفة المنتسبة للعلم، وليس عندهم منه إلا نقل الألفاظ والتحكم من طريق الجدل والمباهاة هيهات ما العلم كذلك، ولا طريقه هنالك، بل هو باتباع السنة ،والسنن وبالنور والحكمة تقع فيه الموافقة

لمن تقدم .

وفقنا الله لذلك بمنه .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .

(سنا)

حديث غزاة بني قريظة

عَن ابن عُمَرَ ، رَضِيَ الله عَنهُما ، قَالَ: قالَ النَّبِيُّ ، لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأحزاب ) لا يُصَلِّيَنَّ أَحَد العصر إلا في بَني قُرَيْظَة (۳). فَأَدرَكَ بَعضَهُمُ المَصرُ في الطَّريقِ، فَقالَ بَعضُهم : لا نُصَلِّي حَتَّى نأْتِيَهَا . وَقالَ بَعضُهُم بَل نُصَلِّي لَم يُرد مِنَّا ذلِكَ . فَذُكِرَ للنَّبِيِّ ، صلى الله عليه وسلم ، فَلَم يُعَنّف واحِداً مِنهُم .

ظاهر الحديث أَمْرُ النبي ، ، ، ، ، للصحابة رضي الله عنهم، بالخروج إلى بني قريظة، ومبادرتهم لأمره، عليه السلام والكلام عليه من وجوه

الوجه الأول: فيه دليل لمن يقول : إن كل مجتهد مصيب. يؤخذ ذلك من قوله (أدركهم العصر في الطريق . فقالوا : لا نصلي حتى نأتي بني قريظة) (۳) تعلقاً بظاهر صيغة الأمر . ومنهم من تأول وقال : ما المقصود ترك الصلاة، تحفظاً على القاعدة الأصلية وإنما المقصود منا سرعة الخروج والسير، وقد حانت الصلاة فنجمع بين الأمرين فكل منهم مصيب، لأن المقصود من العبد بذل الجهد في امتثال ما أمر به، إذا كان على الوجه المأمور به تحرزاً من تحريف التأويل لحظ نفساني . فبهذا القيد يصح : أن كل مجتهد مصيب.

ومع ذلك، لا بد أن يكون أحد الوجهين هو الأولى، بدليل قول مولانا جل جلاله في قصة

(1) الأحزاب : جنود الكفار ، تألبوا وتظاهروا على حرب النبي و و و و و وهم قريش وغطفان وبنو فريظة وهي المعروفة باسم غزوة الخندق .

(۲) بنو قريظة : حي من يهود، وهم والنضير قبيلتان من يهود خيبر . فأما قريظة فقد أبيدوا النقضهم العهد ومظاهرتهم المشركين على رسول الله ، أمر بقتلهم ، وسبي ،ذراريهم، واستفاءة أموالهم، وأما بنو النضير فإنهم أجلوا إلى

الشام، وفيهم نزلت سورة الحشر . (۳) كذا. ولفظ الحديث (حتى نأتيها) .

بَيْنَتَهَا سُلَيْمَنُ وَكُلًّا أَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ) (۱) وذلك أن رجلين داود وسليمان عليهما السلام (فَفَهَ في زمان ،داود عليه السلام كان لأحدهما ،زرع وللاخر غنم فرعت الغنم الزرع، فتحاكما إلى داود عليه السلام، فحكم بالغنم لصاحب الزرع . فلما خرجا قال لهما سليمان عليه السلام ما حكم به داود؟ فأخبراه بحكمه لصاحب الزرع بالغنم . فقال لهما سليمان عليه السلام: بل الحكم أن يأخذ صاحب الزرع الغنم ، يستغلها حتى يُخلِفَ زرعُه ، ويكون مثل القدر الذي رعته الغنم، ويأخذ إذ ذاك صاحب الغنم غنمه . فبان ما حكم به سليمان عليه السلام أنه كان هو الأرجح، بدليل أنه بقي لكل واحد منهما ماله بعد تقاضي ما كان بينهما . وعلى حكم ،داود عليه السلام كان الحكم أن يبقى صاحب الغنم دون شيء. وكذلك نقول في هذه المسألة، وإن كان الوجهان جائزَين. فالواحد أرجح لكونه جَمَعَ بين

أصلين، وكلاهما واجب، والتأويل الذي يسوغ معه أداء واجبين أولى من إسقاط أحدهما . الوجه الثاني : فيه من الفقه أن القاعدة الثابتة المستصحبة لا تُزال بأمر محتمل، لأن وقت الصلاة قاعدة قد تقررت واستصحب الحكم بها ، وأمرهم ، النبي ، و لا الله بألا يصلي أحد العصر إلا في بني قريظة . فاحتمل الأمر - على ما تقدم - لأن يكون المقصود ذلك الوجه، ولا نعرفه نحن في الحال، واحتمل أن يكون المقصود الوجه الثاني وهو سرعة الخروج - كما تقدم - فكيف نزيل حكماً قد تقرر ، واستصحب العمل عليه بمحتمل الأمرين؟ الأظهر أن لا، والجواز قد وقع من الشارع عليه السلام فجاء في الأمر، والحمد لله، سَعَة .

الوجه الثالث : يترتب عليه من الفقه أيضاً أن المرء إذا كان عند نازلة لا يمكنه تأخيرها وليس عنده علم بحقيقة حكم الله تعالى فيها، أنه يجتهد فيما يظهر له ويعمل عليه . فإذا وجد من له معرفة بذلك الأمر يسأله عما فعل فإن أخبره أنه قد وافق فعله حكم الله - على مذهب أحد علماء المسلمين - فقد تخلصت ذمته . وهذا خير كثير .

يؤخذ ذلك من أنه لما حان وقت العصر، وهم بالطريق، وما كان فيهم من سأل النبي ، ، ، ،

أن

بأن يقول : إن أدركنا الوقتُ في الطريق فما نفعل؟ فلو كان فيهم من فعل ذلك لوجب على الكل يتبعوه، الأمر النبي ، له به ذلك الواحد، ولم يجز لهم مخالفته . فلما لم يقع كان ذلك تخفيفاً من الله ورحمة حتى تتقعد عليه هذه القواعد المباركة، فاحتاجوا إلى النظر والاجتهاد، بحسب وسع كل واحد منهم في الوقت، فلما اجتمعوا معه ، أخبروه ليجيز من فعلهم ما يجيز، ويرد ما يرد فأجاز عليه السلام الفعلين معاً، كما فعل عليه السلام حين صلوا في الظلمة بحسب اجتهادهم،

(۱) سورة الأنبياء من الآية .۷۹

وعلم كل واحد منهم على موضع مُصَلاه فلما أصبحوا فإذا هم قد أخطأوا القبلة عن آخرهم، فلما .

أتوا النبي ، ، سألوه عن ذلك، فأجاز فعلهم .

أنهم

فالسؤال من الصحابة بما وقع منهم ،له عليه السلام كسؤال من لا يعلم حكم الله لمن يكون له به علم بعد نزول ما ينزل به، ويعمل فيه بحسب اجتهاده - كما تقدم - على حدّ سؤالهما . ونذكر الآن إشارة : ما الموجب لخروجهم إلى بني قريظة؟ لما يترتب عليها من الفقه . وذلك لما رجعوا من الأحزاب وفيهم الجريح الشديد الجرح، وجاء النبي، ، ليزيل سلاحه، وجبريل عليه السلام قد نزل وعليه سلاحه أيضاً فقال : أتزيل السلاح والملائكة لم تُزِلْها (۱)؟ وأمَرهُ عن الله أن يخرج من حينه، ولا يزيل سلاحه ويأمر كل من جاء من الأحزاب من المسلمين أن يخرجوا من حينهم. فخرجوا وإن الجريح منهم خرج وهو يتهادى بين اثنين لشدة جراحه، وكان العدو قد طمع في المسلمين لما نالهم من الجرح والقتل وعزموا أن يأتوا المدينة. فلما سمعوا بخروج المسلمين من حينهم أوقع الله عزّ وجلّ في قلوبهم الرعب ، ورجعوا هاربين، فدفع الله ، عزّ وجلّ عن المسلمين ما كانوا عزموا عليه من أن يغيروا على المدينة .

الوجه الرابع : يترتب على هذا من الفقه أن أعظم الأسباب في النصرة هو امتثال الأمر ، لأنه يعلم بالقطع أن أولئك المجروحين الذين خرجوا وهم يتهادون بين اثنين، أنهم لا يقدرون على قتال، ولا يدفعون شيئاً فلما امتثلوا وفوضوا الأمر لقدرة الأمر، نصرهم الله بلا ،قتال ولا شيء تكلفوه، لأنهم فهموا أن المقصود منهم الامتثال، وأن النصر هو المنعم به تصديقاً لقوله عزّ وجلّ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) (۲) وكذلك سنة الله تعالى في عباده إلى يوم الدين من نصره ﴾ نَصَرَهُ، ومن أصدقُ من الله حديثاً؟ ونُصرة الله من عبده هي اتباع أمره واجتناب نهيه الوجه الخامس فيه دليل على أن فحوى الكلام كالنص يعمل به وفحوى الكلام هو ما يعرف من قوة الكلام وكذلك هذا لما عرفوا من قوة الكلام أنه ما المراد منهم أن يخرجوا لبني قريظة إلا للقتال لم يحتج عليه السلام، ليُبين لهم شيئاً ليفهمهم المقصود . هذا في الجهاد الأصغر، وهو جهاد العدو، وكذلك الأمر فى الجهاد الأكبر، وهو جهاد النفس . وقد أشار مولانا جل جلاله لذلك بقوله ( وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ) (۳) فمهما كبر الأمر

(1) أخرج البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الخندق ووضع السلاح واغتسل، أتاه جبريل عليه السلام فقال : قد وضعت السلاح والله ما وضعناه، فأخرج إليهم . قال : فإلى أين؟

قال: هاهنا، وأشار إلى بني قريظة . فخرج النبي .

(۲) سورة الروم، من الآية ٤٧. (۳) سورة الأعراف من الآية ۲۰۰.

جعل الفرج فيه أكبر ، لأن أمر الشيطان والنفس أكبر، فجعل في الشيطان والظفر به نفس اللجأ ، كما أخبر عزّ وجلّ، وجعل في النصرة على النفس الأخذ في مجاهدتها على لسان العلم، فقال عز وجل • سُلَنَا (١) لو جعل سبب العون على مجاهدتها حقيقة الاستعانة به

وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا عزّ وجلّ، بقوله تعالى ( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( ولذلك قال بعض أهل التوفيق : إذا نزلت بي نازلة من أي نوع كانت، فألهمت فيها إلى

اللجا، فلا أبالي بها .

(واللجأ) يكون على وجوه : فمنه الاشتغال بالذكر والتعبد وتفويض الأمر له عزّ وجلّ لقوله تعالى على لسان نبيه عليه السلام من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين) (٢)، ومنه (الصدقة)، لقوله عليه السلام استعينوا على حوائجكم بالصدقة، وادفعو البلاء بالصدقة) (۳) ، ومنه (الدعاء)، لقوله عليه السلام من ألهم الدعاء فقد فتح عليه أبواب الخير)) . فكيف بالمجموع؟ فهم يرون كل ما هو سبب إلى الخير هو عين الخير .

الوجه السادس فيه دليل صوفي، : لأنهم يقولون (موتُ النفوس : حياتها، ومن أحب أن يحيا يموت لأن الصحابة رضي الله عنهم، لما هانت عليهم ،نفوسهم، وخرجوا وهم راضون بالموت في ذات الله عزّ وجلّ، لأنّ من يخرج - كما وصفناهم به أولاً - فقد عزم على الموت فعند ذلك ظفروا بالنصر والأجر والأمن. كذلك حال أهل التوفيق ببذل النفوس وهوانها عليهم نالوا ما نالوا ولحب أهل الدنيا نفوسهم هانوا وحقَّ عليهم الهوان هنا وهناك وقد ورد في الحديث (ما من عبد إلا وفي رأسه حَكَمة (٥) بيد مَلَك، فإن تعاظم وارتفع ضرب الملك في رأسه، وقال له : اتَّضِع ، وَضَعك الله . وإن تواضع رفعه الملك، وقال له : ارتفع رفعك الله . مَنَّ الله علينا بما به يقربنا إليه بمنه .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .

(1) سورة العنكبوت من الآية ٦٩ . (۲) سبق تخريجه في الحديث ٤٧ .

(3) أخرج الديلمي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله الله قال : استعينوا على الرزق بالصدقة. وأخرج لسيوطي في الجامع الكبير قول النبي : داووا مرضاكم بالصدقة ، وحصنوا أموالكم بالزكاة، فإنها تدفع عنكم

الأعراض والأمراض.

(٤) تقدم تخريجه في الحديث (٦) - الوجه السابع .

(٥) أخرجه أبو نعيم والديلمي عن أنس وأوله : ما من آدمي إلا وفي رأسه حَكَمة بيد مَلَك .

حديث السنة يوم عيد ال

الفطر

عَن أَنسٍ، رَضِيَ الله عَنه ، قال : كانَ رَسولُ الله ، ل ، لا يَعْدُو يَومَ الفِطرِ حَتَّى يَأْكُلَ

تمراتٍ وعَنهُ مِن طَريق ثانٍ : ويأكُلُهُنَّ وِتراً .

ظاهر الحديث أن السنة في يوم الفطر ألا يغدو أحد للمصلّى إلا بعدما يفطر، والمستحب أن يكون على التمر، وأن يكون وتراً . والكلام عليه من وجوه :

الوجه الأول : هل هذا معقول المعنى أم لا ؟ فالجواب أن المعنى فيه ظاهر، وهو إظهار امتثال الأمر، لأنه لما أن كان صوم هذا اليوم محرَّماً، والمشروع فيه الأكل، فبادر للامتثال وهو الأكل، ولو كان لغير ذلك لكان يأكل الشبع من الطعام.

وبقي بحث على كونها تمراً، وكونها وتراً(۱) . فأما كونها تمراً فلوجوه منها حلاوتها، والحلاوة مما توافق الإيمان، ويرق بها القلب، وقد جاء في ذلك أثر . ويترتب على هذا من الفقه استعمال الأشياء الحلوة إذا لم يوجد التمر. ومنها أنها أيسر الأشياء عندهم بالمدينة ، وكان ، ، ، يحب ما تيسر من الأشياء .

ويترتب على هذا الوجه من الفقه : أن التكلف للفطر في ذلك اليوم مخالف للسنة، لأنه تكون النفس مشغولة بذلك. وكان ، هو وأصحابه رضوان الله عليهم همتهم الآخرة، حتى إنه روي عن علي رضي الله عنه أنه كان يقول لأهله : اعملوا الطعام مشروباً، ولا تعملوه مأكولاً ، لأن بين المأكول والمشروب كذا وكذا (۲) آية . فما كانوا - رضوان الله عليهم - يأخذون من الدنيا إلا قدر الضرورة. واحتمل المجموع .

(1) إن الله وتر يحب الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن. أخرجه الترمذي عن علي رضي الله عنه، وابن ماجه عن ابن مسعود رضي الله عنه .

(۲) لعله يشير إلى قوله تعالى في سورة الإنسان : (إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كأسِ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا . عَيْنَا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله يُفَجِرُونَهَا تَفْجِيرًا . يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمَا كَانَ شَرُّم مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حَيْهِ مِسكينًا وَيَتِيماً وَأَسِيرًا ) الآيات ٥ - ٨ .

(وأما كونها وتراً) فيحتمل أن يكون على معنى التداوي، لقوله عليه السلام (من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سُمٌ ولا سِحْر (۱) . ويحتمل أن تكون على وجه التبرك، لقوله عليه السلام: (إن الله وتر يحب الوِتر) فيكون استفتاحه هذه العبادة بما هو مستحب، وهو الوترية كما سنّ في الاستجمار الواجب الإنقاء، والسنة الوترية (٣) . ويحتمل أن تكون تنبيهاً على الوحدانية، ليعرف قدر نعمها في هذا اليوم على العباد كما جاء في تحريك السبابة في التشهد - في

أحد الوجوه - في أنه يعتقد بتحريكها أن الله إله واحد ويحتمل المجموع وأكثر من ذلك . الوجه الثاني : فيه من الفقه : أن حقيقة الخير هو نفس الامتثال فيما أحبته النفسُ أو كرهته، فإن جاء ما تحب في الامتثال مثل هذا الموضع وما أشبهه فهو من جملة النعم لأنها تفعل ما تحب، وتكون فيه مأجورة. ومما يقوّي ما قلناه ما جاء عنه عليه السلام في عيد الأضحى (أنه كان يخرج للمصلى ولا يأكل شيئاً حتى يُقَرِّبَ أضحيته أو هَدْيَه ، وأول ما يأكل منه زيادة الكبد، لأنه أقرب ما

يفعل الآدمي في يوم النحر إراقة الدم. فأراد عليه السلام أن يكون فطره على ما فيه رضى مولاه . وهذا بحث : لم كان ، ، ، يأكل أولاً زيادة الكبد ؟ فذلك - والله أعلم - لكي يقع التشبه في ذلك بأهل الجنة، لأنه روي أن أول طعام يأكله أهل الجنة : زيادة كبد الحوت الذي عليه قرار الأرضين. واحتمل أن يكون بدأ به لأنه كالإصبع قائم، فيكون فيه إشارة إلى الوحدانية . ويحتمل أن يكون بدأ به لمجموع ما ذكرناه . والله أعلم .

ويترتب على هذا من الفقه أيضاً أن الذي يفعله اليوم المترفون من أبناء الدنيا : كونهم يقدّمون من أول ليلة العيد لحماً، ويطبخون الألوان، ويأكلون قبل ذبح الأضحية. هذا هو فعل الذي يضحي منهم، وأكثرهم مخالفون للسنة بتركها البتة، ولذلك قد تنكرت معارف الشرع بالبدع والمخالفات التي أقاموها لأنفسهم، ويحتجون بأن يقولوا هذه عادة الناس. وكيف نقول (تأسياً) لمن تركوا سنة نبيهم عليه السلام ويؤثرون عادة نفوسهم الذميمة؟

وفي أكله عليه السلام يوم الفطر أيضاً - قبل الغدو - فائدة أخرى وهي تقرير قاعدة شرعية بالفعل، لأنه - كما تقدّم لنا في غير ما موضع - أن تقعيده عليه السلام القواعد الشرعية وأحكامها

بالفعل أبلغ .

وبقي بحث فيمن لم يجد، ولم يقدر على التمر، ولا على شيء حلو فالجواب أن نقول : إنما

(1) أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه (۲) استجمر الرجل استنجى بالحمار، وتطهر بها من الخَبَث عند عدم وجود الماء. والسنّة الوتر في ذلك.

والجمار هي الحجارة الصغيرة .

يؤمر بذلك مع الإمكان، وعند عدم الإمكان قام العذر. وصاحب العذر مسامح في الترك لكنه يفطر ولو على الماء، حتى تحصل له نسبة ما في الاتباعية، لأنه قد جاء عنه ، ، أنه كان إذا لم يجد تمراً، وكان صائماً يفطر، وإن يسر الله له بعد ذلك في شيء أكل، ولا يجوز خلاف ذلك، ولذلك عدمك الإمكان لما أمرت به ،عذر وتركك إياه مع الإمكان له وِزْر ، وطالب العذر مع

قيل:

الإمكان مضيّع .

وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .

حديث العمل في أيام التشريق

عن ابن عباس، رَضِيَ الله عنهما ، عَنِ النَّبِيِّ ، ، قال : ما العمل في أيَّام العشر صلى الله عليه وسلم أفضَلَ مِن العمل في هذِهِ. قالوا: ولا الجهاد؟ قالَ : وَلا رجُل خَرجَ يُخاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ،

فلم يرجع بشيء .

ظاهر الحديث يدل على أنه ليس شيء من الأعمال أفضل من الأعمال في أيام التشريق وهي: الثلاثة أيام التي بعد يوم النحر . والكلام عليه من وجوه :

الوجه الأول منها : أن فيه دليلاً على أن هذه الأيام - وإن كانت أيام عيد - فإنما هي للعبادة لا للهو، وما يفعل الناس فيها اليوم من أنواع البطالات فممنوع بهذا الحديث . فإن احتج محتج بقوله عليه السلام: (لكل أمة عيد وهذا يوم عيدنا) (۱) فقد بَيَّنَ عليه السلام، ما هو المباح فيها أيضاً بقوله عليه السلام: إنما هي أيام أكل وشرب وذكرِ الله) (۳) ، وقال عليه السلام: أفضل ما يعمل

فيها إراقة الدماء ) (۳ ) .

السنة

في إراقة الدماء أن يأكل مما يتقرب به ويتصدق ويهدي وقد شرع فيها أعلى العبادات وهي : الذكر بقوله عليه السلام : (ما) عمل آدمى عملاً أنجى له من ذكر الله ) (٤) ، ونفقة المال في الضحايا لقوله عليه السلام تنافسوا في أثمانها فإنها مطاياكم إلى الجنة. وقد جعل فيه الصدقة من الأضحية والصدقة، كما قال عليه السلام: (تطفىء غضب الرب) (٥) . والذي منع فيها

عائشة رضي الله عنها .

(۱) لفظه: (يا أبا بكر، إن لكل أمة عيداً، وهذا عيدنا). أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه عن السيدة (۲) أوله : (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله عزّ وجلّ). أخرجه الإمام أحمد ومسلم والنسائي عن نبيشة الهذلي

رضي الله عنه .

(۳) رواه الترمذي وابن ماجه في الأضاحي. (٤) لفظه : ما عمل ابن آدم عملاً أنجى له من عذاب من ذكر الله) . أخرجه الإمام أحمد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه . (٥) لفظه : ( إن الصدقة لتطفيء غضب الرب وتدفع ميتة السوء). أخرجه الترمذي وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه

من مجاهدة النفس هو الصوم لا غير. وبقي باقي العبادات مطلوب على الوجوب أو الندب لأن الفرض لا يسقط في وقت من الأوقات مع القدرة عليه، لا في عيد ولا في غيره. وجاء هذا الحديث يحض على طلب المندوبات، وجعلها أعلى مما هي في غيرها تأكيداً لها .

(وهنا بحث وهو : هل تفضيل الأعمال في هذه الأيام لعلة مفهومة، أو تعبد ليس إلا؟ (فنقول) : بل لعلة وهي : أنه قد تقرر من قواعد السنة المحمدية أن أوقات الغفلات العباداتُ فيها أفضل، كما جاء في الصلاة التي بين العشاءين، وما فيها لأنه وقت غفلة الناس، وكذلك قيام الليل لما فيه من الغفلة أيضاً، لأن الناس إذ ذاك في حال نوم وغفلة، وكذلك صلاة الضحى لما فيها أيضاً من غفلة الناس بأسبابهم، وهذا كثير . فلما كانت هذه الأيام أيام أكل وراحة للنفوس فهي في الغالب

يتسلط عليها النوم الكثير والغفلة . وأما اليومَ فقد زُهِد في القُرَب، وجُعِلَتْ للهو والمحرمات . واحتجوا بما جاء أنه ، دخل على عائشة ، رضي الله عنها ، وعندها جوارٍ من بني النجار، يضربن بالدف، فاضطجع ، و على فراشه وحوّل ظهره إليهن، وإذا بأبي بكر ، رضي الله عنه، قد دخل فانتهرهنّ، وقال: أمزامير الشيطان في منزل الرسول هر فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رأسه إليه، وقال له : (دعهن فإنه يوم عيد) (۱) وهذا لا حجة فيه، لأن ذلك كان أول الإسلام، والخمر إذ ذاك حلال والربا حلال والقمار حلال، وكثير من الفرائض لم تفرض بعد، ثم جرى الأمر بخلافه ألا ترى إلى قوله عليه السلام يوم فتح مكة (إنما بعثت بكسر الدف والمزمار ) (۳) فخرج الصحابة رضوان الله عليهم يأخذونها من أيدي الولدان ويكسرونها. فما جاء من الأحاديث أول الإسلام في إباحة شيء، ثم حرم بعد فلا حجة فيها، لأنها منسوخة. وقد نص عليه السلام على أن لهو المؤمن لا يكون إلا في ثلاث : في رميه عن قوسه، وتأديبه لفرسه وملاعبته لأهله) (۳) فمن أين يكون لها رابع؟ والأحاديث في ذلك كثيرة. وقد قال مولانا جلّ جلاله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ (4) فاللهو ممنوع شرعاً في العيد وغيره، إلا ما ذكرناه آنفاً . وفضلت أيضاً من نوع آخر - أعني أيام التشريق - وهو : أنها لما كانت أيام محنة للخليل عليه

(1) أخرج مسلم وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها قالت : دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش وحوّل وجهه، فدخل أبو بكر رضي الله عنه فانتهرني وقال : مزمار الشيطان عند رسول الله ؟ فأقبل عليه رسول الله ، وقال : دعهما . وفي رواية للشيخين : دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد.

(٢) أخرج الإمام أحمد من حديث أبي أمامة : (إن الله أمرني أن أمحق المزامير والكيارات والمعازف) . (۳) أخرج أصحاب السنن الأربعة عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كل شيء يلهو به الرجل فهو باطل إلا تأديبه فرسه، ورميه بقوسه، وملاعبته زوجته).

(٤) سورة لقمان من الآية ٦ .

السلام، ثم من عليه بأن أبدلت له المحنة بمنّة، وأيّ مِنّة، فصارت بهاتين الصفتين أفضل الأيام . والمولى سبحانه إذا مَنَّ على مَنْ مَنَّ عليه من عباده بمنّة لا يزيلها عنه . فأبقى عزّ وجلّ، لهم ذلك الفضل، وزاد فيها بأن أبقى لهم النعمة وهي ما شرع عزّ وجلّ من القربات، ورفع المحنة

عنهم. وهي ما كان من ذبح الولدان .

(وهنا بحث) في قوله عليه السلام (ما العمل ) الألف واللام هنا هل هي للجنس فيكون فيها التساوي بين المفروضات والمندوبات على اختلافها ؟ أو هي للعهد، وهي أعمال مخصوصة؟ أما صيغة اللفظ فمحتملة للوجهين معاً، فيكون فضل الفرائض فيها أفضل من غيرها، كما قال عليه السلام في صلاة الصبح من شهدها في جماعة فكأنما قام ليلة) وقال في العشاء (من)

شهدها في جماعة فكأنما قام نصف ليلة) (۱) فترى هذه أديت في جماعة والأخرى كذلك، قدر النصف في الأجر، وما ذاك إلا لما فيها - أعني في صلاة الصبح - من كثرة المشقة زائداً على العتمة، لأن أكثر الناس في الصبح على حال جنابة ونوم وغفلة أكثر مما في العتمة، فيكون أداء الفرائض في هذه الأيام مثل ذلك سواء لما فيها من كثرة الغفلة والجنابة والأكل والراحة، فتكون بهذا النظر أفضل من غيرها . وذلك مثل الجهاد، لأن الجهاد فيه فرض وتطوع ، كما هي الأعمال في هذه الأيام فيها فرض وتطوع . واحتمل أن تكون للعهد وهي إشارة إلى الأحاديث التي ذكرنا أولاً، من أنها أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى والأعم أولى من أجل كثرة الفائدة فيكون ما أوردناه أولاً من تلك الأحاديث المعنى فيها : أن الذي يعمل في هذه الأيام، بعد الفرائض، أولى ما فيها ما ذكر عليه السلام من إراقة الدماء والذكر والصدقة ولا تمنع باقي الأعمال.

(ومما يقوي) ما قلناه قوله عليه السلام ( ما عمل آدمي أفضل فجاء بها في باب الأفضلية، وما جيء به في باب الأفضلية جاز عمل غيره معه، وإن لم يقدر عليه فلا يخلي نفسه من الخير الزائد

على الفرائض .

الوجه الثاني: وفيه دليل على فضيلة الجهاد. يؤخذ ذلك من قول الصحابة رضي الله عنهم (ولا الجهاد؟) فلولا أن ذلك الحكم قد تقرر منه الا الله ما سألوه عن هذا النوع ، وقد جاء فيه عنه عليه السلام أنه قال: أعمال البر في الجهاد كبزقة في بحر ) (۲)

(1) أخرج مسلم من حديث عثمان رضي الله عنه مرفوعاً من شهد العشاء فكأنما قام نصف ليلة، ومن شهد الصبح

فكأنما قام ليلة) .

(۲) سبق الكلام عنه. وقلنا : قال العراقي في تخريج الإحياء ۳۰۸/۲ باب وجوب الأمر بالمعروف : رواه الديلمي "

(وهنا بحث) وهو : لِمَ نَوَّعَ الجهاد، وجعل ما هو محذور شرعاً في غيره أرفع الأشياء في الجهاد، وهو قوله (خرج يخاطر بنفسه وماله وهذا ممنوع في غيره لأن المخاطرة ممنوعة ، ثم لم يجعله أفضل إلا بعد تحقيق الهلكة، بقوله (فلم يرجع بشيء) وقد قال جل جلاله ) وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلى التهلكة ) (١).

فالجواب أن نقول : كل من زاد من نوع ما أمر به حصلت له زيادة المدحة، فإن كانت زيادته من غير ذلك النوع لم تحصل له زيادة مدحة . مثال ذلك : (التوكل ) هو من شرط الإيمان وما جاءت المدحة إلا على الزيادة فيه بقوله حق توكله). وكذلك لما كان الإيثار من خصال الإيمان لم تأت المدحة إلا على الزيادة فيه، بقوله عزّ وجلّ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) (٢)

وهذا إذا تتبعته كثير .

فلما كانت مشروعية القتال تفضي إلى قتل النفس فزاد المخاطر فيما شرع له بارتكاب المخاطرة، حصلت له الفضيلة على غيره للمعنى الذي أشرنا إليه لأن تلك الزيادة في كل موضع أمر فيه بشيء دالة على الإخلاص والصدق وهما أرفع الأعمال وطلب مرضاة الرب بتوفية ما أمر، والزيادة على ذلك زيادة في استدعاء الرضا كما قال موسى عليه السلام ) وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ ولهذا إذا مدح الفارس قيل فيه (فارس أحمق وهو من أعلى مدحه، لأن الأحمق هو

الذي يغرر بنفسه، وبذلك تظهر فروسيته.

الوجه الثالث وفي هذا دليل صوفي لأنهم يقولون : لا تبلغ الأحوال النفسية إلا بإذهاب : النفس النفيسة، والمخاطرة في المجاهدات بها تبلغ الغاية فإذا كان طالب الدنيا الدنية يقول : أُحاوِلُ مُلْكاً أو أموتَ فأعْذَرا (٤)

من حديث جابر بإسناد ضعيف. وقال الزبيدي في شرح الإحياء :۸/۷ ورواه أبو الشيخ ابن حيان من حديث أنس. ولفظه في مسند الفردوس :۳۹۱:٤ ما أعمال العباد كلهم عند المجاهدين في سبيل الله إلا كمثل خطاف أخذ بمنقاره من ماء البحر. وفي رواية : إلا كتفلة تفلها رجل في بحر لجيّ .

(۱) سورة البقرة من الآية ١٩٥.

(۲) سورة الحشر، من الآية 9

(۳) سورة طه من الآية ٨٤.

(٤) عجز بيت لامرىء القيس عندما لحق بقيصر يستعينه على استرداد ملكه والثأر لأبيه (شرح ديوان امرىء القيس

للأعلم / ص ٥٦ ) .

بكى صاحبي لمّا رأى الدربَ دُونَهُ وأيقن أنا لاحقانِ بِقِيْصَرا فقلتُ له: لا تَبْكِ عَيْنُكَ إنما نحاول ملكاً أو نَمُوتَ فنعذرا .

وملكها ـ على أن يحصل - ذاهب لا محالة ، وقد يعقب في الآخرة في الأغلب تعباً دائماً ، فما بالك بمن يطلب ملكاً أبدياً في حضرة قدسية ) في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾ (۱) وقال : وبـــذكــــراه عللــونـي فتقواه شعاري

دعوني يا عذالي في هواه خلعت عذاري

وزمّلوا مطايا أعمالي حثيثة للجوار وبالنفوس جودوا بلا تلعثم منكم ولا اذكار وأيقنوا بوصل الحبيب عند فيض الأدمع الغزار؟(۲)

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

(1) سورة القمر من الآية ٥٥ . ، (۲) كذا وردت في جميع النسخ.

حديث جواز التنفل على الدابة في السفر

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ، قَالَ : كَانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى راجليْهِ حَيْثُ تَوَجَّهت بِهِ، يُومىء إيماءً صَلاةَ اللَّيل، إِلا الفَرائِضَ، وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ.

وجوه

ظاهر الحديث يدل على جواز التنفل في السفر للراكب للقبلة وغيرها . والكلام عليه من

الوجه الأول منها : هل هو خاص بمن له راحلة أو هو لكلّ من ركب أي شيء من الدواب؟ الظاهر - والله أعلم - أنه لكل راكب ركب ما ركب من الدواب بدليل ما جاء عنه عليه السلام أنه فعل ذلك على غير الراحلة. وقد جاء أن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم كانوا يتنفّلون إذا كانوا ركباناً أي شيء ركبوا من الدواب.

الوجه الثاني : فيه دليل لمالك رحمه الله ، حيث يقول : إنه يتنفّل الراكب متوجهاً للقبلة أو لغير القبلة عند ابتداء صلاته وانتهائها، خلافاً لمن يقول : إنه أول إحرامه يُحرم للقبلة، وحينئذ يصلي حيث كان توجهه من الجهات . وهذا مصادم للحديث، لأنه لم يفرق فيه بين أول الصلاة واخرها . وهنا بحث، وهو : هل هذا خاص بصلاة الليل - كما ذكر في الحديث - أو هو جائز في الليل والنهار؟ فإن قلنا : إن هذا تعبّد، فلا يتعدى به صلاة الليل. وإن قلنا : إنه لعلة، وهي التخفيف عن المسافر - كما خفف عنه في المفروضة - بأن وضع عنه شطراً فيتعدى الحكم لغيره. وهذا هو الأظهر، وعليه جمهور الفقهاء. فعلى هذا فيجوز التنفل للمسافر ليلا كان أو نهاراً . وهنا بحث، وهو: هل هذا مطلق في كل ما يُطلق عليه اسم (سَفَر) أو لا يكون إلا في شيء الحدود من جميع الأسفار ؟ فالجواب أن نقول : هذا موضع خلاف بين العلماء. فمن قال : إن الصلاة تُقصَر فى كل ما يطلق عليه اسم (سفر) جاز له التنفل على قاعدة مذهبه. ومن قال : لا يكون إلا في مسافة معلومة، وحال معلوم، لم يجز له التنفل هنا إلا على قاعدة مذهبه أيضاً .

وضابط (الكلام فيه أن نقول : هو كالقصر كلّ فيه على ،مذهبه على الاختلاف الذي في قصر الصلاة، فالأكثر من العلماء أنه لا تقصر الصلاة إلا في سفر لا يكون معصية، لأن العاصي لا يترخص، وأن يكون قدر مسيره يوماً وليلة ويكون ما نحن بسبيله تابعاً لهذا الخلاف لأنه رخصة وكذلك نص عليه العلماء ونصوا أيضاً أنه لا تكون الصلاة إلا كما هو نص الحديث ليس إلا ، وأن

يقصد بإيمائه وجه الأرض، لا كور الراحلة على مذهب مالك، رحمه الله .

الوجه الثالث : فيه دليل على وجوب الاتباع له عليه السلام في ،أفعاله لأنه لم يجىء أن

أحداً من السلف المبارك اختلف في هذه الصلاة، وما نقلت إلا فعلاً الوجه الرابع : فيه دليل على أن له عليه السلام أن يشرع ما شاء، لأنه لم يُرو عنه أنه أخبر عن هذه الصلاة أنها بأمر من الله تعالى، لأن كل ما كان بوحي أخبر به أنه وحي من الله تعالى . الوجه الخامس : قوله ( ويوتر على راحلته قد يستدل به من يرى أن الوتر نافلة، كما احتج به بعض أصحاب مالك. لكنّ هذا لا يتمّ به الدليل من هذا الموضع لكونه عليه السلام فعله على نحو ما فعل النوافل، لأنه يحتمل أن يكون كما ذكروا ويحتمل أن يكون هذا من الفرائض التي خصت بالرخصة، لأنه واحد لا ينقسم، فتكون الرخصة في حقه أن يصلي على الراحلة، فإذا احتمل

سقط الاحتجاج .

الوجه السادس : فيه دليل على فضيلة التنفل بالصلاة. يؤخذ ذلك من كونه، عليه السلام، فعله في السفر. وهو موضع تخفيف المفروضة وتغيير الهيئة من أجل المشقة، ثم إنه عليه السلام أبقى اسم الصلاة وعملها مطلوب على نَدبيَّتِهِ كما كان

وهنا بحث وهو ما الحكمة في إبقائها مع تغيير حالها في المرض والخوف والسفر كما هو معروف، ولم يسامح في تركها في حال من الأحوال مع بقاء العقل؟ فنقول والله أعلم: لوجهين (أحدهما) أنه لما جعلت فرقاً بين الكفر والإيمان فعلامة الإيمان مطلوبة في كل حال كما هو الإيمان مطلوب في كل حال ما عدا زوال العقل، فإنه إذ ذاك غير مكلف الوجه الثاني لما جعلت صلة بين العبد وربه فالصلة بين العبد والرب محتاج إليها العبد ، فأبقيت عليه وخففت عليه في تنويعها بحسب عذره، كما هو معلوم. ولهذا المعنى ،قال : واستعينوا بالغَدوة والرَّوْحة وشيء من الدُّلْجَة) (۱) لأن أكبر الاستعانة للعبد الضعيف الصلة التى تكون بينه وبين ،مولاه فيها

يحسن عليه العائد فيما يؤمله .

(۱) جزء من حديث أوله : إن الدين يسر ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة). أخرجه البخاري والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه وهو موضوع الحديث (٦).

الم

الم

الله

ذل

الا

و

خَلَقْتُ

ومما يشبه ما ذكرناه في شأن الصلاة ما جاء في شأن العبادة لما كان المراد منا بمقتضى الحكمة الربانية العبادة ودوامها ولذلك ،خلقنا كما أخبر مولانا سبحانه بقوله عزّ وجلّ وَمَا تلقت الجنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونو) (۱) وهو عزّ وجلّ غني عن عبادتنا، وعَنْ كل شيء، لكن اقتضت الحكمة لأمر لا يعلمه إلا هو كما قال عزّ وجلّ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ) (٢) أي الذي يعلم الحكمة في خلقها، وكذلك في خلقنا وخلق جميع المخلوقات وما تحدث فيه الناس هنا على اختلاف أقوالهم ، فكل يحتاج إلى دليل قطعى فى ذلك، ولا يكون الدليل القطعي في ذلك إلا من طريق النبوة، ولم يجىء فيما نحن بسبيله من طريق النبوة شيء. فالذي يجب هنا من الإيمان هو أن نؤمن أنه عزّ وجلّ، المستغني عن جميع المخلوقات بأسرها، وأنه، جلّ جلاله، ما خلق منها ذرة، ولا أكبر، ولا أصغر إلا لحكمة . والحكمة فيما عقل منها بطريق صحيح أو محتمل إذا لم يكن ينافي أصول الشريعة .

وفيه زيادة قوة في الإيمان، لأنه إذا كان الإيمان على القاعدة التي ذكرناها آنفاً وهي غناه عزّ وجلّ عن كل شيء، وأن كل الأشياء لحكمة استأثر بها جلّ جلاله مع التنزيه والتقديس كما يجب فهذه زيادة - لا شك في ذلك من الله علينا بذلك بمنه .

ثم نرجع إلى ما أشرنا إليه وهو أن ما خلقنا إليه، وأريد منا من دوام العبادة مع ما طبعنا عليه من ضعف الخلق، وما فطرنا عليه من الاحتياج إلى ضرورة البشرية من أكل وشرب وغير ذلك مما نعلمه من نفوسنا بالضرورة، فجمع ذلك هنا بحكمة لطيفة لا يُنتبه إليها إلا بفيض رباني وإلهام لمن ألهم إليها، لأنه قد تقرر من قواعد الشرع أن أعلى العبادات وأنجاها من عذاب الله ذكر الله ، فجعل

لنا أجلّ العبادات ـ وهو ذكره عزّ وجلّ - في كل حركاتنا وسكناتنا فمنها فرض، ومنها ندب والندب فيها بعضه أكد من بعض، فجعل لنا ألا نأكل ولا نشرب ولا ننكح، ولا نلبس ثوباً، ولا نجرده، ولا ندخل فراشاً، ولا ندخل منزلاً، ولا نخرج منه ولا ندخل موضع الحاجة، ولا نخرج منه، ولا نصطاد صيداً، ولا نذبح شيئاً مما نأكل لحمه ولا نسافر إلى موضع ولا نتكلم كلاماً له بال إلا ونبتدىء ذلك كله بذكره عزّ وجلّ، وذكر أسمائه

فمنها ما إذا لم نفعله حرم علينا ذلك الشيء، ولم يحل لنا أكله، مثل التسمية على الحيوان المذكى على الصيد، وما أشبه ذلك لقوله تعالى : ( وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ (٤)

(1) سورة الذاريات، من الآية ٥٦ .

(۲) سورة الفرقان، من الآية ٦ . (۳) هنا جواب : لما . (٤) سورة الأنعام، من الآية ١٢١ .

رأحلت لنا ذكاة أهل الكتاب وإن كانوا كافرين بسيدنا محمد . لكن لما أقروا به، جل جلاله وذكروا اسمه عند ذكاتهم، والأمر لهم كما هو لنا أبيح لنا أكل طعامهم . والمجوس لما لم يعترفوا

به عزّ وجلّ، لم يَحِلُّ لنا من ذكاتهم شيء لبعد النسبة .

ومنها ما الذكر فيه سنة، مثل دخول موضع الخلاء، والمنزل، والفراش، وما أشبه ذلك. ومنها ما الذكر فيه مستحب، ومثل استفتاح الأعمال لأهلها من دنيا كانت أو أخرى بالتسمية . وقد روي عن عائشة ، رضي الله عنها ، أنها كانت إذا أتاها صانع يصنع لها شيئاً، مثل خياطة أو غيرها من ضرورات الدنيا تسأله فى أثناء عمله : هل سمّيت الله عزّ وجلّ أم لا ؟ فإن قال لها : إنه سمّى، تركته وما هو بسبيله وإن قال لها : إنه لم يفعل تقيمه عن تمام العمل ، لكونه لم يذكر الله أولاً . وهذا وما أشبهه من قبيل المندوب. وكذلك الذكر عند الاستيقاظ من النوم وشبهه . فانظر إلى هذا المعنى العجيب، وهذه الطريقة السهلة اللطيفة ) ألا يعلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ؟ ) (۱) إلا أن هذا المقام لا يحصل، ولا يشم منه رائحة إلا مَن مُنَّ عليه باتباع سنته، ، ل ، ثم زاد عزّ وجلّ هذا المعنى الذي أشرنا إليه تأكيداً بقوله على لسان نبيه عليه السلام : مَن ذَكَرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، ومَن ذكرني في مَلا ذَكَرتُه في ملأ خير منهم، ومن تقرب إليَّ شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرب إلي ذراعاً تقربت منه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة) (۲) وبقوله عزّ وجلّ في كتابه: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَما وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ﴾ (٣) .

فانطر إلى هذه الإشارة حتى لا يكون من العبد حالة من الأحوال إلا وهو فيها في عبادة مستقلة، لأنه لولا ما جاء هذا على هذا النوع لم تكن تعلم العبادة إلا في التخلي عن الدنيا مرة واحدة والاشتغال بالآخرة، وهذا مع ما خلقنا عليه من الاحتياج متناف، فجَمَع لنا بهذا الطريق العجيب وأرشدنا إلى جميع الخير بأيسر الأشياء وأقربها ، فضلاً من الله ورحمة . وكل ما ذكرنا أولاً من أنه أمرنا بالتسمية عند ابتداء الأكل وغير ذلك، ولم نُسَمِّ في ذلك حديثاً، إنما قصدنا بذلك الإرشاد والإلهام لذلك الخير ، ليقدر قدره وما من وجه مما ذكرنا إلا وقد جاءت فيه أحاديث عديدة، لا واحد فإن أطال الله العمر ، وأمكن العون منه ألفناه - إن شاء الله - في كتاب وحده ، ليكون أيسر لمن أراد الوقوف عليه، بعونه وفضله إن شاء الله تعالى.

(۱) سورة الملك، من الآية ١٤ .

(۲) أوله : أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني ... إلى آخره. رواه الإمام أحمد والشيخان

والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه

(۳) سورة ال عمران من الآية ۱۹۱ .

له ،

رفوا

مية.

ولهذا المعنى فَضَل أهل الصوفة غيرهم،

لأنهم لا يزالون دائماً ذاكرين متوجهين، فحصل

لهم اسم الخصوص بما به خُصوا، ولذلك قالوا : إن كنت صادقاً في محبتنا فالحب حيث أب بذكر حبيبه يَؤُبُّ (۱) ، لأن دوام الذكر منادمة ومحاضرة يشهد لذلك قوله جل جلاله، على لسان نبيه، عليه السلام، أنا جليس من ذكرني ) (٢) . فافهم إن كنت فطِناً ما به عُنيت، ومن أنت يا مسكين . وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

ي

(1) الحب المحبوب والمحبّ. أب تهيأ واشتاق وقصد.

(۲) أوله : قال موسى: أي رب أقريب فأناجيك، أم بعيد فأناديك ؟ قال : يا موسى: أنا جليس من ذكرني . أخرجه

ابن أبي شيبة والبيهقي في الشعب عن كعب الأحبار .

ذكر

حديث أشراط الساعة

عَن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنهُ قالَ: قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : (لَا تَقومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ العِلمِ، وَتَكثُرَ الزَّلازِلُ ، وَيَتَقارَبَ الزَّمانُ، وتظهرَ الفِتَنُ، وَيَكثُرَ الهَرْجُ - وَهُوَ القَتلُ - حَتَّى يَكثُرَ فيكُم المالُ ، فَيَقيضَ).

وجوه :

ظاهر الحديث يدل على أن الخمسة المذكورة فيه من علامة الساعة وقربها والكلام عليه من

منها هذا العلم الذي يُقبض ما المراد به هل المنقول وغيره؟ فنقول - والله الموفق - العِلم المشار إليه هنا هو : النّور الذي به الفهم عن الله و لعن رسول الله ، الله ، لأن الكتب لم تزل، بل هي تكثر، لكن الفهم والعمل هو الذي قلَّ كما تكلمنا عليه قبل في الحديث الذي قال عليه السلام فيه ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد) (۱) .

وقوله ( وتكثر الزلازل فهل هذا فيه معنى من الحكمة يفهم أو ليس لنا من طريق إلى ذلك؟ أما وجود الحكمة فيه فلا شك فيها. وأما هل نعرفها أم لا؟ فالجواب : أما بالنظر بمقتضى ما جاء في الشريعة من الحكمة أو بالعادة الجارية إذا نظرنا بمقتضاها فهي واضحة وأما بالقطع فما أحد يدري ذلك . فبحسب ما استقرينا من الشرع وجدنا الحكمة فيه من وجهين : الوجه الواحد أنه ما أجرى الله العادة في الزلازل إلا لوجهين : (الواحد) انتقاماً ممن يريد كما ورد في الأخبار أن كثيراً من الناس هلكوا بها حتى إلى زماننا هذا. وقد تواتر عندنا بإفريقية حين كنت بها أن موضعاً زلزل بأهله حتى ساخت بهم الأرض وكانوا أهلاً لذلك لما كان فيهم من

تتمة الحديث: (ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا). أخرجه الإمام أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه عن عبد الله بن عمر

رضي الله عنهما .

العذا

تتقدم

و بجے کے بچے کی پیج تاح

محل

المن

الما

وام

الي

أنا

الفساد. و (الآخر) تخويفاً لأهل التخويف، لأنها من جملة الآيات، وقد قال عزّ وجلّ : ﴿ وَمَا نُرْسِلُ بالآيَاتِ إِلَّا تخويفا) (۱) فإذا قربت الساعة فبالقطع أن الفساد يكثر، وهذا من جملة العقاب ـ كما ذكرنا ـ وليتذكر بها أيضاً من سبقت له السعادة.

وأما الوجه الآخر) من الحكمة فهو لما كانت القيامة بالزلزلة العظمى ـ كما أخبر جلّ جلاله ـ فَدُكَّنَا دَكَّةً وَاحِدَةً ) (٢) وقال جل جلاله : ( وَلَقَدْ أَخَذْنَهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَهِم وَمَا يَتَضَرَّعُونَ حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِم بابا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ) (۳) المعنى أنهم أولاً أخذوا باليسير من العذاب إعذارا لهم لعلهم يرجعون، فلما لم يرجعوا جاءهم العذاب المهلك. فهذه سنة الحكيم أن يبدأ من العذاب بالقليل ليرجع من فيه أهلية للخير، ويحق الأمر على من هُوَ له أهل . فكذلك الساعة تتقدمها تلك الزلازل لأن الحكمة اقتضت الإنذار وإن كان لا ينفع من حقت الكلمة عليه، فيتمادى على ما هو عليه من الفجور، فيأتيه ذلك البلاء العظيم : ( حِكْمَةٌ بَلِمَةٌ فَمَا تُنْنِ النُّذُرُ ) (٤) فلما كانت الساعة كما ذكرنا أولاً زلزلة واحدة تدك بها الأرض دكاً تقدمت الزلازل، وكثرت حتى تكون كثرتها تخبر بوجود الزلزلة العظمى من جنسها .

وقوله عليه السلام ) ويتقارب (الزمان) فيه بحث وهو : هل يتقارب الزمان حسًا أو معنى؟ محتمل. والظاهر أنه اهما معاً لأنه قد جاءت الإشارة في الآثار بالمعنيين منفردين، فيكون المقصود - والله أعلم - جمع المعنيين. أما أحدهما وهو المعنوي فقد ظهر فنحتاج إذا إلى بيان المعنوي والحسي والإشارة التي في الآثار بهما .

فأما المعنوي فهو كناية عن نقص العمر، فإن رأس مال المرء عمره، وربحه فيه حسن عمله . وإذا قل العمل المبارك كان الزمان ناقصاً لأجل نقص الفائدة فيه، مثل الشجر والثمر إذا نقص الشجر قلنا : نقص الثمر . قال جل جلاله : وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ) (٥) وقد كانت عائشة ، رضي الله عنها، تقول «كل يوم لا أزداد فيه علماً، ولا ﴾ أتخذ فيه يداً، لا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم ) وقال : ( بقية عمر المؤمن لا ثمن لها

(۱) سورة الإسراء، من الآية ٥٩ (۲) سورة الحاقة، من الآية ١٤ . سورة المؤمنون، الآيتان ٧٦ و ٧٧ .

(4) سورة القمر من الآية ٥ . (٥) سورة البقرة، من الآية ١٥٥ .

(٦) رواه الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية وابن عبد البر في جامع العلم بسند ضعيف عن السيدة عائشة

رضي الله عنها .

يصلح فيها ما فسد (۱) فما يصلح ما فسد إلا بالتوبة والعمل الصالح، لأنه يتدارك به نفسه وما ذاك - أعني قلة العمل - إلا لغلبة حب الدنيا على القلوب والاشتغال بها وتقدمتها على عمل الآخرة . وقد نبه ، ، على هذا المعنى بقوله : (أنتم في زمان .... وذكر من صفات أهله أنهم يُبدون أعمالهم قبل أهوائهم وسيأتي زمان (۲) ... وذكر من صفات أهله أنهم يبدون فيه أهواءهم قبل أعمالهم وقال عليه السلام من ابتدأ بحظه من دنياه فاته حظه من اخرته ولم ينل من دنياه إلا ما كتب له، ومن ابتدأ بحظه من آخرته نال من آخرته ما أحب، ولم يفته من دنياه ما كتب له) (۳) عليه السلام من شروط الساعة وذكر فيه : (ويقل العمل والأحاديث في هذا الشأن كثيرة. فبان ما

قلناه من الوجه المعنوي . هذا من طريق الفقه والنقل .

وقال

وأما من طريق أهل المعاملات فإنهم يقولون : الوقت سيف إن لم تقطعه قطعك . ومعناه عندهم : إن لم تقطعه بالعمل قطعك بالتسويف. هذا من طريق الأعمال الأخروية. وأما من طريق الأعمال الدنيوية فقد ظهر أيضاً النقص فيها في جميع محاولاتها وبان. أما الصناع فما منهم من يقدر أن يبلغ في صنعته مثل ما سمع عَمَّن تقدم. وكذلك التجار وكذلك الفلاحون، وكذلك الملوك وغير ذلك من وجوه متاع الدنيا : النقص الكثير قد ظهر في جميع ذلك ، وما ذاك إلا من قلة توفيتهم لحقوق الله تعالى ،وأحكامه وتهاونهم بذلك وكثرة مكر بعضهم ببعض فارتفعت البركات من أبدانهم وأموالهم وارائهم وعاد الوبال على الجميع وهم لا يشعرون ويتعجبون من قلة البركات من أين تأتيهم وهم لم يتركوا من مجهودهم في الطلب شيئاً .

فجاوبهم لسان الحال : ( قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ) (٤) لأن هذه الصفات تخالف مقتضى الإيمان، لأن الإيمان - كما أخبر (لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً) (٥) ، وقال عليه السلام: (المؤمن يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه ) (٦) ، وقال عليه السلام: الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ) () ، وعلى ذلك كان السلف رضي الله عنهم .

(1) لم نقف على مصدره . (۲) انظر تخريجه في الحديث ١٤ .

(۳) لم نقف على مصدره .

(٤) سورة ال عمران من الآية ١٦٥ .

(0) أخرجه الإمام أحمد ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه .

(۷) قطعة

لعله أراد حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه. وعند مسلم: من الخير . أخرجه الإمام أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه . قطعة من حديث أوله من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة . مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما =

ومن ستر

کال

الار

لي

قال :

وقد رأيت في بعض التواريخ أن أحد الملوك لَمَّا ملك بعض البلاد، وجد في الخزانة حبة قمح، جرمها زائد على المعروف من القمح بزيادة كثيرة، فسأل عنها، فلم يجد من يعرف لها خبراً إلا شيخاً كبيراً قد عُمِّر ، فقال : أعرفها . ولذلك أن شاباً وشيخاً اشتركا في زرع، فلما درسا زرعهما قال أحدهما للآخر: ننقل هذا الطعام إذا قسمناه بالنوبة تحمل أنت مرة، وأحرس أنا نصيبي ونصيبك، ثم أحمل أنا مرة أخرى، وتحرس أنت نوبتك .

فلما قسما جعل الشيخ يحمل مرة من نصيبه وكان ذا عيال، ويقعد الشاب يحرس . فإذا

غاب الشيخ يقول الشاب في نفسه هذا ،شيخ وله ،عائلة فأحتاج أن أعينه. فيأخذ من نصيب نفسه، ويزيد في نصيب شريكه. فإذا نقل الشاب في نوبته وقعد الشيخ يحرس يقول الشيخ في نفسه هذا ،شاب والناس يقصدونه فأحتاج أن أعينه. فيأخذ الشيخ من نصيب نفسه، ويزيد في نصیب شريكه. فبقي ذلك دأبهما، وهما ينقلان والغَلَّة تكثر ويكبر جرمُها ، حتى عَيِيَا وفشلا من حمل القمح، ورأياه قد كثر حتى خرج عن الحَدّ المعروف .

فسأل أحدهما الآخر، وحلفه أن يصدقه ما يفعل بعده، فأخبر كل واحد منهما صاحبه ما يفعل في غيبته . فاشتهرت المسألة حتى بلغت أميرهم، فوجه لأن يرى من ذلك القمح شيئاً. فلما رآه قال : ينبغي أن يُجعل من هذا شيء في الخزانة فيبقى لمن بَعْدُ فيه موعظة وتذكار . فلما وفيا حقيقة الإيمان من طريق الأدب، عادت عليهم بركات الإيمان، وقد قال مولانا جلّ جلاله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) (١)

وأما المحسوس فلم يظهر بعد، بدليل أن ساعات الليل والنهار باقية على حالها . وقد أخبر بنقصها حِسا بقوله تكون السَّنَّة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كالساعة) (۲) إلى آخر الحديث فهذا مما بقي خروجه وقوله عليه السلام وتظهر) (الفتن هذه الألف واللام هل هي للجنس أو للعهد؟ احتملت

الأمرين معاً .

فإن كانت للجنس فكل ما ذكر عليه السلام في هذا الحديث من جملتها، وكذلك جميع ما

كان العبد في عون أخيه .. الخ . أخرجه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان

والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه . (۱) سورة الأعراف، من الآية ٩٦ .

(۲) لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان فتكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالضرمة بالنار . أخرجه الإمام أحمد والترمذي عن أنس رضي الله عنه .

جاء من الأحاديث فيها . إلا أن هنا بحثاً وهو ما فائدة قوله عليه السلام وتظهر الفتن؟ وهو عليه السلام قد أخبر عنها معيّنة في أحاديثَ عِدة ؟ فالجواب) أن إخباره عليه السلام بها على هذه الصيغة لوجهين: أحدهما) تأكيد لما أخبر عليه ،السلام به من الفتن أنه لا بد أن تظهر في عالم الحس ، قبل قيام الساعة . و (الوجه الآخر) أنها تكثر عند قرب الساعة، ويتوالى خروجها بعضها إثر بعض، حتى كأنها دائمة الظهور، ولا تكاد تزول، كما أخبر عند كثرتها : (يصبح الرجل مؤمناً ويُمسي كافراً، ويُمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعَرَض من الدنيا) : (۱) .

وإن كانت بمعنى العهد فتكون الإشارة إلى تلك الفتن الكبرى التي هي مع الساعة كهاتين) (۲) وهي مثل الدجال وخروج الدابة وطلوع الشمس من مغربها . وقد جاء أن التي تظهر

منهن أولاً يتبعها الباقي، وينقضي جميعهن في ستة أشهر . أعاذنا الله من جميعهن بمنّه وقوله عليه السلام ويكثر الهرج - وهو القتل يريد القتل الذي يكون بغير حق، لأن القتل في الحدود رحمة للبلاد والعباد ، لأنه قال : الأنْ يُقامَ حَدٌ من حدود الله في بقعةٍ خَيرٌ لهم من أن تُمطِرَ عليهم السّماءُ ثلاثين يوما (۳) وفي حديث ثان أربعين يوماً) . وما يكثر القتل في غير حق إلا لقلة العلم والدين وعند قرب الساعة يكثر ذلك، وقد جاء ما يؤيد هذا وهو قوله عليه السلام) حتى لا يعرف القاتل فيم قتل، ولا المقتول فيمَ قُتِل ) (٤) .

(وهنا بحث وهو أن هذا القتل مذكور في جملة الفتن فلم كَرَّره في هذا الحديث؟ (فالجواب) أنه إنما كرره لأجل شناعته وقبحه .

وقوله عليه السلام: (حتى يكثر فيكم المال فيفيض المال هنا المراد به الفضة والذهب لا غيرهما، وإن كان ينطلق المال عند العرب على الإبل وعند كل ناس بحسب ما غلب عليهم وقد تقدم الكلام على هذا قبل فنحتاج الآن أن نبين كيفية خروجه، ولماذا نخصصه بأنه الذهب والفضة؟ فيتخصص بدليلين (أحدهما) من الحديث نفسه . و (الآخر) من غيره من الأحاديث.

پیله

اتنا

مالة

(۱) لفظه : بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم ، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع أحدهم دينه بعرض من الدنيا قليل . أخرجه الإمام أحمد ومسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه . (۲) إشارة إلى حديث (بعثتُ أنا والساعة كهاتين، وأشار بالوسطى والسبابة) أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وابن حنبل والطبراني والدارمي عن جابر بن سمرة رضي الله عنه (۳) لفظه : حَدٌ يُعمَل في الأرض خيرٌ لأهل الأرض من أن يُمطَروا ثلاثين صباحاً . أخرجه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه .

لفظه : والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قتل، ولا يدري المقتول على أي شيء قتل . أخرجه مسلم وتفرد به عن أبي هريرة رضي الله عنه .

ي

عة

من

لا

فأما الذي من الحديث نفسه فقوله عليه السلام ( يفيض) فإن هذه الصفة لا تستعمل حقيقة إلا فيما يخرج من الأرض من المال والماء، وقد تستعمل مجازاً في غير ذلك، إلا أنه لا يخرج اللفظ من الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل والحكم أن يحمل اللفظ على ظاهره ما لم يعرض لذلك معارض شرعي ولا معارض هنا.

وأما الدليل الآخر الذي يؤخذ من غيره من الأحاديث، فإنه قد جاء (أن الفرات ينحسر عن جبل من ذهب فيقتتل عليه الناس حتى يقتل من المائة تسعة وتسعون وما يبقى من المائة غير واحد) (۱) . وقد جاء أن الأرض تخرج كنوزها إلا أنه بعدما يلقى الشح على الناس، ويقل عندهم المال من أجل الشح، ثم يأمر الله تعالى الأرض أن تخرج كنوزها، فيمشي الرجل بصدقته، فلا يجد من يأخذها منه، فيقال له : لو جئت بها بالأمس أخذناها . وأما اليوم فلا حاجة لنا بها (۲) .

وأما كيفية خروجه فكما تقدم في هذين الدليلين المذكورين من خروج كنوز الأرض وجبل الذهب. وهذه العلة التي هي قلة المال مع الشح موجودة في كل الأزمان، لقوله عليه السلام: (ما طلعت شمس إلا وبجنبيها ملكان يقول أحدهما اللهم أعط لمنفق خلفاً، والآخر يقول اللهم أعط لممسك تلفا) (۳).

وهنا بحث : إذا قلنا : إن قلة المال من الشح فما موجب خروجه؟ فالجواب أن الفتنة في خروجه أكثر مما في منعه، لا سيما مع العلة التي ذكرنا أنه لا يجد لمن يعطي صدقته. وأي فتنة أكبر من هذه؟ وخروج المال أيضاً من أكبر الفتن .

وفائدة هذا الحديث : التصديق بما فيه من الآيات، وقوة الإيمان بقدرة القادر على ذلك، والعمل على الخلاص منها بما أخبر هو الا الله وحين ذكر الفتن فقيل (ما) تأمرنا إن أدركنا ذلك فقال : الجأوا إلى الإيمان والأعمال الصالحات) (٤) فقد ظهرت أكثرها . فهل مشمر للنجاة بما أرشد إليه

الصادق المصدق ؟

(1) لفظ الحديث : لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه، فيقتل من كل مئة تسعة وتسعون ويقول كل رجل لعلي أكون الذي أنجو . أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه . (۲) لفظ الحديث : لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم رب المال من يقبل صدقته، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه : لا أرب لي فيه . متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه . (۳) لفظه : ما من يوم يصبح فيه العباد إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر :

اللهم أعط ممسكاً تلفاً. متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه . (٤) سبق الكلام عنه في الحديث (٦) بأنا لم نعثر عليه بهذا اللفظ وإنما هناك أجوبة نبوية فيها الأمر بلزوم كتاب الله

وجماعة المسلمين .

وهنا بحث صوفي، وهو: أنه لما علم أهل هذا الشأن أن النجاة من تلك الفتن العظام هو بالإيمان والأعمال الصالحات، أيقنوا أن ذلك فيما هو أقل منها من باب الأحرى والأولى، فلم يشغلوا نفوسهم بغير الإيمان ودوام الأعمال الصالحات ولما رأوا أن الدار لا بد من انقضائها صيروا الأول منها آخراً، والآخر منها أولاً. ولذلك قال : إذا كانت الدار لا تبقى فمتاعها فان فاعمل لدار لا تفنى ومتاعها ،باق، واعمر بالربح ،زمانك ولا تدعه خالياً. والحمد الله ربّ العالمين . وصلى الله على سيدنا ومولانا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

بالما قلة نا

حديث إن لنفسك عليك حقاً ولأهلك عليك حقاً

عَن عَبدالله بن عمرو (۱) ، رَضِيَ الله عَنهُما ، قالَ: قالَ لي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : ألم أُخبَر أَنَّكَ ، تَقومُ اللَّيلَ، وَتَصومُ النَّهار؟ قُلتُ: بلى، إِنِّي أَفعَلُ ذلكَ. قالَ : فَإِنَّكَ إِن فَعلتَ ذُلِكَ هجَمَت عَينُكَ، وَنَفِهَت نَفْسُكَ (٢) . وَإِنَّ لنَفْسِكَ علَيكَ حَقًّا، ولأهلك علَيكَ حَقًّا. فَصُمْ وَأفطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ (۳) .

ظاهر الحديث يدل على منع دوام الصيام والقيام لأجل علة عجز البشر عن ذلك . والكلام

عليه من وجوه :

الوجه الأول منها : أن الحكم لا يكون إلا على أكمل وجوه التحقق والتثبت. يؤخذ ذلك من أن سيدنا ، ، لم يخبر أن هذا الشخص وهو عبد الله بن عمرو بأنه يقوم الليل ويصوم النهار إلا من بعدما استفهمه عما قيل له، وإن كان سيدنا ، ، ، يعلم أن الذي أخبره صادق، لأن الصحابة كلهم رضي الله عنهم، مقامهم مقام الصدق والدين. لكن لما بقي وجه من تحقيق الأمر، وهو سؤال الشخص نفسه، لم يتركه عليه السلام حتى سأله، وتيقن ذلك منه مشافهة .

وفي سؤاله، عليه السلام للشخص نفسه من الفقه وجوه منها ما ذكرنا من التحقيق، وليقعد : قاعدة شرعية في ذلك، ولأجل أن يعلم أيضاً : هل كان ذلك الوقت له نية ما، نواها ولم يتلفظ بها حتى تنقل عنه، أو ليس؟ ولأجل أنه قد يكون أيضاً معلقاً بشرط ما وذلك الشرط قد لا يعرفه

سنة

(1) عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي. صحابي من النساك وأحد العبادلة الأربعة في الفقه والحديث. قال أبو هريرة : ما كان أحد أكثر حديثاً مني إلا عبد الله بن عمرو، فإنه يكتب ولا أكتب . وكان كثير العبادة والتلاوة، وكان يشهد الحروب والغزوات، ويضرب بسيفين، وحمل راية أبيه يوم اليرموك، وشهد صفين مع معاوية . روي له ۷۰۰ حديث، وقلت الرواية عنه لسكناه في مصر، بخلاف أبي هريرة في المدينة المنورة توفي . ٦٥ هـ / ٦٨٤م واختلفوا في مكان وفاته، قيل بمكة، وقيل بالطائف، وقيل بعسقلان في فلسطين . (۲) نَفهت نفسك : أعيت وكلت . راجع الحديث ١٨٤ .

القائل، أو يعرفه، أو قاله بغير عزيمة على فعله حتى يرى على ما يعوّل عليه، إلى غير ذلك من الاحتمالات. فمن أجل هذا المعنى كان السؤال . والله أعلم .

ولذلك قال العلماء : إن السنّة على أنواع عديدة : فمنها سنة يجب العمل بها مع عدم تحققها - وهي الحكم بشهادة الشاهدين - لأن الغلط في حقهما ممكن والصدق كذلك . إلا أنه قد أمرنا بإنفاذ الحكم بهما إذا تيقنت عدالتهما . فعلى هذا فمن أنفذ حكماً من الأحكام، دون ثبوت الموجب له بالإثبات التام بمقتضى الشرع، فهو ضلال محض ، وإن وافق في الغيب عين الحق، لأنه ما أمرنا أن نحكم بالغيب إلا في الإيمان به عزّ وجل، حيث أمرنا به . الوجه الثاني : فيه دليل على جواز التحدث بما يعزم المرء عليه من أفعال البر . يؤخذ ذلك من

قول النبي ، ل ا ل ا ل ( ألم أخبر ؟ ) فلولا أن الشخص تكلم بذلك ما كان النبي ، ، يخبر به . الوجه الثالث: فيه دليل على أن كل من كان مسترعى رعية صغرى أو كبرى أنه يسأل عن جزئيات رعيته، وأنه يجب على من علم منها شيئاً الإخبار له بها يؤخذ ذلك من قوله ، صلى الله عليه وسلم (ألم أخبر؟). فلولا أنه عليه السلام سأل أو كان عندهم مقررا أنهم يخبرونه بما يعرفون من أحوالهم وأحوال إخوانهم ليعلموا حكم الله في ذلك، ما أخبر ، و بذلك لأن هيبتهم له ، عليه السلام، كانت

كبيرة حتى إنهم كانوا يودون أن يأتي بدوي فيسأله ، فيسمعون منه ما يقول له فيستفيدون . الوجه الرابع فيه دليل على فصاحة الصحابة رضي الله عنهم وقلة تصنعهم، وقصدهم الحقيقة في الأشياء بلا زيادة يؤخذ ذلك من حسن جوابه لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي لم يزد على أن قال : إني أفعل ذلك». فلم يزد على الإخبار عن حقيقة الذي سئل عنه بلا تصنع في ذلك الوجه الخامس: فيه دليل على تعليل الحكم لمن فيه أهلية يؤخذ ذلك من تعليل سيدنا، له بهجوم العين ونفاهة النفس التي طبعت عليه البشرية .

الوجه السادس : فيه دليل على أن الأولى في العبادة تقديم الفرائض . يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام: (إن لنفسك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقا). وهنا :بحث ما حق النفس وما حق الأهل؟ وما يعني هنا بالأهل؟

أما الحق الذي للنفس فقد اختلف فيه أهل الفقه وأهل المعاملات فأهل الفقه يقولون : هو أن تُعطيها حظها ممّا تحتاج إليه من ضرورة البشرية وترويحها زماناً ما، كما قال : روحوا) ساعة)(1). وكما قال عليه السلام: (إنّ المُنْبَتْ لا أرضاً قَطَعَ ولا ظَهْراً

ساعة القلوب

بعد

(1) أخرجه أبو داود في مراسيله عن ابن شهاب وأبو بكر بن المقري في فوائده والقضاعي عن أنس رضي الله عنه .

أبقى (۱) . وهذا الحظ عند هؤلاء السادة الذين قالوا به بشرط أن يكون على مقتضى السنّة وأهل المعاملات يقولون : حق النفس الذي لها عليك أن تَقطَعَها عما سوى مولاها .

ويمكن الجمع بين القولين بأن نقول : أن تقطعها عما سوى مولاها في التعلقات القلبية والأسباب الشرعية، وذلك بألا يبقى للقلوب تعلق إلا بمولاها في كل الأحوال، ولا تتصرف في الأسباب إلا على لسان العلم المجمع على أنه أرفع الأحوال.

يشهد لهذه الطريقة من الآثار حديث معاذ (۳) مع أبي موسى (۳) ، إذ وجههما رسول الله ، ، إلى اليمن يعلمان الناس دينهم فتفرقا لتعليم الناس كما أمرا فلما أن اجتمعا سأل أحدهما الآخر : كيف تقرأ القرآن؟ فقال أبو موسى: أقرأه قائماً وقاعداً ومضطجعاً، وأتفوقه تفويقا (٤)، ولا أنام . وقال الآخر : أما أنا فأقوم وأنام، وأحتسب (٥) قومتي كما أحتسب نومتي. فتنازعا في ذلك، ولم يسلم أحدهما للآخر في الأفضلية، حتى أتيا ، النبي صلى الله عليه وسلم ، فقصا عليه . فقال النبي ، لأبي موسى : ( هو أفقه منك) يعني عن معاذ الذي كان يقوم وينام .

الله وقد حكي عن بعض من نسب إلى هذه الطريقة المباركة أنه حصل له حالة مناجاة واتصال فسأل أن تدام له تلك الحالة فقيل له : ألستَ أنت بشراً؟ وهذه الحالة لا تمكن مع بقاء البشرية، لكن إذا رجعت إلى أمرنا ونهينا لم تزل عندنا

وأما قولنا : ما يعني هنا بالأهل ؟ فيحتمل أن يكون عنى به الأولاد والزوجة وكل من تلزمه نفقته شرعاً، لأنه إن اشتغل بالعبادة تعذرت حقوقهم، وهو المسؤول عنها. ويحتمل أن يكون عنى بالأهل الزوجة، لأن من حقها على الزوج الإصابة (٦) . والصيام والقيام مما يقلل ذلك الشأن، فيكون يخلّ بحق عليه . وحمله على الأعم أولى، لأنه أكبر في الفائدة .

الوجه السابع : فيه دليل على ضعف البشرية وإن تكلف المرء من العمل زيادة على قدر ما طبعت عليه نفسه يقع له الخللُ والنقص في الغالب يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام هجمت)

دليل

(1) أوله : إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق فإن المنبت .. الخ . . أخرجه البزار عن جابر رضي الله عنه (۲) انظر ترجمته في الحديث (٤٣) . (۳) أبو موسى الأشعري : عو عبد الله بن قيس. صحابي من الشجعان الولاة الفاتحين، أحد الحكمين بعد حرب صفين. كان أحسن الصحابة صوتاً. له ۳۵۵ حديثاً . توفي بالكوفة سنة ٤٤ هـ / ٦٦٥م .

(٤) أتفوقه تفويقاً : أقرأه مجزاً في أوقات مختلفة .

(٥) احتسب الأمر : ادَّخر أجره عند الله . (٦) الإصابة : الإتيان بالصواب، ومن معانيها : المجيء من عَل ، والإراقة . (القاموس) وفي الحديث: أن رسول الله كان يصيب من رأس بعض نسائه وهو صائم أراد التقبيل . (البداية والنهاية لابن الأثير وتاج العروس).

عينك ، ونَفِهت نفسك). فقوة الكلام تعطي أن من طبع على مثل هذا لا يطيق أن يفعل ما هزم هذا

الصحابي عليه، لضعفه عن ذلك. ومثل هذا نهيه ، ، ، ، للصحابة رضي الله عنهم ، عن الوصال . فقالوا له : إنك تفعل ذلك. فقال : (إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني)) . أي أنه يمده بالقوة، مثل من يأكل ويشرب، لأنه لو كان يأكل محسوساً ما صدق أن يقال : واصَلَ.

ولهذا المعنى كان بعض أهل الصوفة إذا دخل في الوصال يجعل رغيفاً من خبز تحت وسادته. فلما كان في بعض الأيام قام إلى ضرورة، فأخذ بعض الفقراء الرغيف من تحت الوسادة، فلما رجع هذا السيّد إلى مكانه تفقد الرغيف فلم يجده فقال : أين الرغيف؟ فقالوا: يا سيدنا ما حاجة مثلك لرغيف؟ فقال لهم : تأدبوا ، أتظنون ما ترون مني من جبلة جبلت عليها؟ بل ذلك فضل وفيض رباني، فإن رددت إلى حال البشرية وجدت الرغيف أدفع به العدو.

ولهذا المعنى بنيت الأحكام على ما هو الأصل في الأشياء أو الغالب منها، كمثل تحليل الميتة بعد ثلاثة أوقات لأن وضع البشرية ما تطيق بسبب ما وضعت عليه من الضعف أكبر من ذلك القدر، فإن تحملت أكثر منه وقع معها الخلل، وقد يكون مع ذلك الخلل ،موت وقد قال عزّ وجلّ في كتابه : ﴿ مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ ) (۲) فإذا زاد المرء على ذلك شيئاً فهو من طريق المن والإفضال عليه لأنه قد جعل الله له بساطاً، وهو إجراؤه عزّ وجلّ، العادة الجارية لأهل ذلك الشأن بمقتضى الحكمة كما أجرى عزّ وجلّ للغير بالطعام ما أجرى لهم وهي قوة العزم وألا يلتفتوا إلى شيء سواه. فمن دخل في هذا الشأن، وتشبه بالقوم دون هذا البساط، وقع معه الخلل، وكان من باب وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى النَّهَلُكَةِ ﴾ (۳) إلا أن يكون له حسن ظن في القوم، وتصديق بحالهم فيُلطف به من أجل حرمتهم إلا أنه لا بد في الغالب أن يجد شيئاً من الشدة في نفسه، ثم يُحمل عنه للحرمة .

الوجه الثامن : فيه دليل على أن المندوب في الدين مطلوب على كل حال . يؤخذ ذلك من فحوى كلامه عليه السلام بقوله (صم وأفطر ، وقم ونم) ، لأن فحوى الكلام عندهم كالنص المنطوق به، لا أعرف في ذلك خلافاً. فكأنه عليه السلام ، يقول له بمتضمن ذلك السكلام : لا تشتغل أيضاً

بإعطاء الحقوق، وتترك المندوب مرة واحدة ولكن اجمع بين فرضك وندبك .

(1) أخرجه الإمام أحمد والشيخان عن أنس رضي الله عنه . والبخاري عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة

وعن السيدة عائشة رضي الله عنهم أجمعين .

(۲) سورة النساء، من الآية ١٤٧ . (۳) سورة البقرة من الآية ۱۹٥ .

وعلى هذا الأسلوب تجد قواعد الشريعة كلها إذا استقريتها. فمن أريد به خیر بصر بعيوب نفسه، فأبصَرَ ،رشده، ولذلك قيلَ : نَظَرُكَ إلى النفس حِجابٌ عما سواها، وشغلك بغيرها حجاب عنها؛ فإن اعجبت بها فاتك الحظ مما سواها، وإن تعاميت عنها نلت خيرها وخير سواها ..

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

حديث الاستخارة في الأمور

عَن جابر بن عبد الله (۱) ، رضيَ الله عَنهُما ، قالَ : كانَ رَسولُ الله ، ، يُعلمنا الاستخارة في الأمورِ كُلها، كما يُعلّمنا السُّورةَ مِنَ القُرآنِ. يَقولُ : إذا همَّ أَحدُكُم بالأمرِ، فلْيَركَعْ رَكعتين مِن غيرِ الفَريضَة، ثُمَّ لِيَقُلْ : اللهمَّ إِنِّي أستَخيرُكَ بعلمكَ، وأستَقدِرُكَ بقُدْرَتِكَ، وأسألُكَ مِن فَضلِكَ العَظيمِ، فَإِنَّكَ تَقدِرُ ولا أقدِرُ ، وتعلم ولا أعلم، وأنتَ علام الغيوب. اللّهُمَّ ، إن كُنتَ تعلَمُ أنَّ هَذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ـ أو قال : عاجل أمري وآجله - فاقدُرْهُ لي، ويَسِّرْهُ لي، ثُم بارك لي فيه . وإن كنتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري وآجله - فاصرِفْهُ عنِّي : واصرفني عنه، واقدُرْ لي الخَيْرَ حَيثُ كانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي .به. قالَ: وَيُسَمِّي حاجتَهُ .

وجوه :

ظاهر الحديث يدل على الحض على هذه الاستخارة المذكورة في الحديث . والكلام عليه من

الوجه الأول : قوله : ( في الأمور) هل هو على عمومه؟ أو هو عام والمراد به الخصوص ؟ محتمل. لكن الأظهر أنه عام والمراد به الخصوص، بدليل أن الواجباتِ مطلوبة. فإن أُتِي بها، وإلا عوقب تاركها، فلا يُستخار فيما فيه عذابٌ على تركه . والمحرمات أيضاً ممنوع ،فعلها والعذاب معلق على فعلها . وما العذاب مُعَلّق على فعله فلا استخارة فيه . فالذي تكون فيه الاستخارة أمران : إما نوع المباحات - وهو ما إذا أراد الشخص أن يعمل أحد مباحين، ولا يعرف أيهما خيرٌ له؟ جازت له الاستخارة لير شده مَن يَعلم الأمور وعواقبها على ما هو الأصلح في حقه - وإما نوع المندوبات. وهو : أن يخطر لأحدٍ أن يفعل أحد المندوبات، ولا يعرف

(۱) سلفت ترجمته في الحديث (٥٣).

أنها خير له؟ فيستخير . وأما نوع المكروه فمكروه أن يُستخار فيه . فعلى هذا فهو لفظ عام، والمراد به الخصوص ـ كما ذكرنا - وهذا هو في اللسان كثير .

وقوله : (كما يعلّمنا السورة من (القرآن احتمل أن يكون الشبه من جهة حفظ حروفه وترتيبها ، ولا يبدل منها شيء بشيء، كما هو القرآن، يُقرأ بالفاء والواو (۱) ، لأن العلماء لم يختلفوا أن القرآن لا يُنقل ولا يُتلى إلا على وضعه بالفاء والواو ، واختلفوا في نقل الحديث فقيل : هو مثل القرآن، وقيل : يجوز أن ينقل بالمعنى إذا فهم؛ فيكون مراده، عليه السلام، بهذا الحديث : أن حكمه حُكْمُ

القرآن، لا يُغيَّر عن وضعه .

و

واحتمل أن يكون أراد منع الزيادة على تلك الألفاظ والنقص منها .

واحتمل أن يكون الشبه في عَدَم الفَرْضيّة، لأن السُّورة - ما عدا (أم القرآن) (۲) - تعليمها من طريق المندوب، لأن ما في القرآن فرضٌ تَعلَّمه إلا (أم القرآن عند من يرى أنها فرض في الصلاة . . (أم القرآن وإن كان يطلق عليها بمقتضى اللغة سورة من القرآن)، فقد غلب عليها اسمها المختص بها، حتى إنه إذا أراد أحد أن ينص عليها ولا يسميها بهذا الاسم لا يفهم عنه ؛ وهي قد غلب عليها هذا الاسم ونحوه من الأسماء التي غلب عليها أيضاً، كما غلب اسم (الثريا) عليها (۳) ؛ وإن كانت من جملة النجوم.

واحتمل أن يكون الشبه من طريق الاهتمام بها، والتحقيق ببركتها، والاحترام لها . واحتمل أن يكون الشبه من كونها بوحي من الله تعالى كما أن السورة من الله، وليس من

عنده عليه السلام .

واحتمل أن يكون الشبه في التدريس لها والمحافظة عليها والمعاهدة لذلك، كما أخبر عليه السلام عن حامل القرآن أنه مثل صاحب الإبل المعقلة (4) إن عاهد عليها أمسكها، وإن

أطلقها ذهبت .

سائل

واحتمل مجموع ما وجهناه وأكثر . وقوله : (إذا هَمَّ أحدُكم بالأمر . هنا :بحث قوله إذا) هَمَّ) هل هي على وضعها عند أهل الخواطر، أو توسعة في المخاطبة فيريد بهم النية؟ احتمل. والأظهر - والله أعلم - أن تكون

على بابها .

يعني أن القرآن يقرأ كما أنزل لا يبدل منه حرف بحرف.

هي سورة الفاتحة، وتسمى كذلك : أم الكتاب والسبع المثاني .

(۳) أي على النجم المعروف بهذا الاسم. (٤) الإبل المعقلة : المعتقلة، المحبوسة عقل البعير : ضَمّ رُسعَ يده إلى عَضُدِهِ وربطها معاً بالعقال ليبقى باركاً.

ونحن الآن نبين ما ذكره أهل الخواطر، وحينئذ نبيّن لِمَ كان ما ذكرنا هو الظاهر؟ فأما

الخواطر عندهم فهي سِتَّة ، وإن كان قد ذكرناها في أول الكتاب لكن لبعدها احتاج الموضع لها فنذكر منها قدر ما تبين به الفائدة في الترجيح الذي ذكرنا فأولها الهَمَّة ، ثم اللمَّة ، ثم الخَطْرَة - وهذه الثلاثة عندهم غير مأخوذ بها - ثم نية ثم إرادة ثم عزيمة وهذه الثلاثة عندهم مأخوذ بها وبعضها أشد من بعض . فيكون فائدة ترجيح الهَمَّة أن يكون الحديث على بابه ، لأنه أول ما يخطر له الخاطر، وليس له فيه تلك الرغبة القوية، فيستخير عند ذلك فيبين له بعد الاستخارة - بتوفيق

الله - الأرجح .

وإنما قلنا ذلك لأنه إذا تمكن الأمر عنده حتى صار له فيه نية وإرادة فقد حصل له إليه ميل وحبّ، وقد قال الله : حُتُ الشيءَ يُعمِي ويُصِمٌ) (۱) . فهذا لا يظهر له وجه الأرشد لِمَيله للذي عَزَم عليه، ولوجه آخر أيضاً لأن فيه إظهاراً لحقيقة العبودية. فأول شيء يرد عليه في ذلك لجوؤه بسببه إلى مولاه ؛ فلِحرمة هذا المقام يلطف به ؛ لأنه عند أهل المعاملات أعلى المقامات . واحتمل أن تكون الهَمَّة بمعنى النيّة، ويكون وجه الفقه فيه أن النفس لا تخلو من الخطرات وأكثرها لا تثبت ولا يعمل عليها ؛ فلا يستخير إلا على شيء ينويه ويعزم عليه، لئلا يستخير في أمر لا يعبأ به، فيكون فيه سوء أدب. وعلى هذا التعليل يرجح الثاني على الأول، ويكون فيه معنى ما من قوله (كما يعلمنا السورة من القرآن لأن القرآن لا يقرأ إلا لجَمْع القلب عليه، كما قال : اقرأوا القرآن ما التلَفَتْ عليه قلوبُكُم فإذا اختَلَفَتْ فقُوموا عنه ) (۲) .

وقوله عليه السلام (فليركع ركعتين من غير الفريضة هنا :بحث قد جاء عنه ، أدعية كثيرة، ولم يشترط فيها صلاة ؛ وهنا جعل من شرطها صلاة تختص بها. فهل هذا تعبُّد لا يُعقل له معنى، أو له معنى معقول؟ فإن قلنا بأنه تعبد فلا بحث وإن قلنا بأنه معقول المعنى فنحتاج إذاً إلى بيان الحكمة في ذلك، وهذا هو الأظهر أن يكون لحكمة، إذ بالقطع لا يفعل الشارع شيئاً من الأشياء

إلا لحكمة .

فنقول، والله أعلم إن الحكمة هنا هي أنه لما أن كان هذا الدعاء من أكبر الأشياء إذ إنه عليه السلام، أراد به الجمع بين صلاح الدين والدنيا والآخرة، فطالب هذه الحاجة يحتاج إلى قرع باب المَلِكِ بأدب وحالي يناسب ما يطلب ولا شيء أرفع مما يُقرع به باب المولى من الصلاة، لما فيها

(1) أخرجه الإمام أحمد والبخاري في التاريخ وأبو داود عن أبي الدرداء، والخرائطي في اعتلال القلوب عن أبي برزة، وابن عساكر عن عبد الله بن أنس رضي الله عنهم . (٢) أخرجه الإمام أحمد والشيخان والنسائي والدارمي وأبو عوانة وابن حبان عن جندب رضي

من الجمع بين التعظيم الله سبحانه والثناء عليه، والافتقار إليه حالاً ومقالاً وذكره عزّ وجلّ، وتلاوة كتابه الذي به مفاتح الخير من الشفاء والهدى والرحمة وغير ذلك مما هو فيه منصوص . ويترتب على ذلك من وجوه الحكمة أن يكون طلب الأشياء بواسطة أولى بحسب ما يقتضيه نسبة مطلبه . وقد مضى بين الناس في بعض أمثالهم ما يشبه هذا. وهو قولهم : من نصب إلى وزة أخذ وزة ومن نصب إلى عصفور أخذ عصفوراً. معناه أن الشبكة التي تحبس الوز لا تحبس العصفور، والتي تحبس العصفور لا تحبس الوز. فقد ظهر بينهما مناسبة ما من طريق الحكمة، لأن مقدمات الأشياء على اختلافها كل على ما يليق بها . فهذا هو وضع الحكمة . وقوله عليه السلام: (ثم يقول) ( ثم ) هنا دالة على انتقال الفاعل من حال الصلاة عند تمامها إلى حال الدعاء، لأنها تدل على المهلة . وقوله عليه السلام: (اللهم) هذه اللفظة هي من أرفع ما يستفتح به الدعاء ؛ وقد ذكرنا هذا فيما تقدم بما علل فيه .

وقوله : (إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلمِكَ) معناه أن تنظر لي أنت الخيرة بعلمك الذي أحاط بجميع الأشياء، لا بعلمي أنا القاصر عن جميع الأشياء .

وقوله : وأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ) أي أطلب منك أن تقدره أنت لي بقدرتك التي لا تعجز عن شيء من الأشياء، لا بقدرتي أنا العاجزة عن جميع الأشياء .

وقوله : (وأسألك من فضلك العظيم أي ما سألتك إنما أسأله من فضلك، فإنه لا حقَّ واجبٌ عليك، فما تفضلت به في مسألتي هذه أو في غيرها فإنما هو من فضلك العظيم. و (العظيم): صفة لفضله عزّ وجلّ ولجميع صفاته و لذاته الجليلة .

وقوله : (فإنَّكَ تَقدِرُ ولا أقدر ، وتَعلَمُ ولا أعلَمُ رجعنا هنا إلى ما أبديناه أولاً بمقتضى قوة الكلام الذي أبداه لنا، والفائدة في إبدائه لنا، لأن الغالب من الناس عدم فهم ما تقتضيه قوة الكلام لأنه لا يعرف ذلك إلا أربابه - وهم قلائل - والدعاء يحتاج إليه من يعرف ذلك ومن لا يعرف . فمن لا يعرفه فلا يحصل له بتلك الألفاظ ذلك التنازل المقصود من النفس فتسقط فائدة كبيرة من الأمر، وقد تكون هي أقوى الأسباب في النجح ، فأعاده الله له لهذه الحكمة .

وقوله : (وأنتَ علام الغيوب هذا زيادة في الثناء على المولى الكريم، كأنه بقوة الكلام يقول : أنت تعلم الغيب في مسألتي، ليس علمك بالغيب فيها بحُكم الوفاق، ولا لعلّة من العلل بل إنك أنت علام جميع الغيوب على حد الكمال والجلال وزيادة الثناء على المولى من أنجح الوسائل، فهذا هو حقيقة الافتقار والاضطرار، وهو الحق الذي لم يُبْقِ لنفسه من الدعوى شيئاً؛ وردَّ

الأمر إلى من هو أهله، وهو له حق .

وقوله ثم قال : ( اللهم) إنما أعاد هذه اللفظة لما فيها من الخير والرغبة .

وقوله : (إن كنتَ تعلم أنَّ هذا الأمر خيرٌ لي في ديني) إنما قدَّم الدِّينَ لأنه الأهم في جميع الأمور. فإنه إذا سَلم الدين فالخير حاصل، تعِب صاحبه أو لم يتعب ، وإذا اختل الدين فلا خير بعده .

وقوله : (ومعاشي) أي في عيشي في هذه الدار .

وقوله : (وعاقِبَةِ أمرِي) أي في آخرتي.

وقوله : (أو قال في عاجل أمري وآجِلِهِ الشك هنا من الراوي، والمعنى واحد وإنما قال هذا هنا لما كان فيه وفي جميع الصحابة رضوان الله عليهم من التحري في النقل والصدق . وقوله : ( فأقدُرْه لي) مأخوذ من القَدْر .

وقوله : (وَيسِّرْه لي ثم بارك لي فيه مأخوذ من التيسير، مخافة أن يترك في ذلك لنفسه، وإن قدر له به فيتعب في تحصيله . وقوله : (وإن كنتَ تَعلمُ أنَّ هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال في عاجل أمري واجله (( الكلام عليه كالكلام على الذي قبله . لكن هنا بحث، وهو أنا رأينا أن كل من لازم قوله طلب الخير، وقضي له ، به لا يكون فيه شرّ. فما فائدة إعادة قوله ( وإن كنتَ تَعلمُ أنّ هذا ، ، الأمر شر لي في ديني إلى تمام الكلام؟ فنقول : فائدة الإعادة لوجهين : (أحدهما) ما ذكرناه أوّلاً، وهو أن ما كان يدل بقوة الكلام أعاده نَضًا للعلة التي ذكرنا الوجه الآخر) مختلف فيه : هل الأمرُ بالشيء نهي عن ضده أو ليس؟ و (وجه ثالث) وهو الإبلاغ في تحسين الحال.

وقوله : (فاصرفه عني واصرفني عنه البحث هنا كالبحث فيما تقدم آنفاً .

وقوله : (واقدُرْ لي الخير حيث كان هذه إشارة إلى تمام قدرة القادر، وهو إبلاغ في التنزيه لأنه قدرته جلّ جلاله البعيد والقريبُ عنده على حالة سواء، والإيمان به واجب. ومن الدليل على ذلك ما نص عزّ وجلّ في كتابه من قصة عرش بلقيس الذي أتِيَ به لسليمان عليه السلام لما دعا الذي عنده علم من الكتاب في لمحة البصر، وكان من البُعدِ حيث كان ومن الدليل على ذلك من طريق العقل : أنه لو عجزت قدرته عزّ وجلّ عن ممكن ما صح له الكمال والكمال لا بدّ من وصفه عزّ وجلّ به فلا يعجز إذا عن شيء من الأشياء .

وقوله : (ثم أرضني) أي أرضني به ، لأنه إذا قضى له ما فيه الخير ولم يَرضَ فقد تنغص، ومن تنغص حاله ما كَمُلت له عافية . فهذا من كمال العافية أيضاً .

وقد ذكر أهل الصوفة أنه من استخار في شيء، فقُضي له فيه ،قضاء ولم يرض فإنه عندهم من الكبائر الذي يجب منه التوبة والإقلاع ، لأنه من سوء الأدب. وما قالوه ليس يَخفَى، لأنه لما رجع هذا العبد المسكين إلى هذا المولى الجليل ورغب منه أن ينظر له بنظره، فكيف لا يرضى؟

فهذه صفة تشبه النفاق، بل هو النفاق نفسه، لأنه أظهَرَ الفقر والافتقار والتسليم، ثم أبطَنَ ضِدَّ ذلك، فأين هذا الحال من قوله (أستخيرك بعلمك ) على ما بيّناه أولاً؟ وقد ورد في الحديث ما معناه أنه، عزّ وجلّ يقول ما غضبتُ غضباً أشدَّ من غضبي على من استخارني في أمر فقضيتُ له فيه قضاء

وكرهه) (۱) أو كما قال :

وهنا بحث : لِمَ سُمِّيت الحاجة وهو عزّ وجلّ يعلمها لأنها من جملة الغيوب؟ فالبحث هنا كالبحث في قوله ( وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي لكن هنا زيادة، لأنه قد يكون في إيمان بعض العوام ضعف فيلحقه الشك : هل يعلم حقيقة أم لا؟ وإن كان جهل بعض العوام بعض الصفات لا يخرجه من دائرة الإيمان على ما عليه أكثر أهل السنّة لكن لما كان هذا الموضع من المواضع التي لا يمكن فيها إلا الإيمان الجازم من أجل قضاء الحاجة أتى ، ، بما يحقق الإيمان الذي هو الأصل في هذه الفائدة، لأنه فرّق بين البقاء في دائرة الإيمان وقضاء الحاجة. فلقد يكون في دائرة الإيمان ولا تُقضَى له حاجة إلا أن يأتي الله بمن يشفع له ولأن دعاءه هو الشفيع له ؛ فإذا كان إيمانه ناقصاً لم ينفعه .

فهذا أقوى دليل لأهل الصوفة الذين يرون بدوام الفقر والافتقار والتخلي في كل الأنفاس، إذ بفقر ساعة يستفيد هذه الفائدة، فما بالك به إذا كان دائماً؟ وقد كان بعض أهل هذا الشأن إذا وقعت لبعض الفقراء حاجة، فيلجأ فيها إلى الله فيتفضل عليه بقضائها فيقول له يا سيدي ما أجل

اللجأ إلى الله ! فكان جوابه، رحمه الله ، أن يقول : لِمَ تَحُودُونَ عنه حتى تحتاجوا الرجوع إليه؟ فانظر عباراتهم كيف تخرج مع أصول الشريعة على حد سواء، وإن كان بعضهم لا يعرف القاعدة في ذلك الموضع ، لأن النبي ، ، ، ل ، لقد قال: (من رُزِقَ مِن باب فَلْيَلْزَمْهُ)(۲). فإذا رأى أن الخير كله في الرجوع إليه فَلِمَ يَحُودُ عنه حتى يحتاج أن يرجع إليه ؟ كما ذكر هذا السيد سواء. وقد قال عليه السلام، كناية عن مولانا ، جلّ جلاله مَن شَغَلَه ذِكْرِي عن مسألتي أعطيتُه أفضل ما أعطي السائلين) (۳) فانظر بعين بصيرتك بباب من تقف، وأي جهة تقصد .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(1) وجدنا في هذا المعنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (من سعادة المرء استخارته ،ربه، ورضاه بما قضى، ومن شقاء المرء تركه الاستخارة وسخطه بعد القضاء). رواه أبو الشيخ وابن حبان في كتاب الثواب.

(٢) أخرجه البيهقي في الشعب عن أنس رضي الله عنه . (٣) سبق تخريجه في الحديث (٤٧) . ولفظ المؤلف: كناية عن (مولانا) تعني أن ما سوف يورده هو حديث قدسي. وللمحدثين صيغ عدة عن الحديث القدسي، منها ما أورده المؤلف، ومنها : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه ، ومنها : قال الله تعالى فيما رواه عنه رسول الله . والمؤدَّى في العبارات كلها واحد .

حديث ما بين بيته ومنبره لي

عَن أبي هريرة رضي الله عنه ، عَنِ النَّبيِّ ، الله ، قال : ما بَينَ بَيْتِي وَمِنبَرِي رَوضَةٌ مِن رياض الجنَّةَ ، وَمِنبري علَى حَوضِي .

ظاهر الحديث يدل على أن ما بين بيته ، ومنبره روضة من رياض الجنة، ومنبره على .حوضه. والكلام عليه من وجوه

منها : هل تنقل تلك التربة بعينها فتكون في الجنة؟ أو معناه : أن العمل فيها يوجب لصاحبه روضة في الجنة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين : فمن قائل بالوجه الأول، ومن قائل بالوجه الثاني. والأظهر - والله أعلم - الجمع بين الوجهين معاً ، لأن لكل وجه منهما دليلاً يعضده ويقوّيه من

جهة النظر والقياس .

أما الدليل على أن العمل فيها يوجب روضة في الجنة فلأنه إذا كانت الصلاة في مسجده كما كان عليه السلام بألف فيما سواه من المساجد، فلهذه البقعة المذكورة زيادة على باقي البقع، للمسجد زيادة على غيره كما ذكرنا .

وأما الدليل على كونها بعينها في الجنة، وكون المنبر أيضاً على الحوض - كما أخبر عليه السلام، وأن الجذع في الجنة، والجذع في البقعة نفسها فبالعلة التي أوجبت للجذع الجنة هي في البقعة سواء - على ما أذكره بعد - والذي أخبر بهذا صادق. فينبغي الحمل على أكمل الوجوه، وهو الجمع بينهما ، لأنه قد تقرر من قواعد الشرع أن البقع المباركة فائدة بركتها لنا والإخبار بها لتعميرها بالطاعات ؛ فإن الثواب فيها أكثر، وكذلك الأيام المباركة أيضاً.

واحتمل وجهاً ثالثاً، وهو أن تكون تلك البقعة نفسها روضة من رياض الجنة، كما هو الحجر الأسود من الجنة ، وكما هو النيل والفرات من الجنة، وكما أن الثمار الهندية من الورق التي هبط بها ادم عليه السلام من الجنة فاقتضت الحكمة أن يكون في هذه الدار من مياه الجنة، ومن ترابها و من حجرها ومن فواكهها، حكمة حكيم جليل .

وقد روي أن أول ما خلق من العالم الآدمي طينة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن جبريل، عليه السلام نزل مع الملائكة في جمع كبير من ،جلتهم، فأخذوا تربة سيدنا ، ، من موضع قبره، ثم صعدوا بها وعجنت ،بالسلسبيل، ثم غمست في جميع أنهار الجنة حتى رجع لها نور عظيم، وطيف بها في العالمين حتى عُرفت ، ثم أكبَّها (١) الله ، عزّ وجلّ يمين العرش حتى خلق آدم عليه السلام (۲) .

وقد روي عن كعب الأحبار (۳)،

رضي

الله عنه أنه لما أراد الجليل، جلّ جلاله أن يخلق محمداً ، أمر جبريل عليه السلام أن يأتيه بالطينة التي هي قلب الأرض وبهاؤها ونورها، قال : فهبط جبريل عليه السلام وملائكة ،الفردوس وملائكة الرفيق الأعلى، فقبض قبضة من موضع قبر رسول الله ، ، وهي بيضاء منيرة، فعجنت بماء التسنيم، وغمست في معين أنهار الجنة، حتى صارت كالدرة البيضاء ولها نور وشعاع عظيم حتى طافت الملائكة حول العرش، وحول الكرسي، وفي السّماوات وفي الأرض والجبال والبحار، فعرفت الملائكة وجميع الخلق محمداً، عليه السلام وفضله قبل أن يعرفوا آدم عليه السلام. فلما خلق الله ادم عليه السلام وضع في ظهره قبضة رسول الله ، فسمع ادم في ظهره نشيشا (٤) كنشيش الطير فقال :ادم يا رب ما هذا النشيش ؟ فقال : هذا تسبيح نور محمّد عليه السلام، خاتم الأنبياء، الذي أخرجه من ظهرك، فخذه بعهدي وميثاقي، ولا تودعه إلا في الأرحام الطاهرة. فقال :آدم أي ربّ قد أخذته بعهدك ألا أودعه إلا في المطَهَّرين من الرجال والمحصنات

من النساء . فكان نور محمّد يتلألأ في ظهر ادم وكانت الملائكة تقف خلفه صفوفاً لما يرون .

فلما رأى آدم ذلك قال: أي رب ما لهؤلاء ينظرون خلفي صفوفاً؟ فقال الجليل له: يا ادم ينظرون إلى نور خاتم الأنبياء الذي أخرجه من ظهرك. فقال: أي رب أرنيه . فأراه الله إياه، فآمن به، وصلى عليه مشيراً بأصبعه . ومن ذلك الإشارة بالأصبع بلا إله إلا الله محمد رسول الله . فقال ادم اجعل هذا النور في مقدَّمي كي تستقبلني الملائكة، ولا تستديرني، فجعل ذلك النور في جبهته، فكان يرى في غرة ادم دارة كدارة الشمس في دَوَرَان ،فلكها وكالبدر في ،تمامه وكانت الملائكة تقف أمامه صفوفاً ينظرون إلى ذلك النور ، ويقولون : سبحان ربنا - استحساناً لما يَرَوْن .

(1) أكبّ الرجل على عَمَل عَمِله إذا لزمه ولم يعدل عنه . والمقصود من عبارة المؤلف أن الله تعالى جعل العجينة

التي خلق منها رسول الله يمين العرش حتى خلق ادم عليه السلام.

(۲) الرواية المذكورة لم ترد في كتب السنة . كعب الأحبار : هو كعب بن مانع الحميري. تابعي كان في الجاهلية من كبار علماء اليهود في اليمن، وأسلم في زمن أبي بكر، وقدم المدينة في دولة ،عمر، فأخذ عنه الصحابة وغيرهم كثيراً من أخبار الأمم الغابرة، وأخذ هو من الكتاب والسنة عن الصحابة، وخرج إلى الشام فسكن حمص وتوفي فيها عن مائة وأربع سنين، وكانت وفاته سنة ٣٢ هـ / ٦٥٢م . وقد نسب إليه كثير من الإسرائيليات .

(٤) النشيش: صوت الماء وغيره إذا غلى.

ثم إن آدم عليه السلام قال : يا رب اجعل هذا النور في موضع أراه فجعل الله ذلك النور

في سبابته . فكان آدم عليه السلام ينظر إلى ذلك النور ، ثم إن ادم قال : يا رب هل بقي من هذا النور في ظهري شيء؟ فقال : نعم بقي نور أصحابه فقال: أي رب اجعله في بقية أصابعي . فجعل نور أبي بكر في الوسطى ونور عمر في البنصر ، ونور عثمان في الخنصر، ونور علي في الإبهام. فكانت تلك الأنوار تتلألأ في أصابع ادم لما كان في الجنة. فلما استخلفه الله ، وأهبط إلى الأرض، ومارس أعمال الدنيا، انتقلت الأنوار من أصابعه، ورجعت إلى ظهره (۱) .

وقد ساق الفقيه الخطيب أبو الربيع رضي الله عنه في كتابه المسمى بـ (شفاء الصدور) من هذه الرواية أكثر من هذا. فعلى هذا فيكون خلقه ، و من الأرض، ويكون الأصل من تلك الدار المكرمة، بدليل أنه لم يختلف أحد من العلماء أن الموضع الذي ضم أعضاءه ، ل ، أرفع البقع . فإذا كان ما بين بيته عليه السلام وبين المنبر من الجنة فكيف يكون ذلك الموضع الذي هو فيه؟ فعلى هذا فيكون الموضع روضةً من رياض الجنة الآن، ويعود روضة كما كان في موضعه ويكون للعامل بالعمل فيه روضةٌ في الجنة - وهو الأظهر - لوجهين : (أحدهما) لعلو منزلته، عليه السلام، و (الآخر) ما قدمناه من الدليل. ويكون بينه عليه السلام وبين الأبوة الإبراهيمية في هذا شبه. وهو أنه لما خص ،الخليل عليه السلام بالحجر من الجنة خص الحبيب عليه السلام بالروضة من الجنة .

وهنا بحث : لم جعلت هذه البقعة من بين سائر البقع روضة من رياض الجنة؟ فإن قلنا : تعبد، فلا بحث . وإن قلنا لحكمة فحينئذ نحتاج إلى البحث والأظهر أنها لحكمة، وهي أنه قد سبق في العلم الرباني بما ظهر أن الله عزّ وجلّ فضّله على جميع خلقه، وأن كل ما كان منه بنسبة ما من جميع المخلوقات يكون له تفضيل على جنسه، كما استقري في كل أموره من بدء ظهوره عليه السلام إلى حين وفاته في الجاهلية والإسلام. فمنها ما كان من شأن أمه وما نالها من بركته مع الجاهلية الجهلاء حسب ما هو مذكور ،معلوم ومثل ذلك حليمة السعدية، وحتّى (۲) الأتان، وحتى البقعة التي تجعل الأتان يدها عليها تخضَرّ من حينها، وما هو من ذلك كله معلوم منقول، وكان مشيه عليه السلام، حيث ما مشى ظهرت البركات مع ذلك كله وحيث وضع عليه السلام يده المباركة ظهر في ذلك كله من الخيرات والبركات حسًا ومعنى ما هو منقول معروف. ولما شاء الحكيم أنه عليه السلام لا بد له من بيت ولا بد له من منبر، وأنه بالضرورة يكثر

(۱) هذا من إسرائيليات كعب الأحبار .

(۲) الواو زائدة .

لنور

هذا

ـي.

في

إلى

ور) تلك

ـذي

عه ،

عليه هذا

ـلام

ـد،

سبق

ما

بليه

مع

تان

كثر

تردده عليه السلام بين المنبر والبيت فالحرمة التي أعطي إذا كان من مسةٍ واحدةٍ بمباشرة أو بواسطة حيوان أو غيره، تظهر البركة ،والخير فكيف مع كثرة ،ترداده عليه السلام في البقعة الواحدة مراراً في اليوم الواحد، طول عمره من وقت هجرته إلى حين وفاته؟ فلم يبق لها من الترفيع بالنسبة إلى عالمها أعلى مما ،وصفنا وهو أنها كانت من الجنة، وتعود إليها، وللعامل فيها مثلها . فلو كانت مرتبة يمكن أن تكون أرفع من هذه في الدار لكانت لها، ولا أعلى

مرتبة مما ذكرنا في جنسها

وهي

الآن منها،

فإن احتج محتج بأن يقول : فينبغي أن يكون ذلك للمدينة بكمالها، لأنه عليه السلام كان يطؤها بقدمه مراراً فالجواب أنه قد حصل للمدينة تفضيل لم يحصل لغيرها ) ، من ذلك أن ترابها شفاء، كما أخبر عليه السلام مع ما شاركت فيه البقعة المكرمة من منعها من الدجال وتلك الفتن العظام، وأنه أول ما يشفع لأهلها يوم القيامة وأن ما كان بها من الوباء والحمى رفع عنها، وأنه بورك في طعامها وشرابها، وأشياء كثيرة، فكان التفضيل لها بنسبة ما أشرنا إليه أولاً ، فإن تردده عليه السلام في المسجد نفسه أكثر مما في المدينة نفسها وتردده، عليه السلام، فيما بين المنبر والبيت أكثر مما في سواه من سائر المسجد، فالبحث تأكد بالاعتراض، لأنه جاءت البركة متناسبة لتكرار تلك الخطوات المباركة. والقرب من تلك النسمة المرفعة لا خفاء فيه . فالمدينة أرفع المدن، والمسجد أرفع المساجد والبقعة أرفع البقع . قضية معلومة، وحجة ظاهرة موجودة. وقوله عليه السلام ومنبري على حوضي) هذا لم يختلف أحد من العلماء أنه على ظاهره

وأنه حق محسوس موجود على حوضه عليه السلام وفيه من الفقه : الإيمان بالحوض أنه حق، وأن المنبر عليه حق وأن القدرة صالحة ولا عَجْزَ فيها عن ممكن، لأن هذه الأحاديث وما أشبهها فائدتها التصديق بها، لأنه من متضمن الإيمان، لقوله تعالى : ( يُؤْمِنُونَ بالغيب ) (۲) فكل ما أخبر به الصادق عليه السلام، من أمور ما

له حالاً

الغيب فالإيمان به واجب. وفيه أيضاً إشارة لطيفة، وهي إذا كان الجماد يَشرُف به عليه السلام، فكيف بالمتّبع له و مقالاً؟ ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ هَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنِ ) (۳) ولهذه الإشارة كان الخلفاء رضي الله عنهم، إذا جلس بإزاء أحدهما في المسجد شخص لا يعرفونه يسألونه ما عنده من القرآن؟ فينظرون

(1) أفعمت كتب الحديث بفضائل المدينة المنورة.

(۲) سورة البقرة من الآية ٣ . (۳) سورة السجدة : من الآية ١٧ .

له بذلك الحال، وينزلونه بتلك المنزلة، لأنهم إذ ذاك ما كانت عندهم الرفعة إلا بزيادة القرآن، لأن

غير ذلك من الفضائل تساوَوْا فيها وتقاربوا .

ولذلك لما دَوَّنَ عمر رضي الله عنه الديوان قدم أقربهم إلى النبي ، ، ل ، نسباً، وأقدمهم القرآن، حتى إنه ذكر أنه جاءه ابنه عبد الله فقال هجرة، ثم باقي الناس بقدر ما عند كل شخص من له : لِمَ فضلت علَيَّ عبد الرحمن بن أبي بكر ؟ فقال له : إن أباه أقدم في الإسلام من أبيك . وأقلها

له :

منزلة بعدما ذكرنا : الحب الله ولرسوله (۱) ، لقوله الله السائل حين سأله عن الساعة فقال له : (ما) ،

أعددت لها ؟ فقال : والله ما أعددت لها كبير عمل، إلا أني أحب الله ورسوله فقال له : أنتَ مع

من أحببت) (٢).

تنبيه : واحذر أن يكون حبك دعوى فإنه عليه ،السلام قد قال : ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان) (۳) وذكر فيها (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) وقد تقدم الكلام عليه في أول الكتاب، فرَفْعُ المنزلة بقدر ،الإيمان والاتباع، فمهين نفسه أو مكرم لها .

وفيه دليل على أن ما هو من ضرورة البشر ليس من الدنيا بشيء، وإنما هو اخرة كله. يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام ( بيتي ومنبري لأن البيت من ضرورة العبد لأنه يستره من الناس، ويُكِنه من أذى المطر والشمس ويخلو فيه لعبادة ربه فهو آخرة ،صرف، وما كان من متاع الدنيا فكذلك كل ما كان منها مما لا بد للبشرية منه ليستعين به على اخرته فهو اخرة لكن بشرط وهو: أن يكون قدر الضرورة، وإلا فهو لما تشتهيه النفس، فيكون نفسانياً، فيخرج إلى باب آخر. ولذلك قال بعض الصحابة حين أدخل عثمان رضي الله عنه، بيوت أزواج النبي ، وفي الزيادة التي زادها في المسجد : وددت أنه تركها حتى يأتي آخر هذه الأمة، فيرون بيوت نبيهم أي صفة كانت، وكان علوها قامة وبسطة (٤)

وكذلك قوله عليه السلام (ومنبري) لأن المنبر مما فيه ترفع ، لكن لما لم يقصده عليه السلام إلا لمنفعة دينية - وهو أن يسمع جميع من حضر حكم الله عليهم - صار آخرة كله وكذلك كل ما احتاج المرء إليه من دينه لمصلحة فيه وإن كان يشبه متاع الدنيا، فليس بدنيا. ولتلك العلة لم يتخذ لا اله الا هو الخاتم إلا حين قيل له : إن ملوك الروم لا تقرأ كتاباً حتى يكون

(1) أقلها مبتدأ وخبره الحبّ. ويريد أن الحب دون حفظ القرآن .

(۲) أخرجه الإمام أحمد والشيخان والترمذي .

(۳) أخرجه الإمام أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه . (٤) انظر الحديث (٥٠) ففي حاشيته شرح لمعنى القامة والبسطة .

لأن

ـفال

ـلها

ما)

مطبوعاً، فاتخذه من أجل هذه العلة . ومن أجل ذلك اختلف العلماء في التختم : هل هو سُنَّة مطلقة، كل الناس فيها سواء، أو ليس إلا لمن له أمر ليس إلا على قولين فمن لحظ العلة التي من أجلها اتخذه ،هو ، قال : لا يكون سنة إلا لمن كان محتاجاً ،إليه والحاجة هي ما تقدم من التعليل . ومَن لَحَظ نفس الفعل ولم يعلل قال : كل ما فعله عليه السلام، فهو سنة مطلقة .

ولذلك قال من قال :

الدين بالسنّة محيا

واحذر عوائد سوء

فلا تقصد في فعلك سواه

ـد أتلفت وأهلكت.

ــد

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

محياه

جد

تذ

حديث كراهة الرسول أن يبيت عنده ذهب أو يمـ

عَن عُقْبَةَ بن الحارث (۱) ، رَضِيَ الله عنه ، قالَ : صَلَّيتُ مع النَّبِيِّ ، ، العَصر فَلمَّا سلَّم قام سريعاً، وَدخَلَ عَلَى بَعض نِسائِهِ، ثُمَّ خَرجَ . ورأى مَا فِي وُجُوه القومِ مِن تَعجبهم لسرعته ، فَقالَ : ذَكرتُ - وأنا في الصَّلاةِ - تبراً عِندَنا ، فكَرهتُ أن يمسي - أو يبيت ـ عِندنا ،

فأمَرتُ بِقسميه .

ظاهر الحديث يدل على جواز العمل على ما يذكر المرء - وهو في الصلاة ـ إذا كان فيه صلاح لها، وليس بمفسد للصلاة . والكلام عليه من وجوه

منها: جواز العزم على عمل طاعة، وهو في أخرى. لكن نحتاج إلى بيان صورة الذكر الذي لا يفسد الصلاة من الذي يفسدها، وما بين ذلك . والكلام في هذا بأن نذكر أولاً أنواع الخواطر التي

ترد على الشخص وهو في الصلاة وهي إما ،نفسانية وإما شيطانية، وإما ملكية، وإما ربانية فأما الربانية فهي علامة على قبول الصلاة وهي أعلى درجات المصلين وهي حقيقة المناجاة بالنسبة إلى عالمنا وهذه لها أهل يعرفونها، حتى إنه كان بعض أهل هذا الشأن إذا قال له بعض أصحابه: إنه دعا في الصلاة أو غيرها بدعاء في وجه ما فيقول له : هل سمعت الجواب بالقبول والخطاب في الحضور أم لا؟ فإن قال له : نعم عرف أنه قد حصل له قدم ما من أهل الخصوص. وإن قال له : لم أسمع . جعله من العوام، ويقول :له وكيف يكون دعاء خالص مخلص لا يسمع صاحبه جوابَ مسألته؟ هذا محال . فكان هذا عنده من قبيل المحال، لأن هذا كان حاله. ولهذا المعنى كان سيدنا ، الله ، يقول : جعلت قرة عيني في الصلاة) (۲) ، و (أرِحْنا بها يا

(۱) عقبة بن الحارث، وكنيته أبو سروعة حجازي له صحبة ، أسلم عام الفتح. انظر أسد الغابة ۲۱۸/٥) وتاريخ المدينة المنورة لابن شبة (٨٤١٣ . (۲) جزء من حديث أوله حبب إلي من دنياكم ثلاث الخ. أخرجه الإمام أحمد والنسائي والحاكم والبيهقي في السنن الكبرى عن أنس رضي الله عنه .

بلال) فإنه يبرد ظمأ المجاهدة بعذوبة برد شراب المناجاة، فتستريح برحاؤه عليه السلام بذلك . وقال عليه السلام : أقْرَبُ ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا فيه الدعاء، فقَمِنٌ أن يُستجاب لكم لما فيه من القرب والتداني. وهذا خاص باربابه في الفهم والحال . اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من أهله وإلا فلا تحرمنا التصديق به .

في

وأما الملكي فهو كل ما يدعو إلى خير ، وهو مثل ما ذكر في هذا الحديث : إما أن تفعله، وإما أن يكون لك سبباً إلى الخشوع - وهو من أعلى درجات المصلين - وإما أن ينقطع به عنك الوسواس صلاتك . وهو مع ذلك لا يزيد الصلاة إلا حسناً، ما لم تطل المحادثة به حتى يقع به الخلل في شيء من الصلاة، فإنه إذ ذاك تعاد الصلاة منه ، مثلما فعل ،عمر ، رضي الله عنه ، حين صلى المغرب بالصحابة رضوان الله عليهم ولم يقرأ فيها فذكروا له ذلك بعد فقال : كيف كان الركوع والسجود؟ فقالوا حسن :قال فلا بأس إذا؛ إني جهزت جيشاً إلى الشام وأنزلت الناسَ منازلهم. وذكروا أنه أعاد الصلاة وفي إعادة الصلاة خلاف بين العلماء فيكون في إعادة الصلاة، إذا أتم ركوعها وسجودها ولم يقرأ خلاف فإن نقص شيء من الركوع والسجود فلا بد من الإعادة، لقوله ، الله : ارجع فصل فإنك لم تصل ) (۳) لما نقص من التمكن في أركانها كما هو مذكور في الحديث .

النار

وإن كان نفسانياً. فإن كان مما ينافي الصلاة، مثل التحدث في شهوة من الشهوات المباحة، فالإعادة مندوبة، لأن المقصود من الصلاة الحضور والخروج من حظوظ النفس لقوله صلى الله عليه وسلم : (إن الله لا يقبل عمل امرىء حتى يكون قلبه مع جوارحه) (٤) أو كما قال عليه السلام. فإذا كان القلب مشغولاً بتلك الشهوة فأين هو، وأين الصلاة؟ اللهم إلا أن تكون خطرةً من النفس فيتركها ولا يلتفت لها، فلا تضره إن شاء الله إذا كان عند إحرامه قد أخلص فإنما نحن مكلفون بدفع الخواطر السوء في الصلاة ،وغيرها إلا أنها في الصلاة اكد للعلة المتقدمة. وقد قال عليه السلام أحدث مع الذنب توبة السر بالسر والعلانية بالعلانية) (٥) . وإن كانت الشهوة محرمة فلا صلاة بالأصالة، لأنه لا يجتمع فعل طاعة مع معصية . فنحن قيل لنا في عدم حضور القلب ما ذكرناه آنفاً،

فما بالك بهذه الصفة الذميمة؟

(1) أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والطبراني في المعجم الكبير، والهيثمي في مجمع الزوائد والخطيب البغدادي في

تاريخ بغداد عن رجل من الصحابة .

(۳) أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه . وقمِن خَليق، جَدِير . (۳) رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأصحاب السنن عن رافع بن أبي رفاعة رضي الله عنه (٤) رواه ابن الجوزي في زاد المسير ۹۰/۱ وابن عبد البر في التمهيد ۲۹۸/۱۰ بلفظ آخر . (5) أخرجه الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٢٦٢/٦ و ٩٥/٧ بلفظ آخر .

وأما إن كان شيطانياً، فإن مال إليه واستصحبه وأصغى إليه، فالصلاة فاسدة، لأن هذا من جنس ما ذكرناه انفاً عن النفس التي تحدث بالشهوة المحرمة . فإنه كل ما هو من طريق الشهوات فهو من قبيل النفساني وكلّ ما هو من قبيل المعاصي فهو من قبيل الشيطان، فإن لم يلتفت إليه، واستغفر وأعرض، فيرجى ألا تفسد صلاته، إن شاء الله تعالى .

وأما الوجه الذي بين البطلان والجواز - على حسب التقسيم أولاً ـ فهو الذي يكثر من

الخواطر، ويغفل عن دفعها ولا يشتغل بها أيضاً فلا دليل لنا على الفساد، ولا على ضده وفيه دليل على أن عادة سيدنا الله ، وكانت الإقامة بعد الصلاة في المسجد. يؤخذ ذلك من قوله (سريعاً) وتعجب الصحابة رضي الله عنهم منه لأنه لولا ما كان هذا منه عليه السلام خلاف عادته لم يتعجب منه .

وفي هذا دليل على أن يكون من يدعو إلى خير يغلب ذلك الخير عليه في أكثر عادته حتى يكون حاله يصدق مقاله، لأن سيدنا ، ، ، قد أخبر في هذا الحديث أن من قعد في مصلاه بقيت الملائكة تصلي عليه، وأن انتظار الصلاة إلى الصلاة رباط )) . فما دل عليه السلام عليه بمقاله كان الغالب على حاله، فلما رأوا منه غير ذلك تعجبوا .

وفيه دليل على أن مخالفة العادة تقتضي التشويش على الإخوان، إذا لم يعرف السبب لذلك . يؤخذ ذلك من تعجب الصحابة رضوان الله عليهم. ويؤخذ منه أن من حق الصحبة العمل على زوال التشويش عن الصاحب - وإن قل - إن أمكن ذلك . يؤخذ ذلك من رجوع سيدنا ، ، ، لا اله ، و إليهم ، وإخبارهم بسبب سرعة رجوعه إلى أهله .

وفيه دليل على العمل بما يظهر من الشخص دون إفصاح ولا سؤال يؤخذ ذلك من أن سيدنا ، ، لم يخبرهم إلا بعدما رأى في وجوه القوم من التعجب .

وفيه دليل على أن كل ما في القلب يظهر على الوجه ولا يخفى ذلك إلا على من لا نور له في قلبه . أعني بالنور مَن وَرَّثه عليه السلام من أمته في ذلك المعنى الخاص ، وإلا فكل مسلم له نور بحسب حاله في إيمانه، والله أعلم . يؤخذ ذلك من أن سيدنا ، ل ، لما رأى ما في وجوه القوم استدل بذلك على ما كان في قلوبهم. ومما يؤيد ذلك قوله عليه السلام: (المؤمن ينظر بنور الله) (۳)

(1) أصله : أفضل الرباط انتظار الصلاة بعد الصلاة، ولزوم مجالس الذكر ما من عبد يصلي ثم يجلس في مجلسه إلا صلت عليه الملائكة حتى يحدث. أخرجه عبد الرزاق وابن جرير عن أبي هريرة رضي الله عنه . (۲) أوله : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله . أخرجه البخاري في التاريخ والترمذي عن أبي سعيد الحكيم والطبراني وابن عدي عن أبي أمامة وابن جرير عن ابن عمر رضي الله عنهم أجمعين .

من

فإذا نظر بنور الله لم يخف عليه من علامات الوجه ما في القلب. فإن قوي إيمانه صار من أصحاب المكاشفات الذين يبصرون القلوب بأعين بصائرهم كما يبصرون الوجوه بأعين رؤوسهم . وفيه دليل على جواز ذكر المعروف - إذا كان لضرورة - وأنه لا ينقله عن حالة الإخفاء . يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام ،لهم رضوان الله عليهم لما رأى منهم ما ذكرناه، المعروف الذي فعله من أجل صلاح خواطرهم لأنه قد جاء أن الذي يفعل المعروف سراً، ثم يتحدث به، ينقل له إلى ديوان العلانية، ثم يتحدث به ثانية ينقل له إلى ديوان الرياء . فإذا كان مثل هذا للعلة الموجودة، أو ما أشبهها إذا لم يرد بذلك مدحة أو ثناء، فيرجى أنه يبقى له على حاله .

وقد نص أهل التوفيق على أن من مكايد الشيطان أنه إذا عمل العبد العمل سراً يقول له : تحدث به، لأن يُقتدى بك. فيفعل ذلك حتى يخرجه إلى الباب الذي ذكرناه، وهو باب الرياء وصاحب العمل لا يشعر بذلك، وقد يظن أنه في ذلك مأجور ، فيكون جهلاً مركباً .

وفيه دليل على أن للرجل أن يترك ماله عند أهله. يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام تبراً عندنا) وكان التبر عند بعض أهله - كما أخبر أولاً أنه عليه السلام دخل على بعض أزواجه - ولم يأتِ أن سيدنا ، ، ، كان له شيء مَحُوز لنفسه المكرمة مغلق عليه دون أهله.

وفيه دليل على جواز النيابة في المعروف يؤخذ ذلك من ،قوله عليه السلام فأمرت)

بقسمته) .

وفيه دليل على جواز إبقاء المال على ملك صاحبه طول ،يومه ولا يخرجه ذلك عن مقام

الزهد. يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام كرهت أن يمسي - أو يبيت ـ عندنا ولم تقع منه عليه

السلام، الكراهية في اليوم الواحد .

وفيه دليل على أن الزهد مندوب إليه . يؤخذ ذلك من ،قوله عليه السلام (كرهت) فإن المكروه لا إثم على فاعله. ويؤخذ منه جواز الاقتناء بشرط تأدية الحقوق. ويؤخذ منه أن الزهذ لا يكون إلا حالاً حسّا ومعنى فأما المعنى فهو ألا يتعلق القلب به وأما الحسي فهو الخروج عنه كما فعل سيدنا ، ، هذا . وفيه دليل لأهل الصوفة الذين لا يبيتون على معلوم. يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام) كرهت) أن يمسي - أو يبيت - عندنا وأما قوله أن يمسي أو يبيت الشك هنا من الراوي . وقد رأيت بعض أهل هذا الشأن كان كل ما فتح عليه في يومه لا يبيت عنده منه شيء، فلما كان في بعض الأيام ورد عليه جمع كبير للزيارة، وأتاه فتوح كثير . فقال الخديم في نفسه : إن

أظهرت له جميع الفتوح فإن ما ) يفضل من القوم يخرج عنه وهذا جمع كبير، ويصبحون وليس معهم شيء يفطرون عليه فنترك منه شيئاً جيدا بحيث يكفيهم ،لغدهم لا يعلم به الشيخ. ففعل ذلك، وأخرج الباقي فأكل القوم، فما فضل منهم أمر الشيخ بإخراجه من المنزل إلى الفقراء والمساكين على عادته فلما أصبح لم يأتهم شيء من الفتوح، فقام الخديم، ومد السماط وأخرج طعاماً كثيراً . فقال له الشيخ : من أين هذا؟ فذكر له ما وقع منه، ثم قال له : يا سيدي، لولا ما فعلت كان هذا الجمع اليوم بلا شيء فقال له الشيخ : فعلك هذا منعنا من الفتوح في هذا اليوم. فمن جَدْ وجَدَ، ومن أخلص عومل بحسب إخلاصه فالناقد بصير والمعاملة مع وفي كريم

غني رحيم. ولذلك قال من قال : خذ لنفسك أي الطرق شئت، فقد بان للحق بالحقيقة

والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .

علم؟

(۱) :يريد فما .

اسفنان ميهمانان

يونيا السلام ماية الدال

وليس

ففعل

فقراء

ماط ،

لولا

دم.

كريم

علم.

قضاء النافلة في وقت الكراهة

عَن كُرَيبٍ (۱) قالَ : سأَلتُ أُمَّ سَلَمَةَ (٢) ، رضيَ الله عَنها ، عَنِ الرَّكعتينِ بَعدَ العَصرِ . فَقالت أُمُّ سَلَمَةَ : سمعتُ النبي ، ، يَنهَى عَنهُما ، ثُمَّ رَأيتُهُ يُصلِّيهما حِينَ صلَّى العَصر . ثم النَّبِيَّ الله دخل عليَّ، وَعِندي نِسوَة مِن بَني حَرامٍ مِنَ الأنصارِ ، فأرسلتُ إليه الجاريةَ فقُلتُ : قومي بجنبه ، فقولي لَهُ : تَقولُ لكَ أُمُّ سلمةَ : يا رَسولَ الله ، سَمِعتُكَ تَنهى عَن هَاتَينِ الرَّكَعَتِينِ، وَأراكَ تُصليهما ؟ فإن أَشارَ بيَدِهِ فَاستَأخرِي عَنهُ. فَفَعَلَتِ الجاريةُ ، فَأَشارَ بيَدِهِ عنه. فلما انصرَفَ قالَ: يا بنت أبي أمية، سألتِ عنِ الرَّكعتين اللتين بعدَ العَصرِ ، وإنَّهُ أتاني ناس مِن عَبدِ القيس، فَشغلُوني عَن الرَّكعَتين اللتين بعد الظهر . فهُما هاتَانِ .

فَاستَأْخَرَت

ظاهر الحديث يدل على جواز الركوع بعد العصر لأجل فوات ما كان بعد الظهر من التنفل . والكلام عليه من وجوه :

منها : هل هذا جائز لغيره عليه السلام مع وجود فوات ما كان له من عادة بعد الظهر مطلقاً بأي وجه فات؟ أو ليس إلا بذلك الوجه الخاص، وهو الشغل بمن يدخل في الإسلام لحرمته؟ أو ذلك خاص به ، له أو ذلك مطلق لغيره بغير علة تحتمل ؟

والأخير هو مذهب الشافعي رحمه الله ومن تبعه ولا حجة له في ذلك من وجهين : (أحدهما ) : أنه ليس النافلة ، منه الا الله ، كما هي من غيره فإنه قد صح عنه عليه السلام أنه كان إذا

(1) كريب مولى عبد الله بن عباس . ثقة . أدرك ،عثمان ، وروى عن عائشة وأم الفضل . أخرج له الجماعة ، تابعي . توفي في المدينة سنة ۹۸ هـ .

(۲) أم سلمة : هي هند بنت سهيل المعروف بأبي أمية وبزاد الراكب. إحدى زوجات النبي عليه السلام، وكانت من أكمل النساء عقلاً وخلقاً، وهي قديمة الإسلام، هاجرت مع زوجها الأول أبي سلمة إلى الحبشة، ثم رجعا إلى مكة، وهاجرا إلى المدينة، وولدت له أربعة أبناء . ومات أبو سلمة، فخطبها أبو بكر فلم تتزوجه، وخطبها النبي فقبلت به . وروت عنه ۳۷۸ حديثاً . توفيت بالمدينة سنة ٦٢ هـ / ٦۸۱م .

عمل عملاً أثبته فأشبهت النافلة منه عليه السلام النذر من غيره. و (الوجه الثاني) وهو نص الحديث لما استفهمت الجارية - بأمر أم سلمة رضى الله عنها - قال لها شغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، كما هو مذكور آخر الحديث .

وقوة الكلام عند أهل الكلام كالنص سواء، والعمل به واجب وقوة الكلام هنا تعطي أنه

عليه السلام ما فعلهما نقضاً لما نهى عنه من الصلاة بعد العصر، ولا نسخاً للحكم بذلك، هو من أجل علة ما فاته ،وهو عليه السلام، قد ألزم نفسه المكرمة إثباتها، والنهي باق كما كان، والحكم به مستمر هذا لا يقدر ،أحد ممن يتناصف في البحث على طريقه، أن ينكره . وأما مذهب مالك رحمه الله فيرى أن ذلك خاص به ، ل ، لما ألزم نفسه المكرمة ، وأن

غيره لا يفعله تمسكاً بقاعدة النهي واستمرار الحكم بها .

وأما البحث على لفظ الحديث فإنه إن كان يقع ممن يتبعه عليه السلام، فيُلزم نفسه الاقتداء

به ، فإذا جاءه عذر يشغله عمّا كان يفعله بعد الظهر، واتصل شغله به حتى خرج وقت الظهر فإنه يجوز له أن يفعله بعد العصر، كما فعل هو الله ، لأن الله عزّ وجلّ ، يقول : ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُ رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ (١)

لكن بقي هنا بحث هل هو كما قدّمنا أنه كلما كان عذر من أي وجه كان من أنواع الأعذار يجوز معه هذا الفعل؟ وهو الركوع بعد العصر لما فات بعد الظهر، أو لا يكون ذلك إلا بمثل العذر الذي وقع له، ؟ وهو شغله عليه السلام بإسلام هؤلاء، وتقعيد أصول الشريعة لهم الذي هو الأصل ، لأنه من أجل ذلك بعث ؟ محتمل لهما معاً .

فإن قلنا بالعموم، فنقول : بالجواز. ويكون هذا أعلى الأعذار وإن قصرناه على ما فعل ، فنمنع، إلا أن يقع لأحد مثل ذلك العذر ، فحينئذ نجيز له ذلك . وهذا نادر أن يقع لغيره عليه السلام، ولا سيما في هذا الوقت لأن النادر من الناس من يقع له ذلك . وقد يجد البدل منه كثيراً ، اللهم إلا أن نفرض أنه لا يكون له في الوقت من يقوم مقامه في ذلك، فهذا نادر جداً، والنادر لا حكم له . وهذا الوجه - والله أعلم - حمّل الإمام مالك (۲) ، رضي الله عنه ، أن يقول : هو خاص به،

عليه السلام

وفيه دليل على جواز استفهام المفضول للفاضل إذا رأى منه ما لا يعرف من عادته المستمرة

(۱) سورة الأحزاب من الآية .۲۱ . (۲) كذا والصواب مالكاً .

يؤخذ ذلك من سؤال أم سلمة رضي الله عنها ، له ، صلى الله عليه وسلم فإن كل الناس في زمانه، عليه السلام، وغير زمانه بالنسبة إليه عليه السلام، مفضولون

وفيه دليل على أن الاستفهام لا يكون إلا بعد التحقيق بالأمر الموجب له . يؤخذ ذلك من قولها له، عليه السلام (وأراك تصليهما) خوفاً أن يكون هناك أمر يخالف الظاهر ، كما كان. وفيه دليل على أن تأخير السؤال لا ينبغي والمبادرة به هـ سلمة رضي الله عنها ، لما رأت ما لا تعهد من ،عادته عليه السلام، وهي مشغولة ، و هو ، ، ، ، الأولى. يؤخذ ذلك من أن أم كذلك أيضاً، لم تؤخر السؤال حتى يفرغ عليه السلام من صلاته بل سارعت تسأل عن ذلك، ولم ينكر هو ، عليه السلام عليها بعد.

وفيه دليل على جواز النيابة في السؤال عن مسائل العلم عند الشغل. يؤخذ ذلك من أن أم سلمة رضي الله عنها ، لما لم تقدر هي أن تمضي إليه ، وجهت الجارية، واستنابتها في السؤال عن مسائل العلم الذي هو السؤال .

وفيه دليل على جواز استنابة الفاضل للمفضول في السؤال عن العلم وفي تغيير المنكر . يؤخذ ذلك من أن أم سلمة رضي الله عنها، استنابت الجارية ـ وهي حيث هي من أم سلمة ـ وأقر ذلك هو ، صلى الله عليه وسلم .

وفيه دليل على جواز السؤال لمن هو في الصلاة لأجل أمر يفوته . يؤخذ ذلك من سؤالها له،

عليه السلام وهو في الصلاة، لأنها لو تركته حتى يفرغ فات الأمر، ولا فائدة إذا ذاك وفيه دليل على جواز الإشارة في الصلاة عن الشيء الذي يسأل عنه، ولا يفسد الصلاة إلا أنه بشرط أن يكون يسيرا . يؤخذ ذلك من ،أنه الا الله ، أشار بيده المباركة إلى الجارية حين كلمته، وهو ، ، في الصلاة ويؤخذ منه جواز استنابة من لا يعرف الأحكام في حكم خاص، إلا أنه بشرط أن يعلمه حكم الله في ذلك الأمر . يؤخذ ذلك من أن أم سلمة رضي الله عنها ، لما وجهت الجارية علمتها ما تقول، وما تفعل .

وفيه دليل على أن للضيف حرمة . يؤخذ ذلك من أن أم سلمة رضي الله عنها ، لم يمنعها من المشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا شغلها مع النسوة اللاتي أتينها للزيارة. ويؤخذ منه جواز زيارة النساء بعضهن البعض، لكن بشرط ألا يكون في أثناء ذلك محرم ولا مكروه، بدليل قول عائشة الله عنها (لو أدرك رسول الله لها ما أحدث النساء لمنعهن المساجد) (۱). فإذا المساجد منعن

رضي

فمن باب الأخرى غيرها .

(1) سبق تخريجه في الحديث ٣٧ .

وفيه دليل على جواز التنفل بين الأهل، وهم ينظرون يؤخذ ذلك من أن أم سلمة رضي الله عنها، لو لم يكن النبي ، ، ل ، من حيث تراه ما علمت به .

وفيه دليل على كراهة القرب من المصلي لغير ضرورة . يؤخذ ذلك من إشارة النبي ، ، إلى الجارية أن تتأخر عنه . ومعلوم أنه يحصل من ذلك تشويش ما وفيه دليل على أن أدب من يسأل من هو في الصلاة أن يقوم إلى جنبه يؤخذ ذلك من قول أم سلمة ، رضي الله عنها ، للجارية قومي إلى جنبه . وفي هذا من طريق النظر أنه إذا كان السائل عن جنب المصلي رمقه بطرف عينه، فيعرفه، وتكون الإشارة إليه خفيفة . فإذا كان قِبَلَهُ يحتاج المصلي أن يدفعه فإنه مارّ بين يديه، وإن كان خلفه، أو بالبعد منه قليلاً فقد لا يعرفه وإن عرفه فقد لا يتأتى له أن يصغي إليه لبعده، فيكون سبباً لتشويشه، وقد لا تمكن الإشارة إليه إلا بمشقة . وفيه دليل على تواضعه علیه السلام وحسن خلقه، لكونه خاطب الجارية بقوله : (يا بنت

أبي أمية) .

رضي

وفيه دليل على أن الحكم للظاهر من الأمور، ما لم يتبين صده. يؤخذ ذلك من أن أم سلمة، الله عنها، لما رأت ما ظاهره يوجب السؤال سألت عنه .

والد

من و

الله عنها،

وفيه دليل على أن الحكم إذا ثبت لا يزيله إلا شيء مقطوع به. يؤخذ ذلك من أن أم سلمة، رضي ، لما رأت سيدنا ، ، ضد ما قد اشتهر من الحكم في منع الصلاة بعد العصر، وإن كان الأمر عندهم أنهم يتبعونه في أفعاله عليه السلام كما يتبعونه في أقواله . لكن لما كان فعله، عليه السلام هنا محتملا للنسخ والنسيان لم تقتد به في زوال حكم قد ثبت، مقطوع به، حتى تعرف حقيقة الأمر في ذلك .

رفيه

العلم

بالو

وفيه دليل على جواز أخذ العلم من النساء . يؤخذ ذلك من سؤال هذا الراوي أم سلمة رضي الله عنها، وتعويله عليها ، لكن بشرط أن يكون فيها لذلك أهلية، كما كان في هذه السيدة . وفيه دليل على اهتمامهم رضي الله عنهم بالدين يؤخذ ذلك من أن هذا الراوي سأل عنه أم سلمة لما لم يكن له بهذا علم، وكذلك كانوا جميعاً، رضي الله عنهم، يرحلون في الحديث الواحد الأيام العديدة، ولذلك قال من قال : إذا كان لك بالدين اهتمام ففي المعالي لك قدر، وإن أضعته فما خَطَرك في الوجود خطر

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .

وإنم

سبع.

سبعة أوامر وسبعة نواه

عَنِ البَراء بن عازب رضي الله عَنهُما ، قال : أمرنا النَّبِيُّ ، ، ،

أمرنا باتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، وَنَصرِ المَظلومِ، وَإبْرارِ بسبع، ونهانا عن القسَمِ، ورَدُّ السَّلامِ، وتشميتِ العاطِسِ. ونهانا عَن آنْيَةِ الفِضَّةِ، وَخاتَمِ الذَّهَبِ، والحريرِ، وَالدِّيباج، والقسي، والإستبرَقِ، وَعَنِ المياثِرِ .

ظاهر الحديث الأمر بهذه السبعة المذكورة، والنهي عن السبعة المذكورة بعد والكلام عليه

من وجوه :

منها : هل الأمر في الجميع على حد واحد من الوجوب أو الندب؟ والنهي هل هو على حدّ واحد في التحريم أو الكراهة ؟ أو ليس كذلك؟ فالجواب : أما ما أمر به ففيه ما هو على الوجوب، وفيه ما هو على الندب مما قد تقرر من خارج. وأما نفس الأمر فإنه على الاختلاف المعلوم بين العلماء، ونحن الآن نذكرها واحدة واحدة لنبيّن فيها الوجوب من الندب .

فقوله ( باتباع الجنائز) قد تقرر من قواعد الشريعة أنه من المندوب، ولا أعرف أحداً يقول فيه بالوجوب، لأنه جاء وصف الأجر لمن تبعها حتى دفنت وليس المقصود نفس الاتباع ليس إلا، وإنما جاء من اتبعها حتى حضر دفنها فله قيراط من الأجر، كما جاء في الذي يصلي عليها سواء - وهو " في التمثيل مثل جبل أُحد - ولم يجىء فيمن ترك المشي معها وعيد . وهذه صورة المندوب،

(1) البراء بن عازب صحابي ابن صحابي أنصاري خزرجي أسلم صغيرا ، وغزا مع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة غزوة، وروى عنه (٣٠٥ أحاديث اتفق الشيخان على (۲۲) حديثاً منها ولاه عثمان على الري فغزا أبهر وفتحها، ثم قزوين وملكها، كما افتتح زنجان. سكن الكوفة ومات فيها سنة ۷۱ هـ / ٦۹۰م . (انظر الحديث

.(۹۲

(۲) وهو : الضمير يعود على القيراط).

وهو أن يكون لفاعله ثواب، وليس على تاركه عقاب، اللهُمَّ إلا ألا يكون للميت من يصلي عليه،

ولا من يحمله إلا الحاضرون في ذلك الوقت، فهو حينئذ فرض قد تعين عليهم، ويأثمون بتركه . وكذلك عيادة المريض من قبيل المندوب أيضاً، لأنه عليه السلام قال: من عاد مريضاً خاض في الرحمة، فإذا قعد عنده استقرت الرحمة فيه ) (۱) اللَّهُمَّ إلا ألا يكون له من يمرّضه ، فيتعين

ذلك فرضاً على الكفاية .

وأما إجابة الداعي فليس على عمومها فمنها ،فرض ومنها مندوب، ومنها مكروه

ومنها حرام .

فأما الواجب منها فهي التي للنكاح ، لقوله عليه السلام من لم يجب الدعوة فقد عَصَى أبا القاسم) (۲) ، لكن بشرط ألا يكون فيه لهو محرَّم شرعاً، فإن كان فيه محرم شرعاً فإتيانها حرام. وأما المندوب فمثل الرجل يعمل الطعام لجميع الإخوان، وإدخال السرور عليهم، أو طعام الحذاق (۳)، أو ما أشبهه بشرط ألا يكون فيه محرَّم ولا مكروه فإن كان فيه محرم أو مكروه كان المشي إليه على نحو ما كان فيه من الكراهة أو التحريم .

وأما المحرم فمثل طعام الرُّشا للحكام وما أشبهه .

وأما المكروه فمثل ما يكون من الأطعمة الجائزة، والمقصود بها الفخر والخيلاء، فكما قيل: شر الطعام طعام الولائم يدعى إليه الأغنياء ويترك الفقراء) (٤) .

وطعام الوليمة إذا جمعت تلك الشروط التي ذكرناها أولاً ، فأنت في الأكل بالخيار وما ليس فيه من الأطعمة وجه من وجوه المحرمات ولا المكروهات فهو من قبيل المباح من شاء أتى، ومن شاء لم يأت. فقوله هنا وإجابة الداعي عام ، والمقصود به الخصوص، وهو ما كان منها واجباً أو مندوباً، كل واحد على بابه .

وأما نصر المظلوم فواجب لقوله عليه السلام: انصر أخاك ظالماً أو مظلوما) (٥) . ونصر

(1) أخرجه ابن عساكر عن عثمان رضي الله عنه والإمام أحمد وابن أبي شيبة والبخاري في الأدب عن جابر رضي الله

عنه بلفظ آخر .

الله ورسوله، ومن دخل على غير دعوة دخل مسارقاً وخرج مغيراً. أخرجه

(۲) لفظه من دعي فلم يجب فقد عضی أبو داود والبيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما .

(۳) لعله يريد : الطعام المطبوخ بمهارة وجودة. وقد يعني الطعام الذي يصنع للاحتفال بمن ختم القرآن . (٤) أخرجه أبو داود والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ آخر . (5) جزء من حديث أخرجه الإمام أحمد والبخاري والترمذي عن أنس رضي الله عنه .

الظالم ردّه عن الظلم، لقوله عليه السلام: (إذا ظهر فيكم المنكر فلم تغيروه يوشك أن يَعُمَّ الله

الكل بعذاب) (۱) .

وأما إبرار القسم فواجب، لقوله عليه السلام حق) المؤمن على المؤمن أن يَبِرَّ قَسَمَه) (۲) . وليس أيضاً على عمومه ، لأن القسم بحسب ما يُقسم عليه، فإن أقسم على واجب فإبراره واجب، وإن أقسم على حرام فإبراره حرام مثل أن يُقسم شخص على آخر أن يأكل في رمضان، أو لا يصلي يومه، وما أشبه ذلك ؛ وإن أقسم على مكروه فإبراره مكروه، كمن يقسم على من هو صائم صومَ تطوّع أن يأكل - على مذهب من يرى أن أكله مكروه - فيكون إبراره مكروهاً ؛ وأما على مذهب من يرى أن أكله لا يجوز فيكون إبراره لا يجوز، كما قال ابن حبيب - من أصحاب مالك رحمهما الله - فيه إنه إن حلف عليه يُحنِثه، ولا يجوز له إبراره وإن حلف بالطلاق والعتاق وصوم أن يغلظ من الأيمان، فإنه يحنثه ويتم صوم يومه، فيكون أيضاً مثل الذي قبله : اللفظ عام

عسى

والمقصود الخصوص.

وأما رد السلام فواجب، لا خلاف أعرف فيه .

وأما تشميت العاطس فمؤكد مطلوب على ما ذكره العلماء.

سنة وما

وأما المنهى عنه فجميعه حرام. أما انية الذهب فقد ، قال لا اله الا في الذي يشرب فيها : (كأنما) يجرجر في بطنه نار جهنم)(٤)

وأما التختم بالذهب ولبس الحرير فقد قال عليه السلام فيهما : (هذان حرام على ذكور

أمتي) (٥).

والديباج والاستبرق نوعان من الحرير .

(1) أصله : قام أبو بكر رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ امَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ) وإنا سمعنا رسول الله الله يقول : إن الناس إذا رأوا المنكر لا يغيرونه أوشك أن يعمهم الله بعذابه . أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه عن أبي بكر رضي الله عنه .

(۲) لم نقف على مصدره .

(۳) ابن حبيب هو عبد الملك بن حبيب الأندلسي القرطبي المالكي . فقيه على مذهب المدنيين أصله من طليطلة، سكن في قرطبة وزار مصر وعاد إلى الأندلس وتوفي فيها سنة (۲۳۸) هـ) . له غريب الحديث، وطبقات

الفقهاء والتابعين وإعراب القرآن وكثير غيرها . (٤) أخرجه مسلم وابن ماجه عن أم سلمة رضي الله عنها. وزاد الطبراني (إلا أن يتوب). (٥) أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن علي رضي الله عنه . وابن ماجه عن ابن عمر رضي

عنهما بلفظ آخر .

الله

وأما القسى (۱) فتياب منسوبة إلى تلك البقعة وهي من الحرير وكذلك المياثر ، وهي

ثياب من حرير كانوا يجعلونها على دوابهم بعضها من تحت الرحال.

فالمنهي عنه أشد من المأمور به لأن المنهي عنه كله ،حرام، كما ذكرنا، والمأمور به أخف، لأن فيه المندوب والواجب . ولأجل هذا المعنى قال الله إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم ،

وما نهيتكم عنه فلا تقربوا ) (۳).

ويظهر من الحكمة في أمره عليه السلام باتباع الجنائز وما بعده المذكور في الحديث وقوله في الحديث الذي أوردناه إذا أمرتكم إلى آخره، أن كل ما فيه خير لأمته أمرهم به، من أجل ما فيه من الربح العظيم فكان هذا تصديقاً لقوله عزّ وجل في حقه عليه السلام حَرِيصٌ ، عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (4) وقوله عليه السلام: (فائتوا منه ما استطعتم معناه ليس كله عليكم بواجب. والواجب أيضاً ليس إلا على قدر الطاقة والاستطاعة ، فكأنه عليه السلام يقول : ما كلفتكم بالحكم اللازم إلا بقدر الاستطاعة. ومما يؤيد هذا قوله تعالى لا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ (٥) وليس المفهوم من هذا أن تأخذ من الأمر ما تشتهيه نفسك، وتترك منه ما لا تشتهيه. لا يفهم هذا عامل يعرف أن الاثنين أكثر من الواحد أبداً أن يكون الهوى قد غلب على قلبه . وقوله : (وما نهيتكم عنه فلا تقربوا فلأنه الله ، لم ينه إلا عن المحرّم، وهذا النهي نهي ) ، لزوم، ولهذا المعنى قال عليه السلام: (اتَّقِ محارم الله تكنْ أعَبَدَ الناس) (٦) . وقد جاء عنه ، ، نهي وليس بحرام، وليس بمناقض لما ذكرناه انفاً. ومن أجل ذلك تحرزنا بقولنا (نهي لزوم) لأن ما جاء عنه ، ، من من النهي ومع النهي قرينة يفهم منها الكراهية والشفقة أو وجد ما يخرجه من أن

(1) القسيّ : (بشدّتين) نسبة إلى بلدة تدعى (قس) وهي - كما يقول ياقوت - ناحية من بلاد الساحل قريبة إلى ديار مصر، تنسب إليها الثياب القسيّة التي جاء النهي عنها . وقال بعضهم : أصلها (القَزِّيّ) نسبة إلى القزّ ، وأبدلت زايه سيناً. ويقول ياقوت وفي بلاد الهند بين نهر وارا بلد يقال له (القس) مشهور يجلب منه أنواع من الثياب والمآزر الملونة، وهي أفخر من كل ما يجلب من الهند من ذلك الصنف . (۲) المياثر : جمع ميثرة من (وثر) وهي مركب للعجم كان يتخذ من الحرير والديباج . وميثرة الأرجوان وطاء محشوّة يترك على رحل البعير تحت الراكب وسواء كانت المياثر تعني المركب العجمي أو الوطاء المحشوّ فإنها سبيل إلى العجب والمباهاة والكبرياء.

(۳) جزء من حديث أخرجه الإمام أحمد ومسلم وابن ماجه عن أبي هريرة. ومطلعه : ذروني ما تركتكم. (٤) سورة التوبة ، من الآية ۱۲۸ . (٥) سورة البقرة من الآية ۲۸٦ .

قطعة

من حديث مطلعه : اتق المحارم تكن أعبد الناس وارض بما قسم الله تكن أغنى الناس. أخرجه الإمام أحمد والترمذي والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة رضي الله عنه .

لا

يكون جزماً، فليس من الذي قررناه بشيء كنهيه عليه السلام عن الوصال (۱)، وما أشبهه، علم

بقرينة الحال أنه نهي شفقة.

وإنما مرادنا هنا أن يكون النهي بقرينة يستبين فيها الوجوب، أو ليس له قرينة أصلا، فإذا لم يكن له قرينة أصلاً فحكمه حكم الذي له القرينة. وقد دلت على الوجوب، بخلاف الأمر، لأن الأمر إذا ورد ولم يكن له قرينة لا من نفس الشيء ولا من خارج فيه أربعة أقوال ـ كما تقدم الكلام فيه غير ما مرة - وفي الحديث حجة لمن يقول من المتكلمين : إنما صيغة الأمر بذاتها تقتضي إدخال شيء في الوجود ليس إلا وما زاد على ذلك يستقرى من مواضع أخرى. يؤخذ ذلك من كون الأمر

يدور بين واجب ومندوب .

وفيه دليل لأهل الصوفة حيث يقولون : إن أمر الأمر يقتضي الامتثال على أي حالة كان، وإنما على العبيد امتثال أوامر الموالي ليس إلا . ثم إنهم يزيدون على ذلك أنهم يرون أمر الموالي للعبيد من باب المن والتعطف، لكونهم كان لهم مقدار حتى كان لهم خطاب وسؤال، كما قال أبي (٢) حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقرأ عليك قال : وذُكِرْتُ هناك؟ قال نعم باسمك وباسم أبيك) (۳) فبكى رضي الله عنه ، فرحاً لكونه وصل قدره ذلك . وقد تدمع العينان من كثرة الفرح، ولذلك قالت رابعة العدوية (٤) : أَوَلَيْسَ يوبخني ويقول لي : يا أَمَةَ السُّوءِ فعلت كذا وكذا؟ قالوا: نعم. قالت :

ذلك بغيتي :

أُحِبُّكَ حُبّي حُبَّ الهَوَى حُبّاً لأنّكَ أهلٌ لِـــــذاكــــــا

ا الذي هــو حُبُّ الهَوى فَشُغْلِ

وأما الذي أنتَ أَهْا

له

ــه

ي بِذِكْرِ ا سِوَاكَا

ــي الحُجْبَ

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

أراكــــا

(1) الوصال : هنا مواصلة الصوم بلا انقطاع كصوم الدهر مثلاً . (۲) هو أبي بن كعب، من الأنصار وبني النجار. صحابي كان قبل الإسلام خبراً من أحبار اليهود، وأصبح في الإسلام من كتاب الوحي، وأحد من شهد مع النبي يا ليل و المشاهد كلها ، كما كان أحد الذين جمعوا القرآن في عهد

الرسول صلى الله عليه وسلم ، وفيه قال : أقرأ أمتي أبي بن كعب . توفي سنة ۲۱ هـ / ٦٤٢ام في المدينة المنورة . (۳) أخرجه الإمام أحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن أنس رضي الله عنه بلفظ مختلف. والقراءة المقصودة بالحديث هي سورة البينة» .

(٤) رابعة العدوية : صالحة مشهورة من أهل البصرة ومولدها .بها لها أخبار كثيرة في العبادة والنسك ولها شعر

حسن. توفيت سنة ١٣٥ هـ / ٧٥٢م .

عنا

حديث وفاة الرسول وفضل أبي

أَنَّ أَبا بكرٍ خَرج، وذلِكَ بَعد وَفَاةِ رَسولِ الله ،

عَن ابن عبّاس رضيَ الله عَنهُم وعُمرُ يُكلَّمُ النَّاسَ . فقال : اجلس . فأبى . فقال : اجلس فأبى . فَتَشهَّدَ أبو بكر . فمال إليه النَّاسُ ، وتركوا عُمرَ . فقالَ : أمَّا بَعد ، فَمن كانَ منكُم يَعْبُدُ مُحمَّداً فإنَّ محمّداً قَد ماتَ ، ومَن كانَ يعبد الله فإنَّ الله حي لا يموت . قال الله عزّ وجلّ، ﴿ وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) (۱) واللهِ لَكَأَنَّ الناس لم يكونُوا يَعلَمون أنَّ اللهَ أَنزَلَ هذهِ الآيَةَ حَتَّى تلاها أبو بكرٍ ، فتلَقَّاها النَّاسُ مِنْهُ، فَما يُسمَعُ بشر إلا يَتلوهَا .

ظاهر الحديث إيثار الصحابة رضي الله عنهم أبا بكر على عمر رضي الله عنهما . والكلام

عليه من وجوه

منها : ما سبب اختلاف هذين ،السيدين رضي الله عنهما في هذا الوقت العظيم وهما حيث هما؟ ثم كون أبي بكر رضي الله عنه، تلا الآية، وكأن الصحابة رضوان الله عليهم، لم يكونوا ، سمعوها إلا الساعة كما ذكر في الحديث؟ فالجواب : أن سبب اختلافهما لا يتبين إلا بعد ذكر شيء من حالهما في الوقت ومقالتهما، وذكر حال كل واحد منهما الخاص به، بحسب ما أخبر به الصادق صلى الله عليه وسلم .

أما حال عمر ، رضي الله عنه، في الوقت ومقالته فإنه لما أخبر أن رسول الله ، و و و و و و وضحت الصحابة رضي الله عنهم للأمر الذي أصابهم من ذلك جرد ،عمر رضي الله عنه ، أو أشار إلى سيفه وقال : من قال إن رسول الله الله ، مات ضربته بسيفي هذا ، وإنما رفعه الله وسيعود ويقتل قوماً ويقطع أيدي قوم ، وهو - رضي الله عنه - لم يدخل عليه ، ل ، ولا نظر إليه .

(۱) سورة ال عمران الآية ١٤٤ .

فر

و

وأما أبو بكر فكان خارج المدينة، فلما بلغه الخبر جاء حتى دخل على النبي ، ، وكشف عن وجهه المكرم، وقبل بين عينيه الكريمتين وقال : فداك أبي وأمي، طبت حيا وميتا (١) . فخرج

وعمر ، رضي

الله عنه يكرر مقالته تلك، أو ما يشبهها ، فأمره بالجلوس، وتشهد هو، رضي عنه، وذكر متن الحديث .

الله

وأما حالهما الخاص بكل منهما فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : (أنا مدينة السخاء وأبو بكر بابها ، وأنا مدينة الشجاعة وعمر ،بابها وأنا مدينة الحياء وعثمان ،بابها، وأنا مدينة العلم وعلي بابها)(۲) والمراد بالشجاعة هنا الشجاعة في الدين، ولذلك سماه رسول الله ، ، ، الفاروق، لأن يوم إسلامه فرق الله تعالى به بین الحق والباطل، فعبد الله جهراً . وأما كثرة السَّخاء فلا تكون إلا من قوة اليقين، ولذلك قال ، ما فضلكم أبو بكر بكثرة صوم ولا صلاة، ولكن بشيءٍ وَقَرَ في صدره (۳) . والذي وقر في صدره هو قوة اليقين .

والذي هو قوي اليقين لا تحركه قوة الحوادث ولا يهتز لها، ويبني أمره كله على التيقن والتثبت في الأشياء كلها. والذي مقامه القوة في الدين - وهي الشجاعة - يبني أمره كله على الأحوط والأقوى . فلما كان مقام عمر رضي الله عنه الشجاعة - وهي القوة في الدين - وقيل له : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأى ما الناسُ فيه، لم يدخل عليه وجعل رضي الله عنه ، الوفاة في ذلك الوقت محتملة أن تكون حقيقة، أو تكون إسراءً ويعود . وحال الوقت يقتضي أن يبني الأمر على الأحوط - وهو الإسراء ـ من أجل أن يزيل ما بالناس من الرجفة ويتهدنوا .

فإن صح ما بنى عليه الأمر فبخ على بَحْ ، وإن كانت الأخرى ـ وهي الحقيقة - فيكون الناس قد سكن ما بهم، لأن الأمر الصادم إذا تمادى سكنت النفوس إليه وتوطنت وانقادت ولذلك قال

الصبر عند الصدمة الأولى (٥) . فهناك يتبين الثابت من غيره فإنه إذا طال الأمر صبر الناس

بغير اختيارهم. هذا معروف لاخفاء فيه . وهذا الوجه مَنَع ،عمر ، رضي الله عنه أن يدخل على النبي

قبل أن يكلم الناس، فلو دخل رضي الله عنه ، فرأى الذي رأى أبو بكر ، رضي الله عنه ، من

حقيقة الموت، فلا يمكنه أن يقول تلك المقالة، فإنها كانت تكون كذباً. وحاشاه من ذلك .

(1) تفصيل وفاة النبي الله ومجيء أبي بكر رضي الله عنه مسرعاً على فرسه ودخوله على النبي وهو مسجى :

أخرجه البخاري عن السيدة عائشة رضي الله عنها .

(۲) سبق الكلام عليه في الحديث (۱۳) .

سبق تخريجه في الحديث ٦ .

بخ

: كلمة تقال عند الرضا والإعجاب بالشيء والمدح أو الفخر .

(ه) رواه البزار عن أبي هريرة رضي الله عنه .

وقد روي عن العباس ، رضي الله عنه أنه لما قربت وفاة رسول الله ، وقد خرج من

عند الموت أجدها من محمد ( ) ، الهلال . . فهم

زيارته ، قال : إن الرائحة التي أعرف من بني هاشم عند الموت أجدها من محمّد (۲) عند الحقيقة في يعرفون العلامة بالرائحة قبل وفاته عليه السلام ويشك أحد منهم إذا هو أبصره عند ذلك الشأن؟ هذا لا يمكن . فأخذ عمر ، رضي الله عنه بالحزم ، وهو حاله الذي جبل عليه . فلما جاء صاحب اليقين الجليل لم يتضعضع لعظيم الأمر ، ولم يرد أن يبني كلامه مع الناس إلا بعد معرفة الحق . فدخل، رضي الله عنه، وكشف عن وجهه ،المكرم ـ كما ذكرنا - فلما تبين له ، رضي الله عنه، أنه موت حقيقي نظر حكم الله عليه وعلى إخوانه المؤمنين، فإذا هو في كتابه، عزّ وجلّ، محكم متلوّ فَذَعَن للأمر، وسلّم إليه، وخرج يحمل الناس على ما يلزمهم من الله . فكلُّ عمل على

مقتضى حاله الجليل .

ولذلك قال عمر ، رضي الله عنه : فلما سمعت أبا بكر تلاها ما حملتني رجلاي . لأنه علم أن . أبا بكر ، رضي الله عنه ، ليس هو ممن يقول إلا حقاً، ولا يأمر إلا جزماً، فذهب عنه ما كان ترجاه من العودة، فأحدث له فرط قلق الشوق والمحبة ضعفاً في الأقدام ولو حَمَّلوني الجبال حملتها، ولكن

الفراق لا يطاق .

وكذلك ما ذكر عن باقي الخلفاء رضي الله عنهم عثمان وعلي فكان ،عثمان رضي الله عنه، يدخل ويخرج ولا يتكلم. وأما علي رضي الله عنه فقعد ولم يتكلم، وما ذاك إلا لأنه ظهرت هنا أحوالهما المنيفة، لأنه قال أنا مدينة الحياء وعثمان بابها فمن كانت صفته الحياء، إذا جاء الأمر الذي يَهُولُه ، لا يمكنه الكلام من أجل الحياء .

وقال أنا مدينة العلم وعلي بابها ) (۳). ومن خص بزيادة العلم بالله عزّ وجلّ، إذا رأى شيئاً من آيات الله جاءه الخوف والإذعان ولا يبدي من عند نفسه شيئاً تأدباً، حتى يرى ما حكم الله تعالى فيه، وما المراد من الأمر ، هل ما يعرف بجري العادة المتقدمة، أو ذلك أمر مستأنف لا يعلمه إلا هو عزّ وجلّ؟ لأن الله عزّ وجلّ، يحدث من أمره ما شاء، كما أخبر ، ، وكما قال جل

(1) العباس بن عبد المطلب بن هاشم عم النبي الله ، وجد الخلفاء العباسيين. كان واسع العقل، سديد الرأي وكانت له سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام. أسلم قبل الهجرة وكتم إسلامه وأقام بمكة يكتب إلى النبي لي

أخبار المشركين، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد وقعة حنين كما شهد فتح مكة . توفي سنة ٣٢ هـ / ٦٥٣م . (۲) أخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن العباس قال : والله إني لأرى رسول الله سيتوفى في وجعه وإني لأعرف في وجوه بني عبد المطلب الموت .. الخ ...

(۳) أخرجه العقيلي وابن عدي والطبراني والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما .

) . خلاله : هو كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ) (۱) وإن كان ـ كما قال علماء أهل السنة - يبديه ولا ينشته (۲)، فهذا بالنسبة له جل جلاله وأما بالنسبة لنا فهو إنشاء وإبداء أمر لم نعرفه قبل . ولأجل هذا المعنى قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يخشى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَؤُا )

فمن بكر أولاً ليسد ثلمة أهل الردة فقام هذه المقامات كان التقدم في الخلافة، فاحتيج / بذلك، وأمده الله بالعون فلم يمهلهم مع شدة ما كان الناس فيه، فأشار عليه ،عمر ، رضي الله عنه ، أن يتركهم في الوقت ، لأجل ما الناس فيه حتى تسكن روعتهم، فازداد عند ذلك شدة وحرصاً على قتالهم . فقال له عمر : إن الناس لا يساعدونك على ذلك. فقال رضي الله عنه، أقاتلهم ولو بالدبور (٤) ، فما فرغ من كلامه إلا والذي ذكر قد أمده الله عزّ وجلّ ،به وامتلأ المسجد بالدُّبُور وأنت وجوه أولئك الناس خاصة من بين أهل المسجد حتى خرجوا من أبواب المسجد، فقال عمر، الله عنه : فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعلمت أنه الحق ، فشرح الله رضي صدري لما شرح له صدر أبي بكر رضي الله عنهما .

واحتيج عمر ، رضي الله عنه ، لتلك الفتوحات العظام حتى انتشر الإسلام وعلا في كل الأقطار . واحتيج عثمان، رضي الله عنه ، ليبين به مقام الصبر والتسليم الله ، والحياء منه. واحتيج علي، رضي الله عنه ، ليقاتل أهل التأويل، ويبين به الحق من المحتمل . كل له مقام معلوم من الله ، اللهم بحرمتهم علينا ندعوك بما يقربنا إليهم، ويحشرنا معهم في زمرة المتقين بلا محنة في عافية بمنه

رضي

وفيه دليل على أن الكلام الذي له بال يستفتح أولاً بذكر الله . يؤخذ ذلك من تشهد أبي بكر ، الله عنه، وميل الناس بذلك إليه . فلولا ما كان ذلك عندهم دالاً على استفتاح أمر له خَطَر ما

مالوا بجميعهم إليه .

وفيه دليل على قوة أبي بكر في الدين وعظيم يقينه يؤخذ ذلك من ثبوته في هذا الموطن ، حتى استفتح كلامه بما تقتضيه سنة رسول الله ، ، ل ، لأن سنته عليه السلام كانت إذا كان الأمر له بال يستفتح الكلام فيه بذكر الله سبحانه، والثناء عليه .

الخطير،

(1) سورة الرحمن، الآية .۲۹ . (۲) يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قوله تعالى ( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فسأله أحدهم : ما ذلك الشأن؟ فقال: من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين. ويروى عن أحد العلماء - ولعله الغزالي ـ أنه سئل عن هذه الآية والتوفيق بينها وبين أحاديث تفيد أن القلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة وأنه لا تغيير لأمر ولا تبديل، فأجاب على الفور بأنها شؤون يبديها الله ولا يبتديها ويقال بأنه أجاب ثانية فقال : إن المراد بالشأن سوق

المقادير إلى مواقيتها . (۳) سورة فاطر، من الآية ۲۸ . (٤) الدبور : جماعة النحل والزنابير . مفرده : دبر ودبر .

وفيه دليل على تأدب الصحابة رضي الله عنهم بعضهم مع بعض وهو أيضاً من الدين.

يؤخذ ذلك من قول أبي بكر لعمر ، رضي الله عنهما . اجلس . ولم يزد عليه فيما قال شيئاً . وفيه دليل على أن التأدب لا يكون إلا مع عدم الضرورات في الدين، فإذا كانت الضرورة في الدين فلا أدب إذ ذاك، وتركه هو الأدب. يؤخذ ذلك من أن أبا بكر ، رضي الله عنه ، عنه ، لما لم يسمع ،عمر ، رضي الله عنه ، منه، الله عنه، منه، والأمر خطير ، تكلم وترك الأدب معه من أجل الدين وهذا المعنى أيضاً منع عمر ، رضي الله عنه ، أن يتأدب مع أبي بكر ، رضي الله عنه ، ويسكت حين أشار إليه بالسكوت .

وفيه دليل على أن من الفصاحة والبلاغة والقوة في الدين الإيجاز في الكلام عند الأمور المهمة، والإبلاغ في الحجة . يؤخذ ذلك من قول أبي بكر ، رضي الله عنه ، من كان يعبد محمّداً فإن محمداً قد مات، إلى آخر كلامه . فهذا إبلاغ في غاية واختصار .

ويؤخذ منه أن أكبر الأدلة القاطعة في الدين والأحكام كتاب الله عزّ وجلّ فلولا ما كان الأمر عندهم كذلك ـ وهو الحق - ما سلموا الكل وبقوا يكررون الآية .

وفيه دليل على جواز تقسيم الكلام بين الحق والباطل، ليتبين به الحق . يؤخذ ذلك من قول أبي بكر ، رضي الله عنه من كان يعبد محمّداً فإن محمداً قد مات) وهو، رضي الله عنه، يعلم ( بالقطع أنه ما كان أحد منهم يعبد محمّداً . ثم قال ( ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت) فذكر ما هو محال قطعاً، مع ما هو محقق عندهم حقاً، تأكيداً للحق، وتثبيتاً لأهله

ومن جملة

وفيه دليل على أن أكبر التسلي في المصائب ترديد كتاب الله عزّ وجل. وهذا هو الحق الواضح لأن الله تعالى يقول: ﴿ وَنُنَزِلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءُ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ (۱) الشفاء : التسلية به عند الهموم. يؤخذ ذلك من كثرة ترديد الصحابة رضي الله عنهم لها كما ذكر ما يُسْمَعُ بَشَر إلا يتلوها ، لأنهم قد فهموا الحكم بها عندما تليت عليهم، فما بقي من فائدة تكرارها إلا التسلي بها على ما هم فيه من الحزن والبرحاء . وفيه من الفقه أن يُذكر الشخص بالشيء الذي كان له فيه مصلحة، وإن عُلم منه أنه يعلمه لأنه عند النوازل اشتغال قلبه بما هو فيه يلهيه عما هو يعلمه، ولأن الصحابة رضي الله أو أكثرهم كانوا يعرفون تلك الآية، ويوم نزولها وفيماذا نزلت ولكن لشغل الخواطر بما دهمها ذهلت عما كانت تعرف فكيف حال من لا يعرف إذا نزل به ما لا يطيق؟ ولذلك قال : (من)

عنهم،

كلهم

(۱) سورة الإسراء، من الآية ۸۲

عَزّى مُصاباً فله أجرُ المصاب ) (۱) ، لأنه يُذكّره ما يجب عليه فيقِلّ حزنه، فله من الأجر بقدر الأحزان التي ذهبت عن المصاب من أجل ،قوله أن لو كانت إصابته فصبر عليها .

ومن الحكمة ما يشبه هذا قول بعضهم : الناس إما عالم وهو يعلم أنه عالم، فتعلموا منه . وإما جاهل وهو يعلم أنه جاهل فعلموه. وإما جاهل وهو يجهل أنه جاهل فاهربوا منه، فليس يُرجَى له

فلاح، إلا إن كان من خرق .العادة. وإما عالم وهو لا يعلم أنما هو عالم فذكروه تنتفعوا به. وفيه من الفقه أن عند الامتحان يعرف المرء ما احتوى عليه جنانه. يؤخذ ذلك من أن تلك

المصيبة العظمى وهي ،موته ، ظهر بها كل ما كان في القلوب؛ فقوم ارتدوا، وقوم ثبتوا وقوم افتتنوا بعض فتنة وتراجعوا بعد فكانت تمحيصاً للدعاوى وتصديقاً لقوله جلّ جلاله: المَ. أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ؟ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَذِبِينَ ﴾ (٢)

وفيه دليل لأهل الصوفة الذين بنوا طريقهم على الاختبار والصبر على السراء والضراء، ولذلك قالوا : من سره ألا يرى ما يسوءه فلا يتخذ شيئاً يخاف له فقداً، لأن ما سواه - عزّ وجلّ - مفقود، وهو الباقي جلّ جلاله الموجود.

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(1) أخرجه الترمذي وابن ماجه عن ابن مسعود رضي الله عنه

(۲) سورة العنكبوت، الآيات ١ - ٣ .

جواز بكاء الرحمة على الميت

مَن أَسامَةَ بن زَيد(١)، رَضِيَ الله عَنهُما ، قالَ: أَرسلَت ابنةُ النَّبِيِّ ، لا اله ، إلَيهِ : أَنَّ ابناً لي قُبِضَ فَانتِنَا . فَأَرسلَ يُقرىءُ السَّلامَ ويَقولُ : إِنَّ لِلَّهِ ما أَخذَ، وله ما أعطى، وكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى فَلْتَصبِرْ وَلْتَحتِسِبْ . فأرسلت إليه تُقسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتينَّها . فَقامَ ومَعَهُ سَعدُ بنُ عبادة (۲) ومُعاذ بن جبل (۳) وأبيُّ بنُ كَعبٍ (٤) وزَيدُ بنُ ثابت (٥) ورِجالٌ ، فرفع إلى رسول الله ، الصَّبيُّ ، ونفسُه تتقعقع (٦) . قالَ : حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قالَ : كأَنَّها شَن (۷) ـ فَفَاضَت عَيْناهُ، فَقالَ . سعد : يا رسول الله ، ما هذا؟ قالَ : هذِهِ رَحمَةٌ، جَعلَها الله في قُلوبِ عِبادِهِ، وإنَّما يَرحم الله

من عباده الرحماء

أن ابم

(1) أسامة بن زيد الصحابي ابن الصحابي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم و ابن مولاه وحبّه وابن حِبّه. روي لا لأسامة (۱۲۸) حديثاً اتفق الشيخان منها على خمسة. وقد عقد له له الإمارة، ودعا له وللحسن فقال : اللهم إني أحبهما وأرحمهما ، فأحبهما وارحمهما. وشفع في المخزومية فردّ عليه السلام ،شفاعته، وغسل له وجهه ونثارة منخره بيده الشريفة. لونه أسود وهو طويل، وأبوه زيد أبيض وهو قصير، فقال قائف : هذان بعضهما من بعض بعد نظر أقدامهما ، فسرّ النبي بخبرة القائف. له بنت اسمها فاطمة سكنت المزّة (قرية في ضاحية دمشق) وذهبت فاطمة إلى عمر بن عبد العزيز في خلافته فقام لها وأقعدها مكانه وقضى لها حاجتها .

سعد بن عبادة: صحابي وسيد الخزرج وأحد الأمراء الأشراف في الجاهلية والإسلام شهد العقبة وأحداً والخندق وغيرها . ولما توفي الرسول طمع بالخلافة ولم يبايع أبا بكر ، ولما صار الأمر إلى عمر خرج إلى الشام

مهاجراً، ومات بحوران سنة ٦٣٥/١٤م .

(۳) معاذ بن جبل سلفت ترجمته في الحديث ٤٣ . (٤) أبي بن كعب : سلفت ترجمته في الحديث ٦٦ . (٥) زید بن ثابت : سلفت ترجمته في الحديث ٤٤ . (٦) تتقعقع: تحدث صوتاً عند التحريك أو التحرك . (۷) الشنّ : القربة الخلق الصغيرة .

السا

حيل

من

له ،

والتا

غنا

وهي

مناً لي

عِنده

و د و

الله ،

فقال

تبهما

نثارة

کو گھر کو 3 کھو =

کشام

ظاهر الحديث يدل على جواز بكاء .الرحمة وهو أيضاً دال عليها . والكلام عليه من وجوه : منها استحضار ذوي الفضل عند معالجة الموت. يؤخذ ذلك من توجيه ابنته الا الله ، ليحضر ، موت ابنها وهو عليه السلام في وقته وفي كل وقت أفضل العباد . وفيه دليل على مراجعة صاحب المصيبة بالتصبّر والتعزي. يؤخذ ذلك من مراجعة النبي لها ، رضي الله عنها ، وقوله عليه السلام: فَلْتصبِرْ وَلْتَحتَسِبْ .

وفيه دليل على جواز الكناية عن الشيء بما يدل عليه . يؤخذ ذلك من قولها ، رضي الله عنها : أن ابناً لي ،قبض ، وهو في قيد الحياة ،بعد ، لكن لما كان يعالج سكرات الموت كَنَت عنه بالموت . وفيه دليل على أن من السنّة أن يُخبر الذي يُستَدعى لماذا يراد. يؤخذ ذلك من قولها : أن ابناً

لي قبض فائتِنا، لأنها لم تطلب منه عليه السلام الإتيان إلا بعدما أخبرته بموت ابنها . وفيه دليل على جواز القسم على الفاضل، ويكون من باب الرغبة، لا من باب الحلف واليمين . يؤخذ ذلك من قوله : (تقسم عليه ليأتينها ) .

وهنا بحث هل كان ،مشيه عليه السلام في ثاني مرة من أجل القسم، أو من أجل غيره، أو من أجله ومن أجل غيره معاً؟ وكيف امتنع عليه السلام أولاً من المشي مع ما طبع، عليه السلام من حسن الشيم، والرحمة للأباعد؟ فكيف للأقارب ؟

أما سبب ،امتناعه عليه السلام أولاً فلوجهين: أحدهما: أن يبين أن هذه الدعوة ليست مما هي واجبة الإجابة، بخلاف دعوة النكاح. و (الثاني) خشية أن يتعلق قلبها ـ لمكانته، عليه السلام عند الله تعالى - بأنه يدفع عن الطفل شيئاً . فأخبرها عليه السلام أن هذا أمر ما لأحدٍ فيه حيلة. يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام) ( إن الله ما أخذ وله ما أعطى. وكلّ عنده بأجل مسمّى وهذا من المؤخر في اللفظ المقدم في المعنى، كأنه عليه السلام يقول : ما أعطاك الله من الولد فهو له، وأخذه أيضاً هو له، فإنه لم يأخذ حتى أعطى فلما لم يكن في المعنى إلباس جاز التقديم والتأخير، كما قال عزّ وجلّ في كتابه العزيز ( وَالَّذِى أَخْرَجَ الْمَرْعَى . فَجَعَلَهُ غُنَاء أَحْوَى ) (١) ولا يكون قناة حتى يكون أحوى والغثاء هو اليابس. فلما علم أنه لا يكون يابساً حتى يكون أخضر جاز التقديم لعدم الإلباس. وهذا فى لسان العرب من الفصيح . ثم أخبرها بحكم الله عليها في ذلك

وهو الصبر والاحتساب .

ويذكر مالك في موطئه : أن بعض العلماء كانت له زوجة يحبها، فلما ماتت وَجَد عليها حتى

(۱) سورة الأعلى، الآيتان ٤ و ٥ .

احتجب عن الناس. وكان الناس محتاجين إليه لعلمه وفضله فتأتيه المسائل فيدخل بها الخديم ويخرج بالجواب عليها فلما طال ذلك به بلغ إحدى المتعبدات حاله، فأتت الباب وقالت للخديم لي إليه ،ضرورة ولا يمكن الكلام معه إلا مشافهة. فأبى الخديم من الدخول بها إليه . فذهب الناس وبقيت المرأة لم تبرح مكانها . فطمع الخديم أن يصرفها عن الباب، فلم تفعل،

وزعمت أن لا بد لها من رؤيته . فلما طال جلوسها أخبر الخديم الشيخ بأمرها ، فأذن لها في الدخول . فقالت : يا سيدي، إن جيراناً لي استعرت منهم حلياً لأن أحضر به عرساً، فأعاروه لي، ثم تركوه لي بعد زماناً أتزين به . ثم

الآن قد طلبوه، ونفسي تأبى رده فقال لها : لا يحل لك حبسه فإنه عارِيَّة، والعارِيَّة مُؤدَّاة، حكم من الله عز وجل ورسوله ، قالت يا سيدي كان عن يوم وتركوه عندي سنين . فقال : أحق وأجدر أن تسارعي في رده لأنهم زادوك على المعروف معروفاً . فرامت به أن يفسح لها في ذلك في شيء وهو يغلظ عليها فقالت له يا سيدي أوليست زوجتك أنت من جملة ما استعاركها الله وأخذ متاعه؟ فحزنك أنت واحتجابك عن الناس من ماذا؟ فارتجع إلى نفسه، وشكر ذلك لها، وخرج من حينه

فكان جلوس النبي ، ، ، ، ،أولاً ، ليقعد الأحكام الشرعية مع القريب ومع البعيد على حد سواء. وأما مشيه عليه السلام في ثاني مرة فإبرار للقسم وشفقة ورحمة ـ كما جبل عليها ـ وجبر لخاطرها لما أمن التوقع الأول .

وفي هذا دليل لأهل الطريق الذين يقولون بجبر القلوب .

وفيه دليل على أن الأجل لا يزيد ولا ينقص ، لقوله عليه السلام) بأَجَلٍ مُسَمَّى . وهنا إشارة وهي أن أهل الفضل لا يقطع الإياس من فضلهم وإن ردوا . يؤخذ ذلك من ردها الرسول ثانية بعدما امتنع عليه السلام من المشي أولاً . هذا طمع في فضل ،مخلوق، فكيف في فضل من ليس كمثله شيء؟ ولذلك جاء عنه جلّ جلاله أنه يدعوه العبد المذنب فيعرض عنه، ثم يدعوه فيعرض عنه ، ثم يدعوه فيقول جلّ جلاله ملائكتي، أما ترون عبدي؟ يعلم أنه ليس له من يدعو غيري. أشهدكم أني قد غفرت له وقبلت دعاءه .

وقوله ( فقام رسول الله ، ل ، ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال فيه من الفقه جواز المشي إلى المأتم بغير إذن، بخلاف الوليمة. يؤخذ ذلك من مشي هؤلاء ، ولم يستدعهم، ولا هم أيضاً استأذنوا .

معه ،

وفيه دليل على تعظيم ،الصحابة رضوان الله عليهم ،له ، الله يؤخذ ذلك من كونه لما قام .

هو الله مقام معه من كان هناك تعظيماً له، عليه السلام

ويؤخذ منه أنه لا يسمى من الجمع إلا أعيانه وذلك من الاختصار والإبلاغ في الفصاحة . يؤخذ ذلك من كونه سمى الأربعة لمكانتهم ، وأجمل الباقي بلفظ (رجال) .

بمعنى

وقوله ( ورفع الصبي إلى رسول الله ، له الله الرفع هنا احتمل معنيين : (أحدهما) أن يكون كشف له عنه ،كقوله عليه السلام ورفع لي البيت (المعمور) أي: أظهر لي . و (الثاني) أن يكون بمعنى وُضِع في حِجْره من قولهم رفعت زيداً إلى الفراش أي جعلته عليه

واحتملا معاً.

وقوله (ونفسه تتقعقع كأنها شَنّ الشَّنْ هو الزّق البالي إذا بلي يتقشر ويتشقق، فمن يأخذه يجد له صوتاً من كل نواحيه . فشبه ذلك السّياق (۱) الذي كان يسوقه الصبي لشدته وكثرته بصوت هذه القِرَب البوالي التي لا ينفصل عنها ذلك الحال .

وفيه دليل على أن شدة الموت أو خفته ليس فيه علامة على السعادة ولا على الشقاوة يؤخذ ذلك من كون هذا طفلاً لا تكليف عليه، وهو يشدّد عليه، بل هذه حكمة استأثر بها الله تعالى. وقد قال صلى الله عليه وسلم في موت الفجأة (إنها تعجيل لأحد الدارين) (۲) وقد أخبر ، عليه السلام (أن المؤمن تبقى له منزلة لم يبلغها بعمله فيشدد عليه الموت حتى يبلغ تلك المنزلة) (۳) .

وقوله : (وفاضت عيناه يريد : عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدموعه المباركة بغير صوت. وتلك الدمعة هي دمعة الرحمة، كما أخبر هو صلى الله عليه وسلم .

وقوله (فقال له :سعد يا رسول الله ما هذا؟ هنا من الفقه وجوه :

منها : أن من أدب الدين أن يكون كبير القوم هو الذي يستفتح الكلام أولاً . يؤخذ ذلك من أن هذا لمكانته في الصحابة رضي الله عنه وعنهم هو الذي ابتدأ الكلام، والكل رأوا ما رأى هو ، فالتزموا الأدب بعضهم مع بعض ، وهو المعلوم منهم أن يتكلم الذي هو أولى أولاً . ومنها : أن الأدب مطلوب في السؤال . يؤخذ ذلك من قول سعد: (ما هذا؟ سؤال استرشاد

لا إنكار

(1) السياق: النزع والاحتضار . (۲) مروي بالمعنى : وقد أخرج الإمام أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : موت الفجأة راحة

للمؤمن وأسف على الفاجر . عن زيد بن أسلم عن أبيه قال : إذا بقي على المؤمن من درجاته شيء لم يبلغها بعمله شدّد عليه الموت ليبلغ بسكرات الموت وكربه درجته في الجنة، وإذا كان للكافر معروف لم يُجز به هون عليه في الموت ليستكمل ثواب معروفه فيصير إلى النار . (الإحياء ٤٩٢/٤) .

ويؤخذ من ذلك أن الأدب

م الأكابر أن يقدم ذكر أسمائهم أول الكلام. يؤخذ ذلك من قوله

(يا رسول الله ما هذا؟) فقدم اسمه عليه السلام أولاً .

ويؤخذ منه أن من حسن السؤال الإيجاز فيه . يؤخذ ذلك من قوله ما هذا؟) سؤال استرشاد،

ولم يزد على ذلك شيئاً ، وقوله الله ( هذه ) يعني الدمعة ، لأنها خرجت بغير صوت . وقوله عليه السلام: (جعلها الله فى قلوب عباده هنا من الفقه أن الذي تكلم الناس فيه في شأن الدموع وفي موجبها باطل ؛ لأنهم ذكروا فيها نحو الخمسة أو الستة أقاويل أو ما يقرب من

ذلك. فمما استحسن منها : أنه عَرَق القلب من خجل ،الذنوب وبه يطرزون تلك الأقاويل. وقد أخبر هنا الصادق عليه السلام) أنها خَلْقٌ من خَلْقَ الله ، استودعها قلوب عباده الرحماء وقوله عليه السلام: (فإنما يرحم الله من عباده الرّحماء) دل بهذا أن هذه الدموع صادرة عن الرحمة التي في قلوب المؤمنين الذين جعلت الرحمة في قلوبهم فكما أن الفهم في العلوم صادر عن النور الذي في قلوب العملاء، فكذلك هذه الدمعة صادرة عن المرحومين الذين جعلت الرحمة في قلوبهم . حكمة حكيم

وقوله عليه السلام): (فإنما يرحم الله من عباده الرحماء هذا اللفظ يحتمل معنيين : (أحدهما) أن يكون على ظاهره وهو منع الرحمة مما سوى الراحمين فتكون (إنما) على بابها، لحصر الحكم في المذكور ونفيه عن غيره واحتمل أن تكون بمعنى ثبوت الحكم المذكور، ولا ينتفي عن غيره كقولهم : إنما الجميل يوسف أثبتوا له الجمال ولم ينفوه عن غيره وقد تكون بمعنى الاستحقاق لهم بما فيهم من الأهلية كمعنى قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَتبكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ﴾ (١) أي: يحق لهم الرجاء لما وعدوا، والآخرون يرجون لكن على غير سبب . وقد تحتمل الوجهين معاً.

والأظهر أنها لتخصيص الحكم بالمذكورين، ولا ينتفي ذلك عن غيرهم، بدليل أنه قد جاء : ( إن الله نفحات من الرحمة، يصيب بها من يشاء ممن فيه رحمة وغيره) (۲) وقد جاء : (أنه تشفع الرسل والأنبياء والملائكة عليهم السلام والعلماء والصالحون ، ثم يقول الله عزّ وجلّ : شفعت الأنبياء، شفعت الملائكة شفع الصالحون . وبقيت شفاعة أرحم الراحمين. فيخرج من النار قبضة ممن حبَسَهم القرآن) (۳) .

(۱) سورة البقرة من الآية .۲۱۸ .

(۲) أخرجه ابن أبي الدنيا في الفرج والحكيم الترمذي وأبو نعيم في الحلية عن أنس والبيهقي في الشعب عن أبي

هريرة رضي الله عنه .

(۳) أخرجه الشيخان عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه . بلفظ آخر .

لكن إذا جعلنا هذه الرحمة بمعنى الإيمان فيكون المراد به الإيمان الكامل. فهؤلاء أهل الرحمة حقيقة، ويكون فيه دليل على أن هذه الرحمة لا يخص بها إلا أهل الإيمان المذكورين، وهي الخشوع . وقد أثنى عليهم عزّ وجلّ، في كتابه حيث قال : الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ ) (۱) فتكون على بابها لتعلق الحكم بالمذكورين ونفيها عن غيرهم خالف الإيمان على عمومه لا على خصوصه في إيجاب الرحمة لهم، لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ ) (٢) .

ممن

وهنا بحث، وهو أنه يعارضنا قوله عليه السلام في حديث غير هذا إذا استكمل نفاق المرء كانت عيناه بحكم يده يرسلهما متى شاء. فهل بينهما فرق أم لا؟ فالجواب أمّا الظاهر فالتعارض فيه ،موجود لأن هذه دمعة خارجة في عالم الحس وهذه مثلها . وإذا نظرنا إلى الشرط بان الحق وظهر، ولم يبق بينهما تعارض .

والشرط الذي بينهما أن التي هي صادرة عن استكمال النفاق يكون خروجها باختيار النفس بغير موجب، وقد يمسكها عند الموجب كما يشاهد الناس على مرور الزمان من هؤلاء الغرباء

الذين يعقدون الحلق، ويطلبون الناس ويصفون عن أنفسهم أنهم كانوا وكانوا وذلك كله كذب يعلم ذلك منهم من يعرفهم أصلاً وفرعاً ، فإذا جاءوا عند مُعَظْمِ وصفهم لذلك الكذب يبكون وتجري الدموع من أعينهم مثل القطر، يظن الرائي لهم أن ذلك حق، فتشفق النفوس لهم، فيتصدق عليهم . وهذا مروي عنهم كثيراً، ولو لم يكن في هذا إلا الكتاب الذي ينسب إلى بني ساسان ووصف أحوالهم لكان كافياً . فكيف والناس يرون ذلك منهم معاينة ؟

وأما الدمعة التي هي كما أخبر الصادق - عليه السلام - فتخرج كما خرجت منه ، وذلك عند الموجب، مثل تذكار ،الموت ،والشفقة مثل ما رأى عليه السلام من تلك النسمة، وما كانت تعالج من سكرات الموت مع صغرها، أو من خشيته من الله عزّ وجلّ، أو ما يكون مثل ذلك من فكرته فيه كما روي عنه أنه دخل يوماً على فاطمة رضي الله عنها، وهي تبكي بكاء كثيراً . فسألها ، فقالت في معنى كلامها إنها ما أبكاها شيء إلا فكرها في القبر، وما فيه). فهذا كله

نوع واحد يقتضيه حقيقة الإيمان الكامل. ومما يدل على أنه إنما عنى ، و النوع لا الجنس بقوله (هذه) وأشار إلى الدمعة كونه عليه السلام قسم الإيمان في غير هذا الحديث على قسمين فقال : الإيمان إيمانان : إيمان لا يدخل

(1) سورة المؤمنون ، الآية ٢ . سورة النساء، من الآية ٤٨ .

صاحبه النار). وهو الإيمان مع اتباع الأمر والنهي وهو الإيمان الكامل وإيمان لا يخلد صاحبه في النار)(١). وهو الإيمان الذي معه بعض المعاصي. ومما يقوي ذلك أن المتكلم - وهو سعد - ومن

ومن

كان معه حاضراً، لم تدمع لأحد منهم عين إلا عينه ، ل ا ل لا ل ل ل ل كل كما لكل الإيمان هناك ، لأنه، عليه وذلك السلام بالإجماع أكمل الناس إيماناً ولذلك قال عند موت ابنه إبراهيم : تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب، لأن الدمع والحزن هما عند الموجبات من الإيمان، كما أن ترك ما يسخط الرب من الإيمان أيضاً . وفيه دليل لأهل الصوفة في كثرة بكائهم، لأن النبي ، ، ، قد جعل ذلك عَلَماً على الرحمة التي في القلوب. وقد روي عن بعضهم أنه كان كثير البكاء فرمدت عيناه فأتوا له بالطبيب فقال له : نداويك على شرط أنك لا تبكي ما دام بعينيك رمد . فقال رضي الله عنه : وأي فائدة في عين لا يُبكى بها ؟ والله لا ألتزم هذا الشرط ، ولا حاجة لي بدوائكم بل أموت في البكاء، وهل راحة الشجي إلا في أدمعه ؟

وفائدة هذا الحديث هي في تذكار هذا الأمر العظيم الحتم الذي لا هرب لأحد منه، والأخذ في الاستعداد لذلك قبل ،هجومه إذ هذا السيد عليه أفضل الصلاة والسلام لا يقدر في منع هذا الأمر عن أحد من أهله ولا عن نفسه ،المكرمة، فما بالك بالغير؟ وهذا تصديق لقوله تعالى نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ (۲) وقد قال بعض الحكماء في شعر له : ﴾

ولـــو كـــانـــت الــدنيا تدوم لأهلها لكان رسول الله حيّاً وباقيا فحَسْبُك يا هذا إذا كنتَ عاقلاً مقيل وكن فيها لزادِك واعيا واحذر هجمات الحمام بلا زاد ويدك من التقوى خالية، وكن عبداً مطيعاً، فالحمام لا بدَّ

لك مفاجيء .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) سبق الكلام عليه في الحديث (۱). (۲) سورة ال عمران من الآية ١٨٥ .

حديث الرؤيا في تعذيب العصا

عن سمرة بن جُندَب (١) ، رضي الله عنه ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم ، إذا صلى صلاةً أقبَلَ علينا بوجهه، فقالَ : مَن رأى منكُمُ الليلةَ رؤيا؟ قالَ : فإن رأى أحدٌ رُؤيا قصها . فيقول ما شاء الله . فَسَأَلَنا يوماً فقالَ : هل رأى منكم أحدٌ اللّيلةَ رؤيا؟ قلنا : لا .

قال: لكنّي رأيتُ الليلة رجلين أتياني، فأخذا بيدي، فأخرجاني إلى الأرض المقدسة، فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده كَلُّوب من حديد «قال بعض أصحابنا عن موسى (٢) إنّه يدخله في شدقه حتى يبلُغَ قفاه ، ثمَّ يَفعل بشدقه الآخر مثل ذلك . ويلتئم شدقه هذا، فيعود فيصنَعُ مثله . قلت ما هذا؟ قالا : انطلق .

فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه ورجل قائم على رأسه بفهر (۳) أو صخرة، فيشدَخُ بها رأسه. فإذا ضربه تدَهْدَهَ الحَجَر، فانطلق إليه ليأخذه، فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه ، وعاد رأسه كما هو ، فعاد إليه فضربه . قلتُ : مَن هذا؟ قالا : انطلق .

فانطلقنا إلى ثَقب مثلِ التَّنُّور، أعلاه ضيّق وأسفله واسع، تتوقد تحته نار، فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا أن يَخرُجوا ، فإذا خَمَدَت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عُراة . فقلت : ما هذا؟ قالا : انطلق .

(1) سمرة بن جُندَب بن هلال الفزاري. صحابي من الشجعان مات أبوه فقدمت به أمه المدينة، فتزوجها رجل من الأنصار، فنشأ في المدينة، وروى عنه الحَسَن والشعبي، وكان من الحفاظ المكثرين. نزل البصرة واستخلفه زياد عليها عندما سار إلى الكوفة، ولما مات زياد أقرّه معاوية عاماً ، ثم عزله، وكان شديداً على الخوارج الحرورية، وكان يثني عليه الحسنُ وابن سيرين توفي بالبصرة سنة ٥٨هـ / ٦٧٧م. (۲) موسی : هو راوي الحديث موسى بن إسماعيل المنقري البصري . أحد أركان الحديث قال عباس الدوري : سنة ٢٢٣ هـ . كتبت عنه خمسة وثلاثين ألف حديث، وقال آخرون : ثقة وشيخ للبخاري توفي سـ

(۳) الفهر : الحَجَر المدوّر .

فأقبل

فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم. وعلى وسط النهر قال يزيد بن هرون ووهب بن جريرٍ عن جرير بن حازم وعلى شَطُ النَّهر» رجلٌ بين يَدَيْه حجارةٌ ، الرجل الذي في النهر ، فإذا أراد أن يَخرُج رَمى الرجلُ بحجرٍ في فيه، فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجرٍ ، فيرجعُ كما كانَ . فقلتُ : ما هذا؟ قالا : انطلق فانطلقنا حتى انتهينا إلى روضة خضراء، فيها شَجَرة عَظيمَة، وَفي أصلِها شَير وصبيان . وَإِذا رَجُل قَريب مِنَ الشَّجَرَةِ، بَينَ يَديه نار يُوقدُها . فَصعدا بي الشَّجَرَةَ . فأدخلاني داراً لَم أَرَ قَط أحسنَ مِنها، فيها رِجال شُيوخ وشباب وَنِساء وصبيان ، ثُمَّ أخرجاني مِنها، فصعدا بي الشجرة، فأدخلاني داراً هي أحسَنُ مِنها وَأَفضَل، فيها شُيوخ وشباب . فَقُلتُ : طَوَّفَتُمانِي اللَّيلةَ . فَأخبِراني عمَّا رَأيتُ . قالا : نَعم . أَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدقَهُ فكذَّابٌ يُحدِّثُ بِالكِذْبَةِ فَتُحمَلُ عَنهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفاقَ ، فَيُصْنَعُ بِهِ ما رأيتَ إلى يوم القيامَةِ. والذي رأيته يُشْدَخُ رأسُهُ فَرجُل علَّمه الله القرآن فَنامَ عَنهُ باللَّيلِ ولَم يَعمَل فيه بالنَّهارِ، يُفعَل به إلى يوم القيامة. والذي رَأيتَهُ في الثَّقَبِ فَهُمُ الرُّناةُ. والذي رأيتَهُ في النَّهْرِ فَاكِلو الربا. والشَّيحُ في أصلِ الشَّجَرَةِ إبراهيم . والصبيانُ حَوله فأولادُ النَّاس . والذي يُوقِدُ النّار مالِكٌ خازِنُ النّار . والدَّارُ الأُولى التي دخلت فهي الجَنَّة ، دارُ عامَّةِ المُؤمنين . وأما هذهِ الدَّارُ فَدارُ الشهداء وأنا جبريل، وَهَذا ميكائيل فارفع رأسَكَ فَرفَعتُ رأسِي، فإذا فَوقي مِثلُ السَّحابِ. قالا : ذلِكَ منزِلُكَ . فَقُلتُ . لَكَ عُمُرٌ لَم : دعاني أدخُل منزلي قالا : إِنَّهُ بَقي تَستَكمِلْهُ، فَلو استكْمَلْتُه أتيتَ مَنْزِلَكَ .

ظاهر الحديث يدل على دوام سؤال النبي ، ، ، ،الصحابة رضي الله عنهم، إثر الصلاة عن

من رأى منهم رؤيا وعلى دوام تعبيرها ،لهم ، وأنه الله ، أخبرهم في هذا اليوم الذي لم ير منهم شيئاً ما رأى هو عليه الصلاة والسلام في نومه والكلام عليه من وجوه

أحد

منها قوله : (صلاة) هل المراد بها العموم وهي الخمس أو واحدة منها، وهي الصبح ؟ وما الحكمة في دوامه عليه السلام على ذلك؟ ولِمَ ،أخبرهم عليه السلام، بهذه الرؤيا ؟ فالجواب أن الظاهر من قوله : (صلاة) أنها صلاة الصبح بدليل ،قوله عليه السلام من رأى منكم الليلة رُؤيا) فهذا ما يكون إلا إثر صلاة الصبح.

وفيه من الفقه جواز جلوس الإمام في مُصَلاهُ إذا أدار وجهه إلى الجماعة، وأن ذلك يقوم مقام

القيام، وأن هذا هو السنّة ردًّا على من يقول : إن الإمام إذا سلّم لا بد أن يقوم من موضعه . حتى إن بعض من يُنسب إلى التشديد في الدين من الأئمة يقوم من حين فراغه من صلاته كأنما ضُرب بشيء يؤلمه، ويجعل ذلك من الدين، ويفوته بذلك خيران عظيمان :

(أحدهما) استغفار الملائكة له ما دام في مصلاه الذي صلى فيه، لقول رسول الله : (لا) تزال الملائكةُ تُصلّي على أحدِكم ما دام في مُصلاه الذي صلّى فيه ما لم يُحْدِث ، تقول : اللَّهُمَّ اغْفِرْ له، اللهم ارحمه) (۱) .

القيام

و (الثاني) مخالفته لسنة رسول الله ، الله ، التي هي نص في هذا الحديث حيث قال : (كان إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه ليس إلا ، ولم يذكر أنه قام ولو كان لم يقبل بوجهه عليهم إلا بعد لأخبر بذلك، لأنهم رضي الله عنهم بأقل من هذا من فعله عليه السلام يُخبِرون به لِيُقتَدَى به. وعلى هذا أدركتُ كلَّ من لَقِيتُ بالأندلس من الأئمة المقتدى بهم في غالب الأمر ، يُقبلون بوجوههم على الجماعة من غير قيام.

وأما دوامه عليه السلام على ذلك فلأنها من النبوة، فيحض الناس على الاعتناء بها لأنه إذا كان هو ، يعتني بها وجب علينا اتباعه في هذا لو لم تكن من النبوة، فكيف وهي من النبوة؟ ولوجه آخر لأنها كانت بدأة الخير ،له عليه السلام ،وللمسلمين لأن أول ما بدىء به الرؤيا الصالحة في النوم - كما في الحديث أول الكتاب - وحسن العهد من الإيمان. ومَنْ أولى بحسن العهد منه عليه السلام، لقوة إيمانه وكماله؟

وأما كونه عليه السلام يفسرها لهم فذلك منه تعليم لهم وإرشاد لكيفية التعبير. وهو لمن يعرفه من جملة المنن عليه، كما قال يوسف عليه السلام ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَمَني رَبِّي ﴾ (۲) وكل ما عُلمه الآدمي مما لم يكن يَعلَمه فهو من جملة النعم عليه .

وأما إخباره، عليه السلام لهم برؤيته تلك الرؤيا فلأنها ،وحى، لأن رؤيا الأنبياء عليهم السلام، كلها وحي عند العلماء وما يكون وحياً فلا يجوز له كتمه ؛ لأنه حكم من الله تعالى لعباده؛ ولأن تلك الأحكام المذكورة فيها - على ما نبيّن بعد إن شاء الله - أحكام ثابتة وفوائد جَمَّة لمن فهم فأراد الإخبار بتلك الأحكام والفوائد .

وقوله عليه السلام رأيتُ) الليلة رجلين زيادة تأكيد لما قدمنا من أنها صلاة الصبح . وقوله

(1) لفظ الحديث : إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يُحدِث أو يقم، اللهم اغفر له، اللهم ارحمه أخرجه الإمام مالك وابن زنجويه والنسائي وابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه

(۲) سورة يوسف، من الآية ٣٧ .

عليه السلام (أتياني) أي: جاءاني لموضعي الذي كنت فيه وقوله عليه السلام فأخذا بيدي ( فأخرجاني إلى الأرض المقدسة الأرض المقدسة هي بيت المقدس .

وهنا بحث في إخراجه عليه السلام في النوم إلى الأرض المقدسة : لم خُصَّت من بين الأرض بأن أري له عليه السلام فيها تلك الأمور التي في الرؤيا، ولم يكن في غيرها من الأرض؟ فالجواب أن الحكيم - كما قدمناه أولاً - لا يعمل شيئاً من الأشياء بحكم الوفاق ؛ وإنما يعمله الحكمة عَقَلَها مَن عَقَلَها، وجَهِلَها مَن جَهلها.

والحكمة هنا تظهر من وجهين : (أحدهما ) لأنها هي موضع الحشر، كما جاء عنه ، فأُرِي له عليه السلام الأمر في موضعه الذي فيه يكون و الوجه الآخر هو أن نسبة إسرائه عليه السلام، في اليقظة كنسبة إسرائه في النوم؛ لأنه حق والحق لا يتبدل فأول ما أسري به عليه السلام ليلة الإسراء إلى بيت المقدس، وهذه إلى بيت المقدس، فإن كانت هذه أولاً فهي تَدَرّج . وهو حاله عليه السلام في سلوكه، وهو أجلّ الأحوال على ما تقدم الكلام فيه . وإن كانت هي الآخرة فتكون إبقاء لأثر القُرْبِ والإيناس كما يأتي في موضعه من حديث الإسراء، إن شاء الله . وقوله عليه السلام: (فإذا رجل جالس ورجل قائم بيده كلوب من حديد - قال بعض أصحابنا عن موسى - إنه يُدخِل ذلك الكلّوبَ في شدقه حتى يبلغ قفاه ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك، ويلتئم شدقه هذا ، فيعود فيصنع مثله . قلت ما هذا؟ :قالا انطلق). الكلوب: حديدة ذات فَخِذَينِ، معوجة الأطراف .

وفيه دليل على عِظَم قدرة الله عزّ وجلّ، إذ إن أمور الآخرة ليست كأمور الدنيا في الغالب. يؤخذ ذلك من كَوْن الشَّدق الواحد يَلتَيْم بينما يدخل الكلوب في الآخر؛ ولو خرق الشدق في هذه الدار ما التأم إلا بعد أيام عديدة.

ويترتب على هذا من الفقه أن عذاب تلك الدار أضعاف مضاعفة من عذاب هذه الدار، كما قال تعالى في حقهم ( وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتِ ) (۱) وكون تلك الحديدة (١) معوجة الطرفين فلأنها أكثر في الإيلام وكونه جالساً بين يديه فلأنه أمكنُ له في التمكن من عذابه . وفيه دليل على أن العذاب يكون في الجارحة التي كانت بها المعصية في الدنيا كما قال

تعالى جَزَاءً وفَاقًا) (۲) ذلك من إخباره بعد في الحديث أنه يفعل بالكذاب

و

ضا

المـ

(۱) سورة إبراهيم من الآية ۱۷ . (۲) سورة النبأ من الآية ٢٦ .

ذلك

وهنا بحث ، وهو : هل هذا الذي راه ، الله مع كونه حقاً، هل ذلك مثال يعرف به الحكم،

وترى له الكيفية؟ أو ذلك حقيقة أري له بعض أهل المعصية على ما هم فيه ؟ محتمل لأنه عليه

السلام لم يخير أنه رأى من أهل هذا الحال إلا واحداً، وبالقطع إن أهل ذلك الذنب عدد كثير .

والقدرة صالحة للوجهين معاً .

وهل الموضع الذي رآه فيه عليه السلام أيضاً بالأرض المقدسة هو موضعه الذي كان دفنه فيه؟ أو فسح له عليه السلام من الأرض المقدسة حتى رآه في موضعه على حاله ذلك؟ فالقدرة أيضاً صالحة للوجهين معاً. وفيه أيضاً دليل على عظم قدرة القادر.

وفيه دليل على أن من الفصيح في الكلام الحذف والاختصار إذا لم ينقص ذلك من المعنى شيئاً . يؤخذ ذلك من قوله ( يدخله في شِدقه حتى يبلغ (قفاه ولم يذكر كونه يشقه بعد. فحذف ذلك للدلالة عليه بقوله ( فيلتئم شدقه هذا فلو كان ثقباً دون شق ما احتاج أن يبين أنه لا يرجع إلى الآخر إلا وهو قد التأم؛ لأنه إذا ثقب موضع من الشدق الواحد بقي منه مواضع غير ذلك . فيرجع فيثقب فيها، فيكون أكثر في تألمه، لكونه يبقى له جرح ، ويجرح جرحاً آخر في جنب الجرح الأول، ولكن لما كان شَقَّ لم يبق له فيه لِمَا يَرجع إلا أن يلتئم . فلذلك بين بقوله (فيلتئم) .

وقوله : ( فانطلقنا ) أي سرنا وقوله : (حتى أتينا ) أي بلغنا . وقوله : ( إلى رجل مضطجع على قفاه ورجل قائم على رأسه بقهر أو صخرة ) الفِهْر الحَجَر المدوّر والصخرة حَجَر مبسوط . وقوله (فيَشدَخُ به رأسَه) أي يكسره ويبالغ في كسره .

وقوله عليه السلام: (فإذا ضربه تَدَهْدَهَ الحَجَرُ ، فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع حتى يلتثم رأسه، وعاد رأسُه كما هو فعاد إليه فَضَرَبه) . هذه الصفة كناية عن شدة الضربة بالحَجَر، لأنه إذا ضرب به حتى زال عن يده وذهب إلى بُعْدِ منه من حيث يحتاج أن يمشي إليه وحينئذ يأخذه. فهذه الصفة عندنا في هذه الدار معلومة إنه إذا كان الذي يضرب بالحجر ذا قوة بعد ضرب الحجر في

الشيء الذي يُضرب به ويذهب عنه إلى بُعْد، وربما إن أصابت شيئاً آخر كان تأثيرها فيه كثيراً .

وفيه من الكلام مثل الذي قبل من الدليل على أمور الآخرة وعِظَمِها وعِظَمِ القدرة الربانية الجليلة. وفي هذا الفصل وفي الذي قبل ، دليل على أن أمور الآخرة ليست كأمور الدنيا . يؤخذ ذلك من كون هذا مضطجعاً لا يقدر أن يتحرك بلا شيء يحبسه ، والآخر قاعد أيضاً بلا شيء يحبسه كلاهما مستسلم لهذا الأمر العظيم. وفي هذه الدار لا يمكن أن يُحبَس أحد لبعض ما هو أقل من هذا

إلا بحبس شديد من وثاق أو غيره. هذا من عجائب القدرة .

وفيه أيضاً دليل يتبين به معنی قوله تعالی غِلاظٌ شِدَادٌ (۱) لأن قوة تلك الضربة لا تكون

إلا عن تلك الصفات المذكورة وهي من جملة التخويفات وهنا ،بحث وهو : لم خُص هذا العضو من سائر الأعضاء بالعذاب؟ فالجواب أنه هو الذي ترك السَّهَر بالتهجد ،بالقرآن كما يذكر في آخر الحديث . وهناك يكون البحث عليه . قوله عليه السلام : قلت ما هذا؟ قالا : انطلق فانطلقنا إلى ثَقب مثل التنور أعلاه . وأسفله واسع تتوقد تحته نار فإذا اقترب اقترب بمعنى قرب كقوله تعالى: اقْتَرَبَتِ

السَّاعَةُ

2 (٢) أى قربت. فإذا قربت منهم تلك بِحَرّها، وهذا كناية عن عظيم تأججها .

ه ضيق

وقوله: ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا منها هكذا تفعل القدر هنا إذا كانت على النار واشتدت النار تحتها غلت فارتفع ما فيها إلى أعلاها، حتى إنه إن غفل عنها رمت بعضَه خارج القدر فدل بهذه الصفة على عِظمَ حَرّها . والحكمة في كونه مثل التنور أعلاه ضيق لأنه أبلغ في حرارة النار ؛ لأنه تنعكس حرارتها إلى داخل .

وقوله : (حتى كادوا أن يخرجوا أي قربوا من الخروج وقوله : (فإذا خمدت) أي سكن حرها. وقوله رجعوا فيها أي رجعوا إلى الحالة الأولى. وقوله : ( وفيه رجال ونساء عراة الكلام عليه كالذي تقدم من إظهار القدرة وعِظَمها .

وهنا ،بحث وهو : لِمَ كان من تقدم من المعذبين منفردين، وهؤلاء مجتمعِينَ؟ فالجواب أن نقول : هذا كما أخبر عزّ وجلّ في كتابه بقوله : ﴿ جَزَاءً وِفَاقًا ) (۳) لما لم تكن هذه المعصية في هذه الدار إلا في جمع - والجمع ينطلق في اللغة على الاثنين فصاعداً - وهَتَكا ما أُمِرا به من ستر العورة كان هنالك كذلك. حكمة حكيم. وهؤلاء هم الزناة، كما يأتي بعد.

وفيه فائدة كبرى لمن رُزِق التصديق به والإيمان وأعني بالتصديق الذي يكون حقيقياً. وهي إن تحرك من النفس أو من الشيطان باعث لمثل هذا يذكرها هذه الحالة المهلكة فترجع عن غيها . ولهذا وما أشبهه أعلمنا به لأنه ليس من يخاف عقاباً على الجملة لا يدري قدره مثل من يخاف

عقاباً معلوماً .

هذا في الخوف أبلغ، كما ذكر عن بعض المتعبدين أنه حسده ناس من شياطين الإنس

(۱) سورة التحريم، من الآية ٦

(۲) سورة القمر من الآية 1 (۳) سورة النبأ من الآية ٢٦ .

في حاله المبارك ؛ فأرادوا أن يُوقعوه فأخذوا امرأة في غاية الحسن والجمال بعدما علموها ما تقول له، وكيف ،تستدرجه ،وزيّنوها، ثم تلاحوا بينهم حتى أظهروا كأنهم يقتتلون في شأنها، وكأنها ابنة أحدهم. ثم جاؤوه يرغبون منه، لعله يمسكها الليلة في بعض زوايا بيته، حتى يعودوا إليه، أو ما يشبه هذا المعنى. فامتنع ، فما زالوا في المَكْرِ به حتى أنعم لهم في ذلك . وهو لا يعرف لها صورة . فلما جَنَّ الليل ، وهو مشتغل بعبادته وإذا بها قد أنته على تلك الحالة بصورة خوف

لحقها، تستجيرُ به لتُرِيَه ،وجهَها ، وتجلس معه بادية الوجه بالقرب منه . فلم تزل تكيد عليه حتى راودته وعزمت عليه بالفاحشة فلما رأى جدّها قال لها : أمهلي يسيراً. وأخذ دهناً وألقاه في المصباح وزاده فتيلاً. فلما قويت شمعته جعل عليها ،أصبعه، وتركها ساعة، والنار تتقد فيها حتى اشتد عليه ألم النار، صاح صيحة وغشي عليه . وأدركها هي الرعب من حاله وصدقه مع الله ، فكفّت . فلما أصبح وأتوها وأخذوها وسألوها ، أخبرتهم بما جرى، فارتجعوا عنه . وقال بعضهم :

فكيـ

على البَرْدِ ليس تَقْوَ ولا على أيس

ـوَى لِحَرِّ نـ

وَقودُهـ

ـرارَه الناسُ والحِجارَه؟

وقوله عليه السلام: (فقلت ما هذا؟ قالا : انطلق فانطلقنا حتى أتينا الكلام على هذه الألفاظ كما تقدم أولاً، وكذلك تلك البحوث هل ما رآه عليه السلام، حقيقة أو تمثيلاً (۲) في كل وجه يتكرر البحث فيه ؟ والجواب عليه على حد واحد فإن القدرة لا تعجز عن شيء .

وقوله : على نهر من دم فيه رجل قائم. وعلى وسط النهر - قال يزيد ووهب بن جرير عن جرير بن حازم وعلى شط النهر - رجل بين يديه حجارة . فأقبل الرجل الذي في النهر ، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فردّه حيث كان فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان الكلام على ما فيه من أمر عظيم القدرة كما تقدم وما فيه من حذف بعض الألفاظ للدلالة عليه كالكلام على ما كان قبل . والحذف الذي هنا قوله رمى الرجل في فيه ولم يذكر الذي على حافة النهر ، وإنما حذفه لدلالة الكلام عليه ،قبل ولأن فيه الألف واللام وهي ،للعهد أي الرجل المعهود، وهو المذكور قبل. وفيه حذف آخر وهو قوله : (كلما جاء ليخرج رمى في فيه وسكت عن ذكر الرجل وموضعه، وإنما سكت هنا أيضاً عنه لما دل عليه الكلام أولاً، لأنه لم يذكر في القضية إلا رجلين لا ثالث لهما، وبين موضع كل واحد ، فإذا ذكر ما فعل بالواحد لم يفهم أنه فعله إلا الثاني

(1) الواو زائدة في جواب لمّا . (٢) أي كائن حقيقة أو تمثيلا .

وهنا بحث ، وهو : لم كان من تقدم قعوداً لا يتحركون ، وهذا يخوض في هذا النهر ويرجع؟ فالجواب : أنه لما كان الذنب الذي أوجب هذا هو أكل الربا والربا في هذه الدار لا يكتسب في الغالب إلا بالذهاب والرجوع، فكان عذابه من ذلك الجنس.

وكونه دماً : إنما كان ذلك كذلك لأن الدم ثخين ثقيل ، والخوض في الشيء الثخين الثقيل من أتعب الأشياء. ثم زيد لذلك : التألمُ بريحه . ثم زيد كذلك رَمْيُ الحجر في فيه، لأن به كان يأكل الربا، فكان ذلك عذاباً على عذاب مضاعف. ثم انظر إلى قدرة القادر ، كيف تزيده الآلام إذا أراد الخروج، ثم إنه مع ذلك لا يقدر أن يقف في ذلك الموضع حيث هو لشدّة ما هو فيه فيروم لعل راحة، فيزيده بلاء على بلاء، كما قال : بالبعد أشقى وبالقرب لا أستريح فما هي إلا الآلام تتأكد وتفيح" وقوله عليه السلام :قلت ما هذا؟ :قالا انطلق . فانطلقنا حتى انتهينا إلى روضة خضراء، فيها شجرة عظيمة، وفي أصلها شيخ وصبيان ورجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها الروضة الخضراء هي أحسن الروضات وهنا تحققنا أن هذا تمثيل لا حقيقة للموضع ، لأنه ذكر بعد أن هذا الشيخ إبراهيم عليه السلام والصبيان أولاد الناس. وذكر عن الرجل الذي يوقد النار أنه مالك

والكلام على توجيه البقعة والشجرة وما معناهما عند ذكره ، ل ، لذلك يأتي في آخر الحديث . وقوله عليه السلام : ( فصعِدًا بي الشجرة، فأدخلاني داراً لم أرَ قَطُّ أحسن منها من أكبر الأدلة على أن أمور الآخرة لا تطيق العقول فهمها إلا بعد علم أشياء عديدة وتوفيق ونظر في مثل هذا المثال الذي جعل فيه الشجرة طريقاً إلى الدار لا يقبله العقل بديهة. فإذا بين له على ما أذكره بعد إن شاء الله زاد إيمانه وقويت عظمة الله تعالى في قلبه .

وقوله عليه السلام فيها شيوخ وشباب ونساء وصبيان ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فيه دليل على أن هذه الدار الأولى كانت في بعض الشجرة. يؤخذ ذلك من كونهم حين خرجوا من الدار صعدوا في الشجرة.

وقوله : (فأدخلاني داراً هي أحسن وأفضل فيها شيوخ وشباب . قلت طَوَّفتماني الليلةَ، فأخبراني عمّا رأيتُ قالا : نعم الذي رأيته يشق شدقه قد تقدم الكلام على هذا أولاً، غير أنه ما ذكرناه هناك من الشق وكان مضمراً عاد هنا ظاهراً، وعاد الإدخال الذي كان هناك ظاهراً هنا

مضمراً .

(1) البيت مضطرب الوزن . و تفيح) تشتد وتهيج .

وقوله : ( فكذاب يحدث بالكذبة تُحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيُصنَع به إلى يوم القيامة) هكذا لا يفتر ، زائداً على ما لَهُ يوم القيامة من العذاب الأليم .

أقسام الكذب (1)

ونحتاج هنا أن نعرف الكذب الذي هو هذا عذابه، فنقول، والله المستعان: إن الكذب ينقسم على خمسة أقسام : فمنه واجب وصاحبه مأجور ، ومنه مندوب وصاحبه مأجور أيضاً على ما أبينه بعد، ومنه مباح ولا أجر فيه ولا إثم على قائله ومنه حرام وهو الذي عليه هذا الوعيد العظيم،

ومنه مكروه .

فأما الواجب منه فهو أن تعرف شخصاً في موضع ، ويسألك عنه من تعلم أنه يسفك دمه ظلماً وعدواناً، فيتعين عليك في هذا الموضع الكذب وتقول : لا أعلم وإن حلفك تحلف، وتُوَرّي في قلبك بأن تقول : أعني موضع قعوده أو هل هو واقف، أو مضطجع؟ فإنك لا تعرف في أي موضع الآن من البيت الذي هو فيه هل في الزاوية اليمنى أو اليسرى أو وسط البيت أو في موضع الحاجة ؟ لأنه من يحلف على غير حق عليه اختلف العلماء فيه : هل اليمين على نية الحالف أو على نية المحلوف له؟ على ثلاثة أقوال على نية الحالف أو على نية المحلوف له أو على نية الذي أرادها أولاً. ولم يختلف أحد منهم على أنها إذا كانت في حق عليه فإنها على نية المحلوف له؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (اليمين على نية المحلوف له) (۲) فإن صدق هنا ودله عليه كان قد شارك في قتل مسلم بغير حق. وقال : (مَن) شارَكَ في قتل مسلم ولو بشطر كلمةٍ جاء يوم القيامة وبين عينيه : ايس من رحمة الله ) (۳). وما أشبه هذا النوع فالكذب فيه واجب . ومن فعل واجباً كان مأجوراً . وأما المستحب فالكذب في الحرب مع نزيله لقوله و الحرب خدعة) (1) . فيكون مأجوراً لاتباعه السنة في ذلك الموطن. ونحتاج أن نبين هذا الكذب بالمثال من أجل أن (٥) تعطيه العهد ثم تقتله، وتظن أن ذلك هو الكذب الجائز في الحرب، وهو أن فعلته، نقض عهد ، ونقض العهد حرام لا يجوز . وقد كان عمر رضي الله عنه، يكتب إلى جيوشه بالأمصار : من بلغني عنه أنه قال للعلج (مُطَّرس) ثم قتله قتلته به . و (مُطْرس) بلغتهم الأمان الأمان.

(۱) هذا العنوان وضعناه لبيان ما يلي من تفصيل وليس موجوداً في الأصل.

(۲) نص الحديث : اليمين على نية المستحلف . رواه مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة رضى الله عنه الحديث : من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة لقي الله يوم القيامة مكتوبٌ بين عينيه : آيسٌ من رحمة الله . أخرجه ابن ماجه والبيهقي عن أبي هريرة والطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهم .

(۳) نصر

(٤) حديث صحيح متواتر . (٥) يريد من أجل خشية أن .

فمثال الكذب الذي يجوز في الحرب أن يقول لنزيله : مَنْ ذلك الشخص الذي خلفك؟ وليس وراءه أحد من أجل أن يلتفت فيتمكن منه أو يقول له : ما بال حزام سرجك محلولاً؟ تريد أن تريني حُسن ركوبك؟ فإما أن يلتفت إلى حزام سرجه فيتمكن منه وإما أن يدخله الشك فيبقى يشتغل بحبس نفسه في سرجه ، فَتَقِل شطارته لذلك، فيكون أمكن منه ، وما يشبه هذا النوع .

وأما الكذب المباح فمثل أن يكون الشخص قد فعل شيئاً ونسي أنه فعله فيسأل عنه فيقول:

لم أفعله فهذا من قبيل المباح، لأنه قال لا ) ( إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان)(۱) تجاوز عنه، فلا إثم عليه، ولا هو أيضاً فيه مأجور. فهذه صفة المباح . أعني في عدم الإثم، وعدم الأجر . فما كان هذا سبيله من جميع الأشياء فهو مباح. وأما المكروه فهو ما يَعِدُ بِهِ الرجل امرأته من الإحسان ولا يفي لها به، لقول سيدنا الله للسائل الذي سأله : أأكذب لامرأتي؟ فكره ذلك ، فقال له : أعِدُها؟ قال : افعل .

وقد ذكر بعض الناس أنه إن اشترى حاجة لامرأته ليست بواجبة عليه إلا من طريق الإحسان لها، ويخبرها عن ثمنها بأزيد مما دفع فيها أنه من قبيل المكروه؛ لأنه لا يترتب عليه إلا مصلحة نفسانية، وهي كونها تطاوعه في كل ما يريد ولا يترتب عليه أيضاً مفسدة كما أخبر في الحديث ( من فتح باب ضرر للمسلمين بكذبه) (۲) ، وقد قال الله في حديث آخر (من) ضارّ بمسلم ضرّ الله . به مثال ذلك أن يُسأل شخص قد جاء من بلد إلى بلد آخر عن سعر ذلك البلد الذي جاء منه، فيخبر أرفع مما هو، فيخطر لأحد أهل ذلك الموضع أن يجلب إليه الطعام لما يرى من الفائدة في ذلك السوم الذي أخبر به الكذاب فإذا أتعب نفسه وغرَّرَ بها ، وبِمالِهِ ، وبلغ البلد، وجد السعر ناقصاً عما قيل له، فخسر في ماله ، وتغير حاله وخاطره ، وكثرت عليه المفاسد وسبب ذلك تلك الكذبة . هذا وما يشبهه هو الممنوع .

وأما الحرام الذي عليه هذا الوعيد العظيم فهو المتعهد للكذب بلا عذر مما تقدم ولا مما يشبهه، وقد قال : (لا يزال الرجل يتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذاباً) (۳) ، وهو الذي يقول الله : ضد الحق عامداً لذلك . وقد جاء أن الرجل يُحاسب على الكذيبة، وهي أن تنفلت منه ،دابته فيروم

(۱) بقية الحديث وما استكرهوا عليه . أخرجه ابن ماجه عن أبي ذر والطبراني والبيهقي في الأفراد والحاكم في المستدرك عن ابن عباس رضي الله عنهم .

(۲) لم نقف على مصدره .

(۳) أوله : عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر .. أخرجه الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد ومسلم

والترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه .

ذا

م

ن

أخذها فلا يطيق ذلك، فيُخرج لها التعليقة التى كانت تأكل فيها العلف ليريها أن بها علفاً، وليس فيها شيء، فتأتيه فيأخذها . فإذا كان السؤال عن مثل هذا فما بالك بغيرها .

وقوله : (يفعل به إلى يوم القيامة إذا كان هذا من حين موته إلى يوم القيامة فكيف حاله يوم القيامة؟ لو لم يكن إلا ذلك لكان أمراً عظيماً . وفيه دليل على أن لأصحاب المعاصي عذابين . عذاباً في قبورهم، وعذاباً آخر يوم القيامة .

وقوله : (والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه الله ،القرآن فنام عنه بالليل، ولم يعمل فيه بالنهار، يُفعل به إلى يوم القيامة فيه دليل لأهل السنة الذين يقولون : إن أفعال العبد كسب له، وخَلْق لربه . يؤخذ ذلك من قوله (علمه الله (القرآن) فأضاف حقيقة التعليم إليه - عزّ وجلّ ـ وإن كان

العبد قد تسبب فيه بالدرس والاجتهاد.

وهنا بحث وهو كيف يقع العذاب على ترك القيام بالليل وهو من جملة المندوبات والمندوب لا يعذَّب عليه تاركه؟ فالجواب أن نقول : قد اختلف العلماء في وجوب قيام الليل. فمنهم من قال بوجوبه . والذي قال بوجوبه قال : هو قدر فواق ناقة أي قدر ما تحلب الناقة. فعلى هذا القول فالحديث له فيه دليل فلا بحث على هذا الوجه ومنهم من قال : إنه مندوب وهم الجمهور. وعلى هذا يقع البحث والجواب عنه من وجهين :

(أحدهما) لما كان يُعذَّب على غير الكبائر اتبعتها الصغائر لقوله تعالى : ﴿ إِن تَجتَنِبُواً كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ (1) فدل على أنه إن لم يجتنب الكبائر يعذب على الجميع، وليس ترك مندوب متفق عليه كمندوب مختلف في فرضيته أو ندبيته فبهذا نلحقه بالصغائر، وإن كان عند الأكثر مندوباً من أجل خلاف بعض العلماء في وجوبه، كما تقدم.

و (الوجه الآخر هو أنه قد جاء : (أن العبد يُنظَر يوم القيامة في صلاته فإن أتى بها فحسن،

وإن كانت ناقصة قال الله تعالى : انظروا إلى عمل عبدي إن كان له نوافل أكملوا منها صلاته (۲) .

ومثل ذلك في كل الأعمال إذا لم يكملها وله نافلة من جنسها جبرت منها، فضلا من الله ورحمة فلما ترك هذا قيام الليل الذي يجبر به ما ضيعه من صلاة نهاره عذب عليه، لكونه لم يفعل ما يجبر فرضه، فتكون تسميته بالعذاب ليس من أجل نفسه، وإنما هو من أجل ما نقصه من فرضه ولم

(۱) سورة النساء، من الآية ۳۱ . (٢) أوله : إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله الصلاة . أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه

يفعل ما يجبره. فالعذاب في الحقيقة إنما هو ما نقص من فرضه، وقد قال جل جلاله : ( إِنَّ نَاشِئَةٌ الَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْنَا وَأَقْوَمُ قِيلا ) (۱) وهذا الوجه هو الأظهر ، والله أعلم . ولذلك استحب العلماء كثرة النوافل من جميع أنواع المفروضات من أجل ما يتوقع من نقص الفرض

وقد يحتمل أن يكون المراد بقوله (نام) عنه (بالليل أنه ترك صلاة الليل فيكون اللفظ عاماً والمراد به الخصوص، لكن بشرط ألا يكون نومه غلبة، فإنه إذا غلبه النوم كان معذوراً لقوله عليه السلام من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ، فذلك وقت لها ) (۳ ) . لكن هذا الشرط لا يسوع أن يشترط إلا إن كان هذا الحديث الذي نحن بسبيله بعد حديث الرخصة في النوم عن الصلاة (٣)، وهو حديث الوادي وإن كان قبله فهو على العموم كان النوم بغلبة أو غيرها والانفصال عنه من ثلاثة أوجه - كما ذكرنا - وأظهرها الثاني منها . والله أعلم .

واحتمل وجهاً رابعاً وهو أن يكون كنَى عن تضييع عمل النهار بقوله : (لم يعمل فيه بالنهار) وكنى عن ترك العمل في الليل بالنوم، لأنه أبلغ في الترك

وقوله : (والذي رأيته في الثقب فهم (الزناة قد تقدم الكلام عليهم، وبقي فيه بحث وهو : لِمَ كان العذاب لمن تقدم ذكرهم في بعض الجوارح دون بعض وللزناة في البدن كله ؟ فالجواب : لما كان من تقدَّم ذكرهم معصيتهم بعضو دون عضو كان العذاب كذلك . ولما كان الزنا يتلذذ به البدن كان العذاب لجميع البدن ولوجه اخر أيضاً لأنه من أكبر الكبائر لأنه قد جاء : (أنه لا يهتز

العرش إلا لنطفة مني حرام أو قطرة دم حرام (4) وقد يكون لمجموعهما وهو الأظهر . والله أعلم

جميع

وقوله ( والذي رأيته في النهر أكل الربا قد تقدم الكلام عليه أيضاً، لكن بقي هنا بحث وهو :

كون المساق واحداً ومن محتملاته الحقيقة والمجاز ، فلم سكت عنهما ؟ هل اختصاراً أو ليس؟ فالجواب : إن قلنا : إن الكل تمثيل فالحكم واحد، ويكون سكوته اختصاراً. وإن قلنا إن الكل وما فعل حقيقة فالمتقدم ذكرهم ما عدا الزناة وأصحاب الربا قد يكون يفعل بهم ما قدر عليهم من العذاب، وهم في قبورهم، وأن هذين المذكورين يكونان مثلهم مثل آل فرعون لعظم ما أتوا به.

بهم

(۱) سورة المزمل، الآية ٦ .

:لفظه من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها. وفي رواية : لا كفارة لها إلا ذلك أخرجه الإمام أحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن أنس رضي الله عنه .

(۳) انظر سنن النسائي ١/ ۲۹٥ - ۲۹۹ ففيها روايات لأحاديث عن إعادة من نام عن الصلاة وكيفية قضاء الفائت

منها .

(٤) لم نقف على مصدره .

وقد قال تعالى في ال فرعون النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوا وَعَشِيّا ويوم تقومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا عَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) (۱) والقدرة صالحة، فيكون سكوته على هذا الوجه مستدعياً للفكرة

والاعتبار .

وقوله (والشيخ في أصل الشجرة (إبراهيم فيه بحث وهو : ما هذه الشجرة التي الدور في أعلاها، وإبراهيم عليه السلام في أصلها؟ فالجواب : أن الشجرة هـ شجرة الإيمان والإسلام. لقوله تعالى ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ. تُؤْتِ أُكُلَهَا كُلَّ حِينِ بِإِذْنِ رَبِّهَا ) (۲) وكون إبراهيم عليه السلام في أصلها فلأنه الأب لجميع المؤمنين، لقوله تعالى : ( مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَهِيمُ هُوَ سَمَّنكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبل (۳) والآب هو )

الأصل، فكان ذلك تمثيلاً حسناً جداً .

وقوله (والصبيان حوله فأولاد الناس احتمل الألف واللام هنا أن تكون للجنس، فيكون المراد أولاد المؤمنين والكافرين؛ لأنه قد جاء أن أولاد الكفار يكونون في الجنة خدماً للمؤمنين ؛ لأنهم على فطرة الإسلام، فيكونون بعد في أصل الإسلام ، و لا اله الا الله و قد قال : (ما من مولود يولد إلا على الفطرة فأبواه يُهَوّدانه أو يُنصرانه أو يُمَجِّسانه) (٤) . واحتمل أن تكون الألف واللام للعهد فيكون المراد أولاد المؤمنين ليس إلا، لأنه قد جاء في أولاد الكفار أنهم من ابائهم . وأما كونهم في أصل الشجرة والدور من فوقهم فلأن تلك الدور هي دور الأعمال، أي درجات الأعمال كما يذكر بعد والصبيان ماتوا وهم دون التكليف وليس لهم ما يدخلون به تلك المنازل حتى يتفضل الله عزّ وجلّ عليهم بما شاء وفيه دليل على أن أولاد المؤمنين مؤمنون، لكونهم مع ابائهم. وقد اختلف العلماء فيهم هل هم من المقطوع لهم بالجنة، أو هم في حكم المشيئة؟ على قولين وسبب اختلافهم اختلاف الأحاديث فإنه قد جاء عنه أنه قال في حقهم : ( عصفور من عصافير الجنة) (٥) ، وجاء عنه أنه قال: (الله أعلَمُ بما كانوا عاملين) (٦) وأما الروضة فهي كناية عن أصل الخلقة، لأنه قد جاء : أن آدم عليه السلام كانت طينته من

(1) سورة غافر من الآية ٤٦ (۲) سورة إبراهيم من الآية ۲٤ و ۲۵

(۳) سورة الحج ، من الآية ۷۸

(٤) قطعة من حديث أخرجه الشيخان وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله .

(٥) سبق تخريجه في الحديث ۲۳ .

(٦) سبق تخريجه في الحديث ٢٣ .

جميع بقع الأرض طيبها وخبيثها وسهلها ووعرها) (۱) . فالمؤمنون من الأرض الطيبة التي تلك الشجرة فيها وهي شجرة الإيمان وبها ،نباتها فلا ينبت الطيب إلا فى الطيب، كما قال تعالى : وَالطَّيِّبَتُ لِلطَّيِّبين ) (۲) والكافر من الأرض الخبيثة . والأرض الخبيثة لا تنبت إلا خبيثاً، مثل الحنظل وما أشبه كما قال تعالى: ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ أَجْتُنَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا

لَهَا مِن قَرارِ ) (۳) . وقوله: (والدار الأولى التي دخلت الجنة دار عامة (المؤمنين لأجل أنها دار عامة المؤمنين

كان فيها الرجال والنساء والشباب والشيوخ، لأن هذه الأربع صفات احتوت على جميع أنواع المؤمنين. وفيه أيضاً تحقيق لما ذكرنا أن الشجرة هي عبارة عن الإيمان، لأن الإيمان هو الطريق إلى

الجنة بلا خلاف .

وقوله : ( وأما هذه الدار فدار الشهداء ) لأجل أنها دار الشهداء لم يكن فيها إلا شيوخ وشباب. وهنا بحث ، وهو : لِمَ لَمْ يكن في الدار التي للشهداء إلا نوعان شيوخ وشباب؟ ولم يكن فيها نساء؟ وقد عد في الشهداء المرأة تموت حاملاً شهيداً، والمرأة تموت بِجُمْعِ (٤) شهيد؟ فالجواب أنه لم يختلف أحد في أن أعلى الشهادة القتل في سبيل الله وإن كان الشهداء سبعة كما جاء في الحديث: (المبطون والمحترق والغريق وصاحب الهدم وصاحب ذات الجنب والمرأة تموت حاملا والشهيد))، فإنما المراد هنا تبيين فضل الشهادة في سبيل الله من أجل التحضيض عليه، والله أعلم .

وهنا بحث وهو : لِمَ أخَّرا الإخبار له عليه السلام بما رأى إلى آخر الرؤيا، ولم يخبراء عند كل قضية بها؟ فالجواب أن تأخيرهما الإخبار إلى آخر الرؤيا فيه من الحكمة التيسير لجمع

(1) أصل الحديث : إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب وبين ذلك . أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي عن أبي موسى رضي الله عنه .

منهم

(۲) سورة النور ، من الآية ۲٦ . (۳) سورة إبراهيم من الآية ٢٦ .

رضي

(٤) بِجُمْع (مثلثة الجيم ساكنة الميم ) أي : ماتت وولدها في بطنها . وقيل : إذا ماتت عذراء أيضاً . (٥) كثيرة هي الأحاديث التي تعدد الشهادة منها حديث جابر بن عتيك أن رسول الله جاء يعود عبدالله بن ثابت الله عنه فوجده قد غلب عليه ... إلى أن يقول : قال النبى الله : الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله : المبطون شهيد والغريق ،شهيد وصاحب ذات الجنب ،شهيد والمطعون ،شهيد وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم ،شهيد والمرأة تموت بجمع شهيد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان

في صحيحه .

ش:

مثل

سین

ـاع

لى

بها

راه

جاء

مل

د،

یان

الفائدة، لأنه إذا رأى شخص شيئاً وأخبر بمعناه ثم رأى شيئاً اخر وأخبر بمعناه، وتكرر ذلك في أشياء عديدة، فمن الجائز أن ينسى بعض ما قيل له. وإذا أريت له الأشياء ولم يُخبر إلا اخرا بقي الخاطر بجميعها مشغولا، وإلى ما يلقى إليه متشوّفاً ، فيكون ذلك أكد فى التحصيل، ولحفظ ما به أخبر. ولذلك كان عليه السلام إذا كان شيء له بال يسأل ثلاث مرات الشخص، أو يناديه ثلاثاً، وحينئذ يعلمه، وما ذاك إلا لِجَمْع الخاطر إلى ما يلقى إليه ونفى الالتفات للغير كما قال عليه السلام يا) معاذ ثلاثاً ومعاذ في كل مرة يقول : لَبَّيْكَ يا رسول الله وسَعْدَيْكَ ) (۱) فـ أخبره به إلا بعد الثلاث، لتلك الحكمة المشار إليها . يخبره بالذي

وفيه أيضاً سؤال ثالث . وهو : لِمَ لم يُعرِّفاهُ بأنفسهما أولاً، وتركا التعريف بأنفسهما إلى آخر؟ فالجواب : لو عرفاه أولاً لوقع الاستئناس بهما والإدلال عليهما حتى يسألهما عما رأى أوّلاً بأول ولا يمكنهما إلا الجواب ،له عليه وعليهما الصلاة والسلام ، لما يلزمهما من الأدب معه والاحترام له، وعند التنكير تبقى النفس مجموعة بما ترى مشغولة بحالها . وعرّفاه آخِراً بأنفسهما لِيَعلم أن ما رأى كان حقاً كله بواسطة الملك الذي نزل بالقرآن، لأن هذين لا يدخلهما تأويل، ولا يُشَك فيهما ، وإن كانت مرائيه عليه ،السلام كلها حقاً، فليس الحق كله في القوة الواقعة في النفوس على حد سواء. وللقوة في ذلك وبنوه، فمنها بحسب قوة سياسة المبلغ إليه، ومنها بحسب معرفتك بحال مبلغها إليك .

وفيه دليل على أن الملائكة عليهم السلام تتطور لأن سيدنا ، و قد كان يعرف هذين الملكين، فلما راهما على صورة لم يرهما عليها لم يعرفهما .

وقوله : (فارفع رأسك . فرفعت رأسي، فإذا فوقي مثل السحاب . قالا : ذلك منزلك . فقلت : دعاني أدخل منزلي قالا إنه بقي لك عمر لم تستكمله ، فلو استَكْمَلْتُهُ أتيت منزلك فيه بحث : وهو أن يقال : أليست هاتان الداران من الجنة ،وتراه عليه السلام قد دخلهما، وخرج منهما فلم مُنع عليه السلام من منزله، وهو أيضاً من الجنة حتى يستكمل عمره؟ فالجواب أنه إنما دخل عليه السلام هاتين ،الدارين وإن كانتا من الجنة لأنه ليس له فيهما أهل لنفسه ولا لأهلهما أيضاً تعلق ،به كتعلقهم بمن هم .له . ودخوله عليه ،السلام الجنة حق للنص عليه بقولهما (التي دخلت الجنة وقد رأى عليه السلام ما بين الدارين من التفاوت، وما بينهما من المسافة إلا القدر القليل والنزر اليسير بالنسبة لما بين الدارين. ولما رأى عليه السلام بعد المسافة بين منزله وبين المنازل التى دخل وعايَنَ حصل له العلم بعظم المنزلة وكيفيتها، وهناك

(1) أخرجه الشيخان عن أنس بن مالك عن معاذ بن جبل رضي الله عنهما .

أهله من الحور والولدان وهم موعودون به، والوعد حق لا خلف فيه . فلو وقع الاجتماع لم تمكن الفرقة للوعد الحق . وكذلك جميع القصور والأشجار التي هناك والأنهار منتظرة له ، عليه السلام. فهذا - والله أعلم - بمقتضى الحكمة أوجب منع الدخول إلا بعد توفية العمر . وفيه بحث ثانٍ أيضاً : لِمَ أُخر رؤية منزله ، عليه السلام آخراً ولم يكن ذلك أولاً؟ فالجواب أنه قد جرت الحكمة أن الأشياء لا يتبين قدرها إلا بمعاينة ما هو أقل منها فأخرا الإخبار له عاين ذلك، فكبرت النعمة إذ ذاك وعظمت . وأما كونه عاين منازل المؤمنين وحينئذ عاين منزله فلان

ووج

الختام إنما يكون بأجل الأشياء، ولذلك قال عزّ وجلّ خِتَمُهُ مِسْدٌ ﴾ (۱) وقد قال بعضهم : (وساقي القوم آخرهم شراباً) (۲) ، وهو عليه السلام المخير لنا، فأخَّرَ الإخبارَ بخَبَرِهِ الخاص به.

وفائدة هذا الحديث الإيمان بما فيه من الوعد والوعيد والعمل على طريق النجاة فهي

الفائدة التي من أجلها أخبرنا بما تضمن.

يا سيدي،

ومن هنا فَضَل أهل الطريق غيرهم لأنهم صيروا العلم حالاً، حتى إنه يذكر عن بعض التلامذة أنه غاب عن شيخه أياماً كثيرة فلما أتاه قال له يا بني ما حبسك عني؟ قال له : سمعت منك ،آيتين فعملت عليهما، لأن أتخدهما حالاً فجاهدت النفس على ذلك حتى من الله به ، أو ما في معناه فقال له الشيخ وما هما يا بني ؟ قال : الأولى قوله تعالى : ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَمُ . وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (۳) والثانية قوله تعالى : وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾ (٤) فجاهدت النفس على

ج

التزام عمل الخير، ولا تترك منه ذرة، وترك الشر، ولا تقع فيه بِذَرَّةٍ. وعلمت أني من أحد دواب الأرض، ورزقي عليه ويعلمني ، وحيث مستقري، فَأَزَلْتُ تعلق القلب من الرزق لوعده الجميل لأنه لا يخلف الميعاد ولعلمه ،بي وأين مستقري فهو عزّ وجلّ ييسره لي بحسن لطفه ووفاء وعده . فقال له الشيخ: هنيئاً لك يا بني، فلقد فقت العابدين. هذا مقصود الموالي من العبيد، ولذلك قال من قال : إذا كان وَعدك بالرزق لا يُخلف وطلبك الأمر من غيره لا يُعرَف، فحسبي تصديق وعدٍ لا يُخلف، واشتغالي بأمر غيره مني لا يُعرَف.

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) سورة المطففين، من الآية ٢٦ .

(۲) لفظه (ساقي القوم اخرهم شربا ) أخرجه الترمذي وابن ماجه عن أبي قتادة رضي الله عنه .

(۳) سورة الزلزلة ، الايتان ۷ و ۸ .

(٤) سورة هود من الاية ٦ .

حديث لا حسد إلا في اثنتين

عَنِ ابن مسعود (۱) ، رضيَ الله عَنهُ قالَ سَمِعتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقولُ : لا حَسدَ إلا في : التينِ : رَجُل آتاه الله مالاً فَسَلَّطه على هلكته في الحَقِّ، وَرَجُلٍ آتَاهُ الله حِكمَةٌ فَهُوَ يَقضي بها

ويُعلمها.

ظاهر الحديث يدل على جواز الحسد في الصفتين المذكورتين ومنعه مما عدا ذلك والكلام عليه من وجوه :

أحدها هل هذا الحسد هنا حقيقة أو مجاز ؟ محتمل . والظاهر أنه مجاز. وهو إذا تحقق : غبطة وتنافس . وقد قال جل جلاله وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ (٢)

والدليل على أنه غبطة لا حسد لأن حقيقة الحسد إنما بكون في شيء ينتقل عادة من واحد إلى اخر بوجوه ممكنة جائزة، مثل أن يرى شخص على شخص نعمة فيريد أن تنتقل تلك النعمة إليه، ويفقدها صاحبها، ولذلك قال جلّ جلاله لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اَكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَا

(1) عبد الله بن مسعود أبو عبد الرحمن صحابي ابن صحابية سادس ستة في الإسلام من أكابرهم فضلاً وعقلاً وقرباً من رسول الله . وشهد الغزوات من بدر إلى اليرموك، أجهز على أبي جهل في بدر ، وشهد له النبي بالجنة ، وقال فيه : ساقاه النحيلتان اللتان ضحك منهما الصحابة لما تسلق شجرة) أوْزَن من جبل أحد عند الله يوم القيامة. كان صاحب نعل رسول الله ، كان يُلبسه إياها، فإذا جلس عليه السلام جعلها ابن مسعود في ذراعه. كثير الدخول على رسول الله وكان يقال له : صاحب السواك والنعل . روي له ٨٤٨ حديثاً اتفق الشيخان على ٦٤ منها . ويعد ابن مسعود مرجع الإمام أبي حنيفة وأصل مذهبه في الحديث. وفيه قال : (خذوا القرآن من أربعة من ابن مسعود وأبي بن كعب ومُعاذ بن جَبَل وسالم مولى أبي حُذَيْفَة. ويُقسم ابن مسعود أنه يعرف كل اية أين نزلت، وفيم نزلت ولو يعلم من هو أعلم منه لركب إليه . وكان في مرضه يشكو ذنوبه لعثمان. وأوصى بناته بقراءة سورة الواقعة أمناً من الفقر . وهو أحد العبادلة الفقهاء ت ٣٢هـ / ٦٥٣ في المدينة المنورة وصلى عليه

عثمان رضي الله عنه . (۲) سورة المطففين، من الاية ٢٦ .

اكْتَسَبَنَ وَسَتَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ) (۱) معناه : لا يطلب أحد من أحد مما أنعم الله عليه، ويسألُ الله الذي أنعم على أخيه أن ينعم عليه بفضله، فإن كل نعمة من الله على عباده إنما هي من فضله ومَنْه لا بوجوب ولا استحقاق

ولذلك قال : إذا حسدت فلا تَبْغِ ( ) لأن الحسد هو ما قدمنا ذكره من انتقال النعمة التي على شخص إلى غيره، وقد يكون انتقالها بزيادة خير للآخر. مثال ذلك : أن يرى شخص ثوباً على شخص، فيتمنى أن يعطيه إياه، ويطلبه ،له، فيفتح الله على صاحب الثوب بما هو خير منه، فيتصدق به على الذي حسده فيه أو يبيعه منه ، فقد حصل للحاسد ،مقصوده ، وزادت النعمة على المحسود. والبغي هو أن يريد أن تنتقل النعمة من صاحبها إلى غيره بضرر يلحق صاحب النعمة . مثال ذلك أن يرى أحد بعض متاع الدنيا عند شخص، فيتمنى أن يكون ذلك المتاع عنده، وصاحبه ميتاً أو مقتولاً، أو منفياً أو ما أشبه ذلك من وجوه الضرر. فهذا معنى قوله : إذا حسدت فلا تبغ أي إن وقع منك حسد فلا يكون بغياً، أي بضرر لغيرك فالأولى ألا تحسد أحداً. فإن أعجبك شيء من الأشياء، فاسأل الله أن يعطيك من فضله كما أعطى ذلك الشخص فإن لم تقدر على ذلك وأبت نفسك إلا ذلك الشيء بعينه فاسأله بلا ضرر يلحق لصاحبه فإن طلبته بضرر فذلك هو البغي، وهو من أعظم الذنوب .

وقد رأيت في بعض التواريخ أن شخصاً فتح الله عليه فتحاً عظيماً من الدنيا، وكان بعض المساكين يمشي في الأزقة والأسواق، وما كان دعاؤه إلا أن يقول : اللهم افتح عليّ كما فتحت على فلان، ويذكر ذلك الشخص المنعم عليه . فقال له يا هذا ما لك وما لي؟ أما وجدت أن تسأل الله إلا مثل ما أعطاني؟ ألا تكف عني؟ كلامك يزيدني ،شُهرة وربما قد يلقاني منه أذى. فأبى المسكين أن ينتقل عن ذلك القول . وقال له : ما شَتَمتُك ولا سَبَبتك ، وأنا أدعو بما يظهر لي فلما قال له ذلك، قال له كم يكفيك في يومك على ما تشتهيه من النفقة؟ فسمّى له عدداً ، فالتزم له إعطاء ذلك العدد كلَّ يوم، ويقعد في داره ولا يذكره ولا يسأل أحداً، فبقي يُجري عليه ذلك

المعروف حتى توفي .

وهذه الحكمة المرادة في الحديث لم يُجرِ الله عزّ وجل، عادته أنه يأخذها من واحد ويعطيها آخر مثل حطام الدنيا، وكذلك المال أيضاً لأنه إذا أنفق لا يرجع إلى أحد لأنه قد حصل في

(۱) سورة النساء من الآية .۳۲.

لفظه : إذا حسدتم فلا تبغوا وإذا ظننتم فلا تحققوا وإذا تطيرتم فامضوا ، وعلى الله فتوكلوا . أخرجه ابن عدي عن أبي هريرة رضي الله عنه .

الآخرة ؛ لأنه ما حسده في المال نفسه وإنما حسده في كونه أنفقه فـ أسقط عنه ما عليه من الحق، وثبت في ديوان حسناته . ومثل ذلك مثل من يرى شخصاً قد حج كذا حقه. وإنفاقه في حقه قد وكذا حجة، وجاهَدَ كذا وكذا مرة فحسده على ذلك، فحقيقة الحسد في مثل هذا إنما هو غبطة، لأنه في الحقيقة تمنى أن يفعل خيراً مثله . وكلام العرب فيه المجاز كثير، وهو من فصيحه وهنا بحث وهو ما المراد بالحكمة هنا؟ الظاهر أنها الفهم في كتاب الله عزّ وجلّ ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ) (۱) قال العلماء : الحكمة هي الفهم ب كتاب الله . والدليل على ذلك من الحديث قوله يقضي به ( ) أي يحكم بها ولا يحكم أحد بشيء بعد الإسلام ويكون مأجوراً فيه إلا بكتاب الله عزّ وجلّ، وسنة رسول الله ، . والفهم في كتاب الله كالفهم في سنة رسول الله ، ، ل ، لأنهما من الحكمة والحكم بهما مخرج واحد، لأنهما الثقلان اللذان قال له فيهما : لن تضلوا ما تمسكتم بهما ) (۲)

وتعليمهما للغير من الكمال، لأنه إذا كان يفهم عن الله ويعمل به ويعلمه فهو أعلى المقامات؛ لأن هؤلاء هم ورثة الأنبياء عليهم السلام وقد قال عليه السلام: إذا مات المرء انقطع عمله إلا من ثلاث ولد صالح يدعو له، وصدقة جارية، وعِلم يُنتفع به بعد موته) (۳) ، وأعلاها بَثْ العلم والعلم الذي فيه هذا الأجر العظيم هو علم الكتاب والسنة، أو ما استنبط

منهما، وقد جاء أنه من صلى الفريضة وقعد يعلم الخير نودي في ملكوت السموات عظيماً . وهنا بحث وهو : هل الفهم في الكتاب معناه فهم الأمر والنهي من التحليل والتحريم ليس

إلا ؟ فإن كان هذا فقد حصل لمن تقدم، ولم يبق للمتأخر شيء منه ، لأن الأصول قد تقعدت والأحكام قد ثبتت . أو أن المقصود ذلك وما فيه من الحكم وفوائد أمثاله وفهمها؟ فإن كان هذا فهو لا ينقضي إلى يوم القيامة، ويأخذ منه المتقدم والمتأخر، كلُّ بحسب ما قسم له. وإلى ذلك أشار بقوله صلى الله عليه وسلم فيه : (لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الردّ ، ولا يشبع منه العلماء) (٤) . مثال ذلك قصة موسى عليه السلام في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاهَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ . قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ . فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ أَضْرِب بَعَصَاكَ الْبَحْرُ فَأَنفَلَقَ

(1) سورة البقرة من الآية ٢٦٩ . (٢) أول الحديث : تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي الخ.. أخرجه الحاكم عن أبي هريرة (۳) أصله : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث .. الخ .. أخرجه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه .

رضي

الله عنه .

جزء من حديث طويل أوله إلا أنها ستكون فتنة . أخرجه الإمام أحمد من حديث سيدنا علي رضي الله عنه .

فَكَانَ كُلُّ فِرْقِ كَالطَّودِ الْعَظِيمِ ) (۱) ينبغي أن نعلم ما الفائدة بالإخبار بهذه القصة لنا، وما لنا فيها من التأسي بمقتضى الحكمة؟ ومن تقدم من العلماء لم يتعرضوا لهذا المعنى، فيما أعلم، وهو مما نحن مخاطبون ،به لأنه لم يقص علينا القصص عبثاً، لأن الله عزّ وجلّ، يقول: ﴿ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) (۲)

فالفائدة في ذلك - والله أعلم - أنه لما لم يخرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل إلا بعد ما أمره الله تعالى بذلك، ثم قام البحر أمامهم، ورأوا الجمع وراءَهم، وقد وقع العَينُ بالعَين أيقنوا بالعادة الجارية أنهم مُدرَكون، فسألوا ،موسى عليه السلام لعله يكون عنده أمرُ من الله تعالى يفعله عند وقوع العين بالعين؛ لأن قولهم ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ) - وهو عليه السلام قد أبصر ما أبصروا من الجمع والبحر - ما الفائدة فيه إلا استخراج ما عنده في ذلك، فلم يكن عنده شيء مستعد للعدو إلا أنه يعلم أن الذي أمره ووفقه لامتثال أمره ،هو معه ، ولا يُسْلِمُهُ.

فلم ينظر في ذلك إلى مقتضى العوائد الجارية، ولا غير ذلك، لأن قدرة الله تعالى لا تنحصر للعادة يفعل، عزّ وجلّ، ما شاء . فقال جواباً لهم : ﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ) كأنه عليه السلام يقول بمتضمّن قوة كلامه يا قوم ليس لي شيء أفضُلُكم به إلا قوة إيمان بالله ويقين به، وصدقٌ معه، فهو يهديني لما فيه نجاتي ونجاتكم. فما فرغ من كلامه إلا ونزل عليه قوله تعالى ﴿ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ أَضْرِب بَعَصَاكَ الْبَحْرُ فجاءه الجواب من الله بالفاء التي تعطي التعقيب والتسبيب لما أخبرهم بحاله مع ربه في الحال أتته الهداية كما تليق بالعظيم الجليل إلى الضعيف إذا وثق به، فكان من أمْرِهم وأمْرِ عدوهم ما قص عزّ وجلّ، بعده. كذلك أنتَ يا من قصَّت عليه هذه القصة. إذا كنتَ ممتثلاً لأمر ربك كما أمَرَك، ولم تعلق قلبك بسواه، يمدك بالنصر والظفر في كل موضع تحتاج إليه، ولا تقف في ذلك مع عادة جارية كما فعل أصحاب ،موسى عليه السلام فكن في إيمانك مُوسَوِيَّ العقل، يُغرِق فرعون هواك لطفُ مولاك في بحر التلف ، وكذلك كلُّ من أرادك بسوء. قال عزّ وجلّ في محكم التنزيل ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) (۳) وإنما ذكرتُ هذه القصة تصديقاً لهذا الوعد الحق وهو قوله تعالى وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ لأن القصص إذا ذكرت بعد الوعد كانت تصديقاً له وتأكيداً .

(۱) سورة الشعراء، الآيات ٦١ - ٦٣ .

(۲) سورة الأعراف، من الآية ١٧٦

(۳) سورة الروم من الاية ٤٧ .

وقد قال تعالى إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ) (۱) ونصرة العبد الله إنما هي باتباع أمره واجتناب نَهيه . وفي هذه القصة إشارة لطيفة وهي أنه إذا كان واحد ممن هو ممتثل في جمع، وهم له مطيعون أنهم يُنصَرون. يؤخذ ذلك من أنه لم يكن على يقين موسى عليه السلام في القوم غيره، فلما كانوا له مطيعين عادت على الكل تلك البركة بذلك النصر العجيب .

وفيها أيضاً إشارة، وهي ! في هذا المعنى وهي أنه لما بادر عليه السلام للأمر ممتثلاً عَلِمَ بحقيقة الإيمان أن الأمر لا يترك من أمره، وامتثل أمره. فإنه خُلْف، والخُلْف في حق الله تعالى مُحال . فإذا رأى المرء نفسه قد قام بأمر ربه كما أَمَرَهُ إيماناً واحتساباً فلا يشك في النصر ، ولا يَدخله في ذلك امتراء؛ فإن دخله شك فهو ضَعْف في التصديق. وإذا ضَعُف تصديقه - وهو إيمانه - خان نفسه وهو لا يشعر، وهذا من خُدَع العدوّ. وقد يُبطىءُ عليه النصر من أجل ذلك، فلا يزال مع الإبطاء يضعف إيمانه حتى يكون سبباً إلى الشقاوة العظمى، وهو من مكايد العدو . وقد قال تعالى في كتابه مثنياً على من قام بأمره في هذا المعنى الذي أشرنا إليه، ومخبراً بحالهم الجليل كيف كان ليقع بهم التأسي في ذلك الشأن فقال عزّ وجل : ( الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءُ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ) (٢) أي : الله يكفينا . والآي في هذا المعنى كثيرة .

وفيه دليل على كثرة ،نصحه ، ل ، لأمته وإرشاده لهم لكل ما فيه ربحهم في الدارين يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام: (لا َحسَدَ إلا في اثنتين وسمى هذه التي بين، وما فيها من الخير، وهي الحكمة المذكورة، وسمّى المال الذي سلطه صاحبه على هلكته في الحق .

وقد يقول السامعون أو بعضهم وأي فائدة لنا في الدنيا أو في الآخرة إذا تمنينا أن يكون لنا مثل حال صاحب هذا المال الذي ينفقه في الحق؟ وماذا يعود أيضاً علينا من أن نتمنى حالَ صاحب الحكمة التي يقضي بها ويعلّمها وليس كل الناس فيه أهلية لذلك ؛ فيتمنى أحد شيئاً وهو يعلم أنه لا يمكنه الحاقه، مثل شخص لا يقرأ أو لا يكتب، فيقول : كيف أتمنى أنا حال هذا؟

وهو إذا تمنى حاله بإخلاص مع الله فإن له مثل أجره ؛ لأنه قال له : ( إنما الدنيا لأربعةِ نَفَر : رجل رزقه الله مالاً ،وعلماً، فهو يتقي في ماله ربَّه يَصِل به رَحِمَه، ويعلم أن الله فيه حقاً، فهذا

(۱) سورة محمد من الآية ٧ . (۲) سورة آل عمران، الآيتان ۱۷۳ و ١٧٤ .

بأفضل المنازل. وعبد رزقه الله علماً، ولم يرزقه مالاً ، فهو صادق النية الله ، يقول : لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان بنيته فأجرهما سواء وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربَّه، ولا يَصِل به رَحِمَه ولا يعلم الله فيه حقاً. فهذا بأخبث المنازل وعبد لم يرزقه مالاً ولا علماً فهو يقول : لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان فهو بنيته . ووزرهما سواء) (۱) . والعلم المذكور هنا المراد به أن يعلم ما في المال من الحق. وهذا القدر من العلم يكاد لا يخفى على أحد إلا اليسير من الناس فإذا علم أن في المال حقاً ولم يعرف كيفية إخراجه، فيسأل عنه ويمتثل ما يقال له في ذلك. فعلمه أولاً أن في ماله حقاً الله ، وعزمه على توفيته بالخروج، وسؤاله عن ذلك، وإخراجه في وجوهه الواجبة والمندوبة، عالم يطلق عليه

فأراد عليه السلام بجواز الحسد هنا الذي هو المبالغة في التمني لأن يحصل للحاسد هذه المنزلة الرفيعة، وهو لا يعلم . كما حكي أنه كان في بني إسرائيل عابد، ومرت به سَنَة شديدة، فمرَّ بكثيب من رمل، فتمنى أن يكون له مثله طعاماً فيتصدق به على بني إسرائيل، وكان صادقاً مع الله تعالى، فأوحى الله عزّ وجلّ لنبي ذلك الزمان عليه الصلاة والسلام، أن قل لفلان: إني قد قبلت صدقته. فأراد سيدنا أن يسوق لنا كل خير كان لمن تقدم من الأمم بطريقة لطيفة وتعليم

جميل

كذلك أيضاً الحاسد لصاحب الحكمة إذا كان لا يمكنه أن يصل إليها يحصل له أجر النية على العزم على ذلك ، لأنه قال له : (نية المؤمن خير من عمله) (۲) . وقد حكي عن بعض أهل الدين والفضل أنه دخل على أخ له مريض يعوده، فقال له المريض : انْوِ بنا حَجًا . اِنْوِ بنا جهاداً . انْوِ بنا رباطاً. فقال له : يا أخي وأنت في هذا الحال ؟ فقال : إن عشنا وَفَّينا ، وإن مِثْنا كان لنا أجر النية إذا كانت صادقة. فهؤلاء فهموا عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم .

ثم مع ذلك يحصل له شيئان عظيمان: أحدهما الندم على تضييع العمر ، وقد قال : الندم توبة) (۳) والثاني : حب أهل الخير وإيثارهم على غيرهم ، وقد قال الله : ( المرء مع من أحب) (٤) . وقد يزيده مع ذلك التأسي بهم في بعض الأشياء التي يسمعها منهم ، ويكون بينه وبينهم مناسبة ما .

(۱) مروي بالمعنى . مَثَلُ هذه الأمة كمثل أربعة نفر الخ. أخرجه الإمام أحمد وهناد وابن ماجه والطبراني والبيهقي عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه . (٢) أخرجه البيهقي في الشعب عن أنس رضي الله عنه .

جزء من حديث أخرجه الطبراني وأبو نعيم عن أبي سعيد الأنصاري رضي الله عنه . (٤) أخرجه الإمام أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي عن أنس والشيخان عن ابن مسعود رضي

عنهم .

الله

والتشبه بالكرام فلاح . وقد يكون صادقاً مع الله، فيفتح له في ذلك بطريق خرق العادة كما ذكر عن (يوقنا) في فتوح الشام مع أنه كان لا يفقه من العربية شيئاً . وما ذكرنا يوقنا إلا من أجل بيان خرق العادة في كسب العلم ليس إلا. فلما أخذ المسلمون حصنه ،وأسروه، أصبح وهو يتكلم بالعربية وهو يحفظ سُوَرا من ،القرآن وأسلم . فسأله حاكم المسلمين عن حاله من أين أتاك هذا الأمر؟ فأخبره أنه رأى سيدنا صلى الله عليه وسلم في النوم، وأنه هو الذي علمه ذلك . وانتفع المسلمون بإسلامه كثيراً، أو يعطيه كما أعطى صاحب المال بحسن نيته، فإن المولى كريم منّان، فبان ما قلنا من الدلالة على نصحه لأمته، وحسن إرشاده لهم من هذا الحديث بما أبديناه.

ويترتب على هذا من الفقه وجوه منها الجد في فهم الحديث والكتاب لما فيهما من الخير وأنه ينبغي لكل من له ولاية على رعية ولو على نفسه الذي لا بد لكل شخص منها ، أن ينظر كيف يجلب لهم الخير بحسن إرشاد منه اقتداء بهذا السيّد صلى الله عليه وسلم .

وفيه إشارة إلى أن العلم لا يكمل الانتفاع به إلا مع العمل به يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام ويقضي بها ) .

وفيه دليل لأهل الصوفة لأنهم يسأل بعضهم بعضاً : أين مقامك؟ وما حالك مع ربك؟ وما ذاك منهم إلا لأن يقع التأسي بنبيّهم عليه السلام في ذلك الترقي، ولغبطة بعضهم لبعض . ولذلك قال : إذا كانت نفسي لك، وكنتَ لي، فأنا صاحب الدارَينِ، وهما لي.

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

حديث فضل الصدقة

عَن أبي هُرَيرةَ، رَضي الله عَنهُ، أَنَّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، قالَ: قالَ رَجُلٌ : لأَتَصَدَّقن بصدقةٍ. فَخرجَ بصدَقتِهِ فَوضعَها في يد سارق. فأصبحوا يتحدَّثونَ: تُصُدِّقَ على سارق . فقَالَ: اللّهمّ لكَ الحَمدُ : لأتصدقنَّ بصدقَةٍ. فَخرجَ بصدقتِه فوَضعَها في يد زانِيةٍ . فأصبحوا يتحدثونَ: تُصُدِّق اللَّيلةَ على زانية . فقالَ : اللَّهمَ لكَ الحَمدُ : لأتصدقنّ بصدقةٍ. فخرج بصدقتِه فوضعها في يد غَنيّ . فأصبحوا يتحدَّثونَ: تُصُدِّق على غني. فقالَ: اللّهُمّ لكَ الحَمدُ ؛ على سارق، وعلى زانيةٍ، وعلى غَنيّ . فأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ : أمَّا صَدقتُكَ على سارِقٍ فلعلَّهُ أن يَستَعِفَّ عَن سَرقَتِهِ، وأَمَّا الزَّانيةُ فَلعلها أن تَستَعفَّ عَن زِناها ، وأمَّا الغَنيُّ فلَعَلَّهُ أن يَعتبر ، فينفق مما أعطاه الله عَزَّ وجَلَّ .

وجوه :

ظاهر الحديث يدل على أن دوام حسن المعاملة مع الله يوجب رفع المنزلة، والكلام عليه من

منها الدليل على صدقة السر أنها أفضل الصدقات فيما تقدم من الشرائع كما هي في شريعتنا . يؤخذ ذلك من قوله فخرج بصدقته فوضعها فأصبح الناس يتحدثون بالصدقة، ولا يعرف

لها صاحب .

وفيه دليل على جواز مفاوضة المرء مع نفسه فيما يفعله من الخير يؤخذ ذلك من قوله الأتصَدَّقَنَّ بصَدَقةٍ ولم يذكر مع من، فدل أن ذلك كان مع النفس. وفيه من الفائدة تحقيق النية وفيه دليل على أن تحقيق العمل الله وتخليصه من الشوائب أنجح الوسائل. يؤخذ ذلك مما مُنْ عليه من البشارة بلَعَلَّ لَعَلَّ لَعَلّ بعد بذل جهده في معروفه ورضاه بما جرى له فيه وعلى أن التخير للصدقة مطلوب، فيمن تقدم كما هو في شريعتنا لأنه قال : تخيروا الصدقاتكم). يؤخذ ذلك من إعادة الصدقة لما سمع أنها في غير مستوجب لها. ولا تخلو الصدقة أن تكون فَرْضاً ، فاستئنافها

واجب؛ لأنه إذا أعطى شخص صدقته مجتهدا ، ثم ظهر له بعده أنها في غير مستحقها وجب عليه بدلها، وإن كانت تطوعاً فإعادتها مستحبة إلا أن يكون نَذرها للمساكين، فعليه واجب إعادتها حتى

يفي بنذره .

وبقي البحث في هذه الصدقة، هل كانت على الوجوب أو على الندب؟ فالظاهر من الحديث أنها كانت على الندب لكونه بعد الثلاث - وهو في كل واحدة لم يصب من فيه لها أهلية - تعزى بالذي قيل له ولم يُعِدِ الصدقة

وفيه دليل على أن الحكم للظاهر حتى يتبين ضده، وأن العمل على ذلك في كل الملل . يؤخذ ذلك من كونه بالليل، ورأى على هؤلاء ظاهر المسكنة ، فعمل على ما ظهر له من حالهم، وأعطاهم الصدقة. فلما تبين له غير الذي ظن استأنف العمل .

وفيه تنبيه على أن الذي يخرج الشيء الله صادقاً، ويكون طيباً ، أن الله لا يضيع له ذلك، وأنه يوقع معروفه في خير مما قدّره هو ؛ كما قيل له آخر الحديث : لعلّ لعلّ لعلّ . (ولعل) في كل موضع مما قيل له ليس على بابها، بل هي واجبة على المشهور من الأقاويل، لأن هذه أخبار من الله ،

واختبار له من الله سبحانه بحسن نيته ولا يقع بها للفاعل تسلية إلا أن تكون على الوجوب . ومثل ذلك ذكر عن بعض الناس أنه خطر له أن يتصدق بمائة دينار الله تطوعاً، فجاء لبعض أهل الطريق، فقال له : يا سيدي دلني على من أعطيه هذه الصدقة فقال له : اخرج غُدوة النهار على باب المدينة، فأول رجل تلقاه فأعطها إياه ففعل الرجل، فلما أن خرج كما أمره به، فأول رجل لقي : بعض الذين كانوا يوصفون بالدنيا، وعليه أثرها . فقال في نفسه : وكيف أعطي صدقة لغني ؟ ثم قال : الشيخ أعلم منّي . فدفع له المال .

طعاماً، ورجع ورجع ومعه

فلما دفعه قامت النفس معه . فقال : والله لأتَّبِعه حتى أرى ما يفعل . فاتبعه من البعد حتى رآه قد دخل خربة . فلما دخل رمى فيها من تحته بشيء. فنظر ذلك الشيء الذي رماه فإذا هي دجاجة جيفة، ثم اتبعه حتى دخل ،داره فاستمع من خلف الباب فسمعه يقول لعياله افرحوا فقد فتح الله لكم. وأخبرهم الخبر، وسمع فرحهم ثم خرج إلى السوق واشترى لهم . الطعام، حتى سمع فرحهم بالطعام، فتبين له فاقتهم. فلم يقنعه ذلك حتى خرج الرجل فأقسم عليه وسأله حاله . فقال له : إني كان لي ثلاثة أيام ما منا من أكل طعاماً، وما عندنا شيء نبيعه إلا هذه الثويبات التي نستر بها حالنا عن الناس . فخرجت لعلي أجد شيئاً أتسبب لهم فيه، فلقيت تلك الدجاجة التي رأيتني رميتها، فقلت الحمد الله ، هذه

نتبلغ بها اليوم، وَلِغَدٍ فَرَجٌ. فأنا راجع بها وأنت قد دفعت لي ذلك المعروف، فحَرُمت الميتة علينا ،

فرميتها . فسُرّ الشخص بذلك، وعاد إلى الشيخ وأخبره فقال : يا بني هذه سنة الله فيمن صَدَقه . هـ

عزّ وجلّ يُهيّىءُ خير الأمور وأحسنَها .

وفيه دليل على بركة التسليم والرضا. يؤخذ ذلك من كونه في كل مرة خاب سعيه ـ على جري العادة ـ ولم يضجر، ورضي وسلّم، وأعاد المعاملة . فأعقبه ذلك تلك البشارة . وفيه دليل على أن غلبة الشح في الغالب من الأغنياء. يؤخذ ذلك من كون أحد الآخذين غنياً، وأخذ تلك الصدقة وهو غير أهل لها، فلولا زيادة الحرص فيهم ما اجتمع المال لهم في

الأغلب منهم .

وفيه دليل لأهل الصوفة الذين يقولون لا تقطع ،الخدمة وإن ظهر لك عدم القبول أو تحققته، فليس للعبد بد من خدمة مولاه، فبدوام الخدمة يُرجى القبول . ولذلك يذكر عن بعض بني إسرائيل أنه كان فيهم عابد عبد الله سنين فأوحى الله الى نبي ذلك الزمان قل لعبدي فلان يتعبد ما شاء هو من أهل النار . فتوجه إليه وأخبره . فقال : مرحباً بقضاء ربي ثم رجع إلى منزله وزاد في تعبده أضعاف ما كان قبل ذلك. وقال يا رب كنت أعبدك وأنا عند نفسي أن ليس في أهلية لشيء، فكيف الآن وأنت قد مَنَنْت عليّ وجعلتني أهلاً لنارك؟ وأقام في التعبد، وازداد خيراً . فأوحى الله لذلك النبي أن قل له يفعل ما شاء هو من أهل الجنة لازدرائه بنفسه . وقال بعضهم : لئن أردتم مني السلوّ عنكم فليس لي منكم بد، وإن أبعدتم .

وهنا بحث، وهو : لِمَ كرّر في الآخرة الحمد على الثلاثة والحمد منه على كل واحدة قد وقع؟ فهو قد حمد على النازلة الأولى والثانية؟ فالجواب : تلك مبالغة في الرضا والتسليم. فقوة كلامه تخبر كأنه يقول : قد فعلت في الأولى معي كذا وكذا وحمدتُ ورضيتُ بحكمك ثم في الثانية كذلك، وإني لا أريد مع مخالفتك ما أختاره أنا إلا الرضا والحمد والتسليم، لا أتغير عن ذلك مع تكرار حكمك بما شئت فمنك الحكم ومني الرضا والتسليم. فجاء من أخبره بذلك الخبر . وبقي البحث من المخبِرُ له؟ وفي أي العالم ؟ فالظاهر - والله أعلم - أنه في عالم الحس . فلعله ملك من الملائكة، لأنه كثيراً ما جاء أن الملائكة كانت تكلم بني إسرائيل في بعض النوازل، وفي الأخبار من ذلك كثير ، أو من أرسل إليه من الصالحين بما قيل له في النوم أو اليقظة أن يخبره بذلك، أو بعض الأنبياء في وقته، لأن قوله ( فأتي) دليل على أنه مرسل إليه من قبل الله

وفيما قيل له في حق الزانية لعلها أن تتوب - على الوجه الذي ذكرناه أولاً - فإن توبتها على يديه خير له من الصدقة، لقوله : لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمُر النَّعَم (۱) ، )

(1) أخرجه الإمام أحمد عن معاذ رضي الله عنه بلفظ مختلف .

لأن بعض الزانيات قد لا يحملها على ذلك الفعل إلا قلة ذات اليد والحاجة وعدم الصبر على ذلك فمثل هذه إذا وجدت شيئاً يقوم بها كفت بخلاف التي تفعل ذلك لغلبة الشهوة في ذلك الشأن. وكذلك الجواب على السارق والخير فيه أعظم لأنه يكف ضرره عن المسلمين. وأما الغني فالبحث فيه مثل ذلك، غير أنه يكون أيضاً خيره متعدياً . والخير المتعدي أفضل .

وفيه دليل على أن جميع متاع الدنيا هبة من الله لعباده بغير حق. يؤخذ ذلك مما قيل له فينفق)

مما أعطاه الله ) فجعل ذلك عطية خالصة . وهو مذهب أهل السنة، وهو الحق. وفيه دليل على فضل هذا المتصدق. يؤخذ ذلك من أنه جمع في أمره بين الحقيقة والشريعة . فأما الحقيقة فإنه لما تصدق - كما تقدم - ولم يوافق القدر اختياره ، حَمِد وسَلّم فهذه الحقيقة . سَلَّم الأمر لصاحبه. وأما آداب الشريعة فكونه أعاد فعله للصدقة ثانية، فعل ذلك ثلاثة كل مرة يجمع بين الحقيقة والشريعة. فهذه أعلى الأحوال، على ما تقدم في غير ما موضع مَنّ الله علينا بها بلا

محنة بمنه وكرمه .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

حديث صدقة المرأة من مال زوجها

عائشة ، رضي عن بيتها غيرَ مُفْسِدَةٍ كان لها أجرُها بما أنفقت ولزوجها أجرُه بما كَسبَ، وللخازِنِ

الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أنفقت المرأة من طعام

ذلك، لا يَنقُصُ بعضُهم أجرَ بعض شيئاً .

ظاهر الحديث يدل على حكمين أحدهما : أن المرأة إذا أنفقت من طعام بيتها - غير مفسدة - كان لها أجر ،نفقتها، ولزوجها أجر الكسب . و (الثاني) أن الخازن الذي يفعل مثلها له من الأجر مثلها . والكلام عليه من وجوه :

منها : ما معنى تخصيص النفقة بالطعام ليس إلا ؟ وما مقدارها حتى لا تكون مفسدة؟ وهل لذلك حدّ معلوم ؟ أو هو فقه حالي؟ وهل الخازن والمرأة يحتاجان للإذن في النفقة أم لا؟ وما معنى النفقة هنا ؟ هل على العموم، أو هل على الخصوص؟

أما قولنا : هل النفقة على العموم، فليس هي إلا على الخصوص، وهي بمعنى ا الصدقة . يؤخذ ذلك من قوله (لها أجرها لأن الأجر لا يكون إلا في وجوه المعروف.

وأما هل يحتاجون للإذن ؟ فلا بد لهما من ذلك، لأن مال الغير لا يجوز للآخر أن يعطيه إلا بإذن صاحبه، لقوله : (لا يحل مال امری مسلم إلا عن طيب نفس منه) (۱) ، إلا أن الإذن قد يكون باللفظ، أو بالعادة. مثال الذي بالعادة مثل الكسرة من الخبز توهب إلى السائل بالباب أو ما أشبه ذلك، ومثل الشيء اليسير من الملح والماء والنار والخميرة للخبز. وقد قال بعض الفقهاء

(1) أخرجه أبو داود والبيهقي وابن قانع وأبو نعيم عن أبي حرة الرقاشي عن عمه حنيفة الرقاشي وأخرجه عبد الرزاق

عن الحسن مرسلا .

إن ما ذكر مع قدر البيت ومتاعه إنه مما لا يحل منعه . فإذا كان على هذا القول: (لا يحل منعه) فلا يحتاج إلى إذن في ذلك، وإن كان باقياً على أصله مثل سائر الأموال .

والظاهر : الندب وعليه ،الجمهور وأن المرء يندب إلى ذلك ولا سيما مع نص الأحاديث التي وردت في ذلك ؛ لأنه قال الله في الذي يعطي الملح ما معناه: (له من الأجر مثل من تصدق بمقدار الطعام الذي وضع الملح فيه) (۱) . والخميرة مثل ذلك ، والنار مثل من تصدق بقدر الطعام الذي طبخ عليها والقدر بمثل الطعام الذي طبخ فيها . ومثل ذلك جاءت أحاديث كثيرة تبين قدر عظيم الأجر مع يسارة الشيء المعطى ، ولم يقل : إن من لم يفعله فعليه من الإثم كذا وكذا. وهذه

طريقة المندوب .

وأما حجة من قال : إنه واجب إعطاؤه ومنعه لا يحل، فاحتجوا بقوله تعالى ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٢) فقالوا : الماعون هو متاع البيت نحو الأشياء التي سمينا قبل، وكالحبل وما يشبه ذلك . وفي الحديث لما أن سأل السائل : ما الشيء الذي لا يحل منعه يا رسول الله؟ فذكر فيه مثل الماء والملح والقدر والخميرة وما يشبه ذلك) (۳).

وأما الذي عليه مذهب مالك رحمه الله والجمهور في معنى قوله تعالى ويمنعون الماعون فإنها الزكاة المفروضة والأحاديث - إن صحت ـ احتملت التأويل، وما يحتمل التأويل لا يُعارض به النص .

فأما التأويل فيحتمل أن يريد بقوله : ( ما لا يحل منعه أن يكون واجباً تركه من طريق الشرع . واحتمل وجوباً من طريق المروءة وحسن المعروف بين الناس لقوله إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) (4) ومنع ما ذكرنا ليس من مكارم الأخلاق. ا

إلا وأما الأصل الذي هو القاعدة الكلية قوله (٥) عليه السلام : (لا) يحل مال امرىء مسلم طيب نفس منه، والمال ينطلق على الكثير واليسير . لكن الإذن في إنفاق مثل هذا الذي ذكرناه قد رجع بالعرف مما سمحت به النفوس من المعروف بين الناس، حتى إن طالبه لا يعاب ذلك عليه في كريم الأخلاق، وأن الشح به يتعلق به الذمّ الكثير حتى إن حابسه لوجه ما لا يقدر أن يَحْبِسَهُ إلا أن

(1) لم نقف على مصدره . سورة الماعون من الآية ٧ .

(۲) (۳)

لم نقف على مصدره .

(٤) أخرجه الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه .

(٥) يريد فقوله .

يبين عذره في يحبسه أو ينكره مرة واحدة بأنه ليس عنده مخافة على عرضه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ما

وقى المرء به عِرضَه كُتِب له صدقة ) (۱) .

فصاحبة الدار - على ما مرت من العادة على الاختلاف الذي ذكرناه - لا يمكن لها (٢) منع ما ذكرناه إلا أن ينص صاحب البيت عليه في ذلك الوقت، إن أعطته تكون متعدية على أحد الوجوه . وأما على الوجه الآخر فلا يحل لها منعه وإن أمرها بذلك لأنها تكون تعينه على ترك واجب .

وهذا ممنوع شرعاً. وما زاد على ما ذكرناه أيضاً لا يجوز لها التصرف فيه إلا بإذنه قولاً واحداً . واحتمل له وجهاً آخر : أن يكون تعاطي ذلك بينهم من قبل السَّلف والهِبَة على العوض وما في ذلك من الجهالة مغتَفَر ؛ لكثرة حاجة الناس إلى ذلك وندارة وقوعه؛ فإن الغني والفقير محتاجان إلى ذلك، ولو يوماً ما، غير أنه قد يكون بعض الناس في ذلك أحوج من بعض . وهو وجه إذا تأملته ترى فيه وجهاً ما من الاستحسان وهو كثير ما يوجد ذلك النوع في الشرع مثل المساقاة والقراض (٣) وما أشبه ذلك. تراها مستثناة من قواعد ممنوعة وأبيحت من أجل الحاجة لذلك، وقاس عليها الفقهاء سلف الرغيف من الجار تحرياً بلا ،ميزان ولم يجعلوه من باب البياعات وجعلوه من باب المعروف ومثله الدرهم الناقص بالوزن كذلك أيضاً إذا كان ذلك في مثل الدرهم الواحد أو الإثنين، لأن ذلك عندهم من قبيل المعروف أيضاً، إلا أن يقترن من أجل الفاعلين قرينة

يتبين منها خلاف ذلك، فيرجع الأمر إلى أصله من المنع . وما زاد أيضاً على ذلك المقدار ممنوع . وهنا بحث، وهو : إذا قلنا إنها إنما أعطت ما هو واجب على صاحب المنزل أو هو مندوب فيرجع إلى بحثنا فعلى ماذا يكون أجرها؟ فالجواب أنها خازنة لجميع ذلك، وقد قال : الخازن الذي يعطي ما أمر به، طيبةً به نفسُه أَحَدُ المتصدقين) (٤) لأنه لما طابت نفسه على ذلك، وياسر أخاه المعطى له بالمبادرة بالتعجيل كرامة إدخال السرور عليه، لأنه محتمل أن يبدو للمعطي فيمنع، فيكون بطؤه في إنجاز الهبة سبباً للحرمان وتعجيله سبباً إلى تحصيل المعروف فإنه إذا رجع المعطي والوكيل قد أنفذ أمره بعيد أن يأخذ المعروف من يد المعطَى له وأيضاً فمن قبل الأمر، فإنه بسرعة إخراج ما أمر به أعانه على إعطاء معروفه .

ووجه آخر؛ تيسير الخازن أيضاً تزيد به نفس المعطى له انشراحاً ومرحاً، فهو زيادة في

(1) أخرجه الطبراني عن جابر رضي الله عنه بلفظ (ما) وقى به المؤمن عرضه فهو له صدقة). (٢) أي: لا يمكنها .

(۳) المساقاة : شركة بين صاحب زرع وشجر وعامل يسقيها على نسبة متفق عليها . والقراض: المضاربة أو شركة مضاربة بين صاحب مال و عامل أو تاجر .

(٤) أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي موسى رضي الله عنه بلفظ آخر .

المعروف. وما هو زيادة في المعروف فهو معروف أيضاً، وزيادة ما قدمنا ذكره، فظهرت فائدة قوله : (أحد المتصدقين) .

وعلى هذا المعنى بحث وهو : أن النفس قد طبعت على الشح بما جعل بيدها من متاع الدنيا ، وإن كانت تعلم حقيقة أنه ليس لها فإذا جادَت به فلها الأجر لمخالفتها ما طبعت عليه من الشح وامتثال الأمر. فإن العالم بأسره يعلمون أن ما بأيديهم من متاع الدنيا ملك لمولاهم، وأنه بأيديهم عارية، وقد أُمروا بإنفاق اليسير منه ، ووعدوا على ذلك بالأجر العظيم، وبالبركة في الباقي، والعقاب

على الترك، ورفع البركة من الباقي . ومع ذلك ما تجد من يجود بالواجب في ذلك إلا القليل . وكذلك خازن المال بيده وهو يعلم أنه لغيره، وأنه مذموم على تأخيره لإعطائه ما أُمِر به من المال ،وغيره، وأنه مشكور ومثاب على التيسير في إعطائه ومع ذلك ما تجد من يفعل اليَسِير في ذلك إلا القليل، لأجل التعلق الطبيعي ومن أجل ذلك قال : (ما يخرج المرء الصدقة حتى يفك فيها لَحْيَي سبعين شيطانا) (۱) . غير أن الفرق بين الرجلين - أعني الخازن وصاحب المال ـ أن صاحب المال قد يظن أنه لا ينزع المال من يده ويبقى حسابه إلى الآخرة عليه، وأن الخازن قد يقول : إن صاحب المال يعزله ويأخذ ماله وإن بقي فإنما المنفعة لربه. ومع ذلك، الطبع يحمله على ما ذكرناه حكمة حكيم .

وفيه دليل لحسن طريق أهل ..الصوفة فإن كل ما كان فيه مخالفة للنفس، ولم يكن ممنوعاً شرعاً، فإن صاحبه في ذلك مأجور. إذا استقريْتَ هذه القاعدة بحسب قواعد الشريعة تجدها ـ إن شاء الله ـ غير منكسرة . فأخذ أهل الطريق من أجل ذلك في مخالفتها مرة واحدة، حتى إنه ذكر أن إسلام بعض رهبان النصارى إنما كان سببه ما كان ألزم نفسه من مخالفته إياها .

ـه :النصراني : كيف وذلك لما رأى منه بعض علماء المسلمين من حسن العبادة ما أعجبه، فسأله رأيت؟ يعني حاله فقال له : بقي عليك شيء واحد . فقال : وما هو ؟ فقال : أن تُسْلِمَ فأطرق ساعة، ثم أسلم . فقام أهل الدير من أهل دينه بالعياط. فقال لهم : بم نلت فيكم هذه المنزلة ؟ قالوا بأجمعهم بمجاهدتك نفسك ومخالفتك لها. قال لهم : وهذا هو الذي جعلني أسلمت فإنه لما ذكر لي الإسلام لم تقبل. فعلمت أنه الحق وأنه ما نلت ما نلت إلا لمخالفتها، فأسلمت لمخالفتي إياها. وهذا هو الدين الحق ، فإنها ما تهرب إلا عن الحق . وحَسُنَ إسلامه .

(۱) لفظ الحديث : ما يخرج رجل شيئاً من الصدقة حتى يفك عنها لحيي سبعين شيطاناً. رواه الإمام أحمد والبزار والطبراني وابن خزيمة في صحيحه عن بريدة رضي الله عنه ( ومعنى : يفك عنها لحيي سبعين شيطاناً) أن إخراج

الصدقة يؤلم سبعين شيطاناً رجيماً حرصوا على عدم أدائها .

والبحث مع المرأة كالبحث مع الخازن سواء. ومن أجل ذلك عطف ، ، أحدهما على

الآخر. ومما يقوي مذهب مالك والجمهور في هذه المسألة قوله عليه السلام: (غير مفسدة) لأنه لو كان واجباً لكان محدوداً إما بالكتاب وإما بالسنة وهذه حجة مالك ومن تبعه أن ما ليس بمحدود إما بالكتاب وإما بالسنة فهو غير واجب، لأنه لا يعرف المكلف إلى أين يبلغ ، ولا بماذا يقع عليه اسم (مُوَفَّ) بما أمر به . وأما قولنا هل له حد محدود، أو هو فقه حالي؟ الظاهر (۱) أنه فقه حالي، بدليل أن الناس ليس حالهم سواء، فإذا جاء سائل يطلب ملحاً من دار مَن قد وسّع الله عليه في دنياه، ومن دار ضعيف الحال فليس الأمر في ذلك سواء، لأن الذي يعطيه من وسع الله عليه في مرة واحدة هو الذي يكفي الضعيف في سنة أو شهر فإن أعطت امرأة الضعيف مثل ما أعطته امرأة الغني أجحفت به وأضرته، وكانت مأثومة فيما فعلت فإن قلنا بمن يقول بالفرض على الخلاف المتقدم فإنها قد أعطت أكثر مما يجب عليه . وإن كان على الوجه الآخر - وهو أكثر مما قد طابت به النفس ـ فهذه قد أعطت ما لم تطب به نفسه، فإن الضعيف إذا أخذ مثلاً ملحاً بثمن درهم غايته إن طابت نفسه أن يخرج منه حفنة في مرار عدة. وأما أن تعطي نصفه أو أكثر من ذلك فلا تطيب نفسه بذلك . وأما من فتح له في الدنيا إذا أخذ من ملح فلا يعز عليه أن يبذل منها الصاع والصاعين وهو قدر ما ينفق المسكين في سنة أو

وبية (٢)

شهر، وكذلك غيره من الأمور. وعلى ذلك فقس . ولذلك قال عليه السلام (غير مفسدة) لأنها يجب

عليها أن تنظر إلى حاله وما يحتمل وما لا يشق عليه من ذلك لو أنه راه ، وهذا هو فقه الحال ولذلك قال تعالى : ( لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ، وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفق مِمَّا ءَانَنهُ الله لا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلَّا مَا ءَاتَنهَا) (۳) فإذا كان هذا في الواجب فكيف في المندوب؟

وأما قولنا : لم خصت النفقة بالطعام ليس إلا ؟ فلوجوه منها : أنه الذي جعل للمرأة التصرف فيه بحسب العادة عندهم، وأن المرأة هي التي و أن المرأة هي التي تُطلب بتوفية ما يحتاج الأولاد إليه من ترتب مرافقهم في معايشهم، لأن الأب ليس عليه أن يعطيها إلا ما يكفيها وبنيها وخادماً إن كان لها وهي المتصرفة في ذلك بحسب ما فيه المصلحة للجميع ؛ ولذلك قالت هند أم معاوية للنبي لا اله الا الله إن أبا سفیان رجل شحيح. فهل عَلَيَّ جُناح أن آخذ من ماله سراً؟ فقال: خذي ما يكفيك أنت وبنيك

(۱) :يريد فالظاهر.

(۲) الويبة : مقياس للحجوم بمقدار كَيْلَتين.

(۳) سورة الطلاق من الآية ٧ .

بالمعروف) (۱) . وغير الطعام هي عليه أمينة ولا يجوز لها التصرف في شيء منه إلا بالإذن . ، ولوجه اخر أيضاً ما جرت العادة يتصرف فيه النساء دون مشورة الرجال إلا في الطعام ليس إلا . ولوجه آخر وهو أن ما ذكرنا من متاع البيت - على جري العادة ـ فأعلاه الطعام . فإذا كان لها التصرف فيه فمن باب أحرى غيره. ولوجه آخر أيضاً لكثرة دوام الاحتياج إليه مع الساعات، بل مع الأنفاس

بخلاف غيره من الثياب وغير ذلك، فبان ما في قوله عليه السلام من طعام بيتها من الفائدة .

آخر في تخصيص الطعام بالبيت، هل هو ما يكون في البيت من الطعام وإن كان محجوراً عليها التصرف فيه مثل ما يخزنه الرجل في بيته زائداً على ما يأكله هو وعياله، وما كان خارجاً من البيت وإن كان مما هو للمرأة وأولادها إنه ما دام خارجاً من بيتها - وإن كان لها ولأولادها - فليس لها التصرف فيه حتى يكون في بيتها وحينئذ يكون مباحاً لها التصرف فيه دون حجر عليها، فلا يكون لها التصرف إلا بجمع العلتين وهو أن يكون لها وإما لأولادها في بيتها وأنه إذا كانت إحدى العلتين منفردة فلا يحل لها التصرف؟

فالجواب : أما إنه إذا كان بالوصفين فلا خلاف في ذلك. وأما إذا كان بوصف واحد فلا يخلو أن يكون في بيتها أو خارجاً عن بيتها. فإذا كان خارجاً عن بيتها فلا يخلو أن يكون تحت حكمها وهي المسؤولة عنه، أو غيرها هو المسؤول عنه فأما إذا كان في بيتها ـ وهو محجور عنها ـ فهي تأخذ منه بالمعروف سرًّا، كما أخبر سيدنا ، الله أم معاوية في متاع زوجها أبي سفيان كما تقدم ذكره. وكذلك إن كان خارجاً عن بيتها وهي المسؤولة عنه .

وأما إذا كان خارجاً عن البيت والغير هو المسؤول عنه فلا يجوز ذلك لها لما يلحق الغير من الضرر في ذلك، وقد قال : (لا ضرر ولا ضرار) (٣) . وفيه مع ذلك تحرز آخر في قوله عليه (۲). السلام من طعام (بيتها تحرزاً من الودائع والرهون لأنها في بيتها وليست من متاع بيتها، وإن كان

طعاماً. وكلامه له مجامع الفوائد .

وكذلك الخازن أيضاً كل ما كان في حفظه وخزانته إذا كان وديعة عند الذي وكله على حفظه

أو رهناً عنده فالحكم هو نفس الحكم. وقوله عليه السلام ولزوجها أجره بما كسب يعني : يكون أصل المال له ، وإن كان لم يكن ذلك المال مكسوباً ولا موهوباً أو ما يشبه ذلك . لكن لما كان الغالب أنه لا يتحصل المال أو الطعام

(1) أخرجه الإمام أحمد والبخاري والدارمي ومسلم وأبو داود والنسائي عن السيدة عائشة رضي الله عنها بلفظ آخر .

(وهو موضوع الحديث ٩٥ . (٢) أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما .

إلا بالكسب فجاء الخطاب ، منه ، على ما هو الأصل غالباً. وعلى هذه القاعدة وقع التخاطب بين الناس، وجرت عليها الأحكام. فكأنه يقول لها وللخازن الأجر من أجل تلك العلل التي عللنا، لأنه ما واحد منهما يملك من المال شيئاً، وكان لمن له المال حقاً الأجر، من كون المال له ثابتاً حقاً .

ولا يطرد ذلك الحكم في المعصية ؛ لأنه إذا عصى أحد المذكورين بالمال الذي اؤتمن عليه لا يكون على صاحب المال من ذلك الإثم شيء، إذا لم يعرف بفعلهما ، لأنه إذا عرف به وأعانه على ما هو عليه كان شريكه في الإثم ، وإذا لم يعرفه لم يلزمه منه شيء، فإنَّه ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) (۱) وبدليل ما جاء أنه إذا كان شخص مع أقوام فقام ليخرج عنهم ، فسلم عليهم عند خروجه أنه إن هم بقوا في خير بعده كان شريكهم في ذلك الخير وإن بقوا في شر لم يلحقه من

ذلك الشر شيء .

فهذا وما أشبهه من طريق الفضل إذا كانت الأشياء التي فيها الخير يشرك العبيد في ذلك الخير بأدنى ملابسة أو نسبة ما، ولا ينقص أجر بعضهم من أجر بعض شيئاً، وإن كان شراً لم يتعد صاحبه أو من أعانه عليه ، وهو عالم بذلك، قاصد له. فسبحان المتفضل المنان، لا ربَّ سواه .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً

(۱) سورة فاطر، الآية ۱۸ .

حديث إتلاف أموال الناس

قالَ البُخاريُّ ، رضي الله عنه ، قالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (مَن أخذَ أموالَ النَّاسِ يُريدُ إتلافها أتلفه الله قالَ البُخاري : إلا أن يكونَ معروفاً بالصَّبْرِ ، فَيوْثِرُ عَلى نَفْسِهِ وَلَو كانَ بِهِ خَصاصة. كَفِعل أبي بكرٍ حينَ تَصَدَقَ بِمالِهِ . وَكَذلِكَ آثَر الأنصارُ المُهاجرينَ ونَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ، عَن إضاعة المال، فَليسَ لَه أن يُضيع أموالَ النَّاسِ بعلَّةِ الصَّدقَةِ .

ظاهر الحديث دعاؤه ، ل ، على من أخذ أموال الناس يريد إتلافها. والكلام عليه من وجوه. منها : هل هذا على عمومه؟ وعلى ماذا يقع هذا الدعاء؟ هل هو حقيقة أو هو كما جاء عنه، أن دعاءه رحمة ) . وإن كان اللفظ خلاف ذلك ؟ وهل ما يقع الحذر إلا بقصد الوجهين : أعني : النية والفعل ؟ وإن أقلع وتاب منه ، هل التوبة ترفع إجابة الدعوة بعد استجابتها؟ أولا؟ فالجواب : أما قولنا : هل هو على عمومه؟ فليس هذا على عمومه، لأن من الأخذ ما يسمى سرقة، وقد حدّ فيه القطع . ومنها ما هو خلسة، فقد حدّ فيه الغرم ومنها ظلم، وفيه ما فيه . ومنها ما هو قمار، وفيه ما فيه ومنها ربا، وجاء فيه ما هو معلوم ومنها خيانة، وقد جاء ما فيها. فكل وجه من وجوه الأخذ على خلاف المشروع فقد جاء فيه ما جاء. وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليجمع على أحد من أمته عقابين . فإن دعاءه ، ، أكبر العقوبات . والوجوه المشروعة إذا أخذ بها أحد شيئاً فليس بحرام، فكيف يدعو عليه؟ هذا مستحيل أيضاً. فما بقي إلا وجه ،واحد وهو من جملة المشروعات، إلا أن له شروطاً، فكثير من الناس يفعله بغير تلك الشروط فيذهب به كثير من أموال الناس، وهو السَّلف؛ لأنه إذا احتاج طالب السلف وما ينظر إلى الشروط التي تجب عليه وحينئذ يأخذه فإنما قصده زوال ضرورته في الوقت . ففي هذا النوع هو دعاؤه ، ، على من أخذها بغير شروطها .

(1) يريد : أما ما يقع .

قال البخاري : (إلا) أن يكون معروفاً بالصبر، فيؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة) . إلا به

استثنى أن يكون كفعل أبي بكر ، رضي الله عنه ، حين تصدق بماله وكذلك اثر الأنصار المهاجرين فنحتاج أن نبين شروط السَّلف، فقد نص عليها الفقهاء وقالوا : إنه لا يجوز لأحد أن يأخذ سَلفاً ولا ديناً إلا أن تكون له ذمة تفي بدينه على كل حال وإلا يدخل تحت هذه اللعنة، لأنه غَرَّر بأخيه المسلم لكونه أخذ ماله وهو ليس له قدرة على أن يوفيه فإن المعطي يقول في نفسه : لولا ما الا خلابة ولا يعلم هو من نفسه أن له ما يؤدي منه ما يأخذ مني ما طلبه لأن أخوة الإسلام تقتضي

غبن (1)

ولا خيانة . أو يبين له حاله ويقول له : ليس لي ذمة على ما اخذ منك هذا المال، وإنما تسلفه لي، فإن فتح الله عليَّ بشيءٍ أعطيتك إياه ، وإلا ما لَكَ قِبَلي لَوْم. فإن رضي وأعطاه على ذلك الوجه فما غرّر به، فكأنه قال :له تصدَّق عليَّ بحيلة ما ، فإن فعل فهو صدقة، أو معروف محتمل للرد أو غيره، فلا يدخل تحت هذا الدعاء. ولهذا المعنى الخفي كان دعاؤه ، ، لأنه فعل في الظاهر فعلاً مشروعاً ، وفي الباطن ما أشرنا إليه .

ويترتب على هذا من الفقه أن كل شيء فيه شروط ظاهرة وباطنة فلا يجوز لأحد فعله إلا بتمام تلك الشروط ، أو يبين عجزه عنها كيلا يغرّر بالغير، وقد قال : مَن غَشنا فليس منا) (۲) . وأما الصفة التي أجاز عليه السلام معها أخذ المال - وهي ما نبه عليها البخاري رحمه

الله ، عقيب الحديث بقوله : (إلا) أن يكون معروفاً بالصبر فيؤثر على نفسه، ولو كان به خصاصة كفعل أبي بكر ، رضي الله عنه حين تصدق بماله وكذلك اثر الأنصار المهاجرين رضوان الله عليهم) - فهي قوة الإيمان التي توجب كثرة السخاء والصَّبر على الضّرّاء، فإن أبا بكر رضي الله عنه ، أتى بجميع ماله فقيل له : ما أبقيت لأهلك؟ قال : الله ورسوله .

والأنصار والمهاجرون إذا كانت لهم ضرورة، ويرون غيرهم في ضرورة، ينظرون أولاً في حق أخيهم المسلم، ويحملون أنفسهم على الصبر، كما فعل بعضهم حين أتى إلى النبي ، ، ، بعض الواردين فقال: (من) يضيف الليلة هذا وعلى الله ثوابه؟ فقام ،بعضهم فأخذه وحمله إلى ،منزله، وقال لعياله : عندك شيء؟ فقالت له : ما عندي إلا شيء يسير للأولاد. فقال لها نومي أولادك، فإذا ناموا قدمي الطعام. فإذا قدّمته فقومي إلى السراج لِتُصْلِحِيه فأطفئيه، ونمدّ أيدينا إلى الصحفة كأنا نأكل ، ولا نأكل شيئاً، فلعل الضيف يشبع. أو كلاماً هذا معناه . ففعلت المرأة ما أمرها

(۱) الخلابة : الخديعة . والغبن : الغلبة والنقص . (۲) أخرجه الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما . وللحديث بقية).

به. فلما أتى النبي ، الله ، صبيحة ،الليلة، تبسّم عليه السلام وقال له : شَكَرَ الله البارحة صنيعك

مع ضيفك ) (۱).

ومثله ما ذكر عن عليّ ، رضي الله عنه ، أنه دخل والأولاد يبكون من الجوع فقال : ما شأنهم؟ فأخبرته ، رضي الله عنها، بأنه من الجوع وليس عندهم شيء، فخرج فاقترض ديناراً ليشتري به لهم ما يأكلون . فبينا هو راجع به إذا أحد قرابته . فسأله عن حاله فأخبر أن عياله في جوع شديد، وأنه ليس عنده شيء . فدفع له الدينار كله ودخل بيته وليس عنده شيء، وكان هذا عشية النهار .

ثقة

ثم خرج يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فدنا منه في الصلاة، فلما فرغت الصلاة ،التفت عليه السلام إليه وقال له : يا علي هلا عشيتني الليلة. فتفكر في نفسه أنه ما عنده شيء . فقال له : نعم . بالله ، ثم ببركته ، ، فأتى معه إلى منزل عليّ ، فدخل علي و النبي ، معه ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : يا بنية، ألا تعشينا؟ فالتفت عليّ فإذا في البيت ثريد مغطّى يبخر ، فقدم لهم ، فقال له : يا علي هذا بالدينار الذي أعطيته فلانا) (۳) ، وحمد عليه السلام الله على ما جعل في أهل بيته مِمّا أشبه مريم، عليها السلام، حين قيل لها أَنَّكَ لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ) (۳) وما أشبه هذا عنهم رضي

الله عنهم، كثير . فمن يجود بضرورته على غيره بغير حق له عليه فكيف بحق إذا كان له عليه . وبقيت هنا علة أخرى، لأنه لا يأخذ السَّلف إلا حين يكون مضطراً ، كما ذكرنا آنفاً. فإذا كان مضطراً، ومرت به ثلاثة من الأوقات تعيّن له في مال الغير حق واجب . وهل يلزمه عند يُسْره ردّه أم لا؟ خلاف بين العلماء. فمنهم من يقول : إنه حق قد وجب فليس عليه رده ومنهم من يقول : وإن كان حقاً قد وجب فلا يسقط أداؤه إلا باستصحاب الفقر، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن) المحتاج له أن يقاتل صاحب المال إذا امتنع من أن يعطيه فإن قتل صاحب المال فشر قتيل، وإن قتل المضطر فشهيد) (٤) أو كما قال . فلما كان هذا الأمر خفياً، ولا يعلمه إلا الله والذي نزلت به الحاجة، أبقيت الأحكام في المنع على ظاهرها وأشار هنا إلى العلة الموجبة للجواز.

فعلى هذا فالسلف على أربعة : الثلاثة منها جائزة ، والرابع ممنوع بمتضمن هذا الحديث . وما قد ذكره العلماء، كما أشرنا إليه أولاً . فالأربعة الأوجه (أحدها) أن يكون له ذمة تفي بدينه على كل حال، فهذا جائز باتفاق. و (الآخر) أن يبين له حاله وأنه إنما يقترض منه ، ويبين له أنه ليس له

(1) أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ ا

(۲) لم نقف على مصدره . (۳) سورة ال عمران من الآية ۳۷ .

(٤) لم نقف على مصدره.

ذمة مقابلة دينه، وأنه في حكم المشيئة ، إن فتح الله عليه أداه وإلا فلا يطالبه بشيء. فهذا جائز، وإن كان خالف فيه بعض الناس. والظاهر الجواز، وقد قدمنا العلة في جوازه . و (الآخر) أن تجتمع فيه تلك الأوصاف التي في أبي بكر والمهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم، وهي كثرة السخاء والصبر، ولا يقترض إلا عند الضرورة الشرعية، ويكون اقتراضه بقدر ضرورته. فهذا جائز بمقتضى ما عللناه آنفاً وقواعد الشرع كلها تدل على هذه الإشارة وتنص عليها .

و

(الرابع) وهو أن يأخذ السلف على غير ذمة له وليست له تلك الضرورة الشرعية، ولا يبين عدمه لصاحب المال فهو الذي يدخل تحت ما تضمنه الحديث من دعائه ، له ولأن الضرورة الشرعية كثير من الناس لا يعرفها .

وما أعني بـ (الناس) هنا إلا بعض الذين ينتسبون إلى العلم ، لأنهم قعدوا لأنفسهم قواعد نفسانية، وجعلوها من ضروراتهم اللازمة شرعاً، واستباحوا بها أخذ أموال الناس وقالوا نحن مضطرون لا حرج علينا، وتعيَّن لنا على الناس حق، فما أخذنا هو بعض حقوقنا . وهو مصادم لما نبه عليه البخاري رحمه الله بقوله (إلا) أن يكون معروفاً بالصبر) تحرزاً من أن يقول هو في نفسه حين تأخذه الحاجة (أنا آخذ السلف وأجاهد النفس، وأصبر على الضيم ، حتى أؤدي مال الغير) قيل له على لسان العلم : هذا حديث نفس، وهي خوانة (۱) إلا إن كان لك صبر حتى عرف ذلك منك

وانظر هذه الإشارة (حتى يعرفه العبد منه ولم يقنع أن يكون هو قد عرف الصبر من نفسه فيما تقدم إلا حتى يعرفه الناس، ولا يكون صبره من حيث أن يعرفه الناس إلا لكثرته حتى يكون في حكم المقطوع به و شرط ثانٍ أن يكون ذلك الصبر الذي يعرف منه من شأن الإيثار على نفسه. ومعناه : أن يكون ذلك الإيثار من أجل الله . ويفضل جانب القربة إلى الله على ضرورته، تحرزاً أن يكون صبره لشهوة، أو من غير اختياره لعدم الشيء . وقلة الصبر إذ ذاك ما يكون لها فائدة، إلا أنها أحسن حالة من غيرها لا يحكم لصاحبها بالوفاء عند مواقف الرجال. وأنه مع صبره أيضاً يعرف بالإيثار على نفسه مع الخصاصة ومع الحاجة والضيق .

فانظر إلى هذه الشروط ، هل يمكن في زماننا هذا وجودها إلا إن كان نادراً جداً؟ ثم بعد هذه التقييدات أعطى البخاري المثال فقال مثل أبي بكر ) ولم يقنعه أن سماه إلا حتى (۳) ذكر تلك الصفة المباركة المشهورة، وهي خروجه عن جميع ما ملك إيثاراً الله ولرسوله ، ، ، ثم أكدها بأن قال

(۱) كذا، والصواب خيانة . (۲) كذا، بزيادة (إلا) قبل حتى)) . (۳) كذا، و إلا» هنا زائدة.

(وكذلك أثر أي الذي كان فيه الإيثار من الأنصار للمهاجرين)، ولم يقل عن جميعهم إلا عن الذين

كانت فيهم تلك الصفة البكرية .

ويترتب على هذا من الفقه : أن المبين للأحكام يجب عليه أن يبين جميع الأحكام، وإن كان فيها ما هو نادر قد لا يمكن وقوعه لندارته من أجل أن يقع فلا يعرف الحكم فيه . فعلى التقسيم الذي قلنا أولاً إنه - أعني السَّلف - على أربعة أوجه، الثلاثة جائزة، والواحد ممنوع - على ما بيناه ـ أن هذا في موضع التقسيم بحسب الحديث من أجل أن يعرف حكم الله بحسب ما بينه صلى الله عليه وسلم .

وأما بحسب أحوالنا اليوم، وما يعرف من الأكثر من الناس - كما أشرنا إليه - فلا يكون الجائز

منها إلا اثنين، والاثنان الآخران ممنوعان الواحد لكونه مجمعاً على منعه كما ذكرنا والثاني وهو الذي تقدم ذكره من تعليلهم بفعل أبي بكر وإيثار الأنصار ممنوع لعدم وجود الشروط المذكورة فيه، وهو أيضاً ممنوع من باب سد الذريعة كيلا يقع الناس فيما لا يجوز لهم، وهم يظنون أنهم على لسان العلم . فالوجهان الجائزان إما من له الذمة كما قدمنا وإما مَن يُبيّن حاله على الخلاف الذي ذكرناه .

وأما قولنا : هل هذا حقيقة؟ أو هو كما جاء أن دعاءه عليه السلام ،رحمة، وإن كان ظاهره غير ذلك؟ فالجواب : أن كل دعاء منه عليه السلام على طريق الزجر على ألا يفعل فعلا فهو حق . وأما الذي هو خير - وإن كان ظاهره خلاف ذلك ـ فذلك كما أخبر هو ، ، إذا كان ذلك منه عليه السلام لأمر ما قد وقع .

وأما قولنا : هل لا يقع (۱) الدعاء إلا بالوصفين معاً، وهو أخذ المال والنية؟ فهذا هو ظاهر الحديث. فإذا كان أحدهما فلا يخلو أن تكون نية دون عمل، فهذه لا يلزم فيها حكم إلا أنها نية سوء، يجب عليه التوبة منها . وإن كان فعلا دون نية : مثاله أن يأخذ السَّلف ويذهل عن أن يبين الشرط، فهذا فيه إشكال من أجل أن المال قد أخذه وهو لا ذمة له ولا بيَّن لصاحبه حاله . وقال الخطأ والعمد في أموال الناس سواء فهذا الحديث يحكم له بأنه مثل من تعمد ذلك،

وبنص الحديث الذي نحن بسبيله. وقوله : (يريد إتلافها فالنية في ذلك مع الأخذ مشروطة، فمن أجل هذا هو مشكل، وما هو مشكل مثل هذا فتركه أولى، لأن الدخول تحت دعائه ، ا ، ليس بالهين . وإنما بَحْثنا : إن وقع، ثم

(1) يريد: ألا يقع .

تاب، هل إجابة الدعوة بعدما أجيبت تزول أم لا؟ فهنا تقسيم : فلا يخلو أن تكون توبته بعدما ردَّ مال الغير الذي كان قد أتلفه، أو يتوب ولم يردّ المال لصاحبه، بل كانت توبته على ألا يفعل مثل هذا أبداً . فأما إن كانت توبته بعد ما ردّ المال فيرجى ألا يلحقه الدعاء؛ لأن عدم المال لا يمنع

حقاً،

جبر

و أن المال قد رجع إلى صاحبه فالضرر الذي كان لحق صاحب المال قد زال عنه . واستبشرنا بكون الله عزّ وجلّ قد منّ عليه برده مال الغير أنه ما كانت نية سيدنا ، ، ، ل ، إلا أن يكون إتلافاً لا بعده. هذا قوة رجاء في فضل الله ، وما نعلم من رحمته عليه السلام بأمته .

وأما الذي يعترض ويقول : إن السبب الذي علق به الدعاء - وهو أخذ المال بنية أنه لا يرده ويتلفه - فقد وقع الدعاء والإجابة في دعائه عليه السلام في حكم المقطوع به ، فإذا قبلت فلا تُرَد، فهو أمر محتمل من طريق الخوف والذي قدمناه أولاً هو الأظهر . والله أعلم .

(1) الموت

وأما إن كانت توبته إقلاعاً عن الفعل ومال الغير باق في ذمته فشروط التوبة لم تصح بعد . فنحن مع وجود شروطها فيه ما تقدم فكيف مع عدمها ؟ لكن هو خير ممن يستمر على العمل . ولعله ييسر له في شيء يؤدي به عن نفسه أو يحله صاحب الحق فيقوى له الرجاء، إن جعلنا تحليل صاحب الحق مثل الأداء. وإن قلنا : إن التحليل هنا ليس كمثل أخذ الحق فيبقى فيه توقف، وهذه المضايق الهروب منها أولى. ومن أجل هذه المضايق أصل أهل الطريق طريقهم على الصبر على الظمأ حتى إلى ولا يتعرضون لشيء فيه خلاف، كما ذكر عن بعضهم أنه لحقه جوع شديد ومجاهدة، ولم يكن له شيء، ثم فتح عليه في طعام لم يرتضه فأبى أن يأكل منه شيئاً فقالت له أمه : كل يا بني، وأرجو أن الله يغفر لك . فقال لها : نرجو أن الله يغفر لي ولا اكله. فلم يأكل منه شيئاً مع كثرة حاجته إليه . ومثل ذلك ما روي عن أبي بكر ، رضي الله عنه حين أتاه خادمه بالطعام، فلم يسأله إلا بعد ما أكل منه لقمة . فلما رفع اللقمة وأكلها قال له الخادم يا سيدي عادتك لا تأكل طعاماً حتى تسأل عنه، فما بالك في هذا ؟ فقال : شدة الجوع حملتني على ذلك. ولكن من أين هو ؟ فأخبره أنه من جهة كذا. وسمّى له جهة لم يرتضها فأخذ أبو بكر ، رضي الله عنه ، عند ذلك يردّ تلك اللقمة من بطنه بعد ما ابتلعها، فلم تخرج إلا بعد أمر شديد ومعالجة . فقال له الخادم يا سيدي هذا على لقمة واحدة؟ فقال : نعم . ولو لم تخرج إلا بنفسي لأخرجتها، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : كل لحم نبت من الحرام فالنار أولى به (۲) .

(۱) حتى حرف عطف والمعطوف مقدر .

(۲) لفظه : كل جسد نبت من سُحتٍ فالنار أولى به. أخرجه الطبراني وأبو نعيم عن أبي بكر رضي الله عنه . وقد ورد

بعد هذا الحديث أبيات من الشعر نثبتها كما وردت .

وقد قيل :

إذا كنت لا أمنع نفسي شبهةً ولا في مطعم

فكيف طريقي إلى التقى

كلا، وبـل هــي

أثقلتني

ظلم

أتَوَرّع

وهل من لتوفيق والخيــ

ـل لي نور في القلب يوضع

ذنوب وعيدك بهــــا ـرّ نار تقلع

إلهي أرجــــــوك فــــــي تــــــوبــــة وبك أسأل كيف أصنــ مي من يثرب إلا مــا هــديتني إلــى مــا منهــا

فبـ

وأما قوله (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال فليس له أن يضيع أموال الناس بعلة الصدقة) هذا تأكيد لما تقدم ، لأنه إذا منع ، ، ، إضاعة مال الغير عموماً فليس لك أنت أن تخصص لفظه ، ، بأن تقول : إنما أستلف من أجل أني أتصدق بما أستلف، وليس هذا من باب عموم إضاعة المال بل هي إضاعة محضة حتى تعلمه، فتقول له : أستلف منك هذا المال على أن أتصدق به على نفسي، فإن فتح الله عليَّ رددتُ إليك مالك وإلا فلا تَبِعَة لك عليَّ، فإن رضي فحسن، وإلا فلا.

وهنا علة أخرى مع كونك خصصت عموم قول الشارع عليه السلام، برأيك وليس ذلك أن الذمة قد تعمرت حقاً، والصدقة التي أعطيتها محتملة إن قبلت أو لا، فكيف يبرأ شيء متحقق بشيء مشكوك فيه ؟ هذا ممنوع شرعاً وعقلاً .

لك، وهي

ولا يحملك على أن ترتكب هذا المحذور من أجل بعض أخبار وردت عن بعض المباركين منها : أن بعضهم كان في سَنَة شديدة، فاستقرض جملة ،مال واشترى به طعاماً وفرقه على المساكين . فلما جاء أصحاب المال يطلبون مالهم توضأ وركع ركعتين، وسأل الله الكريم ألا يخزيه معهم. ثم قال لهم : ارفعوا الحصير فانظروا هل تجدون تحته شيئاً؟ فرفعوا الحصير فإذا تحته مال . فقال لهم : خذوا قدر مالِكم، فوجدوه مثله سواء بسواء .

فهذا السيد احتمل حاله أشياء منها : أنه قد تقدمت له مع مولاه عادة فعمل عليها، وقد قال : (مَن رُزِق من باب فَلْيَلْزَمْهُ) (۱) . وقال أصحاب التوفيق : إنه من فتح الله له باباً من خير، من باب خرق العادة، فذلك لسان العلم فيما يخصه . واحتمل أن يكون مجاب الدعوة، وهو يعلم ذلك من مولاه بما تقدم له أيضاً واحتمل أن كانت معاملته مع الله صادقة فقبلها فلما قبلها لم يكن

ليضيعه عند احتياجه إليه . حاشاه .

(۱) سبق تخريجه في الحديث (٤٨)

فلا يجوز لمن ليست له من هذه الوجوه شيء أن يقتدي بمثل هذا السيّد، ولا بما يذكر من

مثله، فإن مثل هؤلاء يُسلّم لهم، ولا يُقتدى بهم، ولا يُعترض عليهم، لعدم الحال الموجب لذلك. ولذلك قال بعض من نُسب إلى هذا الشأن إذا كان أمرك إلى مولاك مصروفاً، وقلبك ببابه موقوفاً، ويدك عن الدنيا مكفوف (۱) ، وحالك بأمره ونهيه ،محفوفاً، فقد رحلت عن الدنيا وإن كنت بها موقوفاً. فجعل صحة حاله أن يكون بالأمر والنهي من كل الوجوه محفوظاً. وهذه زبدة الأمر، وهو الحق الذي عليه أهل الحال والمقال جعلنا الله ممّن منّ عليه ،بهما، إنه ولي حميد .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .

(۱) كذا.

مُسلم

حديث الأمر بالصدقة على كل مسلم

عن سعيد بن أبي بردة (١) عَن أبيهِ ، رَضِيَ الله عَنهُما ، أَنَّ النَّبِيَّ ، ، قال : على كُلِّ صدَقَة فَقالوا : يا نَبِيَّ الله ، فَمن لم يجد ؟ فَقالَ : يَعملُ بيده فَيَنفع نَفْسَهُ ويَتصدَّقُ قالوا : فَإِن لَم يَجد؟ قالَ : يُعينُ ذا الحاجة المَلهُوفَ قالُوا : فَإِن لَم يَجد؟ قالَ: فَلْيَعمل بالمعروف، وليمسك عَنِ الشَّرِّ . فإنَّها لَهُ صَدقَة.

ظاهر الحديث يدل على الأمر بالصدقة، والتسبب فيما به يتصدق والكلام عليه من وجوه : منها : هل هذا الأمر على الوجوب أو على الندب؟ وما معنى قوله عليه السلام فليعمل بالمعروف، وليمسك عن الشر. فإنها له صدقة فالجواب : أما الأمر فهو على الندب، لا بالصيغة بل بالاستقراء من خارج منها قوله الله في حديث غير هذا : لا صدقة إلا عن ظهر غِنَى) (۲) ، عند يعني وقوله عليه السلام أيضاً في ركعتي الضحى (إنها تجزىء عنه (۳) القدرة عدم

على الصدقة .

وقوله عليه السلام آخر الحديث ( فليعمل بالمعروف، وليمسك عن الشر. فإنها له صدقة ، وهذا من الواجب مع وجود الصدقة أو عدم وجودها، لأنه لا يجوز له أن يعمل الشر ويترك المعروف. لكن المراد في هذا الموضع ما زاد على الواجب فهو له صدقة. وقد قال عليه السلام :

(1) سعيد بن أبي بردة: حفيد أبي موسى الأشعري. هو وأبوه من التابعين ثقة ، ثبت، توفي في الكوفة سنة ۱۳٨ هـ (۲) لفظ الحديث : لا صدقة إلا من ظهرِ غِنى واليد العليا خيرٌ من اليد السفلى، وابدأ بمَن تَعُول . أخرجه الإمام

على الأصح.

أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه (۳) أخرج الإمام أحمد عن بريدة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : في الإنسان ستون وثلاثمائة مفصل فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منها صدقة. قالوا : فمن يطيق ذلك يا رسول الله ؟ قال : النخامة في المسجد تدفنها، والشيء تنحيه عن الطريق، فإن لم تقدر فركعتا الضحى تجزىء عن ذلك .

(والكلمة الطيبة صدقة ، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة ، ولقاء المؤمن لأخيه ببشاشة الوجه صدقة

أو كما قال عليه السلام

ويؤخذ من هذا من الفقه : أن الدين كله مطلوب فرضه ،وندبه والتسديد فيهما جميعاً ، لقوله

عليه السلام (فسددوا وقاربوا على ما مرّ الكلام عليه . وفيه دليل في فضيلة الصدقة. وفيه دليل لأهل الصوفة الذين بنوا طريقهم على البذل والإيثار، حتى يروى عن جماعة منهم أنهم كانوا لا يحتملون أن يبيت عندهم شيء من الصدقة المعلومة في بيوتهم . قوله عليه السلام على كل مسلم صدقة يعني ودلّ على أن الكافر لا تقبل منه الصدقة، لكونه خصصها بالمسلم . وفيه دليل لمن يقول : إن الكافر ليس مخاطباً بفروع الشريعة. يؤخذ ذلك من كونه لم يعلق

الصدقة إلا بمسلم.

ى ما في الإيمان من الرحمة والإسلام.

وفيه دليل على أن اليسارة في الناس هي الأغلب يؤخذ ذلك من كونه عليه السلام أطلق الصدقة على كل مسلم وفيهم - ولا بد - الذي ليس له شيء. وقد استدل بعض العلماء على قلة المساكين بكون المولى جل جلاله لم يفرض الصدقة إلا ربع العشر، ولم يجعله مطلقاً إلا في نصاب معلوم ، وهي خمسة أو اق أو عشرون ديناراً. وما كان العليم الرحيم ليفرض لعباده شيئاً لا يكفيهم، وهو يعلم حالهم وعددهم ( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ (۱) فلما علم قلة المساكين، وأن ذلك المقدار يكفيهم، فرض لهم ما يكفيهم ، ولو أن الأغنياء أخرجوا جميعاً ما أوجب الله عليهم من الزكوات ما احتاج مسكين لأن يسأل أحداً .

وفيه دليل على أن الأحكام تجري على الغالب يؤخذ ذلك من كونه عليه السلام عمَّ بالصدقة جميع المسلمين، وفيهم من ذكرنا من الضعفاء ، وهم الذين يأخذون الصدقة المأمور بها . وفيه دليل على أن هذه الصدقة اليسير منها يجزىء . يؤخذ ذلك من كونه لم يحدّ فيها نصاباً ولا مقداراً مثل ما فعل في الفرض وهذا أيضاً من الأدلة على أنها ليست بواجبة . وقوله : (فقالوا: يا نبي الله ، فمن لم يجد ؟ قال : يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق فيه دليل على مراجعة العالم في تفسير المجمل، وتخصيص العام . يؤخذ ذلك من قولهم فمن لم يجد ؟ ) .

وفيه دليل على ما للصحابة من الفضل علينا - كما ذكرناه أولاً - لأنهم تلقوا الأحكام بالخطاب، وسألوا في مثل هذا وغيره حتى بانت الأمور، ووضح الحكم.

(۱) سورة الملك، من الآية ١٤ .

وفيه دليل على فضل التكسب، لكن إذا كان على لسان العلم ويكون عوناً على الدين . يؤخذ ذلك من قوله ( يعمل بيده) .

وفيه دليل على جواز الصناعات على الإطلاق لعموم قوله عليه السلام: (يعمل بيده) ولم

يخص عملا دون غيره .

وفيه دليل على تقديم ضرورة الشخص على الصدقة. يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام فينفع نفسه ويتصدق) فإنه أتى إثر عمل اليد بنفع النفس، وأتى به بالفاء التي تفيد التسبيب والتعقيب وحينئذ عطف عليه الصدقة . وهم ما كان سؤالهم إلا على الصدقة .

وفيه، إذا نظرت إشارة عجيبة لأنه لو قال ( يعمل ويتصدق لكان الشخص يقول : أعمل فيما أتصدق به، وأبقى أنا على ما يفتح الله لي . فأشار هنا بتقديم الانتفاع له، لأنه من أكبر الصدقات أن يزيل حكمه عن غيره، ويبدأ بالذي هو أهم وبعد ذلك يتصدق . وكونه عليه السلام قال : ينفع نفسه لفظ جامع لجميع ما هو محتاج إليه من ضرورات نفسه وعياله أو سكنه أو غير ذلك مما إليه حاجة البشرية إلا أنه بقيد الشريعة فإن هذا أصل في كل الأمور .

وقوله : ( قالوا : فإن لم يجد يؤخذ منه تنويع البحث على العالم إذا دعت لذلك ضرورة . ويؤخذ منه استنباط المسائل الممكنة الوقوع وإن لم تقع ،بعد، وأن هذا من الدين، وصاحبه مثاب . وقوله (يعين) ذا الحاجة الملهوف هنا بحث : لم قال : ذا الحاجة ونعته بالملهوف، وكل من أعان في حاجة مسلم فهو مأجور ، ، لقوله : (الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) (۱) . فالجواب : أن الإعانة في الحاجة مثاب عليها، لكن الصدقة ،أرفع، كما أشرنا قبل . فلما نوّع السؤال عليه أراد أن يبقى لهم أفعالاً يكون الثواب عليها مثل الصدقة. فلما أن كان صاحب الحاجة بهذه الصفة الزائدة - وهي كونه ملهوفاً - نبه عليه لما فيه من زيادة الأجر، على أن لو كانت حاجة دون لهف فحينئذ بزيادة هذه الصفة يكون له مثل ما فاته من عمل الصدقة. وفيه دليل لتقعيد الأحكام بألفاظ العموم، لأن (الحاجة) لفظ عام ، وكذلك (اللهف) أنواع

بحسب الحاجات وأصحابها. والملهوف كناية عن الحائر في حاجته القليل القدرة على القيام بها فهو يشبه المضطر ، وقد يكون أكد منه ، لأن المضطر قد ألف الصبر وأيقن بعجزه، وهذا متلهف من جانب إلى جانب، ومن وجه إلى وجه وقد حار في نفسه، ولا يعرف من أين يكون له الفَرَج، ولا

ضرورته يفيد فيها القعود والاستسلام

جزء من حديث رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أوله : من نفس عن مؤمن كربة من كُرَبِ الدنيا نفْسَ الله

منه كُربةً من كُرَبِ يوم القيامة .. الخ .

مثاله : من عليه دين، وقد حان وقته، وهو ليس له شيء، وهو لا يقدر أن يثبت عُدْمَه، وصاحب الدين لا يُفتره ولا يعذره، فالقعود لا يمكنه ، والخلاص لا يقدر عليه، ووجه الرشاد إلى راحته لا يعرفه، فحاجته أشدّ من المضطر ؛ لأن المضطر قد يفوض الأمرَ كلَّه إلى الله ، ويصبر على

ما نزل به حتى يأتيه فرج الله . والإعانة هنا بماذا تكون؟ هل تكون بالموجود أو بالإرشاد؟ فالجواب : أنه لو كانت بالمعلوم لكانت أعلى الصدقات . نعم لفظ (الإعانة) يقتضي بالمعلوم وغيره. لكن لمّا كان بساط الحال مما يفعل عند عدم الوجود ذكرت إعانة الملهوف . فتخصص اللفظ ببساط السؤال ، فقام عون هذا الملهوف، وإن لم تعطه من عندك شيئاً مقام الصدقة لما فيه من تفريج كربه في الوقت ؛ لأن الثواب على الصدقة إنما هو لما يدخل على أخذها من راحة نفسه، ولذلك كان أكثرها ثواباً إذا كان الآخذ أكثر احتياجاً . وإذا قلت مثلا لهذا الملهوف : أنا أدلك على وجه يكون لك فيه راحة، فقد أدخلت عليه من السرور في الوقت أكثر مما يدخل على صاحب الصدقة، إذا لم يكن أخذها مثل هذا.

عموم

وقوله (قالوا : فإن لم يجد هنا ،بحث كما تقدم قبل في الجواب على قوله عليه السلام فليعمل بالمعروف وليُمسك عن الشرّ ، فإنها له صدقة وهو كيف يقوم عمل واجب عن تطوع؟ فإن العمل بالمعروف والإمساك عن الشر مما هو واجب شرعاً، والصدقة - كما قدمنا - في هذا الموضع مندوبة ؟ فالجواب إن الأمر بالصدقة لا يلزم منه ترك الشيء والعمل بالمعروف إنما يلزم ذلك من قواعد الشريعة، كما يندب مع الصدقة وعدمها بمقتضى قواعد الشريعة إغاثة الملهوف والندب إلى التكسب الحلال لينفع نفسه ويتصدق. وكما يقال في حديث اخر حين ذكر الصدقة، ثم قال في من لم يجد : أن ركعتي الضحى تجزىء عنها وركعتا الضحى مندوب إليها مع وجود

الصدقة وعدمها .

ـه وهي

إغاثة

فمفهوم الحديث على هذه التنويعات أنه ، ، ندب أولاً إلى الصدقة لما فيها من الخير المتعدي. فعند العجز عنها ندب أيضاً لما يقرب منها أو يقوم مقامها لما فيها أيضاً من الخير المتعدي وهو العمل والانتفاع والصدقة. وعند عدم ذلك ندب إلى ما يقوم مقامه الملهوف - كما بينا - ثم عند ذلك كأنه عليه السلام يقول بعد عدم هذه المذكورات ليس في أفعال البرّ ما يشبهها ، لكن من فعل شيئاً من المعروف - والمعروف هنا ما هو مندوب إليه شرعاً من جميع المندوبات، ولو إماطة شيء من الأذى عن طريق المسلمين، ولو ركعتي الضحى، فمعناه أن لا تُخلِ نفسك من فعل مندوب من المندوبات، وإن قل - فإن في كل منه صدقة، بمعنى : فيه أجر وإن لم تقدر على فعل شيء من المندوبات فإمساكك عن الشر. ومعنى الشر هنا : ما مُنعته شرعاً - فإنه صدقة. أي إنك فيه مأجور. فهذا التنويع ، منه الله ، تسلية للعاجز عن أفعال المندوبات، إذا كان ذلك عجزاً لا اختياراً .

ومما يشبه ذلك ما ورد أن الفقراء من الصحابة رضوان الله عليهم لما جاءوا واشتكوا إلى النبي ، ، إن أصحابنا من أهل الجدة سبقونا بالصدقة . قال عليه السلام) ألا أدلكم على ما هو خير من ذلك؟ تسبحون دُبَرَ كل صلاة ثلاثاً وثلاثين وتكبّرون ثلاثاً وثلاثين وتحمدون ثلاثاً وثلاثين وتختمون المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، فذلك خير ) (۱) . فلما بلغت الأغنياء فعلوا كفعلهم ، فرجع الفقراء إليه الا الله فأخبروه بذلك ، فقال لهم ، صلى الله عليه وسلم : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . ويترتب على هذا من الفقه أنا مطالبون بجميع فرائض الدين ومندوباته وتطوعاته، والشأن أن يُقدم الفرض، ثم الأعلى فالأعلى من جميع المندوبات. ومن وسعه عمل الكل فنعم ما فعل، فإن فعل الأدنى من المندوبات مع القدرة على الأعلى فقد ترك ما هو المستحب، لكن لم يُخْلِ نفسه من الخير . فإن لم يفعل من المندوبات شيئاً فقد غبن نفسه غبناً كبيراً، فليجتنب الشر فإنه مأجور في ذلك، فإن لم يفعل ذهب عنه الدين، ولا علم عنده . نسأل الله العافية بمنّه .

وفيه ردّ على بعض الأصوليين الذين يقولون : إن الترك لا يُؤجر عليه، لأنه ليس بعمل . لقد أخطأوا الطريق، وضلّوا ضلالاً بعيداً، لكونهم أوجبوا الثواب بمجرد عقولهم وتركوا الكتاب والسنة . فأما الكتاب فقوله تعالى : إن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ ) (۲) والانتهاء هو ترك الشيء لا شك فيه . وأما السنة فمنها نسمه عليه السلام في هذا الحديث بقوله عليه السلام (وَلْيمسك عن الشر، فإنها له صدقة جمع أفعال البر في قوله عليه السلام (بالمعروف وجمع أيضاً جميع أنواع الشر بقوله عليه السلام وليمسك عن الشرّ) أي جميع أنواع الشر، قال: (فإنها أي من فعل

شيئاً من هذه الصفات المذكورة، أو ترك شيئاً من هذه الصفات المذمومة) ( فإن ذلك له صدقة) . ولا يخطر لك أن تقول : بمجموعها تكون الصدقة فهذا لا يعطيه اللفظ، وهو مذهب المعتزلة، لأنهم يقولون : لا تُقبَلُ الحسنةُ حتى لا تعمل سيئة. وأهل السنة على خلاف ذلك، لقوله تعالى ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَمُ . وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ وقوله ، عليه السلام في حديث غيره : اتق محارم الله تكن أعبد الناس)(4). والآي والأحاديث في

هذا كثيرة . فسبحان من حرمهم طريق الرشاد.

(۱) لعله يشير إلى جزء من حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري ومسلم من أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله الله فقالوا : ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم إلى آخر الحديث، أو إلى أحاديث تشير إلى هذه

الأعداد من الأذكار التي أخرجها علماء الحديث بطرق شتى ومضمونها متقارب .

(۲) سورة الأنفال، من الآية ۳۸ . سورة الزلزلة ، الايتان ۷ و ۸ . سبق تخريجه في الحديث (٦٦) .

وهنا تنبيه وهو : انظر إلى حكمة الشرع فإنه جعلك في إدخال الراحة والسرور على نفس

غيرك مأجوراً إذا كان الله ، وإدخال الضرر أو التغيير عليها مأثوماً ومعاقباً. وفي إدخالك التشويش على نفسك أو المجاهدة لها إذا كانت الله كنت مأجوراً على ذلك، ولذلك قال الخضِرُ لموسى عليهما السلام (وزَعزع بالخوف قلبك فإن ذلك مما يُرضِي ربَّك ) . فانظر هل تعرف لذلك حكمة أو هو مما يُلقى تعبداً أو امتثالاً لا غير؟ قد تقدم الكلام في غير ما موضع أن الحكيم لا يفعل شيئاً إلا عن حكمة . والحكمة هنا خفية ظاهرة وهي - والله أعلم - لأن السرور إذا أدخلته على نفسك، وإن ادعيت أنه الله ، فقلما يسلم من دسيسة النفس من أجل حَظِّها . وهو من باب سد الذريعة وهي قاعدة كلية في الشرع

مثال ذلك جعل مكة محلاً للجدب وعدم الزرع والمشقة التي في الوصول إليها، حتى إن المشي إليها والإقامة بها تتحقق الله، لأنه ليس في ذلك كله شيء يلائم النفس، بخلاف أن لو كانت مثل دمشق في الفواكه والخضر، فقلما كانت العبادة تخلص فيها من أجل حظ النفوس في

الخصب والفرجة .

ولوجه آخر أيضاً، فإن إدخال السرور على الغير إذا كان الله خالصاً قلما يخلو من تعب النفس بوجه ما أقل ما فيه أنها تريد جمع الحظوظ من الخير لها وكونها تؤثر بها غيرها فقد حصل لها تعب في الباطن، وهو أشده فتمحضت العبادة بالإخلاص الذي هو أصلها لقوله عزّ وجلّ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (۱) فبين الإخلاص بأسبابه حتى يكون ذلك عوناً من الله لعبدِهِ .

لذلك قال يُمْنُ بن رزق - رحمه الله - وهو من أجلّ أهل الطريقين : نظرت في هذا الأمر - يعني العبادة ـ فلم أر شيئاً أعون عليها من الغربة من أجل نفي الدسائس التي للنفس مع الاستيطان والأهل والجيران ومنهم من قال : إذا كان في الغربة إصلاح ديني فلا أوحش الله من الأهل

والوطن، وهمتي بالله وعزمي في إصلاح ديني .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً

سأل

العـ

على

يع

(۱) سورة البينة من الاية ٥ .

حديث أخذ المال بسخاوة النفس

عَن حَكيم بن حزام ) ، رضي الله عَنهُ قالَ : سَأَلْتُ رَسولَ الله ، ، فأعطاني، ثمَّ (۱) صلى الله عليه وسلم

سألته فأعطاني، ثُمَّ قال : يا حكيم، إنَّ هذا المالَ خَضِرة حُلوة، فمن أخذَهُ بِسخاوةِ نَفْسٍ بُورِكَ لهُ فيهِ، وَمَن أخذَهُ بإشرافِ نَفْس لَم يُبَارَك لهُ فيهِ، وَكانَ كالَّذِي يَأْكُلُ ولا يَشبَعُ؛ وَاليَدُ العليا خَير منَ اليد السُّفْلَى .

ظاهر الحديث يدل على أن أخذ المال بسخاوة النفس فيه بركة وأخذه بإشراف النفس فيه عدم بركة . والكلام عليه من رجوه :

منها الدلالة على سخاوته . يؤخذ ذلك من تكرار طلب الطالب عليه مراراً، وفي كل مرة يعطيه، ولم يقلقه ذلك .

وفيه دليل على حب النفوس المالَ لما جبلت عليه بمقتضى الحكمة الربانية . يؤخذ ذلك من قوله إن هذا المال خَضِرَة حُلوة. وهذه كناية عن الشيء المستحسن المحبوب، يؤيده قوله تعالى زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِن النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالله KUNGLEANT GANGNANT ANNEL ) (۲)

وجاء عن عمر ، رضي الله عنه أنه قال : اللهم إني لا أستطيع ألا أحب ما زينته لنا، فاجعلني ممن أخُذُه من وجهه، وأنفقه فيما يرضيك (٣) . أو كما قال.

(1) حكيم بن حزام صحابي، قرشي، وهو ابن أخي خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها . مولده بمكة (في الكعبة) شهد حرب الفجار ، وكان صديقاً للنبي الهلال الاول قبل البعثة ،وبعدها، وعُمر طويلا، وكان من سادات قريش في الجاهلية والإسلام، عالماً بالنسب ، أسلم يوم الفتح له في كتب الحديث (٤٠) حديثاً. توفي في المدينة سنة ٥٤هـ / ٦٧٤م (۲) سورة ال عمران الآية ١٤ .

(۳) عزاء السيوطي في الدر المنثور ۱۰/۲ لابن أبي شيبة، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم عن =

م الأخذ وتكون فيه فوائد منها أجر الزهد، ومنها راحة وفيه دليل على أنه قد يقع الزهد النفس، ومنها البركة في الرزق فأما الزهد فبدليل قوله عليه السلام ( فمن أخذه بسخاوة نفس وسخاوة النفس هو زهدها تقول : سَخَت بكذا أي جادت به وسَخت عن كذا، أي لم تلتفت إليه. وأما راحة النفس فقد قال عليه السلام: (الزهد في الدنيا يُريح القلب والبدن ، وهذه أعظم راحة للنفس. وأما البركة في الرزق فلقوله عليه السلام (بورك له فيه) ويترتب على ذلك من الفقه أن الزاهد يجتمع فيه خير الدنيا والآخرة. فأما خير الدنيا فما يحصل له من البركة في الحطام الذي يطلبه الحريص ولا يصل إليه، وراحة القلب والبدن اللذين قد حرمهما صاحب الدنيا، وهما حقيقة النعيم فيها. وأما الآخرة فما يتحصل له من ثواب الزهد هناك وقلة الحساب، فإن الزهد يحمله على إخراج الواجبات والتوقف في المتشابهات ؛ وهي السعادة التامة والذي يطلب الدنيا يخسر الدنيا والآخرة. فأما خسارته الدنيا فتعب قلبه وبدنه، لقوله : (والحرص فيها يُتعِبُ القلبَ والبَدَن) (٢) . وهذه غاية في الشقاء والتعب، وخسارته ما أمل منها من زيادة حطامها لكونه تُرفَع له البركة كما تقدم في قوله عليه السلام (بإشراف نفس) وهو الحرص. وهذا غاية في الحرمان ؛ لأنه تعب التعب الكلي، وحرم ما أمله

ونجد ذلك في عالم الحس. ترى طعام أهل الدنيا كثيراً في العين، وعند الأكل ما تجد الشبع منه إلا من شيء كثير ؛ والقوى بالنسبة إلى ما أكلوا قليلة وطعام أهل التوفيق والزهد في مرأى العين يسير، ويأكل منه الجمع الكثير ويشبعون ويجدون القوى الكثيرة بالنسبة إلى ما أكلوا . ومع ما أهل الدنيا فيه من التعب يتولد بينهم الحسد والضغائن والغيبة والشح بمنع الحقوقِ أو بعضها أو تَوْفِيَتِها . وعلى هذه الصفات مع التسامح في المشكلات تترتب خسارة الآخرة مع العذاب والهوان أعاذنا

الله منها بمنّه .

وفيه دليل لفضل أهل الصوفة الذين بنوا طريقهم على الزهد ؛ لأنه أول باب في السلوك ولذلك قال يُمْن بن رِزق ) ، رحمه الله : لا يثبت لك قدم في محجة الدين، وفي قلبك خوف الفقر أو الغنى وحب المنزلة والرياسة . فذلك مفتاح فقر الأبد.

أسلم قال: رأيت عبد الله بن أرقم جاء إلى عمر بن الخطاب بحلية انية وفضة ، فقال عمر : اللهم إنك ذكرت هذا المال، فقلت زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ ) حتى ختم الآية، وقلت : ( لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا

اتكم وإنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زيّنت لنا، اللهم فاجعلنا ننفقه في حق، وأعوذ بك من شره. (۱) عزاه السيوطي في الجامع الصغير للطبراني في الأوسط وابن عدي في الكامل والبيهقي في الشعب. وقال المنذري في الترغيب والترهيب إسناده مقارب وانظر فيض القدير للمناوي ٧٣/٤ .

(۲) ضم السيوطي هذا الحديث إلى الحديث السابق وجعلهما واحداً، وعزاهما إلى المصادر المذكورة آنفاً. ولفظه

(والرغبة فيها تتعب القلب والبدن .

(۳) يمن بن رزق : تقدمت ترجمته في الحديث (۲) : (الوجه الثاني) .

وفيه دليل على جواز ضرب المثل فيما لا يمكن السامع أن يعقله حتى يُعلم أنه يعقله، من الأمثلة التي يغلب على الظن أنه يعرفها . يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام : (كالذي يأكل ولا يشبع) لأن الغالب من الناس ولا سيما في زماننا لا يعرفون البركة إلا بالشيء الكثير ؛ فأراد ، ، أن يبين لهم بالمثال الذي يعرفونه أن البركة هى خَلق من خَلق الله ، وليست كما يزعمون، وضرب لهم المثل بما يعرفه كل أحد، وهو أنه لا يقصد أحد الأكل إلا من أجل أن يشبعَ ويُزيل به الم الجوع فإذا أكل الأكل الكثير ولم يشبع فكأنّ ما أكله من الطعام مخسور؛ لأن الفائدة التي من أجلها استعمل الطعام - وهي الشبَع - لم يجدها .

فكذلك المال ليس الفائدة في عينه وإنما يراد لما يتوّل به من الفوائد . فإذا كثر المال ولم يجد به من الفوائد ما أرادها فكأن لا مال له حاضر ، وذلك موجود محسوس في أبناء الدنيا والآخرة. تجد أبناء الدنيا لا يقدرون أن يصلوا إلى ضروراتهم إلا بالأموال الكثيرة . فلما رأوا ذلك لم تكن همتهم إلا في تكثير المال وغاب عنهم ما وراء ذلك، وجاء أهل الآخرة فبلغوا تلك الضرورات التي لم ينلها أهل الدنيا إلا بالأموال الكثيرة بأقل الأشياء، وربما كانت أحسن منها . هذا موجود كثير لمن تأمله ونظره .

منه ،

وفيه دليل على أن تقعيد الأحكام لا يُقتَصَر فيها على ما يفهمه المخاطب ليس إلا ، بل على ما يفهمه المخاطب وغيره ممن هو دونه في الفهم حتى لا يكون فيها إشكال يؤخذ ذلك من قوله للصحابي رضي الله عنه كالذي يأكل ولا يشبع لأنا بالضرورة نعلم أن الصحابة رضي الله عنهم، يعلمون أن البركة خَلْق من خَلْقِ الله ، كما هو الشبع خَلْق من خَلْقِ الله ؛ لأنهم قد رأوا ذلك ، مرارا، ومن بعضهم مع بعض على ما هو منقول عنه عليه السلام وعنهم . ولكن ضرب ذلك المثال لمن يأتي بعد ليزول الإشكال بتقعيد قاعدة شرعية لا تحتمل التأويل. هذا البيان التامّ الأمر، كيف هو اليوم ممن ينسب إلى العلم في الغالب، فكيف بالغير؟ فقد تنكرت الطرق، وعاد الحق في كثير من الأمور مشكوكاً فيه، وبعضه مجحوداً للعوائد السوء التي كثرت ممن لبّس على الناس أنهم علماء وصالحون ، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولذلك قال : كيف بك يا حُذَيْفَة إذا تركت بدعةً :قالوا : تَرَك سنّة ؟ فقال : ما تأمرني إن أدركني ذلك الزمان؟ قال : أقرِضُهم من عِرْضك ليوم فقرك ) (۱) ، معناه : افعل ما هو الحق والسنة، ودعهم يقولون ما شاؤوا ، فإنك مأجور في كونهم يأخذون من عرضك بغير حق شرعي ..

فانظر

مع

(۱) رواه الخطيب وابن عساكر عن أبي الدرداء، ورواه أبو نعيم والطبراني وابن عساكر عن أبي أمامة، وهو جزء من

حديث طويل . وانظر منتخب كنز العمال ۳۹۲/۵ ومجمع الزوائد ٢٨٥/٧ :

وقوله عليه السلام اليد العليا خير من اليد السفلى هنا خلاف بين العلماء وأهل الصوفة فالعلماء يقولون : اليد العليا هي المعطية والسفلى هي الآخذة وأهل الطريق يقولون بالضد: إن الآخذة، لأنها هي التي أعطتك بالشيء اليسير الثواب الكثير. واحدة بعشرة وبسبعين

العليا هي

وبسعمائة . والسفلى هي المعطية لأنها هي المنتظرة للمجازاة، وهي مفتقرة إلى ذلك . والذي يظهر لي - والله أعلم - أن الجمع يقع بينهما بوجه آخر ، وهو حسن إذا تأملته : لا يخلو أن يكون المعطي هو الذي يطلبك لقبول ،معروفه، أو أنت هو الذي تطلب منه ذلك. فإن كنت أنت الطالب له فيده عليك وهي العليا، وقد حصل منك ذل السؤال إليه . وقد جاء أن الذل في السؤال ولو عن الطريق . والمنكر لهذا يَجْحَد الضرورة.

وإن كان هو الذي يطلبك بمعروفه فقد كسر مائية وجهه إليك في أمرٍ أنت فيه بالخيار وهو محتاج إليه، إما لزوال واجب عليه أو لخير يؤمله في دنياه أو اخرته، فإنه لم يأتك بمعروفة كرامة لك، وإنما هو لأمر يقصده مما أشرنا إليه . فقبولك أنت إياه معروف وهو السائل فيه . فالحاجة له ويده هي السفلى، ويد الآخذ هي العليا، وقد قال عليّ ، رضي الله عنه : ( من دعانا كان الفضل له . فإن أجبنا كان الفضل لنا. وبساط الحال الذي نحن بسبيله يشهد لذلك، لأن سيدنا ، ل لا لا لا لو لم يقل ما قال إلا لسائل ،له عليه السلام ، لَمَّا كرَّر سؤاله مراراً .

(۱) ، . وفيه دليل لوجه رابع ) ، وهو أنه جعل الاثنين حَسَنَيْنِ ، وأحدهما يفضل على صاحبه بزيادة . يؤخذ ذلك من قوله (خير) لأنه أدخلهما في باب (أفضل)، وباب (أفضل) يشهد بالحسن أو الخير للمذكورين، غير أن أحدهما يكون - إن فعل - خيرا من غيره كما نقول : زيد خير من ،عمرو وما نفينا الخيرية عن عمرو ،بالأصالة، ولكن زيداً أرفع منه درجة فيها . فكذلك هاتان اليدان كلتاهما حسن، لأنهما امتدتا إلى معروف وحصلت الفضيلة بينهما بمرجّح ثان : إما نظر بعين الفعل أو بعين المال أو بعين القصد أو بمجموعها . فمن أجل هذه التعليلات وقع الخلاف .

وفيه دليل على إرشاد الشارع عليه السلام إلى الأعلى في المقامات . يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام ( اليد العليا خير من اليد السفلى كأنه عليه السلام :يقول كن ممن يده عليا، ولا تكن ممن يده سفلى. إلا أن هذا في المقامات الدينيات، لا في الدنيا وحطامها .

وفيه دليل على أن بيان العلل بعد قضاء الحاجة ليس بمخجل ولا مفسد للمعروف يؤخذ ذلك من أن سيدنا ، ا ا ا ا ، ل لم يبين للسائل ولا ضرب له المثل إلا بعد قضاء حاجته مرارا حتى تمت أمنيته، وحينئذ بين عليه السلام له العلل التي في السؤال .

(1) كذا، وقد أورد قبل أكثر من ثلاثة .

وفيه من الفقه أنه بعد قضاء حاجته كان خاطره خالياً من التشويش ومن التهمة للمتكلم، وأرفع للخجل ، ويجتمع له قضاء حاجته وفائدة أخرى وهي التعليم بما لم يكن يعلم . وفيه دليل على جواز سؤال أهل الفضل والدين وأهل المعاملة، وليس فيه مذلة . يؤخذ ذلك من أن سيدنا ، ل ، لم يعرض له فى حق سؤاله إياه بشيء إلا أنه قال له قاعدة كلية . ولو كان في سؤاله شيء ما كتمه عنه ولا كان أيضاً يعطيه شيئاً حين يبين له ما فيه من الكراهية، لأنه المشرع ، والبيان عند الحاجة إليه لا يجوز تأخيره، وكأن فحوى الكلام يقول :له يا حكيم، ليس الأخذ مني الأخذ من غيري اليد العليا خير من اليد السفلى، لأن يده ، هي العليا على كل الحالات، لأنها لا مماثل لها، ولا يتناوله عليه السلام التمثيل في الفضيلة وهذا بين لاخفاء فيه، ويخلفه بالميراث في المنزلة - وإن كان ليس مثله - مَن له الخلافة ،بعده ، وكذلك من ناب عن الخليفة نائب بعد نائب، وإن بَعُد أعني : إذا كانوا من أهل الفضل والدين .

مثل

وفيه دليل على أن المطلوب منا المبالغة في النصيحة والتعليم. يؤخذ ذلك من أنه ، صلى الله عليه وسلم ، لم يقتنع بالمثال الأول حتى أكده بالمثال الثاني، لكونه فيه معنى زائد وكلما زادت أدلة التحذير كان

أقوى في المنع .

وفيه دليل على أن من أقوى الأسباب في حمل العلم بمقتضى الحكمة : الجِدَةُ (۱) . يؤخذ ذلك من أنه لم يعلمه حتى أغناه بتكرار العطاء ثلاثاً.

وفيه دليل على جواز تكرار السؤال ثلاثاً، والرابعة ممنوعة. يؤخذ ذلك من أنه في كل مرة من الأولى والثانية أعطاه عليه السلام، وسكت عنه، وفي الثالثة أعطاه وأشغله بإلقاء العلم عن إعادة السؤال، لأن الصحابة رضي الله عنهم فيهم من الفهم والذكاء لقوة إيمانهم ما يزجرهم في الإشارات أقل من هذا . وفيه حجة لأهل الطريق الذين يقولون بالزنبيل ، لأنهم يقولون : من شرطه ألا يخرج لشخص معين يقصده ولا يلح في سؤاله، ولا يحلف (۳) ، وإنما يسأل الله ، فإذا حملته المقادير إلى باب أو شخص لا يتعداه لغيره، ومن شرطه ألا يخرج إلا على حاجة صادقاً لقوله الله : لا بأس أن يشكو المؤمن حاجته لأخيه المؤمن ) (٤) . فإذا سأل ذلك الشخص الذي حملته القدرة إليه فإن أعطاه

(1) الجدة : مصدر للفعل (وجد يَجِد). يقال : وَجَد فلان أي : صار ذا مال وللفعل (وجَدَ) معان أخرى. (۲) الزنبيل بفتح الزاي المشددة وكسرها القفه . ويراد به هنا الأخذ بالسبب والسعي للرزق . (۳) ولا يحلف . ولا يُقسم على من سأله ليعطيه .

(٤) لم أقف على مصدره .

فحسن، وإن حرمه فحسن ثم يقصد ثانياً وثالثاً، فإن حرمه الثلاثة فلا يزيد عليهم شيئاً، ويعلم أن المطلوب منه الصبر والتسليم فيرجع إلى موضعه ولا يسأل غير من ذكر، حتى يفتح الله له، أو

يفعل فيه ما شاء .

فانظر اليوم هل ترى من الطرفين العلم والحال من هو على ما يقتضيه طريقه مما استنبطه أهله الموفقون من الكتاب والسنة، كما أبديناه قبل وفي هذا الحديث طرف منه ؟ كلا، والله تشعبت الطرق وقل السالكون. فإنا لله وإنا إليه راجعون .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

حديث كراهية كثرة السؤال

عَن عَبدِ الله بن عُمَرَ، رَضي الله عنهما قالَ: قالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم : ما يَزال الرَّجل يسألُ (۱) النَّاسَ حتَّى يأتيَ يَومَ القيامَةِ لَيسَ فِي وَجْهِهِ مِرْعَةٌ (٢) لحم

ظاهر الحديث يدل أن الذي يكثر من سؤال الناس يأتي يوم القيامة وليس في وجهه لحم . والكلام عليه من وجوه :

منها : هل هذا السؤال على العموم في علم أو طريق أو لا يكون ذلك إلا في حطام الدنيا؟ وإن كان في حطام الدنيا هل إذا (۳) كان محتاجاً أو غير محتاج ؟ وهل هذا خاص بالرجال دون النساء

أو ليس؟ وهل هذه العقوبة لحكمة تعرف أو ليس؟ وهل يدخل في ذلك من تاب قبل موته أم لا؟ فالجواب : أما السؤال عن العلم فلا يدخل في عموم ذلك، بدليل ،مولانا جلّ جلاله نَسْتَلُوا أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) (٤) .

وأما السؤال أيضاً عن الطريق فلا يدخل في عمومه، لأنه من إرشاد الضال. وإرشاد الضال من المأمور به. فلم يبق إلا أن يكون في حطام الدنيا . فإذا كان في حطامها فليس على عمومه أيضاً ؛ لأن من المأمور به السؤال عند الحاجة، لقوله عليه السلام لا بأس للمؤمن أن يشكو حاله لأخيه المؤمن) (٥) . ومن أجل ذلك اختلف العلماء في الذي يلحقه الجوع، أيما أفضل له الصبر حتى

(1) يسأل : في هذا السياق بمعنى : يستجدي ويشحذ .

(۲) المزعة : القطعة. وجمعها (مزع).

(۳) كذا والصواب أفإذا .

(٤) سورة النحل من الآية ٤٣ .

(٥) لم أقف على مصدره.

يموت فيكون شهيداً لقوله عزّ وجلّ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ) (۱) أو يكون مأثوماً لقوله : لا بأس للمؤمن أن يشكو حاله لأخيه المؤمن فإن لم يفعل حتى يموت يكون ممن تسبّب في قتل نفسه فيأثم؟ على قولين .

وأما من تاب قبل موته فيرجى أنه لا يدخل تحت ذلك العموم، لقوله : (التوبة تَجُبُّ ما قبلها) (٢) . غير أنه يبقى هنا ،بحث فالذي يكون مال بيده عند التوبة هل يتناول منه شيئاً؟ أو كيف

يفعل به ؟ أما بقاؤه بيده فلا يجوزه وكيف يجوز له إبقاء مال حرام بيده؟ بدليل قوله عليه السلام: (لا تَحِل الصدقة لغنيّ ولا لِذي مِرَّةٍ سَوِيّ ) (۳). وأما ما يفعل به فإن كان مما يعرف أصحابه فيرده إليهم، وإن لم يعرف فيتصدق به.

وأما هل هو خاص بالرجال دون النساء أو عام ؟ فالجواب : أنه عام، بدليل أن النساء شقائق الرجال في جميع التكليفات وجرى الإخبار عنهم دون النساء من طريق الأفضلية وأنهم تلقوا الخطاب كقوله عزّ وجلّ يَأَيُّهَا الرُّسُلُ ) (٤) والمقصود : هم وأتباعهم .

وهنا بحث، وهو: أن من فعله ولم يدم عليه لا يلحقه ذلك الوعيد بدليل قوله ( ما يزال) وهذه الصيغة تدل على الدوام.

وفيه دليل على أن جميع الناس محتاجون إلى العلم . يؤخذ ذلك من أنه إذا كان أقل الناس - وهم السؤال الذين ليس لهم شيء في الدنيا - يحاسبون على سؤالهم، سواء أكان على ما أمروا به أو تعدوا، فما بالك بالغير؟ .

وفيه دليل على أن الجهل لا يُعذر به أحد. فإنه إذا لم يعذر السائلون - مع شدة مسكنتهم

بالجهل فيما يلزمهم من سؤالهم، فكيف بغيرهم؟

وفيه دليل على أن العلم أفضل الأشياء، إذ به يتخلص الرفيع والوضيع إذا عمل به . وفيه دليل على جواز سؤال غير المؤمن. يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام يسأل) (الناس) و (الناس) لفظ عام، يدخل تحته المؤمن وغيره. ومن أجل ذلك كان بعض السادة لا يخرج من منزله إلا عند الضرورة، فلا يأتي إلا إلى ذمّي، فقيل له في ذلك فقال : إني لا أخرج إلا محتاجاً. فإذا

(۱) سورة الطور من الاية ٤٨ .

(۲) لم أقف على مصدره ، والمروي المعروف هو الإسلام يَجُبُّ ما قبله) .

(۳) رواه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً، ورواه النسائي من حديث أبي هريرة وهو حديث صحيح . وذو مرّة : صاحب قوّة ونشاط .

(٤) سورة المؤمنون، من الآية ٥١

أتيت باب المسلم فأخاف أن يردني ويعود عليه من أجل ردي بلاء، لأنه مأمور بإحياء نفسي، فلا أريد أن يلحقه مني أذى. والذمي ليس هو بي مكلفاً، فإن واساني رجوت له الخير، وإن ردَّ لم يخف

أن يلحقه مني أذى له .

بین

وفيه دليل على حمل السائلين على التصديق . يؤخذ ذلك من أنه لم يجعل لغيرهم فرقاً الصادق وغيره منهم. ويذكر عن بعض المباركين أنه مر يوماً فرأى شخصاً عُرياناً يسأل من

يكسوه الله فجرد ثوباً عنه وأعطاه ، وكان ذلك السائل معروفاً عند بعض الناس أنه كان يعمل ذلك حيلة، وربما تصرف بثمن ما يأخذه فيما لا يصلح . فلما انصرف ذلك السيد عنه أخبره شخص أنه رأى ذلك السائل في موضع وليس عليه ذلك الثوب، وأنه يمكن أنه تصرف فيه على غير لسان العلم، فتحرك ذلك السيّد لمقالة القائل، وسأله أن يحمله حتى يراه كيف حاله، فلما بلغ إليه وراه على تلك الحالة التي وُصف بها سأله ما فعلت في الثوب الذي أعطيتك؟ وكان ثوباً نفيساً يساوي شيئاً كثيراً، فجاوبه بأن قال له : اطلب ثوبك ممن أعطيته واتركني مع من عصيته . فقال : صدقت.

وتركه وانصرف . إذا كنت في معروفك صادقاً مخلصاً فكن في فضل من عاملته مصدقاً مخلصاً. وأما قولنا : هل تعرف ما الحكمة في كونه يأتي يوم القيامة ولا مزعة لحم في وجهه؟ والمزعة : الشيء اليسير فمعناه : أنه ليس يكون في وجهه من الحُسْن شيء، ولأن حُسْن الوجه هو بما فيه من اللحم، ولذلك فإن السِّمَن يَزيد الوجه حسناً . وذلك لأنه لما أذهب في الدنيا مائية وجهه وهي ما في الوجوه من الحياء الموجب لترك المسألة - فلما أزاله لغير ضرورة أذهب حسنه الحسي والآخرة أمورها في الآخرة، لأن حسن الحياء الذي في الوجه هو معنوي وحسن اللحم حسي. حسية مشاهدة غالباً، لأن الحكمة اقتضت أن كل ذنب في الدنيا لصاحبه علامة يعرف بها في الآخرة، وتكون دالة على ذنبه ، فيجتمع عليه أمران عقاب وتوبيخ من أجل شهرته على جميع العالمين، كما جاء أن شاهد الزور يبعث مُولعاً (۱) لسانه ، بنار ، واكل الربا مثل البخت (۳) يتخبط مثل السكران، وأكل أموال اليتامى يقوم من قبره وألسنة النار تخرج من منافسه )

(۱) مُولَعاً في هذا السياق تعني : محبوساً، فلسان شاهد الزور تلفه النار ، وكأنه محبوس بها. والعبارة الواردة في النص أن شاهد الزور يبعث الخ ) لم يتيسر الوقوف على مصدرها .

(۲) البخت نوع من الإبل (خراسانية) وكأنه يعني أ خلقه غير سوي كسائر المخلوقات . وحديث الإسراء الذي رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة والذي أوله رأيت ليلة أسري بي والحديث الذي رواه البيهقي في الدلائل عن أبي سعيد والذي أوله لما عرج به إلى السماء فيهما تشبيه بطون أكلة الربا بالبيوت العظام المائلة . ج منفس، وهو مكان النَّفَس. وعبارة المؤلف : (وألسنة النار تخرج من الإسراء الذي رواه البيهقي عن أبي سعيد رضي الله عنه. وفي تفسير ابن كثير لقوله تعالى : ( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا وفي كتاب الكبائر للذهبي زيادة إيضاح وشرح لهذا الموضوع.

(۳) منافسه:

منافسه قطعة من حديث

وتعداد ذلك كثير بحسب ما أخبر به الصادق عليه السلام فتكون فائدة الإخبار بهذا وأمثاله التحرز من ذلك الخزي العظيم والعذاب الأليم. أعاذنا الله من الجميع بمنه وفضله لا رب سواه.

وقال : حَسنُ لنفسك العقبى إن كنت بصيراً، واحذَرْ خِزْيَ يوم كان وجهه عبوساً قمطريراً، بتقوى مَوْلى لم يزل عليك منعِماً شكوراً.

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً

حديث قران الحج بالعمرة

عَن عُمر ، رضي الله عَنهُ ، يَقولُ : سَمِعتُ النَّبِيَّ ، ، بوادِي العَقيقِ(۱) يَقولُ : أتاني الليلة آتٍ مِن رَبِّي فَقالَ : صَلِّ في هَذا الوَادي المُبارَكَ، وَقُل : عُمرَةٌ في حَجَّةٍ

آخر؟

ظاهر الحديث فيه بحث وهو : هل يحمل على ما يقتضيه لفظه ؟ أو المعنى فيه على وجه

فمن قواعد الشريعة تعرف أن (في) ها هنا ليست على حقيقتها، وإنما هي بدل عن غيرها، وهذا في كلام العرب كثير ؛ لأنه قد تقرر من قواعد الشرع : أن العمرة لا تُردَف على الحج وأن الحج هو الذي يُردَف على العمرة .

وسبب الأمر من ،مولانا جلّ جلاله في هذا الوادي المبارك لسيدنا ، ، ، أن يصلي فيه وهو عليه السلام، قد كان أحرم عند خروجه من المدينة بالحج مفرداً، وذلك أنه كانت الجاهلية قبل الإسلام يقولون : إن من أفجَرِ الفجور العمرة في أشهر المج. وكانوا يقولون : إذا عفا الوَبَر ، وَبرَأ الدَّبَر، ودخل صَفَر ، حلّت العمرة لمن اعتمر عفا الوبر : كثر وبر الإبل الذي حلق بالرحال . وفي رواية: عفا الأثر : أي اندرس أثر الإبل وغيرها في سيرها ويحتمل أثر الوبر المذكور. جرح في ظهر الإبل من أثر السفر. وصَفَر هو الشهر الذي يلي المحرَّم وكانوا يسمون المحرَّم صَفَراً. فأمر الله نبيه عليه السلام أن ينسخ فعل الجاهلية بأن يُحرم بالعمرة في أشهر الحج، ويفسخ بذلك الإحرام إحرامه المتقدم بالحج المفرد، ويكون ذلك حكماً خاصاً بذلك

والدبر :

(۱) وادي العقيق هو الوادي المبارك، ويقع ببطن وادي ذي الحليفة، وهو الأقرب منها ، وهو مهل أهل العراق من ذات عزق. يقع غربي المدينة المنورة، ويشقه طريق مكة. ويكاد عمران المدينة يتصل بمداخله. والطرق إليه منها : باب العنبرية، الطريق شمالي قبة الخضر المدرّج، العقيق (انظر: بين التاريخ والآثار لعبد القدوس

الأنصاري ص ٧٦) .

الوقت لأنه لم يأت نص في الأحاديث أن العمرة يجوز إدخالها على الحج . فتكون (في) ههنا على

هذا الوجه معناها (عُمْرة بدل حَجة ) .

هذا على القول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم مفرداً، وهو حديث عائشة (۱).

، رضي الله عنها؛ لأن

العلماء اختلفوا في حجه وإحرامه صلى الله عليه وسلم اختلافاً كثيراً. والأحاديث في ذلك أيضاً مختلفة، وهو

موجب الخلاف .

الله ،

قطعي فيه

وعلى القول بأنه عليه السلام أحرم أولاً بعمرة فيكون قوله هنا : (عُمرَة في حَجّة) من المقلوب. ويكون معنى الكلام (حَجَّة في عُمرة ) . وقلب اللفظ عن حقيقته بغير وجه إشكال والأول الذي هو بدل الحروف أولى؛ لأنه معروف في كلام العرب ومن فصيحه . وأما على وجه من قال : إنه الا الله و أحرم قارِنا ، فيكون الأمر هنا زيادة تأكيد في شأن ما أراد ، سبحانه، أن ينسخ من فعل الجاهلية، لأن يكون ذلك بالسنة أولاً، وتثبيتاً بالحكم الإلهي ثانياً. ونذكر الآن إشارة إلى ما هو الأظهر من إحرامه لا لا لا لهم من أجل الاختلاف الواقع في ذلك . وذلك أنه لما اختلفت الأحاديث من أين كان إحرامه الله : هل من المسجد ؟ أو حين استوى على راحلته؟ أو حين توسط البيداء؟ سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن سبب هذا الخلاف فقال : أنا أخبركم . كنت معه ، في المسجد فصلى ثم أحرم إثر الصلاة وهي نافلة، فلبّى، فمن كان ، هناك روى ما سمع . ثم خرجتُ معه حتى ركب فلما استوى على راحلته لبّي، فمن كان هناك روى ما سمع. ثم سار وسرت معه حتى توسط البيداء، والناس أمامه مدّ البصر وخلفه ويمينه وشماله

كذلك، وهلل ولبّي، فمن كان هناك روى ما سمع

وأما الذي جاء في اختلاف إحرامه عليه السلام هل كان مفرداً أو قارناً أو بعمرة وكيف

الجمع ؟ فذلك أن عائشة رضي الله عنها قالت خرجنا مع رسول الله ، ، ، عام حجة الوداع ، ،

فمنا من أهَلَّ بعمرة ومنا من أهَلَّ بحج وعمرة، ومنا من أهَلّ بالحج ، وأَهَلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج.

(۱) حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم مفرداً رواه مسلم رقم (۱۲۱۱) في الحج - باب بيان وجوه الإحرام. (۲) أداء فريضة الحج يمكن أن يتم على ثلاثة أشكال : (۱) حج إفراد : وهو أداء مناسك الحج من غير أداء عمرة في وقت الحج (وهو: شوال وذو القعدة وعشر ذي

الحجة) .

(۲) حج تمتع : وهو الجمع بين أفعال العمرة والحج في أشهر الحج في سنة واحدة بإحرامين بتقديم أفعال العمرة من غير أن يُلمَّ بأهله إلماماً صحيحاً .

(۳) حج قران : وهو الجمع بين العمرة والحج بإحرام واحد في سَفْرة واحدة . (۳) رواه الإمام أحمد في المسند وأبو داود في السنن وصححه الحاكم في المستدرك وأقره الذهبي وفي رواية المؤلف ابن أبي جمرة رحمه الله زيادة بعض الألفاظ وهي غير واردة في الكتب الانفة الذكر.

فأما من أهل بعمرة فحَلَّ وأما من أهل بالحج أو جمع بين الحج والعمرة فلم يخلل، حتى كان

يوم النحر

وقول سعد في الموطأ للضحاك : بئس ما قلت يا ابن أخي قد صنعها رسول الله ،

وصنعناها

(٣) . أنحر

معه.

يعني العمرة في حجة الوداع. وقول حفصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما شأن الناس

حَلوا ولم تَحْلِلْ أنت من عمرتك ؟ فقال : إني لَبَّدْتُ رأسي، وقلدتُ هَذيي، فلا أحِلّ حتى وروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ، ل ، قرن . وأنه سمعه يقول : لبيك اللهم لبَّيْكَ بحَجَّة وعُمرَة معا) (٤ ) .

واختلف الناس في كيفية الجمع بينهما. فمن أحسن ما قيل في ذلك : أنه عليه السلام أحرم أولاً مفرداً بالحج. فمن سمع ذلك أخبر بما سمع . ثم فسخه في العمرة حين أمره الحق، جلّ جلاله، كما تقدم فمن سمع ،إهلاله عليه السلام بالعمرة مفرَدَة روى ما سمع. ثم إنه عليه السلام، لما قدم مكة قبل أن يطوف بالبيت أردف الحج على العمرة فمن سمعه يلبي بهما حدث بما سمع . فَصَدَق أن يقال ( مفرداً) وأن يقال (متمتعاً) وأن يقال (قارنا) والكل حق، ولا تناقض بينها . وإنما كان يكون التناقض أن لو كانت الأحاديث كلها عن يوم واحد في ساعة واحدة وهذا لم يوجد. فلا تعارض عند التحقيق والحمد الله وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافًا ﴿ كثِيرًا (٥) فهذا ما أمكن الكلام فيه على قوله ( في حجة على التقريب والاختصار . وفيه دليل على أن الله عزّ وجلّ يفضل ما يشاء من خلقه جماداً أو غيره، فضلاً منه تعالى . يؤخذ ذلك مما قيل له عليه السلام في هذا الوادي المبارك فسمي بالبركة . وفيه دليل على أن المقصود منا في الأمكنة والأزمنة المباركة التعبد. يؤخذ ذلك من قوله (صل في هذا الوادي المبارك. فمن أجل بركته أمرنا بالصلاة فيه كما قال تعالى في الأشهر الحرم فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَ فنهى عن الظلم فيها لكون الإثم عليه إذ ذاك أكثر مما لو كان في غيرها . والأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده. فلما نهى عن ترك الظلم

فيها يلزم فعل الطاعة أو يندب فيها .

(1) رواه البخاري ومسلم كما في جامع الأصول ١٤٤/٣ و ١٤٥ و ١٤٦ . (۲) رواه الإمام مالك في الموطأ والنسائي ۱۵۲/۵ والترمذي رقم ۸۲۳ (۳) رواه البخاري في الحج باب التمتع والقران والإفراد، ومسلم رقم ۱۲۲۹ عن السيدة حفصة رضي الله عنها . (4) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه

سورة النساء، من الاية ۸۲ . (٦) سورة التوبة ، من الآية ٣٦ .

وفيه دليل على تفضيل بني ادم على غيرهم من المخلوقات يؤخذ ذلك من أن ما فضل من البقع والأزمنة إنما هي من أجل بني آدم، لكونهم أمروا فيها بالتعبدات، وضعف لهم الثواب، يدل على ذلك قوله تعالى ( وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ

ون (۱) فكانت الفائدة لنا ورحمة بنا .

وفيه دليل على جواز الإخبار بأمر الأمر ، ولا يلزم ذكر الواسطة يؤخذ ذلك من قوله عليه

السلام: (أتاني الليلة اتٍ من ربي) ولم يذكر من كان الآتي هل جبريل عليه السلام، أو غيره؟ وفيه دليل على تأكيد الركوع (۲) قبل الإحرام يؤخذ ذلك من قوله (صَلّ في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة فلم يؤمر عليه السلام بالإحرام إلا بعد الركوع ، وإن كان سيدنا قد سَنها قبل . فجاء الأمر هنا تأكيداً لما كان هو ، ا ، سَنه . وعلى القول - وهو الأظهر - إنه عليه السلام أحرم أولاً مفرداً، يجوز فَسخُ الحج في العمرة إذا كان هناك عذر يوجب ذلك . يؤخذ ذلك من فسخه عليه السلام الحج في العمرة للعذر الذي قدمنا ذكره .

ومنه - والله أعلم - أجاز العلماء لمن فاته الوقوف بعرفة إن شاء أن يفسخ إحرامه في عمرة فعل

لأنه عذر يوجب له الخيار بما ذكرنا أو يبقى على إحرامه إلى قابل . وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

الفل

(۱) سورة الجاثية، من الآية ۱۳ .

(۲) يقصد بـ (الركوع) الصلاة النافلة قبل الإحرام من إطلاق الجزء على الكل .

لا

الا

فل

أنا

حديث الإنابة في الحج

عَن عَبدِ الله بن عبّاس رضي الله عَنهُما أنَّ امرأةً قالت يا رَسولَ الله ، إِنَّ فَريضةً الله علَى عِبادِهِ في الحج . أدركت أبي شَيخاً كبيراً لا يَثْبُتُ على الرَّاحِلة ، أفَأَحُجُ عَنهُ؟ قَالَ : نَعم وَذلِكَ في حَجَّةِ الوداع .

ظاهره يدل على جواز النيابة في الحج والكلام عليه من وجوه منها : هل هو مطلق في الفرض والنافلة، كما يروى عن الشافعي رحمه الله ، أو في النفل لا غير ؟

أما على ما ذكرته عن أبيها لأنه لا يقدر أن يثبت على الراحلة فالحج ليس بفرض عليه، لأن الله ، عزّ وجلّ، يقول مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ) (۱) وهذا عادم للاستطاعة، فلا وجوب عليه، ﴿ ويكون ما فعلته عنه من الحج تطوّعاً. فإذا بمقتضى الحديث تجوز النيابة في الحج في النافلة ولا تجوز في الفرض .

وهنا بحث، وهو : هل يحمل ذلك الحكم - أعني النيابة - في جميع التطوعات البدنية ، أم لا؟ الجمهور على أن لا وما أجاز النيابة في الحج - على خلاف بينهم ممن أجازها هل مطلقاً في الفرض والنفل، أو في النفل لا غير - إلا من أجل هذا الحديث ومن أجل أن معظم ما فيه إنفاق المالية وجعل البدن تابعاً لها، لأن النيابة في المالية جائزة ، وفي الفرض بلا خلاف. وأما البدنيات فلا، إلا خلاف شاذ جاء فيمن مات وعليه صوم واجب هل يصوم عنه وليّه أم لا ؟ فالجمهور على أن لا يصام عنه ، وجاء حديث يصوم عنه وليّه ) (۲) . فعمل على ذلك بعض العلماء، ولم يصح عند

الجمهور العمل به

(۱) سورة ال عمران من الآية ۹۷ .

روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله الله : قال : من مات وعليه صيام صام عنه وليه .

وفيه دليل على جواز النيابة في العلم . يؤخذ ذلك من سؤال هذه عمّا يلزم أباها وفيه دليل على جواز نيابة المرأة في العلم. يؤخذ ذلك من أن النبي ، ، لما سألته هذه أجابها ، ولم ينكر عليها . وفيه دليل على جواز كلام المرأة والأجانب يسمعونها ، وإن كان كلامها عورة لا يجوز أن يسمعه أجنبي، لكن عند الضرورة جائز . يؤخذ ذلك من كون ابن عبّاس روى كلامها، وأنه وهو أجنبي منها . لكن من أجل الضرورة لكونه مع النبي ، . وهذه قد سألته فسمع كلامها ويؤخذ منه جواز الجلوس مع الحكام والفقهاء المفتين وإن كان الناس تأتيهم رجالاً ونساءً. يؤخذ ذلك من كون ابن عباس كان مع النبي ، ، حين سألته هذه وهو المروي عنه عليه السلام في الأحاديث، لأنه لم يكن قط يجلس إلا ويجلس معه الصحابة رضي الله عنهم. ومن أجل ذلك تقررت الأحكام. ولو لم يكن ذلك جائزاً وكان يكون من الخاص به لكونه يقرر الأحكام، وتنقل عنه ، لكان يذكر ذلك ويبينه .

وفيه دليل على تصحيح قاعدة الأبوة، بخلاف ما يقوله بعض أهل التفقه، لأنهم يقولون : محتملة . وإطلاقهم هذه الصيغة على هذه الصفة غلط . والبحث فيه أن نقول : لا يخلو أن نرجع في ذلك إلى مجرد العقل، ولا نلاحظ في ذلك أمر الشرع، أو نرجع إلى مجموعهما فإن قال القائل : أقول بمجرد العقل عند البحث، ليتقرر حكم العقل في ذلك على أسلوبه فإن وافق الشرع فحسن وإلا قلنا : هذا بحث العقل، ورجعنا في الأحكام إلى الشرع، فإنا به مأمورون

فنقول : لا يخلو أن نقول عن الأبوة محتملة بحسب بلوغ الأمر إلى علمنا أو بحسب وقوعها في الوجود فإن قلتم بحسب وصوله إلى علمنا فلا فرق بين الأبوة والأمومة، لأن الأمومة كذلك أيضاً إما أن تكون بعلم قطعي أو بحسب وقوعها في الوجود فالعلم القطعي مثل أن يُرى خارجاً من رَحِم أمه فهذا هو العلم القطعي، وهو معدوم في الأبوة أعني القطع بالمعاينة وأما الأسباب فتشترك الأبوة مع الأمومة في ذلك، لأن الأمومة إما أن تكون بدعوى أو بشهادة والأبوة تشاركها فيهما، وهذا هو الغالب من الناس لأنهم لا يعرفون أبوتهم وأمومتهم إلا من طريق الدعوى أو الشهادة. فلم يبق في ذلك إلا الرجوع إلى الأمر المنقول منها عن طريق إخبار الصادق عليه السلام من نفيها أو صحتها .

فما جاء من طريق الصادق عليه السلام نفيها مثل ابن نوح عليه السلام على خلاف فيه

(۱) كلام المرأة ليس بعورة، ويجوز للأجنبي أن يسمعه إلا إن كان هناك فتنة نص عليه النووي في أكثر من موضع من شرح مسلم .

به

ن

ـذه

أن

حين

تقوله عزّ وجلّ: ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ) (۱) فضاء عنه، وذكر عن بعض العلماء أنه كان ملتقطاً عليه(۲) لأن زوجة نبي بالإجماع أنها ما بغت قط لا مخالف في هذا. ومثله قول سيدنا محمد الله سأله السائل : مَن أبي ؟ فقال : أبوك حذافة (٣) . ونسبه إلى أبيه. وأما ما ثبت فمثل أولاد يعقوب عليه السلام فقد ثبتوا بنص القرآن وكذلك أولاد إبراهيم عليه السلام، وأولاد سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم .

علي رضي

ومثل أبيه ، و و و و و و و و و و ل لقوله عليه السلام: (أنا النبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطّلب) (٤) وقوله عليه (أنا ابن الذبيحين)(٥) ، وقوله عليه السلام حين كتب العهد بينه وبين أهل مكة، فكتب السلام : الله عنه : محمد رسول الله . قالوا : لو علمنا أنه رسول الله لا تبعناه فكتب محمّد بن وقوله عليه السلام للسائل إن أبي وأباك في النار ) (۷) . وقوله عليه السلام: (أستأذنت في أن أزور قبر أمي فأذن لي واستأذنته أن أزور أبي فمنعني) (۸) وقوله عليه السلام

عبد الله )

(۱) سورة هود من الآية ٤٦ .

(۲) رواه البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه . وانظر في تفسير قوله تعالى: ﴿لا تسألوا عن أشياء) . (۳) رواه البخاري في المغازي - باب قول الله تعالى : ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم . (٤) قول ضعيف ومدلول عبارة المؤلف يدل على ذلك .

(٥) يريد بالذبيحين : اسماعيل بن إبراهيم وأباه عبد الله بن عبد المطلب. وقد وقع عليه نذر أبيه عبد المطلب أن يذبحه، ثم افتداه بمائة من الإبل. جاء في الطبقات الكبرى لابن سعد ۸۸/۱ ما يلي : لما رأى عبد المطلب قلة أعوانه في حفر زمزم، وإنما كان يحفر وحده وابنه الحارث هو بكره نذر لئن أكمل الله له عشرة ذكور حتى يراهم أن يذبح أحدهم. فلما تكاملوا عشرة منهم الحارث ، والزبير، وأبو طالب، وعبد الله، وحمزة، وأبو لهب والغيداق، والمقوّم ،وضرار ،والعباس، جمعهم ثم أخذهم بنذره ، ودعاهم إلى الوفاء الله به. فما اختلف عليه منهم أحد وقالوا أوف بنذرك وافعل ما شئت فقال : لِيَكتُب كل رجل منكم اسمه في قدحه . ففعلوا. فدخل عبد المطلب في جوف الكعبة وقال للسادن : اضرب بقداحهم، فضرب فخرج قدح عبد الله أوّلها. وكان عبد المطلب يحبه . فأخذ بيده يقوده إلى المذبح ، ومعه المدية، فبكت بنات عبد المطلب وكن قياماً. وقالت إحداهن لأبيها : أعذر فيه بأن تضرب في إبلك السوائم التي في الحَرَم. فقال للسادن اضرب عليه بالقِداح وعليَّ عشر من الإبل. وكانت الدية يومئذ عشرا من الإبل فضرب فخرج القدح على عبد الله . فجعل يزيد عشرا عشرا. كل ذلك يخرج القدح على عبد الله حتى كملت المائة. فضرب بالقداح فخرج على الإبل، فكبّر عبد المطلب والناس معه واحتمل بنات عبد المطلب أخاهن عبد الله وقدم عبد المطلب الإبل فنحرها بين الصَّفا والمَرْوَة). والرواية : أن أعرابياً قال للنبي الا : يا ابن الذبيحين . (انظر كشف الخفا ۱۹۹/۱) (٦) رواه الشيخان عن المسوّر وعليّ رضي الله عنهما . (۷) رواه مسلم وأبو داود. وفي رسالة للسيوطي في نجاة الأبوين الشريفين أن لفظه (أبي) الواردة في الحديث مُدْرَجَة من الراوي، وله في ذلك أدلة قوية . (۸) لفظه : استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي . رواه مسلم عن أبي هريرة

رضي الله عنه .

للعباس : (يا عم (۱) ولأبي طالب ( يا عم ) (۲) ولصَفِيَّةَ حين أنزل الله عزّ وجلّ ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأفريين ) (۳) : (يا صفية ، عمة رسول الله ) فإن العمومة لا تثبت إلا بالأبوة الثابتة .

فقد رجع قوله عليه السلام هنا التواتر ؛ لأنه قد قيل في أقل التواتر : إنه يثبت بأقل الجموع . ومن أهل العلم من قال : إنه يحصل بخبر الواحد. وهنا أكثر من أقل الجموع . والأحاديث في هذا كثيرة وطرقها مختلفة. وأما التنزيل فقوله عزّ وجلّ ولَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ نُسِكُمْ ﴾ (٤) أي أحسَبِكم. والحَسَب لا يثبت إلا بثبوت الأبوة. وقال صلى الله عليه وسلم ( إن الله اختار من أولاد آدم إبراهيم عليه السلام واختار من ولد إبراهيم إسماعيل إلى أن قال عليه السلام واختارني من بني هاشم (٥) .

أَنفُسِ

هذا من طريق بحث العقل . ورأينا الشرع قد أثبت هاتين القاعدتين الأمومة والأبوة، وجعل الاحتمال الطارىء على الأبوة الوصول إليه ،متعذر فإنه عليه السلام جعل في دعوى الزنى أربعة شهود يَرَوْنه كالمِرْوَد في المُكحُلَة (٦) . والتلاعن الذي هو مؤكَّد باللعنة، والغضب للحرمة ، وقال الولد للفراش وللعاهر الحَجَر ) () . وأكد سبحانه هذا بأن قسم المواريث على هذه الأصول وقال عزّ وجلّ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا (۸) وقال عزّ وجلّ وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ) (۹) وجعل السبب كحكم الأصل المقطوع به ؛ لأنه إذا دخل الرجل بالمرأة،

وجاءت منه أو من غيره بولد، وادّعته منه أنه لازم له إلا أن ينفيه باللعان، بِشَرط مذكور في بابه فترجع الآن للجمع بين العقل ومدلوله في هذه القاعدة ؛ هل وافق الشرعَ أم خالَفَه؟ فأما على البحث بحكم وصول العلم إلينا فاستوى فيها دليل العقل والشرع من وجه أنه ما وصل إلينا العلم

(۱) نداؤه - عليه السلام - عمّه العباس ( يا عَمْ) رواه الترمذي وابن ماجه عن أبي رافع كما رواه الإمام أحمد وأبو يعلى والطبراني عن أم الفضل رضي الله عنها .

(۲) نداؤه - عليه السلام - عمّه أبا طالب ( يا عمّ) رواه الإمام أحمد والترمذي .

(۳) سورة الشعراء، الآية ٢١٤ . (٤) سورة التوبة من الآية ۱۲۸ .

(٥) رواه الطبراني في الأوسط والكبير عن عبد الله بن عمر مرفوعاً ، ولفظه : وخلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم .. الخ . . » كما أخرجه مسلم عن واثلة بن الأسقع أن النبي الا الله قال : إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة ... الخ .. (٦) أخرجه مسلم في اللعان عن أبي هريرة رضي الله عنه في حوار سعد بن عبادة مع النبي الا الله ، كما أخرجه أبو داود في حديث ماعز الأسلمي . واللفظ مختلف .

(۷) متفق عليه من حديث السيدة عائشة وأبي هريرة رضي الله عنهما .

(۸) سورة النساء، من الآية ۱۱ .

(۹) سورة الحجرات من الآية ١٣ .

بالأمومة والأبوة إلا بواسطة السبب ؛ وكذلك حكمنا بهما إلا فيما ثبت خلافه، وكذلك الشرع ما حكم بهما إلا بواسطة السبب، وهو عقد النكاح ووجوده فاستوى في ذلك العقل والنقل . وأما على البحث من كون ظهوره في الوجود فلا فائدة في ذلك الدليل، بدليل أن الشيء إذا وقع في الوجود، ولم يحقق حقيقة كيفيَّته على الوضع الذي وقع في الوجود إلا بواسطة، فرجع الأمر إلى الواسطة، فدار البحث ورجع البحث الأول الذي عليه يقع الحكم، فيكون ما قعدوه توقعاً خيالياً. والتوقع الخيالي لا يُبنى عليه حكم ؛ لأن هذا - وإن عاينه أحد من الجنس - فهو نادر لا يثبت النسب به إلا بوساطة ذلك المشاهد لذلك الأمر، إن كان ممن تقبل شهادته . ولتعذر ذلك رجع فيه إلى قبول ،امرأتين وشهادتهما لا تقبل في غير هذا ، ولا يحكم بهما إلا مع اليمين . فكيف نجعل قاعدة إذا تحققنا البحث فيها من طريق العقل والنقل لا نصل إلا إلى احتمال الإمكان بالتحقيق يطرأ عليها بالنسبة إلى علمنا ؟ ولذلك لم تُثبت الشريعةُ للمَسْبِيَة نسباً مع ابنها ، وإن كانت حاملة له ،بدعواها ولا إلى أب أيضاً إلا ببيان من خارج. وساوت في ذلك بين الأبوة والأمومة وغيرهما من القرابات. ولا سبب يدل عليه مثل الأصل الذي قد دل الشرع عليه بما ربط فيه من العادة والأسباب. فالعقل أيضاً قد ترجحت عنده الأسباب والأصل كما قدمناه فجعل الاحتمال فيه على حد سواء. هذا مشكل لا خفاء به .

مسألة

ثم كيف يمكن عند من يفرق بين أن الاثنين أكثر من الواحد أن يطرد القاعدة على ضعف الاحتمال فيها، كما قدمنا في المسألة، وقد جاء فيها دلالة من القرآن أو من السنة أو إجماع الأمة؟ هذا حمق وجهل - إن حَسَّنا الظن - ما لم يكن في مسألة تختص بسيدنا ، فإن كانت في مـ سيدنا صلى الله عليه وسلم فإنه من شك في أبوته أو نبوته فإنه جمع على نفسه أمرين عظيمين: أحدهما) : الرد على الكتاب والسنة المتواترة، كما ذكرنا أولاً ، فوجب بأقل من هذا قتله إجماعاً إلا ما روي عن الشافعي وأبي حنيفة قولاً ثانياً أنها ردة يجب قتله إلا أن يتوب ومثله قول ضعيف عن مالك رحمه الله وليس بمشهور ،مذهبه ومشهور مذهبه القتل، ولا يستتاب.

وهنا بحث وهو : لا يخلو ما نقل من الإجماع أن يكون قبل ما ذكر من الخلاف المتقدم عمن ذكر، أو يكون الخلاف متقدماً على الإجماع. فإن كان الخلاف منهم قبل، ثم رجعوا إلى الإجماع، فلا تأثير لذلك الخلاف وتحقق الإجماع. وإن كان الخلاف منهم وقع بعد الإجماع فلا يُعبأ به، والذي نقل الإجماع في قتله، جماعة، منهم صاحب الاستذكار ، وصاحب الكافي

(۱) صاحب الاستذكار هو نفسه صاحب الكافي، وهو ابن عبد البر، يوسف بن عمر عبد البر . قُرْطبي، مالكي توفي سنة ٤٦٣ . واسم كتابه كاملاً : الاستذكار) لمذاهب أئمة الأمصار وفيما تضمنه الموطأ من المعاني والاثار والثاني : (الكافي في فروع المالكية ١٥ مجلدا.

(۱) ، وابن سبوع (۲) ، وابن رشد (۳) ، وابن أبي زيد (4) ، وسَحْنون (٥) ، والليث (٦) ،

رحمهم

والتَّلْمِسَانِي والقاضي عياض (٧) ، وابن العربي الله تعالى، وجماعة ممن يقرب من هؤلاء في الشهرة، أنسيتهم في الوقت فإن شاء الله أذكرهم، فإن أنسيته فمن وقف على كتابي هذا أو ذكر منهم أحداً فليلحقه وله الأجر، لأن ذلك مساعدة في قاعدة شرعية، وكذلك نقل الكل : أنه من قال لفظاً يدل على شيء من التنقيص في حقه عليه السلام من أي وجه كان أو ازدرى به، أو شَانَه شَيْناً ما، من أي المحتملات والوجوه كان أنه يقتل له على البحث المتقدم.

والذي أوجب القتل ولم يقل بتوبته اختلف : هل هو حدّ الأدب أو الكفر؟ فالذي قال : حَدّ الأدب فلا تنفع فيه التوبة، لأنه حق قد وجب، وإذا وجب الحق فلا فائدة لتوبته . والقائل بأنه كفر قال : هو كالزنديق يقتل ولا تقبل توبته والقولان عند مالك رحمه الله ومن تبعه . واختلفوا أيضاً هل يكون قتله كفراً أو حَدًا؟ قولان والأكثر منهم نقلوا الإجماع على أنه لا يعذر في ذلك بجهل ولا سُكر ولا فلتة لسان ولا سهو ولا غفلة ولا شيء من الأشياء والحكم في ذلك القتل عمن تقدم ذكرهم منهم من نقل مذهب مالك رحمه الله ومشهوره وهو القتل . ومنهم من ذكر الإجماع في ذلك غير الخلاف عن الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله . وقد استُدِل على قتله بالكتاب والسنة فبالكتاب قوله عزّ وجلّ قُلْ أَبِاللهِ وَءَايَيْهِ، وَرَسُولِهِ كُنتُم . تَسْتَهْزِءُونَ . لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَنكُمْ ﴾ (٩) وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم: (من سَبَّ نبيًّا

(۱) التلمساني أبو ،مدين شعيب بن الحسن المغربي الأنصاري الأندلسي من أهل الحقيقة والشريعة . أصله من الأندلس وإقامته في فاس خافه سلطان فاس ووشى به علماء الظاهر، وخوفوا السلطان من انتشار أمره، فبعث يطلبه، فطمأن مريديه بأنه لن يرى السلطان ولن يراه السلطان ومات في الطريق إليه سنة ٥٨٩ هـ . له أخبار كثيرة عن كراماته من أقواله : حسن الخلق معاشرة كل إنسان بما يؤنسه ، و احذر من يدعي مع

يكذبه ظاهره.

(۲) ابن سبوع: لم نقف على ترجمته .

الله حالاً

(۳) ابن رشد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد أبو الوليد، مشهور باسم ابن رشد الحفيد . توفي سنة ٥٩٥ هـ . مؤلف : بداية المجتهد ونهاية المقتصد، في الفقه المالكي.

(٤) ابن أبي زيد : عبد الله بن أبي عبد الرحمن المالكي، الفقيه، المفسّر. له إعجاز القرآن» ت ٣٨٦ هـ . :سحنون عبد السلام بن سعيد : فقيه مالكي أصله من حمص. قاضي إفريقية. اجتمع مع عبد الرحمن

ابن القاسم، واستفاد من اراء الإمام مالك التي ترد إلى ابن القاسم . توفي سنة ٢٤٠هـ . (٦) الليث بن سعد إمام مصر في الفقه والحديث. ت ١٧٥ هـ .

(۷) القاضي عياض بن موسى أبو الفضل أندلسي الأصل، محدث، مفسّر. توفي في مراكش سنة ٥٤٤ هـ. (۸) ابن العربي : أبو بكر محمد الأندلسي، المالكي : محدث فقيه ،أصولي ،مفسّر، مؤرخ قاضي إشبيلية . له كتاب «العواصم من القواصم وتفسير في (۸۰) مجلدا ، وكتاب المسالك في شرح موطأ مالك ت ٥٤٣ هـ .

(۹) سورة التوبة ، من الايتين ٦٥ و ٦٦ .

فاقتلوه) (۱) وقيل في قتل ابن خَطَل : إنما كان قتله من أجل إذايته له ، ولا من أجل الكفر . والآثار

في مثل هذا كثيرة .

وأما الوجه الثاني) فإن الشك في النسب نفي له ، ومن نفاه ) ، عليه السلام، من نسبه فقد وجب قتله، ولا يمكن أن يدخل فيه الخلاف كما دخل في الوجه ،قبله لأنه حد قد وجب، فإن القذف حق تعين فيه الحدّ بالإجماع. ومنهم من نقل الإجماع فيمن قال : إن من سب النبي صلى الله عليه وسلم إنه لا شيء عليه، إنه كافر ، وكذلك الحكم فيمن سَبَّ أحداً من الرسل والأنبياء عليهم السلام. ثم نرجع إلى الحديث. وأما ما احتجت به الشافعية من أنه سمع شخصاً يقول : لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ عن شُبْرُمَة فقال له : َأحَجَجْتَ عن نَفْسِك ؟ فقال : لا . قال : حُجَّ عن نفسك، ثم حُجّ اللهم عن شُبُرُمَة) (۳) فليس فيه دليل على أن الذي حجه عن شبرمة كان فرضاً، ولا أنه يكون مجزئاً عنه عن فرضه، بل لو ،قال عليه السلام أد فرضك ثم حُجَّ عن شبرمة ، لكان نصا كما زعموا . وأما قوله : (ثم حجّ عن شُبْرُمة معناه : كما تطوعت عنه بما هو في حقه تطوعاً. فإذا وقع الاحتمال

سقط الدليل .

وفيه دليل على أن السنة في التلبية تكون جهراً. يؤخذ ذلك من كون الرواة رووا صيغة لفظه عليه السلام جهراً، وكذلك الخلفاء بعده ، وبقيت السنة على ذلك إلى هَلُمَّ جَرَّا . والله أعلم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) رواه الطبراني في الأوسط والصغير، وفي إسناده من هو متهم بالكذب. ولفظه (من سب الأنبياء قتل، ومن سب

أصحابي جُلِد). (انظر: مجمع الزوائد (٦ / ٢٦٠ ) .

(۲) :المعنى من أنكر نسب النبي وجَبَ قتله . (۳) رواه كما في موارد الظمآن والبيهقي في السنن الكبرى. و (شُبْرمَة) بضم

الشين والراء : صحابي .

حديث ما يلبس المحرم في الحج

عَن عَبدِ الله بن عُمرَ ، رضي الله عَنهُما ، أنَّ رجُلاً قال : يا رَسولَ اللهِ ، مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الشَّيَابِ؟ قالَ رَسولُ الله : لا يَلْبَسُ القُمُص (۱) ولا العَمائِمَ (٢) وَلا السَّراويلاتِ (۳) ولا (۲) البرانس (٤) ولا الخفاف (٥) ، إلا أحَدٌ لا يَجدُ نَعْلَينِ، فَلْيلبَس خُفَّينِ، وَلْيَقطَعهُما أسفَلَ مِنَ الكَعْبينِ. ولا تلبسوا مِنَ الشَّيَابِ شيئاً مَسَّهُ زَعفران أَوْ وَرْس .

ظاهر الحديث يدل على منع تلك الثياب المذكورة في الحديث ومنع الخفاف إذا جاوزت الكعبين، ومنع المزعفر والمُوَرَّس . والكلام عليه من وجوه :

منها : هل المنع مقصور على ما ذكر في الحديث لا غير أم هو تنبيه بالشيء على باقيه؟ فالظاهر أنه ليس مقصوراً على ما ذكر لأنه منع من الثياب المتقمّص بها : القمص والسراويلات والبرانس. فهم من هذا على عادتهم في تعدي الأحكام من قوله (القُمُص) جميع ما كان مما يشبهه من الأقبية (٦) والجباب (٧) والقباطي (۸) إذا كان مُحيطاً بالبدن من كل الجهات، فيكون من باب

(۱) القُمُص: جمع قميص . هو الشِّعار تحت الدثار ، وله كُمّان واسعان يهبطان إلى المعصم، ويتدلى القميص إلى

منتصف الساقين .

(۲) العمائم : جمع عِمامة . وهي ما يلف على الرأس.

(۳) :السراويلات جمع سراويل. وهي لباس يغطي السُّرَّة والركبتين وما بينهما ، وهو فضفاض من أعلى وضيق من أسفل، وقد يصل إلى القدمين أو فوق ذلك .

(٤) البرانس: جمع بزنس وهو كل ثوب رأسه منه ، دُرّاعة كان أوجبة أو ممطراً . (٥) الخفاف جمع خف. وهو ما يلبس في الرّجل من جلد رقيق.

(٦) الأقبية : جمع قباء. وهو ثوب يلبس فوق الثياب أو القميص، ويتمنطق عليه .

(۷) الجِباب جمع جبة. وهي ثوب سابغ واسع الكمين مشقوق المقدم يلبس فوق الثياب . (۸) القباطي : جمع قِبْطِيّة. وهي ثياب من كتان بيض رقاق، كانت تنسج بمصر، وهي منسوبة إلى القبط .

الآفاق منها ما تعرف

التنبيه بالبعض عن الكل، إلا أنه بهذين الشرطين أن يكون مَخِيطاً ملبوساً على هذه الصفة المذكورة، ولو سمّي باي اسم فإن الأسماء فى الثياب مختلفة في جميع ا باللغة، ومنها اصطلاحي بحسب ما جرت عادتهم في ذلك، في الآفاق، فأعطى بوصف (القمص) المنع في كل ما وجدت فيه تلك الصفة واستعمل في تلك العادة .

فإن فَعَلَهُ لعذرٍ أو لغير عذر افتَدَى . والفدية في ذلك ما ذكره أهل الفقه في كتب الفروع، ونص الله عزّ وجلّ عليه في كتابه بقوله سبحانه فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُهِ ﴾ (۱) . فإن كان مخيطاً ولم يلبسه على العادة المعلومة فلا شيء عليه . مثال ذلك أن يكون له قميص، فيتغطى به بالليل أو بالنهار يرميه على ظهره مثل الإحرام، أو مثل المئزر ، فلا شيء عليه، لأنه لم يلبسه على ما جرت به العادة في ذلك .

ومنع عليه السلام بقوله (السراويلات) كل ما كان يشبه ذلك . وهو أن يكون يُلبَس من المُحرِم إلى أسفل إذا كان مخيطاً ودار على الإليتين والفخذين، وإن سمي بأي اسم أو كان على أي صفة إذا كان مخيطاً. فإن لم يُلبَس على ذلك الوجه الذي جرت به العادة بأن يأخذ أحد السراويل ولا يدخل فيه ساقه، ويشده على وسطه مثل الإزرة ) ، فلا شيء عليه ، وإن كان مخيطاً، لأنه لم يلبسه على العادة المعروفة في ذلك .

ومنع عليه السلام بقوله : (البرانس) كل ما كان يشبه ذلك النوع . وهو أن يكون فيه بعض خياطة، ويلبس بعد إدخاله في العنق، وإن كان بعضه مفتوحاً ، سمّي بأي نوع سُمّي، مثل الغفاير (۳) والكباب (٤) والبَلْدَرَانات (٥) وما يشبه ذلك النوع إذا لبِسَ على تلك الصفة. فإذا أخذ أحد بُرنُساً ورماه على ظهره طاقينِ غير مفتوح الجناحين، أو شدّه على وسطه مثل الإزرة فلا شيء عليه ؛ لأنه لم يلبسه على العادة الجارية في ذلك . ومن هنا اختلف مالك والشافعي رحمهما الله ، فيمن أخذ بُرْداً له فخلّلها أو عقدها .. فقال مالك عليه الدم، لأنه مثل المخيط . وقال الشافعي: لا شيء عليه، لأنه ليس مثل ما نص عليه في المنع. هذا تعليل قولهما . وأما الذي جاء عنهما فالمنع عن مالك، والجواز عن الشافعي .

(۱) سورة البقرة من الآية ۱۹٦ . (۲) الإزرة: الإزار وهو قطعة من النسيج تلتف به النساء العربيات عادة عندما يبرزن للجمهور، ويكون كذلك

للرجال .

(۳) الغفاير : جمع غفارة. وهي الخرقة تلبسها المرأة فتغطي رأسها ما قبل منه وما دَبَر، غير وسطه .

(٤) الكباب جمع كب. وهو شبيه بالبرنس الذي يلبس فوق الثياب .

(٥) البلدرانات: لباس أندلسي شبيه بالبرانس أو المعاطف .

واختلفا أيضاً في النسيان والعمد أي من فعل شيئاً مما فيه الفداء ناسياً من هذه أو ما أشبهها من اللباس . فأما مالك فالعَمْد عنده في ذلك والنسيان سواء عليه الفدية فيه، والشافعي لا يوجبها في النسيان .

ومنع بقوله (ولا) (العمائم كل ما جعل في الرأس بخياطة كان أو بغير خياطة؛ لأنه إذا منعنا الذي ليس بمخيط - وهي العمامة - فمن باب أولى المخيط . ولذلك نص العلماء على أن إحرام الرجل في وجهه ، ورأسه أي لا يغطيهما بشيء، فتكون العمائم التنبيه بها من باب الأعلى؛ لأنه أعلى ما يُستر به الرأسُ عند العرب ،العمائم، ليست على أي وجه كان بخلاف البدن؛ لأنه إذا غطى رأسه ولو ،بخرقة، أو بعضه لزمه ،الفداء، لأنه منع كل ما كان بغير خياطة، كما قدمناه فهو منع كلي، سُمّي الذي جُعِل على الرأس بأي اسم كان أو جُعِل على أي شكل كان.

ومنع عليه السلام، بقوله (ولا الخفاف إلا أحدٌ لا يجد نَعلَينِ . فَلْيَلْبس خفَّينِ، ولْيَقْطَعْهما أسفل من الكعبين منع الخفاف وما أشبهها إذا جاوزت الكعبين على أي نوع كان سُمّي بأي اسم وأن المستحب في ذلك النعلان وهما اللذان لا كعب لهما معطوفاً ، مثل القُرْق (۱) أعني : السَّرْمُوجَة (٢) ، وما يشابهها من أنواع .

ومنع عليه السلام، بقوله (ولا) تلبسوا من الثياب شيئاً مسه زعفران أو ورس جميع الطيب لأنه أقل رائحةً من الطيب قبل أن يُصبغ به ، فإذا صُبغ به كانت رائحته أقل وأقل، فهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى.

فيتحصل من الفقه بالمدلولات التي ذكرنا أن الحاج ممنوع من جميع الطيب والزينة والرفاهية والتنعم، قلّ ذلك أو كثر ، إلا ما أحكمته السنة في ذلك من لباس الثوب الذي يستر العورة ويقي البدن من الأذى على ما هو منصوص في كتب الفروع

وهنا بحث، وهو أن المتكلم يخاطب السائل بحسب ما يعلم أنه يفهم عنه . يؤخذ ذلك من جواب سيدنا ، ، الأعرابي بما ذكر في الحديث فلولا أنه عليه السلام فهم عنه ما بيناه لم يقتنع منه بما في الحديث حتى يبالغ له في البيان .

ويترتب عليه من الفقه أنه لا يجوز أن يُنظر في حديثه ل هول و ولا في كتاب الله عزّ وجلّ إلا بما يقتضيه اللسان العربي لا غير، ولذلك قال تعالى ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَرُونَ ﴾ (۳) أي يفهمون بما تقتضيه اللغة العربية، فيحصل لهم فهم ما أريد منهم، فيتذكرون عند ذلك .

(۱) القَرْق : وهو عند الأندلسيين يشبه الصندل، وتكون قاعدته من الفلين .

(۲) السَّرْموجة غطاء من لباد للساق، يلبس فوق القرق أو الخف أو هي الخف الواسع الذي يلبس فوق الخفّ . (۳) سورة الدخان من الآية ٥٨ .

جها

تبها

نعنا

وام

لأنه

طى منع

ي :

نبيه

هيه

يقي

لم

بما

أي

وفيه دليل على البحث في جزئيات الدين يؤخذ ذلك من سؤال السائل سيدنا عن هذه الجزئيات ،فجاوبه عليه السلام عليها . وجوابه على ذلك يقتضي جوازه (۱) .. وفيه دليل على جواز السؤال في الدين وإن كان الشخص ممن لا يحتاج إلى ذلك في الوقت. يؤخذ ذلك من سؤال هذا عما يلبسه المُحرِم، وهو في الوقت ليس بمُحرِم. ومن هذا ذكر أن الشافعي بات عند بعض الأئمة المعاصرين له - وكان ذلك الإمام الغالب عليه التعبد ـ وإن كان ذلك حال الأئمة ،أجمعين رضي الله عنهم، فبات ذلك العالم قائماً يصلي والشافعي مضطجعاً فلما أصبح قالت امرأة العالم هذا هو الشافعي الذي تثني عليه ، بنَّ أنت قائماً تصلي، وهو : مضطجع، لم يتحرك ليلته فذكر ذلك للشافعي فقال له : إني جمعت البارحة في فكري ثمانين مسألة مستنبطة بالدليل والبرهان فقال ذلك السيد لامرأته : هذا الذي عِبْتِه بالاضطجاع استنبط البارحة ثمانين مسألة مسألة واحدة منها خير من عبادتي كلها فانظر فضل جميعهم وتناصفهم واحترامهم للعلم رحمهم الله . وهو الحق إذا كان الله .

وهنا بحث، وهو: هل هذه الصفات التي كُلِّف الحاج بها من ترك المخيط، وترك الطيب وترك الرفاهية هل الحكمة فيها معروفة أو تعبد لا يعقل له معنى؟ فإن قلنا : تعبّد، فلا بحث وإن قلنا: إن قواعد الشريعة تنبني على نظر الحكمة فيها وقد أرشد الكتاب العزيز إليها، ولولاه ما كانت ايات كثيرة إذا نظر فيها لم توجد الحكمة فيها ظاهرة ما قبل ذلك، وهو قوله تعالى فيه ايت بينت ) (۲) فإذا لا يُخص هذا اللفظ بشيء من آياته دون شيء، أو بجعله في المحسوس مثل ما قاله بعض الناس : من كونها لم يَرَ بها مجذوماً. وما في رمي الجمار من كونها تُرمى في كل عام ولا يوجد لها أثر ، فهذه مما هي البعض ، وفيها تنبيه لمن ينظر ويتفكر يجدها عديدة وكلُّ يأخذ من عموم هذه الآي بحسب ما يُفتح له من الفهم، فإن الحكمة عجيبة .

فمما يظهر بتوفيق الله من الحكمة وجهان :

(أحدهما) وهو كونهم يمشون لكشف ما بهم من الأوزار والأثقال، ومن يمشي إلى مثل هذا الحال فيكون مشيه متذللاً خارجاً عن حظوظ النفس التي أوقعته في ارتكاب الذنوب؛ لأنه جاء عنه لما قال ،مولانا جل جلاله للملائكة : ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن

يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ (۳) :

(1) أي: البحث في الجزئيات (۲) سورة ال عمران، من الآية ۹۷ سورة البقرة من الاية ۳۰ .

غضب الله عزّ وجلّ عليهم، فطافوا بالعرش أسبوعاً، واستغفروا وتابوا، فتاب بفضله عليهم، ثم قال لهم : ابنوا في الأرض بيتاً يطوف به المذنبون من بني ادم فأتوب عليهم، كما تبت عليكم وأغفر لهم كما غفرت لكم. فبنوا البيت) (۱). فمن يأتي بهذه الصفة ينبغي من طريق الحكمة

التناسب بين الحال والمقصد .

أما ترى لما كان الخروج إلى العيد إلى طلب رحمته عزّ وجلّ، عقب خروجهم من العبادة المتقدمة - وهي الصوم - كانت بالطيب وحسن الثياب موافقة لحال الاستقامة والامتثال لما به أُمروا؟ ولما كان الخروج إلى الاستسقاء خروجاً إلى كشف ما نزل من الضر كان الخروج على هيئة تضرع ومسكنة من أجل ما ارتكبوا من الذنوب، لأنه جاء أن العبيد إذا أذنبوا منع الله، عزّ وجلّ، المطر من أجل ذنوبهم، فخرجوا في مَسْكَنَة وقشَف (۲) من الحال حتى يكون رفع الأيدي بظهورها

إلى السماء رَهَباً من أجل تناسب الحال . فكذلك هنا، بل يكون هذا أعظم لأن الطلب فيه أعظم . وفيه (وجه آخر) : لما كان فيه شَبَه بالمحشر، لأن المحشر يجتمع فيه الناس في يوم واحد من كل الأرض. وكما أن المحشر هو مواقف كذلك هنا مواقيت للجمار، ومواقيت للمبيت بمنى وبالمزدلفة إلى غير ذلك، كما أن الخروج من هذه الدار ومفارقة الأهل والمال وليس له من ذلك كله إلا قدر زاده إلى الآخرة من الكفن وما يتجهز به كذلك الحاج مفارقته للأهل والوطن الذي قد جعل مقروناً بالموت لقوله عزّ وجلّ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ) (۳) ، وكذلك ليس له من ماله إلا قدر زاده لسفره. وهذا على الغالب من ﴾ عادات الناس والغير يتركه كله .

وكما له بعد الموت مواقف دون القيامة وأهوال يخلص الله منها من يشاء، أو يُهلك فيها من يشاء، كذلك طريق الحج ما فيه من المكابدة، وقد قال الله تعالى ( لَمْ تَكُونُواْ بَلِفِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنفُسِ (٤) ومن الناس من يَهْلِك في طريق الحج كما يهلك هناك . غير أن بين الهلاكينِ فَرْقاً ما، لأن الهلاك هنا يذهب بالروح من الجسد ، وقد تكون فيه سعادته، وهناك بكثرة الأهوال وعدم التخلص منها ، فهو هلاك شقاوة وخسران . غير أنه هناك يقفون عراة ، وقد كانوا يقفون قبل الإسلام عراة، إلا أنه أحكمت السنة هنا نوعاً من اللباس من أجل ستر العورة؛ لأن ذلك الهول هناك يمنع أن

(1) لم نقف على مصدره.

(۲) القشف : المذلة . (۳) سورة النساء، من الآية ٦٦ .

(٤) سورة النحل، من الآية ٧ .

ليهم،

یکم،

حكمة

لعبادة

مروا؟

ضرع

عنهم

ورها

ـد من

یعنی کله

جعل

من

ف.

شرقاً

عدم

ينظر أحد عورة أحد وليس هنا مانع من النظر، فأمر بسترها هناك لا طيب فيه لأحد، وهنا مثله . وهناك الأمر فيه والحكم الله لا لغيره وذهبت الدعاوى كلها كذلك هنا فيها يرجى من المغفرة، لا حيلة في ذلك لأحد . الكل مستسلمون، ينتظرون ما يحكم الله ، عزّ وجلّ، فيهم . وقد أخبر عن بعض المباركين أنه لما أن حج وفرغ غلبت عيناه فنام فرأى كأن ملكين نزلا من السماء فقال أحدهما للآخر : كم حج بيت ربنا العام؟ قال له : ستمائة ألف . قال : كم قبل منهم ؟ قال : ستة . فاستيقظ مذعوراً وقال مَن لي حتى أكون واحداً من ستة؟ ثم نام ثانياً، فرأى الملكين قد نزلا وأعادا السؤال الأول، ثم الثالثة مثل ذلك ، فقال له : فما فعل ربنا في الباقين؟ قال : شَفّع كلَّ واحد منهم في مائة ألف واستيقظ فرحان . فجاء الشبه على هذه الحكاية مثل القيامة . ناج وضده

ومقبول وغير مقبول، ومشفوع فيه وشافع. لكن بإذنه وفضله، وقد يكون للمجموع ويترتب عليه من معرفة الحكمة أنه لا يُنال الخطير من القُرَب إلا بالخطير من المجاهدات والتعبدات؛ لأنه لما كان هذا موطناً تغفر فيه الجرائم العظام، كما جاء عنه : أنه لم يُرَ الشيطان أصغَرَ ولا أحقَرَ من يوم عَرَفة، لما يعاين من تجاوز الله عن الكبائر العظام، يحثو التراب على رأسه ويقول . قوم قد فتنتهم منذ خمسين أو أربعين سنة ثم غُفِر لهم في ساعة ) (۱) . أو كما قال عليه السلام فالوصول إلى هذا ليس بالهين بل بالجهد العظيم إلا من مَنّ الله عليه بالتيسير من طريق الفضل .

وفيه تنبيه على أن يتذكر به ذلك الموقف الذي يشبهه فيكون سبباً لصدق اللجأ إلى المولى الكريم، وكثرة الرغبة إليه، وإظهار الافتقار الذي به يرجى الخير كله لقوله تعالى أمَّن يُجيب الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ) (٢) وهو سبحانه لا يُخلف الميعاد .

جعلنا الله ممن مَنّ عليه بفضله بلا محنة. لا ربّ سواه . وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

اعلام

أن

(1) رواه الإمام مالك في الموطأ مرسلاً . قال الزرقاني : وصله الحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء رضي الله عنه ، وأوله : ما رئي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة .. الخ ..

(۲) سورة النمل من الآية ٦٢ .

حديث جواز الشرب من السقاية

عن ابن عبّاس رضيَ الله عَنهُما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى السقاية (۱) فاستقى . فَقالَ العبّاسُ : يا فَضلُ اذْهَب إِلى أَمْكَ، فَانتِ رَسولَ الله ، بِشرابِ مِن عِندِها فَقال: اسقني . فقال : يا رسول الله ، إنّهُم يَجعلون أيديهم فيهِ . قَالَ : اسقِني . فَشَرِبَ منهُ، ثُمَّ أَتى زمزم، وهم يَسقُونَ ويَعمَلونَ فيها . فقال : اعملوا، فإنَّكُم على عمل صالح . ثُمَّ قَالَ : لَولا أن تُغلبوا لنزلتُ حتَّى أضعَ الحَبل على هذِهِ. يَعني عاتقه ، وَأشار إلى عاتِقِهِ .

ظاهر الحديث يدل على طهارة الماء المستعمل، وهو مذهب مالك رحمه الله ، ويدل على طهارة المؤمنين ومدح أفعال البر للذين يفعلونها . فأما طهارة المؤمنين والماء فلكون النبي ، ، شرب من السقاية بعد أن أخبر أن الناس يضعون فيها أيديهم، وإن كان وقوع النجاسة يتطرق بالاحتمال لبعضهم بعلمٍ منه أو بغير علم . فبين الله ، بشربه أن الممكن في هذا الموطن وما أشبهه من المياه وما يمكن أن يكون قد خالطها من طريق الاحتمال لا يُلتفت إليه ، وإنما يُعمَل على ما تحقق من ذلك، وأن الأصل البراءة فيعمل عليه، وأن الماء طاهر في ذاته ، كما جاء في بئر بضاعة (۳) الذي كان يُرمى فيه خرق الحيض، وكان مستقذراً في الظاهر، فسئل عنه ، عليه السلام فقال : (خلق الله الماء طهوراً لا ينجسه شيءٌ إلا ما غَيَّرَ طَعْمَه أو لونه) (۳) فطرد القاعدة وألزمها استصحاب

(1) السقاية : موضع السقي، والإناء الذي يسقى به (۲) بئر بضاعة : (بضم الباء ، وقد كسره بعضهم) وهي دار بني ساعدة في المدينة المنورة، وبئرها معروفة وفي الخبر أن النبي أتى بئر بضاعة فتوضأ من الدلو وردّها إلى البئر وبصق فيها وشرب من مائها. وكان إذا مرض المريض في أيامه يقول : اغسلوني من ماء بضاعة. فيُغسَل ، فكأنما أنشط من عقال . وقالت أسماء بنت

أبي بكر : كنا نغسل المرضى من بئر بضاعة ثلاثة أيام فيُعافَون بإذن الله (انظر معجم البلدان ٤٤٣/١) . (۳) لفظ الحديث : إن الماء طهور لا يُنجسه شيء. أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي سعيد

رضي

الله عنه .

ن

الحكم. وعلى هذا أجاز الفقهاء الوضوء من الجوابي التي على الطرق والدواب تشرب منها، ويخالطها ما في أنوفها من القذر إلى غير ذلك مما في أيدي الناس وأرجلهم من الغبار واحتمال

النجاسة أن تكون حلّت فيه .

الفقهاء .

وفيه دليل على طلب شرب الماء، وإن كان في الحَضَر ، وليس كغيره . وقد ذكر ذلك بعض

وفيه دليل على أن ما جُعِل في السبيل ولم يُسمَّ بصدقة أنه حلال للغني والفقير، وليس بصدقة، ولا يتعيّن على أحد فيه منة يؤخذ ذلك من أن النبي شراب او امن عمل هؤلاء ، أهل السقاية، وهم الكل خرجوا عنه الله ، فلو كان يجري مجرى الصدقة لما شربه هو ، ، فإن الصدقة عليه حرام، وكذلك لو كان فيه مكروه ما فعله ، . يؤخذ ذلك من كونه عليه السلام جاء بنفسه المكرمة إلى السقاية فاستسقى .

وفيه دليل على جواز جواب السائل بأعلى مما طلبه على ما يراه المطلوب منه . يؤخذ ذلك من

قول العباس بدلاً من أن يعطي قال للفضل : اذهب إلى أمكَ، فَائتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب. وفيه دليل على جواز ذكر النساء بمحضر أهل الفضل وجمع الناس، وليس في ذلك مكروه. يؤخذ ذلك من قوله اذهب إلى أمك بحضرة النبي الله ومن معه ، ولم يعتب عليه النبي ، ، ل ، وما قال له في ذلك شيئاً. وجرت عادة بعض الناس اليوم إذا ذكروا النساء ذكروا بعد ذلك : (حاشاك) وجعلوها من الأدب، بل هي من البدع .

وفيه دليل على جواز تبريد الماء يؤخذ ذلك من قوله اذهب إلى أمك فائت بشراب لأن ماء الحجاز إذا عَرب (۱) برد وطاب . فلو لم يكن جائزاً ما فعله العباس، ولا سكت له النبي

، حين سمعه .

ويؤخذ منه أن الذي يقصد وجهاً ما في حاجته ليس عليه بيانها يؤخذ ذلك من أن النبي لم يمنعه من قبول ما أمر العباس به ابنه من إتيانه بالماء إلا ما قصد هو من تقعيد قاعدة شرعية - كما قدمنا ذكرها - من طهارة الماء المستعمل وغيرها. وزيادة على ذلك رفع التكلف ؛ وهي الله عنها : (ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرَينِ إلا اختار

طريقته عليه السلام، لقول عائشة ، رضي

أيسرهما ما لم يكن إثما) (٢) .

(۱) عَرِب الماء : صفا وكثر .

عليه . وهو جزء من حديث، وتمامه : (فإن كان إثماً كان أبعد الناس عنه ، وما انتقم رسول الله له لنفسه

في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم)

وفيه دليل لأهل الصوفة الذين يقولون بترك التكلف.

وفيه دليل على أنه إذا اجتمع حظ النفس وأمرُ ما فى الدين - ولو كان مندوباً - قدم الدين . يؤخذ ذلك من أن شرب الماء البارد فيه راحة للنفس والشرب من السقاية فيه من الفوائد الدينية ما ذكرناه، فآثر هو الله ما هو للدِّين على ما هو للنفس . وقد نص عليه السلام، على ذلك فقال :

أنتم في زمان يُبدون أعمالهم قبل أهوائهم، وسيأتي زمان يُبدون أهواءهم قبل أعمالهم) (1) . وما قلنا : إنه من قصد مقصداً في فعله لا يلزمه ذلك - بمقتضى ما قدمناه ـ هل يعارضنا قوله ، عليه السلام، حين صلى بوضوء واحد الظهر والعصر ولم تكن عادته عليه السلام قبلُ إلا الله عنه فقال عليه السلام : (عمداً فَعَلْتُه يا عمر). الوضوء لكل صلاة، فذكره عمرُ ، رضي ، فالجواب عن الفرق بين المسألتين أن تلك كانت له عادة فذكره عمر من أجل احتمال النسيان، فحينئذ جاوبه عليه السلام، لرفع الإشكال. وهنا لم تكن عادةً متقدمة يقع من أجلها إشكال، ففعل ولم يقل، لعلمه أن فعله في التعليم أبلغ وأثبت .

وفيه دليل على أن المرأة هي المتصرفة فيما في البيت. يؤخذ ذلك من قول العباس (اذهب إلى أمك) فلو لم يكن الحكم والتصرف لها لقال له : اذهب أنت إلى الموضع الفلاني، أو إلى الشخص الفلاني الذي يكون له التصرف ويؤخذ منه الندب إلى مشاركة الأهل في المعروف. يؤخذ ذلك من قوله لابنه ( اذهب إلى أمك فائت رسول الله له بشراب ) لكي يخبرها، فيحصل لها نية في تحسين الشراب وتنظيف الإناء، فيكون لها في ذلك أجر وسرور . وفيه من الأدب أن يُكنَى عن الشخص بأعلى أسمائه . يؤخذ ذلك من قوله ائت) رسول الله

لأنه أعلى أسمائه عليه السلام، ولم يقل : ابن أخي، ولا غير ذلك . وفيه دليل على أن الاختصار في الجواب والسؤال إذا فُهِم المقصود ، هو الأولى . يؤخذ

ذلك من قوله، حين ذكر له أنهم يجعلون أيديهم فيه ، (اسْقني) ولم يَزِد على ذلك شيئاً . وفيه دليل على أن من السنة الانصراف عند الفراغ من الشراب أو الأكل. يؤخذ ذلك من قوله فشرب منه ثم أتى زمزم أي تحوّل بعد شربه منه إلى أن مشى إلى زمزم ومن المعروف إثباغ

(1) لم نقف على مصدره هكذا، وقد تقدم الكلام عنه في الحديث (١٤) فليراجع ونصه كما ورد إنكم أصبحتم في زمن كثير ،فقهاؤه قليل قراؤه وخطباؤه، قليل سائلوه، كثيرٌ مُغطوه العمل فيه خيرٌ من العلم؛ وسيأتي على

الناس زمان قليل ،فقهاؤه كثيرٌ خطباؤه قليل ،معطوه كثيرٌ سائلوه، والعلم فيه خير من العمل . (۲) هكذا قال الشارح رحمه الله تعالى. والذي في الصحيح أن النبى الله صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد، ومسح على خفيه. فقال عمر : لقد صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه. فقال عليه السلام عمداً صنعته يا عمر. رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي .

المعروف بالمعروف، لأنه عليه السلام مشى من هنا بعدما قعد أحكاماً ـ كما ذكرنا - إلى موضع آخر، وإن كان الحكم فيهما سواء، لأن هؤلاء يسقون، فيكون ،مشيه عليه السلام، لهؤلاء الآخرين لإدخال السرور عليهم، لأنه عليه السلام لو لم يمش لهؤلاء لبقيت قلوبهم منكسرة . وكان الناس أيضاً يفضلون السقاية على زمزم يقولون : النبي ما أتى السقاية، ولم يأتِ زمزم. فجاء مشيه عليه السلام، إلى هؤلاء معروفاً ثانياً .

وقوله ( فقال : اعملوا فإنكم على عمل صالح . يؤخذ منه ندب العمل لأهله إذا كانوا يعملونه كما قدمناه أولاً وفيه من الفائدة أنه تنشيط للعامل على عمله وترغيب له فيه، وقد قال عزّ وجلّ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالنَّقَوَىٰ (۱) بخلاف مدح الشخص لقوله عليه السلام: (قطعتم ظهر الرجل ) (۲)، لأن مدح ال قد يحصل منه العُجب وهو سُمّ ،قاتل ومدح العمل ليس فيه ذلك بل هو كما ذكرناه ترغيب فيه مثال ذلك إذا رأيت شخصاً يصوم تَذكُر له ما جاء في الصوم، أو يجاهد تذكر ما جاء في الجهاد، فذلك تقوية له على ما هو بسبيله . وقوله ( على عمل صالح أي تُثابون عليه لأن الأعمال الصالحات فائدتها ما يترتب

عليها من الثواب .

وفيه جواز ترك العمل ما لم يكن ،فرضاً لما يترتب عليه من منع توفيته أو مكروه يقع من أجله. يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام) لولا أن تُغلَبوا لَنزلتُ حتى أضعَ الحبل على هذه فبيّن، عليه السلام أنه ما منعه من الفعل إلا أنهم يُغلبون عليه حتى لا يتركوه، وقد يحصل لبعضهم من الازدحام عليه من أجل ما يرغبون فيه أذى.

وفيه دليل على طلب التبرك بالمباركين. يؤخذ ذلك من أنهم لم يكونوا يأخذون الحبل معه عليه السلام، إلا أنهم يرغبون في البركة التي تحصل لهم من اجتماعهم معه عليه السلام في حَبْل واحد، فإنه يرجى من الكريم إذا قبل عملَ من له عنده حُرمة لا يترك (۳) من كان معه فيه مشاركاً، كيف وقد قيل : (هُمُ القومُ لا يَشقَى بهم (جَليسُهم ؟ فهذا بالمجالسة فكيف بالمشاركة؟

ويترتب على هذا بحث يَحُضّ على مخالطة أهل الفضل في كل الأحوال رجاءَ الفضل من فضلهم، لأنهم ما جُعِلوا إلا رحمة. فينبغي أن نغتنم تلك الرحمة من واهبها ولذلك فاق أهل الصوفة الناسَ في هذا التحسين في ظن بعضهم ببعض .

(1) سورة المائدة، من الآية ٢

(۲) رواه البخاري في الشهادات ومسلم في الزهد عن أبي موسى

يريد : ألا يترك .

وقد دخلت قرية بالأندلس تسمى (بَلْفِيق) (۱) وكانت موطن الشيخ المبارك أبي إسحاق (۲)،

نفع الله به ،وبأمثاله فلا تمشي فيها تسأل أحداً منهم عن أحد أين هو ؟ إلا أن يكون جوابه عن ذلك الشخص سيدي فلان نفع الله به في الموضع الفلاني هذا في غيبة الشخص. وأما بحضرته فلا يزيد أحد منهم لأحد على السلام الشرعي شيئا وإن ناداه باسمه لا يزيد عليه شيئاً هكذا رأيتهم

مدة ما كنت معهم ، لم يتغيروا عنه وفيه دليل على الكلام بالإشارة وليس من العِي. يؤخذ ذلك من قوله على هذه وأشار

إلى عاتقه) .

وفيه دليل على أن إشارة ذي الفضل ليس فيها اعتراض عليهم ، ولا تنقص بهم، ولا خلل في منزلتهم. يؤخذ ذلك من إشارته عليه السلام، إلى عاتقه . وفيه دليل على أن الحكم للمعاني لا لظاهر الألفاظ يؤخذ ذلك من أن إشارته عليه

السلام، إنما باشر بظاهرها الثوب الذي على العاتق ، والمعني بها العاتق الذي تحته . وفيه دليل لأهل الإشارات وأن الإبلاغ فيها فيما خفي ودَقَّ . يؤخذ ذلك من فعله عليه السلام، ما تقدم ذكره من الإشارة إلى العاتق والمقصود : تلك النفس المباركة .

وهنا بحث وهو لم قال لأهل زمزم اعملوا فإنكم على عمل صالح، وقال في الصلاة : (أفضلُ الصَّلاةِ صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ) (۳) ؟ فوجه الفقه في ذلك أنه ما كان من النوافل من جميع الخير، يمكن فيها الإخفاء والإظهار فالإخفاء أفضل وما كان منها لا يمكن بالوضع إخفاؤه، كمثل السقاية وتدريس العلم والجهاد وما أشبه ذلك، فالأفضلية فيه بتعدي النية فيه لقوله عليه السلام) أوقع الله أجره على قدر نيته) (٤) .

ومن أجل هذا الشأن فضل أهل السلوك غيرهم ، لأنهم ناظرون أبداً في ترفيع أعمالهم : إما بالنية أو بالقول أو بالفعل أو بالزمان أو بالمكان أو بالمجموع، ولذلك قال : كفى بالعبادة

(۱) بلفيق: قرية أندلسية من إقليم المريَّة ويروي التلمساني في (نفح الطيب) أن بلفيق وأندرش لم ترتدا عن الإسلام بعد خروج المسلمين من الأندلس، وذبح سكانهما عن بكرة أبيهم أيام محاكم التفتيش. (۲) أبو إسحاق هو إبراهيم بن مسعود الألبيري شاعر أندلسي، وفقيه زاهد اشتهر بغرناطة وأنكر على ملكها كونه استوزر ابن نغزلة اليهودي، فنفي إلى البيرة، فثارت صنهاجة على اليهودي وقتلوه . له ديوان شعر معظمه في الزهد . ت ٤٦٠هـ / ١٠٦٨م .

(۳) جزء من حديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه (٤) جزء من حديث طويل رواه الإمام مالك والإمام أحمد وأبو داود والنسائي في الجنائز.

لا

شغلاً) (1)، لأن صاحب هذا الشأن مثل تاجر الدنيا على معظم ما معه من المال لا يزال في تنميته بجميع وجوه التنمية فكذلك أهل المعاملات مع مولاهم ليس لهم شغل ولا قرة عين إلا فيما فيه

رضاؤه عزّ وجلّ .

ولبعضهم: إن العين إذا لم تَرَكُم لم تَرَ شيئاً يسرها ، وإذا أبصَرَتْكم لم تَرَ شيئاً يَسوؤُها . فتجلي جلالكم جَبْرُ كَسْرِها ، كجبر غيث السماء في جذب أرضها . فيحرمة ما تعلمون من ضعفها ،

فلطفكم جبرٌ لِرَهَف حالها .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(1) جزء من حديث رواه البيهقي في شعب الإيمان وأوله : كفى بالموت واعظاً، وكفى باليقين غنى ... إلخ .

حديث تقديم صلاة الفجر بالمزدلفة يوم النحر

عَن عبد الله بن مسعود رضيَ الله عَنهُ قالَ: ما رأيتُ رَسولَ الله صَلَّى الله علَيهِ وَسَلَّمَ، صَلَّى صَلاةٌ لِغَير ميقاتها إلا صلاتينِ : جَمعَ بينَ المَغربِ وَالعِشاء، وصَلَّى الفَجْرَ قَبلَ ميقاتِها

وَذلِكَ في الحَج .

ظاهره يدل على إيقاع هاتين الصلاتين في غير وقتيهما . وليس على ظاهره، بدليل أن أوقات الصلوات قد حدّها ،جبريل عليه السلام للنبي الله ، وقال : ( ما بين هذين وقت) (۱) . ولكن لما كانت عادته عليه السلام في صلاة الصبح أنه ما يصليها إلا بعد الفجر بهنيهة، كما جاء أنه، عليه السلام، كان يصليها بغَلَس (۲) - والغَلَس بقية من ظلمة الليل - وفي المزدلفة عند أول انشقاق الفجر (٣) . فأخرجها - يعني وقوع الصلاة نفسها ـ عن الوقت الذي كان يوقعها فيه، كما تقدم . ولذلك ذكر أنه لما حجّت ميمونة ، رضي الله عنها زوج النبي ، بعد وفاته مع الله عنه، فلما كان في الصبح من ليلة المزدلفة عند أول انشقاق الفجر قالت : إن كان عثمان يوافق السنة فنصلي الآن . فلم تتم الكلام إلا والمؤذن يقيمُ الصّلاة . وأما صلاة المغرب فكانت عادته عليه السلام يصليها أول الوقت (4) ، وكذلك صلاها

رضي

عثمان

(۱) قطعة من حديث طويل، رواه الإمام الشافعي وأحمد وأبو داود والترمذي وابن خزيمة والدارقطني والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما . (انظر فتح الباري (۹/۲) . (۲) صلاة رسول الله له بغلس رواها البخاري في مواقيت الصلاة، باب وقت المغرب وباب وقت العشاء، ورواه مسلم رقم / ٦٤٦ / في المساجد من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعاً .

(۳) صلاة رسول الله لها في المزدلفة رواها مسلم من حديث جابر رضي الله عنه في حجة النبي رقم ۱۲۱۸ ، ورواها البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه . (٤) رواه مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه رقم (٦١٤) وعن بريدة رقم (٦١٣) ورواه أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما رقم (۳۹۳) والترمذي رقم (١٤٩) وفيه إمامة جبريل للنبي عليه السلام.

به ، ،

،جبريل عليه ، السير جمع بين الصلاتين المشتركتين ) : الظهر والعصر والمغرب والعِشاء. وكانت سنته، عليه السلام في الجمع إن كان رحيله قبل وقت الأولى أخرها حتى يصليها مع الأخرى. وإن كان رحيله بعد دخول وقت الأولى صلاهما معاً في أول وقت الأولى (۳).

فجاء عند نفوره عليه السلام من عَرَفة بعد دخول الوقت. فنفر بالناس ، فقال له

أسامة ، رضي الله عنه : الصلاة يا رسول الله . فقال له : الصلاة أمامك (٤) : (٤) - يعني : - يعني : وَقتُ وقوعها موضعه أمامك - حتى وصل المزدَلِفَة، فصلى المغرب والرواحلُ قائمة . ثم حَط الرحالَ وصَلوا العشاء . فجاء في هذه الصلاة تغييرات مما كانت عادته عليه السلام أنه يصلّي إذا جمع في السفر وقد دخل وقت الأولى الصلاتين معاً - كما ذكرنا - فصَدَق ما قاله الراوي، لأنه صلاها في غير وقتها

وزيادة على غير الصفة المعهودة، كما ذكرنا .

وهنا بحث وهو هل هذه الصفة التي جعلها ، و في هاتين الصلاتين تعبد لا تُعقل حكمته، أو الحكمة فيه معقولة؟ فالجواب أن الحكمة - والله أعلم - معقولة لأنا إذا علمنا ما الحكمة في كونه عليه السلام كان يجمع إذا جَدّ به السير علمنا ما الحكمة هنا. وقد ثبت أنه عليه السلام لم يكن يجمع إلا إذا جدَّ به السَّير لأمر يخاف فواته . فهو من قبيل الرفق بأمته .

ولوجه اخر، وهو من أجل جمعية الباطن في الصلاة لأن من يكون قلبه متعلقاً بأمر يفوته قل ما يكون مع ذلك حضورٌ . هذا في حق غيره، لأنه عليه السلام عند رؤية تلك الآيات العظام في عالم الملكوت كان كما أخبر الله عزّ وجلّ عنه بقوله ( مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (٥) فكيف هنا؟ فنجد في هذا الموطن، إذا تأملناه التشويش بالنسبة للغير أكثر، لكثرة الناس وما هم فيه من الدهشة .

(1) رواه البخاري في مواقيت الصلاة ومسلم من حديث جابر رضي الله عنه أنه عليه السلام كان يصلي المغرب إذا (۲) رواه البخاري ومسلم من حديث أنس وابن عباس رضي الله عنهم ومسلم من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه

وجبت الشمس .

والشيخان من حديث ابن عمر رضي الله عنهما .

(۳) رواه مسلم من حديث معاذ باب الجمع بين الصلاتين في الحضر، وأبو داود والترمذي. وفيه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، فإن رحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر. وفي المغرب مثل ذلك إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب والعشاء،

فإذا ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء ثم يجمع بينهما . (٤) رواه البخاري في الوضوء ومسلم في الحج، باب الإفاضة من عرفات إلى مزدلفة .

سورة النجم من الاية ۱۷ .

وفيه أيضاً استدراك أمر يُخاف فواتُه ، وهو تمام هذا الركن العظيم الذي مدار الحج كله عليه ، لقوله عليه السلام: (الحَجَّ عَرَفة) (۱) أي : معظم الحج عَرَفة، وباقي الليلة له . فلا يتم المقصود فيه بتمامه إلا بالخروج من محله وبقعته . فتسكن النفس عند فوزها بهذا الخير العظيم، وتستقبل ذلك الركن الذي يليه، وهو المبيت بالمزلفة بعبادتين وهما : أداء فرضين في وقت واحد. وتوسعة أيضاً كما قلنا - في الجمع بين الصلاتين عند جَدّ السَّير، لكون الناس في ذلك الوقت قد تتعذر عليهم

الطهارة أيضاً إلى غير ذلك من الضرورات وكان عليه السلام بالمؤمنين رحيماً . وتأمل ذلك المعنى الذي أشرنا إليه تجده ؛ لأنه ترفيع أيضاً للركن الذي يلي عرفة، وهو المزدلفة، لكونه أول عمل يعمل فيها صلاة المغرب قبل حط الرواحل، ليكون استفتاح الشغل بها عبادة كبرى، وهي أداء صلاة المغرب. وقد جاء في فضلها ما جاء .

وفيه دليل على ما يقوله العلماء : أن القاعدة الشرعية إذا جاء ما يعارضها يُتأول . يؤخذ ذلك من أن الصحابي رضي الله عنه لما عرف أن قد ثبتت أوقات الصلوات، ولا يدخلها نسخ بعد ثَبَتَتْ وفاته ، ، أطلق اللفظ بأن قال صلى صلاة لغير وقتها لعلمه بأن القاعدة لا يدخلها ،نسخ، فلا يقع إشكال على أحد بإطلاق لفظه .

وفيه دليل على أن من داوم على شيءٍ عُرف به، وإن خالفه يجوز الإخبار عنه أنه قد خرج عما كان عليه، وإن كانت اللغة أو الشريعة لم تخرجه عن ذلك بمدلولاتها . يؤخذ ذلك من كون النبي كانت له عادة في صلاة الصبح لم يكن يخرج عنها، وكذلك في الجمع في السفر . فلما خرج هنا عن تينك العادتين - كما ذكرنا - وإن كان دلالة الشرع لم تخرجه حقيقة عنها ، أطلق الصحابي رضي الله عنه ، أنه صلاها في غير وقتها .

وفيه دليل على جواز الإخبار باللفظ المحتمل ، ولا يبين ماذا أراد منهما بصيغة ما . يؤخذ ذلك من قول الصحابي رضي الله عنه صلاها لغير (ميقاتها وهو لفظ محتمل أن يريد وقتها المفروض ، لها ، أو وقتها على جري العادة في إيقاعها . ولم يأت في اللفظ بما يدل على واحد منهما . وفيه دليل على أن ثبوت العمل يُستَغنَى به عن تخصيص المحتمل . يؤخذ ذلك من أنه لما كان . فعله في الحج معروفاً عندهم، وعلته لا تَخفَى عليهم أجمَلَ لهم اللفظ بقوله (صلى صلاة

لغير ميقاتها .

وفيه دليل على أن من الدين ذكرَ الحكم في الدين والتحدث به وإن كان شائعاً بحيث لا

(۱) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عبد الرحمن بن يعمر الديلمي، وتتمته : من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج. أيام منى ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه

يخفى . يؤخذ ذلك من كون هذه الصلاة عن سيدنا ، ، ، ، ، مشهورة ، والعمل عليها لم ينقطع إلى هَلُمَّ

جَراً، وعبد الله بن مسعود يتحدث فيها .

وقد كنت لقيت بعض السادة في العلم والعمل، فإذا اتفق اجتماعهم يوماً ما عند بعضهم لم يكن حديثهم إلا في مسائل الدين، أو في أحوال القوم ليس إلا. ومثل ذلك كان المروي عن الصحابة والسلف، رضي الله عنهم أنهم إذا تلاقوا يقولون : تعالَ نُؤْمِنُ) أي : نتحدث في مسائل الإيمان، لأن كل شيء إذا كَثر الكلام فيه قد يحصل فيه ملل في بعض الأوقات أو ضيق صدر في وقت ما ، إلا الكلام في الإيمان وفروعه وأحوال أهله فإن ذلك عند أهل التحقيق يزيد به إيمانهم، مثل العلم إذا أنفق منه زاد، وغيرُه إِذا أُنفق منه نَقَص .

فعليك برأس مال إذا أنفقت منه زادَ ونَما وتَرفَّه به غيرك واستغْنَى ولم ينقصك شيئاً، ولذلك قال بعض الحكماء : أعطِيةُ العالم ربانية، يعطيك الشيء برمته ولا يَنقُص مما عنده شيء ، لأنه إذا عَلَّمك العلم قد قد حصل عندك جميع ما كان يعرفه ولم ينقص له مما عنده شيء، بل زاده تجديداً، فإن ذكرَ العِلم زيادة تنبيه له مع زيادة الأجر الذي هو خير من الكل .

وفيه من الفقه أن روايته - وإن كان العمل ثابتاً ظاهراً - أقطع لحجة الخصم وأثبت، إذ إنّ ذلك كان حكم الله على لسان رسوله ، ونقل عدل عن عدل فلو لم يكن هذا الإمام يتحدث بهذا الحديث - وإن كان العمل باقياً عليه من أي طريق - كنا نحن نقطع بأن هذه هي سنة رسول الله الله ، للخصم إذا جاءه، أو للنفس إذا أرادت الوقوف على حقيقة دينها. وقد قيل : في الدين كن مجتهداً ولا تأخذه إلا من أصل كتاب الله وسنة نبيه ، له ، وإجماع ،وقياس إن عرفت شرطه وخامس : ليس طريقه العدول عن القياس إلى الاستحسان وإنما طريقه المصالح المرسلة، كما هو مذهب المالكية (١) .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

الـ (۱) الأصل الخامس عند الحنابلة هو (الاستحسان). ويعرفونه بأنه : العدول بحكم المسألة عن نظائرها بدليل شرعي وعند المالكية : الأصل الخامس هو المصالح المرسلة) ويعرفونها بأنها : المُطلقة عن النصوص الخاصة، ولها أصل في النصوص العامة في الشريعة، من كتاب وسنة ومن أمثلة المصالح المرسلة عندهم : جمع القرآن في مصحف ،واحد وقتل الجماعة بالواحد ومصادرة أموال الولاة إذا استغلوا مراكزهم، وتوريث مطلقة الفار الذي يطلق زوجته في مرضه فراراً من إرثها وجواز تنصيب الأمثل للإمامة ولو لم يكن مجتهداً، وجواز أخذ أكثر من نصاب الزكاة لسدّ حاجات المسلمين. إذن : طريق الأصل الخامس عند المالكية هو (المصالح المرسلة) وهي : كل ما فيه دفع ضرر أو جلب مصلحة، أو رفع حرج عن الأمة .

حديث الصدقة بجلال البذن التي تُنحَر وجلودها

عَن عَليَّ (١) ، رَضِيَ الله عَنهُ وكَرَّمَ الله وجههُ قالَ : أَمَرني رَسُولُ الله ، أن

أتَصدَّقَ بِجلال البُدْنِ (۲) التي نُحِرَت وَبِجُلودِها .

ظاهر الحديث يدل على الأمر بالصدقة بجلود البدن وجلالها . والكلام عليه من وجوه : منها: هل الأمر على الندب أو على الوجوب؟ وما الفائدة في إخبار الإمام بذلك؟ وما الحكمة بأن خَص النبي ، ، ، بذلك عَلِيّاً رضي الله عنه ؟

فأما الجواب عن الأمر، فهو على الندب لوجهين: أحدهما) أن الصدقة من الهَدْي، وإنما هي على طريق الندب بتقرير ذلك من السنَّة ، فلا تكون صدقة الجِلال أعلى منها . و الوجه الآخر) أن جَعَلَ الجِلال التي تُكسَى بها البُدْنُ ليست مثل الجلود، فإن الجلود حكمها مثل حكم البُدْنِ من وجوب أو ندب إذا كانت واجبة أو ندباً على أحد الاحتمالين فليست الجلود تختص بحكم

(۱) علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي أبو الحسن أمير المؤمنين، رابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين وابن عم النبي وصهره وأحد الشجعان الأبطال، ومن أكابر العلماء والخطباء والقضاة، وأول الناس إسلاماً بعد خديجة ولد بمكة وربي في حجر النبي ا ا ، وكان اللواء بيده في أكثر

الله

: المشاهد ولما اخى النبي عليه السلام بين أصحابه قال له أنت أخي ولي الخلافة بعد مقتل عثمان رضي عنه سنة ٣٥هـ وكثرت الفتن في أيامه وانقلبت إلى حروب منها وقعة الجمل ) و (صفين) ثم كانت حادثة التحكيم، وبعدها انشق المسلمون ثلاثة أقسام : الأول بايع معاوية رضي الله عنه وهم أهل الشام، والثاني حافظ على بيعة علي رضي الله عنه وهم أهل الكوفة، والثالث اعتزلهما وخرج على عليّ لرضاه بالتحكيم فكانت معركة النهروان، وكفر الخوارج علياً رضي الله عنه ودعوه إلى التوبة فقاتلهم واغتاله عبد الرحمن بن ملجم المرادي الخارجي وهو يصلي في ۱۷ رمضان سنة ٤٠ هـ ٦٦١ م ، رضي الله عنه وكرّم وجهه. ٤٠هـ / (۲) :الجلال: مفردها (الجَلَّ) وهو ما تغطى به الدابة لتصان والبدن مفردها (بَدَنة) وهي ناقة أو بقرة تنحر بمكة قرباناً . ومنه قوله تعالى والبُدْنَ جَعَلْنَهَا لَكُم مِّن شَعَدِيرِ اللهِ .

وحدها دون اللحم . فإن كانت البَدَنَة مما لا يجوز لصاحبها الأكل منها فلا يجوز له بيعها . أعني الجلود ولا الانتفاع بها والذي لا يجوز لصاحبها أن يأكل منها أربعة نذر المساكين، وهدي التطوع إذا عطب قبل محله، وفداء الصيد، وفدية الأذى، ويأكل مما سوى ذلك. فجلود هذه

الأربعة مثل لحومها .

ولم يرو عن أحد من السلف - فيما أعلم - وجوب الصدقة بجلالها ولا وجوب تجليلها، لأنهم قد نصوا على أن من تعظيم الشعائر تجليل البدن وتحسين الجلال وتعظيم الشعائر من المندوب، وإن كانت البدن مما عدا هذه الأربعة المذكورة فالتصدق منها من المندوب أيضاً، فأعظم ما تكون الجلود والجلال - فيما عدا الأربعة المتقدم ذكرها - أن يكون حكمها حكم اللحم فتكون ندباً لا وجوباً ولا نقول : لعلها كانت من الواجب الذي لا يؤكل منها . فيكون هذا تنبيهاً بأن تلحق الجلود والجلال باللحم ، لأنه إذا أطلق لفظ (البُدْن) دون تقييد فإنما يُحمل على ما هو الغالب فيها، وهو الذي على طريق التطوع، لأنه الأصل في ذلك الاسم لكونه قد جاء عن سيدنا ، ، ، حين نحر مائة بَدَنَة أنه أخذ من كل واحدة بَضْعَةٌ (۱) ، وجُعِلت في قِدْر ، وشرب عليه السلام من مَرَقها، وأكل منها (٢) .

فهذا هو الأصل وما كان من غيره فلا بد من أن يجلى بصفته الزائدة لاختلاف الحكم في ذلك . وليس عليّ ، رضي الله عنه ممن يجهل مثل هذا فنجعلها محتملة وتسوية النبي عليه السلام، بين الجلود والجلال دلّ على ندبيته لأنه لا تساوي بين واجب ومندوب في الحكم. وهذه حجة الإمام مالك رحمه الله في أن النكاح ليس بواجب، لأن الله ، جلّ جلاله خير بين الزواج وملك اليمين . والوطءُ بملك اليمين بالإجماع .مباح. فلم يكن الله عزّ وجلّ، ليُخيّر بين واجب ومباح. وعلى هذا يكون ما سوى بينه وبينه ملك اليمين مثل ملك اليمين إذ ليس النكاح به بواجب، فكذلك يكون ما سوى بينهما هنا، فلم يبق إلا أن يكون ندباً. وفي أمره عليه السلام علياً بذلك دليل على جواز النيابة في إخراج الصدقة

وأما ما هي الفائدة في ذكر الإمام ذلك؟ فهي ما تقدم الكلام عليه. وزيادة على ذلك، لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يفرحون ويفتخرون بما يخص النبي ، به واحدا منهم دون غيره، أو أي شيء كان منه، عليه السلام، في حق أحدهم. ألا ترى أن أحبّ الأسماء لعلي ، رضي الله عنه :

(۱) البَضْعَة من اللحم وغيره القطعة . (۲) رواه الترمذي رقم ۸۱٥ في الحج وابن ماجه في المناسك رقم ٣٠٧٦ باب حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أبو تراب (۱)؟ لأن النبي وهو الذي كناه به وثبت في الحكم، كأنه يقول : هذا ليس بالمنقول، أنا

الذي سمعت هذا الحكم، وتلقيت هذا الأمر بنفسي

وأما هل ذلك خاص بالبدن أو ذلك في جميع القُرُبات، بذناً كانت أو أضاحي؟ فإذا فهمنا الأمر أنه على النَّدْب - أعني في الجلود - فتعدية الحكم ،أولى، لأنه ندب إلى خير، ولأن الضعفاء أيضاً محتاجون إلى ذلك بزيادة فيكون الندب يتأكد فيه، إما في الحال من أجل أن العُريَ غالب على الضعفاء، وعلة البرد أكيدة. وكذلك في جلود البدن من أجل ما ينتعلون بها وهذا عندهم قليل وهو مما إليه ضروراتهم أكيدة ولا سيما بأرض الحجاز لتوعر أرضها .وحرها . وأما ما له صوف أيضاً من جلود الأضاحي فمن علة البرد أيضاً، فالندب عام في الكل أولاً .

وأما ما الحكمة في كون النبي ، ، ل ا ل ، ص ،علي ، رضي الله عنه بذلك، فلزيادة العلم الذي خص خص به علي، وإن كان الخلفاء رضي الله عنهم كلهم علماء . لكن كان لعلي رضي الله عنه في ، هذا الوجه من وجوه الخير ،زيادة لقوله الا الله أنا مدينة العلم وعلي بابها) (۳) ، ولكونه هو الذي عليه السلام بالنيابة بنحرها عنه .

خصه،

ويترتب عليه من الفقه أن المندوب في النيابة في النسك والصدقة أن يكون النائب فيها عالماً، لأنه من تمام القربة. وفيه أيضاً وجه :آخر أن المستحب بالمعروف الذي ليس بواجب أن يؤمر به الأقرب من القرابة لأن علياً رضي الله عنه ، كان أقرب إلى النبي ، ، ، ل ، من غيره، لأنه كان ابن عمه وصهره، ولأن نيابته عليه السلام له في النحر - كما ذكرنا قبل - وإدخال السرور عليه بذلك. ولو أمر غيره بالتصرف في الصدقة لكان محتملا لتغير خاطره. وأمرُهُ ، عليه السلام له بالتصدق عنه إدخال سرور وجَبر قلب .

وفيه وجه من حسن الصحبة أنه إذا بدأ شخص أمراً فمن حسن الصحبة أن يكون هو الذي يتم : بقايا وجوه تصرفاته. فلما كان عليّ ، رضي الله عنه ، هو الذي وجّهه النبي عليه السلام إلى اليمن لأن يأتيه بالبدن، فكان من طريق حسن الصحبة أن يكون هو الذي ينوب عنه فيما بقي للنحر منها ، وفي التصدق عنه، فاستنابه لحسن الصحبة. ومن أحسن صحبة من رسول الله ؟

وفيه دليل على التحدث بما فتح الله به على العبد من أمور خير الآخرة إذا لم يكن كسباً له،

(۱) تكنية النبي علياً كرّم الله وجهه أبا تراب) رواها البخاري في الصلاة - باب نوم الرجال في المساجد، وفي الأدب، ورواه مسلم في فضائل علي كرّم الله وجهه رقم / ٢٤٠٩/ . (۲) رواه الترمذي في المناقب رقم // ۳۷۲۵ والحاكم في المستدرك ١٢٦/٣ والسيوطي في بعض رسائله وللحافظ أحمد بن محمّد صديق الغماري رسالة اسمها القول الجلي في صحة حديث : أنا مدينة العلم وبابها عليّ .

لأن الذي هو كسب له هو من باب التزكية، والله عزّ وجلّ يقول ( فَلَا تُرَكُوا أَنفُسَكُمْ ) (۱) والذي هو من قبيل الله تعالى إذا سلمت النية فيه من طلب الرفعة يكون من قبيل الشكر، لأنه قد قال : ( التحدث بالنعم شكر ) (۲) ، وقد قال الله تعالى لمن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) (۳). يؤخذ ذلك من ﴿لَن ذِكْرِ عليّ ، رضي الله عنه أن رسول الله ، وه له و أمره بالصدقة. فيكون إعلان القول منه بأنه بأمر ، أمره النبي ، الله تبرئة من الالم العلوى والتزكية مثل أن يُرى إنسان يتصدق بصدقة واجبة، فيقول: هي واجبة. أي لا تمدحوني عليها . لأن الصحابة والصدر الأول، رضوان الله عليهم، لم يكن عندهم

في إعطاء الواجبات مدح بينهم، لأنها من اللازم، وما هو واجب يَتَساوَى الناس كلهم فيه . ولذلك يُروى عن بعض المتعبدين أنه قال : لا جزى الله تُراكَ الصلاة عنا خيراً، رأونا نؤدي الصلاة قالوا عنا : عُبّاد . والصحابة (٤) ، رضي الله عنهم ، بذكرهم لِمَا خَصّهم الله عزّ وجلّ به أو نبيه عليه السلام هو على طريق الاستبشار وشكر النعمة وتبرؤ من دعوى العمل ليس كمثل بعض الناس في الوقت الذي لا يكمل الواجب الذي عليه ويحب أن يُلحق بالمباركين كما قال جل جلاله وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ) ()

وفيه دليل لأهل الصوفة الذين يقولون : يُندَب لأهل هذا الشأن أن يتحدثوا بما فتح الله عليهم بين إخوانهم، بشرط ألا يكون بينهم أجنبي، لأنه مما يتقوى به إيمانهم، وقوة الإيمان زيادة في القربة إلى الله عزّ وجلّ .

وفيه أيضاً عون على النفس، ولاسيما في زمان قل فيه الصدق في هذه الطريقة حتى إنه عند بعض من يعرف شروطها إنه شيء طُوِي بِساطه فيكون سبباً لكسله عن الترقي. وقد أخبرني بعض من كان له تعلق بالطريق ثم فتر عن عمله فلما رأى من بعض من كان في زمانه شيئاً من أحوال القوم، وأنه (٦) لما أبصر ذلك رجع إلى المجاهدة والخدمة وفتح عليه في أقرب زمان فقال لي: والله ـ وهو الحالف - ما كان كَسَلِي عن الخدمة إلا لكوني لم أرَ في نفسي شيئاً، ولم ألق أحداً رأيت منه شيئاً مما رأيت في كتب القوم . فقلت : هذا شيء طُوِيَ بساطه، فما لي وللتعب؟ فلما أبصرت

(1) سورة النجم من الآية ۳۲ .

(۲) جزء من حديث رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند، والبزار والطبراني، ورواه ابن أبي الدنيا في

الشكر ص ١٤ والخرائطي في فضيلة الشكر رقم / ۸۲/ .

(۳) سورة إبراهيم، من الآية ٧ . (٤) العبارة مضطربة غير واضحة التركيب . (٥) سورة آل عمران، من الآية ۱۸۸ .

(٦) كذا بزيادة وأنه».

من فلان شيئاً مما رأيت في كتب القوم أيقنت أن الطريق باقية وإنما السالكون قلوا، فأخذت في

الخدمة، فجاء من أمري ما ترى فذلك فائدة التحدث بها. وفي ذلك قيل : إذا كنت في حالك

صادقاً فنطقك أو سكوتك لمن راك فلاح. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

نة

لك

البُخاريُّ: قالَ عَطاء رَضِيَ الله عَنهُ : إذا تَطيِّبَ أو لَبِس جاهلاً أو ناسِياً فَلا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ

هذا مذهب عطاء وليس بمتفق عليه. أما النسيان فالشافعي رحمه الله، وافقه على ذلك لقول

رسول الله الله : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) (۲) . وأما مالك، رحمه الله ، فلم يَعذُر به ، وقال : إنه

مثل سجود السهو في الصلاة شُرِع لأن يُجبَر به خلل وقع في العبادة. وفي الصلاة هو يَشتَرِط السجود فيها بالسهو لا بالعمد وهنا مطلقاً فينبغي أن يكون الحكم في السهو والعمد سواء ، وهو الأظهر، والله أعلم .

وأما الجهل فلا أعرف في الوقت وافقه عليه أحد من العلماء (٣) . ودليل القرآن يرد عليه بقوله تعالى ( فَسْتَلُوا أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) (1) فلم يعذر أحداً بجهل، ولو كان الجهل عذراً

لكان أرفعَ من العلم ولا قائل به .

من

الله عنه ،

ويؤخذ منه الفقه أنه من تحقق عنده حكم من أحكام الله عزّ وجلّ له أن يطلق اللفظ بعموم الحكم، ولا يلزمه خلاف المخالف. ومثل ذلك جرى لعمر بن الخطاب رضي حين سمع شخصاً (٥) يتلو سورة الفرقان على خلاف ما كان يعرف فلببه بردائه، وأتى به رسول الله

(۱) هو أبو محمد عطاء بن أبي رباح، مولى بني فهر، من مُوَلَّدي الجند، وهي بلدة مشهورة باليمن. كان من أجلاء الفقهاء وتابعي مكة وزهادها سمع عددا من أجلاء الصحابة منهم ابن عباس وابن الزبير، وكان أعلم الناس بالمناسك . توفي سنة ١١٥ هـ / ٧٣٣م . (۲) رواه ابن ماجه وابن حبان والدارقطني والطبراني والبيهقي والحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ : (إن الله وضع . .) وللحاكم والطبراني ( تجاوز) ونقل الخلال عن الإمام أحمد أنه قال: من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوع فقد خالف كتاب الله وسنة رسوله وأصل الباب حديث أبي هريرة في الصحيح بلفظ : إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم به ورواه ابن ماجه بلفظ : عما توسوس به صدورها وزاد في اخره : وما استكرهوا عليه والزيادة (إدراج من الراوي .

(۳) كذا وردت العبارة، وفيها خلل

(٤) سورة النحل، من الآية ٤٣ .

هو حكيم بن حزام رضي الله عنه كما في الموطأ والصحيحين.

عمر

كان

وقال : سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أن را تنها ، فقال : أرسله. فأرسله، فقال: اقرأ فقرأ مثل ما كان عمر سمع منه ، فقال : هكذا أنزلت ثم قال: إقرأ يا .عمر. فقرأ عم مالى قارة يعرف، وهو مخالف لقراءة صاحبه . فقال : هكذا أُنزِلت . إن هذا القرآنَ أُنزِل على سبعة أحران

فاقرأوا ما تيسر منه) (۱) .

ولم ينكر على عمر أخذ ذلك بالعنف وزجره له وهو كان على الحق. وعمر لم يكن له (۳) علم بذلك الوجه الذي كان ذلك يعرفه ، كما أنه لم يكن له علم بما كان عمر يعرفه. ومن أجل الغفلة عن هذا الوجه ضاع كثير من النهي عن المناكر لأن بعض الناس يقول : لعل هذا الذي أنكره

أنا يجيزه غيري .

ويترتب أيضاً عليه من الفقه أنه لا يجوز الحكم بمجرد النقل بما يراه في الكتب إلا لأهله الذين يعرفون مقاطع الكلام، وعلى ماذا يدلّ . يؤخذ ذلك من أنه إذا رأى هذا النص من لا يعرف المذهب، وهو ينتسب بدعواه لأحد المذاهب يبقى يعمل عليه ويظنه مما يجيزه صاحب مذهبه فيكون يقع في الكذب على إمامه، ويُدلي الناس بغرور وقد أخبرني جماعة عمن ينسب في مذهبه إلى أنه متبع لمالك رضي الله عنه وهو ممّن يُستفتى كان يفتي في مذهب مالك بما نص عن عطاء هنا . وقد ذكرنا مذهب مالك قبل في ذلك وما هو عليه فنسأل الله الإرشاد لمعرفة العلم على ما هو علم على وجهه والعمل به ابتغاء مرضاته . لا ربَّ سواه .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً

(۱) رواه البخاري في كتاب الخصومات ومسلم في صلاة المسافرين وقصرها باب بيان أن هذا القرآن على سبعة أحرف رقم / ۸۱۸/ كما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمر رضي الله عنه .

(۲) أي حكيم بن حزام . (۳) يدلي الناس بغرور: يوقعهم فيما أراد من تغريره

حديث بناء مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم

عَن أنس رضي الله عنه، قالَ : قَدِمَ النَّبِيُّ ، الله ، المدينةَ ، وَأمَرَ بِبِناءِ المَسجِدِ . فَقال : يا بَني النَّجار ثامنوني (١) . فَقالوا : لا نَطَلُبُ ثَمَنَهُ إلا إلى الله . فَأمَرَ بِقُبورِ المُشركينَ فَنُبِشَت ، تم بالخِرَبِ (۲) فَسُوِّيَت ، وَبِالنّحْلِ فَقُطِعَ ، فَصَفُّوا النّخلَ قِبلَةَ المَسجِدِ .

ظاهره يدل على أن بناء المسجد كان بأمر النبي و بعد هجرته إلى المدينة والكلام عليه

من وجوه

منها جواز طلب الأشياء للبيع، وإن لم يكن صاحبها عرضها للبيع . يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام (يا بني النجار (ثامنوني وهم لم يكونوا عرضوا ملكهم للبيع قبل .

وفيه دليل على جواز أن ينسب الشخص إلى صنعة كانت في قبيلته أو ابائه، وليس ذلك من الألقاب المنهي عنها . يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام (يا بني النّجّار ) وهذه صنعة كانت في أحد ابائهم، فشهروا بها، فدعاهم بها.

وفيه دليل على جواز قبول الهدية لشيء، وإن كان قد تعرض إلى شرائها ما لم يقصد تحشيم صاحبها. يؤخذ ذلك من قبوله عليه السلام منهم بعدما طلب منهم البيع فقالوا لا نطلب ثمنه إلا إلى الله والدليل على قولنا : ما لم يقصد تحشيم صاحبها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (ثامنوني). ولا يقول النبي يا الله ( نامنوني) إلا حقاً. لا يقول ذلك حيلة ولا مجازاً. ومن يقع له شيء من ذلك فهو تنقيص بالنبي وهو وهو لا يحل ، وإن أفصح به وجب قتله شرعاً .

(۱) ثامنه في السلعة : ساوَمَه في شرائها. (۲) الخِرَب : ج خِرْبة وهي موضع الخراب. (3) أحشم فلان فلاناً أخجله.

وهنا بحث، وهو ليس بمجرد الدعوى منه يقع التصديق إلا (۱) تكون هناك قرينة تبين ذلك، مثل قول هؤلاء الذين قالوا (لا) نطلب ثمنه إلا إلى الله تعالى ولا يلزم من قولهم (لا) نطلب ثمنه إلا إلى الله أن يكون صدقة، لأن الهدية صاحبها مأجور إذا قصد بها وجه الله، مثل الصدقة . غير أن الفرق بين الصدقة والهبة أن الصدقة لا تكون إلا لله إلا أن يدخلها رياء، والهبة قد تكون لوجوه كثيرة، قد نص عليها في كتب الفروع فما هو منها الله فصاحبها فيها مأجور، كما هو في الصدقة، وإن لم يكن من صاحبها إفصاح مثل مقالة هؤلاء، ويكون هناك ما يقوم مقام ذلك . وقد روي عن بعض أهل هذا الشأن إذا كان يأتيه الفتوح، ولا يعلم من صاحبه من أي الوجوه هو يقول :له ناشدتك الله ، متى أنا عندك خير : إن قبلت منك أو إن رددت عليك (۲)؟ فعلى الذي يحلف عليه من الحالتين عمل عليه تحرزاً من الدعوى في هذا الشأن، وإن كان على ما روي عنه من أهل الكشف والاطلاع .

وفيه دليل على جواز حفر قبور المشركين . يؤخذ ذلك من قوله ( فأمر بقبور المشركين فنبشت. وفيه من الحكمة أن حكم الحياة مستصحب في الممات، فكما هي دماؤهم في الحياة مباحة ولا حرمة لهم كانوا كذلك في مماتهم . والمؤمن حرمته في الممات كحرمته في الحياة لأنه قد جاء : أنه من كسر عظم مؤمن ميت كمن كسره حياً في الإثم (سواء) (۳) ، وقبره حَبْسٌ (4) لا يحل لأحد

التصرف فيه .

وفيه إشارة لأهل البصيرة الذين يقولون : أحوالك عنوان على مالك هنالك، فإن استقمت هنا رفعت هنالك، وإن خلطت فإنما بَخَستَ نفسك .

وفيه دليل على جواز هدم خراب البناء إذا كان فيه فائدة وليس من الفساد في الأرض يؤخذ ذلك من قوله (ثم بالخِرَب فَسُوِّيت) .

وفيه دليل على جواز قطع الثمار ، وإن كانت تُطعِم، إذا كان ذلك لضرورة، يؤخذ ذلك من قوله (وبالنخل فقطع). وقد نص العلماء على أن قطع الثمار المُطعِمة من الفساد في الأرض ولما كان هذا لضرورة خرج أن يكون من ذلك القبيل . والضرورة التي هي هنا أنه لما تقدم العالم المدينه الا الله تنافس الأنصار، رضوان الله عليهم في نزوله عليه السلام عند من ينزل منهم ، فقال لهم : دعوا)

(۱) كذا بزيادة (إلا) .

(۲) كأنه يستحلفه بالله : أي العملين أفضل : هل أخذ الفتوح (الهدية) أوردها؟ (۳) رواه عبد الرزاق ومالك في الموطأ وأبو داود وابن ماجه والإمام أحمد عن السيدة عائشة رضي الله عنها بألفاظ

مختلفة .

(٤) قبره حبس عليه وقف عليه لا يباع ولا يورث

الناقة فإنها مأمورة ) (۱) . فمشت حتى أتت موضع المسجد فبركت فيه فأي ضرورة أشد من هذه؟ لأن هذا حكم من الله عز وجل وقد كان في علم الله تعالى أن تلك البقعة هي الموضع الذي هو روضة من رياض الجنة فكل ما كان فيها فهو عارية بحكم القلع وليس مثل هذا ضرورة في غيره أن يقول شخص : نريد نبني هذا بنيانا بشهوة نفسه، فيكون هناك شجر مثمر ، فيقطعه ويجعل هذا الحديث حجة فيه. هذا لا يحل بل الضرورة غير هذه على ما هو مذكور في كتب الفقه . وهنا إشارة لمن سعد في الأزل ما ضَرَّه ما جرى عليه من الفتن . يؤخذ ذلك من أنه لما كانت هذه البقعة قد سبقت لها تلك السعادة العظمى - وهي أن تكون مسجداً ومنزلاً ولَحْداً للسيد من بني آدم والمرفّع في العالمين الله - اما ضرها ما تداول عليها من أيدي المشركين ومخالفتهم، إذا حَسُنت العقبى فكل قبيح يزول، وإن فسدت فكل جميل يَحُول .

وفيه دليل على أن من حسن التصرف أن يعمل الشخص في أمره كله على قدر جدته (٢) أو عسره . يؤخذ ذلك من كون النبي ، ا ، لما ترك هو والمهاجرون أوطانهم وأموالهم، فاحتاج عليه السلام، إلى بناء المسجد بناه على ما يقتضيه الوقت بجريد النخل وحيطانه من جذوعها. يؤخذ ذلك من قوله (فَصَفُّوا النخل قبلة المسجد) ولم يبنِ بآجُرٌ ولا حصّ ولا بشيء فيه تكليف لا عليه ولا على غيره. فهذا مقتضى السنة. ومما يؤيده من الكتاب قوله تعالى ليُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ﴾ (٣) . وقد قال رضي الله عنه : الرفق في النفقة خير من الزيادة في الكسب . وفيه دليل على أن أهم ما على المرء من الأمور النظر في أمر دينه . يؤخذ ذلك من أنه أول ما نظر فيه عند دخوله المدينة بناء المسجد الذي هو للاخرة .

وفيه دليل للفقراء الذين يقولون : إذا زهد الفقير وخرج عن كل ما يملكه مما هو من أمر دينه فلا يدخل تحت ذلك اللفظ ، ولا يجوز له الخروج عنه . ويحبس منه بقدر ضرورة دينه، مثل الإناء للوضوء، وما يستر به عورته ومثل ما يصلي عليه، لأن كل ما يكون الخروج عنه يتعذر به وجه من وجوه الدين فلا يجوز لأنه الأهم وقد قيل : على جميع أمور الدين حافظ عليها، ولا تبال بما عداها ، فعزّ المرء بدينه لا بما سواه .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

(1) رواه البيهقي في دلائل النبوة ٥۰۱/۳ و ٥٠٤ وابن كثير في البداية والنهاية ۱۹۹/۳ و ۲۰۰ والسيوطي في الخصائص ۹۰/۱ والشامي في سيرته : سبل الهدى والرشاد ٣٨٦/٣ .

(۲) الجدة: الغنى. (۳) سورة الطلاق من الآية ٧ .

حديث خروج الدجال وفتنته

عَن أبي سعيد الخدري (١) ، رضي الله عَنهُ، عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم ، قالَ : يَنزِلُ الدَّجَالُ (۲) بَعضَ السَّباخ (۳) بالمَدينَةِ، فَيَخرُجُ إِلَيهِ يومئذٍ رَجُل هُوَ خَيرُ النّاس - أو من خير النّاسِ - فَيَقُولُ : أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجالُ الذي حَدَّثَنَا عَنكَ رسول الله ، لا حَدِيثَهُ . فَيَقولُ الدَّجالُ : ، أرَأَيْتُم إن قتلتُ هذا ثُمّ أحيَتُهُ، هَل تَشكُونَ في الأمرِ؟ فَيَقولونَ: لاَ فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ فَيَقولُ حينَ يُحييهِ : وَالله ، ما كُنتُ قَطُّ أشدَّ بَصيرَةً منّي اليومَ. فَيَقولُ الدّجالُ : أقتلُهُ ، فَلا

يُسلّط عَليهِ.

ظاهره يدل على وجهين: أحدهما) أن ما أعطي الدجال من خرق العادة تكذيباً لدعواه لأنها قاصرة . و (الثاني) ما أعطي الخارج إليه من قوة الإيمان، وأن تلك الفتنة العظمى لم تضره . والكلام

عليه من وجوه

منها أن يقال : ما قصْرُ خرق العادة التي أعطي؟ فنقول : هي ما أراد من قتل الرجل المؤمن ثانية، فلم يقدر عليه فنحتاج الان أن نذكر خرق ،العادة وما هو الدال منها على الخير وعلى ضده، وما انقطع منها .

فأما خرق العادة فقد تكلم العلماء عليها وهي على أربعة أقسام

(1) أبو سعيد الخدري : سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري الخزرجي. أبو سعيد صحابي كان من ملازمي . النبي ، وروى عنه أحاديث كثيرة. غزا اثنتي عشرة غزوة وله ۱۱۷۰ حديثاً. توفي في المدينة المنورة سنة ١٤ هـ / ٦٩٣ م . (انظر الحديث ٤٨ . (۲) الدجال لغة : المموّه المدَّعي الكذاب وشرعاً : المسيح الدجال رجل من يهود يخرج في آخر هذه الأمة، سمي بذلك لأنه يدجل الحق بالباطل، وقيل: بل لأنه يغطي الأرض بكثرة جموعه ، وقيل : لأنه يغطي على الناس أو سمي بذلك لكذبه ، وجمعه (دجاجلة) و (دجالون) وكل كذاب فهو دجال .

بكفره ، وقيل : لأنه يدعي "

(۳) السباخ : ج سَبَخة . والسبخة من الأرض ما لم يحرث ولم يُعمَّر لملوحته

قسم يدل على صدق النبوة. وهذا قد طوي بساطه ، لكن نذكره من أجل المعرفة به، لأنه من

جملة أمور الدين .

وقسم يدل على الولاية وتحقيقها .

وقسم يكون من أجل المجاهدة والدوام عليها، وإن كان صاحبها فاجراً أو كافراً، وكثيراً ما افتتن الناس من هذا القسم لجهلهم به .

وقسم من الذي يسمونه السيمياء وهي استنزال بعض الروحانيات وخدمة بعض الكواكب الفلكية، وهي أيضاً مما ضل بها كثير من الناس .

ولكل واحدة منها علامة تعرف بها، ولا يعرف ذلك إلا من له نور إيماني ومعرفة بها

فأما التي هي دالة على النبوة فمن شرطها التحدّي وهو أن يقول: أنا نبي ومن الدال على نبوتي أنني أفعل كذا وكذا)، وذلك الذي يدعيه لا بد من ظهوره على ما ذكره علماء الدين. وهذا لم يبق لأحد فيه دعوى، لقوله عليه السلام: (لا) نبي بعدي ) .

والتي هي دالة على صدق الولاية تظهر على يديه دون تحدٍ . ومن شرطها أن يكون في حاله متبعاً للسنة والسِّنَن ، لأن الله عزّ وجلّ، لم يتخذ قط ولياً بدعيا (۳) ، لأنه عزّ وجلّ يقول في كتابه قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) (۳) وإن تحدى بها عند ضرورة، دون عجب، فلا تخلفه، لأنها من بركة تصديق النبوة، لأن كل كرامة ظهرت لولي فهي معجزة لنبيه عليه السلام لأنه بصدقه في اتباعه ظهر له هذا الخير . ومثاله ما ذكر عن بعض السادة حين ركب البحر فهاج عليهم، وكان المركب مُوسَقاً " قمحاً للملك، وكان معه ركاب حجاج، فسمع البحريين يقولون : إن القمح مكيل علينا بالشهادة ، وهؤلاء الحجاج ركبوا باختيارهم، ليس علينا فيهم شيء ، ( نحن الحُجّاج وندع القمح من أجل أنا مطالبون به فلما رآهم عزموا على ذلك قال لهم : ارموا القمح على ذمتي . فرَمَوا منه ما شاء الله ، ثم سكن البحر . وبلغوا الموضعَ الذي كانوا ،أمّلوا، فطلبوه بما رَمَوا من القمح . فقال لهم أخرِجوا الشهادة التي عليكم واكتالوا القمح فما نَقَص منه غَرِمْتُهُ . ففعلوا. فوجدوا الزائد على ذلك القدر

(1) جزء من حديث رواه البخاري في المغازي باب غزوة تبوك، ورواه مسلم في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باب من

فضائل عليّ من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه

(۲) البدعي المبتدع، والمستحدث في الدين ما ليس منه . (۳) سورة ال عمران من الآية .۳۱

(٤) موسقاً : محمَّلا موقرا

التي كانت به الشهادة عليهم. فخلوا عنه . فقال لأصحابه : والله ما فعلتها إلا من أجل الضرورة إحياء لنفوس هؤلاء المؤمنين .

وإن كان يتحدّى بها لغير ضرورة فليس هو في منزلة الأولياء، بل هو في حزب سَنَستَدْرِجُهُم مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (۱) وهذا هو حظهم من الله عزّ وجلّ، لأنهم قد نصوا أن من كانت عبادته من أجل أن تظهر له كرامة أو تستجاب له دعوة أو يُعرف بالخير من أجل المنزلة، فأولئك من الذين يعبدون الله على حرف (٢) .

وأما التي هي من أجل المجاهدة فإنه تظهر له كرامات لكن ليست بنافذة (۳) ، ولا مكاشفته تتعدى مدى ،بصره، وتكون في المؤمن والكافر، وهي من أثر المجاهدة فإن بالمجاهدة نفسها يتنور الباطن، ويرجع القلب مثل المرأة الصقيلة ينطبع فيها كل شيء قابلها لا غير وما لم يكن في مقابلتها فلا ينطبع فيها. ومثال ذلك ما ذكره عن بعض الأكابر أنه في بعض أسفاره مَرَّ بِدَير رهبان فرأى ما هم فيه من كثرة المجاهدة، فوقع له استحسان لتلك المجاهدة. فلما وقع له ذلك أمروا لخديمهم بالإقبال عليه، وأن يحسن قراه ويدخله بيت تعبدهم حيث أصنامهم . فلما أدخله بيت الأصنام وقع في خاطره سخفُهم وقلة عقولهم، لكونهم يعبدون تلك الأصنام. فلما وقع له ذلك وإذا هم يصيحون على الخديم أخرجه أخرجه . فأخرجه من حينه، فتعجب لسرعة اطلاعهم على خاطره لكن لا يجاوزون بمكاشفاتهم مدى البصر. وإذا كانت المجاهدة عن إيمان واتباع للسنة كاشف من العرش فما دون وكانت الدنيا كلها عنده كخطوة واحدة يتصرف فيها كيف شاء، بحسب ما يفتح الله عليه .

وأما التي هي من طريق السيمياء، واستنزال بعض الروحانيات، وعبادة بعض الكواكب الفلكية، فله (٦) علامات :

أما الذي يعبد بعض الكواكب فلكل عابد كوكب علامة يعرف بها مثاله أن الذي يعبد زُحل (٧) يكون لباسه أخسَّ اللباس ،وأقذره وعيشه وجلوسه من تلك النسبة. فالذي يراه في ذلك

(۱) سورة الأعراف من الآية ۱۸۲ .

(۲) الحرف من كل شيء : جانبه وطرفه . والآية الكريمة ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفِ ) أي : يعبده في السراء لا في

الضراء. (۳) نافذة ماضية قاطعة .

(٤) الخديم الخادم. (0) كذا بزيادة الواو . (٦) أي : لصاحب خرق العادة. (۷)

زُحل : أحد الكواكب الكبرى في المجموعة الشمسية، ترتيبه السادس من الشمس، وهـو علـى بعـد : =

الحال يظنه من الزهد والورع، وما هو إلا بمقتضى ما يقتضيه معبوده ، ويبقى على ذلك الحال قدر دورة معبوده في الأفلاك، وذلك على ما يزعمون ستة وثلاثون (۱) سنة على تلك الحالة التي بينت، لا يفتر. فإن فتر ساعة فَسَد عليه كل ما تقدم. ولكل واحد مما عدا هذا أيضاً حالة تخصه، إلا أن هذا عندهم أنحس الحالات.

وأما الذي هو من الروحانيات ليس إلا فحاله الظرف في اللباس وفي كل أمره وانشراح النفس وما يطيبها وحسن المجالس. ومع هذا فالغالب على أهل هذه الطرق الفاسدة حظوظ النفس، وطلب الرئاسة، وعدم اتباع السنة واختراع بدع يجلب بها الجهال ويجعلها من طريق الحكمة ورياضة النفس، وهو الضد - أعاذنا الله من ذلك - لأن ما كان من طريق خرق العادات التي ليس على صاحبها لسان العلم حاكماً تجدها غير نافذة من كل الجهات، وإذا جاء من له حقيقة يقابلهم ما يمشي لهم منها شيء، ويتعذر عليهم أكثرها بحسب قوة إيمان الشخص وضعفه. ولذلك فأكثر ما يخالطون الجهال .

والذي خرق العادة له مع اتباع السنة هو في حالة ملك، لا يُغلب بحيلة ولا مكر ولا قوة محسوسة أو معنوية وأمره يتزايد لا ينقص، والناس وجميع الوجود عنده كلهم على حد واحد كيف شاء أن يتصرف تصرّف بغير دعوى متبرىء من الحول والقوة إلا إلى الله صاحبها وهو أخوف الناس على نفسه إلا عندما تأتيه البشائر الربانية .

وعلامته أن يكون أكثر الناس تواضعاً وأقبلهم لهم عذراً إلا ما كان في حق الدين، وأكثرهم شفقة عليهم، ونفسه عنده أقل الخلق ويشاهد ذلك الخير فيضاً ومَناً بغير استحقاق، ويحض الناس على اتباع السنة والسنن، كثير الصمت إلا فيما يعنيه كثير الفطنة قليل الطمع ملاحظ بقلبه الآخرة، لا يرى لنفسه على أحد حقاً، ويرى حقوق الناس قد ترتبت عليه بشرط أخوة الإيمان بالحضور والغيبة، يفر من المدح ويستأنس بالوحدة يبذل المعروف ويقلل الضرر بل لا يقع منه، يحبه كل شيء حتى الأرض التي يمشي عليها والسماء التي تظله ، وأهلها، كذلك معرفته في كأنه السماء أكثر وأشهر مما في الأرض، لا يُحِل أكل الخبيث، تؤلمه معصية العاصي هو الذي

١,٤٢٥,٧٦٧,٠٨٠ كيلومتراً في المتوسط منها. وتتم دورته حول الشمس في ثلاثين عاماً. ويبلغ / ٧٣٤ / مرة حجم الأرض، وكتلته ٩٤٩ مرة قدر كتلتها، وكثافته ۸/۱ كثافتها ويبدو قرصاً منبعجاً لامعاً عند الاستواء، وقطره الاستوائي ۱۲۰,۰۰۰ كيلومتر. وله عشرة أقمار تدور حوله .

(۱) تقدير الفلكيين ثلاثون سنة . وقوله ستة . . . » كذا في المخطوطات والمطبوعة .

فعلها، وتَسُره طاعة الطائع كأنه الذي يأخذ أجرها صورته صورة بشر وحقيقة باطنه ملكية نورانية

قدسية، ووصفه يطول .

مَنَّ الله علينا بما به مَنْ عليهم، برحمته ورحمنا بحرمتهم، وصلى الله على محمد نبيه وعبده . فمن أجل الجهل الغالب على الناس بطريق القوم كل من رأوا منه شيئاً من خرق العادة، من أي نوع كانت قالوا صالحا (۱) . أو يكون ممن سمع شيئاً من مفاسد الفاسدين فيعيب أهل الحقيقة على الحقيقة فيحرمهم، لأنه يجعل أمرهم إما محتملاً إذا أراد السلامة أو ينسبهم إلى الطريق الفاسد، فيحصل مع الحرمان الخسارة، فإن الله عزّ وجلّ، يَغيرُ لهم أشد الغيرة، لقوله عزّ وجل على لسان نبيه عليه السلام من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة) (۳) . وفيه دليل على عظيم قدرة الله عزّ وجلّ . يؤخذ ذلك من قوله ( ينزل ببعض السباخ التي بالمدينة) ثم يمنع من الدخول إليها . وفيه دليل على أن من قوي إيمانه لا يمكنه حَملُ البدع ولا السكوت عليها . يؤخذ ذلك من خروج هذا الرجل الذي شهد له رسول الله الله بالخيرية ، مع علمه أنه لا يدخل المدينة، وأنه - صلى الله عليه وسلم ، وحده ـ لا يقدر على قتاله، لكن قوة إيمانه حملته على أن يخرج ويكذبه بين أتباعه وإن كان لا يعلم هل ينجو منه أم لا؟

ألا ترى إلى ما جاء في قصة عبد الله بن رواحة (۳) حين أخبر رسول الله ، أنه رأى بين سريره وسريري صاحبيه ازوراراً وعلة ذلك ما أخبر به الصادق ، و أن صاحبيه تقدما ولم يتوقفا وتوقف هو يرثي ما يشجع نفسه الطيبة بأبيات من الشعر، ويطيبها للموت ثم تقدم فقتل ، كما فعل بصاحبيه (٤) ، رحمهم الله أجمعين . فقوة الإيمان تقتضي القيام بأمر الله عزّ وجلّ، ولو بقي الشخص وحده . كذلك فعل أبو بكر ، رضي الله عند وفاة النبي ، ، رضي الله عند وفاة النبي ، ا ، ومنع أولئك الرهط الزكاة وخطب ،

(۱) كذا.

(۲) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء وأبو نعيم في الحلية ۳۱۸/۸ والطبراني في الأوسط عن السيدة عائشة الله عنها والبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه وألفاظه مختلفة في هذه الروايات عما أورده الشيخ

رضي

الإمام ابن أبي جمرة رضي الله عنه

عبد الله بن رواحة صحابي . يعد من الأمراء والشعراء الراجزين كان يكتب في الجاهلية وشهد العقبة مع السبعين من الأنصار . شهد بدراً وأحداً والخندق والحديبية . واستخلفه النبي الله العليل و المدينة في إحدى غزواته ، وصحبه في عمرة القضاء، وكان أحد الأمراء في وقعة مؤتة بأدنى البلقاء من أرض الشام فاستشهد فيها سنة

هـ / ٦٢٩م . (٤) رواه البيهقي في دلائل النبوة ٣٦٨/٤) وللحديث تتمة .

نية

ـن

مة

ق

بعدما كان ظهر للصحابة رضي الله عن جميعهم أن يسامحوا في الوقت. فقال لهم أبو بكر ،

رضي

الله عنه :

لأقاتلنهم ولو بالدَّبور (۱) . فقال عمر ، رضي الله عنهم أجمعين : فلما سمعت مقالة أبي بكر علمت أنه الحق وشرح الله صدري لما شرح له صدر أبي بكر وهو من أقوى الأدلة على أن النصر ما يكون إلا بقدر قوة الإيمان، لأن أبا بكر رضي الله عنه لم يتم كلامه إلا والمسجد قد . امتلأ بالدبور، وهي الريح . وقيل بالتشديد، وهو طائر يشبه النحل (۳) ، وهو أشد ضرراً منها وأتت وجوه القوم حتى خرجوا من حينهم من المسجد .

وقوله (رجل هو خير الناس أو من خير الناس ) (۳) الشك من الراوي .

وقوله عليه السلام ( خير ) - على إحدى الروايتين - قد حصلت له الشهادة من الصادق المصدق بالخيرية .

وفيه دليل على أن الخيرية هي بقدر الإيمان، لأنه إذا قوي الإيمان علم قطعاً أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له ، قعد أو تحرك . فالأولى المبادرة إلى ما أمر به أو ندب إليه . قال عزّ وجلّ : ﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلَسْنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) (٤) وقوله فيقول أشهد أنك الدجال :أي: لست أنت بالرب كما تزعم بل أنت كذاب فهذه أكبر المجاهدة، يقول الحق ولا يلتفت إلى ما يترتب عليه . وصار اليوم عند بعض المنسوبين إلى العلم أو الدين يتركون قول الحق من أجل توقعات ممكنة، يتوقع منها ضرر دنيوي فيلزم من شاهد حاله أنه مِن شرِ الناس. وقد أخبر بذلك الصادق عليه السلام، حيث قال : (يأتي على الناس زمان يصبح الرجل فيه مؤمناً ويُمسى كافراً، مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعَرَض من الدنيا) (٥) . وفي هذا الحديث مصداق لقوله عليه السلام: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرة إلى قيام الساعة لا يضرهم من خالفهم) (٦) .

(1) الدبور : الريح تهب من المغرب وتقابلها (القبول).

ويمسي

(۲) الدَّبُور : جمع دَبر) وهي جماعة النحل والزنابير والدبور : جمعه دبابير. وهي الزنابير وهو عربي مولد،

معرب عن السريانية. وقيل: عامي. (۳) قال كثير من العلماء : إنه الخضر رضي ) عنه . واسمه بليا بن ،ملكان وكنيته أبو العباس، ولقبه الخضر . (وقد ورد أن من عرف اسمه وكنيته ولقبه واسم أبيه مات على حسن الخاتمة وورد في فضائله الله الله : إنماء الخضير خضيرا لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز تحته خضراء. رواه الشيخان

سمي

(٤) سورة التوبة من الآية ٥١ .

(٥) رواه مسلم في الإيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً مع اختلاف يسير في اللفظ.

جزء من حديث صحيح متواتر رواه البخاري في الاعتصام والأنبياء ،والتوحيد ومسلم في الإيمان والإمارة والترمذي في الفتن وأبو داود في الجهاد والفتن والملاحم وابن ماجه في المقدمة وأحمد في مسند الشاميين والدارمي في الجهاد.

وفيه دليل على إبقاء الإيمان كاملاً في المدينة، وإن كان في بعض أهلها تخليط . يؤخذ ذلك من أنه لم يخرج له من يواجهه بهذا الحق إلا من المدينة، ولو كان له موضع اخر ثان لأخبر به ، يلي. وفيه تأنيس لمن وفق للحق ، وإن خالفه أهل زمانه وبشارة له بالنصر ، لأن العلة التي من

أجلها كان النصر لذلك المبارك موجودة عنده، وهي قوة الإيمان، وقول الحق في الله وفيه دليل على أن قوة الإيمان عند الضرورة لا تعول على القدرة بمجردها، ولا تستعمل أثر الحكمة، مع التصديق بثبوت أثر الحكمة والقدرة معاً . أما العدول منه عن أثر الحكمة فكونه خرج إلى ما لا طاقة له ، به وقد دلت الشريعة التي

مقتضى الحكمة على منع ذلك بقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَهْلُكَةِ ) (1) . وأما أثر القدرة فقوله تعالى ( وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ (۳) وقوله تعالى قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا ) (۳) فأشد الأمور - وهو القتل - لما لم يرد الله عزّ وجلّ، موت هذا لم يضره، ولما أراد ثانية أن يمنعه مَنَعه بغير أثر حكمة إلا إظهار قدرة تامة، ليعلم أن الله على كل شيء قدير وأما قتله أولاً فتحقيق لعظيم ،القدرة، لأنه قد كان يقول القائل : لم يره وحجب عنه . ويرى أن ذلك من خرق العادة للأولياء وما أظهر الله عزّ وجلّ له من الكرامة أرفع وأعظم.

وفيه دليل على أن الفتنة لا تضرّ مع الإيمان ولا تزيده إلا تحقيقاً . يؤخذ ذلك من كونه فعل به أشد الفتن وهو الموت والإحياء، ثم ما زاده ذلك إلا قوة في إيمانه، كما ذكر هو ، بقوله ( والله ما كنت قط أشد بصيرة مني (اليوم) وذلك لأنه كان عنده قبل عِلمُ ،يقين وصار الآن عنده عينُ يقين وعين اليقين لأهل الأحوال هو أعلاها، كما قال الخليل عليه السلام، حين قيل له أَولَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَينَ قَلبي ) (٥) فأراد عليه السلام الانتقال من علم اليقين إلى عين اليقين.

فاستحق بذلك درجة الخُلَّة

(۱) سورة البقرة من الآية ۱۹٥. (۲) سورة البقرة من الاية ۱۰۲ . (۳) سورة التوبة من الاية ٥١ .

(٤) اليقين في حقيقة معناه : رأس مال الدين. قال رسول الله الله : اليقين الإيمان كله أخرجه البيهقي في الزهد والخطيب في التاريخ من حديث ابن مسعود بإسناد حسن). وبين (علم اليقين) و (عين اليقين) و (حق اليقين) علاقة وشيجة .. أقرب مثال لفهم العلاقة بينهما أنك لو رأيت دخاناً فاعلم علم اليقين) أن وراءه نارا . وإذا

اقتربت أكثر منه فرأيت النار فذلك ( عين اليقين) . وإذا مَسَست النار فلذعتك فذلك حق اليقين) .

(٥) سورة البقرة من الاية ٢٦٠ .

وفيه تصديق للحديث الآخر، وإن كان كل واحد منهما يصدّق الآخر، الذي قال عليه السلام فيه : تُعرَضُ الفتن على القلب عوداً عوداً، فأيُّما قلب أُشرِبَها نكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب لم يُشْرَبها نكتت فيه نكتة بيضاء، فلا تزال تتسع حتى تعود على القلب مثل الصفاة لا تضره فتنة بعد) (۱) . لأن هذا لما صدق قول النبي ، وخرج مجاهداً في سبيل الله ورسوله لم يضره

القتل، بل زاد به إيمانه .

ويؤخذ من حال الدجال الدليل على تكذيبه يؤخذ ذلك من قوله لأتباعه (أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته، هل تشكون في الأمر؟) فلو كانت إلهيته حقاً لجلب القلوب على التصديق، لأن القلوب كما يقتضي الإيمان أنها بين أصبعين - أي بين أمرين من أمر الرحمن (۳) - وكونه يطلب منهم ـ التصديق على ربوبيته بما يبدي لهم ضعف في ،قدرته ، وهذا في حق الربوبية محال .

وفيه دليل على إظهار قدرة الله عزّ وجلّ فيمن حكم عليه بالضلالة أنه لا تنفعه العبر ولا المواعظ . يؤخذ ذلك من أن الدجال ادعى أن دليل ربوبيته إماتة الشخص وإحياؤه ، ففعل، ثم جاء ثانية أن يفعل فمنع من غير موجب ،ظاهر فكان يجب عليه وعلى أتباعه الإقرار بالحق، لأنه قد جاء ما أبطل دليله في عالم الحس، ولم يقدر على دفعه فما بقيت الأدلة تنفع والمواعظ إلا مع السعادة، ولا تضر الفتن والامتحانات إلا مع الشقاوة.

فنسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يعيذنا من الشقاوة والحرمان، ومن المحن والفتن في الدارين، ويمنّ علينا بالسعادة فيهما ،بفضله لا ربَّ سِواه

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

(1) رواه مسلم بلفظ : تعرض الفتن على القلوب كالحصير عُوداً عُوداً ، فأي قلب أشربها نُكِتَ فيه نكتةً سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنته مادامت السموات والأرض، والآخر أسودُ مُزباداً كالكوز مُجَخْياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه عن

حذيفة رضي

الله عنه .

(۲) هو معنى لحديث رواه الإمام أحمد في المسند ۱۷۳/۲ وانظر الدر المنثور ۸/۲-۹ .

حديث حراسة مكة والمدينة من الدجال

أنس بن مالك رضيَ الله عَنهُ ، عَنِ النبي ، ، ا ا ، قالَ : لَيسَ مِن بلَدٍ إلا سَيطَوُ الدَّجَالُ إِلا مَكَّةَ وَالمَدينةَ ، لَيس لَهُ مِن نقابِها نَقب (۱) إلا علَيهِ المَلائِكَةُ صافينَ يحرُسونَها ، ثمّ تَرجُفُ المَدينةُ بأهلِها ثَلاثَ رجفَاتٍ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلٌّ كافِرٍ وَمنافق .

ظاهر الحديث يدل على أن جميع بلاد الأرض يدخلها الدجال إلا مكة والمدينة والكلام

عليه من وجوه :

منها : الدليل على تحقيق خروج الدجال، ومنها التساوي بين فضل مكة والمدينة. وقد

اختلف العلماء فيهما في الفضيلة فمالك رحمه الله ، ومَن تَبِعه يفضلون المدينة على مكة. والشافعي رحمه الله ومَن ،تبعه يفضلون مكة على المدينة. ولم يختلف أحد أن موضع قبره أفضل البقاع، وإنما الخلاف فيما عداه من البلدين. واستدل كل واحد منهما بظواهر أحاديث، كلها تحتمل التأويل، وبأقيسة ولكنها أيضاً تحتمل التعليل .

وظاهر هذا الحديث يعطي التسوية بينهما في الفضل لأن جميع الأرض يطؤها الدجال إلا هذين البلدين، فدل على تسويتهما في الفضل. ويُؤكَّد ذلك أيضاً من وجوه من النظر، لأنه إن خُصَّت المدينة بمدفنه عليه السلام وإقامته بها، ومسجده، فقد خُصَّت مكة بمَسقَطِه، عليه السلام ،بها ومبعثه منها وهي قبلته فمطلع شمس ذاته المباركة مكة ومغربها المدينةُ، وإقامته بعد النبوة - على المشهور من الأقاويل - بمكة، مثل إقامته عليه السلام بالمدينة. وفيه دليل على كثرة ما يُعطَى هذا اللعين من خرق العادة فمنها كونه يَطَأ الأرض كلها، ولم أن تكون إقامته في الأرض وطوافه عليها إلا في أربعين يوماً، إلا أن أول يوم منها كسَنَة،

يجيء

(۱) النقب: الخرق في الجلد أو في الجدار أو نحوها :جمع أنقاب ونقاب .

والثاني كشهر ، والثالث كجمعة، وباقيها إلى آخرها مثل الأيام المعهودة إذ ذاك من طول أو قصر . وقد سأل الصحابة سيدنا : و هل تجزئنا صلاة يوم في ذلك اليوم الطويل المتقدم ذكره ؟ فقال : لا . ولكن اقدروا للصلاة قدرها) (۱) ..

ومنها : مثل ما تقدم في الحديث من الإحياء بعد القتل ومنها : أنه يزرع ويحصد من حينه . ومنها : أنه يمشي ومعه مثل الجبال من الخبز . ومنها : أنه يكون معه شبه جنة ونار . فأخبر الصادق أن من دخل جنته فهي نار ومن دخل ناره فهي جنة) (۳) ومنها : أنه يقول للرجل : اتبعني. فيأبى عليه ، فإذا ولّى عنه اتَّبعه مال الرجل فيتبعه الرجل كرامة لماله فيعظم كفره وكفر الناس به من أجل ما أعطي من خرق العادات، وأنه لا يخرج إلا بعد سبع سنين قحطاً، لا تنزل قطرة مطر، ولا

تنبت الأرض شيئاً .

ولهذا المعنى كان أهل التحقيق لا ينظرون إلى ما يجري على أيديهم من خرق العادات، وإن كثرت، وقد يخاف بعضهم منها . ويطلب الاستعفاء، كما ذكر عن بعضهم أنه كان في بعض أسفاره، وتعرض لهم بحر لا يُجَازُ إلا بمُعدِّية (۳) ، ولم يكن له شيء يعطي لصاحب المُعَدِّيَةِ، فبقي مفكّراً ما يفعل، فإذا هو قد أبصر حافتي البحر مما يقابله قد تقاربتا حتى بقيتا قدر خطوة . فلما رأى ذلك فزع وقال: اللهم إن كانت كرامة فادّخرها لي للآخرة، وإن كانت من الشيطان الرجيم فأبعدها عني . فرجع البحر إلى ما كان عليه. وأخذ من بعض ثيابه وأعطى صاحب المُعَدِّيَة بما جَوَّزه .

مما يشبه

والأخبار عنهم هذا كثيرة، وإنما هِمَمُهم في تحسين إيمانهم وأعمالهم، وطلب موازنتها بمقتضى ما أخبر به الصادق ، ، ، مثل قوله عليه السلام من أخلص لله أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه) (4) ، وقوله عليه السلام: (اطلبوا الرقة في ثلاث في الصلاة والتلاوة والذكر فإن وجدتموها وإلا فاعلموا أن الباب مغلق وما يشبه هذه الحقوق فيها صلاح حالهم .

وفيه دليل على أن أثر الحكمة فيه للنفوس تأنيس عظيم، ودلالة على عناية الربوبية بالعبودية.

(۱) رواه مسلم في الفتن من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه ، ( وهو جزء من الحديث ؛ ومروي بالمعنى. (۲) قطعة من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه رواه الإمام أحمد في المسند ۳/ ٣٦٧ ، والحاكم في المستدرك ٥٣٠/٤ وصححه على شرط مسلم، وأقره الذهبي. ولفظ الشاهد - كما ورد في الحديث - : ومعه ،نهران أنا أعلم بهما منه ؛ نهر يقول الجنة ، ونهر يقول : فمن أدخل الذي يسمّيه الجنة فهو النار، ومن أدخل الذي يسميه

النار فهو الجنة . . (۳) المُعَدِّيَة : المركب يعبر عليه من شاطىء إلى آخر (٤) رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي أيوب بإسناد ضعيف.

يؤخذ ذلك من كون الملائكة على نقابها يحرسونها . والله عزّ وجلّ، قادر أن يحرسها دون شيء، كما فعل بالرجل في الحديث قبل (۱) هذا، لكن إظهار الملائكة فيه تأنيس للقلوب، وإظهار عناية

المولى بالعبد كما فعل عزّ وجلّ في غزوة بدر حين أنزل الملائكة ثم قال عزّ وجلّ، في حقهم وَلِتَطْمَينَ بِهِ، قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ) (۲) فجعلهم من أجل الإنس لما يعلم من ضعف

البشرية وحقيقة النصر من عنده جل جلاله . ومثل ذلك هي الأعمال الصالحة عند أهل التحقيق تأنيساً وتقوية رجاء في فضل الله تعالى وحقيقة السعادة والخلاص عندهم بفضل الله . ويفهم هذا المعنى من قوله عليه السلام: (لن) يُدخِل أحداً عمله الجنةَ . قالوا : ولا أنت يا رسول الله؟ قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله بفضل رحمته) (۳) وقوله (نقابها) أي : طُرُقها وفجاجها .

وهنا بحث ، وهو : هل الدجال يبصر الملائكة فلا يتجرأ أن يقربهم أو لا يراهم؟ أو يكون ذلك

على طريق الإعظام للبقعتين، والقدرة هي المانعة له؟ احتمل الوجهين معاً. والقدرة صالحة لهما . وفيه دليل على أن حرمة البقع لا تنفع إلا مع الإيمان يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام

( فيخرج إليه كل كافر ومنافق ولم يقل : كل عاص ومذنب . ولذلك كتب مالك (٤) لبعض أصحابه حين كتب له : أن انتِ الأرض المقدسة : إن الأرض لا تقدس أحداً، وإنما يقدس المَرءَ عمله . وقال بعضهم : اطلب لنفسك ما يقدسها من حسن علمٍ أو عمل ، فالأمر - والله - خَطِر . وهنا بحث في قوله عليه السلام ثلاث رجفات) وهو أن يقال : ما معنى الرجفة؟ وما الحكمة في ألا يخرجوا إلا في ثلاث ليس إلا؟

أما الرجفات فيحتمل أن تكون حساً أو معنى وأعني حساً أن الأرض تتحرك بهم، كما تكون عند الزلزلة واحتمل أن تكون قوة فزع يجدونه عند قربه إليهم، أو نزوله ببعض سباخها - وهو الأظهر، والله أعلم - لأنه كثيراً ما تستعمل في الفزع، كما قال أول الكتاب : فرجع بها رسول الله يرجف (فؤاده وقد تكلمنا عليه أولاً وأما كونها ثلاثاً فهذه الثلاث) كثيراً ما تتكرر في الأشياء مبالغة في الخير أو ضده، وهي كناية عن كثرة الفزع الذي يلحقهم ونفوس الناس مؤمنهم وكافرهم

فالا

ولا

المـ

لقوله

الوقت

ناد

رجال

الرجم

إن ا

بخنا

علیم

ال

(1) لم نقف على مصدره.

(٢) يشير إلى الرجل الذي أراد عبور البحر ، فرأى، وحفظه الله ، وقد جاء خبره قبل سطور معدودات . (۳) سورة الأنفال، من الآية ۱۰ . (٤) جزء من حديث رواه البخاري في المرضى باب تمني المريض الموت، وفي الرقاق باب القصد والمداومة على العمل ، ورواه مسلم في صفات المنافقين عن أبي هريرة وعن جابر رضي الله عنهما .

ليست على حدٍ سواء في الثبات ،وضده فأكثرهم فزعاً يخرج أولاً ، والذي أقل منه بعده،

وأجلدُهم آخراً .

وفيه دليل على أن حقيقة الثبات إنما تكون مع قوة الإيمان، بدليل أن الخوف لحق الكل

لقوله عليه السلام : (ترجف المدينة) فثبت المؤمنون، ولم يستطع ذلك الكافرون والمنافقون . وفيه دليل على أن الكفار في ذلك الوقت يكونون ممن يسكنون المدينة، وأن النفاق يكثر ذلك الوقت والوقت الآن ليس فيه نفاق ظاهر ، ولا بالمدينة كافر مقيم ولا يدخلها، فدل ذلك على قوة فساد العالم إذ ذاك وكثرته .

وهنا ،بحث ، وهو : هل ما يُخص (١) بالرجف إلا المدينة لذلك الدجال وحده؟ أو يكون لكل دجال قبله رجفة ؟ لأنه قد قال : بيني وبين الدجال نيف وسبعون دجالاً) (۲) فإن قلنا: إن الرجف بمعنى : تحريك الأرض، فيكون - والله أعلم - خاصاً بتلك البقعة وذلك الدجال . وإن قلنا : إن الرجف بمعنى الفزع، فكل دجال يوجد معه ذلك، لأنه ما حمل الناس على اتباعهم إلا الخوف من ضررهم، فتلك رجفة. وأما غيرهما من البقع فتلك الرجفة موجودة في أرضهم، غير أنهم لا يحتاجون أن يخرجوا إليه كما فعلوا هنا لأنه هو الذي يدخل إليهم. وقد جاء أن بعض من يكون له إيمان قطعي به إذا سمع بقربه يقول : اذهب بنا نتفرج على هذا الكذاب اللعين، فإذا وقعت أعينهم عليه اتبعوه. وفي هذا خوف شديد من الفتن والحض على الهروب منها ما أمكن، مخافة أن يلحق المؤمن منها شيء.

لكن هنا بحث وهو: أن هؤلاء خرجوا وهم يعترفون ،بكذبه ثم اتبعوه والشخص المذكور (۳) قبل الخروج إليه أيضاً هو موقن بكذبه ، ففَعَل به ما فَعَل، فلم يزدد فيه إلا تحقيقاً بكذبه . فالجواب : لما خرج أولئك على طريق الفُرجة في آية الله أخذهم البلاء، لأنهم جعلوا آية الله لعباً ولهوا، فلو كان تصديقهم حقيقياً ما خرجوا على جهة الفرجة، لأن الدجال خروجه من الآيات العظام، فجعلهم ذلك لهوا هو عين الفتنة ويترتب على ذلك من الفقه أن الاستهزاء بشيء من الايات ومن أثر قدرة الله ضعف في

(1) هكذا بالأصل، وصوابه : أبو الدرداء إلى سلمان الفارسي رضي الله عنهما .

(۲) كذا والصواب أما يُخص. (۳) رواه أبو نعيم عن أنس - كما في كنز العمال - وروى مسلم وغيره من أنه سيكون كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي . وروى الترمذي في الفتن عن أبي هريرة رضي الله عنه : لا تقوم الساعة حتى يبعث كذابون دجالون قريب من

ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله .

الإيمان ويخاف على دينه وقد قال جلّ جلاله ) قُلْ أَبِاللَّهِ وَعَايَنَيْهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْهَرُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَنكم ) (١) . وأما الآخر فخرج مجاهداً بنفسه في سبيل الله لأن يكذبه، ويصدق قول الله عزّ وجلّ، وقول رسول الله ، فأمده الله جل جلاله، بالنصر منه والحماية . فتعظيم آيات الله تعالى وأثر قدرته من قوة الإيمان والخير كله مع قوة الإيمان . مَنّ الله به

علينا بفضله .

وفيه دليل على أنه ما تظهر حقيقة الدعاوى إلا عند الامتحانات. يؤخذ ذلك من قصة

من

الدجال، فإن ناساً يكونون يستترون بالإيمان ويدعونه فإذا جاء الدجال لم يثبت إذ ذاك الدعاوى شيء إلا من كان إيمانه حقيقياً، وكان عمله على مقتضاه. ومن أجل ذلك حَضَ ، ، حين ذكر الفتن وقال الصحابة رضوان الله عليهم : ما تأمرنا إن أدركنا ذلك الزمان؟ فقال عليه السلام : (الجأوا إلى الإيمان والأعمال الصالحات) (۲) فقوله عليه السلام (إلجأوا إلى الإيمان) وهم مؤمنون معناه الأخذ في تقوية الإيمان ومما يقوي الإيمان الأعمال الصالحات فإن بها

النقص وبها الزيادة.

وفيه تنبيه على أن ينظر كل شخص في أمر نفسه في زمانه فيحذر من دجَاجِلةِ ،وقته، لأن كل زمان لا يخلو من دجاجلة، فيكون من أتباعهم، وهو لا يعلم ويظن أنه قد سَلِم من الدجال ، وهو من أتباعه أو هو نفسه من الدجاجلة . ولا يعرف ذلك إلا بإقامة ميزان الكتاب والسنة على نفسه على مقتضى ما تأوله السلف الصالح رحمهم الله ، وإلا يكون مُستدرَجاً وهو لا يعلم، فيدخل تحت قوله عزّ وجلّ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ﴾ ) وإلى هذا المعنى إشارته عليه السلام بقوله : (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ) (٤) وليلزم الأدب والخوف، فالأمر ـ والله ـ عظيم، وقد أصبحنا في زمان تغيّرت فيه أعلام الخير وتشعبت ،طرقه وقل فيه السالكون وإليه الداعون فتداركنا الله باللطف منه بفضله .

وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) في الحديث (٨٥) .

(۲) سورة التوبة من الآية ٦٥ ومن الآية ٦٦

(۳) لم نقف على مصدره ..

(٤) سورة الأعراف، من الآية ۱۸۲ .

ن

ـة

ـن

م

حديث من استطاع منكم الباءة فليتزوج

عَن عَبدِ الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، قالَ : كُنَّا معَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فَقالَ: من استطاعَ (۱) م الباءَة فَلْيَتَزوّج، فإنّهُ أعْضُ لِلبَصَرِ ، وأحصنُ لِلفَرْجِ ، ومَن لم يَستطِعْ فَعَلَيهِ بالصوم،

فإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ .

ظاهر الحديث يدل على الأمر بالنكاح ، وأنه من سنة النبي ، ل لا ل ا ل ، لأنه عليه السلام قال : (من استطاع منكم الباءة فليتزوج والباءة في لسان العرب بالألف الممدودة هي : القدرة على التكسب والنفقة على الأهل .

وقوله عليه السلام (ومن لم يستطع فعليه بالصوم فيه دليل على أن الصوم يقلل مادة النكاح ويضعفها، لأن النبي الله ، أمر من لم يقدر على التأهل .به وقال عليه السلام فإنه له وجاء) والوجاء عند العرب هو رض الأُنثَيَيْنِ (٢) . كانت العرب تأخذ الفحول من الغنم فتفعل ذلك بها، وهو الذي يقال له في الغنم الخصي لمن فعل به هذا، لكن هذا الفعل يذهب بمادة النكاح بالكلية وإنما شبه النبي ، ، الصوم به لأن بينهما في الشبه شيئاً ما ، وليس من شرط المثال أو الشبه أن يكون ذلك فيه من كل الجهات، بل يكون في صفة دون أخرى ، والصوم قد أخذ من ذلك شيئاً ما، وهو كونه يضعف ما يجده المرء من تلك الحرارة القوية التي تغلبه . وأما كله فليس يرتفع كما يرتفع من الغنم. ولأجل هذا ،أمر عليه السلام بالصوم للشباب - على ما جاء في رواية غير هذه - لأن الشباب له من شهوة النكاح ما قد تغلب عليه بخلاف الكبير، فإن تلك المادة الكبرى ليست عنده، وإنما معه منها ما يقدر على أن يدفعه عنه .

ولأجل هذا قال عليه السلام : (فإنه أغض للبصر، وأحصن للفَرْج) ولم يقل بأنه يُغض البصر

(1) انظر ترجمته في الحديث (۷۰).

(۲) الأنثيان الخصيتان ورض الأنثيين : دقهما أو كسرهما. والمراد هنا : الخصاء.

ويُحصن الفرج، لأن المرء مأمور ابتداءً بغض البصر وتحصين الفرج ولو كان معه مما تقدم كثير يؤمر بغض البصر وتحصين الفرج شرعاً، لكن بوجود الأسباب المُعِنَيةِ على ذلك يسهل عليه الأمر وعلى الشباب في هذا مجاهدة، ولا يُقدّر عليه إلا مع الدين القوي . فإذا كثر الصوم قلت تلك المادة التي تغلبه ، فكان ذلك عوناً له على غض البصر، وتحصين الفرج الذي أُمِر به .

وفي هذا دليل على أن المرء مأمور بعمل الأسباب، لأن النبي ، ، أمر بالتسبب في رفع حرارة ما يجده الإنسان مما أشرنا إليه بالتأهل فإن لم يقدر الإنسان على ذلك فليَصُمْ. فكذلك كل ما يكون للإنسان فيه ضرر أو نفع فله أن يتسبب في زواله عنه أو في إيقاعه بأي وجه قدر عليه من الوجوه الشرعية . لكن يعارض هذا ، قوله ، وحين سأله أبو هريرة رضي الله عنه ، قال : إني رجل له شاب، وأخاف على نفسي ،العَنَت ولا أجد للنساء طَوْلاً . فكرر أبو هريرة ذلك ثلاثاً، والنبي ، ، لم يرد عليه جواباً . فقال له، عليه السلام في الثالثة : جف القلم بما أنت لاق فاختص على ذلك أو زِدْ) (۱) . فأمر ، عليه السلام هنا بترك التسبب والاستسلام للقضاء وأمر في الحديث الذي نحن بسبيله بالتسبب في زوال الأمر والجد فيه .

والجمع بينهما هو أن أبا هريرة رضي الله عنه ، من أهل الصفة (۲) وأهل الصُّفة أبداً من شأنهم الجوع. وقد كان أبو هريرة رضي الله عنه ، يُغشَى عليه من شدة الجوع. فهو لم يزل عنه ذلك الأمر بالصوم من شدة ما كان عنده من الحرارة للنكاح. فعند العجز عن السبب، وكونه لا يدفع ما كان هناك، أمره عليه السلام بالتوكل والاستسلام ،وقال عليه السلام لرجل حين سأله فقال : أُرسل ناقتي؟ فقال له عليه السلام : (اعْقِلُها وتَوَكَّل ) (٣) . فقد بيّن عليه السلام، في الحديث الذي نحن بسبيله حكم الشريعة، وبيّن في قصة أبي هريرة رضي الله عنه ، حكم الحقيقة، وهو التسليم. فعلى هذا فيحتاج المرء أبداً أن يكون مستسلماً لقضاء الله عزّ وجلّ، وقدَرِهِ بعد بذل الجهد في الأسباب الشرعية التي قد أجرى الله العادة أن يُنَجِّى بها . ثم بعد ذلك لا يعوّل عليها، ولا يظن

(1) رواية البخاري فاختص على ذلك أو ذر) وكذا رواية ابن حجر في فتح الباري والنسائي ٥٩/٦ ، والبيهقي في السنن الكبرى .۷۹/۷. ولفظ الحديث - كما ورد في البخاري - قال أبو هريرة يا رسول الله إني رجل شاب وأخاف العنت، ولا أجد ما أتزوج به ألا أختصي؟ فسكت عني، ثم قلت له، فَسَكتب عني، ثم قلت له فسكت عني ثم قال: يا أبا هريرة، جَفَّ القلم بما أنت لاق، فاختص على ذلك أو ذرّ.

(٢) أهل الصفة : هم مجموعة من فقراء المهاجرين كانوا يأوون إلى مكان مظلل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقون عنه ويرعاهم ، وقد أخلصوا أنفسهم للعلم والجهاد. وكان منهم أبو هريرة رضي الله عنه .

(۳) رواه الترمذي في العلل وقال : هذا حديث غريب ورواه ابن حبان والحاكم في المستدرك والقضاعي في مسن الشهاب، وأبو نعيم في الحلية وابن خزيمة في التوكل، والطبراني من حديث عمرو بن أمية الضمّري بإسناد

جيد.

كثير

مادة

كل

جل

ـلك

حن

ـان ـل

ـد

أنها هي المنجية، وإنما ينظر النجاة من طريق الفضل لا بعمله، كما قال إبراهيم عليه السلام، هو إلا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا) (۱) بعد بذل جهده في الإيمان والتحقق به لم يُعوّل عليه، وكان واقفاً مع المشيئة

وقد كان عيسى عليه السلام على قنة جبل، فأتاه إبليس اللعين فقال له : أنت تقول إنك لن يصيبك إلا ما كتب الله لك، فازم بنفسك من قُنّة هذا الجبل . فقال له عيسى عليه السلام المولى يجرب العبد ، وليس العبد يجرب مولاه ..

القدرة ،

وقد كان عثمان بن عفان رضي الله عنه ، في حائط (۲) له يعمل . فجاءه رجل فقال له : أنتم تقولون : إن الله هو يرزق وهو يمنع، فما ينفع تسبّبك وعملك؟ فقال رضي الله عنه : هو كما يقولون واشتغل بعمله. فهذه أبدا سيرة الأنبياء عليهم السلام والسلف رضوان الله عليهم، ومن خرج عن ذلك فقد ضل عن الطريق، لأنه إذا ظن أنه بعمله ينجو فقد هلك، لأنه قد حصر وذلك ضلال، وقد قال عليه السلام: (لن) يُدخل أحداً عمله الجنةَ . قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) (۳) ، وقد قال تعالى: ﴿ مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَا هَادِيَ لَر ﴾ (٤) فإذا أراد الله عزّ وجل أن يكون صاحب هذا العمل من ،الضالين وممن يُختم له بالشقاء فمن يقدر على غير ذلك؟ كما كان بلعام بن باعوراء (٥) وغيره . لا راد لأمره يفعل ما يريد، ولا يُسأل

عما يفعل .

وأيضاً فإنه إذا ظن أنه بعمله يصل إلى مرغوبه فقد قطع بأن له عملاً صالحاً، وذلك محض الضلال، لأنه زكّى نفسه بذلك، وقد قال تعالى: ﴿ فَلَا تُرَكُواْ أَن أَعْلَمُ بِمَن أنقى (٦) وقد قال عليه السلام: (لا) تُزَكّوا على الله أحداً) (۷) . قال ذلك في رجل مات وأثنى الصحابة عليه بخير

ـل

(۱) سورة الأنعام من الاية ۸۰

(۲) حائط بستان

(۳) ورد قبل صفحات أنه رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه

(٤) سورة الأعراف من الآية ١٨٦ .

(٥) قال كثير من المفسرين هو المراد بقول الله تعالى ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِى مَاتَيْنَهُ وَايَيْنا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ) وكان بلعام يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب . فدعا به علی ،موسی علیه السلام، فلم يستجب له فيه، وسلبه الله منه، والعياذ بالله تعالى. (٦) سورة النجم ، من الآية ۳۲ . (۷) رواه البخاري في الشهادات باب إذا زكى رجل رجلاً كفاه وفي الأدب باب ما يكره من التمادح ، ورواه مسلم في الزهد باب النهي عن المدح. ولفظ الحديث عن أبي بكرة ، رضي الله عنه ، قال : أثنى رجل على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ويلك قطعت عنق صاحبك ثلاثاً، ثم قال : من كان منكم مادحاً أخاه لا محالة فليقل : أحسب =

بعد موته، ثم قال لهم بعد ذلك : ( ولكن قولوا : إخاله كذا . لكن يعارض هذا قوله عليه السلام

(إذا رأيتم الرجلَ يواظب المسجد فاشهدوا له بالإيمان) (۱) والشهادة له بالإيمان تزكية في حقه . والجواب عن ذلك أنه عليه السلام ، قال لهم اشهدوا له بالإيمان) أي اشهدوا بما ظهر لكم من أمره، وأما الباطن والعاقبة فليس لكم إلى ذلك سبيل، والأمر في ذلك إلى الله عزّ وجلّ، هو يزكي من يشاء بفضله ويعذب من يشاء بعدله، وقد قال تعالى على لسان نبيه عليه السلام في كتابه ( وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلَا يكر (۲) ، وقد قال تعالى : ( لَا يُسْتَلُ عَمَّا يَفْعَلُ ) (۳) هذه الآية ) ﴾ خضعت لها الرقاب، وذلت لها - مع كثرة الأعمال وإخلاصها - فَرَقاً من هذه الآية، فلم تبق النجاة إلا بفضل الله ،وكرمه لا بالعمل ولا بكثرته لكن يبقى العمل فيه بشارة للمؤمن وتيسير له على مراده، لقوله تعالى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى فَسَنُيَسِرُهُ لِلْمُسْرَى ) (٤) .

فمن رأى أنه قد يُسر لأفعالِ البِرّ استبشر وقوي رجاؤه في فضل الله المتضمن لهذه الآية، ولقوله تعالى بعد وصف من يُسر لليسرى ) أَوَلَتَبكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ الله ) (٥) فجعل الرجاء إنما يكون لمن فيه ما وصف، وما تكون تلك الأوصاف إلا لمن يُسِّر لليسرى. ومن رأى أنه قد يُسر لأفعال أهل الشقاء فيعلم أنه قد يُسِّر للعسرى، فيحتاج عند ذلك أن يقلع عما هو بسبيله، ويرجع إلى ربه بالتوبة الاستغاثة بالله لعله أن يتقبله وأن يصرف عنه ما هو فيه من الشقاء، وأن ييسره

والاستغفار للخير بمنه وفضله .

فقد اجتمع الحديثان بهذا البحث، وأن المراد عمل الأسباب مع ترك التعلق بالتعويل عليها، ورؤية المن والفضل للمُنْعِم بها مع كثرة اللجأ إلى الله، والاستغاثة به في دفع الضراء، وفي تمام النعمة والاستسلام لقضائه عزّ وجلّ خيره وشره، حلوه ومرّه .

لكن الاستسلام هنا يحتاج فيه إلى تقييد، لقوله عليه السلام: (المؤمن تَسُرّه حسناتُه وتَسوؤه سيئاته ) (٦) فيكون المؤمن أبداً على هذا مستسلماً لقضاء الله عزّ وجلّ، وقدره مهما أتاه أمر ، رضي

فلاناً والله حسيبه، ولا يزكّي على الله أحداً ، أحسب كذا وكذا إن كان يعلم ذلك منه

(۱) رواه الترمذي في تفسير سورة التوبة والدارمي وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عـ

(۲) سورة الأحقاف من الآية .۹.

(۳) سورة الأنبياء من الآية ۲۳ . (٤) سورة الليل الايتان ۷ و ۱۰ . (٥) سورة البقرة من الآية ۲۱۸

رواه الإمام أحمد في المسند ۲۵۵/۵ والقضاعي في مسند الشهاب ٤٠٢ والحاكم ١٤/١ وصححه ووافقه الذهبي. ولفظه : جاء رجل إلى النبي فقال : يا رسول الله ما الإيمان؟ قال : إذا سرتك حسناتك، وساءتك سيئاتك فأنت مؤمن .

به، ومهما أقامه الله ، عزّ وجل، في شيء لم يطلب غيره، ولم يختر الانتقال عنه، حتى يكون الله ، عزّ وجلّ، هو الذي ينقله عنه . وقد سئل بعض أهل الصوفة : بم نلت هذا المقام؟ فقال : ما أقامني الله ، عزّ وجلّ، في مقام فاخترت التحول عنه حتى يكون هو الذي يحولني عنه . ولأجل النظر إلى هذا المعنى ربح من ربح ، وفاز من فاز . ثم يكون أبدا يتفقد أمره. فإن أقيم في شيء من المخالفة أو البدع لم يرض بذلك، إذ من شرط المؤمن ألا يسره ذلك، فيستغيث عند ذلك بربه، ويقلع عما هو بسبيله، ويعمل جهده في التخلص منه امتثالاً للأمر، وقد قال سبحانه : وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ) (۱) فما لم يرضَه المولى لعبده فلا يرضاه العبد لنفسه . وفيه دليل على أن العالم يجب عليه أن يُعلم قبل أن يُسأل، لأن النبي ، ، قد علم هؤلاء ما يفعلون قبل سؤالهم إياه. لكن يعارض هذا حديث الأعرابي المشهور الذي لم يعلمه حتى طلب منه ذلك . وقد تقدم والجمع بينهما هو : أن ينظر المرء صاحبَه ويتفرس فيه فإن ظهر له من حاله أن يقبل ما يقال له فليعلمه قبل السؤال كما فعل النبي ، الله في هذا الحديث . وإن ظهر له من حاله أنه لا يقبل منه، أو قد يسمع منه الآن، ثم يتركه أو ينساه، فهذا لا تعليم عليه حتى يُسأل كما فعل ، مع الأعرابي .

وفيه دليل على أن المر. مأمور أن ينظر في كل أفعاله ما هو أقرب إلى ربه فيبادر إليه، ويترك ما هو أدنى منه في الثواب ، لأن النبي ، ، ، ا ، أمر أولاً بالنكاح الذي هو أعظم في الثواب والأجر من الصيام، ولم يأمر أولاً بالصيام حتى يعدم المرء الطَّوْل إلى النكاح الذي هو أعظم ثواباً، قال عليه السلام: (تناكحوا تناسلوا أباهي بكم الأمم يوم القيامة) (۳) .

فإذا كان النكاح بهذه النيَّة فلا شك في فضيلته على غيره، وقد قال عليه السلام: (لا رهبانية في الإسلام) (۳) والرهبانية هي ترك النساء. فلو كان ترك النساء أفضل لكان شرع في الإسلام، إذ هو خير الأديان الذي شرعه الله عزّ وجلّ لنبيه ،محمّد عليه السلام. وقد قال عمر بن الخطاب، النساء وما لي إليهن حاجة وأطأهن وما لي إليهن شهوة . فقيل : ولم

رضي

الله عنه : إني لأتزوج ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال : رجاء أن يخرج الله من ظهري من يكاثر به محمد، ، ، الأمم يوم الله القيامة». فلأجل ما فيه من الفضل على غيره قدَّمه عليه السلام أولاً وابتدأ به.

(1) سورة الزمر من الآية ٧ ،

(۲) رواه عبد الرزاق في مصنفه ١٧٣/٦ مرسلاً بسند ضعيف ورواه البيهقي في المعرفة عن الشافعي بلاغاً وليس فيه لفظ (تناسلوا) وإنما فيه لفظ ( تكثروا) . وهو حديث ضعيف، ويغني عنه ما رواه الإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة.

(۳) انظر الحديث (۱) ففيه تخريجه .

وفيه دليل على أن المرء لا يأخذ من الأمور كلها إلا ما يعلم أنه يقدر عليها ويتخلص منها، لأن النبي ، ، أمر من لم يستطع النكاح بالصيام ولم يأمره بأن يحتال على النكاح، ويتسبب في

تحصيله لكونه أفضل، وإنما أمره بالصوم.

وفي

هذا دليل على أن الفضيلة فى الأعمال لا تنظر من جهتها إلا من جهة عاملها، لأن هذا

الذي لم يستطع النكاح ،أمره عليه السلام بالصوم والنبي عليه السلام لم يأمر أحداً إلا بما هو

أقرب في حقه إلى ربه . وإن نظرنا إلى فضيلة الصوم في حق هذا المأمور به فذلك ظاهر من حيث لا يُجهَل ولا يخفى، لأنه إذا لم يستطع النكاح من قلة ذات اليد فالصوم يعينه على ما هو بسبيله ؛ لأن فيه الإقلال من النفقة، والإضعافَ لمادة النكاح ؛ فإذا خف عنه هذان الأمران فقد سكن خاطره، وقلت الوساوس عنه، فكان باطنه مشتغلاً ،آخرته مقبلاً بكليته على ربه وهو المطلوب؛ بخلاف ما لو أمر بالنكاح لكان ذلك تبديداً لحاله ، واشتغالاً عن ربه لأنه يدبر ويحتال في التكسب والنفقة ، وهو عاجز عنها، فتكثر عليه الوساوس، ويتعمر باطنه بتدبير ،دنياه، ويخرب من تدبير اخرته، وإنما ينظر الأفضل في الأعمال من جهة ما فضلها ،الشارع عليه السلام، حين القدرة على كليهما . وأما مع العجز عن بعضهما فالذي بقي منهما ويقدر عليه هو أفضل في حق المرء؛ حتى قال بعض العلماء في رجل فقير ليس له غير درهم واحد فتصدق به ورجل له مال فتصدق منه بألف دينار إن صاحب الدرهم أفضل. وبيان فضيلته أن صاحب الدرهم ليس له غيره ونيته أن لو كان قادراً على أكثر لخرج عنه، عنه، والآخر تصدق وبقي له ما يتسع فيه ؛ فهذا الذي خرج عن كل ما عنده أفضل، لأن الدرهم الواحد بالنسبة إلى الفقير مال؛ فكذلك الصوم لمن لم يستطع الباءة مع الذي يستطيعها بهذه المزية. وكذلك يتتبع هذا في كل الأفعال بالنظر إلى هذا البحث، وهو يجري في كل ذلك، كانت الأفعال كلها دنيوية أو أخروية .

وإن وقع التحقيق لم يبق في الأفعال كلها ما يكون دنيوياً إذا حسنت النية فيه ولا أعظم من أن يكون للدنيا خالصاً من التسبب فيها والمتسبب فيها لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون بالأهل أو بغير أهل ؛ فإن كان بغير أهل وكانت نيته أن يجعل ذلك عوناً على طاعة ربه كان له في ذلك من الأجر كثير ، لقوله عليه السلام: (من) بات تعبان من طلب الحلال بات مغفوراً له) (۱) . وليلة القدر ترقب في السنة كلها رجاء مغفرة الذنب وهذا قد تحصل له ذلك بهذا الفعل الذي فعل، فلا شك أنه للاخرة لا غير .

(۱) قال العراقي في تخريج الإحياء ۹۱/۲ : أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس بلفظ (من أمسى كالاً من عمل يديه أمسى مغفورا (له وفيه ضعف.

ال

القادم

والم

ما

ير

لی

الا

لكـ

بال

وأم

في

وإن كان صاحبه ممن له أهل وعيال كان له من الخير ما هو أكثر ممن تقدم لقوله عليه السلام: (إن) من الذنوب ذنوباً لا يكفرها إلا الكد على العيال) (۱)، وذلك بشرط أن يكون على لسان .العلم. فأخبر، عليه السلام، أنَّ ثَمَّ ذنوباً لا يكفرها شيء أصلا، لا الوقوف بعرفة، ولا قيام ليلة القدر ولا غير ذلك، لأنه أتى بـ(لا) وهي للنفي، عدا ما ذكر، فبقي التصرف كله للآخرة لا غير ، لكن على الشروط المذكورة.

ولأجل النظر إلى هذا المعنى وتحقق النية به وفيه ساد أهل الصوفة، وامتازوا بعلو الدرجات والفضل على غيرهم، وهم في الأعمال سواء، لأنهم لا يتحركون حركة إلا الله وبالله ، ويرون أن كل ما يحركون به ألسنتهم هو قربة إلى ربهم لأجل نظرهم إلى ما أشرنا إليه .

ومما يبين ذلك بعض حكاياتهم ؛ فإنه قد روي عن بعضهم أنه لما احتاج الناس إلى الاستسقاء من كثرة القحط أرسل إلى أخ له في الله يسأله أن يرغب إلى الله عزّ وجلّ، ويتوسل إليه، لعله أن يرحم عباده. فلما أن أتى هذا المرسَل وجد هذا السيّد المرسل إليه في تسبّب من أسباب الدنيا مشغولاً به، يدخل ليلا إلى منزله، ويخرج نهاراً إلى تسببه . فتعجب الرجل من ذلك، كيف يكون في التسبب على هذا الحال وهو يُسْتَسقى به؟ فمكث معه ثلاثاً، وهو لم يعطه جواباً، ثم أراد الرجل الانتقال، فسأله الجواب فقال له : قل له : لو أعلم أنه يخرج مني نَفَس لغير الله لقتلتُ نفسي . هذا

هو حاله مع ربه

الناس ببدنه، ومع

ومن راه من العوام يظن أنه مستغرق في دنياه، وهو عَرِيٌّ عنها، خالي القلب منها هو مع . الله بقلبه وروحه كل ذلك أصله النية وتحريرها والوقوف معها. ولولا ذلك لكانوا في تصرفهم وتكسبهم وغيرهم سواء في الأجر وغيره، وقد قال عليه السلام: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى) (۲) فكانوا ، رضي الله عنهم بهذا المعنى الذي وقعوا عليه وأمثالهم ما قال عزّ وجلّ في كتابه ( وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِى أنْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) (۳) فكذلك يراهم العامي في تسببهم وتكسبهم، أو يراهم يؤنسونه ويتحدثون معه في جَلِي الأمور وخفيها ، فيظن أنهم معه بالكلية، وليس كذلك ، وإنما أبدانهم هي تلك ، وأسرارهم تجول في الملكوت .

(1) رواه الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية من حديث أبي هريرة. كذا قال العراقي في تخريج الإحياء ۳۲/۲ ولفظ الحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن من الذنوب ذنوباً لا يكفرها صلاة ولا صوم ولا حج، ويكفرها الهم في

طلب المعيشة .

(۲) متفق عليه من حديث عمر رضي الله عنه (۳) سورة النمل ، من الآية ۸۸ .

وقد يكون منهم من يقطع من المقامات ما قدر له وهو مع أصحابه يحدثهم ويؤنسهم ، لكن لا يكون هذا إلا لأهل القوة والتمكين منهم في الأحوال التي كشف الله لهم غواشِي فطن أفهامهم، ففهموا عنه ما أراده منهم ، فأجابوا إليه مسرعين وهم الذين حصل لهم أوفر نصيب من ميراث نبيهم عليه السلام، لأن الله عزّ وجلّ قال في حقه عليه السلام ) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ) (۱) وقال عليه السلام تنام عيناي ولا ينام قلبي ) (٢) . فكان عليه السلام في النوم لا يغفل، وحين اطلع ما أطلعه الله عليه لم يُلهِه ذلك، ولم يَشغَله عن آداب العبودية. وكان عليه السلام، يمزح مع ويؤنسهم، ويأخذ معهم في تدبير أمورهم وسره في الملكوت يجول حيث أراد الله عزّ وجلّ به . ومن تقدم وصفهم أخذوا من هذا أوفر نصيب لكن ذلك المقام الخاص به عليه السلام لا سبيل لأحد للوصول إليه .

النساء والصبيان

ومما يشهد لهذا المعنى ما حكي عن بعضهم أنه مرت به فكرة فسُرِي بسره إلى قابِ قوسَينِ فسمع النداء : هنا سُرِي بذاتِ محمّد السنية حيث سُرِي بسرك ولسان الحال ينادي للتابع وللمتبع :

بينكما ما بينكما في الاتباعية

ومما يشهد لذلك أيضاً ما حكي عن إبراهيم بن أدهم رحمه الله أنه كان نائماً في مسجد وواحد ممن كان يلوذ به قائم يصلي فرأى بعض من كان هناك من أهل الفضل شيطانين خارج المسجد، وأحدهما يقول لصاحبه ألا تدخل فتوسوس لهذا المصلي؟ فقال له الآخر : يحرقني نفس هذا النائم . فهو لم يعبأ بهذا المصلي، ولم يقدر على الدخول إلى المسجد خيفة نفس إبراهيم لئلا يحرقه، ولا ذاك إلا لحضورهم في كل أحوالهم وفي كل أزمانهم . فنسأل الله بمنّه وفضله ألا يحرمنا من بركاتهم، وأن يمن علينا مما مَنّ به عليهم .

وفيه دليل على أن الموجب للنظر هي قوة شهوة الجماع. يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام (أغض للبصر). ومما يقويه قوله عليه السلام (وزنى العين النظر، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) (4) ووجه آخر وهو : أنه لما كان غض البصر مطلوباً، بمقتضى الآية، أمر من لم يقدر على ذلك بالتسبب .

(1) سورة النجم من الاية ١٧ .

متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ : أتنام قبل أن توتر يا رسول الله ؟ فقال : إن عيني تنامان ولا

ينام قلبي .

انظر سنن أبي داود في الأدب والترمذي في البر والصلة والبخاري في الأدب باب الانبساط إلى الناس،

ومسلم في .

(٤) جزء من حديث متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . ولفظ الحديث : كُتِب على ابن آدم نَصيبُه من الزنى، فهو مدرك ذلك لا محالة العينان زناهما النظر ، والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطى والقلب يهوى ويتمنى، ويُصدق ذلك الفَرْج أو يكذِّبه .

وبحث ثالث وهو أن يقال : هل لا يكون (۱) غض البصر إلا بهذين الأمرين لا غير؟

فالجواب : إن هذين أكبر وقد يكون غض البصر بأن يغطي رأسه حتى لا يرى أحداً إن كان المَعْنِي الجارحة ، وإن كان المَعْنِي الجارحة مع سكون الفكرة في ذلك الشأن فهذا قد يزيله نوع آخر مثل شدة الخوف والتألم كما روي عن الثوري رحمه الله ، أنه كان إذا مرَّ به خاطر لغير الله يضرب نفسه بقضيب، فربما كان يكسر على نفسه في اليوم الواحد جملة من القضبان . ووجوه كثيرة، لكن الذي أشار إليه ، له ، وهو أعلاها وأيسرها ويكون من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى .

وفيه فائدة أخرى : أنه دواء، وهو في نفسه قُربة. فالذي يقدر على أن يكون دواؤه طاعة فهو أولى. ومن هذا الباب قوله عليه السلام (داووا مرضاكم بالصدقة، وادفعوا البلاء بالصدقة) (۲) وما ذكرنا هذا إلا من أجل أنه يعجز بعض الناس عن أحد هذين الوجهين، أو يفعلهما ولا يقع له بهما غض بصر ولا فرج فيقول : قد امتثلت السنة، وما يلزمني أكثر ، ويترك نفسه ،مهملة، هذا لا يحل ، وإنما هذا منه ، تنبيه على التسبب في توفية ما أُمر العبد به .

وبحث آخر وهو أنه ليس الأمر - أعني الحفظ - مختصاً بهذين العضوين ليس إلا، بل الجوارح كلها مطلوبة بالحفظ، لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَكَ كَانَ عَنْهُ مسئولا) (۳) وإنما نبه ، ، بهذين العضوين لأنهما إنما تعظم الفائدة فيهما، لأنه من استقامت له هاتان فالغالب استقامة الغير، ومن لم تستقم منه هاتان فلا يمكن استقامة باقي الجوارح. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى اله وصحبه وسلم تسليماً .

(1) كذا والصواب ألا يكون . (۲) رواه الطبراني في الكبير والقضاعي في مسند الشهاب وأبو نعيم في الحلية والخطيب في تاريخه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وفي إسناده ضعف ولفظه - كما ورد في الجامع الكبير - داوو) مرضاكم بالصدقة، وحصنوا أموالكم بالزكاة، فإنها تدفع عنكم الأعراض والأمراض وليس في الحديث ما أورده ابن أبي جمرة رضي الله عنه ( وادفعوا البلاء بالصدقة). (۳) سورة الإسراء، من الآية ٣٦ .

حديث توقيت الشحور

عَن ، زيد بن ثابت (۱) ، رضي الله عَنهُ قالَ: تَسخَّرنا معَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ثُمَّ قام إلى الصَّلاة . قُلتُ : كَم كانَ بينَ الأذانِ وَالسُّحورِ؟ قَالَ : قَدْرُ خَمسينَ آيَةٌ .

ظاهر الحديث يفيد بأن تأخير السحور من السنة ، لأن النبي ، وا ، تَسَخَّر، وكان بينه وبين الفجر قدر قراءة خمسين آية. وإنما فعل ذلك ، ، ، ، ، لأنه عليه السلام، كان أبدا ينظر ما هو أرفق لأنه لو لم لأمته فيعمل عليه، لطفاً منه بهم وسحوره عليه السلام، من جملة الألطاف بهم، يتسحر لكان أبداً أهل الفضل من أمته لا يتسحرون لاتباعهم له، فقد يكون على بعضهم في ذلك مشقة، لأنه ليس كل الناس يقدر على ذلك .

وكذلك أيضاً لو تسحر في جوف الليل لكان عليهم في ذلك شيء آخر، وذلك أن المرء إذا أكل في جوف الليل فالغالب عليه أنه ينام بعد الأكل، وليس كل الناس يقدر على السهر، والنوم عقيب الأكل فيه ضرر كثير على البدن ، لأن بخارية الطعام تطلع إلى الدماغ فيتولد من ذلك علة أو مرض. ولو سهر الإنسان من وقت أكله، وكان الأكل في جوف الليل، لوجد بذلك مجاهدة، لأن الأكل والشرب يستدعيان النوم ، فيكون ذلك سبباً إلى أن يكون النوم يستدعيه في وقت الحاجة إلى العبادة، وهو وقت صلاة الصبح وربما يغلب عليه النوم من أجل ثقل الطعام الذي يكون في المعدة والبخارية التي تطلع إلى الرأس. فإذا كان كذلك فقد يضرب به النوم عن صلاة الصبح فيكون الأكل في ذلك الوقت سبباً إلى إيقاع الصبح فذا (۲) في غير وقتها المختار سيما في صلاة الصبح المستحب التغليس بها . وإن هو لم ينم فإنه يجد مجاهدة في وقت الصلاة بالنوم، والمطلوب في الصلاة الحضور بالقلب، فإذا كان يجاهد النوم فلا يأتي له مع ذلك حضور.

(۱) انظر ترجمته في الحديث ٤٤ . (۲) فذا فردا بلا جماعة .

(۳) الغَلَس : الصلاة في ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح والتغليس: هو الصلاة في وقت الغَلَس.

فلأجل هذه المعاني وغيرها ،أخر ، عليه السلام السحور إلى قريب من الفجر، لأن المرء إذا تسخَّر في ذلك الوقت لم يبق بينه وبين الصلاة إلا قدر ما يأخذ أهبتها، فكان ذلك سبباً إلى إيقاع الصلاة بحضور، لأنه ليس معه في ذلك الوقت ما يزيل عنه ذلك، لأن الصلاة وقعت عقيب الأكل. وإنما يقع التشويش بالأكل من جهة النوم بعد الأكل بزمن يسير بقدر ما تطلع بخارية الطعام

إلى الرأس .

ثم إنه إذا أوقع الصلاة بعد أكله دخل في النهار، فاشتغل بِمَا لَهُ من الضرورات والأوراد عن النوم، ويحصل له بذلك فائدة أخرى وهو : تركه للنوم بعد الأكل وترك النوم زيادة في العمر، لأن النوم هو الوفاة الصغرى، وقد قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِى يَتَوَفَّنَكُم بِالَّيْلِ ) (۱) فجعل النوم وفاة . والعاقل مهما قدر على الزيادة في عمره ولو بنَفَس واحد فعل، وذلك أن التاجر أبداً عند الناس لا يقال له : تاجر، حتى يكون أبداً محافظاً على رأس ماله، ويكون عارفاً بالتجارة .

والتاجر الحقيقي هو المؤمن، لأنه يتّجر فيما يبقى، وهؤلاء يتجرون فيما يفنى. والمؤمن رأس ماله هو عُمرُه ، فيحتاج أن يحافظ عليه، وحينئذ يطلب الربح، فيحذر من كثرة النوم والغفلات، فإذا احترز من ذلك بادر إلى الكسب بالأعمال الصالحات وقد أخبر عزّ وجلّ في كتابه بأنهم هم التجار حقاً بقوله تعالى ( يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى بِصَرَف تُجِيكُرَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم ) () الآية إلى آخرها. ولا شك أن من فاز بالجنان ونجا من النار، وحصلت له المغفرة من العزيز الغفار، أن ذلك هو أربح الرابحين وقد أوحى عزّ وجلّ إلى داود عليه السلام في الزبور (يا داود من تاجرني فهو أربح الرابحين .

فإذا لم يتحرز المرء في يقظته من كثرة الغفلات فهو كالنائم سواء؛ لقوله عليه السلام (مَثَلُ الذي يذكر ربَّه والذي لا يذكر مَثَل الحي والميت . فشبهه بالميت وإن كان مستيقظاً، لأجل أن وقته عرِيٌّ عن عبادة ربه فيكون رأس ماله يتبدد وهو لا يشعر حتى ينفد ، فإذا نفد انتبه لحاله وقال :

ارْجِعُون

جعون ) (٣)

فيقال له : كَلَّاً». وأما من قام أول الليل للحاجة التي لا بد للبشر منها،

فصاحب ذلك النوم في عبادة وخير فنومه وصلاته وذكره على حدّ واحد في الأجر .

يشهد لذلك قصة الصحابيين وهما معاذ وأبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهما ، لما أن أرسلهما النبي لا يعلمان الناس الدين، ويقرران الأحكام، فمضيا إلى ذلك، ثم اجتمعا ، فسأل

(1) سورة الأنعام من الآية ٦٠ .

سورة الصف، الآية ١٠ .

(۳) سورة المؤمنون، من الآية ۹۹ .

أحدهما الآخر عن حاله، فقال أبو موسى الأشعري : أقرأ القرآن قائماً وقاعداً وماشياً ومضطجعاً ولا

أنام. وقال معاذ : أنام أول الليل وأقوم آخره، وأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي . فلم يسلّم أحدهما للآخر حتى أتيا ، النبي الا الله فذكرا له . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي موسى الأشعري : (هو أفقه منك) يعني معاذاً الذي يقوم وينام . ولا يطلق عليه السلام على من أخذ بذلك (أفقه) إلا لأنّه أخذ بما هو أقرب إلى ربه وأحب إليه . هذا هو حال النائم للضرورة التي هي من طبع البشر، ولا غنى له عنه، وأما غير ذلك فهو نقصان من العمر، وقد تقدم فتحصل من هذا بأن السحور في ذلك الوقت فيه خير كثير، بدليل ما أشرنا إليه . وأيضاً فإن السحور في ذلك الوقت فيه عون على صيام النهار ، لأنه إذا تسحر والفجر قريب أصبحت المعدة بالطعام، وقلّ أن تحتاج إلى الطعام وإنما تشتهيه مع اخر النهار، فلا تجد النفس ولا الشيطان سبيلاً على فاعل هذا من قبل أنه لا تأخذه الحاجة إلى الطعام إلا إلى آخر النهار، فيكون وقت الإفطار قريباً، فيسهل عليه الانتظار في ذلك الزمن القريب، ثم إنه لم تكن له إلى الطعام تلك الحاجة الكلية. فإذا كان المرء على هذا الأسلوب كان حاضراً في يومه ذاك، عَرِيّاً عن الوسواس والاشتهاء والتمني، بخلاف من لم يتسحر في جوف الليل، لأن المعدة تصبح خالية من الطعام فيصبح وهو محتاج إلى الأكل، فيبقى يومه ذلك في مكابدة ومجاهدة مع النفس من قبل ما تشتهي من الأطعمة، لأن الجائع أبداً تكثر عليه ،الشهوات ويجد الشيطان إليه سبيلا في الوسوسة بذلك، وقد يغلب على بعض الناس من جهة الصفراء، لأن الصفراوي لا يحتمل ذلك، فيُغشَى عليه، فيكون ذلك سبباً للإفطار في رمضان.

ولأجل هذا المعنى الذي أشرنا إليه قال (من رأى منكم امرأة تعجبه فليأت أهله ، فإن الذي عندها عند الأخرى ) (۱) أو كما قال عليه السلام لأن من رأى امرأة فتلك الشهوة القوية هي التي تسوّل ما تسوّل من إيقاع المخالفة، فإن هو أتى أهله فقد زال عنه ذلك الألم الكلي، وإن كانت المرأة التي رأى في الجمال ليس عنده مثلها . فهو إذا واقع أهله لم تبق النفس تتشوف مثل ما كانت وهو قادر على زوال ما بقي من التشوف للغير، إن بقي .

والسحور فيه شبه من ذلك، لأنه إذا تسحر كان على الحال الذي قدمنا ذكره فلم يبق معه من الشهوة إلى الطعام إلا قدر ما يطيق على إزالته عنه ، وإن هو لم يتسحر كان على الحال الذي قد ذكرناه، وذلك نقصان، سيما في رمضان الذي فيه من الفضل ما قد علم، فيحتاج المرء أن يكون فيه حاضر القلب مع ربه ساكن الخاطر من جهة نفسه، لئلا يروح عنه يوم لا يخلف مثله .

، (۱) رواه مسلم في النكاح وأبو داود والترمذي من حديث جابر رضي الله عنه وأوله : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأة فأتى امرأته زينب إلخ ...

وفي سحور النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه دليل على تواضع النبي لا ، إذ إنه في الفضل حيث هو، لكنه كان يأكل مع أصحابه ويؤانسهم تواضعاً منه لهم .

بعض

وفيه دليل على أن المشي بالليل للحاجة لا كراهة فيه لأن الصحابة رضوان الله عليهم، أكلوا مع النبي بليل . ومعلوم أن منازلهم كانت في الصغر والضيق من حيث لا يبيت بعضهم عند غالباً، ولأجل هذا لما نهاهم عليه السلام عن الجلوس في الطرق قالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا (١) ، لأنهم كانوا إذا أراد أحدهم أن يجتمع بصاحبه لم يجد إلى ذلك سبيلاً من ضيق بيوتهم غالباً، فاحتاجوا إلى الجلوس في الطرق لضرورة اجتماع بعضهم مع بعض في النظر فيما يصلحهم. فلما أن تقرر هذا من حالهم علم أنهم خرجوا بليل حتى اجتمعوا في موضع تسحروا فيه ويحتمل أن يكونوا تسحروا في المسجد الجامع، أو في منزل النبي ، أو في منزل أحدهم. وتقديرهم الزمان بخمسين اية فيه دليل على أن الصحابة رضي الله عنهم، كانت أوقاتهم مستغرقة في التعبد لأنهم قدروا الزمان بتلاوة القرآن. فلو كانت لهم عادة تغلب عليهم أكثر من التعبد لقدروا الزمان بها، ولو كانت قلوبهم متعلقة بغير ذلك لقدروا بذلك . فهم أبداً لا يزالون في التعبد، وإن كان أحدهم في شغل من الأشغال فقلبه متعلق بالتعبد لا بذلك الشغل. فما كان هو الغالب على المرء والقلب به متعلق فتقدير الزمان لا يعرفه إلا به غالباً لتيسير ذلك عليه

وفيه دليل على أن المرء لا يخاطب كل شخص إلا بما يعلم أنه يفهم عنه ، لأنهم قدروا الزمان بالقراءة التي هي كانت الغالب عليهم ولو كان ذلك الأمر بين غيرهم لكان التقدير بغير ذلك بما يعلم أنه يصل إلى الذهن، لأن المطلوب هو إيصال الفائدة إلى فهم السائل، فلا يقدر له ذلك إلا بما يعلم أنه يصل به الفهم إليه . مثال ذلك : أن العامي الذي لا يقرأ القرآن ولو قدر له الزمان بالقراءة لم يتحصل له من ذلك التقدير فائدة، لأنه لا يعرف بها قدر الزمان المشار إليه فيكون المرء أبداً يخاطب صاحبه على قدر فهمه وبحسب ما تتوصل الفائدة إليه ولا يعامل الناس كلهم بمعاملة واحدة، فإن ذلك من الخطأ .والغلط فإن علم صاحبه في المثال أنه يحسن الخياطة أو النجارة قدر له الزمان بذلك، فيقول له : قدر ما تخيط كذا، أو تنجر كذا اقتداء بهذا الحديث.

ثم بقي بحث ، وهو : هل الألف واللام في (الصلاة) للجنس أو للعهد؟ احتمل الوجهين . فإن

قطعة من حديث متفق عليه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ونص الحديث : إياكم والجلوس في الطرقات فقالوا يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها . فقال رسول الله : فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله ؟ قال غض البصر، وكفّ الأذى، والأمر بالمعروف

والنهي عن المنكر .

كانت للجنس فتكون الصلاة هنا صلاة نافلة، ويكون على هذا الوجه من السنة أن يكون إثر السحور صلاة نافلة. وإن كانت للعهد ـ وهي الفريضة - فيكون معنى : (قام إلى (الصلاة أي للتأهب لها من طهارة وخروج إلى المسجد لانتظارها ، لأنه في صلاة ما كان ينتظر الصلاة .

ويترتب على هذا من الفقه أن يكون السحور بقرب الصبح حتى ما يكون بعده إلا الاشتغال بالصبح، وهو الأظهر - والله أعلم - لأجل أن سؤال صاحبه عن الأذان إنما كان حتى يعلم أي قدر يبقى له للصبح عند فراغه من الأكل، لأنه لا يمكن له الاتباع إلا بتحديد الوقت .

وفيه دليل على أن من النبل في العلم أو في الإخبار إذا أتى المتكلم بأمر فيه احتمال أن يفسره للسامع حتى يزيل ذلك الإشكال . يؤخذ ذلك من أنه لما قال الراوي ( ثم) قام إلى الصلاة احتملت ( ثم) أن تكون على المشهور من بابها من أنهم لم يقوموا إلى الصلاة إلا من بعد مهلة، واحتمل أن تكون ( ثم) للإخبار من الانتقال من فعل إلى فعل لا ثاني بينهما . ومثل للسامع على قدر الزمان الذي كان بين فراغهم من السحور والأذان بذكر الآي فذهب الإشكال.

والألف واللام أيضاً في (الأذان) هنا إنما هي العهد ، ولأن النبي الله ما كان يقول ( إن ) بلالاً ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم) (۱) ، وكان لا يؤذن إلا مع الفجر . وسؤاله هنا إنما هو عن الأذان الذي يمنع معه الأكل والشرب.

وفيه بحث آخر وهو أن الأكل يكون قطعه قبل الفجر بيسير أقله مثل هذا. وقد تقرر من الشريعة أنه لا بدّ للصائم أن يمسك جزءاً من الليل قبل الفجر، ولا يحسبه واجباً لكونه عليه السلام فعل ما تقدم ذكره. وقد بيّن ذلك قولاً وفعلاً .

وفيه من الحكمة أن من كلف شيئاً فأخرجه عن عادته أن من الرفق به أن يعان عليه، لأن

الصوم خروج عن العادة، فرفق به في السحور .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) متفق عليه من حديث السيدة عائشة وابن عمر رضي الله عنهم. و ابن أم مكتوم : اسمه عمرو بن قيس بن زائدة اسمه ابن الأصم صحابي شجاع . كان ضرير البصر. أسلم بمكة، وهاجر إلى المدينة بعد وقعة بدر. وكان يؤذن الرسول الله الله في المدينة مع بلال. وكان النبي الا الله و يستخلفه على المدينة، يصلي بالناس في عامة غزواته . وحضر حرب القادسية ومعه راية سوداء وعليه درع ،سابغة، فقاتل - وهو أعمى - ورجع بعدها إلى المدينة فتوفي فيها سنة ٣٢هـ / ٦٤٣ قبيل استشهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

حديث من أفطر يوماً في رمضان من غير عذر

عَن أبي هريرةَ ، رضيَ الله عَنهُ رَفعهُ مَن أفطر يوماً من رمضانَ مِن غَير عُدْرٍ ولا مَرضِ ، (مَن لم يقضهِ عَنهُ صيام الدهرِ ، وَإِنْ صَامَهُ . وَبِهِ قالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ الله عَنهُ.

ظاهر الحديث يفيد أن من أفطر في رمضان متعمداً من غير عذر ليس له كفارة تكفره، لأنه قال فيه : (لم يقضه صيام الدهر وإن صامه وصيام الدهر أعظم ما يكون من القضاء عن صوم ذلك اليوم ثم إنه لم يجزىء ذلك عن يومه الذي أفطر فيه فما يغني غير ذلك من الكفارات .

وقد اختلف العلماء : هل عليه كفارة أم لا؟ فذهب الشافعي رحمه الله إلى أن لا كفارة عليه، وهذا الحديث مما يشهد له بذلك، لكنه قال بالقضاء. وهذا الحديث يردّ ذلك، لأنه قال فيه : (لم يقضه صيام الدهر فإذا كان صيام الدهر لا يُجزيه فما يكون اليوم الواحد بالنظر إلى هذا؟ وذهب مالك، رحمه الله إلى وجوب الكفارة قياساً منه على الجماع الذي وردت الكفارة فيه على الصائم، نصاً من الشارع عليه السلام فقال : الأكل من باب أولى أن تكون الكفارة فيه . والأظهر - والله أعلم - أن هذا الحديث لم يبلغهما ، ولو بلغهما لذهبا إليه، أو لتكلما فيه . فلما أن لم يتكلما عليه ولا تكلما فيه قوي الظن أنه لم يبلغهما ، سيما مالك رحمه الله الذي يروي أحاديث ثم يترك العمل بها ، لأجل العمل المتصل. وهذا الحديث من اكد ما عليه من النقل، إذ إنه يصادم ما ذهب إليه . والذي يظهر من الفقه - والله أعلم - أن الإفطار في رمضان متعمداً ليس له كفارة كما هو اليمين الغموس . هذا من طريق الفقه، وعملاً على الحديث .

لكن قوله : ( وبه قال ابن مسعود يدل ذلك على أن ابن مسعود خالف غيره في ذلك، إذ إنه لولا أنه اختص به وحده وذهب إليه دون غيره ممن كان في وقته، لما ذكر الراوي أنه هو الذي ذهب إلى ذلك وترك ما عداه فعلى هذا فالحديث كان عندهم مشهوراً ، لكن تركوا العمل به، لما ظهر لهم من

الترجيح. فإذا قلنا بهذا البحث فيكون الحديث قد بلغ إلى الأئمة لكنهم لم ينقلوه ولم يتكلموا فيه، لما ظهر لهم من المصلحة في ذلك، إما لعلمهم بأنه قد ترك العمل به، وإما لغير ذلك وقوله من غير علة ولا مرض العلة هي كل عذر أباح الشارع عليه السلام به الإفطار والمرض تأكيد في العلة، وهو ما يلحق ابن آدم من الضعف فيمنعه من الصيام. وقد اختلف العلماء في المرض الذي يفطر له ، وقد ذكر في كتب الفقه .

وفي مساق هذا الحديث دليل على فضل رمضان إذ إن يوماً منه لا يَعْدِلُه صيام الدهر فإذا كانت أيامه على هذا الفضل والمزية فيحتاج اللبيب أن يكون في أيامه منتبهاً حاضراً منقطعاً للتعبد. وقد جاء أن الأعمال تضاعف فيه . وقد قال عليه السلام يوماً عند صعوده إلى المنبر (آمين) كرر ذلك ثلاثاً، فقيل له في ذلك، فقال أتاني جبريل عليه السلام فقال لي : مَن أدركه رمضان فلم يغفر له أبعدَه الله . قل آمين. فقلت: آمين. ثم كرر ذلك اثنين بعده بالبعد أيضاً) (۱) فَلْيَحْذَرُ المرء لئلا يدخل تحت هذا الدعاء، إذ إن الأمر فيه على قسمين . إما مغفرة الذنب، أو الخسران بالدخول تحت نص هذا الدعاء .

وهنا بحث آخر، وهو أنه يكون معنى قوله (لم يقضه صيام الدهر وإن صامه أي أن الفضيلة التي فاتته في صيام هذا اليوم الدهر كله لا يقوم مقامها، وإن كانت الكفارة مُذهِبة لما وقع فيه من الإثم، إلا أن ما خسر فيه لا يمكنه ،خلفه، لأن ما جعله المولى في خَلق من خلقه من فضيلة لا يكون شيء يَعدِلُه مما جعله غيره من العبيد، وإن كان أكثر منه ،ثواباً، فلا تحصل له تلك الفضيلة الخاصة . مثال ذلك أن لو جاء شخص لا يضحي يوم النحر، ويتصدق مثلا بألف درهم أو دينار قيل له : فضل الأضحية وما جاء فيها لا يحصل لك، وإن نويتَ أنت بتلك الألف دينار أنها بدل من الأضحية، ولا يكون لك بها ثواب أضحية. ولو اشتريت منها أضحية بدينار لكان لك خيراً من تلك الصدقة بالألف، وإن كانت ،مقبولة، لقوله عليه السلام (ما) عمل آدمي عملاً في يوم النحر أفضل من إراقة الدم) (۲) ففضلت أنت ما لم يفضله الشرع، فليس كما زعمت . ولا يكون ذلك

قطعة من حديث رواه عدد من الصحابة الكرام منهم كعب بن عجرة والحويرث وأبو هريرة، وهو حديث صحيح رواه الحاكم وابن حبان ولفظه : صعد رسول الله الا الله و المنبر ، فلما رقي عتبة قال : امين ثم رقي أخرى فقال : امين ثم رقي عتبة ثالثة فقال : امين ثم قال: أتاني جبريل عليه السلام فقال : يا محمد من أدرك رمضان فلم قال : يغفر له فأبعده الله فقلت : امين قال : ومن أدرك والديه أو أحدهما فدخل النار فأبعده الله فقلت : امين ومن ذكرت عنده فلم يُصَلّ عليك، فأبعده الله فقلت: آمين (۲) رواه الترمذي في الأضاحي عن عائشة رضي الله عنها، ولفظه : ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحبّ إلى الله من إهراقه الدماء، إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على الأرض. فطيبوا بها نفساً .

ولذلك كان مالك رحمه الله تعالى يرغب للمسافر أن يصوم في سفره ، وإن كان الفطر له مباحاً شرعاً. ومذهب الإمام أنه مخيّر بين الأكل والصوم، إلا أنه قال : فضل أيام رمضان لا يوجد في غيرها . فتراه قد لحظ هذا الحديث من وجه ما ، وهو الأحوط .

وفيه دليل على أن فضل العبادات هو الاتباع لا الأشق. يؤخذ ذلك من أن صوم الدهر أشق من صوم يوم، وتراه لا يَعْدِلُه .

وفيه دليل لأهل الصوفة الذين يقولون : طاعة العارف امتثال وطاعة الجاهل شهوة، لأن الشهوة هي التي حملت على أكل اليوم متعمداً ، فأبدله بالأشق - وهي الكفارة - والامتثال هو الذي حمل العارف على التزام الأدب في توفية الأمر لا غير .

وفيه دليل على أنه ما يقع من المخالفة حقيقة ،فصاحبها ، مع وجود الفضل فيه لا ينجبر له ما فاته وإن تاب يؤخذ ذلك من قوله (وإن صامه لأن هذا لا يصوم إلا مع وجود التوبة. وقد قال الشافعي رحمه الله : إنه ما عليه إلا التوبة وقضاء يوم .بدله فتكون التوبة وقضاء اليوم أو الدهر غايته أن يدفع عنه العقاب. وأما ما كان له من الربح فلا يعود - أعني على مثله - إلا إن تفضل المولى، وأما على الظاهر فلا. وعلى هذا يجيء قوله ( التوبة تَجُبّ ما قبلها ) (۱) أي تقطعه وتمنع ما كان من الإثم والعقاب لا أنها تجبر ما فاته من الخير .

ولذلك قال أهل المعاملات: لو أن شخصاً بقي بباب مولاه ،عمره وغفل ساعة واحدة، لكان ما فاته في تلك الساعة خيراً مما نال، لأنه لعل تلك الساعة كانت ساعة النفحة، ومن فاتته تلك النفحة ما يخلفها ،غيرها وإن أتت نفحة أخرى فقد فاتت تلك، وخسر نصيبه منها . وواويلتاه من

تخلف عن باب مولاه .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .

(1) لم نقف على مصدره ، وإنما المعروف أن (الإسلام يجب ما قبله) .

حديث وصية النبي الله لأبي هريرة بثلاثة أعمال من البر صلى الله عليه وسلم

عَن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي ، ، ، ، بثلاث : صيامِ ثلاثةِ أيامٍ مِن كُلِّ شَهرٍ ، وَركعَتيِ الضُّحى، وأن أُوتِرَ قَبلَ أن أنام .

ظاهر الحديث يفيد الحض على صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وإيقاع الوتر قبل النوم ؛ لأن النبي لا لا لا لو أوصى بذلك لأبي هريرة رضي الله عنه ، وما أوصى به ، عليه السلام، فهو تأكيد منه في الأمر .

فإن قال قائل : لِمَ أوصى النبي الله الله وبذلك لأبي هريرة رضي الله عنه، وخصه بها دون غيره مثل أبي بكر وعمر وغيرهما من الخلفاء؟ قيل له : إنما تركهم من قبل أنهم كانوا بحيث لا يحتاج عليه السلام، إلى وصيتهم، لأنهم قاموا بعبء النبوة بعده ، وهم ورثوا النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخذوا من ميراثه أوفر نصيب. وقد قال عليه السلام (أنا مدينة السخاء وأبو بكر ،بابها وأنا مدينة الشجاعة وعمر بابها، وأنا مدينة الحياء وعثمان بابها وأنا مدينة العلم وعلي بابها) (۱)

فمن كان بهذه المزية من النبي فلا شك أن الوصية تلتمس منهم. وقد جعل عليه السلام، أفعالهم يقتدى بها في الدين، فقال عليه السلام عليكم بسنتي وسنة العُمَرَينِ بعدي ) (۳) وفي حديث آخر (وسنة الخلفاء) (۳). وكانوا كذلك، رضي الله عنهم ، حَذَوا حَذْوَ نبيهم، وسلكوا منهاجه، فكانوا يبادرون إلى ما هو أقرب إلى ربهم فيمتثلون الأمر في ذلك، لقوله تعالى

(۱) سبق القول في الحديث ۱۳ : لم نقف على مصدره بهذه الصورة.

(۲) لم نقف على مصدره بهذه الصورة.

(۳) رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه وهو جزء من

حديث .

يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) (۱) مثل تركهم لركوع الضحى واشتغالهم بالنظر في مصالح المسلمين، إلى غير ذلك مما يشهد بفضلهم .

وأيضاً فقد كان عليه السلام يوصي لكل شخص بحسب ما يقتضيه حاله، وما هو الأقرب في حقه، كما أوصى لغير أبي هريرة حين سأله في الوصية (ببر الوالدين) (۲) ، وكما قال للآخر أيضاً حين سأله في الوصية (صَلَّ صلاة مودّع واقطع الإياس مما في أيدي الناس)(۳)، وكما قال في عبد الله بن عمر (نِعْمَ الرجلُ لو كان يقوم الليل ) (٤) إلى غير ذلك .

أبا هريرة بهذه الوصية كذلك، لأن ذلك هو الذي يقتضيه حاله لأنه كان منقطعاً للتعبد، وما أوصاه به هو شعار العُباد أبداً، فأوصاه بما كان من جنس شعار التعبد بأقل ما يمكن منه، لئلا يلتزم كل ما يؤمر به وقد يكون عليه في ذلك مشقة . ولو أوصاه بأكثر لالتزم ذلك وواظب عليه، كما التزم بهذه الوصية فيما روي عنه في رواية غير هذه أنه قال: (أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى ألقاه ) () وذكر الثلاث التي نحن بسبيلها . فبين ،له عليه السلام، بتلك الوصية أي جنس من الأعمال هو أقرب في حقه وتركه يفعل منه بحسب همته ومقدرته، لأنه حدّ له الطرف الواحد الذي هو الأقل، وسكت عن الآخر الذي هو الأكثر .

وذلك أن أفعال البر لا يستوي فيها الناس. فرُبَّ شخص يكون الانقطاع إلى التعبد به أولى وآخر تكون مجالسة العلماء والدرس والقراءة والنظر به أولى، وآخر يكون السفر والجهاد له أَوْلَى إلى غير ذلك، لأنه قد يكون في شخص أهلية للعلم فيكون ذلك أقرب في حقه، لأن العلم أفضل الأعمال، على ما تقرر في ذلك من الشارع عليه السلام فاشتغاله بالتعبد وتركه للعلم نقصان في حقه، سيما في هذا الزمان الذي قد يكون الاشتغال بالعلم على من فيه أهلية فرض عين في حقه، لقوله عليه السلام، إذا ابتدع في الدين بدعة كيد الدين فعليكم بمعالم الدين، واطلبوا من الله الرزق) فقالوا: يا رسول الله، وما معالم الدين ؟ فقال : مجالس الحلال والحرام) (٦) فالعلم اليوم هو أقرب ما يتقرب به إلى الله، بل نقول : هو على الوجوب بدليل الحديث الذي ذكرناه ، وإذا كان

(1) سورة الإسراء من الآية ٥٧ .

رواه الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم والبيهقي وهو حديث من أحقُّ الناس بحسن صحابتي؟ إلخ ... رواه الحاكم عن سعد بلفظ : عليك بالإياس مما في أيدي الناس، وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر ، وصَلَ صلاةَ مودّع ، وإياك وما يعتذر منه .

(٤) رواه البخاري في التهجد ومسلم في فضائل الصحابة من حديث حفصة رضي الله عنها . (٥) رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (وهو موضوع حديث الباب). لم نقف على مصدره ولعله يريد حديث إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: مجالس العلم . رواه الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما .

المرء ليس فيه أهلية بالعلم فحينئذ يؤمر بالانقطاع للتعبد، لأنه إذا انقطع للتعبد عساه أن ينفع نفسه

وينتفع الناس بدعائه . ثم كذلك

في كل الأعمال ما هو أولى واكد بحسب حال كل شخص من الناس بدأ به وقدمه

على غيره، ولا ينظر إلى فضيلة الأعمال من حيث هي، وإنما ينظر إلى الفاعل، لأنه، عليه السلام لم يكن ليقتصر على فعل واحد فيوصي به الناس عن اخرهم، وإنما يختار لكل شخص ما فيه أهلية إليه، وقد تقدم ذلك . وإنما ،أوصاه عليه السلام، بتلك الأفعال اليسيرة لما قدمنا ذكره، وهو خشية التزامه بما هو أكبر ، كما ذكرنا . وأيضاً فدأبه عليه السلام أبداً كذلك يوصي بما لا بد منه، وما هو الأقل، ثم بعد ذلك يرغب في الزيادة والكثرة منه مثل ،قوله عليه السلام من) قام بالآيتين من اخر سورة البقرة كفتاه) (١) ، ثم رغب بعد ذلك في الزيادة وعدد الأجور حتى قال بأن من قام بألف آية كتب من المقنطرين) (۲) ، وذكر في ثلث الليل الأخير فضلاً كثيراً، وقام هو عليه السلام، حتى تورّمت قدماه (۳). وكذلك فعل فيما نحن بسبيله سواء أوصى بركعتين، ثم ركع هو عليه السلام لما ثماني ركعات، وجاء اثنتي عشرة ثم قال عليه السلام من ركع الضحى اثنتي عشرة ركعة بني له قصر في الجنة) (٤) . كل ذلك رفقاً منه عليه السلام بأمته، لئلا يلتزموا بوصيته ما تكون فيه المشقة عليهم، وترغيباً منه لهم أيضاً في تعداده الأجور من غير وصية .

وقد قال عليه السلام، مما يشهد لهذا المعنى الذي نحن بسبيله استقيموا) ولن تحصوا واعلَمُوا أن خير أعمالكم (الصلاة) (٥) . ومعنى ذلك : استقيموا على الأعمال الصالحات ولا تحصوها بالعد ولا بالحزر ولكن أكثروا من ذلك كل الإكثار وارغبوا في الزيادة. وقد قال المفسرون في معنى قوله تعالى ( وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَامَةِ ) (٦) إن كل إنسان يلوم نفسه يوم القيامة، ﴿ أكان من أهل الإيمان أو من أهل الكفر والضلال وذلك أن الكافر إذا كان يوم القيامة ورأى ما أعدَّ الله عزّ وجلّ له من العذاب رجع على نفسه يلومها، إذا لم يكن من أهل الإيمان والمؤمن

(۱) رواه البخاري في فضائل القرآن ومسلم في صلاة المسافرين عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه . (۲) قطعة من حديث رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في الصلاة، باب تَحْزِيب القران (۳) متفق عليه من حديث السيدة عائشة والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهما . (٤) رواه الترمذي في الصلاة من حديث أنس رضي الله عنه رقم ٤٧٣ بلفظ : مَن صلّى الضّحى إلخ ... (٥) رواه الإمام أحمد والدارمي وابن ماجه في الطهارة وباب المحافظة على الوضوء وصححه ابن حبان من حديث ثوبان رضي الله عنه . ورواية الحديث : استقيموا ولن تحصوا .. إلخ ...

(٦) سورة القيامة ، الآية ٢ .

العاصي إذا رأى جزاء أعماله رجع على نفسه باللوم، من أجل الذي ارتكب من ذلك في دار الدنيا . والمؤمن المحسن إذا رأى ثواب أعماله رجع على نفسه باللوم، لم لم يعمل أكثر من ذلك حتى يكون الثواب له أكثر ؟

وفي هذا الحديث دليل لمذهب مالك رحمه الله بقوله في التنقل أقله ركعتان وفيه معنى رائق يحتاج اللبيب أن ينظر إليه بتأمل لأن أبا هريرة رضي الله عنه لما لم يكن له من الدنيا شيء، ولا كان له فيها تكسب قنع منها باليسير من العمل لأخذه من الدنيا اليسير من الحطام.

ومن هذا الباب أخذ أهل الصوفة مشربهم، فمن كان عندهم منقطعاً اقتنعوا منه بانقطاعه مع شيء ما من العمل، ومن كان عندهم مسبباً أمروه بكثرة الأعمال والمبادرة إلى الخيرات، حتى قالوا فيمن زاد على أكله المعتاد: إنه يكثر من (القيام تعويلاً منهم على هذا المعنى الذي أشرنا إليه، لأن المرء إذا كان منقطعاً للتعبد خالي القلب عن التكسب فقد بقي مقبلاً على ربه بكليته والمطلوب من این آدم الحضور في جلّ أوقاته .

وقد هُتِف ببعض فضلائهم فقيل له : أخل الدارَ يَسكنها صاحبها. ومعناه : أخل قلبك مما سوی خالقه يسكنه خالقه. فإذا كان القلب ليس فيه إلا خالقه فهو المطلوب، وهذه هي الغنيمة الكبرى، بخلاف المُتَسبّب، قد يشتغل باطنه ولو ساعة بتدبير تسببه فلأجل ذلك التدبير أمروه بكثرة أعمال البر .

والشبعان أيضاً كذلك، لأن الشبعان يثقل بدنه عن التعبد، فأمروه بضد ما يريد، لأنه يريد أن يستريح عند الشبع، فأمروه بضد ذلك - وهو إطالة القيام - لكي يزول عنه ما يجده من الثقل، وينشط للعبادة، لأن القلب الغالب عليه أبداً الميل مع ما كانت الجارحة متصرفةً فيه أكثر .

وقاعدتهم أبداً هي عمارة الباطن . فإذا كان شيء من التسبب أكثروا العبادة لأجله، لكي تكون العبادة هي أكثر من التسبب فيكون ميل القلب مع العمل الصالح هو الغالب على الجوارح والتصرف فيه . وهذا - أعني التسبب - معدوم في المنقطع للتعبد . وقد وجد عيسى عليه السلام، رجلاً نائماً في السَّحَر ، فقال له : يا هذا قم فقد سبقك العابدون. فقال له الرجل: دعني يا روح الله ، فإني قد عبدته بأحب العبادة إليه . فقال له عيسى عليه السلام : وما هو ذلك ؟ فقال الرجل : بالزهد في الدنيا . فقال له عيسى عليه السلام ثم فقد

فقت العابدين .

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن) (۱) إشارة إلى ما نحن بسبيله . يريح

القلب أي يريحه من التدبر والتفكر في أسباب الدنيا . ومهما خلا القلب من ذلك تعمّر بالإقبال على ربه، لأنه لا يبقى خالياً أصلاً لا بد له من أحد الأمرين إن فقد أحدهما وجد الآخر. وقد يكون الاثنان معاً لكن ذلك النادر .

وفيه معنى اخر، وهو أن أبا هريرة رضي الله عنه رضي بالجوع والفاقة واختار ذلك، وترك التسبب، ولازم النبي لو ولم يفارقه، وكان صابراً على الجوع محتسباً، حتى إنه قد كان يغشى عليه من شدة الجوع ولا يعلم أحد بحاله فتشبه بالنبي الله في هذا المعنى، لأنه عليه السلام اختار الفقر على الغنى ،وقد كان عليه السلام يربط على بطنه ثلاثة أحجار (۳) من شدة الجوع ، ويقول ألا ربَّ مكرم لنفسه وهو لها مهين) (۳) أو كما قال عليه السلام. لـ

فلأجل التزامه بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وكونه اختار ما اختاره عليه السلام خصه بهذه الوصية. ولأجل هذا المعنى الذي أشرنا إليه قال أبو هريرة رضي الله عنه ، عن النبي (خليلي) لقوله عليه السلام المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) (٤) . فلما أن كان ملتزم أبي هريرة ما ذكرناه ووقع الشبه به بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم فيما ذكرناه، ادعى الخلة لأجل ذلك

ولا يرد على هذا قوله، عليه السلام ( لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً)(٥) لأنا لم نتعرض لذلك، لأن النبي الا الله منع أن يتخذ عليه السلام خليلا لنفسه. وليس يلزم من كونه لا يتخذ خليلاً لنفسه ألا يخالله (٦) أحد من الصحابة رضوان الله عليهم ، لأن ليس من شَرْط الخُلَّة أن تكون من الأعلى إلى الأدنى، بل قد تكون من كليهما من الأعلى إلى الأدنى، ومن الأدنى إلى الأعلى. وشرط الخُلَّة ما ذكرناه، وقد جاء ذلك في أبي هريرة ، رضي الله عنه ، فساغ له ادعاء الخُلَّة

لأجل ذلك

لكن بقي بحث، وهو أنه اقتصر له على ركعتين للضحى لا غير، وصوم ثلاثة أيام لا غير

(۱) سبق تخريجه في الحديث رقم / ٧٥/ . (۲) سبق تخريجه في الحديث رقم ١.

(۳) قطعة من حديث طويل رواه ابن سعد في الطبقات ٤٢٢/٧ والبيهقي في الشعب ۱۷۰/۲ وعزاه المنذري في الترغيب والترهيب لابن أبي الدنيا وضعفه وأوله ألا رُبّ نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة.

(٤) رواه أبو داود في الأدب والترمذي في الزهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . وروي بإظهار اللامين

للقياس .

خلافاً

(٥) رواه البخاري في فضائل أصحاب النبي ، ومسلم في فضائل الصحابة من حديث أبي سعيد الخدري رضي ال

عنه وكثيرين آخرين . (٦) كذا بإظهار اللامين أيضاً.

وإيقاع الوتر قبل النوم . فأما الركوع للضحي فهو أقل ما يمكن إيقاعه، فاقتصر له على أقل ما يفعل ذلك. وأما صيام ثلاثة أيام فهو أيضاً أقل ما يمكن لقوله عليه السلام الحسنة بعشر أمثالها) (۱) والشهر ثلاثون يوماً، فيحتاج المرء أن يصوم فيه ثلاثة أيام لكل عشرة أيام يوم، فيكون ذلك له بصيام الدهر وأما إيقاع الوتر قبل النوم فإنما أوصاه بذلك ليحضه على المبادرة إلى الأعمال خشية الموت، لأنه إن نام قبل أن يوتر فقد يموت من ليلته، وهو لم يُوقع الوتر ، حتى يحصل له ثوابه .

فإن قال قائل : إنما أمره بذلك خشية أن يضرب به النوم حتى يطلع الفجر عليه فيكون ذلك سبباً إلى إيقاع الوتر نهاراً، وإيقاعه بالليل أفضل قيل له : ليس الأمر كذلك، بدليل قوله عليه السلام، (رُفع القلم عن ثلاث) (۳) فذكر إحداهن النائم حتى يستيقظ، فليس عليه في نومه شيء، وإنما هو خشية أن يموت ولم يحصل له ثواب الوتر. ومما يشهد لهذا المعنى الذي تأولناه قوله عليه السلام، حين سأله السائل في الوصية فقال له (صل صلاة مُودّع ) (۳) فحضه على قصر الأمل . ومما يؤيد ذلك أيضاً ،قوله عليه السلام لمعاذ : كيف أصبحت؟ فقال معاذ : أصبحت مؤمناً حقاً. فقال عليه السلام لكل حق حقيقة . فما حقيقة إيمانك ؟ فقال : أصبحت لا أخطو وأظن أني أخطو أخرى، وكأني أنظر إلى القيامة قد قامت وكل أمة تُدعى إلى كتابها، وأهل الجنة في الجنة يتنعمون، وأهل النار في النار يُعذبون . فقال له عليه السلام: هنيئاً لك العلم ) ( ٤ ) .

ولأجل النظر إلى معنى هذه الأحاديث وما يقتضيه لم يبق لأهل الصوفة زمان لأنفسهم، وإنما تنقطع أعمارهم أبداً في أنواع التعبد لربهم، لأنهم يخافون الفوت والموت، فيبادرون إلى الأعمال ويظنون أن ذلك هو آخر عملهم ، نظراً منهم إلى معنى هذه الأحاديث . ولأجل هذا إذا سمع غيرهم عن شيء من أنواع تعبدهم تعجب من ذلك كلَّ التعجب، وظن أن البشر لا يقدر على شيء

(۱) قطعة من حديث رواه البخاري في الصوم ومسلم في الصيام، أوله كل عمل ابن ادم له إلا الصوم فإنه لي . (۲) رواه النسائي في باب من لا يقع طلاقه من الأزواج ولفظه رفع القلم عن ثلاث : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق).

(۳) سبق تخريجه قبل عدة صفحات . (٤) رواه أبو نعيم في الحلية ٢٤٢/١ عن أنس بن مالك رضي الله عنه . والرواية المشهورة (عرفتَ فالزم) والحديث مروي بالمعنى ولفظه : أن معاذ بن جبل دخل على رسول الله الا الله فقال : كيف أصبحت يا معاذ؟ قال : أصبحت مؤمناً بالله تعالى : قال : إن لكل قول مصداقاً ولكل حق حقيقة، فما مصداق ما تقول؟ قال: يا نبي الله ، ما أصبحت صباحاً قط إلا ظننت أني لا أمسي وما أمسيت مساءً إلا ظننت أني لا أصبح ولا خطوت خطوة إلا ظننت أني لا أتبعها أخرى، وكأني أنظر إلى كل أمة جاثية تدعى إلى كتابها معها نبيها وأوثانها التي كانت تعبد من دون الله ، وكأني أنظر إلى عقوبة أهل النار وثواب أهل الجنة . قال : عرفت فالزم .

من ذلك . ولو نظر المسكين إلى هذا المعنى الذي نظروا إليه ووقفوا عليه، لكان لديه من الأعمال مثل ما لديهم، لأن هذا معلوم وهو أنه من خرج منه نَفَس وهو يظن أنه آخر أنفاسه، فلا شك أنه لا يقع له غفلة مع ذلك مادام عليه هذا الحال .

وإنما وقعت الحيرة ووقع التدبير والاشتغال عما أخذوا هم بسبيله لأجل إطالة الأمل والنظر إلى المستقبل. فإذا كان المرء ينظر إلى هذا المعنى - لو كان في القوة والتمكين ما عسى أن يكون - فلا بد وأن (1) يشتغل عن ربه بتدبيره ،أمره، لأن إطالة الأمل يتطلب ذلك قطعاً ،وهم رضي الله عنهم، بضد ذلك المعنى، مهما لبس أحدهم ثوباً ظن أنه آخر لباسه وبه يدخل إلى قبره ومهما أكل أكلةً ظنّ أنها هي آخر ما قُسِم له في دار الدنيا. ومن كان بهذا الحال فلا شك أنه لو كان أضعف الخلق لم تدخله غفلة ولا فترة أبداً .

ولأجل هذا يقولون في أمثالهم : الوقت سيف. ومعناه : أنك لا تنظر إلا في وقتك وما يلزمك فيه، فتقوم بما عليك فيه فتقطع الوقت بالعمل لئلا يهجم عليك الموت قبل ذلك، أو لئلا يقطعك الوقت بالتسويف إن سَلِمتَ من الموت لأن الوقت لا يُخلف، لأنه إذا مضى يوم من عمر ابن ادم فليس له خَلَف، ولا يقدر على ردّه، فإن مضى عنه وقد فَعَل فيه الخير فقد فاز به، وإن مضى عنه وهو عَرِيّ عن ذلك فقد خسره، ولا يقدر على خَلفِه . والأحمق المسكين هو الذي يقطع الأوقات ب لعل وسوف ، وهو يظن أنه في فلاح ، وهو في خسران . أليس ذاك اليوم الذي يريد أن يُخلِف فيه ما فَرَط لو اجتمع مع هذا اليوم الآخر لكان أزكى وأنجح؟

وقد أوحى الله، عزّ وجلّ، إلى داود عليه السلام في الزبور : يا داود لا يَشْغَلْك لعلّ وسوف، وإلى، عن العمل. وقد قال عليّ ، رضي الله عنه ، وهو آخر ماتكلم به : يا هذا لا تُدخِل هَمَّ عدك على يومك، فإنك بين أحد أمرين: إما أن تدركه وإما ألا (۲) فإن أدركته فالله يأتيك فيه برزق جديد، وإن لم تدركه فلا فائدة في أن تكابدَ هَمَّ يوم لا تدرِكُه . والنصوص من الشارع عليه السلام، ومن أقوال السلف وأفعالهم كثيرة في هذا المعنى. فمن أراد الفلاح والسبق فليتأمل فيما أشرنا إليه ، وليعمل عليه ، ثم يتكل بعد ذلك في نمائه وتمامه على ربّه ، ويضرع إليه ، يَصِلُ عند ذلك إن شاء الله - إلى المرغوب .

وفيه بحث وهو : أنه يجوز الافتخار بصحبة ،المباركين إلا أنه بشرط التشبه بهم، ولو في

(1) كذا، بزيادة الواو .

(۲) أي : ألا تدركه .

وجه ما، ويكون الافتخار بنية الشكر لقوله عليه السلام (ذكرُ النَّعَمِ شُكر ) (۱) لا على وجه المباهاة والرفعة . يؤخذ ذلك من قول أبي هريرة (خليلي) . ويؤخذ منه جواز أن يثبت الشخص بينه وبين أهل الفضل حبلا ،ما وينتسب إليهم ،به ، وإن لم يذكروا هم ذلك، ولم يسموه به . يؤخذ ذلك من قوله (خليلي) والنبي صلى الله عليه وسلم قد نفى عن نفسه المكرمة اتخاذ الخُلّة من البشر. وقد قيل : إن التشبه بالكرام فلاح .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .

(1) سبق تخريجه في الحديث (۸۲) .

حديث الأمر بترك ما لم يُسَمَّ عليه من الصيد

عَن عَدي (1) بن حاتم رضيَ الله عَنهُ قالَ : سألت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قُلتُ : يا رسول الله ، أُرسِلُ كَلبي وَأُسمِّي ، فأجدُ مَعهُ عَلى الصَّيد كَلباً آخرَ لَم أُسَمٌ عَليهِ، ولا أدرِي أَيُّهُما أَخَذَ؟ قالَ : لاَ تَأْكُلْ . فإنَّما سَمِّيت عَلى كَلبِكَ وَلَم تُسمِّ عَلى الآخر

ظاهر الحديث يفيد بأن التسمية على الصيد واجبة، وإن تركت فلا سبيل إلى أكل الصيد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله السائل لا يدري أي الكلاب أخذه هل المسمَّى عليه، أو غيره هو الذي أخذه، ثم أمره بالترك، فمع وجود الشك، فمن باب أولى أن يترك المقطوع به، وهو الذي تُركت التسمية

عليه عمداً .

وفي هذا دليل على أن الأدلة إذا تعارضت بالجواز والمنع أن يعمل على ما هو الأشدّ، وما يبرىء الذمة، لأن النبي الله وأمره أن يترك الصيد مع أنه شك هل المسمَّى عليه أخذه أو غيرُه؟ فأفتاه بما يبرىء الذمة بيقين .

وفيه دليل لمذهب مالك رحمه الله لقوله بسد الذرائع، لأنه عليه السلام أمره بترك أكل الصيد سداً للذريعة ، لئلا يكون الكلب غير المسمّى عليه أخذه .

وفيه دليل على جواز الاصطياد. وهو على خمسة أقسام، وقد ذكره أهل الفقه

وفيه دليل على جواز أكل الصيد وإن قتله الكلب لأن السائل سأله : هل يأكله أم لا؟ ولا يسأله في ذلك عما إذا كان الكلب هو الذي قتل الصيد . وأما لو أدركه قبل القتل فلم يكن له في ذلك

(1) عدي بن حاتم أبو طريف أمير ، صحابي من الأجواد العقلاء. كان رئيس طيىء في الجاهلية والإسلام. وقام في حرب الردة بأعمال كبيرة حتى قال ابن الأثير : خير مولود في أرض طيىء وأعظمه بركة عليهم. وكان إسلامه سنة (۹) للهجرة. وشهد فتح العراق، ثم سكن الكوفة، وشهد الجمل وصفين والنهروان مع عليّ بن أبي طالب وفقئت عينه يوم صفين. ومات بالكوفة سنة ٦٨هـ / ٦٨٧م . روى عنه المحدثون (٦٦) حديثاً . عاش أكثر من مائة سنة . وهو ابن حاتم الطائي الذي يضرب به المثل بالجود .

رضي

الله عنه .

على ما يسأل، لأنه أدرك ذكاته بيده. فلما أن علم هذا من قرينة الحال وأجاز له النبي صلى الله عليه وسلم أكل ما أخذ المسمَّى عليه ، علم أنه أجاز أكل ما قتله الكلب. وبهذا استدل مالك، الكلب، ولا انفكاك للخصم عنه، لأنه إذا أخذ الصيد لا بدَّ وأن (۱) يؤثر فيه، لأنه هو الذي يُنفِذ رحمه الله ، على طهارة مقاتله، وقد يأكل منه ، فكيف يُكرَه لعابه؟ وإنما الأمر بغسل الإناء من ولوغه سبعاً تعبداً لا غير (۳) وقد اختلف العلماء في تارك التسمية متعمداً ، هل تؤكل الذبيحة أو لا تؤكل؟ وكذلك الصيد، وقد ذكر ذلك في كتب الفقه وقيل : إن ذلك من أجل أن يكون الكلب كَلِباً فهو من باب التداوي . وفيه دليل على العمل بسد الذريعة ، وقيل : تشدداً، من أجل ألا يتخذوا الكلاب والخلاف

في الطعام والماء واللبن ، هل الحكم سواء أم لا؟ الخلاف مذكور في كتب الفروع . وفيه دليل على أنه لا يجوز الصيد بالجارح إلا مع إرسال صاحبه له على الصيد وتعين الصيد . يؤخذ ذلك من قوله أرسل كلبي .

وفيه دليل على جواز أكل الصيد وإن غاب عن العين إذا وجد مع الجارح . يؤخذ ذلك من قوله (فأجد معه). فلفظة (أجِد ) لا يُعبَّر بها إلا عن شيءٍ قد عُدِمت رؤيته، ثم وجدت، وإلا كان يقول (فأراه قد شاركه غيره) .

وهنا بحث، وهو : كون النبي ، نهاه، لكونه وجد مع جارحه غيره ولم يُسمّ عليه، أن يأكل لاحتمال أن يكون أعان على قتله، هل نقصر هذا النهي على الجارح، أو نعديه إذا وجد مع صيده حالة يمكن إن كانت عوناً على قتله مثل أن يتردى من جبل، أو يكون في ماء، أو يجد دواب الأرض قد انتشرت عليه؟ فقد عَدَّى الفقهاء الحكم في ذلك فقالوا : إنه كل ما كان عوناً على قتل الصيد من هذه الأنواع فلا يؤكل الصيد واختلف بعضهم إذا كان الجارح قد أنفذ مقاتله هل يكون ذلك سبباً يمنع من أكله ؟ على قولين وبالتفرقة أن يبيت عنه، أو لا يبيت فمنع بعضهم مع وجود المبيت وفيه دليل على جواز طلب الصائد الصيد واتباعه بعد إرسال الجارح . يؤخذ ذلك من قوله (فأجد) فإنه يتضمن الطلب . ويؤخذ منه إن كان الآخر قد سَمَّى عليه غيره وأرسله مثل ما فعل هو أنه يؤكل الصيد . ولمن يكون الصيد . الكلام عليه في كتب الفروع ، وإنما المقصود هنا تبيين ما يَحِل منه ويَحرُم . وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .

(1) كذا بزيادة الواو .

(۲) الحِلّ للعابه ضرورة لا انفكاك عنها في الصيد بالكلاب، بخلاف ولوغها في المياه بالأواني ـ والله أعلم .

حديث النهي : ن الصرف إلا يداً بيد

عَنِ البَراء بن عازب (۱) وَزَيد بن أرقم (۳) ، رضي الله عنهما ، سَأَلا رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الصَّرْف . فَقالَ : إن كانَ يداً بيد فَلا بأسَ ، وَإن كانَ نَسيئة (٣) فَلا يَصلُح .

ظاهر الحديث يدل على جواز الصرف إذا كان يداً بيد، ومنعه إذا كان فيه نسيئة، وإن قلت وقد قال عمر رضي الله عنه : وإن أَنظَرَك إلى أن يلج بيته فلا تفعل .

وهو على ثلاثة أقسام: جائز وهو ما نص عليه من أن يكون يدا بيد وحرام وهو ما نهى عنه عمر ، رضي الله عنه، بأن يكون فيه شيء من التأخير، ولو بقدر أن يلج بيته، حتى قد نص العلماء أنه لا يجوز للصَّيْرَفِيّ أن يتحدث في الصرف إلا وصندوقه مفتوح أو كيسه قدامه كذلك مفتوح ومكروه وهو التواعد في الصرف بلا تناجز مثاله : أن يقول كل واحد منهما لصاحبه : أنا أصارفك، ويعزمان جميعاً على ذلك، ولا يسميان مبلغ الصرف ولا صفته .

ولا يخلو الصرف من أن يكون من جنس واحد وهو إما ذهب بذهب، فيشرط فيه شرطان وهما التناجز والمماثلة وليس في واحد من هذين الشرطين مسامحة من أحد المصارفين وكفى في ذلك ما بينه عمر رضي الله عنه بفعله مع رافع بن خديج

حين

(1) البراء بن عازب الخزرجي أبو عمارة ،قائد صحابي من أصحاب الفتوح أسلم صغيرا وغزا مع النبي صلى الله عليه وسلم خمس عشرة غزوة، أولها غزوة الخندق. ولما ولي عثمان رضي الله عنه جعله أميرا على الري (بفارس) سنة ٢٤ هـ فغزا أبهر ( غربي قزوين وفتحها، ثم قزوين فملكها وانتقل إلى زنجان فافتتحها عنوة. وعاش إلى أيام مصعب بن الزبير، فسكن الكوفة واعتزل الأعمال وتوفي في زمنه روى له البخاري ومسلم ٣٠٥ أحاديث . توفي سنة ٧١ هـ / ٦٩٠ م (انظر الحديث (٦٦) . (۲) زيد بن أرقم الخزرجي الأنصاري : صحابي غزا مع النبي الله سبع عشرة غزوة، وشهد صفين مع علي رضي الله عنه ومات بالكوفة له في كتب الحديث (۷۰) حديثاً . توفي سنة ٦٨هـ/٦۸۷م . (۳) النسيئة : يقال : باعه بِنَسيئة : أي بتأخير . والنَّسِيئَة : الدين المؤخّر . (٤) رافع بن خديج أنصاري صحابي كان عريف قومه بالمدينة، وشهد أحداً والخندق . توفي في المدينة متأثراً =

راطل (۱) منه خلخالاً من ذهب، فرجح خلخال رافع، فقال لعمر : أنت في حل من رجحان الميزان .

فقال له عمر : إن كنت أحللته لي فإن الله لم يُحِله . ووفاه ميزانه .

ومثل ذلك الحكم إن كان وَرِقاً بوَرِق ، لقوله صلى الله عليه وسلم : الذهب بالذهب والفضة بالفضة رباً إلا يداً بيد مثلاً بمثل فإذا اختلفت أصنافها فبيعوا كيف شئتم (۲) . فإن كانت المصارفة ذهباً بوَرِق فلا بد من المناجزة (۳) ، وهما في التفاضل بحسب اختيارهما. وإن وقع فيه خلاف ما شرع فلا بد من الفسخ، لقوله للسَّعدين حين باعا انية من فضة من المغنم مثلاً بمثلين: (أربيتما فَرُدَّا ) (٤) وأما ما كان من بيع وصرف فاختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال بالمنع وبالجواز، وبالتفرقة . فإن كان أحدهما في حكم المنع ولم يكن مقصوداً جاز، وإلا فلا. وأما ما سوى ذلك من جزئياته، فهو مذكور في كتب الفروع . والتشدّد في هذا الباب كبير . فلا ينبغي فيه المسامحة ولا الجهل، لأن باب الربا من أعظم أبواب الكبائر، لأنه لم يتوعد الله عزّ وجلّ على كبيرة من الكبائر بالحرب منه عزّ وجلّ، إلا على الربا، حيث قال تعالى ( فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأَذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ (٥) فقد يكون للشخص

مال حلال، فيصرفه فيعود رباً حراماً .

وفيه دليل على جواز الجواب بإشارة يفهم منها المقصود. يؤخذ ذلك من قوله لما سئل عن الجواز في الصرف فقال : ( إن كان يداً بيد فلا بأس لأن هذا إشارة إلى الجواز، لأن لفظ الجواز أن يقول : ذلك جائز. فلما علم أن السائل يفهم عنه أشار له بما يفهم . وهو قوله عليه السلام، وإن كان نسيئة فلا يصلح معناه لا يصلح جوازه شرعاً فجاء ،جوابه، عليه السلام، في الوجهين بالإشارة إلى المعنى . ولذلك قال الإمام مالك رحمه الله : استعبدنا بالمعاني لا بالألفاظ . وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

بجراحه سنة ٧٤هـ / ٦٩٣م له (۷۸) حديثاً .

(۱) راطله باعه مراطلة :أي: بالرطل.

(۲) رواه البخاري في البيوع ، ومسلم رقم ١٥٨٦ في المساقاة من حديث أبي سعيد. ولفظه : الذهب بالذهب، والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والملح بالملح مثلا ،بمثل يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد

أربى، والاخذ والمعطي فيه سواء. (۳) المناجزة : بيع الحاضر بالحاضر، يداً بيد ، وعاجلاً بعاجل. وللكلمة معانٍ أخرى . (٤) رواه مالك في الموطأ في البيوع مرسلاً ، ورواه يعقوب بن شيبة وسعد بن عبد الله بن عبد الحكم موصلاً . قال ابن عبد البر في التمهيد كما في تنوير الحوالك للسيوطي ٢ / ١٣٤ : إسناده صحيح حسن متصل .

(٥) سورة البقرة ، من الآية ۲۷۹ .

ديث الحث على العمل وفضل عمل اليد

عَنِ

المِقداد (۱) رضي

الله عَنهُ عَنِ النَّبِي : ما أكَلَ أحَدٌ طَعاماً قَطُّ خَيْراً مِن أَن يَأْكُلَ

من عمَل يَدِهِ ، وإِنَّ نَبِيَّ الله ،داودَ عَليهِ السَّلامُ، كانَ يَأكُلُ مِن عَمَلِ يَدِهِ.

ظاهر الحديث يدل على أن خير طعام يأكله المرء ما كان من كسب يده، ويدل بضمنه على التحضيض على التكسب وله ،شروط والكلام عليه من وجوه منها ما معنى هذه الخيرية؟ وهل قوله (أحد) عموماً في كل بني آدم؟ أو أنَّ هذا في المؤمنين؟ ولِمَ ضرب المثل بداود عليه السلام من بين الأنبياء عليهم السلام ، وقد كان كثير من الأنبياء عليهم السلام، يعملون بأيديهم؟ فاحتمل أن تكون الخيرية في التكسب، من أجل الغنى عن الناس والتعزز بالكسب على الغير، لأنَّ من احتجْتَ إليه كان أميرك، ومن احتاج إليك كنت أميره. فإن كان المقصود بالخيرية هذا فيدخل فيه المؤمن والكافر، ويكون ما أشرنا إليه من أنه يقتضي الحض على التكسب صحيحاً لكن بشروط وهي أن يكون السبب مما أجازته الشريعة وأن يكون عمله فيه على الوجه المشروع، لأن من الأسباب ما يكون جائزاً على لسان العلم في أصله، وعند محاولته تُخالَفُ فيه المشروعية. فهذا ممنوع.

و احتمل أن تكون الخيرية فيه من أجل ما جاء في عمل السبب من الثواب، لأنه قد جاء (من بات تعبان من طلب الحلال بات مغفوراً له ، وأصبح والله راض عنه (۲) ولكونه فيه خيرٌ متعدّ ، فإن )

(1) المقداد بن عمرو، ويعرف بابن الأسود. صحابي من الأبطال، هو أحد السبعة الذين كانوا أول من أظهر الإسلام، وهو أول من قاتل على فرس في سبيل الله . شهد بدراً وغيرها وسكن المدينة وبها دفن سنا (۲) رواه السيوطي في الجامع الكبير بلفظ : من بات كالاً من طلب الحلال بات مغفوراً له عن أنس رضي الله عنه ، وذكر أن في سنده متهمين .

٣٣هـ / ٦٥٣م وله (٤٨) حديثاً .

كانت هذه الخيرية هي المراد فيكون معنى قوله (أحد) خاصاً بالمؤمنين، ويكون التخصيص بهذا المعنى على التصرف في المكاسب بلسان العلم .

واحتمل أن تكون الخيرية) هنا معنى لكونه من الكون بوساطة العمل باليد، ويكون هذا خاصاً بالصنعة التي تكون باليد دون غيرها من التكسبات، ولهذه الفائدة مثل، عليه السلام بداود عليه السلام دون ما عداه من الأنبياء عليهم السلام. وقد جاء أن الصنعة كنز من كنوز الله عزّ وجلّ، ينفق منه صاحبه ) فيكون معنى الحديث على هذا التحضيض على تعلم الصنعة، وأنها من السنة ولا عارَ فيها، لأن ما فعله نبي من الأنبياء لا عارَ فيه .

وقد تكون (الخيرية) هنا لكونها ليس فيها حق مترتب الله، لأن ما فيه حق الله فقد يوفى جميعه أو يعجز عن بعضه بقصد أو بغير قصد. مثاله : إسلام الكافر وتوبة العاصي . فإسلام الكافر عندهم إن مات صاحبه في وقته دخل الجنة إذا كانت نيته خالصة بلا خلاف بين أحد من العلماء في ذلك . والعاصي إذا مات حين توبته - وإن كانت نيته صادقة - موقوف في المشيئة من أجل أن التوبة لها شروط، منها) رد المظالم. وهذا ما يعرف هل عليه مظلمة أم ليس ؟ فلا يحكم له بالقطع ويرجى له فضل الله . وكذلك ما كان من التكسب خلاف الصنعة باليد وقد ترتبت فيه زكاة وغير هذا من الحقوق. ويحتمل أن تكون وُفِّيت أوْ لَمْ. والذي هو بصنعة اليد، إذا كان على لسان العلم فليس فيه حق مترتب مقطوع به فما هو مقطوع به فهو خير مما هو محتمل .

واحتمل أن (البركة) تكون هنا بمعنى (الخير)، بأن يكون ما أكل أحد من الطعام بالصنعة يكون أبرك من غيره وتكون البركة أيضاً محتملة في هذه الوجوه أن يُراد بركة حسية أو معنوية . فأما الحسية فمثل أن يكون القليل منه يَسُدّ مَسَدَّ الكثير من غيره في التناول. واحتمل البركة المعنوية وهي التي توجد من القوة والنشاط بهذا الطعام أكثر مما يوجد بغيره، وقد كان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إذا جاء الأكل يقول : (بسم الله ، اللهم بارك لنا فيما رزقتنا ) (۲) .

فالبركة التي يطلبه و و و و لا اله الا في طعامه ما عدا تلك الأطعمة القليلة التي دعا فيها، وبارك، حتى كان الصاع يأكل منه النَّفَرُ الكثير ، وينصرفون وقد شبعوا ويبقى الطعام على حاله مثل ما فعل الله ، صاعاً عليه السلام مع جابر رضي الله عنه ، حين كانوا يحفرون الخندق فصنع جابر رضي من طعام، وذبح داجناً كان عنده في البيت، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسارِرُه (۳) لعله يأتي هو وبعض

(1) لم نقف على مصدره . (۲) رواه الطبراني في الدعاء من حديث عبد الله بن عمرو، وفي إسناده ضعف .

(۳) كذا، بإظهار الرّاءين.

أصحابه . فصاح النبي الله في الناس وقال يا أهل الخندق إن جابراً قد صنع سؤراً فحَيْهلا بكم. فقال رسول الله : لا تُنزِلُنَّ ، بزمتكم، ولا تَخبِزُنْ عَجِينكم حتى أجىء . فجئت وجاء رسول الله الله يقدم الناس . فلما جنت امرأتي قالت : بِكَ وبِكَ . فقلت لها ما كان فدخل رسول الله له فأخرجت له عجيناً، فبصق فيه وبارك، ثم عمد إلى بُرمَتِنا فبصق فيها وبارك . ثم قال : (أدعُ خابزة فلتخبِزُ معكم ، واقدَحي من بُرمَتِكم ولا تُنزِلوها . قال :جابر : فأكلوا عن آخرهم ، وإن برمتنا لَتَغُطُ كما هي وإن عجيننا ليُخبَرُ كما هو ) (۱) وغيره من المواطن التي تشبهه اجتمعت في هذه المواضع البركات

حسّاً ومعنى.

وأما الكلام على طلبه ،هو عليه السلام ذلك في طعام أهل بيته مع الدوام، فإنا لا نقول: إنه يطلب تكثير حطام الدنيا، وهو عليه السلام، قد خُيّر أن تكون له جبال تهامة ذهباً وفضة تمشي معه فأبى ذلك ، وقال : أجوع يوماً وأشبع يوماً . فكيف يطلب ذلك في الشيء اليسير منها دون احتياج إلى ذلك؟ وإنما كان طلبه ذلك المعنى الخاص الذي أشرنا إليه . لكن ذلك المعنى الخاص الدليل عليه المعنى الظاهرُ ، لأنه لا يُبارك معنى إلا في الذي بورك فيه حسّاً. هذا هو المقطوع به . يشهد لذلك فعل أبي بكر ، رضي الله عنه في الطعام الذي قدمه لأضيافه فأكلوا ورجع الطعام أكثر مما كان قبل فقال : هذا طعام .مبارك. فحمل منه إلى النبي . وإذا لم تكن البركة ظاهرة بقي الاحتمال في المعنوية هل توجد أم لا؟

واحتملت الخيرية ) هنا أن يريد بها اتباع السنة، فإن التسبب في الرزق هو من السنة، لأنه أثر . ، الحكمة ولذلك كان أبو بكر ، رضي الله عنه حين ولي الخلافة طلبوه فوجدوه في السوق يتسبب ، في التجارة. فقالوا له في ذلك. فقال أتروني أترك التسبّب لعيالي ؟ وعلى هذا إذا كان التسبب بأي وجه كان، إذا كان على لسان العلم من صنعة أو تجارة أو ما يشبههما كان مباركاً وبهذا شاء الله عمارة هذه الدار. وقد كان بعض مشايخي وكان ممن له الزهد والعلم، وكان يعمل في حائط له بيده بعدما كان ينصرف من التدريس وربما كان مع التدريس على مجاهدة ولا يدع العمل بالمسحاة، ويقول : غرَس غيرُنا وأكلنا نحن ونغرس نحن ويأكل غيرُنا ، لتظهر حكمة الله . فعند استواء غرسه توفي رحمه الله

ونرجع الآن إلى ما يعارضنا في تلك الوجوه المذكورة والانفصال عنها .

فأما الوجه الأول - وهو كونه يستغني بالتكسب عن الناس - فيعارضنا الكتاب والسنة فأما

(۱) رواه البخاري في المغازي وفي الجهاد ومسلم في الأشربة وهو موضوع الحديث رقم /١٩٦ في هذا

الكتاب .

الكتاب فقوله تعالى رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ وَإِبْناءِ الزَّكَوَةً يَخَافُونَ يَوْمًا تتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ لِيَجْزِهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ﴾ (۱) وأما السنّة . فحاله و حال أهل الصفة، وكان عليه السلام أقرهم على حالهم، وربما كان يؤثرهم في بعض المواد على غيرهم .

والانفصال عن المعارضة : أما عن الكتاب فيكون معنى قوله (لا تلهيهم أي : لا تشغلهم بما يكونون فيه من التكسب . يكونون في عمل السبب بالأبدان ، والقلوبُ متعلقةٌ بالذي وَصَفَهم به ، كما جاء أن سبب نزولها كان في خياط وحداد، فكان الخياط إذا سمع الأذان وهو قد أخرج الإبرة من الثوب لم يردها حتى يقوم ويؤدي ما عليه من الوجوب، وإن كان أدخلها في الثوب لم يخرجها حتى يقوم أيضاً لما عليه وكذلك الحداد لو كان رفع المطرقة لم يكن يعيدها إلى ضرب الحديدة، بل كان يرميها من يده، ولو كان قد ضربها لم يكن ليرفعها حتى يقوم لقضاء ما عليه من وظائف الآخرة . ويترتب على هذا من الفقه أن المطلوب من العبد شُغل خاطره بما هو إليه سائر وعليه ،قادم وإن كان في يده سبب أو غيره. وقد أخبرني بعض المباركين أنه كان بمدينة إفريقية حشاش (٢) يحش للحمامات، وكان من أكابر أولياء ،وقته وأنه كان يعمل ذلك الشغل بعدما يفرغ من صلاة الصبح إلى ضحوة من النهار، ثم يزيل تلك الثياب ويدخل الحمام يتطهر، ويلبس ثياباً أخرى ويأخذ ذلك الكسب الذي له يحبس منه الشيء اليسير ويمشي على الفقراء المتعبدين والمساكين يؤثرهم به، ويطوي يومه صائماً إلى الليل ويُفطِر على ذلك الشيء اليسير الذي حبس منه وله الأحوال . الرفيعة، وكان لا يعرفه إلا الأكابر من الرجال لكونه كان يُخفي حاله عن الناس .

وأما الانفصال عن حاله لا اله الا هو الحال أهل الصفة فالجواب عن ذلك أن حاله، عليه السلام، هو الأرفع، لأنه لم تكن نفسه تتشوف إلى الدنيا ولا حطامها وسنته عليه السلام الرفق من أجل ما في بعض الناس من الضعف بل الأكثر كما قال عليه السلام في حق المجذوم (فِرَّ من المجذوم كما تفر من الأسد) (۳) وأكل وهو صلى الله عليه وسلم مع المجذوم في إناء واحد وقال ((سْمِ الله ﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا ) (٤) فشرع عليه السلام الطريق السمح السهل لقوله عزّ وجلّ وَمَا جَعَلَ ﴾ ،

(۱) سورة النور ، الآية / ۳۷/ ومن الآية / ۳۸/ .

(۲) الحشاش قاطع الحشيش من الأرض. وهو غير المعنى المعاصر في الذي يتعاطى (الحشيش) وهو لون من

المخدرات المحرمة .. ومتعاطيه يقال له : حشاش.

(۳) رواه البخاري في الطب عن أبي هريرة رضي الله عنه .

سورة التوبة ، من الآية ٥١ .

عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج ) (۱) وأشار بحاله، عليه السلام، إلى الأخذ بالأعلى لمن قوي. فمثال المجذوم الذي ذكرناه مَن لَقِيه وله نفس ضعيفة اتَّبَع السنة وهرب منه ، وليس عليه في ذلك شيء . وإن كانت له قوة خالطه وأكل معه وكان متبعاً لحاله الا الله. ومن أجل ما أخذ أهل الصفة بالحال

الأعلى كان يؤثرهم . وأما الوجه الثاني : وهو أن يكون الخير بمعنى ما في التكسب من الثواب، فقد يعارضنا قوله عليه السلام (لو) توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطانا) (۲) ، والجمع بينهما أنَّ مَن كان له توكل حقيقي - وصفته ألا يكون خاطره متعلقاً بأحد من الخلق، وإن أجري له على يديه شيء من الخير - فما يكون خاطره متعلقاً إلا بالله لا بغيره وكلما جاء شيء، وهو لم تَشُف (۳) نفسه إليه ، فينظره على لسان العلم فإذا استقام نظره بلسان الحال، فإِذا حَسُنَ سأل الله أن يهديه إلى الأصلح، بأن يأخذ أو يترك .

فإذا وفق إلى الذي فيه الخيرية فإن كان الخير في أخْذِهِ أخَذَهُ على هذه الصفة، وأفتقر ثانية في أن يوفق إلى حسن التصرف، واستصحاب عدم التعلق في هذه الأشياء كلها ويكون ذلك بمعرفة ؛ أعني بالتصرف في ذلك بما يزيده إلى الله قرباً، وفي حاله حُسْناً . ثم يشاهد المنة الله في ذلك، ويتبع السنة في الدعاء لمن سخره الحق في ذلك اتباعاً للأمر بلا زيادة ، لقوله عليه السلام مَن والاكَ معروفاً فكافئه، فإن لم تجد فادعُ الله حتى تعلم أنك قد كافأته) (٤) وقد قال (حَد الدعاء إذا قلت لمن أحسن إليك : جزاك الله خيراً . فقد أطنبتَ في الثناء) (٥) .

وإن كان ممن يفتح له بخرق العادة فيتناول ذلك بالفقر إلى الله عزّ وجلّ والشكر، ولا يرى نفسه أنه أهل لذلك، ويلزم الأدب، ولا يبقى خاطره يتعلق بذلك الوجه، وإن كان ربانياً، فإنه شغل في خاطره . ويكون أيضاً عند تصرفه مفتقراً يطلب الإرشاد إلى ما يرضى ،مولاه، ويكتم حاله، ولا

(۱) سورة الحج من الآية ۷۸ وحديث أكل مع المجذوم في إناء واحد رواه أبو داود في الطب، والترمذي وابن ماجه والبيهقي في السنن الكبرى ۲۱۹/۷ وصححه ابن حبان . وللحديث عدة روايات. (۲) رواه الإمام أحمد في المسند والترمذي وصححه ورواه ابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم من حديث عمر رضي الله عنه ولفظه : لو أنكم كنتم تتوكلون على الله حق توكله .. إلخ ... (۳) شاف: يشوف شوفاً: أشرف ونظر. رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم وقال : صحيح على شرطهما، ولفظه من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه ، فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه.

(٥) لم نعثر عليه بهذا اللفظ ، وإنما ورد إذا) قال الرجل : جزاك الله خيراً، فقد أبلغ في الثناء) (انظر الترغيب والترهيب للمنذري - في الترغيب في شكر المعروف ٧٧/٢ ط دار الكتب العلمية .

يذكر من ذلك شيئاً لأحد إلا إن أمر بقدر ما يُؤمَر، ولا يَجْحَدُها لأنها من جملة المنن . ولكن إن لم يُسأل فلا يَتَعَرَّض لذكر، وإن سُئل لا (۱) يُخبر بالصريح إلا لمن أمر - كما ذكرنا - لأن هذه م أسرار القدرة. وأسرار القدرة من يُبدِها بغير أمر وضرورة ولا يملك في ذلك نفسه قلما تبقى له أو

تُجرى عليه .

٥٠ من

وقد ذكر لي من أثق به أن بعض المؤدبين كانت له عائلة، ولم يكن له في حرفته شيء يكفيه، وكان له أخ قد فتح عليه في الدنيا ولم يُسَخّر له ، وكان هو لم يبثَّ ما به من الحاجة لأخيه ولا لغيره، فأجرى الله له على خرق العادة إذا فتح المكتب قبل مجيء الصبيان أن يجد بين أقلامه في دواته قدر ما يكفيه في يومه ، فحَسُن حاله ، وبقي على ذلك زماناً. فلما رأى أخوه ما هو فيه من الخير ليس يناسب حرفته سأله : من أين يقوم حالك؟ فأخبره بالذي كان يجده في كل يوم. فلما كان اليوم الذي بعد ما بقي يلقى من ذلك شيئاً أكثر .

وإن كان ممن توكله ضعيف فالخير له في عمل السبب والحكمة في ذلك أن الذي هو قوي الإيمان في توكله هو في كل حال راض عن ربه ملتزم العبودية، ويترك الاعتراض وعدم التشوف إلى شيء من الأشياء، وأن الذي هو ضعيف الإيمان، وتوكله ،ضعيف، يبقى قلبه غير طيب ـ هذا إن سکت بلسانه - ونفسه تتشوف إلى الأشياء تتمنى، وقد يعترض في بعض الأشياء، وذلك عين العطب. فجعل له السبب رحمة به، فإن قلبه يبقى مفكراً في سببه راضياً عن مولاه، فإن نقصه شيء مما يريده يبقى مفكراً فيما يفعله كي يبلغ به ما يؤمل . ويُرجَى أيضاً من أجل ذلك أن تقع له الخيرية، فإنه قدم خوف مولاه على ما اختاره نفسه. فإن كان ذلك السبب لأن يستعين به على الطاعة فيكثر له إذ ذاك الخير، ويحصل له انكسار خاطر لضعف يقينه ولأن الموقنين قد سبقوه فيضاعف له الأجر . والحذر أن يخطر له هنا أنه هو خير من الذين قد صدقوا مع مولاهم، وصدقوه في ضمان ما وعدهم من الرزق، واشتغلوا بما به أمرهم من عبادته، فيكون في أرذل الأحوال، بدليل قوله تعالى فَلَا تُزَكُوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ﴾ (٢)

ويترتب على هذا من الفقه النظرُ لكل شخص بما هو الأصلح له، وهو الذي يسمونه (فقه الحال) وهو عظيم النفع في التصرف . ولما كان الأكثر كما قدمنا من الناس الضعف جاء الحكم على

الأغلب من حكم الناس . وأما الاعتراض على الوجه الثالث الذي الخيرية فيه لكونه يأخذ من الغيب بواسطة الصنعة،

(1) كذا بحذف فاء الجواب . (۲) سورة النجم ، الآية ٣٢ .

فيعارضنا قصة عيسى عليه السلام في المائدة التي هي بغير تسبب من الغيب، وما فعل سيدنا حين خرج ليلا، وجاء علي فقال : ما أخرجك؟ قال : الجوع ، إن الحسن والحسين يبكيان من الجوع. فقال : الذي أخرجك أخرجني . ثم أتاهم فلان من الصحابة يشكو ما كانوا هم يشكونه من الجوع إلى أن قال عليه السلام ،لعلي رضي الله عنه : اذهب إلى النخلة الفلانية ـ وكان في غير زمان التمر - وقل لها النبي يقول لك أن تطعميني رطباً. فمن حينها فعلت النخلة ما أمرت به. وجاء عليّ ، رضي الله عنه، بتمر ، فأكلوا جميعاً، وحمل كلّ لعياله ما كان لهم فيه كفاية وزيادة (1) . والجمع بينهما بذكر قصة موسى والخضر عليهما السلام لما اجتمعا ومشيا معاً، كما أخبر الله عزّ وجلّ عنهما ذكر أنهما لحقهما الجوع، فنزل إليهما جَدْيّ نصفُه مشوي ونصفه نَيْءٌ . فأراد موسى عليه السلام أن يأكل من المشوي، فقال له الخَضِر عليه السلام ليست هذه طريقتك، لأنك أتيتَ بالتسبّب، وطريقتي أنا التفويض . اذهب أنت فاجمع الحطب، وأوقد النار ، واشوِ وكُلْ . ففعل ،موسى عليه السلام، وأكل الخَضِر عليه السلام من المشوي .

و (الفقه) في ذلك أن الأفضلية هنا ليست على عمومها، وتكون في المشروعية ليس إلا، من أجل أن صاحب هذه الحال الرفيعة قد يظن أنه وفّى شروطها، وهو لم يُوَفِّ، فلا يؤتى بشيء، فيتهم مولاه . وهذا وجه كبير من الخطر، أو يحصل له (۲) فيلحقه بذلك اغترار، وهو أيضاً باب عظيم من الخطر. فتكون الصنعة أفضل لكون طريقها أسلم كما ،قال عليه السلام، بشأن الصلاة ( إن أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ) (۳) من أجل أنها أسلم من الرياء والشوائب، فإن السلامة هي أفضل، وإن كبرت فائدة الطريقة الأخرى، لأنها فائدة معها متلفات قلّ من ينجو معها، وقد قال بعض السادة : لا أعدل بالسلامة شيئاً . وللمقامات العَلِيّة رجال لها خلقوا وعليها عملوا . وأما الوجه الرابع : فهو من أجل ما تعيّن في غير الصنعة من الحقوق وهو محتمل : هل خلصت أم لا ؟ فقد يعارضنا أن تجده معلوماً مقطوعاً به، كما ذكر عن بعض التجار ، لما ركب البحر وانكسر المركب خرج في جملة من خرج. فقال بعض أصحابه تعالَ بنا نمش إلى العمارة القريبة منا . فقال له : لا أزول حتى يخرج مالي. فاستخف عقله، ثم إنه قعد معه يسيراً فإذا بالأمواج قد رمت عِدلاً، نظروه فإذا اسمه عليه مكتوب . فما زال كذلك حتى لم يتبق له في البحر شيء . صاحبه : ما هو حالك مع الله حتى خصك بهذه الكرامة على كل من كان في المركب ؟ قال له كل ما أمرني فعلت فكيف يأخذ مني ما قد وهبني، وهو وفقني إلى امتثال ما قد أمرني به؟ هذا لا يكون .

فسأله

(1) لم نقف على مصدره (٢) أي: ما يريد.

(۳) سلف تخريجه في الحديث رقم / ۸۰/ .

والانفصال عنه أن ذلك نادر فجاء الحكم على الغالب، كما قد تجد في بعض الصناع من

يغش في صنعته فتكون أرذل المكاسب، والغالب في الصنعة غير ذلك، والغش فيها إن وقع لا يخفى مثلما تخفى حقوق الأموال، لأنه ليس في الأموال حق إلا الزكاة. وفيه حقوق غير ذلك مثل ما يتعلق من وجوب النصيحة في البيوع وترك الغش والخلابة وأشياء عديدة مذكورة في كتب الفروع ، وقل من المتسببين من يعرفها فكيف يفعلها ؟ فلذلك تكون الصنعة خيراً، لأنها ليس فيها غير شيء واحد، وقد لا يخفى وهو ألا يوفي فيها ما يحتاج إليه بوضع الصنعة، وهو إن وقع من فاعلها شيء من ذلك هو عيب ظاهر لمن شاء أن يردّ به رَدّ فلقلة الخطر فيها وقلة الحقوق كانت خيراً من غيرها من التكسبات .

ولذلك كان بعض من لقيت من أهل العلم والدين يبيع الزيت، فلما سألته قال لي : ما رجعت إلى بيع الزيت إلا لأني أمنت فيه خِدَع النفس. وذلك أنه إذا كانت انية كبيرة مثل خابية، وتكون طيبة، ويوضع فيها الشيء اليسير من الدون رجعت كلها ،دوناً بخلاف غيره فإنه يقبل التدليس. فلما أمنت من أنها لا تقبل هذا لكونه يحصل لها به خسارة في المال اثرت هذه الحرفة على غيرها، لأن أهل التوفيق لا يأمنون غوائل النفوس، وإن كانت نفوسهم مباركة لقول الله تعالى وَمَا أُبَرِى نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَارَةُ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ) (١)

وأما الوجه الخامس : وهو أن الطعام الذي يكون بالصنعة قد خصه الله عزّ وجلّ ببركة ليست في غيره فإن كان هذا تعبداً لا يفهم له معنى فلا ،بحث وإن كان ذلك من أجل ما فيه من

إظهار الحكمة الربانية فالكلام عليه كالكلام على ما تقدم ،قبل والانفصال عنه مثل ذلك سواء. وأما الوجه السادس : وهو أن يكون هذا من السنة ،واتباعها لأن السنة جاءت بالتسبب من أجل أن يظن الظان أنه لا يمكن التسبب مع العبادة فيكون تحضيضاً لنفي ما يقع من ذلك من التخيلات وأن التعبد ليس بترك التسبب . فلو كان التعبد بترك التسبب ما عمل السبب نبي من الأنبياء، فإن الأنبياء عليهم السلام، بالإجماع إنهم أعبد الناس. فنفى عليه السلام هذه العلة

بذکر ،داود عليه السلام ويترتب عليه من الفقه أن للعالم أن يبين ما يقوله من الأحكام بالأدلة الشرعية ،البينة، وإن كان لا يُشك في عمله ،ومعرفته لأنه أجلى للنفوس وأثبت للأحكام يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام، بعدما ذكر الخيرية في الطعام احتج بداود عليه السلام

(1) سورة يوسف من الآية ٥٣ .

وفيه دليل على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ ويكون هذا الحديث حجة على المتسببين ألا يتركوا - من أجل تسببهم - التعبد، ويحتجوا بذلك كما يقوله كثير من الناس: إن التسبب مانع من التعبد، وقد قال تعالى ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ) وذلك حجة على أهل العيال من أجل أن يقولوا : إن العيال والتكسب عليهم يمنعنا من التعبد والتورع في الكسب . حتى إنه قد كثر عند الناس أنك إذا جئت تَعِظ شخصاً وتحضه على التعبد يقول لك : لو بُليتَ أنتَ بما بُليتُ أنا من العيال ما قلت لي هذا ولا كنتَ كما أنتَ فانقطعت حجتهم بالآية المذكورة، إذ خيرُ الناس وأكثرهم تعبداً كانوا بالأولاد والعيال، فلا حجة للغير . فعلى هذا البحث فلا تعارض غير أنه لا يكون هذا على عمومه في كل أحد، بل يكون ذلك على قدر أحوال الناس، مثل النكاح سواء، لا يستن أحد بتركه، ولا يفعله إلا إذا قدر عليه، وكان في عمله إياه عوناً على طاعة مولاه، وأجمع لقلبه

وقد روي عن بعض الصحابة أنه قال : لا أحب أن يكون لي دكان على باب المسجد لا تفوتني فيه صلاة مع الجماعة، أربح في كل يوم ديناراً أتصدق به في سبيل الله ، لا أوثره على الفقر وذلك فقه حاليّ لأنه قد يمكن أن يكون ممن لا تحصل له جمعية في المخالطة، وكان يفوته ذلك الخير الخاص وإن كان يحصل له من الخير المتعدي مثل ما ذكر لأنه لا ينظر الخير العام إلا من بعد ما يحصل له الخاص، فإن الخاص هو الأصل، مثل إحياء النفس أنت أولاً تُخاطب بنفسك : قال الله عزّ وجلّ وَلَا نَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) (۲) ثم بعد ذلك بنفوس الغير لقوله تعالى وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ) (۳) ولم تؤمر أن تحيي الغيرَ وتُهلِكَ نفسك قاصداً لذلك إلا في الجهاد لا غير . وإن فعلت ذلك كنت مأثوماً .

ومثل ذلك النفقة : أنت مكلف بنفسك ، ثم ،بالابن، ثم بالزوجة، فإذا كان عندك رغيف واحد لم يلزمك نفقة أحد من الأهل فإن كان رغيفان لزمك النفقة على واحد من العيال وتقدم الذي نفقته ثابتة لا تزول باختيارك، الذي هو الولد ثم الزوجة، وعلى هذا الترتيب كيفما كَثُر العيال، الأهم فالأهم. فإن كان شخص لا يقدر على الصنعة ولا التسبب فطلبه ذلك مرجوح في حقه لأنا نقول مع القدرة عليه لا يُسْتَن بتركه ويجعله من العبادة، ولكن يأخذ الذي هو الأولى في حقه بنسبته في القرب إلى مولاه على الوجه المشروع. فكيف مع عدم القدرة عليه فيكون إذ ذاك ممنوعاً في حقه

(1) سورة الرعد من الآية ۳۸ (۲) سورة النساء من الآية ۲۹ . (۳) سورة المائدة، من الاية ٣٢ .

وقد رأيت الشيخ الجليل أبا العباس بن عجلان (۱) ، رحمه الله، وجاءه بعض الفقراء

المتعبدين، وكانت له عائلة وكان يشتغل بالسبب، وسببه ضعيف وهو في نفسه ضعيف وكثير العيال، وكثر التشويش من أجلهم. فقال له أبو العباس المذكور ، رحمه الله ـ وكان له السبق في الطريقين : العلم والحال :- : يَحرُم عليك عمل السبب، واشتغل بالعلم، وأنت وأهلك عيال على الله . ففعل ما أمره به فانتهت حاله أن يطحن في الشهر أردبَّيْنِ ،قمحاً، والقمح إذ ذاك ما يقرب من العشرة دنانير القفِيزُ، وزائد على ذلك ما يحتاج إليه من بقية النفقة والكسوة والسكنى وغير ذلك من ضرورات العيال، وهو مع د لا يسأل أحداً شيئاً إلا مقبلاً على العلم والتعبد لا غير إلا ما كان من تصرفه في ضروراته فإنه كان يتولى ذلك بنفسه. وهذا الوجه من الفقه لا يعرفه إلا من هو مثل

ذلك السيد .

وقد كتب بعض الفقراء فتوى فمشى بها على الفقهاء فلم يجاوبه عليها إلا فقيه واحد - وكان ممن قد نور الله بصيرته - وكانت الفتيا ما يقول الفقهاء في الفقير المتوجّه ، هل يجب عليه عمل السبب أم لا ؟ أفتونا يرحمكم الله . فالكل حادوا عن الجواب . فلما بلغت ذلك المبارك كتب عليها : إن كان توجهه دائماً لا فترة فيه فالتسبب عليه حرام وإن كانت له في بعض الأوقات فترة ما فالتكسب عليه واجب .

فتأمل إلى حسن هذا الجواب ما أبدَعَه وكيف يعضده سيّدنا محمد : ( إن الله تكفل برزق طالب العلم)؟ (۲) تفهم قول سيدنا محمد الله هذا ، فإن فيه سراً لا يعرفه إلا من تكون فتياه مثل السيد المتقدم ذكره، وذلك بأن الله عزّ وجلّ قد تكفل برزق جميع المخلوقات بمتضمن قوله تعالي وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا ) (۳) وقوله عزّ وجل ( لَا نَسْتَلْكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَقِبَةُ لِلتَّقْوَى ) (٤) وبقوله عزّ وجلّ ،لإبراهيم عليه السلام، حين قال: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا امنا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ (٥) قال هو، جلّ جلاله، مجاوباً

(1) أبو العباس بن عجلان القرطبي : هو أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر الأنصاري، المالكي، الفقيه المحدث، المدرّس الشاهد بالإسكندرية. ولد بقرطبة سنة ٥٧٨هـ / ١١٨٢م ، وسمع الكثير هنالك، ثم انتقل إلى المشرق، واشتهر ،وطار صيته، وأخذ الناس عنه، وانتفعوا بكتبه، وقدم ،مصر، وحدث بها. واختصر الصحيحين، وكان بارعاً في الفقه والعربية عارفاً بالحديث من تصانيفه : المفهم في شرح مسلم ، وقد اعتمد الإمام النووي عليه وأشاد به توفي بالإسكندرية سنة ٦٥٦هـ / ١٢٥٨م. نفح الطيب (٦١٥/٢

(۲) تقدم تخريجه في الحديث رقم (٦) : الوجه الرابع .

(۳) سورة هود، من الآية ٦ .

سورة طه من الاية ۱۳۲ . (٥) سورة البقرة من الآية ١٢٦ .

لإبراهيم عليه السلام وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ ) (۱) معناه : يا إبراهيم

أرزق من امنَ ومَن كفر ، ثم أسوق الكافر إلى النار .

فما هو الوجه الذي تضمنه زائداً لطالب العلم، وإن كان قد أشرنا إليه في غير هذا الحديث؟ لكن شرح الحال أحوج إلى إعادته ، وذلك أن الرزق الذي فرضه المولى جلّ جلاله لعبيده وقدَّره ،وضمنه منه ما هو بواسطة السبب ولا يبلغه صاحبه إلا سبب، ومنه ما هو بلا سبب ولا واسطة مثل المواريث والهبات على اختلاف أنواعها ونحن لا نعلم الذي هو بالسبب ولا الذي هو بغير سبب . فلما كان صاحب العلم الذي هو الله كما قال : إذا بتدع في الدين بدعةٌ كِيدَ الدِّينُ فعليكم بمعالِم الدين واطلبوا من الله الرزق . قالوا : وما معالِمُ الدِّينِ؟ قال : مجالس الحلال والحرام) (۲) أو كما قال عليه السلام فيكون معناه : لا يَشغَلْكم التكسبُ في الرزق عن طلب العلم، فيذهب الدين من أجل ما ابتدع فيه والجهل بذلك، فاشتغلوا بالعلم والله يعطيكم رزقكم .

فلما كان صاحب العلم الذي هو الله اشتغل (۳) بسبب الآخرة ، لأن أكبر أسباب الآخرة طلب العلم إذا كان الله ، وكان على وجهه . فلما اشتغل هو بذلك يسر الله الرزق بلا واسطة التسبب، ولا أحوَجَه إلى أحد من خَلقه . فيكون ذلك تأكيداً في تيسير رزق طالب العلم - إن كان طلبه للاخرة بهذا الوجه - لأن طالب العلم يستغرق جميع الأوقات وجميعَ الزمان فكفاه الله مؤنة طلب رزقه والتسبب فيه ولقلة التصديق بهذا النوع من الأحاديث تعب بعض طلبة العلم وخسروا أعمارهم فلا هم بدنيا، ولا هم بأخرى ،نسأله جلّ جلاله أن ييسرنا للفهم عنه، والعمل بذلك والسعادة

به لا رب سواه .

لأنه قد وفي اختصاصه ل داود عليه السلام من بين غيره من الأنبياء عليهم السلام شهر حاله في تكسبه، وكيف ألين له الحديد وكيف كان يعمل الدرع في اليوم الواحد ويبيعه بألف درهم، فينفقه على المساكين كله، ويأكل هو منه خبز الكشكار (٤) ويطعم المساكين خبز العلامة (٥) ، وهو الدرمك (٦) الطيب باللحم الطيب كما أشار في الحديث قبل يتسبب فينفع نفسه ويتصدق فيكون يتسبب لأجل هذه الصفة المباركة ولا يعمل من أجل أن يستدل بالحديث في التكسب ثم

(۱) سورة البقرة من الآية ١٢٦ .

(۲) لم نعثر على مصدره وانظر التعليق عليه في الحديث (۹۰).

(۳) أي : طالب العلم .

(٤) خبز الكشكار : الخبز العادي.

(٥) خبز العلامة : الخبز الجيد .

(٦) الدرمك : الخبز المعمول من الدقيق الأبيض.

يدخر، فهذا خلاف لما قصد منه . فكأنه عليه السلام، يشير إليه لأن يتصدق ويأكل ولا يدخر . ولذلك حين سأله أزواجه : أيهن أقرب لحاقاً به؟ فقال: أطولكن يدا) . فكن بعد وفاته، عليه السلام يقسن أيديهن أيهن أطول . فأول من ماتت زينب (۲) رضي الله عنها وعنهن جميعاً فإنها زينب(۲) كانت تعمل بيدها وتكثر الصدقة، حتى كانت تسمى (أم المساكين) (۳). فنظرن الطول بالنسبة إلى الجارحة وكانت ،إشارته عليه السلام إلى المعروف، لأن المعروف يسمى لغة يداً . وفائدة هذا الحديث أنه لا يصح كسب ولا تعبد إلا بمعرفة السنة، وإلا فصاحبه مخيَّر، فمن فيه أهلية فيكون من أهل العلم بها (4) ، والغير يكون وظيفته السؤال عنها وعن أهلها والاقتداء بهم، ويكونون أهلا لذلك حقاً، لا دعوى منهم، فإن بالدعوى هلك أكثر الناس وأهلكوا معهم جمعاً ثيراً ، كما أخبر الصادق عليه السلام دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها)، وقد يُظهرون التضلع بالعلوم، وتلك العلوم وبال عليهم وعلى من تبعهم، لأنهم جعلوا قاعدتهم طلب الحظ والمنزلة، وذلك أصل كل خسارة وحرمان أعاذنا الله من ذلك بمنه ووفقنا لاتباع السنة والسنن ،بمنه، وقد قال بعض المباركين : تحب دنيا وتحب أخرى حبيبان في القلب لا يجتمعان وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

رواه مسلم والنسائي عن السيدة عائشة رضي الله عنها بلفظ : أسر عكن لحاقاً بي .. إلخ .. هي زينب بنت جحش الأسدية، أم المؤمنين وإحدى شهيرات النساء في صدر الإسلام. كانت زوجة زيد بن حارثة، واسمها (بَرّة) وطلقها زيد فتزوج بها النبي الله و وسماها (زينب) وكانت من أجمل النساء، وبسببها نزلت آية الحجاب. وكانت أطول نساء النبي ا ل ي ا ، وأقربهن للحاقاً به إلى الرفيق الأعلى. وصلى عليها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكانت وفاتها سنة ٢٠ هـ / ٦٤١م . (۳) هي زينب بنت خزيمة بن الحارث الهلالية، كانت تدعى في الجاهلية (أم المساكين) وظل لقبها هذا في الإسلام وهي من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم (انظر الطبقات لابن سعد ١١٥/٨ . ويبدو أن الشيخ ابن أبي جمرة، رضي الله عنه، وهم، فجعل زينب بنت جحش الأسدية وزينب بنت خزيمة الهلالية واحدة .

(٤) أي: بالسنة.

-٩٤-

حديث البيعان بالخيار ما لم يتفرقا

عَن حَكِيمٍ بن حِزام (۱) رضي الله عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ : البَيْعَانِ بالخيارِ ما لَم يَتَفَرَّقا (أو) قالَ حتَّى يتفَرَّقا) . فإن صَدَقا وبَيَّنا بورِكَ لهُما في بَيعهما ، وَإِن كَتَما وَكَذَبا مُحِقَت

بَرَكَةُ بَيعهما .

ظاهر الحديث يدل على أن كل واحد من المُتبايعَيْنِ له الخيار ما لم يتفرقا وأن البركة مع الصدق، وأن مَحْقَ البركة مع الخيانة والكذب. والكلام عليه من وجوه .

ج

منها هل (الافتراق) المعني هنا بالأقوال أو بالأبدان؟ لأنه قد جاء المعنيان في الكتاب العزيز . أما الأبدان فقوله تعالى ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلَّا مِّن سَعَتِهِ ، (٢) . وأما بالأقوال فمثل قوله تعالى ( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَتْ ) (۳). فهذه بالأقوال ، وكذلك أيضاً قوله عليه السلام افترقت) بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) (٤).

واختلف العلماء في قوله عليه السلام: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فمنهم من قال :

بالأبدان، وهو الشافعي رحمه الله ومن تبعه ومنهم من قال بالأقوال وهو مالك رحمه الله

ومن تبعه، وهو الأظهر، والله أعلم لما جاء في حديث عبد الله بن عمر مع عثمان ابن عفان رضي

(۱) حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد ،صحابي قرشي، وهو ابن أخي السيدة خديجة أم المؤمنين. كان صديقاً للنبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة ،وبعدها، وكان من سادات قريش في الجاهلية والإسلام، عالماً بالنسب أسلم يوم الفتح له

في كتب الحديث (٤٠) حديثاً . توفي في المدينة المنورة سنة ٥٤هـ / ٦٧٤م . (انظر الحديث ٧٥ .

(۲) سورة النساء من الآية ۱۳۰ . (۳) سورة ال عمران من الآية ١٠٥ .

(٤) رواه الترمذي في الإيمان بلفظ آخر ، وللحديث روايات كثيرة بلغت حد التواتر .

الله عنهم، حين باع منه عبد الله مخرافا ) كان له بموضع كان لعثمان، وكان عبد الله حريصاً على تمام البيع، فقام من حينه - وهو ممن روى هذا الحديث في البيع ليس إلا بلا زيادة ـ فقال له عثمان : أردتُ تمام البيع، ليست السنة بافتراق الأبدان قد انتسخ ذلك . وكان تبايعهما بعد وفاة رسول الله فرجع عبد الله رضى الله عنه إلى مقالة عثمان رضي الـ

الله عنه

وقد قال مالك رحمه الله : إذا كان حديثان صحيحان، وثبت أن الخلفاء أو أحدهم عمل بالواحد وترك الآخر فذلك دليل على نسخه، فمن باب أولى إذا كان الحديث يحتمل معنيين، ونص بعضهم على سقوط الوجه الواحد منهما .

وهنا بحث في قوله عليه السلام) (البيعان) سماهما (بيعين) والواحد (مشتر) والآخر (بائع). فالجواب أن كل واحد منهما ينطلق عليه اسم بائع. و(مشتر)، لأنه (بائع) للشيء الذي يدفعه لصاحبه، و(مشتر) للشيء الذي يأخذه من صاحبه. فلما كان لا يخرج الشيء من يد صاحبه إلا باختياره سماهما عليه السلام (بيعين)، وصدق القول عليهما بذلك

ولأجل ما يلزم لكل واحد منهما من بيان ما في متاعه من العيوب بيَّن عليه السلام بعد ما لهما وما عليهما، بقوله عليه السلام، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما، وفيه بحث وهو : هل الصدق والبيان يعودان لمعنى واحد أو هما لمعنيين؟ وإن حصل من أحدهما الصدق والبيان هل تحصل بركة أو لا تحصل؟ أو تحصل للذي يصدق ويبيّن ويحرم الآخر؟

فأما قولنا : هل الصدق والبيان لمعنيين أو يعودان لمعنى واحد؟ احتمل أن يكون أحدهما مؤكداً للآخر، والمعنى واحد مثاله أن يصدق إن كان في سلعته عيب فيقول : هو كذا وكذا. فقد بين ما صدق فيه، لأنه قد يقول : سلعتي معيبة ، ويكون العيب خفياً، فينظر المشتري فلا يرى شيئاً ، فيزيد رغبة في السلعة، ويظن ذلك منه ديناً، فيقول ذلك احتياطاً، فيكون فيه نوع من الخلابة. فإذا بين ذلك صح صدقه، فيكون على ذلك (بيَّنَ) صفةً لصدقه .

واحتمل أن يكون كل واحد منهما قائماً بنفسه. فيكون معنى (صَدَق) في سَوم ،سلعته، ولم يزد فيها تحرزاً من الربا . ويكون (بين) معناه : بين ما فيها من العيوب . فكل واحد منهما قائم بذاته - وهو الأظهر، والله أعلم - لكثرة الفائدة. وهذا المعنى الآخر هو الذي يجيء على ما بيّنه أهل الفقه في الفروع، فمن تأمله هناك يجده على ما ذكرناه إن شاء الله . وأما قولنا: إن صدقا معاً وبيّنا معاً فالبركة موجودة معهما، وإن لم يفعلا معاً فإنهما لا

(۱) المخراف: البستان .

يجدانها. وأما إن فعل أحدهما ولم يفعل الآخر فالذي فعل يجد البركة ولا يجدها الآخر. وأما الحديث فليس فيه إشارة إلى شيء من ذلك ، وقواعد الشرع تقتضي ذلك، لأنه عزّ وجلّ يقول وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (۱) ، وقال عز وجل (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًا يَرَمُ ) (۲) ، وقال عزّ وجلّ : ( إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُم

فَلَهَا (۳) وفيه الأدلة كثيرة . وأما إن فعلا الشرط الواحد ولم يفعلا الآخر - مثال ذلك أن يصدقا ولا يبينا، أو ضده - فهل يحصل لهما شيء من البركة، أو لا تحصل البركة إلا بالوصفين؟ الظاهر أنه لا يحصل لهما من البركة

شيء إلا بالوصفين معاً ، لأنهما شرط في وجود البركة ولا يوجد المشروط حتى يتم الشرط. وقوله عليه السلام ( في بيعهما ) أي في نفس البيع الذي هو التعاقد، أو ما كان التعاقد عليه من المثمونين . احتمل الوجهين معاً ، لأنه إذا كان العقد مباركاً فلا يكون عنه في الوجهين إلا بركة، لأنه المقدمة، فإذا كانت المقدمة - وهي الأصل - طيبة فلا تكون النتيجة ولا ما يتولد من الأصل الطيب إلا طيبة . وقد يريد بذلك الشيء الذي تبايعا عليه .

وقوله عليه السلام وإن كتما وكذبا مُحقت بركة (بيعهما الكلام عليه كالكلام على صدق) وبينا هل يعود لمعنى واحد أو لمعنيين؟ احتمل. والأظهر أنهما لمعنيين - كما قلنا في المتقدم - والبحث على اجتماعهما على الكتمان والكذب أو تركه منهما بالأصالة، أو فعله الواحد ولم يفعله الآخر، أو فعلا الوجه الواحد ولم يفعلا الآخر، مثل ما تقدم سواء بسواء . والكلام على البيع الآخر مثل الكلام على البيع الأول كذلك

وتكلم على الطرفين ولم يتعرض إلى الحالة الوسطى وهي التي لم يكتم، ولا كذب ولا بين. فالحالة الوسطى آخراً لا تحتاج إلى بيان فإنه بتبيين الطرفين وتبيين حكمهما ، ظهر حكم المتوسط، وهو الذي يقع من الناس غالباً. مثاله أن يكون في سلعته عيب ظاهر، فيقول للمشتري : اشتر لنفسك وانظر وقلب، وهو يعتقد أن ذلك العيب من الظهور بحيث لا يخفى، فلا يحتاج إلى بيانه ولا كذبه بأن قال له : ليس فيها شيء ولا سكت فقد تكلم بكلام فيه إرشاد إلى أن يبحث المشتري ويدقق نظره .

وهنا تقسيم: لا يخلو المشتري أن يكون عارفاً بتلك السلعة وعيوبها أو جاهلاً، فإن كان

(۱) سورة الأنعام من الآية ١٦٤ . (۲) سورة الزلزلة ، الايتان ٧ و ٨ . (۳) سورة الإسراء، من الآية ٧ .

جاهلاً، فحكم هذا حكم الكتمان والكذب سواء. وإن كان عارفاً فالبركة لا تحصل له، لأنه لم يأتِ بشرطها، ويبقى النقص محتملاً : هل يكون موجوداً أم لا؟

وفيه دليل على أنه لا تُحصل الدنيا إلا بالآخرة. يؤخذ ذلك من أنه لم تحصل لهما البركة إلا بالصدق، وهو من أمور الآخرة الذي يكون صاحبه فيه مأجوراً ، وهو من أكمل صفات الإيمان. ولذلك قال أهل التحقيق : من صَدَق وصَدّق قرب لا محالة . وقد بين هذا حيث قال (لا ينال ما عند الله إلا بطاعة الله) (۱)

وفيه دليل على أن شؤم المعاصي يذهب بخير الدنيا والآخرة. يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما) والكذب من الكبائر والكتم - وهو الغش - من الكبائر أيضاً لقوله الله: (من غشنا فليس منا ) (۲) ،وقوله عليه السلام، في الكذاب؛ الحديث المتقدم الذي يشد شدقه من حين موته إلى أن تقوم الساعة، فحينئذ ينظر مصيره، فقد خسر الدنيا بذهاب حطامها من يده، لأنه إذا ذهبت البركة من المال فهو ذاهب وخسر الآخرة لما يناله فيها من العذاب. وقد زاد ذلك إيضاحاً حيث قال ( من حاول أمراً بمعصية كان أبعد مما يرجو وأقرب إلى ما يخافه) (۳) فأهل التوفيق ربحوا الدنيا والآخرة . ولذلك لما سئل عبد الرحمن بن عوف (٤) ، رضي ! الله عنه عن كثرة ماله ما سببه؟ قال : ما كذبت قط، ولا ،دلست ولا بعت ،بدین ولا رددت ،فضلاً، أي شيء كان . وقد أخبر عنه أنه اشترى جملة جمال، فقيل له : تربح فيها أزمتها ، وكانت من حَبْل ففعل . فلما ذهب الذي اشتراها بعدما

قبضها يطلب شيئاً يعمل لها أزمة لم يجد أصلاً، فرجع إليه واشترى منه تلك الأزمة بجملة مال .

وهل يقتصر هذا على هذا البيع، أو يدخل فيه كل ما ينطلق عليه اسم (بيع) ؟ صيغة اللفظ

(۱) رواه الإمام الشافعي رضي الله عنه في الرسالة ، وابن ماجه في السنن وهو قطعة من حديث أوله (إن روح القدس قد نفخ في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها ... إلخ ) . ولفظ الشاهد - كما ورد في الحديث : فإن ما عند الله لا ينال بمعصيته .

(۲) رواه مسلم في الإيمان رقم / ۱۰۱ / من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .

(۳) لم نقف على مصدره . عبد الرحمن بن عوف، أبو محمد الزهري القرشي صحابي من أكابرهم ، وأحد العشرة المبشرين بالجنة ، وأحد الستة أصحاب الشوري الذين جعل عمر الخلافة فيهم وأحد السابقين إلى الإسلام وكان من الأجواد الشجعان العقلاء شهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها وجرح يوم أحد ۲۱ جراحة، وأعتق في يوم واحد ثلاثين عبدا. وكان يحترف التجارة والبيع والشراء فاجتمعت له ثروة كبيرة، وتصدّق يوماً بقافلة فيها سبعمائة راحلة، تحمل الحنطة والدقيق والطعام. ولما حضرته الوفاة أوصى بألف فرس وبخمسين ألف دينار في سبيل الله . له ٦٥ حديثاً . توفي في المدينة سنة ٣٢هـ / ٦٥٢م .

تقتضي

بِأَنَّ

أن تحمل على عمومها ويتحرز من العيوب المفسدة أو المذهبة للبركة ويرغب في التي توجبها، لأن الله عزّ وجلّ يقول إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَاهُم بِات لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ) (١) تلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا (۱) فمن صدق في بيعه هذا، ولم يكتم الحق، ولم يكذب على الله ورسوله ل هول و ولا على أعلام دينه بأن يبتدع بدعة ويجعلها ديناً، ويصدق (۳) الله ورسوله كما يجب، ويبين أحكام الله تعالى كما تقتضيه قواعد الشريعة ولم يخف في الله لومة لائم، بورك له في بيعه . غير أنه يختص هذا البيع بزيادة ليست في ذلك البيع الآخر وهي أن البركتين اللتين في الثمن والمثمَّن جميعاً للعبد لأن ،مولانا جلّ جلاله غني عنا، وإنما هي تجارة لنا، قال، عزّ وجلّ، في كتابه ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى بَصَرَةٍ تُجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) (۳) والخسارة أيضاً عليهما تعود .

فوجب أن تكون المحافظة على هذه أشد من الأولى، كما يذكر عن الأنصار حين بايعوا النبي عليه السلام قالوا ما لنا إذا وفينا؟ قال: الجنة . قالوا : رضينا لا نَنْقُصُ البيع . فوفوا، رضي الله عنهم، فوفى لهم بأن شهد لهم بالوفاء، وحقيقة الإيمان، لقوله تعالى ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ اوَوا وَنَصَرُوا أَوَلَبِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ) (٤) ومن هنا جعل أهل التوفيق الهَمَّ همّاً واحداً ، ولم يلتفتوا، ففازوا وغنموا . وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .

(۱) سورة التوبة من الآية ۱۱۱ . (۲) العطف على صَدق . :

(۳) سورة الصف، من الآية ۱۰ و ۱۱ .

(٤) سورة الأنفال، من الآية ٧٤ .

حديث جواز أخذ الزوجة ما يكفيها من مال زوجها إذا كان شحيحاً

عَن عائشة ، رضيَ الله عَنها، قالَت هِندٌ أُمُّ مُعاويةَ لِرسول الله صلى الله عليه وسلم : إِنَّ أبا سفيان رَجُل شحيح . فهل عليَّ جُناح أن آخذ من ماله سراً؟ قال : خُذي أنتِ وبنُوكِ ما يكفيكِ بالمَعرُوف .

وجوه :

ظاهر الحديث أخذ الحق من مال صاحبه، وإن كان عنه غائباً، إذا لم يعطه . والكلام عليه من

(منها) أن الأئمة اختلفوا هل هذا على العموم، وإن اختلف أنواع المال وخالف نوع مال الطالب نوع مال المطلوب، أو لا يكون ذلك إلا إذا كان المالان من نوع واحد متماثلين؟ على قولين : مثال ذلك : أن يكون لك عند أحدٍ دراهم فيمتنع من إعطائها إياك، فتلقى من ماله بظهر غيب منه مالاً . هل تأخذ من ذلك المال الذي لقيته لغريمك ما منع أن يعطيكه، وهو غائب لا يعرف بذلك؟ فإن كان ما لقيته دراهمَ مثل دراهمك في الصفة فلك أن تأخذ منها قَدْرَ مالِكَ بلا زيادة لقوله عليه السلام في الحديث خذي أنتِ وبنوك ما يكفيك بالمعروف والمعروف هو عدم الزيادة في الحقوق . وإن كان ما لقيته خلاف الدراهم ذهباً أو عروضاً أو طعاماً، فمذهب الشافعي : تأخذ قدْرَ مالك عنده بالمعروف ومذهب مالك : لا تأخذ منه شيئاً، لأنه إذا أخذت خلاف مالك فهو بيع من البيوع . والبيع يفتقر إلى وكالة ، وليس لك وكالة بما تتصرف في بيع مال الغير .

فظاهر الحديث منفرداً الحجة فيه للشافعي . وجمع الحديث إلى القول بسد الذريعة مع ما جاء مالك من أجله هو عدم في البيوع وشروطها يقتضي ما ذهب مالك إليه، إلا أنه إن كان ما يمنع الوكالة التي بها يتم البيع، وقد رأيت فتوى لبعض المالكية - وكان معتبراً في وقته، ونقلها قَوْلَةً في المذهب، معناها أنه ـ أعني صاحب الحق - يقوم مقام الحاكم ويوكل غيره في بيع من ذلك المال بالسداد بقدر مالَهُ، ويأخذ ماله طيباً حلالاً. فإن صح القول عن الإمام فلا بحث وإلا فالبحث

ها

يعطي أنه لا فرق بين أن يُنزِل نفسه منزلة صاحب المال فيتصرف بالمعروف، أو ينزل نفسه منزلة الحاكم . فهو في كل واحد من الوجهين يحتاج إلى إذن من هو نائب عنه، فإنه لا يحكم على أحد حاكم خلاف الإمام أو من قدمه الإمام إلا بإذنه وكلاهما متعذّر . فالحكم متعذر أيضاً . وفيه دليل على أن الأم هي المتصرفة في معاش أولادها يؤخذ ذلك من قوله خذي أنتِ وبنوك ما يكفيك بالمعروف.

ويؤخذ منه أنها هي القائمة بحقوقهم على الأب لقولها (لا يعطيني ) تعني: حقها وحق بنيها . ويؤخذ منه دليل على أن الفتوى خلاف الحكم، لأن الحكم لا يكون إلا بعد اعتراف أو ثبوت بشهادة يؤخذ ذلك من أنه لما قالت له عليه السلام (هل عليَّ جُناح) - تعني في الشرع - فجاوبها عليه السلام بأن لا جناح عليها . ولو طلبت منه الحكم لم يحكم إلا بعد حضور أبي سُفيان ويسمع حجته، وحينئذ كان يقضي بحسب ما يسمع منهما ،فإنه عليه السلام، قال إنكم تَختصمون إليَّ ، فلعل أحدكم يكون الحَنَ بحجته من بعض، فأحكم له بحسب ما أسمع) (۱) معناه فأُوقع الحكم على ما يظهر من قول الخصمين .

وفيه دليل على جواز خروج النساء لطلب حقوقهن إذا لم يكن معهنَّ مَن يقوم عنهن . يؤخذ ذلك من جواب رسول الله ،لها ، ولم يعنفها ولا أنكر عليها .

وقولها (رجل شحيح ظاهر اللفظ يعطي جواز الغيبة عند الحاكم من أجل الضرورة ، ولقول الله تعالى لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ) (۲) فلأجل ظلمه يجوز له قول السوء، وما هي غيبة من أجل أنها لم تقصد تنقيصاً بصاحبها، وإنما هو من ضرورة وصف حاله لكن ليس قولها إن أبا سفيان رجل شحيح من هذا القبيل، ولكن هو من باب المدح، بحسب عادة العرب، لأن الذي يشحّ عندهم على عياله إنما هو من أجل اعتنائه بالأضياف والخصب عليهم فيلحق الضرر من أجل ذلك للعيال . فهي لفظة باطنها خلاف ،ظاهرها كما ينقل عن العرب في بعض الألفاظ التي يدعون بها مثل قولهم : ضَرَب الله عُنقه، وقاتله الله ! ولا يريدون به ظاهر اللفظ فمن لا يعرف ذلك يحملها على العادة المذمومة، ولكن ليس كذلك.

ويترتب على هذا من الفقه ألا يذم أحد أحداً على قول أو فعل حتى يعلم ما عُرْفُ أهل وقته في

ذلك، ومثل ذلك في الشكر أيضاً

(۱) رواه الإمامان مالك وأحمد بن حنبل والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أم سلمة رضي الله عنها، ولفظه (إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليَّ إلى اخره ..

(۲) سورة النساء، من الآية ١٤٨ .

وفيه دليل على أن الكنى المعروفة شرعاً، والعادة عند العرب هي بأسماء البنين . يؤخذ ذلك من قولها (أبا سفيان) وكنته بابنه . وكذلك قول رواية الحديث : كنت المرأة باسم ابنها، وما عدا هذا فهي بدع لاسيما إن كانت بلفظ التزكية ، كقول أهل مصر وأقطارها جمال الدين، وبهاء الدين. وحديث مسلم لما تزوج لا جُوَيْرِيَة قال لها : ما اسمك ؟ قالت : بَرَّة . فقال : لا تُزَكّوا أَنفُسَكُم، سمّوها جُوَيرِية ) . وهي بَرَّة حقيقة، لأنها لا تُختار أن تكون زوجاً له إلا وهي بَرّة حقيقة . لكن نهى ذلك، وقابل عليه السلام فعلهم ،بالضد وهو أن صغر اسمها فقال : جويرية. فما بالك بغيرها؟ فمن باب أخرَى فمن حيث رفع اسمه لفظاً فقد صغر نفسه شرعاً، فالحكم بمقتضى الشرع لا بالوضع. وفيما ذكرناه حجة للقوم في قولهم : مَن رأى لنفسه حَقَّ رفعة على خلق من خلق الله ولو على الكلاب فهو معلول .

عن

فيا شافي العلل اشف علةً قد أفضت بي إلى العطب. هانت عليهم أنفسهم فارتفعوا وعظمت نفوس غيرهم فَبِها ذَلّوا وخَسِروا .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) رواه مسلم في الأدب من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وزينب بنت سلمة رضي الله عنها .

-97-

حديث النهي عن التصوير

عن ابن عبّاس رضي الله عَنهُما ، قال : سمعتُ رَسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : مَن صَوَّرَ صُورَةٌ فإِنَّ اللهَ يُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنفُخَ فيها الرُّوحَ، وَلَيسَ بنافِخ فيها أبداً

ظاهر الحديث يدل على أن الذي يصوّر الصورة يُعذَّب أبداً. والكلام عليه من وجوه : منها: هل هي على العموم في كل الصور ما له ،روح وما لا روح له؟ ومنها : هل التأبيد على ظاهره فيكون مثل الكافر سواء؟ ومنها : إن تاب قبل الموت هل يغفر له أم لا؟

أما الجواب عن الأول : فأما ما لا روح له فلا يدخل تحت الحديث، لقوله عليه السلام (حتى ينفخ فيها الروح . فخرج من عموم اللفظ كل من صور صورة لا روح لها، بتحديده، عليه السلام، بنفخ الروح فيها . وقد ذكر ذلك عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما .

وأما الثاني وهو : هل التأبيد على ظاهره؟ فيعارضنا قوله تعالى ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ ﴾ (١) وهذا دون الكفر . فهو في جملة (من يشاء) فيكون المعنى فيه - والله أعلم - مثل قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا

هذا

وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ ﴾ (٢) . قال أهل السنة ( فجزاؤه) : أي إن جازاه. وقد تقدم البحث في ه ومثله أنهم هم الذين يخرجون بشفاعة أرحم الراحمين حين يقول الله تعالى : شفعت الملائكة والرسل والأنبياء وبقيت شفاعة أرحم الراحمين ، ثم يقبض في النار قبضة فيخرج منها كل من كان حَبَسه القرآن) (۳) والذين حبسهم القرآن على ضربين كفار وأهل معاص مثل من تقدم ذكرهم ألا يُغفر لهم . وأما أهل الكفر فلا مغفرة لهم، لقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ

العدل يقتضي

(۱) سورة النساء، من الآية ٤٨ . (۲) سورة النساء، من الآية ۹۳ .

(۳) قطعة من حديث رواه مسلم في الشفاعة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بلفظ آخر .

به ويغفر

مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ والآي والأحاديث فيه كثيرة وإجماع المسلمين على ذلك . فيكون الفريق الآخر هم الذين تنالهم تلك الرحمة. وهو وجه يجتمع به الآي والأحاديث، ولا يقع بينهما تعارض إن شاء الله .

وفيه دليل على جواز التعليم دون سؤال. يؤخذ ذلك من إخبار النبي له بهذا الحديث . وهنا بحث وهو أن يقال : هل هذا العذاب العظيم هو لعلّة تعرف أو هو لعلة لا يعلمها إلا هو

عزّ وجلّ؟ فإن قلنا إنه تعبُّد فلا .بحث وإن قلنا : قد نفهمها غلبة ظن بمقتضى إخبار الشارع عليه السلام في غير هذا فما هي؟ فنقول والله أعلم ذلك أنه يتشبه بصفتين من صفات الله عزّ وجلّ، عظيمتين وهما العظمة والحكمة. لأن الخلق على اختلافهم دال على عظمة الله عزّ وجلّ، وعظيم حكمته . و قال له الا الله وحكاية عنه جلّ جلاله : (الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري. فمن نازعني في واحد منهما قصمته) (۱) . فإذا كانت صفة واحدة جاء في التشبه بها هذا الوعيد فكيف بشيء يدل على صفتين عظيمتين ؟ فيحق هذا لما فيه من قلة الأدب .

والفقه في هذا الحديث : التصديق به، لأن ذلك مع كونه من حقيقة الإيمان يوجب الردع

والزجر عن هذا الفعل، ومن أجل هذه الفائدة أخبر سيدنا الله بهذا الحديث وأمثاله . وفيه دليل لطريق أهل الصوفة في ذمهم الدعوى، وإن كانت حقيقة، خيفة النقص وهم لا يشعرون، فتكون سبباً للحرمان. يؤخذ ذلك من ،قوله عليه السلام) فإن الله يعذبه حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ ولأنه قد جاء في حديث آخر يقال للمصوّرين أحيوا ما خلقتم) (۲) فيُطلبون بتمام الدعوى فلا يُتِمّونها، فيعذبون على كذب ،دعواهم لأنهم لما صوروا ما يشبه ما خلقه الخالق، جلّ جلاله، فقد ادّعوا بحالهم أنهم يخلقون مثله ، فيقال لهم : من تمام دعواكم أن تُحيوا ما صورتم ، وإلا فأنتم كاذبون في دعواكم والكذب جزاؤه العذاب الأليم. فلو كان يكذب على غير دعوى لكان يُعذب، ولا يُجعل له شرط في رفع العذاب لتمام خلق ما صوره بنفخ الروح فيه وهو لا يطيق ذلك، كما جاء في حق الكذاب الذي يشق شدقه ، لكن شؤم الدعوى زاده عظيم البلاء . وفيه دليل على تصديق ما كان الصدر الأول عليه وهو الحق فإنهم كانوا ينظرون الشخص في حاله لا في مقاله . يؤخذ من ذلك أن المصور للصورة ما هو بلسانه يَدَّعي أنه يخلق فلما كان

(1) رواه مسلم في البر والصلة باب تحريم الكبر وأبو داود في اللباس من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما بلفظ : العز إزاري والكبرياء ردائي، فمن ينازعني شيئاً عذبته .

الله عنه، وروياه كذلك من حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ (إن أصحاب

(۲) رواه الشيخان من حديث عمر رضي هذه الصور يعذبون يوم القيامة، فيقال لهم : أحيوا ما خلقتم .

فعله يدل على ذلك لم يُرْعَ (۱) في ذلك مقاله ، وإن كان يعترف في حال حياته أن هذا ليس بحقيقة ، لكن لا ينفعه ذلك، يؤخذ بما يدل عليه لسان حاله. ومما يقوي ذلك ما روي عنه أنه إذا كان يذكر شخص عنده وهو غائب لا يعرفه يقول : كيف هو في عقله؟ يعني في عقله عن الله وتصرفه . ويترتب عليه من البحث أن من أراد اللحوق اتَّبع ولم يبتدع، فإنه يصل حيث وصلوا، وإن لم يدعه. وإن ادعى ولم يتبع حصل له التوبيخ والخسران. وقد قال أهل التوفيق : من ادعى ما ليس فيه فضحته شواهد الامتحان، وقد قال (۲) : نفسَك على الدعوى فحاسبها ولا تدَّعِ ذاك فتضيعها . وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(1) أي : لم يُراع . (۲) أي : أحدهم .

حديث جواز أخذ الأجر على كتاب الله عزّ وجلّ

عن ابن عباس ، رضي الله عَنهُما ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال : أَحقُّ ما أَخَذْتُم عَلَيْهِ أجراً كتابُ

الله عزّ وجلَّ .

بات

ظاهر الحديث يدل على جواز أخذ الأجر على كتاب الله عزّ وجلّ، وهو أحلُّه. والكلام عليه

من وجوه :

منها ما يعارضه من قوله صلى الله عليه وسلم في رجل علم رجلاً شيئاً من القرآن، ثم أهدَى له قوساً يقاتل به بين يدي رسول الله له ، فذكر ذلك المُهدَى له لرسول الله له ، فقال : (قطعة أو قطعتان من نار ) (۱) فظاهر هذا الحديث يوجب المنع .

واختلف العلماء من أجل ذلك فمنهم من قال بالجواز مطلقاً من أجل الحديث الذي نحن بسبيله، ولعله لم يبلغه الحديث الذي أوردناه. ومنهم من منع على ظاهر الحديث الذي أوردناه، ومنهم من جَمَع بين الحديثين - وهو مذهب مالك - فقال : ما هو عليك فرض فلا يجوز أخذ الأجرة عليه، وما ليس بفرض فأخذ الأجرة عليه جائز . مثال ذلك على مذهبه من جاء يطلب تعليم أم القرآن فلا يجوز أن يأخذ منه عليها أجراً إذا كان بالغاً، لأنها عليه فرض لأنها من جملة فرائض صلاته، ولا تجزئة إلا بها. وإن أراد تعلم غيرها فله أن يأخذ منه عليها من الأجر ما شاء. وكذلك في سائر أمور الدين كله ما يكون فرضاً في الوقت على الطالب لا يجوز للمطلوب له أخذ أجر عليه، وإن لم يكن

عليه فرضاً فهو بالخيار في ذلك. وقد يحتمل الجمع بين الحديثين بوجه - وهو لا بأس به إذا تأملته - وهو أنه قد قال (من

(۱) قال الحافظ في الدراية (۱۸۸/۲) رواه أبو داود وابن ماجه وإسناده ضعيف، ولفظه : (عن عبادة بن الصامت قال : علمت ناساً من أهل الصفة القرآن فأهدى إلي رجل منهم قوساً ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن أردت أن يطوقك الله

طوقاً من نار فاقبلها وللحديث روايات أخرى بألفاظ مختلفة .

، وقد قال

شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية من أجلها فقبلها فقد أتى باباً عظيماً من أبواب الربا)(۱)، عليه السلام لعمر ، رضي الله عنه حين أراد أن يشتري الفرس الذي كان حبسه في سبيل الله لما رآه يباع ، فقال له عليه السلام ( لا تَعُد في صدقتك فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه) (٢) . فلما كان هذا الذي أهدى القوس للذي علمه كتاب الله، ولم يأخذ عليه أجراً فهي هبة (۳) ، وهي وسيلة إلى الله، وهي من أكبر الوسائل، فلما قبل عليها الهدية فكأنه رجع في معروفه لاخفاء بها، وقبول هديته على شفاعة شفعها له عند الله، لأنه الذي قربه إلى مولاه بما علمه من كتابه . فمن أجل هذا قال له : (قطعة أو قطعتان من نار .

ويجوز أولاً اشتراط الأجر ، لأن الأجر عليه قد أجازه متضمن الحديث الذي نحن بسبيله .

فإذا احتمل هذا الوجه فلا تعارض بينهما، والله أعلم .

وفي جواز الأجر على تعليمه فائدة كبرى في الدين لا يعلمها حقيقة إلا ذلك السيد الذي أمر بها، أو من فتح الله عليه في فهم ،بعضها ، لأنه بأخذ الأجرة عليه ينتشر تعليمه في الإسلام، ولو لم يكن يجوز ذلك لكان تعليمه ،نادرا حتى يكون لا يوجد من يصبر على تعب الأولاد وما هم عليه بلا أجرة، وهو محتاج إلى ضرورة البشر والدوام على ذلك . فانظر مع أخذ الأجر عليه وزيادة ما لهم من الإحسان ما تجد من يوفي حق التأديب إلا أهل التوفيق منهم. فقد أبيح في الدين أشياء ممنوعة من أصول كثيرة لوجه ما من المنافع ولا تبلغ بعض هذه المنفعة مثل القراض (٤) والمساقاة (٥) وبيع العارية بخرصها للجُذاذ (٦) وما أشبه ذلك، وهي مستثناة من أصول ممنوعة وهذه توسعة من الله ورحمة وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج ) ()

(1) رواه أبو داود في البيوع باب في الهدية لقضاء الحاجة ولفظه : من شفع لأحد شفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها إلخ .. عن أبي أمامة رضي الله عنه . (۲) رواه البخاري في الزكاة وفي الوصايا وفي الجهاد ومسلم في الهبات ومطلعه : عن عمر رضي حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه إلخ .. وهو موضوع الحديث

.(118

(۳) يعني أن تعليمه القرآن هبة .

الله عنه قال :

(٤) القراض وتسمى (شركة المضاربة ) فيها يدفع أحد الشريكين ،المال ويقوم الثاني بالعمل والمتاجرة، ويكون

الربح بينهما بنسبة ما اتفقا عليه .

المساقاة تكون على صورة شركة بين مالك الأرض أو بساتين، وبين عامل يقوم بسقاية الأرض أو البساتين

ويكون الربح بينهما بنسبة ما اتفقا عليه من الجَنَى .

بيع العارية : تكون بمبادلة ثمر شجر غير مجذوذ ورطب بثمر مجذوذ وجاف. وهو المعروف في الفقه بـ (بيع

العرايا) .

(۷) سورة الحج ، من الآية ۷۸ .

وفيه دليل على كثرة ،نصحه ، لأمته . يؤخذ ذلك من بيانه عليه السلام هذا ،ومثله قبل أن يسأل عنه .

جزاه الله عنا أفضل ما جزى نبياً عن أمته . وقد نص عزّ وجلّ في كتابه حيث قال لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكَ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ (١) أوزَعَنا الله شُكْرَها مِن نِعمةٍ ، وتَمَّمَها علينا بفضله .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) سورة التوبة ، من الآية ۱۲۸ . سيا البقية .

حديث جواز الرُّقى والأجر عليها

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : انطلق نفرّ من أصحاب رسول الله الله في سَفرَةٍ ،سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن

يضيقوهم .

فلدغ سيّدُ ذلك الحَيَّ ، فسَعَوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء . فقال بعضهم : لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين قد نزلوا لعله أن يكون عند بعضهم شيء .

فأتوهم فقالوا : يا أيها الرَّهْطُ، إنّ سيّدنا لدغ، وسعَيْنا له بكل شيء، لا ينفعه شيء، فهل عند أحدٍ منكم من شيءٍ ؟ فقال بعضهم : نعم إنّي والله لأزقي. ولكن، والله لقد استضفناكم فلم تضيقونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلاً. فصالحوهم على قطيع

من الغنم .

فانطلق، وجعل يتفل عليه ويقرأ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) . فكأنما نَشَطَ من عقال فانطلق يمشي وما به قلبة . قال : فأوفَوهم جُعلهم الذي صالحوهم عليه . فقال بعضهم : اقسموا . فقال الذي رَقّى : لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنذكر الذي كان، فننظر ما يأمرنا .

فقدموا على رسول الله ، فذكروا له فقال : وما يدريك أنّها رُقْية؟ ثم قال : قد أصبتم . اقسموا واضربوا لي معكم سهماً . فضحك النبيُّ ، الله .

ظاهر الحديث يدل على جواز أخذ الأجر على الرقية إذا كانت بكتاب الله عزّ وجلّ والكلام

عليه من وجوه :

منها هل تجوز الرقية بغير كتاب الله تعالى أم لا؟ فهذا ليس في الحديث ما يدل عليه، لكن

(اللهم

يُؤخذ ذلك من طريق آخر، وقد جاء أنه كان يَرْقِي بالكلام الطيب مثل قوله عليه السلام م أنتَ الشافي ، لا شفاء إلا شفاؤُكَ يا ربّ العالمين، اِشفِ اللهم شِفاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا ) (١) ... ومثل هذا كثير. وقد جاء النهي عن الرَّقي بغير كتاب الله عزّ وجلّ ،وأسمائه وما كان من الكلام الطيب . ونهى عن رقي أهل الكتاب إلا أن يكون بأسماء الله عز وجل .

حتى إنه جاء بعض الصحابة أو التابعين إلى ابن عباس رضي الله عنهما ، فسأله عن رُقْيَةِ أهل الكتاب فقال له : نهى رسول الله الله عنها . فقال له : أحياناً يكون بي الألم فأمشي إلى اليهودي فلان، فَيَرْقيني فأبَراً. فقال له رضي الله عنه : إن الشيطان يجعل يده عليك حتى يؤلمك ثم له، يُغويك، فإذا مشيت إلى اليهودي وتكلم بكلامه رَفَع يده عنك (٢) . ولهذا منع العلماء الحِرزَ الذي فيه الخواتم المكتوبة بالعبرانية، لأنه لا يُعرف ما هي. وفي مثله ما يكون فيه من الكلام بلغة لا يُعرف

معناها أي لسان كانت من أجل أن يكون معناه مما لا يجوز شرعاً، فيقع حامله في الإثم. ومنها الدليل على وجوب الضيافة على أهل الوَبَر (٣) . يؤخذ ذلك من قوله (فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، وذكر ذلك لرسول الله له ، ولم يَنهَهُم . ولو كان ذلك لا يجوز ما فعلته الصحابة رضوان الله عليهم ، ولا أقرهم النبي على ذلك حين حدثوه . وقد جاء هذا عنه، عليه السلام، نصاً بقوله عليه السلام الضيافة) على أهل الوبر وليست على أهل المَدَر ) (٤) . وقد جاء أن للمسافر أن يطلب الضيافة على من وَجَبَت عليه بالوجه الشرعي فإن لم يعطه قاتَلَ الممتنع منها ، فإن قتل الممتنعُ فشَرُّ قتيل، وإن قتل صاحب الضيافة فهو شهيد ويؤخذ من الفقه أنه من منع حقاً له واجباً شرعاً فله أن يقاتل مانعه، فإن قتل كان شهيداً .

وفيه دليل على جواز السفر في الأمور المباحة . يؤخذ ذلك من قوله (في سفرة سافروها). فلو كان في جهاد أو حج أو غيره من الطاعات لذكرها الراوي .

(۱) رواه البخاري في الطب وأبو داود والترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: ألا أرقيك برقية رسول الله ؟ قال : سقماً . بلى . قال : اللهم رب الناس مذهب الباس اشف أنت الشافي ، شفاء لا يغادر . (۲) أخرج أبو داود في الطب باب في تعليق التمائم عن عبد الله بن مسعود قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الرقى والتمائم والتولة وزان) عنبة - وهي ضرب من الخرز يوضع للسحر فتجب بها المرأة إلى زوجها شرك . فقالت امرأته زينب : لم تقول هذا؟ والله لقد كانت عيني تقذف (تدمع) وكنت أختلف إلى فلان اليهودي فيرقيني، فإذا رقاني سكنت فقال عبد الله بن مسعود : إنما ذلك من عمل الشيطان كان يَنْخَسُها بيده، فإذا رقاها كفّ عنها ، إنما يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أذهب الباس ربّ الناس ، اشف أنت الشافي ، لا شفاء ا شفاؤك ، شفاء لا يغادر سقماً .

(۳) أهل الوبر : سكان البوادي .

(٤) عزاه السيوطي في الجامع الصغير للقضاعي عن ابن عمر رضي الله عنهما وضعفه .

ن

وفيه دليل على جواز نزول المسافر على العرب، وطلبه ما له عندهم من الحق

وفيه دليل على أن من وهَب هبة وجب عليه إنفاذها . يؤخذ ذلك من قول الراقي (لا أرقي لكم حتى تجعلوا لنا جُعْلاً). فأشرك أصحابه معه في الجُغل وأمره النبي عليه السلام بالقَسم تماماً

لما وهب .

وفيه دليل لمذهب مالك الذي يقول بهبة المجهول، لأنه حين شارك أصحابه في الجعل بقوله (حتى تجعلوا لنا جعلاً ) لم يكن مبلغ الجعل الذي يجعلون له في الوقت معلوماً. وأجاز ذلك النبي

بقوله (اقسموا) .

وفيه دليل على جواز طلب الهبة مِمَّنْ وهبها وليس بقبيح يؤخذ ذلك من قول الصحابة للراقي حين وُفِي لهم الجعل (اقسموا) وما كان الصحابة رضي الله عنهم، ليفعلوا فعلاً مكروهاً أو ممنوعاً .

وفيه دليل على حسن صحبة الصحابة بينهم رضوان الله عليهم يؤخذ ذلك من أن الراقي لم يرَ أن يفضل نفسه بشيء على أصحابه من أجل أنه الفاعل وقد وصفهم الله عزّ وجلّ بأحسن الأوصاف بقوله تعالى ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ (١)

وهنا ،بحث وهو أن يقال : لِمَ أخذوا الجُعَلَ وهم لا يعلمون أنه جائز ، ثم امتنعوا من القَسْم حتى يسألوا؟ فالجواب - والله أعلم - أن الفرق بينهما أن أخْذَهم الجعل احتمل أن يأخذوه بنيّة أنه ولا يأخذوه بأنه جُغل ، ثم لا يأكلون ولا يقسمون حتى يسألوا . فإن صح لهم فعلوا ما

حَقُ ضيافتهم، شاءوا، وإلا رُدُّوا بأَمر .

واحتمل أن يأخذوه على وجه الجعالة (۲) ولا يتصرفوا حتى يسألوا أيضاً، لاسيما إن كان الحي من العرب غير مسلمين، فلهم أن يأخذوا من أموالهم بأي نوع شاؤوا ما لم يكونوا معاهدين، أو أن هذا عن طِيبِ نفس منهم . فلما كان هذا عن طيب نفس منهم احتاجوا إلى السؤال .

ويترتب على هذا من الفقه أنه إذا أدت الضرورة ،لأمر ، ولا علم للشخص به من طريق الشرع أن يجتهد برأيه ثم يسأل بعد ذلك عن الإمكان من ذلك : كيف لسان العلم فيما تصرّف فيه حتى يعلم

حكم الله عليه .

وكونهم لم يقسموا فقد لا تكون لهم ضرورة إلى القسمة ، مع عدم العلم بما يجب عليهم فيما

فعلوا، فأخروا ذلك حتى يتحققوا ما حكم الله عليهم .

(۱) سورة الفتح من الآية .۲۹

(۲) الجعالة : ما يجعل على العمل من أجر .

ويترتب عليه من الفقه أنه عند الشبهات وعدم الضرورة لا يُقدم على أمر حتى تزول تلك الشبهة . وفيه دليل على فضيلة أم القرآن . يؤخذ ذلك من قوله (وما يُدريك أنها رقية).

وفيه دليل على فضيلة الصحابة رضوان الله عليهم . يؤخذ ذلك من تعظيمهم الكتاب العزيز وجعلهم الخير كله فيه، لأنهم جعلوها ،رُقية، ولا تكون الرُّقية إلا بشيء مقطوع فيه بالبركة، ولا شيء أَبْركُ من كلام الله تعالى . فلتعظيمهم ذلك حتى خالط ذلك الاعتقاد المبارك ضمائرهم كلما طلب لهم من الخير جعلوا القرآن ،سببه كما فعل هؤلاء بالفاتحة وهم لم يسبق لهم في ذلك علم إلا ما في

قلوبهم من التعظيم لحرمات الله عزّ وجلّ التي هي من تقوى القلوب كما أخبر جلّ جلاله . وقوله ( يتفل عليه فيه بحث وهو: أن التفل متى يكون؟ هل قبل القراءة أو بعدها أو معها؟ احتمل، لأنه أتى بالواو التي لا تعطي رتبة . لكن الأظهر أنه بعد القراءة، من أجل هذه الصفة هي التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يَرْقِي أنه بعد القراءة يَتفُل . ومن جهة العقل والنظر، لاسيما كمثل الصحابة رضوان الله عليهم الذين كانوا في قوة الإيمان والنور حيث كانوا، لأن الجارحة ـ وهي الشفتان واللسان - إذا تحركت بذلك الكلام الجليل حلت البركة فحينئذ تكون الفائدة في ذلك الريق، وأما قبل فلا فرق بينه وبين ريق غيره .

وفيه إشارة إلى أنه ما قُدِّر لك من الرزق لا يمنعه عنك مانع ويصل إليك، أحب المانع أو كره. يؤخذ ذلك من أنهم لما طلبوا الضيافة منعوهم فكان لهم في مالهم ،رزق جاءتهم اللدغة فأخرجت منهم ما امتنعوا به مما كان قسم لهم في أموالهم .

وفيه اعتبار في قرب نصرة الله تعالى للضعيف . يؤخذ ذلك من أنه لما امتنع هؤلاء بقوتهم من هذا النفر لقلتهم وعدم قدرتهم عليهم جاءهم النصر باللدغة في أقرب حين . وقوله : (وسعينا بكل شيء لا ينفعه على ظاهره ، وإنما المعنى سعوا له بكل شيء جرت عادته ينفع لمن لدغ فلم ينفعه

ذلك الشيء

وفيه من العبرة أن تغيير العادة عقاب يؤخذ ذلك من أنه لما كانت معهم الضيافة لهؤلاء وهي حق لهم - فمنعوهم حقهم، خابت عادتهم فيما عُوِّدوا من برء من لدغ منهم إذا فعلوه برىء، حتى أعطوا ما منعوه . وقد جاء ما يدل على هذا المعنى وهو قوله الا الله إذا أبغض الله قوماً أمْطَرَ صيفهم، وأصحى شتاءَهم) (۱) فجاءت مخالفة العادة دالة على السخط .

ومن هذا الباب كان أهل السلوك إذا رأى بعضهم يتغير عليه شيء مما عُود ضَرَع وبكى ولجأ

(1) لم نعثر على مصدره .

ونظر خبايا النفس حتى يجد تلك الثلمة من أين أتت فيسدها ومصداق ذلك قوله تعالى ( إن الله لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ)) (1)

وفيه دليل على عظم حكمة الحكيم. يؤخذ ذلك من أنه لم يؤخذ بالعذاب من القوم إلا من كان أشدَّهم جرماً . يؤخذ ذلك من أن الأصل في منع الضيافة سيّد الحي، لأن عادة العرب أنهم يقفون عند ما يشير به عليهم، فلما كان هو أصل المنع جاء العقاب له جزاء وفاقاً وقوله ( فهل عند أحد منكم من شيء) ؟ هو من باب قبيل الاختصار في التخاطب معناه

رحمه

الله ،

وهو

عندكم شيء ينفعه ؟ فحذف ) ينفع) لدلالة الحال عليه . وفيه دليل على أن لغو اليمين لا يؤاخذ به، وليس هو أيضاً من باب الهذر . يؤخذ ذلك من قول الصحابي رضي الله عنه ( والله إني لأرقي) لأنه أقسم على الرَّقي بالله تعالى وهذا القسم لا فائدة فيه . وهذا النوع هو الذي يسميه بعض الفقهاء لغو اليمين خلافاً لمذهب مالك الذي يسوقه المرء في كلامه لا يترتب عليه فائدة مثل هذا فإنه إن كان صادقاً بلا قسم فهو صادق بالقسم، وهم لا يعطونه شيئاً حتى يبرأ سيّدهم. فليس للقسم هنا ،فائدة، لكن هو مما يجري كثيراً على بعض الألسن والله عزّ وجلّ، بفضله قد عفا عنه بقوله تعالى ) لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ) (٢) ومثل ذلك قوله ( والله لقد استضفناكم).

وقوله (فلم تضيفونا فصالحوهم أي عقدوا معهم الجعل وفيه دليل على جواز اختلاف العبارة عن الشيء إذا لم يسقط من المعنى شيء، لأنه أتى بلفظ (صالحوهم) وكنى به عما جاعلوهم به وقطيع الغنم عدد قليل من الغنم معروف عندهم وقوله فانطلق يتفل) معناه جعل يتفل . وفيه دليل على أنه لا يُخاطب أحد إلا بما يعرف يؤخذ ذلك من كونه مثل سرعة برئه وقيامه كالبعير إذا حل من مَربَطهِ، لأن العرب لا يعرفون شيئاً أقرب من هذا، لأنه هو الذي يعاهدونه في كل يوم، لأن قوله نشط من عقال أي حل مما كان عقل به أي ربط ،به لأن الحبل الذي يربطون به البعير يسمونه عِقالاً .

وقوله (وما به من قلبة) هو من هذا الباب. عبر لهم بما عهدوا ، ومعناه ما به ألم.

وقوله : ويقرأ ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ ) هذا اسم السورة، لا أنه قرأ هذا اللفظ ليس إلا بدليل قول سيدنا آخراً ( وما يدريك أنها رُقيّة)؟ فأعاد الضمير على السورة، واحتمل أن يعود الضمير على الآية، ولم يقرأ من السورة غيرها.

(۱) سورة الرعد، من الآية ۱۱ .

(۲) سورة البقرة من الآية ۲۲٥ وسورة المائدة، من الآية ۸۹ .

وفيه دليل على أدب الصحابة رضوان عليهم بعضهم مع بعض. يؤخذ ذلك من قولة الراقي لأصحابه حين أرادوا القسم (لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله ) على طريق الإرشاد، ولم يقل لهم :

لا نفعل .

وفيه دليل : على أن أهل الدين والفضل إذا أرشدوا إلى الحق ،قبلوه ولم تأخذهم عزة في ذلك . يؤخذ ذلك من أنه لما أرشدهم الراقي أن يتركوا القسم حتى يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم قبلوا، ولم يحاجوا . وقوله (فننظر ما يأمرنا ) أي نمْتَيَّل لا أنهم ينظرون هل يصلح لهم فيأخذونه ، وإلا يتركونه (۱) . وقوله ( وما يدريك) تعظيماً للسورة وترفيعاً لشأنها لقوله جلّ جلاله وَمَا أَدْرَنَكَ مَا عِلِيُّونَ (٢) وقد يفهم منها معنى التعجب، كأنه عليه السلام يقول من أعلمكم بهذا حتى فعلتموه؟ ثم أخبرهم بقوله (إنها رُقية)، والأول أظهر والله أعلم. وقد يكون فيه معنى الفرح بما أصابوا من عين الحكم باجتهادهم وهو اللائق بالخلقه الا الله ثم قال قد أصبتم ،اقسموا واضربوا لي معكم سهماً . فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وأمره ، عليه السلام لهم بالقَسْمِ تمام للحكم .

وقوله (واضربوا لي معكم سهماً هنا بحث وهو لم طلب عليه السلام منهم السهم لنفسه المكرمة؟ فذكر فيه بعض الناس أن ذلك جبر لهم كما فعل عليه السلام مع أصحاب الصيد حين اصطاد صاحبهم وهو حلال فأخبروه ، فطلب منه لنفسه تسكيناً لخواطرهم. ومثل ذلك أصحاب دابة العنبر . وهو محتمل، لكن هناك علة ليست هنا وهي أن الحذر كان تقدم لهم فيما يشبه ذلك، لأنهم كانوا نهوا عن أكل الميتة ونهوا عن أن يأكلوا إذا كانوا مُحرِمين شيئاً صِيدَ من أجلهم. وظاهر ما وقعوا فيه أشبه ما كانوا حذروا عنه، ولم يكن كذلك. فأكل منه لأن يزيل ما يمكن أن يقع في بعض قلوبهم من التشويش . وأما هنا فلم يتقدم حَذَر ولا أكلوا شيئاً منها .

(1) كذا بعدم جزم جواب الشرط . (۲) سورة المطففين من الاية ۱۹

(۳) دابة العنبر : روى مسلم في صحيحه في كتاب الصيد والذبائح باب إباحة ميتات البحر : عن جابر قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر علينا أبا عبيدة نتلقى عيراً لقريش، وزوّدنا جراباً من تمر لم يجد لنا غيره. فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة . قال : فقلت : كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: نَمَصُّها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها من الماء فتكفينا يومنا إلى الليل. وكنا نضرب بعصينا الخَبَط (ورق السَّلَم) ثم نبله بالماء فنأكله . قال : وانطلقنا على ساحل البحر، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا هي دابة تدعى (العنبر ) قال : قال أبو عبيدة : ميتة . ثم قال : لا . بل نحن رسل رسول الله لا الله وهو في سبيل الله . وقد اضطررتم فكلوا . قال : فأقمنا عليه شهراً، ونحن ثلاثمائة حتى سَمِنًا . قال : ولقد رأيتُنا نغترف من وقب عينه بالقِلال الدهَن، ونقتطع منه الفِدَرَ (القطع) كالثور - أو كقدر الثور - فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلاً فأقعدهم في وقب عينه ، وأخذ ضِلَعاً من أضلاعه فأقامها، ثم رحل أعظم بعير معنا فمرّ من تحتها وتزوّدنا من لحمه وشائق (الوشيقة اللحم يؤخذ فيغلى ولا ينضج أو هو القديد). فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال : (هو رزق أخرجه الله لكم . فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا ؟ قال : فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه . فأكله .

ل

واحتمل أن يكون ذلك بأمر من الله ، لأنه رزق أفاء الله به عليهم من غير عوض، فيكون له فيه سهم وكونه عليه السلام لم يعيّنه لعل عددهم يقتضي أن يكون سهمه بحسب عددهم خمساً وهو حقه عليه السلام من الفيء وضحكه عليه السلام، قد يكون فرحاً لنصرة الله تعالى لهم، لأنه لا لا ل و كل ما كان فيه شيء من نصرة من الله للمؤمنين يَسُرّه . وضحكه عليه السلام إظهار لذلك، لأنه مما يؤنسهم ويسرهم .

وهنا إشارة وهي عطف الحبيب يهيج قلب المحب ويفرحه ويضحكه ويطربه، لأن نصرة الحق سبحانه لأصحابه عليه السلام، عطف عليه

وفيه دليل لما قدمناه من أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتبركون بأي شيء كان منه، عليه السلام من فعل أو قول و إشارةٍ أو تنويع صفةٍ ما من الصفات وينقلونها ويتناولونها. يؤخذ ذلك من كونهم رَوَوْا في الحديث ضحكه عليه السلام فلولا ما كان ذلك عندهم معتبر ما كانوا يذكرونه . وكذلك ينبغي لأنه إذا كان مَن ليس مثله عليه السلام من أتباعه لا تكون منه صفة إلاّ لمعنى مفيد فكيف ،به عليه السلام الذي هو مَعدِن الكمال في كل الحركات والسكنات . وقد نقل عن بعض الناس أنه لم ير منه أصحابه عبثاً قط، فدخلوا عليه يوماً وفي يده قطعة كاغد يعبث بها في الأرض. فلما فرغ من ذلك قالوا له في ذلك، فقال لهم : صومعة أردت أن تبني في الموضع الفلاني فتعذرت عليّ صفتها وكيف يكون أمرها؟ فلم أزل أردد صفة بعد صفة بذلك الكاغد حتى ظهر لي الأصلح من تلك الوجوه. فإذا كان هذا هكذا فما بالك بمن جعل كله نوراً ورحمة، لا يكون منه حركة ما إلا لوجوه من الحكمة؟

وفي الحديث إشارة لأهل القلوب في كون هؤلاء سعوا لسيّدهم بكل ممكن من أجل راحة جسد يفنى في دار تفنى، فكيف بمن همته السعي لدار لا تفنى ونعيمها لا يفنى وساكنها لا يهرم ولا يبلى؟ فحيث وجب الحث والتشمير وقع العجز والكسل . وقد قال بعض المشهورين لما عوتب في كثرة مجاهدته: دعوني فإن أمامي عقبة كؤوداً لا يجاوزها إلا المُضَمِّرون (۱) . وقال : بالجد خذ لا بالكسل، فإن أمامك عِقاباً (۳) وأي عِقاب .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(1) المُضمُرون من (ضَمَّر الفرس) إذا ذلَّلَهُ وأطعمه وسقاه ودرَّبه على السباق والقتال مدة طويلة ليكون جاهزاً

للسبق أو للحرب وقت الحاجة .

(۲) العِقاب : ج : عقبة ، وهي المرقى الصعب من الجبال ونحوها .

عَنِ

ولرسوله .

حديث لا حمى إلا الله ولرسوله

الصَّعب بن جَنّامة (١) رَضي رَضي الله عَنهُ قالَ : إِنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا حِمى إلا الله

ظاهر الحديث يدل على أن الحمى كله الله ، ولرسوله ، والكلام عليه من وجوه : منها تبيين معنى هذا الحمى وهل هو على الوجوب أو على الندب؟ ومن هو القائم به؟ وما

شروطه؟

فأما الحمى فقد يكون بمعنى خمسة وجوه :

:أحدها : حَجْر بعض الأمور وإجازتها (۲) ، وهي تقرير الأحكام. فمن جعل الله عزّ وجلّ، له

أن يمنع مَنَعَ ، ومن لم يجعل الله له ذلك فليس له ذلك ، لقوله تعالى ) إنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) (۳) . وقد يكون بمعنى العزة والامتناع، لقوله عزّ وجلّ وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ ( ) وكما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : بالإيمان اعتززنا . وقد تكون بمعنى الامتناع والتحصن. فمن يريد أن يمتنع ويتحصن فإنما يصح له ذلك حقيقة، إذا كان بالله وبرسوله . ومعناه باتباعه لأمر الله ورسوله الله لقوله تعالى إن تَنصُرُوا اللهَ

(1) الصعب بن جثامة بن قيس الليثي : صحابي من شجعانهم شهد الوقائع في عصر النبوة، وحضر فتح إصطخر وفارس . وفي الحديث يوم حنين: لولا الصعب بن جثامة لفضحت الخيل). مات في خلافة عثمان رضي الله عنه، وقيل قبلها وله أحاديث في الصحيح.

(۲) الحجر في الشرع : المنع من التصرف لصغر أو سفه أو جنون والإجازة في الشرع : الحكم بجواز الشيء، وهو

عکس تحریمه.

سورة الأنعام من الاية ٥٧ وردت في سورة يوسف من الآية ٤٠ ، وفي الآية ٦٧ من السورة نفسها ...

سورة المنافقون من الآية .

من

(١) ، ونصرة الله هي باتباع أمره واجتناب نهيه، واتباع سنة رسوله لقوله عزّ وجلّ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله ) (۲) وقال عز وجل ( يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَن اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (۳) أي كافيك .

وقد تكون بمعنى التعصب والمدافعة كما كانت العرب تفعل بعضها مع بعض، كما قال السائل حين سأل عن الجهاد ومنا من يقاتل حَمِيّة (٤) . وكما قال عزّ وجلّ : مَنْ أَنصَارِى إِلَى وقوله عزّ وجلّ كُونُوا أَنصَارَ الله (٦) أي مع الله . ولا ينتفي مع ذلك التناصر بين الناس . ﴿ ﴾ لكن إذا كان على المشروع فهو الله ، لقوله عليه السلام (انصر) أخاك ظالماً أو مظلوماً) (۷) فنصرة المظلوم هي الله ، وكذلك نصرة الظالم برده عن ظلمه فهي نصرة الله .

له

وقد تكون بمعنى سابق القدر. فإن الحِمى حقيقة من سَبَق له حمى من الله ورسوله بالإخبار والدعاء منه لقوله تعالى ﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا ) (۸) فمن حماه الله ورسوله الله فلا يقدِرُ أحدٌ عليه . وحمَى غيره لا شيء، لأنه وإن وقع بحكم الوفاق فهو منقطع، وحمى الله لا ينقطع (۹) .

واحتمل الجميع، وهو الأظهر وحيث ما وجدنا ما يناسب هذه المعاني المتقدمة فيه

فالاستحقاق فيه الله ولرسوله صلى الله عليه وسلم .

ومن هذا الباب قوله عزّ وجلّ مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ) (١٠) . وقوله وَلِلَّهِ

الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (١١). ومما يناسب هذا الحديث في

(1) سورة محمد من الآية ٧ . (۲) سورة النساء، من الاية ۸۰ . (۳) سورة الأنفال، الآية ٦٤ .

جزء من حديث رواه البخاري في الجهاد ومسلم في الإمارة من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ومطلعه : سئل رسول الله له عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حَمِيَّة، ويقاتل رياءً .. إلخ.

(٥) سورة ال عمران من الاية ٥٢ وفي سورة الصف، من الآية ١٤ . (٦) سورة الصف من الآية ١٤ . (۷) رواه البخاري في كتاب المظالم باب : أعن أخاك ظالماً أو مظلوماً . (۸) سورة التوبة من الاية ٥١ .

هذا هو الوجه السادس في أنواع الحمى وهو حمى الله) وحمى الله حرم مكة، وحمى الرسول الله صلى الله عليه وسلم حمى للمدينة، فهو في مصالح عامة المسلمين. وهذا المعنى الفقهي وأحكامه مبسوطة في كتب الفروع

(۱۰) سورة فاطر من الاية ١٠ . (۱۱) سورة المنافقون من الآية .

مِنَ

قال

إلى

س .

صرة

الله

ع،

فيه

فٌ

معناه قوله عليه السلام إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية وفخرها بالآباء. إنما هو مؤمن تقي فاجر شقي) (۱) وكقوله تعالى ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ ) () فتحصل من الفقه أن جميع ما كانت الجاهلية تفعله من افتخار وحماية وتعصب وتجديد أحكام وتناصر وتحصن وما يشبه هذه الأمور التي فيها حظوظ الأنفس، لم يُبقِ الإيمان منها شيئاً إلا ما وافق كتاب الله وسنة رسوله ، و من فعل من ذلك شيئاً بغير هاتين الطريقتين فقد استن في الإسلام سنة الجاهلية، ودخل تحت قوله ثلاثة يبغضهم الله وعد فيهم من استنَّ في الإسلام سنة الجاهلية) (۳).

ويكون هذا الحكم عاماً في الخاص والعام والقريب والبعيد. يؤيد ذلك قوله تعالى ( قل

إن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَتَجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِن تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ

بأمر (٤) فهذا يشترك فيه العوام والخواص.

ويختص أهل الخصوص بأمر آخر وهو الخواطر . فإن الخواطر أربعة رباني وملكي ونفساني وشيطاني. فتكون الحماية للاثنين وعنهما وهما الرباني والملكي. وتكون محاربته للنفساني والشيطاني. ويكون بذلك في حزب ﴿ وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) () هذا للمتناهي الذي يميز بين الخواطر . وأما المبتدىء فإذا ورد عليه الخاطر يعرضه على الكتاب والسنة، فيبين له إذ ذاك من أي الأقسام هو ؟ فيعمل فيه بمقتضى الكتاب والسنة .

وأما قولنا : هل يكون منها (٦) واجباً أو مندوباً؟ أما من طريق الفقه وأحكام الفروع ففيه ما هو واجب، ومنه ما هو مندوب . وأما ما هو من طريق التوحيد والإذعان إلى أحكامه عزّ وجلّ، ونفوذ القدر، وما هو في معناه مثل العزة والعظمة وما يكون مثلهما فواجب اعتقاده والعمل به وأما

(1) عُبُيَّة الجاهلية: كبرها .وافتخارها والحديث تفرد به الترمذي من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم فتح مكة فقال : (يا أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم عُبّيّة الجاهلية، وتعاظمها بآبائها . فالناس رجلان : رجل بَر تقيّ كريم على الله ، وفاجر شقي هين على الله . والناس بنو ادم من التراب. قال الله يَتأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوا وَقَابَلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَنْقَنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ

سورة الحجرات من الاية ۱۳ .

مروي بالمعنى لحديث رواه الديلمي في مسند الفردوس ١٦۲/۲ عن ابن عمر مرفوعاً بلفظ (ثلاثة لعنهم الله :

أمير ظالم وفاسق أعلن بفسقه، ومبتدع يهدم السنة .

سورة التوبة من الاية ٢٤ . (٥) سورة العنكبوت، من الآية ٦٩ .

(1) أي : من أنواع الحمى .

الذي هو من قبيل التمنع والتعصب في الله وبالله وما هو في معناهما ، فمن طريق الندب والإرشاد .

وأما من طريق أهل التحقيق فالكل عندهم واجب .

وأما قولنا من القائم به؟ فعلى المشهور من الأقاويل فكل مؤمن ومؤمنة، كل بقدر

استطاعته. وأما على قول بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة فعلى جميع بني ادم كلهم. وأما قولنا : ما شروطه؟ فعلى قول من يقول : إن العلم شرط في تقرير الأحكام فعلى من يعرفه. وأما على قول من يقول : إن الجهل بالأحكام ليس بعذر ، وهو الحق . لأنه لو كان الجهل عذراً لكان أرفع من العلم ولا قائل بذلك . فعلى كل بالغ عاقل بقدر طاقته .

وفيه دليل على عظيم فصاحته الا الله . ولفظة واحدة جمعت أحكام الشريعة والحقيقة كلها .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

ارشاد

ن بقدر

على من

الجهل

حديث من لم يشرك بالله دخل الجنـ

عَن أبي ذر (١)، رضي الله عَنهُ قالَ كُنتُ مع النَّبيِّ ، فَلَمّا أبصرَ - يَعني أحداً -

قال : ما أُحِبُّ أنه تحوّلَ ذَهباً يمكُثُ عِندِي مِنهُ دينار فوقَ ثَلاثٍ، إلا ديناراً أرصُدُهُ لِدَيْنِ . ثمّ قال: إنّ الأكثرينَ هُمُ الأقلُّون، إلا مَن قال بالمالِ هَكذا وهَكَذا ـ وأشار أبو شهاب (۲) بين يديه عن يَمينِهِ وعَن شِمالهِ - َوقَليلٌ ما هُم . وقالَ : مَكانَك (۳) حتى آتِيكَ. وتقدَّمَ غَير بَعِيدٍ نَسمِعتُ صَوتاً، فأردتُ أن آتِيَهُ، ثُمّ ذكَرتُ قولَهُ : مَكانَكَ حتّى آتِيكَ . فلما جاء قُلتُ: يا رَسولَ الله . الذي سمعتُ ـ أو قالَ: الصّوتُ الذي سَمِعتُ - قالَ : وَهَل سَمِعتَ؟ قُلتُ : نَعم قالَ : أتاني جبريلُ، فَقالَ : مَن ماتَ مِن أُمَتِكَ لا يُشرك بالله شيئاً دخل الجنّة. قُلتُ : وإن فعل كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ : نَعم

ظاهر الحديث يدل على أنه من مات على الإسلام دخل الجنة وإن فعل ما عسى أن يفعل . والكلام عليه من وجوه :

منها : ما معنى قوله دخل الجنة؟ هل يكون معناه أنه لا يُعذَّب أصلاً ، أو أنه لا بد له من دخول الجنة، وإن عُذِّب؟ فالجواب عن هذا قد جاء نصاً في حديث غير هذا، وهو قوله صلى الله عليه وسلم (الإيمان

(1) أبو ذَرْ: هو جُندب بن جنادة، من بني غِفار ،صحابي من كبارهم قديم الإسلام، يقال: إنه أسلم بعد أربعة وكان خامساً، يضرب به المثل في الصدق . هاجر بعد وفاة النبي لا لا لا اله إلى بادية الشام ، فأقام إلى أن توفي أبو بكر وعمر وولي عثمان، فسكن دمشق وجعل دَيْدَنَهُ تحريض الفقراء على مشاركة الأغنياء في أموالهم. فشكاه معاوية إلى عثمان، فاستقدمه إلى المدينة، فقدمها وظل ينشر رأيه، فأمره عثمان بالرحلة إلى الرَّبَذَة (من قرى

المدينة) فسكنها إلى أن مات فيها سنة ٣٢ هـ/ ٦٥٢م . روى له البخاري ومسلم ۲۸۱ حديثاً. رضي الله عنه . (۲) أبو شهاب هو عبد ربه بن نافع الكناني الحناط الكوفي، نزيل المدائن، وهو أبو شهاب الأصغر، روى عن

يحيى بن سعيد الأنصاري والأعمش وعاصم بن بهدلة وعاصم الأحول . مات سنة ١٧٢هـ / ۷۸۸م وهو من الطبقة

الثامنة .

(۳) مكانك أي: الزم مكانك واثبت فيه. وهو في عرف النحويين : اسم فعل أمر .

إيمانان : إيمان لا يدخل صاحبه النار ، وإيمان لا يخلد صاحبه في النار ()(۱) . فأما الأول فهو الإيمان مع الأمر والنهي . وأما الثاني وهو الإيمان مع المعاصي . فدل بقوله عليه السلام (لا يخلد صاحبه في النار) : إنه يدخلها. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وما خاف أهل التوفيق من المعاصي إلا لأن صاحبها يُخاف عليه من التبديل عند الموت، لأن المعاصي بريد الكفر .

وفيه دليل لأهل السنة الذين يقولون : لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة . يؤخذ ذلك من قوله (وإن فعل كذا وكذا وعدّد، ولأنه بقوله كذا وكذا - ولم يكررها إلا مَرَّتَينِ - جمع فيها جميع الذنوب، لأن الذنوب على نوعين لا ثالث لهما وهما : إما صغائر وإما كبائر .

ويترتب عليه من الفقه أن الإشارة عن المعاني تغني عن الإفصاح بها ، إذا كان المخاطب يفهم مع القدرة على الكلام بها، وذلك جائز شرعاً، ولأن جبريل (۲) ، عليه السلام كان قادراً أن يقول : وإن فعل جميع الصغائر والكبائر . فلم يقل، وأشار بصيغة كذا وكذا .

وفيه دليل على جواز النظر في المباحات عند المشي. يؤخذ ذلك من قوله فلما أبصر ، يعني أحداً) . فلولا ما كان له في مشيه ينظر في ملكوت الأرض، وهو المباح ، لما أبصر أحداً . إلا أن نظره عليه السلام، بخلاف نظر ،غیره، لأن نظره عليه السلام ،عبادة لأنه باعتبار . وإذا كان النظر بهذه النية فهو من أعلى العبادات بمقتضى الكتاب والسنة فأما الكتاب فقوله تعالى ﴿ أَولَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ) (۳) وقوله تعالى ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ ﴾ (٤) وأما السنة فقوله عليه السلام: (اللهم اجعل نظري عبرة) (٥) والدليل على أن نظره عليه السلام، كان اعتباراً أنه لما رأى أحداً قرر عليه قاعدة شرعية . ولو كان النظر بخلاف هذا لكان الكلام بخلاف ذلك، لأن الكلام نتيجة الفكر والفكر مقدمته . وبحسب المقدمة تكون النتيجة والقاعدة الشرعية التي قعدها عليه السلام هنا هي جواز تمنّي الخير . وقاعدة أخرى وهي: جواز انقلاب الأعيان بالقدرة إلى ما شاء الله وجواز أخذ الدين، وما كان من الادخار من حطام الدنيا في ثلاثة أيام فدون فليس بادخار وما ادخر لأداء الدين - وإن كان أكثر من ثلاثة أيام - فليس بادخار أيضاً، وأخذ الدنيا لأن تكون للآخرة فليس بدنيا، والإرشاد إلى الزهد.

(1) لم نعثر على مصدره. (۲) كذا والصواب «النبي» . (۳) سورة الأعراف من الآية ۱۸٥ (٤) سورة ال عمران من الآية .۱۹۱ .

(٥) لم نقف على مصدره .

تؤخذ هذه الوجوه كلها من قوله عليه السلام) ما أحب أنه تحول لي ذهباً يمكث عندي منه دينار فوق ثلاث إلا دينارا أرصده لدين فإن قال قائل : ما تمنى وإنما نفى التمني. قيل له : ليست الصيغة كذلك. ما نفى إلا المكث فوق الثلاث إلا إبقاء الدينار إلى الدين. فلو كان نفياً للتمني فعلام يكون تقرير الحكم بعد مثل ذكر الدين وغيره؟ وهذا ما لا يعقل عند من يفهم مقاطع الكلام، وكان يكون من قبيل اللهو والهذر ، وهذا في حقه عليه السلام، محال .

وفيه أيضاً إشارة أخرى، وهي الإشارة إلى تقليل الدين. يؤخذ ذلك من كونه، عليه السلام، حدد ما يدخره لدينه بالدينار الواحد ولم يقل (شيئا) أرصده لِدَيْن، الذي (١) ينطلق على القليل والكثير . فلما أتى عليه السلام باللفظ الذي يتناول القليل، وترك ما يصدق على الوجهين، علمنا أنه قصد ما أبديناه . وقد قال أقل من الدين تعش حراً) (۲) .

وقوله عليه السلام) إن الأكثرين هم (الأقلون هنا ،بحث وهو أن يقال : ما معنى قوله الأقلون)؟ احتمل وجوهاً : منها: الأقلون خلاصاً من أجل ما يترتب عليهم من الحقوق والمناقشات ولذلك قيل (حلالها حساب وحرامها عقاب) (۳) .

واحتمل أن يكون المعنى : الأقلون حسنات، لأنه وإن كثرت حسناتهم هنا فتكثر المطالب هناك، فتقل الحسنات، لأن المخالطة والأخذ والعطاء يدخل بينها من الكلام الممنوع والأشياء المحذورة كثير، وهو لا يشعر .

ويحتمل أن يكون المعنى : الأقلون توفيقاً، لأن الأموال لبعض الناس تشغلهم عن التعبدات

وسلوك طريق النجاة .

وقد يكون المجموع . ومن أجل هذا أعقبه بقوله عليه السلام) إلا) من قال بالمال هكذا وهكذا - وأشار أبو شهاب بين يديه عن يمينه وعن شماله احتملت إشارة أبي شهاب هنا أن تكون مرتين، كما هو لفظ النبي قبله . ويكون معنى قوله ( بين يديه) حكاية حال واحتمل أن تكون إشارة أبي شهاب هذه ثلاثة وتكون (عن) بدلاً من حرف العطف، أو عن مضمرة. وكذلك كان فعله عليه السلام ،قبل بالقول مرتين وبالفعل ثلاثة وأراد أبو

جملة

(۱) يعني شيئاً .

(۲) رواه البيهقي في الشعب بلفظ (أقل من الدنيا تَعِش حراً).

جزء من كلمة طويلة لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه في وصف الدنيا (إحياء علوم الدين (۲۲۳/۳) .

شهاب أن يفعل مثل الذي سمع منه عليه السلام، وأبصر (۱) - وهو الأظهر - لأنه قد جاءت رواية (وعن يمينه) بإثبات الواو في إشارته نحو اليمين بهذا الإنفاق الذي هو على هذا الوجه، وما أقله إلا على من وفقه الله تعالى وقليل ما هم من تلك القلة المشار إليها ويدخل في قوله عليه السلام (لا حسد إلا في اثنتين وقال في أحدهما (رجل أعطاه الله مالاً فسلطه على هَلكته في الحق) (٢)

التأكيد.

وبقي البحث هنا على كونه عليه السلام، أشار ثلاثة لتلك الجهات احتملت وجوهاً . منها أن تكون نفقته في الواجب والمندوب وزيادة على ذلك، وتكون الزيادة إشارة إلى

و احتمل أن تكون كلها تأكيداً في النفقة، لأنه عليه السلام، إذا كان الأمر عنده له بال

يكرره ثلاثاً.

واحتمل أن يريد بالثلاث : الثلاثة الأقسام الشرعية والأقسام الشرعية هي : الواجب وضده والمندوب وضده، والمباح فأشار إلى الواجب والمندوب والمباح ، وترك الحرام والمكروه، لأن المباح يعود بالنية مندوباً، وأقل مراتبه هو خير من الادخار .

ويترتب عليه من الفقه أن الأحكام لا تُقعَّد على محتمل، ويجوز زوال المحتمل بأي نوع أمكن، بإشارة أو عادة. ومما يزيد ذلك إيضاحاً : لَمَّا كان آخرُ الحديث عند قوله (وإن فعل كذا وكذا لا إلباس فيه ولا احتمال وإنما هي نوعان كما أبديناه لم يشر بيده . ولما كانت هنا الإشارة إلى الإنفاق الذي يُخرج صاحبَه من تلك العلة المشار إليها لو كانت واحدة لوقع الاحتمال هل أراد الفرض ليس إلا ، أو أراد وجوه الإنفاق كلها؟ وكان يحتمل للمتعسف أن يدخل فيها المكروه، وكذلك لو أشار رابعة إلى خلفه لدخل فيها من الاحتمال إنفاق المكروه لمن كان يتعسف ، فأزال (۳) عليه السلام الإشكال، وبيّن بالإشارة أتم بيان .

وفيه دليل على أن من أدب الصحبة ألا يخلو الصاحب عن صاحبه، ولا ينفرد عنه إلا بإذنه . يؤخذ ذلك من كون سيدنا لم ينفرد عن أبي ذر إلا بعدما قال له ( مكانك حتى آتيك) .

(۱) كأن المؤلف - رحمه الله - يشير إلى أن هذه الإشارة باليد التي أشار بها أبو شهاب دليل على زيادة الضبط ، وهذا اللون من الأحاديث دعاه علماء الحديث بـ (المسلسل) (انظر تدريب الراوي (۱۸۷/۲ (۲) متفق عليه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ولفظه (لا حَسَد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويُعلمها، ورجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته بالحق.

(۳) هنا جواب «لما» .

م

وفيه دليل على أن (المحب بسوء الظنّ مولع) (۱) . يؤخذ ذلك من قوله لما تقدم سيدنا رسول الله غير بعيد وسمع الصوت، جاءه الخوف على النبي عليه السلام فهم بأن يأتيه، فتذكر الأمر، فالتزمه. ويؤخذ منه أن امتثال الأوامر هـ أعلى القربات، لأنه لما رأى أبو ذر أن امتثال ،أمره عليه السلام هو أعلى وقف عنده، وآثره على ما وجد من الشفقة عليه . وهذه درجة العارفين أن تكون طاعتهم امتثالاً لا شهوة، والجاهل بضد ذلك، كما بيناه قبل .

وهي :

وفيه دليل على فضيلته، رضي ) عنه، وكذلك كان وقوله ( فلما جاء قلت يا رسول الله ! الذي سمعت ـ أو قال الصوت الذي سمعت ( الشك هو من الراوي من أجل التحري الذي فيهم، كما قدمنا في غير ما موضع ويؤخذ من قوله (الصوت الذي سمعت أن من أدب الصحبة البحث عن زوال ما يقع في القلب، لأنه لما سمع ما لم يفهم بقيت النفس متشوفة، والقلب بذلك مشغولاً، فسأل عنه ليزيل ما هناك من شغل القلب، لكونه طلب أن يتعلم حكماً من الأحكام، أو أدباً من

اداب الشريعة .

وفيه دليل على أن الأحكام لا تذكر إلا بعد التثبت فيما يحتاج إليه، وإن كان معلوماً. يؤخذ من قول سيدنا بعد ما أخبره أنه سمع (وهل سمعت؟ قلت : نعم وحينئذ أخبر بأنه كان جبريل عليه السلام، وأنه أخبره بما ذكرناه أولاً، لأن ما ذكر له هو حكم من أحكام الله عزّ وجلّ. فإعادة السؤال ثانية بعدما علم بالسمع إرشاد إلى الاهتمام بأمر الأحكام والتثبت عند إلقائها، وإن كان لها

بساط ظاهر .

وفيه دليل على عظيم قدرة القادر، يُسمع من شاء كيف شاء، ويمنع من شاء كيف شاء. يؤخذ

ذلك مما روي مراراً أنه لو كان ينزل عليه الوحي ، وهو عليه السلام بين أصحابه، وينفصل عنه وما منهم من سمع شيئاً. وهذا بالبعد منه وأسمع الكلامَ ذلك ليعلم أن الله على كل شيء قدير وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

(۱) مثل عربي.

حديث النهي عن الجلوس على الطريق

عَن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ : إِيَّاكُم وَالجُلوسَ عَلى الطَّرُقاتِ. فقالوا : ما لَنا بُدّ منها. إنَّما هِيَ مَجالِسُنا نَتَحدّثُ فيها. قالَ: فإذا أبيتُم المجالس فأعطوا الطَّريقَ حَقها. قالُوا: َومَا حَقُّ الطَّريقِ؟ قالَ : غَضُ البَصَرِ ، وَكَف الأذى، وَرَدُّ السَّلامِ، وأمْرُ بالمَعروفِ ، ونَهيٌّ عَن المُنكَرِ .

ظاهر الحديث يدل على المنع من الجلوس على الطرقات لغير ضرورة، وإن كان لضرورة فلْيُعطَ الطريق حقه . والكلام عليه من وجوه (منها) : هل النهي نهي تحريم أو نهي كراهية؟ (ومنها ) : هل ذلك في كل الطرق عامرة أو غير

عامرة؟

فأما الجواب على قولنا : هل هو على الوجوب أو الندب (۱) ؟ فلو كان النهي من شأن الطريق لا غير حينئذ كنا ننظر فيها، وإنما النهي عن الجلوس فيها من أجل ما يتوقع فيها من مد البصر إلى ما لا يجوز، أو السمع إلى ما لا يجوز أيضاً، أو لما يتعين من المفاسد فإذا رأينا أن سبب النهي هو هذا ـ وهو الذي يدل الحديث عليه - فيكون تحريماً، ويكون فيه دليل على الحكم بسد الذريعة. وإن قلنا : إنما كان النهي من أجل ما يحصل للناس من الضيق في الطريق عند تصرفهم من شأن الجلاس بها فيكون بحسب الضرر ، فإن كان كثيراً كان محرّماً ، وإن كان يسيراً من حيث لا يكون ضرراً له بال فيكون مكروهاً. والأظهر المنع من أجل أن تلك الشروط التي ذكرت أنها من حق الطريق قلما تخلو الطرق منها ، وقد قال تعالى ( وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) (٢) .

وهنا بحث وهو أن يقال : هل يتعدى ذلك إلى غير الطرق مما يقرب منها مثل الجلوس في

(1) يريد بالوجوب ما يقابل التحريم، وبالندب ما يقابل الكراهية .

(۲) سورة البقرة من الآية ١٩٥ .

على

م إلا

ذى

ـرورة

غير

ـريق

وإن

بال

في

الدكاكين لغير أهلها، والمساطب المجهولة في طرق المسلمين، أو عَتَب الأبواب، أو الطيقان (۱) التي تكشف على الأزقة؟ فإن قلنا : إن العلة في ذلك ما ذكرناه من تصرف الجوارح فيما لا يجوز لها، فحيث وجدنا تلك العلة منعنا لأنه أمر لا يحل شرعاً، حتى إن الماشي في الطرق من أجل الضرورة قد نص العلماء على أنه لا يجوز له النظر فيها إلا بقدر ضرورته ينظر حيث يجعل قدمه ، أو دفع ضرر يلحقه، ولا يبقى يتصفح في وجوه الناس وحُرَمِهم يميناً وشمالاً، لأن هذا ممنوع . فإذا كان الماشي ممنوعاً فمن باب أحرى وأولى القاعدُ الذي يُشرف على الطرق، لأنه أمكن من سوء النظر، ومن أجل ذلك قال : (النظرة الأولى لك والثانية عليك) (۲)، وهذا إذا كانت بغير تعمد، وأما إذا كانت بتعمل فالكل عليك .

وفيه دليل على أنه من كثر منه أو فيه شيء نسب إليه وجعل منه . يؤخذ ذلك من قوله، عليه السلام: (أعطوا الطريق حقها. وتلك الأربعة التي هي : غض البصر، وكف الأذى، وردّ السلام، وأمر بمعروف ونهي عن منكر ، الكل واجبة فلولا أنها أكثر ما يقع في الطرق ما جعلها من

حق الطريق .

وهنا بحث وهو أن يقال : هل المقصود من الجوارح ما ذكر ليس إلا، أو هو من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى؟ ليس الأمر مقصوراً على ما ذكر ليس إلا، وإنما هو من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى. والدليل على ذلك قوله عليه السلام وأمر بمعروف ونهي عن منكر) فتأمر غيرك بالمعروف ولا تأمر نفسك وتنهى غيرك عن المنكر ولا تنتهي أنت عنه وهذا لا يعقل ولا يكون إذ ذاك أمراً حقاً، وما وفيت حق الطريق. ويترتب عليه من الفقه أنّ من لم تكن له ضرورة للجلوس أو لا يقدر مع تلك الضرورة على

الشروط لا يجلس .

وأما هل تكون الطرق عامرة أو غير عامرة؟ فاللفظ يعطي العموم. وإن نظرنا إلى العلة فنقول : لا يخلو أن تكون الطرق في العمارة أو في البرية. فإن كانت في العمارة فحكمها كانت عامرة أو غير عامرة ،واحد فإنه لا بد فيها من تلك المتوقعات وإن كانت في فياف وقفر فما هي التي قصدت هنا ، لعدم العلة فيها، ولأن بساط الكلام لا يعطي ذلك .

(۱) الطيقان : ج طاق، وهو ما عطف وجعل كالقوس في الأبنية .

(۲) أخرج الترمذي في الأدب - باب ما يؤمر من غض البصر، وأبو داود في النكاح باب ما يؤمر من غض البصر، والإمام أحمد في المسند ۳۵۳/٥ و ۳۵۷ والحاكم في المستدرك ۱۲۳/۳ عن بريدة رضي الله عنه . قال : قال رسول الله له العلي يا علي ، لا تتبع النظرة النظرة ، فإن لك الأولى، وليست لك الثانية .

وفيه دليل على جواز مراجعة المأمور للأمر عند أمره لتبيين حاله. يؤخذ من قولهم عند النهي : (ما لنا بد) وبينوا العذر المذكور بعد، وهو أن مساكنهم كانت في غاية الضيق، ولم تكن تتحمل جلوسهم لأن يتحدثوا في ضروراتهم، فكانوا يجلسون لذلك في الطرق .

وفيه دليل على أنه إذا كان العذر بيّناً لا يطالب صاحبه بإثباته. يؤخذ ذلك من أنه لما أبدوا

العذر له ، جعل لهم المخرج، لعلمه بما قالوا .

وفيه دليل على أن أصحاب الأعذار لهم حكم خاص بحسب أعذارهم. يؤخذ ذلك من كونه عليه السلام أولاً أطلق الحكم، فلما رأى العذر الذي أبدوه حقاً أعطاهم حكماً بحسب عذرهم. وفيه دليل على تفقد الراعي أمر رعيته بنفسه. يؤخذ ذلك من متضمن الحديث فلولا أنه عليه السلام كان يتفقد ذلك من أصحابه ما كان يأمرهم بذلك من غير أن يذكروا له ذلك.

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

السياحة

ہیں

عند

وا

حديث في بيان ما يحل به الذبح وما يحرم

عَن عَباية (1) بن رفاعة (۲)

بن رافع بن خديج (٣) عَن جَدِّهِ، رَضي الله عَنهُم قالَ: كُنا (۳)

النَّبيِّ ، ، بذي الحُلَيفَة (٤) ، فأصابَ النّاسَ جُوع ، فأصابوا إبلاً وَغَنماً ، فنَدَّ مِنها بَعِير ، فَطَلبوه فأعياهُم وَكانَ في القوم خَيلٌ يَسيرَة، فأهوَى رَجُل مِنهُم بِسَهم، فَحبَسهُ الله ، ثُمّ قالَ : إِنّ لهذه البهائم أوابد (٥) كأوابِدِ الوَحشِ ، فَما غَلبَكُمْ مِنها فاصنَعُوا بِهِ هَكذا . فَقالَ (٦) : إِنَّا نَرجُو - أو نخافُ - العَدُوَّ غَداً ، وَلَيسَت مَعنا مُدّى ، أفَنذبَحُ بالقصَبِ؟ قالَ : ما أنهرَ (٧) الدَّم ، وذُكِرَ اسم الله عليه، فكُلوهُ ، لَيسَ السِّنَّ وَالظُّفْرَ. وسَأَحَدُتُكُم عَن ذلكَ : أما السِّنُ فعَظم ، وأمّا الظُّفُرُ فَمُدى (۸) الحبشة .

جدي

وجوه :

ظاهر الحديث يدل على أن كل ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فهو حلال. والكلام عليه من

:(منها) هل نجتزىء في الذكاة بنص الذكاة بنص هذا الحديث أو لا؟ لأنه معنى حديث ثان، وهو قوله

(1) عباية بن رفاعة : ترجمه الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب رقم ١٦٨ فقال : ثقة من الثالثة، ورمز فيه لرواية الجماعة (ع) (۲) رفاعة بن رافع بن خديج الأنصاري الزُّرَقي بن رفاعة المدني : ترجمه الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب رقم

٩٥ وقال : ثقة من السادسة .

(۳) رافع بن خديج : انظر ترجمته في مطلع شرح الحديث (۹۲) من هذا الكتاب . (٤) ذو الحليفة : ميقات أهل المدينة المنورة، وتبعد عنها حوالي عشرة كيلومترات. (٥) أوابد : جمع ابدة، وهو الحيوان الذي توحش ونفر من الإنس

(٦) جدي : هو رافع بن خديج . (۷) أنهر الدم: أسال الدم وأجراه. (۸) المدى جمع مدية وهي السكين.

عليه السلام كل ما أفرى الأوداج (۱) وذكر اسم الله عليه فكلوه وعادة الأئمة في الحديث - ولاسيما مالك الذي هو أمير المؤمنين في الحديث - إذا كان حديث عام وآخر مقيَّد حَمْلُ العام على المقيد. فالذي عليه الجمهور أن الذكاة مع القدرة لا تجزىء إلا بقطع الأوداج وإنهار الدم. وبقي الخلاف فيما زاد عليهما ، وهو : الحلقوم والمريء، فاختلف العلماء في قطعهما. فمن قائل يقول : بقطعهما، ومن قائل يقول : بقطع أحدهما دون تعيين أيهما قطع أجزاً. ومن قائل يقول : إن المريء عنده لا يعتبر في القطع ، وإنما المعتبر ،الحلقوم ، ولا بد منه مع الوَدَجين ـ وهو مذهب مالك ـ من الحديثين، لأنه بالضرورة إذا كان المقصود قطع الودجين - والحلقوم بينهما - فهو مقطوع ومن أجل أنه أيضاً كذا نقلت صفة ذكاته ، ا في قرباته والخلفاء بعده إلى هلم جراً، والعمل لم يزل على ذلك

أجل جمع

وأما عند عدم القدرة فقد يجري الخلاف بين الأئمة من أجل الحديثين واختلف في ذلك على ثلاثة أقوال كما هو عند عدم تأتي الزَّكاة في الحُلقوم من أجل الضرورة، مثل التردي في البئر ورأسه إلى أسفل، هل ينتقل الحكم أو لا؟ على قولين وبالكراهة .

ومن أجل هذين الحديثين وقع الخلاف في الذكاة إذا كانت الغَلْصَمَة (٢) في الرأس أو لم يكن منها في الرأس شيء، هل تؤكل الذبيحة أو لا؟ فمن وقف مع نص الحديثين فإنه لم يأتِ في الذكاة غير هذين الحديثين لا غير. فمن وقف معهما أجاز ذلك ، ومن راعى العمل منع، ومن نظر إلى الطريقين كره مع الجواز وبيان ذلك مستوفى في كتب الفروع . وفي مذهب مالك فيه قولان وأما بيان كيفية الذكاة فمذكورة في كتب الفروع. وقوله : (كنا مع النبي ، ل بلدي (الحُلَيْفَةِ وذو الحُلَيْفَةِ، موضع خارج المدينة، وهو

ميقات أهلها في الحج . وفائدة قوله (كنا) ليخبر أنه هو الذي أبصر ما روى وليس بمنقول . وفيه دليل مما قدمناه على صدقهم وتحريهم في النقل حتى يكون بلا احتمال . و(أصاب) (۳) هنا بمعنى غنموا فإما بحرب وإما بغير حرب. وقد يكون خرجوا للغزو فصادفوا من مواشي العدو شيئاً - وهو الأظهر - لأنه لو كان في ذلك حرب لذكره لكونه تحرّى فيما هو أقل من ذلك . و (الناس) هنا الألف واللام للعهد لا يمكن غيره. فيكون (المسلمون) الذين خرجوا معه صلى الله عليه وسلم أو

بعضهم هم الذين أصابوا تلك المواشي .

(۱) الأوداج : جمع وَدَج، وهو عرق في العنق، وهو الذي يقطعه الذابح فلا تبقى معه حياة. وهما وَدَجان. والحديث : كل ما أخرى الأوداج إلى اخره رواه الطبراني في الكبير كما في الفتح الكبير ۳۲۰/۲ الغلصمة هي الحلق وطبياً : هي الصفيحة الغضروفية عند أصل اللسان سرجية الشكل، مغطاة بغشاء مخاطي، وتنحدر إلى الخلف لتغطية فتحة الحنجرة لإقفالها في أثناء البلع . (۳) يريد : فأصابوا إبلا .

وقوله (إبلا وغنماً فيه دليل على وجهين : الوجه الواحد أنهم لم يصيبوا غير ما ذكر، والآخر كثرة تحريهم في الأخبار .

وفيه دليل على الحث على الأ يُضاع المال : يؤخذ ذلك من كثرة طلبهم الكُلِّ البعير الواحد

الذي ند، مع كونهم قد أصابوا الغنم والإبل . ومعنى (ند): هرب و أعياهم) : أتعبهم . وفيه دليل على قوة دينهم رضي الله عنهم، لأنهم لم تكن كثرة طلبهم للبعير إلا من أجل الأمر، لأنه قال : (إن الله ينهاكم عن إضاعة المال) (۱) . ومما يقوي هذا: أن بعض الناس أتى النبي ، يشكو له الفقر . فقال له : اذهب لفلان وقل له : يقول لك رسول الله : ادفع لي مائة دينار أُزيلُ بها فقري. فذهب إلى منزله، فقيل له : هو في السوق فأتى السوق، فوجده يُماكس بياعاً على دانق فتعجب في نفسه . فبينما هو واقف ينتظر فراغه ، وإذا (۲) بوكيله قد أتاه فأخبره أنه أنفق له خمسة دراهم في بناء مسكنه ، فانتهره على ذلك . فتعجب الرجل أيضاً (۳) .

فلما ذكر له عن المائة دينار أمر وكيله في الحين أن يدفعها له . فقال : أنشدك الله ما شأنك؟ رأيتك تماكس البياع وانتهرتَ وكيلك على خمسة دراهم؟ ثم لما ذكرت المائة بادرت بالأمر بإعطائها؟ فجاوبه على ذلك بأن قال: أما البياع فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (ماكسوا الباعة فإن فيهم الأرذلين) (4) . وأما البناء فسمعت رسول الله يقول : يُؤجر المرء في نفقته كلها إلا شيئاً جعله في التراب والبناء ) (٥) . ففعلتُ ما فعلتُ لأجل امتثال الأمر ، وبادرتُ أيضاً إلى إعطاء المائة من أجل امتثال الأمر . فانظر حالهم كيف كانت الدنيا عندهم ما تساوي شيئاً، فلم يكن عنده فرق بين الدائق وبين المائة الدينار إنما كان وقوفه مع الامتثال لا غير .

وقوله : ( فأهوى رجل منهم بسهم فحبسه الله فيه من الفقه : أن الإنسيَّ عند الضرورة يُفعل به ما يفعل بالصيد من أنه يُرمى بالنبل ،وغيره غير أن الفرق بينه وبين الصيد أن الصيد يُؤكل إذا رُمي، أنفذت مقاتله أم لا، والإنسي لا يؤكل إن أنفذت مقاتله، أو بلغ به حداً لا يعيش معه . يؤخذ ذلك

من قوله : (حبسه الله لأنه لو كان أنفذ مقاتله لقال : قتله الله ، لأن المنفوذ المقاتل مقتول بإجماع .

(۱) هو معنى لأحاديث وردت بهذا المعنى منها ما رواه الشيخان عن المغيرة بن شعبة ( إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعاً وهات وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال) و ما رواه مسلم في الأقضية باب كثرة المسائل من غير حاجة، وما رواه البخاري في كتاب الزكاة باب رقم ۱۸ .

(۲) كذا والصواب إذ. (۳) لم نقف على مصدره .

قال السيوطي في الدرر المنتثرة :۱۸۹ : لا أصل له . لكن في المقاصد الحسنة ٣٧٩ وكشف الخفاء ١٠٩٣

والغماز على اللمّاز ٨٥: قال ابن حجر ورد بسند ضعيف .

(ه) رواه الترمذي عن خباب رضي الله عنه ، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح .

وفيه دليل على تغليب أحد الضررين. يؤخذ ذلك من كونهم لم يرموه بالنبل إلا عند اليأس منه

وقت أعياهم فلما أيقنوا بذهابه رموه بالنبل ؛ لأن رميه بالنبل محتمل أن ينفذ مقاتله فلا يؤكل ومحتمل أن يحبسه فلا ينفذ له مقتلا فينتفع به. فلما كان ذهابه لا طمع فيه أنه يرجع ، ورميه احتمل أحد وجهين : أدناهما إنفاذ مقاتله الذي لا يؤكل معه، لكن يتحصل فيه نكاية للعدو، والجلد ينتفع ، أو يكون أعلاهما وهو الذي حصل لهم نكاية للعدو مع أكل المسلمين له، ففعلوا (۱) الذي هو

به

أقل ضرراً .

وفيه دليل على تقديم الأنفع في الدين، وإن كان صيده أرْوَحَ للبدن . يؤخذ ذلك من كونهم

قدموا تعب أنفسهم على أن يأخذوه سالماً على رميه مع راحة أبدانهم بذلك. وفيه دليل على أنه عند الضرورة التي يُخاف مع المشورة ذهابُ الفائدة يفعل المرء بحسب اجتهاده دون مشورة . يؤخذ ذلك من صاحب السهم لما رأى أنه يفوتهم إن هو اشتغل بالمشورة رماه دون مشورة. ولم يقع من سيّدنا الله ، على ذلك إنكار عليه، بل صوب فعله بقوله بعد : فاصنعوا) به (هكذا فكان اجتهاد هذا سبباً لتقعيد قاعدة شرعية.

وفيه دليل على أن طريق الصحابة الجمع بين الحقيقة والشريعة يؤخذ ذلك من قوله بعدما رماه بسهمه حبسه (الله) فالشريعة هي ما كان من تسببه في حبسه برمي السهم . وأقر بحقيقة الحبس

الله تعالى وهي الحقيقة فجمع بين الطرفين وهو أعلى الطرق وهو المنقول عن سيدنا ، حيث كان إذا خرج حرض المسلمين وأمر الأمراء وجهز الجند وقال: أنت الصاحب في السفر) (٢) ، وأخذ الأهبة على أكمل وجوه الحذر ، فإذا قفل قال : (صَدَق الله ،وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده) (۳) ، وهذه طريقة السادة : كثرة الاجتهاد وعدم الدعوى

وفيه دليل على أن القدرة لا تنحصر بعادة ولا غيرها. يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام إن) لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش. فتراها قد توالدت في الإنسية ونسلها منها ، ثم منها ما يكون مثل الوحش لم ينفع فيه الأصل، ولا أثر فيه، وقد يرى من الوحش ما يرجع أكثر تأنيساً من الإنسي.

حكمة بالغة .

قوله : (فما غلبكم ليس على ظاهره لأنه إذا غلب حقيقة فقد راح وذهب، وإنما يكون غلب

(۱) هذا جواب لمّا) وفيه زيادة الفاء.

(۲) قطعة من حديث رواه مسلم في الحج - باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره.

(۳) قطعة من حديث ابن عمر رواه البخاري في الدعوات - باب الدعاء إذا أراد سفراً أو رجع - وفي الجهاد - باب التكبير إذا علا شرفاً ـ ورواه مسلم في الحج باب ما يقول إذا قفل من سفر الحج وغيره .

حتمل ينتفع

ي هو

ونهم

حسب

ة رماه

صنعوا

بعدما

حبس

ب في

عبده

م إن

يكون

نسي.

غلب

 باب

على ظنكم بعد كثرة الاحتيال عليه ولا ينفع ويغلب على الظن أنه ذاهب، حينئذ يفعل به مثل هذا . فهذا دليل على ما قدمناه أولاً أنه لا يحل أن يفعل به شيئاً مما يفعل بالوحش عند القدرة عليه، ولأنه

أيضاً تعذيب .

وفيه دليل على أن الأحكام في الأشياء مع الصفات لا الذوات بأعيانها. يؤخذ ذلك من أن الإنسي له حكم والوحشي له حكم، فإذا اختلفت عادتهما رجع لذلك حكم آخر، مثل الخمر حرام . فإذا ذهبت تلك الصفة وبقي عينها انتقل الحكم .

وفيه دليل لأهل التوفيق الذين يرفعون أحوالهم بالهمم وحسن الصفات يقولون : قيمة المرء ما يحسنه . وقد ذكر عن بعض ذوي الهمم أنه كان عبداً ، ومازال بحسن همته يترقى عند سيده حتى أعتقه . فلما أعتقه قال في نفسه: ما هذه الطريقة التي أشتغل بها حتى يرتفع قدري بين الأحرار؟ قال : فاشتغلت بالعلم والعمل، فلم تتم السَّنة إلا والخليفة يستأذن علي ولا اذن له .

وفيه دليل على جواز تقرير الأحكام بالإشارة إذا فهم منها الحكم .

وفيه دليل على جواز تقرير الحكم بالمثال يؤخذ ذلك من قوله اصنعوا به .(هكذا وقوله : (فقال جدي إنا نرجو - أو نخاف - العدو غداً فيه دليل على أن الراوي كان في تلك السفرة مسلماً . يؤخذ ذلك من قوله قال جدي)، لأنه لا يكون فيه الجد من الجلد بحيث أن يخرج إلى الجهاد إلا والحفيد شاب. هذه العادة الغالبة، والنادر لا حكم له.

وفيه دليل لما ذكرناه من صدقهم وتحريهم في النقل، لأنه لما أن قام الشك معه أخبر بما وقع له في قول جده من أحد الوجهين. وقوله : ( غداً) دال على قرب العدو . ويتقوى به ما قلنا قبل، فإن هذه البهائم كانت مما لقوا بلا قتال لقربهم من العدو. وإذا ،قرب ، ، ، كان الرعب أمامه كما أخبر

(شهراً) (۱) فكيف بيوم؟ فقد يكون منهم ذهول وخوف فيتركون البهائم ويهربون بأنفسهم. وفيه دليل على جواز العمل في الأمور على جري العادة و اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ) (٢) . يؤخذ ذلك من قوله (إنا نرجو - أو نخاف - العدو غداً وليست معنا مدى فعملوا على ما تقتضيه العادة عندهم، لأن في غد يكون لقاء العدو. وسلم ذلك النبي ا ل ، لأنه أجابهم بالحكم فيما سألوا عنه وهنا سؤال وهو : أن يقال : لم سألوا عما يذبحون به مع لقاء العدو؟ فقال بعض الناس : ما سألوا عن ذلك إلا لأنهم لم يكن لهم غير مسكين واحدة، فخافوا إن هم ذبحوا بها حفيت، ولم يكن

(۱) متفق عليه من حديث جابر رضي الله عنه بلفظ : ونصرت بالرعب مسيرة شـ

(۲) سورة آل عمران، من الآية ٤٧ .

البدالله (1)

لهم ما يقاتلون به العدو. وهذا من الضعف بحيث لا خفاء فيه من وجوه، لأن هذه المرة كان المسلمون قد أخذوا قبل ذلك من عُدَدِ العدو مثل يوم بدر وغيره ما تقوَّوا بها على الحرب، وإنما كانت الغزوة التي لم يكن لهم فيها سوى رمح واحد وسيف واحد وسكين واحدة وفرس واحد في يوم بدر لا غير . والوجه الثاني : ما يحتاج من السكين للعدو خلاف ما يحتاج منه للذبح، فإن طرفه هو الذي يحتاج للعدو، وحده للذبح .

والوجه الآخر وهو أنه إذا كانت بحيث تحفى من الذبح فلا فائدة فيها للعدو وإنما - والله أعلم لما أخبرهم ، أن من ندّ من هذه البهائم يفعلون به ما فعلوا بهذا ، وكانت الآلة عندهم - مع كونهم مجتمعين - متمكنين منها، وعند لقاء العدو في غد : كل واحد يكون في نفسه وما عنده من العدة لا يمكن أن يُعِيرها، ولا يزول عن الجهة التي يرتبه الأمير فيها ولا يحيد عن الأمر الذي يُوكل إليه فخاف (٢) أن تندّ مما يغنم المسلمون أبعرة من جهات مختلفة، فما يكون منها ندّ من جهة لم يكن للذي يطلبه ما يذبحه به من أجل ألا يقع منهم تفريط من قلة العلم بماذا يعملون أو يعملون على اجتهاد منهم بعد أن حصل لهم موطن يمكن فيه التعلم والسؤال على ما يعملون . فيؤخذ من هذا الموضع على هذا التوجيه - وهو الظاهر والله أعلم - وجوه من الفقه منها : استنباط الأحكام قبل وقوع القضايا، لأنهم سألوا عن شيء قد يقع أو لا يقع . ومنها : الاستعداد للممكنات قد تقع أو لا تقع، لأن ذكرهم ما يفعلون مما هو ممكن وقوعه

هو الاستعداد له .

وفيه العمل على الرجاء في فضل الله، وليس هو من باب الطمع . يؤخذ ذلك من كونهم عملوا على إصابة الغنيمة عند اللقاء وهذا هو العمل على الفضل، ولأنه محتمل للضد، لكن العمل في هذه المواطن على فضل الله بقوة الإيمان، وتكون النكاية للعدو بذلك أقوى ولا تكون النية في القتال من أجل الغنيمة فيخرج عن كونه ممدوحاً. ولكن هذه من باب المبالغة في النصر لأنه من لازمه. وفيه دليل على تحصيل الأشياء الموجبة للامتثال والاحتياط فيما هو ممكن فيها، لأن

سؤالهم ذلك من أجل ألا يتعذر عليهم من توفية الأمر شيء. وفيه دليل على أن ما يعم المسلمين الخاص والعام فيه سواء ، ويعمل به الشخص فيما يعم، كما يعمل فيما يخص . يؤخذ ذلك من سؤال هذا، وبالقطع أن فيهم من له العدة، وقد يكون السؤال ممن له العدة فسأل عن حكم عام له ولغيره .

(۱) المعروف في السيرة أنه كان في بدر مع المسلمين فرسان وثمانية سيوف

(۲) هذا جواب لمّا وزاد فيه الفاء .

ن

ـمن

م

ويترتب عليه أن تارك السؤال عن الممكن إذا كان فيما يقدم عليه مع وجود المحل لذلك

تفريط . يؤخذ ذلك من حال هذا السائل لكونه سأل عن شيء مما يمكن أن يلقوه في غد . وفيه دليل على أن من النبل اغتنام سؤال العالم حين إمكان ذلك، وإن كان الأمر الذي يسأل عنه لم يقع بعد. يؤخذ ذلك من كون هذا لما رأى موجباً للسؤال سأل، وهذه الفوائد كلها سبب وجودها تسليم سيدنا ، في ذلك، وجوابه لهم على ذلك .

وفيه دليل على أن يعمل على الأغلب في جري العادة يؤخذ ذلك من أن الغنيمة عندهم كانت الأغلب في جهادهم، فعملوا على غالب العادة.

وقوله : (أفنذبح بالقصب) يعني بالقصب إذا كان محدداً، فلولا كان الذبح عندهم قد تقرر وعلم ما قال : أفنذبح بالقصب؟

وهنا بحث وهو: أن السؤال إنما كان عن الة الذبح لا عن الذبح ، فجاوب لا لالا لال بجواب أتم من السؤال، ويغني عن البحث الأول الذي أوردناه أول الحديث. وحجة من احتج إلى غير ذلك من التخصيص بوجه من الوجوه المتقدمة ،وغيرها فقال : كل ما أنهر الدم) والذي ينهر الدم فيجعله يجري كجريان النهر في الذبح المعلوم لا يكون إلا بقطع الأوداج لا بغيرها، فإنه إذا ذبح أحد بهيمة ولم يقطع في ذبحه إياها وَدَجاً لم يكن يجري من الدم إلا اليسير، لأن الله عزّ وجلّ، أجرى حكمته بأن أسكن الدم في العروق وفيها جريانه الأعظم وما في اللحم منه إلا اليسير، فلا يكون في اللحم من الدم إذا قطع - وإن جرى منه دَمٌ - مُسْتَنْهَر إلا جرياً يسيراً. فانظر إلى هذا الإعجاز في الجواب وحسن الفصاحة فيه فبهذا التوجيه في هذا الحديث يكون في الذكاة وأنه كاف لا يحتاج إلى غيره، ويجتمع فيه الحكم كله .

وفيه من الفقه أن الأكثر في الفائدة في رد الجواب إذا سئل عن وجه خاص أن يرد بأمر عام، يدخل المسؤول عنه وغيره فيه لأنه لما سأل السائل عن الذبح بالقصب عوضاً عن المدية أجاب بما هو أعم من ذلك بقوله ( كل ما أنهر الدم) فقد دخل تحته القصب وغيره .

، وفيه ما يدل على تحديد الة الذبح لأنه لا ينهر الدم أي يجعله يجري كما يجري النهر إلا قطع الآلة، وإلا كان جريه شيئاً فشيئاً .

وفيه دليل على سرعة ،الذكاة لأن تلك الصفة لا توجد إلا مع السرعة. هذا يؤخذ بالمباشرة لمن أراد اختباره، لا ينظر ذلك من طريق عقله ونظره، لأن حقيقة الصفات في الأشياء لا تؤخذ إلا بالمشاهدة. والذي يعدل عن هذا متعد لا يعرف الأمور التي تؤخذ بالعقل، ولا الفرق الذي بينها

وبين الذي يؤخذ بالمشاهدة والتجربة. ولذلك روي عن أهل العلم والفضل : أن علم التجربة قائم

بذاته لا مجال للعقل بالحكم عليه في منع أو إجازة بتحقيق أو محتمل .

وفيه دليل على ما خص الله عزّ وجلّ به هذا السيد ، من معرفة الأمور على اختلافها على حقيقة ما هي عليه . لكن هذا الذي أشار لا والله ما يقدر الفقيه أن يعقله، ولا يصل إليه أبداً، ولو كان يحوي من العلوم ما حوى حتى ينضاف إليه مع ذلك تجربة في ذلك الأمر الخاص، ولا أهله الذين يعيشون معه لا يعرفون ذلك منه إلا حين يكون عندهم شيء من علم وورع .

يسير

وفيه دليل على وجوب التسمية في الذكاة يؤخذ ذلك من قوله : (وذكر اسم الله عليه والجمهور على وجوب ذلك فيها، وإن تركها عمداً لا تؤكل تلك الذبيحة إلا على خلاف لبعضهم قالوا بدينه ذبحها ) ، وتأولوا قوله عليه السلام (ذكر) اسم الله عليه أي أهل الذكر عليه وإن لم يذكره في الحال. وهذا تعسف ومصادمة للحديث وكفى بها. وإن كان الترك بالنسيان لم يختلف في أكلها أيضاً إلا خلافاً يسيراً لقوله عليه السلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) (۲). والذي منع الأكل مع النسيان وقف مع ظاهر الحديث والجمهور على الجواز. وقوله ليس) السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك. هل هذا من كلامه، ، أو من كلام

الراوي؟ احتمل . والأظهر أنه من كلام الراوي .

وقوله : (أما السن فعظم) يعني كل عظم لا تحديد فيه، وإن كان مثل السن يثقب لا يُذَكَّى به لخروجه عن الصفة التي وصف صلى الله عليه وسلم .

وفيه دليل يقوّي ما قلناه آنفاً أنه يؤخذ منه أن يكون حداً يفري، لأن السن قد يقطع به إلا أنه بعد رض وما المقصود من الذكاة الشرعية إلا أن يكون قطعاً دون رض، لأن الرضَ فيه تعذيب للبهيمة . وقد نهى الشارع عليه السلام عن تعذيبها، وعن أن تُصَبَّر للقتل .

وأما قوله (وأما الظفر فمدى (الحبشة أي أن الحبشة يتخذونها مدى يذبحون بها، فنهى عن ذلك مع أنها قد يذكى بها شيء صغير وتفرى ،أوداجه، لكن هي ميتة والانتفاع بالميتة ممنوع ، لأنه يذكر أن الحبشة يربون الظفر حتى يذكوا به. فنبه عن هذا من أجل أنه ليس فيه تحديد لكن من أجل علة أنه ميتة وجب الحذر. وفي هذا تنبيه أن يكون الشيء الذي يُذَكِّى به طاهراً حلالاً. فأزال كل محتمل احتمله العموم الذي أطلق عليه السلام بقوله كل ما أنهر الدم عن الضعيف الفهم كما

(۱) المراد: أنه مسلم، ويفترض في دينه الذكر لاسم الله ، ولو لم يجر على لسانه، وهذا عند الشافعي الذي يجيز الذبيحة من المسلم ، ولو لم يسم عليها عمدا .

(۲) تقدم تخريجه في الحديث (۸۱) .

تقدم البحث في أن القوي يحصل له بمجرد اللفظ الحكم العام على ما أبديناه، ثم يبقى ضعيف احتاط عليه السلام من أجله . الفهم ،

فإن قلنا : هذا من قول الشارع ، ، ، فلا ،بحث ، وإن كان من الراوي - وهو الأظهر - كما قلنا : فهو لما فهم من رسول الله الا الله ما أبديناه قبل . والنهي قد ثبت في ترك الانتفاع بالميتة . نبه على هذا من أجل تحقيق الحكم، ولئلا يكون ما روي هو من هذا الحكم في هذا الحديث سبباً لمن يكون

ضعيفاً في فهمه يجاوز الحد بسببه، فيكون هو سبب ،المحذور، فأزال ذلك الاحتمال بهذا البيان وهذا دال على فضله ودينه أن يتحرى ممكناً يقع فيجيء آخر الحديث كأوله، لأنه أولاً سأل من أجل ممكن يكون كما بيناه والآن زاد بياناً من أجل ممكن آخر يقع. وهذا تأكيد فيما بيناه، وزيادة فائدة أنه ينبغي لمن رزقه الله فهما أن يعظ من ليس مثله ويزيد له في البيان بقدر فهمه، فيكون سبباً في الخير للضعيف. وهذه صفة العلماء، لأنهم لما فهموا عن الله ورسوله ، بذلك النور الذي من به عليهم بسطوا الأحكام وبينوها حتى فهمها من ليس في طبقتهم، وفهم الآخرون ما فهموا عن السادة إلى من هو دونهم حتى فهموا هكذا حتى فهم الدين العالم بعلمه، والجاهل بجهله، وهذه صفتهم التي أخبر عزّ وجلّ بها في كتابه قال وَلَكِن كُونُوا رَبَّنِعنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾ (١)

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

(1) سورة آل عمران، من الآية .۷۹

حديث الاستقامة على حدود الله والنهي عن المنكر

رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قالَ : مَثَلُ القَائِمِ على حُدودِ

عَنِ النُّعمان بن بشير (۱) ، رَضي الله والواقِعِ فيها كَمَثَلِ قَومِ اسْتَهَمُوا (۲) علَى سَفِينَةٍ، فأصابَ بَعضُهُم ،أعلاها، وبَعضُهُم أسفلها . فَكانَ الَّذينَ في أسفُلِها إذا استَقَوا مِنَ الماءِ مَرُّوا على مَن فَوقهُم فَقالوا : لو أنا خَرَقْنا فِي نَصيبنا خَرْقاً وَلَم نُوْذِ مَن فَوقنا . فإن يتركُوهُم وما أرادوا هَلَكُوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهِم نَجَوْا ونَجَوْا جميعاً .

ظاهر الحديث يدل على أن الذين يُظهرون المناكر إذا لم يغير عليهم هلكوا وهَلَكَ مَن لم

يغير عليهم، وإن غير عليهم نجا الجميع. والكلام عليه من وجوه (منها) أن يقال : ما معنى النجاة هنا؟ وما معنى الهلاك ؟ فالجواب) احتمل أن يكون حسّياً، واحتمل أن يكون معنوياً.

فأما المعنوي فإن الواقع في الذنب قد أهلك نفسه لما يؤول إليه من العذاب بسبب ما فعل،

النعمان بن بشير الخزرجي الأنصاري أمير وخطيب وشاعر من أجلاء الصحابة من أهل المدينة. له ١٢٤ حديثاً . شهد حرب (صفين مع معاوية، وولي قضاء دمشق، ثم ولي اليمن لمعاوية، ثم استعمله على الكوفة، ثم ولاه حمص واستمر فيها إلى أن مات يزيد بن معاوية، فبايع النعمان ابن الزبير، وتمرد أهل حمص، فخرج هارباً، فاتبعه خالد بن خلي الكلاعي فقتله سنة ٦٥هـ / ٦٨٤م . وإليه تنسب ( معرة النعمان حيث مرّ بها فمات له

ولد، فدفنه فيها ، فنسبت إليه .

(۲) استهموا اقترعوا ضربوا القرعة بينهم وأصل الكلمة مأخوذة من السهام، حيث كان الجاهليون يضربون بها في الميسر، وهي (القداح) فمن خرج سهمه فهو الرابح . وظلت الكلمة (استهم ، وساهم تحمل معنى (ضَرَبَ القرعة في الإسلام، إذ جاء قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام، فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ ) أي : قارع أهل السفينة فقرع ومنه قوله عليه السلام لرجلين احتكما إليه في مواريث قد دَرَسَت: اذهبا ،فتوخيا ثم استهما . ثم ليأخذ كل واحد منكما ما تخرجه القسمة بالقرعة ، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه فيما أخذ وهو لا يستيقن أنه حقه) .

والذي لم يغير عليه ،مثله لأنه أمر بالتغيير عليه، فلما لم يغير عليه وقع هو في ذنب آخر، وهو تركه التغيير المأمور به ، فأهلك نفسه بما يؤول إليه من العذاب أيضاً. فإن أخذ عليه وأقام عليه حد الله تعالى فقد نجا الفاعل للذنب بالحد الذي أقيم عليه ، لقوله ، ل ( الحدود تُكَفِّر عن صاحبها ، ومن عوقب في الدنيا فهو كفارة له )) ، وقد تقدم الكلام عليه في موضعه من أول الكتاب، ونجا أيضاً الذي غيّر بإنكاره عليه، وأقام حكم الله تعالى كما أمر ، وترتب له على ذلك الثواب الجزيل، وقد أثنى الله عزّ وجلّ عليهم بقوله ( وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ) (۲) . واحتمل أن يكون حسيّاً، لأن صاحب المعصية يُخاف عليه الهلاك في هذه الدار ، وكذلك الذي لم يغير عليه بمقتضى الكتاب والسنة .

أما الكتاب فقصة أهل السبت لَمَّا نُهوا عن الاصطياد فيه، وكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شُرَّعاً، كما أخبر عزّ وجلّ في كتابه فاحتالوا على ذلك، وأخذوا الشِّبَاك ونصبوها ليلة السبت، ثم أخذوها يوم الأحد، وقالوا لم نَصِد يوم السبت، فنهت طائفة عن ذلك، وسكتت طائفة، : وفعلت طائفة . فأما الفاعلة فأهلكها الله وأما المغيّرة فنجّاها الله وأما الساكتة فمختلف فيها . فقيل : إنها نجت . وقيل هلكت و الجمهور على هلاكها .

وأما السنة فقوله : (إذا رأيتم الظالم ولم تأخذوا على يديه يوشك أن يَعُم الله الكلَّ بعذاب)(۳)، وكان هذا جواباً حين سئل عن قوله تعالى ( لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُه ) (٤) وقد نبه أبو بكر ، رضي الله عنه عن هذه الآية بمثل هذا فقال : لا يغركم القوم بهذه الآية، فإني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها . فأخبر بمثل ما تقدم ذكره

قال العلماء : معناه : لا يضركم كفر الكافر إذا ضربتم عليه الجزية، ولا يضركم معصية العاصي إذا أقيم عليه الحَدّ. وهو وجه حسن يجتمع به معنى الآي والحديث. وقد جاء الأن يقام حد من حدود الله ببقعة خير من أن تمطر السماء عليهم ثلاثين يوما (٥) وقيل : (أربعين يوماً) لما يعود

(۱) هو معنى لحديث رواه الإمام أحمد في المسند عن خزيمة بن ثابت والشيخان عن عبادة بن الصامت. ونص رواية الإمام أحمد (من أصاب ذنباً فأقيم عليه حد ذلك الذنب فهو كفارة له .

(۲) سورة الحج من الآية ٤١ . (۳) رواه أبو داود والترمذي وصححه وابن ماجه والنسائي وابن حبان من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، ومطلعه : يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية : ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ... إلخ

(٤) سورة المائدة، من الآية ۱۰۵ .

رواه النسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه ، بلفظ : حَدٌ يُعمَل في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً.

عليهم من البركة والرزق . وقد يُراد المجموع ، وهو الظاهر من الحديث، لأنهم إذا تركوهم يفتحون في نصيبهم، فدخل الماء فهلكوا ، فهم تسببوا في هلاك أنفسهم ، ومن تسبب في قتل نفسه فهو هالك في الآخرة وهالك في الدنيا . فهلاكه في الدنيا ذهاب نفسه، وفي الآخرة دخول النار ، وهو أعظمها . وفيه دليل على أن الأولى في تقرير الحكم بضرب المثال يؤخذ ذلك من كونه، عليه السلام، شبههم بأصحاب السفينة

وفيه دليل على جواز الاستهام يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام استهموا على سفينة). وفيه دليل لمن يقول بجواز قسمة ما لا ينقسم فإن السفينة لا تنقسم، ولو كانت قسمة منافع

لا حقيقة لما قالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خَرقاً، لأنهم قد جعلوه نصيباً لأنفسهم. وفيه دليل للقوم الذين يرون ترك حظ الأنفس ويقولون إن فيه الخلاص وبه السعادة.

وهؤلاء ما جعلهم يفتحون الخرق في نصيبهم إلا حظ النفوس كيلا يحتاجوا إلى غيرهم. وفيه دليل على أنه من عانَدَ القدرة بخلاف ما أجرته الحكمة فإنه يهلك . يؤخذ ذلك من كون هؤلاء أرادوا أن يفتحوا الخرق إلى البحر في قعر السفينة الذي هو أسفلها، وأرادوا أن يعاندوا البحر حتى يكون بحكمهم، لأن البحر هو من أدل دليل على عظم قدرة الله . ولذلك قال عمر رضي الله ، عنه : خَلْقٌ عظيم يَركَبُهُ خَلْقٌ ،ضعيف، ولولا آيةٌ في كتاب الله لَضَرَبتُ من يركبه بالدِّرَّة ، ثم إجراؤه عزّ وجلّ، السفن فيه من عظيم الحكمة . فلما أراد هؤلاء أن يعاندوا ما هو صادر عن القدرة العظمى بخلاف ما أجرته الحكمة العليا هلكوا. وكذلك في جميع الأشياء الصادرة عن القدرة مَنْ صادمها بخلاف ما جرت به الحكمة .

ثم انظر إلى قوله عليه السلام إنَّ النَّذر لا يردّ شيئاً وإنما يُستخرَج به مال البخيل ) (۱) ، وقال عليه السلام ادفعوا البلاء بالصدقة واستعينوا على حوائجكم بالصدقة) (۲) لأن الصدقة شاءت الحكمة الربانية أن تكون سبباً لرد البلاء، فجاء صاحب النذر فأراد أن يمشي له غرضه من المقدور بخلاف ما أحكمته الحكمة من الصدقة فلم ينجح له ،عمل وربما اتكل على نذره فيهلك. والأشياء كثيرة من هذا النوع إذا تتبعتها تجدها كثيرة والعلة في ذلك واحدة

وفيه دليل على أن المالك وإن ملك ماله فليس له فيه التصرف التام، لأن هؤلاء وإن ملكوا فقد أمر الشارع عليه السلام عند تصرفهم الفاسد أن يُحجَر عليهم تصرفهم ومن هذا الباب

(۱) رواه الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما، ورواه البخاري في القدر وفي الإيمان ومسلم في النذر، وفي

الروايات اختلاف يسير في اللفظ .

(۲) تقدم تخريجه في الحديث (۸۷) .

ـون

ـك

ـليه

ن

الله

رة

ل

التحجير على السفيه وعلى أصحاب الجنايات، لأن لهم التصرف بحواسهم، فإذا تصرفوا على غير ما أمروا حُجر عليهم تصرفهم. وربما قد تعدم لهم الجوارح من أجل سوء تصرفهم مثل قطع يد السارق وكما أشبهه وفي هذا إشارة إلى قول مالك في مال العبد إنه مالك غيرُ مالك) . وها نحن الكل عبيد، وحالنا في أموالنا وحواسنا علي هذه الطريقة، يطلق علينا أنا نملك الملك التام ثم بحجر علينا الحجر التام ( حِكَمَةٌ بَلِمَةً فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ) (۱) وبهذا النظر خرج أهل التوفيق من الدعوى مرة واحدة وحار الجهال المساكين بدعواهم .

وفيه دليل لأهل الصفاء والمشاهدة الذين يقولون (ما أوقع من وقع فيما وقع إلا الحجاب. يؤخذ ذلك من أن أهل الأسفل يعلمون من فساد ما أرادوا أن يفعلوه ما يعلم أهل الأعلى، لكن بغيبة أعينهم من مشاهدة عين ،البحر وما هو عليه ومعاينتهم حسن سفينتهم وجودة عدتها، سهَوْا عن عظم البحر، وما هو عادته أن يفعل وركنوا إلى جودة السفينة، وظنوا أنها ترد عنهم شيئاً، فوقعوا فيما وقعوا فيه. وأهل الأعلى الذين يعاينون البحر وما هو عليه من الخلق العظيم، لم تساو عندهم سفينتهم وما هي عليه من الجودة شيئاً، ولم يجسروا أن يخالفوا أثر الحكمة، وهم مع ذلك خائفون ينظرون النَّوْءَ من أين يأتيهم. فكذلك أهل الشغل بالدنيا وهم يعلمون الآخرة على ما هي عليه، يعملون الأشياء المهلكة لبعدهم عن المعاينة بعين البصيرة وأهل اليقين والتوفيق الذين عاينوا الآخرة بعين اليقين عملوا على طريق الخلاص بمقتضى الحكمة، وهم مع ذلك خائفون . وذلك مثل أبي بكر ، رضي الله عنه ، الذي قال : (لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً) أتى بجميع : ماله وقال مجاوباً على ما أبقيت لأهلك؟ قال : الله ورسوله . فعلى قدر الكثافة في الحجاب يكون البعد، وعلى قدر البعد تكون المخالفة . فانظر إلى.

حسن هذا المثال، وما فيه من الدليل على فضل هذا السيد أن جعل في المثال مقابلة القدرة البحر الذي لا يقدر أحد أن يحيط به لا عمقاً ولا عرضاً ولا طولاً وما فيه من الأمور التي لا تكاد تنحصر . ولذلك قيل : حَدَّث عن البحر ولا حَرَجَ وجعل مقابلة الشريعة، التي هي أثر الحكمة السفينة وهي أيضاً محصورة - كما هي الشريعة محصورة بالأمر والنهي - وأن فيها مباحاً مثل استقاء الماء من فوقها وتصرفهم فيما يحتاجون إليه منه ، وأن ما عدا ذلك من داخلها ممنوع التصرف فيه، مما يشبه ما ذكر في فوقها ممنوع محرَّم . فإن أحدث في الممنوع الذي هو المحرم - ولو شيئاً واحداً - قيل : أهلكته قدرة القادر، ولم يقدر لنفسه بشيء. وجعل مقابلة القدر الجاري الاستهام، لأن الاستهام يخرج فيه للشخص ما يحب وما لا يحب مثل القدر سواء. ومن أجل ذلك

(۱) سورة القمر، الآية ٥ .

قال، عليه السلام (اسْتَهَمُوا) ولم يقل : اقتَسَمُوا . وجعل أهل الطاعة في أعلاها لأنهم روحانيون وأهل المعاصي في أسفلها لأن أهل المخالفة أخلدوا إلى الأرض، وهو الأسفل كما ضرب الله عزّ وجلّ، به المثل في كتابه بقوله تعالى ( أَخَلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَنهُ ) (۱) فسبحان من أيده

بالإعجاز والفصاحة.

وفيه دليل لأهل الطريق الذين يقولون : أنت سفينة الوجود فإن خرقت فيك شيئاً مما أمرت بحفظه فقد أعطيْتَ السفينة نفسها. وقال أهل التحقيق : إذا كانت همتك في العلى ومنزلتك عند نفسك في الثرى، وعوفيت من الدعوى، فقد قطعت المهالك كلها، وتحليت بحلية العقلاء . وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) سورة الأعراف من الآية ١٧٦ .

عز

ایده

ـوت

عند

حديث نفقة الحيوان المرهون على من يركبه أو يشرب لبن

عَن أبي هريرةَ ، رضي الله عنه ، قال : قالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم : الظَّهِرُ يُرْكَبُ بِنفَقَتِهِ إذا كان مَرهوناً ، ولَبنُ الدَّرِّ يُشرَبُ بِنفَقَتِهِ إذا كانَ مَرهُوناً ، وعَلَى الَّذِي يَركَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ

ظاهر الحديث يدل على أن الذي يركب الظهر عليه نفقته . والكلام عليه من وجوه : (منها) من الذي له ركوب الظهر، هل الراهن أو المرتهن؟

قد اختلف العلماء فيه، فمالك يقول : إن الذي له الأصل عليه النفقة وله المنفعة من ركوب أو شرب لبن إلى غير ذلك، لأن الحكم يعطي استصحاب ،الحال وأن المرتهن ما له إلا الاستيثاق الماله برهنه. وهذا هو الذي قصد النبي ، ، بهذا الحديث

والشافعي يقول : المرتهن هو الذي ينفق ويركب ويشرب لأنه هو الذي له التصرف في الرهن .

والبحث على لفظ الحديث أن يقال : إنما علق هلال النفقة في الرهن على من ينتفع بمنافع

الرهن، حتى يتبين أن نفس رهن الشيء لا يوجب للمرتهن الانتفاع به ولا تجب أيضاً عليه نفقة فأراد أن يبين انفصال حكم الذات من حكم المنفعة. فبهذا التوجيه يكون الحكم في المنفعة أيهما اشترطها، لزمته النفقة بنفس اشتراطها فإن سكتا، فليس لنا في الحديث بما نحكم بينهما، فنأخذ الحكم من خارج ، وإذا أخذناه من خارج فلنا وجهان

(أحدهما) من طريق النظر بأصول الفقه، وهو أن من له الأصل له الفرع ، فالمالك له الرقبة، فله أن ينتفع بمنافعها . وما ملك المرتهن رقبة ولا غيرها، بل حصل له بالشيء المرهون توثقة لماله لا غير. فإن حكمنا عليه بأن الغلة ،له فقد تكون الغلة أكثر مما رهن الأصل فيه من أجل طول المدة، ويكون العلف قليلاً، فنكون قد أخذنا للمالك ما له بغير حق. وبالعكس قد تكون الغلة يسيرة، وثمن العلف أكثر منها ، فبطول المدة يذهب مال المرتهن بغير عوض . وهذا يتبين بحسب

غلاء الأسعار ورخصها ، فإذا كان الغلاء كان منفعة ركوب الدابة يسيراً وعلفها كثيراً، وقد لا يحتاج المرتهن إلى ركوبها، فيدخل عليه ما قلنا من الضرر. وقد يكون مع رخص الأسعار علف الدابة لا قيمة له في ذلك الوقت إلا قدر يسير وثمن ركوبها كثير فيلحق الضرر لصاحب الدابة كما ذكرنا . وقد قال صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضرار ) ) .

و(أما من طريق النقل ) فقد قال له : ( إن لصاحب الرهن غُنمه وعليه غُرمه)(۲). فما زاد في الرهن فلصاحبه وما نقص منه فعليه وغلته من جملة زيادته، فيجب أن تكون له .

وفيه دليل على جواز الرهن. وهنا بحث في قوله عليه السلام ولبن) الدَّر ) ولم يقل مطلقاً . فإنما قال صلى الله عليه وسلم (الدر) تحرزاً من أن يرهن أحد اللبن في وعاء، فيتأوَّل المرتهن أن له أن يشرب منه ، فيكون يأخذ مال الغير بغير حق، لأن كل ما يجوز بيعه شرعاً يجوز ،رهنه ولبن الدرّ هو الذي يُدَر من الضرع فإنه فتح من الغيب والحَلب يَدْره ويزيد فيه والذي لا يكون في الضرع الأخذ ينقصه ، وهو أيضاً لا يحتاج إلى نفقة. : ويترتب على هذا التحرُّز في اللفظ وأن من يتكلم بكلام يبقى فيه احتمال ما يجب عليه أن يحرره حتى يذهب ذلك الاحتمال .

وقوله عليه السلام وعلى الذي يركب ويشرب النفقة بيانا (۳) لما قدمناه من البحث الذي ذكرناه أن الدليل يكون من خارج ، لأن قوله عليه السلام أولاً الظهر يُركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولين الدَّر يُشرب بنفقته إذا كان مرهوناً تَمَّت الفائدة (٤) . فعلى ماذا زاد بعد (وعلى الذي يركب

ويشرب النفقة؟

خارج

فإن قلنا : تأكيداً للحكم، فيكون معنى الحديث كله واحداً. ويؤخذ الحكم كما ذكرنا من

وإن قلنا، وهو الأظهر : إن هذه الزيادة تبيين لحكم ثان - وهو أنه أولاً جعل النفقة على من

(1) رواه ابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه ، ورواه الدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وصححه الحاكم على شرط مسلم. انظر) حاشية جامع الأصول للأستاذ عبد القادر الأرناؤوط ٦٤٤/٦ .

(۲) رواه ابن حبان والدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (انظر تلخيص الحبير للحافظ

٣٦/٣ و ٤٠ ) .

(۳) يعني : كائن بياناً . (٤) يريد تمَّت الفائدة به .

اشترط المنفعة، وأن الثانية إذا لم يكن شرط - فتكون النفقة على الذي له الركوب والجلاب، وهو صاحب الأصل . والله أعلم .

وحمل اللفظين، إذا كان كل واحد منهما مستقلاً بذاته على معنيين، خير من حملهما على معنى واحد. والأصول تشهد للمعنيين، فيكون ذلك الظاهر من أجل هاتين العلتين ومن أجل ما قدمنا ذكره من الضرر اللاحق لأحدهما، وعلى هذا الوجه ينتفي الضرر، ويستقيم الحكم على جري القواعد الشرعية . والله الموفق للصواب .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

حديث الأمر بالعتق عند الكسوف

عَن أسماء بنت أبي بكرٍ (۱) رضي الله عَنهُما ، قالت : كنَّا نُؤْمَرُ عِندَ الكُسُوفِ بِالعَتاقَةِ . ،

ظاهر الحديث يدل على الأمر بالعتاقة عند الكسوف والكلام عليه من وجوه

(منها) أنه يعارضنا ما ثبت بسنته عليه السلام ،وبقوله : (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يُخسفان لموتِ أحدٍ ولا لحياته. فإذا رأيتم ذلك بهما فافزعوا إلى الصلاة) (۲). وقد ثَبَتَتْ كيفيتها، وأنها سنة مؤكدة. فالجواب أن الحديثين ليس بينهما تعارض ويكون الجمع بينهما بأن نقول : إن الصلاة لها - على ذلك الوجه المشروع - هي السنة، لكونها يقدر عليها كل أحد، فقير غني، وكبير وصغير، وإن العتاقة مندوب إليها لمن قدر عليها .

وهل يقتصر على العتاقة ليس إلا ، أو هي من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى؟ فالظاهر أنها من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى، بدليل ،قوله جلّ جلاله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالاَيَتِ إِلَّا تخويفا) (۳) فإذا كانت من التخويف فهي داعية إلى التوبة والمسارعة إلى جميع أفعال البر، كل

(1) أسماء بنت أبي بكر الصديق بن أبي قحافة عثمان بن عامر - رضي الله عنهم - ذات النطاقين. صحابية من الفضليات اخر المهاجرين والمهاجرات وفاة وهي أخت عائشة لأبيها، وأم عبد الله بن الزبير. تزوجها الزبير بن العوام فولدت له عدة أبناء بينهم عبد الله ، ثم طلقها الزبير فعاشت بمكة مع ابنها عبد الله إلى أن قتل. فعميت بعد مقتله وتوفيت بمكة وهي وابنها وأبوها وجدها .صحابيون. شهدت اليرموك مع ابنها عبد الله وزوجها. وكانت فصيحة حاضرة القلب واللب. تقول الشعر. وخبرها مع الحجاج بعد مقتل ابنها عبدالله مشهور عاشت مائة سنة وهي محتفظة بعقلها . وسميت (ذات النطاقين لأنها صنعت للنبي صلى الله عليه وسلم طعاماً هاجر إلى المدينة فلم تجد ما تشده به فشقت نطاقها وشدت به الطعام لها ٥٦ حديثاً. وكانت وفاتها سنة

٧٣هـ / ٦٩٢م .

(۲) متفق عليه من حديث السيدة عائشة وابن عمرو وابن مسعود والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهم أجمعين. (۳) سورة الإسراء من الآية ٥٩

حين

ـن

ـن

على قدر طاقته، ولذلك كان بعض الصحابة يقول : كنا نَعُدُّ أو نحسَب الآياتِ رحمة، وأنتم تحسبونها بلاء والحق معهم، لأنها إذا كانت تخويفاً فهي داعية إلى الخير وما هو داع إلى الخير فهو خير، ولقلة فعل الخير اليوم نحسبه بلاء .

وقد حدثني بعض مشايخي رحمهم الله قال كنا قعوداً بين يدي الشيخ إذ جاء سائل (١) ، فرأينا وجه الشيخ تغير ثم خرج السائل ورأينا وجه الشيخ سُرّي عنه. فسألناه فقال : لما سال وحُرِم خفتُ أن يكون صادقاً فيعود علينا منه ،وبال، فلما رأيت ثيابه رأيت في أكمامه فَضْلَةً تساوي نصف درهم فأيقنت أنه غير صادق، فارتفع عني ما كنت خفت من وباله .

فانظر إلى صدقهم في دينهم وتصديقهم لما قيل لهم. فهؤلاء المتبعون للسلف، رضي الله عنهم أجمعين . فلما كان أشدُّ ما يُتوقع من التخويف النارَ جاء الندب بأعلى شيء تتقى به النار ، لأنه قد جاء (من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضواً من أعضائه من النار ) (۲) فمن لم يقدر على ذلك فليعمل على الحديث العام، وهو قوله عليه السلام (اتَّقوا النار ولو بشق تمرة) (۳). فمن لم يجد فليأخذ بالحديث الآخر العام وهو قوله عليه السلام مصانع المعروف تقي مصارع السوء) (٤) فيأخذ من وجوه البر ما أمكنه ولكن لا بد من الصلاة إذ ذاك على ما سُنّت، فإن السنة

أرفع من المندوب .

وفيه دليل على رحمة الله سبحانه بهذه الأمة أن جعل الآيات مذكرة لهم ومخوفة حتى يتنبه الغافل، ويرجع الآبق ويجتهد ،الحاضر ويبادر الحازم ويرتجع الظالم، وتعم النعمة العبيد

بفضله .

وفيه دليل على كثرة رحمة الله تعالى إذ جعل هذا السيد و سببا للرحمة، لأنه هو المبين لهذه وأمثالها وقد نص عزّ وجلّ، على ذلك في كتابه بقوله وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ (٥) . لكن هنا إشارة وهو قوله تعالى ﴿وَمَا يَتَذَكَرُ إِلَّا مَن يُنيبُ ﴾ (٦) فهذه كلها ما ينتفع بها إلا من يُنيب، فإن الله عزّ وجلّ قد جعل على السعادة عَلَماً، وعلى الشقاوة عَلَماً ، فإذا

(1) حرم أي منع من الصدقة

(۲) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .

(۳) متفق عليه من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه .

(٤) رواه الحاكم عن أنس، والطبراني في الكبير عن أبي أمامة وفي الأوسط عن أم سلمة، بلفظ صنائع

المعروف).

(5) سورة الأنبياء، الآية .۱۰۷ . (٦) سورة غافر ، من الآية ١٣ .

أبصر المكلف عَلَم الخير يُسَرُّ لذلك ولا يَعْتَرُّ وَيَشكُرُ الله تعالى. وإذا رأى عَلَم الشقاوة - أعاذنا الله منها بفضله - ضرع وخاف ولجأ ورغب وشكا، لعله يقال فإن الخمر من ساعة يعود خلا). ولذلك قيل : لنفسك فانتبه وراقبها وحاسبها وبالعذاب ،ذكرها فإن وقت فخير ويا ليتها، وإن عَصَت فبالمجاهدة عاقبها ، والجأ إلى الكريم لعله يُعينك عليها، وغوائلها فاحذرها ثم احذَرُها وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

عافنا

وان

حديث إنما الأعمال بالنيات

عُمَر بن الخَطَّابِ رضي الله عَنهُ قالَ : سَمِعتُ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقولُ : إِنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ، وإنما لكُلِّ امرىء ما نَوى . فَمَن كانَت هِجرتُهُ إلى الله ورسولِهِ فَهَجرَتُهُ إلى الله، ورَسولِهِ وَمَن كانَت هِجرَتُهُ إلى دُنْيا يُصيبها ، أو امرأةٍ يَنكِحُها ، فهجرته إلى ما هاجَرَ إِلَيهِ (وَلا نِيَّة للنّاسي والمُخطىء) .

ظاهر الحديث يدل على أن لكل امرىء ما نوى ومعناه نواه بعمله وأما قولنا في إثر

الحديث : (ولا نيَّة للناسي والمخطىء) فمعناه : لا عمل له يُجزىء . والكلام عليه من وجوه : (منها) أن يقال: هل هذا على عمومه في كل الأعمال أو هو على الخصوص ؟ الظاهر أنه على الخصوص، بدليل أن الأعمال على ثلاثة أقسام نية بلا عمل وهو مثل الإيمان والكفر والحب في الله ، والبغض فيه . وما هو مثل ذلك : الذي الثواب والعقاب في ذلك على النية لا غير. وعمل بلا نية، مثل غسل النجاسة، وغسل الميت لأن المقصود من ذلك الفعل لا غير. وكذلك كل عبادة معقولة المعنى لا تحتاج إلى نية وفاعلها مأجور عليها . وما اختلف فيه العلماء من أنواع العبادات هل تحتاج فيه إلى نية أو لا تحتاج إلى نية من أجل اختلافهم في تلك العبادة: هل هي معقولة المعنى أو ليس؟ وعبادة مفتقرة إلى عمل ونية فهذه التي جاء الحديث فيها. فيكون اللفظ عاماً

ومعناه خاص .

والعمل الذي يحتاج إلى نية إذا نسي صاحب العمل النية، أو أخطأ فيها، لم يكن له عمل مجزىء عن فرضه إن كان فرضاً أو عن سُنّته، إن كان سُنّة، ولكن لا يخلو صاحبه عن أجر ، مثال ذلك : من يقوم يصلي ظهراً بنية عصر قد أخطأ في نيته ولا تجزيه عن ظهره، ولكن لا بد له من أجر . فإنه قد أتى بتلاوة وذكر وركوع وسجود وتسبيح، ونوى بذلك وجه الله تعالى . وإن كان لا يجزيه عن فرضه فأجر التلاوة إلى غير ذلك لا يضيع له، فإن الله عزّ وجلّ يقول ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ

خَيْراً يَرَمُ ) (۱) . ومثال الناسي الذي يدخل الصلاة بغير نية، فلا تجزيه أيضاً عن صلاته، ولا يخلو

أيضاً من أجر، للتعليل الذي قدمناه .

ثم قوله عليه السلام لكل امرىء ما نوى هذا فيه دليل لمن يقول : إن الأعمال، وإن تعينت هي أو زمانها لوجه ما من التعبد فإن نية الفاعل لتلك العبادة إما أن يحققها لما جعلت له، وإما أن يصرفها إلى غير ذلك، لأن العلماء قد اختلفوا في ذلك اختلافاً كثيراً .

مثال ذلك الحج وشهر رمضان من العلماء من يقول : إنه إذا صام رمضان ونوی به غیره مثل نذر أو تطوع أنه يجزيه عن فرضه، ولا تضره تلك النية، لأن الله عزّ وجلّ ، قد عيّن هذه الأيام الصوم الفرض، فلا تخرج عن ذلك، وإن أخرجها العبد وقال آخرون إنها تنتقل بنية الفاعل . ومنهم من قال : إن تغيير النية يفسدها، ولا تصح فيما نقلت إليه ، ولا فيما جعلت له . ومثل ذلك قالوا في الحج . وهذا الحديث يقوي قول من يقول : إنه ينقلب بالنيَّة لقوله عليه السلام) الكل) امرىء ما نوى وفي مذهب مالك في ذلك ثلاثة أقوال : القول الأول أنه يجزىء عن الفرض ولا يجزىء عن

غيره، وبالعكس . والقول الثالث - وهو المشهور - أنه لا يجزىء عن واحد منهما . وهنا بحث، وهو : هل النية مطلوبة في جميع أجزاء العمل من أوله إلى آخره؟ وأعني بالعمل الذي بيناه أن النية شرط في صحته ؟ على قولين : فمنهم من يقول : إنها مطلوبة في كل أجزاء العمل من أوله إلى آخره. ومنهم من يقول : إنما هي مطلوبة عند استفتاح العمل . لكن الذين يقولون : بهذا يقولون إن استصحابها في كل الأركان شرط كمال وهو مستحب فمدار الأمر على أن أوله متفق على وجوبها فيه وباقيه قيل : واجب وقيل : مستحبّ .

وفيه إشارة إلى تفضيل طريق أهل السلوك، لأنهم يتمون أعمالهم بحسن نياتهم كما تقدم في غير ما حديث . يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام لكل) امرىء ما نوى) لأنه فتح باب الزيادة في العمل برفع النية فيه، فمُغيِن نفسَه بسوء نيته، ومربح لها بحسن نيته .

ومثال ذلك شخصان يتباحثان في مسألة فقهية، ونيّة الواحد بيان حكم الله وطلب الصواب فيه إيماناً واحتساباً، ولا يبالي من الذي جاء بالحق فيهما هو أو صاحبه فهذا قد رفع عمله بحسن نيته لأن هذه أعلى المراتب، ويدخل في حد الربانيين الذين هم ورثة الأنبياء عليهم السلام والآخر نيته المباهاة والفخر، وقصده الظهور على أخيه لأن ينسب إلى الفضلاء فهذا بأخس الأحوال ، وإن ظهر على أخيه، وإن ارتفعت منزلته في الدنيا، لأنه أول ما تُسَعَر به النار يوم القيامة .

(۱) سورة الزلزلة ، الاية ٧ .

فإن رسول الله قال : (أول) ما تُسَمَّر النارُ بثلاث . - وعد فيهم العالم الذي هذه صفته - لأنه يقول : يا رب تعلمتُ فيك، وعلمتُ فيك . فيقول الله له كذبت وتقول الملائكة له : كذبت، إنما فعلت ذلك ليقال فقد قيل فيؤمر به إلى النار . وليس هذا في العلم وحده، بل ذلك في جميع أعمال البر . وإنما ذكرنا العلم لأنه أعلى أفعال البر ولأنه الله قال ( ما أعمال البر والجهاد في طلب العلم إلا كبصقة في بحر ) (٢) . فإذا كان ذلك في الأعلى فمن باب أحرى في غيره .

وهنا بحث وهو أن يقال : لم جعل للنية هذا الحظ العظيم من الأجر حتى إن بها يرتفع العمل أو يذهب؟ فإن قلنا : تعبد فلا بحث وإن قلنا لحكمة تلحق بالعقل لمن نظر في قواعد الشريعة، فما هي؟ فنقول، والله المستعان: لوجوه .

وَمَن

(منها) أنه قد تقرر من الشريعة أن أعلى أفعال البر هو الإيمان بالله ، وأن محله القلب، فكل ما كان في المحل الذي هو وعاء لأرْفَعِ الأعمال وجب بمقتضى الحكمة أن يكون أعلى من غيره، وقد جاء ذلك في الشرع كثير ) ، مثل الأيام المباركة، والبقع المباركة، تضاعف فيها الأعمال من أجل بركتها، ونهي عن الإثم فيها لكثرة العقاب عليه بالزيادة فيه على غيره. وقد قال الله عزّ وجلّ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ﴾ (٤) وقال تعالى : يرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادِ بِظُلْمٍ نُذِقَهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) (٥) وقد جاء في صوم عاشوراء (يكفّر السنة) والآي والأثر في هذا كثير، وقد قال عليه السلام) ( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم ) ) . وليس المقصود تلك الجارحة نفسها وإنما المقصود ما فيها وهو الإيمان وحُسْنُ النية. وقد قال : (من أصبح وأمسى لا ينوي ظلم أحد غُفِر له ما جَنَى) (۷).

(ومنها) أنه أكثر تعباً للنفس فإنها تحتاج في كل حركة وسكون لحضور النية على ما ينبغي،

(1) حديث طويل رواه ابن خزيمة في صحيحه ( وانظر الترغيب والترهيب للمنذري ـ الجزء الأول ـ فصل الترهيب من

الرياء) .

(۲) قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ۳۰۸/۲ باب وجوب الأمر بالمعروف): رواه الديلمي في مسند الفردوس من حديث جابر بإسناد ضعيف. ولفظه في مسند الفردوس : ما أعمال العباد كلهم عند المجاهدين في سبيل الله إلا كمثل خطاف أخذ بمنقاره من ماء البحر - وفي رواية - إلا كتفلة تفلها رجل في بحر لجي .

(۳) كذا ، والصواب : كثيرا . سورة التوبة ، من الآية ٣٦ . سورة الحج ، من الآية ٢٥ .

(٦) رواه مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه . رواه ابن عساكر عن أنس رضي الله عنه بلفظ : من أصبح وهو لا يَهُم بظلم أحد غُفِر له ما اجترم.

وهذه مجاهدة خفية . وقد قال جل جلاله : ( وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَناً ) (1) (ومنها) أنه يحصل لمن التزم هذا حظ كبير من الفقه العلمي والحالي، لأنه يحتاج أن يعرف من طريق الفقه كيفية ذلك، والمتفق عليه والمختلف فيه . ومن طريق الحال يعرف خبايا النفس ومكرها، وكيف يحرر عمله ونيته مع ذلك، وهذه مرتبة عَلِيّة قلّ طالبها فكيف مالكها ؟ ويحصل له من ذلك - إن دام عليه - حال المراقبة وهو من أجل المقامات عند أرباب هذا الشأن، ويترقى منه إلى مراتب سَنِيَّة يطول وصفها. وقد كان بعض من له شيء من هذا الحال إذا سئل في مسألة علم، سكت ساعة، وحينئذ يجاوب. فقيل له في ذلك فقال : أنظر أيما خير لي، السكوت أو الجواب؟ رحمهم الله . هكذا يكون من له هِمّة، ويعلم أنه بعين من يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور ويترتب عليه من الحكمة أنه من قوي إيمانه قويت حرمته عند خالقه، ورجحت نيته في عمله

على غيره. وفي ذلك فَلْيتنافَسِ المتنافسونَ .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) سورة العنكبوت من الآية ٦٩ .

حديث الأمر بإطعام الخادم من الطعام

عَن أبي هريرَةَ رضيَ الله عَنهُ عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : إذا أتى أحدَكُم خادِمُهُ بِطَعامِهِ فَإِن لَم يُجلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِله لُقمةً أو لُقمتين، أو أكلة أو أكلتين، فإنَّهُ وَليَ علاجه.

ظاهر الحديث يدل على أمر من جاءه خادمه بطعام أن يعطيه ما يأكل منه بذلك القدر المذكور. وهو اللقمة أو اللقمتان والأكلة أو الأكلتان . والكلام عليه من وجوه :

(منها) هل هذا على عمومه في كل الأطعمة ؟ وكذلك في كل الخدام؟ وهل الشيء المعطى منه يكون ما ذكر ليس إلا ، أو غير ذلك ؟ ولم أتى بصفتين من الطعام اللتين هما اللقمة والأكلة ولم يخبر بأحدهما (۱) ؟ وهل الأمر بذلك على الوجوب أو على الندب؟ وهل ذلك في أول طعامه أو في أي وقت أعطاه ذلك حصل المقصود ؟ وهل يعطيه مما جاء به ولم يتول علاجه، أو لا يعطيه إلا مما يتولى علاجه؟ وما الحكمة في الأمر بذلك؟

فأما قولنا : هل ذلك الأمر على العموم في كل الأطعمة؟ فظاهر الحديث يعطي ذلك لعموم لفظ الحديث، وما يُعرَف من عُرْفِ الناس يقتضي أنه ليس على عمومه، وإنما خرج الحديث مخرج الأغلب من أحوال الناس، لأن الأطعمة منها ما يشتهيه الذي يعالجه ، ومنها ما لا يشتهيه أحد وهذا يدركه كل أحد بالعادة المعلومة من الناس حتى إن بعض الناس لا يأكلون بعض الأطعمة أصلاً مرة واحدة، ولا يقربونها ومثل أطعمة المرضى إذا عالجها الخادم أو غيره، ما نفس أحد تشتهيها وربما تعاف أن تأكله، أو تأخذ من يد المريض شيئاً . لكن الغالب الطعام الذي يُشتهى ، وهو الذي يحمل الحديث عليه . فإذا كان الطعام مما يكرهه الخادم ولا أحد بمقتضى العوائد له فيه رغبة يدخل تحت لفظ الحديث، وربما إن (۲) حمل السيد الخادم أن يأكل منه شيئاً فقد يؤلمه، ولا

أصلا،

فلا

(۱) كذا، والصواب : بإحداهما . (۲) كذا بدخول ربَّما» على الجملة الشرطية .

يجوز له ذلك، لأن الله عزّ وجلّ، يقول لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) (۱) والشارع ، عليه

السلام ما قصد هنا إلا جبر الخادم وإدخال السرور عليه .

وأما قولنا : هل ذلك في كل الخدم ؟ فاللفظ يعطي ذلك. فإن علم السيد من الخادم أن ذلك يسوؤه فلا يفعل للعلة التي ذكرناها ،قبل وإنما مراده و ما ذكرنا ويكون ذلك من السيد وجهاً

محققاً لا تقديراً .

أن

وأما قولنا في الشيء المسمى من الطعام هل ذلك حدّ لا يزاد عليه ولا ينقص منه؟ أما أن ينقص فلا، فإنه لا يحصل الامتثال . وأما الزائد فهو المطلوب، لأن الإشارة تقتضي الزيادة فإنه إذا كانت الواحدة تقتضي الإجزاء فزيادة التخيير في الاثنين يدل على الإشارة إلى الأكثر إن أمكن. وأما قولنا : لِمَ لمْ يستغنِ بالصفة الواحدة من الطعام التي هي إما اللقمة أو الأكلة؟ فالجواب الطعام على نوعين مشروب وممضوغ فيكون من الممضوغ اللقمة أو اللقمتان ويكون من المشروب مثل ذلك المقدار فنوّع عليه السلام بذكر اللقمة من الممضوغ ليبين المقدار المجزىء وعطف الذي هو المشروب عليه ليحصل المثال في القدر المعطى أيضاً وهذا من إبداع الكلام صلى الله عليه وسلم . وأما قولنا : هل الأمر على الوجوب أو الندب؟ فاللفظ محتمل والأظهر أنه على الندب، لأنه علله بأنه ولي علاجه، وتَوَلَّي الخادم علاج طعام السيد واجب عليه ومن حق سيده ويقابله ما يلزم السيد من نفقة خادمه وكسوته فقد فعل واجباً مقابلة واجب، فالزيادة على الواجب مندوبة . ولكونه قد خيره بين الجلوس معه أو أن يعطيه اللقمة أو اللقمتين وجلوس الخادم مع السيد هو من طريق التواضع، وهو من باب المندوب، ولا يقع تخيير بين واجب ومندوب، وإنما يقع التخيير بين شيئين متماثلين، إما في الوجوب أو الندب. فإذا ثبت في أحد المخيرين بينهما ندب فالآخر مثله . وأما قولنا : هل يكون الإعطاء في أول الطعام أو يكون بعده؟ أما ظاهر اللفظ فإنه يُعطي لأنه قال : ( فإن لم يجلسه فليناوله). والجلوس إنما يكون أول الطعام، فإن عدم الجلوس فبَدَلُهُ ، وهي اللقمة. لكن إن لم يفعل ذلك في أول الطعام وجعله في أثنائه فقد عمل مندوباً إلا أنه ترك الأفضل. وإنما قلنا ذلك لوجهين : أحدهما لنص الحديث بدليل (الفاء) التي تعطي التعقيب ولتعليله عليه السلام بقوله أيضاً فإنه ولي علاجه فإذا تولى علاجه بقيت النفس متعلقة به فالمبادرة بإدخال السرور وزوال تعلق النفس أفضل . وأما قولنا : فإن جاء بالطعام ولم يكن تولى علاجه هل (٣) يعطيه أم لا؟ فإن قلنا بظاهر

(۱) سورة البقرة من الآية ۲۸٦ .

أوله،

(۲) كذا والصواب «فهل» .

عليه

ن ذلك وجهاً

اما أن

نه إذا

ـواب

من

ناء،

م

ما

ن

الحديث دون فهم العلة فنقول : لا يعطي . وإن نظرنا إلى العلة - وهي الشهوة إلى الطعام - فإن كان

الطعام مما يشتهى فالحكم سواء يندب إلى الإعطاء منه .

به ،

في م

وأما قولنا : ما الحكمة في ذلك؟ فلوجوه (منها ) ما ذكرنا في الوجوه قبل من تعلق نفس الخادم و (منها) أنه يُعينه بذلك على ما كُلّف به من الأمانة في مال سيده لقوله عليه السلام)، والعبد راع مال سيده ومسؤول عن رعيته) (۱) . فإذا أعطاه من الطعام الذي تعلقت به نفسه كان عوناً على ألا يخون ولا يأخذ من مال سيده شيئاً، وإن حرمه فقد تغلبه النفس بقوة باعث الشهوة على الخيانة . ويترتب على هذا من الفقه أن كل من لك عليه حق يندب أن تعينه على توفيته، وتكون في ذلك مأجوراً، مثل الابن الذي أُمِرَ بِبركَ تكون تعينه عليه، وكذلك الزوجة والأصحاب والجيران، وكل من يترتب لك عليه حق واجب أو مندوب، وهو من باب التعاون على البر والتقوى وقد ذكر أن قوله تعالى في المكاتبين وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِى مَاتَنكُمْ ) (٢) أن تحسن إليه في أول الكتابة من مالك خلاف مال الكتابة لأن يستعين بذلك على الكتابة. ولوجه آخر) لأنه يحصل للخادم به تعلق كلي بمجيئه به إلى السيد فيحصل له بسبب ذلك إذا من أجل قوة الشهوة عليه، لكثرة دوام نظره إليه .

ويترتب على هذا الوجه من سد الذريعة أن يكون الطعام مستوراً ما أمكن، من أجل هذه العلة، وزيادة في أوقات الشدة، فإن النفوس إذ ذاك لها بالطعام تعلق كلي . وفيه دليل على جواز اتخاذ الخادم، لكن بشرط توفية حقه باطناً وظاهراً. أما الظاهر فمعلوم وهو توفية حقوقه على لسان العلم وأما الباطن فألا تَغْتَرَّ النَّفْسُ بذلك، وترى لها عليه درجة، لأنه قد جاء أن العبد لا يزال من الله بمكانة حتى يخدمه، فإذا أخدمه وقع الحساب أو الحجاب، وقد قال تعالى ( فَمَا الَّذِينَ فَضِلُوا بِرَاذِى رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاء ) (۳) فأشار إلى أن الفضيلة من الله ، وفي الحقيقة التسوية، لأن الكل عبيد الله .

وفيه دليل على كثرة شفقته مطلقاً . يؤخذ ذلك من نظره عليه السلام بالشفقة في هذا

بالعبد والحر ، لأن نظره ، عليه السلام للكل بعين الرحمة وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ )

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمّد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .

(1) متفق عليه ، وأوله (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) .

(۲) سورة النور من الآية ۳۳ .

(۳) سورة النحل، من الآية ۷۱ (٤) سورة الأنبياء، الآية ١٠٧ .

حديث تواضعه وهديه في الهدية والدعوة صلى الله عليه وسلم

عَن أبي هُرَيْرَةَ رضيَ الله عَنهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: لَو دُعيتُ إلى ذراع أو كُراع لأجبتُ. وَلَو أُهديَ إِلَيَّ ذِراع أو كُراع لَقَبِلتُ .

ظاهر الحديث يدل على ثلاثة أحكام ( أحدهما ) : حسن خلقه الله وتواضعه . (الثاني): قبول الهدية وإن قلت (الثالث: الإجابة على الطعام والحكم فيه على وجهين: لأنهم اختلفوا في ، فقيل : هو كُراع الشاة، وهو أقل الأشياء عند العرب . وقيل : كراع : موضع وهو بعيد من المدينة. والكلام عليه من وجوه (منها) بيان أن قبول الهدية من السنة وليست اليد الآخذة للهدية بمفضولة على اليد المعطية، ولا المعطية هي الأعلى، لأنه من اتبع السنة في شيء من الأشياء فهو أعلى بلا خلاف في ذلك، لأنه قد قال في الحديث قبل يا حكيم ، اليد العليا خير من اليد السفلى) (۱) وقال : العليا هي المعطية. وقال هنا : (لو) أهدي إليَّ ذراع أو كُراع (لَقَبْلت والفرق بينهما أن حكيماً طلب، فيكون أبداً يد الطالب هي السفلى، ويد سيدنا الله علم الطلب ، والذي أهدي له إنما هو إلى الله، فمن الله أخذ سيدنا ، ولجبر خاطر الذي جاء بالهدية لأنه طلب منه القبول إلى ما يوصله إلى الله . فيد الطالب

أبداً صغرى كما قيل لحكيم قبل. وقد أشرنا إلى شيء من هذا هناك، لكن هذا موضعه بالنص . وفيه من الفقه أنه ما كان الله لا يحتقر ،وإن قل بخلاف أهل الدنيا، فإنهم ينظرون في الهدايا بينهم لحظوظ النفوس قدر المُهْدِي والمُهدى ،له ،ومولانا جلّ جلاله، قال: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَمُ ) (۲) وقال : ( إِن تُقرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَعِفَهُ لَكُمْ ﴾ (۳) وساوى في

(۱) جزء من حديث رواه الشيخان عن حكيم بن حزام رضي الله عنه، وأوله (إن هذا المال خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ . . . .

(۲) سورة الزلزلة ، الاية ٧ . (۳) سورة التغابن من الآية ۱۷ .

ذلك بين القليل والكثير ، فجاءت السنة مع الكتاب على حدّ واحد ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (١) .

وكذلك إن كان الموضع الذي يدعى إليه بعيداً، فإنه إذا أجاب لذلك كان الأجر أعظم لكثرة الخطا التي فيه وهي كلها لله . وإذا كثرت الخطا الله كثر الأجر، كما قال عليه السلام في حق المساجد (أكثركم أجراً أبعدكم داراً) (۲) ، وذلك لكثرة الخطا إليها .

وهذا - أعني قبول الهدية - ليس على العموم، لأن الهدايا منها ما يكون من أجل الله ، كالذي يوهب إلى سيدنا ، ومنها ما يكون في حق الصحبة أو للمكافأة وهي على صفة أخرى. وقد قال علي رضي الله عنه : الهبات ثلاث : فهِبَة للصحبة فلك وجه صاحبك وهبة للثواب، فهي بيع من البيوع . وهبة الله فتلك التي ثوابها على الله تعالى. لكن اليوم وإن كانت الله فيحتاج أن ينظر إلى كسب الواهب من أجل الحرام الذي كثر وداخل بعض الأموال . وأما ذلك الزمان فالمال كله طيب، فلم يحتج إلى تفرقة في ذلك . والأمر اليوم كما لا خفاء فيه .

وقد قال بعض العلماء، وهو رزين (۳) : ما أوقع الناس في المحذورات إلا أنهم يحملون اليوم الأسماء التي كانت أولاً على وجه جائز ، وهي اليوم على غير ذلك، فيحملونها على ذلك الحسن الذي سمع عنها وليس كذلك، بل ينبغي أن ينظر في الأمور وما يحدث فيها . ولذلك قال عمر بن عبد العزيز : تحدث للناس أحكام بقدر ما أحدثوا من الفجور ولم يرد هذا السيد تبديل أحكام الشريعة لأنه لا قائل بذلك، وإنما أراد مثل هذا النوع الذي أشرنا إليه .

وفيه دليل على قبول الهدية ولا يثيب عليها وقد جاء ،أنه عليه السلام كان يثيب على الهدية، في الحديث بعد هذا فيمكن الجمع بأن تقول : الثواب على الهدية سنة، وترك الثواب سنة. فيكون ذلك توسعة منه . ومما يبين ذلك قوله عليه السلام فإن لم تجد فادع الله حتى تعلم أنك قد كافأته) (٤) ، وقال عليه السلام في مقدار الدعاء (من) والاك معروفاً فقلت له : جزاك الله

خيراً، فقد أطنبت في الجزاء) (٥)

(۱) سورة النساء من الآية ۸۲ . (۲) رواه الإمام أحمد في المسند وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، بلفظ : الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجراً. وفي رواية للبخاري ومسلم عن أبي موسى : إن أعظم الناس أجراً في

الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم. (۳) هو رزين العبدري الأندلسي. وقد سلفت ترجمته في الحديث (۳).

(٤) انظر تخريجه في الحديث (۹۳) .

(٥) انظر تخريجه في الحديث (۹۳) .

وهنا بحث، وهو أن يقال : لم أخبر عليه السلام هذا عن نفسه المكرمة، ولم يقرر الحكم

باللفظ العام؟ فالجواب : أنه لو قاله لكان يقع في النفوس أن هذه من الصدقة التي يجوز للغني أخذها وأكلها، فقد كان يتورع فيها بعض الناس فلما كانت الصدقة حراماً عليه ، وأخبر عن نفسه المكرمة أنه يقبلها ، فعلم (۱) بالقطع أنها ليست من الصدقة بنسبة أصلاً ولا فرعاً، وإنما هو مال حلال محض لا شبهة فيه، لأنه عليه السلام لا يفعل فيما يخصه إلا أعلى الأمور .وأزكاها وقد قال العلماء في معنى قوله جلّ جلاله و إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِساب (۲) : إنه الفتوح إذا كان

على وجهه .

وأما قوله عليه السلام (لو أهدِي إليَّ كُراع أو ذراع لقبلت فسوّى بين القبول للذراع والكراع ، فإن الحكمة في ذلك أن أحب الأعضاء إليه من الشاة كان ،الذراع وأن الكراع عندهم لا بال له فكأنه عليه السلام يقول : (لو أهدي إلي ما أحبّه وما لا أحبّه لقبلته لأن القبول هنا هو - كما تقدم من أجل الله، وما يكون من أجل الله فلا ينظر فيه إلى ما تحبه النفس أكثر لأنه يَتَمَحَّضُ فيه العمل الله

خالصاً.

ويؤخذ منه الكلام في الممكنات وتقعيد الحكم على ما يمكن وقوعه منها . يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام لو) (أهدي لأنه ذكر ممكناً قد يقع ، لأن الفائدة فيه تقعيد الحكم وبيانه لا وقوع نفس الشيء المحتمل. وقد قال أهل العلم بصنعة الفرائض : إذا أردت معرفة علم الفرائض فَأُمِتْ جيرانك وأصحابك والفائدة في ذلك لأنك عالم بمن يبقى بعدهم فتعلم مَن يَرِث ومن يُحجب ولا يطرأ عليهم موت بسبب ذلك .

وفيه دليل للمحققين من الصوفية لأنهم يقولون : إن الفقير إذا كان صادقاً مع الله لم يأخذ شيئاً إلا من الله للوجه الذي قدمناه ولأنهم لا يمشون في تصرفاتهم إلا على الكتاب والسنة، بخلاف ما يعتقده بعض الناس فيهم ، وذلك لجهلهم بطريقتهم العليا .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

(1) هذا جواب (لما ) (۲) سورة ال عمران من الآية ٣٧

(۶) شیل

حديث مراتب الضيافة والتيامن فيها سنة من سنن

الله عليه وسلم

عَن أَنَسٍ رضي الله عنه ، قال : أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في دارنا هذه، فاستَقى . فَحلبنا له شاةً لَنا ، ثُمّ شُبْتُهُ (۱) مِن ماءِ بثرنا هذهِ ، فأعطيتُهُ وأبو بكرٍ عَن يسارِهِ، وعُمرُ تُجاهَهُ، وأعرابي عَن يَمينِهِ . فَلمَّا فرغَ قَالَ عُمرُ : هذا أبو بكرٍ. فأعطى الأعرابي فَضلهُ. ثُمّ قالَ: الأيمنونَ الأيمنونَ ، ألا فَيمِّنُوا . قالَ أَنَس : فهِي سُنَّة ، فهي سُنَّة ، فهي سُنَّة ثلاث مرات) .

ظاهر الحديث يدل على ثلاثة أحكام :

(أحدهما) جواز طلب الماء بين الأصحاب، وليس من باب المكروه

(والآخر أن السنة في إعطاء المشروبات أن يكون يبدأ بها بالذي على يمين الشارب، وإن كان الذي على الشمال أو أمام أفضل

منه

(والثالث) جواز خلط اللبن بالماء عند الشرب والكلام عليه من وجوه

(منها) أن طالب الماء هو أولى به أولاً، وقد جاء طالب الماء أولى به ويؤخذ منه عرض ما اشتهيت لنفسك أو طلبته من المشروبات بعد أخذك حاجتك منه على أصحابك وإن لم يطلبوه بعد . يؤخذ ذلك من كون سيدنا ، أعطى لأصحابه بعدما أخذ عليه السلام منه ،حاجته وهو الذي

طلب الماء وحده .

وفيه دليل على تنبيه المفضول للأفضل على ما هو عنده أرفع، وإن لم يكن أصاب في ذلك، ولا يجب عليه في ذلك تعنيت لأنه ما قصد إلا خيراً، وللفاضل أن ينظر ذلك، فإن أصاب وإلا

(1) شُبْتُهُ : خلطته، مزجته .

علمه برفق وتواضع دون تخجيل . يؤخذ ذلك من قول عمر ، رضي الله عنه : هذا أبو بكر . ينبه النبي أن يقدم أبا بكر على نفسه وعلى الأعرابي ، لما يعلم من مكانة أبي بكر، رضي الله عنه، عند رسول الله ، ويرفع الخجل عنه في حق الأعرابي، لأنه إذا كان يقدمه على سه لم يقع للأعرابي في نفسه شيء بتقديم أبي بكر عليه، ولم يكن له علم بما في غيب الله عزّ وجلّ، من حكم السنة في ذلك أنه بخلاف ما ظهر له فلم يعنفه رسول الله الله وأبدى له حكم السنة في ذلك، وكرره ثلاثاً على المعلوم من عادته عليه السلام في تكرار الأمر ثلاثاً إذا كان له بال.

ويترتب عليه من الفقه أن الذي يجتهد في حكم بوجه ما من الشرع، ولم يكن يعلم غير ذلك ويكون الأمر بخلاف ذلك بدليل لا يعرفه، فله في خطئه ،أجر، كما جاء (من اجتهد فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر ) (۱) .

وفيه دليل على أن من الأدب ألا يكلم شارب الماء حتى يفرغ. ويؤخذ ذلك من أن عمر، الله عنه ، لم يكلم النبي لا لا لا اله إلا بعد فراغه من الشرب بخلاف الطعام، لأنه قد جاء أن من السنّة الكلام على الطعام ) .

رضي

وفيه دليل على أن من المروءة أن معطي الشراب ينبغي له أن يعطي أكثر مما يحتاج إليه الطالب . يؤخذ ذلك من أنه عليه السلام أعطى فضله، فلولا ما كان أكثر، ما كان يقول (فأعطى الأعرابي فضله ولو كان الماء قليلا او و ا ا ا ا ا ا ، وفضل بعد ما أعطى أصحابه، لكانوا يذكرون قلة الماء ويجعلونها من جملة المعجزات كما فعلوا في المواضع التي جرى فيها ذلك. وقد جاء أن من الممدوح في معطي الماء مثل ما ذكرنا، لكن الآن لا أحقق هل ذلك أَثَراً أو هو من مكارم الأخلاق فيما بين الناس، لأنه أرفع للخجل وأبلغ في المعروف؟

وفيه دليل على أن التعليم بالفعل أرفع ، وأن القول تأكيد له. يؤخذ ذلك من أنه بدأ أولاً بالفعل الذي هو الإعطاء، وكان كلامه عليه السلام يُعَدُّ جواباً لما قيل له ،وتأكيداً ، لكونه كرره ثلاثاً، ولذلك قال الراوي : فهي سنة (ثلاثاً) .

وهنا بحث وهو : لِمَ أتى في الآخرة بالفاء في قوله ألا) فيَمّنوا؟ فالجواب أن قوله (الأيمنون الأيمنون) يعني : أعطوا أصحاب اليمين أوّلاً ، ثم الثالث بتلك الزيادة كأنه عليه السلام

(1) أخرجه البخاري في الاعتصام ومسلم في الأقضية عن عمرو بن العاص بلفظ : إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر). كما أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة والشيخان عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم جميعاً . (۲) في حدود علمنا لم نجد في السنة ما يدل على ذلك. وصرح العلماء أن الكلام على الطعام من قبيل المباح، وأنه لا يوصف بندب ولا كراهية (انظر المقاصد الحسنة والمصنوع في معرفة الحديث الموضوع ، والله أعلم .

يقول : ألا فيمنوا في شأنكم كله، ليس ذلك في الماء وحده. وقد زادت، عائشة رضي الله عنها، في ذلك بياناً حيث قالت كان رسول الله يحب التيمنَ ما استطاع في شأنه كله)(۱) . وقد استوعبنا الكلام عليه في موضعه .

بكر ، رضي

وفيه دليل على أن ما يخص الشخص في نفسه أكد عليه من غيره. يؤخذ ذلك من أن فضل أبي الله عنه لا خلاف فيه أنه أفضل الصحابة رضوان الله عليهم، فما بالك بالغير؟ وأن الأيمن في الجوارح أفضل من غيره فآثر النبي فضل الجوارح الذي هو الأيمن منه عليه السلام، على فضل الغير وهو أبو بكر ، رضي الله عنه ، وأكدها، كما ذكرنا آنفاً، ومن هذه النسبة قدموا قرابة الشخص في المعروف على غيره، لأن جُعِل له في الصدقة عليه إذا كانت تطوعاً أكثرُ أجراً من الأجانب. فتجد الحكمة أبداً في الشرع متناسبة إذا تأملت وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٢) .

وهنا بحث، وهو : ما الحكمة بأن عَيَّن الراوي الدار والبئر؟ فيه من الفائدة وجوه : (منها) دلالة ذلك على فضله وتواضعه لأن الراوي أنس - وهو خديمه عليه السلام - فمشيه عليه ،السلام إلى دار خديمه فضل منه وتواضع وكونه أخبر بدخوله الدار ليُعلم فضلها، لأنهم كانوا يتبركون بالمواضع حيث يدخل وكل ما يكون من الأشياء التي يتصل منه الله بها شيء ما، مثل ما قال أحد الصحابة : (يا رسول الله صَلِّ في بيتي مكاناً أتَّخِذَهُ مُصَلَّى) (۳)، وكذلك البئر من أجل أن يبقى ذلك البئر وتلك الدار يتبركون بهما .

ويترتب عليه من الفقه حسن طريقة المباركين الاخذين بطريق السلوك، لأنهم يتبركون بأي شيء يجدون من أثر المباركين، ويجدون لذلك بركة كبيرة منهم في ذلك على طريق السلف نفع الله بجميعهم بمنه .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) رواه الإمام أحمد في مسنده عن السيدة عائشة رضي الله عنها .

(۲) سورة النساء، من الآية ۸۲ .

(۳) رواه البخاري في صلاة الجماعة - باب الرخصة في المطر والعلة، وباب إذا زار الإمام قوماً فأمهم وباب المساجد في البيوت. ورواه مسلم في الإيمان باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة، ومطلعه : یا رسول الله إن السيول تحول بيني وبين مسجد قومي فأحب أن تأتيني في مكان من بيتي أتخذه مسجدا إلخ .. والصحابي هو عتبان بن مالك رضي الله عنه .

عَن

حديث قبول الهدية والإثابة عليها

عائشةَ، رَضي الله عنها قالت: كانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقبَلُ الهَديَّةَ، وَيُثيبُ عَليها .

ظاهر الحديث يعطي جواز قبول الهدية، والثواب عليها والكلام عليه من وجوه

(منها) أن الهدية يكون الثواب عليها بأقل منها أو أكثر أو مثلها بحسب ما يختار الذي يكافىء . يؤخذ ذلك من قولها ( يثيب) ولم تقل يكافىء، لأن المكافأة : المماثلة، وذكر الثواب لا يدل على ذلك. وهي - كما تقول - ثمن السلعة وقيمتها، لأن الثمن يزيد وينقص، والقيمة هي قدر ما تساوي بلا زيادة ولا نقصان

(ومنها) كيفية الجمع بينه وبين الحديث الذي قبله وقد ذكرناه قبل في الحديث الذي قبل هذا. وقد يمكن أن يكون الجمع بينهما بوجه اخر وهو أن الهدية جائز أخذها، وتكون على وجهين : إما أن تكون الله ،خالصة، أو تكون من أجل الصحبة وطلب جلب القلوب للتوادد (۱) .

فإذا علمت أو قوي ظنك أنها طلب للتوادد (۱) وجلب القلوب، فينبغي أن تثيبه أنت على تلك الهدية، لقوله عليه السلام تهادوا تحابوا ) (۳) ، وأن الهدية تذهَب بالسَّخيمة ، فتكون توافقه على ما قصد، وتكون في ذلك على السنة .

وإن كانت الله خالصة فالأجمل عدم المكافأة منك، وتترك مكافأته على الله، فتكون تعينه على ما أمل منك، فيكون مبالغة في المعروف وتكون أيضاً في فعلك ذلك على السنة

ووجه آخر تكون تنظر بماذا يكون فرح المُهدِي إليك فتعمل عليه، لأنه من باب إدخال المسرة، وكلاهما ،حسن وأنت في ذلك كله متبع. إلا أن هنا تنبيهاً، أعني إذا ظهرت لك

(۱) كذا بالإظهار. والصواب: للتواد.

(۲) رواه الأربعة عن أبي هريرة رضي الله عنه (انظر الفتح الكبير (٢/ ٣٩ .

المكافأة، أن تنظر لسان العلم في ذلك خشية أن تقع في الربا وأنت لا تعلم. فإنه إذا كانت نفس الواهب متشوفة إلى المكافأة، وإن نوى بهديته وجه الله تعالى، فلا تكون المكافأة على ذلك إلا بما يجوز بيعه، فتنظر ذلك الشيء الموهوب، والشيء الذي خطر لك أنت أن تكافئه به ، هل يجوز بیعه به على الصفة التي تريد أن تفعلها أنت؟ فإن جاز فافعل وإن لم تعلم فاسأل أهل العلم

وحينئذ تفعل .

مثال ذلك أن يهب لك طعاماً، فيخطر لك أن تكافئه أنت بطعام غير يد بيد فذلك ممنوع وقد ذكر ذلك في كتب الفقه، فإن لم تكن نفسك تتشوف إلى مكافأة، ولا صاحب الهدية أيضاً مثل ذلك لا تتشوف نفسه إلى هذا، ويكون ذلك مقطوعاً به، مثل لو أحلفت عليه حلفت وكنتَ باراً في يمينك، وقد أهدى لك طعاماً ، ثم خطر لك أنت طعام واستطبته ، وبينكما من الصداقة ما تقر عينك إذا أكل منه، فإن نظرت إلى مقتضى مذهب مالك، الذي هو سد الذريعة، فالأولى ألا تفعل وإن نظرت إلى باب المعروف لأنهم وسعوا فيه ما لم يُوَسّعوا في غيره فلا بأس أن تفعل، إلا أنه مع تلك الشروط . وفيه دليل على أن قبول الهدية لا يتنافى مع الزهد ، لأنه ما فعله الا الله فهو أعلى الطرق . وإنما الزهد في القلب ليس بقلة القبول ولا بكثرته إلا إن كان ممن لا يملك قلبه من الميل إلى ذلك والاشتغال به فلا يفعل، ويكون ترك القبول غير مخالف للسنة، بل يكون من أجل العذر لأن النبي قد جعل لأهل الأعذار حكماً يخصهم، وعَذرهم فيه . وكذلك إن توقع بالقبول مفسدة في دينه فلا يفعل، وإنما بينا الجواز والتفرقة وما نصصنا عليه مع صحة الدين والسلامة من العيوب والشبهات، وإلا فقد كانت الصحابة رضوان الله عليهم يتركون سبعين باباً من الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام .

وفيه دليل على أن الهدية مما أحل لنا لأنه إذا كانت هدية نكرة لا ينضاف إليها قبل ولا بعد شيء تتعرف به مثل ما ذكرنا من هدية الثواب فإنها بهذه الإضافة خرجت عن هذا الاسم ومثل هدية الحكام من أجل الحكم فإنها رُشا، ومثل الهدية للمذيان (۱) لأنها سُخت، ومثل الهدية لمن لك شفاعة فإنها رباً لقوله عليه السلام من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له من أجلها هدية فقد

فتح على نفسه باباً عظيماً من أبواب الربا) (۲) فانتبه واللبيب فطين . وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

(۱) المديان من يقرض كثيرا، وتأتي بمعنى: من يقترض كثيراً .

(۲) تقدم تخريجه في الحديث (۹۷) .

حديث من عليه حق فليدفعه أو ليتحلل منه

عَن أبي هريرةَ رضي الله عَنهُ قالَ: قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : مَن كانَ عَلَيْهِ حَق فَلْيُعْطِهِ أو ، : ليتحلله مِنهُ . ظاهر الحديث يفيد أن من ترتب عليه في ذمته حق من الحقوق لا يخلصه إلا الأداء أو التحلل من صاحبه والكلام عليه من وجوه

منها تبيين جميع الحقوق وكيف الخروج منها حقاً حقاً . ومنها لِمَ ذكر ما عليه ولم يذكر ما له ؟ . فأما الحقوق فهي على ثلاثة أقسام: إما ماليات وإما ،بدنيات وهي ضربان ذم وأذاة مثل جرح أو ضرب، وإما أعراض (۱) . ولا بد لكل من ترتب في ذمته من هذه شيء من تخليص ذمته إما ، بالأداء، إن كان مما يمكن فيه الأداء، أو التحلل ؛ وإلا خيف عليه العقاب .

وأما أداء الماليات فردها إن أمكن وجود صاحبها أو ،وارثه وإلا إن كان صاحب الحق ميتاً تصدق بها عنه هذا مع القدرة أو يرغبه في تحليله مما له عليه فإن لم يكن له شيء بما يردّ ماعليه فيرغب لصاحبه في تحليله فإن لم يفعل أو لم يجده فيعقد نيته بالتوبة مع الله، وأنه متى فتح الله عليه في أي وقت فإنه يؤدي بصدق مع الله ، ويبقى يدعو إلى الله مع الدوام بأن يسخر الله له صاحبه، وإن كان صاحب الحق ميتاً ، ولا وارثَ له، وليس له ما يتصدَّق به عنه، فيعقد أيضاً نيته مع مع الصدق في التوبة، كما تقدم، ويُديم الاستغفار لصاحبه ويترحم عليه ، ويلجأ إلى الله أن يرضيه عنه، فإنه ولي رحيم. فإن كان صادقاً يُرجَى له ذلك .

الله

وأما الغيبة وهي

أكبر الحقوق لقوله عليه السلام الربا) اثنان وسبعون باباً أدناه مثل أن يطأ الرجل أمه وأربا الرّبا استطالة لسان المسلم في عرض أخيه ) (۲) ، وكيفية التحلل منها بأن تخبر

(1) أعراض مفردها عِرْض، وهو ما يمدح به المرء أو يدمّ.

(۲) رواه الطبراني في الأوسط عن البراء رضي الله عنه، بلفظ الرّبا اثنان وسبعون ،باباً ، أدناها مثل إتيان الرجل أمه ، =

صاحبك بما قلتَ عنه وترغبَ .

المغفرة، وترضيه بكل ممكن. وإن كان ميتاً فهو أصعب

الأمور، ولم يبق لك حيلة إلا الدعاء له بالخير والرحمة ورغبة الكريم على الدوام أن يرضيه عنك فعسى . وإن كان غائباً فتسافر إليه إن أمكن، وإلا بالكتب والرغبة.

وإن كانت دماء : فإما أن تعرض نفسك للقصاص لولاته، أو ترضيهم بالمال، ومع ذلك التوبةُ النصوح والكفّارة، لأن ذلك أمر خطير. فإن العلماء اختلفوا: هل للقاتل من توبة أم لا؟ على قولين . فإن لم يكن أحد من ولاة الدم حيّاً فالتوبة النصوح والكفارة والدعاء إلى الله الكريم عـ بفضله أن يرضيه عنك، ودوام الخوف والاجتهاد في طلب الشهادة، لعلها تحصل .

والجراح وما أشبهها من الضرب وشبهه كذلك يفعل فيها ، إما قصاص وإما مثل ما قلنا في الدم. وفيه إشارة إلى أن الحال لا يستقيم إلا مع براءة الذمة، لأن براءتها أكد من زيادة النوافل، ولذلك جاء (أن يوم القيامة يؤتى بالرجل له من الحسنات أمثالُ الجبال، ويكون قد شتم هذا، وأخذ مال هذا، فيؤخذ من حسناته، وتعطى لأصحاب المظالم، حتى تفنى، ويبقى عليه البقايا من التبعات، فيؤخذ من ذنوب أصحاب الحق فتوضع على عنقه، فيُلقى في النار) (۱)

وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا أُتي بجنازة يسأل : هل عليها دين؟ فإن لم يكن عليه دين صلى عليه، وإن كان عليه دين قال : صلوا على صاحبكم) (۲) ، ولذلك قال عليه السلام اتَّقِ محارم الله تكن أعبدَ الناس) (۳) فإن باتقاء المحارم تبقى الصحيفة نقية من التبعات. فالقليل من التطوعات مع ينمو، ويكون فيه الخير الكثير . هذا كلام كلي.

ذلك

وإن أربى الربا استطالة الرجل في عرض أخيه) .

ومعنى : أدناها أي أدنى عقوبة وأقلها لمن يتعامل بالربا كعقوبة من يزني بأمه. وإذا كان هذا أقل عقوبة الزنى فكيف تكون عقوبة أعلاها؟ .

(1) أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله يوماً: أتدرون ما المفلس؟ إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب ،هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه

أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار . (۲) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين، فيسأل هل ترك لدينه قضاء؟ فإن حدث أنه ترك وفاءً صلى عليه وإلا قال للمسلمين صلوا على صاحبكم . قال أبو هريرة: فلما فتح الله على رسوله كان يصلي ولا يسأل عن الدين، وكان يقول : أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفى من المؤمنين فترك ديناً أو كلا أو ضياعاً فعلي وإلي ، ومن ترك مالاً فلورثته (۳) أخرجه الإمام أحمد والترمذي وقال : غريب منقطع. وأخرجه البيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ : اتق المحارم تكن أعبد الناس وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمناً، وأحبّ للناس ما تحب لنفسك تكن مسلماً، ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب.

وأما تتبعها في الجزئيات فمن تخلص من هذه الكليات يسهل عليه فعلها، ويجدها في كتب العلماء، فإنهم لم يُغفلوا منها ذرّة

وأما كونه لم ينبه على ما لَكَ من الحقوق فلأنك قد عرفت قدر ما لَكَ في الحق الذي لك . ولذلك قال أهل التوفيق كن عبد الله المظلوم ولا تكن عبد الله الظالم فإن المظلوم ينتظر النصرة من الله ، إما في هذه الدار أو في الآخرة . والظالم بضد ذلك .

فرغ

وبالتجربة على ما ذكره العلماء نقلاً أنه كل من صَدَق مع الله في توبته أنه يسخر له أصحاب الحقوق في هذه الدار ويجد على ذلك راحة معجلة . وقد ذكر أن بعضهم مرّ بين البساتين، ووجد حبة تين ملقاة في الطريق فأكلها فلما قال : ومَنْ جعلني في حِلّ ؟ فنقر باب البستان الذي كانت بإزائه ، فخرج له الحارس ، فذكر له حاله ، ورغب منه المحاللة (۱) . فقال : إني حارس وليس ذلك لي، وصاحب البستان بأرض المغرب . فسأل عن ،بلده ،و داره واسمه، وأخذ في السفر إليه.

وكان صاحب ذلك البستان ممن فتح الله عليه في دنياه. فلما بلغ إليه بعد أيام عديدة وتعب شدید ضرب الباب واستأذن عليه فأمره بالدخول. فلما قص عليه القصة، وأتاه بأمارة من الحارس يصدقها قال :له لا أجعلك في حِلّ إلا أن تقضي لي حاجة . فأنعَمَ له فيها (٢) . وقال له : ما هي؟ فقال له : إن لي بنتاً ،مبتلاة ولا يرضى أحد أن يتزوجها، فتزوجها أنت فقال له : نعم. فوجه للشهود فحضروا وعقدوا النكاح واشترط عليه العيب الذي ذكر له، وأنزله، وأمره بالدخول على الصبية .

فلما دخل رأى ما لم يكن في وقتها أجملُ منها ولا أغنى فلما رآها قال لها : ما أنتِ التي

تزوجت .

فجاءه الأب فقال له : هذه التي زوّجتك، وليس لي ولد ولا ابنة إلا هي . وقد كتبت لها جميع

مالي ، وأمتعك المال، هي لك خادم، وأنا عبد تتصرف فينا كيف شئت، والجنان لك . فسأله عن موجب ذلك؟ فقال له : أين أجد أنا لابنتي من يكون له دين مثل دينك الذي مشيت

هذه الأيام كلها من أجل حبة تين؟ وكيف لا أملكك قيادي وقيادها؟

فكان سبب خيره طَلَبَهُ براءة ذمته، فإنه الأصل في السلامة.

وتكون السلامة أولاً بأداء الفرائض وخلاء الذمة من التبعات عافانا الله فيمن عافى بمنه . وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

(١) كذا. والصواب: المحالة

(٢) أي : أقرّ عينه بقبول قضاء حاجته .

حديث جواز البيع في السفر وأحكام أخر

عَنِ ابْنِ عُمَرَ، رضيَ الله عَنهُما ، قالَ: كُنَّا مَعَ النَّبي صلى الله عليه وسلم في سَفَرٍ، وكُنتُ على بكرٍ (١) . فقالَ النَّبِيُّ وَ لا لِعُمر : بِعْنِيهِ . فَبَاعَهُ . فَقالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : هُوَ لَكَ يا عَبدَ الله .

ظاهر الحديث يدل على جواز البيع في السفر والكلام عليه من وجوه

منها : قول ابن عمر ، رضي الله عنه : كنت على بَكْرٍ صَعْب . يَرِدُ عليه سؤال وهو أن يقال: ما فائدة قوله (صعب ) ؟ ولو اقتصر على ذكر البكر لكان كافياً، ولَحَصَل منه المقصود، وهم كانوا يختصرون من اللفظ أكثره مع إيصال الفائدة ؟ والجواب عنه : أنه إنما ذكر (الصَّعب) لكي يبيّن به حكماً آخر، وهو أن صعوبة البكر كانت من بعض المثيرات لشراء النبي ، إياه، فإن بشرائه إياه يُرجَى ذهاب تلك الصعوبة، وفوائد أخر على ما يُقرَّر بعد فمن جملة فوائده ما ذكرناه في أول الحديث وهو جواز البيع في السفر .

ومنها : أن البيع ينعقد باللفظ دون افتراق يقع رداً على من ذهب إلى غير ذلك . ومنها : جواز التصرف في المشتَرَى قبل قبضه إذا كان عَرَضاً أو حيواناً بخلاف الطعام المكيل .

ومنها : جواز التصرف في السلعة قبل دفع الثمن.

ومنها : جواز طلب السلعة للبيع وإن كان صاحبها لم يعرضها للبيع . ومنها : أنه أدخل بذلك سروراً على عمر رضي الله عنه ، لأن البركة تحصل له بالثمن الذي ،

يأخذه من النبي صلى الله عليه وسلم . ومنها : أنه أدخل بذلك السرور على ابن عمر رضي الله عنه من وجهين (أحدهما) لما يرجى من ذهاب صعوبة الجمل البركة شراء النبي إياه ، والآخر ) أنه وَهَبَه .له .

(۱) البكر : الفتى من الإبل . وصَعْب غير مُذَلَّل .

ن

ومنها : أنه أدخل بذلك السرور على عمر ، رضي الله عنه ، لأن المسرَّة للابن مسرة للابن والأب . ومنها : ما يترتب من الندب إلى أن السيد في قومه أو عشيرته مأمور أن ينظر في حال إخوانه، فيلطف بالضعيف ويواسيه ، ويدخل السرور على إخوانه ابتداء، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في سفره هذا مع ابن عمر، حين راه على ذلك الجمل بذلك الحال . ولهذا يقال : الإخوان على ثلاثة أضرب (فالأول) أن تكون تنظر أخاك بعين الفتوة، فتفضله على نفسك، كما قال تعالى ويؤ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) (۱) وكما فعل علي ، رضي الله عنه ، مع أبي بكر ، رضي الله عنه، في الإسلام، لأن علياً ، رضي الله عنه ، كان إذا لقي أبا بكر رضي الله عنه، ابتدأه بالسلام فلما أن كان يوماً لقيه فلم يسلم عليه، فابتدأه أبو بكر بالسلام وردّ عليه عليّ فجاء أبو بكر إلى رسول الله ، فذكر له ذلك، فإذا بعلي قد جاء ، فقال له النبي : ما منعك أن تبتدىء أبا بكر اليوم بالسلام؟ فقال يا رسول الله إني رأيت البارحة قصراً في الجنة، فأعجبني فقلت لمن هذا؟ فقيل : لمن يبتدىء أخاه بالسلام، فأردت أن أوثر اليوم أبا بكر به على نفسي ) . وكما فعل الصحابة، رضوان الله عليهم، حين تثقلوا بالجراح في قدح الماء. وقد تقدم ذلك في غير هذا الحديث. (والثاني): أن تنظر لأخيك مثل ما تنظر لنفسك، لقوله عليه السلام، لا يبلغ أحد حقيقة الإيمان حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) (۳) ، وقوله عليه السلام (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) (٤) .

(والثالث): أن تنظر لأخيك مثلما تنظر لعبدك - نعني في المطعم والملبس وقيامك له بما يصلح حاله - وأن تفعل ذلك لا بعين الاحتقار له والرفعة عليه، لأن العبد يلزمك إطعامه وكسوته وكل ضروراته، فإن لم تقدر على ذلك لم يجز لك إمساكه ، وأمرت ببيعه وكذلك الأخ يلزمك منه هذا الأمر. فإن لم تقدر على ذلك من فاقة أو غير ذلك فالعذر إذ ذاك تبديه له حتى ينصرف بالتي هي أحسن من غير تغيير يقع له منك . فالعذر للأخ عند العدم كالبيع للعبد عند العدم لتوفية حقوقه، وهذا أقل المراتب .

وفي الحديث دليل على أن المرء إذا تعرض له فعل من أفعال البر فإن قدر على أن يفعله - وهو يتضمن غيره من الأفعال الحسنة - كان أولى مما يتضمن ذلك الفعل وحده ، لأن النبي لولو

(1) سورة الحشر، من الآية 9

(۲) لم نقف على مصدره.

(۳) رواه ابن حبان في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه .

(٤) متفق عليه من حديث أبي موسى رضي الله عنه .

أراد إزالة صعوبة الجمل لا غير لضربه بقضيبه كما فعل عليه السلام لبعير كان لبعض الصحابة كذلك، فهرول بين يديه وزال ما كان به أو لركب البكر، كما ركب فرساً كان قطوف (۱) لأبي طلحة (٢)، رضي الله عنه، فرجع الفرس عند ذلك بحراً لا يُلحق ولكنه عليه السلام، لما أراد إزالة ما كان بالجمل، وأمكن أن يتوصل إلى أفعال كثيرة، مع تضمن الأول، فعَل ذلك، ولم يقتصر على الفعل الواحد .

، لأنهم عملوا على قدم الإحسان. فالأعمال في

ومثل ذلك من أراد أن يتصدق بصدقة، فالأولى له أن يتصدق على قريبه لأنه يحصل له بذلك فعلان وهما الصدقة وصلة الرحم إلى غير ذلك من هذه الوجوه . وبهذا المعنى : فضَل أهل الصوفة الظاهر واحدة، ومنازلهم أعلى من منازل غيرهم لأن كل محسن مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً محسناً وهم قد عملوا على ذلك حالاً، وصححوه مقالاً، كما جاء في الحديث المأثور المشهور، وهو حديث جبریل علیه السلام حين سأل النبي عن الإسلام والإيمان ثم قال له : مع ما الإحسان؟ فقال عليه السلام، أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)(۳). والله الموفق المستعان بمنه وفضله .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً

(۱) دابة قطوف مبطئة غير سريعة .

(٢) أبو طلحة بن سهل الأنصاري النقيب شهد بدراً وما بعدها، وهو من أهل السوابق في الإسلام، وهو المتصدق بأحب أمواله إليه (بَيْرَحاء) وهو موضع بقرب المسجد بالمدينة يعرف بقصر بني جديلة. توفي سنة ٣٥ للهجرة

وصلى عليه عثمان رضي الله عنه .

(۳) متفق عليه من حديث عمر رضي الله عنه .

حديث جواز كراء الأرض للمسلم ومنعها عن الذمي

عَن جابر (١) ، رَضِيَ الله عَنهُ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ، الله : مَن كانَت لَهُ أرض فَليزرعها أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فَليُمسِكْ أرضَهُ .

ظاهر الحديث يدل على جواز كسب الأرض وتحريم كرائها البتة ، بعَرَض كان ذلك أو بغيره. وقد اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من أجاز على الإطلاق، ومنهم من منع على الإطلاق ومنهم من فرّق فأجاز كراءها بالعين والعَرَضِ ، ولم يُجزه بالطعام، وهو مذهب مالك، رحمه الله تعالى. وسبب اختلافهم اختلاف الأحاديث كل منهم ذهب إلى حديث وعمل عليه ومن شيم مالك، رحمه الله تعالى الجمع بين الأحاديث والعمل على مقتضى كل واحد منها من غير إبطال

أحدها، فجمع بين كل الأحاديث التي جاءت في ذلك برأيه السديد وبما أيده الله به من التوفيق. وقد ذكر كيفية ذلك أهل الفقه في كتب الفروع، فلم يبق عليه من الأحاديث التي جاءت في كراء الأرض إلا الحديث الذي نحن بسبيله، وهو منع كرائها البتة لكن قد وجهوا ذلك بأحسن توجيه . ونحتاج أن نبديه إذ هو المقصود من الحديث .

فإنه قد روي أن سائلاً سأل جابرا ، رضي الله عنه حين أخبر بذلك فقال : أرأيت لو أكريتها بالذهب والفضة؟ فقال جابر: لا بأس إذاً ، إنما حُرِّم كراؤها بجزء منها، أو بما يخرج منها . وهذه الزيادة جاءت من طريق واحد وما كان كذلك وساعده النظر والقياس، وكان جارياً على قواعد الشريعة وجب العمل به فلم يبق لمن تعلق بظاهر الحديث حجة، والله أعلم .

(۱) جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الخزرجي الأنصاري السلمي صحابي من المكثرين في الرواية عن النبي ، وروى عنه جماعة من الصحابة . له ولأبيه صحبة . غزا تسع عشرة غزوة. وكانت له في أواخر أيامه حلقة في المسجد النبوي يؤخذ عنه العلم . روى له البخاري ومسلم وغيرهما / ١٥٤٠ / حديثاً . توفي سنة ٧٨ هـ/ ٦٩٧م. (انظر الحديث ٥٣ ) .

وقوله عليه السلام، فإن لم يفعل (۱) فلْيُمسك أرضه) يَرِدُ عليه سؤال، وهو: أنه عليه

السلام أباح لصاحب الأرض أن يتركها بغير زراعة وبغير منفعة، وذلك إضاعة لها، وقد نهى، عليه السلام، عن إضاعة المال والجواب عنه أنه عليه السلام إنما نهى عن إضاعة عين المال وعن منفعته التي لا تُجبَر ولا تُخلف مثل الثمرة إذا تُرِكت من غير سقي، ومن غير تذكير، فذلك إضاعة لمنفعتها، ولا تُخلف ما ضاع منها هذه السنة في السنة الثانية؛ والأرض ليست كذلك، لأنها إذاتُركت بغير زراعة هذه السنة فهي تُخلِف السنة القابلة أضعاف ذلك، ثم إنها لو تركت بغير زراعة مرة واحدة فقد لا تخلو من المنفعة فيها وهو ما ينبت فيها من الربيع والحطب والحشيش وغير ذلك مما ينتفع به المسلمون للرعي والحش وغير ذلك .

وقد يستدل بالحديث مَن يَرى أن التسبب لمندوب إليه ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها فأمر بهذين القسمين أولاً ثم قال عليه السلام، فإن لم يفعل(۱) فليمسك أرضه ومسك الأرض من المباح، فدل ذلك على أنه أمر أولاً بفعل المندوب، فإن لم يفعل المرء ذلك وترك المندوب فحينئذ يرجع إلى المباح فيمسك ،أرضه لكن هذا ليس بالقوي من قبل أن التسبب والمنحة للأخ ليستا للندب على الإطلاق، وقد تكون مندوبة، وقد تكون مباحة، فإن كان التسبب من حاجة في وجه حلال، ولم يُخِلَّ ذلك بدينه، فذلك مندوب إليه ، وإن كان غير محتاج وكان وجه التسبب حلالاً، ولا يخل بدينه كان ذلك مباحاً. والهدية قد تقدم تقسيمها في الحديث الذي روته عائشة رضي الله عنها أن النبي ل وكان يقبل الهدية ويثيب عليها . فلما أن كان هذان

القسمان يحتملان الندب والإباحة فلأجل ذلك استحقا التقديم، لا أنهما مندوبان على الإطلاق. وفيه دليل على جواز تملك الأرض. يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام من كانت له أرض). وفيه دليل على منعها من الذمي . يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام ليمنحها أخاه) يعني أخاه

في الإيمان

وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(1) كذا. ونص الحديث : فإن أبى .

حديث الأمر بتحريم الرجوع في الصدقة

عَن عُمرَ، رضيَ الله عَنهُ قالَ : حَمَلتُ على فَرس في سَبيلِ الله ، فَرَأَيْتُهُ يُبَاعُ . فَسَأَلتُ رَسولَ الله فَقالَ : لا تَشْتَرِهِ، ولا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ .

ظاهر الحديث يدل على تحريم شراء الصدقة، وإن كانت بشراء صحيح . وقد اختلف العلماء في ذلك. فمن قائل يقول بالإجازة، ومن قائل يقول بالكراهة، ومن قائل يقول بالتحريم - وهو الأظهر والله أعلم - كل منهم مستدل بنض هذا الحديث، وقد زيد في الحديث من طريق آخر (كالكلب يعود في قينه)

فوجه من قال بالإجازة هو أن قوله عليه السلام (لا) تشتره ولا تَعُد في صدقتك نهي. والنهي لا يدل على فساد المنهي عنه على الإطلاق عنده - وهو أحد الأقوال للعلماء - وقد دل دليل أن ذلك جائز، لأنه عليه السلام مثله بالكلب يعود في قيئه، وذلك جائز له، فكذلك شراء

على

الصدقة جائزة .

ومن قال بالكراهة : وجه قوله قريب من هذا المعنى، وهو أن فعل الكلب ذلك جائز له، لكنه قذر مستخبث، فكذلك شراء الصدقة يُستخبَتْ ويُكرَه ، لأن المثال مثل الممثل به .

ووجه من قال بالتحريم - وهو الذي عليه الجمهور - هو أن نص الحديث نهى عن شراء الصدقة والنهي يدل على فساد المنهي عنه - عند بعض العلماء - وهذا قد قارنه ما يؤيد أنه على الفساد والتحريم وهو أنه عليه السلام مثل من فعل ذلك بفعل الكلب، وهو عَوْده في قيئه، وليس في الحيوان كله من يفعل ذلك غيره، لأن الحيوان كله اجتمعت طباعه على النفور عن ذلك الفعل ،ومنعه، فكأنهم حرموه على أنفسهم ،وضعاً، فكأنه عليه السلام يقول : كما أن الحيوان اجتمع على الامتناع مما فعله الكلب طبعاً ، فكذلك شراء الصدقة ممنوعة شرعاً . وقول عمر ، رضي

الله عنه : حَمَلت) على فرس في سبيل الله يحتمل أن يكون قوله (حَمَلت)

بمعنى (تصدقت)، ويحتمل أن يكون بمعنى (أعرت)، لكن الإعارة ليست هي المراد، لأنه لو كان عاريَّة لما جاز للمستعير بيعه. وقد يحتمل قوله (حملت غير هذين الوجهين، لكن القرائن تدل على أنه كان صدقة لا غير ذلك ، لقول النبي ) ( لا تعد في صدقتك) ، فلم يبق إلا أن يكون تصدق به على رجل يجاهد في سبيل الله تعالى وإنما أراد ،عمر رضي الله عنه، أن يشتري الفرس حين وجده، لأنه كان عارفاً به وبجودته وقد يكون الفرس ضاع عند من تصدق به عليه لقلة الأكل أو لغير ذلك، فأراد أن يشتريه لكي يزيل ما أصابه ويرده إلى ما كان وهي الصدقة. هذا الوجه الذي

أراده عمر ، رضي الله عنه - والله أعلم - لأنه هو الذي يليق به ولا يلتفت إلى من تأول غير ذلك . والحديث دليل على أن المؤمن متوقف في أموره لا يعمل شيئاً في كل تصرفه إلا بعلم من الكتاب أو من السنة . فإن كان جاهلاً بذلك فليسأل، ولا يجوز له الإقدام على العمل بغيرِ ،علم لأن مر ، رضي الله عنه، مع مع علمه ودينه ومع شجاعته وإقدامه على أمور لم يُقْدِمْ عليها غَيْرُه ، ونزول القرآن على لسانه في مواضع ، لما أن وجد الفرس يباع في السوق، ولم يتقدم له علم بما الحكم فيه من الشارع عليه السلام، ، توقف عن شرائه حتى سأل النبي ، ، ما هو الحكم فيه . وهذا هو المعنى الذي أراد عليه السلام بقوله في غير هذا الحديث (المؤمن (وقاف) (۱) لأن المؤمن لم يبق له اختيار ولا تدبير، وإنما أمره كله واقف مع كلام الشارع عليه السلام، فما أُمِر به امتثله، وما نُهِيَ

عنه

انتهى عنا عنه .

ثم بقي على الحديث سؤال وارد وهو أن عمر رضي الله عنه أخبر بأنه تصدق بالفرس، وذكر الصدقة ممنوع بقوله تعالى ( لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُم بِالْمَنِ وَالْأَذَى) (۲) قال المفسرون: الأذى

هو ذكر الصدقة للناس .

والجواب عنه أن ذكر الصدقة إنما يكون إذاية (۳) إذا كان ذكرها لغير حاجة، وأما إذا أدت الضرورة إلى ذكرها فلا بأس. وعمر رضي الله عنه ، إنما ذكر الصدقة لأجل ما عرضه من الضرورة ، لذكرها ، لأن بذكرها يعرف حكم الشارع عليه السلام فيما أراد أن يفعل. فإن قال قائل : ذلك غير ممتنع أن لو اقتصر على ذكرها للشارع عليه السلام ولكن لما أن حدث الناس بذلك، وَرَوَوْا عنه ما وقع له من ذلك ارتفعت تلك العلة قيل له : وجه العلة التي لأجلها صرح بذلك للناس ال

(1) أخرج الديلمي عن أبان عن أنس رضي الله عنه : المؤمن كيس فطِن حَذِر وقاف مثبت لا يعجل، عالم ورع، والمنافق هُمَزَة لَمَزة حُطَمَة، لا يقف عند شبهة ولا عند محرم كحاطب الليل لا يدري من أين اكتسب ولا فيما

أنفق .

(۲) سورة البقرة، من الآية ٢٦٤ . (۳) كذا . ويربد : اذِيَّة .

وقوله

واضحة أيضاً، لقوله عليه السلام من هدى إلى هدى كان له أجره وأجر من عمل به) (۱) ، عليه السلام من بلغ عني حديثاً واحداً يُقيم به سُنّة أو يُزيل به بدعة كنت له شفيعاً يوم القيامة)(۲) إلى غير ذلك من الأحاديث التي جاءت في هذا المعنى ولما أن كان في مسألة عمر ، رضي الله عنه حكم شرعي وقاعدة من قواعد الأحكام ، أدته الضرورة لذكر ذلك للناس لكي يُقتدى به في ذلك، ولكي يقرر الدين ويبيّنه ، فكانت الضرورة الأخيرة أكثر تأكيداً من الأولى.

ولهذا المعنى جاز لأهل الصوفة التحدث مع إخوانهم بما يُظهر الله على أيديهم من الكرامات وخرق العادات لأن ذكرهم لـ بين إخوانهم سبب لنشاطهم وسلوكهم ووصولهم إلى رضى لأنه من باب من هدى إلى هدى كما تقدم ؛ ومن باب قوله تعالى ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبَرِ

ربهم،

وَالتَّقْوَى ) (۳) هذا إذا كان ذكر ذلك بين الإخوان السالكين، لأن الضرورة تحملهم على الذكر لتلك العلة التي أشرنا إليها، وأما لغيرهم من العوام أو ممن ليس في طريقهم فذلك لا يسوغ، إذ لا فائدة في إخباره بذلك لهم إلا لكونهم يعظمونه ويحترمونه أو لغير ذلك من الوجوه الممتنعة . فالعمل كله على اختلاف أنواعه من صدقة وصيام وصلاة وغير ذلك ذكره محذور، لأنه داخل في عموم الآية التي تقدم ذكرها وهي قوله تعالى ﴿ لَا تُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُم ﴾ وقال في الآية الأخرى وَلَا تُبْطِلُوا فإن كان ذلك لعذر ـ والعذر ما قد أظهرناه - يخرج بذلك من عموم الآية، ويرجع من

أَعْمَلَكُمْ المندوب والمرغب فيه .

وفيه دليل لمالك رحمه الله تعالى في منعه الربا المعنوي، لأن البيع الثاني عنده كأن لا بيع، وأن السلعة بين الثمنين لغو ، وجاءت الفضة متفاضلة غير يد بيد. وشرح هذه المسائل في كتاب بيوع الآجال من كتب الفروع في الفقه .

وفيه دليل على فصاحته، رضي الله عنه. يؤخذ ذلك من قوله (فرأيته يباع فسألت رسول الله فحذف الجملة الثانية من الكلام وهي: سألت عنه معناه هل يجوز لي شراؤه أو ليس يجوز لي

ذلك؟ فحذفها لدلالة الكلام عليها واستغنى عنها بقوله (عنه) . والله الموفق بمَنْه

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً .

(۱) رواه الإمام أحمد ومسلم والأربعة عن أبي هريرة رضي الله عنه، بلفظ من دعا إلى هدى إلخ . ... (۲) لم نعثر عليه بهذا اللفظ ، وإنما وجدنا قريباً منه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند أبي نعيم في الحلية والخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث (۸۰) : ( من أدى حديثاً إلى أمتي لتقام به سنّة، أو تثلم به بدعة

فله الجنة وفي إسناده من يتهم بالكذب .

(۳) سورة المائدة من الاية ۲ . (٤) سورة محمد من الآية ۳۳ .

حديث تحليل نكاح المبتوتة لمطلقها الأول

عَن عائشة ، رضي الله عنها قالت : جاءَتِ امرأة (۱) رفاعةَ القُري (۲) إلى النَّبيِّ ، ، ،

فَقَالَتْ : كُنتُ عِندَ رفاعَةَ فَطَلَّقني فأبَثَّ (۳) طلاقي ، فَتَزوَّجتُ عَبدَ الرَّحمنِ بنَ الزَّبير ( ) ، وإِنَّ

ما مَعَهُ مِثلُ هُدبةِ الثّوب (٥) . فقال : أتُريدِينَ أَن تَرجِعي إلى رِفاعَةَ؟ لاَ ، حتّى تذُوقي مُسَيْلَتهُ

وَيَذُوقَ عُسَيْلَتُكِ . وأبو بَكرٍ جالِسٌ عِندهُ .

ظاهر الحديث يدل على تحريم المطلقة المبتوتة على من طلقها حتى تنكح زوجاً غيره بنكاح صحيح، وَيَطَأَها وَطْئاً مباحاً .

قوله (فابَةً) أي وصل إلى الثلاث التي الرجعةُ بعدها ممنوعة. وهذا من كثرة اختصارها وبلاغتها في الفصاحة، لأنها شكت حالها للنبي ، وأتت إليه بمسائل جملة بلفظ قليل لأن قولها (فأبت) إلى قولها (فتزوجتُ عبد الرحمن بن الزَّبِيرِ ، وإنَّ ما معه مثل هدبة الثوب معناه أنها تقول له : ثم بعد هذا الأمر الذي أصابني من هذا الرجل الذي تزوجت به ـ وهو عبد الرحمن ـ ليس معه مما يبلغ به النساء إلى أغراضهن ـ تعني في النكاح - فكنت عن ذلك بأحسنَ ما يكون من الكناية، لأن قولها إنّ ما معه مثل هدبة الثوب كناية منها عن الفرج، فهي تقول : ليس معه بما يصيب النساء، لأن فَرَجه مثلُ هدبة الثوب وهدبة الثوب : الخيوط التي تتعلق بالثوب وتتدلى منه وهي الأطراف .

(1) امرأة رفاعة القرظي : اسمها تميمة بنت وهب . (۲) رفاعة القرظي : ابن سموءل من بني قريظة. (۳) آبت طلاقي : جعله باتاً لا رجعة فيه.

(٤) عبد الرحمن بن الزبير : هو ابن باطا القرظي. وكان تزوج تميمة بنت وهب بعد طلاقها من رفاعة، فاعترض عنها ولم يستطع أن يمسها ، فشكته إلى رسول الله ، فذكر حديث العسيلة . (٥) هدبة الثوب : طرف الثوب الذي لم ينسج ، والمقصود به هنا : شدة الارتخاء والليونة .

(٦) عسيلته : كناية عن لذة الجماع وحلاوته .

وقوله عليه السلام أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، ، تذوقي عُسيلته ويذوق عُسَيْلَتك) فهذا أيضاً من أبدع ما يكون الإبداع في الفصاحة والاختصار مع إيصال الفائدة الكناية، لأنه عليه السلام كَنَى عن نفس الجماع بقوله حتّى تذوقي عُسَيْلَتَهُ) فكنَى بالعسل عن

الجماع ، لأن العسل فيه حلاوة ويُلتذ بأكله، والجماع له حلاوة من نسبته أيضاً ويُلتذ به . وقولها وأبو بكر جالس عنده فيه دليل على أن الحياء في الدين عند الضرورة لبيان ما يحتاج ( المرء من دينه ممنوع ، لأنها سألت النبي الي الله عنه وهذا الأمر ، وهو مما يُستحيا منه ، وأبو بكر حاضر فكان ينبغي أن يكون ذكر ذلك، إذ لا بد منه، وهو وحده . ولكن لما أن كان لا بدَّ لها من السؤال عن ذلك، ولم تجد النبي الله وحده ، لم يمنعها الحياء أن تسأل بحضرة أبي بكر . ثم إن أبا بكر ، رضي الله عنه، صهر رسول الله ، وهذا الأمر مما يُستحيا منه بحضرة الأصهار ، فلم يَنْههَا النبي صلى الله عليه وسلم عن سؤالها، وأفصح لها بمرادها مع حضرة أبي بكر رضي الله عنه وإن كان صهره. هذا مع شدة حيائه عليه السلام، لكن لما أن كان الأمر في الدين لم يمنعه الحياء من الكلام .به ولهذا قالت عائشة (نِعْمَ النِّساءُ نِساءُ الأنصارِ ، لم يَمنَعْهُنَّ الحياءُ من أن يَتَفَقَّهُنَ في الدين)(۱). فالحياء في مثل هذا الأمر لا يسوغ وهو ممنوع شرعاً .

لكن يعارض هذا ما روي عن علي رضي الله عنه أنه أمر المقداد أن يسأل له رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل إذا أمْذى (٢) ، ماذا عليه؟ وعلل ذلك بأن قال : استحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته. والجمع بينهما هو أنه إذا وجد المرء من يقوم مقامه فلا بأس، وإن لم يجد فلا يجوز له أن يسكت عنه، لأن النبي ا ا ا ا ا ل ل لم يكن له بد من الإفصاح بذلك، لأن غيره لا يقوم مقامه فيه، وعلي،

رضي الله عنه، وجد سبيلا إلى وصوله إلى الفائدة التي أراد من غير أن يتعرض بنفسه إلى السؤال . وفيه دليل على أن البشر معذورون فيما جبلت عليه البشرية من احتياجهم إلى الأكل والشرب والجماع وما أشبه ذلك، وأنهم معذورون في التسبب إلى ما يزيلون به ذلك، إذا لم يقدروا على الصبر عنه إلا أنه على لسان العلم وإلا فلا عذرَ فيه . يؤخذ ذلك من كون هذه المباركة لم تقدر أن تستغني عن النكاح لقوة الباعث عليه في ذلك، فشكت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فَعَذرها في الشكوى

(۱) رواه مسلم في الحيض ، باب استحباب استعمال المغتسلة فرصةً من مسك في موضع الدم والفرصة) هي قطعة قطن أو صوف أو خرقة تتمسح بها المرأة من الحيض. (۲) امذى خرج منه المذي عند الملاعبة والتقبيل. و(المذي): ماء رقيق يخرج من مجرى البول عند الملاعبة

والتقبيل من غير إرادة .

(۳) رواه البخاري في الغسل باب غسل المذي والوضوء منه، وفي العلم باب من استحيا فأمر غيره بالسؤال ورواه مسلم في الحيض، باب المذي .

لأنه لم يُشَرِّب (۱) عليها ولا زَجَرَها، ولم يَعْذرها في قاعدة الشرع، ومنعها بأن قال: لا، حتى تذوقي عسيلته .

وفيه بحث هو أن يقال لم قال حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) ولم يخبر بالوصف الواحد؟ والجواب عن ذلك أنه لما كَنَى عما يجد المتناكحان من لذة النكاح، كما يجده اكل العسل، فلا يكون النكاح الصحيح إلا بهذين الوصفين لأنه إذا كان أحدهما قوِيَّ الشهوة للنكاح أمنى قبل بلوغ الختان إلى الختان وهذا الإمناء هو الذي عبر عنه بالعسيلة، فيكون قد أصاب عسيلة صاحبه ولم يحصل صفة النكاح الذي يُحل المطلقة ثلاثاً، لأنه لا يحصل حتى يجاوز الختانُ (۲) الختان. ولا يجد الاثنان حلاوة النكاح الذي هو الإمناء (۳) غالباً، إلا بعد حصول الصفة المذكورة تُحل المطلقة ثلاثاً لزوجها الأول، وهو مجاوزة الخِتانِ الخِتان . فمن أجل هذه العلة ذكر

التي

العُسَيْلة مرَّتين .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(1) لم يثرب عليها : لم يلمها ولم يعنّفها. (۲) الختان موضع القطع من الذكر والأنثى .

(۳) الإمناء : إنزال المني .

حديث يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب

عَنِ ابنِ عباس رضيَ الله عَنهُما ، قالَ: قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فِي بِنتِ حَمزةَ : لاَ تَحِلُّ لي. يَحرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحرُمُ مِنَ النَّبِ . هِيَ بِنتُ أخي مِنَ الرَّضاعةِ .

ظاهر الحديث يفيد التحريم بالرضاعة كما هو بالنسب .

وفيه دليل على أن للولي أن يخطب لوليته من يرتضيه من الرجال، لأن ابنة حمزة خُطبت للنبي ، ، ورغب فيها وهذا أمر قد يعافه بعض أهل هذا الزمان وهو مخالف للسنة، بدليل الحديث الذي نحن بسبيله. هذا من جهة السنة، وإذا وقع النظر في معنى ذلك تأكد الأمر فيه حتى إنه اكد من خطبة الرجل المرأة، لأن الرجل إذا تزوج فأمْرُ الفراق بيده فإن أعجبه ما أتاه وإلا تركه، ولا مانع له منه، والمرأة ليس بيدها ذلك. فإذا حصل لها رجل غير مرضي وقعت في حيرة ونُشْبة (١) ، ولا انفكاك لها منه غالباً .

فتأكد الأمر أن يكون المرء ينظر لوليته ويخطب لها لعله أن يقع على أهل الفضل والدين لأنه إذا أعطاها لمن يرتضيه في الدين فهي بين أمرين : إما أن يوفق الله بينهما فتستريح الولية بذلك، وتنال خير الرجل في الدنيا وفي الآخرة. وإن كان غير ذلك فقد خلص من ظلمها لأن أهل الدين لا يقعون في الظلم البتة . بل إذا وقع الفراق فلا بد أن تكون المرأة قد نالت من بركته شيئاً، فيحصل لها الخير من كلا الأمرين. بل أهل الدين والخير سيرتهم تقتضي ألا يقع الفراق، لأنهم لا يتزوجون إلا الصلاح دينهم وامتثالاً لسنة نبيهم ومن تزوج لهذا المعنى لا ينظر إلى الجمال ولا إلى المال ولا إلى حسن الهيئة والكمال، وإنما ينظرون إلى من يوافقهم ويعينهم على مرادهم وما هم إليه

(۱) النُّشْبَةُ من الرجال : الذي إذا نَشب بشيء لم يكد يفارقه ومنه : أنشب مخالبه به، وأنشب الصائد : علّق الصيد

بحبالته . وهو كناية عن صعوبة تخلص الزوجة .

صائرون وعليه قادمون من أمر آخرتهم. فتأكد الأمر لأجل هذا المعنى في خطبة أهل الخير

والصلاح من النساء للرجال .

وفي الحديث دليل لأهل الصوفة لقولهم بجبر القلوب، لأن ابنة حمزة عما نقل عنها كانت في الجمال لها الكمال، فخطبت إلى رسول الله فأدركت نساءَه الغيرة من ذلك، فقال عليه السلام (لا تحل لي) وبين العلة المانعة له منها حتى جبرهن بذلك، فكان في إخباره عليه السلام بذلك فائدتان : تقعيد قاعدة من قواعد الشريعة وجبر نسائه مما كُنَّ يتوقعن.

ولا يظن ظان أن غيرتهن كانت لحظوظ أنفسهن، إذ ذاك لا يَسُوغ في حقهن، إذ هُنَّ مختارات لخير البرية، وإنما كانت غيرتهن الله عزّ وجلّ، لأن كل واحدة منهن تريد أن تتقرب إلى رسول الله بكل ممكن يمكنها لعلها تتقرب بذلك إلى الله عزّ وجلّ فمحبتهن له كانت لأجل الله ،

ومحبته عليه السلام لهن وتفضيل بعضهن على بعض كانت لأجل الله أيضاً، ولما خص الله به كل واحدة منهن وهن أجلّ من أن تقع المحبة منهن لسبب الذوات والأشخاص، بل هذا الحال أوصى به عليه السلام لأمته فقال (تَتَزَوَّج المرأة لجمالها ومالها ودينها وحَسَبها) (۱) ثم قال عليه السلام عليك بذات الذين تَرِبَتْ يداك) فأخبر ، عليه السلام ، لِمَ تُتَزَوَّجُ المرأةُ، ثم أرشد إلى ما هو الأصلح والأسد.

ولأجل هذا المعنى كان عليه السلام يفضل عائشة على غيرها من نسائه حتى قيل له مرة : أي النساء أحب إليك؟ قال : عائشة . وهذا الإخبار قد يستفز الشيطان بعقل بعض من يسمعه، وهو غير عالم بحال النبي وبسيرته ، فيظن أنه أحب عائشة لأجل الصغر والجمال، وذلك باطل، بدليل ما قدمناه . وقد صرح عليه السلام بالعلة التي أشرنا إليها ، وذكر لم فضلها على غيرها حين سأله نساؤه أن يعدل بينهن في المحبة فقال عليه السلام في حق عائشة (إنه لم يوح إليّ في فراش إحداكن إلا في فراشها) (۳) ، فكان تفضيله عليه السلام لها من قبل أن الله عزّ وجلّ فضّلها وخصها بذلك، وقد قال عليه السلام ، خذوا عنها شطر (دينكم) (٤) . وقد توفي عنها عليه السلام وهي ابنة ثمان عشرة سنة، والعادة تقتضي أن من كان في ذلك

(۱) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (تنكح المرأة لأربع ..... (۲) رواه البخاري في الفضائل ومسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه .

قطعة من حديث رواه الشيخان في فضائل الصحابة، باب فضل عائشة رضي الله عنها . (٤) قال ابن القيم في المنار : حديث باطل وكذب مختلف. وقال الشوكاني في الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة ص ۳۹۹ رقم ۱۱۷۹ : قال ابن حجر : لا أعرف له إسناداً، ولا رأيته في شيء من كتب الحديث إلا في نهاية ابن الأثير ، وإلا في الفردوس بغير إسناد وسئل المزي والذهبي فلم يعرفاه . كذا في المقاصد .

السن من النساء ليس له قابلية للعلم لأجل صغره، ثم إنها مع ذلك أخذ عنها شطر الدين، وهذه مزية كبرى خصها الله بها، وفضلها بذلك على غيرها. وقد جاءت آثار في فضلهن بأجمعهن، وآثار بفضل كل واحدة منهن بشخصها، فكان عليه السلام يفضل كل واحدة بحسب ما فضلها الله به وخصها، فكان أصل المحبة منه ومنهن الله لا لغيره ولا يظن أحد فيهن غير ذلك إلا من جهل قدرهن، وقاس أحوالهن على أحوال غيرهن. والله الموفق للصواب. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً

حديث النهي عن مدح الرجل في وجهه

عَن أبي مُوسى(۱)، رضي الله عَنهُ قالَ : سَمِعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً يُثني على رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ في مَدحِهِ فَقالَ : أهلَكتُم، أو قطعتُم ظَهرَ الرَّجُلِ .

ظاهر الحديث يدل على تحريم مدح الرجل في وجهه لأن النبي ، شَبَّه ذلك بالقطع أو الهلاك، وذلك ممنوع . لكن يعارضه ،قوله عليه السلام في عبد الله بن عمر (نِعْمَ الرّجُل لو كان يقوم الليل ) (۲) ، وعبد الله بن عمر رضي الله عنه حاضر يسمع، وتلك تزكية له وثناء عليه؟ والجمع بينهما من وجوه :

(الأول) أن ما قاله النبي لا لا لا اله الا ابن عمر لم يكن منه ابتداءً ولا جواباً لسؤال سائل، وإنما كان ذلك تفسيراً لرؤيا رآها ابن عمر فاقتضى تفسيرها ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك أن عبد الله بن عمر كان يرى الناس يأتون النبي الله بِمَرَاء (٣ ) فيفسرها لهم، فيتمنى في نفسه أن لو رأى رؤيا فيسأل عنها النبي كما يفعل الناس ، فرأى رؤيا، فسأل عنها فاقتضت رؤياه أنه من الصالحين، لكن نقص منه كونه

(1) أبو موسى الأشعري: هو عبد الله بن قيس من بني الأشعر من قحطان صحابي من الشجعان الولاة الفاتحين وأحد الحكمين اللذين رضي بهما عليّ ومعاوية بعد حرب صفين. ولد في زبيد (باليمن) وقدم مكة عند ظهور الإسلام، فأسلم، وهاجر إلى أرض الحبشة، ثم استعمله رسول الله الا الله على زبيد وعدن وولاه عمر ابن الخطاب البصرة سنة ١٧هـ فافتتح أصبهان والأهواز. ولما ولي عثمان أقرّه عليها، ثم عزله، فانتقل إلى الكوفة ، فطلب أهلها من عثمان توليته ،عليهم ،فولاه فأقام بها إلى أن قتل عثمان، فأقره علي . ثم كانت وقعة الجمل، وأرسل علي يدعو أهل الكوفة لينصروه ، فأمرهم أبو موسى بالقعود في الفتنة، فعزله علي فأقام إلى أن كان التحكيم وخدعه عمرو بن العاص، فارتد أبو موسى إلى الكوفة، فتوفي فيها سنة ٤٤هـ / ٦٦٥م. وكان أحسن الصحابة صوتاً في التلاوة، خفيف الجسم قصيراً. وفي الحديث : (سيد الفوارس أبو موسى . له ٣٥٥

حديثاً رضي الله عنه . (انظر الحديث (٦١) .

(۲) متفق عليه . (۳) المراتي : الأحلام التي يراها النائم في منامه .

حديث النهي عن مدح الرجل في وجهه

عَن أبي مُوسى(۱)، رضي الله عَنهُ قالَ : سَمِعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً يُثني على رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ في مَدحِهِ فَقالَ : أهلَكتُم، أو قطعتُم ظَهرَ الرَّجُلِ .

ظاهر الحديث يدل على تحريم مدح الرجل في وجهه لأن النبي ، شَبَّه ذلك بالقطع أو الهلاك، وذلك ممنوع . لكن يعارضه ،قوله عليه السلام في عبد الله بن عمر (نِعْمَ الرّجُل لو كان يقوم الليل ) (۲) ، وعبد الله بن عمر رضي الله عنه حاضر يسمع، وتلك تزكية له وثناء عليه؟ والجمع بينهما من وجوه :

(الأول) أن ما قاله النبي لا لا لا اله الا ابن عمر لم يكن منه ابتداءً ولا جواباً لسؤال سائل، وإنما كان ذلك تفسيراً لرؤيا رآها ابن عمر فاقتضى تفسيرها ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك أن عبد الله بن عمر كان يرى الناس يأتون النبي الله بِمَرَاء (٣ ) فيفسرها لهم، فيتمنى في نفسه أن لو رأى رؤيا فيسأل عنها النبي كما يفعل الناس ، فرأى رؤيا، فسأل عنها فاقتضت رؤياه أنه من الصالحين، لكن نقص منه كونه

(1) أبو موسى الأشعري: هو عبد الله بن قيس من بني الأشعر من قحطان صحابي من الشجعان الولاة الفاتحين وأحد الحكمين اللذين رضي بهما عليّ ومعاوية بعد حرب صفين. ولد في زبيد (باليمن) وقدم مكة عند ظهور الإسلام، فأسلم، وهاجر إلى أرض الحبشة، ثم استعمله رسول الله الا الله على زبيد وعدن وولاه عمر ابن الخطاب البصرة سنة ١٧هـ فافتتح أصبهان والأهواز. ولما ولي عثمان أقرّه عليها، ثم عزله، فانتقل إلى الكوفة ، فطلب أهلها من عثمان توليته ،عليهم ،فولاه فأقام بها إلى أن قتل عثمان، فأقره علي . ثم كانت وقعة الجمل، وأرسل علي يدعو أهل الكوفة لينصروه ، فأمرهم أبو موسى بالقعود في الفتنة، فعزله علي فأقام إلى أن كان التحكيم وخدعه عمرو بن العاص، فارتد أبو موسى إلى الكوفة، فتوفي فيها سنة ٤٤هـ / ٦٦٥م. وكان أحسن الصحابة صوتاً في التلاوة، خفيف الجسم قصيراً. وفي الحديث : (سيد الفوارس أبو موسى . له ٣٥٥

حديثاً رضي الله عنه . (انظر الحديث (٦١) .

(۲) متفق عليه . (۳) المراتي : الأحلام التي يراها النائم في منامه .

لا يقوم الليل. وقد ثبت عنه عليه السلام أنه قال الرؤيا الصالحة من النبوة، وما كان من النبوة فهو (وحي) (۱) ، والوحي لا يجوز كتمه، فلذلك أبدى ما كان هناك .

(الثاني) أن تعارض الحديثين يبين معناهما ويفصح بالمراد في كليهما، حديثان آخران. وهما قوله عليه السلام لا تُزَكّوا على الله أحداً، ولكن قولوا : إخاله كذا أو أظنه كذا) (۲) ، وقوله عليه السلام إذا رأيتم الرجل يواظب المسجد فاشهدوا له بالإيمان )(۳)، فتحصل من مجموع هذه الأحاديث أن التزكية بالقطع ممنوعة مطلقاً ، لأن القطع بها حكم على الغيب، والحكم على الغيب

بالنسبة إلى البشر مستحيل .

وأما تزكية الشخص فلا يخلو أن تكون من الإنسان نفسه لنفسه، أو من غيره .

فإن كانت من الإنسان نفسِه لنفسه بأن يَذكر محاسنه فهو على ضربين مذموم ومحمود. (فالمذموم) أن يذكره بالافتخار، وإظهار الارتفاع والتمييز على الأقران وشبه ذلك، فهذا لا يجوز لقوله تعالى ﴿ فَلَا تُرَكُوا أَنْفُسَكُمْ ) (٤). (والمحمود) أن يكون فيه مصلحة، ونيه في ذلك بأن يكون أمراً بالمعروف، أو ناهياً عن المنكر ، أو ناصحاً، أو مستشيراً لمصلحة، أو معلماً، أو مؤدباً، أو واعظاً، أو مذكراً، أو مصلحاً بين اثنين، أو يدفع عن نفسه شرّاً ونحو ذلك، فيذكر محاسنه ناوياً بذلك أن يكون هذا أقرب إلى قبول قوله واعتماد ما يذكره أو أن هذا الكلام الذي أقوله لا تجدونه عند غيري فاحتفظوا به أو نحو ذلك .

وإن كانت من غيره فلا يخلو أن يكون في وجه الممدوح أو بغير حضوره فأما الذي في غير حضوره فلا مانع منه إلا أن يجازف المادح فيدخل في الكذب فيحرم عليه بسبب الكذب لا لكونه مدحاً. ويستحب هذا المدح الذي لا كذب فيه إذا ترتبت عليه مصلحة، ولم يَجُرَّ إلى مفسدة، بأن يبلغ الممدوح فيفتن به أو غير ذلك. وأما المدح في وجه الممدوح فلا يخلو أن يكون تزكية له عند الحاكم لكي تقبل شهادته أم لا (٥) . فإن كان كذلك فهي جائزة امتثالاً لأمر الشارع عليه السلام في ذلك، وإن كانت لغير ذلك فهي الممنوعة في الحديث.

ولأجل هذا المعنى قال عليه السلام: (ولكن قولوا : إخاله كذا أو أظنّه كذا ، فنفى التزكية مرة واحدة وأثبت الظن ، لأن عمله يقوّي الظن بأنه من أهل الخير والصلاح وأما حقيقة أمره فهي إلى

(۱) متفق عليه من حديث أنس بن مالك وعبادة بن الصامت وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم .

(۲) تقدم تخريجه في الحديث رقم / ۸۷ . (۳) تقدم تخريجه في الحديث رقم / ۸۷/ .

(٤) سورة النجم من الاية ۳۲ . (ه) كذا والصواب أو لا .

لا يقوم الليل. وقد ثبت عنه عليه السلام أنه قال الرؤيا الصالحة من النبوة، وما كان من النبوة فهو (وحي) (۱) ، والوحي لا يجوز كتمه، فلذلك أبدى ما كان هناك .

(الثاني) أن تعارض الحديثين يبين معناهما ويفصح بالمراد في كليهما، حديثان آخران. وهما قوله عليه السلام لا تُزَكّوا على الله أحداً، ولكن قولوا : إخاله كذا أو أظنه كذا) (۲) ، وقوله عليه السلام إذا رأيتم الرجل يواظب المسجد فاشهدوا له بالإيمان )(۳)، فتحصل من مجموع هذه الأحاديث أن التزكية بالقطع ممنوعة مطلقاً ، لأن القطع بها حكم على الغيب، والحكم على الغيب

بالنسبة إلى البشر مستحيل .

وأما تزكية الشخص فلا يخلو أن تكون من الإنسان نفسه لنفسه، أو من غيره .

فإن كانت من الإنسان نفسِه لنفسه بأن يَذكر محاسنه فهو على ضربين مذموم ومحمود. (فالمذموم) أن يذكره بالافتخار، وإظهار الارتفاع والتمييز على الأقران وشبه ذلك، فهذا لا يجوز لقوله تعالى ﴿ فَلَا تُرَكُوا أَنْفُسَكُمْ ) (٤). (والمحمود) أن يكون فيه مصلحة، ونيه في ذلك بأن يكون أمراً بالمعروف، أو ناهياً عن المنكر ، أو ناصحاً، أو مستشيراً لمصلحة، أو معلماً، أو مؤدباً، أو واعظاً، أو مذكراً، أو مصلحاً بين اثنين، أو يدفع عن نفسه شرّاً ونحو ذلك، فيذكر محاسنه ناوياً بذلك أن يكون هذا أقرب إلى قبول قوله واعتماد ما يذكره أو أن هذا الكلام الذي أقوله لا تجدونه عند غيري فاحتفظوا به أو نحو ذلك .

وإن كانت من غيره فلا يخلو أن يكون في وجه الممدوح أو بغير حضوره فأما الذي في غير حضوره فلا مانع منه إلا أن يجازف المادح فيدخل في الكذب فيحرم عليه بسبب الكذب لا لكونه مدحاً. ويستحب هذا المدح الذي لا كذب فيه إذا ترتبت عليه مصلحة، ولم يَجُرَّ إلى مفسدة، بأن يبلغ الممدوح فيفتن به أو غير ذلك. وأما المدح في وجه الممدوح فلا يخلو أن يكون تزكية له عند الحاكم لكي تقبل شهادته أم لا (٥) . فإن كان كذلك فهي جائزة امتثالاً لأمر الشارع عليه السلام في ذلك، وإن كانت لغير ذلك فهي الممنوعة في الحديث.

ولأجل هذا المعنى قال عليه السلام: (ولكن قولوا : إخاله كذا أو أظنّه كذا ، فنفى التزكية مرة واحدة وأثبت الظن ، لأن عمله يقوّي الظن بأنه من أهل الخير والصلاح وأما حقيقة أمره فهي إلى

(۱) متفق عليه من حديث أنس بن مالك وعبادة بن الصامت وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم .

(۲) تقدم تخريجه في الحديث رقم / ۸۷ . (۳) تقدم تخريجه في الحديث رقم / ۸۷/ .

(٤) سورة النجم من الاية ۳۲ . (ه) كذا والصواب أو لا .

الله . ولأجل هذا المعنى ،قال عليه السلام من مات على خير عمله فارجوا له خيراً، ومن مات على شر عمله فخافوا عليه ، ولا تيأسوا) (۱) . فأمر عليه السلام بالرجاء في الرحمة لمن مات على خير العمل،

ولم يخبر بأن من مات على ذلك كان من أهل الرحمة على كل حال . هذه هي التزكية الممنوعة . وأما الشهادة فهي جائزة لأنها لا تتناول إلا ما وقع من الفعل، لأنه عليه السلام) قال إذا) رأيتم الرجلَ يواظب المسجد فاشهدوا له بالإيمان فالشهادة إنما وقعت على شيء وُجد حسّاً، والفعل الحسي الذي قد ظهر دليل على الإيمان، وعلة الإعجاب فيها معدومة، لأنها شهادة بالأصل وهو الإيمان .

(الثالث) أن معنى النهي عن مدح الرجل في وجهه هو خوف الاغترار والإعجاب وهو

وهو

ممنوع شرعاً. ومما يؤيد هذا قوله عليه السلام (لو لم تذنبوا لَخِفْتُ عليكم ما هو أشدُّ . الإعجاب) (۲) ، ولهذا قال عليه السلام (احثوا التراب في وجوه المداحين) (۳) ومعناه : احرموهم مما أرادوا لئلا يزيدوا في المدح، فيقع الإعجاب لمدحهم. وهذا المعنى الذي أشرنا إليه قد أهمله اليوم جل الناس، وعملوا على مقتضى النهي ،وارتكبوه فكثر المدح عندهم بعضهم لبعض في الظاهر مع ، الضغائن في النفوس، وعداوة بعضهم لبعض في الباطن وجعلوا نفس ارتكاب النهي من النبل والكيس . فإنا لله وإنا إليه راجعون .

ولكن الوقت يقتضي هذا الأمر لأن الشارع عليه السلام أخبر بذلك، فما لنا حيلة في زواله، لأنه عليه السلام قال (يأتي في اخر الزمان قوم إخوان العلانية أعداء السريرة قيل : وكيف يكون ذلك يا رسول الله قال يكون) برهبة بعضهم من بعض ورغبة بعضهم في بعض) (4) فالحذر الحذر من تُبلِ وكَيْس . قد ذمه الشارع عليه السلام وجعله دالاً وعلماً على قيام الساعة . فإذا كان المراد بالنهي عن المدح خوف الإعجاب، فقد يكون النبي له الا الله و قد أطلعه الله على حال هذا الرجل الممدوح ، وعلم منه بأنه يهلك بذلك لإعجابه بما يقال فيه . وقد يحتمل أن يكون ذلك منه عليه السلام سدّاً للذريعة، وهذا موجود حساً، لأن الناس لم يتساووا في هذا المعنى . فمنهم من إذا ذكر له شيء من ذلك اغتر ورأى أن ذلك من فعله وقوته .

(1) رواه الديلمي في الفردوس ١٤٩/٤ ورواه القضاعي في مسند الشهاب وعبد الله بن المبارك في الزهد وهو حديث مرسل ( وقد تم تخريجه في الحديث (۹) .

رواه البيهقي في شعب الإيمان وعزاه المنذري في الترغيب إلى البزار وقال : إسناده جيد. (۳) رواه مسلم في الزهد باب النهي عن المدح من حديث المقداد، ورواه أبو داود والترمذي. (٤) رواه الإمام أحمد في المسند ۲۳۵/۵ والبزار والطبراني في الأوسط، ولفظه : يكون في آخر الزمان أقوام إخوان العلانية، أعداء السريرة . قال : يا رسول الله ، كيف يكون ذلك ؟ قال : برغبة بعضهم إلى بعض، وبرهبة بعضهم

من بعض .

الله . ولأجل هذا المعنى ،قال عليه السلام من مات على خير عمله فارجوا له خيراً، ومن مات على شر عمله فخافوا عليه ، ولا تيأسوا) (۱) . فأمر عليه السلام بالرجاء في الرحمة لمن مات على خير العمل،

ولم يخبر بأن من مات على ذلك كان من أهل الرحمة على كل حال . هذه هي التزكية الممنوعة . وأما الشهادة فهي جائزة لأنها لا تتناول إلا ما وقع من الفعل، لأنه عليه السلام) قال إذا) رأيتم الرجلَ يواظب المسجد فاشهدوا له بالإيمان فالشهادة إنما وقعت على شيء وُجد حسّاً، والفعل الحسي الذي قد ظهر دليل على الإيمان، وعلة الإعجاب فيها معدومة، لأنها شهادة بالأصل وهو الإيمان .

(الثالث) أن معنى النهي عن مدح الرجل في وجهه هو خوف الاغترار والإعجاب وهو

وهو

ممنوع شرعاً. ومما يؤيد هذا قوله عليه السلام (لو لم تذنبوا لَخِفْتُ عليكم ما هو أشدُّ . الإعجاب) (۲) ، ولهذا قال عليه السلام (احثوا التراب في وجوه المداحين) (۳) ومعناه : احرموهم مما أرادوا لئلا يزيدوا في المدح، فيقع الإعجاب لمدحهم. وهذا المعنى الذي أشرنا إليه قد أهمله اليوم جل الناس، وعملوا على مقتضى النهي ،وارتكبوه فكثر المدح عندهم بعضهم لبعض في الظاهر مع ، الضغائن في النفوس، وعداوة بعضهم لبعض في الباطن وجعلوا نفس ارتكاب النهي من النبل والكيس . فإنا لله وإنا إليه راجعون .

ولكن الوقت يقتضي هذا الأمر لأن الشارع عليه السلام أخبر بذلك، فما لنا حيلة في زواله، لأنه عليه السلام قال (يأتي في اخر الزمان قوم إخوان العلانية أعداء السريرة قيل : وكيف يكون ذلك يا رسول الله قال يكون) برهبة بعضهم من بعض ورغبة بعضهم في بعض) (4) فالحذر الحذر من تُبلِ وكَيْس . قد ذمه الشارع عليه السلام وجعله دالاً وعلماً على قيام الساعة . فإذا كان المراد بالنهي عن المدح خوف الإعجاب، فقد يكون النبي له الا الله و قد أطلعه الله على حال هذا الرجل الممدوح ، وعلم منه بأنه يهلك بذلك لإعجابه بما يقال فيه . وقد يحتمل أن يكون ذلك منه عليه السلام سدّاً للذريعة، وهذا موجود حساً، لأن الناس لم يتساووا في هذا المعنى . فمنهم من إذا ذكر له شيء من ذلك اغتر ورأى أن ذلك من فعله وقوته .

(1) رواه الديلمي في الفردوس ١٤٩/٤ ورواه القضاعي في مسند الشهاب وعبد الله بن المبارك في الزهد وهو حديث مرسل ( وقد تم تخريجه في الحديث (۹) .

رواه البيهقي في شعب الإيمان وعزاه المنذري في الترغيب إلى البزار وقال : إسناده جيد. (۳) رواه مسلم في الزهد باب النهي عن المدح من حديث المقداد، ورواه أبو داود والترمذي. (٤) رواه الإمام أحمد في المسند ۲۳۵/۵ والبزار والطبراني في الأوسط، ولفظه : يكون في آخر الزمان أقوام إخوان العلانية، أعداء السريرة . قال : يا رسول الله ، كيف يكون ذلك ؟ قال : برغبة بعضهم إلى بعض، وبرهبة بعضهم

من بعض .

لأنه روي

ومنهم من إذا م شيئاً من ذلك ازداد خوفاً من الله ،وإشفاقاً وعاين مِنّة الله عليه بتوفيقه إياه لما مدح به فيزداد خيراً إلى خيره فيزيد في العمل شكرا الله عزّ وجلّ، الذي جعله من أهل الخير ولم يجعله من أهل الشر ، كما كان ذلك الإخبار سبباً إلى زيادة التعبد والخير لعبد الله بن عمر ، أنه منذ قال له النبي صلى الله عليه وسلم ما قال، لم يترك بعده قيام الليل. وكذلك أيضاً قوله عليه السلام، لأشخ عبد القيس (۱) (إن فيك خَصلتين يحبّهما الله ورسوله الحِلم والأناة، فقال الرجل ذلك مني أو من شيء جَبَلني الله عليه ؟ فقال عليه السلام (بل) من شيء جَبَلك الله عليه ) (۲) ، فقال الرجل : الحمد الله الذي جبلني على خصلتين يحبهما الله ورسوله. فحمد الله على ما أولاه من ذلك وشكر، فقد يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد أطلعه الله عزّ وجلّ على حال هذا السيد فعلم أن إعلامه بذلك يَزيده خيراً، فأعلمه كما تقدم ذلك في الأول. والمدح في وجه الممدوح قد جاءت أحاديث تقتضى إباحته أو استحبابه، وأحاديث تقتضي المنع منه . قال العلماء : وطريق الجمع بين الأحاديث أن يقال إن كان الممدوح عنده كمال إيمان و حسن ،يقين ورياضة نفس ومعرفة تامة بحيث لا يفتن ولا يغتر بذلك، ولا تلعب به نفسه فليس بحرام ولا مكروه . وإن خيف عليه شيء من هذه الأمور منع من ذلك

ثم هذه التزكية التي نهى الشارع عليه السلام عنها إنما هي تزكية نفس الشخص. وأما مدح الأعمال فلا بأس بذلك، بل هي مندوبة بدليل حديث السقاية الذي قال عليه السلام فيه اعملوا فإنكم على عمل صالح ) . . فمدح لهم الفعل ولم يمدح لهم أنفسهم، ولأن مدح العمل ليس من قبيل مدح الشخص ، لأن مدح العمل يزيد لصاحبه الحرص على الزيادة في العمل، فيكون ذلك سببا إلى زيادة الخير ومدح الشخص نفسه يدخله ما قدمناه من الإعجاب. وفي الحديث دليل على جواز الكلام والتحدث بحضرة أهل الفضل لأن الصحابة رضوان

الله عليهم كانوا يتحدثون والنبي ، يسمعهم .

وقوله أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل هذا شك من الراوي في أيهما قال عليه السلام.

وبالله التوفيق .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(1) أشبح عبد القيس : اسمه المنذر بن عائد كان سيد قومه وفد في بني عبد القيس لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا اعرف لا بالحلم

والأناة.

(۲) رواه مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما .

(۳) قطعة من حديث رواه البخاري ابن عباس رضي الله عنهما (وهو موضوع الحديث (۸۰) .

لأنه روي

ومنهم من إذا م شيئاً من ذلك ازداد خوفاً من الله ،وإشفاقاً وعاين مِنّة الله عليه بتوفيقه إياه لما مدح به فيزداد خيراً إلى خيره فيزيد في العمل شكرا الله عزّ وجلّ، الذي جعله من أهل الخير ولم يجعله من أهل الشر ، كما كان ذلك الإخبار سبباً إلى زيادة التعبد والخير لعبد الله بن عمر ، أنه منذ قال له النبي صلى الله عليه وسلم ما قال، لم يترك بعده قيام الليل. وكذلك أيضاً قوله عليه السلام، لأشخ عبد القيس (۱) (إن فيك خَصلتين يحبّهما الله ورسوله الحِلم والأناة، فقال الرجل ذلك مني أو من شيء جَبَلني الله عليه ؟ فقال عليه السلام (بل) من شيء جَبَلك الله عليه ) (۲) ، فقال الرجل : الحمد الله الذي جبلني على خصلتين يحبهما الله ورسوله. فحمد الله على ما أولاه من ذلك وشكر، فقد يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد أطلعه الله عزّ وجلّ على حال هذا السيد فعلم أن إعلامه بذلك يَزيده خيراً، فأعلمه كما تقدم ذلك في الأول. والمدح في وجه الممدوح قد جاءت أحاديث تقتضى إباحته أو استحبابه، وأحاديث تقتضي المنع منه . قال العلماء : وطريق الجمع بين الأحاديث أن يقال إن كان الممدوح عنده كمال إيمان و حسن ،يقين ورياضة نفس ومعرفة تامة بحيث لا يفتن ولا يغتر بذلك، ولا تلعب به نفسه فليس بحرام ولا مكروه . وإن خيف عليه شيء من هذه الأمور منع من ذلك

ثم هذه التزكية التي نهى الشارع عليه السلام عنها إنما هي تزكية نفس الشخص. وأما مدح الأعمال فلا بأس بذلك، بل هي مندوبة بدليل حديث السقاية الذي قال عليه السلام فيه اعملوا فإنكم على عمل صالح ) . . فمدح لهم الفعل ولم يمدح لهم أنفسهم، ولأن مدح العمل ليس من قبيل مدح الشخص ، لأن مدح العمل يزيد لصاحبه الحرص على الزيادة في العمل، فيكون ذلك سببا إلى زيادة الخير ومدح الشخص نفسه يدخله ما قدمناه من الإعجاب. وفي الحديث دليل على جواز الكلام والتحدث بحضرة أهل الفضل لأن الصحابة رضوان

الله عليهم كانوا يتحدثون والنبي ، يسمعهم .

وقوله أهلكتم أو قطعتم ظهر الرجل هذا شك من الراوي في أيهما قال عليه السلام.

وبالله التوفيق .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(1) أشبح عبد القيس : اسمه المنذر بن عائد كان سيد قومه وفد في بني عبد القيس لا لا لا لا لا لا لا لا لا لا اعرف لا بالحلم

والأناة.

(۲) رواه مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما .

(۳) قطعة من حديث رواه البخاري ابن عباس رضي الله عنهما (وهو موضوع الحديث (۸۰) .

حديث الثلاثة المعذبين

عَن أبي هريرةَ رضي الله عَنهُ قالَ: قالَ رَسولُ الله : ثلاثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ الله ، ولا يَنظُرُ إِلَيهِم يَومَ القيامَةِ ، ولا يُزكيهم، وَلَهُم عَذاب أليم رَجُل عَلى فَضلِ ماءٍ بطريقٍ يَمنعُ منهُ ابنَ السَّبِيلِ ، ورَجُل بايعَ رَجُلاً لا يُبايِعُهُ إلا للدُّنيا، فإن أعطاهُ ما يُريد وفَّى لَهُ ، وَإلا لم يَفِ لَهُ . ورجُل ساومَ رَجُلاً سِلعة بعدَ العَصرِ ، فَحلف باللهِ لَقَد أَعْطَى بِهَا كَذَا وَكَذَا، فَأَخَذَهَا

ظاهر الحديث يدل على تحريم الثلاثة المذكورة فيه، وأنها من كبائر الذنوب .

وقوله عليه السلام (رجل على فضل ماء بطريق يمنع منه ابن السبيل) . قد اختلف العلماء ما هو الماء الذي لا يجوز منعه اختلافاً كثيراً؟ فمنهم من ذهب إلى أنه على العموم، سواء أكانت الأرض مستملكة أو غير مستملكة ومنهم من ذهب إلى أنه خاص بالآبار التي ليست مستملكة وتكون في الفيافي والقفار . وقد ذكر الخلاف في كتب الفقه .

ويَرِد على الحديث سؤال، وهو أن يقال : قد تقرر من الشارع عليه السلام أنه يخصص صاحب كل فعل من أفعال المعاصي بعذاب يخصه من غيره، كما قال في الغادر، وكما قال في اكل الربا إلى غير ذلك . وهؤلاء الثلاث (۱) المذكورون في الحديث أفعالهم مختلفة ، فلِمَ كان عذابهم واحداً؟ والجواب عنه : أنهم إنما اشتركوا في عذاب واحد لمعنِّى جَمَع بينهم في فعلهم . وذلك أن مانع الماء قد تعرض بفعله ذلك إلى منع الطرق، وقد يؤول إلى ذهاب النفوس، سيما إذا كان الموضع في الفيافي والقفار بحيث لا يجود ماءُ غيرُه ، وقليل من يصبر على العطش . فإذا عاين الماء ومنع منه مات بنفسه، فكان ذلك سبباً لقتل النفس التي حرم الله تعالى وقد قال تعالى وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ

(1) كذا والصواب : الثلاثة .

حديث الثلاثة المعذبين

عَن أبي هريرةَ رضي الله عَنهُ قالَ: قالَ رَسولُ الله : ثلاثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ الله ، ولا يَنظُرُ إِلَيهِم يَومَ القيامَةِ ، ولا يُزكيهم، وَلَهُم عَذاب أليم رَجُل عَلى فَضلِ ماءٍ بطريقٍ يَمنعُ منهُ ابنَ السَّبِيلِ ، ورَجُل بايعَ رَجُلاً لا يُبايِعُهُ إلا للدُّنيا، فإن أعطاهُ ما يُريد وفَّى لَهُ ، وَإلا لم يَفِ لَهُ . ورجُل ساومَ رَجُلاً سِلعة بعدَ العَصرِ ، فَحلف باللهِ لَقَد أَعْطَى بِهَا كَذَا وَكَذَا، فَأَخَذَهَا

ظاهر الحديث يدل على تحريم الثلاثة المذكورة فيه، وأنها من كبائر الذنوب .

وقوله عليه السلام (رجل على فضل ماء بطريق يمنع منه ابن السبيل) . قد اختلف العلماء ما هو الماء الذي لا يجوز منعه اختلافاً كثيراً؟ فمنهم من ذهب إلى أنه على العموم، سواء أكانت الأرض مستملكة أو غير مستملكة ومنهم من ذهب إلى أنه خاص بالآبار التي ليست مستملكة وتكون في الفيافي والقفار . وقد ذكر الخلاف في كتب الفقه .

ويَرِد على الحديث سؤال، وهو أن يقال : قد تقرر من الشارع عليه السلام أنه يخصص صاحب كل فعل من أفعال المعاصي بعذاب يخصه من غيره، كما قال في الغادر، وكما قال في اكل الربا إلى غير ذلك . وهؤلاء الثلاث (۱) المذكورون في الحديث أفعالهم مختلفة ، فلِمَ كان عذابهم واحداً؟ والجواب عنه : أنهم إنما اشتركوا في عذاب واحد لمعنِّى جَمَع بينهم في فعلهم . وذلك أن مانع الماء قد تعرض بفعله ذلك إلى منع الطرق، وقد يؤول إلى ذهاب النفوس، سيما إذا كان الموضع في الفيافي والقفار بحيث لا يجود ماءُ غيرُه ، وقليل من يصبر على العطش . فإذا عاين الماء ومنع منه مات بنفسه، فكان ذلك سبباً لقتل النفس التي حرم الله تعالى وقد قال تعالى وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ

(1) كذا والصواب : الثلاثة .

وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ) (۱) . فلما أن كان مانع الماء لم يقتل بيده، ولكن تسبب في

القتل، كان عليه الوعيد المذكور في الحديث .

وأما من بايع رجلاً لا يبايعه إلا للدنيا فذلك فيه من الفساد مثل ما قدمناه أو يزيد عليه، لأن البيعة أصلها أن تكون الله ولائتلاف كلمة المؤمنين وبائتلاف الكلمة يكون الذَّبّ عن الدين وجهاد العدو. فإن كانت البيعة للدنيا وحطامها وحظوظ النفوس ورغبتها انصرف ما أريدت البيعة له إلى ضده، وهو سفك دماء المسلمين، ووقوع الخلل في الدين، فأشبه الأول أو زاد عليه . وأما من ساوم رجلاً سلعة بعد العصر، فحلف بالله لقد أعطى، بها كذا، فإنما اشترك مع من تقدم ذكرهما في العذاب، لكونه ارتكب خمسة أشياء عظيمة محرمة، وهي الخيانة والكذب واليمين ،الفاجرة وغش المسلمين واختراق حرمة هذا الزمان الفاضل وهو بعد صلاة العصر. فلما أن ارتكب هذه الخمسة الأشياء على عظمها كان مساوياً في العذاب لمن تعرض لقتل النفس. وفي الحديث دليل على فضل وقت العصر، لأن النبي شرط أن يكون من موجبات العذاب الذي ذكر مصادفة وقت العصر. وقد اتفق العلماء على فضل ذلك الزمان بعد اختلافهم : هل هي الصلاة الوسطى أم لا؟ وبالله التوفيق.

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) سورة النساء، من الآية ٩٣

وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ) (۱) . فلما أن كان مانع الماء لم يقتل بيده، ولكن تسبب في

القتل، كان عليه الوعيد المذكور في الحديث .

وأما من بايع رجلاً لا يبايعه إلا للدنيا فذلك فيه من الفساد مثل ما قدمناه أو يزيد عليه، لأن البيعة أصلها أن تكون الله ولائتلاف كلمة المؤمنين وبائتلاف الكلمة يكون الذَّبّ عن الدين وجهاد العدو. فإن كانت البيعة للدنيا وحطامها وحظوظ النفوس ورغبتها انصرف ما أريدت البيعة له إلى ضده، وهو سفك دماء المسلمين، ووقوع الخلل في الدين، فأشبه الأول أو زاد عليه . وأما من ساوم رجلاً سلعة بعد العصر، فحلف بالله لقد أعطى، بها كذا، فإنما اشترك مع من تقدم ذكرهما في العذاب، لكونه ارتكب خمسة أشياء عظيمة محرمة، وهي الخيانة والكذب واليمين ،الفاجرة وغش المسلمين واختراق حرمة هذا الزمان الفاضل وهو بعد صلاة العصر. فلما أن ارتكب هذه الخمسة الأشياء على عظمها كان مساوياً في العذاب لمن تعرض لقتل النفس. وفي الحديث دليل على فضل وقت العصر، لأن النبي شرط أن يكون من موجبات العذاب الذي ذكر مصادفة وقت العصر. وقد اتفق العلماء على فضل ذلك الزمان بعد اختلافهم : هل هي الصلاة الوسطى أم لا؟ وبالله التوفيق.

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) سورة النساء، من الآية ٩٣

في

ن

ماد

ـن

حديث الإفك وبراءة السيدة عائشة أم المؤمنين منه

عن عائشة ، رضي الله عنها ، زوج النبي الله ، قالت : كان النبي ، ، إذا أراد أن يَخرجَ سَفَراً أقرَعَ (۱) بين أزواجه، فأَيَّتُهُنَّ خرج سهمُها خرج بها معهُ . فَأَقرَعَ بيننا في غَزوةٍ غزاها ، فخرج سهمي . فخرجتُ معه بعدما أنزل الحجاب. فأنا أَحمَلُ في هَودج وأَنزَلُ فيهِ . فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفَل، ودَنَونا من المدينة، آذَنَ ليلةً بالرحيل، فقمتُ حين آذنوا بالرّحيل فمشيتُ حتى جاوزت الجيش .

فلما قضيتُ شأني أقبلتُ إلى الرحل، فلمستُ صدري فإذا عِقد لي من جَزْعِ (۳) أظفار قد انقطع، فرجعتُ فالتَمَسْتُ عِقدي فحبَسني ابتغاؤُهُ. فأقبل الذين يرحلون بي فاحتملوا هودجي فرَحَلوه على بعيري الذي كنتُ أركبُ وهُم يَحسَبون أنّي فيه. وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يَثقُلنَ ولم يَعْشَهُنَّ اللّحم ، وإنّما يأكُلنَ العُلْقة (۳) من الطعام. فلم يستنكرِ القومُ حين رفعوه ثِقَل الهَوْدَج فاحتملوه. وكُنتُ جارية حديثة السِّنِّ، فبعثوا الجَمَل وساروا فوجدتُ عقدي بعدما استمر الجيش، فجئتُ منزلهم وليس فيه أحد . فأمَّمتُ منزلي الذي كنتُ فيه ،

فظننت (٤) أنهم سيفقدونني فيرجعون إليَّ .

(1) أقرَعَ : ضَرَبَ القَرْعَة .

جزع

أظفار خرز في سواده بياض كالعروق .

(۳) العُلقة : القليل من الطعام الذي يسد الجوع.

(٤) ظننت : أيقنت .

في

ن

ماد

ـن

حديث الإفك وبراءة السيدة عائشة أم المؤمنين منه

عن عائشة ، رضي الله عنها ، زوج النبي الله ، قالت : كان النبي ، ، إذا أراد أن يَخرجَ سَفَراً أقرَعَ (۱) بين أزواجه، فأَيَّتُهُنَّ خرج سهمُها خرج بها معهُ . فَأَقرَعَ بيننا في غَزوةٍ غزاها ، فخرج سهمي . فخرجتُ معه بعدما أنزل الحجاب. فأنا أَحمَلُ في هَودج وأَنزَلُ فيهِ . فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفَل، ودَنَونا من المدينة، آذَنَ ليلةً بالرحيل، فقمتُ حين آذنوا بالرّحيل فمشيتُ حتى جاوزت الجيش .

فلما قضيتُ شأني أقبلتُ إلى الرحل، فلمستُ صدري فإذا عِقد لي من جَزْعِ (۳) أظفار قد انقطع، فرجعتُ فالتَمَسْتُ عِقدي فحبَسني ابتغاؤُهُ. فأقبل الذين يرحلون بي فاحتملوا هودجي فرَحَلوه على بعيري الذي كنتُ أركبُ وهُم يَحسَبون أنّي فيه. وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يَثقُلنَ ولم يَعْشَهُنَّ اللّحم ، وإنّما يأكُلنَ العُلْقة (۳) من الطعام. فلم يستنكرِ القومُ حين رفعوه ثِقَل الهَوْدَج فاحتملوه. وكُنتُ جارية حديثة السِّنِّ، فبعثوا الجَمَل وساروا فوجدتُ عقدي بعدما استمر الجيش، فجئتُ منزلهم وليس فيه أحد . فأمَّمتُ منزلي الذي كنتُ فيه ،

فظننت (٤) أنهم سيفقدونني فيرجعون إليَّ .

(1) أقرَعَ : ضَرَبَ القَرْعَة .

جزع

أظفار خرز في سواده بياض كالعروق .

(۳) العُلقة : القليل من الطعام الذي يسد الجوع.

(٤) ظننت : أيقنت .

فبينا أنا جالسةٌ غَلبَتَني عَيْنياي فنمتُ، وكان صفوان بن المعطَّلِ السُّلَمي(۱) ثمّ الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي فرأى سوادَ إنسان نائم فأتاني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظتُ باسترجاعه (۲) حتى أناخ راحلته فوطِيءَ يدَها فركبتُها . فانطلق يقود بي الراحلةَ حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا مُعَرِّسِينَ (۳) في نَحْرِ الظهيرة (٤) ، فهلك من هلك. وكان الذي تولّى الإفكَ عبد الله بن أبي ابن سلول (٥) .

فقدمنا المدينة، فاشتكيتُ بها شهراً، وهم يفيضون من قول أصحاب الإفك . ويَريبُني في وَجَعي أني لا أرى من رسول الله الله الطف الذي كنتُ أرى منه حين أشتكي، إنّما يدخلُ فيسلم ثم يقولُ كيفَ تِيكُم؟ ولا أشعُرُ بشيءٍ من ذلكَ حتّى نَقِهِتُ (٦) . فخرجتُ أنا وأُمُّ مِسْطح (٣) قبل المناصع (۸) متبرَّزِنا ، وكنا لا نخرجُ إلا ليلاً إلى ليلٍ، وذلك قبل أن تُتَّخَذَ الكُنُفُ (۹) قريباً من بيوتنا . وأَمْرُنا أمرُ العرب الأولِ في البريَّةِ أو في التنزّه. فأقبلتُ أنا وأُمُّ مِسْطح بنتُ أبي رُهْمِ نمشي . فعثَرَت في مِرْطها (١٠) فقالت : تَعِسَ مِسْطَح . فقلتُ : بئس ما قلتِ، أتسبينَ رجلاً شهِدَ بذراً؟ فقالت : يا هَنَاهُ (۱۱) ، ألَمْ تَسمعي ما قالوا؟ فأخبرَتْني بقولِ أهل الإفكِ ، فازددتُ مرَضاً على مَرَضي .

(۱) صفوان بن المعطل صحابي شهد مع النبي الله و الخندق والمشاهد كلها بعدها، وكان على ساقة النبي ، ولم يتخلف بعد عن غزوة .غزاها وقتل في غزوة أرمينية شهيدا سنة ٥٩هـ / ٦٨٧م .

(۲) باسترجاعه بقوله : إنا لله وإنا إليه راجعون . (۳) مُعَرِّسِينَ : من التعريس وهو النزول، ويغلب على النزول اخر الليل . (٤) نَحْرُ الظهيرة وقت اشتداد الحر .

(٥) عبد الله بن أبي ابن سلول : رأس المنافقين في الإسلام من أهل المدينة. كان يحرض الناس على خذلان الرسول عليه السلام في أحد وتبوك ، وكان ينشر أخبار السوء و الفتنة . مات سنة ٩هـ / ٦٣٠م .

(٦) نَقِهِتُ برِئتُ من مرضي. أم مسطح : هي ابنة خالة أبي بكر رضي الله عنه . ومسطح ابنها ، شهد بدراً، وخاض في الإفك، فجلده رسول

فيمن جلد في ذلك . توفي سنة ٣٤هـ / ٦٥٤م .

(۸) المناصع : ج مَنْصَع ، المكان البعيد عن العمران المعدّ للتبرّز .

(۹) الكُنفُ: (۱۰) المرط : الإزار ، أو ما يُلتحف به.

ج كنيف، وهو الساتر ، والمراد به بیت الخلاء.

(۱۱) یا هَئَتاه يا ،هذه نداء للبعيد خاطبتها بذلك لبعدها عما يخوض الناس فيه .

فبينا أنا جالسةٌ غَلبَتَني عَيْنياي فنمتُ، وكان صفوان بن المعطَّلِ السُّلَمي(۱) ثمّ الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي فرأى سوادَ إنسان نائم فأتاني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظتُ باسترجاعه (۲) حتى أناخ راحلته فوطِيءَ يدَها فركبتُها . فانطلق يقود بي الراحلةَ حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا مُعَرِّسِينَ (۳) في نَحْرِ الظهيرة (٤) ، فهلك من هلك. وكان الذي تولّى الإفكَ عبد الله بن أبي ابن سلول (٥) .

فقدمنا المدينة، فاشتكيتُ بها شهراً، وهم يفيضون من قول أصحاب الإفك . ويَريبُني في وَجَعي أني لا أرى من رسول الله الله الطف الذي كنتُ أرى منه حين أشتكي، إنّما يدخلُ فيسلم ثم يقولُ كيفَ تِيكُم؟ ولا أشعُرُ بشيءٍ من ذلكَ حتّى نَقِهِتُ (٦) . فخرجتُ أنا وأُمُّ مِسْطح (٣) قبل المناصع (۸) متبرَّزِنا ، وكنا لا نخرجُ إلا ليلاً إلى ليلٍ، وذلك قبل أن تُتَّخَذَ الكُنُفُ (۹) قريباً من بيوتنا . وأَمْرُنا أمرُ العرب الأولِ في البريَّةِ أو في التنزّه. فأقبلتُ أنا وأُمُّ مِسْطح بنتُ أبي رُهْمِ نمشي . فعثَرَت في مِرْطها (١٠) فقالت : تَعِسَ مِسْطَح . فقلتُ : بئس ما قلتِ، أتسبينَ رجلاً شهِدَ بذراً؟ فقالت : يا هَنَاهُ (۱۱) ، ألَمْ تَسمعي ما قالوا؟ فأخبرَتْني بقولِ أهل الإفكِ ، فازددتُ مرَضاً على مَرَضي .

(۱) صفوان بن المعطل صحابي شهد مع النبي الله و الخندق والمشاهد كلها بعدها، وكان على ساقة النبي ، ولم يتخلف بعد عن غزوة .غزاها وقتل في غزوة أرمينية شهيدا سنة ٥٩هـ / ٦٨٧م .

(۲) باسترجاعه بقوله : إنا لله وإنا إليه راجعون . (۳) مُعَرِّسِينَ : من التعريس وهو النزول، ويغلب على النزول اخر الليل . (٤) نَحْرُ الظهيرة وقت اشتداد الحر .

(٥) عبد الله بن أبي ابن سلول : رأس المنافقين في الإسلام من أهل المدينة. كان يحرض الناس على خذلان الرسول عليه السلام في أحد وتبوك ، وكان ينشر أخبار السوء و الفتنة . مات سنة ٩هـ / ٦٣٠م .

(٦) نَقِهِتُ برِئتُ من مرضي. أم مسطح : هي ابنة خالة أبي بكر رضي الله عنه . ومسطح ابنها ، شهد بدراً، وخاض في الإفك، فجلده رسول

فيمن جلد في ذلك . توفي سنة ٣٤هـ / ٦٥٤م .

(۸) المناصع : ج مَنْصَع ، المكان البعيد عن العمران المعدّ للتبرّز .

(۹) الكُنفُ: (۱۰) المرط : الإزار ، أو ما يُلتحف به.

ج كنيف، وهو الساتر ، والمراد به بیت الخلاء.

(۱۱) یا هَئَتاه يا ،هذه نداء للبعيد خاطبتها بذلك لبعدها عما يخوض الناس فيه .

أبوي،

فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال : كَيْفَ تِيكُم؟ فقلتُ : الذَن لي إلى أبوي. قالت وأنا حينئذٍ أُريدُ أن أستيقن الخبر من قِبلهما. فأذِنَ لي رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَأَتيتُ فقلتُ لأمي : ما يتحدَّثُ به النَّاسُ ؟ فقالت : يا بنتي هَوِّني على نفسِكِ الشَّأْنَ ، فَوَالله لقلما كانت امرأة قطُّ وضيئة (۱) عند رجلٍ يُحبُّها ، ولها ضرائرُ إلاّ أكثرنَ عليها . فقُلتُ: سُبحانَ الله ، ولقد تحدّثَ النَّاسَ بهذا ؟ قالت : فبِتُ تلك الليلةَ حتى أصبحتُ لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم

ثُمَّ أصبحت فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبَثَ الوحي (٢) يستشيرُهُما في فِراقِ أهلِه. فأمّا أَسامةُ فأشار عليه بالتي يعلَمُ في نفسهِ مِنَ الود لهم . فقال أسامة : أهلك يا رسول الله ، ولا نعلم والله إلا خيراً. وأما علي فقال : يا رسولَ

الله ، لم يضيقِ الله عليكَ ، والنِّساء سواها كثير ، واسأل الجاريةَ تَصْدُقْكَ . فدعا رسولُ الله بَرِيرَةَ . فقال : يا بريرة هل رأيتِ فيها شيئاً يَريبُكِ؟ فقالت بَريرةُ : لا والذي بعثك بالحق، إنْ رأيتُ منها أمراً أَعْمِصُه (۳) عليها أكثر من أنّها جاريةٌ حديثة السن تنام عن العجين فتأتي الداجن فتأكله .

فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر (1) من عبد الله بن أُبي ابنِ سَلول . فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مَن يَعذِرُني في رجلٍ بَلغني أذاه في أهلي؟ فوالله ما علمتُ على أهلي إلا خيراً. وقد ذكروا رَجُلاً ما علِمتُ عليه إلا خيراً، وما كان يدخلُ على أهلي إلا معي. فقامَ َسعدُ بنُ مُعاذ (ه) فقال : يا رسول الله ، أنا والله أَعذِرُك منه، إن كانَ منَ الأوسِ ضَرَبْنا عنقَهُ . وإن كانَ

(۱) وضيئة جميلة حسنة. (۲) استلبث الوحي : أبطأ نزوله وتأخر .

الأبطال، من أهل المدينة كانت له سيادة الأوس، وحمل

(۳) أعْمِصُه : آخذه . (٤) استعذر : قال : مَن يَعْدِرُني أي مَن يُنصِفُني. سعد بن معاذ الأوسي الأنصاري صحابي لواءهم، وكان من أطول الناس وأعظمهم جسماً . ورمي بسهم يوم الخندق، فمات من أثر جرحه، ودفن بالبقيع سنة ٥هـ / ٦٢٦م وفي الحديث اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ) .

من

من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعَلْنا فيه أمرَك . فقام سعد بن عُبادة - وهو سيد الخزرج (۱) ، وكان قبل ذلك رجُلاً صالحاً، ولكنْ احْتَمَلَتْهُ الحَمِيَّة - فقالَ : كَذبتَ ، لَعَمْرُ الله لا تَقْتُلُه ، ولا تَقدِرُ على ذلكَ . فقامَ أُسَيْدُ بن الحُضَيرِ (۲) فقال : كذبت لعمرُ الله لَنَقْتُلنَّه، فإنّك مُنافق تُجادِلُ

عنِ

المنافقين . فثار الحيّان الأوس والخزرج حتى همُّوا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر . فنزل فخفضهم حتى سكتوا وسكت

ومكثت يومي لا يرقأ لي دمع ولا اكتحل بنوم. فأصبحَ عِندي أبواي . وقد بكيتُ ليلتين ويوماً حتى ظننتُ أنّ البُكاءَ فالقٌ كبدي قالت فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنت امرأةٌ من الأنصارِ ، فأذنتُ لها فجلست تبكي معي . فبينا نحنُ كذلك إذ دخلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فجلس ولم يجلس عندي من يوم قيل في ما قيل قبلها، وقد مكث شهراً لا يُوحَى إليه في شأني شيء . قالت : فتشهَّدَ َثمَّ َقالَ : أَمَّا بعدُ يا عائشةُ . فإنَّه بلغني عنكِ كذا وكذا، فإن كنتِ بريئةً فسيبرئك الله ، وإن كُنتِ أَلْمَمْتِ (۳) بذنبٍ فاستغفري الله وتوبي إليه، فإنَّ العبد إذا اعترف بذنبه ، ثمَّ تَابَ تابَ الله عليه

فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قَلَص (٤) دمعي ما أحسن منه قطرة، وقُلتُ لأبي : أجِبْ عني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : والله ما أدري ما أقولُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقلتُ لأمي : أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال : قالت : والله ما أدري ما أقولُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالت، وأنا جاريةٌ حديثةُ السِّنِّ لا أقرأ كثيراً من القرآن : فقلتُ : إني والله لقد علمتُ أنكُم سمعتُم ما تحدّث به

(۱) سعد بن عبادة الخزرجي صحابي من أهل المدينة وكان سيد الخزرج وأحد الأمراء الأشراف في الجاهلية والإسلام. وشهد العقبة مع السبعين من الأنصار، كما شهد أحداً والخندق وغيرها . ولما توفي رسول الله الله رغب في الخلافة بعده ، إلا أن البيعة تمت للصديق رضي الله عنه . وهاجر إلى الشام في خلافة عمر بن الخطاب وفي حوران توفي سنة ١٤هـ / ٦٣٥م . (٢) أسيد بن الحُضَيْر : صحابي من الأوس كان من عقلاء العرب وذوي الرأي. شهد العقبة الثانية وأحداً والخندق والمشاهد كلها . توفي في المدينة سنة ٢٠ هـ / ٦٤١ م وله (۱۸) حديثاً .

(۳) الممت: فعلت ذنبا ليس من عادتك .

(٤) قلص تقلص ، قل .

النَّاسُ، وَوَقَرَ فِي أَنفُسِكُم وصدَّقتم به ، ولَيْن قلتُ لكُم إِنِّي بريئة - والله يعلمُ إِنِّي لَبَرِيئَةٌ - لا تصدقونني بذلك، ولَئِنِ اعْتَرَفْتُ لكُم بأمرٍ - والله يعلمُ إني لَبَرِيئَةٌ - لَتُصَدِّقُنِّي . والله ما أجِدُ لي ولكُم مَثَلاً إلا أبا يوسف (۱) إذ قال : ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (٢) . ﴾ ثم

تحوّلت على فراشي، وأنا أرجو أن يُبَرِّتَنِي الله بها

الوحي،

فوالله ما رامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه (۳) ولا خرج أحدٌ من أهل البيتِ حتَّى أَنزَلَ الله عليهِ فأخذه ما كان يأخذُهُ من البُرَحاءِ (٤) ، حتى إنَّهُ ليتحدَّرُ منهُ مثلُ الجُمان (٥) مِنَ العَرَقِ في يوم شات . فلمّا سُرّي (٦) عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو يضحك، فكان أوّلَ كلمةٍ تكلَّم بها أن قال لي : يا عائشة احمدي الله ، فقد بَرَّأكِ الله . فقالت لي أُمي : قومي إلى رسول الله . فقلتُ : لا والله لا أقومُ إليه، ولا أحمدُ إلا الله

فأنزل الله عزّ وجلّ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُ و بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ أَمْرِي مِنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِى تَوَلَّى كِبَرَمُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ. لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَنتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِنَّكَ مُّبِينٌ . لَوْلَا جَاهُ و عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَيكَ عِندَ اللهِ هُمُ الْكَذِبُونَ . وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة لَمَسَّكُم فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِذ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ . هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ. وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنا أَن نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَنَكَ هَذَا مُهْتَنُ

عَظِيمٌ ) .

فلما أنزل الله عزّ وجلَّ في براءتي قال أبو بكر الصديق، وكان يُنفق على مسطح بنِ

(1) أبو يوسف : هو يعقوب عليه السلام. (۲) سورة يوسف، من الآية ١٨ .

ما رام مجلسه: ما فارقه ولا قام منه .

(٤) البرحاء : العرق الشديد .

(0) الجمان: اللؤلؤ . (٦) سُري : كشف وأزيل

(۷) سورة النور، من الآية ١١ إلى الآية ١٦ .

أثاثة لقرابته منه : والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعدما قال في عائشة، فأنزل الله عزّ وجلّ وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلَيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ (۱) فقال أبو بكر : بلى والله. إني لأُحِبُّ أَن يَغفر الله لي . فرجع إلى مسطح الذي كان يُجريه عليه

ظاهر الحديث يدل على براءة عائشة ، رضي الله عنها، مما تُحُدِّثَ به فيها، لكن قد يرد عليه اعتراض، وهو أن يقال : براءتها قد علمت من كتاب الله عزّ وجلّ فما فائدة الإخبار بذلك ثانية؟ والجواب عنه : أن القرآن إنما نزل في براءتها من نفس ما رميت ،به، وبقي تشوف النفوس السوء لأن يكون هناك موجب لما قيل عنها ، أو سبب من أسباب ما رميت به فيكون وقوعاً ثانياً قريباً مما برئت منه

وقد اختلف العلماء في أسباب النكاح هل هي كالنكاح أم لا ؟ فعلى قولة من قال : بأنها كالنكاح، فيكون ذلك إفكاً ثانياً، فيكون هلاكاً شائعاً في الأمة لا مخرج منه. وقد قال بعض العلماء إن من رمى عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها - بشيء مما برَّأها الله منه إنه مخلد في النار، واستدل على ذلك بقوله تعالى ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُواْ فِي الدُّنْيَا

وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ (٢) .

وعلى قول من قال : بأنه ليس كالنكاح فيكون ذلك معرَّة تلحقها . ولحوق المعرَّة بها هتك لحرمة ما حرم الله من حرمة بيت النبوة، وقد قال عليه السلام (سبعة) لعنتهُم أنا وكل نَبِيّ مستجاب) (۳) وعد فيهم المنتهك من حرمة أهل بيتي ما حرم الله وهذه مفسدة كبرى في الدين، وذلك عون للشيطان على المؤمنين فبراءتها لنفسها، لكن ذلك دين محض وبراءة للمؤمنين كما فعلت أم سلمة أيضاً في حديث الحُدَيْبِيَّة حين صُدُّوا عن البيت وهم مُحرِمون ، فأمرهم النبي الهلال أن يحلقوا وينحروا ويُحلوا فلم يفعلوا، فدخل عليها النبي الا الله وهو متغير . فقالت له : ما شأنك؟ فقال

(۱) سورة النور من الاية ۲۲ . (۲) سورة النور من الآية ٢٣ .

(۳) رواه الطبراني في الكبير، ولفظه : سبعة لعنتهم ولعنهم كل نبي مجاب الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والمستحل حرمة الله والمستحل من عترتي ما حرم الله والتارك لسنتي، والمستأثر بالفيء، والمتجبر بسلطانه ليعز من أذلَّ الله ويذل من أعزّ الله .

عليه السلام : أمرتهم فلم يفعلوا . فقالت رضي الله عنها : إنهم لم يَعصُوك وإنما اتبعوك ، لأنهم اقتدوا بفعلك ، فافعل أنت فيتبعوك فخرج عليه السلام، ففعل ما أمرهم ففعلوا (۱).

فكان كلامها رحمة للمؤمنين ولطفاً بهم، لأنها أزالت ما كان وقع في قلبه من التغير الذي يُخاف منه الهلاك عليهم، وكذلك قول عائشة رضي الله عنها هنا، لأن ذلك رحمة وإزالة للهلاك ، وهذا رحمة ووقاية من الهلاك الذي أشرنا إليه أولاً. ومما يدل على أنها أرادت هذا الوجه أنها لم تقل شيئاً، ولم تفصح بالقضية كيف وقعت إلا بعد ثبوت عدالتها وتصديق مقالها من كتاب ربها ، وحين لم يكن لها شاهد على ذلك لم تقل شيئاً، وإنما كان قولها إذ ذاك فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ (۲) على ما يأتي في آخر الحديث .

الله

وفي هذا دليل على أن المرء مأمور أن يدفع المعرة عن نفسه إذا قدر على ذلك، وكان له من خارج ما يصدقه وإلا فالصبر والاضطرار إلى الله تعالى لعله أن يكشف ذلك بفضله، وكذلك أيضاً ينبغي أن يراعي حق إخوانه المؤمنين فينفي عنهم كل ما يضرهم كما فعلت ،عائشة رضي عنها، أتت بالحديث لهذين المعنيين على ما تقدم. وقد حكي عن الأعمش رضي الله عنه قريب من هذا المعنى وهو أنه كان يمشي بطريق فلقيه أحد تلامذته ـ وكان أعور - فمشى التلميذ معه فقال له الأعمش يا بني ! اذهب فامش وحدك. فقال : ولم؟ فقال له : الشيخ أعمش والتلميذ أعور فيقع الناس فينا . فقال التلميذ : نؤجر ويأثمون. فقال الشيخ : نَسلَم ويَسلمون خير من أن نُؤجر ويأثموا (٤) . فاختار سلامةَ المسلمين وعمل عليها، ولم يرد أن يختص بالأجر مع دخول الإثم عليهم كما فعلت عائشة رضي الله عنها . أراحت المسلمين في هذه المصيبة الكبرى التي قد كانت حلت بهم ، وتركت الأجر لنفسها لأنها مهما تُكلم فيها كان لها في ذلك أجر . ثم في الحديث وجوه كثيرة من أحكام وآداب على ما يذكر بعد في تتبع ألفاظ الحديث إن شاء الله تعالى .

فأما قولها كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفراً أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها،

(1) رواه البخاري ضمن حديث طويل في عدة مواضع منها في المغازي وفي الحج وفي الشروط (۲) سورة يوسف من الآية ۱۸ .

(۳) الأعمش : سليمان بن مهران المعروف بالأعمش. كان ثقة عالماً فاضلاً أصله من بلاد الري. لقي كبار التابعين ، وروى عنه الثوري وكثير من جلة العلماء ، وروى (۱۳۰۰) حديثاً. توفي في الكوفة سنة

١٤٨ هـ / ٧٦٥م .

(٤) انظر تفصيل هذا وكثيراً نحوه في وفيات الأعيان ۲/ ٤۰۰ .

خرج بها معه) فيه (۱) وجهان (الأول) جواز السفر بالنساء . (الثاني) جواز القرعة . لكن هل القرعة هنا واجبة أم لا؟ فأما النبي الا الله فالقرعة في حقه عليه السلام ليست بواجبة، لأن القسمة ليست بواجبة عليه، وهي الأصل فمن باب أولى القرعة. وأما غيره فقد اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال وقد ذكرت في الفقه .

وأما قولها فأقرع بيننا في غزوة غزاها (۲) فخرج سهمي) أي خرج سهمي بالقرعة، فحذفت

ذلك للاختصار .

وقد يرد على هذا الفصل سؤال وهو أن يقال : لِمَ أبهمت ذكر الغزوة ولم تبينها، ولم تذكر أكان فيها وقيعة، أم لا؟

والجواب عنه : أنها إنما أرادت بسياق الحديث ما قدمنا ذكره من نفي المعرة عن نفسها ورعي حق أخوة المؤمنين. وذكر الغزوة لا يتعلق مما هي بسبيله شيء، فذكرت من ذلك حالاً لا بدَّ منه لتعلم أن سفر النبي ، ، ل ، كان في العغزو، لا في غيره. وكذلك روي عنه عليه السلام أنه لم يسافر بعد النبوة إلا لحج أو جهاد .

وقولها فخرجت معه بعدما أنزل (الحجاب) إنما أتت بذكر الحجاب توطئة لما تذكر بعد، وهو من الفصيح في الكلام إذا احتاج المرء إلى ذكر شيء أتى في أوله بكلام يوطىء له بيان ما يريد إبداءه . والحجاب على ضربين فحجاب عن الأبصار مباشر للذات وحجاب للذات مفارق لها منفصل عنها (فالأول) لا يجوز للأجنبي مباشرته، لأن مباشرته لذلك مباشرة للمرأة (والثاني) وهو المنفصل سائغ للأجنبي مباشرته للضرورة في ذلك إذا كان فيه أهلية ومعرفة بالخدمة، كما كانت

الأهلية في الحاملين لهذا الهودج - على ما يذكر بعد .. وقولها (فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه فيه وجوه :

الأول: أن ما كان للدنيا وزينتها، وكان عوناً على الدين فليس بدنيا وهو للآخرة، لأن الهودج كان عند العرب مما يفتخرون به ،ويتباهون فلما أن جاء ،الشارع عليه السلام، ورأى فيه مصلحة للدين استعمله من أجل السّترِ الذي فيه، ولا يأتي مثله في غيره.

الثاني : جواز حمل الثقل الكثير على الدابة إذا كانت مطيقة لذلك، لأن الهودج كما قد علم من ثقله، لكن لما أن كانت الدابة مطيقة لذلك، لم يمنعه الشارع عليه السلام

(۱) يريد ففيه . (۲) هي غزوة بني المصطلق .

الثالث : جواز لمس الستر المنفصل عن البدن للأجانب، لأنها أخبرت أن ناساً كانوا موكلين بهودجها للرفع والخفض والستر المنفصل عن البدن صفته كما تقدم .

وقولها (فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله الله من غزوته تلك فإنما قالت ذلك لتبين أن العادة كانت مستصحبة في كل سفرهم - على ما ذكرته قبل - لم يزيدوا في العادة شيئاً، ولا نقصوا منها ما

يوجب كلاماً .

وقولها (وقفل ودَنونا من المدينة قد يرد عليه سؤال وهو أن يقال : ما فائدة تكرار هاتين اللفظتين وذكر إحداهما يغني عن الأخرى.

والجواب عنه : أنها إنما أتت بذلك لأنهما لمعنيين مختلفين، وليسا لمعنى واحد وهما أيضاً مخالفان للسير، فما ذكرت قبل من السير أفاد بأن الأمر كان مستصحباً - على ما ذكرت ـ من حين خروجهم إلى حين وصولهم إلى الموضع الذي توجهوا إليه والقفول يفيد بأن الأمر أيضاً كان مستصحباً إلى حين الرجوع ، والدنو يفيد بأن ذلك دام حتى كانوا بقرب المدينة ووقع لهم هذا الواقع . وقولها أذن ليلة بالرحيل فقمت حين أذنوا بالرحيل فإنما أتت بذكر هذا لِتُبَيِّنَ العذرَ الذي أوقعها في التخلف عن الهودج حتى حمل عنها . وفيه دليل على أن الإمام أو أمير الجيش أو صاحب رفقة إذا أراد السَّيْرَ يخبر من معه ويؤذنهم بذلك، ثم يتربص عليهم قليلا بقدر ما يقضون حوائجهم، وما يكون لهم من الضرورات، ويكون تربصه معلوماً، لأن التربص المجهول لا يتأتى للناس به منفعة حتى تكون مدة التربص معلومة ويكون لوقت الرحيل أمارة غير الإذن الأول، لأنها أخبرت أنها لما سمعت الإذن بالرحيل قامت عند ذلك لقضاء شأنها. فلو عهدت منهم أن ذلك الإذن لنفس الرحيل لم تكن لتخرج إذ ذاك .

وقولها فمشيت حتى جاوزت الجيش فيه وجوه : الأول : جواز خروج المرأة وحدها، لكن يشترط فيه أن تأمن على نفسها الفتنة . فإن توقعت شيئاً ما من الفتنة فلا يسوغ خروجها، لأن خروج عائشة ، رضي الله عنها ، كان مأموناً من ذلك . الثاني : أن للمرأة أن تخرج لقضاء شأنها بغير إذن من زوجها لأنها أخبرت أنها خرجت لما ذكرته، ولم تذكر أنها استأذنت النبي في ذلك . فقد يحتمل أن يكون النبي لا اله الا أذن لها في ذلك أو بالاستصحاب، ويحتمل أن يكون ذلك مسكوتاً عنه للعلم به بحكم العادة .

الثالث: أن الخروج لقضاء الحاجة يكون بالبعد بحيث لا يسمع له صوت ولا يرى له

شخص، لأنها أخبرت أنها جاوزت الجيش وحينئذ قضت ما إليه خرجت

الرابع : أن اختلاف الأحوال سبب لتغيّر الأحكام إما لسعادة أو لشقاء، لأنها أخبرت أنها كانت على حالة واحدة قد عهدت منها . فلما أن أخلت بما عهد منها لعذر كان هناك قد أبدته قبل وتبديه بعد، وقع لها ما وقع. لكن تغيير الحال على ثلاث مراتب (المرتبة الأولى) تغير الشخص نفسه عما عهد (الثانية) تغير حال الناس معه . (الثالثة) تغير العادة الجارية من الله تعالى . أما الأولى : فهي لسبب وقع إما بغفلة أو بوقوع ذنب فيحتاج من كانت له عادة مستمرة - أعني من أفعال التعبد - ثم لم يقدر عليها وعجز عنها أن يرجع إلى أفعاله فينظرها على لسان العلم، فإن وجد معه الخلل أقلع عنه وتاب منه واستغفر وإن لم يجد شيئاً بقي متهماً لنفسه بذلك ، ويسأل الله أن يطلعه على ما خفي عنه من أمره ويستغيث به ويسأله الإقالة، لأنه لا بد وأن (۱) يكون قد تقدم له من المخالفة شيء حتى وقعت به العقوبة من أجله لقوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ (۲) ولهذا كان بعض الفضلاء من أهل الصوفة يقول : أعرف تغير حالي في خلق حماري لمراقبته لنفسه، فمهما رأى تغيراً ما انتبه فرجع لنفسه فنظر في أفعاله من أين أُتي فيها، حتى إنه من شدة مراقبتهم أفلس بعضهم في آخر عمره فقال : هذا عقوبة ذنب أوقعته منذ

عشرين سنة قلت لرجل : يا مفلس . فمن شدة مراقبته عرف من أين أتي، وإن كان الزمان قد طال به . (وأما الثانية : وهي ما يقع بينك وبين صديقك الذي كنت تعهد منه من المعاملة . فشأن من وقع له ذلك أن يرجع لنفسه فينظر بلسان العلم هل وقع منه ما يوجب ذلك أم لا؟ فإن وجد شيئاً اعترف لصاحبه بخطئه ،وتقصيره، واستغفر من فعله وإن لم يجد شيئاً فليسأل عنه من ظهر له ذلك منه فلعله يخبره بذلك، فإما أن يكون له عذر فيستعذر أو خطأ فيعترف به إلى غير ذلك، لأن تغيير الحال المعهود لا يقع إلا لموجب وبالنظر وبالسؤال بعد النظر يجد ذلك .

(الثالثة) وهي تغير العادة الجارية من الله. وهي على ضربين إما بقطع عادة) تكون سبباً الكرامة مثل تغير العادة التي وقعت لعائشة رضي الله عنها، إذ كان تغير العادة لها سبباً لكرامتها ونزول القرآن في حقها وزيادة في رفع قدرها (والثانية) دالة على الغضب والبعد لقوله عليه السلام إذا أبغض الله قوماً أمطر صيفهم وأصحى شتاءهم) (۳) فأخبر عليه السلام أنه عند الغضب يغير لهم العادة، فإذا وقعت هذه النازلة فليس لها دواء إلا التوبة والإقلاع والاستغفار ولأجل هذا سَنَّ ، عليه السلام الاستسقاء وجعل من سنته كثرة الاستغفار .

(1) كذا بزيادة الواو . (۲) سورة الرعد، من الآية ١١ .

(۳) لم نقف على مصدره .

وقولها (فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري) فيه وجوه :

(الأول) صيانة اللسان عن ذكر المستخبثات، لأنها كنت عن قضاء الحاجة بقولها قضيت شأني) وكذلك كانت عادة العرب في هذا المعنى، ولذلك سموا قضاء الحاجة غائطاً، لأنه عندهم المنخفض من الأرض، وهم كانوا يقضون فيه حاجتهم إبلاغاً في الستر، فسموا الشيء بالموضع الذي يجعل فيه مجازاً، لتنزيه كلامهم عن ذكر المُسْتَخْبَئات .

(الثاني) تفقد المال، لأنها أخبرت أنها افتقدت عقدها حين الرجوع .

(الثالث) جواز تحلي النساء في السفر، لكن ذلك بشرط أن يكون الحلي لا يسمع له صوت

لأنها أخبرت أن العقد كان عليها في حين ،السفر والعقد ولو تحرك به صاحبه لم يسمع له صوت

فأما إذا كان الحلي يسمع له صوت فلا يجوز التحلي به إذ ذاك لأن سمعه سبب لفتنة بعض الناس . وقولها (فإذا عقد لي من جَزْع قد انقطع) . قد يرد عليه سؤال، وهو أن يقال : ما فائدة إخبارها بذكر صفة العقد، وهي على ما قد قرر لم تذكر شيئاً إلا لمعنى؟

(والجواب عنه : أن ذكرها لصفة العقد فيه فائدة لتبين أن العقد كان له قيمة يسيرة، وقد نهى الشارع عليه السلام عن إضاعة المال عاماً في اليسير والكثير ، فرجعت في طلبه لأمر الشارع عليه السلام لا للعقد نفسه. وفيه أيضاً فائدة أخرى وهي أن تبين أنهم كانوا في الدنيا على قدم التجرد والزهد بحيث أنهم كانوا لا يتحلون بالذهب ولا بالفضة فإن قيل : ذلك تزكية للنفس والتزكية ممنوعة ، قيل له : ليس هذا من باب التزكية، لأن ما تخبر به عن نفسها في هذا المقام فهو إخبار عن حال النبي . فهي تخبر بسنة النبي الله ولا اله الا عن نفسها .

وقولها فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه فيه دليل على طلب المال والحث عليه إذا ضاع لأنها رجعت في طلب العقد واشتغلت بالتماسه، حتى رحل القوم عنها .

وقولها ( فأقبل الذين يرحلون بي إلى قولها فاحتملوه فيه وجوه (الأول) تبرئتها للموكلين بحمل الهودج مما ينسب إليهم من الغفلة ،والتفريط، لأنها أنت للتعقيب . فعلم بذلك أنهم كانوا حين إتيانهم يبادرون ويتسارعون في الخدمة من غير

بالفاء، وهي

توان يلحقهم، وأن ذلك منهم كان عادة مستمرة لا يحتاجون في ذلك لإذن مستأنف . (الثاني) التزكية لهم ومعناه قريب مما تقدم لأن إخبارها بسرعة الخدمة منهم تزكية في حقهم، إذ إن سرعة خدمتهم دالة على النصح منهم والوفاء لما يجب من تعظيم جانب النبوة. ثم زادت ذلك وضوحاً وبياناً حتى لا ينسب إليهم شيء ما من غفلة ولا تفريط بقولها (لم يثقلن ولم يغشهن اللحم لأن الهودج كما قد علم من ثقله، والثقل الكثير إذا نقص منه شيء يسير، وجماعة

تحمله، قلّ أن يتفطنوا لذلك لخفائه، وهي على ما أخبرت كانت نحيلة الجسم لم يغشها اللحم كما كن نساء ذلك الوقت على ما سيأتي بعد فهي بالنسبة إلى ثقل الهودج شيء يسير ، فزال عنهم ما يتوقع في حقهم بهذا الإخبار وفي هذا دليل على أن من رمي بشيء وغيره يصيبه شيء مما رمي به من أجله، فإذا قدر على براءة نفسه فليبريء غيره، ويُبْدِي (۱) عذرَه ، كما يبرىء نفسه كما فعلت

عائشة ، رضي الله عنها، كما تقدم. (الثالث) تبرئتها مما تُشان ،به لأن الهزال في النساء قد يكون عيباً في حقهن، فأزالت ما ينسب إليها من ذلك بقولها وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يثقلن ولم يَعْشَهن اللحم، فأخبرت أن نساء زمانها كن على ذلك الحال ولم تكن وحدها كذلك، فإذا كان كل النساء على ذلك الحال فذلك ليس عيباً في حقها، وإنما يكون عيباً أن لو كانت وحدها كذلك.

وقد يرد على قولها لم يثقلن ولم يغشَهن اللحم سؤال وهو أن يقال : ما فائدة تكرار هاتين اللفظتين وذكر إحداهما يغني عن الأخرى؟

الجواب عنه : أن اللفظتين ليستا لمعنى واحد ، لأن كل سمين ثقيل وليس كل ثقيل سميناً، لأن من استوفى الطعام - وإن لم يسمن - فقد امتلأ جوفه ،بالطعام وعروقه بالدم، وعصبه وعظمه بالقوة، فيحصل به الثقل بلا سمن لأنه ليس كل الناس يكثر لحمه ويسمن بامتلاء جوفه بالطعام. فقد يكون ذلك وقد لا يكون، والثقل لا بدّ منه فأخبرت أن المعنيين لم يكونا فيها .

(الرابع) الاستعذار عنها وعن غيرها من النسوة التي ذكرت بقولها وإنما يأكلن العلقة من الطعام والعلقة هي الشيء اليسير من الطعام فأبدت عذرها وعذرهن في ذلك، وأن ما كن عليه ليس بخلقة خلقن عليها، وإنما كان سببه قلة أكلهن .

وفي هذا دليل على أن المرء إذا قال في نفسه أو في غيره شيئاً - وهو يتضمن معنى ما مما قد يلحق به الشين - فليبرىء نفسه وغيره ببيان العذر في ذلك، وما هو السبب الذي لأجله كان ذلك . (الخامس) تزكية نفسها وغيرها من النسوة في زمانها، لأن قولها (وإنما يأكلن العلقة من الطعام تزكية في حقهن، لأن ذلك يبين زهدهن وإيثار من الدين على الدنيا، وذلك للقرائن التي قد علمت من أحوالهن لأن الصحابة رضوان الله عليهم ، لم تكن لهم همة ولا نظر إلا في الإقامة بأمر الله وإظهار دينه وعلو كلمته فشغلهم ذلك عن طلب الدنيا والحثّ عليها، حتى كان النساء يأكلن العلقة من الطعام لأجل زهدهن وقلة الشيء عندهن فيرضين بذلك. فإذا كان أكل النساء

(۱) كذا.

على هذه الحال فكيف بأكل الرجال، لأنهم أكثر صبراً على الجوع من النساء؟ وقد جاء أثر يبين أكل الرجال كيف كان وهو ما روي أنهم كانوا يمصون نواة التمر يتداولونها بينهم ويقاتلون عليها. فإذا كان قلة أكلهن لأجل هذا المعنى فالإخبار بذلك هو نفس التزكية .

فإن قال قائل : التزكية ممنوعة بالكتاب، فلا يسوغ أن تكون زكّت نفسها ـ كما ذكرتم - قيل له : إنما أنت بذلك تزكية للغير، وتضمن تزكيتها للغير تزكية نفسها بحكم الضرورة، وهي لم تقصده أيضاً. فإخبارها بهذه الأحوال ليس من باب التزكية، وإنما هو من باب الإخبار عن حال النبي وسنته، وحال الصحابة رضوان الله عليهم، وكيف كانوا في دنياهم .

(السادس) أن المدح والذم إنما يكون بحسب ما اعتاده الناس لأن الفقر عيب. لكن لما كان فقر الصحابة رضي الله عنهم، ، من قبل زهدهم وورعهم حتى قال بعضهم كنا ندع سبعين باباً من الحلال مخافة أن نقع في الحرام فلما أن كان فقرهم لأجل هذا المعنى صار مدحاً في حقهم، وكذلك التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، ومثل ذلك قوله عليه السلام أكثر أهل الجنة البُلْه) (۱) . والبَلَه باعتبار ما أراده الشارع عليه السلام رفضهم للدنيا واشتغالهم بطلب الآخرة حتى لا يدرون كيف يكتسبون الأموال ولا كيف يتسببون في دنياهم؟ وأما في مسائل الدين فهم أعرف الناس بذلك . هذا هو حال الأبله الذي أراد الشارع عليه السلام

وإذا قال اليوم رجل لإنسان يا أبله وهو يريد ما اصطلحوا عليه اليوم، فذلك ذم له، لأن الأبله عندهم من لا يميز مسائل دينه ولا دنياه وكذلك أيضاً ،الفقر، لأن الفقر عندهم عيب كبير ، وقد سموا الغني سعيدا وإن كان ما بيده من غير حله وعلى غير وجهه. فقد يكون ما بيده هو السبب لدخوله جهنم و عذابه، وهم يسمونه سعيداً من أجله. فلما أن كان الفقر في الصحابة رضوان الله عليهم، لأجل المعنى الذي ذكرناه كان مدحاً لهم، فلذلك وصفتهم عائشة رضي الله عنها بذلك، لأنها قالت ( يأكلن العلقة من الطعام)، وذلك يؤذن بفقرهم . وقولها وكنت جارية حديثة السن قد يرد عليه سؤال، وهو أن يقال : ما فائدة ذكرها لصغر سنها ولا يتعلق بذلك معنى مما أرادت أن تبديه؟

والجواب عنه : أنها إنما ذكرت ذلك لتبين عذرها فيما فعلت لكونها اشتغلت بطلب العقد وتركت القوم حتى رحلوا . فقد تنسب في ذلك إلى الغفلة والتفريط، فأتت بذكر صغر سنها لتبين ما

حملها على ذلك، لأن صغير السن لم تقع له تجربة بالأمور حتى يعلم ما يفعل فيما يقع به فلو

(1) رواه البزار عن أنس رضي الله عنه كما في الفتح الكبير (۲۲۲/۱ .

كانت لها تجربة بالأسفار وبما يطرأ فيها لم تكن لتفعل ذلك ولأتت إلى موضعها قبل بحثها عن العقد ، فتعلم النبي يا ليفيتربص عليها حتى تجده كما فعلت في حديث التيمم ) .

ولأجل هذا المعنى قال الفقهاء في الشاهدين العدلين يحملان شهادتهما وأحدهما مبرز للشهادة، وهما عارفان بمقاطعها : إنه يُستفسر غير المبرز عن إجماله ما أراد به والمبرز يقبل منه بالإجمال ولا يستفسر ولا فرق بينهما غير أن المبرز وقعت له التجربة بالشهادات وما يطرأ عليه فيها من الفساد، وغير المبرز لم يقع له ذلك .

وقولها فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت منزلهم وليس فيه أحد فإنما أنت بذلك لتبين ،عذرها، ولتزيل ما يتوقع في حقها من الغفلة، لأنه قد ينسب إليها أنها أبطأت في الرجوع بعد وجود العقد حتى كان ذلك سبباً لرحيل القوم عنها. فأتت بالفاء التي هي للتعقيب لتبين أن رجوعها كان في أثر وجود العقد من غير مهلة ولا تراخ وقع منها، ولتبين أنها رجعت على الطريق ولم تحد عنه حتى كان ذلك سبباً لرحيل القوم عنها ، لأنها لو حادت عن الطريق لنسبت بذلك إلى تفريط، لأنه قد يقال : إنها لما أن كانت جاهلة بالطريق كان الأولى بها أن تتخذ من يخرج معها ولا تخرج وحدها، لأن ذلك سبب لتخلفها عن القوم فأزالت ما يتخيل هناك من هذه الأمور لكونها أتت بالفاء فقالت: فجئت منزلهم). وذلك يفيد بأنها بعد وجود العقد لم يقع لها تربص في الطريق ولا في الموضع الذي كانت فيه وإنما قصدت عند وجودها عقدها موضع هودجها لا غير .

وقولها (فأممت منزلي الذي كنت فيه أممت بمعنى قصدت أي قصدت إلى موضع هودجها، فأقامت به وهذا مما يشهد لنبلها في أمورها مع أنها كانت صغيرة السن لأنها لو لم تقعد بموضعها ذلك، وسارت في طلب القوم لاحتمل أن تصيب طريقهم أو تحيد عنه، فإن حادت عنه فتهلك وتتلف نفسها، ومقامها بموضعها تقطع فيه بأنهم يرجعون إليه بذلك الموضع . فلما أن احتمل سيرها في أثر القوم الإتلاف أو التلاقي، ومقامها بموضعها تقطع فيه بالتلاقي فعلت ما تقطع فيه بالنجاة وتركت المحتمل. وقد عمل اليوم جل أهل هذا الزمان بعكس ذلك. فأخذوا المحتمل وعملوا عليه وتركوا ما يقطعون فيه بالخلاص، لأنهم أخذوا في التعبد ودخلوا في المجاهدات من غير أن يلاحظوا السنة ويتبعوها، وتعبدهم و مجاهدتهم مع ترك نظرهم إلى سنة النبي ا ل ، لذلك قل أن يُقبل منهم، وإن قبل فلا يعلم هل يخلص أم لا؟ والاتباع كان أولى بهم من ذلك، لأنه يقطع فيه بالخلاص والنجاة

(۱) انظر البخاري كتاب التيمم .

بفضل الله ومنته لقوله تعالى ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ) (۱) ولقوله عليه السلام ( إن الله لا يقبل عمل امرىء حتى يتقنه قالوا يا رسول الله وما إتقانه؟ قال يخلصه من الرياء والبدعة) (٢) .

والرياء هو العمل لأجل الناس والبدعة هي أن تعمل في التعبد ما لم يأمر ، الشارع عليه السلام به ولا فعله . وقد ،قال عليه السلام (من أحيا سنة من سنتي قد أميتت فكأنما أحياني، ومن أحياني كان معي في الجنة ) (۳) فالتابع اليوم للسنة قد شهد له النبي بالجنة ، كما شهد للعشرة (٤) الله الله عنهم. غير أن العشرة كانت لهم الفضيلة من جهة أخرى وهي ما خصوا به من المزية لقوله تعالى ( وَكَانُوا أَحَقَ بِهَا وَأَهْلَهَا ) (٥) وما أعطاهم الله ومن عليهم بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم ، ورؤيته ، وتساووا مع غيرهم ممن أحيا اليوم سنته في الوعد الجميل بدار النعيم والخلود فيها .

رضي

وقولها فظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إليّ ظننت : بمعنى علمت. وسيفقدونني : ليس يعود على من كان يحمل الهودج ، لأنهم لا يفقدونها، إنما هو عائد على النبي الله ، لأن سيد القوم يكنى عنه بلفظ الجمع. ويحتمل أن يكون عائداً على ذوي محارمها من أب أو أخ أو غير ذلك ممن يجوز له الدخول عليها . ا

وقولها (فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت يحتمل أن يكون نومها بهذا الموضع لأحد وجهين، وقد يجتمعان : (أحدهما) أنها كانت حديثة السن والحديث السن كثير النوم لأجل ما معه من الرطوبات، فلم تقدر أن تقعد لكثرة النوم الذي كان بها ويحتمل أن يكون نومها كرامة من الله في حقها، لأن موضعها موضع الفزع ، سيما صغير السن إذا كان في البرية وحيداً، وبخاصة إذا كانوا راجعين من الغزو والأعداء كثيرون فلما أن اجتمعت عليها هذه الأسباب، وكل واحدة منها موجبة للخوف . فكيف بالجميع ؟ فأرسل الله عليها النوم ليذهب عنها ما تجد من ذلك .

(۱) سورة ال عمران من الاية ۳۱ . (۲) أخرج أبو داود في المصاحف وابن النجار عن السيدة عائشة أن النبي ال : قال : إن الله يحب إذا عمل العبد عملاً أن يحكمه. وفي رواية للبيهقي : أن يتقنه .

(۳) رواه الترمذي عن أنس رضي الله عنه بلفظ : من أحيا سنتي فقد أحياني الخ .. (٤) العشرة المبشرون بالجنة هم أبو بكر الصديق عمر بن الخطاب عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب، عبد الرحمن بن عوف سعد بن أبي وقاص، الزبير بن العوام، طلحة بن الزبير سعيد بن زيد، أبو عبيدة بن الجراح. وقد ذكرهم رسول الله الله في حديث واحد على أن هنالك مبشرين آخرين بالجنة يقرب عددهم من الثلاثين منهم السيدة فاطمة، والسيدة عائشة، وثابت بن قيس وسواهم ممن وردت فيهم أحاديث متفرقة .

(5) سورة الفتح، من الآية ٢٦ .

وزال

ومثل هذا قوله تعالى ) إِذْ يُفَشِيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ ﴾ (۱) فأرسل الله عزّ وجلّ، النوم

عنهم

على المؤمنين حين كثر عليهم الخوف، وكان بينهم وبين المشركين رملة لا يستطيعون قتالهم بها، فأنزل الله عزّ وجلّ المطر وهم ،نيام فتهيأت الرملة وحسن عليها القتال. فلما أن ارتفع المطر ما كانوا يخافون أذهب الله عنهم النوم، فاستيقظ القوم، ومنهم من سقط سيفه من يده لكثرة نومه لأن نومهم كان وهم على ظهور خيولهم ومتهيئون للحرب والمشركون لم يرسل الله عليهم نوماً، وبقي عليهم الخوف الشديد. فكان نوم المؤمنين كرامة في حقهم. فكذلك نوم الله عنها لما أن كثرت عليها أسباب الخوف أرسل الله عليها النوم حتى زال عنها

عائشة ، رضي ذلك بالفرج .

وقولها (وكان صفوان بن المعطّل السُّلَمِي. إلى قولها يقود بي الراحلة فيه وجوه : (الأول) أن السنّة في السفر أن يكون وراء القوم رجل أمين معروف بالصلاح والخير يقفو أثرهم، لأنها أخبرت أن صفوان بن المعطّل كان من وراء الجيش وصفوان هذا كان من أهل الخير والصلاح، لأن النبي و شهد له بذلك، على ما سيأتي، ولأجل ما يعلم فيه من الأمانة والخير جعله عليه السلام يقفو أثر القوم . والعلة في ذلك أن القوم إذا رحلوا عن موضعهم قد يتركون شيئاً من حوائجهم نسياناً، أو يقع لهم من أموالهم، أو ينقطع أحدهم فيتلف عنهم، كما اتفق لعائشة ، رضي الله عنها . فإذا كان من وراء القوم من يقفو أثرهم، وكان صالحاً أميناً، أمن ذلك، لأنه إن وجد مالاً

دفعه بأمانته لصاحبه، وإن وجد ضعيفاً أو تالفاً حمله كما فعل صفوان مع عائشة ، رضي الله عنها ولقد ذكرت اسم الرجل لتبرىء نفسها مما رميت ،به ومن أسبابه لما يعلم من صلاحه ودينه، وأنه ليس فيه أهلية لما قيل فيه . وذكرت كيفية قدومه عليها لتزيل ما يتخيل هناك من الشوائب بالكُلَّيَّةِ من کلام ومراجعة وغير ذلك .

(الثاني) أن للمرأة أن تكون في الهودج كما هي في بيتها ولا تكلف أن تستتر فيه لأنها قالت : وكان يراني قبل الحجاب، فأفاد ذلك أنه عرفها وما وقعت المعرفة إلا لأنه قد رأى منها شيئاً ظاهراً حتى عرفها به فلو كانت مستترة بالستر الذي أمر النساء أن يخرجن به لم يرَ منها شيئاً، ولو كانت في الهودج مستترة كلها لكان الخروج بذلك ،أولى، أكان الخروج ليلاً أو نهاراً ، ولأن الهودج يغني عن الستر لأنه كالبيت وهي إذا كانت في البيت غير مأمورة بذلك . والخروج في الليل في الظلمة فيه ذلك المعنى، لأن الليل ستر بذاته، فلا يُرى للمرء شخص فيه تتحقق صفاته ،به فلا يجب عليها الستر الذي يجب بالنهار، عدا الليالي المقمرة إذا كانت صاحية .

(۱) سورة الأنفال من الاية ۱۱ .

(الثالث) أن كلام المرأة لا يجوز إلا لضرورة لا بد منها بعد العجز عن التحيل في عدم

الكلام، إلا أن تكون تلك الضرورة لا بد فيها من الكلام، ولا تزول الضرورة إلا به، فذلك سائغ، مثل الشهادة على المرأة إلى غير ذلك، لأنها أخبرت أن صفوان لما عرفها لم ينادها باسمها، ولا سألها عن خبرها، وإنما كان يُرجع لأن السؤال يستدعي الجواب فعدل عن ذلك إلى كلام لا يحتاج فيه إلى جواب بحيلة لطيفة، وهذا مما يشهد له بالدين وحسن النبالة والاسترجاع هو قول المرء إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ (۱) وكذلك أيضاً قوله (لا حول ولا قوة إلا بالله لما أن رآها وعرفها نزل عن راحلته وهو يرجع لكي تستيقظ باسترجاعه، ثم وطىء يد الناقة، لأن عادة العرب إذا

أرادوا أن يركبوا أحداً وطئوا يد الناقة ليتهيأ للركوب ، فكأنه يقول لها : اركبي للعادة المعروفة . فلما أن أفاقت لاسترجاعه، ورأت منه تلك الحالة علمت أنه يريد ركوبها للناقة، فركبت ، ثم أخذ، رضي الله عنه ، بزمام الناقة، فقادها ليكون ذلك أستَرَ لها ، فلا يرى لها شخصاً، ولو كان خلفها لاحتاج أن يغمض عينيه، ولكانت هي متوقعة خائفة من وقوع النظر، فتقدم لكي يجيل بصره حيث أراد، ولكي يرى الطريق فيمشي عليه ويقصد القوم، ولكي تبقى مستترة لا تتوقع شيئاً ولا تخافه . كل هذا من دينه وأدبه ومسايسته ولأجل ما فيه من هذه المعاني جعله النبي لا يقفو أثرهم. وقولها (حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا مُعَرَّسين في نَحْرِ الظهيرة) أي لم يزالوا على تلك الحال لحقوا بالقوم وكان وصولهم في نخر الظهيرة، والقوم قد نزلوا، والتعريس : يطلق على النزول والإقامة عن السير، أكان ذلك ليلا ونهاراً . وقولها (فهلك من هلك فإنما أبهمت ذكر الهالكين، ولا ذكرت بم ،هلكوا للعلم بذلك. وقولها ( وكان الذي تولى الإفكَ عبد الله بنُ أَبي ابن سَلُول) عبد الله هذا من كبار المنافقين وهو رأس من تكلم فيها وتقول وقال . فأبدت ذكره وبينت اسمه لتبين أن أصل ما قيل كان من قبله . وما كان ابتداؤه ممن كان هذا حاله فهو كذب محض لا شك فيه كما ذكرت أيضاً اسم صفوان للعلم بدينه وما هو عليه عن الخير ، كل ذلك لتتيقن براءتها، ويسلم الناس مما نزل بهم في ذلك . وقولها (فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهراً اشتكيت بمعنى مرضت أي أصابها المرض مدة شهر بعد قدومها من السفر. وإنما ذكرت مرضها لتبين العذر الذي منعها من معرفة ما قيل مدة الشهر ، لأن المريض أحكمت السنة فيه ألا يقال له في تلك الحال ما يؤلمه . وقولها يفيضون من قول أصحاب الإفك) أي اشتهر ما قاله أهل الإفك عند الناس وكانوا

(۱) سورة البقرة، من الآية ١٥٦ .

يتحدثون به بينهم ولا يظن ظان أن الصحابة رضي الله عنهم، أو واحد منهم وقع فيها بشيء مما قيل أو صدق به وإنما كان تحدثهم في ذلك على سبيل التعجب والإنكار، حتى لقد كان الرجل منهم يقول لزوجته : ألم تسمعي ما قيل في فلانة؟ فتقول زوجته: لو قيل لك ذلك في أكنتَ تصدّق؟ فيقول : لا والله . فتقول : فكيف بفلانة ؟

وقولها (ويريبني في وجعي إلى قولها حتى نقهت فيه وجوه

(الأول) أن المريض يزيد بتغير الباطن، لأنها قالت ( ويريبني في وجعي أني لا أرى من رسول الله اللطف الذي كنت أعهد منه حين أمرض) ويريبني بمعنى يزيدني. فازداد الألم بها لتغير باطنها، لنقص إحسان النبي لها ، وما عهدت منه من اللطف والرحمة في حال المرض، ثم المرض بالنسبة إلى الباطن والظاهر ينقسم قسمين فمرض حسي ومرض معنوي فالحسي هو ما يكون في البدن والمعنوي هو ما يتعلق بالنفس من التغييرات والهموم والأحزان.

فأما المرض الحسي فشأن صاحبه التردد إلى الطبيب وامتثال ما يأمره به من الأدوية إن كان جاهلاً بالطب. فإن كان للحياة أذهب الله عنه ذاك الألم، لأن الله عزّ وجلّ، لما أن خلق الداء خلق له الدواء. وقد كانت عائشة رضي الله عنها ، أعرف الناس بالطّب، فسئلت من أين اكتسبت ذلك؟ ، فقالت: كان رسول الله الله كثير الأمراض، وكان يتداوى فما من علة إلا ومرض بها وعالجها . فالمداواة من السنة، اللهم إلا من ترك ذلك ثقة ،بربه ومتكلا عليه في برئه، فهو أولى لقوله عليه السلام يدخل من أمتي سبعون ألفاً الجنة بغير حساب، وهم الذين لا يَسْتَرْقون، ولا يتطيَّرون، وعلى ربهم يتوكلون) (۱). فمن قدر على هذا كان أولى، ومن لم يقدر عليه فله في السنة اتساع، لأن النبي إنما ترك ذلك ورجع إلى التداوي والمعالجة، لأنه هو المشرع ، ثم إنه إذا تطبّب يحذر أن يعتقد أن ذلك يبرئه، وإنما يرجو ذلك من الله ويتكل عليه فيه ويفعل الأسباب امتثالاً للسنة وإظهاراً للحكمة لا لغير ذلك . هذا هو حكم المرض الحسي . وأما المرض المعنوي فهو ينقسم قسمين : ( فالأول) هو النفاق كما قال تعالى ﴿ فِي قُلُوبِهِم تَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ) (۲) ذلك ليس له دواء ولا معالجة إلا الدخول في الإسلام، والتصديق

بوعد الله ووعيده .

وأما (الثاني) فهو في المؤمنين، وهو ما يخطر في بواطنهم من الوسواس ومن الكسل عن العبادات، وذلك ليس له دواء إلا الدخول في المجاهدات، وترك الوقوف مع ما يقع في الباطن من ذلك، وقد قال عليه السلام إن الشيطان يأتي أحدَكُم فيقول : مَن خَلَق كذا؟ من خَلَق كذا؟ حتى

(1) رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما . وسقط من الحديث في كلام ابن أبي جمرة عبارة (ولا يكتوون) (۲) سورة البقرة من الاية ۱۰ .

يقول له : مَن خَلَق ربَّك؟ فإذا قال له ذلك فَلْيستَعِذْ بالله وَلْيَتَبِه)(۱) ومعنى: وَليَنْتَبِه أنه يعرف أن ذلك من الشيطان فلْيُلْقِه عنه ، لأن المرء ليس هو مأموراً بألا يقع له شيء من هذه الأمور، وإنما هو مأمور بأن يدفع ما يقع له . فإذا كثر ذلك منه ولم يقدر على دفعه فالمجاهدة إذ ذاك، والدخول في أنواع التعبدات والتعمق فيها . ولأجل هذا المعنى تُحتاجُ المجاهدة لتزيل ما يُتوقع هناك من هذه الأمور، ولأن ألم الظاهر يذهب بوسواس الباطن، هذا هو حكم المرض المعنوي . ثم نرجع إلى بيان الوجوه المستفادة على ما قررناه .

أهلا ومع

الآن

(الثاني) أن تغيير العادة موجب لحكم ثان ، لأن النبي ل ا ل ل لم يغير لها العادة حتى تحدث في شأنها. وفي هذا دليل للقول بسَد الذريعة لأن النبي يا لا لا لا لا يعلم في أهله كل خير، وأنهم ليسوا لما قيل ذلك نقص لها من العادة وأظهر لها من الهجران شيئاً ما سَدّاً للذريعة لأن الغَيْرَةَ من الدين . ولو لم يفعل النبي لا لا لا لا ل ذ ل ك لا لأدى ذلك إلى تَرْك الغَيْرة، لأنه قد يقال في غيرها شيء مما قيل فيها أو ما يشبهه فيترك الامتعاض لذلك اقتداءً به عليه السلام والامتعاض لذلك هو الغَيْرة والغيرة شعبة من شُعَب الإيمان. ففعل ذلك لأجل هذا المعنى .

(الثالث) أن السنَّة في المريض أن يُلطف به، لأنها قالت: لا أرى من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنتُ أعهد منه حين أمرَض فأفاد ذلك أنه عليه السلام كان له لطف زائد للمريض. وقد آمر عليه السلام في غير هذا الحديث أن يُفسح للمريض في عمره ، لأن مرض البدن هو الحسي، والنفس ترتاح إلى طول الحياة وتشتهي العافية، فإذا فُسح لها في العمر حصل لها راحة من المرض المعنوي، لارتياح نفسه مما بها من غم المرض بما يقال له في ذلك . فقد يكون ذلك سبباً لخفة المرض عنه، كما أنه أيضاً بتغيّر باطنه يزيد به المرض كما تقدم

(الرابع) أن من قيل فيه شيء يكون قذفاً في حقه فذلك يوجب هَجْرَه، وإن لم يتحقق عليه ما قيل. ولا يجوز هجرُه بالكلية، وإنما يُنقص له من العادة التي كان يعامل بها بحسب ما كان الواقع، لأن النبي ما لم يبق لعائشة ، رضي الله عنها ما الله عنها، ما عهدت منه من اللطف ولم يَهجُرها أيضاً بالكلية، لأنه عليه السلام كان يسلّم حين يدخل وقد روي عنه عليه السلام أن السلام يُخرِج من

الهجران (۳).

(۱) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ولفظه في البخاري يأتي الشيطان أحدكم فيقول : من خلق كذا من خلق كذا؟ حتى يقول : من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله وَلْيَنْتَهِ.

(۲) رواه الترمذي في الطب عن أبي سعيد أن رسول الله : قال : إذا دخلتم على مريض فنفسوا له في أجله، فإن ذلك لا يرد شيئاً ويطيب نفسه .

(۳) رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي أيوب رضي الله عنه مرفوعاً بلفظ : لا يحل لمسلم أن =

(الخامس) أن من وقع ذلك به لا يُكلَّم كلاماً يستدعي الجواب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليسأل عن حالها، لأن ذلك يستدعي الجواب، فإذا وقع منها الجواب والمراجعة في الكلام كان ذلك موجباً للطف، فزال ما أريد من الهجران .

(السادس) السؤال عن أهل البيت إذا كانوا ،مرضى ،لأنه عليه السلام كان يسأل عنها والعلة في ذلك أنه قد يزيد عليهم زيادة في مرضهم، فيتعين على رب البيت القيام بتلك الوظيفة . (السابع السلام على أهل البيت لأنه عليه السلام كان يسلّم حين دخوله عليهم، وقد روي أن ذلك سبب للبركة في البيت (۱) .

وقولها فخرجتُ أنا وأمّ مِسْطَح إلى قولها فازددتُ مرضاً على مرضي فيه وجوه : (الأول) جواز خروج المرأة لقضاء حاجتها من غير أن تستأذن في ذلك، لأنها أخبرت أنها خرجت لذلك ولم تذكر أنها استأذنت ولأنها عادة تقدمت وكل عادة مستمرة لا يُحتاج فيها إلى إذن. (الثاني) صيانة اللسان عن ذكر المستقذرات وحسن الكناية في ذلك لأنها كنت عن ذكر قضاء الحاجة بقولها (مُتَبَرَّزنا) . وقد تقدم

(الثالث) صيانة البلد عن الفضلات، لأنها أخبرت أنهم كانوا يخرجون إلى البرية لقضاء حاجة الإنسان على عادة العرب الأول لتنزيه بلدهم عن فضلات الإنسان، فكانت بلدهم مصانة (۲) عن

فضلات الإنسان.

ولهذا المعنى ،قال عليه السلام في المرأة تَجُرّ مرطها وتمشي في المكان القذر : إن ما بعده يطهره (۳) ، لكون البلد كان مصانا (٤) من النجاسات، وإن كان فيه شيء من فضلات الدواب فذلك قليل، وإن كان فيكون في وسط الطريق، لأن الدواب غالبُ سَيرِها في وسط الطريق . والسنة في مشي النساء، إذا خرجن مع الحيطان ولذلك قال عليه السلام (ضيقوا عليهن

يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيصد هذا ويصدّ هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام

(۱) رواه الترمذي عن أنس رضي الله عنه مرفوعاً. ولفظه : يا بني إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم تكون بركة

عليك وعلى أهل بيتك .

(۲) كذا والصواب : مصونة.

(۳) رواه الإمام مالك في الموطأ في الطهارة، وأبو داود في الطهارة والترمذي عن أم سلمة رضي الله عنها .

(٤) كذا والصواب .مصوناً.

الطرق لكي يكون مَشْيُهُنَّ مع الجدران (۱) وفضلات الدواب لا تكون هناك. هذا هو الغالب، وإن ) كان من ذلك شيء فنادر والنادر لا يحكم به.

سمي

وقد نهى عليه السلام عن قضاء الحاجة في ظل الجدران على الإطلاق، وكذلك في ظِلَ الشجر ، كان ذلك في البلد أو في البرية. فالغالب على هذه المواضع سلامتها من النجاسات، ولهذا بالمكان القَذِر، لأن القَذِر غيرُ النَّجِس. فالقذر هو ما تعافه النفوس وهو في نفسه طاهر، فجعل عليه السلام أن ما بعده من المواضع النظيفة التي يمرّ عليها تطهره، إزالة لما في النفوس من ذلك، كما جعل عليه السلام النَّصْحَ طَهوراً لما شُكٍّ فيه إزالة لما في النفوس . ولو كان المراد بـ (القذر) : النَّجس، لأمَرَ ، عليه السلام بغسله على الإطلاق، كما أمر بذلك في النجاسة تصيب الثوب، وتتعلق به، ولم يأمر فيه بالنَّضح.

(الرابع) صيانة البيوت عن اتخاذ الكُنُفِ فيها، لأنها قالت قبل أن تُتَّخذ الكنُفُ قريباً من بيوتنا) . فأفاد ذلك أنهم حين اتخذوا الكنف لم يتخذوها في البيوت، ولكن اتخذوها خارجة عنها قريبة منهم، ولأن الكنف موضعُ النجاسات. وقد نَهى عن الذكر فيها، وقد أُمرنا بالتعبد في البيوت، فمُنِعَت أن تكون في البيوت لأجل هذا المعنى .

(الخامس) أن المرأة لا تخرج لقضاء الحاجة إلا مستَتِرَةً إذا كان الموضع الذي تخرج إليه خارجاً عن موضعها بحيث أنها تُضطر أن تشترك مع غيرها في الطريق، لأنها قالت لا نخرج إلا ليلا إلى ليل) لأن الليل زيادة في الستر وقولها في البرّية أو في التنزه) شك من الراوي في أيهما

قالت عائشة ، رضي الله عنها . (السادس) نُصرة المؤمن والتعظيم له، وهو لازم مع الأجانب والأقارب، لأن أم مسطح، لما قالت : تَعِسَ مِسْطَح . قالت لها : بِسَ ما قلتِ أَتَسُبّينَ رجلاً شهد بدراً)؟ وإن كان مسطح ابناً لها ، فردت عائشة ، رضي الله عنها ما قالت فيه والدته بقولها بئس ما قلتِ)، وعظمته بقولها أتسبّينَ

رجلاً شهد بدراً)؟

(السابع) أن الأصل استصحاب الحال لأنها استصحبت ما كان عندها من عدالة مِسْطَح لكونه شهد بدراً، وأنكرت ما قيل فيه حتى يثبت ذلك عندها بيقين . (الثامن) أن الذاكر لشيء يُنْتَقَدُ عليه فَعَلَيْهِ أن يأتي بالدليل على جوازه، لأن أم مسطح لما

(۱) رواه أبو داود بإسناد ضعيف بلفظ : إن أبا أسيد سمع رسول الله الله يقول وهو خارج من المسجد، وقد اختلط

الرجال مع النساء : : استأخرن فليس لكن أن تحققن الطريق عليكن بحافات الطرق. فكانت المرأة تلصق بالجدار

نى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها .

ذكرت ما يُنتقد عليها أنت بالدليل على جواز ما ذكرت بقولها ألم تسمعي إلى ما قالوا)؟ وأخبرت

بأن ولدها كان في جملة من خاض مع الخائضين .

(التاسع) أن الشَّيْنَ في الدِّين يؤلم أهل الفضل أكثر ،الإيلام، لأنها أخبرت أنها لما قيل فيها ما قيل - وذلك شَيْن في الدِّين - حزنت لذلك، حتى لم يبق لها نوم على ما سيأتي . ثم (بقي بحث) في خروج أم مسطح معها ، هل كان ذلك منها قصداً أو موافقة؟ أو عائشة رضي الله عنها أمرتها بالخروج معها؟ يحتمل كل ذلك وكل وجه من هذه الوجوه يُستَدَل به على حكم .

فإن كان (الأول) فهو من باب حسن الحيلة ،والإرادة، وأن يظهر المرء شيئاً وقصده غيره وهو جائز، ما لم يكن فيه ضرر بالغير، لأنها خرجت على سبيل الخدمة والأنس لعائشة رضي الله عنها وقصدها لعلها أن تعرف من أخبار ولدها شيئاً .

وإن كان (الثاني) فهو من باب تسبيب الأمر الذي قدَّر القدَر نفوذه، لأن خروج أم مسطح معها من جملة الأسباب التي من أجلها عرفت الأمر .

وإن كان (الثالث) ففيه دليل على أن النّاقِة من المرض له أن يخرج مع غيره لتصرفه، لكي يكون له عوناً على المشي، لأنه يجده يتكيء عليه إذا تعب، وقد يضعف عن المشي ، فإذا كان معه غيره يجد من يحمله ويرده لموضعه .

ثم عثور أم مسطح في مرطها ودعاؤها على ولدها يحتمل وجهين: أحدهما) أن يكون بحكم القدر، وهو تمام للأسباب التي بها وصل العلم لعائشة ، رضي الله عنها، وهو إظهار للقدرة . (والثاني) أن يكون بالقصد منها، وهو من باب حسن التسبب في الأمر والتحقق. وهو جائز على الوجه الذي قدمناه وهو ما لم يكن فيه ضرر بالمسلمين.

وفيه دليل على أن السنّة في لبس النساء الطويل من الثياب، لأن أم مسطح عثرت في مرطها ، لو كان قصيراً لم تكن لتعثر فيه. وقد صرح الشارع عليه السلام، بذلك في غير هذا

الحديث، وذلك بخلاف لبس الرجال .

وقولها ( فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قولها إلا أكثرن عليها فيه وجوه : (الأول) أنه ليس للمرأة أن تخرج إلا بإذن من زوجها لأنها استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة

أبويها فأذن لها، وحينئذ خرجت. فإذا كان هذا في حق الأبوين فكيف بغيرهما؟ (الثاني) جواز عمل المندوب، والمقصود منه ما هو أعلى في الدين. يؤخذ ذلك من أنها

طلبت زيادة أبويها وهي من المندوبات، وقصدها الكشف عما هو شَيْنٌ في دينها .

(الثالث) جواز التورية وهي إظهار شيء والمراد غيره لأنها استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة أبويها ، ولم تُرِد ذلك، وإنما أرادت أن تستيقن الخبر من قبلهما . وكذلك كان النبي يفعل، إذا أراد أن يخرج إلى جهة يغزوها أو ما إلى غيرها إلا في غزوة واحدة، وهي غزوة تبوك لبعدها . ولهذا المعنى قال عليه السلام (استعينوا على حوائجكم بالكتمان). لكن يُشترط في ذلك ألا يقع للغير به مضرة ممنوعة شرعاً . فإن وقع ذلك فلا يجوز، وهو من الخديعة والمكر. وقد أخبر عليه السلام الصحابة حين كان سفره للبعد لئلا يقع بهم ضرر لأنه لو لم يعرفهم بذلك لدخل عليهم الضرر به لكونهم لم يتأهبوا للسفر البعيد ولا عملوا عليه .

(الرابع) أن من وقعت به نازلة وهي محتملة للصدق والكذب، فلا يعجل فيها، وَليَتَثَبَّت حتى يَسْتَيْقِن ذلك بالفحص عنه ويعلم وجه الصواب فيه ، لأنها لما أخبرتها أم مسطح بما قيل فيها لم تيق بقولها حتى مضت واستيقنت الخبر من قبل أمها فوجدت الأمر كما قيل لها وإن كان خبر الواحد معمولاً به على المشهور من الأقاويل. لكن ذلك في التدين، وأما في النوازل فخبر الواحد فيه سبب للفحص والبحث في النازلة حتى يتبين فيها الضعف أو التحقيق.

(الخامس) الإجمال في السؤال عند النازلة، لأنها أجملت لأمها في السؤال ولم تذكر لها ما سمعت من أم مسطح والإجمال هو الاستطلاع من الغير هل عنده مما قيل شيء أم لا؟ وهل عنده زيادة على ما قيل أو نقص منه ؟

(السادس) أن من وقعت به نازلة فليأخذ فيها مع أقرب الناس إليه وأحبهم إليه، بشرط أن يكون عاقلاً عارفاً بعواقب الأمور، لأنها لما نزلت بها هذه النازلة ركنت عند ذلك إلى أبويها لكونهما أقرب الناس إليها وأحبَّهم فيها، ولهما في الدين والعقل والعلم والمعرفة بعواقب الأمور

قَدَمُ السَّبْق.

(السابع) تسلية المصاب عن مصيبته، لأنها لما أن اشتكت لأمها مما قيل فيها سلّتها عن ذلك بقولها (هوني على نفسك (الشَّأن ومن أعظم التسلية إعطاؤها العلة الموجبة لمثل ذلك الأمر المؤلم، وهي ما ذكرت لها بقولها (والله ما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرْنَ عليها وأكدت لها ذلك باليمين. وهذا الاستثناء يحتاج فيه إلى (بحث) وهو هل هو منفصل أو متصل ؟ وما المراد به إن كان متصلاً؟ وما المراد به إن كان منفصلاً؟

فإن كان منفصلاً فيكون المراد بقولها إلا أكثرن (عليها أي أكثر عليها بعض نساء ذلك

(1) رواه العقيلي وابن عدي والطبراني في الكبير وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الشعب عن معاذ رضي الله عنه .

الزمان، لأن العادة جارية بأن المرأة إذا كان فيها أحد هذه الثلاث (۱) أكثر النساء الكلام فيها، فكيف بمجموعها؟ وحمله على هذا الوجه ،أولى وهو الظاهر للقرائن التي قارنته لأن ضده، وهو المتصل، محال أن يُحمل على أزواج النبي لا لا لا لا لا لأنهن لم يَغْتَبن أحداً، فكيف تقع منهن الفرية؟ ذلك محال . وكذلك أمها أيضاً لم تكن لتظن ذلك في نساء النبي ل لا لا لالا لما يعلم من دينها أيضاً، فكيف بها تقع في ذلك ؟ وإن كان متصلاً فيكون التقدير إلا أكثرن عليها أي أكثر عليها بعض أتباع ضرائرها ، لأن أم عائشة رضي الله عنها، محال في حقها أن تقع في نساء النبي لا فتقول عليهن ما لم يقلن ومحال في حقهن أيضاً. أن يتكلمن بذلك، كيف يقع ذلك منهن ولقد اختار هن الله لسيّد المرسلين؟ وقد قال عزّ وجلّ في حقهن لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ) (۲) فلم يبق بعد التسليم في الاستثناء أنه متصل إلا أن يكون المراد بعض أتباع الضرائر ومثل هذا في السنة العرب كثير، ومنه قوله تعالى حَتَّى إِذَا اسْتَيْسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ) (٣) . ومعلوم أن الرسل عليهم السلام لم يَستَيْنِسوا فأطلق عزّ وجلّ، الإياس على الرسل، قَطُّ، وإنما وقع الإياس من بعض أتباعهم، والمراد بعض أتباعهم. ومنه قوله تعالى ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ﴾ (٤) ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقع له شكٍّ أنزل الله إليه، وإنما المراد بعضُ أتباعه فكيف فيما نحن بسبيله .

وليس من شرط أتباع النبي له الا الله و أن يكن كلهن مؤمنات بل فيهن المؤمنات وغيرهن، لأن المنافقين والمنافقات كانوا في ذلك الزمان كثيرين وكانوا يريدون أن يتخدموا بيت النبوة سترا على أنفسهم. هذا إذا وقع التسليم بأن الاستثناء متصل، وليس كذلك. يشهد لذلك عموم قولها (إلا) أكثَرْنَ عليها ومعلوم أن الضرائر غير المذكورات لا يخلو أن يكن صالحات أو غير صالحات فالصالحات منهن لا يَرضَيْن بالغيبة فكيف بالفِرية؟ ولا يكن صالحات مع وقوعهن في شيء من هذا الأمر. فلبطلان العموم بدليل ما ذكرناه انتفى أن يكون متصلاً يعود على الضرائر. وبقي ذلك في حق بعض الناس واقعاً، لأن بعض أسافل الناس إذا سمعوا عن أحد تلك العلة المذكورة تحدثوا في شأن المذكور بالزيادة والنقص بما لم يعلموا ويعاينوا، لضعف الدين وقلة العقل .

وقولها ( سبحان الله استغاثة منها بالله تعالى عند تحققها بالنازلة. وقد نطق القرآن العزيز بما

(۱) يعني بـ (۲) سورة الأحزاب من الآية ۳۲ . (۳) سورة يوسف من الاية ۱۱۰ . (٤) سورة يونس، من الاية ٩٤ .

الثلاث»: وضيئة ، ويحبّها زوجها ولها ضرائر .

نطقت به، فقال تعالى عند ذكر شأنها فيما جرى ( وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لنا أن نتكلم بهذا سُبْحَنَكَ هَذَا بُهْتَنُ عَظِيمٌ فسبحان من وفقها لموافقة كتاب ربها قبل نزوله عند تحققها بالنازلة

وقولها ( ولقد تحدث الناس بهذا ! تعجب منها لعلمها بعدم الموجب لذلك . وقولها (فيتُ تلك الليلة حتى أصبحت لا يُرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم) فيه وجهان : (الأول) أن الهموم موجبة للسهر وسيلان الدموع، لأنها لما أن تحققت بالنازلة كَثُرَهمُها وكَثُر دمعها وانتفى عند ذلك نومها .

(الثاني) أن أهل الفضل والخير إنما همهم ما كان من قبل أخراهم، لأنها لما أن نزلت بها هذه النازلة وهي من طريق الآخرة وما تشان به في الدين كَثر همها لأجل ذلك لأن الكلام فيها بذلك شَيْن عليها في الدين. ولو كان ذلك الواقع من جهة الدنيا لم تكن لتحزن عليه، فإن الدنيا عندهم قد رفضوها وراء ظهورهم ، وسَمِعوا فيها قول النبي (الو كانت الدنيا تُساوي عند الله جَناحَ بعوضة ما سقى الكافر منها جرعة ماء ) (۲) . فالأصل عندهم سلامة الدين والتحفظ عليه . والدنيا عندهم تبع . فإذا وقع لهم شين في الدنيا لم يبالوا بذلك، بل هم مستبشرون بما لهم عليه في الآخرة من الأجور. وإن وقع شَيْن في الأصل - وهو الدِّين - كثر حزنُهم ووَجَلُهم ، واستغاثوا بربهم، واضطروا إليه كما فعلت عائشة رضي الله عنها .

وقولها (فدعا رسول الله الله علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبَثَ الوحي يستشيرهما

في فراق أهله فيه وجوه

(الأول) أن ما اتفق للنبي لا اله الله في هذه النازلة من كونه لم يعلم الأمر فيها، فذلك دال على معجزته وصدقه في كل ما جاء به عن ربه عزّ وجلّ لأنه عليه السلام، أتى بأشياء خارقة للعادات، على ما تواتر وعُلِم ،وأخبر عليه السلام بما سيكون إلى يوم القيامة. وفي هذه النازلة التي هي في أهله لم يكن له علم بها حتى استشار غيره فيما يفعل فيها ، وظهرت عليه فيها أوصاف البشرية، فكان ذلك دالاً على أن كل ما أتى به عليه السلام من أخبار الغيوب والمعجزات هي من الله عزّ وجلّ. ولو كان ذلك من غير هذا الوجه على ما قاله أهل الكفر والعناد ، لكان ذلك أولى أن يعلم هذه النازلة ويتحقق فيها ما كان. فلما أن كان هذا عُلِم أن الأمر ليس بيده، وإنما يعلم من الأشياء ما أطلعه الله عليها، وما علمه إياها

(1) سورة النور ، من الآية ١٦ .

(۲) رواه الترمذي وصححه الضياء في المختارة عن سهل بن سعد رضي الله عنه، بلفظ : (تعدل عند الله) بدلاً من

(تساوي عند الله ) .

(الثاني) جواز المشورة لكن بشرط أن يكون المستشار فيه أهلية لذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أن وقع له ما وقع دعا عليَّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد، فاستشارهما في فراق أهله. وعلي بن أبي طالب وأسامة بن زيد فيهما أهلية للمشورة على ما تواتر وعلم من فضلهما. وفيه دليل على أن من السنة استشارة الشباب في النوازل، لأن النبي استشارهما وكانا شابين . ومن هذا الباب - والله أعلم - كان عمر بن الخطاب يجمع الشباب إذا وقعت به النوازل فيستشيرهم فيها .

(الثالث) أن السيّد في قومه أو الحاكم عليهم، أو من فاق غيره في الخير والصلاح، إذا نزلت يه نازلة فله أن يستشير من هو أدنى منه فيها ، لأن النبي ا ا ا ا ل و كما قد علم هو أفضلُ البشر ، لكن لما أن وقع له ما وقع استشار فيه أسامة وعلياً ، لكن تكون المشورة لمن فيه أهلية لها، كما تقدم. وإنما أنت بذكر الفراق مطلقاً في الأهل، ولم تذكر نفسها لوجهين : (الأول) للقرينة التي هناك يُعلم بها أنها أرادت نفسها . (الثاني) كراهية ذلك اللفظ منها أن تُطلِقه على نفسها .

وقولها (فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الودَّ لهم) أي بما يعلم في نفس النبي من الود لعائشة ، رضي الله عنها. وقولها فقال أسامة : أهلك يا رسول الله، ولا نعلم عنها والله إلا خيراً) إنما حلف أسامة على ما ذكر لأنه مستشار وليس بشاهد فحلف على ما قاله بأنه حق

ليقوى عند النبي صلى الله عليه وسلم ذلك حتى إنه لا يشك فيه .

وقولها (وأما علي فقال : يا رسول الله الله و لم يضيق الله عليك ، والنساء سواها كثير ، واسأل الجارية تَصْدُقَكَ) إنما قال علي ذلك لما يعلم من براءة الشخص مما رُمي به، وترك إيقاع الحكم لما يظهر الله عزّ وجلّ لرسوله الله. ولما كان لفظه وهو قوله (لم يضيق الله عليك يحتمل إيقاع الفراق والإبقاء أشار بقوله ( واسأل الجارية تصدقكَ) أنه (۱) ما أراد إلا الإبقاء، لكن ترك النظر في ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم تأدباً معه واحتراماً له عليه السلام، لأنه يعلم أن بَريَرةَ لا تخبره إلا بكل ما يوجب له التعظيم لأهله، لما يعلم في الأهل من الخير، وليس يعلم فيها غير ذلك. وهذا هو حقيقة العلم الذي خصه الله عزّ وجلّ به حتى إنه ترك النبي الله لا ينظر بنظره مع حصول براءة ما استشير فيه. فجمع الفائدتين معاً.

وقولها (فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بَرِيرةَ فقال يا بريرةُ هل رأيت فيها شيئاً يَريبُك؟ إلى قولها: فتأتي الداجن (فتأكله أما قوله عليه السلام (هل رأيتِ فيها شيئاً يريبك يعني به من جنس ما قيل فيها؟ فأجابت هي على العموم، ونفت عنها كل ما كان من النقائص من جنس ما أراد النبي صلى الله عليه وسلم السؤال عنه وغيره فقالت : (لا) والذي بَعَثَك بالحقِّ، إن رأيتُ منها شيئاً أعْمِصُه عليها أعْمِصُه

(1) يريد : إلى أنه .

بمعنى أنكِرُه ، فأخبرت أنها لم تر منها شيئاً في كل أمورها، ثم أتت بعد ذلك بقولها (غير أنها جارية حديثة السن تنام عن العجين فتأتي الداجن فتأكله وهذا الاستثناء منفصل، لأن ما استثني من غير جنس ما كان الكلام عليه فهو منفصل والنوم ليس هو مما ينكر على المرأة لا سيما أنها ذكرت العلة في ذلك، وبيّنت عذرها بقولها ( حديثة (السن لأن حديث السن أبداً يغلبه النوم، ويكثر عليه . فأبدت عذرها، وحينئذ ذكرت ما كان منها . وفي هذا دليل على أن من أخبر عن أحد بشيء فليُقدّم عذره فيه قبل ذكر ما أراد كما فعلت بريرة، وإنما حلفت بريرة هنا للمعنى الذي قدمنا مع أنها مستشارة لا شاهدة .. وفيه دليل على أن للسيد أن يأخذ في أمره مع الخادم إذا كان فيه أهلية لذلك، لأن النبي الله أخذ في هذا الأمر مع بريرة وكانت خادماً لهم .

وفيه دليل على اتخاذ الخادم

وفيه دليل على أن للمرأة الحرة أن تخدم نفسها وليس ذلك عيباً في حقها ، لأن عائشة ، رضي الله عنها كانت تعجن بيدها على ما أخبرت بريرة. والداجن هو كل ما يتخذ في البيوت من الحيوانات. وقولها فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر من عبد الله ابن أبي بن سلول إلى قولها حتى سكتوا

وسكت فيه وجوه

(الأول) أنه ليس للحاكم أن يحكم لنفسه ، لأن النبي يا الله و لما أن كان في هذا الأمر حق لم يحكم فيه، وإنما طلب من يحكم له في ذلك ، فقال : مَن يَعذِرُني من رجل؟ ومعناه من يأخُذ لي منه

الحق ويحكم لي عليه ؟ (الثاني) أنه ليس للحاكم أن يحكم بعلمه، وله أن يشهد به عند غيره من الحكام، لأنه عليه السلام يعلم من أهله الخير والصلاح، وقد شهد له عليّ وأسامة وبريرة بذلك، تأكيداً لما كان يعلم هو في نفسه . فلم يحكم وهو الا الله بذلك ، وشهد عنده الغير لكي يحكم له به . فإن قال قائل : الشهادة إنما تكون بغير يمين . قيل له : إنما مُنعت اليمين للتهمة خَشية شهادة الزُّور ، لأن اليمين إبلاغ في الحَمِيَّة لصاحب الحق . ثم إن العلماء قد اختلفوا هل يجوز الشهادة مع اليمين أم لا؟ على قولين : فمن أجاز

ذلك فله فيما نحن بسبيله استدلال ومن منع راعَى التهمة والتهمة في حق النبي الله مستحيلة . (الثالث) الحمية الله ولرسوله ، ولأن النبي لما أن استعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول قام سعد، سيّد الأوس، عند ذلك حماية له عليه السلام فيما أراد فقال: أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرَك . قد يرد على هذا سؤالان : ((الأول) وهو أن يقال : لِمَ ذكر هاتين القبيلتين ، ولم يذكر غيرهما

من قبائل العرب؟ (والثاني) أن يقال : لِمَ أخبَرَ أنه إن كان من الأوس يضرب عنقه، وإن كان من الخزرج يمتثل فيه الأمر ؟

والجواب عن الأول : أن الأوس والخزرج هما قبيلتان عظيمتان في الكثرة والعدد، وهما أهل المدينة، فهما فيها ،متوافران وغيرهما من قبائل العرب قد تركوا مسكنهم وتغرّبوا من بلادهم وهاجروا إلى المدينة، فليس الغريب بأقوى من البلدي. وأيضاً فإن من أتى إلى المدينة من المهاجرين بالنسبة إلى قبائلهم البعض من الكل والأوس والخزرج متوافران ببلدهما ، لم يخرج منهما أحد ودخلا في الإسلام عن آخرهما، فبقيت قوتهما وشوكتهما على ما كانت عليه أولاً قبل الدخول في الإسلام . فلأجل هذا المعنى الذي اختصتهاتان القبيلتان به وفَقَهُما الله سبحانه لذلك . وقد يحتمل أن يكون تكلم معهما غيرهما من القبائل فذكرهما، وذلك من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى، لأنه إذا كان ينصره من في هاتين القبيلتين اللتين هما أعظم قوةً وأكثر عدداً فكيف به في غيرهما من القبائل؟

والجواب عن الثاني : أن العرب كانت عادتهم أن السيد يحكم على قومه في قبيلته، ويُمتثل أمره في كل ما يشير به وسعد هذا هو سيّد الأوس، فحكمه فيهم نافذ . فإن كان المتكلم من قبيلته فلا يردّه راد عن قتله، وإنما قالَ : نضرب عنقه، لأن المسألة لم يكن فيها نص من الشارع، عليه السلام. وكذلك كل مسألة لم يكن فيها نص فللحاكم أن يحكم فيها بحسب اجتهاده. وإنما أخبر أنه إذا كان من الخزرج يمتثل فيه الأمر، لأن الخزرج ليست بقبيلته . فإذا أراد أخذ المتكلم إن كان منهم فليس له حكم عليهم، فلا يُترَك لأخذِهِ إلا إن أخذه بالقهر والغلبة وذلك يؤدي إلى القتال والتشاجر. فكأنه يقول للنبي الله وإن كان من إخواننا الخزرج، الذين هم في القوة والكثرة أكثر من غيرهم فأنا متوقف فيهم مع أمرِك. إن أمرتني بأخذ الحق منهم أخذته ولو بقتالهم عن آخرهم فأنا قادر على ذلك. وهذا من غاية النصرة والحمية

فلما فرغ رضي الله عنه ، من مقالته، حملت سعداً سيّد الخزرج الحميّة مثلما حَمَلَت الأول أو أكثر، فلم يستطع أن يرى غيره قام في نصرة النبي وهو قادر عليها ، فيتركها، فقام من حينه - بقوة الحمية التي حملته - فقال لسعد، سيّد الأوس : كذبتَ لَعَمْرُ الله . والله لا تقتله ولا تقدر على ذلك. أي: لا تجد لقتله من سبيل لمبادرتنا قَبلَك لقتله، ولا تقدر على ذلك . أي : لو امتنعنا من النصرة فأنت لا تستطيع أن تأخذه من أيدينا لقوتنا وهذا هو غاية النصرة إذ إنه يخبر أنه في القوة والتمكن بحيث لا يقدر عليه الأوس مع قوتهم وكثرتهم، ثم هم مع ذلك تحت السمع والطاعة للنبي

صلى الله عليه وسلم .

ـیه

من

هل

هم

ين

الراجح،

وقول عائشة رضي الله عنها فيه وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحمية) فإنما قالت ذلك لتبيّن شدة نصرته فى القضية وقوته فيها مع فائدة الإخبار بأنه من الصالحين، لأن الرجل الصالح أبداً يُعرف منه الهيئة والسكون والناموس، لكن زال كل ذلك عنه من شدة ما توالى عليه من الحمية لنبيه عليه السلام. وسعد هذا هو الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر : يا رسول الله نحن أمامك وخلفك ، إن خُضَتَ بنا بحرا خضناه معك ) . وقد عُهد منه كل خير جميل في غير ما موضع (الرابع) الحكم بالظاهر في المسائل، وإن كانت محتملة لأوجه شتّى. فالحكم بالظاهر هو لأن أُسَيْدَ بنَ حُضَيْر لما أن رأى ما صدر من سعد سيّد الخزرج نسبه في ذلك إلى الكذب والنفاق، ولم يتأول له غير ما ظهر منه، وإن كان محتملاً لغيره. وقد يَرِدُ على هذا سؤال، وهو أن يقال : لو كانت حميتهم كما ذكَرْتُم لم يصدر منهم هذا الكلام، ولكانت عبارتهم بألفاظ غير تلك الألفاظ. والجواب) أنه إنما صدر ذلك منهم لقوّة الحمية التي غطت على قلوبهم حين سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم ما ، قال ، فلم يتمالك أحد منهم إلا قام في النصرة لأن الحال إذا وَرَد على القلب مَلَكَ القلب، فلا يرى غير ما هو بسبيله، فغلبهم حال الحمية حتى إنهم لم يراعوا الألفاظ، فوقع منهم السباب والتشاجر لتسابقهم في النصرة .

ومثل هذا ما روي أن رجلاً من الصحابة (٢) كتب إلى مشركي مكة بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي للصحابة على ذلك، وأرسل في طلب الكتاب وأعلمهم بأنه مع امرأة، وسمّى لهم المرأة (۳) ، فلما خرجوا في طلبها وجدوا الكتابَ عندها كما ،أخبر عليه السلام فقال عمر بن الخطاب : يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق . فأبى النبي الله وسأل الرجل : ما حمله على ما فعل؟ فقال: يا رسول الله والله ما كفرت بعد إيمان ولكن لي أهل ،بمكة، وليس لي من يذب عنهم ويحميهم، فأردت أن أتخذ عندهم يدا لأجل أهلي لأن إخواني المهاجرين معهم من يحمي أهلهم وليس معي من يحمي أهلي. فقبل النبي ا ا ا ا ا ا ، ذره ، وبقي الرجل حياته معروفاً بالخير الله والصلاح فحكم ،عمر رضي الله عنه بالظاهر بحسب ما ظهر له وكان الأمر غير ذلك. وكذلك في قصة الأوس والخزرج سواء كل منهم معذور فيما نَسَب صاحبه إليه، لأجل ما توالى عليهم من

شدة الحمية لنبيهم صلى الله عليه وسلم .

ومما يدل على ذلك أن النبي لا لا لا لو لم يعتبر عليهم بعد ذلك فيما فعلوه، ولا قال لهم فيه شيئاً .

(1) رواه مسلم في الجهاد، باب غزوة بدر عن أنس رضي الله عنه، وهو حديث طويل.

(۲) اسم ذلك الصحابي : حاطب بن أبي بلتعة . (۳) اسم تلك المرأة : سارة. وكانت مولاة لأبي عمرو بن صيفي بن هاشم

وإن قلنا: إن النبي تركهم من أجل حُسن خُلقه وطَرفِ الحق الذي كان له فيه، لم يكن الله عزّ وجلّ، ليسامحهم في ذلك، لأن الله عزّ وجلّ، قد نهاهم عما هو أقل من ذلك، وهو رفع الصوت بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: ﴿ يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ (۱) حتى إن ثابت بن قيس الله عنه بقي في بيته لم يخرج، فأرسل إليه النبي الله يسأل عنه ، فقال : إني رجل جَهِيرُ الصوت فأخاف إذا تكلمتُ أن يعلو صوتي صوت النبي لا الله فيحبط عملي . فأمره ، عليه السلام، بالخروج، وأخبره بأن ذلك لا يكون إلا بالقصد (۳) .

رضي

فانظر كيف كان حالهم في كلامهم المعتاد فكيف يقع منهم ما وقع، وهم صاحون يعقلون ما يعقلون؟ ذلك محال ولو تركهم الله فلم يخفضهم لتوالت الحميّة عليهم حتى يقتتلوا، ولو كان ذلك بينهم فوقع بينهم القتل، لكان القاتل والمقتول في الجنة إذ إن كل واحد منهم في النصرة

والخدمة الله ولرسوله صلى الله عليه وسلم . ومثل ذلك كان قتال الصحابة رضي | عنهم، بعضهم مع بعض كل منهم على الحق ومعتقد لصاحبه أنه أخطأ في اجتهاده، لا شك في ذلك. وإنما وقع من وقع فيهم فنسبهم إلى ما لا يليق بجنابهم لكونه قعد قاعدة فاسدة فقاس عليها وأطرد مذهبه فيها ، فأدى ذلك بحكم الضرورة إلى الطعن عليهم وفيهم ؛ لأنه قاس أحوال الصحابة رضي الله عنهم على ما يقتضيه أحوال أهل عصره، وهذا هو الغلط الكبير والزَّلل العظيم. كيف تُقاس أحوال الصحابة رضي الله عنهم، على أحوال غيرهم؟ وقد اختارهم الله عزّ وجلّ لنبيه عليه السلام وقال في حقهم ﴿ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا ، وَأَهْلَهَا ) (٤)؟ وقال عليه السلام في حقهم أصحابي كالنجوم) بأيهم اقتديتم اهتديتم؟) (٥) وقال عليه السلام في حقهم خير القرون قزني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) (٦) . فأي خطأ أعظم من هذا؟ قوم شهد لهم النبي الله الله بأنهم خير القرون، ثم يأتي من هو في القرون الذين

(1) سورة الحجرات، الآية ٢ .

(۲) ثابت بن قيس الخزرجي الأنصاري صحابي كان خطيب رسول الله ، وشهد أحداً وما بعدها من المشاهد. وفي الحديث : نعم الرجل ثابت قتل يوم اليمامة شهيداً في خلافة أبي بكر رضي الله عنهما سنة ١٢

هـ / ٦٣٣م .

(۳) قصة ثابت بن قيس رواها البخاري في الأنبياء، باب علامات النبوة في الإسلام وفي تفسير سورة الحجرات ورواها مسلم في الإيمان، باب مخافة المؤمن من أن يحبط عمله من حديث أنس رضي الله عنه .

(٤) سورة الفتح، من الآية ٢٦ .

(٥) تقدم تخريجه في حديث البيعة رقم (۳). (٦) تقدم تخريجه في حديث البيعة رقم (۳) .

ما

ة

لم يُشهَد لهم بخير فيقيس أحوالهم وأفعالهم ومقاصدهم على مقاصد بعض أهل عصره وأفعالهم؟

فإنا لله وإنا إليه راجعون .

وبهذا المعنى - أعني تغطية الحال على القلب واستغراق الشخص فيما هو بسبيله - صدرت من بعض فضلاء أهل الصوفة ألفاظ وأفعال لم يُعلَم لها معنى ظاهر، فتسلط بعض الناس على تلك الألفاظ حتى استنبطوا منها معاني فاسدة فطعنوا فيهم لأجل ما ظهر لهم من المعاني الفاسدة. وليس الأمر كذلك، وإنما هو على ما ذهب إليه بعض العلماء ممّن جمع الله له الطريقين - أعني في العلم والتصوف - فقالوا : ينبغي أن يُسَلّم لهم في أحوالهم، ولا يُعتَرَضَ عليهم فيها ، ولا يُقتدى بهم فيها، ولا في الزمان الذي صدر ذلك عنهم، نظراً منهم للمعنى الذي ذكرناه، وهو الإبراء للذمة، والأقرب إلى الله عزّ وجلّ .

وقولها (وبكيت (١) يومي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم فيه وجوه : (الأول) التبكير في تمريض المريض، لينظر في صالحه واللطف به، لأنها قالت: (فأصبح

عندي أبواي) .

(الثاني) أن الولد يكون بمعزل عن أبويه في المضجع ، لأنها لو كانت معهما في مضجع واحد

وبيت واحد لما كان أبواها يبكران ،إليها وهي في منزلهم . إذ إن ذلك لا يَتَأَنَّى . (الثالث) الاستئذان عند الدخول لأنها قالت إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنتُ لها . وقد أمر عزّ وجلّ بذلك في كتابه فقال ( وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَلُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَذِنُوا كَمَا اسْتَتَذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ (٢) .

(الرابع) التفجع للمصاب لأنها قالت فجلست تبكي معي ) وذلك تفجع من المرأة لها . ومنه قوله عليه السلام) (المؤمن للمؤمن كالبنيان - وروي كالبَنَانِ - يشد بعضه بعضاً، فإذا اشتكى عضو تداعى له سائر الجسد بالسَّهَر والحُمَّى) (۳). ومثل هذا كان حال هذه الأنصارية جلست تبكي مع عائشة رضي الله عنها ، لما نزل بها ، ولم يكن لها في ذلك دَخُل . ولأجل هذا المعنى جعل عليه

(1) رواه قبل : ومكثتُ . (۲) سورة النور، من الآية ٥٩ .

(۳) مركب من حديثين : الأول (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) وقد تقدم تخريجه في الحديث ١١٢ . والثاني أوله : مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إلخ ... رواه الإمام أحمد ومسلم عن

النعمان بن بشير رضي الله عنه .

السلام، لقيا المؤمن لأخيه المؤمن ببشاشة الوجه صدقة (۱) ، لأن المؤمن يستمد من أخيه بحسب ما

يظهر على ظاهره كما أن أهل البواطن يستمد بعضهم من بعض بحسب ما يكون في بواطنهم. عليه السلام على العلة الظاهرة التي هي مشتركة بين العوام والخواص. فإذا رأى المؤمن في وجه أخيه المؤمن ما يستدل به على سروره سُرّ بذلك، فكان الأجر للأول الذي عمل السبب للسرور، وهو حسن البشاشة وطلاقة الوجه وأعظم من ذلك أجراً كتمان المصائب لقوله عليه السلام من كنوز البر كتمان المصائب) (٢) . وإنما حصل هذا الكنز لصاحب هذا الحال لأنه لما أصابته المصيبة فأظهر ضدها، وهي البشاشة وحُسن السَّمْت وكتَمَ المصيبة وصبر عليها ، ولم يُعد مصيبته إلى غيره من إخوانه المؤمنين ببته إياها لهم ، وردَّ المكابدة كلها لنفسه ، فلأجل هذا المعنى كان أعظم أجراً من المتقدم الذكر، وحصل له الكنز المذكور في الحديث. وبهذه المعاني وغيرها تتبيَّن حقيقة الإيمان وفضله وما فيه من الآداب وهي المراد بقوله عليه السلام بُعِثْتُ لأتمم مكارم الأخلاق) (۳). فعلى هذا فالدين يشتمل على أشياء ،فرائض وسنن ،وفضائل وآداب وحسن خلق، وحسن اعتقاد، ومحبة، وحسن معاملة فيما يخصّ بعضهم مع بعض وفيما يَعُمّ. ومَن أحكم هذا بمقتضى الآي والأحاديث بحسب ما جاءت دخل في ضمن قوله تعالى ( وَكَانَ سَعْيُكُر مَشْكُورًا ) (٤) .

وقد أهمل اليوم بعض أهل العصر تلك الأخلاق والآداب التي أشرنا إليها ويقولون : ليس ذلك بفرض علينا، ويقتصرون على الفروض - على زعمهم - ولا يزيدون عليها . وهيهات الذي جاء بالفرض جاء بغيره من السنن والرغائب . فإن ردّ ذلك ولم يعمل به فهو قبح عظيم قد يُخشى عليه أن يدخل في عموم قوله تعالى ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن

يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِ الْعَذَابِ (٥) . وفيما نحن بسبيله استدلال لأهل الصوفة. إذ إن أول شرط عندهم في السلوك ثلاثة وهي: حمل الأذى، وترك الأذى، ووجود الراحة. فوجود الراحة منه بشاشة الوجه وإدخال السرور على

(۱) مروي بالمعنى لحديث مسلم كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء . (۲) رواه أبو نعيم في الحلية بإسناد ضعيف. (۳) رواه الإمام مالك في الموطأ في حسن الخلق بإسناد منقطع . قال الزرقاني: رواه الإمام أحمد وقاسم بن أصبغ والحاكم والخرائطي برجال الصحيح، وقال ابن عبد البر : هو حديث مدني صحيح متصل عن أبي هريرة رضي الله عنه وفي رواية (صالح) (الأخلاق وفي أخرى حسن الأخلاق.

(٤) سورة الإنسان من الاية .۲۲ . (٥) سورة البقرة من الآية ٨٥ .

ما

من

من

ـه

م

الإخوان، وحمل الأذى منه كتمان المصائب، وترك الأذى من قبيل الواجب، والواجب أعظمُ القُرب، فإذا أحْكَمَ المريد هذه الثلاثة حينئذ يأخذون معه في السلوك إن وفق إلى ذلك، ولهم فيما نحن بسبيله حجة واضحة .

وقد يرد على هذا الفعل سؤالان وهما أن يقال : لِمَ أخبرت ببكائها في هذا الموضع وقد أخبرت به قبل ذلك، وذلك تكرار لغير فائدة؟ ولم كان أبواها لا يبكيان معها، وهذه الأنصارية

بكت معها ؟

والجواب عن الأول : أنها إنما أتت بذكر البكاء ثانيةً لتبين أن حالها لم يتغير عما كان أولاً ، وأن البكاء والحزن داما بها ما دامت بها النازلة، وزادت فيه إشعارا بأن ذلك ازداد عليها وكثر ، ببقاء الأمر عليها، بقولها (حتى أظن أنَّ البكاءَ فالقٌ كَبِدي).

، وهو المعبّر عنه

والجواب عن الثاني : أن المؤمنين لم يتساووا، فمنهم من أقيم في مقام الخوف والإشفاق، ومنهم من أقيم في غير ذلك. وهي سبع مقامات وأعلاها : الرضا والتسليم بالطمأنينة. وأصحاب هذا المقام لا يعترضون المقدور، ولا يُؤَوِّلون في الأمور، لأنهم قد أذعنوا واستسلموا لقضاءِ عَلام الغيوب فكل ما كان من خير وشرّ كانوا به مستبشرین و به فرحین، مالم يتعين عليهم في ذلك أمرٌ أو نهي وأبو بكر ، رضي الله عنه هو من أهل السَّبْق في هذا المقام . كيف لا يكون كذلك وهو خليفة رسول الله و وصاحبه في الغار ؟ وأم رومان رضي الله عنها قريبة منه في هذا المقام لِما عُلِم من حالها . فكانت وظيفتهما في ذلك الرّضا والتسليم ، لأنه يُعلم بالقطع أن ما ينزل من البلاء بالأولاد فهو أشدّ على الآباء من نزول ذلك بأنفسهم .

فالرّضا والصبر على ما ينزل بالأبناء أجل للاباء من الصبر على ما ينزل بهم في أنفسهم وقد قال عليه السلام إذا قبض الله ولَدَ العبد المؤمن يقول للملائكة قبضتم ريحانة قلب عبدي المؤمن؟ فيقولون : يا ربَّنا نَعَمْ . فيقول الله عزّ وجلّ : فما قال ؟ - وهو أعلم - فيقولون : يا ربنا صَبَر وحمد. فيقول عزّ وجلّ : ابنوا له قصراً في الجنة وسمّوه بيت الحمد) (۲) وأما عائشة ، رضي الله عنها، فإنما كَثُر منها البكاء والحزن لأن ما نزل بها يُستحيا منه كلَّ الحياء. فإن ركنت إلى أبويها استحيت منهما، وإن ركنت إلى النبي لو كان ذلك أكثر ، وكذلك حالها مع الناس عن اخرهم .

(۱) جعل الإمام الغزالي المقامات تسعاً وهي على الترتيب التوبة ،الزهد الصبر، الفقر، الشكر، الخوف، الرجاء التوكل الرضا. انظر إحياء علوم الدين ۳۰۹/٥ - ۳۱۸

رواه الإمام أحمد من حديث أبي موسى رضي الله عنه ، بلفظ : إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته : قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون : نعم . فيقول : قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون : نعم . فيقول : ماذا قال عبدي؟ فيقولون : حمدك واسترجع . فيقول : ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد.

فتوالت عليها أسباب الأحزان وكثرت مع صِغَر سنّها ، فأدى ذلك بحكم الضرورة إلى سَيَلان الدمع

وكثرة الحزن وانتفاء النوم .

وقولها فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله ، فجلس إلى قولها ثم تاب تاب الله (عليه

فيه وجوه :

(الأول) أن جلوس النبي الله هنا لعائشة ، رضي الله عنها ، لم يكن لزوال الهجران الذي وقع وإنما كان جلوس حُكم. فالأفعال إذاً لا تنفع إلا بحسب ما كان القصد فيها، لأنها كانت تُسَرّ بجلوس النبي لها على ما كانت تعهد منه ، وهذا الجلوس ازداد كَرْبُها به لشدة حيائها، حين ذكر لها النبي ما ذكر . (الثاني) أن تأخر النبي لا لا لا اله عن الحكم في المسألة لم يكن من قبله وإنما كان من قبل تأخر الوحي عنه، لأنها قالت وقد مكث شهراً لا يُوحَى إليه في شأني شيء)، فأتت بذلك لتبين عذر النبي صلى الله عليه وسلم في تأخر الحكم في الأمر، لأنه عليه السلام كان لا يحكم لنفسه، وإن حكم لنفسه فيكون ذلك بالقرآن . وهذه المسألة له فيها حق، فلم يمكنه أن يحكم فيها .

فلما أن تأخر الوحي عنه، وتعارض له أمران حقه وحق غيره، غلب حقّ غيره على حق

عنها - وإن كانت أهله عليه السلام - فهي أجنبية في الحكم لها

سه، لأن عائشة ، رضي ) وصفوان بن معطل، رضي الله عنه له في المسألة حق . فلأجل حق غيره نظر من يحكم في المسألة بعد التربص قليلاً انتظاراً لنزول الوحي لأجل حقه عليه السلام ولو كان الحكم لصفوان وعائشة ،

رضي الله عنهما ، ولم يكن للنبي الا الله فيه ، حق ، الحكم به عند نزول النازلة لقوله تعالى لِتَحْكُمَ بَ النَّاسِ بِمَا أَرَنكَ اللهُ ) (۱) فكل ما يرى عليه السلام فهو وحي والوحي له، عليه السلام، على ضربين على ما قاله العلماء: فوحي إلهام ووحي بواسطة الملك . والكل من عند الله عزّ وجلّ . الثالث) فيه دليل على أن من السنّة الابتداء بذكرِ الله تعالى في أول الكلام أو التشهد لأن النبي حين أراد الكلام لعائشة ، رضي الله عنهما تشهد ، ثم بعد ذلك تكلم بما أراد (الرابع) فيه دليل على أن من رمي بشيء، وهو لم يفعله فإن الله عزّ وجلّ يبرئه من ذلك

ويظهر الحق فيه، لأن النبي ا ال ها و قال لها : ( فإن كنت بريئة فسيبرئك الله عزّ وجلّ) . (الخامس) فيه دليل على أن أهل الخير والصلاح مطالبون بما لا يُطالب به غيرهم وخصوصاً

(۱) سورة النساء، من الآية ١٠٥ .

نساء النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى يَنِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاء ) (۱) لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها (وإن ( كنتِ أَلْمَمْتِ بذنب والله عزّ وجلّ، قد رفع ذلك عن المؤمنين في كتابه فقال : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَيرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَ إِنَّ رَبَّكَ وَسِعُ الْمَغْفِرَةً ) (۲) واللمم، على ما فيه من الخلاف بين العلماء ما دون الفاحشة فلما أن كانت عائشة رضي الله عنها، من نساء النبي صلى الله عليه وسلم طولبت : باللمم ، فقال لها عليه السلام وإن كنتِ ألممتِ بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا

اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه فجعل عليه السلام إلمامها بالذنب كوقوع الذنب من غيرها . وقد قال تعالى ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (۳) وذلك يتضمن ترك الصغائر، كما أن المطلوب في أفعال البر مع الفرائض زيادة في السنن والرغائب على اختلافها. وقد قال إن الله يعاقب العاقل يوم القيامة ما لا يعاقب الأمي، ويثيبه ما لا يثيب الأمي. قيل : من الأمي يا رسول الله ؟ قال : الجاهل الكذوب لسانه الخائض فيما لا يعنيه وإن كان قارئاً كاتباً) (4) . وقد بيّن عليه السلام العاقل في أول الحديث وقال في صفة الصادق: (لسانه الطويل صمته، ويسلم الناسُ من شرّه، فذلك العاقل، وإن كان لا يقرأ من كتاب الله كثيراً) (٥) . ومنه قول أهل الصوفة (حسنات الأبرار سيئات المقربين).

(السادس) طلب النبي الله الله منها الاعتراف يحتمل وجهين : ((أحدهما أن يكون أراد الاعتراف بين يدي الله . (والثاني أراد الاعتراف بين يديه عليه السلام ويحتمل أن يكون أراد مجموعهما - وهو الأظهر ـ لأن ذلك لو وقع فلله فيه حق، وللنبي فيه حق. وحق البشر لا يعفو الله عنه إلا أن يعفو عنه صاحبه . فلما اجتمع الحقان فلا بد من كليهما، لأن حق البشر موقوف على صاحبه لقوله عليه السلام) من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فَليتحلله (السابع ) فيه دليل على أن الأحكام مطلوبة ظاهرة وباطنة، وللظاهر حكم، وللباطن حكم . وحكم الظاهر مقدم على حكم الباطن - أعني في الفحص عنه والإنجاز فيه - لأن النبي لا لا لو لم يسألها عن الباطن حتى فحص عن الظاهر، وظهرت له طهارته بشهادة عليّ وأسامة وبريرة المتقدم ذكرها

(۱) سورة الأحزاب من الآية ۳۲ .

(۲) سورة النجم من الآية .۳۲ (۳) سورة الأحزاب من الآية .۳۳

لم نقف على مصدره .

(ه) لم نقف على مصدره .

منه

اليوم) (٦) .

رواه الإمام أحمد والبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ : من كانت لأخيه عنده مظلمة من عرض أو مال فليتحلله اليوم قبل أن يؤخذ منه يوم لا دينار ولا درهم. فإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له عمل أخذ من سيئات صاحبه فجعلت عليه .

وحينئذ رجع ينظر في حكم الباطن ،فنصّ عليه السلام لها عليه وما حكم الله فيه، وأظهر لها وجه الخلاص فيه. وهذا هو الموجب لإفصاحه عليه السلام، لها بما قيل، لكي يترتب الحكم عليه ومعرفة الخروج منه أو التبرئة (الثامن) قوله عليه السلام (فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه) يحتمل أن يكون على العموم، ويحتمل أن يكون على الخصوص. فإن قلنا : إنه على العموم عارَضَنا حق الغير، وقد نص عليه السلام على أن ذلك ليس منه خلاص إلا الاستحلال أو الإعطاء، فقال عليه السلام (من كانت له مظلمة لأخيه)، وقد تقدم قبل قليل. وقد كان عليه السلام لا يصلي على من عليه دين حتى يأتي من يتحمل عنه (۱) ، وقد تحمل بعض الصحابة عن ميت ثم أتى بعد يومين أو ثلاثة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى دَيْنه . فقال له عليه السلام (الآن بَرَدَت جلدَتُه ) (۲) ..

وقد قال عليه السلام للأعرابي حين سأله فقال : أرأيتَ يا رسولَ الله إن قُتِلتُ في سبيل الله صابراً محتَسِباً مُقبلاً غيرَ مُدْبِرٍ ، أيكفّر الله عني خطاياي ؟ فقال عليه السلام : نعم . فلما ولى الأعرابي دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : إلا الدين هكذا أخبرني جبريل انفا (۳) ، والأحاديث في ذلك كثيرة. فعلى هذا فليس ما نحن بسبيله على العموم، وإنما هو على الخصوص. فالخصوص هنا هو أن الذنب إذا كان بين العبد والرب فالحكم فيه ما نص النبي الله عليه ، وهو الاعتراف بالذنب والتوبة منه .

وقد شرط الفقهاء لذلك أربعة شروط، وهي الندم ،والإقلاع ورد المظالم، والعزم على ألا يعود وهذه الأربعة شروط متضمنة لما نص النبي .. فالندم والإقلاع يعمهما قوله فإن) العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب فالاعتراف لا يكون إلا عند الندم والاستغفار لا يكون إلا عند الإقلاع. وأما لو كان إنسان يستغفر من المعصية، وهو يريد أن يفعلها ثانية، فذلك استغفار الكذابين وليس هو المراد بما أشار النبي إليه . والعزم على ألا يعود هي التوبة التي نص عليها النبي صلى الله عليه وسلم لا اله الله هنا . ورد المظالم يعمّه قوله عليه السلام في الحديث ( من كانت له مظلمة لأخيه الحديث لكن النبي صلى الله عليه وسلم قد شرط في ذلك شرطاً ، وهم لم يتعرضوا له وهو تسمية الذنب، لأنه عليه السلام قال إذا اعترف بذنبه وذلك يقتضي تسمية الذنب فلا بد من تسميته للنص عليه فإن

(۱) رواه البخاري في الحوالة باب إن أحال دين الميت على رجل جاز والترمذي والنسائي ٦٥/٤ . وفي شأن صلاة الرسول على الميت المدين تفصيل أو ضحناه في الحديث (۱۱۱). (۲) رواه الإمام أحمد ۳۳۰/۳ والبيهقي في السنن ٤٩/٦ في حديث طويل عن جابر قال : توفي رجل فغسلناه وحطناه وكفناه إلخ .

(۳) رواه مسلم في الإمارة باب من قتل في سبيل الله كفرت خطاياه إلا الدين ورواه الترمذي والنسائي ٣٤/٦ عن أبي قتادة رضي الله عنه مع اختلاف في اللفظ .

كَثُرت الذنوب حتى لا تُحصَى سقط عن صاحبه تسمية كل ذنب بعينه، ووجب عليه أن يُسَمِّي جنس كل ذنب وقع فيه فيستغفر منه ويتوب . وإن كان حقوق الغير فيحتاج فيه إلى تقسيم لمن عجز عـ وما حكمه؟ وقد تقدم ذلك في الكلام على قوله عليه السلام) من كانت له مظلمة لأخيه الحديث . قولها (فلما قضى رسول الله و مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة إلى قولها ولكن

كنت أرجو أن يرى رسول الله الله في النوم رؤيا يبرثني الله بها) فيه وجوه : (الأول) أن الحزن إذا توالى على المرء وكَثُر جفَّ دمعه عند ذلك، لأنها قالت (فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة قلص بمعنى : ارتفع وانقطع. وأحِسّ بمعنى أنها لا تجد منه شيئاً فلما أن كثر عليها الحزن بمفاجأة النبي صلى الله عليه وسلم لها بذلك الأمر جف لا له لها

دمعها وانقطع .

(الثاني) النيابة في الكلام والاستعذار، لأنها قالت لأبيها أجب عني رسول الله ) . لكن هذا قد يرد عليه سؤال، وهو أن يقال : إنما سئلت عن حكم الباطن وغيرها ليس له بذلك معرفة، لأن أحداً لا يعرف ما في باطن أحد حتى يعرّفه به والجواب أنها إنما قالت لأبيها (أجب عني)

إشارة منها إليه أنه لم يكن في باطنها في المسألة إلا ما في باطنه، وهو عدم الموجب لما قيل . (الثالث) الأخذ بالظاهر في المسائل، وإن كانت محتملة لأوجه أخر. فالأخذ بالظاهر سبق للفهم مع عدم التشويش فكيف مع التشويش وفرط الحزن؟ لأنها لما أن قال لها أبواها ما قالا

قالت: (والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووقر في أنفسكم وصدقتم به نسبتهم إلى أنهم صدقوا عليها ما قيل لما ظهر لها من سكوتهم عن الجواب ومحيدهم عنه لشدة الحزن الذي توالى عليها فسبق لها ظاهر اللفظ وإنما كان سكوتهم عنه لتعذر الجواب في الوقت عليهم لعظم الأمر وخطره وليس لما ظنت من تصديقهم بما قيل

(الرابع) أن من رُمي بشيء، ثم سئل عنه هل هو حق أم لا؟ فإن كان له من خارج ما يصدق مقالته أبرأ نفسه مما قيل، وإن لم يكن ثَمَّ غيرُ كلامه فلا ينفع إذ ذاك كلامه لأنها لما أن سألها النبي عن أمرها قالت (ولئن قلت لكم إني بريئة - والله يعلم إني لبريئة - لا تصدقونني بذلك)، فلم تتعرض لبراءة نفسها في ذلك الوقت مما قيل عنها، وبينت عذرها في سكوتها عن ذلك من كون أن التصديق لا يقع بمقالها، بسبب أنه ليس لها من خارج ما يصدق ما تقول. وحين أنزل الله عزّ

وجلّ، براءتها ذكرت القضية، وكيف كان وقوعها، لكون القرآن يُصَدِّقها فيما تقول من ذلك . (الخامس) أن من رُمي بشيء، ثم سئل عنه، فلا يجوز له أن يقر على نفسه بما لم يفعل، وإن كان فيه رضاً للسائل ويكون السائل ممن يُلتَمَس ،رضاه، لأنها لما أن سألها النبي صلى الله عليه وسلم عما قيل

وكان ذلك باطلاً، وطلب منها الجواب، قالت (لئن اعترفت لكم بأمر - والله يعلم أني بريئة لتُصَدِّقني)، فلم تقرَّ على نفسها بما لم تفعل لأن الإقرار بذلك كذب، والكذب محرم، ولا يُلتمس رضا مخلوق بمحرَّم هذا إذا كان ذلك سالماً من أن يُحْدِثَ به المرء على نفسه شيئاً في الدين،

فكيف باجتماعهما معها

(السادس) أن من رُمي بشيء، ولا يقدر على نصرة نفسه ببيان ينفي ما رمي به، فالاستسلام إلى الله تعالى وترك ما سواه أولى ،به لأنها لما أن قال النبي له الا الله و امام ، قال ، وأبواها سكتا عند ذلك وحادا عن الجواب وهما كانا عُدَّتها في السراء والضراء، لم تتعلق بواحد منهما ولا طلبت منهما دعاة ولا تفريجاً، بل أعرضت عن الأسباب وتعلقت بالمسبب يشهد لذلك إعراضها عنهما بعدم الجواب، وتحولها عن ذلك الجنب الذي كانت مواجهة لهم ،به وقولها في المثل فَصَبْرٌ جميل ) (۱) فهذه هي صورة اللجأ وقطع الأسباب حالاً ومقالاً

فلما أن فعلت ذلك أتتها النصرة في الحين. وكذلك كل من تعلق بالله تعالى مضطراً أتاه النصر من حينه، كما أتاها . يشهد لذلك قوله تعالى ( أَمَن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ) (۲) ولأجل هذا المعنى فُضّل أهلُ الصوفة على غيرهم حتى إنه لا يخطر بقلوبهم شيء إلا وكان لهم في الحين من غير أن يطلبوه ولا يتكلمون فيه لحصول حالة الاضطرار منهم في السراء والضراء. (السابع) أن من وقعت به مصيبة وتمادت به وكثرت عليه فلا يقنط فيها، لأنها لما أن اشتد الأمر بها وتوالت عليها الأحزان لم تكن إذ ذاك تقطع الإياس، لأنها قالت حين تحوّلت عن فراشها (وأنا أرجو أن يُبرّئني الله . وهذه المسألة يحتاج المرء أن يتحرز منها لئلا يقع له الإياس والقنوط عند النوازل وكثرتها فيستحق العذاب لقوله عليه السلام إخباراً عن ربه عزّ وجلّ يقول (لو كنتُ معجّلاً عقوبة لعجلتها على القانطين من (رحمتي) (۳) .

(الثامن) أن مَن تواضع لله رفعه الله ، لأنها قالت والله ما ظننتُ أن ينزل في شأني وحي، وَلأنا أحقرُ في نفسي من أن يُتكلم بالقرآن في أمري) . و ظننت) هنا بمعنى (علمت وقطعت) . فلما أن كانت عند نفسها بهذه المنزلة وصل بها الاعتناء إلى أن نزل القرآن في حقها، وسادت بذلك على غيرها. وقد جاء في بعض الكتب المنزلة : (يا) عبدي لك عندي منزلةٌ، ما لم يكن لنفسك عندك

(۱) سورة يوسف من الآية ۸۳ . (۲) سورة النمل من الاية ٦٢ .

(۳) لم نقف على مصدره.

منزلة). وقد جاء في الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ما) من امرىء إلا وبرأسه حَكَمَةٌ كحَكَمَة الدابة بيد ملك، فإن ارتفع ضرَبَه المَلك وقال اتَّضِعْ ، وضَعَك الله . وإن تواضع رَفعَها المَلَك فقال : ارتفع رفعك الله ) (۱) .

ولأجل هذا المعنى ساد أهل الصوفة على غيرهم، لأنه أول شرط عندهم في الدخول العمل على قتل النفس وترك حظوظها، وإذا بقي لها حظ لم تصلح للدخول في طريقهم. وهذا هو نفس التواضع . فرفعهم الله لأجل ذلك على غيرهم، ولهذا المعنى أيضاً وُضع أهل الدنيا فرجعوا خداماً لمن تقدم ذكرهم لطلبهم الرفعة، فوضعوا وصاروا من الخدام للذين طلبوا التواضع . ثم بقي سؤال وارد على قولها وكنت جارية حديثة السن. وهو أن يقال: ما فائدة ذكرها لصغر سنها، وقد ذكرت ذلك قبل ؟ والجواب : أنها إنما ذكرت ذلك لتبين ،عذرها، وهو السبب الذي لأجله كانت لا تحفظ كثيراً من القرآن فإن قال قائل : فما فائدة إخبارها بأنها كانت لا تحفظ كثيراً من القرآن وليس يتعلق مما هي بسبيله شيء من هذا ؟ قيل له : إنما أخبرت بذلك لتبين العذر الذي لأجله لم تجب النبي صلى الله عليه وسلم فيما قال من حينها، وسكتت عنه، لأن القرآن يشتمل على أحكام عديدة فمنها التعلق بالله وترك الأسباب، ومنها عمل الأسباب في الظاهر وخلو الباطن من التعلق بها، وهو أجلها وأزكاها، لأن

ذلك جمع بين الحكمة وحقيقة التوحيد وذلك لا يكون إلا للأفراد الذين مَنّ الله عليهم بالتوفيق ولذلك مدح الله عزّ وجلّ، يعقوب عليه السلام في كتابه ﴿ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) (۲) لأن ،يعقوب عليه السلام، عمل الأسباب واجتهد في

توفيتها، وهو مقتضى الحكمة، ثم ردّ الأمر كله لله واستسلم إليه، وهو حقيقة التوحيد وذلك أنه عليه السلام، لما جاءه بنوه إخوة يوسف ببضاعتهم يشكون إليه ردّها عليهم، ويسألون منه أن يرسل معهم أخاه بنيامين احتمل عنده الأمر هل هو مكر جديد لكي يتلفوا بنيامين مثلما أتلفوا يوسف أو ذلك حيلة من الغير في الاجتماع ببنيامين ليلقي إليه خبر يوسف، وخاف من الإخوة أن يلقي إليهم ذلك فيضيعوا الخبر كما أضاعوا العين . فلما أن احتمل الأمر الوجهين احتاط للواحد - وهو التهمة - بأخذ العهد عليهم واحتاط

(1) الحَكَمَة : حديدة اللجام في فم الفرس والحديث رواه الطبراني في الكبير عن ابن عباس رضي الله عنهما، والبزار عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ : ما من ادمي إلا في رأسه حكمة بيد ملك ، فإذا تواضع قيل للملك :

ارفع حكمته، وإذا تكبر قيل للملك : ضع حكمته .

(۲) سورة يوسف، من الآية ٦٨ .

سلام

رجاء منه أن يبقى بنيامين

خوفاً من أن

للآخر بأن قال : ( لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابِ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَبٍ مُتَفَرِقَةٍ ) (۱) وحده، فيكون سبباً لمعرفة ما رجاه من خبر يوسف عليه السلام. وشدّد ذلك عليهم يتهموه فيما أوصاهم به، أو يضيعوا الوصية بأن قال لهم : إنما قلت لكم ذلك ـ يعني التفرقة في الدخول - من أجل العين على ما نقله بعض أهل التفسير فهذه هي الأسباب بمقتضى الحكمة . ثم أفصح عليه السلام بما أكنّه في باطنه من حقيقة التوحيد، فترك التعلق بما فعل من الأسباب وقال وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِلُونَ ) (۲) فأثنى الله عزّ وجلّ من أجل جمعه بين هاتين الحالتين العظيمتين اللتين القليل النادر من الناس من يجمع بينهما ، حتى إنهم افترقوا فريقين فريق يقول حقيقة لا غير وفريق يقول شريعة لا غير ويرون أن الجمع بينهما كالمستحيل . والحق ما ذكرناه وهو الجمع بينهما، ولذلك أثنى الله عزّ وجلّ على فاعل ذلك ثم قال بعد الثناء عليه وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) (۳) أي لا يعلمون كيفية الجمع بين تينك الحالتين والجمع بينهما هو المطلوب من العبيد وعليه عمل الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، مما يؤخذ من استقراء أحوالهم ومقالاتهم . ولولا التطويل لذكرنا مناقبهم في ذلك واحداً

واحداً، لكن اللبيب يتتبع ذلك فيجده.

وكذلك كان حال النبي صلى الله عليه وسلم لأنه عليه السلام، كان قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ثم بعد ذلك قام حتى تورّمت قدماه وكان يربط على بطنه الحجر من كثرة المجاهدة ومواصلة الأيام العديدة، وهو الذي جاء بتشريع الأعمال والحض عليها وتبيين ما فيها من الأجور والدرجات، ثم بعد ذلك قال عليه السلام لن يُدخل أحداً عَمَلُهُ الجنة . قالوا : ولا أنت يا رسول الله؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضله ورحمته) (4) . فبعد بذل الجهد في الأعمال رجع إلى حقيقة التوحيد وترك النظر إلى غيره، وهو التعلق بالأسباب.

وكذلك كانت عادته عليه السلام، أيضاً إذا خرج إلى سفر ثم يرجع، وقد تقدم هذا في غير ما حديث. ولأجل هذه الصفة العليا التي تركت عائشة ، رضي الله عنها إلى غيرها - وهو أخذها ،

(۱) سورة يوسف من الآية ٦٧ .

(۲) سورة يوسف، من الآية ٦٧ . (۳) سورة يوسف من الاية ٦٨ .

(٤) رواه الإمام أحمد عن أبي سعيد رضي الله عنه. وانظر روايات أخرى له في حديث (حراسة مكة والمدينة من

الدجال رقم ۸٦ من هذا الكتاب .

بحقيقة التوحيد وتركها السبب امتثالاً للحكمة - اعتذرت بكونها كانت إذ ذاك لا تحفظ كثيراً من القرآن، لأنها لو كانت تحفظ كل القرآن لعملت على الصفة العليا وتركت ما هو دونها . فإن قال قائل : فما السبب الذي كان لها أن تفعله فلم تفعله واستعذرت عن تركه بهذا التعريض؟ قيل له : إن النبي الله إنما طلب منها إن كان ثَمَّ شيء أن تعترف به وتستغفر منه، منه، وإن لم يكن ثُمَّ شيء فتبدي ذلك والله يبرئها ويصدقها فيما تقول. فكان الجواب على هذا السؤال أن تقول : والله ما أعرف شيئاً مما ذكروا ، وأرجو البراءة لوعدك الجميل من المولى الجليل، أو غير هذا الكلام وما في معناه ،لأنه عليه السلام قد وعدها إن كانت بريئة فإن الله سيبرئها، فتكون قد جمعت بين الحالتين. فلما أن عدلت عن هذا لما ذكرت في الحديث احتاجت أن تستعذر عن ذلك بهذا التعريض، وإن كان هذا الفعل لها في ذلك الوقت - أعني حقيقة التوحيد وترك الأسباب والتعلق بها من أجل المراتب - لصغر سنها، لكن لم ترض به عند تمكنها فاستعذرت عنه . وفي هذا دليل على أن المجتهد إذا اجتهد في المسألة، ثم ظهر له غير ما ذهب إليه أولاً ، فذلك سائغ له. وإنما مثلت أمرها بيعقوب عليه السلام، إذ قال فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ( للمعنى الذي قدمناه وهو الأخذ بحقيقة التوحيد، لأن الصبر الجميل هو الصبر الذي لا شكوى فيه إلا التسليم والإذعان لجميع المقدور

وجوه :

وقولها (فوالله ما رام ،مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت إلى قولها ولا أحمد إلا الله فيه

(الأول) منها فيه دليل على أن المصيبة إذا اشتدت فالفرج إذ ذاك قريب، لأنها لم يبلغ بها الأمر أشد من هذا الوقت المفاجأة النبي الله لها بذلك، وسكوت أبويها عن الجواب. فلما أن اشتدت بها تلك المصيبة وعظمت جاءها الفَرَج في الحين من غير مهلة ولا تراخ ،وقع لأنها قالت (فوالله ما رام مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخبرت أن الأمر لم يطل حتى يقع من أحد الخروج أو غير ذلك

ولأجل هذا المعنى كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه، إذا كان في شدة استبشر وفرح وإذا كان في رخاء قلق وخاف فقيل له في ذلك فقال : ما من ترحة إلا أعقبتها فرحة، وما من فرحة إلا وأعقبتها ترحة، ثم يستشهد على ذلك بقوله تعالى

فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُرا (١)

(۱) سورة الشرح ، الآيتان ٥ و ٦ .

ولأجل هذا المعنى يقول بعض الفضلاء ما أبالي كيف أصبحت فإنما هي حالتان إما بلاء أو نعماء . فإن كانت النعماء أخذت في الشكر ، وإن كان البلاء أخذت في الصبر . ولأجل هذا المعنى ساد أهل الصوفة غيرهم، لأنهم قد عزموا على هاتين الصفتين والقيام بوظائف كل واحدة منهما إذا كانت ومن كان على هذا الحال ساد على غيره بالضرورة، لأن نفس السؤدد هو الاستغناء عن المخلوق، ومن كان على هذه الصفة التي ذكرناها لم تعرض له حاجة لمخلوق أبداً. ولأجل هذا لم يوجد أحد منهم يسأل غيره بل هم المسؤولون في حال النوازل وهم المفرّجون (۱) لها ، وكذلك من تعلق بجنابهم لم يحوجه الله تعالى لمخلوق أبداً إكراماً لهم،

وعناية بهم.

(الثاني) أن ثقل القرآن كان محسوساً عند نزوله ، لأنها قالت فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحاء في يوم شاتٍ حتى إن جبينه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق (البُرَحاء كناية عن شدة ما كان عليه السلام يلاقي عند نزول الوحي عليه من أجل ثقله . (والجمان) هو اللؤلؤ فشبهت تحدر عرق رسول الله على جبينه حين نزول الوحي عليه كاللؤلؤ، وإن كان حُسنُ عرقه عليه السلام أعلى من حسن اللؤلؤ، لكن ليس في المحسوسات بما يُشبَّه أعلى منه ولا أحسن، فهذا الثقل موجود حساً.

وقد أخبرت عائشة ، رضي الله عنها في غير هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضع رأسه على ركبتها، ثم ينزل عليه الوحي، فتظن أن فخذها قد انقطع من شدة ما عليه من الثقل، وقبل أن ينزل عليه لم تكن لتجد ذلك . وقد كان عليه السلام، إذا نزل عليه الوحي وهو على ناقته تيط الناقة حتى يقرب بطنها الأرض ) ، وقبل أن ينزل عليه لم تكن لتفعل ذلك .

ثم بعد هذا لولا أن الله عزّ وجلّ أعطاه القوة والتمكين لم يكن ليقدر أن يتلقى ذلك الكلام، وقد أشرنا إلى هذا في أول الكتاب حين نزول جبريل عليه السلام الاعلى ولا النبي لا اله الا في أول ابتداء الوحي وغطه إياه ثلاثاً، ولأن الله عزّ وجلّ، لا يشبهه شيء، فكذلك كلامه لا يشبهه شيء،

(۱) بإذن الله .

(۲) لم نقف على حديث روته السيدة عائشة رضي الله عنها أن رسول الله الله كان يضع رأسه على ركبتها، ثم ينزل عليه الوحي فتظن أن فخذها قد انقطع من شدة ما عليه من الثقل إلخ .. وإنما هو من رواية زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : أنزل على رسول الله و فخذه على فخذي، فكانت فخذه ترضَ فخذي رواه الشيخان وقالت السيدة عائشة إن كان ليوحى إلى رسول الله له وهو على راحلته فتضرب بجرانها، فما تستطيع أن تتحرك حتى يسرى عنه، وتلت قوله تعالى ﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلا ) رواه الإمام أحمد ۱۱۸/٦ والحاكم و

الذهبي.

وصححه، ووافقه

ولا يقدر البشر على أن يلقاه فكان لنزوله بعدما أشرنا إليه من التمكين والتأييد لما أنزل عليه ذلك التأثير، لكي يعلم أنه عزّ وجلّ ليس له شبيه. وإنما يعلم هذا ويتحقق به من حصل له ميراث من النبي صلى الله عليه وسلم في المعاملات والمناجاة .

الثالث ،ضحكه عليه السلام حين سُرِّيَ عنه عليه السلام، يحتمل وجهين : (الأول) أن يكون ضحكه مما دخل عليه من السرور لنصرة الله تعالى لعائشة ، رضي الله عنها، وإظهار الحق في ذلك الأمر . (الثاني) أن يكون ضحكه لكي يزيل عن عائشة رضي الله عنها، ما كان بها من شدة الغم والحزن . ويحتمل أن يكون ضحكه للوجهين معاً .

(الرابع) الشكر على النعماء، لأنه عليه السلام قال لها حين أنعم الله عليها بالبراءة (احمدي الله وإنما خصها بالحمد دون الشكر لأنه أعم من الشكر . )

(الخامس) أن الوارد بالبشارة العظمى يمهل بالإخبار بها أولاً ويقول منها شيئاً ما لكي يحصل العلم بذلك، ولا يفصلها من حينه، ذلك لأن النبي لا اله الا لما أن أنزل الله عليه براءة عائشة الله عنها، لم يكن ليتلو عليها الآيات من حينه وإنما بدأ أولاً بالضحك، ثم بعد الضحك أخبرها بالبراءة مجملة، ولم يقل لها كيفية البراءة كيف كانت فلما أن تحصل لها العلم بالبراءة وتهدتَ من الروعة التي كانت بها فحينئذ تلا عليها الآيات .

رضي

والعلة في منع الإخبار بذلك أولاً : أن البشارة إذا كانت مرة واحدة يخشى على صاحبها أن تتفطر كبده من شدة الفرح وكذلك أيضاً في العكس وهي ،المصيبة وقد نقل ذلك في التواريخ عن كثير من الناس : قوم فاجأهم السرور فقضى عليهم، وقوم فاجأتهم الأحزان فقضت عليهم . ولهذا المعنى كان إرسال يوسف عليه السلام لأبيه يعقوب عليه السلام بالقميص، ثم بعد القميص البشير ، ثم بعد البشير الاجتماع، خشية مما ذكرناه ، ولأن النفس إذا قيل لها ذلك شيئاً فشيئاً تأنس به قليلاً حتى يأتيها التحقق بذلك. وهي قد أنست به.

(السادس) أن طاعة رسول الله المقدمة على طاعة الأبوين لأنها لما أن قال لها النبيل (احمدي (الله) وقالت لها :أمها قومي إلى رسول الله و تركت ما أمرتها به وأكدت ذلك باليمين ألا تفعله، وامتثلت ما أمرها به النبي يا الله من محمد الله عزّ وجلّ، وشكره . وإنما أمرتها أمها بذلك إبراراً لرسول الله وخدمة له، وحملت قوله عليه السلام) (احمدي الله على طريق البشارة، لا على طريق الأمر، فأمرتها أمها بالقيام إلى الرسول ، لأن القيام إليه له طاعة له، والله ، وما كان طاعة له، عليه السلام فهو طاعة الله، فهو شكر على هذه النعمة .

، لكن لما أن كانت عائشة ، رضي الله عنها ، أعلم منها بحال النبي صلى الله عليه وسلم ، وتعلم ما يُسَرُّ به، وما

يتقرب به إليه، ثم مع ذلك قد نص عليه في الوقت أسرعت إلى ما تعلم أن النبي الله لا يحبه ، وهو مراده. وكان مراده الله ألا يحمد على النعماء إلا الله وحده مع امتثال أمره عليه السلام في ذلك يشهد لما ذكرناه سكوت أبي بكر ، رضي الله عنه لها حين قالت: لا والله لا أقوم إليه فلو كان ذلك منها لغير الوجه الذي قرّرناه لَزَجرها أبو بكر ، رضي الله عنه، من ذلك، ولجبرها على القيام إليه ، لأنه صدر ذلك منه في أقل من هذا في حديث التيمم حين انقطع عقدها، فدخل عليها يضرب في خاصرتها ويعاتبها ويقول : حبست رسول الله والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، وهي لم يقع العقد منها متعمدة، ولم تقل شيئاً، ولا فعلت شيئاً ، إلا أن النبي الا الله أقام باختياره . فلما أن كان كلامها هنا واختيارها موافقاً لمراد أبي بكر واختياره سكت لها عن ذلك، لموافقتها ما يريد النبي ، ويختاره وما يريد أبو بكر ويختاره. وهذا مما يشهد لفضلها وعلوّ منزلتها على غيرها، إذ إنها مع صغر سنها تراعي مرضاة النبي وتفضله على مرضاة أبويها . ولأجل ذلك خصها الله تعالى ،بنبيه عليه السلام فلم تر غیره ولم تعرفه، لأنه عليه السلام، لم

يتزوج بكراً صغيرة السن غيرها، وأما غيرها من النسوة فتزوجهنَّ بعد ما كبرن ورأيْنَ الأزواج . وهاهنا حكمة دقيقة، نحتاج أن نبديها لكي يستدل بها على فضلها وإن كان الكل فاضلات وإنما الكلام فيما اختصت به في حال صغر سنها دون غيرها ممّن لم تحصل لهن الخصوصية إلا بعد ما مضى لهن من العمر سنين ، وذلك أن النبي له الا الله و قد أخبر أن الله عزّ وجل، إذا أراد أن يخلق خلقاً اجتمع ماء المرأة مع ماء الرجل بقدرته، وبقي يسير في عروق المرأة أربعين يوماً، ثم بعد الأربعين يجتمع في الرّحِم ، ثم يأمر الله عزّ وجلّ، ملكاً فيأخذ بين أصابعه من تراب الموضع الذي أراد أن تكون تربة هذا الخلق منه ، فيأتي الملك بذلك التراب ويعجنه بذلك الماء الذي اجتمع في الرحِم ، ثم يبقى يتطور في الرحم إلى حين خلقه (۱) ، فيصوّر على ما جاء فيه النص من الشارع عليه السلام والأراضي مختلفة فيها السهل والوعر وفيها ما ينبت وفيها ما لا ينبت، والذي ينبت فيها ما يطعم في الحين وفيها ما يتأخر طعمه .

وهذا موجود حساً، لأن بعض الأراضي لا يطعم شجرها إلا بعد سنين وبعضها لا يتأخر طعمها بعد خروجها عن الأرض إلا يسيراً، وتأخذ في الطعم كأرض الحجاز، تجد النخلة فيها مع الأرض وهي حاملة للطعم. وقد ،شبه عزّ وجلّ الإيمان بالشجرة في كتابه حيث قال ألَمْ تَ

(۱) مؤلف من أحاديث عدة منها : حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين، أوله ( إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً . إلخ..) ومن حديث أبي موسى الأشعري قال إن الله تبارك وتعالى خلق ادم من قبضة قبضها من جميع الأرض .. إلخ) رواه أبو داود في السنة باب في القدر ، والترمذي في التفسير باب ومن سورة البقرة .

كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ) (۱) قيل : إن هذه الشجرة هي النخلة. وقد شبه الشارع عليه السلام كمال الإيمان بتناهي حلاوة هذه الثمرة فقال عليه السلام ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا اعزّ وجلّ وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذَف في النار) (۲) فكنى عليه السلام عن كمال الإيمان بإثمار هذه الشجرة وتناهي طيبها لأن الحلاوة لا توجد في الثمرة إلا عند كمال ثمرها وتناهيه .

فلأجل هذا المعنى تزوج النبي الله عائشة ، رضي الله عنها ، وهي حديثة السن، لأنها كانت حجازية التربة، حسّاً ،ومعنى فظهر ثمر شجر إيمانها وتناهي طيبه مع حداثة سنها وقبل بلوغها حد التكليف، فناهيك به بعد البلوغ والتكليف . ولأجل هذا المعنى لما ناشدن النبي ل لا لا لا أزواجه في إيثارها عليهن فقال (لم يُوحَ إليَّ في فراش إحداكن إلا في فراشها ) (۳) ، فكان تفضيله لها لأجل ما خُصت به من الصورة المعنوية لا الصورة الحسية، ولأجل هذا قال عليه السلام (خذوا عنها شطر دينكم) (٤) .

ومما يدل على فضلها فقهها في هذا الحديث الذي لم تأت بلفظة إلا لفائدة، وما أظهر الله تعالى من رفعتها وعلو منزلتها ولأجل هذا المعنى - والله أعلم - لم يصلح اجتماع نساء النبي صلى الله عليه وسلم معه إلا بعد سنين من أعمارهن مختلفة على قدر ما بلغ وقت كمال إيمانهن، وحينئذ صلحن له، عليه السلام، لأنه لا يكون للطيب إلا طيبة لقوله تعالى وَالطَّيِّبَتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ ﴾ (٥) ولأجل هذا المعنى قال عليه السلام (لو كنتُ متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً) (٦) . ولا ذلك إلا للمعنى الذي جمع بينهما وهو تقاربه من النبي الله في الإيمان . لأنه لا إيمان أقوى بعد إيمان النبي صلى الله عليه وسلم من الله عنه، وقد نص عليه السلام على ذلك بقوله (ما) فضلكم أبو بكر بكثرة

إيمان أبي بكر ، رضي صلاة ولا صيام ولكن بشيءٍ وقر في صدره) (۷) . والإشارة في هذا إلى قوة الإيمان واليقين .

(۱) سورة إبراهيم من الآية ٢٤ .

(۲) رواه الإمام أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه .

(۳) سبق تخريجه في هذا الحديث قبل صفحات . (٤) سبق الكلام عليه في هذا الحديث قبل صفحات ..

(٥) سورة النور، من الآية ٢٦ ونقول : جاء في القرآن الكريم قوله تعالى امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عبدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا ، على سبيل الندرة من القاعدة، والنادر لا عبرة له تجاه الأعم الأغلب. (٦) رواه الإمام أحمد والبخاري عن ابن الزبير رضي الله عنه ورواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما . واللفظ

مختلف) .

(٧) ليس بحديث قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء : لم أجده مرفوعاً، وهو عند الحكيم الترمذي من قول بكر بن عبد الله المزني ( وقد سبق أن بينا ذلك من قبل .

وقولها : (فأنزل الله ، عزَّ وجلَّ، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ ) (۱) الآيات إلى آخر

الحديث فيه وجوه :

(الأول) إن أهل بدر لم تكن عصمتهم بألا يقعوا في المخالفة، خلافاً لمن ذهب إلى ذلك، فحمل قوله عليه السلام إخباراً عن ربه عزّ وجلّ أنه قال يا أهل بدر اعملوا ما شئتم مغفوراً لكم إنهم محفوظون من الوقوع في الذنوب، وإن أرادوها لا يقدرون عليها للحفظ لهم، وما نحن بسبيله يردّ ذلك عليه، لأن مسطحاً من أهل ،بدر وها هو ذا قد وقع. فعلى هذا فلم يبق أن يكون قوله (اعملوا ما شئتم مغفوراً لكم إلا على العموم لا على الخصوص، فيكون معنى ذلك : أنهم من المغفور لهم ما داموا على الحال المَرْضي، وإن وقع بعضهم في الذنوب فيجعل له سبباً للمغفرة من إيقاع حدود أو غيرها من الوجوه، مثل التوبة التي نص عليها الشارع عليه السلام بأنها تجب ما قبلها وكذلك نص عليه السلام على أن الحدود كفارة للذنوب، وما جاء من الخارج بحسب ما ورد في الآي والأحاديث فعمتهن الكل المغفرة، إما مطلقة وإما بسبب . (الثاني) أن من حُدَّ في حد من الحدود فلا يجوز أن يُتعدّى في ذلك لغير ما أمر به فيزاد فيه أو ينقص منه. وإنما السنة في ذلك أن يُقام الحد على المحدود بحسب ما أمر الشارع، عليه السلام، لأن الله عزّ وجلّ لما أن أمر بحد مسطح قام أبو بكر ، رضي الله عنه ، فزاد في عقوبته بأن قطع له ما كان يُجري عليه من النفقة، فأنزل الله عزّ وجلّ في حقه ) وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ (٣) الآية .

(الثالث) وهو قريب من الوجه المتقدم أن من حُدَّ في حد من الحدود فلا يجوز أن يُهجر ولا يُخَلّ بمنصبه، لأن الله عزّ وجلّ لما أن أمر بحد مسطح فكان من أهل بدر ، ففعل معه أبو بكر ما فعل، أنزل الله عزّ وجلّ في حقه ما قد أوردناه من الآي فجاء جَبْراً لما نقص من منزلته . (الرابع) أن تصرف المرء لنفسه ولأهله ولقرابته يكون الله خالصاً لا مشاركة للغير فيه يمتثل في الكل أمْرَ الله عزّ وجلّ، ولا ينظر إلى اختيار أحد منهم، لأن أبا بكر رضي لأن أبا بكر ، رضي الله عنه ، لم ينتصر لعائشة حين قيل فيها ما قيل وإن كانت ابنته لعدم معرفته لأمر الله في ذلك ما هو فاستصحب الأصل، وبقي عليه، فلم يهجر مسطحاً قبل نزول القرآن لأن إحسانه إليه كان الله ، ولو هجره إذ ذاك لكان حظاً للنفس ونصرة لها، فترك، رضي الله عنه ، ذلك .

(۱) سورة النور من الاية ۱۱ .

(۲) رواه الإمام البخاري ومسلم عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في كتاب فضائل الصحابة. باب من فضائل أهل بدر . (۳) سورة النور من الآية ۲۲ .

فلما أن نزل القرآن واستنصر لها ، عُلِمَ عند ذلك أن ما صدر منه من نصرته لها حماية الله، لا

لها، للمعنى الذي خصها الله به وأكرمها لا لذاتها. وكذلك أيضاً هجرانه لمسطح لأنه من قرابته، فلما أنزل الله عزّ وجلّ في شأنه ما أنزل هَجَرَه ، وإن كان من قرابته حماية الله، فكان تصرفه في أهله وقرابته بحسب مرضاة ربه لا بحسب مرضاة أهله ونفسه وقد نص عزّ وجلّ على ذلك في کتابه حيث قال ﴿ قُلْ إِن كَانَ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ ) (١) الآية .

(الخامس) وهو يتضح بسؤال وارد وهو أن يقال: لم جعل عزّ وجلّ ثواب رجوع هذه النفقة المغفرة ولم يجعل فيها أجوراً مضاعفة مثلما جعل في غيرها من النفقات مثل قوله تعالى مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَاءُ ) (۲) ومثل قوله عليه السلام (الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعين إلى سبع مائة إلى أضعاف كثيرة والله يضاعف لمن يشاء ) (۳) والآي والأحاديث في ذلك كثيرة؟

والجواب عنه - والله أعلم - أنه لما أن اجتمع في هذا المحدود أشياء عديدة، فمنها الإحسان وصلة الرحم، وجَبْرُ هذا المحدود لكونه بدرياً، وسبقت له عناية من الله ، فكان الثواب على ذلك : المغفرة لاجتماع هذه الأشياء، ولحرمة هذا السيد أيضاً لانكسار قلبه لما لحقه من إهانة الحدّ ، وإشعاراً بإبقاء حرمة ما تقدم له من حضور بدر، فخص الإحسان إليه من هذا السيد الذي من أجله ما لحقه بأجل المراتب وهي المغفرة فسبحان اللطيف الحكيم الذي رفع كل شخص بحسب حاله ، وجبر الكل على منازلهم بحسن لطفه . وبالله التوفيق.

اللهم اجعلنا ممَّن رزقتهم حبَّ نبيك الصفوة من خلقك محمّد صلى الله عليه وسلم ، وحبَّ الهِ وأزواجِهِ وأصحابه وأنصاره ، وعرَّفتهم قدرَ ،فضلهم، وما من المآثر منحتهم . واعصمنا من أن ننسب إليهم أو إلى أحدٍ منهم ما لا يليق بهم عصمة باطنة وظاهرةً واهدنا طريق الرشاد بفضلك واحملنا على مركب السلامة في الدين والدنيا والآخرة بكرمك، وعافنا من الفتن والمحن برحمتك وامنعنا بعزك من أن يُجهل علينا، أو نَجهَل على أحد من خلقك ، واجعلنا ممن رَحِمْتَهُ في الدارَينِ بلا محنة، إنك

المفضال الجواد.

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(1) سورة التوبة من الآية ٢٤ . (۲) سورة البقرة من الآية ٢٦١ .

رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه، ومطلعه : كل عمل ابن آدم يضاعف

إلخ . . .

حديث يمين الغموس

عَن عبدالله بن مَسْعُودٍ (۱) رَضي " يمين، وَهُو فيها فاجر ، لِيَقْتَطِعَ بِها مَال امرىءٍ مُسلِمٍ، لَقِيَ الله وَهوَ عَليهِ غَضْبَانُ

عَنهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : مَن حَلَفَ على

ظاهر الحديث يدل على تحريم اليمين الفاجرة التي يُقتطع بها مال المسلم، وتشديد الوعيد لمن حلفها، ليقطع بها مال امرىء مسلم . ثم الكلام عليه من وجوه :

الوجه الأول : قوله عليه السلام: (من حلف على يمين وهو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرىء مسلم ظاهره أنه إذا كان ذلك لقطع مال امرىء كافر فهو جائز ، وليس كذلك، لأن أهل الذمة يتنزلون في معاملاتهم منزلة المؤمنين. فعلى هذا فيحتمل أن يكون ،أطلق عليه السلام، ذلك على المؤمنين لكونهم أغلب لأن أهل الذمة بالنسبة إلى المؤمنين قليل . ويحتمل أن يكون عقابُ مَن فعَل ذلك أخف من فِعْلِه مع المؤمنين لنقص حرمة الذمي عن حرمة المسلم. ويحتمل أن يكون

مع

الذمي فعل ذلك مع الذمي أشدَّ في العقاب، لأنه جمع فيه ما جمع في المسلم، وزاد عليه خفرَه للذمة . الوجه الثاني : وهو يتقرر بسؤال وارد وهو أن يقال : لِمَ خص فاعل هذا الذنب بالغضب دون غيره من أفعال الذنوب؟ لأنه جاء فيها : من فَعَل كذا كان عليه كذا وعوقب بكذا، كما قيل في الغادِرِ ينصب له لواء عند أُسْتِه بقدر غَدرته، ينادى عليه هذه غدرة فلان ابن فلان، وكما قيل في أكل أموال اليتامي يأكل ناراً إلى غير ذلك؟ (والجواب) أنه إنما خص صاحب هذا الفعل بالغضب لكونه ارتكب

(۱) عبد الله بن مسعود ،صحابي من أكابرهم فضلاً وعقلاً وقرباً من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من أهل مكة ومن السابقين إلى الإسلام وأول من جهر بقراءة القرآن بمكة، وكان خادم رسول الله الأمين وصاحب سره، ورفيقه حله وترحاله وغزواته، يدخل عليه كل وقت ويمشي معه . قال عنه عمر : وعاء ملىء علماً. ولي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بيت المال الكوفة ، ثم قدم المدينة في خلافة عثمان فتوفي فيها سنة ۳۲ هـ / ٦٥٣م له / ۸۴۸/ حديثاً .

وانظر الحديث (۷۰) .

ثلاثة أشياء عظيمة محرمة ، وهي اليمين ،الفاجرة وهي التي يعبّر عنها الفقهاء باليمين الغموس ورد الحق باطلاً، وأخذ مال هذا بغير حق .

الوجه الثالث: أن غضب الله تعالى المذكور في هذا الحديث ليس المراد به ما يعهد من الغضب في البشر ، لأن ذلك مستحيل في حق الله تعالى وإنما المراد به ما يصدر عنه من شدة العقاب، لأن الملك إذا غضب على أحد عاقبه وشدد عليه، وكذلك أيضاً إذا رضي عن أحد أحسن إليه وزاد في الإحسان والله عزّ وجلّ مستحيل في حقه الصفة الواردة على البشر، الموجبة للرضى والغضب، وهو الميل والتعلق والنفور والكراهية. ومثاله في النقيض وهو طريق الإحسان قوله عليه السلام (يضحك ربك من ثلاث: القوم يصطفون للقتال والقوم يصطفون للصلاة والرجل يقوم في جوف الليل ) (۱) والمراد بالضحك هنا كثرة الثواب لهم والإحسان إليهم . الوجه الرابع : الغضب لا يتعلق إلا بمجموع الأوصاف المتقدم ذكرها، فإذا لم يبلغها كان عقابه غير الغضب. وكذلك أيضاً إذا كان الحلف بغير أسماء الله تعالى وصفاته، لأن ذلك ليس بيمين شرعي وإنما سماه الفقهاء يميناً مجازاً، ومثاله من حلف بالطلاق أو العتاق أو المشي أو غيره فحاصله أنه علق فعله بشرط ، فإذا وقع الشرط وقع المشروط . وبالله التوفيق.

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) رواه ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي سعيد رضي الله عنه بلفظ : يضحك الله إلى ثلاثة : القوم إذا صفوا في الصلاة، وإلى الرجل يقاتل وراء أصحابه، وإلى الرجل يقوم في سواد الليل.

حديث لا تُصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوه

عَن أبي هريرةَ رَضي الله عَنهُ عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ : لا تصدقوا أهلَ الكِتابِ ولا تَكَذَّبُوهُم

وَقولُوا آمَنَّا بالله ومَا أُنزِلَ إِلَينا . الآية .

ظاهر الحديث يدل على منع تصديق أهل الكتاب وتكذيبهم. ثم الكلام من وجوه

الوجه الأول: هل النهي عام في كل ما يَدَّعونه في كتبهم وغيرها من الشهادات، أو هل هو خاص بما يدعونه في كتبهم لا غير ؟ محتمل الوجهين معاً. لكن تمام الحديث يقتضي أن المراد به ما يدعونه في كتبهم، لأنه عليه السلام قال بعد النهي ( وَقُولُوا وَامَنَّا بِالَّذِى أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأَنزِلَ

إليكم يعني به التوراة والإنجيل، لأنه قد صح بأخبار القرآن أن الكتابين التوراة والإنجيل أُنزِلا عليهم، وأنهم قد غيّروا فيهما وبدلوا - فإذا قرأوا فيها شيئاً وادعوا أنه من التوراة أو الإنجيل احتمل أن يكون ذلك حقاً، لأنهم لم يبدلوا الكتاب كله، وإنما بدلوا بعضه، واحتمل أن يكون ذلك مما بدلوه وغيّروه فلما أن احتمل الوجهين معاً منع عليه السلام التصديق لهم حذراً من أن ينسب الله تعالى ما لم يقله ومنع التكذيب حذراً من أن يكذب بكلام الله تعالى إذا كان ما قالوه حقاً. وبه يستدل مالك رحمه الله على القول بسَد الذريعة .

وقد منع الفقهاء تصديقهم مرة واحدة، كان ذلك في كتبهم أو غيرها، مع أن الحديث قد لا يخلو من الإشارة إلى ذلك . ووجه المنع من تصديقهم في كل ما يأتون به أنهم لما أن أخَلّوا بالأصل وهو دينهم وكتابهم الذي أنزل عليهم - فكذبوا فيه وخالفوا الحق فكيف يصدقون في غيره؟

فإن حملنا الحديث على العموم من غير تقييد، كما ذهب إليه بعض الفقهاء، فلا بحث وإن

(۱) سورة العنكبوت من الآية ٤٦. وتمام الآية: ﴿ وَلَا تُحَدِلُوا أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا ءَامَنَّا بِالَّذِى أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأَنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَحِدٌ وَنَحْنُ اَثر مُسْلِمُونَ ) .

حملناه على الخصوص لقوله عليه السلام وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وانزل إليكم كان البحث كما ذكرناه فحصل من كلا الوجهين العموم لعدم صدقهم على الإطلاق، وهذا هو الحكم، وعليه

عَمَلُ السلف .

وقد جاء اليوم بعض الناس فاتخذوهم أصدقاء، وكلفوهم الأشغال وائتمنوهم عليها . فإنا الله وإنا إليه راجعون في الأخذ بضد هذا الأمر الجلي

ويستنبط من الحديث أن الحكم بالنهي إنما هو خشية الكفر الصراح، فنتبع هذا الأصل، فمتى وجدنا نسبة منه تعلق الأمر عليه لقوله عليه السلام الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل) (۱) ولقوله تعالى في الشهادة ( ذَوَى عَدْلٍ مِنكُمْ ) (۲). والعدل هو من تخلص من شوائب الكفر ، لأن المعاصي من أجزاء الكفر ، لكن الفرق بينهما أن نفس الكفر يخرج عن دائرة الإسلام، والمعاصي تخرج عن كمال الإيمان. يشهد لذلك قوله عليه السلام لا يزنى الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يختلس الخُلسةَ حين يختلسها وهو مؤمن (۳) ومعناه أنه لا يكون في تلك الحالة ) كامل الإيمان، لأن الإيمان ينافي ما يفعله، وهو مع ذلك مقرّ بالشهادة.

فكذلك أيضاً البدع من هذا القبيل إذا كانت مستحسَنة أو غيرها، وبعضها أشد من بعض . يشهد لما ذكرناه ،قوله عليه السلام افترقت بنو إسرائيل على ثنتين وسبعين فرقة وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلُّها في النار إلا واحدة قيل : يا رسول الله ، وما هي الواحدة؟ قال : ما أنا عليه وأصحابي ) (٤) أو كما قال عليه السلام فما أوجب النار لمن تقدم ذكرهم إلا تلك الشوائب التي عندهم، وكذلك هؤلاء لأنهم لا يخلون من الشوائب. ولأجل تخلص هذه الطائفة المذكورة في الحديث من الشوائب كانوا مع النباتي لا الهلال في الجنة .

فعلى هذا فينبغي لمن لم يكن له علم بما يعرف صدق أهل هذا الزمان من كذبهم أن يجتنبهم مرة واحدة إلا أن يوفقه عزّ وجلّ على رجل من أهل العلم عامل بعلمه تابع للسنة ،فيه فيجب عليه أن يسند ظهره إليه ويمتثل أمره فيما يشير به عليه، ويأخذه بكلتا يديه، ويشد عليه، لأن مثل هذا نادر وجوده اليوم. والأصل الحذر من الوقوع في مخالطة من تقدم ذِكرُهم وقليل مَن يَسلم منهم لسرعة سريان سمّهم لمخالطهم . اللهم إلا من منّ الله عليه بالتوفيق .

(6) 201

رواه الحكيم الترمذي والحاكم وأبو نعيم في الحلية .

(1) سورة الطلاق من الآية .۲.

(۳) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . (٤) سبق تخريجه في حديث البيعة رقم .۳ .

ذلك

يؤيد ما قررناه قوله عليه السلام يأتي في آخر الزمان قوم يحدثونكم بما لا تعرفون أنتم ولا آباؤكم فخذوا ما تعرفون ودعوا ما تنكرون) (۱) أو كما قال عليه السلام فعلى هذا فلا يقتصر بالحديث على ما ذكرناه لا غير، إذ المعنى فيه ما قد ذكرناه وهو آكد عليك، وخاص بك، ومثل موجود في المرء نفسه بل ربما كانت النفس أشدّ وأقوى لأن المرء مع هؤلاء الناس يكفيه الانعزال عنهم ليَسلَم منهم ، وليس له قدرة أن ينعزل عن نفسه إلا بمجاهدة وحضور في كل أنفاسه، وقوة من الله وتأييد ، فيكون حاضراً غائباً، حياً ميتاً فيجمع بين الأضداد، ويا ليت بعد هذا السلامة والخلاص، وإن لم يكن على هذا الأسلوب فقد هلك .

بيان ذلك أنه قد اجتمع عليه من نفسه ثلاثة أشياء وهي موبقة مهلكة إن وقع الطوع إليها، وهي : النفس والهوى والشيطان . ( فالنفس) قد قال تعالى في حقها إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَارَةُ بِالسُّوءِ ) (٢) . والهوى) وقد قال تعالى في حقه ( وَاتَّبَعَ هَوَنهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ ) (۳) وتسويل

رويد

عدو

الهوى وتسويل النفس قريب من قريب والشيطان) قال تعالى في حقه ﴿إِنَّ الشَّيْطَنَ لَكُمْ فَأَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ) (٤) . فإن لم يكن المرء حاضراً في كل أنفاسه وله تمييز بوقوع ما يأتيه من هذه

الخواطر وإلا (٥) فقد دخل في عموم الحديث الذي نحن بسبيله، فيصدّق باطلاً ويكذب حقاً . ولأجل الجهل بهذه الخواطر وقع كثير من المدعين بأنهم من أرباب القلوب . فكل ما يخبرون به باطل، لأن له هذه الثلاث خواطر وله اثنان آخران وهما ما يكون من قِبَل الله عزّ وجلّ أو الملك . فالذي من قبل الله عزّ وجل هو في سرعة وقوعه مثل البرق ثم بعده في الحين من غير مهلة خاطر النفس، فما يمر ذلك إلا استقر في المحل . فمن لم تكن له معرفة بهذا الأمر فقد ضل بالضرورة، وكان من الذين يحسبون أنهم يحسنون صُنعاً، وهم على غير شيء، ولهذا كان كثير منهم يقولون : قيل لي وقلت وخطر لي ووقع لي، وكل ذلك باطل، وإنما الواقع له أحد الثلاثة التي قدمنا ذكرها وإن خرج في بعض المرار شيء بحسب ما قال فذلك بالوفاق، وأما بالحقيقة فلا . كل ذلك سببه الجهل بالتفرقة بين ما قد ذكرنا .

فالحاصل من حاله أنه دخل في عموم الحديث يكذب حقاً ويصدّق باطلاً . لكن نحتاج هنا

(۱) رواه الإمام أحمد ومسلم في مقدمة صحيحه مرفوعاً عن أبي هريرة رضي الله عنه، بلفظ : يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا اباؤكم فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم.

(۲) سورة يوسف من الاية ٥٣ . (۳) سورة الأعراف، من الآية ١٧٦

(٤) سورة فاطر من الاية ٦ . (0) كذا، بزيادة وإلا .

إلى بيان هذه الخواطر ، وما هو الحكم فيها لأرباب القلوب وما هو الحكم فيها لغيرهم . فحكم من كان من أرباب القلوب أن ينظر فيما يقع له من الخواطر من أي جهة تقع، لأن القلب له بابان باب للفؤاد وباب في وسط القلب يتلقى الغيوب من الرب .

فالخاطر الرباني يأتي من ذلك الباب الذي له على الصفة التي قدمنا ذكرها ، ثم يستقر بموضعه خاطرُ النفس والهوى فيحتاج صاحب هذا الحال الحضور الكلي حتى يعلم الخاطر الأول وما استقر بعده في المحل . ولأجل التحقق من هذين الخاطرين ومعرفتهما وكيفيتهما كان كثير ممن منّ الله عليهم بذلك لا يقولون شيئاً، ولا يُسألون عن شيء، فيجيبون عنه إلا ويخرج في الوجود كذلك ، لا زيادة فيه ولا نقصان، لأنهم يعملون على الخاطر الرباني بالحقيقة وما كان من الله فوقوعه لا شك فيه . هذا هو حكم هذه الخواطر الثلاث .

وأما ما كان من قبل الملك فوقوعه من ناحية يمين القلب وأما ما كان من قبل الشيطان فوقوعه من جهة الأيسر .

هذا هو حكم أرباب القلوب وأما غيرهم فحكمه في ذلك أن ينظر ما هو السبب الذي من أجله وقع له ما وقع ثم لا يخلو الواقع أن يكون طاعةً مطلقة أو معصية مطلقة. فالطاعة كلها من إلهام الله عزّ وجلّ أو الملك، والمعصية كلها من الشيطان أو النفس، وإن كانت بعض الطاعات فيها اشتباه هل هي من الله أو من الملك أو من النفس أو من الشيطان؟ فإذا وقع هذا الشبه فليوقع بإزائه تمحيص ذلك الواقع على لسان العلم وتخليصه من الشوائب المتعلقة به فما كان من الله أو من الملك فهو من قبيل أفعال البر على الإطلاق لا تتعلق به شائبة، وإن كان من النفس والشيطان فلا بد من شائبة تظهر عند تمحيصه بلسان العلم لأنهما لا يأمران بذلك إلا لمكر خفي منهما، لا يقدر أن يتوصلا إلى ما أرادا إلا بواسطة هذه الطاعات.

مثال ذلك في الشيطان أنه يأتي أولاً من قبل المعاصي، فلا يقدر على صاحبه بشيء، فيأتيه من قبل الترغيب في العبادة والتبتل والانقطاع ، وليس مقصوده من ذلك إلا لعلة، وهي أن يكثر من المجاهدة، فتحصل له السآمة. فعند حصول السآمة يأتيه فيعرض له بالشهوات التي كان يألف فيرده إليها، فيرجع حاله أسوأ مما كان أولاً لتركه العبادة والقنوط من رحمة الله والأخذ في

الشهوات .

ومثال ذلك في النفس : ما حكي عن بعض الفضلاء أنه كان في تعبد وخير ثم وقع له أن يخرج إلى الجهاد، فبقي متحيّراً في أمره من كون أن الجهاد من أفعال البر والنفس هي الآمرة بذلك، ومحال في حقها أن تطلب الخير أو تريده فبقي متهماً لها فيما أمرت به فمنّ عليه باللجأ

إلى الله تعالى أن يطلعه على خبيئة ،أمرها فنام فإذا بقائل يقول له : قد سَيْمَتْ من كثرة المجاهدة من الصيام والقيام، ويَئِسَتْ من أن تستريح منه فأرادت أن تموت في الجهاد لكي تستريح مما هي فيه، ويحصل لها الثناء بعد الموت . ثم أفاق من نومه فآلى على نفسه ألا يزول عن حاله أو يزيد عليه حتى يموت على ما هو بسبيله . فانظر شدة خبثها ودقته وخفائه حتى إنها رضيت بالثناء بعد الموت ولا فائدة لها فيه . وقليل من يتفطن إلى هذا النظر الدقيق إلا من منّ عليه بالتوفيق . ولأجل ما فيها من هذا الخبث العظيم لم يكن لأهل الصوفة في ابتداء أمرهم شغل ولا نظر غير العمل على قتلها، وترك النظر إليها، ثم بعد قتلها - وهو المعبر عنه بمخالفتها في كل ما تريده - لم يطمئنوا وهم حذرون منها متحرزون في كل أنفاسهم حتى قد حكي عن بعض فضلائهم أنه قال : رأيت فيما يرى النائم ملائكة نزلت من السماء يخيرون كل شخص ويعطونه ما يريد، ثم أتوا إلي فخيروني، فاخترت قتل نفسي فجيء بها في صورة فقطعوا رأسها فقالت : بقيت مني الجثة

فقطعوها قطعاً قطعاً، فقالت بقي مني البعض . فأنا أعمل على البعض الذي بقي لكي أزيله . فانظر بعدما فعل بها هذا الفعل لم يطمئن إليها وأخذ في مجاهدتها. هذا هو حكم غير أرباب القلوب في خواطرهم. فَحَسْبُكَ الفحص عما يخصك وهو اكد مما يعم وإنما احتجنا إلى ذكر هذه الخواطر وحكمها وما العمل فيها لكون الحديث يتناولها بالمعنى الذي ذكرناه وهو التصديق بالباطل والتكذيب بالحق، وذلك موجود في الخواطر، لا شك فيه، بل هو اكد لأنه مما يخص وغيره على العموم والله المستعان .

وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

حديث جواز الكذب في الخير

عَن أُمْ كُلْثُومٍ بِنتِ عُقْبَةَ (١) ، رَضي الله عنها ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقولُ: لَيسَ الكذَّابُ بالذي يُصلحُ بينَ النّاسِ، فيَنمِي خَيراً ، أو يَقُولُ خَيراً .

ظاهر الحديث يدل على جواز تعمد الكذب إذا كان مآله إلى خير .

قوله عليه السلام ( ينمي خيراً أو يقول خيراً) معناه أن تكون نفس الكذبة لفظ (خير) أو تكون تلك الكذبة تنمي إلى خير لكن يعارض هذا رؤيا النبي في منامه للكذاب وهو يعذَّب بالكلوب من الحديد، على ما ذكر في الحديث أول الكتاب والجمع بينهما - والله أعلم - هو أن العذاب على الكذب عام فيه كله وما جاء في غيره فهو تخصيص للعام مثل هذا الحديث الذي نحن بسبيله وغيره مما نص عليه .

لكن نحتاج هنا إلى تقسيم الكذب من حيث هو كذب وبيان كل قسم منه، وما الحكم فيه؟ وذلك أن الكذب على خمسة أقسام : فكذب واجب ، واخر مندوب، والثالث مباح والرابع مكروه والخامس حرام .

فأما الواجب فهو مثلما إذا علمت مستقر شخص، وسألك عنه من يريد قتله ظلماً وعدواناً وعلمت ذلك بيقين، فيتعين عليك الكذب إذ ذاك، وليس بكذب شرعاً، وإنما هو كذب لغة على

ما نقله الفقهاء .

(1) أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط صحابية أسلمت بمكة قبل أن يأخذ النساء في الهجرة إلى المدينة، ثم هاجرت وبايعت وقيل : هي أول من هاجر من النساء، وفيها نزلت الآية ﴿ إِذَا جَاءَ كُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَاجِرَاتٍ عَلَيْكُمْ ﴾ (الممتحنة، (۱۰) وقيل : إنها مشت على قدميها من مكة إلى المدينة، فلما قدمت المدينة تزوجها زيد بن حارثة فقتل عنها يوم مؤتة، فتزوجها الزبير بن العوام فولدت له زينب ثم طلقها فتزوجها عبد الرحمن بن عوف فولدت له إبراهيم وحميدا، ومات عنها فتزوجها عمرو بن العاص وعنده ماتت وهي أخت عثمان لأمد...

وهو

وأما المندوب فهو مثل الكذب في الحرب، لقوله عليه السلام (الحرب خُدْعَة)(۱) من شيم الأبطال والشجعان وكذلك كل كذب ينمي إلى خير. وهذا القسم هو الذي يتناوله الحديث الذي نحن بسبيله، لأن الخير مندوب إليه ،ابتداء، وما آل إليه فهو مثله ما لم يخالطه شيء ممنوع شرعاً .

وأما المباح فهو من يعلم شيئاً ثم يحدث بضده ناسياً أو مخطئاً، لقوله عليه السلام) رفع عن أمتي الخطأ والنسيان) (٢) .

وأما المكروه فهو مثل كذب الرجل لامرأته لما جاء في الحديث : أن رجلا سأل رسول الله أكذب لامرأتي ؟ فقال : لا . فقال : أعِدُها؟ فقال نعم (۳). ولأن المقصود بالكذب لها صلاح خاطرها، وذلك يحصل بالوعد ولا حاجة للكذب والوعد ليس من شرطه وقوع الكذب، لأنه محتمل أن يموت هو أو تموت هي أو يع ،الفراق أو يفتح الله عليه فيفي بوعده لها .

وباقي الكذب على عموم حديث الكلوب المعارض لما نحن بسبيله. وقد جاء في الحديث أن الرجل إذا انفلتت منه دابته فأراها المخلاة فظنت أن فيها العلف فأتت فلم تجد شيئاً أنها تسمى كذيبة، يحاسب المرء عليها ) (٤) . هذا مع أن الشارع عليه السلام، قد نهى عن إضاعة المال وترك الدابة مهملة موجب لإضاعتها فناهيك به في غيرها .

ولأهل الصوفة في الحديث دليل لما يفعلونه من المكر بنفوسهم فيعدونها ببعض شهواتها لكي تبلغهم ما يرونه من أفعال الطاعات ثم بعد تبليغها لهم ما أرادوه لا يوفون لها بما اشتهت عليهم إلا أن يأتيهم من غير تسبب فيه ولا عمل عليه، لأن القاعدة عندهم ترك الشهوات، حتى لقد حكي عن بعض فضلائهم أنه اشتهى شهوة فكلف نفسه أنواعاً من العبادات ونذرها أنها إن فعلت ذلك أنالها ما أرادته ففعلت ما كلفها واجتهدت في خلاصه، ثم لما أن فرغت منه كلفها بشيء اخر، ثم كذلك، ثم كذلك، حتى سئمت النفس بالكلية، فعاهدها أنها إن فعلت كذا وكذا من أفعال البر ليأتينها بما أرادت على كل حال .

فلما أن رأت منه العهد قوي رجاؤها في الوفاء، فاجتهدت فيما كلفها من الطاعات حتى أتمتها على ما شرط عليها ، ثم بقي بعد ذلك متردداً لا يدري ما يفعل في أمرها فلم يقدر أن ينيلها

(۱) رواه مسلم في كتاب الجهاد والسير باب جواز الخدع في الحرب عن عمرو وجابر رضي الله عنهما . (۲) سبق تخريجه في الحديث رقم / ۸۳/ . (۳) رواه الإمام مالك في الموطأ في الكلام، باب ما جاء في الصدق والكذب. وإسناده منقطع . (٤) لم نقف على مصدره.

شهوتها فتغلبه بعد سنين في مجاهداتها، ولم يقدر أن يتركها كذلك لئلا تسأم وتكسل عن التعبد . فبينا هو كذلك متردد في أمره لا يدري ما يفعل، فإذا بأخ له يستأذن عليه، فأذن له بالدخول، فإذا هو بتلك الشهوة على المراد فسأله عن ذلك فقال : اشتريته لأكله، ثم جئت به إلى البيت فنمت وتركته ، فرأيت النبي الله الله في المنام يقول لي : اذهب بذلك الطعام إلى أخيك فلان فكله معه

فانظر كيف كان حالهم في شهوة واحدة أفضت بهم إلى هذا الخير العظيم، فكيف بهم أن لو عددت عليهم الشهوات لكانوا يقتلونها في أنواع التعبدات وهي لم تصل بعد إلى طرف من مرغوبها؟ فالوعد للنفس بمرغوبها كالوعد للزوجة بذلك سواء، لأن المقصود صلاحها . ولأجل تقعيد حالهم على هذا الأسلوب كانت نفوسهم أبداً لا تشتهي شيئاً حذراً من إدخال المشاق عليها، لأنها لا تطلب إلا الراحة في وقتها، وإن وقعت لهم شهوة فنادر، حتى إن من وقع له منهم شهوة تسطر في الكتب لندورها. فانظر الكذب للنفس ما أنمى من الخير وما أظهر ولو لم يكن فيه إلا أنها ترتدع عن الشهوات لكان ذلك كافياً، لأن ترك الشهوات هو المعبّر عنه بقرع الباب . والله المستعان . وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

حديث صلح الحديبية

عَن البَراء بن عازب (۱) رضي الله عنهما قالَ : صالح النَّبيُّ ال المُشركينَ يومَ الحُدَيبية (٢) صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أشياء : على أن مَن أتاهُ مِنَ المُشركينَ رَدَهُ إِلَيهِم ، ومَن أتاهُم مِنَ المُسلمينَ لَم يَرُدُّوهُ ، وعلى أن يَدخُلَها مِن قابل (۳) ويُقيم بها ثلاثة أيام، ولا يَدخُلَها إلا بجُلْبَانِ السَّلاحِ : السَّيْفِ والقوس ونَحوِهما . فجاءَ أبو جندل (٥) يَحجُلُ (٦) في قيودِهِ، فَرَدَّهُ إِلَيهِم .

ظاهر الحديث يدل على جواز صلح المسلمين مع المشركين والكلام عليه من وجوه : الوجه الأول: أنه لا يقتصر في أفعال الطاعات على بعض دون بعض وإن كان ما ترك أخفض رتبة مما يفعل ، لأن النبي لو كان في المدينة يقوم بالفرائض على المراد، ويفعل من أفعال البر كله من المرغب فيه والمندوب ما استطاع، لكن لما أن كانت العُمرة مطلوبة في الإيمان لم يتركها، ولم يستغن بغيرها عنها .

الوجه الثاني : المبادرة إلى أفعال البر ابتداء من غير توقف وترك النظر إلى ما يتوقع من الموانع ، لأن النبي لو خرج إلى العمرة، مع أنه متوقع هل يُترك للدخول للطواف بالبيت أم لا؟

(۱) انظر ترجمته في الحديث ٦٦ و ۹۲ .

(۲) يوم الحديبية : يعني غزوة الحديبية، وكانت في ذي القعدة سنة ست من الهجرة وأسباب هذه الغزوة أن رسول الله خرج معتمرا لا يريد حرباً ، وساق معه الهَديَ ، فتعرضت له قريش

(۳) من قابل : أي السنة التالية .

(٤) جُلبان السلاح: جراب من أدم يوضع فيه السيف مغموراً، ويضع فيه الراكب سيفه وأداته . (5) أبو جندل : ابن سهيل بن عمرو . وكان سهيل هو الذي كاتب رسول الله الله يوم الحديبية على المدة وعلى ردّ من جاء الرسول الكريم من قريش وحلفائها. وقد جاء ابنه أبو جندل رسول الله الله مسلماً فرده الرسول الكريم تنفيذا

للعهد، ولحكمة تبينت فيما بعد.

(٦) يخجل: يتمايل في مشيه من قيوده

الوجه الثالث: حسن التلطف في الوصول إلى الطاعات وإن كانت غير واجبة ما لم يكن ذلك ممنوعاً شرعاً ، لأن النبي وأجاب المشركين لما طلبوا منه ، ولم يُظهر لهم ما في النفوس من البغض لهم والكراهية فيهم، لطفاً منه عليه السلام فيما يؤمل من البلوغ إلى الطاعة التي خرج إليها . الوجه الرابع : أن صلح المسلمين مع المشركين لا يجوز إلا بشرط ألا يكون على المؤمنين ذلك حيف من إعطاء مال أو غيره مما هو سبب للإذعان لهم ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم عقد الصلح على أن أتاه من المشركين ردَّه إليهم ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه وعلى أن يدخلها من قابل بِجُلُبَّان السلاح السيف والقوس ونحوه .

في

وهذه الشروط الثلاثة فيها عز للمسلمين، وإن كان يسبق إلى بعض الأذهان غير ذلك، لأنه عليه السلام، لم يعقد الصلح على أن من أتاه من المشركين رده إليهم إلا لشهرة العهد . فمن وقع له إيمان هو يعلم ،بالعهد فيتربص حتى تنقضي أيام العهد ويكتم إيمانه فيها، ثم يخرج بعد انقضائها، وليس في هذا نقص بالمؤمنين، ولأن إسلامهم أيضاً متوقع، ولا يُترك شيء فيه مصلحة يقطع بها لشيء يُرجَى وقوعه، ولأنهم اليوم ممن لا حرمة لهم، فلا يُراعى حقهم، وإن قَوِيَ الإيمان ند أحدهم - أعني من أسلم من مشركي مكة فخرج من بينهم - يجعل الله من أمره فَرَجاً ومخرجاً، لقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (١ ) .

عند

وكذلك وقع لهم لا زيادة ولا نقصان، لأن كل من هرب منهم إلى المدينة فلم يقبله النبي الله للعهد الذي عاهدهم فلم يرجع إلى مكة وإنما كان رجوع كل من وقع له ذلك إلى موضع قريب من مكة، وأعطاهم الله من القوة والشجاعة أوفر نصيب فصاروا بذلك الموضع يقطعون الطريق على المشركين فلم يستطع أحد أن يخرج معهم، فانقطع بهم الداخل والخارج لمكة، حتى إن المشركين أرسلوا إلى النبي الله يسألونه لعله أن يتفضل عليهم بقبول أولئك، ولا يكون ذلك نكثاً في العهد، ففعل عليه السلام ، ذلك ، فجاءهم المخرج والفرج والنصر . وأما الشرط الثاني وهو أن من أتاهم من المسلمين لم يردوه فإنما شرط ذلك لأنه من أتى

إليهم فليس بمسلم وإنما هو مرتد فاشتراط ذلك لا ضرر فيه على المسلمين.

وأما الشرط الثالث فلأنهم لم يشترطوا عليه أن يدخلها بغير سلاح، وإنما أسقطوا له من السلاح الرمح لا غير. والقتال بالسيف والقوس وما أشبههما أنفع في البلد من الرمح، ولأن العرب

أبداً عزهم إنما هو بسيوفهم .

(1) سورة الروم، من الآية ٤٧ .

فهذه الشروط قَدْ بَانَ أنها ليست بنقص في حق المسلمين، فلا يجوز أن يُشتَرَط ما يكون في حقهم نقصاً ،باشتراطه بدليل ما قررناه وقد قال عليه الصلاة والسلام الإسلام) يَعْلُو ولا يُعلَى

عليه) (۱) .

الوجه الخامس : أن الإمام ينظر ما هو الأصلح بالرعيَّة فيفعله، لأن النبي يا الليل لما أن رأى

المصلحة للمسلمين في الرجوع وعقد الصلح فعل. الوجه السادس : ترك الطاعة، وإن شرع فيها إذا كان تركها ،أولى، لكن على وجه تجيزه الشريعة، لأن النبي الله والمسلمين أحرموا بالعمرة، ثم لما أن مُنعوا من البيت ولم يَنَاثَ لهم

الدخول إلا بالقتال تركوا ذلك وعدلوا عنه ، لما هو الأرجح والأولى للمصلحة التي فيه.

الوجه السابع : جواز فسخ الحج والتحلل منه إذا منع العدو من الوصول إلى البيت. لكن هل غير العدو من الأعذار المانعة من الوصول إلى البيت ينزل منزلة العدو أم لا؟ قد اختلف العلماء في ذلك . فمنهم من ذهب إلى أن كل عذر مثله في الحكم. ومنهم من ذهب إلى أن العذر لا يكون إلا بالعدو لا غير ولا يتعدى ولا بد من الإتيان لمكة والتحلل بها إذا كان المانع غير العدو ومنهم من فرق بين أن يكون العذر قوياً أو ضعيفاً، فإن كان قوياً كان حكمه حكم العدو، فيتحلل حيث كان، وإن كان العذر ضعيفاً لم يجز له التحلل إلا بمكة

الوجه الثامن : فيه دليل على حرمة ،مكة، لأنه عليه السلام كان قادراً في وقته على القتال، لكن لما أن عارضه حرمة مكة ترك القتال ورجع إلى الصلح فإن قال قائل : قد دخلها، عليه السلام عنوة. قيل له : قد أخبر عليه السلام أن الله عزّ وجلّ أذن له في ذلك الوقت بعينه لا يتعداه، وأن ذلك على غيره حرام، فقال عليه السلام ، لم تَحِلّ لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار ) (۳). فترك عليه السلام القتال بها قبل الإذن لما جعل الله لها من الحرمة ، وقد قال تعالى وَمَن يُعَظِّمْ شَعَيْرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ) (٤) فتعظيم ما عظم الله كان من البقاع أو من البشر أو مما شاء الله ، زيادة في الإيمان، وقوة في اليقين. الوجه التاسع : أن كل ما يقضي الله تعالى للمؤمنين خير لهم ونصر ، وإن كان ظاهر ما يقع ضد :

(۱) رواه الروياني والدارقطني والبيهقي والضياء في المختارة عن عائذ بن عمرو رضي الله عنه . (۲) التحلل لبس ثياب الحل، ومن المعروف أن المعتمر والحاج يلبسان ثياب الإحرام. (۳) قطعة من حديث أخرجه الإمام أحمد والشيخان وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً، ومطلعه : إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسول الله والمؤمنين، ألا فإنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي

وإنها حلت لي ساعة من نهار الخ ...

ألا

(٤) سورة الحج من الآية ۳۲ .

ذلك، لأن خروج النبي صلى الله عليه وسلم في هذه السفرة، ورجوعه بغير ما إليه قصد، ظاهِرُه أنه رجع بغير نُصرة . وليس كذلك، لأن خروجه عليه السلام لذلك الموضع وعقده الصلح مع المشركين فيه فائدة كبرى، لأن أهل مكة كانوا في الصلح مع اليهود، فلو كان القتال مع المشركين في تلك السنة لكثرت الأعداء على المؤمنين، ولتوالت عليهم من كل جانب، فكان في انعقاد الصلح وترك القتال في هذه السنة مصلحة عظمى، لأنه عليه السلام لما عقد الصلح مع المشركين ورجع قاصداً إلى المدينة صالح اليهود الذين كانوا حلفاء لأهل مكة . فلما انقضى العهد الذي كان بينه عليه السلام وبين أهل مكة بالعمرة التي دخل بها، وكان الفتح بعد ذلك، كان المسلمون قد ازدادوا أضعافاً ، ولم يجد المشركون إذ ذاك من ينصرهم لعقد صلح اليهود مع النبي ، فكان الصلح في هذه السنة المذكورة سبباً للفتح والنصر. وقد نص عليه السلام على ذلك فقال والله لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيراً له) (۱) هو الصادق عليه ( السلام بغير يمين فكيف باليمين؟ ولأجل هذا المعنى والعمل على حصوله حالاً استغرق أهل الصوفة في مراقبة ربهم وتركوا التدبير ) في الأمور ، لشغلهم بتصحيح إيمانهم في كل وقت وحين مع الاستسلام والتفويض نظراً منهم للمعنى الذي ذكرناه لأنه إذا صح الإيمان كان كل ما يجري عليهم من المقدور رحمة بهم وخيراً. ولأجل تحققهم بذلك كان كثير منهم يتنعمون ،بالبلوى، حتى لقد حكي عن بعض فضلائهم أنه مرض بعلة البطن عشرين سنة - وقيل ثلاثين سنة - فدخل عليه بعض إخوانه فرثى لحاله وبكى، فقال له العليل : لا تبك، فإن الملائكة تصافحني . فأخبره أن ذلك البلاء بلاء خيرٍ ومِنّة لا بلاء فتنة ونقمة (٣) .

الوجه العاشر: جواز دخول دار الحرب بالصلح إذا كان في المسلمين قوة، ولهم عُدة وعُصْبة من حيث أن يَأْمَنوا على أنفسهم لأنه عليه السلام دخل مكة - وهي للمشركين - بأصحابه لما أن كانت فيهم العصبية، ولهم القوة والعُدة .

الوجه الحادي عشر : أن الإقامة في دار الحرب تحت الذلة والصغار لا تجوز لأنه عليه

(1) أخرجه الإمام أحمد وأبو نعيم عن أنس رضي الله عنه بلفظ : عجبت للمؤمن إن الله تعالى لم يقض قضاء إلا كان خيرا له وجميع روايات الحديث ليس فيها قسم، كما أورد المؤلف رضي الله عنه .

(۲) التدبير : القيام على الشيء بجد واهتمام، ومنه : تدبير المنزل وتدبير المعيشة .. (۳) كأنه يشير إلى الحديث : عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له. أخرجه الإمام أحمد ومسلم والدارمي وابن حبان عن

صهيب رضي الله عنه .

السلام، لما أن ظهر المشركون عليه أولاً لم يكن ليقعد معهم، وإنما خرج فاراً من بينهم، فلما أن تقوى الإسلام وظهر أصحابه أتاهم وقعد بينهم أيام العمرة لأجل القوة التي كانت في المسلمين، فلم يكونوا تحت ذلة ولا تحت صغار لكافر . الوجه الثاني عشر : أن البقع وغيرها من المخلوقات لا تُترك لذواتها ، وإنما تُتْرَك لأوصاف بها، لأن النبي لم يكن خروجه أولاً من مكة لذاتها، وإنما كان لأجل سكانها . فلما أن ظهر عليه

السلام وقوي على قتال أهلها أتى إليها .

وإلى هذا المعنى أشار أهل الصوفة بترك البقع التي وقعت المعاصي فيها، وليس هذا منهم على العموم، وإنما يحكم بهذا للمبتدىء التائب، لأن من وقعت منه معصية بموضع فالغالب عليه فيها خلطاء السوء ومن لا يُنتفع برؤيته. فإذا هو تاب وبقي معهم قد تكون مجاورته لهم سبباً لرجوعه لما عَهد لأنهم لا يتركونه لما أراد ، لشيطنتهم (۱)، وقد قال تعالى ( شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ ، يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ) (۲) وشيطان الإنس أشد على المرء من شيطان الجن، لأن شيطان الجن قد يزول بالتعوذ (۳) والقراءة وغير ذلك، وشيطان الإنس تتعوذ وهو لم يزل عن تشويشه وتسويله (4)، وهو من صنف الشخص ويأتيه من قبل النصيحة ، فكان أقوى على الفساد من شياطين الجن لأجل

هذه العلة .

فإذا وقعت التوبة فينبغي الخروج من ذلك المحل في الحين خشية ما ذكرناه ثم إن من من الله عليه بالقوة والتمكين لم يضره رجوعه إلى موضعه ذلك، لأنه قلّ أن يستطيع أحد على رجوعه عما هو بسبيله لقوته في طريقه، وتمكنه فيه . والله الموفق .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(1) أي : شيطنة خلطاء السوء. (۲) سورة الأنعام من الآية ۱۱۲

(۳) التعوذ من عاذ بالشيء إذا التجأ إليه واعتصم به وتقول : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أي : أعتصم بالله منه (٤) التسويل: تحبيب الشرّ إلى المرء يقال : سولت له نفسه شيئاً . أو سوله له الشيطان: أغراه به .

حدیث جواز الوصية في الثلث

عَن سَعد بن أبي وقاص (۱) ، رضي الله عَنهُ ، قال : جاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَعُودني (٢) وأنا بمكة، وَهُوَ (۳) يكرَهُ أَن يَموتَ بالأرض التي هاجَرَ مِنها . قالَ: يَرحَمُ الله ابن عفراء (٤) . فَسألتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قُلت : يا رسولَ الله أَوصي بمالي كُلِّهِ؟ قالَ: لاَ قُلتُ : فالشَّطرُ؟ قالَ: لاَ . قُلتُ : فالثُّلُثُ؟ قالَ : الثُّلُثُ . والثُّلُثُ كَثير . إِنَّكَ أن تَدعَ ورَثَتَكَ أغنياء خيرٌ مِن أن تَدعَهُم عالة (٥) يتكَفَّفُونَ (٦) النَّاسَ في أيديهم ، وَإِنَّكَ مَهما أنفَقتَ مِن نفَقَةٍ فإنّها صَدقَة، حَتى اللُّقمةَ ترفَعُها إلى في(۷) امرأتِكَ . وعَسى الله أن يرفعكَ (۸) فَينتفِعَ بِكَ ناس ويُضرَّ بِكَ آخَرونَ. وَلَم يكُن لَهُ يومَئِذٍ إلا ابنة (٩) .

(۱) سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرين بالجنة ، وأحد الستة أصحاب الشورى الذين جعل عمر الخلافة فيهم أو إليهم وهو الخامس عشر من المسلمين أسلم ابن سبع عشرة، وهو أول من رمى في سبيل الله ،سهما، وأول من أراق دماً في سبيل الله ، ومن المهاجرين الأولين إلى المدينة قبل قدوم الرسول صلى الله عليه وسلم إليها . فارس الإسلام. أبلى بلاء حسنا يوم أحد، وكان مجاب الدعوة. كان أمير الجيش الذي هزم الفرس في القادسية وجلولاء وفتح مدائن كسرى وبنى الكوفة وولاه عمر العراق . قال له الرسول يوم أحد فداك أبي وأمي ازم وبعد مقتل عثمان اعتزل الفتن . توفي سنة ٥٥ هـ في قصره بالعقيق على أميال من المدينة، وكفن في جُبَّةٍ لقي فيها المشركين ببدر ، و دفن بالبقيع. رُوِيَ له عن النبي ۲۷۰ حديثا اتفق الشيخان على ١٥ حديثاً . الله (٢) يعودني : يزورني في مرضي. (۳) وهو الضمير محتمل أن يعود على النبي وأن يعود على سعد، وهو الأرجح، فقد أخرج مسلم بلفظ فقال : یا رسول الله خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها كما مات سعد بن خولة .

(٤) ابن عفراء : هو سعد بن خولة . صحابي شهد بدراً ومات في حجة الوداع. وعفراء بنت السكن من بني الخزرج

أم سعد بن زرارة الأنصاري .

(5) عالة : فقراء. ومنه قوله تعالى : ( وَوَجَدَكَ عَابِلًا فَأَغْقَ

(٦) يتكففون : يمدون أكفهم بالمسألة.

(۷) في امرأتك : فم امرأتك . (۸) يرفعك : يطيل عمرك ) وعاش سعد بعد ذلك خمسين سنة ) . (۹) ولم يكن له إلا ابنة : إدراج زيادة) في متن الحديث من الراوي .

ظاهر الحديث يدل على جواز الصدقة بالثلث والمنع فيما عداه . والكلام عليه من وجوه :

الوجه الأول : أن زيارة المريض من السنة ، لأن النبي لا أتى إلى زيارة هذا المريض. الوجه الثاني : جواز زيارة الأعلى للأدنى، وهي من صفات الإيمان، لأن النبي له و لا شك أنه أفضل الناس، ثم إنه أتى في عيادة سعد المذكور. الوجه الثالث : أن الإمام يتفقد أصحابه ويسأل عمن غاب منهم. فمن كان له عذر أخذ فيه بقدر ما يمكنه لحق أُخوَّة الإسلام ولِحَقِّ الصحبة أيضاً، لأنه عليه السلام لولا أنه كان يسأل عن أصحابه ويتفقدهم لما عرف مرض هذا الصحابي حتى يزوره

الوجه الرابع : قوله ( وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها هل الكراهة هنا عائدة من النبي ، أو من سعد المذكور؟ محتمل للوجهين معاً .

الوجه الخامس : أن من ترك شيئاً الله وخرج عنه فليس له الرجوع فيه ويبطل عمله إن رجع ولا يحصل له ثواب عليه لأن من هاجر من مكة إنما كانت هجرته الله ولرسوله ، فلم يتركهم النبي أن يقيموا بموضع خرجوا عنه إلى الله، وكان يخاف عليهم أن يموتوا بها . هذا مع أنهم لا يتعمدون ذلك، وإنما كانت إقامة من أقام لعذر المرض فكيف بالمُتَعَمِّد؟ وعلى هذا فقس. وقد هذا المعنى أحاديث كثيرة صحيحة، ولولا التطويل لذكرْنا منها شيئاً فشيئاً، مع أنه لا يخلو أنا قد أشرنا إلى شيء من ذلك في الكلام على بعض الأحاديث المتقدمة.

جاءت في

الوجه السادس : تذكار الزائر للمريض بالانتقال ) ليصلح حاله من أداء حق إن كان عليه، أو لفعل معروف إن لم يكن عليه حق، ويتهيأ للرحيل، لأنه عليه السلام ذكر هذا المريض حين أتى إليه يعوده بقوله ( يرحم الله ابن عفراء لأن ابن عفراء من المهاجرين مَرض بمكة ومات بها،

الله

فعرَّض له بذكره لكي يتنبه لتبرئة ذمته إن كان بها شيء، ويتهيا للرحيل ففهم عنه ،سعد رضي عنه، ما أراد فقال : أوصي بمالي كله ؟ وذلك يتضمن براءة الذمة، لأنه لا يؤتى إلى المندوب إلا بعد براءة الذمة، فأتى رضي الله عنه بأعلى المندوب، وهو التصدق ، بجميع المال .

الوجه السابع : أن السائل إذا سأل عن شيء ثم مُنع منه ، والمنع يحتمل وجهين أو وجوهاً، فله أن يسأل حتى يتبيّن له المراد بغير احتمال ، لأن سعداً لما سأل النبي لا الهلالي في الوصية بالمال كله ، فمنعه النبي ، احتمل المنع أن يكون عن جميع المال واحتمل أن يكون عن بعض دون بعض ؛ فلما أن احتمل ذلك بقي يسأل عن الشطر والثلث، حتى علم الوجه الممنوع في ذلك بغير احتمال .

(1) أي : أن كل إنسان صائر إلى الموت، ولا بد من الانتقال من هذه الدنيا إلى الآخرة .

الوجه الثامن: قوله عليه السلام الثلث والثلث كثير ) هل الصدقة بجميع الثلث ممنوعة أو هل ذلك جائز؟ قد اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من ذهب إلى المنع حتى ينقص منه، وليس بالقوي . ومنهم من ذهب إلى الكراهة وهو مثل الأول. ومنهم من ذهب إلى الجواز من غير كراهة ، وهو الأظهر ، لأنه جار على سياق الحديث، لأنه عليه السلام لو أراد منع الصدقة بالثلث لقال : لا مثل ما قال قبله. فلما أن عدل عن صيغة النهي إلى صيغة الإذن علم أن ذلك جائز، ولا تعلق للمخالف بقوله عليه السلام والثلث كثير ، لأن وجه الصواب فيه أن يقال أشار عليه السلام

به إلى أن الصدقة نهايتها إلى الثلث، وهو أكثرها وأعلاها، وما دونه ،جائز وما زاد عليه ممنوع. وقد وجه المخالف لذلك توجيهاً آخر وليس بالقوي ويحتاج فيه إلى تأويل مع إخراج اللفظ عن ظاهره ، ولولا التطويل لذكرناه مع أن الشارع عليه السلام، قد نص على ذلك بغير احتمال في حديث غير هذا، فقال ( إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم، تتصدقون به عند موتكم) (۱)

الوجه التاسع : أن ترك المال للورثة إذا كانت لهم به حاجة أفضل من التصدق به على الأجانب، لأنه عليه السلام قال إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم) . العالة هم الذين لا شيء لهم وغيرهم يقوم بهم، ومنه قوله تعالى ( وَوَجَدَكَ

عَابِلا فَأَغْفَ ) (۲) ويتكففون بمعنى يطلبون .

هذا إذا كان للورثة بالمال حاجة. وإن كانوا أغنياء فهو بالخيار في ماله - أعني : في الثلث - إن شاء تصدق به وإن شاء تركه والأفضل الصدقة، لأنه منتقل إلى الآخرة، والله عزّ وجلّ، قد تصدق عليه بالتصرف في الثلث فقال عليه السلام إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم تتصدقون به عند موتكم وليس للورثة به تلك الحاجة الكلية، فالتصدق به أولى، لكن تكون الصدقة للأقرب فالأقرب والأحوج فالأحوج ، لأن الصدقة للأقرب يجتمع فيها شيئان صدقة وصلة .رحم. وذو الحاجة أيضاً فيه فضل آخر لقوله عليه السلام إذا أراد الله بعبد خيراً صادف معروفه حاجة أخيه) (۳) .

والترتيب في الأقارب قد ذكره عليه السلام في غير هذا الحديث حين سأله أحد الصحابة فقال : عندي دينار أتصدق به فقال له تصدق به على زوجتك . فقال : عندي اخر فقال : تصدق به على ولدك . فقال : عندي آخر . فقال : تصدق به على أبويك. فقال : عندي آخر . فقال : تصدق

(1) أخرجه الإمام أحمد عن أبي الدرداء رضي الله عنه بلفظ : إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم .

(۲) سورة الضحى، الآية .۸.

(۳) لم نقف على مصدره .

على خادمك. فقال : عندي آخر . فقال : أنت أبصر بنفسك (۱) ، أو كما قال عليه السلام والقاعدة

أبداً مراعاة القرابة وإن تباعدت، لأن فيها صلة الرحم، وليست كالأجنبي .

ونأتي الآن إلى بحث المال الذي تركه للورثة والذي هو من التصدق به. وقد ذكر بعض العلماء أن ثمانمائة درهم فما دون يكون الورثة بها أولى. ولأجل هذا قالت عائشة ، رضي الله عنها : ( في ثمانمائة درهم نفقة لا تحمل (الوصية تريد أن تركه كله للورثة أولى من أن يوصي ببعضه. ومثل ذلك روي عن علي رضي الله عنه، فيما يقرب من هذا العدد لكن يحتاج إلى إحضار النية في تركه للورثة، وهو أن ينوي أن ما مَنْ به عليه من الصدقة بالثلث في مثل هذا العدد أو ما قاربه صدقة منه على ورثته، وكذلك فيما نقص عن هذا العدد إلى درهم يحتسب ترك ثلثه لهم صدقة عليهم، فيكون قد جمع بين ما أشار الشارع عليه السلام إليه بين قول عائشة وعلي رضي الله عنهما وما ذكرناه من تلك المعاني كلها . الوجه العاشر : قوله عليه السلام) إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم هل تخصيصه له من جهة المخاطبة، أو هذا من جهة الخصوص به؟ وإذا قلنا : من جهة الخصوص فهل ذلك لعلة تعلم أو ليس؟ احتمل الوجهين معاً. فعلى الاحتمال الواحد وهو من طريق المخاطبة فالكلام عليه والفقه فيه كما تقدم. وإن كان على الخصوص فإن كانت العلة غير معلومة فلا بحث . وإن كانت معلومة فما هي؟ فنقول، والله أعلم إن سعداً لم تكن له إلا ابنة واحدة، والمرأة إذا كانت يتيمة ولم يكن لها مال كانت مرغوباً عنها، وإذا كان لها مال كانت مرغوباً فيها، فيكون من أجل ذلك الخير لهذا السيد أن يترك ابنته غنية ولا يتركها عالة على الناس . ويترتب على هذا الفقه أن المرء ينظر الأصلح لورثته فيفعله، ويكون ذلك هو الأقرب له إلى

الله سبحانه وتعالى، والأولى في حق الميت .

وبحث آخر في قوله عليه السلام) مهما أنفقت من نفقة فيه وجهان من الفقه : (الواحد) إخبار له أن كل ما ينفق هو من نفقة فإنه يؤجر عليها، حتى اللقمة يجعلها في فم امرأته فيكون على ماله كله مأجوراً ما تصدق به وما أمسكه . ( والوجه الآخر) فيه تسلية بهذا القول من أجل ما منعه من الصدقة بماله كله من أجل وجع قلبه على فوات ذلك الأجر .

(1) أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ : أن رسول الله الله حت ذات يوم على الصدقة فقال رجل : عندي دينار فقال : تصدق به على نفسك، قال: عندي اخر، قال تصدق به على ولدك قال عندي اخر قال تصدق به على زوجك قال : عندي اخر قال : تصدق به على خادمك ، قال : عندي اخر قال : أنت أبصر .

وعلى كل واحد من هذين الوجهين بحث. أما البحث على كون كل ما ينفقه هو

هل هذا لفضله ودينه وأن النبي علم ذلك إما بوحي، وإما بما رأى منه من قرائن الحـ علل و

ينفق شيئاً إلا على لسان العلم وهو عالم به أيضاً، وكل من هو بهذه الصفة فيكون كذلك. هذا من طريق الوحي فيكون ذلك خاصاً به لما سبق له في علم الله تعالى من السعادة. وإن كان للعلة التي ذكرناها فيكون هذا إرشاداً للمؤمنين بالاستقامة في تصرفاتهم على لسان العلم والعمل. وهذا الأظهر والله أعلم، لأنه وإن كان أخبر بذلك من طريق الوحي فما هو لذاته، بل هو من أجل هذه العلة التي ذكرنا .

والبحث الذي على الوجه الآخر الذي هو التسلية ما الحكمة بأن سلاه بهذه ولم يسله بغيرها؟ فيه إشارة لطيفة، لأنه لما وقع له الخروج عن جميع ماله، ولم يبق إليه ميل، وإنما حبسه من طريق ،أمره عليه السلام له بذلك، فقد زال عنه الحرص المذموم والتعلق المكروه، وما بقي له اشتغال إلا بامتثال ما أمر، فلا يتهم في الادخار وإيثار النفس على الغير من جهة شهوة . وكل من لا ما يكون له تعلق بالمحسوس، وإن كان في يده، فذاك عين الزهد فإن الزهد ليس هو بقلة ذات اليد، وإنما هو بعدم تعلق القلب . فتلك الصيغة دالة على ما هو أعظم منها .

ومِمّا يبين ذلك ما جرى لبعض أهل السلوك بإفريقية كان قد فتح له فيما بينه وبين مولاه حتى خرج عن الدنيا خروجاً جميلاً، وأوقع الله عزّ وجلّ في قلوب أهل زمانه حبه وخدمته، وكان إذا خرج لا يُترك يخرج إلا راكباً، وإذا ركب كان يحصل له من التعظيم حتى لَيُغسل كَفَلُ بغلته بماء الورد لنسبة حاله من ذلك، وهو لا يلتفت إلى شيء من ذلك. وكان بعض أصحابه من الرجال ببلد بالقرب منها يقال لها بَنْزَرْت (۱) ، وكانت له عائلة وكان يتسبب بالورع في صيد الحوت (۲) في البحر بالسنارة، فجاء بعض أصحاب ذلك المتورع المتسبب يزور هذا السيد فرأى ما هو فيه من الإكرام

فبقي يتعجب .

ذا فلما جاء يودع ويرجع قال له : قل لأخي فلان، يعني ذلك السيد المتسبب : كم ذا تتبع الدنيا؟ فزاد الفقير تعجباً . فلما أخبر ذلك الآخر بمقاله سأله بعض الإخوان عن ذلك المعنى الذي أراد هذا السيد أن ينبه به ذلك الأخ المبارك. قال له : عَنَى به أن يُخْلِي قلبه ممّا سوى ،مولاه، لكون تعلقه بالصَّيد قد أخذت كذا ويعجزني كذا فإن هذا ، وإن كان مشروعاً، فإن تعلق القلب به مكروه لأهل

الأحوال، لأنه شغل عن المناجاة والحضور .

(۱) بَنْزَرْت : إحدى مدن تونس الساحلية .

(۲) الحوت : هو السمك بجميع أنواعه في لغة شمال إفريقية وبعض مدن الجزيرة العربية .

الوجه الحادي عشر : قوله عليه السلام وإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة، حتى اللقمة

ترفعها إلى في امرأتك ليس على العموم وإنما ذلك لمن كانت له نية، وإنما أتى عليه السلام بهذا اللفظ على العموم لكونه كان يخاطب هذا الصحابي والصحابي يعلم أن ذلك إنما يكون مع النية، للقاعدة التي تقعدت عنده من قوله عليه السلام (إنما الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى) (۱) ولو كان خطابه عليه السلام لغير الصحابي الذي لا يعلم تلك القاعدة، لَشَرَطَها عليه . يشهد لهذا ما جاء في الحديث أول الكتاب من قوله عليه السلام إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة) (۲). فانظر لما أن أتى بالنفقة على العموم قيدها بالاحتساب، ولما أن أتى بها السعد لم يقيدها عليه، فبان ما قررناه وظهر .

فإن قال قائل : النفقة على المرأة واجبة ولم يكلف ،الشارع عليه السلام، فيها النية، وكل واجب إذا وقع على ما أمر به الشارع عليه السلام، ففي فعله الأجر . قيل له : ليس النزاع في ذلك، لأنا سلمنا أنه إذا أنفق على عياله فقد حصل له أجر الإقامة بالواجب . لكنه لم يدخل في هذه الأفضلية، وهو أن يزاد له على ذلك أجر الصدقة يشهد لما قررناه ،قوله عليه السلام من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه ) (۳) وقيام رمضان مطلوب ابتداء على بابه . فإذا قامه المرء ولم تكن له نية الإيمان والاحتساب فقد امتثل الأمر فيه وحصل له أجر القيام، لكنه لم تحصل له كفارة تلك السنة ، لأن النبي و شرط في الكفارة ألا تكون إلا مع وجود تلك الصفتين. وقد بينا ما معنى الإيمان والاحتساب في الكلام على الحديث أوّل الكتاب. فإذا كان القيام الذي ليس للنفس فيه شهوة ولا حظ وهو من أفعال البر على الإطلاق، لا يحصل فيه ما أشار الشارع عليه السلام إليه إلا بذينك الشرطين فناهيك به في فعل مشترك بين وجوه عديدة، إما للمحبة في الشخص، أو للشهوة، أو للحياء، أو رياء للغير، أو مصادفة من غير قصد، أو للآخرة إلى غير ذلك من الوجوه المتوقعة هناك .

وهذا الوجه قد مال إليه كثير من الفقهاء في التعبد، فكيف به في هذا الأمر؟ فقالوا في رجل خرج إلى البحر يغتسل من الجنابة فلما أن وصل إلى البحر عَزَبَت (٤) عنه النية ووقع الغسل بغير نية، فرَّقوا فيه بين زمن الصيف وزمن الشتاء، فقالوا بالبطلان في زمن الصيف، وبالإجزاء في زمن

(۱) متفق عليه من حديث عمر رضي الله عنه .

(۲) أخرجه الإمام أحمد والشيخان والنسائي وابن حبان عن ابن مسعود رضي الله عنه بلفظ : إذا أنفق الرجل على أهله

نفقة يحتسبها كانت له صدقة .

(۳) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الـ (٤) عَزَبَت بَعدت وخفيت . :

الشتاء ولا ذاك إلا لكون أن الغالب على الناس الاغتسال في الصيف للتبرد. ثم إن المرء إذا أنفق بغير نية إنما يحصل له الأجر في تلك النفقة بقدر الواجب عليه، وما زاد على الواجب بقي أجره متوقفاً على نيته. وكثير من الناس الغالب عليهم الزيادة في النفقة على الواجب . فينبغي انعقاد النية ابتداء حذرا من سقوط هذا الخير العظيم . وفيه من الفقه أنه لا يقتصر به على نفقة المال لا غير، بل هو عام في كل الحركات والسكنات، لأن كل ما يفعله المرء من تحرك وكلام فهو نفقة ونص الحديث عام في كل ذلك، لأنه قال (مهما أنفقت من نفقة وهذا اللفظ يفيد العموم في كل النفقات. وهذا العموم كعموم قوله تعالى ( لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) (۱) يشهد لما قررناه أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل هنا اللقمة يرفعها الرجل إلى في امرأته صدقة، وجعل في حديث آخر لقاء المؤمن لأخيه ببشاشة الوجه صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة (۲) ، إلى غير ذلك مما جاء في هذا المعنى، فقد استوى في المعنى إنفاق المال وغيره. لكن في هذه النفقات ،تفصيل وهو أن نفقة المال تكون في مرضاة الله وفي سبيل البر والخيرات ونفقة البدن العبادة على الدوام ونفقة اللسان دوام الذكر والتلاوة، ونفقة العينين نظرهما بالاعتبار ودراسة العلوم والقرآن ثم بهذه النسبة في جميع الأعضاء لكل منها نفقته بحسب ما يليق به وما هو وظيفته.

ولأجل التحقيق بهذه المعاني التي أبرزناها والفوائد التي قررناها فَضَلَ أهل الصوفة غيرهم لكونهم احتسبوا أنفسهم وأموالهم وأهليهم الله لا لغيره، تعلقاً منهم بهذا الحديث ؛ إذ إن كل ما ينفقه المرء فهو صدقة . فهم قد أنفقوا جميع ما لديهم، كان ذلك من كلام أو صمت أو نوم أو غير ذلك، لا يتنفسون بنفس إلا بحضور وأدب ينظرون ما عليهم فيه من الوظيفة وما هو الأقرب إلى الله تعالى، فيبادرون إليه بإسراع وإجابة لقوله تعالى أُوْلَيْكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ هم أَقْرَبُ ﴾ (۳) فمن يراهم يتصرفون في المباحات يظن أن ذلك مباح على بابه، وليس كذلك، لأنهم لا يفعلون فعلاً حتى يحتسبوه الله تعالى، على ما قررناه .

حتى (لقد حكي ) عن بعضهم أنه كان يُسأل فيسكت ساعة ثم يجيب . فسئل عن ذلك . فقال : أنظر أيما خير لي هل السكوت أو الكلام؟ وقد يكون بعضهم له من الحضور ما هو أشد من هذا

(1) سورة ال عمران من الآية ۹۲

(۲) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ولفظه : كل سُلامَى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل على دابته فتحمله عليها أو ترفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة .

(۳) سورة الإسراء من الآية ٥٧ .

فيعرف عند الخطاب ما هو الأفضل له فيعمل عليه من غير أن يقع منه سكوت بعد السؤال، وصاحب هذا الحال هو الكبريت الأحمر والسيد الأعظم. فمن يراهم يلبسون الحسن من الثياب ويأكلون الطيب من الطعام ويتحدثون مع الإخوان، ويأخذون راحة، يظن أن ذلك من جملة المباح ، وليس عندهم فرق بين هذه الأشياء والتعبد، بدليل ما قررناه .

يؤيد ذلك حديث معاذ الذي قال فيه وأحتسب نؤمتي كما أحتسب قَوْمتي فشهد له النبي بالفقه والأفضلية ، وقول عمر ، رضي الله عنه ، (إني لأتزوج النساء ومالي إليهن حاجة، وأطأهنَّ ومالي إليهن شهوة. فقيل له : ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: رجاءَ أن يُخرج الله من ظهري من يُكثر به محمّد الأمم يوم القيامة). أعاد الله علينا من بركاتهم، ومَنَّ الله علينا مما به منّ عليهم . وقوله عليه السلام (عسى الله أن يرفعك فينتفع بك ناس ويُضَرَّ بك (اخرون هل هذا بمعنى الدعاء له بالرفعة في الدنيا، أو هو بمعنى أن ينسىء الله في أجله فيكون بمعنى الدعاء بطول الحياة؟ احتمل الوجهين معاً على الانفراد واحتمل مجموعهما، لأن كل واحد من هذين لهذا السيد يتضمن الآخر، فإنه إذا عاش من هو مثل هذا السيد فقد ارتفع به أهل الحق ، وقد ذل به أهل الباطل وإن كان يريد رفعة في الدنيا فالحياة من ،لازمها وفي اجتماع هذين المعنيين في هذه الصيغة دليل على ما من به على سيدنا من الفصاحة والبلاغة .

فأما الانتفاع فظاهر، لأن المؤمن رحمة حيثما حل، وأما الضر فيحتاج إلى بيانه، وذلك أنه، عليه السلام، أتى بلفظ (الناس) وهو عام في المسلم والمنافق والكافر، ولا شيء أشد ضرراً على المنافق والكافر من المؤمن لأنه مأمور بعداوتهم ومقاتلتهم، وقد وقع الأمر لهذا السيد المذكور على ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم لا زيادة ولا نقصان فعاش بعد ذلك، وطالت حياته، فانتفع به كثير من الناس، وتضرّر به آخرون ممن قدر عليه بذلك ) . وكذلك هم الفضلاء أبداً ينتفع بهم من أراد الله سعادته، ويضر بهم من سبقت عليه ،الشقاوة ولأنهم حجة الله وأنصار الدين .

وفيه دليل على أن السنة في المريض أن يُفسح له في العمر (۲)، لأن قوله عليه السلام) عسى) الله أن يرفعك فيه دعاء له بالبقاء وإفساح له في العمر. لكن ذلك بشرط يشترط فيه وهو أن يكون المريض ممن يكون فيه أهلية للخير، أو يرجى ذلك فيه تحرزاً ، لئلا يكون فاسقاً أو ظالماً أو ممن فيه

(۱) ذكرنا في ترجمة سعد رضي الله عنه أنه عاش بعد تلك الوعكة خمسين عاماً وأنه فتح بلاد فارس وهدم عرش كسرى ونشر الإسلام في شرق اسيا . (۲) في الحديث ۱۱۹ ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا دخلتم على مريض فنفسوا له في أجله، فإن ذلك لا يرد شيئاً،

ويطيب نفسه . .

ضرر على المسلمين لقوله عليه السلام حين سمع أحد الصحابة يقول للمنافق (يا سيد) فقال عليه السلام ( إن أردت أن يكون هذا سيداً فقد أحببت أن يُعصَى الله)(۱) أو كما قال، وقد قال، عليه السلام: (إذا مات المنافق استراح منه البلاد والعباد) () أو كما قال، والله الموفق . (٢) .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(1) أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن بريدة رضي الله عنه بلفظ : لا تقولوا للمنافق سيدنا فإنه إن يكن

سيدكم فقد أسخطتم ربكم . (۲) جاء في هذا المعنى أنه مرت جنازة أمام رسول الله ... فقال : مستريح ومستراح منه . فقالوا: يا رسول الله ، من المستريح والمستراح منه ؟ فقال : العبد المؤمن يستريح من نَصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله ، والمستراح منه العبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب. متفق عليه من حديث أبي قتادة بن ربعي رضي الله عنه .

حديث إنذار العشيرة

عَن أبي هريرةَ، رضيَ الله عَنهُ قالَ: قالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم حينَ أنزلَ اللهُ ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين ) (۱) قال : يا معشرَ قُريش - أو كلمةٌ نَحوَها - اشتَرُوا أَنفُسَكُم، لا أغني عنكُم مِنَ الله شَيْئاً. يا بني عبد منافٍ لا أُغْني عنكُم مِنَ الله شَيْئاً . يا عبّاسُ بن عَبدِ المطلب، لا أُغني عَنكَ مِنَ الله شَيْئاً . يا صَفِيَّةٌ عمّةَ رَسولِ الله ، لا أُعْني عَنكِ مِنَ الله شيئاً . يا فاطِمَةُ بنتَ مُحمّدٍ ، سليني مِن مالي ما شئتِ ، لا أُغْنى عَنكِ مِنَ اللَّهُ شَيئاً .

ظاهر الحديث يدل على الإنذار للقرابة خصوصاً. والكلام عليه من وجوه :

الوجه الأول : لقائل أن يقول : لم أمر الله عزّ وجلّ بالإنذار للقرابة دون غيرهم؟ (الجواب عنه أن الله عزّ وجلّ قد أمر بالإنذار لجميع الناس في غير هذه الآية، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ . قُرْ فَأَنذِرْ (۲). ثم أمر بعد الإنذار العام بالإنذار للقرابة تخصيصاً لهم وتكريماً، ومنه قوله تعالى ( مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَبِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَنلَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَفِرِينَ) (۳) فخصص ذكر جبريل وميكائيل لشرفهما . وكذلك تخصيص القرابة هنا من هذا الوجه والله أعلم. وقد يحتمل أن يكون إنذارهم سدّاً للذريعة لئلا يقع عند أحد أن القرابة ليست في التكليف كالأجانب لحرمتهم، لأنه بعد نزول هذه الآية ووضوحها قد وقع ذلك في النفوس . فإنه قد روي أن رجلاً سأل عليّاً ، رضي الله عنه : هل خصكم رسولُ الله أهل البيت بشيء؟ صلى الله عليه وسلم

(۱) سورة الشعراء ، الآية ٢١٤ . (۲) سورة المدثر الايتان ۱ و ۲ . (۳) سورة البقرة، الآية ۹۸

فأجاب رضي

الله عنه بأن قال : (لَمْ يخصنا إلا بالا نأكل صدقة وألا تنزُوَ الحُمُرُ على الخيل، ومن فتح الله له فهماً في كتاب الله تعالى) أو كلاماً هذا معناه (۱) .

وهذا يدل على أن تخصيصهم بالإنذار تكرمة في حقهم لأن التكليف ـ على ما يقوله العلماء - هو نفس الرحمة لمن سبقت له السعادة، ولذلك شدد عليهم في التكليف، فحرم عليهم ما تقدم ذكره، وهو لم يحرم على غيرهم لترتفع درجتهم، ولتعلم خصوصيتهم.

و وجه آخر أيضاً : أن يكون معنى قوله لا أغني) معناه : الإجزاء. والإجزاء هو ما يتخلص به المرء ولا عتب عليه ويعارضنا حديث الشفاعة والشفاعة لا تكون إلا لمن عليه العتب واستوجب العذاب ولذلك قال عليه السلام) اختبأت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)) . فلا

تعارض بينهما .

وفيه دليل على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة لأن الآية عامة احتملت الكافر من عشيرته وغير الكافر، وما أنذره من عشيرته إلا المؤمنين لأن عمومته كانوا فوق العشرة وما أسلم منهم إلا حمزة والعباس. ولا شك أن جميع العمومة من أقرب العشيرة، ولم يكلم منهم إلا

المؤمنين .

وفيه دليل على أن رؤية أهل الفضل من العلماء والصالحين ومخالطتهم لا تنفع إلا إذا وقع الاقتداء بهم، وكيفما كان الاقتداء كانت النسبة للقرب أكثر ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقرابته ما قال في الحديث. ثم إن ،فاطمة رضي الله عنها، التي هي منه بتلك المزية الكبرى وقال فيها عليه السلام (يريبني ما رابها وفاطمة بضعة مني ) (۳) ، قال لها : (لا أُغْني عنكِ من الله شيئا . فإذا كان هذا النبي

(۱) تنزو نزا :الفحل وثَبَ . كذا ذكر ابن أبي جمرة رضي الله عنه ، ويبدو أنه جمع في كلامه معنى حديثين اثنين . الأول - كما ورد في الصحيح - أن علياً كرم الله وجهه لما سئل : هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء؟ فقال : لا ، إلا كتاب الله تعالى وما في هذه الصحيفة قال وما في هذه الصحيفة ؟ قال العقل وفكاك الأسير وألا يُقتل مسلم

بكافر .

والثاني - كما ورد في البخاري ومسلم ومسند الإمام أحمد والسنن - عن علي كرم الله وجهه قال : قال لي النبي يا علي أسبغ الوضوء وإن شقّ عليك، ولا تأكل ،الصدقة، ولا تَنزُ الحُمُر على الخيل ، ولا تجالس أصحاب

النجوم .

(۲) للحديث روايات عدة غير ما ذكر المؤلف رحمه الله منها : إني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة (رواية مسلم ومنها : لكل نبي دعوة قد دعا بها في أمته، وإني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة (رواية البخاري

ومسلم). ومنها : شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي (رواية الإمام أحمد وأبي داود والنسائي وابن حبان والحاكم). (۳) بَضعة مني : جزء مني . ولفظ الحديث عن المسور بن مخرمة قال : سمعت النبي لا يقول وهو على المنبر : إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن يُنكحوا علي بن أبي طالب ابنتهم . فلا اذن لهم، ثم لا اذن لهم إلا أن يريد بن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم فإنما هي بَضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها .

الذي هو أعظم البشر حرمة وتفضيلاً، وله الشفاعتان العظيمتان العامة والخاصة(۱)، فكيف بغيره من الأولياء والصالحين؟

ولا يتوهم متوهم أن ما ذكرناه هنا معارض لما جاء أن الرجل يشفع في أهل بيته وأن الرجل يشفع في عشيرته، وأن الرجل يشفع في مثل عدد ربيعة ومضر ) (۲) لأنا نقول : هذه الشفاعة إنما هي لمن يشاء الله الشفاعة له، لقوله تعالى ﴿ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) (۳) فلعل هذا المتعلق بهذا السيد، لعله أن يشفع له يكون ممن أراد الله ألا يشفعه فيه، وإن كان يشفع في مثل ما قد تقدم . وإنما المقطوع فيه بالنجاة أفعال الأوامر لقوله عليه السلام من أتى بهن ولم يُضيع منهن شيئاً استخفافاً بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ) (٤) . فليس ما هو مقطوع به بالوعد الجميل كالمحتمل فعلى هذا فينبغى للمعاين لهم التعلق بالله والتشبه بهم، ولا يعتمد عليهم ويترك التعلق بالله فإن أحداً لا يغني عن أحد شيئاً وإنما جعلهم الله عوناً على الخير وسبباً للرحمة، فإن كان المرء على هذا الحال فهي السعادة العظمى وإلا فلسان الحال قائم عليه بالإنذار، يشهد لذلك قوله عزّ وجلّ قُلْ يَتَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ) (٥)

وقوله (يا معشر قريش - أو كلمة نحوها - هذا شك من الراوي هل قال النبي هذه اللفظة

التي هي (يا معشر قريش أو ما في معناها؟

وفيه دليل على التحرز من الكذب والتحري في الصدق، لأنه لما اشتبه عليه ما قاله النبي الالالالالا

أبدى ذلك، ولم يقتصر على كلمة واحدة لا غير.

وقوله عليه السلام (اشتروا أنفسكم) يرد عليه سؤال وهو أن يقال : ذكر عليه السلام الشراء ولم يعين الثمن الذي يشتري به وأيضاً فكيف يشتري الإنسان نفسه؟

(۱) الشفاعتان شفاعته للناس جميعاً لبدء حسابهم، وهي العامة وشفاعته للمسلمين، وتلك هي الخاصة. مؤلف من أكثر من حديث أحدها ليدخلن الجنة بشفاعة رجل ليس بنبي مثل الحيَّين ربيعة ومضر. (رواه) الإمام أحمد والطبراني والبيهقي عن أبي أمامة وثانيها : إن من أمتي من يدخل الجنة بشفاعته أكثر من مضر (أخرجه الحاكم وصححه على شرط مسلم ۷۰/۱ عن الحارث بن أقيش. وثالثها: يقال للرجل : قم يا فلان فاشفع، فيقوم الرجل فيشفع للقبيلة ولأهل البيت وللرجل وللرجلين على قدر عمله رواه البيهقي عن ابن عمر

رضي الله عنهما . )

(۳) سورة البقرة من الآية ٢٥٥ .

(٤) رواه الإمام مالك والإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وأوله : خمس صلوات كتبهن الله على العباد ، فمن جاء بهن الخ . .

(٥) سورة ال عمران من الاية ٦٤ .

(والجواب عنه أنه عليه السلام إنما لم يعين الثمن للعلم به في الكتاب وهو قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم ) (١) الآية . وأما الشراء فإنه يسوغ أن يُطلق على البائع والمبتاع لأن كل واحد منهما في الحقيقة بائع ومُشْتَرِ . فالمؤمن الحقيقي ليس له في نفسه شيء، وإنما هو عليها ،أمين مثل الوصي على اليتيم ينفق عليه بالمعروف ولا يتعداه، لأن المؤمن قد باع نفسه فليس له فيها ملك، وإنما هي ملك للمولى سبحانه وتعالى، وتركها عنده على سبيل الأمانة، فقيل له : افعل لا تفعل فهو يمشي على ذلك الأسلوب لا يتعداه، فإن أخل بشيء مما أمر به ونُهي عنه فيها فقد وقعت منه الخيانة في الأمانة التي اؤتمن عليها فيحتاج عند وقوع الخيانة أن يعترف لصاحب الأمانة بفعله الذميم ويتوب إليه مما ارتكب من الخيانة ما دام يجد لذلك سبيلاً، فلعله أن يعفو عنه فيما مضى، ويتداركه بالإعانة على حسن الأمانة فيما بقي . ولأهل الصوفة فيما نحن بسبيله من الآي والحديث الحجة البالغة والأدلة القاطعة، إذ إن أول شرط عندهم بعد الزهد قتل النفس ومعنى قتل النفس عندهم ما نحن بسبيله بيعها من الله ، واتباع أمره فيها في كل أحوالها، وترك حظوظها . ولأجل هذه القاعدة التي قعدوا عليها ابتداء أمرهم كانوا في أفعال البر لهم القدم السَّبق، وكانوا فيما يُجري الله عليهم في الدنيا من المقدور من ابتلاء أو نعماء راضين مستسلمين لا يعترضون ولا يدبرون، لأنهم يرون أنهم ليس لهم في نفوسهم شيء حتى يريحوها من خدمة من اشتراها منهم ويرون أن رَبَّ الشيء وصاحبه هو أولى بالتدبير فيه والنظر، وتدبير غيره ونظره من الفضول فهم الذين حصل لهم من ميراث نبيهم أوفر ،نصيب لأنه عليه السلام كان لا يستنصر لنفسه، فإذا رأى حرمة من حرم الله تُنتهك كان أسرع الناس إليها نُصرة. وهم ماشون على هذا الأسلوب، كما قررناه . ومما يشهد لذلك ما حكي عن بعض فضلائهم وهو إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه أن سائلاً سأله : أي الأيام كان أسرّ عليك؟ فقال: يوم نتفت لحيتي. فانظر مع أنه كان له مُلْكُ خراسان والعراق لم يمرّ عليه يوم أسَرّ مما ذكر . وما ذاك إلا لكونه حصل له فيه من الميراث الذي قدمنا ذكره نصيب، لأن نتف اللحية مما لا تصبر النفس عليه في الغالب، وتأخذ بالثأر، وتطلب النصرة بكل ممكن ،يمكنها، لما يلحقها. فلما أن فَعِل به ذلك، وبقيت نفسه حين الفعل راضية مستسلمة، سُرّ بذلك لأجل هذه الصفة التي تحصلت له لا للفعل نفسه هذا حالهم في ترك الاستنصار للنفس

والرضاء والتسليم.

(۱) سورة التوبة، من الآية ۱۱۱ . (۲) إبراهيم بن أدهم (ت ١٦١ هـ / ۷۷۸م زاهد مشهور ، أبوه من أغنياء بلخ، جال في العراق والشام والحجاز وأخذ عن كثير من علمائها عاصر سفيان الثوري وله معه صحبة وأخبار. انظر ترجمته في الحديث (۱) والطبقات الكبرى ٥٩/١ .

وأما حالهم في الطرف الآخر - وهو غضبهم ونصرتهم لأمر الله - فيشهد لذلك ما حكي عن

بعض فضلائهم أنه مر يهودي من أهل الذمة وجماعة من المسلمين قد اجتمعوا على ظلمه، فردَّ يده على ما كان عنده من السلاح وقال : والله لا أترك ذمة محمّد تخفر وأنا حي. فخلصه من بين

أيديهم . ومثل هذا عنهم كثير .

وقوله عليه السلام يا بني عبد مناف إلى قوله ويا (فاطمة) يرد عليه سؤالان، وهما يتضمنان أسئلة جَمَّة، وهو أن يقال : لم ،خص عليه السلام العباس بتعيينه عن غيره من الرجال؟ ولم خص صفية عن غيرها من النسوة بالتعيين؟ وكذلك في فاطمة لِمَ عيّنها عن أخواتها؟ ولم ذكر لفاطمة اسمه وذكر الصفية الرسالة ؟ ولم يذكر فيما قبل اسماً ولا رسالة؟

(والجواب) عن الأول أن تعيين العباس عن غيره من الرجال فيه من المعنى ما تقدم في تخصيص القرابة بالإنذار فلما أن كان العباس عمه كان الإنذار إليه تخصيصاً ليمتاز بذلك عن غيره ومن كان في درجته في القرابة يحصل له الإنذار في ضمن الإنذار للعباس، وكذلك الجواب عن تعيين صفية عن غيرها من النسوة، وكذلك الجواب على تعيين فاطمة دون أخواتها . (والجواب عن الثاني وهو أنه عليه السلام إنما لم يذكر أولاً اسماً ولا رسالة لأنه قام في الإنذار اتباعاً لصيغة الأمر، وإنما ذكر الرسالة لصفية إزالة لما يقع في بعض الأذهان الفاسدة من رفع الرسالة أو بعضها لما يتوهم من عموم قوله (لا أغني عنكم من الله شيئاً). وإنما خص فاطمة بالاسم دون أخواتها لكي تقع الموافقة في الاسم، كما هي في المعنى، لأنه عليه السلام قال: (هي) بضعة مني) . فكما ذكر اسمها ذكر اسمه .

وقوله عليه السلام لفاطمة سليني) من ما لي ما شئتِ فيه دليل على أن النيابة والإعطاء فيما عدا الدين سائغة، وفي أعمال الدين ممنوعة وبه يستدل مالك رحمه الله تعالى، حيث يقول : إن أعمال الأبدان لا ينوب فيها أحد عن أحد، لأن الإنذار هنا تحضيض على القيام بالأمر والنهي لقوله عليه السلام) اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا) . فالشراء هنا عبارة عن القيام

بالأمر والنهي .

وقوله بعد ذلك سليني من ما لي ما شئت) دال على أن النيابة في أعمال الدين لا تجوز ولو جاز ذلك لكان عليه السلام يتحمل عنها وعن غيرها من أهله بما يخلصهم .به. فإذا كان هو عليه السلام، لم ينب في ذلك عن غيره فمن باب أولى الغير .

ولقائل أن يقول : لم ،خص عليه السلام ،فاطمة رضي الله عنها ، بأن قال لها (سليني من ما

لي ما شئت، ولم يقل ذلك لصفية ولا لمن تقدمها بالذكر؟

(والجواب عنه من وجهين (الوجه الأول أنه عليه السلام إنما خص فاطمة بذلك من

جهة صغر سنها، لأن ما قاله فيه للسامع رُغب عند الإخبار به ابتداء، فأزال، عليه السلام، عن فاطمة ما يلحقها من ذلك لطفاً منه بها ورحمة ، لأنه ليس جلدها كجلد الكبير الوجه الثاني) وهو الأظهر أن قوله عليه السلام لفاطمة رضي الله عنها سليني من مالي ما شئتِ لا أغني عنك من الله شيئاً فيه إشعار للغير وإبلاغ له في الإنذار، لأنهم يقولون : هذه هي فاطمة التي هي منه حيث هي، وأخبرها بأنه يفعل لها ما تطلبه منه عدا أعمال الدين لا يقدر لها على رفع شيء منه عنها. فكيف بذلك في غيرها؟ فبمتضمن هذا الكلام يحصل الإبلاغ في الإنذار للغير. والله عزّ وجلّ أعلم.

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

حديث جواز استعمال بهيمة الصدقة للضرورة

عَن أبي هريرةَ رضي الله عَنْهُ أَنَّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم رأى رجُلاً يَسوقُ بَدَنَةٌ (١) ، فَقال : اركبها . فقال : يا رسولَ الله إنَّها بدنَة . فَقالَ : اركبها ، وَيْلَك (٢) أو ويحك (٣) ، في الثانية أو

في الثالثَةِ (٤) .

ظاهر الحديث يدل على جواز ركوب البدنة للضرورة والكلام عليه من وجوه

الوجه الأول: أن الإمام ينظر في حال رعيته ويدبر أمرهم لأنه لولا أن النبي يا ليل ولو كان يتفقد أصحابه بالنظر لما رأى صاحب البدنة فأمره بركوبها، وقد قال عليه السلام (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) وعلى هذا المنهاج سار الخلفاء، رضي الله عنهم، بعده . يشهد لذلك ما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقد بعض أصحابه من صلاة الصبح ، فلما أصبح مرّ على أمه فسألها عنه . وليس هذا مقتصراً على الإمام وحده لا غير، بل هو عام في كل الناس عن آخرهم، وقد بينا عموم ذلك في الكلام على قوله عليه السلام (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) . الوجه الثاني : أن الضرورة لها حكم يختص بها ويباح لأجلها ما يمنع في غيرها، لأن ركوب البدنة ممنوع شرعاً، فلما أن أدّت الضرورة إلى ركوبها ، لكون صاحبها لم يكن له مركوب أباح الشارع عليه السلام ذلك. لكن يشترط في الضرورة أن تكون ضرورة شرعية، وأن ما يستباح لأجلها قد اغتفره الشارع عليه السلام في مثلها . فإن عُدِم هذا الشرط فلا تجوز الإباحة .

(۱) بدنة : ناقة أو بقرة تنحر بمكة قرباناً الله تعالى.

(۲) ويلك : الوَيْل : كلمة تقال لكل من وقع في عذاب أو هَلَكة. وأصل الويل في اللغة : العذاب والهلاك . (۳) ويحك : الوَيْح : كلمة تقال رحمة لمن تنزل به بلية. وتضاف ( ويل) و (ويح) إلى ضمير أو اسم صريح وتنصبان

على إضمار فعل .

(٤) يعني أن الرجل كرّر كلامه وأجابه النبي عليه السلام

الوجه الثالث : جواز المراجعة لأهل الفضل إذا لم يفهم المخاطب ما قيل له لأن صاحب البدنة لما أن قال له النبي الله : ( اركبها ) احتمل عمـ هل يكون النبي لا لا لا اعلم أنها بدنة أو لم يعلم ؟ النهي عن الركوب لها، فراجع لأجل ذلك الاحتمال حتى فهم ما أراده النبي . .

وقد تقرر عنده

لكن تكون المراجعة لهم بتأدب ووقار، لأن هذا الصحابي رضي الله عنه سأل بتأدب واحترام فلم يقل له : إنك قد نهيت عن ركوب البدنة، ولكن ناداه بأحب الأسماء إليه وهو (رسول الله، ثم قال له : إنها بدنة سؤال استرشاد وتعلم. وإنما زاد على الاثنتين ـ إن كان زادها ـ لكونه احتمل عنده هل سمع النبي و ما قال أو لم يسمع . فأعاد الثالثة لكي يزيل عنه ما يتخيل من ذلك، وإنما الله . قال له النبي : (وَيْلك) في آخر الكلام لكي يُعلمه أنه سمع منه ما قال. وقد تقرر أن دعاء النبي على أمته دعاء لهم، لادعاء عليهم، كما تقدم في الأحاديث قبل .

الوجه الرابع : ما الحكمة في تقليد (۱) البدنة ،وإشعارها، وذلك شهرةٌ لها، وقد تقرر من

الشرع، على ما نقله العلماء، أن الأفضل فيما عدا الفرائض هو الإخفاء؟ والجواب من وجوه (الوجه الأول) إن من العلماء من يقول : إن أمور الحج كلها ،فرض فعلى هذا فالأمر على

بابه .

الوجه الثاني) أن سنن الحج كلها بخلاف غيرها، لأنها ظاهرة فالحكمة بأن جعلت ظاهرة ليكون الأمر متناسباً .

(الوجه الثالث أن بالتقليد وَجَبَت، فجعل علماً على وجوبها لهذه الفائدة بكون ذلك العلم فيه قطعاً للنفس من الطمع في الرجوع فيها، فيكون فيه معنى من باب سد الذريعة. وقد تكون واجبة بنذر أو غيره، فيكون ذلك علماً لها من أجل ما ذكرناه، ومن أجل ألا تختلط مع غيرها . وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) التقليد : وضع قلادة أو علامة في العنق .

حديث جواز الصدقة عن الميت ووصول ثوابها إليه

عَنِ ابن عبّاس رضيَ الله عَنهُما ، أنّ سَعدَ بن عُبادة (۱) تُوفِّيَت أُمُّهُ وَهُوَ غائِب عَنها . فَقالَ: يا رَسولَ الله ، إن أُمي تُوفِّيت وأنا غائب عنها، أينفعها شَيْءٌ إِنْ تصدَّقتُ به عَنها؟ قالَ : نعم . قالَ : فإنّي أشْهِدُكَ أنَّ حائطي (٢) المخرافَ (٣) صَدقَةٌ عَنها .

ظاهر الحديث يدل على جواز الصدقة عن الميت، وأن ثواب ذلك يصل إليه . والكلام عليه

من وجوه :

الوجه الأول : السؤال للعالم عند الجهل وتركُ الحكم بالرأي ، لأن هذا الصحابي رضي الله ، عنه، لما أن لم يكن له علم هل تنفع صدقته بتلك النية التي أراد أم لا؟ لم يُقدم عليها برأيه، وإنما سأل النبي . وحينئذ أقدم على الفعل بعد العلم بالحكم .

الوجه الثاني : فيه دليل على جواز السفر بحضرة الأبوين، لأن هذا الصحابي، رضي الله عنه ، سافر وأمه بالحياة. لكن يشترط فيه إذن الأبوين. وقد تكلم الفقهاء في ذلك. وإنما سكت عن الإخبار بالإذن في هذا الحديث للعلم به .

الوجه الثالث: أن بر الوالدين مطلوب بعد مماتهما، لأن الصدقة عنهما من ذلك الباب. وقد صرح ،الشارع عليه السلام، بذلك في غير هذا الحديث، حين سأله بعض الصحابة عن ذلك فقال

(۱) سعد بن عبادة : سلفت ترجمته في الحديثين : ۲۸ و ۱۱۹ .

(۲) الحائط : البستان .

(۳) المخراف اسم للبستان أو صيغة مبالغة للبستان الذي يثمر من ثمر النخيل وفي بعض الروايات (المَحْرَف)

وهو حائط النخيل الذي يُخرَف (يُجتنى) منه الرُّطب .

له : أن تُنفِذ وصيّتهما ، وتَبَرّ صديقهما (۱) . فقد يكون المرء عاقاً في حياة الأبوين، باراً لهما في الممات، وقد يكون بالعكس.

الوجه الرابع : فيه دليل على أن الأفضل المسارعة إلى أفعال البر إذا علمت حتى يكون العلم مستصحباً بالعمل، لأن هذا ،الصحابي رضي الـ عنه ، لما أن أخبره النبي الله بجواز الصدقة ، وعلم أن له فيها الأجر أخرجها من حينه، فأشهد النبي على صدقته . وعلى هذا الأسلوب كان حال الصحابة رضي الله عنهم، مهما زاد أحدهم في علمه ظهرت في عمله، حتى إنهم كانوا يعرفون زيادة علم الإنسان في عمله وكذلك التابعون بإحسان إلى يوم الدين لأن العلم مع ترك العمل حجة ووبال على صاحبه .

الوجه الخامس : فيه دليل على الإشهاد بالصدقة، لأن هذا الصحابي رضي الله عنه أشهد النبي على صدقته. والحكمة في ذلك اغتنام صدق النية في العمل حين حصول العلم فيبت الأمر لتُؤْمَنَ غائلة النفس ومكر العدو (۲) ، وقد جاء في الحديث (إن المرء لا يتصدق بصدقة حتى يفك بها لَحْيَيْ سبعين شيطانا) (۳)

الوجه السادس : فيه دليل على أن إظهار الصدقة في مثل هذا الموضع أفضل من إخفائها، لأن هذا الصحابي، رضي الله عنه، قد أظهر صدقته هنا ولم يخفها والحكمة في ذلك ما ذكرنا في الوجه قبله - وهو اغتنام صدق النية - لأنه حصل له صدق النية عند الإخبار، فاغتنمها لما جاء (أوقع الله أجره على قدر نيته) (٤) . فلما حصل له صدق النية عند الإخبار لم يترك الحاصل لِلْمُمكن . والحاصل هو صدق النية في هذا الوقت والممكن هو ما في صدقة الإخفاء من الأجر، لأنه جاء فيه تحضيض كثير من الشارع عليه السلام، وبالغ في التحضيض على ذلك حين قال (حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) (٥) ، فدل بهذا أن حسن النية في الصدقة مع الإظهار أفضل من ضعف النية

(1) أخرج أبو داود وابن ماجه عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي قال : بينا نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل من بني سَلِمة فقال : يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما بعد موتهما؟ قال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما وصلة الرَّحِم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما . (إنفاذ عهدهما أي إمضاء وصيتهما وما عهدا به قبل موتهما . (٢) أي : الشيطان. (۳) أخرجه الإمام أحمد والبزار والطبراني وابن خزيمة عن بريدة رضي الله عنه بلفظ : لا يخرج رجل شيئاً من الصدقة حتى يفك عنها لحيي سبعين شيطاناً كلهم ينهى عنها. و اللحي) منبت اللحية من الإنسان وغيره وهما لخيان. ونقول : إن المراد كسر شوكة النفس والعدد (۷۰) يراد به الكثرة . (٤) رواه الإمام مالك والإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن جابر بن عتيك رضي الله عنه . (انظر: الحديث السابع) . (٥) أول الحديث : سبعة يظلهم الله .

فيها مع الإخفاء، لأن هذا الصحابي رضي الله عنه، قد فعل وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على فعله ولم يشر

إلى غيره .

الوجه السابع : فيه دليل لأهل الصوفة على قولهم (الوقت سيف إن لم تقطعه قطعك). ومعناه عندهم : اقطع الوقت بالعمل لئلا يقطعك بالتسويف وفعل هذا الصحابي هنا من ذلك الباب . ولأن الله عزّ وجلّ قد قال وَسَارِعُوا و سَابِقُوا (١) ، ولا تكون المسارعة والمسابقة إلا بسرعة « » العمل. ولهذا كان بعضهم مرة في بيت الخلاء في يوم شديد البرد وكان عليه ثوبان، وكان بعض الإخوان في الموضع عليه أطمار ثياب (۲) ، فخطر له وهو في بيت الخلاء أن يخرج لصاحب تلك الثياب الأطمار عن أحد الثوبين اللذين كانا عليه فجرده من حينه في موضعه ذلك وصاح به ورماه إليه . فلما خرج سأله الشيخ : كيف تكلمت في بيت الخلاء؟ فقال : خشيت على نيتي أن تَحُولَ عند الخروج. فشكر ذلك منه .

الوجه الثامن فيه دليل لمالك رحمه الله تعالى حيث يقول بأن الصدقة تجوز بغير أن يحدها، لأن هذا الصحابي رضي الله عنه تصدق بحائطه ولم يحده ، وأجاز النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ولو كان بيعاً لما جاز حتى يحده .

الوجه التاسع : فيه دليل لمالك رحمه الله تعالى حيث يقول بأن الصدقة تجب بالقول لأنه قال : أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عنها ، وأقره النبي الله على ذلك، ولم يطلب منه زيادة

في الوجوب .

الوجه العاشر : فيه دليل على تحمل الحاكم الشهادة في غير موطن الحكم لمن أشهده بها وحمّله إياها، لأنه لما أن سأل هذا الصحابي النبي الله وأخبره بما أخبر ، أشهده على صدقته كما ذكر، والنبي صلى الله عليه وسلم و هو الحاكم بإجماع . لكن لم يكن هذا الموطن موطن حكم ، وإنما كان موطن سؤال

وجواب .

الوجه الحادي عشر : فيه دليل على أن للرجل بعد إشهاده على الصدقة أن يتصرف فيها، أعني في تفريقها، لأنه لما أن أشهد النبي لا الهلال على صدقته لم يقل له النبي الله : أعطي فلاناً وامنع عن فلان. وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً

(۱) الكلمة الأولى إشارة إلى قوله تعالى وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ) ـ آل عمران من الآية (۱۳۳) والكلمة الثانية إشارة إلى قوله تعالى ( سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ) - (الحديد، من الآية (۲۱)

(۲) :أطمار مفردها طِمْر، وهو الثوب الخلق البالي .

حديث جواز اتخاذ الخادم للرجل الصالح

عَن أنس رضي الله عَنهُ قالَ : قَدِمَ رَسولُ الله الله المدينةَ لَيسَ لَهُ خادِم فَأَخَذَ صلى الله عليه وسلم أبو طلحة (۱) بيدي . فانطلق بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقالَ: يا رسولَ الله ، إِنَّ أَنَساً غُلام كَيْسٌ (۲) فَلْيَحْدُمْكَ . قَالَ : فَخَدَمْتُهُ في السَّفَرِ وَالحَضَرِ ، ما قالَ لي لشَيءٍ صَنَعتُهُ لِمَ صَنعتَ هذا هَكَذا؟ ولا لِشَيْءٍ لِمَ لَمْ تَصنَع هذا هَكذا؟

ظاهر الحديث يدل على جواز اتخاذ الخادم، وكذلك في العكس وهو عدم اتخاذه لأن النبي كان بغير خادم، فلما أن قدم المدينة، وأتي بالخادم قبله، فعلى هذا فالأمران سيّان . والكلام

عليه من وجوه :

الوجه الأول : فيه دليل على أنه ليس من شرط الحاكم اتخاذ الخادم رداً على من قال بذلك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان حاكماً قبل قدومه إلى المدينة وفي حال قدومه ولم يكن له إذ ذاك خادم، وإنما حمل من قال بذلك الفقه النفساني - فلا يعبأ بقوله لأنه ليس الجائز كاللازم - وكون النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ الخادم حين قدومه المدينة، وهو اخر الفعلين من حاله عليه السلام وكانوا يأخذون من أفعاله وأقواله بالأحدث فالأحدث. لكن هذا ليس بالقوي ، لأن النبي لا لا لا ل ل ل لم يعمل على اتخاذ الخادم ولا طلبه حتى جاءه متبرعاً، كما مرّ الكلام عليه، فالأمر بالسواء. والله تعالى أعلم .

(1) أبو طلحة هو زيد بن الأسود بن حرام الأنصاري الخزرجي النجاري، وهو زوج أم سُليم والدة أنس. وفي لا الهلال مناقب أبي طلحة أخرج البخاري عن أنس رضي الله عنه قال : لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو طلحة بين يدي النبي المجوب به بحجفة (بترس له . وكان أبو طلحة رجلاً رامياً شديد القِد يكسر يومئذ قوسين أو ثلاثاً وكان الرجل يمرُّ معه الجعبة من النبل فيقول : انثرها لأبي طلحة، فأشرف النبي لا ينظر إلى القوم، فيقول :أبو طلحة يا نبي الله بأبي أنت وأمي لا تشرف فيصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك . ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم وإنهما لمشمّرتان أرى خدم سوقهما تنقزان القرَبَ على متونهما (تحملانها على ظهورهما وتقفزان بها وثباً) تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملانها، ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم، ولقد وقع السيف من يد أبي طلحة مرتين أو ثلاثاً)

(٢) كيس : من كاس يكيس كيساً عَقل وظرُفَ وفطن، فهو كَيْس وكيس .

الوجه الثاني : قوله ( فأخذ أبو طلحة بيدي فانطلق بي إلى رسول الله ) فيه دليل على أن الكفيل له الحكم على من يكفل بما له فيه ،مصلحة لأن أبا طلحة لما أن رأى المصلحة لأنس في خدمة النبي الله محمله عليها ، وأقره النبي الله على ما فعل. ويترتب على هذا أن خدمة أهل الفضل تزيد الخادم بها شرفاً، ولذلك أجبر أبو طلحة أنساً على خدمة النبي صلى الله عليه وسلم . الوجه الثالث : فيه دليل على جواز خدمة اليتيم إذا كان ذلك برأي كفيله ، لأن أنساً لم يكن له أب، وقد قبله النبي صلى الله عليه وسلم من وليه للخدمة . فلو كان غير جائز لم يقبله النبي صلى الله عليه وسلم . الوجه الرابع : فيه دليل على جواز خدمة الصبي الصغير إذا كان وليه المتبرع بذلك، لأن النبي قد اجتزأ بتبرع الولي في ذلك . الوجه الخامس : قوله إن أنساً غلام كَيْس فَليخدمك) فيه دليل على أن الكيس مطلوب في الخادم، لأنه قدَّم الكيس، وبعد ذلك قال له : فَلْيخدمك . فلولا أن الكيس كان عندهم مطلوباً في الخديم لما قدمه .

ويتعلق بهذا من الفقه أن يذكر ما في الشخص من المحامد بقدر ما يرشح إليه ، لتقع الرغبة فيه في ذلك الشأن، والمعرفة بمكانه فيه . وكذلك كل ما يتقرب به الناس بعضهم البعض، يذكر ما فيه من المحاسن ليعرف قدره ويكون أجدر بتحصيل القبول، لأن الفضائل مخفية لا تُعلم إلا بالوصف أو بالإدراك عند المخالطة. فإن كان مدحاً لغير هذه الفائدة فهو داخل في عموم قوله عليه السلام قطعتم ظَهرَ الرجل ) (۱) . ويستحب في ذلك الإيجاز والاختصار من غير تطويل ولا إكثار لأنه قال له ( إن أنساً غلام كيس)، فأوجز في العبارة وأجمع . الوجه السادس : فيه دليل على جواز هبة المنافع كهبة ،الأعيان، لأنه قال له فَلْيخدمك والخدمة هِبَة منفعة لا عَيْن.

الوجه السابع : فيه دليل لمالك رحمه الله تعالى حيث يجيز الهبة غير محدودة ولا معينة لأنه قال له : فليخدمك، ولم يعين له الخدمة ولا زمانها .

الوجه الثامن : فيه دليل على جواز استنابة الصبي في الأمر اليسير، لأن نفس الخدمة تقتضي النيابة في بعض الأشياء، وكذلك كان عليه السلام يفعل . الوجه التاسع : فيه دليل على جواز انعزال الصبي عن وليه، بشرط أن يكون في موضع يَأْمَن عليه مما يتوقع، لأن أنساً انعزل عن وليه وبقي في خدمة النبي هلال الهلال عشر سنين .

(1) أخرجه أبو نعيم عن أبي موسى رضي الله عنه بلفظ : قَطَعْتَ .

الوجه العاشر : قوله (فخدمته في السفر والحضر ) فيه دليل على جواز سفر الصبي الصغير بشرط أن يكون فيه كياسة حتى يكون من حيث يدبر مصالح نفسه.

الوجه الحادي عشر : قوله (م) قال لي لشيء صنعته إلى اخر الحديث) فيه دليل على حسن خلق النبي ) وكثرة ما أمده الله عزّ وجلّ به من قوة اليقين، لأن أنساً بقي في خدمته عليه السلام عشر سنين، ثم مع طول السنين ومباشرة الخدمة لم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم قَطُّ لِمَ فعلت هذا هكذا؟ ولا لِمَ لَمْ تفعل ؟ لما أن كان عليه السلام هو الذي أتى للناس بالإيمان واليقين أُعطِيَ منه أجزل نصيب، وأتى الناس بعده وورثوا منه بقدر هممهم ومقاصدهم وإليه أشار عليه السلام بقوله (لم) يفضلكم أبو بكر بصوم أو صلاة ولكن بشيء وقر في صدره) (۲) . والشيء الذي وقر في صدره هو قوة اليقين حتى كان يقول : كأني أنظر إلى العهد لما أن كان صاحب النبي الله في الغار، وخليفته بعد الانتقال، أجزل الله له في الميراث أكثر ممن أتى بعده. وكذلك كل من كان له قدر في الدين إنما علا وارتفع بحسب ما أجزل له من ذلك الميراث وخص به .

ثم بقي على الحديث (سؤال) وارد وهو أن يقال : العمل على هذا الحديث يؤدي إلى ترك تأديب الأولاد، لأنه إذا كان المرء ينظر إلى ما فَرَّرْتُم لم يبق فيما يؤدب الولد (۳)؟ وذلك إلى أن يكبر

الولد على غير حال مَرْضِيّ في تصرفه وقد جعل عليه السلام تأديب الولد أفضل من الصدقة؟ (والجواب عنه أن الأمر كذلك. لكن في الحديث ما ينفصل به عن ذلك السؤال، لأنه قال فيه : غلام كيس. والكيس شرعاً هو الذي لا يقع منه خلل في الدين. فلما أن اختار الله عزّ وجلّ، أنساً لخدمة نبيه عليه السلام أعطاه من ميراث الهدى نصيباً لقوله عليه السلام أدبني ربي فأحسن تأديبي) (٤) أي هداه إلى كل شيمة مَرْضِيَّة وأخلاق سَنِيّة. فإذا حصل للولد نسبة من هذا الميراث لا يحتاج إلى تأديب. فإذا كان بعكس هذا الكيس فالتأديب إذ ذاك مأمور به، وهو لا يعارض ما نحن بسبيله للمعنى الذي ذكرناه .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) وهذا مدح لأنس رضي الله عنه في الوقت ذاته، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسكت على مخالفة إن وجدت، وفي الكلام إشارة لأدب أنس رضي الله عنه من ك لام الشيخ محمد النبهان رضي الله عنه) .

(۲) سبقت الإشارة إلى أن هذا غير حديث في أكثر من موضع . والله أعلم.

(۳) يريد : فيم يؤدب الولد؟ ولم يحذف ألف «ما» . (٤) معناه صحيح وأسلوبه بليغ، ولكن العلماء اتفقوا على ضعف إسناده منهم العسكري في الأمثال، وأبو نعيم في تاريخ أصفهان، وأبو سعد السمعاني في أدب الإملاء والسخاوي في المقاصد الحسنة وابن حجر في بعض فتاويه وابن تيمية قال : لا يعرف له إسناد ثابت .

حديث أفضل الأعمال

عَن عَبدِ الله بن مسعودٍ رضي الله عَنهُ قالَ : سَألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم قُلتُ : يا رسول الله أي العملِ أفضَلُ؟ قالَ : الصَّلاةُ على ميقاتها . قُلتُ : ثُمَّ أَيُّ؟ قالَ : بِرُّ الوالدين . قُلتُ : ثُمَّ أي ؟ قالَ الجِهادُ في سَبيلِ الله . فَسَكَتْ عَن رَسُول الله ، وَلَو استَرْدتُهُ لَزادَني .

وجوه

ظاهر الحديث يدل على فضل هذه الأعمال المذكورة فيه على ما سواها والكلام عليه من

الوجه الأول : قوله : (أي العمل أفضل ) هل مراده بالأفضلية كثرة الثواب وتضعيف الأجر، أو ما يقرب إلى الله تعالى، وإن كان المعنيان يقرّبان إلى الله عزّ وجلّ لكن إذا اجتمعا بُدىء بالذي يقرب إلى الله أكثر ؟ مثال ذلك الزكاة وما أشبهها من الفروض فيها تضعيف الأجر وإن كانت لا تخلو من التقرب إلى الله سبحانه وبرّ الوالدين ليس فيه تضعيف أجر محدود، وقد جعل، عزّ وجلّ، رضاهما مع رضاه ، وسَخَطُهما مع سَخَطِهِ. فهذا أجلّ في القرب، مع أنه لم يذكر فيه تضعيف الأجر .

يشهد لهذا ما روي أن أحد الصحابة كان كثير التعبد والمجاهدة، فلما احْتُضِرَ منع الشهادة فجاء النبي يا فاستدل على أمه ، فإذا هي غضبانة عليه من أجل أنه كان يُؤثِر زوجته عليها . فسألها النبي في الرضا عنه، فسخّرها الله للإجابة ببركة النبي الله ، فدعت لولدها ورضيت عنه، فانطلق لسانه بالشهادة . فقال عليه السلام : (سَخَطُ أُمِّه مَنَعَهُ من الشهادة) (١) أو كما قال.

(1) رواه الطبراني والعقيلي في الضعفاء والبيهقي في شعب الإيمان عن عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه . وفي رواية المؤلف ابن أبي جمرة زيادات ليست في مختلف الروايات التي بين أيدينا . أورد الشيخ أحمد بن محمد بن

الصديق الغماري في كتابه: برّ الوالدين)) جميع طرقه .

فانظر اجتهاد هذا الصحابي في أنواع التعبد لم ينفعه مع الإخلال بهذا الجزء اليسير الذي هو إيثار الزوجة على الأم بغير جفاء، فكيف ينفع تضعيف الأجر لمن ليس فيه من هذا الحال شيء؟ فبان بهذا ما قررناه وهو أن الأعمال على قسمين قسم لتضعيف الأجر والتقرب إلى الله سبحانه تعالى، وقد تقدم مثاله . وقسم يُبَتَغَى به التقرب إلى الله سبحانه وتعالى لا غير، وهو مثل بر الوالدين وما أشبهه، مع أنه يتضمن الأجر، لكن ذلك إلى الله، ليس للبشر فيه مجال. وتبين به أن سؤال الصحابي كان على هذا الجنس أعني عما يقرّبه إلى الله سبحانه وتعالى، لما تضمنه جواب النبي ومن يسأل عن الأفضل أبداً لا يترك غيره، وإنما سؤاله لكي يهتم بالأفضل ويزيد

عليه محافظة .

الوجه الثاني : قوله عليه السلام الصلاة على ميقاتها إلى آخر السؤال) يرد عليه سؤال، وهو

أن يُقال : لِمَ قدّم الصلاة على بر الوالدين؟ ولِمَ قَدَّم الوالدين على الجهاد؟

الجواب عنه : أن الصلاة إنما قدمت لأجل أنها رأس الدين وعمدته وبها قوامه ولا يصح الدين إلا بها، ومتى وقع فيها خلل لم ينفع غيرها من الأعمال بدليل أحاديث كثيرة جاءت في ذلك . فمنها قوله عليه السلام بين الإسلام والكفر تَرْكُ (الصلاة) (۱) ، ومنها قوله عليه السلام (موضع الصلاة من الدين موضِعُ الرأس من الجسد) (۳) ، ومنها قوله عليه السلام (أول ما يحاسب به العبد الصلاة، فإن قبلت منه نُظر في باقي عمله، وإن لم تُقبل منه لم يُنظر في شيء من عمله) (۳) إلى غير ذلك مما جاء في هذا المعنى . وأما بر الوالدين فإنما قدمه عليه السلام على الجهاد لأن الله عزّ وجلّ، قد فرضه وأكد فيه، ولم يجعل فيه عذراً، وقرن رضاهما برضاه، فقال تعالى أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَلِدَيكَ إِلَى الْمَصِيرُ . وَإِن جَهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبَهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً ) (٤) فانظر مع الكفر لم يرخص عزّ وجلّ في عقوقهما، فكيف بهما مؤمنين؟ وقد قال تعالى ( فَلَا تَقُل لَّهُمَا أَن وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ (٥).

(۱) رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن جابر رضي الله عنه . (۲) رواه الطبراني في الأوسط والصغير ولفظه : لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا صلاة لمن لا طهور له، ولا دين لمن لا صلاة له، إنما موضع الصلاة من الدين موضع الرأس من الجسد.

(3) أخرج الإمام أحمد وأصحاب السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه : أول ما يحاسب الناس عليه يوم القيامة من

أعمالهم الصلاة . إلى اخر الحديث.

(٤) سورة لقمان، من الايتين ١٤ و ١٥ .

(٥) سورة الإسراء، من الاية ۲۳ .

وقد قال بعض العلماء في معنى قوله تعالى ﴿ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالُ ) (۱) إنهم هم الشهداء الذين جاهدوا بغير إذن أبويهم ،فاستشهدوا فالشهادة تمنعهم من دخول النار وعقوق الوالدين يمنعهم من دخول الجنة، فيبقون على الأعراف حتى يُرضِي الله عزّ وجل عنهم والديهم، فيدخلهم الجنة. والآي والأحاديث في ذلك كثيرة . فلما أن كان فيه هذا التشديد من الله عزّ وجلّ أمر عليه السلام بعد الصلاة وإنما أمر عليه السلام بالجهاد بعد برّ الوالدين لما ثبت أن الشهداء أحياء عند ربهم ،يُرزَقون ،ولقوله عليه السلام (ما أعمال البرّ في الجهاد إلا كبزقة في بحر ) (۲) ، ولأن الأعمال كلها فيها إعطاء بعض وإبقاء بعض والجهاد فيه إعطاء الكل، النفس والمال، مع ما

فيه من إعلاء كلمة التوحيد . ثم إن الجهاد كان على الصحابة رضوان الله عليهم فرْضَ عَيْن . فانظر إلى هذا النظام العجيب كيف أمر أولاً بما هو الفرق بين الإسلام والكفر، وهو الصلاة. ثم أمر ثانية بما فيه رضى الرحمن، وهو بر الوالدين ثم أمر ثالثة بما احتوى على الخبرَينِ العام والخاص، وهو الجهاد. فالخير العام الذي فيه هو ظهور الإسلام والخير الخاص هو ما فيه من بذل جميع المحبوبات في ذات الله تعالى فمن نور الله بصيرته ينظر إلى هذا الترتيب العجيب فيتتبعه الأعمال بالنسبة إلى حاله فيأخذ الأفضل فالأفضل، ويدخل بذلك في عموم قوله تعالى أُولَيْكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ﴾ (۳) .

في جميع

الوجه الثالث : قوله عليه السلام) الصلاة على ميقاتها يفيد استغراق الوقت كله من أوله إلى اخره، متى أوقعت الصلاة فيه حصل المقصود ولكن قد جاءت رواية أخرى قال فيها الصلاة أول ميقاتها) (٤) . فعلى هذا فالأول عام في الوقت كله، وما أوردناه مخصص بأول الوقت. والعالم يُحمّل على الخاص، سيما في هذا الموضع للقرائن التي قارنته وهو أن إيقاع الصلاة أول الوقت فيه براءة الذمة مما تعمرت وفيه شدة الاهتمام بأمر الله تعالى والمسارعة إليه، وفي هذا من الخير ما

لا يخفى .

وإنما استحب بعض العلماء تأخيرها قليلا عن أول الوقت لعلتين: (الأولى) في مساجد

(1) سورة الأعراف من الآية ٤٦ .

(۲) رواه الديلمي في مسند الفردوس عن جابر رضي الله عنه ولفظه - كما ذكرنا من قبل - ما أعمال العباد كلهم عند - : المجاهدين في سبيل الله إلا كمثل خطاف أخذ بمنقاره من ماء البحر. وفي رواية لأبي هريرة إلا كتفلة تفلها

رجل في بحر لجيّ.

(۳) سورة الإسراء من الاية ٥٧ .

على أنها رواية لعلي بن

(٤) وفي الحديث روايات عدة. فأما رواية (الصلاة) أول ميقاتها) فقد أوردها الحافظ ابن حجر حفص وهو شيخ صدوق . ورواية (الصلاة على وقتها) رواها الدارقطني والبيهقي وهي أصح الروايات وأما رواية (الصلاة في أول وقتها فضعيفة وشاذة - كما في فتح الباري - كتاب الصلاة ـ باب فضل الصلاة لوقتها .

الجماعة لكي يجتمع الناس للصلاة. (الثاني) الإبراد بها قليلاً في زمان الصيف للنهي الذي جاء

في

ذلك . وأما إذا عدمت هاتان العلتان فقد اتفق العلماء، فيما أعلم أن أول الوقت أفضل (۱) ، عدا

أبي حنيفة ومن قال بقوله، وليس ما ذهبوا إليه في هذه المسألة بالقوي. وقد قال أبو بكر ، رضي الله عنه، أول الوقت رضوان الله ووسط الوقت رحمة الله ، وآخر الوقت عفو الله . ثم قال : رضوان الله أحب إلي من عفو الله. وهذا يؤذن بأن إيقاع الصلاة آخر الوقت فيه شيء ما من الغفلة، لأن العفو يقتضي أن يكون وقع شيء يعفى عنه .

الوجه الرابع ،أمره عليه السلام، بتلك الأفعال الثلاث فيه دليل على أن التعبد إنما يكون أولاً بالواجبات، ويبدأ منها بما هو الأوكد فالأوكد .

الوجه الخامس : قوله ( ولو استزدته لزادني فيه دليل على التأدب والاحترام للعلماء، وألاّ يكثر عليهم في السؤال لغير ضرورة، لأن اقتصاره على تلك الثلاث وقوله بعد ذلك ولو استزدته لزادني فيه وجوه :

منها ترك الإلحاح على العالم، وهو من الاحترام والتأدب كما تقدم.

ومنها الأخذ من الأعمال بقدر الطاقة لأن ثلاثة أفعال من أفعال البر يُحافظ عليها خير من

كثير لا يقام بحقها، لأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعملون بما يعلمون .

ومنها أن العلم أعلاه التفقه فيه وأنجح الوسائل في التفقه تقديم العمل لقوله تعالى وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) (۲) ولا تكون المجاهدة إلا بالعمل، ولقوله عليه السلام (من عمل بما علم رزقه الله عِلْمَ ما لم يعلم) (۳) ، وعلم ما لم يعلم منه ما يستنبط من الأحكام من

(۱) ليس هذا على إطلاقه إذ المغرب يستحب تعجيله أما الفجر فيستحب فيه الإسفار لحديث أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر) ولتجميع المسلمين، والناس حديثو عهد بنوم بعد عمل وجهد ولحديث: (ما أجمع الصحابة على أمر كالتنوير بالفجر) فالتغليس منسوخ ، وروي في الصحيحين عن ابن مسعود أنه صلى الفجر في مزدلفة قبل

وقتها المعتاد .

وأما العشاء فقد ثبت في الصحيح أن ابن عباس وأبا موسى وأبا سعيد الخدري رووا أنه أخرها إلى ثلث الليل، وروى أبو هريرة وأنس أنه الا الله و أخرها إلى نصف الليل، وروت عائشة أنه أعتم بها حتى ذهب عامة الليل . والأفضل تأخيرها إلى ثلث الليل هذا لمن له همة اختيار الأفضل. وأما الظهر فالإيراد بها في الصيف رفقاً بالمصلين لحديث أنس : كان لا اله إذا صلى في الشتاء أبكر ، وإذا كان في الصيف أبرد رواه البخاري. وأما العصر فيستحب تأخيرها لمن يريد النوافل قبلها، إذ لا نافلة بعد فرضها ما لم يتغيّر قرص الشمس، إلا إذا كان في التأخير تفويت الجماعة (فتح القدير (۱۹۷/۱-۲۰۲) . (۲) سورة العنكبوت من الآية ٦٩ . (۳) رواه أبو نعيم في الحلية بإسناد ضعيف عن أنس رضي الله عنه

الأحاديث والآي. فلما حصلت له ثلاثة وجوه على ما ذكرناه اقتصر على توفية العمل فيما قيل له والاهتمام به، وخاف من الزيادة لئلا يعجز عن التوفية، أو يقع منه نسيان .

وقد حكي عن بعض الفضلاء ممن ليس في زمان الصحابة أنه كان يحضر مجلس بعض العلماء، فإذا سمع مسألة واحدة خرج إذ ذاك، فسئل : لِمَ تَفْعَلُ ذلك ؟ فقال : لأن أسمع مسألة واحدة أشتغل بها يومي خيرٌ من أن أسمع مسائل فتنسيني الثانية الأولى، وكذلك الثالثة لما قبلها ، فيقع مني التفريط فيما سمعت وعدم التحصيل لما كنت قد وَعَيْت. فإذا كان هذا الحرص العظيم في غير الصحابة فكيف به في الصحابة؟ من باب أولى. فعلى هذا - وهو الحق الواضح - إتباع العلم بالعمل أفضل من تحصيل العلم وتضييع العمل . ومنها أن مراعاة العلم تكون بالعمل . فترك السؤال مع علمه بالزيادة ليتفقه فيما نُص له عليه وما يتضمن على باقي الأعمال، فيحصل له بذلك فضيلة استنباط العلم لقوله تعالى ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (۱) والاشتغال باستنباط الأحكام وفهم المعاني من أجل الأعمال يشهد لذلك ما روي أن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها . ولأن مراعاة العلم على ضربين : عمل واستنباط . فمن عمل عليها حصلت له الدرجة العليا في العلم والعمل.

الله

وهذا السيد ممن فهم ما أشرنا إليه من حسن هذا الأسلوب وما تضمنه من الفوائد لما رزقه من النور، فحصل له إذ ذاك ما قصد مع التخفيف في السؤال بخلاف الفرض، لأنه لا يؤخذ فيه مع حضور الشارع عليه السلام بالاستنباط ولا بالقياس أو الاجتهاد فلما أن كان سؤاله عن الأفضل اقتصر على معرفة بعض دون بعض للمعنى الذي أشرنا إليه . والله المستعان .

وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) سورة النساء، من الآية ٨٣ .

حديث لا هجرة بعد الفتح

عن ابن عبّاسٍ رَضِيَ الله عَنهُما ، قالَ: قالَ رَسُولُ الله : لا هِجْرَةَ بَعد الفتح

ولكن جهادٌ وَنِيَّة فَإذا استُنفِرْتُم فانفِروا .

ظاهر الحديث يدل على أن الهجرة قد انقطعت بعد الفتح. لكن له معارض اخر وهو قوله عليه السلام) (الهجرة باقية إلى يوم القيامة) (۱) ، والجمع بينهما والله أعلم ـ أن يقال : إن الهجرة من مكة إلى المدينة، والإقامة بها مع النبي علي الهلال والجهاد بين يديه، قد انقطعت لا تكون أبداً. وأمّا غيرها من أنواع الهجرة فذلك باق لم يزل مثل الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام وكذلك أيضاً الخروج من موضع غلب فيه المنكر إلى موضع ليس فيه ذلك.

يشهد لذلك قوله عليه السلام ( سيأتي على الناس زمان لا يَسْلَم لِذِي دِين دينه إلا مَن فرّ من شاهق إلى شاهق) (٢) . والفرار من شاهق إلى شاهق من أجل الدين هجرة لا شك فيها. ثم قال عليه السلام العمل في الهَرْج كالهجرة معي) (۳). وأي عمل وأي هجرة أعظم من الفرار بالدين من شاهق إلى شاهق؟ لكن هذه الهجرة المذكورة إنما وقع الشبه بينها وبين الهجرة الأولى في تضعيف الثواب والأجر .

وأما تلك الهجرة فقد مضت لأصحابها، وهي مثل الصحبة لا تكون لغير الصحابة أبداً لقوله تعالى ( وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ اوَوا وَنَصَرُوا أَوَلَيكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا

(۱) في هذا المعنى أخرج الإمام أحمد وأبو داود عن معاوية رضي الله عنه بلفظ : لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها .

(۲) رواه البيهقي في الزهد وضعفه المنذري في الترغيب والترهيب : باب الترغيب في العزلة . (۳) رواه مسلم والترمذي وابن ماجه في الفتن عن معقل بن يسار أن النبي لا لا الاول : قال : العبادة في الهرج كالهجرة إليّ .

هم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ﴾ ، ثم قال ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَيْكَ مِنكُر ) (١) نعم قد يجتمعان في المعنى، وهو أن العمدة فيهما معاً الفرارُ بالدِّين من موضع كَثُرت فيه المخالفةُ إلى موضع يُرجَى فيه الخير . ثم الكلام على الحديث من وجهين :

الوجه الأول : قوله عليه السلام (ولكن جهاد ونية يريد أن الجهاد باق لم يزل ولم يرتفع، وأنه لا يكون جهاد حتى يكون بنيّة، والنية فيه أخبر بها عليه السلام في غير هذا الحديث حين سأله الأعرابي : ما القتال في سبيل الله ؟ فقال : ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) (۲)، وقد مر الكلام عليه بما فيه كفاية. وفيه دليل على أن نيات الخير على اختلافها مأجور صاحبها فيها ما بلغه منها عمله وما لم يبلغه ،وقد قال عليه السلام في غير هذا الحديث (نيَّةُ المرء أبلغ من عمله) (۳).

الوجه الثاني : قوله عليه السلام (فإذا استُنْفِرتُم (فانفروا) أي إذا طلبتُم للجهاد فبادروا بالخروج ولا تقعدوا لأن الجهاد كان على الصحابة رضوان الله عليهم فرض عين، فلا يجوز لهم الجلوس إذا سمعوا الاستنفار، وكذلك من أتى بعدهم إذا كان الجهاد عليهم فرضَ عَيْن فحكمُهم حكمُ الصحابة إذا استنفروا . ومن كان عليه فرضَ كفاية فهو بالخيار إن شاء خرج له الأجر ، وإن لم يخرج فلا حرج لكن ذلك بشرط أن يعلم الفرق بين فرض العين والكفاية والفرق بين فرض الكفاية وفرض العين (4) قد ذكر في كتب الفقه. فإذا تحقق المرء بلسان العلم بأن الجهاد في حقه فرض كفاية فحينئذ يكون مخيّراً، لئلا يكون بقعوده عاصياً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم .

وفي الحديث (إشارة صوفية) وهي على ثلاثة أوجه :

الوجه الأول: في قوله عليه السلام (لا) هجرة بعد الفتح قد أخبر عليه السلام في غير هذا الحديث بأن (الجهاد جهادان أكبر وأصغر ) (٥) ، فقال عليه السلام هبطتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، وهو جهاد النفس ) (٦) . فإذا كان الجهاد على قسمين فكذلك يلزم في الهجرة أن

(۱) سورة الأنفال، الآية ٧٤ ومن الآية ٧٥

(۲) رواه الإمام أحمد والشيخان وأصحاب السنن عن أبي موسى رضي الله عنه .

(۳) رواه الحكيم الترمذي والعسكري في الأمثال عن ثابت البناني بلاغاً بلفظ : نية المؤمن أبلغ من عمله (٤) فرض العين ما أوجبه الله عزّ وجلّ على كل فرد من عباده كالصلاة مثلاً، إذ لا يقوم غيره بأدائها عنه نيابة . أما فرض الكفاية : فهو ما أوجبه الله على عباده، وإذا قام به البعض سقط عن الباقين كالصلاة على الجنازة مثلا .

(٥) ليس هذا حديثاً، وإنما هو من تفصيل المؤلف رضي الله عنه .

(٦) رواه البيهقي في الزهد بلفظ : قدمتم خير مقدم من جهاد الأصغر إلى جهاد الأكبر، قيل : وما جهاد الأكبر؟

قال : مجاهدة العبد هواه .

تكون كبرى وصغرى فالصغرى على ما تقدم، والكبرى هي هجرة النفس من مألوفاتها وشهواتها وإخوانها وأهليها وبنيها وردها إلى الله تعالى في كل أحوالها وقد نص عزّ وجلّ على ذلك في كتابه حيث قال ( قُلْ إِن كَانَ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَتَجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ. فَتَرَبَّصُوا ) (۱) فالزهد في هذه الأشياء هو المطلوب، وخلق القلب والنفس منها . وحقيقة الزهد هو أعلى من هذا، وهو لأهل الخصوص.

يشهد لذلك ما حكي عن بعض الفضلاء أنه قال : زهدت في ثلاثة أيام: (الأول) في الدنيا وما فيها . (والثاني) في الآخرة وما فيها والثالث) فيما سوى الله . وهذه هي الهجرة العظمى. وفقنا الله إليها بمنه . ولا يقدر على هذه الهجرة إلا أهل الهمم السنية والمقاصد العليَّة. ومن كان ضعيفاً لا يقدر على هذه الهجرة فلا يُمهِلْ نفسه بالكلية، فإن ذلك علامة على الخسران، وليأخذ نفسه بالرفق والمسايسة في الجهاد والهجرة لأن المرء في نفسه شبيه بذلك، لأن بدنه كالمدينة، والعقل والملك كالمسلمين، والشيطان والنفس والهوى أعداء فيحتاج أولاً إلى الهجرة من دار الحرب إلى

دار الإسلام .

والهوى والشيطان. ورجوعه إلى رأي العقل والملك يفتح بلاد العدوّ ، والفتح هنا عبارة عن أسر النفس والشيطان والهوى، وأن يكون العقل والمَلَك هما الأمران الناهيان على الجوارح. فإذا حصل للمريد هذا الحال فلا يحتاج بعد ذلك إلى جهاد - أي إلى مجاهدة ـ لأن المجاهدة لا تراد لذاتها، وإنما المقصود منها حصول هذه الصفة وقد حصلت . كما أن الجهاد لا يراد لذاته، وإنما يراد لفتح البلاد للإسلام، وأسر العدو وإسلامه .

وقد روي أن القلب كالمَيْدان فيه الملك والعقل والهوى والنفس والشيطان يعتركون فيه، فأيهم غلب سكن القلب، وكان هو الآمر على الجوارح، فحصلت النسبة بينه وبين ما نحن بسبيله من حكم الظاهر من كل الجهات فمن له لُبّ يفهم ما أشرنا إليه ويعمل عليه، يحصل إن شاء الله على المراد، لكن ذلك بعد الافتقار إلى الله تعالى وطلب العون منه في كل اللحظات وإلا فلا ينفع الحذر والجهاد والهجرة في الغالب

الوجه الثاني : قوله ( ولكن جهاد ونية فإذا حصل الفتح للمريد يحتاج عند ذلك إلى الجهاد . ونعني بـ(الجهاد) هنا المبادرة إلى أفعال البر بكل ،ممكن ولا يُترك بالتسويف بـ لعلّ وعَسَى) فإن بذلك تفوت الغنائم . فإذا ظفر بالفتح والغنيمة فيحتاج عند ذلك إلى إخلاص النية في كل الأفعال

(۱) سورة التوبة ، من الاية ٢٤ .

ويبهتل بها. والحذر الحذر من وقوع العمل ،دونها لأن الأعمال بحسب ما احتوت عليها النيات

فإذا حصل للمريد هذا الحال فقد حصل له الجهاد والنية .

الوجه الثالث : قوله عليه السلام فإذا استنفرتم فانفروا) وهو على وجهين : فحكم يختص

بالشخص نفسه وحكم مُتَعَدُّ لغيره .

فأما ما يختص بالشخص فهو أنه إذا تحصلت له هذه الحالة السَّنِيَّة - أعني الفتح والجهاد - وتخلّصت له النية على ما قررنا يحتاج عند ذلك إلى محاسبة نفسه في كل أوقاته لئلا تقع منه غفلة، فيظفر العدوّ بمن ملك القلب في شيء من التصرفات، فيقع بذلك الخلل بعد وقوع النصر والظفر . فإذا حاسب المرء نفسه في أقل شيء يقع له من ذلك استيقظ له فرجع عنه، فإن لم يقدر على تركه فقد ظفر العدوّ ثانية وظهر . وهذا هو موضع الاستنفار أيضاً، لأن الملك والعقل قد غلبا، فيدخل أيضاً في المجاهدة حتى يزيل ما وقع . وأما ما عدا الشخص فذلك لا يكون إلا لمن حصلت له هذه الأحوال التي قدمنا ذكرها

يطلب

وتمكن فيها. فحينئذ يجب عليه أن ينظر في حق الغير، فإذا جاءه أحد ممن غلب عقله ومَلَكه منه النصرة فيجب عليه إذ ذاك ،نصرته لأن هذا موضع الاستنفار والنصرة هنا عبارة عن الدعاء في ظهر الغيب وبيان كيفية خاطر المَلك والعقل للذي قد غلب عليه وبيان كيفية خاطر النفس والهوى والشيطان وبما يتحرز من وقوع الهزيمة وبما تحصل الغنيمة . والله المستعان .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً

حديث المشيئة

عَن أبي هريرَةَ، رَضِيَ الله عَنهُ ، عَن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: قالَ سُلَيمانُ بنُ دَاوُدَ، عَلَيْهِما السَّلامُ : لأطُوفَنَّ اللَّيلَةَ على مائَةِ امرأة، أو تسع وتسعينَ، كُلُّهُنَّ يأتي بفارِس يُجاهِدُ في سَبيلِ الله . فقالَ لَهُ صاحِبه : إن شَاءَ الله . فَلَم يقُل : إن شاء الله . فلم يَحمِلْ مِنْهُنَّ إلا امرأةٌ واحِدَةٌ جاءَت بِشِقِّ رَجُلٍ ) . وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَو قالَ : إن شاء الله ، لَجَاهَدوا في سَبيلِ الله عزّ وجلَّ فُرساناً أجمعونَ

ظاهر الحديث يدل على أن أمور الغيب لا يجوز القطع عليها في نُجحِ ما يُرجَى منها إلا الاستثناء . والكلام عليه من وجوه

الوجه الأول: جواز ذكر النساء وذكر الطواف عليهن بين الأصدقاء والأصحاب، وكذلك أيضاً ذكر ما يُقدم عليه من أفعال الطاعات بينهم، لأن في الإخبار لهم بذلك تنبيهاً لهم على المبادرة لمثله، وإن كان لم يطلب منهم . لكن هذا إنما يكون بحسب النيات، لأن ذكر سليمان عليه السلام الطواف على نسائه بين أصحابه فيه ذلك المعنى - على ما سيأتي بيانه .بعد وفيه دليل على جواز ذكر أفعال الدنيا، بل إنها طاعة إذا أريد بها الآخرة، أو تكون سبباً لأمر

أُخروي، لأن سليمان عليه السلام ذكر النكاح وهو دنيوي لما يترتب عليه كما ذكر وقوله ( على مائة امرأة أو تسع وتسعين هذا شك من راوي الحديث في أيهما قال عليه السلام. الوجه الثاني : فيه دليل على عظم قدرة الله عزّ وجلّ ومعجزة لسليمان، عليه السلام، إذ البشر عاجز عن الطواف على مائة امرأة في ليلة واحدة؛ فأظهر الله عزّ وجلّ قدرته بأن السليمان

(1) شِقُ رجل : أي جزء من رجل، وهذا الجزء قد يكون النصف أو ما دون ذلك، والعبارة تعني أنها جاءت بولد مشوه، ناقص الخلقة والتكوين .

عليه السلام، القوة على ذلك، فكان فيها معجزةٌ، وإظهارُ ،قدرة وإبداء حكمة، ردّاً على من ربط الأشياء بالعوائد فيقول : لا يكون كذا إلا من كذا، ولا يتولّد كذا إلا من كذا. فألقى الله ، عز وجل، في صلب سليمان، عليه السلام، ماء مائة ،رجل، وكان له ثلاثمائة زوجة وألف سُرِّيَّة (١) ، ليظهر خرق العادة، وأنها ليست من اللازم.

لكن هذا أمر قد يسبق إلى بعض الأذهان تفضيل ،سلیمان عليه السلام، على النبي ، إذ النبي الله و لم يعط إلا ماء أربعين رجلاً (۲) ، ولم يكن له غير عشر نسوة. فظاهر هذا التفضيل، وليس كذلك، إنما هو بالعكس، وإن كان الاثنان أنبياء ،عظماء ، لكن للنبي المرتبة في الأفضلية لا يساويه فيها أحد غيره .

بیان ما ذكرناه من الأفضلية هو أن سليمان عليه السلام تمنّى أن يكون مَلِكاً فقال (وَهَبٌ لِي مُلكًا لَّا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِى ) (۳) فأعطي المُلْكَ على ما قد عُلم، وأعطي هذه القوة في الجماع، لكي يتم له المُلْكُ على خرق العادة من كل الجهات، لأن الملوك أبداً يتخذون من النساء بقدر ما

أحل لهم، ويتخذون من السُّريّات بقدر ما يستطيعون عليه . فأعطى الله السليمان عليه السلام تلك الخصوصية حتى يمتاز بها عنهم، فكان نساؤه من جنس مُلْكِه الذي لا ينبغي لأحد من بعده

كما طلب .

وا النبي الا لما أن خير هل يكون نبياً مَلِكاً أبى ذلك ، واختار أن يكون نبياً عبداً (٥) ، فأُعطِي من

(1) السرية : الجارية المتخذة للملك أو للجماع ، وهي على وزن فعليَّة . والفعل : تسَرَّرْتُ وتسَرَّيت . واختلف أهل اللغة في الجارية يتسرّاها مالكها لم سميت ( سُرِّيَّة) فقال بعضهم : نسبة إلى السِّر وهو الجماع، وضمت السين للفرق بين الحرة والأمة توطأ، فيقال لحرة إذا نكحت سرّاً أو كانت فاجرة (سِرِّيَّة) ولِلْمَمْلوكة يتسراها صاحبها (سُرّية) . وقال أبو الهيثم : السِّر السرور، فسمّيت الجارية سُرّية لأنها موضع سرور الرجل . (۲) جاء في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال : كان النبي الله يطوف على نسائه في ساعة من الليل وهنّ إحدى عشرة امرأة قال قتادة : قلت لأنس : أو كان يطيقه ؟ قال : كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين . (۳) سورة ص ، من الآية ٣٥ .

(٤) لا ينبغي لأحد من بعده : لا يكون لأحد مثله في عظمته وسعته وفوته من بعده. (٥) في هذا المعنى روى الطبراني والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، وجبريل عليه السلام على الصفا . فقال رسول الله الله : يا جبريل ، والذي بعثك بالحق ما أمسى لال محمد سفة من دقيق ولا كف من سويق، فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هذة من السماء أفزعته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمر الله القيامة أن تقوم ؟ قال : لا ، ولكن أمر إسرافيل فنزل إليك حين سمع كلامك، فأتاه إسرافيل فقال : إن الله سمع ما ذكرت فبعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرني أن أعرض عليك أن أسير معك جبال تهامة زمردا وياقوتاً وذهباً وفضة فعلت؟ فإن شئت نبياً ملكاً وإن شئت نبياً عبداً، فأومأ إليه جبريل أن تواضع ، فقال : بل نبياً

عبدا. (ثلاثاً) .

الخصوصية ذلك القدر، لكونه عليه السلام رضي بالفقر والعبودية، فأعطي الزائد بخرق العادة في

النوع الذي اختار وهو الفقر والعبودية . فكان عليه السلام يربط على بطنه ثلاثة أحجار من شدة الجوع (١) ، والمجاهدة (۱) ، وهو على حاله في هذا الشأن - أعني في الجماع - لم ينقصه شيء ، والناس أبداً إذا أخذهم الجوع والمجاهدة لا يستطيعون على ذلك. وقد قال عليه السلام في الصوم (إنه له وجاء) (٢)، فكان الصوم لغيره وجاءَ، وفي حق نفسه المكرمة لا ينقصه شيء، فهو أبلغ في الكرامة وأظهر في المعجزة.

الوجه الثالث : طواف سليمان عليه السلام على مائة امرأة في ليلة واحدة يحتمل معنيين (أحدهما) أن يكون الليل في ذلك الزمان طويلاً متناهياً في الطول، حتى كان يتأَنَّى له فيه من أجل طوله أن يجامع مائة امرأة مع طهوره وتهجده ونومه. فإن حملناه على هذا الوجه فيكون قول النبي (لا تقوم الساعة حتي يتقارب الزمان) (۳) على ظاهر لفظه ينقص من طول الأيام والليالي وليس الحمل على هذا الوجه بالقويّ لأنه إذا كان كذلك قلّ أن يكون اليوم يبقى من طول الزمان شيء . وأما المعنى الثاني - وهو الأظهر - هو أن يكون الله عزّ وجلّ، أظهر له في ذلك خرق العادة، فيجامع ويتطهر وينام ويقوم الليل في الطول على ماهو اليوم مثل ما أظهر عزّ وجلّ من خرق العادة لأبيه ،داود عليه السلام في قراءة الزبور، وكان يقرأه بقدر ما تُسْرَج له دابته . .. يوجد ... كثيراً في الأولياء والصالحين يفعلون بالليل وبالنهار أفعالاً لو اجتمع عليها أضعافهم لما قدروا عليها . يشهد لذلك ما حكي عن بعض الفضلاء أنه كان يأتي أهله بليل، ثم يتطهر ثم يقوم بربع القرآن، ثم كذلك، ثم كذلك، إلى أن يختم القرآن قبل طلوع الفجر . فلو اجتمع في هذا الفعل اثنان يقتسمانه بينهما، وطال فيه ليلهما قل أن يقدرا عليه مع أن هذا السيد الذي فعل هذا الفعل قد لا يخلو من النوم، إذ هو من ضرورة البشر. وقد حكي من هذا المعنى كثير عن بعض أهل الصوفة. فإذا كان هذا موجوداً في كرامات الأولياء، فكيف به في معجزات الأنبياء عليهم صلى الله عليه وسلم (لا السلام؟ فإذا حملناه على هذا الوجه فيكون قول النبي ( لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان محمولاً على المعنى وليس على ظاهر لفظه . وقد زدنا هذا وضوحاً في الكلام على ذلك الحديث في موضعه من الكتاب .

(1) المعروف أنه كان يربط ،حجرين، وقد تقدم ذلك تفصيلا في مطلع هذا الكتاب. قطعة من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أوله : يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فلْيَتَزَوَّج ... حديث رواه الإمام أحمد والبخاري وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأوله : لا تقوم الساعة حتى يُقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان إلخ .. وقد روى نحو هذا المعنى الترمذي عن أنس والبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنهم جميعاً .

قطعة

من

الوجه الرابع :قوله كلهن) تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله فيه دليل على إنواء الخير والتسبب فيه ، بشرط أن يكون ذلك السبب يصدر عنه في جري العادة في تلك الطاعة التي تُنوى، أو تكون بعض المحتملات التي صدر عن ذلك الفعل، لأن سليمان عليه السلام علق وجدان الفرسان بالوَطْء. والوطءُ قد يكون منه حَمْل وقد لا يكون. وإن كان، فقد يكون بالإناث دون الرجال، وقد يكون بهما معاً. وعلى أن يكون الحمل كله بالرجال قد يكونون ممن يطيقون الحرب ويحسنون الركوب، وقد يكونون بغير ذلك، إلى غير ذلك من الوجوه المحتملات. فإفراده أحد الوجوه من المحتملات كلها وهو: أن يأتي الكل بأولاد ذكور ، كلهم يجاهد في سبيل الله تقوية رجاء منه عليه السلام وإبلاغ في حسن النية، لأنه قد تقرر أن نية المؤمن أبلغ من عمله) (۲) فهو ينوي ما استطاع أن يعقد النية عليه، فإن قدر عليه فيها ونِعْمَت، وإن عجز فقد حصل له أجر النية. وقد قال النبي : ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه ) (٣) . وكذلك فيما نحن بسبيله سواء من أتى أهله لشهوة كان له ذلك ومن أتاهن لإدخال السرور عليهن ولكي يوصل لهن حقاً واجباً لهن عليه، ولكي يولد له مولود في الإسلام فيكثر المسلمون بنكاحه فله بحسب ما احتوت عليه نيته ومنه قول عمر رضي الله عنه (إني لأتزوج النساء وما لي إليهن ،حاجة وأطأهن وما لي إليهن شهوة. فقيل له : ولم يا أمير المؤمنين؟ قال : رجاء أن يخرج الله من ظهري من يكثر به محمد ال الأمم يوم القيامة ) (٤) . صلى الله عليه وسلم وإنما قال عمر ، رضي الله عنه ، هذا لكي يُقتدى به فيه لأن انعقاد النية على هذا الحال من أفعال البر . وإظهار أفعال البر مع القدرة على إخفائها ،رياء لكن لما أن عارضته مصلحةٌ دينية أعظَمُ له في الأجر من الإخفاء صَرَّحَ بذلك. ومن هذا الباب كان إخبار سليمان عليه السلام ليبين لمن حضره ما هو المقصود بالجماع؟ ولأي شيء يراد؟ فعلى هذا فينبغي للمرء أن يحسن نيته ما استطاع، ويبالغ في ذلك جهده، ثم بعد إبلاغ الجهد يستسلم الله حين الفعل فإن أراد عزّ وجلّ

إمضاء ذلك أمده بالعون حتى يحصل للمرء ما نوى، وإن أراد غير ذلك فقد حصل له أجر النية . ولأجل هذا المعنى أخذ أهل الصوفة في المبالغة في إنواء الخير (٥) من حيث هو خير ، لا

(۱) :يريد نية الخير وانتواءه .

(۲) ذكرنا سابقاً أنه رواه العسكري في الأمثال والبيهقي عن أنس مرفوعاً.

(۳) متفق عليه عن عمر رضي الله عنه .

(٤) يكثر الأمم : يغلبها في الكثرة .

(٥) أي نية الخير .

يردّهم عن ذلك شيء، حتى لقد حكي عن بعض فضلائهم أنه كان مريضاً فدخل عليه بعض إخوانه فقال لهم : انْوُوا بِنا حَجا، انوُوا بنا رباطاً، وعدّد لهم أنواعاً من أفعال البر، فقالوا له : كيف وأنت على هذا الحال ؟ فقال : إن عشنا وفينا ، وإن متنا حصل لنا أجر النية .

ولأجل حسن نياتهم وتتبعهم هذا المعنى، كان بعض فضلائهم إذا أتى الجماع الذي هو أعظم ما يكون من الملذوذات يأتيه وهو معتبر في الحكمة في ذلك الفعل على ما هو عليه، وما ينتج عنه فلو كان إتيانه للشهوة لما صدر الاعتبار في ذلك الحال . فإذا كان هذا حالهم في النكاح الذي هو أعظم الملذوذات يرجع لهم بحسن نياتهم مما يتقربون به فكيف بهم في غيره من التصرفات؟ لكن بقي على هذا الفصل سؤال وهو أن يقال : قد تقرر أن العلماء أفضل من غيرهم لقوله عليه السلام (ما) طلب العلم في الجهاد إلا كبزقة في بحر) وقد قررتم أن سليمان عليه السلام إنما أراد إعظام النية، فكان الأولى على تلك القاعدة أن ينوي بهم أن يكونوا علماء؟ والجواب عنه : أن العلماء جُعِلوا لتقرير الأحكام وبيانها، والفرسان جُعِلوا لنصرة الدين وإعلاء الكلمة . فطلب سليمان ما هو المثبت للأصل، مع أنه لا ينافي أن يكون الفارس عالماً .

الوجه الخامس : قوله فقال له صاحبه: إن شاء الله . فلم يقل : إن شاء الله فيه دليل على الإرشاد لأهل الفضل بالتأدب والاحترام لأن سليمان عليه السلام لما أن نسي الاستثناء فيما

أراد فعله لم يأمره صاحبه بالاستثناء، وإنما تكلم بذلك حكاية لكي يتنبه ،سليمان عليه السلام للاستثناء، فيستثني ؛ لأن الأمر لهم فيه شيء ما من قلة الاحترام. وإنما سكت ،سليمان عليه السلام عن الاستثناء لكونه نسي، ولم يسمع صاحبه حين استثنى. وأما لو سمع أو لم ينس لاستثنى، لأن الاستثناء من باب تأدب العبودية مع الربوبية، والأنبياء عليهم السلام، أعظم الناس في ذلك الشأن . ولكن لما أراد الله عزّ وجلّ غير ما إليه قصد أنساه أن يعلق ذلك بالمشيئة . الوجه السادس : فيه دليل على تنبيه المفضول على الفاضل وترك الهيبة له مع وجود الحق . فإن سليمان عليه السلام أفضل أهل زمانه لأنه رسول والرسل أفضل أهل زمانهم، لكن لما أن الاستثناء لم يكن صاحبه ليسكت له على ذلك .

الوجه السابع : قوله عليه السلام: والذي نفس محمد بيده لو قال : إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله عزّ وجل فرساناً أجمعون فيه دليل على أن نجح السعي المقطوع به أن يجمع المرء فيه بين الحقيقة وأدب الشريعة. فإذا فعل ذلك نجح سعيه لا محالة لأنه عليه السلام الصادق بغير يمين، فكيف باليمين؟ ولأن سليمان لما أن نسي الاستثناء، وهو الحقيقة - وقد حصل أدب الشريعة، وهو ما نوى من الخير والتسبب فيه، وهو النكاح مع قوة الرجاء في أحد المحتملات، كما

ذكرنا، ولم يتم السعى لأجل نقص تعلق الأمر بالحقيقة . فعلى هذا فيحتاج المرء أن يحضر أدب الشريعة في الحال والماضي والمستقبل مع تحقيق التعلق بالوحدانية والتوكل عليها، والاعتماد على الفضل والمن إن أراد نجح سعيه .

وو.

وقد نبه، عزّ وجلّ، على هذه الأحوال الثلاثة في كتابه فقال في الماضي ( وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا ) (۲) وقال في الحال إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِـ وقال في المستقبل ( وَلَا نَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا . إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ) (٤) فهذه الأحوال الثلاثة من طريق الاعتقاد ومن طريق التصرف في المحسوس على مقتضى الشريعة في الأمر الذي يكون التصرف فيه بصدق وتصديق . فمن وفق لذلك فقد كملت له دائرة السعادة ونجح سعيه في

الدنيا والآخرة فيما أراد بمقتضى الآي وقسم الشارع عليه السلام جعلنا الله ممن وفق لذلك بمنه وأما قوله عليه السلام والذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله يمينه عليه السلام تأكيد في الإبلاغ، لأنه هو الصادق بلا قسم، فكيف بالقسم؟ وإخباره عليه السلام بأنه لو قال : إن شاء الله ، إثبات لتحقيق فائدة حكم الاستثناء في بلوغ امال من استعملها كان له ما يرجوه من الفائدة فيما يتسبب فيه في المستقبل أو الحال .

وفيه من الفقه أن الأشياء لا تمشي إلا على ما اقتضتها حكمة الحكيم للرفيع والوضيع ومن أراد أمراً بخلاف ذلك لم يمش له ذلك . وفي ذلك زيادة للرسل عليهم السلام، وتأكيد في حقهم لأنهم الذين أرسلوا بالحكمة، وهم أهل الحقيقة .

ويترتب عليه من الفائدة النظر في العلم بما يحتاج المرء إليه في عمله قبل الدخول فيه . والله

الموفق، والحمد لله ربّ العالمين.

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) هذا جواب لما ) . (۲) سورة الكهف من الاية ٢٤

(۳) سورة الفاتحة ، الآية ٥ .

(٤) سورة الكهف، الآية ٢٣ ومن الآية ٢٤ .

محيا

مُسلِم .

ديث الشهادة بالطاعون

أنس بن مالك رضي الله عَنهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال : (الطاعونُ (۱) شهادةٌ لكل

ظاهر الحديث يدل على أن من مات من المسلمين بعلة الطاعون مات شهيداً. والكلام عليه

من وجوه :

الوجه الأول : من مات بالطاعون هل يلحق بالشهداء الذين قتلوا في سبيل الله أم لا؟ أما في اشتراك الاسم فنَعَمْ ، لأن النبي لا الهلال و عدم الشهداء سبعة، وذكر فيهم : المطعون . وأما في تضعيف الأجر فهو متوقف على إخبار الشارع عليه السلام، ولم يجىء عنه في ذلك شيء، وأعني في هذا الحديث، لأن تفضيل الشهداء بعضهم على بعض قد ورد في الكتاب والسنة . أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ . فَرِحِينَ بِمَا ءَاتَنهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ) (۲) فنص عزّ وجلَّ على أن هذه الرتبة العلياء إنما تكون للذين قتلوا في سبيل الله دون غيرهم من الشهداء .

(1) الطاعون : داء ورمي وبائي مُعْدِ حادّ يتسبب عن عدوى بميكروب (جرثوم) يسمى : باسيل الطاعون والطاعون أصلا مرض يصيب الحيوانات القارضة كالجرذان، وتنتقل عدواه بوساطة لدغ البراغيث التي تعيش متطفلة على هذه الحيوانات. وعندما تلدغ البراغيث فأراً مصاباً بالطاعون تمتص قليلاً من دمه المحمّل بميكروبات المرض وتصبح قادرة على نقل العدوى إلى فأر سليم أو إلى إنسان إذا لدغته والطاعون الذي يصيب الإنسان يظهر في ثلاث صور : دُمّلي وتسمّمي ورئوي. ويبدأ في الأنواع الثلاثة بارتفاع درجة الحرارة مع صداع وإعياء شديدين، ثم تظهر أعراض تسمّمية كاحتقان الوجه والعينين وجفاف اللسان، ويبدو المريض قلقاً مذعوراً وينتتابه هَوَسٌ تعقبه غيبوبة قد تنتهي بالوفاة في أغلب الأحيان . وللطاعون أنواع منه طاعون البقر وطاعون الخيل (ويسمى مرض (النجمة وطاعون الدجاج وطاعون الماشية وطاعون الطيور وخير علاج لهذه الأنواع الحيوانية ذبح الحيوانات ثم إحراقها والتطهير الشامل لأماكن هذه

الحيوانات المصابة .

(۲) سورة آل عمران الآية ١٦٩ ومن الآية ۱۷۰ .

وأما السنة فقوله عليه السلام) (أرواح الشهداء في حواصل طير خضر، تأكل من ثمار الجنة وتشرب من أنهارها ، حتى يَرُدّها الله إلى أجسادها يوم القيامة (١) ، وقوله عليه السلام فيهم أيضاً : إنهم يأتون يوم القيامة وجرحهم يثعب دماً، اللون لون الدم والريح ريح المسك فبان بهذا أن للقتلى في سبيل الله فضلا على غيرهم من سائر الشهداء .

الوجه الثاني : فيه دليل على أن الخير كله لأهل الإيمان وإن كان ظاهر ما يجري عليهم ضده، لأن هذا الطاعون الذي كان بلاءً هو في نفسه رحمة للمؤمنين، إذ أنه سبب لموتهم على الشهادة والشهادة أعلى المراتب على ما تقرر في الشريعة، ومثل ذلك أيضاً الغرق والهدم والحرق

والنفساء، إلى غير ذلك مما ورد في هذا المعنى هو في ظاهره بلاء وهو في حقيقته رحمة . الوجه الثالث : فيه دليل على فضل هذه الأمة على غيرها لأن الطاعون كان بلاء لغيرها وجُعِل شهادة لها، فينبغي لمن أصابه شيء منه أن يُسَرَّ به ويَشكر عليه ، لأن الشهادة قد حصلت له، وهي أعظم المراتب ونعني بالشكر هنا أن يشكر على الشهادة التي حصَلَتْ له لا على البلاء . ولأجل هذا المعنى قال بعض الصحابة حين أُنْفِذَتُ مقاتِلُه في الجهاد (۳) : فزت ورَبِّ الكعبة. لأن المنفوذ المقاتل ميت فسُرَّ لكونه مات شهيداً .

الوجه الرابع : فيه دليل على أن الخير إنما يكون بحسب قوة الإيمان، لأن ما كان قبل هذا بلاء عاد بنفسه رحمة لهذه الأمة، لكونها أقوى إيماناً ممن تقدم يدل على ذلك قوله تعالى في صفتهم يُؤْمِنُونَ بِالغَيبِ ) (٤) ثم قال أيضاً في حقهم كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ (٥) وقال تعالى : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا (٦) أي عدولاً ، فلأجل ما خصوا به من قوة الإيمان جعلت لهم

هذه المدحة .

(1) أرواح الشهداء في حواصل طير خُضر إلخ. جاء في حديثين : الأول: عن ابن مسعود أنه سأل النبي الله عن قوله تعالى: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتَا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) فقال : أرواحهم في جوف طير ﴿ خُضْر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح من الجنة حيث شاءت إلى آخر الحديث الذي رواه مسلم . والثاني : عن ابن عباس قال: قال رسول الله الله لما أصيب إخوانكم جعل الله أرواحهم في جوف طير ،خُضْر تَردُ أنهار الجنة تَردُ من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش إلخ . رواه أبو داود وصححه الحاكم . (۲) رواه البخاري في الجهاد وفي الوضوء وفي الذبائح، ورواه مسلم في الإمارة عن أبي هريرة رضي ولفظه : لا يكلم أحد في سبيل الله - والله أعلم بمن يكلم في سبيله - إلا جاء يوم القيامة وجرحه يَشْعَب ، اللون لون الدم، والريح ريح المسك ويَتَعَب : يسيل دماً.

(۳) أنفذت مَقاتِله : نفذت السهام القاتلة في جسمه فقتلته .

(٤) سورة البقرة ، من الآية ٣ .

(٥) سورة ال عمران من الآية ۱۱۰ .

(٦) سورة البقرة من الاية ١٤٣ .

الله عنه .

الوجه الخامس : فيه دليل على تحقيق قسم الشارع عليه السلام، حيث قال (والله لا يقضي

الله للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له) (۱) لأن الطاعون من أعظم البلاء، وجعل بنفسه للمؤمن من أعلى الدرجات، وهي الشهادة، وكذلك جعل له البلاء كله سبباً لرحمته وأعلى لدرجته، حتى الشوكة

يُشاكها يكفّر بها من خطاياه . الوجه السادس : فيه دليل على أن حقيقة الإيمان تتضمن الخوف والرجاء، لأن ما نحن بسبيله دليل واحد يتضمن الخوف والرجاء لأنه في ظاهره بلاء، فيقع الخوف عند نزوله لئلا يكون حقيقة، ويقع الرجاء في الوعد الجميل الذي نحن بسبيله فيقوى الرجاء بذلك. فإذا كان هذا في دليل واحد فكيف به في دلائل عدة؟ فالإيمان بحقيقته متضَمَّنه يوجب الخوف والرجاء، ولذلك قال عليه السلام لو وزن رجاء المؤمن وخوفه لاستويا) (٢) .

الوجه السابع فيه دليل على أن شأن المؤمن أن يحسن ظنه بالله تعالى مطلقاً في دِقِ الأمور وجلّها ، ولا يلتفت إلى الأعراض، ولا يعباً بها، لأن هذا محتمل لوجهين : إما بلاء أو رحمة، ولا يعلم حقيقة ما هو عند نزوله إلا الله عزّ وجلَّ . وكذلك كل الأمور لا يعلم حقيقتها إلا هو سبحانه . وقد نص، عزَّ وجلَّ في كتابه على رأفته بالمؤمنين ورحمته ،بهم، وأن كل قضاء يقضيه لهم أو عليهم خير لهم فقال تعالى : ( وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) (۳) وقال عزّ وجلَّ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ) (٤) فوجب بالوعد الجميل حسن الظن، ولا يلتفت إلى الأعراض وذواتها وإنما يلتفت إلى الوعد الجميل . ولهذا قال تعالى ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَيِنُ الْقُلُوبُ ﴾ (٥) فلم يعلق، عزّ وجلَّ، الاطمئنان بسبب من الأسباب، لأنها مظنة للتغيّر وعلق الطمأنينة به ، وهو الذي لا يتغير ولا يحتمل التغيير. الوجه الثامن فيه دليل على ضد هذا الوجه وهو الخوف للمؤمن في هذه الدار ، إذ إن أعلى لأن يصبر المراتب ـ وهو الإيمان - لا يُؤمَن معه من بلاء هذه الدار. وعند نزول البلاء صاحبه محتمل فيحصل له ما وعد أو لا يصير فيخسر الدارين نعوذ بالله من ذلك. وقد وقع مثل هذا في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ،وبحضرته، وهو ما روي أن بعض المسلمين كان يقاتل العدو بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وأحسن

(۱) سبق تخريجه في الحديث ١٢٣ . (٢) أورده الفتني في تذكرة الموضوعات والقالي في الأسرار المرفوعة وابن عراق في تنزيه الشريعة والسيوطي في الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة بلفظ : لو وزن خوفُ المؤمن ورجاؤه كانا سواء، وفي رواية : لاعتدلا .

(۳) سورة البقرة من الآية ٢١٦ . (٤) سورة الأحزاب، من الآية ٤٣ . (٥) سورة الرعد من الاية ۲۸ .

في القتال، فتعجبت الصحابة رضوان الله عليهم من شدته في القتال ونهضته، فذكروا للنبي يا الله أمره، فأخبرهم أنه من أهل النار (۱) ، فتعجبوا من ذلك، فراقبه بعضهم واتبع أثره، فراه قد تنقل بالجراح، فلم يصبر فقتل نفسه بيده. ولهذا كان عليه السلام يقول (لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف) (۳) .

الوجه التاسع : فيه دليل لأهل السنة حيث يقولون بأن العادة لا تؤثر بنفسها، لأن هذا كان بلاء لمن تقدم ، ثم عاد بنفسه وصفته رحمة لهذه الأمة .

الوجه العاشر : فيه دليل لأهل السنة حيث يقولون بأن قدرة الله تعالى لا تحصر بالعقل، لأن هذا كان بلاء بنفسه وعاد رحمة بنفسه، وحالته واحدة لم تتغير. ولهذا قال بعض الفضلاء في تنزيه القدرة

أَبْدَى وأَخفَى لُطفَه في قَهْرِهِ فَعَطَاؤُهُ في مَنْعِهِ مُتَكَتِمُ

الوجه الحادي عشر : فيه دليل على اتفاق حكمة الحكيم، لأنه لما أن جعل عزّ وجلَّ هذه الدار للتغيير جعل كل ما فيها مظنة للتغيير مثل هذا وما أشبهه ولما أن جعل عزّ وجلَّ الآخرة للبقاء جعل كل ما فيها باقياً لا يتغير من خير وضده.

الوجه الثاني عشر : فيه دليل لأهل التحقيق الذين يرون بدوام الافتقار ولا يعوّلون على ما يظهر لهم من مبادىء الأمور، لأن هذا وافق ظاهره باطنَه ،مرة وخالف ظاهره باطنه مرة أخرى . وكل الأمور مثله في هذا المعنى، فلما شاهدوا من عدم إدراكهم لحقيقة الأمور سلّموا الله تعالى في كل قضائه، وافتقروا إليه في كل حركة وسكون لجهلهم بعاقبة الأمور ، ولعلمه بها وبهم وبما يَرِد عليهم ( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (٣) . ولهذا كان عليه السلام، يعلّم الصحابة، رضوان الله عليهم، دعاء الاستخارة كما يعلمهم السورة من القرآن لأجل أن الأمور قد تكون بمقتضى ما يدل عليه ظاهرها، وقد تكون بمقتضى ضده كما هي فيما نحن بسبيله

الوجه الثالث عشر : فيه دليل للخائفين من السابقة، لأنه لولا أن السابقة قد سبقت بأن هذا يكون علماً على السعادة وعلى ضدّها - وهو على صورة واحدة لا يتبدل - لما كان كذلك. وكذلك

(۱) مروي بالمعنى والحديث رواه البخاري في الجهاد باب إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وفي المغازي باب غزوة خيبر، وفي القدر باب العمل في الخواتيم ورواه مسلم في الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان

نفسه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . (۲) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . (۳) سورة الملك ، الآية ١٤ .

كل ما في الأمور من التغيير والتبديل والتحسين والتقبيح. كل ذلك بما قد سبق في الإرادة الأزلية،

فوجب الخوف من السابقة لأجل هذا المعنى .

الوجه الرابع عشر فيه دليل للخائفين من العاقبة الذين لا ينظرون إلا إليها، ولا يلتفتون للحال، لأن هذا مبدؤه بلاء، وقد تكون عاقبته مثله أو ضده، وكل الأمور مثله، فوجب الخوف من العاقبة لأجل هذا المعنى.

الوجه الخامس عشر : فيه دليل للزاهدين إذ إن الأشياء بذواتها يتغير المقصود فيها والزهد مندوب لذاته . فأخذ ما هو مندوب لذاته أولى من أَخْذِ ما هو ممكن لأن يحصل به المراد أو لا يحصل، وأقل ما فيه من التغييرات أن صاحبه يبقى متوقفاً لا يدري هل يحصل له ما قصد أو لا يحصل؟ .

الوجه السادس عشر : فيه دليل لأهل الصوفة الذين لا يلتفتون للأسباب إلا من جهة الامتثال ويتعلقون بمسببها، إذ إن الأمور تبقى على صورتها والحقائق فيها مختلفة كما هو هذا كان بلاءً ثم عاد رحمةً ، والصِّفةُ واحدة لم تتغيَّر .

الوجه السابع عشر : فيه دليل على فصاحة النبي ، و بلاغته ، لأنه أتى بلفظ واحد يدل على

معان كثيرة متساوية ومتضادة كما تقدم .

يفهم

يتوهم

الوجه الثامن عشر : فيه دليل على عظيم قدرة الله تعالى، إذ الشيء الواحد يفهم منه أشياء متعددة متساوية ومتضادة كما تقدم، وذلك مختلف في الناس بحسب ما يسر الله لهم من الفهم . فبعضهم لا يفهم منه إلا التلاوة لا غير وبعضهم يفهم منه وجهاً من الخوف ليس إلا، وبعضهم وجهاً من الرجاء ليس إلا، وبعضهم يفهم بعض المعاني المذكورة على انفرادها ليس إلا، وبعضهم يفهم منه معنيين ليس إلا ، وبعضهم يزيد على ذلك إلى عدد يطول وصفه هنا . وكل واحد أنه لا يفهم من هذا غير هذا وبعضهم يرى أن فهمه فيما فتح به علیه باجتهاده وحسن نظره فيحصل له به اغترار واستدراج وهذا هالك وبالله أستعيذ . وبعضهم يرى ذلك فتحاً عليه ليس إلا ، وهذا باب من أبواب الخير الممدوحة، وبعضهم يراه فتحاً عليه ويرى رؤية الفتح مِنّةٌ أخرى عليه . ومن وقف هنا وقف على باب من الخير عظيم. فإن استرسل في تدقيق النظر حتى تخلّى التخلّي الكلّي دون حظ من إبقاء البشرية بما يوفي أثر التكليف ومقتضى الحكمة فذلك مخوف، وإن أبقى عليه هناك طرفاً من البشرية لتوفية حد التكليف ولإعظام حكمة الحكيم والأخذ فقد سبح هذا في بها، فهذا قد جمع الكمال لجمعه بين تعظيم قدرة القدير ومقتضى حكمة الحكيم بحرِ النعم، وخُلِع عليه خِلعُ القرب والإفضال. فسبحان من هَزَّ برياح آثار قدرته أغصان قلوب عباده، فمنهم متواضع بالافتقار ومنهم رائع بالخوف والإعظام، ومنهم متقلب بين هذه الأطوار،

بحر

ولا نهاية في تحديد هذه الأطوار إلا إدراك قدرة الملك الجبار . وإنما هذه إشارة للفطن يستدل على عظيم قدرة القدير. يشهد لما قررناه ،قوله عليه السلام ( إنما أنا قاسم والله يُعطي) (۱) . فاللفظ واحد والأفهام مختلفة، والخطاب منفرد والأحوال متفرقة .

يبين

هذا ويزيده إيضاحاً قوله عليه السلام قلب المؤمن أشد تقلباً من القدر إذا اجتمعت غليانا) (۲) فمرة تحركه رياح الخوف ومرة تحركه رياح الرجاء ومرة تحركه رياح الشوق، ومرة تحركه رياح القلق، ومرة تحركه رياح اللجأ إلى غير ذلك من الرياح المثيرة لكل خير جميل ، ثم يتداخل بعضها على بعض. وحقيقة الإيمان توجب تقلب القلب ابتداءً من غير أن تهزه هذه الرياح، لأجل ما يتبين له ما هو فيه من عظيم الافتقار إذا نظر بعين الاعتبار في صنع الحكيم ذي المن والإفضال، فكيف به إذا هزته تلك الرياح المثيرة لما تقدم من الخير العظيم ؟ . جعلنا الله ممن أجزل له من ذلك أفضل نصيب وأسعده به في الدنيا والآخرة إنه ولي كريم . وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

رواه البخاري ومسلم عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما ومطلعه : من يرد الله به خيراً يُفقهه في

الدين . . . إلخ .

(۲) رواه الإمام أحمد والحاكم من حديث المقداد بن الأسود رضي الله عنه .

عديث حفر الخندق في غزوة الأحزاب

عَنِ البَراءِ (۱) ، رضيَ الله عَنهُ قالَ : رأيتُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَومَ الأحزاب (۲) يَنقُلُ التُّرابَ، وَقَد وارَى التُّرابُ بَياضَ بَطنِهِ، وَهُوَ يَقولُ لَولا أنتَ ما اهتدينا ولا تَصدَّقنا ولا صَلَّيْنا فَانزِل السَّكينة علينا، وَثَبَتِ الأقدامَ إن لاقينا، إنَّ الألى قَد بَغوا علَينا، إذا أرادُوا فِتْنَةً أَبَيْنا

ظاهر الحديث يدل على التحصن من العدو والحذر منه وأخذ الأهبة لقتاله . والكلام عليه

من وجوه :

الوجه الأول: فيه دليل على أن الإمام ينزل للخدمة مع أصحابه إذا كانوا في أمور الحرب وإعانتهم فيما هم ،بسبيله ، لأن النبي الا الله و نزل للخدمة مع أصحابه وأعانهم على ما كانوا بسبيله . خُلُقه، إذ إنه في الفضل حيث هو، ومع الوجه الثاني : فيه دليل على تواضع النبي وحسن ذلك الفضل العظيم كان ينقل التراب مع أصحابه كأنه واحد منهم .

الوجه الثالث : قوله ( وقد وارى التراب بياض بطنه فيه دليل على أن البطن ليس بعورة، لأنه

لو كان عورة لما ظهر من النبي للغير .

(۱) تقدمت ترجمته في الحديثين ٦٦ و ۹۲ .

يوم الأحزاب، هو في التاريخ غزوة الخندق أو غزوة الأحزاب. وسبب هذه الغزوة أن حيي بن أخطب بعد قتل بني النضير خرج إلى مكة يحرض قريشاً على حرب رسول الله الا الله و لو خرج كنانة بن الربيع يسعى في بني غطفان ويحرضهم على قتال رسول الله ، على أن لهم نصف ثمر خيبر فاجابه عيينة بن حذيفة الفزاري إلى ذلك وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد، فأقبل إليهم طلحة بن خويلد فيمن أطاعه وخرج أبو سفيان بقريش فنزلوا بمَمَرْ الظهران فجاءهم من أجابهم من بني سليم مددا لهم فصاروا في جمع عظيم فهم الذين سماهم الله تعالى (الأحزاب). أما تفصيل أحداث هذه الغزوة فتجدها في سيرة ابن هشام وطبقات ابن سعد، والبخاري (المغازي) ومسلم (الجهاد) وجوامع السيرة لابن حزم والمغازي للواقدي .

الوجه الرابع : فيه دليل على أن التشمير حين الخدمة سنة ، لأنه لولا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متشمّراً لذلك لما ظَهَر بطنه .

الوجه الخامس : قوله عليه السلام) لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فيه دليل على أن الرَّجَز في الدعاء جائز إذا كان غير مقصود، لأن النبي دعا به ولم يقصده . وفيه دليل على أن أفعال الخير تُنسب إلى الله تعالى وإن كان العبد هو المتسبب فيها، لأن المولى جل جلاله هو المُنعِم بها. يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام (لولا أنت ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا) .

الوجه السادس فيه دليل على الاجتهاد في امتثال الحكمة والتوحيد المحض برد الأمر إلى الله تعالى بعد إبلاغ الجهد في العمل لأنه عليه السلام أبلَغَ في العمل واجتهد فيه، فحفر وحمل التراب، وأمر أصحابه رضوان الله عليهم بذلك، مع أنه عليه السلام يعلم أنه منصور مؤيَّد، لكنه امتثل للحكمة وأبلغ فيها ثم بعد ذلك ردَّ الأمر إلى الله تعالى، وأقر أن ذلك ليس بيده . وهو

التوحيد المحض .

وعلى هذا الأسلوب كانت أفعاله عليه السلام يدخل أولاً في الفعل امتثالاً للحكمة ويستعين بالله عليه، ثم بعد الفراغ يتبرأ منه ويرد كل ذلك إلى الله تعالى مثل خروجه عليه السلام إلى الحج والغزو، واستعانته عند الخروج، وتوبته عند الرجوع . وقد أبدينا معنى ذلك في غير ما حديث . الوجه السابع : قوله عليه السلام فأنزل السكينة علينا وثبتِ الأقدامَ إنْ لا قيْنا يَرِد عليه سؤال وهو أن يقال : السكينة معناها : التثبت عند نزول الأمر، وثبت الأقدام معناه ذلك ، فلِمَ طلبهما معاً وهما لمعنى واحد؟ (والجواب أن السكينة ليست كالتثبت في المعنى، لأن السكينة تُحتاج نزول الحوادث، فيتوقف عند نزولها ويتدبر في الواقع وما مقتضى الحكمة فيه بالعقل ولسان العلم . وتثبيت الأقدام إنما يحتاج إليه عند القتال والمقابلة، فطلب عليه السلام السكينة فيما دون

عند

الحرب للمعنى الذي ذكرناه، وطلب تثبيت الأقدام حين المقابلة، إذ هو المقصود في الحرب. الوجه الثامن: قوله عليه السلام) إن الألى قد بغوا علينا الألى بمعنى: أولئك، لكن بينهما فرق، وهو أن (أولئك) تستعمل للبعيد، والألى تستعمل للقريب فذكر ما هو مستعمل للقريب لكون العدو كان قريباً من المدينة القرب الكلي حتى كأنه حاضر معهم ى كأنه حاضر معهم (۱) . وبَغَوا بمعنى : طَغَوا . أي

إنهم طغوا حتى أتوا لقتالنا

(۱) الألى جمع لا واحد له من لفظه . قال الجوهري : واحده (ذا) للمذكر و (ذه) للمؤنث، ويُمَدُّ ويُقصَر. و(ألى) بوزن (عُلا ) فهو أيضاً جمع لا واحد له من لفظه واحده الذي والألى بمعنى: الذين قال في التهذيب : إن

ألا وألاء نقلتا من أسماء الإشارة إلى معنى الذين :اللسان أولى.

وقوله عليه السلام إذا أرادوا فتنة أبينا يريد : ثم مع طغيانهم وكثرتهم وطلبهم المقاتلة إذا أرادوا الفتنة في الدين لم نتركهم بل نأخذ في قتالهم .

وفيه دليل على أن الإنسان يسمي حاجته عند الدعاء، لأنه عليه السلام ذكر ما أراد وعينه . فإن قال قائل : كيف يحتاج إلى التعيين والله عزّ وجلَّ أعلم بذلك من صاحبه؟ قيل له : تسمية الحاجة وتعيينها هي السنة ومقتضى الحكمة ، ومنه قوله تعالى ( وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُوا مِنكُمْ ﴿ وَيَعْلَمَ الصَّبِرِينَ ) (۱) وهو ، عزَّ وجلَّ العالم بكل الأمور على ما هي عليه قبل كونها، وعند كونها على حد واحد . لكن العلم هنا وفي كل موضع أتى على نحو العلم الذي يقع عليه الجزاء بمقتضى الحكمة في التكليف والنقل والشهادة.

وفي الحديث إشارة معنوية وهو أنه إذا كان القدر من التحصن في الجهاد الأصغر على ما سماه ، عليه السلام، حيث قال هبطتم) من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس) (۲) ، فمن باب أولى التحصن في الجهاد الأكبر .

وطريقه كما قال أهل التحقيق أن تجعل بينك وبين الشهوات خندقاً وسوراً ، فإن تَرْكَ الشهوات : قرعُ الباب، وخلعُ العذار (۳) في التنافس في القرب، وتصحيح الحال بحقيقة الافتقار ، وترك الحظوظ، فإن تَرْكَ الحظوظ رفع الحجب وإشغالُ القلب بالتعلق بالوحدانية، حتى يغطي ترابُ القرب بطنَ الافتقار ويعلن لسان حال السر بالنطق بالإخلاص، فيتسابقان في تناهي أحوالهما، كلُّ منهما بمقتضى موضوعه. فهذا قد خَلَع العِذار حتى أبدى ما كان أخفى، وهذا بَذَل المجهود حتى وارى الترابُ ما كان الثوبُ قد وارى. فهناك كَمُل الحال وعزّ المقال، وهو فضل الله يؤتيه من يشاء .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

الحال

(۱) سورة آل عمران الآية ١٤٢ . (۲) تقدم الكلام عنه قبل عدة صفحات.

(۳) خلع العذار في الأصل ترك الحياء والمراد هنا : الجرأة على قرع باب الله ودعائه والتوسل إليه والطلب منه

دون خجل أو استحياء أو تقليل .

وقوله عليه السلام إذا أرادوا فتنة أبينا يريد : ثم مع طغيانهم وكثرتهم وطلبهم المقاتلة إذا أرادوا الفتنة في الدين لم نتركهم بل نأخذ في قتالهم .

وفيه دليل على أن الإنسان يسمي حاجته عند الدعاء، لأنه عليه السلام ذكر ما أراد وعينه . فإن قال قائل : كيف يحتاج إلى التعيين والله عزّ وجلَّ أعلم بذلك من صاحبه؟ قيل له : تسمية الحاجة وتعيينها هي السنة ومقتضى الحكمة ، ومنه قوله تعالى ( وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَهَدُوا مِنكُمْ ﴿ وَيَعْلَمَ الصَّبِرِينَ ) (۱) وهو ، عزَّ وجلَّ العالم بكل الأمور على ما هي عليه قبل كونها، وعند كونها على حد واحد . لكن العلم هنا وفي كل موضع أتى على نحو العلم الذي يقع عليه الجزاء بمقتضى الحكمة في التكليف والنقل والشهادة.

وفي الحديث إشارة معنوية وهو أنه إذا كان القدر من التحصن في الجهاد الأصغر على ما سماه ، عليه السلام، حيث قال هبطتم) من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس) (۲) ، فمن باب أولى التحصن في الجهاد الأكبر .

وطريقه كما قال أهل التحقيق أن تجعل بينك وبين الشهوات خندقاً وسوراً ، فإن تَرْكَ الشهوات : قرعُ الباب، وخلعُ العذار (۳) في التنافس في القرب، وتصحيح الحال بحقيقة الافتقار ، وترك الحظوظ، فإن تَرْكَ الحظوظ رفع الحجب وإشغالُ القلب بالتعلق بالوحدانية، حتى يغطي ترابُ القرب بطنَ الافتقار ويعلن لسان حال السر بالنطق بالإخلاص، فيتسابقان في تناهي أحوالهما، كلُّ منهما بمقتضى موضوعه. فهذا قد خَلَع العِذار حتى أبدى ما كان أخفى، وهذا بَذَل المجهود حتى وارى الترابُ ما كان الثوبُ قد وارى. فهناك كَمُل الحال وعزّ المقال، وهو فضل الله يؤتيه من يشاء .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

الحال

(۱) سورة آل عمران الآية ١٤٢ . (۲) تقدم الكلام عنه قبل عدة صفحات.

(۳) خلع العذار في الأصل ترك الحياء والمراد هنا : الجرأة على قرع باب الله ودعائه والتوسل إليه والطلب منه

دون خجل أو استحياء أو تقليل .

حديث فضل الصيام في الجهاد

، أبي سَعيد الخدري (١)، رضيَ الله عَنهُ قالَ : سَمِعتُ النَّبِيَّ الله يَقُولُ: مَن صَامَ يَوماً في سَبيلِ الله بَعدَ الله وَجهَهُ عَنِ النَّارِ سَبعينَ خَريفاً .

ظاهر الحديث يدل على أن هذا الثواب المذكور فيه للصائم في جهاد العدو، وإن كان يحتمل وجوهاً كثيرة، لكن هذا هو ظاهره بالنص والضمن. لكن له معارض وهو قوله عليه السلام (فاز المفطرون اليوم بالأجر ) (۲) قال ذلك في غزوة كان بعض الصحابة فيها صائماً وبعضهم مفطراً . فسار يوماً فلم يقدر المفطرون على التصرف حين الوصول، وأتى المفطرون عند النزول فضربوا الخيام واستقوا الماء، وقاموا بضرورات إخوانهم، فقال عليه السلام عند ذلك فاز المفطرون اليوم بالأجر) . والجمع بينهما هو أن من كان فيه أهلية للصوم وتوفية ،ضروراته، مع القدرة على ذبّ العدو وقتاله دون نصب يلحقه حتى ينقصه عن هذا الحال فهو الفائز بالأجر على مقتضى الحديث. ومن لم يطق ذلك فليأخذ بالحديث الثاني، فهو أفضل له - أعني الفطر .

وقد يحتمل أن يكون الحديث على العموم، فيكون في سبل البر كلها، كما ذهب إليه بعض الصحابة حين لقي أحد أصحابه وهو عامد إلى المسجد للصلاة وقد اغبرت قدماه بغبار الطريق فقال له : شهدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ما اغبرت قدما رجل في سبيل الله إلا حرمت عليه النار ) (۳) ، فقال له صاحبه : ذلك خاص بالقتال في سبيل الله ؟ فقال : (لا ، بل في كل أفعال البر) .

والكلام على الحديث من وجهين

(۱) سلفت ترجمته في الحديثين ٤٨ و ٨٥ .

(۲) قطعة من حديث رواه الشيخان عن أنس رضي الله عنه بلفظ : ذهب المفطرون اليوم بالاج (۳) رواه أصحاب السنن الأربعة عن مالك بن عبدالله الخثعمي رضي الله عنه .

حديث فضل الصيام في الجهاد

، أبي سَعيد الخدري (١)، رضيَ الله عَنهُ قالَ : سَمِعتُ النَّبِيَّ الله يَقُولُ: مَن صَامَ يَوماً في سَبيلِ الله بَعدَ الله وَجهَهُ عَنِ النَّارِ سَبعينَ خَريفاً .

ظاهر الحديث يدل على أن هذا الثواب المذكور فيه للصائم في جهاد العدو، وإن كان يحتمل وجوهاً كثيرة، لكن هذا هو ظاهره بالنص والضمن. لكن له معارض وهو قوله عليه السلام (فاز المفطرون اليوم بالأجر ) (۲) قال ذلك في غزوة كان بعض الصحابة فيها صائماً وبعضهم مفطراً . فسار يوماً فلم يقدر المفطرون على التصرف حين الوصول، وأتى المفطرون عند النزول فضربوا الخيام واستقوا الماء، وقاموا بضرورات إخوانهم، فقال عليه السلام عند ذلك فاز المفطرون اليوم بالأجر) . والجمع بينهما هو أن من كان فيه أهلية للصوم وتوفية ،ضروراته، مع القدرة على ذبّ العدو وقتاله دون نصب يلحقه حتى ينقصه عن هذا الحال فهو الفائز بالأجر على مقتضى الحديث. ومن لم يطق ذلك فليأخذ بالحديث الثاني، فهو أفضل له - أعني الفطر .

وقد يحتمل أن يكون الحديث على العموم، فيكون في سبل البر كلها، كما ذهب إليه بعض الصحابة حين لقي أحد أصحابه وهو عامد إلى المسجد للصلاة وقد اغبرت قدماه بغبار الطريق فقال له : شهدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ما اغبرت قدما رجل في سبيل الله إلا حرمت عليه النار ) (۳) ، فقال له صاحبه : ذلك خاص بالقتال في سبيل الله ؟ فقال : (لا ، بل في كل أفعال البر) .

والكلام على الحديث من وجهين

(۱) سلفت ترجمته في الحديثين ٤٨ و ٨٥ .

(۲) قطعة من حديث رواه الشيخان عن أنس رضي الله عنه بلفظ : ذهب المفطرون اليوم بالاج (۳) رواه أصحاب السنن الأربعة عن مالك بن عبدالله الخثعمي رضي الله عنه .

الوجه الأول : قوله عليه السلام ( بعد الله وجهه عن النار الوجه هنا عبارة عن الذات أي بعد الله ذاته عن النار، لأن العرب تقول : وجه الطريق وهي تريد عينه وذاته، ولا يسوغ فيه غير ذلك . لأنه لو كان الوجه هنا على ظاهره لم تحصل الراحة بذلك إذا كان البدن في النار والوجه مصروفاً عنها ، ومُحالٌ أن يخبر النبي الا الله بعدم حصول الراحة على فعل من أفعال القرب .

الوجه الثاني : قوله ( سبعين خريفاً) يحتمل ثلاثة أوجه :

(الوجه الأول أن يحمل على ظاهره وليس بالقوي إذ إنه لو كان فاعل ذلك يبقى سبعين خريفاً ثم يعود إلى النار لم تحصل بذلك راحة، لأن الله عزّ وجلَّ، يقول: ﴿ أَفَرَيْتَ إِن مَّتَعْنَهُمْ سِنِينَ . ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ . مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ) (۱) . وكذلك هذا المذكور إذ إنه لو كان ممن يبقى سبعين سنة ، ثم يعود إلى النار ، فكأنه لم ير خيراً ولا نعيماً قط .

(الوجه الثاني) هو أنه قد يكون عليه السلام كَنَى عن كثرة الأجر بالبعد عن النار توسعة. يشهد لها قوله عليه السلام ، اتَّقوا النار ولو بشِقِّ تَمرةٍ) (۲) ، فإذا كان شق تمرة يقي من النار فكيف بهذه المجاهدة العظيمة ؟ فالحاصل من هذا أنه أخبر بعظم أجره بكناية بعدِ النار عنه .

(الوجه الثالث) وهو الأظهر، والله أعلم أنه كنَى بالسبعين على أن فاعل ذلك لا يدخل النار أبداً، لأن العادة عند العرب أنها تطلق السبعين لكثرة العدد الذي لا يتناهى، ومنه قوله تعالى : إن تَسْتَغْفِرْ هُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ﴾ (۳) فقال عليه السلام : (لأزيدَنَّ على السبعين ما لم أُنْهَ) (٤) ، فأخذ عليه السلام ، بظاهر اللفظ شفقة منه ورحمة، ولم ينظر إلى عادة العرب في ذلك، فأنزل عزَّ وجلَّ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ﴾ (٥) فعلِم بالبيان آخراً أن هذا كان المقصود أولاً .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) سورة الشعراء من الآية ۲۰۵ إلى .۲۰۷ (۲) رواه الشيخان من حديث عدي بن حاتم رضي الله

(۳) سورة التوبة من الآية ۸۰ .

(٤) ارجع إلى تفسير قوله تعالى (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُم سَبْعِينَ مَرَةٌ فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ) في فتح الباري والحديث رقم ٤٦٧٠ ورقم ٤٦٧١ ففيه تفصيل شاف عن الموضوع .

(٥) سورة المنافقون من الآية ٦ .

الوجه الأول : قوله عليه السلام ( بعد الله وجهه عن النار الوجه هنا عبارة عن الذات أي بعد الله ذاته عن النار، لأن العرب تقول : وجه الطريق وهي تريد عينه وذاته، ولا يسوغ فيه غير ذلك . لأنه لو كان الوجه هنا على ظاهره لم تحصل الراحة بذلك إذا كان البدن في النار والوجه مصروفاً عنها ، ومُحالٌ أن يخبر النبي الا الله بعدم حصول الراحة على فعل من أفعال القرب .

الوجه الثاني : قوله ( سبعين خريفاً) يحتمل ثلاثة أوجه :

(الوجه الأول أن يحمل على ظاهره وليس بالقوي إذ إنه لو كان فاعل ذلك يبقى سبعين خريفاً ثم يعود إلى النار لم تحصل بذلك راحة، لأن الله عزّ وجلَّ، يقول: ﴿ أَفَرَيْتَ إِن مَّتَعْنَهُمْ سِنِينَ . ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ . مَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ) (۱) . وكذلك هذا المذكور إذ إنه لو كان ممن يبقى سبعين سنة ، ثم يعود إلى النار ، فكأنه لم ير خيراً ولا نعيماً قط .

(الوجه الثاني) هو أنه قد يكون عليه السلام كَنَى عن كثرة الأجر بالبعد عن النار توسعة. يشهد لها قوله عليه السلام ، اتَّقوا النار ولو بشِقِّ تَمرةٍ) (۲) ، فإذا كان شق تمرة يقي من النار فكيف بهذه المجاهدة العظيمة ؟ فالحاصل من هذا أنه أخبر بعظم أجره بكناية بعدِ النار عنه .

(الوجه الثالث) وهو الأظهر، والله أعلم أنه كنَى بالسبعين على أن فاعل ذلك لا يدخل النار أبداً، لأن العادة عند العرب أنها تطلق السبعين لكثرة العدد الذي لا يتناهى، ومنه قوله تعالى : إن تَسْتَغْفِرْ هُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ﴾ (۳) فقال عليه السلام : (لأزيدَنَّ على السبعين ما لم أُنْهَ) (٤) ، فأخذ عليه السلام ، بظاهر اللفظ شفقة منه ورحمة، ولم ينظر إلى عادة العرب في ذلك، فأنزل عزَّ وجلَّ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ﴾ (٥) فعلِم بالبيان آخراً أن هذا كان المقصود أولاً .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) سورة الشعراء من الآية ۲۰۵ إلى .۲۰۷ (۲) رواه الشيخان من حديث عدي بن حاتم رضي الله

(۳) سورة التوبة من الآية ۸۰ .

(٤) ارجع إلى تفسير قوله تعالى (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُم سَبْعِينَ مَرَةٌ فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ) في فتح الباري والحديث رقم ٤٦٧٠ ورقم ٤٦٧١ ففيه تفصيل شاف عن الموضوع .

(٥) سورة المنافقون من الآية ٦ .

حديث من أعان غازيا فله مثل أجره

عَن زيد بن خالد (۱) ، رضيَ الله عَنهُ، أَنَّ رَسول صلى الله عليه وسلم قال : (مَن جَهَّز غازياً في سَبيلِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَد غَزا، وَمَن

ت غازياً في سَبِيلِ اللَّهِ بِخَيْرٍ فَقَد غَزا) .

ظاهر الحديث يدل على أن من جهز غازياً في سبيل الله ، وخَلَفه بخير ، فله من الثواب والأجر مثل ما للغازي والكلام عليه من وجوه : الوجه الأول : هل هذا الثواب مقصور على من جهز غازياً لم يستطع الجهاد وعجز عنه، أو هو عام في المستطيع وغيره؟ يحتمل الوجهين معاً. لكن الأظهر أنه على العموم ، وهو مثل قوله عليه السلام ، مَن فطَّر صائماً فله أجر صائم) (۲) وهو عام في القادر على الفطر وغيره، ولأنه قد يكون ممن يقدر على الجهاد لكن يمنعه الشح على ماله فإذا وجد من يجهزه خرج. وكذلك أيضاً الكلام على من خلفه بخير. ومعناه أنه يخلفه في توفية ما يلزمه من الوظائف مثل النفقة على عياله وما أشبهها ما دام الغازي في الجهاد . الوجه الثاني : هل من أعان غازياً له مثلما لو جهَّزه أم لا؟ ظاهر اللفظ يفيد أن لا إلا أن يكون هو المحتمل لجهازه كله. فإن فعل بعضاً وترك بعضاً كان له الأجر على المعروف الذي فعل ولم يكن له هذا الثواب المذكور. وكذلك أيضاً الكلام على من خَلَفه بخير، وهو أيضاً مثل إفطار الصائم في المعنى، لأنه معلوم أن إفطار الصائم لا يراد به إلا إزالة حاجته إلى الطعام والشراب

زيد بن خالد الحصني الصحابي سكن المدينة، وشهد الحديبية، وكان معه لواء جهينة حين الفتح، روي له (۸۱) حديثاً ، اتفق الشيخان منها على خمسة روى عنه بعض الصحابة والتابعين اختلف في عام وفاته وموطن دفنه فقيل في المدينة، وقيل في الكوفة. وقيل في مصر عام ٥٠ أو ۷۲ أو ۸۰ للهجرة. والله أعلم من

التهذيب) .

(۲) رواه الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ : من فطر صائماً فله مثل أجره . وقد ورد هذا الحديث بطرق مختلفة وبألفاظ مختلفة وتتفق جميعها في المعنى .

حديث من أعان غازيا فله مثل أجره

عَن زيد بن خالد (۱) ، رضيَ الله عَنهُ، أَنَّ رَسول صلى الله عليه وسلم قال : (مَن جَهَّز غازياً في سَبيلِ الله صلى الله عليه وسلم فَقَد غَزا، وَمَن

ت غازياً في سَبِيلِ اللَّهِ بِخَيْرٍ فَقَد غَزا) .

ظاهر الحديث يدل على أن من جهز غازياً في سبيل الله ، وخَلَفه بخير ، فله من الثواب والأجر مثل ما للغازي والكلام عليه من وجوه : الوجه الأول : هل هذا الثواب مقصور على من جهز غازياً لم يستطع الجهاد وعجز عنه، أو هو عام في المستطيع وغيره؟ يحتمل الوجهين معاً. لكن الأظهر أنه على العموم ، وهو مثل قوله عليه السلام ، مَن فطَّر صائماً فله أجر صائم) (۲) وهو عام في القادر على الفطر وغيره، ولأنه قد يكون ممن يقدر على الجهاد لكن يمنعه الشح على ماله فإذا وجد من يجهزه خرج. وكذلك أيضاً الكلام على من خلفه بخير. ومعناه أنه يخلفه في توفية ما يلزمه من الوظائف مثل النفقة على عياله وما أشبهها ما دام الغازي في الجهاد . الوجه الثاني : هل من أعان غازياً له مثلما لو جهَّزه أم لا؟ ظاهر اللفظ يفيد أن لا إلا أن يكون هو المحتمل لجهازه كله. فإن فعل بعضاً وترك بعضاً كان له الأجر على المعروف الذي فعل ولم يكن له هذا الثواب المذكور. وكذلك أيضاً الكلام على من خَلَفه بخير، وهو أيضاً مثل إفطار الصائم في المعنى، لأنه معلوم أن إفطار الصائم لا يراد به إلا إزالة حاجته إلى الطعام والشراب

زيد بن خالد الحصني الصحابي سكن المدينة، وشهد الحديبية، وكان معه لواء جهينة حين الفتح، روي له (۸۱) حديثاً ، اتفق الشيخان منها على خمسة روى عنه بعض الصحابة والتابعين اختلف في عام وفاته وموطن دفنه فقيل في المدينة، وقيل في الكوفة. وقيل في مصر عام ٥٠ أو ۷۲ أو ۸۰ للهجرة. والله أعلم من

التهذيب) .

(۲) رواه الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ : من فطر صائماً فله مثل أجره . وقد ورد هذا الحديث بطرق مختلفة وبألفاظ مختلفة وتتفق جميعها في المعنى .

ليذهب ما به من عناء وظماً . فلإذهاب الظمأ والعناء كان له مثل أجر من تحمله. فإذا فطره بشيء ما مثل التمرة وغيرها فليس المراد ذلك، وإنما المراد ما ذكرناه . نعم لا يخلو من الأجر في تمرته لقوله تعالى: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَمُ ﴾ (١) ، وكذلك فيما نحن بسبيله سواء، لا يخلو المعين للغازي من الأجر على معروفه وأما أن يكون له أجر غاز فاللفظ لا يعطيه .

الوجه الثالث : هل من جهز غازياً على الكمال وخلفه بخير في أهله هل له أجر غازيين أو غاز واحد؟ ظاهر اللفظ يفيد أن له أجر غازيين ، لأنه عليه السلام جعل كل فعل مستقلا بنفسه غير مرتبط بغيره فقال (من جهز غازياً في سبيل الله عزّ وجلَّ فقد غزا)، فقد حصل أجر الغازي لصاحب هذا الفعل، ثم قال بعد ذلك ومن خلف غازياً في سبيل الله بخير فقد غزا)، فحصل للاخر أيضاً مثلما حصل للأول، وهذا فضل من الله ورحمة .

الوجه الرابع : هل جميع أفعال الطاعات من أعان عليها كان له مثلها أو ليس؟ فإن قلنا بأن الحديث تنبيه بالأعلى على الأدنى لقوله عليه السلام (ما أعمال البر في الجهاد إلا كبزقة في بحر) فهو كذلك. وإن قلنا بأن هذا خاص بالجهاد للترغيب فيه لما فيه من التعب والمشاق فقد يرجى ذلك من طريق آخر لقوله تعالى : ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبَرِ وَالتَّقْوَى ) (۲) ولقوله عليه السلام، (الدال على الخير كفاعله ) (۳). فإذا كان الدال عليه مثله فكيف المعين عليه حسّاً؟ والآي والأحاديث في هذا المعنى كثيرة . فقد كثرت الدلائل، فهل من عامل؟ أعاننا الله على ذلك وجعلنا من أهله بمنّه وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) سورة الزلزلة ، الآية ٧ . (۲) سورة المائدة من الآية ٢ .

(۳) رواه الإمام أحمد والضياء في المختارة وابن أبي الدنيا عن أنس وبريدة ورواه البزار عن ابن مسعود، ورواه الطبراني عن سهل بن سعد ، ورواه مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنهم بلفظ : من دل على خير فله مثل أجر

فاعله .

ليذهب ما به من عناء وظماً . فلإذهاب الظمأ والعناء كان له مثل أجر من تحمله. فإذا فطره بشيء ما مثل التمرة وغيرها فليس المراد ذلك، وإنما المراد ما ذكرناه . نعم لا يخلو من الأجر في تمرته لقوله تعالى: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَمُ ﴾ (١) ، وكذلك فيما نحن بسبيله سواء، لا يخلو المعين للغازي من الأجر على معروفه وأما أن يكون له أجر غاز فاللفظ لا يعطيه .

الوجه الثالث : هل من جهز غازياً على الكمال وخلفه بخير في أهله هل له أجر غازيين أو غاز واحد؟ ظاهر اللفظ يفيد أن له أجر غازيين ، لأنه عليه السلام جعل كل فعل مستقلا بنفسه غير مرتبط بغيره فقال (من جهز غازياً في سبيل الله عزّ وجلَّ فقد غزا)، فقد حصل أجر الغازي لصاحب هذا الفعل، ثم قال بعد ذلك ومن خلف غازياً في سبيل الله بخير فقد غزا)، فحصل للاخر أيضاً مثلما حصل للأول، وهذا فضل من الله ورحمة .

الوجه الرابع : هل جميع أفعال الطاعات من أعان عليها كان له مثلها أو ليس؟ فإن قلنا بأن الحديث تنبيه بالأعلى على الأدنى لقوله عليه السلام (ما أعمال البر في الجهاد إلا كبزقة في بحر) فهو كذلك. وإن قلنا بأن هذا خاص بالجهاد للترغيب فيه لما فيه من التعب والمشاق فقد يرجى ذلك من طريق آخر لقوله تعالى : ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبَرِ وَالتَّقْوَى ) (۲) ولقوله عليه السلام، (الدال على الخير كفاعله ) (۳). فإذا كان الدال عليه مثله فكيف المعين عليه حسّاً؟ والآي والأحاديث في هذا المعنى كثيرة . فقد كثرت الدلائل، فهل من عامل؟ أعاننا الله على ذلك وجعلنا من أهله بمنّه وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) سورة الزلزلة ، الآية ٧ . (۲) سورة المائدة من الآية ٢ .

(۳) رواه الإمام أحمد والضياء في المختارة وابن أبي الدنيا عن أنس وبريدة ورواه البزار عن ابن مسعود، ورواه الطبراني عن سهل بن سعد ، ورواه مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنهم بلفظ : من دل على خير فله مثل أجر

فاعله .

حديث اقتناء الخيل في سبيل الله تعالـ

عَن أبي هريرةَ رضي الله عَنهُ قالَ: قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : مَن احتبَسَ فَرساً في سَبيلِ الله : إيماناً بالله وتصديقاً بِوَعدِهِ، فَإِنَّ شِبعَهُ ورِيَّهُ وَرَوْنَهُ وَبَوْلَهُ في مِيزانِهِ يَومَ القِيامَة .

ظاهر الحديث يدل على أن من احتبس فرساً في سبيل الله، إيماناً بالله وتصديقاً بوعده، فكل

أكل الفرس وتصرفه حسنات وأجور في ميزان صاحبه يوم القيامة والكلام عليه من وجوه الوجه الأول: قوله عليه السلام) من احتبس فرساً في سبيل الله يريد : من حبسه بنية جهاد العدو، ولا يريد غير ذلك. وفيه دليل على تأكيد النية في احتباسه لذلك، لأنه أتى فيه بلفظ (احتبس) التي هي من أبنية المبالغة كافتعل ، ولم يقل (حبس) إشارة منه عليه السلام إلى تأكيد النية في هذا الفعل وإزالة الشوائب عنها .

والمعنى في ذلك : أن الفرس من جملة الزينة والترفه ومما جبلت النفس على محبة ركوبه والتصرف عليه، ومما يتفاخر الناس به ويتباهون وفيه أشياء عديدة في هذا المعنى. فلما أن كان في حبسه هذه الوجوه فقد أشار عليه السلام إلى إخلاص النية، إذا قصد به الوجه الذي أراد عليه السلام، ، خشية أن يظن المرء أن فعله ذلك الله ، وليس له ذلك، لما يطرأ عليه من الشوائب في نيته . الوجه الثاني ،قوله عليه السلام) إيماناً) بالله وتصديقاً بوعده) الإيمان بالله تعالى هو التصديق والتحقق بوجود الله وينوي بفعله ذلك الله لا لغيره. والتصديق هو أن يصدق فاعل ذلك لما سمع عن الله من إحسانه وإنجاز وعده الجميل على ذلك الفعل لا يشك فيه إن حصل منه الفعل على مراد الشارع عليه السلام .

الوجه الثالث : قوله عليه السلام، فإن شبعه ورِيَّه ورَوْتَه وبَوْلَه في ميزانه يوم القيامة معناه : أن كل ذلك يكون له يوم القيامة حسنات في ميزانه زيادة على العمل، وهو حبس الفرس. وقد جاء في حديث غير هذا على ما يأتي بعد ولو أنها استَنَّت شَرَفاً أو شَرَفَينِ كان ذلك في ميزانه يوم

حديث اقتناء الخيل في سبيل الله تعالـ

عَن أبي هريرةَ رضي الله عَنهُ قالَ: قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : مَن احتبَسَ فَرساً في سَبيلِ الله : إيماناً بالله وتصديقاً بِوَعدِهِ، فَإِنَّ شِبعَهُ ورِيَّهُ وَرَوْنَهُ وَبَوْلَهُ في مِيزانِهِ يَومَ القِيامَة .

ظاهر الحديث يدل على أن من احتبس فرساً في سبيل الله، إيماناً بالله وتصديقاً بوعده، فكل

أكل الفرس وتصرفه حسنات وأجور في ميزان صاحبه يوم القيامة والكلام عليه من وجوه الوجه الأول: قوله عليه السلام) من احتبس فرساً في سبيل الله يريد : من حبسه بنية جهاد العدو، ولا يريد غير ذلك. وفيه دليل على تأكيد النية في احتباسه لذلك، لأنه أتى فيه بلفظ (احتبس) التي هي من أبنية المبالغة كافتعل ، ولم يقل (حبس) إشارة منه عليه السلام إلى تأكيد النية في هذا الفعل وإزالة الشوائب عنها .

والمعنى في ذلك : أن الفرس من جملة الزينة والترفه ومما جبلت النفس على محبة ركوبه والتصرف عليه، ومما يتفاخر الناس به ويتباهون وفيه أشياء عديدة في هذا المعنى. فلما أن كان في حبسه هذه الوجوه فقد أشار عليه السلام إلى إخلاص النية، إذا قصد به الوجه الذي أراد عليه السلام، ، خشية أن يظن المرء أن فعله ذلك الله ، وليس له ذلك، لما يطرأ عليه من الشوائب في نيته . الوجه الثاني ،قوله عليه السلام) إيماناً) بالله وتصديقاً بوعده) الإيمان بالله تعالى هو التصديق والتحقق بوجود الله وينوي بفعله ذلك الله لا لغيره. والتصديق هو أن يصدق فاعل ذلك لما سمع عن الله من إحسانه وإنجاز وعده الجميل على ذلك الفعل لا يشك فيه إن حصل منه الفعل على مراد الشارع عليه السلام .

الوجه الثالث : قوله عليه السلام، فإن شبعه ورِيَّه ورَوْتَه وبَوْلَه في ميزانه يوم القيامة معناه : أن كل ذلك يكون له يوم القيامة حسنات في ميزانه زيادة على العمل، وهو حبس الفرس. وقد جاء في حديث غير هذا على ما يأتي بعد ولو أنها استَنَّت شَرَفاً أو شَرَفَينِ كان ذلك في ميزانه يوم

القيامة) (۱) . والمعنى في ذلك أن هذا الذي احتبس فرساً في سبيل الله قد حصل له الأجر على فعله ذلك، وبقي إطعامه والنظر في مصالحه فعل زائد (۲) على الاحتباس، فكان له ذلك الأجر المذكور لأجل هذه الطاعة الثانية التي فعل، لقوله تعالى ( جَزَاءً وِفَاقًا ) (۳) تفضلاً منه عزّ وجلَّ، على عباده وتعطفاً .

الوجه الرابع : فيه دليل لأهل السنة في تحقيق الميزان يوم القيامة، وهو موجود هناك محسوس على صورة الميزان المعهود هنا، لأن النبي يا أخبر أن كل ما ذكر عن الفرس يكون في ميزان صاحبه يوم القيامة. ولا يقع الخطاب إلا على ما يعرف هنا ويعهد مثله هناك، لكن بينهما فرق وهو أن صفة الوزن عكس الوزن في الدنيا . فإن الثقيل يصعد إلى فوق والخفيف ينزل إلى أسفل. الوجه الخامس: فيه دليل لأهل السنة في قولهم بأن الحسنات توجد يوم القيامة جواهر محسوسات توزن و ترجح أكانت الحسنات هناك محسوسة أو معنوية؛ لأن ما ذكر عليه السلام (حسنات)، وقد أخبر أنها توزن يوم القيامة. لكن ثقل الحسنات هناك ورجحانها إنما يكون بحسن النية فيها، وعلى قدر حسن النية في العمل يكون ثقل الحسنات التي يثاب عليها . وبالنظر إلى هذا المعنى ترجع جميع الحسنات هناك معنوية، لأنه لا يكون قبول الحسنة إلا بتقديم النية، والنية من جملة المعاني. وقد زاد ،الشارع عليه السلام، لهذا بياناً في حديث اخر حيث قال: (أوقع الله أجره على قَدْر نيته) (٤) ، فكان ثقل الحسنة بحسب قوة المعنى .

الوجه السادس فيه دليل على أن هذه الحسنات المذكورة في الحديث تقبل ولا يدخلها ما يدخل غيرها من باقي الحسنات، لأنه عليه السلام قال في هذه الحسنات إنها تكون في ميزان صاحبها يوم القيامة ولا يكون في الميزان إلا ما قد ،قبل والذي يدخل لغيرها هو ما روي أن بعض الحسنات تُرَدّ ولا تُقبَل ، وبعضها يأخذها المظلومون فيما بقي لهم من التبعات وبعضها تقدم لصاحبها في هذه الدار ومنه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ايْنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ) (٥) قال المفسرون: معناه أن يقدم له ثواب بعض حسناته في هذه الدار ، فكأن قوله عليه السلام في (ميزانه تحضيض

(۱) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . (۲) كذا على تقدير ضمير الشأن أي : بقي الشأن. (۳) سورة النبأ، الآية ٢٦ .

(٤) تقدم تخريجه قبل قليل وذكرنا أن الإمام مالك والإمام أحمد وأبو داود والنسائي رووه وصححه ابن حبان والحاكم في المستدرك عن جابر بن عتيك أن عبدالله بن ثابت تجهز للغزو فمات قبل خروجه ، فقال رسول الله

: إن الله أوقع أجره على قدر نيته .

(٥) سورة البقرة من الاية ۲۰۱ .

القيامة) (۱) . والمعنى في ذلك أن هذا الذي احتبس فرساً في سبيل الله قد حصل له الأجر على فعله ذلك، وبقي إطعامه والنظر في مصالحه فعل زائد (۲) على الاحتباس، فكان له ذلك الأجر المذكور لأجل هذه الطاعة الثانية التي فعل، لقوله تعالى ( جَزَاءً وِفَاقًا ) (۳) تفضلاً منه عزّ وجلَّ، على عباده وتعطفاً .

الوجه الرابع : فيه دليل لأهل السنة في تحقيق الميزان يوم القيامة، وهو موجود هناك محسوس على صورة الميزان المعهود هنا، لأن النبي يا أخبر أن كل ما ذكر عن الفرس يكون في ميزان صاحبه يوم القيامة. ولا يقع الخطاب إلا على ما يعرف هنا ويعهد مثله هناك، لكن بينهما فرق وهو أن صفة الوزن عكس الوزن في الدنيا . فإن الثقيل يصعد إلى فوق والخفيف ينزل إلى أسفل. الوجه الخامس: فيه دليل لأهل السنة في قولهم بأن الحسنات توجد يوم القيامة جواهر محسوسات توزن و ترجح أكانت الحسنات هناك محسوسة أو معنوية؛ لأن ما ذكر عليه السلام (حسنات)، وقد أخبر أنها توزن يوم القيامة. لكن ثقل الحسنات هناك ورجحانها إنما يكون بحسن النية فيها، وعلى قدر حسن النية في العمل يكون ثقل الحسنات التي يثاب عليها . وبالنظر إلى هذا المعنى ترجع جميع الحسنات هناك معنوية، لأنه لا يكون قبول الحسنة إلا بتقديم النية، والنية من جملة المعاني. وقد زاد ،الشارع عليه السلام، لهذا بياناً في حديث اخر حيث قال: (أوقع الله أجره على قَدْر نيته) (٤) ، فكان ثقل الحسنة بحسب قوة المعنى .

الوجه السادس فيه دليل على أن هذه الحسنات المذكورة في الحديث تقبل ولا يدخلها ما يدخل غيرها من باقي الحسنات، لأنه عليه السلام قال في هذه الحسنات إنها تكون في ميزان صاحبها يوم القيامة ولا يكون في الميزان إلا ما قد ،قبل والذي يدخل لغيرها هو ما روي أن بعض الحسنات تُرَدّ ولا تُقبَل ، وبعضها يأخذها المظلومون فيما بقي لهم من التبعات وبعضها تقدم لصاحبها في هذه الدار ومنه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ايْنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ) (٥) قال المفسرون: معناه أن يقدم له ثواب بعض حسناته في هذه الدار ، فكأن قوله عليه السلام في (ميزانه تحضيض

(۱) متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . (۲) كذا على تقدير ضمير الشأن أي : بقي الشأن. (۳) سورة النبأ، الآية ٢٦ .

(٤) تقدم تخريجه قبل قليل وذكرنا أن الإمام مالك والإمام أحمد وأبو داود والنسائي رووه وصححه ابن حبان والحاكم في المستدرك عن جابر بن عتيك أن عبدالله بن ثابت تجهز للغزو فمات قبل خروجه ، فقال رسول الله

: إن الله أوقع أجره على قدر نيته .

(٥) سورة البقرة من الاية ۲۰۱ .

على كسب هذه الحسنات التي ذكر، إذ إنها يجدها صاحبها أحوج ما يكون إليها في ذلك الموضع ، لأنه أحوج ما يكون العبد هناك .

الوجه السابع : هل الحديث مقصور على الفرس لا غير أو هو عام في كل ما يشبهه من أفعال البر؟ والكلام عليه كالكلام على الحديث المتقدم يحتمل الوجهين فقد يتعدى لغيره، وقد يكون مقصوراً على ما جاء به النص.

الوجه الثامن فيه دليل على أن الأعمال تنقسم قسمين دنيوي وأخروي، والنية هي الفارقة بينهما. وقد يرجع ما هو للآخرة للدنيا، وقد يرجع ما هو للدنيا للآخرة بحسب النيات في ذلك، لأن الفرس مما يتخذ لما ذكرناه من الوجوه التي هي للدنيا وزينتها وقد قال تعالى: ﴿ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ) (۱) فإذا صرفت النية فيه إلى الجهاد رجع للآخرة خالصاً، وكان فيه من الثواب ما تقدم ذكره، ثم كذلك بتلك النسبة في سائر الأعمال.

ومثال ذلك في الطرف الآخر طلب العلم الذي هو للاخرة، فإذا قصد به صاحبه التباهي والشهرة يقال له يوم القيامة : إنما فعلت ذلك ليقال فقد قيل فهو أوَّل مَنْ تُسعر به النار يوم القيامة (٢)، على ما جاء في الصحيح، وإلى هذا المعنى أشار عليه السلام، بقوله: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) (۳). فكذلك في جميع الأعمال دقت أو جَلَّت .

وبهذا المعنى فضل أهل الصوفة غيرهم، لأنهم جعلوا كل تصرفاتهم الله وبالله ، حتى إنهم لم يتركوا لأنفسهم فعلاً مباحاً، إلا أنهم يترددون بين واجب ومندوب . وأكدوا الواجب بحسن النية فيه بالإيمان والاحتساب، وأخرجوا المباح إلى المندوب، لأنهم اتخذوه عوناً على الطاعة وأحضروا النية في ذلك مع تكرار الأعمال والأنفاس، فصفوا حتى تسموا بالصفوة . وهو فضل الله يؤتيه من يشاء . وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) سورة النحل، من الآية ۸

هذا معنى لحديث طويل أخرجه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، ولفظه : أول الناس يدخل النار يوم القيامة ثلاثة نفر : يؤتى بالرجل فيقول : ربّ علمتني الكتاب فقرأته اناءَ الليل والنهار رجاء ثوابك، فيقال: كذبت، إنما كنت تصلي ليقال إنك قارى تصلي وقد قيل اذهبوا به إلى النار . ثم يؤتى بآخر فيقول : رب رزقتني مالاً فوصلت به الرحم وتصدقت به على المساكين، وحملت ابن السبيل رجاء ثوابك وجنتك . فيقال : كذبت، إنما كنت تتصدق وتصل ليقال إنه سمح جواد وقد قيل اذهبوا به إلى النار . ثم يجاء بالثالث فيقول : ربّ خرجت في سبيلك، فقاتلت فيك حتى قتلت مقبلاً غير مدبر، رجاء ثوابك وجنتك، فيقال : كذبت إنما كنت تقاتل ليقال إنك جريء شجاع ، وقد قيل، اذهبوا به إلى النار . . (۳) متفق عليه من حديث عمر رضي الله عنه وأوله : إنما الأعمال بالنيات

على كسب هذه الحسنات التي ذكر، إذ إنها يجدها صاحبها أحوج ما يكون إليها في ذلك الموضع ، لأنه أحوج ما يكون العبد هناك .

الوجه السابع : هل الحديث مقصور على الفرس لا غير أو هو عام في كل ما يشبهه من أفعال البر؟ والكلام عليه كالكلام على الحديث المتقدم يحتمل الوجهين فقد يتعدى لغيره، وقد يكون مقصوراً على ما جاء به النص.

الوجه الثامن فيه دليل على أن الأعمال تنقسم قسمين دنيوي وأخروي، والنية هي الفارقة بينهما. وقد يرجع ما هو للآخرة للدنيا، وقد يرجع ما هو للدنيا للآخرة بحسب النيات في ذلك، لأن الفرس مما يتخذ لما ذكرناه من الوجوه التي هي للدنيا وزينتها وقد قال تعالى: ﴿ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ) (۱) فإذا صرفت النية فيه إلى الجهاد رجع للآخرة خالصاً، وكان فيه من الثواب ما تقدم ذكره، ثم كذلك بتلك النسبة في سائر الأعمال.

ومثال ذلك في الطرف الآخر طلب العلم الذي هو للاخرة، فإذا قصد به صاحبه التباهي والشهرة يقال له يوم القيامة : إنما فعلت ذلك ليقال فقد قيل فهو أوَّل مَنْ تُسعر به النار يوم القيامة (٢)، على ما جاء في الصحيح، وإلى هذا المعنى أشار عليه السلام، بقوله: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) (۳). فكذلك في جميع الأعمال دقت أو جَلَّت .

وبهذا المعنى فضل أهل الصوفة غيرهم، لأنهم جعلوا كل تصرفاتهم الله وبالله ، حتى إنهم لم يتركوا لأنفسهم فعلاً مباحاً، إلا أنهم يترددون بين واجب ومندوب . وأكدوا الواجب بحسن النية فيه بالإيمان والاحتساب، وأخرجوا المباح إلى المندوب، لأنهم اتخذوه عوناً على الطاعة وأحضروا النية في ذلك مع تكرار الأعمال والأنفاس، فصفوا حتى تسموا بالصفوة . وهو فضل الله يؤتيه من يشاء . وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) سورة النحل، من الآية ۸

هذا معنى لحديث طويل أخرجه الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، ولفظه : أول الناس يدخل النار يوم القيامة ثلاثة نفر : يؤتى بالرجل فيقول : ربّ علمتني الكتاب فقرأته اناءَ الليل والنهار رجاء ثوابك، فيقال: كذبت، إنما كنت تصلي ليقال إنك قارى تصلي وقد قيل اذهبوا به إلى النار . ثم يؤتى بآخر فيقول : رب رزقتني مالاً فوصلت به الرحم وتصدقت به على المساكين، وحملت ابن السبيل رجاء ثوابك وجنتك . فيقال : كذبت، إنما كنت تتصدق وتصل ليقال إنه سمح جواد وقد قيل اذهبوا به إلى النار . ثم يجاء بالثالث فيقول : ربّ خرجت في سبيلك، فقاتلت فيك حتى قتلت مقبلاً غير مدبر، رجاء ثوابك وجنتك، فيقال : كذبت إنما كنت تقاتل ليقال إنك جريء شجاع ، وقد قيل، اذهبوا به إلى النار . . (۳) متفق عليه من حديث عمر رضي الله عنه وأوله : إنما الأعمال بالنيات

حديث عدم الاتكال على العمل

عَن مُعاذ (۱)، رضيَ الله عَنهُ قالَ : كُنتُ رِدفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى حمارٍ لَهُ يُقالُ لَهُ عُفَير :فَقالَ: يا مُعَاذُ هَل تَدري ما حَقُّ الله علَى ،عبادِهِ وَما حَقُّ العبادِ عَلى الله؟ قُلتُ: الله ورَسولُهُ أَعلَم. قالَ : فَإِنَّ حَقَّ الله على عِبادِهِ أن يَعبُدوه ولا يُشركوا به شَيئاً، وَحَقُّ العِبادِ على الله ألا يُعذِّبَ مَن لا يُشرِكُ به شيئاً فَقُلتُ : يا رَسُولَ الله أَفَلا أُبَشِّرُ به النَّاسَ؟ قالَ : لا تُبَشِّرْهُم فَيَتَّكِلُوا .

ظاهر الحديث يدل على أن المؤمنين المحققين لا يعذَّبون . والكلام عليه من وجوه : الوجه الأول : فيه دليل على تواضع النبي و حسن خلقه، إذ إنه في الفضل حيث هو وكان يركب هو وغيره على دابة واحدة .

الوجه الثاني : فيه دليل على جواز ركوب اثنين على دابة واحدة، إذا كانت مطيقة لذلك . الوجه الثالث : فيه دليل على أن صاحب الدابة أولى بمُقَدَّمِها ، لأن هذه الدابة كانت للنبي الله وكان في مقدمها .

(۱) إضافة إلى ما ذكر في الحديث ٤٣ نقول : معاذ بن جبل أبو عبد الرحمن أنصاري خزرجي أسلم ابن ثماني عشرة سنة، وشهد العقبة الثانية مع السبعين من الأنصار، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم واخى بينه

وبين عبد الله بن مسعود

في سنن النسائي وأبي داود: إنه الله وأخذ بيده وقال : والله إني لأحبك وقال : يا معاذ، لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. وكان أعلم الصحابة بالحلال والحرام، وله حديث : إنه كان ردف النبي الا الله فقال له : هل تدري يا معاذ ما حق الله على عباده وما حق العباد على الله ؟ إلخ الحديث. وأرسله الله إلى اليمن يدعو إلى الإسلام كما كان يفتي الناس على عهد الرسول . وهو إمام ۱٨ العلماء يوم القيامة. مات بطاعون عمواس بالشام سنة ١٨ هـ وعمره ٣٣ عاماً . رثاه ابن مسعود فقال : كان معاذ أمة كإبراهيم من التهذيب.

حديث عدم الاتكال على العمل

عَن مُعاذ (۱)، رضيَ الله عَنهُ قالَ : كُنتُ رِدفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى حمارٍ لَهُ يُقالُ لَهُ عُفَير :فَقالَ: يا مُعَاذُ هَل تَدري ما حَقُّ الله علَى ،عبادِهِ وَما حَقُّ العبادِ عَلى الله؟ قُلتُ: الله ورَسولُهُ أَعلَم. قالَ : فَإِنَّ حَقَّ الله على عِبادِهِ أن يَعبُدوه ولا يُشركوا به شَيئاً، وَحَقُّ العِبادِ على الله ألا يُعذِّبَ مَن لا يُشرِكُ به شيئاً فَقُلتُ : يا رَسُولَ الله أَفَلا أُبَشِّرُ به النَّاسَ؟ قالَ : لا تُبَشِّرْهُم فَيَتَّكِلُوا .

ظاهر الحديث يدل على أن المؤمنين المحققين لا يعذَّبون . والكلام عليه من وجوه : الوجه الأول : فيه دليل على تواضع النبي و حسن خلقه، إذ إنه في الفضل حيث هو وكان يركب هو وغيره على دابة واحدة .

الوجه الثاني : فيه دليل على جواز ركوب اثنين على دابة واحدة، إذا كانت مطيقة لذلك . الوجه الثالث : فيه دليل على أن صاحب الدابة أولى بمُقَدَّمِها ، لأن هذه الدابة كانت للنبي الله وكان في مقدمها .

(۱) إضافة إلى ما ذكر في الحديث ٤٣ نقول : معاذ بن جبل أبو عبد الرحمن أنصاري خزرجي أسلم ابن ثماني عشرة سنة، وشهد العقبة الثانية مع السبعين من الأنصار، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم واخى بينه

وبين عبد الله بن مسعود

في سنن النسائي وأبي داود: إنه الله وأخذ بيده وقال : والله إني لأحبك وقال : يا معاذ، لا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. وكان أعلم الصحابة بالحلال والحرام، وله حديث : إنه كان ردف النبي الا الله فقال له : هل تدري يا معاذ ما حق الله على عباده وما حق العباد على الله ؟ إلخ الحديث. وأرسله الله إلى اليمن يدعو إلى الإسلام كما كان يفتي الناس على عهد الرسول . وهو إمام ۱٨ العلماء يوم القيامة. مات بطاعون عمواس بالشام سنة ١٨ هـ وعمره ٣٣ عاماً . رثاه ابن مسعود فقال : كان معاذ أمة كإبراهيم من التهذيب.

الوجه الرابع : فيه دليل على جواز تسمية البهائم، لأن هذه الدابة سميت بالعُفَيْر، وكذلك سميت الناقة أيضاً بالعضباء .

أبي

الوجه الخامس : قوله عليه السلام (يا معاذ فيه دليل على أن ترك الكُنَى في الأسماء أفضل، وسيأتي لهذا زيادة بيان في حديث الإسراء - إن شاء الله تعالى - وقد تجوز الكناية بإضافة الرجل لولده وما أشبه ذلك، لأن العرب كانت تكني بذلك، ولم ينههم النبي ، وقد كني عليه السلام عليَّ بنَ طالب رضي الله عنه بأبي تراب . وإنما الكناية التي لا تجوز بأبي تراب . وإنما الكناية التي لا تجوز هي ما أُحدِث اليوم من التسمية بـ (الدين)، فذلك لا يسوغ لأنه كذب، والكاذب متعمداً عليه من الوعيد ما قد عُلِم من قواعد الشرع وما جاء فيه بالنص، وإن كان ما قيل فيه حقاً، فأقل ما يكون مكروهاً لمخالفة السنّة في ذلك . يدل على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه أن النبي تزوج جُوَيْرِيَة رضي الله عنها، فوجد اسمها (برة) فكره ذلك الاسم ، وقال فَلَا تُزَكُوا أَنفُسَكُمْ ) (۱) ثم ردَّ اسمها (جويرية). ولو كانت ﴿ الكناية بذلك سائغة لكان السلف رضوان الله عليهم أحقَّ من يَتَسَمَّوْن بذلك، إذ إنهم شموس الهدى وأنوار الظلم، وبهم أقام الله دينه القويم . الوجه السادس : فيه دليل على جواز الكلام على الدابة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كلم معاذاً

على الدابة .

الوجه السابع : فيه دليل على جواز كلام الرجل مع أخيه وهو مدبر عنه بوجهه إذا كان ذلك

لضرورة، لأن النبي لا تكلم معاذاً وهو غير مقابل له بوجهه لضرورة ركوبهما على الدابة معاً . الوجه الثامن : فيه دليل على الاستفهام للمتعلم وإن كان يعلم أنه لا يعلم في ذلك شيئاً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم استفهم معاذاً فيما أراد أن يلقي إليه، وحينئذ ألقى إليه . والمعنى في ذلك أن المتعلم إذا استُفهِم ولم يكن له علم بما يُلقَى إليه يصغي إذ ذاك لما يُقال ويأخذه بأهبة، فيكون أسرع في التعلم وأحد للذهن . الوجه التاسع : قوله (الله ورسوله أعلم يَرِد عليه سؤال، وهو أن يُقال : ما الحكمة في جوابه بقوله : الله ورسوله أعلم ؟ والجواب من وجوه الوجه (الأول) أن يكون على طريق الأدب، كما قالت الصحابة رضوان الله عليهم، حين سألهم النبي الا الله و يا بلد هذا ؟ (۳). (الوجه الثاني لعل أن يكون

في الأمر زيادة الوجه الثالث التبرك بسماعه من النبي

(۱) سورة النجم من الاية ۳۲ .

(۲) كان ذلك في خطبة النبي الله الله في حجة الوداع .

الوجه الرابع : فيه دليل على جواز تسمية البهائم، لأن هذه الدابة سميت بالعُفَيْر، وكذلك سميت الناقة أيضاً بالعضباء .

أبي

الوجه الخامس : قوله عليه السلام (يا معاذ فيه دليل على أن ترك الكُنَى في الأسماء أفضل، وسيأتي لهذا زيادة بيان في حديث الإسراء - إن شاء الله تعالى - وقد تجوز الكناية بإضافة الرجل لولده وما أشبه ذلك، لأن العرب كانت تكني بذلك، ولم ينههم النبي ، وقد كني عليه السلام عليَّ بنَ طالب رضي الله عنه بأبي تراب . وإنما الكناية التي لا تجوز بأبي تراب . وإنما الكناية التي لا تجوز هي ما أُحدِث اليوم من التسمية بـ (الدين)، فذلك لا يسوغ لأنه كذب، والكاذب متعمداً عليه من الوعيد ما قد عُلِم من قواعد الشرع وما جاء فيه بالنص، وإن كان ما قيل فيه حقاً، فأقل ما يكون مكروهاً لمخالفة السنّة في ذلك . يدل على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه أن النبي تزوج جُوَيْرِيَة رضي الله عنها، فوجد اسمها (برة) فكره ذلك الاسم ، وقال فَلَا تُزَكُوا أَنفُسَكُمْ ) (۱) ثم ردَّ اسمها (جويرية). ولو كانت ﴿ الكناية بذلك سائغة لكان السلف رضوان الله عليهم أحقَّ من يَتَسَمَّوْن بذلك، إذ إنهم شموس الهدى وأنوار الظلم، وبهم أقام الله دينه القويم . الوجه السادس : فيه دليل على جواز الكلام على الدابة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كلم معاذاً

على الدابة .

الوجه السابع : فيه دليل على جواز كلام الرجل مع أخيه وهو مدبر عنه بوجهه إذا كان ذلك

لضرورة، لأن النبي لا تكلم معاذاً وهو غير مقابل له بوجهه لضرورة ركوبهما على الدابة معاً . الوجه الثامن : فيه دليل على الاستفهام للمتعلم وإن كان يعلم أنه لا يعلم في ذلك شيئاً، لأن النبي صلى الله عليه وسلم استفهم معاذاً فيما أراد أن يلقي إليه، وحينئذ ألقى إليه . والمعنى في ذلك أن المتعلم إذا استُفهِم ولم يكن له علم بما يُلقَى إليه يصغي إذ ذاك لما يُقال ويأخذه بأهبة، فيكون أسرع في التعلم وأحد للذهن . الوجه التاسع : قوله (الله ورسوله أعلم يَرِد عليه سؤال، وهو أن يُقال : ما الحكمة في جوابه بقوله : الله ورسوله أعلم ؟ والجواب من وجوه الوجه (الأول) أن يكون على طريق الأدب، كما قالت الصحابة رضوان الله عليهم، حين سألهم النبي الا الله و يا بلد هذا ؟ (۳). (الوجه الثاني لعل أن يكون

في الأمر زيادة الوجه الثالث التبرك بسماعه من النبي

(۱) سورة النجم من الاية ۳۲ .

(۲) كان ذلك في خطبة النبي الله الله في حجة الوداع .

ويترتب عليه من الفقه أن السؤال إذا كان محتملاً لما يعلمه الشخص فإن كان السائل له أرفع

منه في العلم أو الحال ردَّ بدل الجواب سؤالاً ، ليحصل له بذلك زيادة علم أو بركة أو مجموعهما، وإن كان دونه يفصح له، لأنه طلب يدل على تعليم فيعلمه، ولا يحل له التجاهل لأنه يدخل تحت ( من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة). رواه أبو داود (۱) .

الوجه العاشر : قوله عليه السلام هل تدري ما حق الله على عباده، وما حق العباد على الله ) حق الله على عباده وحقٌّ العباد على الله صفتان متغايرتان فحقُ الله على عباده حقٌّ واجب حتمٍ لا انفكاك للعباد عنه، وحقٌّ العباد على الله حق تفضل وامتنان، لا حقٌّ وجوب محتوم لأن ذلك في حقه، جل جلاله مستحيل وفيه دليل على أن الحق يُطلق على ما كان من طريق الوجوب، وعلى ما كان من طريق التفضل ، إذا علم المخاطب ذلك . ولا يجوز أن يُطلق ذلك لمن لا يعلمه، لأن النبي الله أخبر بذلك معاذاً لكونه كان عالماً بسياق الحديث وما المراد منه ، لما تقرر عنده قبل من العلم الذي كان لديه فأَجمَل له في الإخبار ومنع عليه السلام، الإخبار به للغير .

الوجه الحادي عشر : فيه دليل على أن الجهل بالحق لا يسقطه إذا عمل موجبه ، لأن المؤمنين قد حصل لهم الحق بمقتضى ما أخبر بالعمل ،ومنع عليه السلام إخبارهم بالحق الذي لهم . الوجه الثاني عشر : فيه دليل لأهل السنة حيث يقولون بوجوب الإيمان قبل النظر والاستدلال، وأن النظر والاستدلال شرط كمال لا شرط صحة لأنه قد صح لعامة المؤمنين هذا الحق المذكور في الحديث بمجرد الإيمان ومعلوم أن عامة المؤمنين لم يكن إيمانهم بالنظر والاستدلال، إنما كان بالتسليم والاستسلام كما قال عمر رضي الله عنه ديننا هذا دين العجائز أي في العجز والاستسلام. فإذا حصل لهم الإيمان فقد حصل لهم ما وعدوا عليه، والعلم بعد ذلك بالدليل على المعبود أو بالعلم بالموعود على العمل لا ينقص مما قد تحصل من أحد المطلوبين شيئاً من إيمان أو عمل ، بل ذلك زيادة فضيلة وتَرَق (۲) .

الوجه الثالث عشر : فيه دليل على أن زيادة العلم بعد القدر الذي يحتاج إليه العمل محتملة للزيادة والنقص فإن كان المخبر به فيه أهلية كانت الزيادة في العلم له خيرا، وإن كان ليس فيه أهلية كانت الزيادة له نقصاً. يؤخذ ذلك من أنه عليه السلام أخبر بما ذكر لمعاذ ومنعه من أن يخبر الغير به، لأن معاذاً صفته على ما تقدم.

(۱) كما رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وصححه الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه . (۲) لعله يريد أن الإيمان بالله الواحد وملائكته وكتبه واليوم الآخر واجبة أولاً، أما البحث والاستدلال على وجود الله ووحدانيته والأمور الأخرى فتأتي تالية وليست شرطاً واجباً، وإنتما هي كمال وفضيلة .

ويترتب عليه من الفقه أن السؤال إذا كان محتملاً لما يعلمه الشخص فإن كان السائل له أرفع

منه في العلم أو الحال ردَّ بدل الجواب سؤالاً ، ليحصل له بذلك زيادة علم أو بركة أو مجموعهما، وإن كان دونه يفصح له، لأنه طلب يدل على تعليم فيعلمه، ولا يحل له التجاهل لأنه يدخل تحت ( من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة). رواه أبو داود (۱) .

الوجه العاشر : قوله عليه السلام هل تدري ما حق الله على عباده، وما حق العباد على الله ) حق الله على عباده وحقٌّ العباد على الله صفتان متغايرتان فحقُ الله على عباده حقٌّ واجب حتمٍ لا انفكاك للعباد عنه، وحقٌّ العباد على الله حق تفضل وامتنان، لا حقٌّ وجوب محتوم لأن ذلك في حقه، جل جلاله مستحيل وفيه دليل على أن الحق يُطلق على ما كان من طريق الوجوب، وعلى ما كان من طريق التفضل ، إذا علم المخاطب ذلك . ولا يجوز أن يُطلق ذلك لمن لا يعلمه، لأن النبي الله أخبر بذلك معاذاً لكونه كان عالماً بسياق الحديث وما المراد منه ، لما تقرر عنده قبل من العلم الذي كان لديه فأَجمَل له في الإخبار ومنع عليه السلام، الإخبار به للغير .

الوجه الحادي عشر : فيه دليل على أن الجهل بالحق لا يسقطه إذا عمل موجبه ، لأن المؤمنين قد حصل لهم الحق بمقتضى ما أخبر بالعمل ،ومنع عليه السلام إخبارهم بالحق الذي لهم . الوجه الثاني عشر : فيه دليل لأهل السنة حيث يقولون بوجوب الإيمان قبل النظر والاستدلال، وأن النظر والاستدلال شرط كمال لا شرط صحة لأنه قد صح لعامة المؤمنين هذا الحق المذكور في الحديث بمجرد الإيمان ومعلوم أن عامة المؤمنين لم يكن إيمانهم بالنظر والاستدلال، إنما كان بالتسليم والاستسلام كما قال عمر رضي الله عنه ديننا هذا دين العجائز أي في العجز والاستسلام. فإذا حصل لهم الإيمان فقد حصل لهم ما وعدوا عليه، والعلم بعد ذلك بالدليل على المعبود أو بالعلم بالموعود على العمل لا ينقص مما قد تحصل من أحد المطلوبين شيئاً من إيمان أو عمل ، بل ذلك زيادة فضيلة وتَرَق (۲) .

الوجه الثالث عشر : فيه دليل على أن زيادة العلم بعد القدر الذي يحتاج إليه العمل محتملة للزيادة والنقص فإن كان المخبر به فيه أهلية كانت الزيادة في العلم له خيرا، وإن كان ليس فيه أهلية كانت الزيادة له نقصاً. يؤخذ ذلك من أنه عليه السلام أخبر بما ذكر لمعاذ ومنعه من أن يخبر الغير به، لأن معاذاً صفته على ما تقدم.

(۱) كما رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وصححه الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه . (۲) لعله يريد أن الإيمان بالله الواحد وملائكته وكتبه واليوم الآخر واجبة أولاً، أما البحث والاستدلال على وجود الله ووحدانيته والأمور الأخرى فتأتي تالية وليست شرطاً واجباً، وإنتما هي كمال وفضيلة .

الوجه الرابع عشر : فيه دليل لأهل الصوفة حيث يأخذون بالاجتهاد في الأعمال بالصدق والتصديق موافقة لما به ،أمروا وإذعاناً لما عنه نهوا ، ولم يلتفتوا لما لَهُم في ذلك، لأن الأعمال بعد حصول الإيمان طريق النجاة على ما تقرر والزيادة على ذلك كما تقدم محتملة للزيادة والنقص فتركوا الاشتغال بما هو محتمل للزيادة والنقص وأخذوا في الطريق المذكور الذي ليس فيه احتمال . فلما أن عملوا على ذلك وجدوا في طلبه فمن كان منهم فيه أهلية للزيادة يسر له أسباب الزيادة، وفتح عليه في ذلك بأيسر أمر وفي أقل زمان ومن كان منهم ليس فيه أهلية للزيادة بقي على حاله ذلك حتى توفي عليه ولم يلحقه نقص عما أخذ بسبيله، لأن من العلم ما يكون سبباً للجهل. وقد صرح عليه السلام بذلك فقال (إن من العلم لجهلاً ) (۱) .

الوجه الخامس عشر : قوله :قلت : الله ورسوله أعلم فيه دليل على رد الأمر إلى الله ورسوله فيما لا يعلم، والاعتراف بالتقصير بين يدي الله ورسوله، وكذلك بين يدي مَنْ أهَلَهُ الله للخير ،

وخصه بالعلم الشرعي .

الوجه السادس عشر : ،قوله عليه السلام فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً فيه وجوه : (الأول) فيه دليل على التعليم قبل السؤال، لأنه عليه السلام، علم معاذاً ولم يقع من

معاذ سؤال .

(الثاني) فيه دليل على جواز البحث في العلم في الطريق وعلى الدواب، هذا بشرط أن يكون الطريق ليس فيه اللغط (۲) الكثير لأنه قلّ أن يتأتى التعلم مع كثرة اللغط، لأن ما أخبر به عليه السلام لمعاذ في الطريق على الدابة من ذلك الباب .

(الثالث) فيه دليل على أن حق الله على عباده ما أشرنا إليه في الأحاديث المتقدمة، وهو الجمع بين امتثال الحكمة وحقيقة التوحيد، لأنه عليه السلام شرط ذلك هنا بقوله حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً فأشار عليه السلام بقوله أن يعبدوه إلى امتثال الحكمة في الأمر والنهي، وأشار بقوله ( ولا يشركوا به شيئاً) إلى حقيقة التوحيد .

(الرابع) فيه دليل على أن من حصل له الجمع بين تينك الحالتين لا يعذب لأنه عليه

(۱) رواه أبو داود في كتاب الأدب باب ما جاء في الشعر عن بريدة رضي الله عنه ولفظه : سمعت رسول الله الله يقول : إن من البيان ،سحرا، وإن من العلم جهلا وإن من الشعر حكماً، وإن من القول عيالاً. وقد ضعفه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء وكذلك قال السيوطي ووافقه المناوي .

(۲) اللغط : الصوت والجَلبة .

الوجه الرابع عشر : فيه دليل لأهل الصوفة حيث يأخذون بالاجتهاد في الأعمال بالصدق والتصديق موافقة لما به ،أمروا وإذعاناً لما عنه نهوا ، ولم يلتفتوا لما لَهُم في ذلك، لأن الأعمال بعد حصول الإيمان طريق النجاة على ما تقرر والزيادة على ذلك كما تقدم محتملة للزيادة والنقص فتركوا الاشتغال بما هو محتمل للزيادة والنقص وأخذوا في الطريق المذكور الذي ليس فيه احتمال . فلما أن عملوا على ذلك وجدوا في طلبه فمن كان منهم فيه أهلية للزيادة يسر له أسباب الزيادة، وفتح عليه في ذلك بأيسر أمر وفي أقل زمان ومن كان منهم ليس فيه أهلية للزيادة بقي على حاله ذلك حتى توفي عليه ولم يلحقه نقص عما أخذ بسبيله، لأن من العلم ما يكون سبباً للجهل. وقد صرح عليه السلام بذلك فقال (إن من العلم لجهلاً ) (۱) .

الوجه الخامس عشر : قوله :قلت : الله ورسوله أعلم فيه دليل على رد الأمر إلى الله ورسوله فيما لا يعلم، والاعتراف بالتقصير بين يدي الله ورسوله، وكذلك بين يدي مَنْ أهَلَهُ الله للخير ،

وخصه بالعلم الشرعي .

الوجه السادس عشر : ،قوله عليه السلام فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً فيه وجوه : (الأول) فيه دليل على التعليم قبل السؤال، لأنه عليه السلام، علم معاذاً ولم يقع من

معاذ سؤال .

(الثاني) فيه دليل على جواز البحث في العلم في الطريق وعلى الدواب، هذا بشرط أن يكون الطريق ليس فيه اللغط (۲) الكثير لأنه قلّ أن يتأتى التعلم مع كثرة اللغط، لأن ما أخبر به عليه السلام لمعاذ في الطريق على الدابة من ذلك الباب .

(الثالث) فيه دليل على أن حق الله على عباده ما أشرنا إليه في الأحاديث المتقدمة، وهو الجمع بين امتثال الحكمة وحقيقة التوحيد، لأنه عليه السلام شرط ذلك هنا بقوله حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً فأشار عليه السلام بقوله أن يعبدوه إلى امتثال الحكمة في الأمر والنهي، وأشار بقوله ( ولا يشركوا به شيئاً) إلى حقيقة التوحيد .

(الرابع) فيه دليل على أن من حصل له الجمع بين تينك الحالتين لا يعذب لأنه عليه

(۱) رواه أبو داود في كتاب الأدب باب ما جاء في الشعر عن بريدة رضي الله عنه ولفظه : سمعت رسول الله الله يقول : إن من البيان ،سحرا، وإن من العلم جهلا وإن من الشعر حكماً، وإن من القول عيالاً. وقد ضعفه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء وكذلك قال السيوطي ووافقه المناوي .

(۲) اللغط : الصوت والجَلبة .

السلام قال (وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً) ومن لا يشرك به شيئاً هو الذي أتى بتينك الحالتين المطلوبتين قبل. ومن اقتصر على إحداهما وترك الأخرى لم يتم له قَدَمٌ بعد في الإيمان، ولم يأت بما هو المطلوب منه على الكمال. وقد صرح الشارع عليه السلام بهذا المعنى حيث قال (الإيمان :إيمانان إيمان لا يدخل صاحبه النار وإيمان لا يخلد صاحبه في النار ) (۱) . فالإيمان الذي لا يدخل صاحبه النار هو ما صرح عليه السلام به هنا وهو من أتى به على الكمال فوفى ما به أمر واجتهد فيه امتثالاً للحكمة وتحقيقاً للوحدانية، وأبلغ جهده والإيمان الذي لا يخلد صاحبه في النار هو الناقص عن الكمال الآخذ بطرف والتارك للآخر، والتارك لبعضهما على الجملة والعامل ببعضهما .

الوجه السابع عشر ،قوله عليه السلام (لا) تبشرهم فيتكلوا إنما نهاه عليه السلام عن الإخبار به لأجل أن التوكل على ضربين شرعي ولغوي. فمن لم يكن له علم فالتوكل عنده لغوي وهو المعبر عنه عند أهل الشرع بالطمع .

معه

والتوكل الشرعي هو التوكل على الله تعالى وتفويض الأمر إليه بعد بذل الجهد في امتثال أمره واجتناب نهيه واللغوي هو الاتكال دون عمل وإلى هذا التوكل أشار عليه السلام هنا، لأنه نهى أن يبشِّر بما أخبر به خيفة التوكل دون عمل . ومعلوم أن التوكل على الوجه المتقدم ذكره، الذي العمل خير عظيم لهم، ومرتبة عليا في حقهم. فلو كان يحدث لهم بذلك الإخبار هذا التوكَّلُ لكان الإخبار لهم بذلك من اكد الأمور، إذ إنه زيادة لهم في الهدى والترقي. ولكن لما أن كانت خشيته عليه السلام من التوكل الآخر منع من ذلك، لئلا يحصل الطمع به لمن لم يكمل الإيمان بشروطه، فيظن أنه من الناجين وليس كذلك، فيكون سبباً إلى الاغترار وترك العمل، وهو نفس الهلاك. أعاذنا الله من ذلك بمنّه .

وإنما حدث الصحابي به بعد ذلك لذهاب هذا التوكل اللغوي الذي ذكرناه، لأنه لما أن تقعدت قواعد الشريعة على الكمال علم عند ذلك المراد بهذا التوكل بتلك القواعد، فلا يحصل به اغترار لأجل ما يعارضه من الآي ،والأحاديث، وما يُبَيِّنُ معناه وما المراد به وبالله التوفيق

والحمد لله وحده .

وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(1) لم يتيسر الوقوف على مصدره.

السلام قال (وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئاً) ومن لا يشرك به شيئاً هو الذي أتى بتينك الحالتين المطلوبتين قبل. ومن اقتصر على إحداهما وترك الأخرى لم يتم له قَدَمٌ بعد في الإيمان، ولم يأت بما هو المطلوب منه على الكمال. وقد صرح الشارع عليه السلام بهذا المعنى حيث قال (الإيمان :إيمانان إيمان لا يدخل صاحبه النار وإيمان لا يخلد صاحبه في النار ) (۱) . فالإيمان الذي لا يدخل صاحبه النار هو ما صرح عليه السلام به هنا وهو من أتى به على الكمال فوفى ما به أمر واجتهد فيه امتثالاً للحكمة وتحقيقاً للوحدانية، وأبلغ جهده والإيمان الذي لا يخلد صاحبه في النار هو الناقص عن الكمال الآخذ بطرف والتارك للآخر، والتارك لبعضهما على الجملة والعامل ببعضهما .

الوجه السابع عشر ،قوله عليه السلام (لا) تبشرهم فيتكلوا إنما نهاه عليه السلام عن الإخبار به لأجل أن التوكل على ضربين شرعي ولغوي. فمن لم يكن له علم فالتوكل عنده لغوي وهو المعبر عنه عند أهل الشرع بالطمع .

معه

والتوكل الشرعي هو التوكل على الله تعالى وتفويض الأمر إليه بعد بذل الجهد في امتثال أمره واجتناب نهيه واللغوي هو الاتكال دون عمل وإلى هذا التوكل أشار عليه السلام هنا، لأنه نهى أن يبشِّر بما أخبر به خيفة التوكل دون عمل . ومعلوم أن التوكل على الوجه المتقدم ذكره، الذي العمل خير عظيم لهم، ومرتبة عليا في حقهم. فلو كان يحدث لهم بذلك الإخبار هذا التوكَّلُ لكان الإخبار لهم بذلك من اكد الأمور، إذ إنه زيادة لهم في الهدى والترقي. ولكن لما أن كانت خشيته عليه السلام من التوكل الآخر منع من ذلك، لئلا يحصل الطمع به لمن لم يكمل الإيمان بشروطه، فيظن أنه من الناجين وليس كذلك، فيكون سبباً إلى الاغترار وترك العمل، وهو نفس الهلاك. أعاذنا الله من ذلك بمنّه .

وإنما حدث الصحابي به بعد ذلك لذهاب هذا التوكل اللغوي الذي ذكرناه، لأنه لما أن تقعدت قواعد الشريعة على الكمال علم عند ذلك المراد بهذا التوكل بتلك القواعد، فلا يحصل به اغترار لأجل ما يعارضه من الآي ،والأحاديث، وما يُبَيِّنُ معناه وما المراد به وبالله التوفيق

والحمد لله وحده .

وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(1) لم يتيسر الوقوف على مصدره.

حديث درجات النية في ربط الخيل

ن أبى هريرةَ، رَضِيَ الله عَنْهُ، أَنَّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال : الخَيلُ لثلاثَةِ : لِرَجُلٍ أجر ، ولِرَجُلٍ سِترُ ، وعَلى رَجُلٍ وِزرٌ . فأما الذي هي لهُ أجْرٌ فَرَجُلٌ رَبطَها في سَبيلِ الله ، فأطالَ لها في مَرجِ أو روضةٍ. فَما أصابَت في طيلها (۱) ذلِكَ مِنَ المَرجِ أو الرّوضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَناتٍ . ولو أنها قَطَعَت طِيلَها فاستَنَّت (۲) شَرَفاً (۳) أو شَرفَيْنِ، كانت أرواتُها (٤) وَآثَارُها حَسناتٍ لهُ، ولو أنها مرَّت بنَهَرٍ فَشَرِبَت مِنهُ، وَلَم يُرد أن يَسقِيها ، كانَ ذَلِكَ حَسَناتٍ لَهُ. وَرَجُلٌ رَبطَها تَغنِّياً (٥) وتَعفُّفاً ولَم يَنسَ حَقَّ الله في رِقابِها ولا ظُهورها فهي لذلِكَ سِتر . ورَجُلٌ رَبطَها فَخراً ورياء، ونواء (٦) لأهل الإسلام فَهيَ وِزر على ذلِكَ

ظاهر الحديث يدل على اتحاد العمل في الظاهر واختلافه بالنية على تلك الوجوه الثلاثة . والكلام عليه من وجوه :

الوجه الأول : قوله عليه السلام الخيل لثلاثة : لرجل أجر ، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر ) . وفيه دليل على جواز التقسيم قبل التفسير والبيان لأنه عليه السلام قسم الخيل على ثلاثة

أقسام، ثم بعد ذلك فسّر ما قسم .

(۱) طيلها وطولها حبلها الطويل. (۲) استنت جَرَتْ وعَدَت . : (۳) الشَّرَف: العالي من الأرض.

(٤) أروائها ما تخرج الدابة من رجيع. (٥) تغنياً مؤثراً لها ومستغنياً بها عن غيرها .

(٦) نواء : مناوأة ومعاداة.

حديث درجات النية في ربط الخيل

ن أبى هريرةَ، رَضِيَ الله عَنْهُ، أَنَّ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال : الخَيلُ لثلاثَةِ : لِرَجُلٍ أجر ، ولِرَجُلٍ سِترُ ، وعَلى رَجُلٍ وِزرٌ . فأما الذي هي لهُ أجْرٌ فَرَجُلٌ رَبطَها في سَبيلِ الله ، فأطالَ لها في مَرجِ أو روضةٍ. فَما أصابَت في طيلها (۱) ذلِكَ مِنَ المَرجِ أو الرّوضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَناتٍ . ولو أنها قَطَعَت طِيلَها فاستَنَّت (۲) شَرَفاً (۳) أو شَرفَيْنِ، كانت أرواتُها (٤) وَآثَارُها حَسناتٍ لهُ، ولو أنها مرَّت بنَهَرٍ فَشَرِبَت مِنهُ، وَلَم يُرد أن يَسقِيها ، كانَ ذَلِكَ حَسَناتٍ لَهُ. وَرَجُلٌ رَبطَها تَغنِّياً (٥) وتَعفُّفاً ولَم يَنسَ حَقَّ الله في رِقابِها ولا ظُهورها فهي لذلِكَ سِتر . ورَجُلٌ رَبطَها فَخراً ورياء، ونواء (٦) لأهل الإسلام فَهيَ وِزر على ذلِكَ

ظاهر الحديث يدل على اتحاد العمل في الظاهر واختلافه بالنية على تلك الوجوه الثلاثة . والكلام عليه من وجوه :

الوجه الأول : قوله عليه السلام الخيل لثلاثة : لرجل أجر ، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر ) . وفيه دليل على جواز التقسيم قبل التفسير والبيان لأنه عليه السلام قسم الخيل على ثلاثة

أقسام، ثم بعد ذلك فسّر ما قسم .

(۱) طيلها وطولها حبلها الطويل. (۲) استنت جَرَتْ وعَدَت . : (۳) الشَّرَف: العالي من الأرض.

(٤) أروائها ما تخرج الدابة من رجيع. (٥) تغنياً مؤثراً لها ومستغنياً بها عن غيرها .

(٦) نواء : مناوأة ومعاداة.

الوجه الثاني ،قوله عليه السلام فأما الذي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله هذا الوجه هو أعلى ما تحبس الخيل إليه، وهو المندوب .

بالسنة

الوجه الثالث : قوله عليه السلام، فأطال في مرج أو (روضة) يعني أنه أطال في الشيء الذي ربطها به حتى تسرح في المرج، وتجد سبيلا في الاتساع للمرعى بخلاف أن لو كان الربط قصيراً لم تكن لتسرح في المرعى .

الوجه الرابع : قوله عليه السلام (فما أصابت في طِيَلِها ذلك من المرج أو الروضة كانت له حسنات) يريد بذلك ما أكلت وما شربت وما مشت كان ذلك كله حسنات له يوم يجده موفوراً .

القيامة

الوجه الخامس : قوله عليه السلام ، لو أنها قطعت طِيَلَها فاستَنَّت شَرَفاً أو شَرفَينِ، كانت أروائها وآثارها حسنات) معناه أنها قطعت الشيء الذي ربطت به، وتعدت الموضع الذي تركها صاحبها ترعى فيه، ومضت إلى غيره كل ما تفعل من هذا حتى الروث كان ذلك له حسنات .

الله

الوجه السادس : قوله عليه السلام ولو أنها مرّت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقيها

كان ذلك حسنات له فيه دليل على أن من عمل شيئاً الله ، فكل ما احتوى عليه من المنافع فله أجره، قصده أو لم يقصده علم به أو لم يعلم كان له كارهاً أو راضياً، لأنه عليه السلام، أخبر أن صاحب الفرس لو لم يُرد أن يسقيها فشربت كان ذلك له حسنات، وما ذاك إلا للأصل المتقدم وهو كونه ربطها في سبيل الله . فكذلك كل ما كان أصله الله ، كان ما يحتوي عليه من المنافع - علم بها أو لم يعلم - له حسنات فيه يوم القيامة، ومثل ذلك الفرس إذا كانت النية فيه الله . وعملا على الحديث الذي ورد في فضله، فكل من أصاب من ذلك الفرس شيئاً من ادمي أو طير أو وحش كان كل ذلك حسنات لصاحب الفرس عَلِم به أو لم يعلم ، كان يكره ذلك أو يرضاه، إذ إن الأصل أولاً، كان الله ، ثم بهذه النسبة سائر أفعال البر .

الوجه السابع : قوله عليه السلام : ورجل ربطها تَغَنِّياً وتعففاً ولم يَنْسَ حق الله في رقابها) هذا الوجه مندوب إليه أيضاً. لكن الوجه المتقدم أعلى منه في الندب . لكن لا يكون ندباً إلا إذا جمع تلك الخصال الثلاثة (۱) المذكورة في الحديث وهي التغني والتعفف ولم ينس الله في رقابها . ومعنى التغني : أنه قنع بكسبها عن غيرها من الأموال راضياً بذلك، مؤثراً لها على غيرها. وهو من قولهم : استغنيت بكذا عن كذا أي أثرته على غيره ورضيت به ومعنى التعفف أي :

(۱) كذا.

استعف بالكسب عليها عن المسألة وعن ضرر للناس ومعنى لم ينس حق الله في رقابها :أي في ذواتها، كما يقال رقبة العبد أي ذاته والحق هنا في رقابها قد أشار عليه السلام إليه حين سُئل عنها : هل أنزل عليك في الحمر شيء؟ فقال : لا ، إلا هذه الآية الفاذة (۱) ) فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) (٢ ) .

والحق فيها على مقتضى الآية على ضربين واجب ومندوب (فالواجب) هو ألا يُحمّلها ما لا تطيق، ويوفي لها حقها في الأكل، لأن الضرر ممنوع في الحيوان كله عاقلاً كان أو غير عاقل، وكذلك في الأمور كلها لقوله عليه السلام : (لا ضرر ولا ضرار ) (٣) . (والمندوب) ما أشار إليه بعض العلماء من حمل متاع الكلِّ وركوب المضطر لها . يؤيد ما أشرنا إليه في هذا الوجه قوله عليه السلام : (الرجل ستر) لمن حبسها لتلك الثلاثة الأوجه ومعنى الستر : أن يكون متصلا في الدارين . فالستر في الدنيا هو أن تُغنيه عن مسألة الناس والستر في الآخرة هو أن تنجيه من عذاب النار. وقد قال عليه السلام : (المؤمن تحت ظل صدقته) (٤) . وهذا الكلام مبني على أن (الواو) في قوله عليه السلام : تغنياً وتعفّفاً ولم ينسَ حق الله في رقابها) للعطف . وأما إن كانت الواو للتنويع فليس بشرط في الفعل أن يكون مندوباً الثلاثة المذكورة ولكن إن وجد واحد من الثلاثة كان الفعل مندوباً، وكانت ستراً لصاحبها ـ وهو الأظهر والله أعلم - لأنه ترك في كسبها النية المذمومة، وهو حبسها لزينة الدنيا، وقد قال تعالى زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِن النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ (٥) فإذا ترك المذموم كان له الأجر على تركه، فإذا أضاف إليه اعتقاد المندوب كان من باب أولى أن يرجى له الستر .

بجميع

تلك

ولا يقتصر بهذا على الوجه المذكور لا غير، بل هو عام في كل مكتسبات الدنيا إذا كانت بهذه النية المذكورة، لأن العلة التي بها الحكم منوط موجودة، لأن الحكم ليس معلقاً بالعين. وقد عدّى العلماء الحكم لما هو أقل من هذا، وهو قوله عليه السلام : (لا يقضي القاضي حين يقضي وهو

(۱) الفاذة المتفرّدة عن مثيلاتها . (۲) سورة الزلزلة ، الآيتان ٧ و ٨ .

(۳) رواه الإمام أحمد والطبراني عن ابن عباس ورواه ابن ماجه والبيهقي عن عبادة بن الصامت، ورواه الطبراني وأبو نعيم عن ثعلبة بن مالك القرظي رضي الله عنهم .

(٤) رواه الإمام أحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه على شرط مسلم عن عقبة بن عامر رضي الله عنه بلفظ : كل امرىء في ظل صدقته حتى يُقضَى بين الناس .

(٥) سورة ال عمران من الآية ١٤ .

غضبان)(۱)، فقالوا : كل مُشَوَّش لا يجوز له الحكم معه من حقن (۳) أو جوع أو عطش أو غير ذلك

من التشويشات. فتعدية ما نحن بسبيله أولى لوجود العلة نفسها .

الوجه الثامن: قوله عليه السلام ورجل ربطها فخراً ورياء ونواء لأهل الإسلام أما الفخر والرياء فمعلوم. وأما النّواء فهو مثل ما يفعله الشطار في قطع طريق المسلمين بها، ومثل الظُّلَمة يتخذونها عوناً على ظلم المسلمين وما أشبه ذلك .

ثم الكلام على (الواو) هل هي للعطف أو للتنويع كالكلام في البحث المتقدم. لكن هنا بحث يختص بالموضع وهو أنه إن كانت للعطف فيكون معنى قوله (وزراً) : أثقل ظهره بكثرة الذنوب لأن هذه الثلاثة الأشياء كلها ممنوعة ، وحمل وزرها يثقل الظهر. وإن كانت الواو للتنويع فيكون (الوزر) بمعنى الإثم، لأن كل واحد من هذه الثلاثة الأشياء محجور ،شرعاً وكل من أتى ما هو محجور شرعاً كان مأثوماً .

ولا يقتصر بهذا أيضاً على هذا الوجه لا غير بل هو عام في كل ما أشبهه والكلام على تعديه الغيره كالكلام على تعدي الوجه قبله .

ثم بقي القسم المباح في اتخاذها، وإنما سكت عنه عليه السلام، لأن شأنه أبداً أن يبين ما فيه من الأحكام ويسكت عما سواه، وقد قال عليه السلام: (ما تركته لكم فهو عفو ( ٣ ) . والمباح هو من اقتناها عَرِيّة عن النية المذمومة والمندوبة . والله المستعان . وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

اصفا الضما

(۱) رواه الإمام أحمد والبخاري وأبو داود وابن ماجه عن أبي بكرة رضي الله عنه بلفظ : لا يقضِيَنَّ حَكَم بين اثنين

وهو غضبان . (۲) الحقن: احتباس البول في المثانة .

هو معنى لحديث رواه الحاكم عن أبي ثعلبة رضي الله عنه ولفظه : إن الله حدّ حدوداً فلا تضيعوها، وحرّم أشياء فلا تنتهكوها، وترك أشياء من غير نسيان من ربكم ولكن رحمة منه لكم فاقبلوها ولا تبحثوا عنها .

حديث اللعب بآلات الحرب ومنع البيع والشراء في المساجد

عَن عائشة ، رضيَ الله عَنها قالت: كانَ يوم عيدٍ عِندي يَلعبُ السُّودانُ بالدَّرَقِ وَالحِراب. فإمَا سَأَلْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَإِمّا قالَ: تَشتَهِينَ أَن تَنظُري؟ فَقُلتُ : نَعَمْ . فَأَقامَني (٢). وَراءَهُ. خدي على خَدِّهِ، وَيَقولُ : دُونَكُم يا بَني أَرْفِدَة (٢) . حتّى إذا مَلِلتُ قالَ : حَسْبُكِ؟ قُلتُ : نَعم . قالَ : فاذْهَبي .

ظاهر الحديث يدل على الأزمنة الفاضلة والأيام الفاضلة تشغل بأعظم الطاعات وأجلها وأوجبها، لأن يوم العيد فيه من الفضل ما فيه فعملوا فيه ما هو أفضل الأشياء في وقتهم بل هو المتعين. والكلام عليه من وجوه

الوجه الأول : قولها كان يوم عيد عندي يلعب السودان بالدرق والحراب) إنما أطلقت اللعب عليه مجازاً، وإلا فهو في الحقيقة فرض متعيّن بسبب تعين فرض الجهاد عليهم. ومن ذلك قوله عليه السلام : لعب المؤمن في ثلاث (۳) والثلاث عبادة لا شك فيها .

وفيه دليل على أن ما يُفعَل في هذا الزمان من بطالة الأوقات الفاضلة، من البدع الحادثة المخالفة لفعل السلف . ألا ترى أن يوم العيد يوم ،فاضل فشغلوه بالتدريب على أفعال القتال، إذ أنها المتعينة في الوقت كما تقدم. ولذلك قال لها عائشة رضي الله عنها : تشتهين أن تنظري)؟ وفي رواية كان يوماً عندي يلعب السودان بالدرق والحراب. تريد بقرب منزلي لأن العرب تسمي

(1) الدَّرَق : ضرب من التّرسة ، الواحدة دَرَقَة تتخذ من الجلود، ليس فيها خشب ولا عَقَب. (۲) بنو أرفدة جنس من الحبش يرقصون . قال ابن الأثير هو لقب لهم ، وقيل : هو اسم أبيهم الأقدم يعرفون به. وفاؤه مكسورة وقد تفتح اللسان: مادة رفد).

(۳) اللهو في ثلاث : تأديب فرسك، ورميك بقوسك، وملاعبتك أهلك . أخرجه أبو يعقوب في القراب في فضل الرمي عن أبي الدرداء رضي الله عنه .

الشيء بما قاربه وكان لعب السودان في المسجد ومنزلها ومنازل أزواج النبي الله ورضي الله عنهن شارعة إلى المسجد (۱) . فلما أن كان السودان بقرب منزلها أضافتهم إلى نفسها .

في

الوجه الثاني : أن اللعب في المسجد - على ما هو ظاهر الحديث - ليس على العموم، لما عارضه من الآي والحديث والأثر . أما الآي فقوله تعالى في بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تَرفعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه قال العلماء : معناه أنها تغلق ولا تفتح إلا عند الصلوات والصلاة هي المراد بالذكر الآية، والرفع عبارة عن الغلق والصيانة. وأما الحديث فقوله عليه السلام : إنما المساجد لما بنيت له، فمن نشد ضالة فقولوا : لا جَبَرها الله عليك ) (۳) فالحديث موافق للاي في المعنى . وأما الأثر فما روي عن عمر رضي الله عنه أنه بنى رحبة (4) خارج المسجد تسمّى البطيحاء (٥) ، وقال : من أراد أن يَنشُد ضالة أو يُنشِد شعراً فليخرج إلى هذه الرحبة. وقد كان ابن مسعود رضي الله عنه ، إذا رأى أحداً في المسجد يريد أن يبيع دعاه، فسأله : ما معك وما تريد؟ فإن أخبره أنه يريد أن يبيع قال : عليك بسوق الدنيا، فإنما هذه سوق الآخرة فلم يكن اللعب في المسجد إذ ذاك إلا للضرورة لضيق المدينة وضيق البيوت . ولعب الثقاف (٦) لا بدّ منه في وقتهم ذلك لضرورة التدريب للقتال. فإذا كانت ضرورةٌ مثل هذه جاز، وإلا فلا.

وقد اختلف العلماء في تدريس العلم في المسجد الذي هو أفضل من الجهاد نفسه ـ على ما ورد النص فيه وليس فيه لعب وهو نفس الطاعة - على قولين فمن رأى أنه من الدين ،أجازه ومن رأى أنه من كلام البشر، وهو مؤد إلى ارتفاع الأصوات في المسجد منع . فكيف بهم في لعب إنما كان طاعة بحسب النية فيه ولما يؤول أمره؟ وقد يكون للهو لا غير، فمن باب أولى أن يمنعوه من غير خلاف بينهم إذا عدمت الضرورة التي أشرنا إليها .

وقد اختلف علماؤنا رحمهم الله تعالى في لعب السودان، هل كان في المسجد أو خارجاً ، عنه بقربه ؟ فقال الشيخ أبو الحسن اللخمي في تبصرته : إن لعب الحبش في العيد في المسجد

(۱) شَرّع المنزل : دنا من الطريق وأطل عليه ، ومنازل شارعة إلى المسجد : قريبة منه ومطلّة عليه . (۲) سورة النور من الآية ٣٦ .

: (۳) رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ : إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد، أو ينشد ضالة، فقولوا له لا أربح الله تجارتك ، ولا ردّ عليك ضالتك . فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا .

(٤) الرَّحبَة : الأرض الواسعة . (٥) البطيحاء : الأرض المتسعة يمرّ فيها السيل فيترك فيها الرمل والحصى . (٦) الثقاف والثقافة : العمل بالسيف والتدرب عليه .

(۷) أبو الحسن اللخمي علي بن محمد الربعي أبو الحسن المعروف باللخمي فقيه مالكي، له معرفة بالأدب والحديث قيرواني الأصل، نزل سفاقس وتوفي بها. صنف كتباً مفيدة، من أحسنها تعليق كبير على المدونة في =

منسوخ . ونقل الشيخ ابن عطاء الله (۱) في البيان والتقريب له عن سِنْدِ (۳) أن مالكاً، رحمه الله تعالى کره لعبهم في المسجد ويحمل الحديث على أنها كانت في المسجد تراهم .

الوجه الثالث : قولها فإما سألت رسول الله الله وإما قال تشتهين أن تنظري يُروَى : تشتهين وتنظرين وكلاهما بمعنى واحد . وقولها (إما وإما ) شك منها في أيهما كان الواقع من الكلام الوجه الرابع : قولها فأقامني وراءه خدي على خده فيه دليل على تواضع النبي صلى الله عليه وسلم وحسن

خلقه .

الفتنة .

وفيه دليل لما ذهب إليه العلماء من جواز نظر النساء إلى الرجال إذا كن مستترات أو أمن من

وفيه دليل على أن النظر في اللعب إذا قصد به الطاعة طاعة ، لأنه لما كان لعب السودان بنية التدريب للقتال ترك النبي مع عائشة ، رضي الله عنها ، تنظر إليهم ولو كان النظر إليهم غير طاعة لم یکن ينظر إليهم ولا يترك أهله لذلك، إذ إنه عليه السلام وأهل بيته محال في حقهم التصرف في اللهو والنظر إليه، بل كثير من الأولياء ليس لهم تصرف إلا في واجب أو مندوب فكيف بهم أهل بيت النبوة الذين منهم يورث ذلك، وهم الأصل فيه وغيرهم فرع منهم وتبع لهم؟

ومما شهد لهذا ما روي عنه عليه السلام أنه مرّ بموضع كان بعض الصحابة يتعانون فيه بالرمي، فنزع نعليه ومشى فيه حافياً ثم قال (روضة من رياض الجنة). ومعناه أن العمل الذي عُمِل فيها يوجب روضة من رياض الجنة. وما كان يوجب روضة من رياض الجنة فالنظر إليه عبادة ولعل ببركة الحضور معهم يعم الخير على الكل من لعب ومن نظر .

الوجه الخامس : قوله عليه السلام دونكم بني (أرفدة بنو أرفدة قبيلة من قبائل السودان فكان عليه السلام يحرضهم بقوله ذلك على الشدة والنهضة فيما هم بسبيله، لأن تحريضه عليه السلام لهم يحدث لهم قوة وهمة ليست عندهم قبل

فقه المالكية سماه (التبصرة) أورد فيه آراء خرج بها عن المذهب. توفي سنة ٤٧٨هـ / ١٠٨٥م (الأعلام)

.(٥ / ١٤٨

(1) ابن عطاء الله : هو أحمد بن محمد بن عبدالكريم أبو الفضل تاج الدين ابن عطاء الله السكندري. متصوف شاذلي من العلماء، كان من أشد خصوم الشيخ ابن تيمية له تصانيف كثيرة في التصوف والحكم والوصايا والعظات. توفي بالقاهرة سنة ٧٠٩هـ / ۱۳۰۹م الاعلام (۱(۲۱۳) (۲) :سند هو أبو علي سيند بن عنان بن إبراهيم الأسدي المصري. تفقه بأبي بكر الطرطوشي، وانتفع به، وجلس لإلقاء الدروس بعده ألف كتاب (الطراز) شرح به المدوّنة نحو الثلاثين سفراً، وتوفي قبل إكماله ، وله تأليف في

الجدل وغيره. توفي بالإسكندرية سنة ٥٤١هـ .

(۳) يتعانون : يعانون ويتدربون .

وفيه دليل على التعاون في أفعال البر كيفما أمكن بكلام أو فعل أو غيره، لأن كلام النبي الله

لهؤلاء عون لهم على التعلم. ومثل هذا أيضاً ما روي أن الحسن والحسين رضي الله عنهما كانا يوماً يتسابقان في الرمي، فقال النبي : لازم يا حسين وأنا معك. فأمسك الحسن، فقال له النبي : لِمَ لَمْ تَم ؟ فقال : كيف أرمي وأنت معه؟ فقال: ازم وأنا معكما . كل هذا ندب لتعلم

القتال للجهاد .

وفيه دليل على تعلم أنواع الخير وإن لم يكن المتعلم بها مكلفاً، لأن نظر ،عائشة ، رضي الله عنها، إلى لعب الثقاف قد يحصل لها به التعلم وليس النساء مكلفات بالجهاد حتى يحتجن إلى تعلم الثقاف. لكن من عرفه منهن يحصل لها في معرفته الأجر، وقد يحتجن إليه في بعض الأوقات كما احتجن إليه يوم اليرموك في فتح الشام ، حتى دفعن عن أنفسهن، وتلاحق بهن المسلمون ونجوا كان مشتغلاً بذلك من يد العدو، وعاد النصر للمسلمين على ما ذكره أهل التاريخ ومثال ذلك بطلب العلم وأخذ منه ما يُجزيه لفرضه، فما زاد على ذلك فهو من المرغب فيه، وإن لم يحتج إليه في وقته ذلك، وله الأجر في تعلمه، وقد يعلمه لمن يجب عليه تعليمه. وقد يحتاج إليه في وقت من الأوقات، مثل الفقير يقرأ كتاب الزكاة ويُحْكمه ثم يرجع مَلِيّاً ) ، وما أشبه ذلك .

الوجه السادس : قولها حتى إذا مللت قال : حسبك ؟ قلت : نعم . قال : اذهبي فيه دليل على جواز الحكم على الباطن بما يظهر في الظاهر ، لأن النبي الله استدل على أنها ملّت بما ظهر له من حالها. لكن الحكم بذلك مطلقاً لا يجوز حتى يستيقن ذلك من صاحبه، لأن النبي لا أعرف الناس بذلك الشأن، ثم لم يحكم به حتى استفهمها عنه فأجابت بتحقيق ما ظهر له .

الوجه السابع : فيه دليل على أن التعلم إنما يكون مع الباعث من المتعلم، وإن عُدِم الباعث منه فالترك إذ ذاك لكي تَجُمَّ النفس ثم يأخذه بأهبة ،لأنه عليه السلام ، لما أن ظهر له من عائشة ، رضي الله عنها، أنها ملت قال لها : حَسْبكِ؟ يزيد هذا إيضاحاً ،قوله عليه السلام : (رَوِّحوا القلوبَ ساعة بعد ساعة) (۲) ، ولأن التعلم مع الكسل قلَّ أن يتأتّى منه المقصود.

الوجه الثامن أنه لا يقتصر بالحديث على ما جاء فيه لا غير، بل هو عام في كل الأمور الدنيوية إذا قصد بها الآخرة عادبَ بالقصد ندباً، وإن كان ظاهرها مباحاً، لأن اللعب ظاهره لهو . فلما أن كان القصد به تعلم النقاف لأجل الجهاد كان طاعة. فكذلك كل فعل قصد به الله تعالى

(1) مَلِيّاً غنياً، من الملاءة).

(۲) رواه أبو داود في مراسيله عن ابن شهاب، ورواه القضاعي عن ابن شهاب عن أنس موصولاً .

أو الدار الآخرة وإن كان من أفعال الدنيا فهو بحسن النية فيه مما يتقرب به إلى الله تعالى ويثاب صاحبه عليه كما يثاب على الأفعال التي ليست تعمل إلا للاخرة ومن ذلك ما روي عن عمر، الله عنه، حيث قال إني لأتزوج النساء وما لي إليهن حاجة، وأطأهن وما لي إليهن شهوة، فقيل : ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: رجاء أن يخرج الله من ظهري ما يَكثرُ به محمّد الأممَ يوم

رضي

القيامة). والله الموفق.

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

سلة

(7) al

حديث عزّ المؤمن بطاعة الله ورسوله

عَن ابن عُمَرَ (١) ، رَضِيَ الله عَنهُما ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ : جُعِلَ رِزْقي تَحتَ ظِلُّ رُمحي ،

وَجُعِلَ الذِلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَن خَالَفَ أمري .

ظاهر الحديث يدل على أن رزق النبي له تحت ظل رمحه، وأن الذلة والصَّغار واقعان بمن خالف أمره عليه السلام . والكلام عليه من وجوه

الوجه الأول : أن المخالفة المذكورة في الحديث هل هي عامة أو خاصة؟ ظاهر اللفظ يفيد العموم، وذلك موجود حساً، لأن من خالف أمره، عليه السلام، من كل الجهات - وهم الكفار - أوجب لهم ذلك القتل أو إعطاء الجزية وهم صاغرون ومن خالف في بعض واتبع في بعض كالمؤمنين من أهل البدع والمعاصي أوجب لهم ذلك ذلة العقوبة من الحد وغيره وكراهية الناس لهم . وأما من اتبع أمره عليه السلام في كل الأحوال، من فعل ومقال، فقد ناله العز في الدنيا والآخرة عنه الذل مثل العلماء العاملين والصالحين المتبعين نالهم العز في الدنيا - حتى إن الملوك وأبناء الملوك يأتون في خدمتهم راجين بركة رؤيتهم - ونالهم العز في الآخرة بما أعطوا من الشفاعة في غيرهم، عدا ما اذْخِر لهم من أنواع الكرامات ومن خدمة الملائكة لهم وسكناهم في جوار ربهم. الوجه الثاني : لقائل أن يقول : لم قال عليه السلام : (جُعِلَ رزقي تحت ظل رمحي). ولم يقل في سنان رمحي ولا في غيره من السلاح ؟ والجواب عنه من وجوه : (الأول) أن السنان إنما جُعِل لقتل الأعداء الذين هم أرباب الأموال. فإذا قتلوا بسنان الرماح

وارتفع

تقريب (3)

(۱) سلفت ترجمته في الحديث (٥١).

بقيت أموالهم تحت ظلال رماح المسلمين وهي الغنائم وقد أحلت، بخلاف النبل والسيف؛

فإنهما عند ضرب العدو لم يبقَ لأحدهما ظل حتى تكون الغنيمة تحته .

(الثاني) أن رايات العرب كانت في أطراف الرماح، ولا تكون إقامة الرماح بالرايات إلا مع النصر والظهور . وقد نصره الله عزّ وجلّ، بالرعب أمامه شهراً ، فأحل له ما أوجف عليه بالخيل وما أتاه مذعناً بالرعب، لأنه من خوف الرمح أتى . فهو تحت ظله .

(الثالث) أن السنان ،جعله عليه السلام للجهاد - وهو أكبر الطاعات - فجعل له الرزق في ،ظله أي في ،ضمنه وإن كان لم يقصده . فالطاعة وامتثال الأمر هي الجالبة للرزق . يؤيد هذا التوجيه الكتاب والسنة . أما الكتاب فقوله تعالى ( وَأمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَة وَأَصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْتَلُكَ رِزْقًا حنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَقِبَةُ لِلتَّقْوَى ) (۱) وأما السنة فقوله عليه السلام : لا يُنال ما عند الله إلا بطاعة الله)، وقوله عليه السلام : تكفَّل) الله برزقِ طالبِ العِلم) (۲) وهو عزّ وجلّ، قد تكفل بأرزاق الكل (۳) ، لكن لما أن اشتغل هذا بطلب العلم عن التكسب أتاه رزقه من غير تعب ولا تَسَبّب .

وهنا (إشارة لطيفة) مرغبة في الاتباع وترك الالتفات لما يطرأ على البشرية وما يعرض لها في حال الاتباع، لأنه لما أن جادوا بما طلب منهم في الجهاد من بذل الروح ولم يبالوا بها ، أبدلوا منها في الدارين أعلى منازلهما . ففي الآخرة ما جاء عنهم أنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وأنهم تحت ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله ، وما أنيلوا من الشفاعة، إلى غير ذلك من الآي والأحاديث التي جاءت بالنص في رفع منزلتهم. وفي هذه الدار أُحِلت لهم الغنائم على اختلافها كما قال ﴿ وَأَوْرَتَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَمْوَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا ) (٤) وأنيلوا العز ، وهو النصر والظهور، وهو أعلى منازل هذه الدار. فإذا كان هذا في الجهاد الأصغر فكيف به في الجهاد الأكبر؟ ولذلك قال تعالى في الجزاء على بعض أفعالهم فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ هَهُم مِّن قُرَةٍ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (٥). ولأجل هذا المعنى أخذ أهل الصوفة في الاتباع في كل اللحظات وتركوا الالتفات

(۱) سورة طه الآية ۱۳۲ .

(۲) قطعة من حديث رواها أبو نعيم في الحلية وابن أبي الدنيا والحاكم والبيهقي في المدخل وقال منقطع. كذا قال المناوي في فيض القدير ٤٥١/٢.

(۳) رواه الخطيب في تاريخ بغداد ۸۰/۳ والقضاعي في مسند الشهاب ۲٤٤/١ و ۳۹۱ والديلمي في مسند الفردوس ٧٥/٤. ولفظه، كما ورد فيها من طلب العلم تكفل الله عز وجل برزقه .

(٤) سورة الأحزاب، من الآية ۲۷ .

(٥) سورة السجدة، الآية ١٧ .

للعوارض ولما يطرأ من التغييرات، فلم ينظروا إلى الرّزق ولم يفكروا فيه، واشتغلوا بما هم عليه قادمون، لأن العبد مطلوب والرزق طالب ومضمون فلا يشغل بالمضمون عن المطلوب. ثم زاد هذا الحديث تأكيداً لهذا المعنى إذ الطاعة تيسر الرزق وتسوقه ولهذا المعنى يقول بعض الفضلاء : إذا التفت المريد إلى رزقه أحسن الله له العزاء (۱) في طريقه . والله المستعان .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) العزاء : الصبر على ما ناله .

حديث الترخيص في لبس الحرير

عَن أنس (۱) رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم رخص الله عنه أنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَخَّصَ لِعَبد الرَّحمنِ بنِ عَوْفٍ (۲) والزُّبَيرِ(۳) في قميص مِن حَريرٍ مِن حِكْةٍ كانَت بهما .

ظاهر الحديث يدل على جواز لبس الحرير للعلة المذكورة فيه. والكلام عليه من وجوه : الوجه الأول: هل يستباح لبس الحرير للضرورة إذا كانت على الإطلاق، أو الضرورة مقصورة على ما وردت فيه لا غير ؟ ظاهر اللفظ يفيد الاقتصار على تلك الضرورة بعينها. وقد اختلف العلماء في ذلك، فمن ذاهب ذهب إلى اطراد الضرورة حيث وجدها، ومن ذاهب ذهب إلى الاقتصار على ما ورد النص فيه ولم يُعَده وفائدة اختلافهم تظهر فيمن لم يجد ثوباً للصلاة إلا ثوب حرير وثوباً نجساً، فمن اقتصر على العلة المنصوص عليها ذهب إلى الصلاة بالثوب النجس، ومن طرد ) وقاس قال بالصلاة في ثوب الحرير .

الوجه الثاني : أن النبي لا لا لو كان عارفاً بطب الأبدان كما كان عارفاً بطب الأديان، لأنه عليه السلام لم يرخص لهذين في لبس الحرير إلا للمنفعة التي فيه للعلة التي كانت بهما، فدل هذا على أنه عليه السلام كان عارفاً بذلك الشأن. ومما يبين هذا ويوضحه ما روي عن أحد الصحابة أنه لقيه أحد مشركي أهل الكتاب ممن كان عارفاً بالطب، ماهراً فيه، فقال له : إن عيسى عليه السلام كان نبياً حكيماً، ولم يكن نبيكم يعرف الطبّ . فقال الصحابي : أربع كلمات قالها النبي اختصر

(۱) سلفت ترجمته في الحديث ٥٢ . (۲) سلفت ترجمته في الحديث ٩٤ .

(۳) الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي القرشي أبو عبد الله الصحابي الشجاع ، أحد المبشرين بالجنة، وأول من سل سيفه في الإسلام. وهو ابن عمة النبي الا الله و أسلم وله (۱۲) سنة ، وشهد بدرا وأحداً ،وغيرهما، وكان على بعض الكراديس في اليرموك ، وشهد الجابية مع عمر بن الخطاب وجعله عمر في من يصلح للخلافة بعده. وكان موسراً خلف أملاكاً بيعت بنحو أربعين مليون درهم أو يزيد قتله ابن جرموز غيلة يوم الجمل بوادي السباع قرب البصرة سنة ٣٦ هـ / ٦٥٦ . له ۳۸) حديثاً الأعلام) (۷۴/۳ (٤) طرد الحكم أو القاعدة: أرسلها عامة .

فيها الطب. فقال الكتابي : وما هي؟ فقال : قال عليه السلام المَعِدَة بيت الداء ، والحِمْيَةُ رأس الدواء، وأصل كل داء البَرَدَة، ودواء كل بدن بحسب ما اعتاد (۱) . فقال الكتابي لم يُبقِ نبيكم من الطب شيئاً .

الوجه الثالث : هل لبس الحرير هنا من أجل التداوي أو من أجل لينه عما عداه من الثياب، لأن غيره من الثياب قد يتأذى صاحب الحكة بلبسها ولا يتأذى بلبس الحرير لما فيه من اللين؟ فإذا قلنا: إن لبسه من أجل اللين فيجوز لبسه لصاحب الحكة مطلقاً إذ ليس له بدل منه وإن قلنا : إنه للتداوي، فهل يجوز مع وجود غيره من الأدوية أو لا يجوز إلا عند عدمها؟ أما عند العدم فجائز بغير خلاف، وأما مع وجود غيره من الأدوية فموضع يقتضي الخلاف.

الوجه الرابع : أن النبي الله له له له أن يحلل ويحرم ابتداء من عنده من غير أن ينزل عليه في ذلك ،قرآن ،لأنه عليه السلام حرم الحرير من غير أن ينزل عليه فيه نص، ثم رخص فيه في هذا الموضع ولم ينزل عليه فيه شيء، وهذا هو المراد بقوله تعالى ﴿ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَنكَ الله (۲) لكن قد ذهب بعض العلماء إلى أن المراد بذلك الحكم بينهم فيما أراد الله ، عزّ وجلّ، من التأويل فيما أنزل عليه وليس بالقوي والصحيح ما ذهب إليه الجمهور وهو أنه عام في المنزل وغير المنزل، حكمه عليه السلام نافذ في الكل يجب على المكلف امتثاله. فإن ترك شيئاً منه كان عاصياً بتركه بحسب ما كان الشيء المتروك هل من المفروض أو من المندوب، لقوله تعالى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) .

ثناة

فكل ما يذكر عليه السلام لا يخلو إما أن يكون وحياً بواسطة ، أو بما يظهر له ـ وهو وحي إلهام - مع أنه عليه السلام قد نص على هذا المعنى في مسألة خيبر، حيث أتاه رجل من اليهود فشكا له أن بعض الصحابة ضرب إماءَهم ودخل بعض مواضعهم فأمر عليه السلام، بـ (الصلاة جامعة، ثم قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال (لا يجلس أحدكم في بيته متكئاً على أريكته يبلغه الحديث عني فيقول : لم أر هذا في كتاب الله ، ألا وإني قد أخبرتكم وأمرتكم ونهيتكم بأمور هي مثل كتاب الله ،وأكثر لا يحل لكم أن تضربوا إماء هؤلاء، ولا تدخلوا منازلهم إذا أدوا لكم ما صالحوكم عليه أو كما قال عليه الصلاة والسلام فلم يبق للمخالف مع هذا الحديث مقال. والحديث أخرجه أبو داود والله الموفق.

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) قال الشيخ عدنان الغشيم: هذا ليس بحديث ، وإنما هو لطبيب العرب ؛ الحارث بن كلدة. والبَرَدة هي : التُّخَمة .

(۲) سورة النساء من الاية ١٠٥ . (۳) سورة النجم ، الاية ٣ .

حديث من أشراط الساعة

عَن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال : قالَ رَسُولُ الله الله : لا تَقومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقاتِلوا التُّرْكَ، صغارَ الأعيُنِ ، حُمْرَ الوجوهِ، خُلْفَ الأُنُوفِ (۱) ، كأَنَّ وُجُوهَهُم المَجَانّ المطرَّقَةُ (٢) ، (١)، ولا تقومُ السَّاعةُ حَتَّى تُقاتِلُوا قَوماً نعالهم الشَّعَرُ

ظاهر الحديث يدل على أن الرهطين المذكورين فيه إذا ظهرا فهما عَلَم على اقتراب الساعة . والكلام عليه من وجهين :

الوجه الأول : فيه دليل على أن معجزات النبي على قسمين : مشاهَد مَرئي ، وأخبار يُؤمَن بها وتُصَدَّق، وكل الأمة اجتمعت في ذلك أولهم ، وآخرهم ، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد انتقل إلى الآخرة ، لكن معجزاته عليه السلام لم تزل باقية مستمرة إلى قيام الساعة. بيان ذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم عاينوا ما كان في زمانهم من معجزات النبي الا الله ما أظهر الله على يديه، وامنوا بما أخبر

به مما يأتي بعدهم .

وأهل هذا الزمان قد حصل لهم الإيمان بمشاهدة ما ورد في هذا الحديث وأشباهه والتصديق بما رأى الصحابة رضوان الله عليهم والإيمان بما يأتي بعد وكذلك من يأتي بعدهم لا بد من معجزات يشاهدونها، وذلك مستمر لا ينقطع إلى قيام الساعة وهذا من الأدلة الظاهرة على علق منزلته عليه السلام التي لم تزل معجزاته مشاهدة إلى يوم القيامة .

الوجه الثاني: خروج هذين الرهطين المذكورين هل هو دال على الآخرة كما أخبر عليه السلام لا غير أو فيه معنى زائد؟ على ما يظهر من صيغة لفظه محتمل للوجهين معاً. والمعنى

(۱) ذَلِفَ الأنف يَدَلَفُ خَلَفاً ؛ صَغُر واستوى طرفه . فهو أذلف وهي ذلفاء، والجمع ذَلف . (۲) المَجَانَ : جمع المجنّ . وهو التُّرس والترسة والميم زائدة لأنه من الجُنَّة السُّترَة . المطَرَّقة ؛ من طَرَّق الشم بالغ في طرقه ودقه .

الزائد هو أن يكون ذلك من جملة الفتن التي تكون عند اقتراب الساعة مع ما فيه من الدلالة على قرب القيامة .

فإن كان دالاً على قرب الساعة ليس إلا فتكون فائدة الإخبار به أن يُقطَعَ الأمَلُ من هذه الدار عند معاينة ذلك، إذ إنها قد انصرمت، والإقبال (۱) على الآخرة، والعمل على الخلاص فيها إذ إنها قد قربت فظهر منه عليه السلام هنا ما أخبر عزّ وجلّ عنه في كتابه حيث وصفه بقوله حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) (۲) لأنه عليه السلام نظر الخير لأمته بكل ممكن أمكنه من إخبار أو حال.

و

وإن كان المراد بالإخبار به أن يُعلم أن ما ذكر فيه من جملة الفتن، مع كونه دالاً على قرب قيام الساعة، فتكون الفائدة فيه المسارعة إلى أخذ الدواء الذي به يقع الخلاص من الفتن والدواء هو ما قد نص عليه السلام عليه في غير هذا الحديث، حين ذكر الفتن فقيل له : ما تأمرنا إن أدركنا ذلك ؟ فقال عليه السلام الجأوا إلى الإيمان والأعمال الصالحات).

وهذا الوجه الأخير هو الأظهر - والله أعلم - وهو أن يكون المراد بسياق الحديث المعنيين اللذين ذكرناهما في هذا الوجه الأخير بدليل قوله عليه السلام، اتركوا مقاتلة الترك ما تركوكم) (۳) . فلولا أنهم من جملة الفتن ما حض عليه السلام على ترك قتالهم ما لم يبدأوا بالقتال، وأمر بقتال غيرهم من الكفار مطلقاً، ولأن معنى قوله عليه السلام الجأوا إلى الإيمان والأعمال الصالحات يظهر من قوة الإخبار بهذا الحديث، إذ إن الفتن لا تقع إلا لضعف في الإيمان، أو فترة في كماله فقد ظهر ما أخبر به عليه السلام فوجب الامتثال لما أمر به .

فمن رزق التوفيق لامتثال ما أمر به ضَمِن الخلاص بمقتضى الوعد الجميل . والحذَرَ الحذَرَ لمن أراد الخلاص أن يلتفت لفساد الوقت أو للخلل الواقع في الأحوال، لأن ذلك سبب للهلاك . جعلنا الله ممّن قوي إيمانُه ، وصَلَح عمله . آمين .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً.

(۱) معطوف على المصدر المؤول من : أن يُقطَع الأمل . (۲) سورة التوبة ، من الآية ۱۲۸ .

(3) أخرجه الطبراني عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه بلفظ : اتركوا الترك ما تركوكم.

حديث قتال المشركين حتى يعلنوا بكلمة التوحيد

عَن أبي هريرة ، رضي الله عَنهُ قالَ: قالَ رَسولُ الله : أُمرِتُ أن أُقاتِلَ النَّاسَ حتّى صلى الله عليه وسلم يقولوا: لا إله إلا الله . فَمن قالها فقَد عَصم مِنِّي نَفْسَهُ وَمالَهُ إِلا بِحقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلى الله

ظاهر الحديث يدل على قتال المشركين حتى يُسْلِموا ويُعلنوا بالكلمة وحقن دماء المسلمين إلا بحقها . والكلام عليه من وجوه

الوجه الأول : قوله عليه السلام ، (أمرت) هذا الأمر هنا هل هو على الوجوب أو الندب؟ إن كان الخطاب للنبي الله ولا واحد له فهو على الوجوب، وإن كان الخطاب له عليه السلام، ولأمته فهو واجب في أول الأمر، ثم بعد ذلك رجع في بعض الأوقات واجباً وفي بعضها مندوباً، بحسب قرائن الأحوال على مقتضى أصول الشريعة . أعني بقولي (واجبا) وجوب فرائض الأعيان وأما المندوب فلا يكون إلا بعد قيام فرض الكفاية، وهو مذكور في كتب الفقه .

الوجه الثاني : فيه دليل على أن المطلوب من الأمر : الامتثال دون النظر إلى علة لأنه عليه السلام، قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، ولم يذكر لذلك تعليلاً. إلا أنه عليه السلام أخذ إذ ذاك في القتال، ولم ينظر إلى التعليل. فعلى هذا فالاشتغال عن العمل بطلب العلة في الدين علّة، إلا حيث نُص عليها ، أو أشير إليها، فهي توسعة ورحمة.

الوجه الثالث: قوله عليه السلام أن أقاتل هذا القتال هل المراد به القتال المعهود - وهو القتال بالسيف والرمح وغير ذلك من السلاح - أو المراد به القتال بالحجة والبرهان؟ محتمل للوجهين معاً، بدليل قوله تعالى ( وَعَهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ) (١) يعني بالقرآن ، وبدليل قوله

(۱) سورة الفرقان، من الآية ٥٢ .

فَمَا

عليه السلام قاتلوا المشركين (بألسنتكم) (۱) ، ولأنه عليه السلام، أمر أولاً أن يقاتل بالحجة والبرهان وذلك قبل الهجرة، ثم بعد الهجرة أمر بقتال خاص، وهو من قاتله أو نازعه فقال تعالى : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ) (۲) وقال تعالى ( وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ ما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِم (٢) سبيلا ) (۳) ثم بعد ثمان من الهجرة أنزلت سورة براءة ، وأمر ، عزّ وجلّ، فيها بقتال المشركين كافة حتى يعلنوا بالكلمة، أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون (٤) . والظاهر بالقتال هنا ـ والله أعلم - أن يكون المراد به القتال باللسان وبالحجة والبرهان ،لأنه عليه السلام ، لم يذكر فيه الجزية ، واحتمل أن يكون المراد به القتال العام وسكت عن الجزية للعلم بها .

الوجه الرابع : قوله عليه السلام أن أقاتل الناس الألف واللام هنا هل هي للجنس أو للعهد؟ محتمل للوجهين معاً. فإن كان الخطاب للنبي الي فهي للعهد ، لأن قتال المؤمنين لا يجوز ولأنه عليه السلام قد خصص المؤمنين وأخرجهم من عموم اللفظ بقوله عليه السلام، حتى يقولوا لا إله إلا الله ومن قالها فهم المؤمنون، فوقع النص بمنع قتالهم. وإن كان الخطاب للنبي ولأمته فهي للجنس، وهذا هو الأظهر والله أعلم، لأن العادة جارية بأن الخطاب للرسل خطاب لهم ولأمتهم إلا مواضع قلائل لها قرائن تبينها .

الوجه الخامس : قوله عليه السلام، حتى يقولوا لا إله إلا الله) يعني : على مقتضى ما جئتُ به وما جاء عليه السلام به هو الإقرار بالوحدانية على ما هي عليه من الجلال والكمال ونفي الشريك والضد والصاحبة والإقرار بالرسالة على ما تقرر في الشريعة ومثله كثير في ألسنة العرب، إذا كان لأحدهم حق معلوم منع منه يقول : لا أزال أقاتل حتى اخذ حقي، ويبهمه ولا يعينه، للعلم به

الوجه السادس : فيه دليل على أن هذا الذكر الخاص، وهو قول (٥) (لا إله إلا الله إذا كانت خالصة أمانٌ لصاحبها في الظاهر والباطن. فالأمان الذي هو في الظاهر هو ما تضمنه قوله عليه

(۱) رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن حبان عن أنس رضي الله عنه بلفظ : جاهدوا المشركين

بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم .

(۲) سورة الحج من الاية .۳۹ (۳) سورة النساء، من الآية ۹۰ .

(٤) الإشارة إلى قوله تعالى في سورة التوبة، الآية ۲۹ : ﴿ قَيْلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُمْ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ

صَغِرُونَ )

(٥) لعل الصواب : قولة .

السلام، فقد عصموا مني، والأمان الذي هو في الباطن ما تضمنه قوله عزّ وجلّ في كتابه

أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَنُ الْقُلُوبُ ) (1) .

الوجه السابع : فيه دليل لقول من يقول بأن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة لأنه عليه السلام، أخبر أن القتال إنما يكون على التوحيد دون الفروع والتوحيد ما ذكر من قولة : لا إله

إلا الله .

الوجه الثامن : قوله عليه السلام فمن قال لا إله إلا الله فقد عَصَم مني نفسه وماله فيه دليل على أن حرمة المال كحرمة الدم لأنه عليه السلام سوّى بينهما في الحكم. الوجه التاسع : فيه دليل على أن الأموال تابعة للدماء، لأنه إذا استُبيح الدم استبيح المالُ

بالضرورة ما لم يكن في حد من الحدود.

الوجه العاشر : فيه دليل لقول من يقول بأن العبد لا يملك لأن رقبة العبد ليست له وإنما هي لسيده والمال تابع للرقبة، على ما قررناه .

الوجه الحادي عشر : قوله عليه السلام إلا بحقه هذا الاستثناء هل هو متصل أو منفصل؟ محتمل للوجهين معاً. فإن كان متصلاً فالضمير عائد على المال لأنه أقرب مذكور . والحق الذي في المال هو أخذ الزكاة وحقوق الغير وغير ذلك مما لا يجوز منعه . ويبقى الدم، وليس في الحديث ما يدل على حكمه فيؤخذ حكمه من غير هذا الحديث، وهو قوله عليه السلام) لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان أو زنى بعد إخصان أو قتل نفس بغير حق)(٢). وإن كان الاستثناء منفصلاً فالضمير عائد على الدين المشار إليه في الحديث، وهو قولة : لا إله إلا الله، لأن من قالها فقد دخل في الدين، وإذا دخل في الدين لزمه حقه وحقه ما في الأبدان من الحدود، وما في الأموال من الحقوق وهذا هو الأظهر والله أعلم. وفي هذا زيادة إيضاح وبيان لما قدمناه من الاستدلال لقول من قال بأن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة .

الوجه الثاني عشر : قوله عليه السلام وحسابه على الله فيه دليل على أن التكليف مطلوب ظاهراً وباطناً، لأنه بعد إعلانهم بالكلمة قال ( وحسابه على (الله) أي: فيما احتوى باطنه عليه من الإخلاص وضده فعلى هذا فالظاهر الحكم فيه للبشر ، والباطن إلى الله. ولا يخلص المرء إلا الإخلاص في الباطن والاستقامة في الظاهر. وقد نص عزّ وجلّ على ذلك في كتابه حيث قال :

(۱) سورة الرعد من الآية ۲۸ . (۲) رواه الشيخان عن ابن مسعود ، ورواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عثمان، ورواه الإمام أحمد والنسائي عن عائشة رضي الله عنهم جميعاً. وفي بعض الروايات زيادة ألفاظ عن بعضها الآخر.

قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ) (۱) وقال عزّ وجلّ ) وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) (۲) وقال عزّ وجلّ إِنَّ الْمُنفِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ) (۳) فكانوا أشدَّ أهل النار عذاباً لكونهم أسروا خلاف ما أظهروا . والآي في ذلك كثيرة .

وقد قال عليه السلام، إنكم تختصمون إليَّ فلعَلَّ أحدكم يكون ألْحَنَ بالحجة من أخيه، فأحكُمَ له بحَسَبِ ما أَسْمَعُ، فمن قطعتُ له من مال أخيه فلا يأخُذُ منه شيئاً. فإنما أقطع له قطعة من النار ) (٤) أو كما قال عليه الصلاة والسلام والأحاديث في هذا المعنى كثيرة .

ومع كثرة هذه الأدلة من القرآن والحديث على منع هذا الوجهها هو اليوم قد كثر وفَشَا، لأنهم قد تواطأوا على أشياء بينهم لا تجوز بإجماع المسلمين، فيقيّدونها في الظاهر على صورة تجوز على مذهب بعض العلماء، ثم يأتون إلى الحكام فيحكمون بها بينهم فكان ذلك مقتضى ما قال عزّ وجلّ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَامِ ) (۹) فإنا لله وإنا إليه راجعون .

الوجه الثالث عشر : في الحديث دليل على أنه ينبغي للمكلف أن يقيم الحجة على نفسه بلسان العلم ما دام في هذه الدار حتى يكون إيمانه حقيقة دون دعوى، لئلا يكون ممن يأتي يوم القيامة للحساب، فيظهر له الخسران لعدم توفية ما يجب من حق الباطن، حيث الحساب فيه موكول إلى الله تعالى. وحقيقة الإيمان الذي أشرنا إليه هو اتباع الأمر والنهي في الظاهر والباطن وسلامة الاعتقاد والخوف من الله ، والرجاء فيه على مقتضى الكتاب والسنة، وقد قال عليه السلام (حاسبوا) أنفسكم قبل أن تحاسبوا) (٦) ، وقد قال عليه السلام، حين مُدِح له رجل فقال : كيف هو في عقله؟

مني عند

عند الأمر والنهي . يعني جعلنا الله ممن أتَّبع أمره واجتنب نهيه، ووفى بعهده إنه ولي كريم امين وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(1) سورة الأعراف من الآية ۳۳ (۲) سورة البقرة، الآية ۱۸۸ . (۳) سورة النساء، الآية ١٤٥ .

رواه البخاري في الشهادات ومسلم في الأقضية عن أم سلمة رضي الله عنها ومطلعه إنما أنا بشر، وإنكم

تختصمون إلي الخ . (٥) سورة البقرة من الاية ۱۸۸ . (٦) من كلام عمر رضي الله عنه .

حديث وعظ المجاهدين

عَن عَبدِ الله (۱) بن أبي أَوْفَى، رضيَ الله عَنهُ ، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم في بَعض أيَّامِهِ التّي لَقِيَ فيها العَدُوَّ انتَظَر حَتَّى مالَتِ الشَّمسُ ، ثُمَّ قامَ في النَّاسِ فَقالَ: أَيُّها النَّاسُ لا تَتَمَنَّوا لقاءَ العدو، وَاسأَلُوا الله العافية . فإذا لَقيتُمُوهُم فاصبروا ، واعلموا أنّ الجنّةَ تَحتَ ظِلالِ السُّيوفِ. ثُمَ قالَ : اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتابِ ، ومُجْرِي السَّحابِ وَهازِمَ الأحزاب اهزِمُهُم، وانصُرْنا عَلَيهِم .

ظاهر الحديث يدل على الوعظ للمجاهدين حين إرادتهم القتال والكلام عليه من وجوه الوجه الأول : قوله في بعض أيامه التي لقي فيها العدو) يعني في بعض الأيام التي قاتل

فيها العدو.

الوجه الثاني : قوله انتظر حتى مالت الشمس بمعنى زالت وفيه دليل على أن السنة في القتال أن يكون إما غُدْوَة أو عشيّة، لأنه عليه السلام لم يكن ليقاتل حتى تزول الشمس، ولم يكن هذا إلا إذا فاته القتال غُدوة، لأنه قد جاء في غير هذا الحديث أنه عليه السلام، كان يقاتل أول النهار، فإن فاته أول النهار تركه إلى الزوال، ويقول لأصحابه : دعوه حتى تهب الأرواح ويدعو لكم إخوانكم المؤمنون) (٢) . وقد قال بعض العلماء : إن النصر لا يكون إلا بالريح، لقوله عليه

(1) عبد الله بن أبي أوفى : اسم أبيه علقمة الأسلمي. صحابي ابن صحابي شهد بيعة الرضوان وخيبر وما بعدهما ومكث في المدينة حتى توفي الرسول و فانتقل إلى الكوفة، وهو اخر من مات من أهل الرضوان الذين رضي الله عنهم بنص القرآن ولا يدخل أحد منهم النار بنص السنة. روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (٩٥) حديثاً ، اتفق الشيخان على عشرة. وقال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات وكنا نأكل الجراد معه. توفي سنة ٨٦ هـ من التهذيب

وشذرات الذهب .

(۲) أخرجه أبو داود والترمذي عن النعمان بن مقرن رضي الله عنه وأوله : غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوات ، فكان إذا طلع الفجر أمسك حتى تزول الشمس الخ . .

السلام، نُصِرتُ بالصَّبا وأهلكت عادٌ بالدَّبُور ) (۱) والصَّبا : ريح شرقية. فعلى هذا فالريح من جملة

ما يستعان به على النصر ، لأنه قد صار كالسلاح.

عنه ،

وقد ترك بعض جيوش المسلمين هذه السنة في زمان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فطال بهم المقام على الحصن الذي كان بإفريقية، ولربما نال العدو منهم، فأرسلوا إلى عمر رضي الله يسألونه النجدة ، فأرسل إليهم عبد الله بنَ الزُّبَيْر (۳) فسألهم عبد الله رضي فسألهم عبد الله رضي الله عنه ، عن كيفية قتالهم؟ فأخبروه أنهم يزحفون إلى الحصن قبل الزوال، فأنكر ذلك عليهم وقال لهم : خالفتم سنّة نبيكم ثم أمرهم بامتثال السنة في ترك القتال حتى مالت الشمس، ثم أمرهم بالزحف على الحصن بعد الزوال فنصروا فانظر كيف كانت أفعاله عليه السلام لا يصدر منها شيء إلا وتحتها من الفوائد ما لا ينحصر ؟ كيف لا يكون كذلك وقد وصفه الله عزّ وجلّ في كتابه بأنه رحمة للعالمين؟ فاتباعه في الأقوال والأفعال سبب للنصر والظفر، بل هو عين النصر والخير، ومخالفته سبب للذلّة كما تقدم في الحديث قبل . فبقدر المخالفة يكون الذل وبقدر الامتثال والاتباع يكون العزّ. الوجه الثالث : قوله (ثم قام في الناس فقال : أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدوّ) وقد تقدم أن ذلك دليل على الوعظ للمجاهدين حين إرادتهم القتال. وفيه دليل على التذكار عند نزول الحوادث المُلِمَّة، وإن كان من نزل به ذلك عارفاً بها، لأن التذكار زيادة قوة للمذكَّر، وإن كان عارفاً بذلك . ومثل هذا ما روي عن أبي بكر رضي الله عنه ، أنه بعد وفاة النبي المقام في الناس، وخطبهم وذكرهم الآية وهي قوله تعالى ( وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ) (۳) فكأنهم الآن عرفوها فتسلّوا بها وقوِيَ بها إيمانهم ويقينهم، فما يُسمع بَشَرٌ إلا ويتلوها (٤)، مع أن العلم كان لهم بها قبل ذلك

الوجه الرابع : قوله عليه السلام) (واسألوا الله العافية) (٥) فيه دليل على طلب العافية في زمان

متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما . (۲) عبد الله بن الزبير : ابن العوام القرشي الأسدي، أبو بكر ، فارس قريش في زمنه، وأول مولود في المدينة بعد الهجرة، وأمه أسماء بنت الصديق ذات النطاقين. شهد فتح إفريقية زمن عثمان وبويع له بالخلافة سنة ٦٤ هـ عقیب موت يزيد بن معاوية، فحكم مصر والحجاز واليمن وخراسان والعراق وأكثر الشام، وجعل قاعدة ملكه هائلة له مع الأمويين وقائع حتى سيروا إليه الحجاج الثقفي في أيام عبد الملك فانتقل إلى المدينة، وكانت له مع مكة، وعسكر الحجاج في الطائف ونشبت بينهما حروب انتهت بمقتل ابن الزبير في مكة بعد أن خذله أصحابه . له في كتب الحديث ۳۳ حديثاً استشهد سنة ۷۳هـ / ٦۹۲م .

(۳) سورة ال عمران من الآية ١٤٤ .

(٤) كذا بزيادة الواو قبل يتلوها».

(ه) رواه الترمذي وصححه عن العباس رضي الله عنه، وأوله : قلت : يا رسول الله علّمني شيئاً أسأله الله . قال : سل الله العافية الخ . . وروى الترمذي والإمام أحمد وصححه ابن حبان عن أبي بكر رضي الله عنه قال : قام رسول الله =

المهلة، وقد قال عليه السلام، إذا سألتم الله فاسألوه العافية. وقد مرَّ ، عليه السلام على رجل به بلاء كثير فقال له يا هذا هل دعوت الله بشيء؟ فقال: سألت ربي إن كان لي في الآخرة عذابٌ أن يعجله لي هنا . فقال عليه السلام : هلا سألته العفو والعافية) (۱) ، لأنه ، عزّ وجلّ، لا يُعجزه شيء، فكما يُنجي بفضله من الأكبر فكذلك يُنجي من الأصغر ، لأن الدارَيْنِ له وحكمه فيهما نافذ ما شاء فيهما كان وما لم يشأ لم يكن. وكذلك فيما نحن بسبيله هو عزّ وجل، قادر على نصر المسلمين من غير أن يقع منهم مقابلة لعدوهم. فتحصل من هذا أن شأن المؤمن أن يسأل الله العافية حيثما كانت وأن يترك التمني والاختيار لجهة دون أخرى .

الوجه الخامس : قوله عليه السلام، فإذا لقيتموهم فاصبروا أي : إذا قابلتم المشركين فاثبتوا وقِفُوا ؛ لأن الثبات عند المقابلة هو المطلوب، والفرار من الكبائر. وفيه دليل على الصبر عند نزول المحنة وترك القنوط إذ ذاك .

الوجه السادس : قوله عليه السلام ، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف فيه دليل على التذكير بالأجر لأهل المصائب إذا نزلت بهم وإعلامهم بما لهم من الخير إذا سلّموا الله في قضائه ورضُوا به. به . ومن فعل هذا كان له من الأجر مثل ما للمصاب لقوله عليه السلام من عزّى مصاباً فله مثل أجر المصاب) (۲) ، ولأن تذكيرك إياه بذلك وتعزيتك له عون على الصبر على ما نزل به،

كلة

فكان لك الأجر لكونك أعنته على حمل ما نزل به . الوجه السابع : لقائل أن يقول : لِمَ ،جعل عليه السلام هنا الجنة تحت ظلال السيوف وجعل في الحديث المتقدم الغنائم تحت ظلال الرماح ؟ والجواب من وجهين : (الأول) أن القتال بالسيف لا يكون إلا عند شدة الحرب وحَمْيِ الوَطيس فيه ، وعند هذا الحال يكثر الغبار حتى يعود على المقاتلين كالظل، وذلك الظل صادر عن القتال بالسيف، فأخبر

عام أول على المنبر ، ثم بكى فقال : سلوا الله العفو والعافية، فإن أحداً لم يُعطَ بعد اليقين خيراً من العافية . وفي الباب أحاديث كثيرة في سؤال الله العافية والمعافاة في الدنيا والآخرة .

(۱) رواه مسلم عن أنس رضي الله عنه بلفظ : أن رسول الله الا الله ما عاد رجلا من المسلمين قد خَفَت فصار مثل الفرخ فقال له رسول الله : هل كنت تدعو الله بشيء أو تسأله إياه؟ قال : نعم كنت أقول : اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا ، فقال رسول الله : سبحان الله ، لا تطيقه ولا تستطيعه، أفلا قلت : اللهم رَبَّنا الله اتنا في الدنيا حَسَنَةً وفي الآخرة حَسَنَةٌ وقِنا عَذابَ النّار؟ قال : فدعا الله به فشفاه الله تعالى. (۲) رواه الترمذي بلفظ : من عزّى مُصاباً فله مثل أجره. وفي المعنى روى ابن ماجه عن النبي أنه قال : ما من مؤمن يُعزّي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حُلل الكرامة يوم القيامة . (۳) الوطيس؛ من وَطَسَ الشيء وطماً ؛ كسره ودقه والوطيس : المعركة لأن الخيل تطسُها بحوافرها . والوطيس : التنور، وبه شُبه حَرُّ الحرب. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في حنين: الآن) حَمِي الوطيس وهي كلمة لم تسمع إلا منه، وهو من فصيح الكلام عبر به عن اشتباك الحرب وقيامها على ساق اللسان وطس).

بما هو صادر عنه بظله ؛ لأن العرب تسمي الشيء بأصله أو بما قاربه، والحرب إذا وصلت إلى هذه الحالة فالغالب فيها القتل. وإذا وقع القتل حصلت الجنة بمضمون الوعد الصادق لأنه إن كان المؤمن هو القاتل فقد حصل له ما أمل وما هو المراد بالجهاد وحصل له من الثواب ما تقرر في الشريعة، وإن كان هو المقتول فقد حصلت له الشهادة والشهيد في الجنة .

(الثاني) لأن ظل السيف لا يظهر إلا بعد الضرب به ، لأن عادة العرب لا تسلّ السيف إلا عند إرادة الضرب به فيخرجونه من غمده إلى الضرب بغير مهلة فما يظهر ظله إلا بعد الضرب به، وعند الضرب يكون القتل والقاتل هناك له من الخير ما قد عُلِم، والمقتول شهيد، وقد قال تعالى في الشهداء ( أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (۱) ففي نفس القتل حصل له الحياة والاستقرار في الجنة بالوعد الصدق . وأما الجواب عن الرمح فقد مر الكلام عليه في الحديث قبل هذا . فسبحان من أيده

بالفصاحة والبلاغة .

الوجه الثامن : قوله عليه السلام ، (اللَّهم مُنزِلَ الكتاب ، ومُجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم، وانصُرْنا عليهم يرد على هذا الفصل سؤال وهو أن يقال : ما الفائدة في اختصاصه عليه السلام، لذكر هذه الصفات الثلاث في هذا المقام دون غيرها من الأسماء والصفات ؟

(والجواب) أنه عليه السلام في هذا المقام يطلب النصرة على الأعداء، والأعداء كانوا في الكثرة بحيث المنتَهَى، على ما قد عُلِم من الأخبار المنقولة عنهم، ولا تقع الغلبة من الجمع اليسير على الجمع الكثير إلا بالقدرة فطلب عليه السلام ،النصر، وأحال ذلك على القدرة، من غير أن يطلب كيفية النصر كيف تكون، فأتى بتلك الثلاث لأجل ما فيها من هذا المعنى .

بيان ذلك أن السُّحُبَ تجري بين السماء والأرض مثقلة بالماء، ليست على عَمَد، ولا علاقة فوقها وهي مع ذلك تمرّ مَرَّ الريح مع الريح، وتقف حيث تُؤمَر ، ولا تحرّكها الريح حين تُؤمَر بالوقوف، وتمسك الماء ولا تُنزله إلا حيث تُؤمَر . فهذه إظهار قدرة بارزة مشاهدة بغير حكمة تغطيها . وأما هزم الأحزاب فهو من هذا الباب أيضاً، لأن الجمع الكثير قد انهزم بالعدد اليسير وذلك إظهار للقدرة أيضاً، لأن الجمع الكثير أبداً بمقتضى الحكمة يغلب الجمع اليسير ، وها هنا كانت الغلبة بالقدرة وأبطلت ما جرت به عادة الحكمة، فكان ذلك مقتضى ما قاله عزّ وجلّ في التنزيل

) )) يَرَوْنَهُم مِثْلَيْهِمْ رَأَى الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ ) (۲) ، وقال عزّ وجلّ ) وَمَا النَّصْرُ إِلَّا

(1) سورة ال عمران من الآية ١٦٩ (۲) سورة آل عمران، من الآية ١٣

مِنْ عِندِ اللهِ ) (۱) فلم يعلقه بالحكمة، وإنما علقه بعظيم آثار القدرة التي لا يغلبها شيء، وإنما

تفعل ما شاءت كيف شاءت .

وأما إنزال الكتاب فهو من ذلك الباب أيضاً لأنه عليه السلام لو أراد تعظيمه لتوسل به فقال : بحق الكتاب ولكنه عدل عن ذلك وأتى بهذه الصيغة التي فيها إظهار القدرة من غير حكمة تغطيها كما فعل في الوجهين ،قبله لكي يأتي بصفة تناسب ما يطلبه في وقته والقدرة الظاهرة التي في الكتاب هي كونه كلام الله القديم الأزليّ، ثم يسَّره عزّ وجلَّ باللغة العربية التي هي صفة المحدث، حتى وقع لنا بذلك الفهم لما أريد منا كيف أريد منا . فعلى هذا فالكلام منزل حقاً، ميسّر باللغة حقاً، ولا سبيل إلى طلب الكيفية في اتصال القديم بالمحدَث، كما ليس في الشيئين المذكورين معه في الحديث سبيل إلى معرفة الكيفية فيهما مع مشاهدتهما عيانا ) .

وهذا أدل دليل على تحقيق ما ذكرناه في حديث البيعة من أن الكيفية في اتصال القدرة بالمخلوقات ممنوعة وأن الكيفية في اتصال الكلام القديم بالحروف المحدَثَة ممنوعة، لأن هذه صفة وهذه صفة، وكذلك يجب في جميع الصفات والذات مَنعُ الكيفية مرة واحدة ولا سبيل إلى طلب شيء من ذلك فيهما، ومن يحاول ذلك فقد ضل عن الطريق، وخرج عن سنن أهل التحقيق . بل يجب الإيمان بالذات وجميع الصفات على ما ينبغي من الجلال والكمال مع نفي التكييف والتحديد، لأنه قد ظهر من فائدة اختصاص ذكره عليه السلام بهذه الثلاث في هذا الموطن أنه سأل بصفة عظيمة وهي القدرة التي ظهر أثرها في هذه المذكورات وهي من أعظم ما يُستدل به على عظم القدرة ،فذكر عليه السلام، صفة تناسب ما هو بسبيله وطلب الشيء من بابه . الوجه التاسع : فيه دليل على أن الداعي إذا دعا فالسنّة فيه أن يذكر من أسماء الله تعالى وصفاته ما يكون من نسبة حاجته، لأنه عليه السلام ، لما أن طلب النصرة - وهي من إظهار القدرة - ذكر ما يناسبها كما تقدم. ومثل هذا من يطلب المغفرة والرحمة فليذكر إذ ذاك مثل الغفور والرحيم

(۱) سورة الأنفال من الآية ۱۰ .

(۲) عقيدة أهل السنة ؛ أن الله عزّ وجلّ هو المحدث للعالم، وهو الواحد القديم القادر الحي العليم السميع البصير الشائي المريد، ليس بعَرَض ولا جوهر ولا جسم ولا مصوّر ولا محدود ولا معدود ولا متبعض ولا متجز ولا متركب ولا متناه ولا يوصف بالماهية ولا بالكيفية، ولا يتمكن في مكان ولا يجري عليه ،زمان ولا يشبهه شيء، ولا يخرج من علمه وقدرته شيء، وله صفات أزلية قائمة بذاته، وهي لا هو ولا غيره، وهي العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر والإرادة والمشيئة والفعل والتخليق والترزيق والكلام. فهو متكلم بكلام هو صفة له أزلية ليس من جنس الحروف والأصوات، وهو صفة منافية للسكوت والآفة، والله تعالى متكلم بها، امر ناه مخبر والقرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، وهو مكتوب في مصاحفنا، محفوظ في قلوبنا، مقروء بألسنتنا، مسموع باذاننا ، غير حال فيها . (من) متن العقائد النسفي) .

والرؤوف، إلى غير ذلك مما يناسب ما هو بسبيله، وهو من أدب الدعاء، ويرجى له القبول لامتثاله

السنة فيه .

الوجه العاشر : فيه دليل على أن الدعاء عند النوازل من السنة، لأنه عليه السلام دعا على

الكفار بالهزيمة، ودعا لنفسه المكرمة وللمؤمنين بالنصر حين أراد القتال وهذا منه عليه السلام جَمْع بين الحقيقة والشريعة. فالشريعة هي أخُذُ العُدّة من السلاح وغيره والخروج للقتال وتحريض الصحابة لذلك، والحقيقة هي دعاؤه عليه السلام وإظهاره الافتقار وتعلقه بربه عزّ وجل. وكذلك كان عليه السلام يفعل في كل الأشياء يبالغ في امتثال الحكمة، ثم بعد ذلك يرجع إلى الحقيقة فيتعلق بالله تعالى، ويرُدّ الأمر إليه .

الوجه الحادي عشر : فيه دليل على وجوب قتال المشركين بالأيدي والأموال والألسنة، لأنه عليه السلام أخذ العدة للقتال وأتقنها - وهو الجهاد بالمال - ودعا عليهم بالهزيمة وللمسلمين بالنصر وهو الجهاد باللسان - وقاتل عليه ،السلام وقاتلت الصحابة رضوان الله عليهم - وهو الجهاد بالأيدي ـ وقد صرح عليه السلام بهذا في غير هذا الحديث فقال (قاتلوا المشركين بأيديكم

وأموالكم وألسنتكم) (۱) ، فبين عليه السلام بفعله فيما نحن بسبيله ما نص عليه في هذا الحديث . الوجه الثاني عشر : فيه دليل لأهل الصوفة في المجاهدة التي يأخذون بها أنفسهم في كل ممكن يمكنهم بالمال وبالأيدي وبالألسنة، لأنه إذا كان في الجهاد الأصغر ذلك فكيف به في الجهاد

الأكبر؟ وكيفيته في الجهاد الأكبر ألا يُصرَف شيء من ذلك إلا باتباع أمر الله فيه واجتناب نهيه . الوجه الثالث عشر : فيه دليل لهم أيضاً في كونهم يطلبون العافية بأنفسهم، ولا يعرضون بأنفسهم إلى المجاهدة التي لا قدرة لهم عليها، إلا أن يضطروا إلى ذلك فيفعلون ذلك للاضطرار لأنه عليه السلام في الجهاد الأصغر نهى عليه السلام عن تمني لقاء العدو، وأمر بطلب العافية، فكيف به في الجهاد الأكبر ؟ فعلى هذا فشأن المرء أن يطلب العافية في كل الأشياء، ولا يعرض نفسه لشيء، وهو لا يقدر عليه، اللهم إلا إن أتاه أمر وفاجأه فوظيفته إذ ذاك الصبر والتثبت

والأدب فيما أقيم فيه .

ولأجل ترك النظر إلى هذا المعنى أو الجهل به كان كثير ممن لم ترسخ له قدم في الطريق ولم يجتمع بأحد من فضلاء أهله يُقطع به في نفس مجاهدته ، ويدخل عليه الخلل فيما هو بسبيله، إما بخلل في العقل، وإما بارتداد لعدم وجود الميراث، لأن من دخل في المجاهدة منهم - أعني من

(۱) مر ذكره قبل قليل وقلنا : إن مطلعه : جاهدوا المشركين الخ.

الفضلاء المتحققين - لم يفعل ذلك بنفسه، وإنما هو محمول على حاله بل إنهم إذا حملوا في شيء من تلك الأحوال لم يقدر أحد منهم أبداً أن يرجع عما أقيم فيه حتى يحول عنه، فإن رجع باختيار نفسه عوقب ولم يترك لذلك . وهم في كل نفس يسألون العافية الشاملة، ويستجيرون بالله من الفتنة وهى أن يردوا إلى قوتهم وحيلتهم فمن يراهم في الظاهر يفعلون ما يفعلون من المجاهدات يظن أن ذلك من قوة البشر وحيلته فيريد التشبه بهم فيقطع به عنهم وهيهات هيهات المبتدي يتشبه بأهل النهايات ذلك محال، لأن هناك مقامات وأحوالاً لا علم لهم بها، بل إنهم لا

يدرون كيف يسمعونها والله الموفق.

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

حديث صدقات أعضاء بدن الإنسان

عَن أبي هريرةَ ، رضيَ الله عَنهُ قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم : كُلُّ سُلامَى (١) مِنَ النَّاسِ عَليهِ صَدقَة كُلَّ يَومٍ تَطلُعُ فيهِ الشَّمْسُ ، يَعدِلُ بينَ اثنينِ صَدقَة، وَيُعينُ الرَّجُلَ على دابَّتِهِ فَيَحمِلُ عليها أو يرفعُ عليها متاعَهُ صَدقَة، وَالكلمةُ الطَّيِّبةُ صَدقَة، وَكُلُّ خَطوة يَخطوها إلى الصَّلاةِ صدقة ، وَيُميط (٢) الأذى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَة .

ظاهر الحديث يدل على أن من فعل خَصلة من الخصال المذكورة فيه فله من الثواب على ذلك الأجر كثواب المتصدق وأجره . والكلام عليه من وجوه

الوجه الأول : قوله عليه السلام كل) سُلامى من الناس عليه صدقة) لفظ (السُّلامي) بضم السين وفتح الميم مع مدها هي أعضاء ابن ادم فكأنه عليه الصلاة والسلام، يقول: يصبح على كل عضو من أحدكم صدقة. وقد ورد هذا بالنص، فعلى هذا فيعطي ظاهر الحديث أنه في كل يوم يحتاج المرء إلى ثلاثمائة وستين صدقة على عدد الأعضاء، إذ هي ثلاثمائة وستون، وهذا عسير من جهة أنه ليس كل الناس يقدر على هذا وهو ثلاثمائة وستون صدقة ألا ترى أن الله تعالى لما أمر من أراد أن يكلم النبي بتقديم الصدقة بقوله تعالى يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نَجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِمُوا بَينَ يدى نجونَكُمْ صَدَقَةٌ ) (۳) شَقَّ ذلك على أكثرهم لقلة ما بأيديهم؟ فلما أن علم الله عزّ وجلّ، حقيقة أمرهم عَذَرهم وتاب عليهم، لقوله تعالى ( وَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَى نَجْوَنكُمْ صَدَقَتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَاتُوا الزَّكَوةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ (٤)

(۱) السُّلامَى؛ عظام الأصابع في اليد والقدم، وتجمع على سُلاميات. ويريد بها هنا : جميع عظام جسم الإنسان . (۲) أماط الأذى : نَحاه وأبعده . يقال : ماط الأذى وأماطه .

(۳) سورة المجادلة من الآية ۱۲ . (٤) سورة المجادلة، من الاية ۱۳ .

وكذلك ما نحن بسبيله من باب أولى لكثرة الضرورات التي تقع لكثير من الناس، فيكون في

حق من أتى بعد الصحابة من باب أولى، إذ إن الصحابة رضوان الله عليهم، لا يوازيهم غيرهم في قوة إيمانهم ويقينهم وتعلقهم بربهم كيف لا والنبي بين أظهرهم ونوره متشعشع عليهم؟ فهم كانوا أجلد على هذا الأمر وأقوى ببركة وجوده بينهم ألا ترى إلى قول بعض الصحابة رضوان الله عليهم ما نفضنا أيدينا من التراب حين دفنا النبي الله إلا وجدنا النقص في قلوبنا؟ فعلى هذا فيتعين رفع هذا الحرج فيمن يأتي بعدهم من باب أولى .

وقد ورد عنه ما يبين هذا المعنى أتمَّ بيان حين سأله أصحابه رضوان الله عليهم، حيث :قالوا فمن لم يستطع ؟ قال : أمر بمعروف ونهي عن منكر . قالوا : فإن لم يستطع ؟ فعدّد لهم حتى قال (ركعتا الضحى تجزىء عنه) (۱) . فعلى هذا فركعتا الضحى لمن لم يقدر على شيء وعجز تجزىء عن ثلاثمائة وستين صدقة ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ) (۲) ولأجل ما فيها من هذه البركة قالت عائشة رضي الله عنها : لو نُشِر لي أبواي ما تركتهما . فعلى هذا فركعتا الضحى تجزىء لمن عجز، ومن قدر فالأمر له بقدر استطاعته. لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ (٣)

والمؤمن ينبغي له أن يكون في الدنيا نَهَاباً، كما قيل : يابن آدم الليل والنهارُ يَنهبان فيك فانهب فيهما. فالعقل والشرع يقتضي أن مَن وجد سبيلاً إلى زيادة ذرّة من فعل البر من صدقة أو غيرها كان به أولى وأرفع وأعظم. ولا تظن أن الصدقة محالة على هذا الأمر المحسوس من إنفاق الدراهم والدنانير، فالنفقة عامة فإن لم تكن الدراهم والدنانير كان اللسان، وكانت العينان وكانت اليدان، وكانت الرجلان ألا ترى إلى ما أشار إليه في هذا الحديث بقوله (والكلمة الطيبة صدقة). فكل هذه الأعضاء نفقتها طاعة الله بها . فللّسان صدقة، وصدقته أشياء كثيرة منها : تلاوة كتاب الله تعالى، وقراءة حديث النبي الله ، ودرسُ العلوم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإرشاد الضال إلى غير ذلك، وهو كثير ، وكذلك في جميع الأعضاء، وإنما ذكرت اللسان منها إشارة إلى باقيها . والله الموفق.

الوجه الثاني ،قوله عليه السلام كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين اثنين صدقة) العدل

هنا يحتمل وجوهاً .

(۱) في هذا المعنى أخرج مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي لا لا لا لو قال : يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة ، ونهي عن المنكر صدقة ، ويُجزىء عن ذلك ركعتان يركعهما من الضُّحى .

(۲) سورة البقرة من الآية ۱۷۸ . (۳) سورة البقرة من الاية ٢٨٦ .

(الأول) أن يكون المراد به الحكم بين المتخاصمين، وهذا خاص بالحكام (الثاني) أن يكون من جهة الأحكام فيما استرعي المرء عليه من ماله وأهله وعبيده وحواسه، لقوله عليه السلام (كلكم راع وكلم مسؤول عن رعيته) .

(الثالث) أن يكون المراد به التفرقة بين الحق والباطل وإضافة كل شيء إلى جنسه. وهذا يعم الوجهين المتقدمين وغيرهما مثل الوصايا والصلح بين الناس وغير ذلك على العموم . لكن يرد على هذا الفصل ثلاثة أسئلة: (الأول) أن يقال : لِمَ ذكر هنا اليوم ولم يذكره فيما قبل ولا فيما بعده؟ (الثاني) لِمَ ذكر طلوع الشمس، وذكرُ اليوم يُغني عنه ؟ (الثالث) لم ذكر النهار ولم يذكر الليل؟ .

(والجواب) عن الأول : إنه عليه السلام لما ذكر العدل - وهو التفرقة بين الحق والباطل على ما مرّ الكلام عليه ـ فذلك اليوم خير كله أي هو مأجور فيه من أوله إلى آخره، لأنه إذا قام بالعدل فيه كان فيه مأجوراً ، وإن نام في بعضه واستراح فكل ذلك صدقة وخير يشهد لهذا ما حكي عن معاذ حيث قال : وأحتَسِبُ نَوْمتي كما أحتسب قومتي . فأجاز النبي له ذلك وأقره عليه، لأن الله النوم له إعانة على القيام بالعدل.

(والجواب عن الثاني من وجهين: (الأول) أنه إنما ذكر طلوع الشمس، لأن النهار لغةً: من وقت طلوعها، واليوم : من طلوع الفجر للصائم ،فأراد عليه السلام أن يبين أنه أراد اليوم اللغوي لكون تصرف الناس في غالب أمرهم إنما هو من وقت طلوعها، وعند التصرف يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو العدل المشار إليه (الثاني) أن يكون عليه السلام، تحرز بذكر طلوع الشمس من اليوم الذي لا تطلع فيه حتى تطلع بَعْدُ من مغربها . وذلك اليوم لا يقبل فيه العمل، لأن ذلك هو المراد بقوله تعالى لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَنهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ ﴾ (۱) لأن ذلك وقت المعاينة، والإيمان والعملُ الذي ينفع معه إنما هو ما كان بالغيب، وأما مع المعاينة فلا . وقد امن فرعون حين رأى البلاء قد حلّ به، وهو الغرق، فلم ينفعه إذ ذاك، لأجل أنه ما آمن حتى عاين . واليوم الذي تبقى الشمس لا تطلع فيه قد أخبر ،به عليه السلام، وجعله عَلَماً على قيام الساعة، وجعله من الآيات الكبرى الدالة على قيامها فأخبر أن الشمس تأتي في كل ليلة إلى موضع تحت العرش حيث قُدر لها فتسجد هناك، وتبقى ساجدة ما شاء الله ، فيُؤذن لها في القيام والطلوع من موضعها الذي تعهد، ثم يأتي القمر كذلك فيسجد فيبقى ساجداً ما شاء الله ثم يؤذن له في الرفع

(۱) سورة الأنعام، من الآية ١٥٨ .

فينصرم

والطلوع من موضعه الذي يعهد فهما كذلك لا يجتمعان إلى تلك الليلة، فتأتي الشمس فتسجد الليل ولا يؤذن لها في الرفع فتبقى على حالها فيأتي القمر على عادته فيجدها هناك فيسجد هو أيضاً، ويبقى كذلك ما شاء الله ثم يؤذن لهما بالرفع وأن يطلعا معاً من مغربهما فمن كان عنده في ذلك الوقت إيمان فهو السعيد، ومن كان عَرِيّاً عنه فقد خسر الخسران المبين، لأنه ما بعد المعاينة إلا الثواب لأهل الإيمان، والأعمال والطرد لأهل الكفر والعناد (۱) .

(والجواب عن الثالث أنه عليه السلام، إنما ذكر اليوم ولم يذكر الليل، لأن الليل جعل للنوم، وجُعل النهار للتكسب والمعاش، وقد قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الَّيْلَ لِبَاسًا . وَجَعَلْنَا النَّهَارَ معاشا) (۲) فلما أن كان الليل للنوم في الأغلب أو للتهجّد للموفّقين، لقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةٌ لَكَ ) (۳) وقوله : ( إِنَّ نَاشِئَةَ الَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطَا وَأَقومُ قِيلًا ) (٤) سكت عنه عليه السلام، إذ ليس فيه إلا هذان الفعلان غالباً، وذكر النهار لكونه فيه التكسب، فيحتاج فيه إلى العدل. وإن احتيج إلى إقامة العدل بالليل من نصر مظلوم وأداء حق فذلك نادر والنادر لا يراعى حتى يُحتاج إلى ذكره، وإن وقع فهو مقيس على العدل بالنهار . فترك ذكره إبلاغاً في الاختصار مع حصول الفائدة فيهما معاً.

الوجه الثالث: من البحث المتقدم قوله عليه السلام) ويعين) الرجل على دابته فيحمل عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة) يحمل أو يرفع شك من الراوي في أيهما قال عليه السلام والكلام عليه

من وجهين :

(الأول) أن المتاع والدابة لشخص واحد ، لكن عجز عن رفع المتاع على دابته، فكانت الإعانة

له سبباً لتبليغ متاعه على ظهر دابته، فحصل له الأجر على مشاركته له في هذا المقدار اليسير .

(۱) في هذا المعنى أخرج مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي الله قال : أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقر ما تحت العرش فتخرُّ ساجدة فلا تزال كذلك حتى يقال لها ؛ ارتفعي ارجعي من حيث حيث، فترجع طالعة من مطلعها ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخرّ ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها ؛ ارتفعي ارجعي من حيث حيث، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئاً حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش فيقال لها : ارتفعي اصبحي طالعة من مغربك فتصبح طالعة من مغربها . أتدرون متى ذاكم؟ حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن امنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً.

(۲) سورة النبأ، الآيتان ۱۰ و ۱۱ . (۳) سورة الإسراء، من الآية ٧٩ . (٤) سورة المزمل ، الآية ٦ .

(الثاني) إنه ليس على العموم والكلام فيه من ثلاثة أوجه: في الحامل والمحمول

والمحمول عليه .

أما الحامل فهو أن يجتنب فيه أن يكون ظالماً أو بدعياً أو فاسقاً وما أشبههم لأن هجرانهم واجب، فلا تجوز إعانتهم .

وأما المحمول فهو أن يجتنب فيه من حمل خمر أو متاع مغصوب أو ما أشبه ذلك، لأن المعين لذلك كالفاعل له، لأنه عليه السلام، قد لعن شارب الخمر وحاملها وشاهدها (۱) ، وكذلك سائر الممنوعات .

وأما المحمول عليه فهو ألا يكلف ما لا يطيق، لأن الإعانة على ذلك لا تجوز.

الوجه الرابع من البحث الأول ،قوله عليه السلام) والكلمة الطيبة صدقة الكلمة الطيبة هنا احتملت وجهين : إن كان المراد بها إدخال السرور على المتكلم معه فليست على العموم لما جاء أن الرجل يتكلم بالكلمة ليضحك بها أهله لا يبالي بها يهوي بها في النار سبعين خريفا) (۲) ومثل ذلك اليوم كثير لتملّق بعضهم لبعض في الظاهر، وبغض بعضهم لبعض في الباطن، وقد أخبر بذلك عليه السلام حيث قال : (يأتي آخر الزمان أقوام أصدقاء العلانية أعداء السريرة . قالوا : وكيف يكون ذلك؟ قال : ذلك لرغبة بعضهم البعض، ورهبة بعضهم من بعض ) (۳) فهذا وما أشبهه ممنوع . وإن كان المراد بها في ذاتها فتكون طيبة على مقتضى لسان العلم .

الوجه الخامس : قوله عليه السلام وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة ظاهر الحديث أنه

معارض لقوله عليه السلام يكتب له بإحدى خُطوتيه حسنة وتُمحى عنه بالأخرى سيئة) (٤) الخُطى إلى المساجد، لكن إن وقع التحقيق في النظر في معناهما فهما لا يتنافيان، إذ إن الصدقة إنما

(1) أخرج أبو داود والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن عن ابن عمر والترمذي وابن ماجه عن أنس والطبراني عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنهم جميعاً أن النبي هلال الاول : قال : لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه واكل ثمنها . (۲) رواه البيهقي بلفظ : إن العبدَ ليَقُولُ الكلمة لا يقولها إلا ليضحك بها المجلس يهوي بها أبعد ما بين السماء والأرض. وللنسائي ومسلم والبخاري روايات أخرى من طرق ثانية وكلها في هذا المعنى .

(۳) سلف تخريجه في الحديث (۱۱۷). (٤) رواه الإمام مالك في الطهارة وفي معناه البخاري في الجماعة ومسلم في المساجد، ولفظه في الموطأ من توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج عامدا إلى الصلاة، فإنه في صلاة ما كان يعمد إلى صلاة، وإنه يكتب له بإحدى خطوتيه حسنة ويُمحَى عنه بالأخرى سيئة ، فإذا سمع أحدكم الإقامة فلا يَسعَ، فإن أعظمكم أجراً أبعدكم داراً . قالوا: لم يا أبا هريرة؟ قال : من أجل كثرة الخطى .

هي عبارة عن كسب الحسنة، ولا تمحى السيئة إلا بكسب الحسنة لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ (۱) فالحسنة التي تُكتسب في الخطوة الواحدة تَذهَب بالسيئة .

وقد اختلف العلماء: هل محو السيئات محسوسة أو معنوية؟ على قولين فمن قال بالمحسوس ذهب إلى أن السيئات تُمحى من السجل حتى يأتي صاحبها يوم القيامة فلا يجدها . ومن قال بالمعنوي ذهب إلى أنها باقية في السجل، لكن إذا جعلت في كِفّةٍ، والحسنات في كفة فتساوت فلم يبق عليه في السيئات ،عقاب فكأنها ممحوّة لأن عقابها سقط . وهذا هو الأظهر - والله أعلم - لقوله تعالى (فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأَوَلَيْكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (۲) فلو محيت بالحس على ما

ذهبت إليه الطائفة الأولى لم يبق ما يوزن .

الوجه السادس : قوله عليه السلام وتميط الأذى عن الطريق صدقة الكلام عليه من وجهين : في الإماطة، وفي الأذى. فالإماطة بمعنى الإزالة والأذى هو كل ما يُتَأَذى منه في الطريق. فيكون الذي يزيله مأجوراً فيه دَقّ أو جَلّ . ومثل ذلك ما روى مالك في مُوَطَّئِه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً أماط شوكة من الطريق فشكر الله له فغفر له .

الوجه السابع : في الحديث تنبيه معنوي لأنه إذا كنت مطلوباً بهذا فحسبك به شغلاً. ولهذا المعنى قال عليه السلام (كفى بالعبادة شغلاً) (۳) ، لأن من لم ينفرد لهذا الشأن فاته من الخير كثير . ولهذا المعنى انقطع أهل التحقيق للعبادة، لأن نظرهم إلى هذه الأشياء وتتبعها لا يسعهم معها غيرها، وهي طريق السعادة . والله الموفق .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(1) سورة هود من الاية ١١٤ . (۲) سورة المؤمنون، الآية ۱۰۲ .

(۳) رواه البيهقي في شعب الإيمان عن عمار بن ياسر رضي الله عنه بلفظ : كفى بالموت واعظاً، وكفى باليقين غنى وكفى بالعبادة شغلا. وقال العراقي: رواه الطبراني والبيهقي عن عمار بسند ضعيف، وهو مشهور من قول

الفضيل بن عياض .

حديث الحث على اتخاذ الرفيق في السفر

عَن ابن عُمرَ، رَضِيَ الله عَنهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : لَو يَعلَمُ النَّاسُ ما في الوحدَةِ ما أعلَمُ ما سَارَ راكِبٌ بِلَيلٍ وَحدَهُ .

ظاهر الحديث يدل على منع سير الراكب بالليل وحده والكلام عليه من وجوه الوجه الأول ،قوله عليه السلام لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم هل هذا عائد على ما ذكره، عليه السلام، في أحاديث غير هذا مما أذكره بعد أو لأمر ثان غير ذلك، أو لمجوعهما؟ احتمل كل واحد منهما . واحتمل أن يكون عائداً على كليهما - وهذا هو الأظهر ـ لأنه أبلغ في الزجر وأقوى، وذلك موجود في الشريعة في غير ما موضع والإبهام لتعظيم الفائدة . فإذا كان المراد هذا الوجه الذي أبديناه فيترتب عليه من الفقه أن ينظر ما هو الأرشد : هل إبداء الحقائق أو الإشارة إليها دون تعيينها؟ فالذي فيه الأصلح منهما يفعل، لأنه عليه السلام مرة أشار إلى الحقائق ولم يبينها كما فعل فيما نحن بسبيله، ومرة أبدى الحقائق حين ذكر الثواب على الأعمال وغير ذلك . الوجه الثاني : هل هذا النهي مقصور على الراكب دون غيره أو هو من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى؟ احتمل الوجهين معاً. والأظهر أن يكون من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى، لأنه أجمع للفائدة، ولأن الماشي من باب أولى أن ينهى من الراكب، لأنه يباشر الأرض بنفسه. والراكب لا يباشر الأرض بنفسه، وقد يتأنس بالدابة التي هو عليها راكب ؛ ولأن العلة التي لأجلها نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك هي - والله أعلم - ما ذكره في حديث غير هذا، حيث أخبر بأن الشياطين تنتشر أول الليل أكثر من آخره، فإذا كان الرجل وحده لا يؤمن عليه من أذاة الشياطين، وكذلك إذا كان هو وغيره ليس معهما ثالث لقوله عليه السلام في حديث غير هذا الشيطان يهم بالواحد والاثنين والثلاثة ركب ) (۱) فإذا كانوا جماعة وقع الأمن من إيذائهم، هذا من جهة الشياطين .

(۱) رواه الإمام مالك وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وصححه ابن خزيمة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله : قال : الراكب شيطان والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب.

وفيه معنى آخر وهو : أنه قد يخاف عليه لئلا يغلبه النوم فيضلّ عن الطريق، لأن الليل للنوم أو يأخذه ألم أو نازلة من النوازل فلا يجد من يلجأ إليه ولا من يستعين به ويرتفق والنبي صلى الله عليه وسلم كان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، فحضهم عليه السلام على ما هو الأصلح لهم في الدنيا والآخرة .

وهذا النهي ليس على العموم لكل الناس وإنما هو للعوام وبعض الخواص ممن هو متردد في حاله، وأما من كان من الخواص المتحققين فليس يتناوله هذا النهي، لأن النهي إنما ورد فيمن كان

وحده، وهذا ليس وحده يدل على ذلك قوله عليه السلام أنت الصاحب في السفر ) ) وقوله عليه السلام إخباراً عن ربه عزَّ وجلَّ يقول أنا جليس من ذكرني) (٢) . والخواص لا يزالون في الذكر. فإذا حصلت له صحبة مولاه ومجالسته في سفره فهي الطريق المباركة ومثل ما نحن بسبيله قوله تعالى ( وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) (۳) فأمر الله تعالى بالزاد عموماً، ثم نبه لأهل الخصوص بأعلى الزاد وهو التقوى. فمن كان من أهل التقوى فقد أخذ بأعلى الزاد وهو التقوى. ومن لم يكن من أهل التقوى فلا يجوز له السفر إلا بالزاد المحسوس. فإن سافر دونه حكان عاصياً ودخل في عموم قوله ( وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى الأَهْلُكَةِ ) (٤) وكذلك فيما نحن بسبيله إن سافر وحده دخل تحت النهي وألقى بيده إلى التهلكة إن لم يكن من أهل الخصوص.

وإلى ما نحن بسبيله أشار بعض الفضلاء من أهل الطريق بقوله : إن الحال القوي إذا ورد على الفقير يمشى حيث شاء، فهو في ذمة الله لا يلحقه أذى، وينجح سعيه في كل ما يخطر له من سبل الخير والأمور المباحة، لكن هذا يحتاج إلى بيان لأن المباح عند أهل الطريق متروك. لكن قد يكون المباح واجباً أو مندوباً إذا كان سبباً لأحدهما، لأنه ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتوصل إلى المندوب إلا به فهو مندوب فإن كان المريد في حاله متردداً فذلك دالّ على ضعفه، فلا يعمل عليه وشأنه التقيد بلسان العلم فإن ترك لسان العلم وعمل على الحال الذي ورد عليه مع ضعفه كان مرتكباً للنهي

الوجه الثالث : في الحديث إشارة صوفية) وهو أن السفر عند أهل الطريق عبارة عن الانتقال من حال إلى حال كما هو عند أبناء الدنيا عبارة عن الانتقال من بقعة إلى بقعة . وظلمة الليل عبارة

(۱) قطعة من حديث رواه مسلم في الحج، باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره. (۲) روي من طرق ضعيفة عند البيهقي وعبد الرزاق والديلمي وابن شاهين بلفظ : قال موسى يا رب أقريب أنت فأناجيك أو بعيد فأناديك ؟ فقيل له : يا موسى أنا جليس من ذكرني

(۳) سورة البقرة من الآية ۱۹۷ .

(٤) سورة البقرة من الاية ۱۹٥ .

عن الجهل. ووافقهم في هذا أهل الفقه لأن الظلام عند الكل بمعنى الجهل، وضده العلم وهو النور، فلا يسافر أحد منهم سفرا فيه ظلمة إلا بموافقة أهل العلم والتقوى، فيصير هو بمن معه ركباً يأمن من ضرر الشيطان، وفتن الهوى .

جعلنا الله ممّن صحب ما صحبوا حتى يبلغ ما بلغوا بمنه . آمين .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

يث من الجهاد برّ الوالدين

عَن عَبدِ الله بن عُمَرَ، رضيَ الله عَنهما يقول : جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَاستَأْذَنهُ في صلى الله عليه وسلم الجهاد فَقالَ : أَحَيٌّ والداكَ ؟ قَالَ : نَعم. قالَ : فَفيهِما فَجاهِد .

ظاهر الحديث يدل على أن بر الوالدين أكد من الجهاد والكلام عليه من وجوه الوجه الأول : إن هذا الآكد ليس على عمومه لأنه إذا كان الجهاد فرضَ عَيْن لا يُستَأْذَن فيه الأبوان ، وإنما يُستأذن فيه إذا كان فرضَ كفاية، فذلك الذي برهما فيه أكد من الجهاد . وفيه دليل على أن الغزو لا يُخرج إليه إلا بإذن الإمام، لأن هذا الصحابي، رضي الله عنه، لم يكن ليخرج حتى استأذن النبي : هل يخرج أو لا؟

الوجه الثاني : لقائل أن يقول : لم أمر عليه السلام هذا بالجلوس مع الأبوين؟ وأمره بترك الجهاد، وهو أعلى الأعمال لقوله عليه السلام ( ما أعمال البر في الجهاد إلا كبزقة في بحر ؟)(۱) (والجواب) أنه لم يختلف أحد من العلماء أن الجهاد إذا كان واجباً على الأعيان لا يُستأذن فيه الأبوان، مثل أن يغشَى العدو قرية ،قوم، فيتعين الجهاد على الكل دون استشارة أحد لأحد، لا ولد لوالد، ولا عبد السيّد . وإذا كان الجهاد فرضَ كفاية فلا يمكن أن يكون إلا برضا الوالدين، وإلا فخدمتهما أرفع من الجهاد بمقتضى الحديث الذي نحن بسبيله .

الوجه الثالث : فيه دليل على أن طاعة العالم أو العارف لا تكون إلا بمقتضى لسان العلم

(۱) سبق تخريج هذا الحديث الذي يستشهد به الشيخ ابن أبي جمرة كثيراً .. وقلنا فيه : قال العراقي في تخريج الإحياء باب وجوب الأمر بالمعروف: رواه الديلمي من حديث جابر بإسناد ضعيف . قال الزبيدي في شرح الإحياء: ورواه أبو الشيخ ابن حيان من حديث أنس. ولفظه في مسند الفردوس ما أعمال العباد كلهم عند المجاهدين في سبيل الله إلا كمثل خُطَّافِ أخذ بمنقاره من ماء البحر ؛ قال محقق المسند : إن الحافظ ابن حجر قال في تسديد القوس) ۲۲۱ : وفي رواية لأبي هريرة: (إلا كَتَفلَةٍ تَفَلَها رجل في بحر لجي ) .

والترجيح فيها، والأخذ بالأعلى فالأعلى بمقتضى الحال، لأن هذا الصحابي، رضي الله عنه، لما أراد الجهاد لما سمع فيه من الترغيب وعزم على فعله خاف أن يكون هناك فعل أقرب إلى الله تعالى بالنسبة إلى حاله، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم سؤال استرشاد ليبين له ما هو الأصلح في حقه، والأقرب إلى الله ؟ فذكر له عليه السلام الحديث ولهذا المعنى أشار أهل الصوفة بقولهم : طاعة الجاهل شهوة وطاعة العارف امتثال). يؤيد هذا قوله تعالى : ( أُولَيْكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ) (1) .

الوجه الرابع : فيه دليل على جواز العبارة عن الشيء بضده إذا فهم المعنى، لأن صيغة اللفظ وهو قوله عليه السلام ففيهما فجاهِدُ يقتضي على ظاهره إيصال الضرر الذي كان المتوقع أن ينزل بغيرهما ينزل بهما ، وليس المراد ذلك، وإنما المقصود : ففي برهما فجاهد نفسك . الوجه الخامس: فيه دليل على أن بر الأم والوالد على حد سواء، رداً على من يقول بأن ثلثي البر للأم لأنه عليه السلام سوّى بينهما في اللفظ فإن احتج هذا القائل بقوله عليه السلام في غير هذا الحديث للذي سأل عمَّن أَبَرُ ؟ فقال : أمَّك ثم أمك ثم أمك ثم أباك) (۳) فكرر الأم ثلاثاً قيل له : إنما كرر النبي لا لا لا لها الأم ثلاثاً لأن العرب كانت تهاب الرجال وتعظمهم، وتستضعف النساء وتستحقرهن، فأكد بالتكرار ليرجعوا عن تلك العادة، ويلحق برها ببرّ الأب على حد سواء، كما نص عليه في هذا الحديث

الوجه السادس : فيه دليل على أن بر الوالدين أجل من الجهاد ما لم يكن فرض عين لأن الجهاد في وقت ما، وبرّهما لا ينال إلا بدوام المجاهدة طول عمرهما، والجهاد الدائم أفضل من جهاد ساعة، ولهذا المعنى قال عليه السلام هبطتم) من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس)، لأن الجهاد ساعة من الزمان وجهاد النفس مستمر على الدوام.

الوجه السابع : فيه دليل على أن كل ما يؤلم النفس يسمى جهاداً، لأن الأبوين قد يحملانه ما

لا تشتهي النفس فسماه عليه السلام لأجل ذلك جهاداً.

الوجه الثامن : فيه دليل على أنه لا يبلغ حقيقة رضى الوالدين إلا بالمجاهدة الكلية، لأنه،

(۱) سورة الإسراء، من الآية ٥٧ .

(۲) رواه أبو داود والترمذي عن معاوية بن حيدة القشيري بلفظ : قلت يا رسول الله من أبر؟ قال : أَمَّك . قلت : ثم من؟ قال : أَمَّك . قلت : ثم من؟ قال : أَمَّك . قلت : ثم من؟ قال : أباك ثم الأقرب فالأقرب . ورواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ : جاء رجل فقال : يا رسول الله من أحقُّ الناس بحُسْنِ صحابتي؟ قال : أمك، قال : ثم من؟ قال : أمك . قال : ثم من؟ قال: أمُّك، قال: ثم مَنْ؟ قال: أبوك. تقدم تخريجه في الحديث

.(۱۳۰)

عليه السلام جعل الجلوس معهما والامتثال لأمرهما، والصبر عليهما بمثابة المجاهدة في سبيل الله . كيف لا وقد قال تعالى: ﴿ فَلَا تَقُل لَّمَا أَفٍ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ) (١)) فإذا منع الله تعالى جوابهما بهذا المقدار من التأفف فكيف لا يكون هذا أكبر من الجهاد وأفضل، لأن ذلك أشق على النفس، وأقوى من لقاء العدو، ومضاربته؟ .

الوجه التاسع : فيه دليل على أن المستشار يسأل عن أحوال المستشير حتى يعلمها، وحينئذ يشير عليه بما هو الأصلح في حقه، لأن النبي الله لما أن استشاره هذا الصحابي هل يخرج للجهاد أم لا؟ سأله عن حاله في قوله ( أحيٌّ أبواك)؟ حتى علم ما هو الأقرب في حقه بالنسبة إلى حاله

فأرشده إليه .

الوجه العاشر : فيه دليل على أن السنة عند الدخول في السلوك والمجاهدة أن يكون على يد عارف به ، فيُرشد إلى ما هو الأصلح فيه والأَسَدُّ بالنسبة إلى حال السالك، لأن هذا الصحابي رضي الله عنه لما أن أراد الخروج إلى الجهاد لم يستباً برأي نفسه في ذلك حتى استشار من هو أعلم من وأعرف. هذا في الجهاد الأصغر فكيف به في الجهاد الأكبر ؟ .

وهذا أدل دليل لأهل الصوفة المتحققين الذين لا يدخلون في المجاهدات والسلوك إلا تحت يد شيخ عارف بالسلوك، ويقولون بأن من دخل في ذلك دون شيخ قل أن يجيء منه شيء، وإن جاء فلا يصل إلى مقام المربي ومعرفته وفطنته ، اللهم إلا إن كان ذلك بخرق العادة، وما كان بخرق العادة فليس الكلام عليه، وإنما الكلام على ما جرت به عادة الحكمة . والله المستعان وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(1) سورة الإسراء، من الآية ۲۳ .

حديث تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية

عَن ابنِ عَبّاسِ، رَضِيَ الله عَنهُما ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يقول : لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بامرأةٍ ، ولاَ تُسافِرُ امرأَة إلا ومَعَها مَحْرَم فَقامَ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ الله، اكتَتَبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذا وَخَرجَتِ امرأتي حاجةً . قالَ : اذهَبْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ .

ظاهر الحديث يدل على منع الخلوة بالمرأة بموضع واحد إذا كانت أجنبية، ومنع سفرها بغير محرم والكلام عليه من وجوه

الوجه الأول: أن مستمع العلم لا يكون بحثه فيه إلا لمجرد فائدة العمل به لا لمجرد الكلام والظهور لأن هذا ،الصحابي رضي الله عنه لما أن سمع حُكْمَين لم يسأل ولم يبحث إلا فيما ، احتاج إليه في الوقت وهو السؤال عن الخروج مع امرأته .

الوجه الثاني : أن الأمر إذا أمر المأمور بشيء، ثم سمعه المأمور يبين حكماً آخر ويحض عليه، فله أن يستفسر الأمر، هل يقيم على ما شرع فيه أو ينتقل إلى هذا الأمر الثاني؟ وهذا الوجه إنما يكون بحضور الأمر إذا كان هو المبين للأحكام. وأما الآن فقد ارتفع ذلك، لأن العلم اليوم لا يؤخذ إلا بالنقل. فإذا كان الإنسان على عمل قد تقدم له به علم، ثم استفاد علماً ثانياً، ويكون العمل بالثاني أفضل من الأول، فالمندوب في حقه ترك العمل بالأول والرجوع إلى العمل بالثاني، ما لم يكن العلم بالثاني يوجب عليه فرضاً، فانتقاله للفرض واجب عليه .

الوجه الثالث : جواز ذكر النساء بحضرة الفضلاء من غير زيادة ما أحدث اليوم من البدع من قولهم عند ذكرهن (حاشاك)، لأنه قد تردد هنا ذكر المرأة من النبي والصحابي، ولم يزيدا على ذكر المرأة شيئاً. وبعض أهل هذا الزمان اتخذوا زيادة ذلك من الأدب، وهي بدعة محضة، بل هي بدعة في كل موضع وقع النطق بها، لأنها لم تكن من فعل السلف والخير كله في اتباعهم. وقد صار حالهم اليوم لشؤم البدعة أن يقع بعضهم في الكفر الصراح، لأنه إذا تناول أحد منهم الختمة أو

حديث النبي صلى الله عليه وسلم يقول عند ذلك ( حاشاك) . ولو اعتقد هذا لقتلناه. لكن ظاهر اللفظ رديء جداً. نسأل الله السلامة، ولأن الله عزّ وجلَّ لما أن ذكر الرجال سَوَّى بين ذكرهم وذكر النساء فقال تعالى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ (۱) فذُكِرْنَ في القرآن والسنة مع الرجال على حد واحد، لا زيادة لهن في اللفظ .

الوجه الرابع لقائل أن يقول : لم أمره عليه السلام بالخروج مع امرأته وترك الجهاد والجهاد فيه من الأفضلية ما تقدم في الحديث قبل هذا؟ والجواب : إن خروجه للحج مع امرأته مندوب، وخروجه إلى الجهاد الذي ليس بفرض عين مندوب أيضاً، فلما كان الخروج مع المرأة مندوباً وينضاف إليه مندوب غيره - وهو حَجُه عن نفسه بعد الحج الواجب - فمندوب يتضمن مندوبين أولى من مندوب واحد لا يتضمن زيادة.

ويترتب على هذا من الفقه أنه إذا تعارض عملان على حد سواء من طريق الأفضلية أو الندبية، وكان أحدهما يرجح الآخر بزيادة أجر أو سبب إلى فعل يوجب أجراً. فأخذ الراجح وترك المرجوح هو الأولى.

الوجه الخامس : أن الإمام إذا وجه جمعاً إلى وجهة أن السنّة فيهم أن يُضبَطوا بالكتابة، لأنه قال : اكتتبت في غزوة ،كذا ولأن الكتابة تمنع من النسيان عن بعض من عُيّن في تلك الوجهة، وأيضاً فإنهم إذا حُصِروا بالكتابة كان ذلك قطع مادة لهم عن أن يتخلف أحد منهم، ويحدث نفسه بذلك، وتحضيضاً لهم في الأهبة لِما هُمْ بسبيله .

الوجه السادس : أن الراعي ينظر لرعيته في المنفعة الخاصة والعامة، ويؤثر الأهم فالأهم، لأن النبي لما أن جعل هذا الصحابي في الجهاد وفيه منفعة خاصة وعامة ثم رأى له زيادة منفعة خاصة حمله على ما هو أنفع له في الخاص به، لأن غيره يسدّ مَسَدَّه في العام. فدل هذا على أن الشخص في نفسه وما يخص بذاته أكد عليه مما يعم بجنسه في الواجبات والمندوبات ومما يؤيد هذا قوله عليه السلام ابدأ بنفسك ثم بمَن تَعُول) (۳ ) . وكذا يجب في الرعاية العامة والخاصة .

والله المستعان .

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً .

(۱) سورة النساء من الاية ٣٤ .

(۲) رواه البخاري وعبد الرزاق عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ابدأ بمن تعول واليد العليا خير من اليد السفلى. وفي مسلم عن أبي أمامة رواية قريبة ممّا ذكرنا

الكتاب تقديم أنا وابن أبي جمرة من هو ابن أبي جمرة

كتاب بهجة النفوس .

أصله ومضمونه

الفهر

ز

ز.

مخطوطات الكتاب .

منهج

التحقيق

كتاب بهجة النفوس وتحليها بما لها وعليها

للشيخ عبد الله بن أبي جمرة

الأزدي الأندلسي

مقدمة الإمام ابن أبي جمرة على مختصر صحيح البخاري ...

حديث بدء الوحي ................

۲ - حديث حلاوة الإيمان

٣ - حديث البيعة

٤ - حديث قتال المسلمين ............. - حديث قيام ليلة القدر .....

 حديث إن الدين يُسْرُ

أج

- حديث وفد عبد القيس . - حديث احتساب النفقة على الأهل - حديث من يُرِدِ الله بِهِ خيراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّين

الدين ....

۱۰ - حديث من سلك طريقاً يطلب به عملاً

۱۱ - حديث قيام الأمة المحمدية على الحق إلى يوم القيامة ...

۱۲ - حديث سؤال القبر وفتنته

۱۳ - حديث أسعد الناس من قال لا إله إلا الله

١٤ - حديث رفع العلم بقبض العلماء

١٥ - حديث الحساب والعرض

١٦ - حديث القتال في سبيل الله

١٧ - حديث الرجل يخيل إليه أنه يجد ريحاً وهو في

۱۸ - حديث البول والاستنجاء والشرب ... ۱۹ - حديث الرأفة بالحيوان

۲۰ - حديث النعاس في الصلاة ۲۱ - حديث غسل المني من الثوب ... ۲۲ - حديث غسل دم الحيض

٢٣ - حديث كيفية الاغتسال من الحيض ٢٤ - حديث خلق الجنين في بطن أمه

٢٥ - حدیث جواز الصلاة في السفينة

٢٦ - حديث جواز التحرّز من حرّ الحصباء في السجود ۲۷ - حديث كراهة النخامة في المسجد

۲۸ - حديث حبه اليمن

الصلاة

۲۹ - حديث المسافر إذا قدم من سفره يبدأ بالمسجد ٣٠ ـ حديث صلاة الملائكة على المصلي ما دام في مصلاه

۱ - حديث سجود السهو ۳۲ - حديث الشترة للمصلي والمرور بين يديه ۳۳ - حديث فتنة الأهل والمال وكفارتها

٣٤ - حديث تعاقب الملائكة الكرام الكاتبين ٣٥ - حديث من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها

٣٦ - حديث الأذان في البادية وفضله

۳۷ - حديث فضل الأذان والصف الأول والعتمة والصبح

۳۸ - حديث إتيان الصلاة بالسكينة

۳۹ - حديث القيام إلى الصلاة

٤٠ - حديث انتظار الإمام

٤١ - حديث سبعة يظلهم الله يوم القيامة في ظل عرشه ٤٢ - حديث تقديم العشاء على الصلاة

٤٣ - حديث تخفيف الصلاة

٤٤ - حديث أصل صلاة التراويح ٤٥ - حديث جواز المشي في الصلاة ٤٦ - حديث وجوب توفية أركان الصلاة

٤٧ - حديث رد المأموم على الإمام بالحمد في الرفع

٤٨ - حديث رؤية المولى عز وجل

٤٩ - حديث جواز الدعاء في الصلاة ٥٠ - حديث رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة ٥١ - حديث كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته

٥٢ - حديث التبكير والتبريد بالصلاة ٥٣ - حديث تحية المسجد والإمام يخطب

٥٤ - حديث دعاء الرسول

٥٥ - حديث صلاة النوافل قبل الفرائض وبعدها .

٥٦ - حديث غزاة بني قريظة

٥٧ - حديث السنّة يوم عيد الفطر ٥٨ - حديث العمل في أيام التشريق ٥٩ - حديث جواز التنقل على الدابة في السفر

٦٠ - حديث أشراط الساعة ٦١ - حديث إن لنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا

٦٢ - حديث الاستخارة في الأمور

٦٣ - حديث ما بين بيته ومنبره

٦٤ - حديث كراهة الرسول أن يبيت عنده ذهب أو يمسي

٦٥ - فضاء الناقلة في وقت الكراهة

٦٦ - سبعة أوامر وسبعة نواه .. ٦٧ - حديث وفاة الرسول وفضل أبي بكر

٦٨ - جواز بكاء الرحمة على الميت ٦٩ - حديث الرؤيا في تعذيب العصاة ٧٠ - حديث لا حسد إلا في اثنتين . ٧١ - حديث فضل فالصدقة

۷۲ - حديث صدقة المرأة من مال زوجها

۷۳ - حديث إتلاف أموال الناس

٧٤ - حديث الأمر بالصدقة على كل مسلم . ٧٥ - حديث أخذ المال بسخاوة نفس

٧٦ - حديث كراهية كثرة السؤال

۷۷ - حديث قران الحج بالعمرة ۷۸ - حديث الإنابة في الحج ۷۹ - حديث ما يلبس المحرم في الحج

٨٠٠ - حديث جواز الشرب من السقاية ۸۱ - حديث تقديم صلاة الفجر بالمزدلفة يوم النحر ۲ - حديث الصدقة بجلال البدن التي تُنحَر وجلودها - البخاري : قال عطاء رضي الله عنه : إذا تطيب أو لبس جاهلاً

أو ناسياً فلا كفارة عليه

٨٤ - حديث بناء مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم

٨٥ - حديث خروج الدجال وفتنته . ٨٦ - حديث حراسة مكة والمدينة من الدجّال

۸۷ - حديث من استطاع منكم الباءة فليتزوج .

۸۸ - حديث توقيت السحور ....

۸۹ - حديث من أفطر يوماً في رمضان من غير عذر

۹۰ - حديث وصية النبي لأبي هريرة بثلاثة أعمال من البر .......

۹۱ - حديث الأمر بترك ما لم يُسَمَّ عليه من الصيد

٩٢ - حديث النهي عن الصرف إلا يداً بيد

۹۳ - حديث الحث على العمل وفضل عمل اليد

٩٤ - حديث البيعان بالخيار ما لم يتفرقا

٩٥ - حديث جواز أخذ الزوجة ما يكفيها من مال زوجها إذا كان شحيحاً

٩٦ - حديث النهي عن التصوير

۹۷ - حديث جواز أخذ الأجر على كتاب الله عز وجل

۹۸ - حدیث جواز الرقى والأجر عليها

۹۹ - حديث لا حمى إلا لله ولرسوله

١٠٠ - حديث من لم يشرك بالله دخل الجنة ۱۰۱ - حديث النهي عن الجلوس على الطريق

۱۰۲ - حديث في بيان ما يحل به الذبح وما يحرم ١٠٣ - حديث الاستقامة على حدود الله والنهي عن المنكر ١٠٤ - حديث نفقة الحيوان المرهون على من يركبه أو يشرب لبنه ١٠٥ - حديث الأمر بالعتق عند الكسوف

١٠٦ - حديث إنما الأعمال بالنيات ..

١٠٧ - حديث الأمر بإطعام القادم من الطعام ۱۰۸ - حديث تواضعه وهديه في الهدية والدعوة . ١٠٩ - حديث مراتب الضيافة و التيامن فيها سنة من سنه . . .

۱۱۰ - حديث قبول الهدية والإثابة عليها ۱۱۱ - حديث من عليه حق فليدفعه أو ليتحلل من

۱۱۲ - حديث جواز البيع في السفر وأحكام أخر

۱۱۳ - حديث جواز كراء الأراض للمسلم ومنعها عن الذمّي

١١٤ - حديث الأمر بتحريم الرجوع في الصدقة ١١٥ - حديث تحليل نكاح المبتوتة لمطلقها الأول ١١٦ - حديث يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب

۱۱۷ - حديث النهي عن مدح الرجل في وجهه

۱۱۸ - حديث الثلاثة المعذبين .... ۱۱۹ - حديث الإفك وبراءة السيدة عائشة أم المؤمنين منه

۱۲۰ - حديث يمين الغموس

۱۲۱ - حديث لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم .

۱۲۲ - حديث جواز الكذب في الخير

۱۲۳ - حديث صلح الحديبية

١٢٤ - حديث جواز الوصية في الثلث

١٢٥ ـ حديث إنذار العشيرة

١٢٦ - حديث جواز استعمال بهيمة الصدقة للضرورة. ۱۲۷ - حديث جواز الصدقة عن الميت ووصول ثوابها إليه

۱۲۸ - حديث جواز اتخاذ الخادم للرجل الصالح . ۱۲۹ - حديث أفضل الأعمال

۱۳۰ - حديث لا هجرة بعد الفتح .....

۱۳۱ - حديث المشيئة

۱۳۲ - حديث الشهادة بالطاعون ۱۳۳ - حديث حفر الخندق في غزوة الأحزاب

١٣٤ - حديث فضل الصيام في الجهاد . ۱۳۵ - حديث من أعان غازياً فله مثل أجره ١٣٦ - حديث اقتناء الخيل في سبيل الله تعالى ۱۳۷ - حديث عدم الاتكال على العمل ۱۳۸ - حدیث درجات النية في ربط الخيل

۱۳۹ - حديث اللعب بآلات الحرب ومنع البيع والشراء في المساجد

١٤٠ - حديث عز المؤمن بطاعة الله ورسوله

١٤١ - حديث الترخيص في لبس الحرير ................ ١٤٢ - حديث من أشراط الساعة

١٤٣ - حديث قتال المشركين حتى يعلنوا بكلمة التوحيد

١٤٤ - حديث وعظ المجاهدين

١٤٥ ـ حديث صدقات أعضاء بدن الإنسان ١٤٦ - حديث الحث على اتخاذ الرفيق في السفر

١٤٧ - حديث من الجهاد برّ الوالدين

١٤٨ - حديث تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية