10
وهنا بحث وهو هل هذا الذي راه الله مع كونه حقاً هل ذلك
مثال يعرف به الحكم
وترى له الكيفية أو ذلك حقيقة أري له بعض أهل المعصية على
ما هم فيه محتمل لأنه عليه
السلام لم يخير أنه رأى من أهل هذا الحال إلا واحداً
وبالقطع إن أهل ذلك الذنب عدد كثير
والقدرة صالحة للوجهين معاً
وهل الموضع الذي رآه فيه عليه السلام أيضاً بالأرض المقدسة
هو موضعه الذي كان دفنه فيه أو فسح له عليه السلام من
الأرض المقدسة حتى رآه في موضعه على حاله ذلك فالقدرة
أيضاً صالحة للوجهين معاً وفيه أيضاً دليل على عظم قدرة
القادر
وفيه دليل على أن من الفصيح في الكلام الحذف والاختصار إذا
لم ينقص ذلك من المعنى شيئاً يؤخذ ذلك من قوله يدخله في
شِدقه حتى يبلغ قفاه ولم يذكر كونه يشقه بعد فحذف ذلك
للدلالة عليه بقوله فيلتئم شدقه هذا فلو كان ثقباً دون شق
ما احتاج أن يبين أنه لا يرجع إلى الآخر إلا وهو قد التأم
لأنه إذا ثقب موضع من الشدق الواحد بقي منه مواضع غير ذلك
فيرجع فيثقب فيها فيكون أكثر في تألمه لكونه يبقى له جرح
ويجرح جرحاً آخر في جنب الجرح الأول ولكن لما كان شَقَّ لم
يبق له فيه لِمَا يَرجع إلا أن يلتئم فلذلك بين بقوله
فيلتئم
وقوله فانطلقنا أي سرنا وقوله حتى أتينا أي بلغنا وقوله
إلى رجل مضطجع على قفاه ورجل قائم على رأسه بقهر أو صخرة
الفِهْر الحَجَر المدوّر والصخرة حَجَر مبسوط وقوله
فيَشدَخُ به رأسَه أي يكسره ويبالغ في كسره
وقوله عليه السلام فإذا ضربه تَدَهْدَهَ الحَجَرُ فانطلق
إليه ليأخذه فلا يرجع حتى يلتثم رأسه وعاد رأسُه كما هو
فعاد إليه فَضَرَبه هذه الصفة كناية عن شدة الضربة
بالحَجَر لأنه إذا ضرب به حتى زال عن يده وذهب إلى بُعْدِ
منه من حيث يحتاج أن يمشي إليه وحينئذ يأخذه فهذه الصفة
عندنا في هذه الدار معلومة إنه إذا كان الذي يضرب بالحجر
ذا قوة بعد ضرب الحجر في
الشيء الذي يُضرب به ويذهب عنه إلى بُعْد وربما إن أصابت
شيئاً آخر كان تأثيرها فيه كثيراً
وفيه من الكلام مثل الذي قبل من الدليل على أمور الآخرة
وعِظَمِها وعِظَمِ القدرة الربانية الجليلة وفي هذا الفصل
وفي الذي قبل دليل على أن أمور الآخرة ليست كأمور الدنيا
يؤخذ ذلك من كون هذا مضطجعاً لا يقدر أن يتحرك بلا شيء
يحبسه والآخر قاعد أيضاً بلا شيء يحبسه كلاهما مستسلم لهذا
الأمر العظيم وفي هذه الدار لا يمكن أن يُحبَس أحد لبعض ما
هو أقل من هذا
إلا بحبس شديد من وثاق أو غيره هذا من عجائب القدرة
وفيه أيضاً دليل يتبين به معنی قوله تعالی غِلاظٌ شِدَادٌ
۱ لأن قوة تلك الضربة لا تكون
إلا عن تلك الصفات المذكورة وهي من جملة التخويفات وهنا
بحث وهو لم خُص هذا العضو من سائر الأعضاء بالعذاب فالجواب
أنه هو الذي ترك السَّهَر بالتهجد بالقرآن كما يذكر في آخر
الحديث وهناك يكون البحث عليه قوله عليه السلام قلت ما هذا
قالا انطلق فانطلقنا إلى ثَقب مثل التنور أعلاه وأسفله
واسع تتوقد تحته نار فإذا اقترب اقترب بمعنى قرب كقوله
تعالى اقْتَرَبَتِ
السَّاعَةُ
2 ٢ أى قربت فإذا قربت منهم تلك بِحَرّها وهذا كناية عن
عظيم تأججها
ه ضيق
وقوله ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا منها هكذا تفعل القدر
هنا إذا كانت على النار واشتدت النار تحتها غلت فارتفع ما
فيها إلى أعلاها حتى إنه إن غفل عنها رمت بعضَه خارج القدر
فدل بهذه الصفة على عِظمَ حَرّها والحكمة في كونه مثل
التنور أعلاه ضيق لأنه أبلغ في حرارة النار لأنه تنعكس
حرارتها إلى داخل
وقوله حتى كادوا أن يخرجوا أي قربوا من الخروج وقوله فإذا
خمدت أي سكن حرها وقوله رجعوا فيها أي رجعوا إلى الحالة
الأولى وقوله وفيه رجال ونساء عراة الكلام عليه كالذي تقدم
من إظهار القدرة وعِظَمها
وهنا بحث وهو لِمَ كان من تقدم من المعذبين منفردين وهؤلاء
مجتمعِينَ فالجواب أن نقول هذا كما أخبر عزّ وجلّ في كتابه
بقوله ﴿ جَزَاءً وِفَاقًا ۳ لما لم تكن هذه المعصية في هذه
الدار إلا في جمع - والجمع ينطلق في اللغة على الاثنين
فصاعداً - وهَتَكا ما أُمِرا به من ستر العورة كان هنالك
كذلك حكمة حكيم وهؤلاء هم الزناة كما يأتي بعد
وفيه فائدة كبرى لمن رُزِق التصديق به والإيمان وأعني
بالتصديق الذي يكون حقيقياً وهي إن تحرك من النفس أو من
الشيطان باعث لمثل هذا يذكرها هذه الحالة المهلكة فترجع عن
غيها ولهذا وما أشبهه أعلمنا به لأنه ليس من يخاف عقاباً
على الجملة لا يدري قدره مثل من يخاف
عقاباً معلوماً
هذا في الخوف أبلغ كما ذكر عن بعض المتعبدين أنه حسده ناس
من شياطين الإنس
۱ سورة التحريم من الآية ٦
سورة القمر من الآية 1 ۳ سورة النبأ من الآية ٢٦
٥٠٢
في حاله المبارك فأرادوا أن يُوقعوه فأخذوا امرأة في غاية
الحسن والجمال بعدما علموها ما تقول له وكيف تستدرجه
وزيّنوها ثم تلاحوا بينهم حتى أظهروا كأنهم يقتتلون في
شأنها وكأنها ابنة أحدهم ثم جاؤوه يرغبون منه لعله يمسكها
الليلة في بعض زوايا بيته حتى يعودوا إليه أو ما يشبه هذا
المعنى فامتنع فما زالوا في المَكْرِ به حتى أنعم لهم في
ذلك وهو لا يعرف لها صورة فلما جَنَّ الليل وهو مشتغل
بعبادته وإذا بها قد أنته على تلك الحالة بصورة خوف
لحقها تستجيرُ به لتُرِيَه وجهَها وتجلس معه بادية الوجه
بالقرب منه فلم تزل تكيد عليه حتى راودته وعزمت عليه
بالفاحشة فلما رأى جدّها قال لها أمهلي يسيراً وأخذ دهناً
وألقاه في المصباح وزاده فتيلاً فلما قويت شمعته جعل عليها
أصبعه وتركها ساعة والنار تتقد فيها حتى اشتد عليه ألم
النار صاح صيحة وغشي عليه وأدركها هي الرعب من حاله وصدقه
مع الله فكفّت فلما أصبح وأتوها وأخذوها وسألوها أخبرتهم
بما جرى فارتجعوا عنه وقال بعضهم
فكيـ
على البَرْدِ ليس تَقْوَ ولا على أيس
ـوَى لِحَرِّ نـ
وَقودُهـ
ـرارَه الناسُ والحِجارَه
وقوله عليه السلام فقلت ما هذا قالا انطلق فانطلقنا حتى
أتينا الكلام على هذه الألفاظ كما تقدم أولاً وكذلك تلك
البحوث هل ما رآه عليه السلام حقيقة أو تمثيلاً في كل وجه
يتكرر البحث فيه والجواب عليه على حد واحد فإن القدرة لا
تعجز عن شيء
وقوله على نهر من دم فيه رجل قائم وعلى وسط النهر - قال
يزيد ووهب بن جرير عن جرير بن حازم وعلى شط النهر - رجل
بين يديه حجارة فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن
يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فردّه حيث كان فجعل كلما جاء
ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان الكلام على ما فيه من
أمر عظيم القدرة كما تقدم وما فيه من حذف بعض الألفاظ
للدلالة عليه كالكلام على ما كان قبل والحذف الذي هنا قوله
رمى الرجل في فيه ولم يذكر الذي على حافة النهر وإنما حذفه
لدلالة الكلام عليه قبل ولأن فيه الألف واللام وهي للعهد
أي الرجل المعهود وهو المذكور قبل وفيه حذف آخر وهو قوله
كلما جاء ليخرج رمى في فيه وسكت عن ذكر الرجل وموضعه وإنما
سكت هنا أيضاً عنه لما دل عليه الكلام أولاً لأنه لم يذكر
في القضية إلا رجلين لا ثالث لهما وبين موضع كل واحد فإذا
ذكر ما فعل بالواحد لم يفهم أنه فعله إلا الثاني
1 الواو زائدة في جواب لمّا ٢ أي كائن حقيقة أو تمثيلا
٥٠٣
وهنا بحث وهو لم كان من تقدم قعوداً لا يتحركون وهذا يخوض
في هذا النهر ويرجع فالجواب أنه لما كان الذنب الذي أوجب
هذا هو أكل الربا والربا في هذه الدار لا يكتسب في الغالب
إلا بالذهاب والرجوع فكان عذابه من ذلك الجنس
وكونه دماً إنما كان ذلك كذلك لأن الدم ثخين ثقيل والخوض
في الشيء الثخين الثقيل من أتعب الأشياء ثم زيد لذلك
التألمُ بريحه ثم زيد كذلك رَمْيُ الحجر في فيه لأن به كان
يأكل الربا فكان ذلك عذاباً على عذاب مضاعف ثم انظر إلى
قدرة القادر كيف تزيده الآلام إذا أراد الخروج ثم إنه مع
ذلك لا يقدر أن يقف في ذلك الموضع حيث هو لشدّة ما هو فيه
فيروم لعل راحة فيزيده بلاء على بلاء كما قال بالبعد أشقى
وبالقرب لا أستريح فما هي إلا الآلام تتأكد وتفيح" وقوله
عليه السلام قلت ما هذا قالا انطلق فانطلقنا حتى انتهينا
إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة وفي أصلها شيخ وصبيان ورجل
قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها الروضة الخضراء هي
أحسن الروضات وهنا تحققنا أن هذا تمثيل لا حقيقة للموضع
لأنه ذكر بعد أن هذا الشيخ إبراهيم عليه السلام والصبيان
أولاد الناس وذكر عن الرجل الذي يوقد النار أنه مالك
والكلام على توجيه البقعة والشجرة وما معناهما عند ذكره ل
لذلك يأتي في آخر الحديث وقوله عليه السلام فصعِدًا بي
الشجرة فأدخلاني داراً لم أرَ قَطُّ أحسن منها من أكبر
الأدلة على أن أمور الآخرة لا تطيق العقول فهمها إلا بعد
علم أشياء عديدة وتوفيق ونظر في مثل هذا المثال الذي جعل
فيه الشجرة طريقاً إلى الدار لا يقبله العقل بديهة فإذا
بين له على ما أذكره بعد إن شاء الله زاد إيمانه وقويت
عظمة الله تعالى في قلبه
وقوله عليه السلام فيها شيوخ وشباب ونساء وصبيان ثم
أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فيه دليل على أن هذه الدار
الأولى كانت في بعض الشجرة يؤخذ ذلك من كونهم حين خرجوا من
الدار صعدوا في الشجرة
وقوله فأدخلاني داراً هي أحسن وأفضل فيها شيوخ وشباب قلت
طَوَّفتماني الليلةَ فأخبراني عمّا رأيتُ قالا نعم الذي
رأيته يشق شدقه قد تقدم الكلام على هذا أولاً غير أنه ما
ذكرناه هناك من الشق وكان مضمراً عاد هنا ظاهراً وعاد
الإدخال الذي كان هناك ظاهراً هنا
مضمراً
1 البيت مضطرب الوزن و تفيح تشتد وتهيج
٥٠٤
وقوله فكذاب يحدث بالكذبة تُحمل عنه حتى تبلغ الآفاق
فيُصنَع به إلى يوم القيامة هكذا لا يفتر زائداً على ما
لَهُ يوم القيامة من العذاب الأليم
أقسام الكذب 1
ونحتاج هنا أن نعرف الكذب الذي هو هذا عذابه فنقول والله
المستعان إن الكذب ينقسم على خمسة أقسام فمنه واجب وصاحبه
مأجور ومنه مندوب وصاحبه مأجور أيضاً على ما أبينه بعد
ومنه مباح ولا أجر فيه ولا إثم على قائله ومنه حرام وهو
الذي عليه هذا الوعيد العظيم
ومنه مكروه
فأما الواجب منه فهو أن تعرف شخصاً في موضع ويسألك عنه من
تعلم أنه يسفك دمه ظلماً وعدواناً فيتعين عليك في هذا
الموضع الكذب وتقول لا أعلم وإن حلفك تحلف وتُوَرّي في
قلبك بأن تقول أعني موضع قعوده أو هل هو واقف أو مضطجع
فإنك لا تعرف في أي موضع الآن من البيت الذي هو فيه هل في
الزاوية اليمنى أو اليسرى أو وسط البيت أو في موضع الحاجة
لأنه من يحلف على غير حق عليه اختلف العلماء فيه هل اليمين
على نية الحالف أو على نية المحلوف له على ثلاثة أقوال على
نية الحالف أو على نية المحلوف له أو على نية الذي أرادها
أولاً ولم يختلف أحد منهم على أنها إذا كانت في حق عليه
فإنها على نية المحلوف له لقوله صلى الله عليه وسلم اليمين
على نية المحلوف له فإن صدق هنا ودله عليه كان قد شارك في
قتل مسلم بغير حق وقال مَن شارَكَ في قتل مسلم ولو بشطر
كلمةٍ جاء يوم القيامة وبين عينيه ايس من رحمة الله ۳ وما
أشبه هذا النوع فالكذب فيه واجب ومن فعل واجباً كان
مأجوراً وأما المستحب فالكذب في الحرب مع نزيله لقوله و
الحرب خدعة 1 فيكون مأجوراً لاتباعه السنة في ذلك الموطن
ونحتاج أن نبين هذا الكذب بالمثال من أجل أن ٥ تعطيه العهد
ثم تقتله وتظن أن ذلك هو الكذب الجائز في الحرب وهو أن
فعلته نقض عهد ونقض العهد حرام لا يجوز وقد كان عمر رضي
الله عنه يكتب إلى جيوشه بالأمصار من بلغني عنه أنه قال
للعلج مُطَّرس ثم قتله قتلته به و مُطْرس بلغتهم الأمان
الأمان
۱ هذا العنوان وضعناه لبيان ما يلي من تفصيل وليس موجوداً
في الأصل
نص الحديث اليمين على نية المستحلف رواه مسلم وابن ماجه عن
أبي هريرة رضى الله عنه الحديث من أعان على قتل مسلم بشطر
كلمة لقي الله يوم القيامة مكتوبٌ بين عينيه آيسٌ من رحمة
الله أخرجه ابن ماجه والبيهقي عن أبي هريرة والطبراني عن
ابن عباس رضي الله عنهم
۳ نصر
٤ حديث صحيح متواتر ٥ يريد من أجل خشية أن
040
فمثال الكذب الذي يجوز في الحرب أن يقول لنزيله مَنْ ذلك
الشخص الذي خلفك وليس وراءه أحد من أجل أن يلتفت فيتمكن
منه أو يقول له ما بال حزام سرجك محلولاً تريد أن تريني
حُسن ركوبك فإما أن يلتفت إلى حزام سرجه فيتمكن منه وإما
أن يدخله الشك فيبقى يشتغل بحبس نفسه في سرجه فَتَقِل
شطارته لذلك فيكون أمكن منه وما يشبه هذا النوع
وأما الكذب المباح فمثل أن يكون الشخص قد فعل شيئاً ونسي
أنه فعله فيسأل عنه فيقول
لم أفعله فهذا من قبيل المباح لأنه قال لا إن الله تجاوز
عن أمتي الخطأ والنسيان۱ تجاوز عنه فلا إثم عليه ولا هو
أيضاً فيه مأجور فهذه صفة المباح أعني في عدم الإثم وعدم
الأجر فما كان هذا سبيله من جميع الأشياء فهو مباح وأما
المكروه فهو ما يَعِدُ بِهِ الرجل امرأته من الإحسان ولا
يفي لها به لقول سيدنا الله للسائل الذي سأله أأكذب
لامرأتي فكره ذلك فقال له أعِدُها قال افعل
وقد ذكر بعض الناس أنه إن اشترى حاجة لامرأته ليست بواجبة
عليه إلا من طريق الإحسان لها ويخبرها عن ثمنها بأزيد مما
دفع فيها أنه من قبيل المكروه لأنه لا يترتب عليه إلا
مصلحة نفسانية وهي كونها تطاوعه في كل ما يريد ولا يترتب
عليه أيضاً مفسدة كما أخبر في الحديث من فتح باب ضرر
للمسلمين بكذبه وقد قال الله في حديث آخر من ضارّ بمسلم
ضرّ الله به مثال ذلك أن يُسأل شخص قد جاء من بلد إلى بلد
آخر عن سعر ذلك البلد الذي جاء منه فيخبر أرفع مما هو
فيخطر لأحد أهل ذلك الموضع أن يجلب إليه الطعام لما يرى من
الفائدة في ذلك السوم الذي أخبر به الكذاب فإذا أتعب نفسه
وغرَّرَ بها وبِمالِهِ وبلغ البلد وجد السعر ناقصاً عما
قيل له فخسر في ماله وتغير حاله وخاطره وكثرت عليه المفاسد
وسبب ذلك تلك الكذبة هذا وما يشبهه هو الممنوع
وأما الحرام الذي عليه هذا الوعيد العظيم فهو المتعهد
للكذب بلا عذر مما تقدم ولا مما يشبهه وقد قال لا يزال
الرجل يتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذاباً ۳ وهو الذي
يقول الله ضد الحق عامداً لذلك وقد جاء أن الرجل يُحاسب
على الكذيبة وهي أن تنفلت منه دابته فيروم
۱ بقية الحديث وما استكرهوا عليه أخرجه ابن ماجه عن أبي ذر
والطبراني والبيهقي في الأفراد والحاكم في المستدرك عن ابن
عباس رضي الله عنهم
لم نقف على مصدره
۳ أوله عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر أخرجه الإمام
أحمد والبخاري في الأدب المفرد ومسلم
والترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه
0
ذا
ن
C
أخذها فلا يطيق ذلك فيُخرج لها التعليقة التى كانت تأكل
فيها العلف ليريها أن بها علفاً وليس فيها شيء فتأتيه
فيأخذها فإذا كان السؤال عن مثل هذا فما بالك بغيرها
وقوله يفعل به إلى يوم القيامة إذا كان هذا من حين موته
إلى يوم القيامة فكيف حاله يوم القيامة لو لم يكن إلا ذلك
لكان أمراً عظيماً وفيه دليل على أن لأصحاب المعاصي عذابين
عذاباً في قبورهم وعذاباً آخر يوم القيامة
وقوله والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه الله القرآن فنام
عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار يُفعل به إلى يوم القيامة
فيه دليل لأهل السنة الذين يقولون إن أفعال العبد كسب له
وخَلْق لربه يؤخذ ذلك من قوله علمه الله القرآن فأضاف
حقيقة التعليم إليه - عزّ وجلّ ـ وإن كان
العبد قد تسبب فيه بالدرس والاجتهاد
وهنا بحث وهو كيف يقع العذاب على ترك القيام بالليل وهو من
جملة المندوبات والمندوب لا يعذَّب عليه تاركه فالجواب أن
نقول قد اختلف العلماء في وجوب قيام الليل فمنهم من قال
بوجوبه والذي قال بوجوبه قال هو قدر فواق ناقة أي قدر ما
تحلب الناقة فعلى هذا القول فالحديث له فيه دليل فلا بحث
على هذا الوجه ومنهم من قال إنه مندوب وهم الجمهور وعلى
هذا يقع البحث والجواب عنه من وجهين
أحدهما لما كان يُعذَّب على غير الكبائر اتبعتها الصغائر
لقوله تعالى ﴿ إِن تَجتَنِبُواً كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ
عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ 1 فدل على أنه
إن لم يجتنب الكبائر يعذب على الجميع وليس ترك مندوب متفق
عليه كمندوب مختلف في فرضيته أو ندبيته فبهذا نلحقه
بالصغائر وإن كان عند الأكثر مندوباً من أجل خلاف بعض
العلماء في وجوبه كما تقدم
و الوجه الآخر هو أنه قد جاء أن العبد يُنظَر يوم القيامة
في صلاته فإن أتى بها فحسن
وإن كانت ناقصة قال الله تعالى انظروا إلى عمل عبدي إن كان
له نوافل أكملوا منها صلاته
ومثل ذلك في كل الأعمال إذا لم يكملها وله نافلة من جنسها
جبرت منها فضلا من الله ورحمة فلما ترك هذا قيام الليل
الذي يجبر به ما ضيعه من صلاة نهاره عذب عليه لكونه لم
يفعل ما يجبر فرضه فتكون تسميته بالعذاب ليس من أجل نفسه
وإنما هو من أجل ما نقصه من فرضه ولم
۱ سورة النساء من الآية ۳۱ ٢ أوله إن أول ما يحاسب به
العبد يوم القيامة من عمله الصلاة أخرجه الترمذي والنسائي
وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه
٥٠٧
يفعل ما يجبره فالعذاب في الحقيقة إنما هو ما نقص من فرضه
وقد قال جل جلاله إِنَّ نَاشِئَةٌ الَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ
وَطْنَا وَأَقْوَمُ قِيلا ۱ وهذا الوجه هو الأظهر والله
أعلم ولذلك استحب العلماء كثرة النوافل من جميع أنواع
المفروضات من أجل ما يتوقع من نقص الفرض
وقد يحتمل أن يكون المراد بقوله نام عنه بالليل أنه ترك
صلاة الليل فيكون اللفظ عاماً والمراد به الخصوص لكن بشرط
ألا يكون نومه غلبة فإنه إذا غلبه النوم كان معذوراً لقوله
عليه السلام من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها
فذلك وقت لها ۳ لكن هذا الشرط لا يسوع أن يشترط إلا إن كان
هذا الحديث الذي نحن بسبيله بعد حديث الرخصة في النوم عن
الصلاة ٣ وهو حديث الوادي وإن كان قبله فهو على العموم كان
النوم بغلبة أو غيرها والانفصال عنه من ثلاثة أوجه - كما
ذكرنا - وأظهرها الثاني منها والله أعلم
واحتمل وجهاً رابعاً وهو أن يكون كنَى عن تضييع عمل النهار
بقوله لم يعمل فيه بالنهار وكنى عن ترك العمل في الليل
بالنوم لأنه أبلغ في الترك
وقوله والذي رأيته في الثقب فهم الزناة قد تقدم الكلام
عليهم وبقي فيه بحث وهو لِمَ كان العذاب لمن تقدم ذكرهم في
بعض الجوارح دون بعض وللزناة في البدن كله فالجواب لما كان
من تقدَّم ذكرهم معصيتهم بعضو دون عضو كان العذاب كذلك
ولما كان الزنا يتلذذ به البدن كان العذاب لجميع البدن
ولوجه اخر أيضاً لأنه من أكبر الكبائر لأنه قد جاء أنه لا
يهتز
العرش إلا لنطفة مني حرام أو قطرة دم حرام 4 وقد يكون
لمجموعهما وهو الأظهر والله أعلم
جميع
وقوله والذي رأيته في النهر أكل الربا قد تقدم الكلام عليه
أيضاً لكن بقي هنا بحث وهو
كون المساق واحداً ومن محتملاته الحقيقة والمجاز فلم سكت
عنهما هل اختصاراً أو ليس فالجواب إن قلنا إن الكل تمثيل
فالحكم واحد ويكون سكوته اختصاراً وإن قلنا إن الكل وما
فعل حقيقة فالمتقدم ذكرهم ما عدا الزناة وأصحاب الربا قد
يكون يفعل بهم ما قدر عليهم من العذاب وهم في قبورهم وأن
هذين المذكورين يكونان مثلهم مثل آل فرعون لعظم ما أتوا به
بهم
۱ سورة المزمل الآية ٦
لفظه من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا
ذكرها وفي رواية لا كفارة لها إلا ذلك أخرجه الإمام أحمد
والشيخان والترمذي والنسائي عن أنس رضي الله عنه
۳ انظر سنن النسائي ١/ ۹٥ - ۹۹ ففيها روايات لأحاديث عن
إعادة من نام عن الصلاة وكيفية قضاء الفائت
منها
٤ لم نقف على مصدره
۵۰۸
وقد قال تعالى في ال فرعون النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا
غُدُوا وَعَشِيّا ويوم تقومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا عَالَ
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ۱ والقدرة صالحة فيكون
سكوته على هذا الوجه مستدعياً للفكرة
والاعتبار
وقوله والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم فيه بحث وهو ما هذه
الشجرة التي الدور في أعلاها وإبراهيم عليه السلام في
أصلها فالجواب أن الشجرة هـ شجرة الإيمان والإسلام لقوله
تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً
طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ
وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِ أُكُلَهَا كُلَّ حِينِ
بِإِذْنِ رَبِّهَا وكون إبراهيم عليه السلام في أصلها
فلأنه الأب لجميع المؤمنين لقوله تعالى مِلَّةَ أَبِيكُمْ
إِبْرَهِيمُ هُوَ سَمَّنكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبل ۳
والآب هو
الأصل فكان ذلك تمثيلاً حسناً جداً
وقوله والصبيان حوله فأولاد الناس احتمل الألف واللام هنا
أن تكون للجنس فيكون المراد أولاد المؤمنين والكافرين لأنه
قد جاء أن أولاد الكفار يكونون في الجنة خدماً للمؤمنين
لأنهم على فطرة الإسلام فيكونون بعد في أصل الإسلام و لا
اله الا الله و قد قال ما من مولود يولد إلا على الفطرة
فأبواه يُهَوّدانه أو يُنصرانه أو يُمَجِّسانه ٤ واحتمل أن
تكون الألف واللام للعهد فيكون المراد أولاد المؤمنين ليس
إلا لأنه قد جاء في أولاد الكفار أنهم من ابائهم وأما
كونهم في أصل الشجرة والدور من فوقهم فلأن تلك الدور هي
دور الأعمال أي درجات الأعمال كما يذكر بعد والصبيان ماتوا
وهم دون التكليف وليس لهم ما يدخلون به تلك المنازل حتى
يتفضل الله عزّ وجلّ عليهم بما شاء وفيه دليل على أن أولاد
المؤمنين مؤمنون لكونهم مع ابائهم وقد اختلف العلماء فيهم
هل هم من المقطوع لهم بالجنة أو هم في حكم المشيئة على
قولين وسبب اختلافهم اختلاف الأحاديث فإنه قد جاء عنه أنه
قال في حقهم عصفور من عصافير الجنة ٥ وجاء عنه أنه قال
الله أعلَمُ بما كانوا عاملين ٦ وأما الروضة فهي كناية عن
أصل الخلقة لأنه قد جاء أن آدم عليه السلام كانت طينته من
1 سورة غافر من الآية ٤٦ سورة إبراهيم من الآية ٤ و ۵
۳ سورة الحج من الآية ۷۸
٤ قطعة من حديث أخرجه الشيخان وأبو داود عن أبي هريرة رضي
الله
٥ سبق تخريجه في الحديث ۳
٦ سبق تخريجه في الحديث ٢٣
09
جميع بقع الأرض طيبها وخبيثها وسهلها ووعرها ۱ فالمؤمنون
من الأرض الطيبة التي تلك الشجرة فيها وهي شجرة الإيمان
وبها نباتها فلا ينبت الطيب إلا فى الطيب كما قال تعالى
وَالطَّيِّبَتُ لِلطَّيِّبين والكافر من الأرض الخبيثة
والأرض الخبيثة لا تنبت إلا خبيثاً مثل الحنظل وما أشبه
كما قال تعالى ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ
خَبِيثَةٍ أَجْتُنَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا
لَهَا مِن قَرارِ ۳ وقوله والدار الأولى التي دخلت الجنة
دار عامة المؤمنين لأجل أنها دار عامة المؤمنين
كان فيها الرجال والنساء والشباب والشيوخ لأن هذه الأربع
صفات احتوت على جميع أنواع المؤمنين وفيه أيضاً تحقيق لما
ذكرنا أن الشجرة هي عبارة عن الإيمان لأن الإيمان هو
الطريق إلى
الجنة بلا خلاف
وقوله وأما هذه الدار فدار الشهداء لأجل أنها دار الشهداء
لم يكن فيها إلا شيوخ وشباب وهنا بحث وهو لِمَ لَمْ يكن في
الدار التي للشهداء إلا نوعان شيوخ وشباب ولم يكن فيها
نساء وقد عد في الشهداء المرأة تموت حاملاً شهيداً والمرأة
تموت بِجُمْعِ ٤ شهيد فالجواب أنه لم يختلف أحد في أن أعلى
الشهادة القتل في سبيل الله وإن كان الشهداء سبعة كما جاء
في الحديث المبطون والمحترق والغريق وصاحب الهدم وصاحب ذات
الجنب والمرأة تموت حاملا والشهيد فإنما المراد هنا تبيين
فضل الشهادة في سبيل الله من أجل التحضيض عليه والله أعلم
وهنا بحث وهو لِمَ أخَّرا الإخبار له عليه السلام بما رأى
إلى آخر الرؤيا ولم يخبراء عند كل قضية بها فالجواب أن
تأخيرهما الإخبار إلى آخر الرؤيا فيه من الحكمة التيسير
لجمع
1 أصل الحديث إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع
الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض جاء الأحمر والأبيض
والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب وبين ذلك
أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي عن
أبي موسى رضي الله عنه
منهم
سورة النور من الآية ٦ ۳ سورة إبراهيم من الآية ٢٦
رضي
٤ بِجُمْع مثلثة الجيم ساكنة الميم أي ماتت وولدها في
بطنها وقيل إذا ماتت عذراء أيضاً ٥ كثيرة هي الأحاديث التي
تعدد الشهادة منها حديث جابر بن عتيك أن رسول الله جاء
يعود عبدالله بن ثابت الله عنه فوجده قد غلب عليه إلى أن
يقول قال النبى الله الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله
المبطون شهيد والغريق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمطعون
شهيد وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة
تموت بجمع شهيد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن
حبان
في صحيحه
01
ش
مثل
سین
ـاع
لى
بها
راه
جاء
مل
د
یان
الفائدة لأنه إذا رأى شخص شيئاً وأخبر بمعناه ثم رأى شيئاً
اخر وأخبر بمعناه وتكرر ذلك في أشياء عديدة فمن الجائز أن
ينسى بعض ما قيل له وإذا أريت له الأشياء ولم يُخبر إلا
اخرا بقي الخاطر بجميعها مشغولا وإلى ما يلقى إليه
متشوّفاً فيكون ذلك أكد فى التحصيل ولحفظ ما به أخبر ولذلك
كان عليه السلام إذا كان شيء له بال يسأل ثلاث مرات الشخص
أو يناديه ثلاثاً وحينئذ يعلمه وما ذاك إلا لِجَمْع الخاطر
إلى ما يلقى إليه ونفى الالتفات للغير كما قال عليه السلام
يا معاذ ثلاثاً ومعاذ في كل مرة يقول لَبَّيْكَ يا رسول
الله وسَعْدَيْكَ ۱ فـ أخبره به إلا بعد الثلاث لتلك
الحكمة المشار إليها يخبره بالذي
وفيه أيضاً سؤال ثالث وهو لِمَ لم يُعرِّفاهُ بأنفسهما
أولاً وتركا التعريف بأنفسهما إلى آخر فالجواب لو عرفاه
أولاً لوقع الاستئناس بهما والإدلال عليهما حتى يسألهما
عما رأى أوّلاً بأول ولا يمكنهما إلا الجواب له عليه
وعليهما الصلاة والسلام لما يلزمهما من الأدب معه
والاحترام له وعند التنكير تبقى النفس مجموعة بما ترى
مشغولة بحالها وعرّفاه آخِراً بأنفسهما لِيَعلم أن ما رأى
كان حقاً كله بواسطة الملك الذي نزل بالقرآن لأن هذين لا
يدخلهما تأويل ولا يُشَك فيهما وإن كانت مرائيه عليه
السلام كلها حقاً فليس الحق كله في القوة الواقعة في
النفوس على حد سواء وللقوة في ذلك وبنوه فمنها بحسب قوة
سياسة المبلغ إليه ومنها بحسب معرفتك بحال مبلغها إليك
وفيه دليل على أن الملائكة عليهم السلام تتطور لأن سيدنا و
قد كان يعرف هذين الملكين فلما راهما على صورة لم يرهما
عليها لم يعرفهما
وقوله فارفع رأسك فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحاب قالا
ذلك منزلك فقلت دعاني أدخل منزلي قالا إنه بقي لك عمر لم
تستكمله فلو استَكْمَلْتُهُ أتيت منزلك فيه بحث وهو أن
يقال أليست هاتان الداران من الجنة وتراه عليه السلام قد
دخلهما وخرج منهما فلم مُنع عليه السلام من منزله وهو
أيضاً من الجنة حتى يستكمل عمره فالجواب أنه إنما دخل عليه
السلام هاتين الدارين وإن كانتا من الجنة لأنه ليس له
فيهما أهل لنفسه ولا لأهلهما أيضاً تعلق به كتعلقهم بمن هم
له ودخوله عليه السلام الجنة حق للنص عليه بقولهما التي
دخلت الجنة وقد رأى عليه السلام ما بين الدارين من التفاوت
وما بينهما من المسافة إلا القدر القليل والنزر اليسير
بالنسبة لما بين الدارين ولما رأى عليه السلام بعد المسافة
بين منزله وبين المنازل التى دخل وعايَنَ حصل له العلم
بعظم المنزلة وكيفيتها وهناك
1 أخرجه الشيخان عن أنس بن مالك عن معاذ بن جبل رضي الله
عنهما
۵۱۱
أهله من الحور والولدان وهم موعودون به والوعد حق لا خلف
فيه فلو وقع الاجتماع لم تمكن الفرقة للوعد الحق وكذلك
جميع القصور والأشجار التي هناك والأنهار منتظرة له عليه
السلام فهذا - والله أعلم - بمقتضى الحكمة أوجب منع الدخول
إلا بعد توفية العمر وفيه بحث ثانٍ أيضاً لِمَ أُخر رؤية
منزله عليه السلام آخراً ولم يكن ذلك أولاً فالجواب أنه قد
جرت الحكمة أن الأشياء لا يتبين قدرها إلا بمعاينة ما هو
أقل منها فأخرا الإخبار له عاين ذلك فكبرت النعمة إذ ذاك
وعظمت وأما كونه عاين منازل المؤمنين وحينئذ عاين منزله
فلان
ووج
الختام إنما يكون بأجل الأشياء ولذلك قال عزّ وجلّ
خِتَمُهُ مِسْدٌ ﴾ ۱ وقد قال بعضهم وساقي القوم آخرهم
شراباً وهو عليه السلام المخير لنا فأخَّرَ الإخبارَ
بخَبَرِهِ الخاص به
وفائدة هذا الحديث الإيمان بما فيه من الوعد والوعيد
والعمل على طريق النجاة فهي
الفائدة التي من أجلها أخبرنا بما تضمن
يا سيدي
ومن هنا فَضَل أهل الطريق غيرهم لأنهم صيروا العلم حالاً
حتى إنه يذكر عن بعض التلامذة أنه غاب عن شيخه أياماً
كثيرة فلما أتاه قال له يا بني ما حبسك عني قال له سمعت
منك آيتين فعملت عليهما لأن أتخدهما حالاً فجاهدت النفس
على ذلك حتى من الله به أو ما في معناه فقال له الشيخ وما
هما يا بني قال الأولى قوله تعالى فَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَمُ وَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ۳ والثانية قوله تعالى
وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ
رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾ ٤
فجاهدت النفس على
ج
التزام عمل الخير ولا تترك منه ذرة وترك الشر ولا تقع فيه
بِذَرَّةٍ وعلمت أني من أحد دواب الأرض ورزقي عليه ويعلمني
وحيث مستقري فَأَزَلْتُ تعلق القلب من الرزق لوعده الجميل
لأنه لا يخلف الميعاد ولعلمه بي وأين مستقري فهو عزّ وجلّ
ييسره لي بحسن لطفه ووفاء وعده فقال له الشيخ هنيئاً لك يا
بني فلقد فقت العابدين هذا مقصود الموالي من العبيد ولذلك
قال من قال إذا كان وَعدك بالرزق لا يُخلف وطلبك الأمر من
غيره لا يُعرَف فحسبي تصديق وعدٍ لا يُخلف واشتغالي بأمر
غيره مني لا يُعرَف
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ سورة المطففين من الآية ٢٦
لفظه ساقي القوم اخرهم شربا أخرجه الترمذي وابن ماجه عن
أبي قتادة رضي الله عنه
۳ سورة الزلزلة الايتان ۷ و ۸
٤ سورة هود من الاية ٦
۵۱
حديث لا حسد إلا في اثنتين
عَنِ ابن مسعود ۱ رضيَ الله عَنهُ قالَ سَمِعتُ النَّبِيَّ
صلى الله عليه وسلم يَقولُ لا حَسدَ إلا في التينِ رَجُل
آتاه الله مالاً فَسَلَّطه على هلكته في الحَقِّ وَرَجُلٍ
آتَاهُ الله حِكمَةٌ فَهُوَ يَقضي بها
ويُعلمها
*
ظاهر الحديث يدل على جواز الحسد في الصفتين المذكورتين
ومنعه مما عدا ذلك والكلام عليه من وجوه
أحدها هل هذا الحسد هنا حقيقة أو مجاز محتمل والظاهر أنه
مجاز وهو إذا تحقق غبطة وتنافس وقد قال جل جلاله وَفِي
ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ ٢
والدليل على أنه غبطة لا حسد لأن حقيقة الحسد إنما بكون في
شيء ينتقل عادة من واحد إلى اخر بوجوه ممكنة جائزة مثل أن
يرى شخص على شخص نعمة فيريد أن تنتقل تلك النعمة إليه
ويفقدها صاحبها ولذلك قال جلّ جلاله لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ
مِّمَّا اَكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَا
1 عبد الله بن مسعود أبو عبد الرحمن صحابي ابن صحابية سادس
ستة في الإسلام من أكابرهم فضلاً وعقلاً وقرباً من رسول
الله وشهد الغزوات من بدر إلى اليرموك أجهز على أبي جهل في
بدر وشهد له النبي بالجنة وقال فيه ساقاه النحيلتان اللتان
ضحك منهما الصحابة لما تسلق شجرة أوْزَن من جبل أحد عند
الله يوم القيامة كان صاحب نعل رسول الله كان يُلبسه إياها
فإذا جلس عليه السلام جعلها ابن مسعود في ذراعه كثير
الدخول على رسول الله وكان يقال له صاحب السواك والنعل روي
له ٨٤٨ حديثاً اتفق الشيخان على ٦٤ منها ويعد ابن مسعود
مرجع الإمام أبي حنيفة وأصل مذهبه في الحديث وفيه قال خذوا
القرآن من أربعة من ابن مسعود وأبي بن كعب ومُعاذ بن جَبَل
وسالم مولى أبي حُذَيْفَة ويُقسم ابن مسعود أنه يعرف كل
اية أين نزلت وفيم نزلت ولو يعلم من هو أعلم منه لركب إليه
وكان في مرضه يشكو ذنوبه لعثمان وأوصى بناته بقراءة سورة
الواقعة أمناً من الفقر وهو أحد العبادلة الفقهاء ت ٣٢هـ /
٦٥٣ في المدينة المنورة وصلى عليه
عثمان رضي الله عنه سورة المطففين من الاية ٢٦
اكْتَسَبَنَ وَسَتَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۱ معناه لا
يطلب أحد من أحد مما أنعم الله عليه ويسألُ الله الذي أنعم
على أخيه أن ينعم عليه بفضله فإن كل نعمة من الله على
عباده إنما هي من فضله ومَنْه لا بوجوب ولا استحقاق
ولذلك قال إذا حسدت فلا تَبْغِ لأن الحسد هو ما قدمنا ذكره
من انتقال النعمة التي على شخص إلى غيره وقد يكون انتقالها
بزيادة خير للآخر مثال ذلك أن يرى شخص ثوباً على شخص
فيتمنى أن يعطيه إياه ويطلبه له فيفتح الله على صاحب الثوب
بما هو خير منه فيتصدق به على الذي حسده فيه أو يبيعه منه
فقد حصل للحاسد مقصوده وزادت النعمة على المحسود والبغي هو
أن يريد أن تنتقل النعمة من صاحبها إلى غيره بضرر يلحق
صاحب النعمة مثال ذلك أن يرى أحد بعض متاع الدنيا عند شخص
فيتمنى أن يكون ذلك المتاع عنده وصاحبه ميتاً أو مقتولاً
أو منفياً أو ما أشبه ذلك من وجوه الضرر فهذا معنى قوله
إذا حسدت فلا تبغ أي إن وقع منك حسد فلا يكون بغياً أي
بضرر لغيرك فالأولى ألا تحسد أحداً فإن أعجبك شيء من
الأشياء فاسأل الله أن يعطيك من فضله كما أعطى ذلك الشخص
فإن لم تقدر على ذلك وأبت نفسك إلا ذلك الشيء بعينه فاسأله
بلا ضرر يلحق لصاحبه فإن طلبته بضرر فذلك هو البغي وهو من
أعظم الذنوب
وقد رأيت في بعض التواريخ أن شخصاً فتح الله عليه فتحاً
عظيماً من الدنيا وكان بعض المساكين يمشي في الأزقة
والأسواق وما كان دعاؤه إلا أن يقول اللهم افتح عليّ كما
فتحت على فلان ويذكر ذلك الشخص المنعم عليه فقال له يا هذا
ما لك وما لي أما وجدت أن تسأل الله إلا مثل ما أعطاني ألا
تكف عني كلامك يزيدني شُهرة وربما قد يلقاني منه أذى فأبى
المسكين أن ينتقل عن ذلك القول وقال له ما شَتَمتُك ولا
سَبَبتك وأنا أدعو بما يظهر لي فلما قال له ذلك قال له كم
يكفيك في يومك على ما تشتهيه من النفقة فسمّى له عدداً
فالتزم له إعطاء ذلك العدد كلَّ يوم ويقعد في داره ولا
يذكره ولا يسأل أحداً فبقي يُجري عليه ذلك
المعروف حتى توفي
وهذه الحكمة المرادة في الحديث لم يُجرِ الله عزّ وجل
عادته أنه يأخذها من واحد ويعطيها آخر مثل حطام الدنيا
وكذلك المال أيضاً لأنه إذا أنفق لا يرجع إلى أحد لأنه قد
حصل في
۱ سورة النساء من الآية ۳
لفظه إذا حسدتم فلا تبغوا وإذا ظننتم فلا تحققوا وإذا
تطيرتم فامضوا وعلى الله فتوكلوا أخرجه ابن عدي عن أبي
هريرة رضي الله عنه
٥١٤
الآخرة لأنه ما حسده في المال نفسه وإنما حسده في كونه
أنفقه فـ أسقط عنه ما عليه من الحق وثبت في ديوان حسناته
ومثل ذلك مثل من يرى شخصاً قد حج كذا حقه وإنفاقه في حقه
قد وكذا حجة وجاهَدَ كذا وكذا مرة فحسده على ذلك فحقيقة
الحسد في مثل هذا إنما هو غبطة لأنه في الحقيقة تمنى أن
يفعل خيراً مثله وكلام العرب فيه المجاز كثير وهو من فصيحه
وهنا بحث وهو ما المراد بالحكمة هنا الظاهر أنها الفهم في
كتاب الله عزّ وجلّ لأن الله تعالى يقول ﴿ وَمَن يُؤْتَ
الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ۱ قال
العلماء الحكمة هي الفهم ب كتاب الله والدليل على ذلك من
الحديث قوله يقضي به أي يحكم بها ولا يحكم أحد بشيء بعد
الإسلام ويكون مأجوراً فيه إلا بكتاب الله عزّ وجلّ وسنة
رسول الله والفهم في كتاب الله كالفهم في سنة رسول الله ل
لأنهما من الحكمة والحكم بهما مخرج واحد لأنهما الثقلان
اللذان قال له فيهما لن تضلوا ما تمسكتم بهما
وتعليمهما للغير من الكمال لأنه إذا كان يفهم عن الله
ويعمل به ويعلمه فهو أعلى المقامات لأن هؤلاء هم ورثة
الأنبياء عليهم السلام وقد قال عليه السلام إذا مات المرء
انقطع عمله إلا من ثلاث ولد صالح يدعو له وصدقة جارية
وعِلم يُنتفع به بعد موته ۳ وأعلاها بَثْ العلم والعلم
الذي فيه هذا الأجر العظيم هو علم الكتاب والسنة أو ما
استنبط
منهما وقد جاء أنه من صلى الفريضة وقعد يعلم الخير نودي في
ملكوت السموات عظيماً وهنا بحث وهو هل الفهم في الكتاب
معناه فهم الأمر والنهي من التحليل والتحريم ليس
إلا فإن كان هذا فقد حصل لمن تقدم ولم يبق للمتأخر شيء منه
لأن الأصول قد تقعدت والأحكام قد ثبتت أو أن المقصود ذلك
وما فيه من الحكم وفوائد أمثاله وفهمها فإن كان هذا فهو لا
ينقضي إلى يوم القيامة ويأخذ منه المتقدم والمتأخر كلُّ
بحسب ما قسم له وإلى ذلك أشار بقوله صلى الله عليه وسلم
فيه لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الردّ ولا يشبع منه
العلماء ٤ مثال ذلك قصة موسى عليه السلام في قوله تعالى
﴿فَلَمَّا تَرَاهَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَى
إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي
سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ أَضْرِب
بَعَصَاكَ الْبَحْرُ فَأَنفَلَقَ
1 سورة البقرة من الآية ٢٦٩ ٢ أول الحديث تركت فيكم شيئين
لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي الخ أخرجه الحاكم عن أبي
هريرة ۳ أصله إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث الخ
أخرجه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والترمذي
والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه
رضي
الله عنه
جزء من حديث طويل أوله إلا أنها ستكون فتنة أخرجه الإمام
أحمد من حديث سيدنا علي رضي الله عنه
فَكَانَ كُلُّ فِرْقِ كَالطَّودِ الْعَظِيمِ ۱ ينبغي أن
نعلم ما الفائدة بالإخبار بهذه القصة لنا وما لنا فيها من
التأسي بمقتضى الحكمة ومن تقدم من العلماء لم يتعرضوا لهذا
المعنى فيما أعلم وهو مما نحن مخاطبون به لأنه لم يقص
علينا القصص عبثاً لأن الله عزّ وجلّ يقول ﴿ فَاقْصُصِ
الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
فالفائدة في ذلك - والله أعلم - أنه لما لم يخرج موسى عليه
السلام ببني إسرائيل إلا بعد ما أمره الله تعالى بذلك ثم
قام البحر أمامهم ورأوا الجمع وراءَهم وقد وقع العَينُ
بالعَين أيقنوا بالعادة الجارية أنهم مُدرَكون فسألوا موسى
عليه السلام لعله يكون عنده أمرُ من الله تعالى يفعله عند
وقوع العين بالعين لأن قولهم ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ - وهو
عليه السلام قد أبصر ما أبصروا من الجمع والبحر - ما
الفائدة فيه إلا استخراج ما عنده في ذلك فلم يكن عنده شيء
مستعد للعدو إلا أنه يعلم أن الذي أمره ووفقه لامتثال أمره
هو معه ولا يُسْلِمُهُ
فلم ينظر في ذلك إلى مقتضى العوائد الجارية ولا غير ذلك
لأن قدرة الله تعالى لا تنحصر للعادة يفعل عزّ وجلّ ما شاء
فقال جواباً لهم ﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي
سَيَهْدِينِ كأنه عليه السلام يقول بمتضمّن قوة كلامه يا
قوم ليس لي شيء أفضُلُكم به إلا قوة إيمان بالله ويقين به
وصدقٌ معه فهو يهديني لما فيه نجاتي ونجاتكم فما فرغ من
كلامه إلا ونزل عليه قوله تعالى ﴿ فَأَوْحَيْنَا إِلَى
مُوسَى أَنِ أَضْرِب بَعَصَاكَ الْبَحْرُ فجاءه الجواب من
الله بالفاء التي تعطي التعقيب والتسبيب لما أخبرهم بحاله
مع ربه في الحال أتته الهداية كما تليق بالعظيم الجليل إلى
الضعيف إذا وثق به فكان من أمْرِهم وأمْرِ عدوهم ما قص عزّ
وجلّ بعده كذلك أنتَ يا من قصَّت عليه هذه القصة إذا كنتَ
ممتثلاً لأمر ربك كما أمَرَك ولم تعلق قلبك بسواه يمدك
بالنصر والظفر في كل موضع تحتاج إليه ولا تقف في ذلك مع
عادة جارية كما فعل أصحاب موسى عليه السلام فكن في إيمانك
مُوسَوِيَّ العقل يُغرِق فرعون هواك لطفُ مولاك في بحر
التلف وكذلك كلُّ من أرادك بسوء قال عزّ وجلّ في محكم
التنزيل ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
۳ وإنما ذكرتُ هذه القصة تصديقاً لهذا الوعد الحق وهو قوله
تعالى وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ لأن
القصص إذا ذكرت بعد الوعد كانت تصديقاً له وتأكيداً
۱ سورة الشعراء الآيات ٦١ - ٦٣
سورة الأعراف من الآية ١٧٦
۳ سورة الروم من الاية ٤٧
01
﴿
وقد قال تعالى إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ۱ ونصرة
العبد الله إنما هي باتباع أمره واجتناب نَهيه وفي هذه
القصة إشارة لطيفة وهي أنه إذا كان واحد ممن هو ممتثل في
جمع وهم له مطيعون أنهم يُنصَرون يؤخذ ذلك من أنه لم يكن
على يقين موسى عليه السلام في القوم غيره فلما كانوا له
مطيعين عادت على الكل تلك البركة بذلك النصر العجيب
وفيها أيضاً إشارة وهي ! في هذا المعنى وهي أنه لما بادر
عليه السلام للأمر ممتثلاً عَلِمَ بحقيقة الإيمان أن الأمر
لا يترك من أمره وامتثل أمره فإنه خُلْف والخُلْف في حق
الله تعالى مُحال فإذا رأى المرء نفسه قد قام بأمر ربه كما
أَمَرَهُ إيماناً واحتساباً فلا يشك في النصر ولا يَدخله
في ذلك امتراء فإن دخله شك فهو ضَعْف في التصديق وإذا
ضَعُف تصديقه - وهو إيمانه - خان نفسه وهو لا يشعر وهذا من
خُدَع العدوّ وقد يُبطىءُ عليه النصر من أجل ذلك فلا يزال
مع الإبطاء يضعف إيمانه حتى يكون سبباً إلى الشقاوة العظمى
وهو من مكايد العدو وقد قال تعالى في كتابه مثنياً على من
قام بأمره في هذا المعنى الذي أشرنا إليه ومخبراً بحالهم
الجليل كيف كان ليقع بهم التأسي في ذلك الشأن فقال عزّ وجل
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ
جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَا
وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ
يَمْسَسْهُمْ سُوءُ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ
وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ٢ أي الله يكفينا والآي في
هذا المعنى كثيرة
وفيه دليل على كثرة نصحه ل لأمته وإرشاده لهم لكل ما فيه
ربحهم في الدارين يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام لا َحسَدَ
إلا في اثنتين وسمى هذه التي بين وما فيها من الخير وهي
الحكمة المذكورة وسمّى المال الذي سلطه صاحبه على هلكته في
الحق
وقد يقول السامعون أو بعضهم وأي فائدة لنا في الدنيا أو في
الآخرة إذا تمنينا أن يكون لنا مثل حال صاحب هذا المال
الذي ينفقه في الحق وماذا يعود أيضاً علينا من أن نتمنى
حالَ صاحب الحكمة التي يقضي بها ويعلّمها وليس كل الناس
فيه أهلية لذلك فيتمنى أحد شيئاً وهو يعلم أنه لا يمكنه
الحاقه مثل شخص لا يقرأ أو لا يكتب فيقول كيف أتمنى أنا
حال هذا
وهو إذا تمنى حاله بإخلاص مع الله فإن له مثل أجره لأنه
قال له إنما الدنيا لأربعةِ نَفَر رجل رزقه الله مالاً
وعلماً فهو يتقي في ماله ربَّه يَصِل به رَحِمَه ويعلم أن
الله فيه حقاً فهذا
۱ سورة محمد من الآية ٧ سورة آل عمران الآيتان ۱۷۳ و ١٧٤
۵۱۷
N
بأفضل المنازل وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً فهو
صادق النية الله يقول لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان
بنيته فأجرهما سواء وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً
فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربَّه ولا يَصِل به
رَحِمَه ولا يعلم الله فيه حقاً فهذا بأخبث المنازل وعبد
لم يرزقه مالاً ولا علماً فهو يقول لو أن لي مالاً لعملت
فيه بعمل فلان فهو بنيته ووزرهما سواء ۱ والعلم المذكور
هنا المراد به أن يعلم ما في المال من الحق وهذا القدر من
العلم يكاد لا يخفى على أحد إلا اليسير من الناس فإذا علم
أن في المال حقاً ولم يعرف كيفية إخراجه فيسأل عنه ويمتثل
ما يقال له في ذلك فعلمه أولاً أن في ماله حقاً الله وعزمه
على توفيته بالخروج وسؤاله عن ذلك وإخراجه في وجوهه
الواجبة والمندوبة عالم يطلق عليه
فأراد عليه السلام بجواز الحسد هنا الذي هو المبالغة في
التمني لأن يحصل للحاسد هذه المنزلة الرفيعة وهو لا يعلم
كما حكي أنه كان في بني إسرائيل عابد ومرت به سَنَة شديدة
فمرَّ بكثيب من رمل فتمنى أن يكون له مثله طعاماً فيتصدق
به على بني إسرائيل وكان صادقاً مع الله تعالى فأوحى الله
عزّ وجلّ لنبي ذلك الزمان عليه الصلاة والسلام أن قل لفلان
إني قد قبلت صدقته فأراد سيدنا أن يسوق لنا كل خير كان لمن
تقدم من الأمم بطريقة لطيفة وتعليم
جميل
كذلك أيضاً الحاسد لصاحب الحكمة إذا كان لا يمكنه أن يصل
إليها يحصل له أجر النية على العزم على ذلك لأنه قال له
نية المؤمن خير من عمله وقد حكي عن بعض أهل الدين والفضل
أنه دخل على أخ له مريض يعوده فقال له المريض انْوِ بنا
حَجًا اِنْوِ بنا جهاداً انْوِ بنا رباطاً فقال له يا أخي
وأنت في هذا الحال فقال إن عشنا وَفَّينا وإن مِثْنا كان
لنا أجر النية إذا كانت صادقة فهؤلاء فهموا عن الله وعن
رسوله صلى الله عليه وسلم
ثم مع ذلك يحصل له شيئان عظيمان أحدهما الندم على تضييع
العمر وقد قال الندم توبة ۳ والثاني حب أهل الخير وإيثارهم
على غيرهم وقد قال الله المرء مع من أحب ٤ وقد يزيده مع
ذلك التأسي بهم في بعض الأشياء التي يسمعها منهم ويكون
بينه وبينهم مناسبة ما
۱ مروي بالمعنى مَثَلُ هذه الأمة كمثل أربعة نفر الخ أخرجه
الإمام أحمد وهناد وابن ماجه والطبراني والبيهقي عن أبي
كبشة الأنماري رضي الله عنه ٢ أخرجه البيهقي في الشعب عن
أنس رضي الله عنه
جزء من حديث أخرجه الطبراني وأبو نعيم عن أبي سعيد
الأنصاري رضي الله عنه ٤ أخرجه الإمام أحمد والشيخان وأبو
داود والترمذي والنسائي عن أنس والشيخان عن ابن مسعود رضي
عنهم
الله
۵۱۸
والتشبه بالكرام فلاح وقد يكون صادقاً مع الله فيفتح له في
ذلك بطريق خرق العادة كما ذكر عن يوقنا في فتوح الشام مع
أنه كان لا يفقه من العربية شيئاً وما ذكرنا يوقنا إلا من
أجل بيان خرق العادة في كسب العلم ليس إلا فلما أخذ
المسلمون حصنه وأسروه أصبح وهو يتكلم بالعربية وهو يحفظ
سُوَرا من القرآن وأسلم فسأله حاكم المسلمين عن حاله من
أين أتاك هذا الأمر فأخبره أنه رأى سيدنا صلى الله عليه
وسلم في النوم وأنه هو الذي علمه ذلك وانتفع المسلمون
بإسلامه كثيراً أو يعطيه كما أعطى صاحب المال بحسن نيته
فإن المولى كريم منّان فبان ما قلنا من الدلالة على نصحه
لأمته وحسن إرشاده لهم من هذا الحديث بما أبديناه
ويترتب على هذا من الفقه وجوه منها الجد في فهم الحديث
والكتاب لما فيهما من الخير وأنه ينبغي لكل من له ولاية
على رعية ولو على نفسه الذي لا بد لكل شخص منها أن ينظر
كيف يجلب لهم الخير بحسن إرشاد منه اقتداء بهذا السيّد صلى
الله عليه وسلم
وفيه إشارة إلى أن العلم لا يكمل الانتفاع به إلا مع العمل
به يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام ويقضي بها
وفيه دليل لأهل الصوفة لأنهم يسأل بعضهم بعضاً أين مقامك
وما حالك مع ربك وما ذاك منهم إلا لأن يقع التأسي بنبيّهم
عليه السلام في ذلك الترقي ولغبطة بعضهم لبعض ولذلك قال
إذا كانت نفسي لك وكنتَ لي فأنا صاحب الدارَينِ وهما لي
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۵۱۹
حديث فضل الصدقة
عَن أبي هُرَيرةَ رَضي الله عَنهُ أَنَّ رَسولَ الله صلى
الله عليه وسلم قالَ قالَ رَجُلٌ لأَتَصَدَّقن بصدقةٍ
فَخرجَ بصدَقتِهِ فَوضعَها في يد سارق فأصبحوا يتحدَّثونَ
تُصُدِّقَ على سارق فقَالَ اللّهمّ لكَ الحَمدُ لأتصدقنَّ
بصدقَةٍ فَخرجَ بصدقتِه فوَضعَها في يد زانِيةٍ فأصبحوا
يتحدثونَ تُصُدِّق اللَّيلةَ على زانية فقالَ اللَّهمَ لكَ
الحَمدُ لأتصدقنّ بصدقةٍ فخرج بصدقتِه فوضعها في يد غَنيّ
فأصبحوا يتحدَّثونَ تُصُدِّق على غني فقالَ اللّهُمّ لكَ
الحَمدُ على سارق وعلى زانيةٍ وعلى غَنيّ فأُتِيَ فَقِيلَ
لَهُ أمَّا صَدقتُكَ على سارِقٍ فلعلَّهُ أن يَستَعِفَّ
عَن سَرقَتِهِ وأَمَّا الزَّانيةُ فَلعلها أن تَستَعفَّ
عَن زِناها وأمَّا الغَنيُّ فلَعَلَّهُ أن يَعتبر فينفق
مما أعطاه الله عَزَّ وجَلَّ
وجوه
ظاهر الحديث يدل على أن دوام حسن المعاملة مع الله يوجب
رفع المنزلة والكلام عليه من
منها الدليل على صدقة السر أنها أفضل الصدقات فيما تقدم من
الشرائع كما هي في شريعتنا يؤخذ ذلك من قوله فخرج بصدقته
فوضعها فأصبح الناس يتحدثون بالصدقة ولا يعرف
لها صاحب
وفيه دليل على جواز مفاوضة المرء مع نفسه فيما يفعله من
الخير يؤخذ ذلك من قوله الأتصَدَّقَنَّ بصَدَقةٍ ولم يذكر
مع من فدل أن ذلك كان مع النفس وفيه من الفائدة تحقيق
النية وفيه دليل على أن تحقيق العمل الله وتخليصه من
الشوائب أنجح الوسائل يؤخذ ذلك مما مُنْ عليه من البشارة
بلَعَلَّ لَعَلَّ لَعَلّ بعد بذل جهده في معروفه ورضاه بما
جرى له فيه وعلى أن التخير للصدقة مطلوب فيمن تقدم كما هو
في شريعتنا لأنه قال تخيروا الصدقاتكم يؤخذ ذلك من إعادة
الصدقة لما سمع أنها في غير مستوجب لها ولا تخلو الصدقة أن
تكون فَرْضاً فاستئنافها
۵۰
واجب لأنه إذا أعطى شخص صدقته مجتهدا ثم ظهر له بعده أنها
في غير مستحقها وجب عليه بدلها وإن كانت تطوعاً فإعادتها
مستحبة إلا أن يكون نَذرها للمساكين فعليه واجب إعادتها
حتى
يفي بنذره
وبقي البحث في هذه الصدقة هل كانت على الوجوب أو على الندب
فالظاهر من الحديث أنها كانت على الندب لكونه بعد الثلاث -
وهو في كل واحدة لم يصب من فيه لها أهلية - تعزى بالذي قيل
له ولم يُعِدِ الصدقة
وفيه دليل على أن الحكم للظاهر حتى يتبين ضده وأن العمل
على ذلك في كل الملل يؤخذ ذلك من كونه بالليل ورأى على
هؤلاء ظاهر المسكنة فعمل على ما ظهر له من حالهم وأعطاهم
الصدقة فلما تبين له غير الذي ظن استأنف العمل
وفيه تنبيه على أن الذي يخرج الشيء الله صادقاً ويكون
طيباً أن الله لا يضيع له ذلك وأنه يوقع معروفه في خير مما
قدّره هو كما قيل له آخر الحديث لعلّ لعلّ لعلّ ولعل في كل
موضع مما قيل له ليس على بابها بل هي واجبة على المشهور من
الأقاويل لأن هذه أخبار من الله
واختبار له من الله سبحانه بحسن نيته ولا يقع بها للفاعل
تسلية إلا أن تكون على الوجوب ومثل ذلك ذكر عن بعض الناس
أنه خطر له أن يتصدق بمائة دينار الله تطوعاً فجاء لبعض
أهل الطريق فقال له يا سيدي دلني على من أعطيه هذه الصدقة
فقال له اخرج غُدوة النهار على باب المدينة فأول رجل تلقاه
فأعطها إياه ففعل الرجل فلما أن خرج كما أمره به فأول رجل
لقي بعض الذين كانوا يوصفون بالدنيا وعليه أثرها فقال في
نفسه وكيف أعطي صدقة لغني ثم قال الشيخ أعلم منّي فدفع له
المال
طعاماً ورجع ورجع ومعه
فلما دفعه قامت النفس معه فقال والله لأتَّبِعه حتى أرى ما
يفعل فاتبعه من البعد حتى رآه قد دخل خربة فلما دخل رمى
فيها من تحته بشيء فنظر ذلك الشيء الذي رماه فإذا هي دجاجة
جيفة ثم اتبعه حتى دخل داره فاستمع من خلف الباب فسمعه
يقول لعياله افرحوا فقد فتح الله لكم وأخبرهم الخبر وسمع
فرحهم ثم خرج إلى السوق واشترى لهم الطعام حتى سمع فرحهم
بالطعام فتبين له فاقتهم فلم يقنعه ذلك حتى خرج الرجل
فأقسم عليه وسأله حاله فقال له إني كان لي ثلاثة أيام ما
منا من أكل طعاماً وما عندنا شيء نبيعه إلا هذه الثويبات
التي نستر بها حالنا عن الناس فخرجت لعلي أجد شيئاً أتسبب
لهم فيه فلقيت تلك الدجاجة التي رأيتني رميتها فقلت الحمد
الله هذه
نتبلغ بها اليوم وَلِغَدٍ فَرَجٌ فأنا راجع بها وأنت قد
دفعت لي ذلك المعروف فحَرُمت الميتة علينا
فرميتها فسُرّ الشخص بذلك وعاد إلى الشيخ وأخبره فقال يا
بني هذه سنة الله فيمن صَدَقه هـ
عزّ وجلّ يُهيّىءُ خير الأمور وأحسنَها
وفيه دليل على بركة التسليم والرضا يؤخذ ذلك من كونه في كل
مرة خاب سعيه ـ على جري العادة ـ ولم يضجر ورضي وسلّم
وأعاد المعاملة فأعقبه ذلك تلك البشارة وفيه دليل على أن
غلبة الشح في الغالب من الأغنياء يؤخذ ذلك من كون أحد
الآخذين غنياً وأخذ تلك الصدقة وهو غير أهل لها فلولا
زيادة الحرص فيهم ما اجتمع المال لهم في
الأغلب منهم
وفيه دليل لأهل الصوفة الذين يقولون لا تقطع الخدمة وإن
ظهر لك عدم القبول أو تحققته فليس للعبد بد من خدمة مولاه
فبدوام الخدمة يُرجى القبول ولذلك يذكر عن بعض بني إسرائيل
أنه كان فيهم عابد عبد الله سنين فأوحى الله الى نبي ذلك
الزمان قل لعبدي فلان يتعبد ما شاء هو من أهل النار فتوجه
إليه وأخبره فقال مرحباً بقضاء ربي ثم رجع إلى منزله وزاد
في تعبده أضعاف ما كان قبل ذلك وقال يا رب كنت أعبدك وأنا
عند نفسي أن ليس في أهلية لشيء فكيف الآن وأنت قد مَنَنْت
عليّ وجعلتني أهلاً لنارك وأقام في التعبد وازداد خيراً
فأوحى الله لذلك النبي أن قل له يفعل ما شاء هو من أهل
الجنة لازدرائه بنفسه وقال بعضهم لئن أردتم مني السلوّ
عنكم فليس لي منكم بد وإن أبعدتم
وهنا بحث وهو لِمَ كرّر في الآخرة الحمد على الثلاثة
والحمد منه على كل واحدة قد وقع فهو قد حمد على النازلة
الأولى والثانية فالجواب تلك مبالغة في الرضا والتسليم
فقوة كلامه تخبر كأنه يقول قد فعلت في الأولى معي كذا وكذا
وحمدتُ ورضيتُ بحكمك ثم في الثانية كذلك وإني لا أريد مع
مخالفتك ما أختاره أنا إلا الرضا والحمد والتسليم لا أتغير
عن ذلك مع تكرار حكمك بما شئت فمنك الحكم ومني الرضا
والتسليم فجاء من أخبره بذلك الخبر وبقي البحث من المخبِرُ
له وفي أي العالم فالظاهر - والله أعلم - أنه في عالم الحس
فلعله ملك من الملائكة لأنه كثيراً ما جاء أن الملائكة
كانت تكلم بني إسرائيل في بعض النوازل وفي الأخبار من ذلك
كثير أو من أرسل إليه من الصالحين بما قيل له في النوم أو
اليقظة أن يخبره بذلك أو بعض الأنبياء في وقته لأن قوله
فأتي دليل على أنه مرسل إليه من قبل الله
وفيما قيل له في حق الزانية لعلها أن تتوب - على الوجه
الذي ذكرناه أولاً - فإن توبتها على يديه خير له من الصدقة
لقوله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمُر
النَّعَم ۱
1 أخرجه الإمام أحمد عن معاذ رضي الله عنه بلفظ مختلف
لأن بعض الزانيات قد لا يحملها على ذلك الفعل إلا قلة ذات
اليد والحاجة وعدم الصبر على ذلك فمثل هذه إذا وجدت شيئاً
يقوم بها كفت بخلاف التي تفعل ذلك لغلبة الشهوة في ذلك
الشأن وكذلك الجواب على السارق والخير فيه أعظم لأنه يكف
ضرره عن المسلمين وأما الغني فالبحث فيه مثل ذلك غير أنه
يكون أيضاً خيره متعدياً والخير المتعدي أفضل
وفيه دليل على أن جميع متاع الدنيا هبة من الله لعباده
بغير حق يؤخذ ذلك مما قيل له فينفق
مما أعطاه الله فجعل ذلك عطية خالصة وهو مذهب أهل السنة
وهو الحق وفيه دليل على فضل هذا المتصدق يؤخذ ذلك من أنه
جمع في أمره بين الحقيقة والشريعة فأما الحقيقة فإنه لما
تصدق - كما تقدم - ولم يوافق القدر اختياره حَمِد وسَلّم
فهذه الحقيقة سَلَّم الأمر لصاحبه وأما آداب الشريعة فكونه
أعاد فعله للصدقة ثانية فعل ذلك ثلاثة كل مرة يجمع بين
الحقيقة والشريعة فهذه أعلى الأحوال على ما تقدم في غير ما
موضع مَنّ الله علينا بها بلا
محنة بمنه وكرمه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
3
حديث صدقة المرأة من مال زوجها
عائشة رضي عن بيتها غيرَ مُفْسِدَةٍ كان لها أجرُها بما
أنفقت ولزوجها أجرُه بما كَسبَ وللخازِنِ
الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا
أنفقت المرأة من طعام
ذلك لا يَنقُصُ بعضُهم أجرَ بعض شيئاً
*
*
ظاهر الحديث يدل على حكمين أحدهما أن المرأة إذا أنفقت من
طعام بيتها - غير مفسدة - كان لها أجر نفقتها ولزوجها أجر
الكسب و الثاني أن الخازن الذي يفعل مثلها له من الأجر
مثلها والكلام عليه من وجوه
منها ما معنى تخصيص النفقة بالطعام ليس إلا وما مقدارها
حتى لا تكون مفسدة وهل لذلك حدّ معلوم أو هو فقه حالي وهل
الخازن والمرأة يحتاجان للإذن في النفقة أم لا وما معنى
النفقة هنا هل على العموم أو هل على الخصوص
أما قولنا هل النفقة على العموم فليس هي إلا على الخصوص
وهي بمعنى ا الصدقة يؤخذ ذلك من قوله لها أجرها لأن الأجر
لا يكون إلا في وجوه المعروف
وأما هل يحتاجون للإذن فلا بد لهما من ذلك لأن مال الغير
لا يجوز للآخر أن يعطيه إلا بإذن صاحبه لقوله لا يحل مال
امری مسلم إلا عن طيب نفس منه ۱ إلا أن الإذن قد يكون
باللفظ أو بالعادة مثال الذي بالعادة مثل الكسرة من الخبز
توهب إلى السائل بالباب أو ما أشبه ذلك ومثل الشيء اليسير
من الملح والماء والنار والخميرة للخبز وقد قال بعض
الفقهاء
1 أخرجه أبو داود والبيهقي وابن قانع وأبو نعيم عن أبي حرة
الرقاشي عن عمه حنيفة الرقاشي وأخرجه عبد الرزاق
عن الحسن مرسلا
٥٢٤
إن ما ذكر مع قدر البيت ومتاعه إنه مما لا يحل منعه فإذا
كان على هذا القول لا يحل منعه فلا يحتاج إلى إذن في ذلك
وإن كان باقياً على أصله مثل سائر الأموال
والظاهر الندب وعليه الجمهور وأن المرء يندب إلى ذلك ولا
سيما مع نص الأحاديث التي وردت في ذلك لأنه قال الله في
الذي يعطي الملح ما معناه له من الأجر مثل من تصدق بمقدار
الطعام الذي وضع الملح فيه ۱ والخميرة مثل ذلك والنار مثل
من تصدق بقدر الطعام الذي طبخ عليها والقدر بمثل الطعام
الذي طبخ فيها ومثل ذلك جاءت أحاديث كثيرة تبين قدر عظيم
الأجر مع يسارة الشيء المعطى ولم يقل إن من لم يفعله فعليه
من الإثم كذا وكذا وهذه
طريقة المندوب
وأما حجة من قال إنه واجب إعطاؤه ومنعه لا يحل فاحتجوا
بقوله تعالى ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ٢ فقالوا الماعون
هو متاع البيت نحو الأشياء التي سمينا قبل وكالحبل وما
يشبه ذلك وفي الحديث لما أن سأل السائل ما الشيء الذي لا
يحل منعه يا رسول الله فذكر فيه مثل الماء والملح والقدر
والخميرة وما يشبه ذلك ۳
وأما الذي عليه مذهب مالك رحمه الله والجمهور في معنى قوله
تعالى ويمنعون الماعون فإنها الزكاة المفروضة والأحاديث -
إن صحت ـ احتملت التأويل وما يحتمل التأويل لا يُعارض به
النص
فأما التأويل فيحتمل أن يريد بقوله ما لا يحل منعه أن يكون
واجباً تركه من طريق الشرع واحتمل وجوباً من طريق المروءة
وحسن المعروف بين الناس لقوله إنما بعثت لأتمم مكارم
الأخلاق 4 ومنع ما ذكرنا ليس من مكارم الأخلاق ا
إلا وأما الأصل الذي هو القاعدة الكلية قوله ٥ عليه السلام
لا يحل مال امرىء مسلم طيب نفس منه والمال ينطلق على
الكثير واليسير لكن الإذن في إنفاق مثل هذا الذي ذكرناه قد
رجع بالعرف مما سمحت به النفوس من المعروف بين الناس حتى
إن طالبه لا يعاب ذلك عليه في كريم الأخلاق وأن الشح به
يتعلق به الذمّ الكثير حتى إن حابسه لوجه ما لا يقدر أن
يَحْبِسَهُ إلا أن
1 لم نقف على مصدره سورة الماعون من الآية ٧
۳
لم نقف على مصدره
٤ أخرجه الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد والحاكم عن
أبي هريرة رضي الله عنه
٥ يريد فقوله
٥٢٥
يبين عذره في يحبسه أو ينكره مرة واحدة بأنه ليس عنده
مخافة على عرضه وقد قال صلى الله عليه وسلم ما
وقى المرء به عِرضَه كُتِب له صدقة ۱
فصاحبة الدار - على ما مرت من العادة على الاختلاف الذي
ذكرناه - لا يمكن لها ٢ منع ما ذكرناه إلا أن ينص صاحب
البيت عليه في ذلك الوقت إن أعطته تكون متعدية على أحد
الوجوه وأما على الوجه الآخر فلا يحل لها منعه وإن أمرها
بذلك لأنها تكون تعينه على ترك واجب
وهذا ممنوع شرعاً وما زاد على ما ذكرناه أيضاً لا يجوز لها
التصرف فيه إلا بإذنه قولاً واحداً واحتمل له وجهاً آخر أن
يكون تعاطي ذلك بينهم من قبل السَّلف والهِبَة على العوض
وما في ذلك من الجهالة مغتَفَر لكثرة حاجة الناس إلى ذلك
وندارة وقوعه فإن الغني والفقير محتاجان إلى ذلك ولو يوماً
ما غير أنه قد يكون بعض الناس في ذلك أحوج من بعض وهو وجه
إذا تأملته ترى فيه وجهاً ما من الاستحسان وهو كثير ما
يوجد ذلك النوع في الشرع مثل المساقاة والقراض ٣ وما أشبه
ذلك تراها مستثناة من قواعد ممنوعة وأبيحت من أجل الحاجة
لذلك وقاس عليها الفقهاء سلف الرغيف من الجار تحرياً بلا
ميزان ولم يجعلوه من باب البياعات وجعلوه من باب المعروف
ومثله الدرهم الناقص بالوزن كذلك أيضاً إذا كان ذلك في مثل
الدرهم الواحد أو الإثنين لأن ذلك عندهم من قبيل المعروف
أيضاً إلا أن يقترن من أجل الفاعلين قرينة
يتبين منها خلاف ذلك فيرجع الأمر إلى أصله من المنع وما
زاد أيضاً على ذلك المقدار ممنوع وهنا بحث وهو إذا قلنا
إنها إنما أعطت ما هو واجب على صاحب المنزل أو هو مندوب
فيرجع إلى بحثنا فعلى ماذا يكون أجرها فالجواب أنها خازنة
لجميع ذلك وقد قال الخازن الذي يعطي ما أمر به طيبةً به
نفسُه أَحَدُ المتصدقين ٤ لأنه لما طابت نفسه على ذلك
وياسر أخاه المعطى له بالمبادرة بالتعجيل كرامة إدخال
السرور عليه لأنه محتمل أن يبدو للمعطي فيمنع فيكون بطؤه
في إنجاز الهبة سبباً للحرمان وتعجيله سبباً إلى تحصيل
المعروف فإنه إذا رجع المعطي والوكيل قد أنفذ أمره بعيد أن
يأخذ المعروف من يد المعطَى له وأيضاً فمن قبل الأمر فإنه
بسرعة إخراج ما أمر به أعانه على إعطاء معروفه
ووجه آخر تيسير الخازن أيضاً تزيد به نفس المعطى له
انشراحاً ومرحاً فهو زيادة في
1 أخرجه الطبراني عن جابر رضي الله عنه بلفظ ما وقى به
المؤمن عرضه فهو له صدقة ٢ أي لا يمكنها
۳ المساقاة شركة بين صاحب زرع وشجر وعامل يسقيها على نسبة
متفق عليها والقراض المضاربة أو شركة مضاربة بين صاحب مال
و عامل أو تاجر
٤ أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن
أبي موسى رضي الله عنه بلفظ آخر
٥٢٦
المعروف وما هو زيادة في المعروف فهو معروف أيضاً وزيادة
ما قدمنا ذكره فظهرت فائدة قوله أحد المتصدقين
وعلى هذا المعنى بحث وهو أن النفس قد طبعت على الشح بما
جعل بيدها من متاع الدنيا وإن كانت تعلم حقيقة أنه ليس لها
فإذا جادَت به فلها الأجر لمخالفتها ما طبعت عليه من الشح
وامتثال الأمر فإن العالم بأسره يعلمون أن ما بأيديهم من
متاع الدنيا ملك لمولاهم وأنه بأيديهم عارية وقد أُمروا
بإنفاق اليسير منه ووعدوا على ذلك بالأجر العظيم وبالبركة
في الباقي والعقاب
على الترك ورفع البركة من الباقي ومع ذلك ما تجد من يجود
بالواجب في ذلك إلا القليل وكذلك خازن المال بيده وهو يعلم
أنه لغيره وأنه مذموم على تأخيره لإعطائه ما أُمِر به من
المال وغيره وأنه مشكور ومثاب على التيسير في إعطائه ومع
ذلك ما تجد من يفعل اليَسِير في ذلك إلا القليل لأجل
التعلق الطبيعي ومن أجل ذلك قال ما يخرج المرء الصدقة حتى
يفك فيها لَحْيَي سبعين شيطانا ۱ غير أن الفرق بين الرجلين
- أعني الخازن وصاحب المال ـ أن صاحب المال قد يظن أنه لا
ينزع المال من يده ويبقى حسابه إلى الآخرة عليه وأن الخازن
قد يقول إن صاحب المال يعزله ويأخذ ماله وإن بقي فإنما
المنفعة لربه ومع ذلك الطبع يحمله على ما ذكرناه حكمة حكيم
وفيه دليل لحسن طريق أهل الصوفة فإن كل ما كان فيه مخالفة
للنفس ولم يكن ممنوعاً شرعاً فإن صاحبه في ذلك مأجور إذا
استقريْتَ هذه القاعدة بحسب قواعد الشريعة تجدها ـ إن شاء
الله ـ غير منكسرة فأخذ أهل الطريق من أجل ذلك في مخالفتها
مرة واحدة حتى إنه ذكر أن إسلام بعض رهبان النصارى إنما
كان سببه ما كان ألزم نفسه من مخالفته إياها
ـه النصراني كيف وذلك لما رأى منه بعض علماء المسلمين من
حسن العبادة ما أعجبه فسأله رأيت يعني حاله فقال له بقي
عليك شيء واحد فقال وما هو فقال أن تُسْلِمَ فأطرق ساعة ثم
أسلم فقام أهل الدير من أهل دينه بالعياط فقال لهم بم نلت
فيكم هذه المنزلة قالوا بأجمعهم بمجاهدتك نفسك ومخالفتك
لها قال لهم وهذا هو الذي جعلني أسلمت فإنه لما ذكر لي
الإسلام لم تقبل فعلمت أنه الحق وأنه ما نلت ما نلت إلا
لمخالفتها فأسلمت لمخالفتي إياها وهذا هو الدين الحق فإنها
ما تهرب إلا عن الحق وحَسُنَ إسلامه
۱ لفظ الحديث ما يخرج رجل شيئاً من الصدقة حتى يفك عنها
لحيي سبعين شيطاناً رواه الإمام أحمد والبزار والطبراني
وابن خزيمة في صحيحه عن بريدة رضي الله عنه ومعنى يفك عنها
لحيي سبعين شيطاناً أن إخراج
الصدقة يؤلم سبعين شيطاناً رجيماً حرصوا على عدم أدائها
۵۷
والبحث مع المرأة كالبحث مع الخازن سواء ومن أجل ذلك عطف
أحدهما على
الآخر ومما يقوي مذهب مالك والجمهور في هذه المسألة قوله
عليه السلام غير مفسدة لأنه لو كان واجباً لكان محدوداً
إما بالكتاب وإما بالسنة وهذه حجة مالك ومن تبعه أن ما ليس
بمحدود إما بالكتاب وإما بالسنة فهو غير واجب لأنه لا يعرف
المكلف إلى أين يبلغ ولا بماذا يقع عليه اسم مُوَفَّ بما
أمر به وأما قولنا هل له حد محدود أو هو فقه حالي الظاهر ۱
أنه فقه حالي بدليل أن الناس ليس حالهم سواء فإذا جاء سائل
يطلب ملحاً من دار مَن قد وسّع الله عليه في دنياه ومن دار
ضعيف الحال فليس الأمر في ذلك سواء لأن الذي يعطيه من وسع
الله عليه في مرة واحدة هو الذي يكفي الضعيف في سنة أو شهر
فإن أعطت امرأة الضعيف مثل ما أعطته امرأة الغني أجحفت به
وأضرته وكانت مأثومة فيما فعلت فإن قلنا بمن يقول بالفرض
على الخلاف المتقدم فإنها قد أعطت أكثر مما يجب عليه وإن
كان على الوجه الآخر - وهو أكثر مما قد طابت به النفس ـ
فهذه قد أعطت ما لم تطب به نفسه فإن الضعيف إذا أخذ مثلاً
ملحاً بثمن درهم غايته إن طابت نفسه أن يخرج منه حفنة في
مرار عدة وأما أن تعطي نصفه أو أكثر من ذلك فلا تطيب نفسه
بذلك وأما من فتح له في الدنيا إذا أخذ من ملح فلا يعز
عليه أن يبذل منها الصاع والصاعين وهو قدر ما ينفق المسكين
في سنة أو
Y-
وبية ٢
شهر وكذلك غيره من الأمور وعلى ذلك فقس ولذلك قال عليه
السلام غير مفسدة لأنها يجب
عليها أن تنظر إلى حاله وما يحتمل وما لا يشق عليه من ذلك
لو أنه راه وهذا هو فقه الحال ولذلك قال تعالى لِيُنْفِقْ
ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ
فَلْيُنفق مِمَّا ءَانَنهُ الله لا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا
إِلَّا مَا ءَاتَنهَا ۳ فإذا كان هذا في الواجب فكيف في
المندوب
وأما قولنا لم خصت النفقة بالطعام ليس إلا فلوجوه منها أنه
الذي جعل للمرأة التصرف فيه بحسب العادة عندهم وأن المرأة
هي التي و أن المرأة هي التي تُطلب بتوفية ما يحتاج
الأولاد إليه من ترتب مرافقهم في معايشهم لأن الأب ليس
عليه أن يعطيها إلا ما يكفيها وبنيها وخادماً إن كان لها
وهي المتصرفة في ذلك بحسب ما فيه المصلحة للجميع ولذلك
قالت هند أم معاوية للنبي لا اله الا الله إن أبا سفیان
رجل شحيح فهل عَلَيَّ جُناح أن آخذ من ماله سراً فقال خذي
ما يكفيك أنت وبنيك
۱ يريد فالظاهر
الويبة مقياس للحجوم بمقدار كَيْلَتين
۳ سورة الطلاق من الآية ٧
۵۸
بالمعروف ۱ وغير الطعام هي عليه أمينة ولا يجوز لها التصرف
في شيء منه إلا بالإذن ولوجه اخر أيضاً ما جرت العادة
يتصرف فيه النساء دون مشورة الرجال إلا في الطعام ليس إلا
ولوجه آخر وهو أن ما ذكرنا من متاع البيت - على جري العادة
ـ فأعلاه الطعام فإذا كان لها التصرف فيه فمن باب أحرى
غيره ولوجه آخر أيضاً لكثرة دوام الاحتياج إليه مع الساعات
بل مع الأنفاس
بخلاف غيره من الثياب وغير ذلك فبان ما في قوله عليه
السلام من طعام بيتها من الفائدة
آخر في تخصيص الطعام بالبيت هل هو ما يكون في البيت من
الطعام وإن كان محجوراً عليها التصرف فيه مثل ما يخزنه
الرجل في بيته زائداً على ما يأكله هو وعياله وما كان
خارجاً من البيت وإن كان مما هو للمرأة وأولادها إنه ما
دام خارجاً من بيتها - وإن كان لها ولأولادها - فليس لها
التصرف فيه حتى يكون في بيتها وحينئذ يكون مباحاً لها
التصرف فيه دون حجر عليها فلا يكون لها التصرف إلا بجمع
العلتين وهو أن يكون لها وإما لأولادها في بيتها وأنه إذا
كانت إحدى العلتين منفردة فلا يحل لها التصرف
فالجواب أما إنه إذا كان بالوصفين فلا خلاف في ذلك وأما
إذا كان بوصف واحد فلا يخلو أن يكون في بيتها أو خارجاً عن
بيتها فإذا كان خارجاً عن بيتها فلا يخلو أن يكون تحت
حكمها وهي المسؤولة عنه أو غيرها هو المسؤول عنه فأما إذا
كان في بيتها ـ وهو محجور عنها ـ فهي تأخذ منه بالمعروف
سرًّا كما أخبر سيدنا الله أم معاوية في متاع زوجها أبي
سفيان كما تقدم ذكره وكذلك إن كان خارجاً عن بيتها وهي
المسؤولة عنه
وأما إذا كان خارجاً عن البيت والغير هو المسؤول عنه فلا
يجوز ذلك لها لما يلحق الغير من الضرر في ذلك وقد قال لا
ضرر ولا ضرار ٣ وفيه مع ذلك تحرز آخر في قوله عليه السلام
من طعام بيتها تحرزاً من الودائع والرهون لأنها في بيتها
وليست من متاع بيتها وإن كان
طعاماً وكلامه له مجامع الفوائد
وكذلك الخازن أيضاً كل ما كان في حفظه وخزانته إذا كان
وديعة عند الذي وكله على حفظه
أو رهناً عنده فالحكم هو نفس الحكم وقوله عليه السلام
ولزوجها أجره بما كسب يعني يكون أصل المال له وإن كان لم
يكن ذلك المال مكسوباً ولا موهوباً أو ما يشبه ذلك لكن لما
كان الغالب أنه لا يتحصل المال أو الطعام
1 أخرجه الإمام أحمد والبخاري والدارمي ومسلم وأبو داود
والنسائي عن السيدة عائشة رضي الله عنها بلفظ آخر
وهو موضوع الحديث ٩٥ ٢ أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه عن ابن
عباس رضي الله عنهما
۵۹
إلا بالكسب فجاء الخطاب منه على ما هو الأصل غالباً وعلى
هذه القاعدة وقع التخاطب بين الناس وجرت عليها الأحكام
فكأنه يقول لها وللخازن الأجر من أجل تلك العلل التي عللنا
لأنه ما واحد منهما يملك من المال شيئاً وكان لمن له المال
حقاً الأجر من كون المال له ثابتاً حقاً
ولا يطرد ذلك الحكم في المعصية لأنه إذا عصى أحد المذكورين
بالمال الذي اؤتمن عليه لا يكون على صاحب المال من ذلك
الإثم شيء إذا لم يعرف بفعلهما لأنه إذا عرف به وأعانه على
ما هو عليه كان شريكه في الإثم وإذا لم يعرفه لم يلزمه منه
شيء فإنَّه ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ۱
وبدليل ما جاء أنه إذا كان شخص مع أقوام فقام ليخرج عنهم
فسلم عليهم عند خروجه أنه إن هم بقوا في خير بعده كان
شريكهم في ذلك الخير وإن بقوا في شر لم يلحقه من
ذلك الشر شيء
فهذا وما أشبهه من طريق الفضل إذا كانت الأشياء التي فيها
الخير يشرك العبيد في ذلك الخير بأدنى ملابسة أو نسبة ما
ولا ينقص أجر بعضهم من أجر بعض شيئاً وإن كان شراً لم يتعد
صاحبه أو من أعانه عليه وهو عالم بذلك قاصد له فسبحان
المتفضل المنان لا ربَّ سواه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ سورة فاطر الآية ۱۸
٥٣٠
-45-
حديث إتلاف أموال الناس
قالَ البُخاريُّ رضي الله عنه قالَ رَسولُ الله صلى الله
عليه وسلم مَن أخذَ أموالَ النَّاسِ يُريدُ إتلافها أتلفه
الله قالَ البُخاري إلا أن يكونَ معروفاً بالصَّبْرِ
فَيوْثِرُ عَلى نَفْسِهِ وَلَو كانَ بِهِ خَصاصة كَفِعل
أبي بكرٍ حينَ تَصَدَقَ بِمالِهِ وَكَذلِكَ آثَر الأنصارُ
المُهاجرينَ ونَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَن
إضاعة المال فَليسَ لَه أن يُضيع أموالَ النَّاسِ بعلَّةِ
الصَّدقَةِ
ظاهر الحديث دعاؤه ل على من أخذ أموال الناس يريد إتلافها
والكلام عليه من وجوه منها هل هذا على عمومه وعلى ماذا يقع
هذا الدعاء هل هو حقيقة أو هو كما جاء عنه أن دعاءه رحمة
وإن كان اللفظ خلاف ذلك وهل ما يقع الحذر إلا بقصد الوجهين
أعني النية والفعل وإن أقلع وتاب منه هل التوبة ترفع إجابة
الدعوة بعد استجابتها أولا فالجواب أما قولنا هل هو على
عمومه فليس هذا على عمومه لأن من الأخذ ما يسمى سرقة وقد
حدّ فيه القطع ومنها ما هو خلسة فقد حدّ فيه الغرم ومنها
ظلم وفيه ما فيه ومنها ما هو قمار وفيه ما فيه ومنها ربا
وجاء فيه ما هو معلوم ومنها خيانة وقد جاء ما فيها فكل وجه
من وجوه الأخذ على خلاف المشروع فقد جاء فيه ما جاء وما
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجمع على أحد من أمته
عقابين فإن دعاءه أكبر العقوبات والوجوه المشروعة إذا أخذ
بها أحد شيئاً فليس بحرام فكيف يدعو عليه هذا مستحيل أيضاً
فما بقي إلا وجه واحد وهو من جملة المشروعات إلا أن له
شروطاً فكثير من الناس يفعله بغير تلك الشروط فيذهب به
كثير من أموال الناس وهو السَّلف لأنه إذا احتاج طالب
السلف وما ينظر إلى الشروط التي تجب عليه وحينئذ يأخذه
فإنما قصده زوال ضرورته في الوقت ففي هذا النوع هو دعاؤه
على من أخذها بغير شروطها
٥٣١
1 يريد أما ما يقع
قال البخاري إلا أن يكون معروفاً بالصبر فيؤثر على نفسه
ولو كان به خصاصة إلا به
استثنى أن يكون كفعل أبي بكر رضي الله عنه حين تصدق بماله
وكذلك اثر الأنصار المهاجرين فنحتاج أن نبين شروط السَّلف
فقد نص عليها الفقهاء وقالوا إنه لا يجوز لأحد أن يأخذ
سَلفاً ولا ديناً إلا أن تكون له ذمة تفي بدينه على كل حال
وإلا يدخل تحت هذه اللعنة لأنه غَرَّر بأخيه المسلم لكونه
أخذ ماله وهو ليس له قدرة على أن يوفيه فإن المعطي يقول في
نفسه لولا ما الا خلابة ولا يعلم هو من نفسه أن له ما يؤدي
منه ما يأخذ مني ما طلبه لأن أخوة الإسلام تقتضي
غبن 1
ولا خيانة أو يبين له حاله ويقول له ليس لي ذمة على ما اخذ
منك هذا المال وإنما تسلفه لي فإن فتح الله عليَّ بشيءٍ
أعطيتك إياه وإلا ما لَكَ قِبَلي لَوْم فإن رضي وأعطاه على
ذلك الوجه فما غرّر به فكأنه قال له تصدَّق عليَّ بحيلة ما
فإن فعل فهو صدقة أو معروف محتمل للرد أو غيره فلا يدخل
تحت هذا الدعاء ولهذا المعنى الخفي كان دعاؤه لأنه فعل في
الظاهر فعلاً مشروعاً وفي الباطن ما أشرنا إليه
ويترتب على هذا من الفقه أن كل شيء فيه شروط ظاهرة وباطنة
فلا يجوز لأحد فعله إلا بتمام تلك الشروط أو يبين عجزه
عنها كيلا يغرّر بالغير وقد قال مَن غَشنا فليس منا وأما
الصفة التي أجاز عليه السلام معها أخذ المال - وهي ما نبه
عليها البخاري رحمه
الله عقيب الحديث بقوله إلا أن يكون معروفاً بالصبر فيؤثر
على نفسه ولو كان به خصاصة كفعل أبي بكر رضي الله عنه حين
تصدق بماله وكذلك اثر الأنصار المهاجرين رضوان الله عليهم
- فهي قوة الإيمان التي توجب كثرة السخاء والصَّبر على
الضّرّاء فإن أبا بكر رضي الله عنه أتى بجميع ماله فقيل له
ما أبقيت لأهلك قال الله ورسوله
والأنصار والمهاجرون إذا كانت لهم ضرورة ويرون غيرهم في
ضرورة ينظرون أولاً في حق أخيهم المسلم ويحملون أنفسهم على
الصبر كما فعل بعضهم حين أتى إلى النبي بعض الواردين فقال
من يضيف الليلة هذا وعلى الله ثوابه فقام بعضهم فأخذه
وحمله إلى منزله وقال لعياله عندك شيء فقالت له ما عندي
إلا شيء يسير للأولاد فقال لها نومي أولادك فإذا ناموا
قدمي الطعام فإذا قدّمته فقومي إلى السراج لِتُصْلِحِيه
فأطفئيه ونمدّ أيدينا إلى الصحفة كأنا نأكل ولا نأكل شيئاً
فلعل الضيف يشبع أو كلاماً هذا معناه ففعلت المرأة ما
أمرها
۱ الخلابة الخديعة والغبن الغلبة والنقص أخرجه الطبراني عن
ابن عباس رضي الله عنهما وللحديث بقية
به فلما أتى النبي الله صبيحة الليلة تبسّم عليه السلام
وقال له شَكَرَ الله البارحة صنيعك
مع ضيفك ۱
ومثله ما ذكر عن عليّ رضي الله عنه أنه دخل والأولاد يبكون
من الجوع فقال ما شأنهم فأخبرته رضي الله عنها بأنه من
الجوع وليس عندهم شيء فخرج فاقترض ديناراً ليشتري به لهم
ما يأكلون فبينا هو راجع به إذا أحد قرابته فسأله عن حاله
فأخبر أن عياله في جوع شديد وأنه ليس عنده شيء فدفع له
الدينار كله ودخل بيته وليس عنده شيء وكان هذا عشية النهار
ثقة
ثم خرج يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فدنا منه في
الصلاة فلما فرغت الصلاة التفت عليه السلام إليه وقال له
يا علي هلا عشيتني الليلة فتفكر في نفسه أنه ما عنده شيء
فقال له نعم بالله ثم ببركته فأتى معه إلى منزل عليّ فدخل
علي و النبي معه ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم يا بنية
ألا تعشينا فالتفت عليّ فإذا في البيت ثريد مغطّى يبخر
فقدم لهم فقال له يا علي هذا بالدينار الذي أعطيته فلانا ۳
وحمد عليه السلام الله على ما جعل في أهل بيته مِمّا أشبه
مريم عليها السلام حين قيل لها أَنَّكَ لَكِ هَذَا قَالَتْ
هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۳ وما أشبه هذا عنهم رضي
الله عنهم كثير فمن يجود بضرورته على غيره بغير حق له عليه
فكيف بحق إذا كان له عليه وبقيت هنا علة أخرى لأنه لا يأخذ
السَّلف إلا حين يكون مضطراً كما ذكرنا آنفاً فإذا كان
مضطراً ومرت به ثلاثة من الأوقات تعيّن له في مال الغير حق
واجب وهل يلزمه عند يُسْره ردّه أم لا خلاف بين العلماء
فمنهم من يقول إنه حق قد وجب فليس عليه رده ومنهم من يقول
وإن كان حقاً قد وجب فلا يسقط أداؤه إلا باستصحاب الفقر
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم إن المحتاج له أن
يقاتل صاحب المال إذا امتنع من أن يعطيه فإن قتل صاحب
المال فشر قتيل وإن قتل المضطر فشهيد ٤ أو كما قال فلما
كان هذا الأمر خفياً ولا يعلمه إلا الله والذي نزلت به
الحاجة أبقيت الأحكام في المنع على ظاهرها وأشار هنا إلى
العلة الموجبة للجواز
فعلى هذا فالسلف على أربعة الثلاثة منها جائزة والرابع
ممنوع بمتضمن هذا الحديث وما قد ذكره العلماء كما أشرنا
إليه أولاً فالأربعة الأوجه أحدها أن يكون له ذمة تفي
بدينه على كل حال فهذا جائز باتفاق و الآخر أن يبين له
حاله وأنه إنما يقترض منه ويبين له أنه ليس له
1 أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ ا
لم نقف على مصدره ۳ سورة ال عمران من الآية ۳۷
٤ لم نقف على مصدره
٥٣٣
ذمة مقابلة دينه وأنه في حكم المشيئة إن فتح الله عليه
أداه وإلا فلا يطالبه بشيء فهذا جائز وإن كان خالف فيه بعض
الناس والظاهر الجواز وقد قدمنا العلة في جوازه و الآخر أن
تجتمع فيه تلك الأوصاف التي في أبي بكر والمهاجرين
والأنصار رضوان الله عليهم وهي كثرة السخاء والصبر ولا
يقترض إلا عند الضرورة الشرعية ويكون اقتراضه بقدر ضرورته
فهذا جائز بمقتضى ما عللناه آنفاً وقواعد الشرع كلها تدل
على هذه الإشارة وتنص عليها
و
الرابع وهو أن يأخذ السلف على غير ذمة له وليست له تلك
الضرورة الشرعية ولا يبين عدمه لصاحب المال فهو الذي يدخل
تحت ما تضمنه الحديث من دعائه له ولأن الضرورة الشرعية
كثير من الناس لا يعرفها
وما أعني بـ الناس هنا إلا بعض الذين ينتسبون إلى العلم
لأنهم قعدوا لأنفسهم قواعد نفسانية وجعلوها من ضروراتهم
اللازمة شرعاً واستباحوا بها أخذ أموال الناس وقالوا نحن
مضطرون لا حرج علينا وتعيَّن لنا على الناس حق فما أخذنا
هو بعض حقوقنا وهو مصادم لما نبه عليه البخاري رحمه الله
بقوله إلا أن يكون معروفاً بالصبر تحرزاً من أن يقول هو في
نفسه حين تأخذه الحاجة أنا آخذ السلف وأجاهد النفس وأصبر
على الضيم حتى أؤدي مال الغير قيل له على لسان العلم هذا
حديث نفس وهي خوانة ۱ إلا إن كان لك صبر حتى عرف ذلك منك
وانظر هذه الإشارة حتى يعرفه العبد منه ولم يقنع أن يكون
هو قد عرف الصبر من نفسه فيما تقدم إلا حتى يعرفه الناس
ولا يكون صبره من حيث أن يعرفه الناس إلا لكثرته حتى يكون
في حكم المقطوع به و شرط ثانٍ أن يكون ذلك الصبر الذي يعرف
منه من شأن الإيثار على نفسه ومعناه أن يكون ذلك الإيثار
من أجل الله ويفضل جانب القربة إلى الله على ضرورته تحرزاً
أن يكون صبره لشهوة أو من غير اختياره لعدم الشيء وقلة
الصبر إذ ذاك ما يكون لها فائدة إلا أنها أحسن حالة من
غيرها لا يحكم لصاحبها بالوفاء عند مواقف الرجال وأنه مع
صبره أيضاً يعرف بالإيثار على نفسه مع الخصاصة ومع الحاجة
والضيق
فانظر إلى هذه الشروط هل يمكن في زماننا هذا وجودها إلا إن
كان نادراً جداً ثم بعد هذه التقييدات أعطى البخاري المثال
فقال مثل أبي بكر ولم يقنعه أن سماه إلا حتى ۳ ذكر تلك
الصفة المباركة المشهورة وهي خروجه عن جميع ما ملك إيثاراً
الله ولرسوله ثم أكدها بأن قال
۱ كذا والصواب خيانة كذا بزيادة إلا قبل حتى ۳ كذا و إلا
هنا زائدة
٥٣٤
وكذلك أثر أي الذي كان فيه الإيثار من الأنصار للمهاجرين
ولم يقل عن جميعهم إلا عن الذين
كانت فيهم تلك الصفة البكرية
ويترتب على هذا من الفقه أن المبين للأحكام يجب عليه أن
يبين جميع الأحكام وإن كان فيها ما هو نادر قد لا يمكن
وقوعه لندارته من أجل أن يقع فلا يعرف الحكم فيه فعلى
التقسيم الذي قلنا أولاً إنه - أعني السَّلف - على أربعة
أوجه الثلاثة جائزة والواحد ممنوع - على ما بيناه ـ أن هذا
في موضع التقسيم بحسب الحديث من أجل أن يعرف حكم الله بحسب
ما بينه صلى الله عليه وسلم
وأما بحسب أحوالنا اليوم وما يعرف من الأكثر من الناس -
كما أشرنا إليه - فلا يكون الجائز
منها إلا اثنين والاثنان الآخران ممنوعان الواحد لكونه
مجمعاً على منعه كما ذكرنا والثاني وهو الذي تقدم ذكره من
تعليلهم بفعل أبي بكر وإيثار الأنصار ممنوع لعدم وجود
الشروط المذكورة فيه وهو أيضاً ممنوع من باب سد الذريعة
كيلا يقع الناس فيما لا يجوز لهم وهم يظنون أنهم على لسان
العلم فالوجهان الجائزان إما من له الذمة كما قدمنا وإما
مَن يُبيّن حاله على الخلاف الذي ذكرناه
وأما قولنا هل هذا حقيقة أو هو كما جاء أن دعاءه عليه
السلام رحمة وإن كان ظاهره غير ذلك فالجواب أن كل دعاء منه
عليه السلام على طريق الزجر على ألا يفعل فعلا فهو حق وأما
الذي هو خير - وإن كان ظاهره خلاف ذلك ـ فذلك كما أخبر هو
إذا كان ذلك منه عليه السلام لأمر ما قد وقع
وأما قولنا هل لا يقع ۱ الدعاء إلا بالوصفين معاً وهو أخذ
المال والنية فهذا هو ظاهر الحديث فإذا كان أحدهما فلا
يخلو أن تكون نية دون عمل فهذه لا يلزم فيها حكم إلا أنها
نية سوء يجب عليه التوبة منها وإن كان فعلا دون نية مثاله
أن يأخذ السَّلف ويذهل عن أن يبين الشرط فهذا فيه إشكال من
أجل أن المال قد أخذه وهو لا ذمة له ولا بيَّن لصاحبه حاله
وقال الخطأ والعمد في أموال الناس سواء فهذا الحديث يحكم
له بأنه مثل من تعمد ذلك
وبنص الحديث الذي نحن بسبيله وقوله يريد إتلافها فالنية في
ذلك مع الأخذ مشروطة فمن أجل هذا هو مشكل وما هو مشكل مثل
هذا فتركه أولى لأن الدخول تحت دعائه ا ليس بالهين وإنما
بَحْثنا إن وقع ثم
1 يريد ألا يقع
٥٣٥
تاب هل إجابة الدعوة بعدما أجيبت تزول أم لا فهنا تقسيم
فلا يخلو أن تكون توبته بعدما ردَّ مال الغير الذي كان قد
أتلفه أو يتوب ولم يردّ المال لصاحبه بل كانت توبته على
ألا يفعل مثل هذا أبداً فأما إن كانت توبته بعد ما ردّ
المال فيرجى ألا يلحقه الدعاء لأن عدم المال لا يمنع
حقاً
جبر
و أن المال قد رجع إلى صاحبه فالضرر الذي كان لحق صاحب
المال قد زال عنه واستبشرنا بكون الله عزّ وجلّ قد منّ
عليه برده مال الغير أنه ما كانت نية سيدنا ل إلا أن يكون
إتلافاً لا بعده هذا قوة رجاء في فضل الله وما نعلم من
رحمته عليه السلام بأمته
وأما الذي يعترض ويقول إن السبب الذي علق به الدعاء - وهو
أخذ المال بنية أنه لا يرده ويتلفه - فقد وقع الدعاء
والإجابة في دعائه عليه السلام في حكم المقطوع به فإذا
قبلت فلا تُرَد فهو أمر محتمل من طريق الخوف والذي قدمناه
أولاً هو الأظهر والله أعلم
1 الموت
وأما إن كانت توبته إقلاعاً عن الفعل ومال الغير باق في
ذمته فشروط التوبة لم تصح بعد فنحن مع وجود شروطها فيه ما
تقدم فكيف مع عدمها لكن هو خير ممن يستمر على العمل ولعله
ييسر له في شيء يؤدي به عن نفسه أو يحله صاحب الحق فيقوى
له الرجاء إن جعلنا تحليل صاحب الحق مثل الأداء وإن قلنا
إن التحليل هنا ليس كمثل أخذ الحق فيبقى فيه توقف وهذه
المضايق الهروب منها أولى ومن أجل هذه المضايق أصل أهل
الطريق طريقهم على الصبر على الظمأ حتى إلى ولا يتعرضون
لشيء فيه خلاف كما ذكر عن بعضهم أنه لحقه جوع شديد ومجاهدة
ولم يكن له شيء ثم فتح عليه في طعام لم يرتضه فأبى أن يأكل
منه شيئاً فقالت له أمه كل يا بني وأرجو أن الله يغفر لك
فقال لها نرجو أن الله يغفر لي ولا اكله فلم يأكل منه
شيئاً مع كثرة حاجته إليه ومثل ذلك ما روي عن أبي بكر رضي
الله عنه حين أتاه خادمه بالطعام فلم يسأله إلا بعد ما أكل
منه لقمة فلما رفع اللقمة وأكلها قال له الخادم يا سيدي
عادتك لا تأكل طعاماً حتى تسأل عنه فما بالك في هذا فقال
شدة الجوع حملتني على ذلك ولكن من أين هو فأخبره أنه من
جهة كذا وسمّى له جهة لم يرتضها فأخذ أبو بكر رضي الله عنه
عند ذلك يردّ تلك اللقمة من بطنه بعد ما ابتلعها فلم تخرج
إلا بعد أمر شديد ومعالجة فقال له الخادم يا سيدي هذا على
لقمة واحدة فقال نعم ولو لم تخرج إلا بنفسي لأخرجتها فإني
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كل لحم نبت من
الحرام فالنار أولى به
۱ حتى حرف عطف والمعطوف مقدر
لفظه كل جسد نبت من سُحتٍ فالنار أولى به أخرجه الطبراني
وأبو نعيم عن أبي بكر رضي الله عنه وقد ورد
بعد هذا الحديث أبيات من الشعر نثبتها كما وردت
=
٥٣٦
وقد قيل
إذا كنت لا أمنع نفسي شبهةً ولا في مطعم
فكيف طريقي إلى التقى
كلا وبـل هــي
أثقلتني
ظلم
أتَوَرّع
وهل من لتوفيق والخيــ
ـل لي نور في القلب يوضع
ذنوب وعيدك بهــــا ـرّ نار تقلع
إلهي أرجــــــوك فــــــي تــــــوبــــة وبك أسأل كيف
أصنــ مي من يثرب إلا مــا هــديتني إلــى مــا منهــا
فبـ
وأما قوله نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة
المال فليس له أن يضيع أموال الناس بعلة الصدقة هذا تأكيد
لما تقدم لأنه إذا منع إضاعة مال الغير عموماً فليس لك أنت
أن تخصص لفظه بأن تقول إنما أستلف من أجل أني أتصدق بما
أستلف وليس هذا من باب عموم إضاعة المال بل هي إضاعة محضة
حتى تعلمه فتقول له أستلف منك هذا المال على أن أتصدق به
على نفسي فإن فتح الله عليَّ رددتُ إليك مالك وإلا فلا
تَبِعَة لك عليَّ فإن رضي فحسن وإلا فلا
وهنا علة أخرى مع كونك خصصت عموم قول الشارع عليه السلام
برأيك وليس ذلك أن الذمة قد تعمرت حقاً والصدقة التي
أعطيتها محتملة إن قبلت أو لا فكيف يبرأ شيء متحقق بشيء
مشكوك فيه هذا ممنوع شرعاً وعقلاً
لك وهي
ولا يحملك على أن ترتكب هذا المحذور من أجل بعض أخبار وردت
عن بعض المباركين منها أن بعضهم كان في سَنَة شديدة
فاستقرض جملة مال واشترى به طعاماً وفرقه على المساكين
فلما جاء أصحاب المال يطلبون مالهم توضأ وركع ركعتين وسأل
الله الكريم ألا يخزيه معهم ثم قال لهم ارفعوا الحصير
فانظروا هل تجدون تحته شيئاً فرفعوا الحصير فإذا تحته مال
فقال لهم خذوا قدر مالِكم فوجدوه مثله سواء بسواء
فهذا السيد احتمل حاله أشياء منها أنه قد تقدمت له مع
مولاه عادة فعمل عليها وقد قال مَن رُزِق من باب
فَلْيَلْزَمْهُ ۱ وقال أصحاب التوفيق إنه من فتح الله له
باباً من خير من باب خرق العادة فذلك لسان العلم فيما يخصه
واحتمل أن يكون مجاب الدعوة وهو يعلم ذلك من مولاه بما
تقدم له أيضاً واحتمل أن كانت معاملته مع الله صادقة
فقبلها فلما قبلها لم يكن
ليضيعه عند احتياجه إليه حاشاه
۱ سبق تخريجه في الحديث ٤٨
فلا يجوز لمن ليست له من هذه الوجوه شيء أن يقتدي بمثل هذا
السيّد ولا بما يذكر من
مثله فإن مثل هؤلاء يُسلّم لهم ولا يُقتدى بهم ولا يُعترض
عليهم لعدم الحال الموجب لذلك ولذلك قال بعض من نُسب إلى
هذا الشأن إذا كان أمرك إلى مولاك مصروفاً وقلبك ببابه
موقوفاً ويدك عن الدنيا مكفوف ۱ وحالك بأمره ونهيه محفوفاً
فقد رحلت عن الدنيا وإن كنت بها موقوفاً فجعل صحة حاله أن
يكون بالأمر والنهي من كل الوجوه محفوظاً وهذه زبدة الأمر
وهو الحق الذي عليه أهل الحال والمقال جعلنا الله ممّن منّ
عليه بهما إنه ولي حميد
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
تسليماً
۱ كذا
۵۳۸
-٧٤-
مُسلم
حديث الأمر بالصدقة على كل مسلم
عن سعيد بن أبي بردة ١ عَن أبيهِ رَضِيَ الله عَنهُما
أَنَّ النَّبِيَّ قال على كُلِّ صدَقَة فَقالوا يا نَبِيَّ
الله فَمن لم يجد فَقالَ يَعملُ بيده فَيَنفع نَفْسَهُ
ويَتصدَّقُ قالوا فَإِن لَم يَجد قالَ يُعينُ ذا الحاجة
المَلهُوفَ قالُوا فَإِن لَم يَجد قالَ فَلْيَعمل بالمعروف
وليمسك عَنِ الشَّرِّ فإنَّها لَهُ صَدقَة
ظاهر الحديث يدل على الأمر بالصدقة والتسبب فيما به يتصدق
والكلام عليه من وجوه منها هل هذا الأمر على الوجوب أو على
الندب وما معنى قوله عليه السلام فليعمل بالمعروف وليمسك
عن الشر فإنها له صدقة فالجواب أما الأمر فهو على الندب لا
بالصيغة بل بالاستقراء من خارج منها قوله الله في حديث غير
هذا لا صدقة إلا عن ظهر غِنَى عند يعني وقوله عليه السلام
أيضاً في ركعتي الضحى إنها تجزىء عنه ۳ القدرة عدم
على الصدقة
وقوله عليه السلام آخر الحديث فليعمل بالمعروف وليمسك عن
الشر فإنها له صدقة وهذا من الواجب مع وجود الصدقة أو عدم
وجودها لأنه لا يجوز له أن يعمل الشر ويترك المعروف لكن
المراد في هذا الموضع ما زاد على الواجب فهو له صدقة وقد
قال عليه السلام
1 سعيد بن أبي بردة حفيد أبي موسى الأشعري هو وأبوه من
التابعين ثقة ثبت توفي في الكوفة سنة ۱۳٨ هـ لفظ الحديث لا
صدقة إلا من ظهرِ غِنى واليد العليا خيرٌ من اليد السفلى
وابدأ بمَن تَعُول أخرجه الإمام
على الأصح
أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه ۳ أخرج الإمام أحمد عن
بريدة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول في الإنسان ستون وثلاثمائة مفصل فعليه أن يتصدق عن كل
مفصل منها صدقة قالوا فمن يطيق ذلك يا رسول الله قال
النخامة في المسجد تدفنها والشيء تنحيه عن الطريق فإن لم
تقدر فركعتا الضحى تجزىء عن ذلك
۵۳۹
والكلمة الطيبة صدقة وإماطة الأذى عن الطريق صدقة ولقاء
المؤمن لأخيه ببشاشة الوجه صدقة
أو كما قال عليه السلام
ويؤخذ من هذا من الفقه أن الدين كله مطلوب فرضه وندبه
والتسديد فيهما جميعاً لقوله
عليه السلام فسددوا وقاربوا على ما مرّ الكلام عليه وفيه
دليل في فضيلة الصدقة وفيه دليل لأهل الصوفة الذين بنوا
طريقهم على البذل والإيثار حتى يروى عن جماعة منهم أنهم
كانوا لا يحتملون أن يبيت عندهم شيء من الصدقة المعلومة في
بيوتهم قوله عليه السلام على كل مسلم صدقة يعني ودلّ على
أن الكافر لا تقبل منه الصدقة لكونه خصصها بالمسلم وفيه
دليل لمن يقول إن الكافر ليس مخاطباً بفروع الشريعة يؤخذ
ذلك من كونه لم يعلق
الصدقة إلا بمسلم
ى ما في الإيمان من الرحمة والإسلام
وفيه دليل على أن اليسارة في الناس هي الأغلب يؤخذ ذلك من
كونه عليه السلام أطلق الصدقة على كل مسلم وفيهم - ولا بد
- الذي ليس له شيء وقد استدل بعض العلماء على قلة المساكين
بكون المولى جل جلاله لم يفرض الصدقة إلا ربع العشر ولم
يجعله مطلقاً إلا في نصاب معلوم وهي خمسة أو اق أو عشرون
ديناراً وما كان العليم الرحيم ليفرض لعباده شيئاً لا
يكفيهم وهو يعلم حالهم وعددهم أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ
وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ ۱ فلما علم قلة المساكين
وأن ذلك المقدار يكفيهم فرض لهم ما يكفيهم ولو أن الأغنياء
أخرجوا جميعاً ما أوجب الله عليهم من الزكوات ما احتاج
مسكين لأن يسأل أحداً
وفيه دليل على أن الأحكام تجري على الغالب يؤخذ ذلك من
كونه عليه السلام عمَّ بالصدقة جميع المسلمين وفيهم من
ذكرنا من الضعفاء وهم الذين يأخذون الصدقة المأمور بها
وفيه دليل على أن هذه الصدقة اليسير منها يجزىء يؤخذ ذلك
من كونه لم يحدّ فيها نصاباً ولا مقداراً مثل ما فعل في
الفرض وهذا أيضاً من الأدلة على أنها ليست بواجبة وقوله
فقالوا يا نبي الله فمن لم يجد قال يعمل بيده فينفع نفسه
ويتصدق فيه دليل على مراجعة العالم في تفسير المجمل وتخصيص
العام يؤخذ ذلك من قولهم فمن لم يجد
وفيه دليل على ما للصحابة من الفضل علينا - كما ذكرناه
أولاً - لأنهم تلقوا الأحكام بالخطاب وسألوا في مثل هذا
وغيره حتى بانت الأمور ووضح الحكم
۱ سورة الملك من الآية ١٤
٥٤٠
وفيه دليل على فضل التكسب لكن إذا كان على لسان العلم
ويكون عوناً على الدين يؤخذ ذلك من قوله يعمل بيده
وفيه دليل على جواز الصناعات على الإطلاق لعموم قوله عليه
السلام يعمل بيده ولم
يخص عملا دون غيره
وفيه دليل على تقديم ضرورة الشخص على الصدقة يؤخذ ذلك من
قوله عليه السلام فينفع نفسه ويتصدق فإنه أتى إثر عمل اليد
بنفع النفس وأتى به بالفاء التي تفيد التسبيب والتعقيب
وحينئذ عطف عليه الصدقة وهم ما كان سؤالهم إلا على الصدقة
وفيه إذا نظرت إشارة عجيبة لأنه لو قال يعمل ويتصدق لكان
الشخص يقول أعمل فيما أتصدق به وأبقى أنا على ما يفتح الله
لي فأشار هنا بتقديم الانتفاع له لأنه من أكبر الصدقات أن
يزيل حكمه عن غيره ويبدأ بالذي هو أهم وبعد ذلك يتصدق
وكونه عليه السلام قال ينفع نفسه لفظ جامع لجميع ما هو
محتاج إليه من ضرورات نفسه وعياله أو سكنه أو غير ذلك مما
إليه حاجة البشرية إلا أنه بقيد الشريعة فإن هذا أصل في كل
الأمور
وقوله قالوا فإن لم يجد يؤخذ منه تنويع البحث على العالم
إذا دعت لذلك ضرورة ويؤخذ منه استنباط المسائل الممكنة
الوقوع وإن لم تقع بعد وأن هذا من الدين وصاحبه مثاب وقوله
يعين ذا الحاجة الملهوف هنا بحث لم قال ذا الحاجة ونعته
بالملهوف وكل من أعان في حاجة مسلم فهو مأجور لقوله الله
في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ۱ فالجواب أن
الإعانة في الحاجة مثاب عليها لكن الصدقة أرفع كما أشرنا
قبل فلما نوّع السؤال عليه أراد أن يبقى لهم أفعالاً يكون
الثواب عليها مثل الصدقة فلما أن كان صاحب الحاجة بهذه
الصفة الزائدة - وهي كونه ملهوفاً - نبه عليه لما فيه من
زيادة الأجر على أن لو كانت حاجة دون لهف فحينئذ بزيادة
هذه الصفة يكون له مثل ما فاته من عمل الصدقة وفيه دليل
لتقعيد الأحكام بألفاظ العموم لأن الحاجة لفظ عام وكذلك
اللهف أنواع
بحسب الحاجات وأصحابها والملهوف كناية عن الحائر في حاجته
القليل القدرة على القيام بها فهو يشبه المضطر وقد يكون
أكد منه لأن المضطر قد ألف الصبر وأيقن بعجزه وهذا متلهف
من جانب إلى جانب ومن وجه إلى وجه وقد حار في نفسه ولا
يعرف من أين يكون له الفَرَج ولا
ضرورته يفيد فيها القعود والاستسلام
جزء من حديث رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أوله من
نفس عن مؤمن كربة من كُرَبِ الدنيا نفْسَ الله
منه كُربةً من كُرَبِ يوم القيامة الخ
٥٤١
مثاله من عليه دين وقد حان وقته وهو ليس له شيء وهو لا
يقدر أن يثبت عُدْمَه وصاحب الدين لا يُفتره ولا يعذره
فالقعود لا يمكنه والخلاص لا يقدر عليه ووجه الرشاد إلى
راحته لا يعرفه فحاجته أشدّ من المضطر لأن المضطر قد يفوض
الأمرَ كلَّه إلى الله ويصبر على
ما نزل به حتى يأتيه فرج الله والإعانة هنا بماذا تكون هل
تكون بالموجود أو بالإرشاد فالجواب أنه لو كانت بالمعلوم
لكانت أعلى الصدقات نعم لفظ الإعانة يقتضي بالمعلوم وغيره
لكن لمّا كان بساط الحال مما يفعل عند عدم الوجود ذكرت
إعانة الملهوف فتخصص اللفظ ببساط السؤال فقام عون هذا
الملهوف وإن لم تعطه من عندك شيئاً مقام الصدقة لما فيه من
تفريج كربه في الوقت لأن الثواب على الصدقة إنما هو لما
يدخل على أخذها من راحة نفسه ولذلك كان أكثرها ثواباً إذا
كان الآخذ أكثر احتياجاً وإذا قلت مثلا لهذا الملهوف أنا
أدلك على وجه يكون لك فيه راحة فقد أدخلت عليه من السرور
في الوقت أكثر مما يدخل على صاحب الصدقة إذا لم يكن أخذها
مثل هذا
عموم
وقوله قالوا فإن لم يجد هنا بحث كما تقدم قبل في الجواب
على قوله عليه السلام فليعمل بالمعروف وليُمسك عن الشرّ
فإنها له صدقة وهو كيف يقوم عمل واجب عن تطوع فإن العمل
بالمعروف والإمساك عن الشر مما هو واجب شرعاً والصدقة -
كما قدمنا - في هذا الموضع مندوبة فالجواب إن الأمر
بالصدقة لا يلزم منه ترك الشيء والعمل بالمعروف إنما يلزم
ذلك من قواعد الشريعة كما يندب مع الصدقة وعدمها بمقتضى
قواعد الشريعة إغاثة الملهوف والندب إلى التكسب الحلال
لينفع نفسه ويتصدق وكما يقال في حديث اخر حين ذكر الصدقة
ثم قال في من لم يجد أن ركعتي الضحى تجزىء عنها وركعتا
الضحى مندوب إليها مع وجود
الصدقة وعدمها
ـه وهي
إغاثة
فمفهوم الحديث على هذه التنويعات أنه ندب أولاً إلى الصدقة
لما فيها من الخير المتعدي فعند العجز عنها ندب أيضاً لما
يقرب منها أو يقوم مقامها لما فيها أيضاً من الخير المتعدي
وهو العمل والانتفاع والصدقة وعند عدم ذلك ندب إلى ما يقوم
مقامه الملهوف - كما بينا - ثم عند ذلك كأنه عليه السلام
يقول بعد عدم هذه المذكورات ليس في أفعال البرّ ما يشبهها
لكن من فعل شيئاً من المعروف - والمعروف هنا ما هو مندوب
إليه شرعاً من جميع المندوبات ولو إماطة شيء من الأذى عن
طريق المسلمين ولو ركعتي الضحى فمعناه أن لا تُخلِ نفسك من
فعل مندوب من المندوبات وإن قل - فإن في كل منه صدقة بمعنى
فيه أجر وإن لم تقدر على فعل شيء من المندوبات فإمساكك عن
الشر ومعنى الشر هنا ما مُنعته شرعاً - فإنه صدقة أي إنك
فيه مأجور فهذا التنويع منه الله تسلية للعاجز عن أفعال
المندوبات إذا كان ذلك عجزاً لا اختياراً
٥٤٢
ومما يشبه ذلك ما ورد أن الفقراء من الصحابة رضوان الله
عليهم لما جاءوا واشتكوا إلى النبي إن أصحابنا من أهل
الجدة سبقونا بالصدقة قال عليه السلام ألا أدلكم على ما هو
خير من ذلك تسبحون دُبَرَ كل صلاة ثلاثاً وثلاثين وتكبّرون
ثلاثاً وثلاثين وتحمدون ثلاثاً وثلاثين وتختمون المائة بلا
إله إلا الله وحده لا شريك له فذلك خير ۱ فلما بلغت
الأغنياء فعلوا كفعلهم فرجع الفقراء إليه الا الله فأخبروه
بذلك فقال لهم صلى الله عليه وسلم ذلك فضل الله يؤتيه من
يشاء ويترتب على هذا من الفقه أنا مطالبون بجميع فرائض
الدين ومندوباته وتطوعاته والشأن أن يُقدم الفرض ثم الأعلى
فالأعلى من جميع المندوبات ومن وسعه عمل الكل فنعم ما فعل
فإن فعل الأدنى من المندوبات مع القدرة على الأعلى فقد ترك
ما هو المستحب لكن لم يُخْلِ نفسه من الخير فإن لم يفعل من
المندوبات شيئاً فقد غبن نفسه غبناً كبيراً فليجتنب الشر
فإنه مأجور في ذلك فإن لم يفعل ذهب عنه الدين ولا علم عنده
نسأل الله العافية بمنّه
وفيه ردّ على بعض الأصوليين الذين يقولون إن الترك لا
يُؤجر عليه لأنه ليس بعمل لقد أخطأوا الطريق وضلّوا ضلالاً
بعيداً لكونهم أوجبوا الثواب بمجرد عقولهم وتركوا الكتاب
والسنة فأما الكتاب فقوله تعالى إن يَنتَهُوا يُغْفَرْ
لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ والانتهاء هو ترك الشيء لا شك فيه
وأما السنة فمنها نسمه عليه السلام في هذا الحديث بقوله
عليه السلام وَلْيمسك عن الشر فإنها له صدقة جمع أفعال
البر في قوله عليه السلام بالمعروف وجمع أيضاً جميع أنواع
الشر بقوله عليه السلام وليمسك عن الشرّ أي جميع أنواع
الشر قال فإنها أي من فعل
شيئاً من هذه الصفات المذكورة أو ترك شيئاً من هذه الصفات
المذمومة فإن ذلك له صدقة ولا يخطر لك أن تقول بمجموعها
تكون الصدقة فهذا لا يعطيه اللفظ وهو مذهب المعتزلة لأنهم
يقولون لا تُقبَلُ الحسنةُ حتى لا تعمل سيئة وأهل السنة
على خلاف ذلك لقوله تعالى ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ
ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَمُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
شَرًّا يَرَهُ وقوله عليه السلام في حديث غيره اتق محارم
الله تكن أعبد الناس4 والآي والأحاديث في
هذا كثيرة فسبحان من حرمهم طريق الرشاد
۱ لعله يشير إلى جزء من حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري
ومسلم من أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله الله فقالوا
ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم إلى آخر
الحديث أو إلى أحاديث تشير إلى هذه
الأعداد من الأذكار التي أخرجها علماء الحديث بطرق شتى
ومضمونها متقارب
سورة الأنفال من الآية ۳۸ سورة الزلزلة الايتان ۷ و ۸ سبق
تخريجه في الحديث ٦٦
٥٤٣
وهنا تنبيه وهو انظر إلى حكمة الشرع فإنه جعلك في إدخال
الراحة والسرور على نفس
غيرك مأجوراً إذا كان الله وإدخال الضرر أو التغيير عليها
مأثوماً ومعاقباً وفي إدخالك التشويش على نفسك أو المجاهدة
لها إذا كانت الله كنت مأجوراً على ذلك ولذلك قال الخضِرُ
لموسى عليهما السلام وزَعزع بالخوف قلبك فإن ذلك مما
يُرضِي ربَّك فانظر هل تعرف لذلك حكمة أو هو مما يُلقى
تعبداً أو امتثالاً لا غير قد تقدم الكلام في غير ما موضع
أن الحكيم لا يفعل شيئاً إلا عن حكمة والحكمة هنا خفية
ظاهرة وهي - والله أعلم - لأن السرور إذا أدخلته على نفسك
وإن ادعيت أنه الله فقلما يسلم من دسيسة النفس من أجل
حَظِّها وهو من باب سد الذريعة وهي قاعدة كلية في الشرع
مثال ذلك جعل مكة محلاً للجدب وعدم الزرع والمشقة التي في
الوصول إليها حتى إن المشي إليها والإقامة بها تتحقق الله
لأنه ليس في ذلك كله شيء يلائم النفس بخلاف أن لو كانت مثل
دمشق في الفواكه والخضر فقلما كانت العبادة تخلص فيها من
أجل حظ النفوس في
الخصب والفرجة
ولوجه آخر أيضاً فإن إدخال السرور على الغير إذا كان الله
خالصاً قلما يخلو من تعب النفس بوجه ما أقل ما فيه أنها
تريد جمع الحظوظ من الخير لها وكونها تؤثر بها غيرها فقد
حصل لها تعب في الباطن وهو أشده فتمحضت العبادة بالإخلاص
الذي هو أصلها لقوله عزّ وجلّ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۱
فبين الإخلاص بأسبابه حتى يكون ذلك عوناً من الله لعبدِهِ
لذلك قال يُمْنُ بن رزق - رحمه الله - وهو من أجلّ أهل
الطريقين نظرت في هذا الأمر - يعني العبادة ـ فلم أر شيئاً
أعون عليها من الغربة من أجل نفي الدسائس التي للنفس مع
الاستيطان والأهل والجيران ومنهم من قال إذا كان في الغربة
إصلاح ديني فلا أوحش الله من الأهل
والوطن وهمتي بالله وعزمي في إصلاح ديني
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
سأل
33
العـ
على
يع
٥٤٤
۱ سورة البينة من الاية ٥
1401
حديث أخذ المال بسخاوة النفس
عَن حَكيم بن حزام رضي الله عَنهُ قالَ سَأَلْتُ رَسولَ
الله فأعطاني ثمَّ ۱ صلى الله عليه وسلم
سألته فأعطاني ثُمَّ قال يا حكيم إنَّ هذا المالَ خَضِرة
حُلوة فمن أخذَهُ بِسخاوةِ نَفْسٍ بُورِكَ لهُ فيهِ وَمَن
أخذَهُ بإشرافِ نَفْس لَم يُبَارَك لهُ فيهِ وَكانَ
كالَّذِي يَأْكُلُ ولا يَشبَعُ وَاليَدُ العليا خَير منَ
اليد السُّفْلَى
ظاهر الحديث يدل على أن أخذ المال بسخاوة النفس فيه بركة
وأخذه بإشراف النفس فيه عدم بركة والكلام عليه من رجوه
منها الدلالة على سخاوته يؤخذ ذلك من تكرار طلب الطالب
عليه مراراً وفي كل مرة يعطيه ولم يقلقه ذلك
وفيه دليل على حب النفوس المالَ لما جبلت عليه بمقتضى
الحكمة الربانية يؤخذ ذلك من قوله إن هذا المال خَضِرَة
حُلوة وهذه كناية عن الشيء المستحسن المحبوب يؤيده قوله
تعالى زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِن
النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ
مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ
وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتعُ الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَالله KUNGLEANT GANGNANT ANNEL
وجاء عن عمر رضي الله عنه أنه قال اللهم إني لا أستطيع ألا
أحب ما زينته لنا فاجعلني ممن أخُذُه من وجهه وأنفقه فيما
يرضيك ٣ أو كما قال
1 حكيم بن حزام صحابي قرشي وهو ابن أخي خديجة أم المؤمنين
رضي الله عنها مولده بمكة في الكعبة شهد حرب الفجار وكان
صديقاً للنبي الهلال الاول قبل البعثة وبعدها وعُمر طويلا
وكان من سادات قريش في الجاهلية والإسلام عالماً بالنسب
أسلم يوم الفتح له في كتب الحديث ٤٠ حديثاً توفي في
المدينة سنة ٥٤هـ / ٦٧٤م سورة ال عمران الآية ١٤
۳ عزاء السيوطي في الدر المنثور ۱۰/ لابن أبي شيبة وعبد
الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم عن =
٥٤٥
م الأخذ وتكون فيه فوائد منها أجر الزهد ومنها راحة وفيه
دليل على أنه قد يقع الزهد النفس ومنها البركة في الرزق
فأما الزهد فبدليل قوله عليه السلام فمن أخذه بسخاوة نفس
وسخاوة النفس هو زهدها تقول سَخَت بكذا أي جادت به وسَخت
عن كذا أي لم تلتفت إليه وأما راحة النفس فقد قال عليه
السلام الزهد في الدنيا يُريح القلب والبدن وهذه أعظم راحة
للنفس وأما البركة في الرزق فلقوله عليه السلام بورك له
فيه ويترتب على ذلك من الفقه أن الزاهد يجتمع فيه خير
الدنيا والآخرة فأما خير الدنيا فما يحصل له من البركة في
الحطام الذي يطلبه الحريص ولا يصل إليه وراحة القلب والبدن
اللذين قد حرمهما صاحب الدنيا وهما حقيقة النعيم فيها وأما
الآخرة فما يتحصل له من ثواب الزهد هناك وقلة الحساب فإن
الزهد يحمله على إخراج الواجبات والتوقف في المتشابهات وهي
السعادة التامة والذي يطلب الدنيا يخسر الدنيا والآخرة
فأما خسارته الدنيا فتعب قلبه وبدنه لقوله والحرص فيها
يُتعِبُ القلبَ والبَدَن ٢ وهذه غاية في الشقاء والتعب
وخسارته ما أمل منها من زيادة حطامها لكونه تُرفَع له
البركة كما تقدم في قوله عليه السلام بإشراف نفس وهو الحرص
وهذا غاية في الحرمان لأنه تعب التعب الكلي وحرم ما أمله
ونجد ذلك في عالم الحس ترى طعام أهل الدنيا كثيراً في
العين وعند الأكل ما تجد الشبع منه إلا من شيء كثير والقوى
بالنسبة إلى ما أكلوا قليلة وطعام أهل التوفيق والزهد في
مرأى العين يسير ويأكل منه الجمع الكثير ويشبعون ويجدون
القوى الكثيرة بالنسبة إلى ما أكلوا ومع ما أهل الدنيا فيه
من التعب يتولد بينهم الحسد والضغائن والغيبة والشح بمنع
الحقوقِ أو بعضها أو تَوْفِيَتِها وعلى هذه الصفات مع
التسامح في المشكلات تترتب خسارة الآخرة مع العذاب والهوان
أعاذنا
الله منها بمنّه
وفيه دليل لفضل أهل الصوفة الذين بنوا طريقهم على الزهد
لأنه أول باب في السلوك ولذلك قال يُمْن بن رِزق رحمه الله
لا يثبت لك قدم في محجة الدين وفي قلبك خوف الفقر أو الغنى
وحب المنزلة والرياسة فذلك مفتاح فقر الأبد
أسلم قال رأيت عبد الله بن أرقم جاء إلى عمر بن الخطاب
بحلية انية وفضة فقال عمر اللهم إنك ذكرت هذا المال فقلت
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ حتى ختم الآية وقلت
لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا
بِمَا
اتكم وإنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زيّنت لنا اللهم
فاجعلنا ننفقه في حق وأعوذ بك من شره ۱ عزاه السيوطي في
الجامع الصغير للطبراني في الأوسط وابن عدي في الكامل
والبيهقي في الشعب وقال المنذري في الترغيب والترهيب
إسناده مقارب وانظر فيض القدير للمناوي ٧٣/٤
ضم السيوطي هذا الحديث إلى الحديث السابق وجعلهما واحداً
وعزاهما إلى المصادر المذكورة آنفاً ولفظه
والرغبة فيها تتعب القلب والبدن
۳ يمن بن رزق تقدمت ترجمته في الحديث الوجه الثاني
٥٤٦
وفيه دليل على جواز ضرب المثل فيما لا يمكن السامع أن
يعقله حتى يُعلم أنه يعقله من الأمثلة التي يغلب على الظن
أنه يعرفها يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام كالذي يأكل ولا
يشبع لأن الغالب من الناس ولا سيما في زماننا لا يعرفون
البركة إلا بالشيء الكثير فأراد أن يبين لهم بالمثال الذي
يعرفونه أن البركة هى خَلق من خَلق الله وليست كما يزعمون
وضرب لهم المثل بما يعرفه كل أحد وهو أنه لا يقصد أحد
الأكل إلا من أجل أن يشبعَ ويُزيل به الم الجوع فإذا أكل
الأكل الكثير ولم يشبع فكأنّ ما أكله من الطعام مخسور لأن
الفائدة التي من أجلها استعمل الطعام - وهي الشبَع - لم
يجدها
فكذلك المال ليس الفائدة في عينه وإنما يراد لما يتوّل به
من الفوائد فإذا كثر المال ولم يجد به من الفوائد ما
أرادها فكأن لا مال له حاضر وذلك موجود محسوس في أبناء
الدنيا والآخرة تجد أبناء الدنيا لا يقدرون أن يصلوا إلى
ضروراتهم إلا بالأموال الكثيرة فلما رأوا ذلك لم تكن همتهم
إلا في تكثير المال وغاب عنهم ما وراء ذلك وجاء أهل الآخرة
فبلغوا تلك الضرورات التي لم ينلها أهل الدنيا إلا
بالأموال الكثيرة بأقل الأشياء وربما كانت أحسن منها هذا
موجود كثير لمن تأمله ونظره
منه
وفيه دليل على أن تقعيد الأحكام لا يُقتَصَر فيها على ما
يفهمه المخاطب ليس إلا بل على ما يفهمه المخاطب وغيره ممن
هو دونه في الفهم حتى لا يكون فيها إشكال يؤخذ ذلك من قوله
للصحابي رضي الله عنه كالذي يأكل ولا يشبع لأنا بالضرورة
نعلم أن الصحابة رضي الله عنهم يعلمون أن البركة خَلْق من
خَلْقِ الله كما هو الشبع خَلْق من خَلْقِ الله لأنهم قد
رأوا ذلك مرارا ومن بعضهم مع بعض على ما هو منقول عنه عليه
السلام وعنهم ولكن ضرب ذلك المثال لمن يأتي بعد ليزول
الإشكال بتقعيد قاعدة شرعية لا تحتمل التأويل هذا البيان
التامّ الأمر كيف هو اليوم ممن ينسب إلى العلم في الغالب
فكيف بالغير فقد تنكرت الطرق وعاد الحق في كثير من الأمور
مشكوكاً فيه وبعضه مجحوداً للعوائد السوء التي كثرت ممن
لبّس على الناس أنهم علماء وصالحون فإنا لله وإنا إليه
راجعون ولذلك قال كيف بك يا حُذَيْفَة إذا تركت بدعةً
قالوا تَرَك سنّة فقال ما تأمرني إن أدركني ذلك الزمان قال
أقرِضُهم من عِرْضك ليوم فقرك ۱ معناه افعل ما هو الحق
والسنة ودعهم يقولون ما شاؤوا فإنك مأجور في كونهم يأخذون
من عرضك بغير حق شرعي
فانظر
مع
۱ رواه الخطيب وابن عساكر عن أبي الدرداء ورواه أبو نعيم
والطبراني وابن عساكر عن أبي أمامة وهو جزء من
حديث طويل وانظر منتخب كنز العمال ۳۹/۵ ومجمع الزوائد
٢٨٥/٧
٥٤٧
وقوله عليه السلام اليد العليا خير من اليد السفلى هنا
خلاف بين العلماء وأهل الصوفة فالعلماء يقولون اليد العليا
هي المعطية والسفلى هي الآخذة وأهل الطريق يقولون بالضد إن
الآخذة لأنها هي التي أعطتك بالشيء اليسير الثواب الكثير
واحدة بعشرة وبسبعين
العليا هي
وبسعمائة والسفلى هي المعطية لأنها هي المنتظرة للمجازاة
وهي مفتقرة إلى ذلك والذي يظهر لي - والله أعلم - أن الجمع
يقع بينهما بوجه آخر وهو حسن إذا تأملته لا يخلو أن يكون
المعطي هو الذي يطلبك لقبول معروفه أو أنت هو الذي تطلب
منه ذلك فإن كنت أنت الطالب له فيده عليك وهي العليا وقد
حصل منك ذل السؤال إليه وقد جاء أن الذل في السؤال ولو عن
الطريق والمنكر لهذا يَجْحَد الضرورة
وإن كان هو الذي يطلبك بمعروفه فقد كسر مائية وجهه إليك في
أمرٍ أنت فيه بالخيار وهو محتاج إليه إما لزوال واجب عليه
أو لخير يؤمله في دنياه أو اخرته فإنه لم يأتك بمعروفة
كرامة لك وإنما هو لأمر يقصده مما أشرنا إليه فقبولك أنت
إياه معروف وهو السائل فيه فالحاجة له ويده هي السفلى ويد
الآخذ هي العليا وقد قال عليّ رضي الله عنه من دعانا كان
الفضل له فإن أجبنا كان الفضل لنا وبساط الحال الذي نحن
بسبيله يشهد لذلك لأن سيدنا ل لا لا لا لو لم يقل ما قال
إلا لسائل له عليه السلام لَمَّا كرَّر سؤاله مراراً
۱ وفيه دليل لوجه رابع وهو أنه جعل الاثنين حَسَنَيْنِ
وأحدهما يفضل على صاحبه بزيادة يؤخذ ذلك من قوله خير لأنه
أدخلهما في باب أفضل وباب أفضل يشهد بالحسن أو الخير
للمذكورين غير أن أحدهما يكون - إن فعل - خيرا من غيره كما
نقول زيد خير من عمرو وما نفينا الخيرية عن عمرو بالأصالة
ولكن زيداً أرفع منه درجة فيها فكذلك هاتان اليدان كلتاهما
حسن لأنهما امتدتا إلى معروف وحصلت الفضيلة بينهما بمرجّح
ثان إما نظر بعين الفعل أو بعين المال أو بعين القصد أو
بمجموعها فمن أجل هذه التعليلات وقع الخلاف
وفيه دليل على إرشاد الشارع عليه السلام إلى الأعلى في
المقامات يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام اليد العليا خير من
اليد السفلى كأنه عليه السلام يقول كن ممن يده عليا ولا
تكن ممن يده سفلى إلا أن هذا في المقامات الدينيات لا في
الدنيا وحطامها
وفيه دليل على أن بيان العلل بعد قضاء الحاجة ليس بمخجل
ولا مفسد للمعروف يؤخذ ذلك من أن سيدنا ا ا ا ا ل لم يبين
للسائل ولا ضرب له المثل إلا بعد قضاء حاجته مرارا حتى تمت
أمنيته وحينئذ بين عليه السلام له العلل التي في السؤال
1 كذا وقد أورد قبل أكثر من ثلاثة
٥٤٨
وفيه من الفقه أنه بعد قضاء حاجته كان خاطره خالياً من
التشويش ومن التهمة للمتكلم وأرفع للخجل ويجتمع له قضاء
حاجته وفائدة أخرى وهي التعليم بما لم يكن يعلم وفيه دليل
على جواز سؤال أهل الفضل والدين وأهل المعاملة وليس فيه
مذلة يؤخذ ذلك من أن سيدنا ل لم يعرض له فى حق سؤاله إياه
بشيء إلا أنه قال له قاعدة كلية ولو كان في سؤاله شيء ما
كتمه عنه ولا كان أيضاً يعطيه شيئاً حين يبين له ما فيه من
الكراهية لأنه المشرع والبيان عند الحاجة إليه لا يجوز
تأخيره وكأن فحوى الكلام يقول له يا حكيم ليس الأخذ مني
الأخذ من غيري اليد العليا خير من اليد السفلى لأن يده هي
العليا على كل الحالات لأنها لا مماثل لها ولا يتناوله
عليه السلام التمثيل في الفضيلة وهذا بين لاخفاء فيه
ويخلفه بالميراث في المنزلة - وإن كان ليس مثله - مَن له
الخلافة بعده وكذلك من ناب عن الخليفة نائب بعد نائب وإن
بَعُد أعني إذا كانوا من أهل الفضل والدين
مثل
وفيه دليل على أن المطلوب منا المبالغة في النصيحة
والتعليم يؤخذ ذلك من أنه صلى الله عليه وسلم لم يقتنع
بالمثال الأول حتى أكده بالمثال الثاني لكونه فيه معنى
زائد وكلما زادت أدلة التحذير كان
أقوى في المنع
وفيه دليل على أن من أقوى الأسباب في حمل العلم بمقتضى
الحكمة الجِدَةُ ۱ يؤخذ ذلك من أنه لم يعلمه حتى أغناه
بتكرار العطاء ثلاثاً
وفيه دليل على جواز تكرار السؤال ثلاثاً والرابعة ممنوعة
يؤخذ ذلك من أنه في كل مرة من الأولى والثانية أعطاه عليه
السلام وسكت عنه وفي الثالثة أعطاه وأشغله بإلقاء العلم عن
إعادة السؤال لأن الصحابة رضي الله عنهم فيهم من الفهم
والذكاء لقوة إيمانهم ما يزجرهم في الإشارات أقل من هذا
وفيه حجة لأهل الطريق الذين يقولون بالزنبيل لأنهم يقولون
من شرطه ألا يخرج لشخص معين يقصده ولا يلح في سؤاله ولا
يحلف ۳ وإنما يسأل الله فإذا حملته المقادير إلى باب أو
شخص لا يتعداه لغيره ومن شرطه ألا يخرج إلا على حاجة
صادقاً لقوله الله لا بأس أن يشكو المؤمن حاجته لأخيه
المؤمن ٤ فإذا سأل ذلك الشخص الذي حملته القدرة إليه فإن
أعطاه
1 الجدة مصدر للفعل وجد يَجِد يقال وَجَد فلان أي صار ذا
مال وللفعل وجَدَ معان أخرى الزنبيل بفتح الزاي المشددة
وكسرها القفه ويراد به هنا الأخذ بالسبب والسعي للرزق ۳
ولا يحلف ولا يُقسم على من سأله ليعطيه
٤ لم أقف على مصدره
٥٤٩
فحسن وإن حرمه فحسن ثم يقصد ثانياً وثالثاً فإن حرمه
الثلاثة فلا يزيد عليهم شيئاً ويعلم أن المطلوب منه الصبر
والتسليم فيرجع إلى موضعه ولا يسأل غير من ذكر حتى يفتح
الله له أو
يفعل فيه ما شاء
فانظر اليوم هل ترى من الطرفين العلم والحال من هو على ما
يقتضيه طريقه مما استنبطه أهله الموفقون من الكتاب والسنة
كما أبديناه قبل وفي هذا الحديث طرف منه كلا والله تشعبت
الطرق وقل السالكون فإنا لله وإنا إليه راجعون
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
حديث كراهية كثرة السؤال
عَن عَبدِ الله بن عُمَرَ رَضي الله عنهما قالَ قالَ
رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما يَزال الرَّجل يسألُ ۱
النَّاسَ حتَّى يأتيَ يَومَ القيامَةِ لَيسَ فِي وَجْهِهِ
مِرْعَةٌ ٢ لحم
ظاهر الحديث يدل أن الذي يكثر من سؤال الناس يأتي يوم
القيامة وليس في وجهه لحم والكلام عليه من وجوه
منها هل هذا السؤال على العموم في علم أو طريق أو لا يكون
ذلك إلا في حطام الدنيا وإن كان في حطام الدنيا هل إذا ۳
كان محتاجاً أو غير محتاج وهل هذا خاص بالرجال دون النساء
أو ليس وهل هذه العقوبة لحكمة تعرف أو ليس وهل يدخل في ذلك
من تاب قبل موته أم لا فالجواب أما السؤال عن العلم فلا
يدخل في عموم ذلك بدليل مولانا جلّ جلاله نَسْتَلُوا
أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٤
وأما السؤال أيضاً عن الطريق فلا يدخل في عمومه لأنه من
إرشاد الضال وإرشاد الضال من المأمور به فلم يبق إلا أن
يكون في حطام الدنيا فإذا كان في حطامها فليس على عمومه
أيضاً لأن من المأمور به السؤال عند الحاجة لقوله عليه
السلام لا بأس للمؤمن أن يشكو حاله لأخيه المؤمن ٥ ومن أجل
ذلك اختلف العلماء في الذي يلحقه الجوع أيما أفضل له الصبر
حتى
1 يسأل في هذا السياق بمعنى يستجدي ويشحذ
المزعة القطعة وجمعها مزع
۳ كذا والصواب أفإذا
٤ سورة النحل من الآية ٤٣
٥ لم أقف على مصدره
100
5
12
يموت فيكون شهيداً لقوله عزّ وجلّ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ
رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۱ أو يكون مأثوماً لقوله
لا بأس للمؤمن أن يشكو حاله لأخيه المؤمن فإن لم يفعل حتى
يموت يكون ممن تسبّب في قتل نفسه فيأثم على قولين
وأما من تاب قبل موته فيرجى أنه لا يدخل تحت ذلك العموم
لقوله التوبة تَجُبُّ ما قبلها ٢ غير أنه يبقى هنا بحث
فالذي يكون مال بيده عند التوبة هل يتناول منه شيئاً أو
كيف
يفعل به أما بقاؤه بيده فلا يجوزه وكيف يجوز له إبقاء مال
حرام بيده بدليل قوله عليه السلام لا تَحِل الصدقة لغنيّ
ولا لِذي مِرَّةٍ سَوِيّ ۳ وأما ما يفعل به فإن كان مما
يعرف أصحابه فيرده إليهم وإن لم يعرف فيتصدق به
وأما هل هو خاص بالرجال دون النساء أو عام فالجواب أنه عام
بدليل أن النساء شقائق الرجال في جميع التكليفات وجرى
الإخبار عنهم دون النساء من طريق الأفضلية وأنهم تلقوا
الخطاب كقوله عزّ وجلّ يَأَيُّهَا الرُّسُلُ ٤ والمقصود هم
وأتباعهم
وهنا بحث وهو أن من فعله ولم يدم عليه لا يلحقه ذلك الوعيد
بدليل قوله ما يزال وهذه الصيغة تدل على الدوام
وفيه دليل على أن جميع الناس محتاجون إلى العلم يؤخذ ذلك
من أنه إذا كان أقل الناس - وهم السؤال الذين ليس لهم شيء
في الدنيا - يحاسبون على سؤالهم سواء أكان على ما أمروا به
أو تعدوا فما بالك بالغير
وفيه دليل على أن الجهل لا يُعذر به أحد فإنه إذا لم يعذر
السائلون - مع شدة مسكنتهم
بالجهل فيما يلزمهم من سؤالهم فكيف بغيرهم
وفيه دليل على أن العلم أفضل الأشياء إذ به يتخلص الرفيع
والوضيع إذا عمل به وفيه دليل على جواز سؤال غير المؤمن
يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام يسأل الناس و الناس لفظ عام
يدخل تحته المؤمن وغيره ومن أجل ذلك كان بعض السادة لا
يخرج من منزله إلا عند الضرورة فلا يأتي إلا إلى ذمّي فقيل
له في ذلك فقال إني لا أخرج إلا محتاجاً فإذا
۱ سورة الطور من الاية ٤٨
لم أقف على مصدره والمروي المعروف هو الإسلام يَجُبُّ ما
قبله
۳ رواه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً
ورواه النسائي من حديث أبي هريرة وهو حديث صحيح وذو مرّة
صاحب قوّة ونشاط
٥٥٢
٤ سورة المؤمنون من الآية ٥١
أتيت باب المسلم فأخاف أن يردني ويعود عليه من أجل ردي
بلاء لأنه مأمور بإحياء نفسي فلا أريد أن يلحقه مني أذى
والذمي ليس هو بي مكلفاً فإن واساني رجوت له الخير وإن
ردَّ لم يخف
أن يلحقه مني أذى له
بین
وفيه دليل على حمل السائلين على التصديق يؤخذ ذلك من أنه
لم يجعل لغيرهم فرقاً الصادق وغيره منهم ويذكر عن بعض
المباركين أنه مر يوماً فرأى شخصاً عُرياناً يسأل من
يكسوه الله فجرد ثوباً عنه وأعطاه وكان ذلك السائل معروفاً
عند بعض الناس أنه كان يعمل ذلك حيلة وربما تصرف بثمن ما
يأخذه فيما لا يصلح فلما انصرف ذلك السيد عنه أخبره شخص
أنه رأى ذلك السائل في موضع وليس عليه ذلك الثوب وأنه يمكن
أنه تصرف فيه على غير لسان العلم فتحرك ذلك السيّد لمقالة
القائل وسأله أن يحمله حتى يراه كيف حاله فلما بلغ إليه
وراه على تلك الحالة التي وُصف بها سأله ما فعلت في الثوب
الذي أعطيتك وكان ثوباً نفيساً يساوي شيئاً كثيراً فجاوبه
بأن قال له اطلب ثوبك ممن أعطيته واتركني مع من عصيته فقال
صدقت
وتركه وانصرف إذا كنت في معروفك صادقاً مخلصاً فكن في فضل
من عاملته مصدقاً مخلصاً وأما قولنا هل تعرف ما الحكمة في
كونه يأتي يوم القيامة ولا مزعة لحم في وجهه والمزعة الشيء
اليسير فمعناه أنه ليس يكون في وجهه من الحُسْن شيء ولأن
حُسْن الوجه هو بما فيه من اللحم ولذلك فإن السِّمَن يَزيد
الوجه حسناً وذلك لأنه لما أذهب في الدنيا مائية وجهه وهي
ما في الوجوه من الحياء الموجب لترك المسألة - فلما أزاله
لغير ضرورة أذهب حسنه الحسي والآخرة أمورها في الآخرة لأن
حسن الحياء الذي في الوجه هو معنوي وحسن اللحم حسي حسية
مشاهدة غالباً لأن الحكمة اقتضت أن كل ذنب في الدنيا
لصاحبه علامة يعرف بها في الآخرة وتكون دالة على ذنبه
فيجتمع عليه أمران عقاب وتوبيخ من أجل شهرته على جميع
العالمين كما جاء أن شاهد الزور يبعث مُولعاً ۱ لسانه بنار
واكل الربا مثل البخت ۳ يتخبط مثل السكران وأكل أموال
اليتامى يقوم من قبره وألسنة النار تخرج من منافسه
۱ مُولَعاً في هذا السياق تعني محبوساً فلسان شاهد الزور
تلفه النار وكأنه محبوس بها والعبارة الواردة في النص أن
شاهد الزور يبعث الخ لم يتيسر الوقوف على مصدرها
البخت نوع من الإبل خراسانية وكأنه يعني أ خلقه غير سوي
كسائر المخلوقات وحديث الإسراء الذي رواه الإمام أحمد عن
أبي هريرة والذي أوله رأيت ليلة أسري بي والحديث الذي رواه
البيهقي في الدلائل عن أبي سعيد والذي أوله لما عرج به إلى
السماء فيهما تشبيه بطون أكلة الربا بالبيوت العظام
المائلة ج منفس وهو مكان النَّفَس وعبارة المؤلف وألسنة
النار تخرج من الإسراء الذي رواه البيهقي عن أبي سعيد رضي
الله عنه وفي تفسير ابن كثير لقوله تعالى الَّذِينَ
يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا وفي كتاب
الكبائر للذهبي زيادة إيضاح وشرح لهذا الموضوع
۳ منافسه
منافسه قطعة من حديث
٥٥٣
وتعداد ذلك كثير بحسب ما أخبر به الصادق عليه السلام فتكون
فائدة الإخبار بهذا وأمثاله التحرز من ذلك الخزي العظيم
والعذاب الأليم أعاذنا الله من الجميع بمنه وفضله لا رب
سواه
وقال حَسنُ لنفسك العقبى إن كنت بصيراً واحذَرْ خِزْيَ يوم
كان وجهه عبوساً قمطريراً بتقوى مَوْلى لم يزل عليك
منعِماً شكوراً
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
تسليماً
٥٥٤
-Y-
حديث قران الحج بالعمرة
عَن عُمر رضي الله عَنهُ يَقولُ سَمِعتُ النَّبِيَّ بوادِي
العَقيقِ۱ يَقولُ أتاني الليلة آتٍ مِن رَبِّي فَقالَ
صَلِّ في هَذا الوَادي المُبارَكَ وَقُل عُمرَةٌ في
حَجَّةٍ
آخر
*
ظاهر الحديث فيه بحث وهو هل يحمل على ما يقتضيه لفظه أو
المعنى فيه على وجه
فمن قواعد الشريعة تعرف أن في ها هنا ليست على حقيقتها
وإنما هي بدل عن غيرها وهذا في كلام العرب كثير لأنه قد
تقرر من قواعد الشرع أن العمرة لا تُردَف على الحج وأن
الحج هو الذي يُردَف على العمرة
وسبب الأمر من مولانا جلّ جلاله في هذا الوادي المبارك
لسيدنا أن يصلي فيه وهو عليه السلام قد كان أحرم عند خروجه
من المدينة بالحج مفرداً وذلك أنه كانت الجاهلية قبل
الإسلام يقولون إن من أفجَرِ الفجور العمرة في أشهر المج
وكانوا يقولون إذا عفا الوَبَر وَبرَأ الدَّبَر ودخل صَفَر
حلّت العمرة لمن اعتمر عفا الوبر كثر وبر الإبل الذي حلق
بالرحال وفي رواية عفا الأثر أي اندرس أثر الإبل وغيرها في
سيرها ويحتمل أثر الوبر المذكور جرح في ظهر الإبل من أثر
السفر وصَفَر هو الشهر الذي يلي المحرَّم وكانوا يسمون
المحرَّم صَفَراً فأمر الله نبيه عليه السلام أن ينسخ فعل
الجاهلية بأن يُحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفسخ بذلك
الإحرام إحرامه المتقدم بالحج المفرد ويكون ذلك حكماً
خاصاً بذلك
والدبر
۱ وادي العقيق هو الوادي المبارك ويقع ببطن وادي ذي
الحليفة وهو الأقرب منها وهو مهل أهل العراق من ذات عزق
يقع غربي المدينة المنورة ويشقه طريق مكة ويكاد عمران
المدينة يتصل بمداخله والطرق إليه منها باب العنبرية
الطريق شمالي قبة الخضر المدرّج العقيق انظر بين التاريخ
والآثار لعبد القدوس
الأنصاري ص ٧٦
٥٥٥
الوقت لأنه لم يأت نص في الأحاديث أن العمرة يجوز إدخالها
على الحج فتكون في ههنا على
هذا الوجه معناها عُمْرة بدل حَجة
هذا على القول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم
مفرداً وهو حديث عائشة ۱
رضي الله عنها لأن
العلماء اختلفوا في حجه وإحرامه صلى الله عليه وسلم
اختلافاً كثيراً والأحاديث في ذلك أيضاً مختلفة وهو
موجب الخلاف
الله
قطعي فيه
وعلى القول بأنه عليه السلام أحرم أولاً بعمرة فيكون قوله
هنا عُمرَة في حَجّة من المقلوب ويكون معنى الكلام حَجَّة
في عُمرة وقلب اللفظ عن حقيقته بغير وجه إشكال والأول الذي
هو بدل الحروف أولى لأنه معروف في كلام العرب ومن فصيحه
وأما على وجه من قال إنه الا الله و أحرم قارِنا فيكون
الأمر هنا زيادة تأكيد في شأن ما أراد سبحانه أن ينسخ من
فعل الجاهلية لأن يكون ذلك بالسنة أولاً وتثبيتاً بالحكم
الإلهي ثانياً ونذكر الآن إشارة إلى ما هو الأظهر من
إحرامه لا لا لا لهم من أجل الاختلاف الواقع في ذلك وذلك
أنه لما اختلفت الأحاديث من أين كان إحرامه الله هل من
المسجد أو حين استوى على راحلته أو حين توسط البيداء سئل
ابن عباس رضي الله عنهما عن سبب هذا الخلاف فقال أنا
أخبركم كنت معه في المسجد فصلى ثم أحرم إثر الصلاة وهي
نافلة فلبّى فمن كان هناك روى ما سمع ثم خرجتُ معه حتى ركب
فلما استوى على راحلته لبّي فمن كان هناك روى ما سمع ثم
سار وسرت معه حتى توسط البيداء والناس أمامه مدّ البصر
وخلفه ويمينه وشماله
كذلك وهلل ولبّي فمن كان هناك روى ما سمع
وأما الذي جاء في اختلاف إحرامه عليه السلام هل كان مفرداً
أو قارناً أو بعمرة وكيف
الجمع فذلك أن عائشة رضي الله عنها قالت خرجنا مع رسول
الله عام حجة الوداع
فمنا من أهَلَّ بعمرة ومنا من أهَلَّ بحج وعمرة ومنا من
أهَلّ بالحج وأَهَلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج
۱ حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم مفرداً
رواه مسلم رقم ۱۱۱ في الحج - باب بيان وجوه الإحرام أداء
فريضة الحج يمكن أن يتم على ثلاثة أشكال ۱ حج إفراد وهو
أداء مناسك الحج من غير أداء عمرة في وقت الحج وهو شوال
وذو القعدة وعشر ذي
الحجة
حج تمتع وهو الجمع بين أفعال العمرة والحج في أشهر الحج في
سنة واحدة بإحرامين بتقديم أفعال العمرة من غير أن يُلمَّ
بأهله إلماماً صحيحاً
۳ حج قران وهو الجمع بين العمرة والحج بإحرام واحد في
سَفْرة واحدة ۳ رواه الإمام أحمد في المسند وأبو داود في
السنن وصححه الحاكم في المستدرك وأقره الذهبي وفي رواية
المؤلف ابن أبي جمرة رحمه الله زيادة بعض الألفاظ وهي غير
واردة في الكتب الانفة الذكر
٥٥٦
فأما من أهل بعمرة فحَلَّ وأما من أهل بالحج أو جمع بين
الحج والعمرة فلم يخلل حتى كان
يوم النحر
وقول سعد في الموطأ للضحاك بئس ما قلت يا ابن أخي قد صنعها
رسول الله
وصنعناها
٣ أنحر
معه
يعني العمرة في حجة الوداع وقول حفصة لرسول الله صلى الله
عليه وسلم ما شأن الناس
حَلوا ولم تَحْلِلْ أنت من عمرتك فقال إني لَبَّدْتُ رأسي
وقلدتُ هَذيي فلا أحِلّ حتى وروي عن أنس بن مالك رضي الله
عنه أن رسول الله ل قرن وأنه سمعه يقول لبيك اللهم
لبَّيْكَ بحَجَّة وعُمرَة معا ٤
واختلف الناس في كيفية الجمع بينهما فمن أحسن ما قيل في
ذلك أنه عليه السلام أحرم أولاً مفرداً بالحج فمن سمع ذلك
أخبر بما سمع ثم فسخه في العمرة حين أمره الحق جلّ جلاله
كما تقدم فمن سمع إهلاله عليه السلام بالعمرة مفرَدَة روى
ما سمع ثم إنه عليه السلام لما قدم مكة قبل أن يطوف بالبيت
أردف الحج على العمرة فمن سمعه يلبي بهما حدث بما سمع
فَصَدَق أن يقال مفرداً وأن يقال متمتعاً وأن يقال قارنا
والكل حق ولا تناقض بينها وإنما كان يكون التناقض أن لو
كانت الأحاديث كلها عن يوم واحد في ساعة واحدة وهذا لم
يوجد فلا تعارض عند التحقيق والحمد الله وَلَوْ كَانَ مِنْ
عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافًا ﴿
كثِيرًا ٥ فهذا ما أمكن الكلام فيه على قوله في حجة على
التقريب والاختصار وفيه دليل على أن الله عزّ وجلّ يفضل ما
يشاء من خلقه جماداً أو غيره فضلاً منه تعالى يؤخذ ذلك مما
قيل له عليه السلام في هذا الوادي المبارك فسمي بالبركة
وفيه دليل على أن المقصود منا في الأمكنة والأزمنة
المباركة التعبد يؤخذ ذلك من قوله صل في هذا الوادي
المبارك فمن أجل بركته أمرنا بالصلاة فيه كما قال تعالى في
الأشهر الحرم فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَ فنهى عن
الظلم فيها لكون الإثم عليه إذ ذاك أكثر مما لو كان في
غيرها والأمر بالشيء نهي عن ضده والنهي عن الشيء أمر بضده
فلما نهى عن ترك الظلم
فيها يلزم فعل الطاعة أو يندب فيها
1 رواه البخاري ومسلم كما في جامع الأصول ١٤٤/٣ و ١٤٥ و
١٤٦ رواه الإمام مالك في الموطأ والنسائي ۱۵/۵ والترمذي
رقم ۸۳ ۳ رواه البخاري في الحج باب التمتع والقران
والإفراد ومسلم رقم ۱۹ عن السيدة حفصة رضي الله عنها 4
رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه
عن أنس رضي الله عنه
0
سورة النساء من الاية ۸ ٦ سورة التوبة من الآية ٣٦
٥٥٧
وفيه دليل على تفضيل بني ادم على غيرهم من المخلوقات يؤخذ
ذلك من أن ما فضل من البقع والأزمنة إنما هي من أجل بني
آدم لكونهم أمروا فيها بالتعبدات وضعف لهم الثواب يدل على
ذلك قوله تعالى وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ
وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَآيَتٍ لِقَوْمٍ
ون ۱ فكانت الفائدة لنا ورحمة بنا
وفيه دليل على جواز الإخبار بأمر الأمر ولا يلزم ذكر
الواسطة يؤخذ ذلك من قوله عليه
السلام أتاني الليلة اتٍ من ربي ولم يذكر من كان الآتي هل
جبريل عليه السلام أو غيره وفيه دليل على تأكيد الركوع قبل
الإحرام يؤخذ ذلك من قوله صَلّ في هذا الوادي المبارك وقل
عمرة في حجة فلم يؤمر عليه السلام بالإحرام إلا بعد الركوع
وإن كان سيدنا قد سَنها قبل فجاء الأمر هنا تأكيداً لما
كان هو ا سَنه وعلى القول - وهو الأظهر - إنه عليه السلام
أحرم أولاً مفرداً يجوز فَسخُ الحج في العمرة إذا كان هناك
عذر يوجب ذلك يؤخذ ذلك من فسخه عليه السلام الحج في العمرة
للعذر الذي قدمنا ذكره
ومنه - والله أعلم - أجاز العلماء لمن فاته الوقوف بعرفة
إن شاء أن يفسخ إحرامه في عمرة فعل
لأنه عذر يوجب له الخيار بما ذكرنا أو يبقى على إحرامه إلى
قابل وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه
وسلّم تسليماً
الفل
۱ سورة الجاثية من الآية ۱۳
يقصد بـ الركوع الصلاة النافلة قبل الإحرام من إطلاق الجزء
على الكل
لا
الا
فل
أنا
-۷۸-
حديث الإنابة في الحج
عَن عَبدِ الله بن عبّاس رضي الله عَنهُما أنَّ امرأةً
قالت يا رَسولَ الله إِنَّ فَريضةً الله علَى عِبادِهِ في
الحج أدركت أبي شَيخاً كبيراً لا يَثْبُتُ على الرَّاحِلة
أفَأَحُجُ عَنهُ قَالَ نَعم وَذلِكَ في حَجَّةِ الوداع
ظاهره يدل على جواز النيابة في الحج والكلام عليه من وجوه
منها هل هو مطلق في الفرض والنافلة كما يروى عن الشافعي
رحمه الله أو في النفل لا غير
أما على ما ذكرته عن أبيها لأنه لا يقدر أن يثبت على
الراحلة فالحج ليس بفرض عليه لأن الله عزّ وجلّ يقول مَنِ
اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۱ وهذا عادم للاستطاعة فلا
وجوب عليه ﴿ ويكون ما فعلته عنه من الحج تطوّعاً فإذا
بمقتضى الحديث تجوز النيابة في الحج في النافلة ولا تجوز
في الفرض
وهنا بحث وهو هل يحمل ذلك الحكم - أعني النيابة - في جميع
التطوعات البدنية أم لا الجمهور على أن لا وما أجاز
النيابة في الحج - على خلاف بينهم ممن أجازها هل مطلقاً في
الفرض والنفل أو في النفل لا غير - إلا من أجل هذا الحديث
ومن أجل أن معظم ما فيه إنفاق المالية وجعل البدن تابعاً
لها لأن النيابة في المالية جائزة وفي الفرض بلا خلاف وأما
البدنيات فلا إلا خلاف شاذ جاء فيمن مات وعليه صوم واجب هل
يصوم عنه وليّه أم لا فالجمهور على أن لا يصام عنه وجاء
حديث يصوم عنه وليّه فعمل على ذلك بعض العلماء ولم يصح عند
الجمهور العمل به
۱ سورة ال عمران من الآية ۹۷
روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله الله قال
من مات وعليه صيام صام عنه وليه
۵۵۹
وفيه دليل على جواز النيابة في العلم يؤخذ ذلك من سؤال هذه
عمّا يلزم أباها وفيه دليل على جواز نيابة المرأة في العلم
يؤخذ ذلك من أن النبي لما سألته هذه أجابها ولم ينكر عليها
وفيه دليل على جواز كلام المرأة والأجانب يسمعونها وإن كان
كلامها عورة لا يجوز أن يسمعه أجنبي لكن عند الضرورة جائز
يؤخذ ذلك من كون ابن عبّاس روى كلامها وأنه وهو أجنبي منها
لكن من أجل الضرورة لكونه مع النبي وهذه قد سألته فسمع
كلامها ويؤخذ منه جواز الجلوس مع الحكام والفقهاء المفتين
وإن كان الناس تأتيهم رجالاً ونساءً يؤخذ ذلك من كون ابن
عباس كان مع النبي حين سألته هذه وهو المروي عنه عليه
السلام في الأحاديث لأنه لم يكن قط يجلس إلا ويجلس معه
الصحابة رضي الله عنهم ومن أجل ذلك تقررت الأحكام ولو لم
يكن ذلك جائزاً وكان يكون من الخاص به لكونه يقرر الأحكام
وتنقل عنه لكان يذكر ذلك ويبينه
وفيه دليل على تصحيح قاعدة الأبوة بخلاف ما يقوله بعض أهل
التفقه لأنهم يقولون محتملة وإطلاقهم هذه الصيغة على هذه
الصفة غلط والبحث فيه أن نقول لا يخلو أن نرجع في ذلك إلى
مجرد العقل ولا نلاحظ في ذلك أمر الشرع أو نرجع إلى
مجموعهما فإن قال القائل أقول بمجرد العقل عند البحث
ليتقرر حكم العقل في ذلك على أسلوبه فإن وافق الشرع فحسن
وإلا قلنا هذا بحث العقل ورجعنا في الأحكام إلى الشرع فإنا
به مأمورون
فنقول لا يخلو أن نقول عن الأبوة محتملة بحسب بلوغ الأمر
إلى علمنا أو بحسب وقوعها في الوجود فإن قلتم بحسب وصوله
إلى علمنا فلا فرق بين الأبوة والأمومة لأن الأمومة كذلك
أيضاً إما أن تكون بعلم قطعي أو بحسب وقوعها في الوجود
فالعلم القطعي مثل أن يُرى خارجاً من رَحِم أمه فهذا هو
العلم القطعي وهو معدوم في الأبوة أعني القطع بالمعاينة
وأما الأسباب فتشترك الأبوة مع الأمومة في ذلك لأن الأمومة
إما أن تكون بدعوى أو بشهادة والأبوة تشاركها فيهما وهذا
هو الغالب من الناس لأنهم لا يعرفون أبوتهم وأمومتهم إلا
من طريق الدعوى أو الشهادة فلم يبق في ذلك إلا الرجوع إلى
الأمر المنقول منها عن طريق إخبار الصادق عليه السلام من
نفيها أو صحتها
فما جاء من طريق الصادق عليه السلام نفيها مثل ابن نوح
عليه السلام على خلاف فيه
۱ كلام المرأة ليس بعورة ويجوز للأجنبي أن يسمعه إلا إن
كان هناك فتنة نص عليه النووي في أكثر من موضع من شرح مسلم
٥٦٠
به
ن
ـذه
أن
حين
تقوله عزّ وجلّ ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۱ فضاء عنه
وذكر عن بعض العلماء أنه كان ملتقطاً عليه لأن زوجة نبي
بالإجماع أنها ما بغت قط لا مخالف في هذا ومثله قول سيدنا
محمد الله سأله السائل مَن أبي فقال أبوك حذافة ٣ ونسبه
إلى أبيه وأما ما ثبت فمثل أولاد يعقوب عليه السلام فقد
ثبتوا بنص القرآن وكذلك أولاد إبراهيم عليه السلام وأولاد
سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم
علي رضي
ومثل أبيه و و و و و و و و و و ل لقوله عليه السلام أنا
النبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطّلب ٤ وقوله عليه أنا ابن
الذبيحين٥ وقوله عليه السلام حين كتب العهد بينه وبين أهل
مكة فكتب السلام الله عنه محمد رسول الله قالوا لو علمنا
أنه رسول الله لا تبعناه فكتب محمّد بن وقوله عليه السلام
للسائل إن أبي وأباك في النار ۷ وقوله عليه السلام أستأذنت
في أن أزور قبر أمي فأذن لي واستأذنته أن أزور أبي فمنعني
۸ وقوله عليه السلام
عبد الله
۱ سورة هود من الآية ٤٦
رواه البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه وانظر في تفسير
قوله تعالى ﴿لا تسألوا عن أشياء ۳ رواه البخاري في المغازي
- باب قول الله تعالى ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ٤ قول
ضعيف ومدلول عبارة المؤلف يدل على ذلك
٥ يريد بالذبيحين اسماعيل بن إبراهيم وأباه عبد الله بن
عبد المطلب وقد وقع عليه نذر أبيه عبد المطلب أن يذبحه ثم
افتداه بمائة من الإبل جاء في الطبقات الكبرى لابن سعد
۸۸/۱ ما يلي لما رأى عبد المطلب قلة أعوانه في حفر زمزم
وإنما كان يحفر وحده وابنه الحارث هو بكره نذر لئن أكمل
الله له عشرة ذكور حتى يراهم أن يذبح أحدهم فلما تكاملوا
عشرة منهم الحارث والزبير وأبو طالب وعبد الله وحمزة وأبو
لهب والغيداق والمقوّم وضرار والعباس جمعهم ثم أخذهم بنذره
ودعاهم إلى الوفاء الله به فما اختلف عليه منهم أحد وقالوا
أوف بنذرك وافعل ما شئت فقال لِيَكتُب كل رجل منكم اسمه في
قدحه ففعلوا فدخل عبد المطلب في جوف الكعبة وقال للسادن
اضرب بقداحهم فضرب فخرج قدح عبد الله أوّلها وكان عبد
المطلب يحبه فأخذ بيده يقوده إلى المذبح ومعه المدية فبكت
بنات عبد المطلب وكن قياماً وقالت إحداهن لأبيها أعذر فيه
بأن تضرب في إبلك السوائم التي في الحَرَم فقال للسادن
اضرب عليه بالقِداح وعليَّ عشر من الإبل وكانت الدية يومئذ
عشرا من الإبل فضرب فخرج القدح على عبد الله فجعل يزيد
عشرا عشرا كل ذلك يخرج القدح على عبد الله حتى كملت المائة
فضرب بالقداح فخرج على الإبل فكبّر عبد المطلب والناس معه
واحتمل بنات عبد المطلب أخاهن عبد الله وقدم عبد المطلب
الإبل فنحرها بين الصَّفا والمَرْوَة والرواية أن أعرابياً
قال للنبي الا يا ابن الذبيحين انظر كشف الخفا ۱۹۹/۱ ٦
رواه الشيخان عن المسوّر وعليّ رضي الله عنهما ۷ رواه مسلم
وأبو داود وفي رسالة للسيوطي في نجاة الأبوين الشريفين أن
لفظه أبي الواردة في الحديث مُدْرَجَة من الراوي وله في
ذلك أدلة قوية ۸ لفظه استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن
لي واستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي رواه مسلم عن أبي هريرة
رضي الله عنه
٥٦١
للعباس يا عم ۱ ولأبي طالب يا عم ولصَفِيَّةَ حين أنزل
الله عزّ وجلّ ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأفريين ۳ يا صفية
عمة رسول الله فإن العمومة لا تثبت إلا بالأبوة الثابتة
فقد رجع قوله عليه السلام هنا التواتر لأنه قد قيل في أقل
التواتر إنه يثبت بأقل الجموع ومن أهل العلم من قال إنه
يحصل بخبر الواحد وهنا أكثر من أقل الجموع والأحاديث في
هذا كثيرة وطرقها مختلفة وأما التنزيل فقوله عزّ وجلّ
ولَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ نُسِكُمْ ﴾ ٤ أي أحسَبِكم
والحَسَب لا يثبت إلا بثبوت الأبوة وقال صلى الله عليه
وسلم إن الله اختار من أولاد آدم إبراهيم عليه السلام
واختار من ولد إبراهيم إسماعيل إلى أن قال عليه السلام
واختارني من بني هاشم ٥
أَنفُسِ
هذا من طريق بحث العقل ورأينا الشرع قد أثبت هاتين
القاعدتين الأمومة والأبوة وجعل الاحتمال الطارىء على
الأبوة الوصول إليه متعذر فإنه عليه السلام جعل في دعوى
الزنى أربعة شهود يَرَوْنه كالمِرْوَد في المُكحُلَة ٦
والتلاعن الذي هو مؤكَّد باللعنة والغضب للحرمة وقال الولد
للفراش وللعاهر الحَجَر وأكد سبحانه هذا بأن قسم المواريث
على هذه الأصول وقال عزّ وجلّ ءَابَاؤُكُمْ
وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ
نَفْعًا ۸ وقال عزّ وجلّ وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۹ وجعل السبب كحكم الأصل
المقطوع به لأنه إذا دخل الرجل بالمرأة
وجاءت منه أو من غيره بولد وادّعته منه أنه لازم له إلا أن
ينفيه باللعان بِشَرط مذكور في بابه فترجع الآن للجمع بين
العقل ومدلوله في هذه القاعدة هل وافق الشرعَ أم خالَفَه
فأما على البحث بحكم وصول العلم إلينا فاستوى فيها دليل
العقل والشرع من وجه أنه ما وصل إلينا العلم
۱ نداؤه - عليه السلام - عمّه العباس يا عَمْ رواه الترمذي
وابن ماجه عن أبي رافع كما رواه الإمام أحمد وأبو يعلى
والطبراني عن أم الفضل رضي الله عنها
نداؤه - عليه السلام - عمّه أبا طالب يا عمّ رواه الإمام
أحمد والترمذي
۳ سورة الشعراء الآية ٢١٤ ٤ سورة التوبة من الآية ۱۸
٥ رواه الطبراني في الأوسط والكبير عن عبد الله بن عمر
مرفوعاً ولفظه وخلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم الخ كما
أخرجه مسلم عن واثلة بن الأسقع أن النبي الا الله قال إن
الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة
الخ ٦ أخرجه مسلم في اللعان عن أبي هريرة رضي الله عنه في
حوار سعد بن عبادة مع النبي الا الله كما أخرجه أبو داود
في حديث ماعز الأسلمي واللفظ مختلف
۷ متفق عليه من حديث السيدة عائشة وأبي هريرة رضي الله
عنهما
۸ سورة النساء من الآية ۱۱
۹ سورة الحجرات من الآية ١٣
٥٦٢
بالأمومة والأبوة إلا بواسطة السبب وكذلك حكمنا بهما إلا
فيما ثبت خلافه وكذلك الشرع ما حكم بهما إلا بواسطة السبب
وهو عقد النكاح ووجوده فاستوى في ذلك العقل والنقل وأما
على البحث من كون ظهوره في الوجود فلا فائدة في ذلك الدليل
بدليل أن الشيء إذا وقع في الوجود ولم يحقق حقيقة كيفيَّته
على الوضع الذي وقع في الوجود إلا بواسطة فرجع الأمر إلى
الواسطة فدار البحث ورجع البحث الأول الذي عليه يقع الحكم
فيكون ما قعدوه توقعاً خيالياً والتوقع الخيالي لا يُبنى
عليه حكم لأن هذا - وإن عاينه أحد من الجنس - فهو نادر لا
يثبت النسب به إلا بوساطة ذلك المشاهد لذلك الأمر إن كان
ممن تقبل شهادته ولتعذر ذلك رجع فيه إلى قبول امرأتين
وشهادتهما لا تقبل في غير هذا ولا يحكم بهما إلا مع اليمين
فكيف نجعل قاعدة إذا تحققنا البحث فيها من طريق العقل
والنقل لا نصل إلا إلى احتمال الإمكان بالتحقيق يطرأ عليها
بالنسبة إلى علمنا ولذلك لم تُثبت الشريعةُ للمَسْبِيَة
نسباً مع ابنها وإن كانت حاملة له بدعواها ولا إلى أب
أيضاً إلا ببيان من خارج وساوت في ذلك بين الأبوة والأمومة
وغيرهما من القرابات ولا سبب يدل عليه مثل الأصل الذي قد
دل الشرع عليه بما ربط فيه من العادة والأسباب فالعقل
أيضاً قد ترجحت عنده الأسباب والأصل كما قدمناه فجعل
الاحتمال فيه على حد سواء هذا مشكل لا خفاء به
مسألة
ثم كيف يمكن عند من يفرق بين أن الاثنين أكثر من الواحد أن
يطرد القاعدة على ضعف الاحتمال فيها كما قدمنا في المسألة
وقد جاء فيها دلالة من القرآن أو من السنة أو إجماع الأمة
هذا حمق وجهل - إن حَسَّنا الظن - ما لم يكن في مسألة تختص
بسيدنا فإن كانت في مـ سيدنا صلى الله عليه وسلم فإنه من
شك في أبوته أو نبوته فإنه جمع على نفسه أمرين عظيمين
أحدهما الرد على الكتاب والسنة المتواترة كما ذكرنا أولاً
فوجب بأقل من هذا قتله إجماعاً إلا ما روي عن الشافعي وأبي
حنيفة قولاً ثانياً أنها ردة يجب قتله إلا أن يتوب ومثله
قول ضعيف عن مالك رحمه الله وليس بمشهور مذهبه ومشهور
مذهبه القتل ولا يستتاب
وهنا بحث وهو لا يخلو ما نقل من الإجماع أن يكون قبل ما
ذكر من الخلاف المتقدم عمن ذكر أو يكون الخلاف متقدماً على
الإجماع فإن كان الخلاف منهم قبل ثم رجعوا إلى الإجماع فلا
تأثير لذلك الخلاف وتحقق الإجماع وإن كان الخلاف منهم وقع
بعد الإجماع فلا يُعبأ به والذي نقل الإجماع في قتله جماعة
منهم صاحب الاستذكار وصاحب الكافي
۱ صاحب الاستذكار هو نفسه صاحب الكافي وهو ابن عبد البر
يوسف بن عمر عبد البر قُرْطبي مالكي توفي سنة ٤٦٣ واسم
كتابه كاملاً الاستذكار لمذاهب أئمة الأمصار وفيما تضمنه
الموطأ من المعاني والاثار والثاني الكافي في فروع
المالكية ١٥ مجلدا
٥٦٣
ε
۱ وابن سبوع وابن رشد ۳ وابن أبي زيد 4 وسَحْنون ٥ والليث
٦
^
رحمهم
والتَّلْمِسَانِي والقاضي عياض ٧ وابن العربي الله تعالى
وجماعة ممن يقرب من هؤلاء في الشهرة أنسيتهم في الوقت فإن
شاء الله أذكرهم فإن أنسيته فمن وقف على كتابي هذا أو ذكر
منهم أحداً فليلحقه وله الأجر لأن ذلك مساعدة في قاعدة
شرعية وكذلك نقل الكل أنه من قال لفظاً يدل على شيء من
التنقيص في حقه عليه السلام من أي وجه كان أو ازدرى به أو
شَانَه شَيْناً ما من أي المحتملات والوجوه كان أنه يقتل
له على البحث المتقدم
والذي أوجب القتل ولم يقل بتوبته اختلف هل هو حدّ الأدب أو
الكفر فالذي قال حَدّ الأدب فلا تنفع فيه التوبة لأنه حق
قد وجب وإذا وجب الحق فلا فائدة لتوبته والقائل بأنه كفر
قال هو كالزنديق يقتل ولا تقبل توبته والقولان عند مالك
رحمه الله ومن تبعه واختلفوا أيضاً هل يكون قتله كفراً أو
حَدًا قولان والأكثر منهم نقلوا الإجماع على أنه لا يعذر
في ذلك بجهل ولا سُكر ولا فلتة لسان ولا سهو ولا غفلة ولا
شيء من الأشياء والحكم في ذلك القتل عمن تقدم ذكرهم منهم
من نقل مذهب مالك رحمه الله ومشهوره وهو القتل ومنهم من
ذكر الإجماع في ذلك غير الخلاف عن الشافعي وأبي حنيفة
رحمهما الله وقد استُدِل على قتله بالكتاب والسنة فبالكتاب
قوله عزّ وجلّ قُلْ أَبِاللهِ وَءَايَيْهِ وَرَسُولِهِ
كُنتُم تَسْتَهْزِءُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم
بَعْدَ إِيمَنكُمْ ﴾ ٩ وأما السنة فقوله صلى الله عليه
وسلم من سَبَّ نبيًّا
۱ التلمساني أبو مدين شعيب بن الحسن المغربي الأنصاري
الأندلسي من أهل الحقيقة والشريعة أصله من الأندلس وإقامته
في فاس خافه سلطان فاس ووشى به علماء الظاهر وخوفوا
السلطان من انتشار أمره فبعث يطلبه فطمأن مريديه بأنه لن
يرى السلطان ولن يراه السلطان ومات في الطريق إليه سنة ٥٨٩
هـ له أخبار كثيرة عن كراماته من أقواله حسن الخلق معاشرة
كل إنسان بما يؤنسه و احذر من يدعي مع
يكذبه ظاهره
ابن سبوع لم نقف على ترجمته
الله حالاً
۳ ابن رشد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد أبو الوليد
مشهور باسم ابن رشد الحفيد توفي سنة ٥٩٥ هـ مؤلف بداية
المجتهد ونهاية المقتصد في الفقه المالكي
٤ ابن أبي زيد عبد الله بن أبي عبد الرحمن المالكي الفقيه
المفسّر له إعجاز القرآن ت ٣٨٦ هـ سحنون عبد السلام بن
سعيد فقيه مالكي أصله من حمص قاضي إفريقية اجتمع مع عبد
الرحمن
0
ابن القاسم واستفاد من اراء الإمام مالك التي ترد إلى ابن
القاسم توفي سنة ٢٤٠هـ ٦ الليث بن سعد إمام مصر في الفقه
والحديث ت ١٧٥ هـ
۷ القاضي عياض بن موسى أبو الفضل أندلسي الأصل محدث مفسّر
توفي في مراكش سنة ٥٤٤ هـ ۸ ابن العربي أبو بكر محمد
الأندلسي المالكي محدث فقيه أصولي مفسّر مؤرخ قاضي إشبيلية
له كتاب العواصم من القواصم وتفسير في ۸۰ مجلدا وكتاب
المسالك في شرح موطأ مالك ت ٥٤٣ هـ
۹ سورة التوبة من الايتين ٦٥ و ٦٦
٥٦٤
فاقتلوه ۱ وقيل في قتل ابن خَطَل إنما كان قتله من أجل
إذايته له ولا من أجل الكفر والآثار
في مثل هذا كثيرة
وأما الوجه الثاني فإن الشك في النسب نفي له ومن نفاه عليه
السلام من نسبه فقد وجب قتله ولا يمكن أن يدخل فيه الخلاف
كما دخل في الوجه قبله لأنه حد قد وجب فإن القذف حق تعين
فيه الحدّ بالإجماع ومنهم من نقل الإجماع فيمن قال إن من
سب النبي صلى الله عليه وسلم إنه لا شيء عليه إنه كافر
وكذلك الحكم فيمن سَبَّ أحداً من الرسل والأنبياء عليهم
السلام ثم نرجع إلى الحديث وأما ما احتجت به الشافعية من
أنه سمع شخصاً يقول لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ عن شُبْرُمَة فقال
له َأحَجَجْتَ عن نَفْسِك فقال لا قال حُجَّ عن نفسك ثم
حُجّ اللهم عن شُبُرُمَة ۳ فليس فيه دليل على أن الذي حجه
عن شبرمة كان فرضاً ولا أنه يكون مجزئاً عنه عن فرضه بل لو
قال عليه السلام أد فرضك ثم حُجَّ عن شبرمة لكان نصا كما
زعموا وأما قوله ثم حجّ عن شُبْرُمة معناه كما تطوعت عنه
بما هو في حقه تطوعاً فإذا وقع الاحتمال
سقط الدليل
te
وفيه دليل على أن السنة في التلبية تكون جهراً يؤخذ ذلك من
كون الرواة رووا صيغة لفظه عليه السلام جهراً وكذلك
الخلفاء بعده وبقيت السنة على ذلك إلى هَلُمَّ جَرَّا
والله أعلم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله
وصحبه وسلّم تسليماً
۱ رواه الطبراني في الأوسط والصغير وفي إسناده من هو متهم
بالكذب ولفظه من سب الأنبياء قتل ومن سب
أصحابي جُلِد انظر مجمع الزوائد ٦ / ٢٦٠
المعنى من أنكر نسب النبي وجَبَ قتله ۳ رواه كما في موارد
الظمآن والبيهقي في السنن الكبرى و شُبْرمَة بضم
الشين والراء صحابي
حديث ما يلبس المحرم في الحج
عَن عَبدِ الله بن عُمرَ رضي الله عَنهُما أنَّ رجُلاً قال
يا رَسولَ اللهِ مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الشَّيَابِ
قالَ رَسولُ الله لا يَلْبَسُ القُمُص ۱ ولا العَمائِمَ ٢
وَلا السَّراويلاتِ ۳ ولا البرانس ٤ ولا الخفاف ٥ إلا
أحَدٌ لا يَجدُ نَعْلَينِ فَلْيلبَس خُفَّينِ
وَلْيَقطَعهُما أسفَلَ مِنَ الكَعْبينِ ولا تلبسوا مِنَ
الشَّيَابِ شيئاً مَسَّهُ زَعفران أَوْ وَرْس
*
*
ظاهر الحديث يدل على منع تلك الثياب المذكورة في الحديث
ومنع الخفاف إذا جاوزت الكعبين ومنع المزعفر والمُوَرَّس
والكلام عليه من وجوه
منها هل المنع مقصور على ما ذكر في الحديث لا غير أم هو
تنبيه بالشيء على باقيه فالظاهر أنه ليس مقصوراً على ما
ذكر لأنه منع من الثياب المتقمّص بها القمص والسراويلات
والبرانس فهم من هذا على عادتهم في تعدي الأحكام من قوله
القُمُص جميع ما كان مما يشبهه من الأقبية ٦ والجباب ٧
والقباطي ۸ إذا كان مُحيطاً بالبدن من كل الجهات فيكون من
باب
۱ القُمُص جمع قميص هو الشِّعار تحت الدثار وله كُمّان
واسعان يهبطان إلى المعصم ويتدلى القميص إلى
منتصف الساقين
العمائم جمع عِمامة وهي ما يلف على الرأس
۳ السراويلات جمع سراويل وهي لباس يغطي السُّرَّة
والركبتين وما بينهما وهو فضفاض من أعلى وضيق من أسفل وقد
يصل إلى القدمين أو فوق ذلك
٤ البرانس جمع بزنس وهو كل ثوب رأسه منه دُرّاعة كان أوجبة
أو ممطراً ٥ الخفاف جمع خف وهو ما يلبس في الرّجل من جلد
رقيق
٦ الأقبية جمع قباء وهو ثوب يلبس فوق الثياب أو القميص
ويتمنطق عليه
۷ الجِباب جمع جبة وهي ثوب سابغ واسع الكمين مشقوق المقدم
يلبس فوق الثياب ۸ القباطي جمع قِبْطِيّة وهي ثياب من كتان
بيض رقاق كانت تنسج بمصر وهي منسوبة إلى القبط
٥٦٦
الآفاق منها ما تعرف
التنبيه بالبعض عن الكل إلا أنه بهذين الشرطين أن يكون
مَخِيطاً ملبوساً على هذه الصفة المذكورة ولو سمّي باي اسم
فإن الأسماء فى الثياب مختلفة في جميع ا باللغة ومنها
اصطلاحي بحسب ما جرت عادتهم في ذلك في الآفاق فأعطى بوصف
القمص المنع في كل ما وجدت فيه تلك الصفة واستعمل في تلك
العادة
فإن فَعَلَهُ لعذرٍ أو لغير عذر افتَدَى والفدية في ذلك ما
ذكره أهل الفقه في كتب الفروع ونص الله عزّ وجلّ عليه في
كتابه بقوله سبحانه فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ
أَوْ نُهِ ﴾ ۱ فإن كان مخيطاً ولم يلبسه على العادة
المعلومة فلا شيء عليه مثال ذلك أن يكون له قميص فيتغطى به
بالليل أو بالنهار يرميه على ظهره مثل الإحرام أو مثل
المئزر فلا شيء عليه لأنه لم يلبسه على ما جرت به العادة
في ذلك
ومنع عليه السلام بقوله السراويلات كل ما كان يشبه ذلك وهو
أن يكون يُلبَس من المُحرِم إلى أسفل إذا كان مخيطاً ودار
على الإليتين والفخذين وإن سمي بأي اسم أو كان على أي صفة
إذا كان مخيطاً فإن لم يُلبَس على ذلك الوجه الذي جرت به
العادة بأن يأخذ أحد السراويل ولا يدخل فيه ساقه ويشده على
وسطه مثل الإزرة فلا شيء عليه وإن كان مخيطاً لأنه لم
يلبسه على العادة المعروفة في ذلك
ومنع عليه السلام بقوله البرانس كل ما كان يشبه ذلك النوع
وهو أن يكون فيه بعض خياطة ويلبس بعد إدخاله في العنق وإن
كان بعضه مفتوحاً سمّي بأي نوع سُمّي مثل الغفاير ۳
والكباب ٤ والبَلْدَرَانات ٥ وما يشبه ذلك النوع إذا لبِسَ
على تلك الصفة فإذا أخذ أحد بُرنُساً ورماه على ظهره
طاقينِ غير مفتوح الجناحين أو شدّه على وسطه مثل الإزرة
فلا شيء عليه لأنه لم يلبسه على العادة الجارية في ذلك ومن
هنا اختلف مالك والشافعي رحمهما الله فيمن أخذ بُرْداً له
فخلّلها أو عقدها فقال مالك عليه الدم لأنه مثل المخيط
وقال الشافعي لا شيء عليه لأنه ليس مثل ما نص عليه في
المنع هذا تعليل قولهما وأما الذي جاء عنهما فالمنع عن
مالك والجواز عن الشافعي
6
۱ سورة البقرة من الآية ۱۹٦ الإزرة الإزار وهو قطعة من
النسيج تلتف به النساء العربيات عادة عندما يبرزن للجمهور
ويكون كذلك
للرجال
۳ الغفاير جمع غفارة وهي الخرقة تلبسها المرأة فتغطي رأسها
ما قبل منه وما دَبَر غير وسطه
٤ الكباب جمع كب وهو شبيه بالبرنس الذي يلبس فوق الثياب
٥ البلدرانات لباس أندلسي شبيه بالبرانس أو المعاطف
٥٦٧
واختلفا أيضاً في النسيان والعمد أي من فعل شيئاً مما فيه
الفداء ناسياً من هذه أو ما أشبهها من اللباس فأما مالك
فالعَمْد عنده في ذلك والنسيان سواء عليه الفدية فيه
والشافعي لا يوجبها في النسيان
ومنع بقوله ولا العمائم كل ما جعل في الرأس بخياطة كان أو
بغير خياطة لأنه إذا منعنا الذي ليس بمخيط - وهي العمامة -
فمن باب أولى المخيط ولذلك نص العلماء على أن إحرام الرجل
في وجهه ورأسه أي لا يغطيهما بشيء فتكون العمائم التنبيه
بها من باب الأعلى لأنه أعلى ما يُستر به الرأسُ عند العرب
العمائم ليست على أي وجه كان بخلاف البدن لأنه إذا غطى
رأسه ولو بخرقة أو بعضه لزمه الفداء لأنه منع كل ما كان
بغير خياطة كما قدمناه فهو منع كلي سُمّي الذي جُعِل على
الرأس بأي اسم كان أو جُعِل على أي شكل كان
ومنع عليه السلام بقوله ولا الخفاف إلا أحدٌ لا يجد
نَعلَينِ فَلْيَلْبس خفَّينِ ولْيَقْطَعْهما أسفل من
الكعبين منع الخفاف وما أشبهها إذا جاوزت الكعبين على أي
نوع كان سُمّي بأي اسم وأن المستحب في ذلك النعلان وهما
اللذان لا كعب لهما معطوفاً مثل القُرْق ۱ أعني
السَّرْمُوجَة ٢ وما يشابهها من أنواع
ومنع عليه السلام بقوله ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه
زعفران أو ورس جميع الطيب لأنه أقل رائحةً من الطيب قبل أن
يُصبغ به فإذا صُبغ به كانت رائحته أقل وأقل فهو من باب
التنبيه بالأدنى على الأعلى
فيتحصل من الفقه بالمدلولات التي ذكرنا أن الحاج ممنوع من
جميع الطيب والزينة والرفاهية والتنعم قلّ ذلك أو كثر إلا
ما أحكمته السنة في ذلك من لباس الثوب الذي يستر العورة
ويقي البدن من الأذى على ما هو منصوص في كتب الفروع
وهنا بحث وهو أن المتكلم يخاطب السائل بحسب ما يعلم أنه
يفهم عنه يؤخذ ذلك من جواب سيدنا الأعرابي بما ذكر في
الحديث فلولا أنه عليه السلام فهم عنه ما بيناه لم يقتنع
منه بما في الحديث حتى يبالغ له في البيان
ويترتب عليه من الفقه أنه لا يجوز أن يُنظر في حديثه ل هول
و ولا في كتاب الله عزّ وجلّ إلا بما يقتضيه اللسان العربي
لا غير ولذلك قال تعالى ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ
بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَرُونَ ﴾ ۳ أي يفهمون بما
تقتضيه اللغة العربية فيحصل لهم فهم ما أريد منهم فيتذكرون
عند ذلك
۱ القَرْق وهو عند الأندلسيين يشبه الصندل وتكون قاعدته من
الفلين
السَّرْموجة غطاء من لباد للساق يلبس فوق القرق أو الخف أو
هي الخف الواسع الذي يلبس فوق الخفّ ۳ سورة الدخان من
الآية ٥٨
٥٦٨
جها
تبها
نعنا
وام
لأنه
طى منع
ي
نبيه
هيه
33
يقي
لم
3 2 3 "y,
بما
أي
وفيه دليل على البحث في جزئيات الدين يؤخذ ذلك من سؤال
السائل سيدنا عن هذه الجزئيات فجاوبه عليه السلام عليها
وجوابه على ذلك يقتضي جوازه ۱ وفيه دليل على جواز السؤال
في الدين وإن كان الشخص ممن لا يحتاج إلى ذلك في الوقت
يؤخذ ذلك من سؤال هذا عما يلبسه المُحرِم وهو في الوقت ليس
بمُحرِم ومن هذا ذكر أن الشافعي بات عند بعض الأئمة
المعاصرين له - وكان ذلك الإمام الغالب عليه التعبد ـ وإن
كان ذلك حال الأئمة أجمعين رضي الله عنهم فبات ذلك العالم
قائماً يصلي والشافعي مضطجعاً فلما أصبح قالت امرأة العالم
هذا هو الشافعي الذي تثني عليه بنَّ أنت قائماً تصلي وهو
مضطجع لم يتحرك ليلته فذكر ذلك للشافعي فقال له إني جمعت
البارحة في فكري ثمانين مسألة مستنبطة بالدليل والبرهان
فقال ذلك السيد لامرأته هذا الذي عِبْتِه بالاضطجاع استنبط
البارحة ثمانين مسألة مسألة واحدة منها خير من عبادتي كلها
فانظر فضل جميعهم وتناصفهم واحترامهم للعلم رحمهم الله وهو
الحق إذا كان الله
وهنا بحث وهو هل هذه الصفات التي كُلِّف الحاج بها من ترك
المخيط وترك الطيب وترك الرفاهية هل الحكمة فيها معروفة أو
تعبد لا يعقل له معنى فإن قلنا تعبّد فلا بحث وإن قلنا إن
قواعد الشريعة تنبني على نظر الحكمة فيها وقد أرشد الكتاب
العزيز إليها ولولاه ما كانت ايات كثيرة إذا نظر فيها لم
توجد الحكمة فيها ظاهرة ما قبل ذلك وهو قوله تعالى فيه ايت
بينت فإذا لا يُخص هذا اللفظ بشيء من آياته دون شيء أو
بجعله في المحسوس مثل ما قاله بعض الناس من كونها لم يَرَ
بها مجذوماً وما في رمي الجمار من كونها تُرمى في كل عام
ولا يوجد لها أثر فهذه مما هي البعض وفيها تنبيه لمن ينظر
ويتفكر يجدها عديدة وكلُّ يأخذ من عموم هذه الآي بحسب ما
يُفتح له من الفهم فإن الحكمة عجيبة
فمما يظهر بتوفيق الله من الحكمة وجهان
أحدهما وهو كونهم يمشون لكشف ما بهم من الأوزار والأثقال
ومن يمشي إلى مثل هذا الحال فيكون مشيه متذللاً خارجاً عن
حظوظ النفس التي أوقعته في ارتكاب الذنوب لأنه جاء عنه لما
قال مولانا جل جلاله للملائكة إِنِّي جَاعِلٌ فِي
الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن
يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ
بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا
لَا تَعْلَمُونَ ﴾ ۳
333
1 أي البحث في الجزئيات سورة ال عمران من الآية ۹۷ سورة
البقرة من الاية ۳۰
09
غضب الله عزّ وجلّ عليهم فطافوا بالعرش أسبوعاً واستغفروا
وتابوا فتاب بفضله عليهم ثم قال لهم ابنوا في الأرض بيتاً
يطوف به المذنبون من بني ادم فأتوب عليهم كما تبت عليكم
وأغفر لهم كما غفرت لكم فبنوا البيت ۱ فمن يأتي بهذه الصفة
ينبغي من طريق الحكمة
التناسب بين الحال والمقصد
أما ترى لما كان الخروج إلى العيد إلى طلب رحمته عزّ وجلّ
عقب خروجهم من العبادة المتقدمة - وهي الصوم - كانت بالطيب
وحسن الثياب موافقة لحال الاستقامة والامتثال لما به
أُمروا ولما كان الخروج إلى الاستسقاء خروجاً إلى كشف ما
نزل من الضر كان الخروج على هيئة تضرع ومسكنة من أجل ما
ارتكبوا من الذنوب لأنه جاء أن العبيد إذا أذنبوا منع الله
عزّ وجلّ المطر من أجل ذنوبهم فخرجوا في مَسْكَنَة وقشَف
من الحال حتى يكون رفع الأيدي بظهورها
إلى السماء رَهَباً من أجل تناسب الحال فكذلك هنا بل يكون
هذا أعظم لأن الطلب فيه أعظم وفيه وجه آخر لما كان فيه
شَبَه بالمحشر لأن المحشر يجتمع فيه الناس في يوم واحد من
كل الأرض وكما أن المحشر هو مواقف كذلك هنا مواقيت للجمار
ومواقيت للمبيت بمنى وبالمزدلفة إلى غير ذلك كما أن الخروج
من هذه الدار ومفارقة الأهل والمال وليس له من ذلك كله إلا
قدر زاده إلى الآخرة من الكفن وما يتجهز به كذلك الحاج
مفارقته للأهل والوطن الذي قد جعل مقروناً بالموت لقوله
عزّ وجلّ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ
اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَرِكُم مَّا
فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ۳ وكذلك ليس له من ماله
إلا قدر زاده لسفره وهذا على الغالب من ﴾ عادات الناس
والغير يتركه كله
ε
وكما له بعد الموت مواقف دون القيامة وأهوال يخلص الله
منها من يشاء أو يُهلك فيها من يشاء كذلك طريق الحج ما فيه
من المكابدة وقد قال الله تعالى لَمْ تَكُونُواْ بَلِفِيهِ
إِلَّا بِشِقِّ الأَنفُسِ ٤ ومن الناس من يَهْلِك في طريق
الحج كما يهلك هناك غير أن بين الهلاكينِ فَرْقاً ما لأن
الهلاك هنا يذهب بالروح من الجسد وقد تكون فيه سعادته
وهناك بكثرة الأهوال وعدم التخلص منها فهو هلاك شقاوة
وخسران غير أنه هناك يقفون عراة وقد كانوا يقفون قبل
الإسلام عراة إلا أنه أحكمت السنة هنا نوعاً من اللباس من
أجل ستر العورة لأن ذلك الهول هناك يمنع أن
1 لم نقف على مصدره
القشف المذلة ۳ سورة النساء من الآية ٦٦
٤ سورة النحل من الآية ٧
۵۷۰
ليهم
یکم
حكمة
لعبادة
مروا
ضرع
عنهم
ورها
ـد من
یعنی کله
جعل
من
ف
شرقاً
عدم
ينظر أحد عورة أحد وليس هنا مانع من النظر فأمر بسترها
هناك لا طيب فيه لأحد وهنا مثله وهناك الأمر فيه والحكم
الله لا لغيره وذهبت الدعاوى كلها كذلك هنا فيها يرجى من
المغفرة لا حيلة في ذلك لأحد الكل مستسلمون ينتظرون ما
يحكم الله عزّ وجلّ فيهم وقد أخبر عن بعض المباركين أنه
لما أن حج وفرغ غلبت عيناه فنام فرأى كأن ملكين نزلا من
السماء فقال أحدهما للآخر كم حج بيت ربنا العام قال له
ستمائة ألف قال كم قبل منهم قال ستة فاستيقظ مذعوراً وقال
مَن لي حتى أكون واحداً من ستة ثم نام ثانياً فرأى الملكين
قد نزلا وأعادا السؤال الأول ثم الثالثة مثل ذلك فقال له
فما فعل ربنا في الباقين قال شَفّع كلَّ واحد منهم في مائة
ألف واستيقظ فرحان فجاء الشبه على هذه الحكاية مثل القيامة
ناج وضده
ومقبول وغير مقبول ومشفوع فيه وشافع لكن بإذنه وفضله وقد
يكون للمجموع ويترتب عليه من معرفة الحكمة أنه لا يُنال
الخطير من القُرَب إلا بالخطير من المجاهدات والتعبدات
لأنه لما كان هذا موطناً تغفر فيه الجرائم العظام كما جاء
عنه أنه لم يُرَ الشيطان أصغَرَ ولا أحقَرَ من يوم عَرَفة
لما يعاين من تجاوز الله عن الكبائر العظام يحثو التراب
على رأسه ويقول قوم قد فتنتهم منذ خمسين أو أربعين سنة ثم
غُفِر لهم في ساعة ۱ أو كما قال عليه السلام فالوصول إلى
هذا ليس بالهين بل بالجهد العظيم إلا من مَنّ الله عليه
بالتيسير من طريق الفضل
وفيه تنبيه على أن يتذكر به ذلك الموقف الذي يشبهه فيكون
سبباً لصدق اللجأ إلى المولى الكريم وكثرة الرغبة إليه
وإظهار الافتقار الذي به يرجى الخير كله لقوله تعالى أمَّن
يُجيب الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ٢ وهو سبحانه لا يُخلف
الميعاد
جعلنا الله ممن مَنّ عليه بفضله بلا محنة لا ربّ سواه وصلى
الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً
اعلام
أن
1 رواه الإمام مالك في الموطأ مرسلاً قال الزرقاني وصله
الحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء رضي الله عنه وأوله ما
رئي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أغيظ منه في
يوم عرفة الخ
سورة النمل من الآية ٦٢
۵۷۱
حديث جواز الشرب من السقاية
عن ابن عبّاس رضيَ الله عَنهُما أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم جاء إلى السقاية ۱ فاستقى فَقالَ العبّاسُ يا
فَضلُ اذْهَب إِلى أَمْكَ فَانتِ رَسولَ الله بِشرابِ مِن
عِندِها فَقال اسقني فقال يا رسول الله إنّهُم يَجعلون
أيديهم فيهِ قَالَ اسقِني فَشَرِبَ منهُ ثُمَّ أَتى زمزم
وهم يَسقُونَ ويَعمَلونَ فيها فقال اعملوا فإنَّكُم على
عمل صالح ثُمَّ قَالَ لَولا أن تُغلبوا لنزلتُ حتَّى أضعَ
الحَبل على هذِهِ يَعني عاتقه وَأشار إلى عاتِقِهِ
6
ظاهر الحديث يدل على طهارة الماء المستعمل وهو مذهب مالك
رحمه الله ويدل على طهارة المؤمنين ومدح أفعال البر للذين
يفعلونها فأما طهارة المؤمنين والماء فلكون النبي شرب من
السقاية بعد أن أخبر أن الناس يضعون فيها أيديهم وإن كان
وقوع النجاسة يتطرق بالاحتمال لبعضهم بعلمٍ منه أو بغير
علم فبين الله بشربه أن الممكن في هذا الموطن وما أشبهه من
المياه وما يمكن أن يكون قد خالطها من طريق الاحتمال لا
يُلتفت إليه وإنما يُعمَل على ما تحقق من ذلك وأن الأصل
البراءة فيعمل عليه وأن الماء طاهر في ذاته كما جاء في بئر
بضاعة ۳ الذي كان يُرمى فيه خرق الحيض وكان مستقذراً في
الظاهر فسئل عنه عليه السلام فقال خلق الله الماء طهوراً
لا ينجسه شيءٌ إلا ما غَيَّرَ طَعْمَه أو لونه ۳ فطرد
القاعدة وألزمها استصحاب
1 السقاية موضع السقي والإناء الذي يسقى به بئر بضاعة بضم
الباء وقد كسره بعضهم وهي دار بني ساعدة في المدينة
المنورة وبئرها معروفة وفي الخبر أن النبي أتى بئر بضاعة
فتوضأ من الدلو وردّها إلى البئر وبصق فيها وشرب من مائها
وكان إذا مرض المريض في أيامه يقول اغسلوني من ماء بضاعة
فيُغسَل فكأنما أنشط من عقال وقالت أسماء بنت
أبي بكر كنا نغسل المرضى من بئر بضاعة ثلاثة أيام
فيُعافَون بإذن الله انظر معجم البلدان ٤٤٣/١ ۳ لفظ الحديث
إن الماء طهور لا يُنجسه شيء أخرجه الإمام أحمد وأبو داود
والترمذي والنسائي عن أبي سعيد
رضي
الله عنه
۵۷
ن
الحكم وعلى هذا أجاز الفقهاء الوضوء من الجوابي التي على
الطرق والدواب تشرب منها ويخالطها ما في أنوفها من القذر
إلى غير ذلك مما في أيدي الناس وأرجلهم من الغبار واحتمال
النجاسة أن تكون حلّت فيه
الفقهاء
وفيه دليل على طلب شرب الماء وإن كان في الحَضَر وليس
كغيره وقد ذكر ذلك بعض
وفيه دليل على أن ما جُعِل في السبيل ولم يُسمَّ بصدقة أنه
حلال للغني والفقير وليس بصدقة ولا يتعيّن على أحد فيه منة
يؤخذ ذلك من أن النبي شراب او امن عمل هؤلاء أهل السقاية
وهم الكل خرجوا عنه الله فلو كان يجري مجرى الصدقة لما
شربه هو فإن الصدقة عليه حرام وكذلك لو كان فيه مكروه ما
فعله يؤخذ ذلك من كونه عليه السلام جاء بنفسه المكرمة إلى
السقاية فاستسقى
وفيه دليل على جواز جواب السائل بأعلى مما طلبه على ما
يراه المطلوب منه يؤخذ ذلك من
قول العباس بدلاً من أن يعطي قال للفضل اذهب إلى أمكَ
فَائتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب وفيه دليل على
جواز ذكر النساء بمحضر أهل الفضل وجمع الناس وليس في ذلك
مكروه يؤخذ ذلك من قوله اذهب إلى أمك بحضرة النبي الله ومن
معه ولم يعتب عليه النبي ل وما قال له في ذلك شيئاً وجرت
عادة بعض الناس اليوم إذا ذكروا النساء ذكروا بعد ذلك
حاشاك وجعلوها من الأدب بل هي من البدع
وفيه دليل على جواز تبريد الماء يؤخذ ذلك من قوله اذهب إلى
أمك فائت بشراب لأن ماء الحجاز إذا عَرب ۱ برد وطاب فلو لم
يكن جائزاً ما فعله العباس ولا سكت له النبي
حين سمعه
ويؤخذ منه أن الذي يقصد وجهاً ما في حاجته ليس عليه بيانها
يؤخذ ذلك من أن النبي لم يمنعه من قبول ما أمر العباس به
ابنه من إتيانه بالماء إلا ما قصد هو من تقعيد قاعدة شرعية
- كما قدمنا ذكرها - من طهارة الماء المستعمل وغيرها
وزيادة على ذلك رفع التكلف وهي الله عنها ما خُيّر رسول
الله صلى الله عليه وسلم بين أمرَينِ إلا اختار
طريقته عليه السلام لقول عائشة رضي
أيسرهما ما لم يكن إثما ٢
۱ عَرِب الماء صفا وكثر
عليه وهو جزء من حديث وتمامه فإن كان إثماً كان أبعد الناس
عنه وما انتقم رسول الله له لنفسه
في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم
۵۷۳
وفيه دليل لأهل الصوفة الذين يقولون بترك التكلف
وفيه دليل على أنه إذا اجتمع حظ النفس وأمرُ ما فى الدين -
ولو كان مندوباً - قدم الدين يؤخذ ذلك من أن شرب الماء
البارد فيه راحة للنفس والشرب من السقاية فيه من الفوائد
الدينية ما ذكرناه فآثر هو الله ما هو للدِّين على ما هو
للنفس وقد نص عليه السلام على ذلك فقال
أنتم في زمان يُبدون أعمالهم قبل أهوائهم وسيأتي زمان
يُبدون أهواءهم قبل أعمالهم 1 وما قلنا إنه من قصد مقصداً
في فعله لا يلزمه ذلك - بمقتضى ما قدمناه ـ هل يعارضنا
قوله عليه السلام حين صلى بوضوء واحد الظهر والعصر ولم تكن
عادته عليه السلام قبلُ إلا الله عنه فقال عليه السلام
عمداً فَعَلْتُه يا عمر الوضوء لكل صلاة فذكره عمرُ رضي
فالجواب عن الفرق بين المسألتين أن تلك كانت له عادة فذكره
عمر من أجل احتمال النسيان فحينئذ جاوبه عليه السلام لرفع
الإشكال وهنا لم تكن عادةً متقدمة يقع من أجلها إشكال ففعل
ولم يقل لعلمه أن فعله في التعليم أبلغ وأثبت
وفيه دليل على أن المرأة هي المتصرفة فيما في البيت يؤخذ
ذلك من قول العباس اذهب إلى أمك فلو لم يكن الحكم والتصرف
لها لقال له اذهب أنت إلى الموضع الفلاني أو إلى الشخص
الفلاني الذي يكون له التصرف ويؤخذ منه الندب إلى مشاركة
الأهل في المعروف يؤخذ ذلك من قوله لابنه اذهب إلى أمك
فائت رسول الله له بشراب لكي يخبرها فيحصل لها نية في
تحسين الشراب وتنظيف الإناء فيكون لها في ذلك أجر وسرور
وفيه من الأدب أن يُكنَى عن الشخص بأعلى أسمائه يؤخذ ذلك
من قوله ائت رسول الله
لأنه أعلى أسمائه عليه السلام ولم يقل ابن أخي ولا غير ذلك
وفيه دليل على أن الاختصار في الجواب والسؤال إذا فُهِم
المقصود هو الأولى يؤخذ
ذلك من قوله حين ذكر له أنهم يجعلون أيديهم فيه اسْقني ولم
يَزِد على ذلك شيئاً وفيه دليل على أن من السنة الانصراف
عند الفراغ من الشراب أو الأكل يؤخذ ذلك من قوله فشرب منه
ثم أتى زمزم أي تحوّل بعد شربه منه إلى أن مشى إلى زمزم
ومن المعروف إثباغ
1 لم نقف على مصدره هكذا وقد تقدم الكلام عنه في الحديث ١٤
فليراجع ونصه كما ورد إنكم أصبحتم في زمن كثير فقهاؤه قليل
قراؤه وخطباؤه قليل سائلوه كثيرٌ مُغطوه العمل فيه خيرٌ من
العلم وسيأتي على
الناس زمان قليل فقهاؤه كثيرٌ خطباؤه قليل معطوه كثيرٌ
سائلوه والعلم فيه خير من العمل هكذا قال الشارح رحمه الله
تعالى والذي في الصحيح أن النبى الله صلى الصلوات يوم
الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال عمر لقد صنعت اليوم
شيئاً لم تكن تصنعه فقال عليه السلام عمداً صنعته يا عمر
رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي
٥٧٤
المعروف بالمعروف لأنه عليه السلام مشى من هنا بعدما قعد
أحكاماً ـ كما ذكرنا - إلى موضع آخر وإن كان الحكم فيهما
سواء لأن هؤلاء يسقون فيكون مشيه عليه السلام لهؤلاء
الآخرين لإدخال السرور عليهم لأنه عليه السلام لو لم يمش
لهؤلاء لبقيت قلوبهم منكسرة وكان الناس أيضاً يفضلون
السقاية على زمزم يقولون النبي ما أتى السقاية ولم يأتِ
زمزم فجاء مشيه عليه السلام إلى هؤلاء معروفاً ثانياً
وقوله فقال اعملوا فإنكم على عمل صالح يؤخذ منه ندب العمل
لأهله إذا كانوا يعملونه كما قدمناه أولاً وفيه من الفائدة
أنه تنشيط للعامل على عمله وترغيب له فيه وقد قال عزّ وجلّ
وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالنَّقَوَىٰ ۱ بخلاف مدح
الشخص لقوله عليه السلام قطعتم ظهر الرجل لأن مدح ال قد
يحصل منه العُجب وهو سُمّ قاتل ومدح العمل ليس فيه ذلك بل
هو كما ذكرناه ترغيب فيه مثال ذلك إذا رأيت شخصاً يصوم
تَذكُر له ما جاء في الصوم أو يجاهد تذكر ما جاء في الجهاد
فذلك تقوية له على ما هو بسبيله وقوله على عمل صالح أي
تُثابون عليه لأن الأعمال الصالحات فائدتها ما يترتب
عليها من الثواب
وفيه جواز ترك العمل ما لم يكن فرضاً لما يترتب عليه من
منع توفيته أو مكروه يقع من أجله يؤخذ ذلك من قوله عليه
السلام لولا أن تُغلَبوا لَنزلتُ حتى أضعَ الحبل على هذه
فبيّن عليه السلام أنه ما منعه من الفعل إلا أنهم يُغلبون
عليه حتى لا يتركوه وقد يحصل لبعضهم من الازدحام عليه من
أجل ما يرغبون فيه أذى
وفيه دليل على طلب التبرك بالمباركين يؤخذ ذلك من أنهم لم
يكونوا يأخذون الحبل معه عليه السلام إلا أنهم يرغبون في
البركة التي تحصل لهم من اجتماعهم معه عليه السلام في
حَبْل واحد فإنه يرجى من الكريم إذا قبل عملَ من له عنده
حُرمة لا يترك ۳ من كان معه فيه مشاركاً كيف وقد قيل هُمُ
القومُ لا يَشقَى بهم جَليسُهم فهذا بالمجالسة فكيف
بالمشاركة
ويترتب على هذا بحث يَحُضّ على مخالطة أهل الفضل في كل
الأحوال رجاءَ الفضل من فضلهم لأنهم ما جُعِلوا إلا رحمة
فينبغي أن نغتنم تلك الرحمة من واهبها ولذلك فاق أهل
الصوفة الناسَ في هذا التحسين في ظن بعضهم ببعض
1 سورة المائدة من الآية ٢
رواه البخاري في الشهادات ومسلم في الزهد عن أبي موسى
٥٧٥
يريد ألا يترك
وقد دخلت قرية بالأندلس تسمى بَلْفِيق ۱ وكانت موطن الشيخ
المبارك أبي إسحاق
نفع الله به وبأمثاله فلا تمشي فيها تسأل أحداً منهم عن
أحد أين هو إلا أن يكون جوابه عن ذلك الشخص سيدي فلان نفع
الله به في الموضع الفلاني هذا في غيبة الشخص وأما بحضرته
فلا يزيد أحد منهم لأحد على السلام الشرعي شيئا وإن ناداه
باسمه لا يزيد عليه شيئاً هكذا رأيتهم
مدة ما كنت معهم لم يتغيروا عنه وفيه دليل على الكلام
بالإشارة وليس من العِي يؤخذ ذلك من قوله على هذه وأشار
إلى عاتقه
وفيه دليل على أن إشارة ذي الفضل ليس فيها اعتراض عليهم
ولا تنقص بهم ولا خلل في منزلتهم يؤخذ ذلك من إشارته عليه
السلام إلى عاتقه وفيه دليل على أن الحكم للمعاني لا لظاهر
الألفاظ يؤخذ ذلك من أن إشارته عليه
السلام إنما باشر بظاهرها الثوب الذي على العاتق والمعني
بها العاتق الذي تحته وفيه دليل لأهل الإشارات وأن الإبلاغ
فيها فيما خفي ودَقَّ يؤخذ ذلك من فعله عليه السلام ما
تقدم ذكره من الإشارة إلى العاتق والمقصود تلك النفس
المباركة
وهنا بحث وهو لم قال لأهل زمزم اعملوا فإنكم على عمل صالح
وقال في الصلاة أفضلُ الصَّلاةِ صلاة المرء في بيته إلا
المكتوبة ۳ فوجه الفقه في ذلك أنه ما كان من النوافل من
جميع الخير يمكن فيها الإخفاء والإظهار فالإخفاء أفضل وما
كان منها لا يمكن بالوضع إخفاؤه كمثل السقاية وتدريس العلم
والجهاد وما أشبه ذلك فالأفضلية فيه بتعدي النية فيه لقوله
عليه السلام أوقع الله أجره على قدر نيته ٤
ومن أجل هذا الشأن فضل أهل السلوك غيرهم لأنهم ناظرون
أبداً في ترفيع أعمالهم إما بالنية أو بالقول أو بالفعل أو
بالزمان أو بالمكان أو بالمجموع ولذلك قال كفى بالعبادة
۱ بلفيق قرية أندلسية من إقليم المريَّة ويروي التلمساني
في نفح الطيب أن بلفيق وأندرش لم ترتدا عن الإسلام بعد
خروج المسلمين من الأندلس وذبح سكانهما عن بكرة أبيهم أيام
محاكم التفتيش أبو إسحاق هو إبراهيم بن مسعود الألبيري
شاعر أندلسي وفقيه زاهد اشتهر بغرناطة وأنكر على ملكها
كونه استوزر ابن نغزلة اليهودي فنفي إلى البيرة فثارت
صنهاجة على اليهودي وقتلوه له ديوان شعر معظمه في الزهد ت
٤٦٠هـ / ١٠٦٨م
۳ جزء من حديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن
زيد بن ثابت رضي الله عنه ٤ جزء من حديث طويل رواه الإمام
مالك والإمام أحمد وأبو داود والنسائي في الجنائز
٥٧٦
لا
شغلاً 1 لأن صاحب هذا الشأن مثل تاجر الدنيا على معظم ما
معه من المال لا يزال في تنميته بجميع وجوه التنمية فكذلك
أهل المعاملات مع مولاهم ليس لهم شغل ولا قرة عين إلا فيما
فيه
رضاؤه عزّ وجلّ
ولبعضهم إن العين إذا لم تَرَكُم لم تَرَ شيئاً يسرها وإذا
أبصَرَتْكم لم تَرَ شيئاً يَسوؤُها فتجلي جلالكم جَبْرُ
كَسْرِها كجبر غيث السماء في جذب أرضها فيحرمة ما تعلمون
من ضعفها
فلطفكم جبرٌ لِرَهَف حالها
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 جزء من حديث رواه البيهقي في شعب الإيمان وأوله كفى
بالموت واعظاً وكفى باليقين غنى إلخ
۵۷۷
حديث تقديم صلاة الفجر بالمزدلفة يوم النحر
عَن عبد الله بن مسعود رضيَ الله عَنهُ قالَ ما رأيتُ
رَسولَ الله صَلَّى الله علَيهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلاةٌ
لِغَير ميقاتها إلا صلاتينِ جَمعَ بينَ المَغربِ وَالعِشاء
وصَلَّى الفَجْرَ قَبلَ ميقاتِها
وَذلِكَ في الحَج
*
*
ظاهره يدل على إيقاع هاتين الصلاتين في غير وقتيهما وليس
على ظاهره بدليل أن أوقات الصلوات قد حدّها جبريل عليه
السلام للنبي الله وقال ما بين هذين وقت ۱ ولكن لما كانت
عادته عليه السلام في صلاة الصبح أنه ما يصليها إلا بعد
الفجر بهنيهة كما جاء أنه عليه السلام كان يصليها بغَلَس -
والغَلَس بقية من ظلمة الليل - وفي المزدلفة عند أول
انشقاق الفجر ٣ فأخرجها - يعني وقوع الصلاة نفسها ـ عن
الوقت الذي كان يوقعها فيه كما تقدم ولذلك ذكر أنه لما
حجّت ميمونة رضي الله عنها زوج النبي بعد وفاته مع الله
عنه فلما كان في الصبح من ليلة المزدلفة عند أول انشقاق
الفجر قالت إن كان عثمان يوافق السنة فنصلي الآن فلم تتم
الكلام إلا والمؤذن يقيمُ الصّلاة وأما صلاة المغرب فكانت
عادته عليه السلام يصليها أول الوقت 4 وكذلك صلاها
رضي
عثمان
۱ قطعة من حديث طويل رواه الإمام الشافعي وأحمد وأبو داود
والترمذي وابن خزيمة والدارقطني والحاكم عن ابن عباس رضي
الله عنهما انظر فتح الباري ۹/ صلاة رسول الله له بغلس
رواها البخاري في مواقيت الصلاة باب وقت المغرب وباب وقت
العشاء ورواه مسلم رقم / ٦٤٦ / في المساجد من حديث جابر
رضي الله عنه مرفوعاً
۳ صلاة رسول الله لها في المزدلفة رواها مسلم من حديث جابر
رضي الله عنه في حجة النبي رقم ۱۱۸ ورواها البخاري ومسلم
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ٤ رواه مسلم عن أبي
موسى الأشعري رضي الله عنه رقم ٦١٤ وعن بريدة رقم ٦١٣
ورواه أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما رقم ۳۹۳
والترمذي رقم ١٤٩ وفيه إمامة جبريل للنبي عليه السلام
۵۷۸
به
جبريل عليه السير جمع بين الصلاتين المشتركتين الظهر
والعصر والمغرب والعِشاء وكانت سنته عليه السلام في الجمع
إن كان رحيله قبل وقت الأولى أخرها حتى يصليها مع الأخرى
وإن كان رحيله بعد دخول وقت الأولى صلاهما معاً في أول وقت
الأولى ۳
فجاء عند نفوره عليه السلام من عَرَفة بعد دخول الوقت فنفر
بالناس فقال له
أسامة رضي الله عنه الصلاة يا رسول الله فقال له الصلاة
أمامك ٤ ٤ - يعني - يعني وَقتُ وقوعها موضعه أمامك - حتى
وصل المزدَلِفَة فصلى المغرب والرواحلُ قائمة ثم حَط
الرحالَ وصَلوا العشاء فجاء في هذه الصلاة تغييرات مما
كانت عادته عليه السلام أنه يصلّي إذا جمع في السفر وقد
دخل وقت الأولى الصلاتين معاً - كما ذكرنا - فصَدَق ما
قاله الراوي لأنه صلاها في غير وقتها
وزيادة على غير الصفة المعهودة كما ذكرنا
وهنا بحث وهو هل هذه الصفة التي جعلها و في هاتين الصلاتين
تعبد لا تُعقل حكمته أو الحكمة فيه معقولة فالجواب أن
الحكمة - والله أعلم - معقولة لأنا إذا علمنا ما الحكمة في
كونه عليه السلام كان يجمع إذا جَدّ به السير علمنا ما
الحكمة هنا وقد ثبت أنه عليه السلام لم يكن يجمع إلا إذا
جدَّ به السَّير لأمر يخاف فواته فهو من قبيل الرفق بأمته
ولوجه اخر وهو من أجل جمعية الباطن في الصلاة لأن من يكون
قلبه متعلقاً بأمر يفوته قل ما يكون مع ذلك حضورٌ هذا في
حق غيره لأنه عليه السلام عند رؤية تلك الآيات العظام في
عالم الملكوت كان كما أخبر الله عزّ وجلّ عنه بقوله مَا
زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ٥ فكيف هنا فنجد في هذا
الموطن إذا تأملناه التشويش بالنسبة للغير أكثر لكثرة
الناس وما هم فيه من الدهشة
1 رواه البخاري في مواقيت الصلاة ومسلم من حديث جابر رضي
الله عنه أنه عليه السلام كان يصلي المغرب إذا رواه
البخاري ومسلم من حديث أنس وابن عباس رضي الله عنهم ومسلم
من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه
وجبت الشمس
والشيخان من حديث ابن عمر رضي الله عنهما
۳ رواه مسلم من حديث معاذ باب الجمع بين الصلاتين في الحضر
وأبو داود والترمذي وفيه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر
والعصر فإن رحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل
للعصر وفي المغرب مثل ذلك إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع
بين المغرب والعشاء
فإذا ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء
ثم يجمع بينهما ٤ رواه البخاري في الوضوء ومسلم في الحج
باب الإفاضة من عرفات إلى مزدلفة
0
سورة النجم من الاية ۱۷
۵۷۹
وفيه أيضاً استدراك أمر يُخاف فواتُه وهو تمام هذا الركن
العظيم الذي مدار الحج كله عليه لقوله عليه السلام الحَجَّ
عَرَفة ۱ أي معظم الحج عَرَفة وباقي الليلة له فلا يتم
المقصود فيه بتمامه إلا بالخروج من محله وبقعته فتسكن
النفس عند فوزها بهذا الخير العظيم وتستقبل ذلك الركن الذي
يليه وهو المبيت بالمزلفة بعبادتين وهما أداء فرضين في وقت
واحد وتوسعة أيضاً كما قلنا - في الجمع بين الصلاتين عند
جَدّ السَّير لكون الناس في ذلك الوقت قد تتعذر عليهم
الطهارة أيضاً إلى غير ذلك من الضرورات وكان عليه السلام
بالمؤمنين رحيماً وتأمل ذلك المعنى الذي أشرنا إليه تجده
لأنه ترفيع أيضاً للركن الذي يلي عرفة وهو المزدلفة لكونه
أول عمل يعمل فيها صلاة المغرب قبل حط الرواحل ليكون
استفتاح الشغل بها عبادة كبرى وهي أداء صلاة المغرب وقد
جاء في فضلها ما جاء
وفيه دليل على ما يقوله العلماء أن القاعدة الشرعية إذا
جاء ما يعارضها يُتأول يؤخذ ذلك من أن الصحابي رضي الله
عنه لما عرف أن قد ثبتت أوقات الصلوات ولا يدخلها نسخ بعد
ثَبَتَتْ وفاته أطلق اللفظ بأن قال صلى صلاة لغير وقتها
لعلمه بأن القاعدة لا يدخلها نسخ فلا يقع إشكال على أحد
بإطلاق لفظه
وفيه دليل على أن من داوم على شيءٍ عُرف به وإن خالفه يجوز
الإخبار عنه أنه قد خرج عما كان عليه وإن كانت اللغة أو
الشريعة لم تخرجه عن ذلك بمدلولاتها يؤخذ ذلك من كون النبي
كانت له عادة في صلاة الصبح لم يكن يخرج عنها وكذلك في
الجمع في السفر فلما خرج هنا عن تينك العادتين - كما ذكرنا
- وإن كان دلالة الشرع لم تخرجه حقيقة عنها أطلق الصحابي
رضي الله عنه أنه صلاها في غير وقتها
وفيه دليل على جواز الإخبار باللفظ المحتمل ولا يبين ماذا
أراد منهما بصيغة ما يؤخذ ذلك من قول الصحابي رضي الله عنه
صلاها لغير ميقاتها وهو لفظ محتمل أن يريد وقتها المفروض
لها أو وقتها على جري العادة في إيقاعها ولم يأت في اللفظ
بما يدل على واحد منهما وفيه دليل على أن ثبوت العمل
يُستَغنَى به عن تخصيص المحتمل يؤخذ ذلك من أنه لما كان
فعله في الحج معروفاً عندهم وعلته لا تَخفَى عليهم أجمَلَ
لهم اللفظ بقوله صلى صلاة
لغير ميقاتها
وفيه دليل على أن من الدين ذكرَ الحكم في الدين والتحدث به
وإن كان شائعاً بحيث لا
۱ رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عبد
الرحمن بن يعمر الديلمي وتتمته من جاء ليلة جمع قبل طلوع
الفجر فقد أدرك الحج أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا
إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه
۵۸۰
يخفى يؤخذ ذلك من كون هذه الصلاة عن سيدنا مشهورة والعمل
عليها لم ينقطع إلى هَلُمَّ
جَراً وعبد الله بن مسعود يتحدث فيها
وقد كنت لقيت بعض السادة في العلم والعمل فإذا اتفق
اجتماعهم يوماً ما عند بعضهم لم يكن حديثهم إلا في مسائل
الدين أو في أحوال القوم ليس إلا ومثل ذلك كان المروي عن
الصحابة والسلف رضي الله عنهم أنهم إذا تلاقوا يقولون
تعالَ نُؤْمِنُ أي نتحدث في مسائل الإيمان لأن كل شيء إذا
كَثر الكلام فيه قد يحصل فيه ملل في بعض الأوقات أو ضيق
صدر في وقت ما إلا الكلام في الإيمان وفروعه وأحوال أهله
فإن ذلك عند أهل التحقيق يزيد به إيمانهم مثل العلم إذا
أنفق منه زاد وغيرُه إِذا أُنفق منه نَقَص
فعليك برأس مال إذا أنفقت منه زادَ ونَما وتَرفَّه به غيرك
واستغْنَى ولم ينقصك شيئاً ولذلك قال بعض الحكماء أعطِيةُ
العالم ربانية يعطيك الشيء برمته ولا يَنقُص مما عنده شيء
لأنه إذا عَلَّمك العلم قد قد حصل عندك جميع ما كان يعرفه
ولم ينقص له مما عنده شيء بل زاده تجديداً فإن ذكرَ العِلم
زيادة تنبيه له مع زيادة الأجر الذي هو خير من الكل
وفيه من الفقه أن روايته - وإن كان العمل ثابتاً ظاهراً -
أقطع لحجة الخصم وأثبت إذ إنّ ذلك كان حكم الله على لسان
رسوله ونقل عدل عن عدل فلو لم يكن هذا الإمام يتحدث بهذا
الحديث - وإن كان العمل باقياً عليه من أي طريق - كنا نحن
نقطع بأن هذه هي سنة رسول الله الله للخصم إذا جاءه أو
للنفس إذا أرادت الوقوف على حقيقة دينها وقد قيل في الدين
كن مجتهداً ولا تأخذه إلا من أصل كتاب الله وسنة نبيه له
وإجماع وقياس إن عرفت شرطه وخامس ليس طريقه العدول عن
القياس إلى الاستحسان وإنما طريقه المصالح المرسلة كما هو
مذهب المالكية ١
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
الـ ۱ الأصل الخامس عند الحنابلة هو الاستحسان ويعرفونه
بأنه العدول بحكم المسألة عن نظائرها بدليل شرعي وعند
المالكية الأصل الخامس هو المصالح المرسلة ويعرفونها بأنها
المُطلقة عن النصوص الخاصة ولها أصل في النصوص العامة في
الشريعة من كتاب وسنة ومن أمثلة المصالح المرسلة عندهم جمع
القرآن في مصحف واحد وقتل الجماعة بالواحد ومصادرة أموال
الولاة إذا استغلوا مراكزهم وتوريث مطلقة الفار الذي يطلق
زوجته في مرضه فراراً من إرثها وجواز تنصيب الأمثل للإمامة
ولو لم يكن مجتهداً وجواز أخذ أكثر من نصاب الزكاة لسدّ
حاجات المسلمين إذن طريق الأصل الخامس عند المالكية هو
المصالح المرسلة وهي كل ما فيه دفع ضرر أو جلب مصلحة أو
رفع حرج عن الأمة
۵۸۱
حديث الصدقة بجلال البذن التي تُنحَر وجلودها
عَن عَليَّ ١ رَضِيَ الله عَنهُ وكَرَّمَ الله وجههُ قالَ
أَمَرني رَسُولُ الله أن
أتَصدَّقَ بِجلال البُدْنِ التي نُحِرَت وَبِجُلودِها
* *
ظاهر الحديث يدل على الأمر بالصدقة بجلود البدن وجلالها
والكلام عليه من وجوه منها هل الأمر على الندب أو على
الوجوب وما الفائدة في إخبار الإمام بذلك وما الحكمة بأن
خَص النبي بذلك عَلِيّاً رضي الله عنه
فأما الجواب عن الأمر فهو على الندب لوجهين أحدهما أن
الصدقة من الهَدْي وإنما هي على طريق الندب بتقرير ذلك من
السنَّة فلا تكون صدقة الجِلال أعلى منها و الوجه الآخر أن
جَعَلَ الجِلال التي تُكسَى بها البُدْنُ ليست مثل الجلود
فإن الجلود حكمها مثل حكم البُدْنِ من وجوب أو ندب إذا
كانت واجبة أو ندباً على أحد الاحتمالين فليست الجلود تختص
بحكم
۱ علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي أبو الحسن
أمير المؤمنين رابع الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين
وابن عم النبي وصهره وأحد الشجعان الأبطال ومن أكابر
العلماء والخطباء والقضاة وأول الناس إسلاماً بعد خديجة
ولد بمكة وربي في حجر النبي ا ا وكان اللواء بيده في أكثر
الله
المشاهد ولما اخى النبي عليه السلام بين أصحابه قال له أنت
أخي ولي الخلافة بعد مقتل عثمان رضي عنه سنة ٣٥هـ وكثرت
الفتن في أيامه وانقلبت إلى حروب منها وقعة الجمل و صفين
ثم كانت حادثة التحكيم وبعدها انشق المسلمون ثلاثة أقسام
الأول بايع معاوية رضي الله عنه وهم أهل الشام والثاني
حافظ على بيعة علي رضي الله عنه وهم أهل الكوفة والثالث
اعتزلهما وخرج على عليّ لرضاه بالتحكيم فكانت معركة
النهروان وكفر الخوارج علياً رضي الله عنه ودعوه إلى
التوبة فقاتلهم واغتاله عبد الرحمن بن ملجم المرادي
الخارجي وهو يصلي في ۱۷ رمضان سنة ٤٠ هـ ٦٦١ م رضي الله
عنه وكرّم وجهه ٤٠هـ / الجلال مفردها الجَلَّ وهو ما تغطى
به الدابة لتصان والبدن مفردها بَدَنة وهي ناقة أو بقرة
تنحر بمكة قرباناً ومنه قوله تعالى والبُدْنَ جَعَلْنَهَا
لَكُم مِّن شَعَدِيرِ اللهِ
۵۸
وحدها دون اللحم فإن كانت البَدَنَة مما لا يجوز لصاحبها
الأكل منها فلا يجوز له بيعها أعني الجلود ولا الانتفاع
بها والذي لا يجوز لصاحبها أن يأكل منها أربعة نذر
المساكين وهدي التطوع إذا عطب قبل محله وفداء الصيد وفدية
الأذى ويأكل مما سوى ذلك فجلود هذه
الأربعة مثل لحومها
ولم يرو عن أحد من السلف - فيما أعلم - وجوب الصدقة
بجلالها ولا وجوب تجليلها لأنهم قد نصوا على أن من تعظيم
الشعائر تجليل البدن وتحسين الجلال وتعظيم الشعائر من
المندوب وإن كانت البدن مما عدا هذه الأربعة المذكورة
فالتصدق منها من المندوب أيضاً فأعظم ما تكون الجلود
والجلال - فيما عدا الأربعة المتقدم ذكرها - أن يكون حكمها
حكم اللحم فتكون ندباً لا وجوباً ولا نقول لعلها كانت من
الواجب الذي لا يؤكل منها فيكون هذا تنبيهاً بأن تلحق
الجلود والجلال باللحم لأنه إذا أطلق لفظ البُدْن دون
تقييد فإنما يُحمل على ما هو الغالب فيها وهو الذي على
طريق التطوع لأنه الأصل في ذلك الاسم لكونه قد جاء عن
سيدنا حين نحر مائة بَدَنَة أنه أخذ من كل واحدة بَضْعَةٌ
۱ وجُعِلت في قِدْر وشرب عليه السلام من مَرَقها وأكل منها
٢
فهذا هو الأصل وما كان من غيره فلا بد من أن يجلى بصفته
الزائدة لاختلاف الحكم في ذلك وليس عليّ رضي الله عنه ممن
يجهل مثل هذا فنجعلها محتملة وتسوية النبي عليه السلام بين
الجلود والجلال دلّ على ندبيته لأنه لا تساوي بين واجب
ومندوب في الحكم وهذه حجة الإمام مالك رحمه الله في أن
النكاح ليس بواجب لأن الله جلّ جلاله خير بين الزواج وملك
اليمين والوطءُ بملك اليمين بالإجماع مباح فلم يكن الله
عزّ وجلّ ليُخيّر بين واجب ومباح وعلى هذا يكون ما سوى
بينه وبينه ملك اليمين مثل ملك اليمين إذ ليس النكاح به
بواجب فكذلك يكون ما سوى بينهما هنا فلم يبق إلا أن يكون
ندباً وفي أمره عليه السلام علياً بذلك دليل على جواز
النيابة في إخراج الصدقة
وأما ما هي الفائدة في ذكر الإمام ذلك فهي ما تقدم الكلام
عليه وزيادة على ذلك لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا
يفرحون ويفتخرون بما يخص النبي به واحدا منهم دون غيره أو
أي شيء كان منه عليه السلام في حق أحدهم ألا ترى أن أحبّ
الأسماء لعلي رضي الله عنه
۱ البَضْعَة من اللحم وغيره القطعة رواه الترمذي رقم ۸۱٥
في الحج وابن ماجه في المناسك رقم ٣٠٧٦ باب حجة رسول الله
صلى الله عليه وسلم
۵۸۳
أبو تراب ۱ لأن النبي وهو الذي كناه به وثبت في الحكم كأنه
يقول هذا ليس بالمنقول أنا
الذي سمعت هذا الحكم وتلقيت هذا الأمر بنفسي
وأما هل ذلك خاص بالبدن أو ذلك في جميع القُرُبات بذناً
كانت أو أضاحي فإذا فهمنا الأمر أنه على النَّدْب - أعني
في الجلود - فتعدية الحكم أولى لأنه ندب إلى خير ولأن
الضعفاء أيضاً محتاجون إلى ذلك بزيادة فيكون الندب يتأكد
فيه إما في الحال من أجل أن العُريَ غالب على الضعفاء وعلة
البرد أكيدة وكذلك في جلود البدن من أجل ما ينتعلون بها
وهذا عندهم قليل وهو مما إليه ضروراتهم أكيدة ولا سيما
بأرض الحجاز لتوعر أرضها وحرها وأما ما له صوف أيضاً من
جلود الأضاحي فمن علة البرد أيضاً فالندب عام في الكل
أولاً
وأما ما الحكمة في كون النبي ل ا ل ص علي رضي الله عنه
بذلك فلزيادة العلم الذي خص خص به علي وإن كان الخلفاء رضي
الله عنهم كلهم علماء لكن كان لعلي رضي الله عنه في هذا
الوجه من وجوه الخير زيادة لقوله الا الله أنا مدينة العلم
وعلي بابها ۳ ولكونه هو الذي عليه السلام بالنيابة بنحرها
عنه
خصه
ويترتب عليه من الفقه أن المندوب في النيابة في النسك
والصدقة أن يكون النائب فيها عالماً لأنه من تمام القربة
وفيه أيضاً وجه آخر أن المستحب بالمعروف الذي ليس بواجب أن
يؤمر به الأقرب من القرابة لأن علياً رضي الله عنه كان
أقرب إلى النبي ل من غيره لأنه كان ابن عمه وصهره ولأن
نيابته عليه السلام له في النحر - كما ذكرنا قبل - وإدخال
السرور عليه بذلك ولو أمر غيره بالتصرف في الصدقة لكان
محتملا لتغير خاطره وأمرُهُ عليه السلام له بالتصدق عنه
إدخال سرور وجَبر قلب
وفيه وجه من حسن الصحبة أنه إذا بدأ شخص أمراً فمن حسن
الصحبة أن يكون هو الذي يتم بقايا وجوه تصرفاته فلما كان
عليّ رضي الله عنه هو الذي وجّهه النبي عليه السلام إلى
اليمن لأن يأتيه بالبدن فكان من طريق حسن الصحبة أن يكون
هو الذي ينوب عنه فيما بقي للنحر منها وفي التصدق عنه
فاستنابه لحسن الصحبة ومن أحسن صحبة من رسول الله
وفيه دليل على التحدث بما فتح الله به على العبد من أمور
خير الآخرة إذا لم يكن كسباً له
۱ تكنية النبي علياً كرّم الله وجهه أبا تراب رواها
البخاري في الصلاة - باب نوم الرجال في المساجد وفي الأدب
ورواه مسلم في فضائل علي كرّم الله وجهه رقم / ٢٤٠٩/ رواه
الترمذي في المناقب رقم // ۳۷۵ والحاكم في المستدرك ١٢٦/٣
والسيوطي في بعض رسائله وللحافظ أحمد بن محمّد صديق
الغماري رسالة اسمها القول الجلي في صحة حديث أنا مدينة
العلم وبابها عليّ
ΟΛΕ
لأن الذي هو كسب له هو من باب التزكية والله عزّ وجلّ يقول
فَلَا تُرَكُوا أَنفُسَكُمْ ۱ والذي هو من قبيل الله تعالى
إذا سلمت النية فيه من طلب الرفعة يكون من قبيل الشكر لأنه
قد قال التحدث بالنعم شكر وقد قال الله تعالى لمن
شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۳ يؤخذ ذلك من ﴿لَن ذِكْرِ
عليّ رضي الله عنه أن رسول الله وه له و أمره بالصدقة
فيكون إعلان القول منه بأنه بأمر أمره النبي الله تبرئة من
الالم العلوى والتزكية مثل أن يُرى إنسان يتصدق بصدقة
واجبة فيقول هي واجبة أي لا تمدحوني عليها لأن الصحابة
والصدر الأول رضوان الله عليهم لم يكن عندهم
في إعطاء الواجبات مدح بينهم لأنها من اللازم وما هو واجب
يَتَساوَى الناس كلهم فيه ولذلك يُروى عن بعض المتعبدين
أنه قال لا جزى الله تُراكَ الصلاة عنا خيراً رأونا نؤدي
الصلاة قالوا عنا عُبّاد والصحابة ٤ رضي الله عنهم بذكرهم
لِمَا خَصّهم الله عزّ وجلّ به أو نبيه عليه السلام هو على
طريق الاستبشار وشكر النعمة وتبرؤ من دعوى العمل ليس كمثل
بعض الناس في الوقت الذي لا يكمل الواجب الذي عليه ويحب أن
يُلحق بالمباركين كما قال جل جلاله وَيُحِبُّونَ أَن
يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا
وفيه دليل لأهل الصوفة الذين يقولون يُندَب لأهل هذا الشأن
أن يتحدثوا بما فتح الله عليهم بين إخوانهم بشرط ألا يكون
بينهم أجنبي لأنه مما يتقوى به إيمانهم وقوة الإيمان زيادة
في القربة إلى الله عزّ وجلّ
وفيه أيضاً عون على النفس ولاسيما في زمان قل فيه الصدق في
هذه الطريقة حتى إنه عند بعض من يعرف شروطها إنه شيء طُوِي
بِساطه فيكون سبباً لكسله عن الترقي وقد أخبرني بعض من كان
له تعلق بالطريق ثم فتر عن عمله فلما رأى من بعض من كان في
زمانه شيئاً من أحوال القوم وأنه ٦ لما أبصر ذلك رجع إلى
المجاهدة والخدمة وفتح عليه في أقرب زمان فقال لي والله ـ
وهو الحالف - ما كان كَسَلِي عن الخدمة إلا لكوني لم أرَ
في نفسي شيئاً ولم ألق أحداً رأيت منه شيئاً مما رأيت في
كتب القوم فقلت هذا شيء طُوِيَ بساطه فما لي وللتعب فلما
أبصرت
1 سورة النجم من الآية ۳
جزء من حديث رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند
والبزار والطبراني ورواه ابن أبي الدنيا في
الشكر ص ١٤ والخرائطي في فضيلة الشكر رقم / ۸/
۳ سورة إبراهيم من الآية ٧ ٤ العبارة مضطربة غير واضحة
التركيب ٥ سورة آل عمران من الآية ۱۸۸
٦ كذا بزيادة وأنه
٥٨٥
من فلان شيئاً مما رأيت في كتب القوم أيقنت أن الطريق
باقية وإنما السالكون قلوا فأخذت في
الخدمة فجاء من أمري ما ترى فذلك فائدة التحدث بها وفي ذلك
قيل إذا كنت في حالك
صادقاً فنطقك أو سكوتك لمن راك فلاح وصلى الله على سيدنا
ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً
35
نة
٥٨٦
لك
البُخاريُّ قالَ عَطاء رَضِيَ الله عَنهُ إذا تَطيِّبَ أو
لَبِس جاهلاً أو ناسِياً فَلا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ
هذا مذهب عطاء وليس بمتفق عليه أما النسيان فالشافعي رحمه
الله وافقه على ذلك لقول
رسول الله الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وأما مالك رحمه
الله فلم يَعذُر به وقال إنه
b
مثل سجود السهو في الصلاة شُرِع لأن يُجبَر به خلل وقع في
العبادة وفي الصلاة هو يَشتَرِط السجود فيها بالسهو لا
بالعمد وهنا مطلقاً فينبغي أن يكون الحكم في السهو والعمد
سواء وهو الأظهر والله أعلم
وأما الجهل فلا أعرف في الوقت وافقه عليه أحد من العلماء ٣
ودليل القرآن يرد عليه بقوله تعالى فَسْتَلُوا أَهْلَ
الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ 1 فلم يعذر أحداً
بجهل ولو كان الجهل عذراً
لكان أرفعَ من العلم ولا قائل به
من
الله عنه
ويؤخذ منه الفقه أنه من تحقق عنده حكم من أحكام الله عزّ
وجلّ له أن يطلق اللفظ بعموم الحكم ولا يلزمه خلاف المخالف
ومثل ذلك جرى لعمر بن الخطاب رضي حين سمع شخصاً ٥ يتلو
سورة الفرقان على خلاف ما كان يعرف فلببه بردائه وأتى به
رسول الله
۱ هو أبو محمد عطاء بن أبي رباح مولى بني فهر من مُوَلَّدي
الجند وهي بلدة مشهورة باليمن كان من أجلاء الفقهاء وتابعي
مكة وزهادها سمع عددا من أجلاء الصحابة منهم ابن عباس وابن
الزبير وكان أعلم الناس بالمناسك توفي سنة ١١٥ هـ / ٧٣٣م
رواه ابن ماجه وابن حبان والدارقطني والطبراني والبيهقي
والحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ
إن الله وضع وللحاكم والطبراني تجاوز ونقل الخلال عن
الإمام أحمد أنه قال من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوع فقد
خالف كتاب الله وسنة رسوله وأصل الباب حديث أبي هريرة في
الصحيح بلفظ إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم
تعمل أو تكلم به ورواه ابن ماجه بلفظ عما توسوس به صدورها
وزاد في اخره وما استكرهوا عليه والزيادة إدراج من الراوي
۳ كذا وردت العبارة وفيها خلل
٤ سورة النحل من الآية ٤٣
•
هو حكيم بن حزام رضي الله عنه كما في الموطأ والصحيحين
۵۸۷
عمر
كان
وقال سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أن را تنها
فقال أرسله فأرسله فقال اقرأ فقرأ مثل ما كان عمر سمع منه
فقال هكذا أنزلت ثم قال إقرأ يا عمر فقرأ عم مالى قارة
يعرف وهو مخالف لقراءة صاحبه فقال هكذا أُنزِلت إن هذا
القرآنَ أُنزِل على سبعة أحران
فاقرأوا ما تيسر منه ۱
ولم ينكر على عمر أخذ ذلك بالعنف وزجره له وهو كان على
الحق وعمر لم يكن له ۳ علم بذلك الوجه الذي كان ذلك يعرفه
كما أنه لم يكن له علم بما كان عمر يعرفه ومن أجل الغفلة
عن هذا الوجه ضاع كثير من النهي عن المناكر لأن بعض الناس
يقول لعل هذا الذي أنكره
أنا يجيزه غيري
ويترتب أيضاً عليه من الفقه أنه لا يجوز الحكم بمجرد النقل
بما يراه في الكتب إلا لأهله الذين يعرفون مقاطع الكلام
وعلى ماذا يدلّ يؤخذ ذلك من أنه إذا رأى هذا النص من لا
يعرف المذهب وهو ينتسب بدعواه لأحد المذاهب يبقى يعمل عليه
ويظنه مما يجيزه صاحب مذهبه فيكون يقع في الكذب على إمامه
ويُدلي الناس بغرور وقد أخبرني جماعة عمن ينسب في مذهبه
إلى أنه متبع لمالك رضي الله عنه وهو ممّن يُستفتى كان
يفتي في مذهب مالك بما نص عن عطاء هنا وقد ذكرنا مذهب مالك
قبل في ذلك وما هو عليه فنسأل الله الإرشاد لمعرفة العلم
على ما هو علم على وجهه والعمل به ابتغاء مرضاته لا ربَّ
سواه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ رواه البخاري في كتاب الخصومات ومسلم في صلاة المسافرين
وقصرها باب بيان أن هذا القرآن على سبعة أحرف رقم / ۸۱۸/
كما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمر
رضي الله عنه
أي حكيم بن حزام ۳ يدلي الناس بغرور يوقعهم فيما أراد من
تغريره
۵۸۸
حديث بناء مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم
عَن أنس رضي الله عنه قالَ قَدِمَ النَّبِيُّ الله
المدينةَ وَأمَرَ بِبِناءِ المَسجِدِ فَقال يا بَني
النَّجار ثامنوني ١ فَقالوا لا نَطَلُبُ ثَمَنَهُ إلا إلى
الله فَأمَرَ بِقُبورِ المُشركينَ فَنُبِشَت تم بالخِرَبِ
فَسُوِّيَت وَبِالنّحْلِ فَقُطِعَ فَصَفُّوا النّخلَ
قِبلَةَ المَسجِدِ
* * *
ظاهره يدل على أن بناء المسجد كان بأمر النبي و بعد هجرته
إلى المدينة والكلام عليه
من وجوه
منها جواز طلب الأشياء للبيع وإن لم يكن صاحبها عرضها
للبيع يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام يا بني النجار ثامنوني
وهم لم يكونوا عرضوا ملكهم للبيع قبل
وفيه دليل على جواز أن ينسب الشخص إلى صنعة كانت في قبيلته
أو ابائه وليس ذلك من الألقاب المنهي عنها يؤخذ ذلك من
قوله عليه السلام يا بني النّجّار وهذه صنعة كانت في أحد
ابائهم فشهروا بها فدعاهم بها
وفيه دليل على جواز قبول الهدية لشيء وإن كان قد تعرض إلى
شرائها ما لم يقصد تحشيم صاحبها يؤخذ ذلك من قبوله عليه
السلام منهم بعدما طلب منهم البيع فقالوا لا نطلب ثمنه إلا
إلى الله والدليل على قولنا ما لم يقصد تحشيم صاحبها لأن
النبي صلى الله عليه وسلم قال ثامنوني ولا يقول النبي يا
الله نامنوني إلا حقاً لا يقول ذلك حيلة ولا مجازاً ومن
يقع له شيء من ذلك فهو تنقيص بالنبي وهو وهو لا يحل وإن
أفصح به وجب قتله شرعاً
۱ ثامنه في السلعة ساوَمَه في شرائها الخِرَب ج خِرْبة وهي
موضع الخراب 3 أحشم فلان فلاناً أخجله
۵۸۹
وهنا بحث وهو ليس بمجرد الدعوى منه يقع التصديق إلا ۱ تكون
هناك قرينة تبين ذلك مثل قول هؤلاء الذين قالوا لا نطلب
ثمنه إلا إلى الله تعالى ولا يلزم من قولهم لا نطلب ثمنه
إلا إلى الله أن يكون صدقة لأن الهدية صاحبها مأجور إذا
قصد بها وجه الله مثل الصدقة غير أن الفرق بين الصدقة
والهبة أن الصدقة لا تكون إلا لله إلا أن يدخلها رياء
والهبة قد تكون لوجوه كثيرة قد نص عليها في كتب الفروع فما
هو منها الله فصاحبها فيها مأجور كما هو في الصدقة وإن لم
يكن من صاحبها إفصاح مثل مقالة هؤلاء ويكون هناك ما يقوم
مقام ذلك وقد روي عن بعض أهل هذا الشأن إذا كان يأتيه
الفتوح ولا يعلم من صاحبه من أي الوجوه هو يقول له ناشدتك
الله متى أنا عندك خير إن قبلت منك أو إن رددت عليك فعلى
الذي يحلف عليه من الحالتين عمل عليه تحرزاً من الدعوى في
هذا الشأن وإن كان على ما روي عنه من أهل الكشف والاطلاع
وفيه دليل على جواز حفر قبور المشركين يؤخذ ذلك من قوله
فأمر بقبور المشركين فنبشت وفيه من الحكمة أن حكم الحياة
مستصحب في الممات فكما هي دماؤهم في الحياة مباحة ولا حرمة
لهم كانوا كذلك في مماتهم والمؤمن حرمته في الممات كحرمته
في الحياة لأنه قد جاء أنه من كسر عظم مؤمن ميت كمن كسره
حياً في الإثم سواء ۳ وقبره حَبْسٌ 4 لا يحل لأحد
التصرف فيه
وفيه إشارة لأهل البصيرة الذين يقولون أحوالك عنوان على
مالك هنالك فإن استقمت هنا رفعت هنالك وإن خلطت فإنما
بَخَستَ نفسك
وفيه دليل على جواز هدم خراب البناء إذا كان فيه فائدة
وليس من الفساد في الأرض يؤخذ ذلك من قوله ثم بالخِرَب
فَسُوِّيت
وفيه دليل على جواز قطع الثمار وإن كانت تُطعِم إذا كان
ذلك لضرورة يؤخذ ذلك من قوله وبالنخل فقطع وقد نص العلماء
على أن قطع الثمار المُطعِمة من الفساد في الأرض ولما كان
هذا لضرورة خرج أن يكون من ذلك القبيل والضرورة التي هي
هنا أنه لما تقدم العالم المدينه الا الله تنافس الأنصار
رضوان الله عليهم في نزوله عليه السلام عند من ينزل منهم
فقال لهم دعوا
۱ كذا بزيادة إلا
كأنه يستحلفه بالله أي العملين أفضل هل أخذ الفتوح الهدية
أوردها ۳ رواه عبد الرزاق ومالك في الموطأ وأبو داود وابن
ماجه والإمام أحمد عن السيدة عائشة رضي الله عنها بألفاظ
مختلفة
٤ قبره حبس عليه وقف عليه لا يباع ولا يورث
۵۹۰
الناقة فإنها مأمورة ۱ فمشت حتى أتت موضع المسجد فبركت فيه
فأي ضرورة أشد من هذه لأن هذا حكم من الله عز وجل وقد كان
في علم الله تعالى أن تلك البقعة هي الموضع الذي هو روضة
من رياض الجنة فكل ما كان فيها فهو عارية بحكم القلع وليس
مثل هذا ضرورة في غيره أن يقول شخص نريد نبني هذا بنيانا
بشهوة نفسه فيكون هناك شجر مثمر فيقطعه ويجعل هذا الحديث
حجة فيه هذا لا يحل بل الضرورة غير هذه على ما هو مذكور في
كتب الفقه وهنا إشارة لمن سعد في الأزل ما ضَرَّه ما جرى
عليه من الفتن يؤخذ ذلك من أنه لما كانت هذه البقعة قد
سبقت لها تلك السعادة العظمى - وهي أن تكون مسجداً ومنزلاً
ولَحْداً للسيد من بني آدم والمرفّع في العالمين الله -
اما ضرها ما تداول عليها من أيدي المشركين ومخالفتهم إذا
حَسُنت العقبى فكل قبيح يزول وإن فسدت فكل جميل يَحُول
وفيه دليل على أن من حسن التصرف أن يعمل الشخص في أمره كله
على قدر جدته ٢ أو عسره يؤخذ ذلك من كون النبي ا لما ترك
هو والمهاجرون أوطانهم وأموالهم فاحتاج عليه السلام إلى
بناء المسجد بناه على ما يقتضيه الوقت بجريد النخل وحيطانه
من جذوعها يؤخذ ذلك من قوله فَصَفُّوا النخل قبلة المسجد
ولم يبنِ بآجُرٌ ولا حصّ ولا بشيء فيه تكليف لا عليه ولا
على غيره فهذا مقتضى السنة ومما يؤيده من الكتاب قوله
تعالى ليُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ﴾ ٣ وقد قال رضي
الله عنه الرفق في النفقة خير من الزيادة في الكسب وفيه
دليل على أن أهم ما على المرء من الأمور النظر في أمر دينه
يؤخذ ذلك من أنه أول ما نظر فيه عند دخوله المدينة بناء
المسجد الذي هو للاخرة
وفيه دليل للفقراء الذين يقولون إذا زهد الفقير وخرج عن كل
ما يملكه مما هو من أمر دينه فلا يدخل تحت ذلك اللفظ ولا
يجوز له الخروج عنه ويحبس منه بقدر ضرورة دينه مثل الإناء
للوضوء وما يستر به عورته ومثل ما يصلي عليه لأن كل ما
يكون الخروج عنه يتعذر به وجه من وجوه الدين فلا يجوز لأنه
الأهم وقد قيل على جميع أمور الدين حافظ عليها ولا تبال
بما عداها فعزّ المرء بدينه لا بما سواه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 رواه البيهقي في دلائل النبوة ٥۰۱/۳ و ٥٠٤ وابن كثير في
البداية والنهاية ۱۹۹/۳ و ۰۰ والسيوطي في الخصائص ۹۰/۱
والشامي في سيرته سبل الهدى والرشاد ٣٨٦/٣
الجدة الغنى ۳ سورة الطلاق من الآية ٧
۰۹۱
1121
حديث خروج الدجال وفتنته
عَن أبي سعيد الخدري ١ رضي الله عَنهُ عَنِ النبي صلى الله
عليه وسلم قالَ يَنزِلُ الدَّجَالُ بَعضَ السَّباخ ۳
بالمَدينَةِ فَيَخرُجُ إِلَيهِ يومئذٍ رَجُل هُوَ خَيرُ
النّاس - أو من خير النّاسِ - فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّكَ
الدَّجالُ الذي حَدَّثَنَا عَنكَ رسول الله لا حَدِيثَهُ
فَيَقولُ الدَّجالُ أرَأَيْتُم إن قتلتُ هذا ثُمّ أحيَتُهُ
هَل تَشكُونَ في الأمرِ فَيَقولونَ لاَ فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ
يُحْيِيهِ فَيَقولُ حينَ يُحييهِ وَالله ما كُنتُ قَطُّ
أشدَّ بَصيرَةً منّي اليومَ فَيَقولُ الدّجالُ أقتلُهُ
فَلا
يُسلّط عَليهِ
ظاهره يدل على وجهين أحدهما أن ما أعطي الدجال من خرق
العادة تكذيباً لدعواه لأنها قاصرة و الثاني ما أعطي
الخارج إليه من قوة الإيمان وأن تلك الفتنة العظمى لم تضره
والكلام
عليه من وجوه
منها أن يقال ما قصْرُ خرق العادة التي أعطي فنقول هي ما
أراد من قتل الرجل المؤمن ثانية فلم يقدر عليه فنحتاج الان
أن نذكر خرق العادة وما هو الدال منها على الخير وعلى ضده
وما انقطع منها
فأما خرق العادة فقد تكلم العلماء عليها وهي على أربعة
أقسام
1 أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري
الخزرجي أبو سعيد صحابي كان من ملازمي النبي وروى عنه
أحاديث كثيرة غزا اثنتي عشرة غزوة وله ۱۱۷۰ حديثاً توفي في
المدينة المنورة سنة ١٤ هـ / ٦٩٣ م انظر الحديث ٤٨ الدجال
لغة المموّه المدَّعي الكذاب وشرعاً المسيح الدجال رجل من
يهود يخرج في آخر هذه الأمة سمي بذلك لأنه يدجل الحق
بالباطل وقيل بل لأنه يغطي الأرض بكثرة جموعه وقيل لأنه
يغطي على الناس أو سمي بذلك لكذبه وجمعه دجاجلة و دجالون
وكل كذاب فهو دجال
بكفره وقيل لأنه يدعي "
۳ السباخ ج سَبَخة والسبخة من الأرض ما لم يحرث ولم
يُعمَّر لملوحته
۵۹
قسم يدل على صدق النبوة وهذا قد طوي بساطه لكن نذكره من
أجل المعرفة به لأنه من
جملة أمور الدين
وقسم يدل على الولاية وتحقيقها
وقسم يكون من أجل المجاهدة والدوام عليها وإن كان صاحبها
فاجراً أو كافراً وكثيراً ما افتتن الناس من هذا القسم
لجهلهم به
وقسم من الذي يسمونه السيمياء وهي استنزال بعض الروحانيات
وخدمة بعض الكواكب الفلكية وهي أيضاً مما ضل بها كثير من
الناس
ولكل واحدة منها علامة تعرف بها ولا يعرف ذلك إلا من له
نور إيماني ومعرفة بها
فأما التي هي دالة على النبوة فمن شرطها التحدّي وهو أن
يقول أنا نبي ومن الدال على نبوتي أنني أفعل كذا وكذا وذلك
الذي يدعيه لا بد من ظهوره على ما ذكره علماء الدين وهذا
لم يبق لأحد فيه دعوى لقوله عليه السلام لا نبي بعدي
والتي هي دالة على صدق الولاية تظهر على يديه دون تحدٍ ومن
شرطها أن يكون في حاله متبعاً للسنة والسِّنَن لأن الله
عزّ وجلّ لم يتخذ قط ولياً بدعيا ۳ لأنه عزّ وجلّ يقول في
كتابه قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
يُحْبِبْكُمُ اللهُ ۳ وإن تحدى بها عند ضرورة دون عجب فلا
تخلفه لأنها من بركة تصديق النبوة لأن كل كرامة ظهرت لولي
فهي معجزة لنبيه عليه السلام لأنه بصدقه في اتباعه ظهر له
هذا الخير ومثاله ما ذكر عن بعض السادة حين ركب البحر فهاج
عليهم وكان المركب مُوسَقاً " قمحاً للملك وكان معه ركاب
حجاج فسمع البحريين يقولون إن القمح مكيل علينا بالشهادة
وهؤلاء الحجاج ركبوا باختيارهم ليس علينا فيهم شيء نحن
الحُجّاج وندع القمح من أجل أنا مطالبون به فلما رآهم
عزموا على ذلك قال لهم ارموا القمح على ذمتي فرَمَوا منه
ما شاء الله ثم سكن البحر وبلغوا الموضعَ الذي كانوا
أمّلوا فطلبوه بما رَمَوا من القمح فقال لهم أخرِجوا
الشهادة التي عليكم واكتالوا القمح فما نَقَص منه
غَرِمْتُهُ ففعلوا فوجدوا الزائد على ذلك القدر
1 جزء من حديث رواه البخاري في المغازي باب غزوة تبوك
ورواه مسلم في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باب
من
فضائل عليّ من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه
البدعي المبتدع والمستحدث في الدين ما ليس منه ۳ سورة ال
عمران من الآية ۳۱
٤ موسقاً محمَّلا موقرا
۵۹۳
التي كانت به الشهادة عليهم فخلوا عنه فقال لأصحابه والله
ما فعلتها إلا من أجل الضرورة إحياء لنفوس هؤلاء المؤمنين
وإن كان يتحدّى بها لغير ضرورة فليس هو في منزلة الأولياء
بل هو في حزب سَنَستَدْرِجُهُم مِنْ حَيْثُ لَا
يَعْلَمُونَ ﴾ ۱ وهذا هو حظهم من الله عزّ وجلّ لأنهم قد
نصوا أن من كانت عبادته من أجل أن تظهر له كرامة أو تستجاب
له دعوة أو يُعرف بالخير من أجل المنزلة فأولئك من الذين
يعبدون الله على حرف ٢
وأما التي هي من أجل المجاهدة فإنه تظهر له كرامات لكن
ليست بنافذة ۳ ولا مكاشفته تتعدى مدى بصره وتكون في المؤمن
والكافر وهي من أثر المجاهدة فإن بالمجاهدة نفسها يتنور
الباطن ويرجع القلب مثل المرأة الصقيلة ينطبع فيها كل شيء
قابلها لا غير وما لم يكن في مقابلتها فلا ينطبع فيها
ومثال ذلك ما ذكره عن بعض الأكابر أنه في بعض أسفاره مَرَّ
بِدَير رهبان فرأى ما هم فيه من كثرة المجاهدة فوقع له
استحسان لتلك المجاهدة فلما وقع له ذلك أمروا لخديمهم
بالإقبال عليه وأن يحسن قراه ويدخله بيت تعبدهم حيث
أصنامهم فلما أدخله بيت الأصنام وقع في خاطره سخفُهم وقلة
عقولهم لكونهم يعبدون تلك الأصنام فلما وقع له ذلك وإذا هم
يصيحون على الخديم أخرجه أخرجه فأخرجه من حينه فتعجب لسرعة
اطلاعهم على خاطره لكن لا يجاوزون بمكاشفاتهم مدى البصر
وإذا كانت المجاهدة عن إيمان واتباع للسنة كاشف من العرش
فما دون وكانت الدنيا كلها عنده كخطوة واحدة يتصرف فيها
كيف شاء بحسب ما يفتح الله عليه
0
وأما التي هي من طريق السيمياء واستنزال بعض الروحانيات
وعبادة بعض الكواكب الفلكية فله ٦ علامات
أما الذي يعبد بعض الكواكب فلكل عابد كوكب علامة يعرف بها
مثاله أن الذي يعبد زُحل ٧ يكون لباسه أخسَّ اللباس وأقذره
وعيشه وجلوسه من تلك النسبة فالذي يراه في ذلك
۱ سورة الأعراف من الآية ۱۸
الحرف من كل شيء جانبه وطرفه والآية الكريمة وَمِنَ
النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفِ أي يعبده في
السراء لا في
الضراء ۳ نافذة ماضية قاطعة
٤ الخديم الخادم 0 كذا بزيادة الواو ٦ أي لصاحب خرق العادة
۷
زُحل أحد الكواكب الكبرى في المجموعة الشمسية ترتيبه
السادس من الشمس وهـو علـى بعـد =
٥٩٤
الحال يظنه من الزهد والورع وما هو إلا بمقتضى ما يقتضيه
معبوده ويبقى على ذلك الحال قدر دورة معبوده في الأفلاك
وذلك على ما يزعمون ستة وثلاثون ۱ سنة على تلك الحالة التي
بينت لا يفتر فإن فتر ساعة فَسَد عليه كل ما تقدم ولكل
واحد مما عدا هذا أيضاً حالة تخصه إلا أن هذا عندهم أنحس
الحالات
وأما الذي هو من الروحانيات ليس إلا فحاله الظرف في اللباس
وفي كل أمره وانشراح النفس وما يطيبها وحسن المجالس ومع
هذا فالغالب على أهل هذه الطرق الفاسدة حظوظ النفس وطلب
الرئاسة وعدم اتباع السنة واختراع بدع يجلب بها الجهال
ويجعلها من طريق الحكمة ورياضة النفس وهو الضد - أعاذنا
الله من ذلك - لأن ما كان من طريق خرق العادات التي ليس
على صاحبها لسان العلم حاكماً تجدها غير نافذة من كل
الجهات وإذا جاء من له حقيقة يقابلهم ما يمشي لهم منها شيء
ويتعذر عليهم أكثرها بحسب قوة إيمان الشخص وضعفه ولذلك
فأكثر ما يخالطون الجهال
والذي خرق العادة له مع اتباع السنة هو في حالة ملك لا
يُغلب بحيلة ولا مكر ولا قوة محسوسة أو معنوية وأمره
يتزايد لا ينقص والناس وجميع الوجود عنده كلهم على حد واحد
كيف شاء أن يتصرف تصرّف بغير دعوى متبرىء من الحول والقوة
إلا إلى الله صاحبها وهو أخوف الناس على نفسه إلا عندما
تأتيه البشائر الربانية
وعلامته أن يكون أكثر الناس تواضعاً وأقبلهم لهم عذراً إلا
ما كان في حق الدين وأكثرهم شفقة عليهم ونفسه عنده أقل
الخلق ويشاهد ذلك الخير فيضاً ومَناً بغير استحقاق ويحض
الناس على اتباع السنة والسنن كثير الصمت إلا فيما يعنيه
كثير الفطنة قليل الطمع ملاحظ بقلبه الآخرة لا يرى لنفسه
على أحد حقاً ويرى حقوق الناس قد ترتبت عليه بشرط أخوة
الإيمان بالحضور والغيبة يفر من المدح ويستأنس بالوحدة
يبذل المعروف ويقلل الضرر بل لا يقع منه يحبه كل شيء حتى
الأرض التي يمشي عليها والسماء التي تظله وأهلها كذلك
معرفته في كأنه السماء أكثر وأشهر مما في الأرض لا يُحِل
أكل الخبيث تؤلمه معصية العاصي هو الذي
١,٤٢٥,٧٦٧,٠٨٠ كيلومتراً في المتوسط منها وتتم دورته حول
الشمس في ثلاثين عاماً ويبلغ / ٧٣٤ / مرة حجم الأرض وكتلته
٩٤٩ مرة قدر كتلتها وكثافته ۸/۱ كثافتها ويبدو قرصاً
منبعجاً لامعاً عند الاستواء وقطره الاستوائي ۱۰,۰۰۰
كيلومتر وله عشرة أقمار تدور حوله
۱ تقدير الفلكيين ثلاثون سنة وقوله ستة كذا في المخطوطات
والمطبوعة
0
۵۹۵
فعلها وتَسُره طاعة الطائع كأنه الذي يأخذ أجرها صورته
صورة بشر وحقيقة باطنه ملكية نورانية
قدسية ووصفه يطول
مَنَّ الله علينا بما به مَنْ عليهم برحمته ورحمنا بحرمتهم
وصلى الله على محمد نبيه وعبده فمن أجل الجهل الغالب على
الناس بطريق القوم كل من رأوا منه شيئاً من خرق العادة من
أي نوع كانت قالوا صالحا ۱ أو يكون ممن سمع شيئاً من مفاسد
الفاسدين فيعيب أهل الحقيقة على الحقيقة فيحرمهم لأنه يجعل
أمرهم إما محتملاً إذا أراد السلامة أو ينسبهم إلى الطريق
الفاسد فيحصل مع الحرمان الخسارة فإن الله عزّ وجلّ يَغيرُ
لهم أشد الغيرة لقوله عزّ وجل على لسان نبيه عليه السلام
من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة ۳ وفيه دليل على
عظيم قدرة الله عزّ وجلّ يؤخذ ذلك من قوله ينزل ببعض
السباخ التي بالمدينة ثم يمنع من الدخول إليها وفيه دليل
على أن من قوي إيمانه لا يمكنه حَملُ البدع ولا السكوت
عليها يؤخذ ذلك من خروج هذا الرجل الذي شهد له رسول الله
الله بالخيرية مع علمه أنه لا يدخل المدينة وأنه - صلى
الله عليه وسلم وحده ـ لا يقدر على قتاله لكن قوة إيمانه
حملته على أن يخرج ويكذبه بين أتباعه وإن كان لا يعلم هل
ينجو منه أم لا
ألا ترى إلى ما جاء في قصة عبد الله بن رواحة ۳ حين أخبر
رسول الله أنه رأى بين سريره وسريري صاحبيه ازوراراً وعلة
ذلك ما أخبر به الصادق و أن صاحبيه تقدما ولم يتوقفا وتوقف
هو يرثي ما يشجع نفسه الطيبة بأبيات من الشعر ويطيبها
للموت ثم تقدم فقتل كما فعل بصاحبيه ٤ رحمهم الله أجمعين
فقوة الإيمان تقتضي القيام بأمر الله عزّ وجلّ ولو بقي
الشخص وحده كذلك فعل أبو بكر رضي الله عند وفاة النبي رضي
الله عند وفاة النبي ا ومنع أولئك الرهط الزكاة وخطب
۱ كذا
38
رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء وأبو نعيم في الحلية
۳۱۸/۸ والطبراني في الأوسط عن السيدة عائشة الله عنها
والبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه وألفاظه مختلفة في هذه
الروايات عما أورده الشيخ
رضي
الإمام ابن أبي جمرة رضي الله عنه
عبد الله بن رواحة صحابي يعد من الأمراء والشعراء الراجزين
كان يكتب في الجاهلية وشهد العقبة مع السبعين من الأنصار
شهد بدراً وأحداً والخندق والحديبية واستخلفه النبي الله
العليل و المدينة في إحدى غزواته وصحبه في عمرة القضاء
وكان أحد الأمراء في وقعة مؤتة بأدنى البلقاء من أرض الشام
فاستشهد فيها سنة
هـ / ٦٢٩م ٤ رواه البيهقي في دلائل النبوة ٣٦٨/٤ وللحديث
تتمة
٥٩٦
نية
ـن
مة
ق
بعدما كان ظهر للصحابة رضي الله عن جميعهم أن يسامحوا في
الوقت فقال لهم أبو بكر
رضي
الله عنه
لأقاتلنهم ولو بالدَّبور ۱ فقال عمر رضي الله عنهم أجمعين
فلما سمعت مقالة أبي بكر علمت أنه الحق وشرح الله صدري لما
شرح له صدر أبي بكر وهو من أقوى الأدلة على أن النصر ما
يكون إلا بقدر قوة الإيمان لأن أبا بكر رضي الله عنه لم
يتم كلامه إلا والمسجد قد امتلأ بالدبور وهي الريح وقيل
بالتشديد وهو طائر يشبه النحل ۳ وهو أشد ضرراً منها وأتت
وجوه القوم حتى خرجوا من حينهم من المسجد
وقوله رجل هو خير الناس أو من خير الناس ۳ الشك من الراوي
وقوله عليه السلام خير - على إحدى الروايتين - قد حصلت له
الشهادة من الصادق المصدق بالخيرية
وفيه دليل على أن الخيرية هي بقدر الإيمان لأنه إذا قوي
الإيمان علم قطعاً أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له قعد أو
تحرك فالأولى المبادرة إلى ما أمر به أو ندب إليه قال عزّ
وجلّ ﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا
هُوَ مَوْلَسْنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ
الْمُؤْمِنُونَ ٤ وقوله فيقول أشهد أنك الدجال أي لست أنت
بالرب كما تزعم بل أنت كذاب فهذه أكبر المجاهدة يقول الحق
ولا يلتفت إلى ما يترتب عليه وصار اليوم عند بعض المنسوبين
إلى العلم أو الدين يتركون قول الحق من أجل توقعات ممكنة
يتوقع منها ضرر دنيوي فيلزم من شاهد حاله أنه مِن شرِ
الناس وقد أخبر بذلك الصادق عليه السلام حيث قال يأتي على
الناس زمان يصبح الرجل فيه مؤمناً ويُمسى كافراً مؤمناً
ويصبح كافراً يبيع دينه بعَرَض من الدنيا ٥ وفي هذا الحديث
مصداق لقوله عليه السلام لا تزال طائفة من أمتي على الحق
ظاهرة إلى قيام الساعة لا يضرهم من خالفهم ٦
1 الدبور الريح تهب من المغرب وتقابلها القبول
ويمسي
الدَّبُور جمع دَبر وهي جماعة النحل والزنابير والدبور
جمعه دبابير وهي الزنابير وهو عربي مولد
معرب عن السريانية وقيل عامي ۳ قال كثير من العلماء إنه
الخضر رضي عنه واسمه بليا بن ملكان وكنيته أبو العباس
ولقبه الخضر وقد ورد أن من عرف اسمه وكنيته ولقبه واسم
أبيه مات على حسن الخاتمة وورد في فضائله الله الله إنماء
الخضير خضيرا لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز تحته
خضراء رواه الشيخان
سمي
٤ سورة التوبة من الآية ٥١
٥ رواه مسلم في الإيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً
مع اختلاف يسير في اللفظ
جزء من حديث صحيح متواتر رواه البخاري في الاعتصام
والأنبياء والتوحيد ومسلم في الإيمان والإمارة والترمذي في
الفتن وأبو داود في الجهاد والفتن والملاحم وابن ماجه في
المقدمة وأحمد في مسند الشاميين والدارمي في الجهاد
=
۵۹۷
وفيه دليل على إبقاء الإيمان كاملاً في المدينة وإن كان في
بعض أهلها تخليط يؤخذ ذلك من أنه لم يخرج له من يواجهه
بهذا الحق إلا من المدينة ولو كان له موضع اخر ثان لأخبر
به يلي وفيه تأنيس لمن وفق للحق وإن خالفه أهل زمانه
وبشارة له بالنصر لأن العلة التي من
أجلها كان النصر لذلك المبارك موجودة عنده وهي قوة الإيمان
وقول الحق في الله وفيه دليل على أن قوة الإيمان عند
الضرورة لا تعول على القدرة بمجردها ولا تستعمل أثر الحكمة
مع التصديق بثبوت أثر الحكمة والقدرة معاً أما العدول منه
عن أثر الحكمة فكونه خرج إلى ما لا طاقة له به وقد دلت
الشريعة التي
مقتضى الحكمة على منع ذلك بقوله تعالى ﴿ وَلَا تُلْقُوا
بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَهْلُكَةِ 1 وأما أثر القدرة فقوله
تعالى وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا
بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ ۳ وقوله تعالى قُل لَّن يُصِيبَنَا
إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا ۳ فأشد الأمور - وهو القتل
- لما لم يرد الله عزّ وجلّ موت هذا لم يضره ولما أراد
ثانية أن يمنعه مَنَعه بغير أثر حكمة إلا إظهار قدرة تامة
ليعلم أن الله على كل شيء قدير وأما قتله أولاً فتحقيق
لعظيم القدرة لأنه قد كان يقول القائل لم يره وحجب عنه
ويرى أن ذلك من خرق العادة للأولياء وما أظهر الله عزّ
وجلّ له من الكرامة أرفع وأعظم
E
وفيه دليل على أن الفتنة لا تضرّ مع الإيمان ولا تزيده إلا
تحقيقاً يؤخذ ذلك من كونه فعل به أشد الفتن وهو الموت
والإحياء ثم ما زاده ذلك إلا قوة في إيمانه كما ذكر هو
بقوله والله ما كنت قط أشد بصيرة مني اليوم وذلك لأنه كان
عنده قبل عِلمُ يقين وصار الآن عنده عينُ يقين وعين اليقين
لأهل الأحوال هو أعلاها كما قال الخليل عليه السلام حين
قيل له أَولَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَينَ
قَلبي ٥ فأراد عليه السلام الانتقال من علم اليقين إلى عين
اليقين
فاستحق بذلك درجة الخُلَّة
o
۱ سورة البقرة من الآية ۱۹٥ سورة البقرة من الاية ۱۰ ۳
سورة التوبة من الاية ٥١
٤ اليقين في حقيقة معناه رأس مال الدين قال رسول الله الله
اليقين الإيمان كله أخرجه البيهقي في الزهد والخطيب في
التاريخ من حديث ابن مسعود بإسناد حسن وبين علم اليقين و
عين اليقين و حق اليقين علاقة وشيجة أقرب مثال لفهم
العلاقة بينهما أنك لو رأيت دخاناً فاعلم علم اليقين أن
وراءه نارا وإذا
اقتربت أكثر منه فرأيت النار فذلك عين اليقين وإذا مَسَست
النار فلذعتك فذلك حق اليقين
٥ سورة البقرة من الاية ٢٦٠
۵۹۸
وفيه تصديق للحديث الآخر وإن كان كل واحد منهما يصدّق
الآخر الذي قال عليه السلام فيه تُعرَضُ الفتن على القلب
عوداً عوداً فأيُّما قلب أُشرِبَها نكتت فيه نكتة سوداء
وأيما قلب لم يُشْرَبها نكتت فيه نكتة بيضاء فلا تزال تتسع
حتى تعود على القلب مثل الصفاة لا تضره فتنة بعد ۱ لأن هذا
لما صدق قول النبي وخرج مجاهداً في سبيل الله ورسوله لم
يضره
القتل بل زاد به إيمانه
ويؤخذ من حال الدجال الدليل على تكذيبه يؤخذ ذلك من قوله
لأتباعه أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته هل تشكون في الأمر
فلو كانت إلهيته حقاً لجلب القلوب على التصديق لأن القلوب
كما يقتضي الإيمان أنها بين أصبعين - أي بين أمرين من أمر
الرحمن ۳ - وكونه يطلب منهم ـ التصديق على ربوبيته بما
يبدي لهم ضعف في قدرته وهذا في حق الربوبية محال
وفيه دليل على إظهار قدرة الله عزّ وجلّ فيمن حكم عليه
بالضلالة أنه لا تنفعه العبر ولا المواعظ يؤخذ ذلك من أن
الدجال ادعى أن دليل ربوبيته إماتة الشخص وإحياؤه ففعل ثم
جاء ثانية أن يفعل فمنع من غير موجب ظاهر فكان يجب عليه
وعلى أتباعه الإقرار بالحق لأنه قد جاء ما أبطل دليله في
عالم الحس ولم يقدر على دفعه فما بقيت الأدلة تنفع
والمواعظ إلا مع السعادة ولا تضر الفتن والامتحانات إلا مع
الشقاوة
فنسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يعيذنا من الشقاوة
والحرمان ومن المحن والفتن في الدارين ويمنّ علينا
بالسعادة فيهما بفضله لا ربَّ سِواه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 رواه مسلم بلفظ تعرض الفتن على القلوب كالحصير عُوداً
عُوداً فأي قلب أشربها نُكِتَ فيه نكتةً سوداء وأي قلب
أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين أبيض مثل
الصفا فلا تضره فتنته مادامت السموات والأرض والآخر أسودُ
مُزباداً كالكوز مُجَخْياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر
منكراً إلا ما أشرب من هواه عن
حذيفة رضي
الله عنه
هو معنى لحديث رواه الإمام أحمد في المسند ۱۷۳/ وانظر الدر
المنثور ۸/-۹
0
۵۹۹
-٨٦-
حديث حراسة مكة والمدينة من الدجال
أنس بن مالك رضيَ الله عَنهُ عَنِ النبي ا ا قالَ لَيسَ
مِن بلَدٍ إلا سَيطَوُ الدَّجَالُ إِلا مَكَّةَ
وَالمَدينةَ لَيس لَهُ مِن نقابِها نَقب ۱ إلا علَيهِ
المَلائِكَةُ صافينَ يحرُسونَها ثمّ تَرجُفُ المَدينةُ
بأهلِها ثَلاثَ رجفَاتٍ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلٌّ كافِرٍ
وَمنافق
ظاهر الحديث يدل على أن جميع بلاد الأرض يدخلها الدجال إلا
مكة والمدينة والكلام
عليه من وجوه
منها الدليل على تحقيق خروج الدجال ومنها التساوي بين فضل
مكة والمدينة وقد
6
اختلف العلماء فيهما في الفضيلة فمالك رحمه الله ومَن
تَبِعه يفضلون المدينة على مكة والشافعي رحمه الله ومَن
تبعه يفضلون مكة على المدينة ولم يختلف أحد أن موضع قبره
أفضل البقاع وإنما الخلاف فيما عداه من البلدين واستدل كل
واحد منهما بظواهر أحاديث كلها تحتمل التأويل وبأقيسة
ولكنها أيضاً تحتمل التعليل
وظاهر هذا الحديث يعطي التسوية بينهما في الفضل لأن جميع
الأرض يطؤها الدجال إلا هذين البلدين فدل على تسويتهما في
الفضل ويُؤكَّد ذلك أيضاً من وجوه من النظر لأنه إن خُصَّت
المدينة بمدفنه عليه السلام وإقامته بها ومسجده فقد خُصَّت
مكة بمَسقَطِه عليه السلام بها ومبعثه منها وهي قبلته
فمطلع شمس ذاته المباركة مكة ومغربها المدينةُ وإقامته بعد
النبوة - على المشهور من الأقاويل - بمكة مثل إقامته عليه
السلام بالمدينة وفيه دليل على كثرة ما يُعطَى هذا اللعين
من خرق العادة فمنها كونه يَطَأ الأرض كلها ولم أن تكون
إقامته في الأرض وطوافه عليها إلا في أربعين يوماً إلا أن
أول يوم منها كسَنَة
يجيء
۱ النقب الخرق في الجلد أو في الجدار أو نحوها جمع أنقاب
ونقاب
10
وهنا بحث وهو هل هذا الذي راه الله مع كونه حقاً هل ذلك
مثال يعرف به الحكم
وترى له الكيفية أو ذلك حقيقة أري له بعض أهل المعصية على
ما هم فيه محتمل لأنه عليه
السلام لم يخير أنه رأى من أهل هذا الحال إلا واحداً
وبالقطع إن أهل ذلك الذنب عدد كثير
والقدرة صالحة للوجهين معاً
وهل الموضع الذي رآه فيه عليه السلام أيضاً بالأرض المقدسة
هو موضعه الذي كان دفنه فيه أو فسح له عليه السلام من
الأرض المقدسة حتى رآه في موضعه على حاله ذلك فالقدرة
أيضاً صالحة للوجهين معاً وفيه أيضاً دليل على عظم قدرة
القادر
وفيه دليل على أن من الفصيح في الكلام الحذف والاختصار إذا
لم ينقص ذلك من المعنى شيئاً يؤخذ ذلك من قوله يدخله في
شِدقه حتى يبلغ قفاه ولم يذكر كونه يشقه بعد فحذف ذلك
للدلالة عليه بقوله فيلتئم شدقه هذا فلو كان ثقباً دون شق
ما احتاج أن يبين أنه لا يرجع إلى الآخر إلا وهو قد التأم
لأنه إذا ثقب موضع من الشدق الواحد بقي منه مواضع غير ذلك
فيرجع فيثقب فيها فيكون أكثر في تألمه لكونه يبقى له جرح
ويجرح جرحاً آخر في جنب الجرح الأول ولكن لما كان شَقَّ لم
يبق له فيه لِمَا يَرجع إلا أن يلتئم فلذلك بين بقوله
فيلتئم
وقوله فانطلقنا أي سرنا وقوله حتى أتينا أي بلغنا وقوله
إلى رجل مضطجع على قفاه ورجل قائم على رأسه بقهر أو صخرة
الفِهْر الحَجَر المدوّر والصخرة حَجَر مبسوط وقوله
فيَشدَخُ به رأسَه أي يكسره ويبالغ في كسره
وقوله عليه السلام فإذا ضربه تَدَهْدَهَ الحَجَرُ فانطلق
إليه ليأخذه فلا يرجع حتى يلتثم رأسه وعاد رأسُه كما هو
فعاد إليه فَضَرَبه هذه الصفة كناية عن شدة الضربة
بالحَجَر لأنه إذا ضرب به حتى زال عن يده وذهب إلى بُعْدِ
منه من حيث يحتاج أن يمشي إليه وحينئذ يأخذه فهذه الصفة
عندنا في هذه الدار معلومة إنه إذا كان الذي يضرب بالحجر
ذا قوة بعد ضرب الحجر في
الشيء الذي يُضرب به ويذهب عنه إلى بُعْد وربما إن أصابت
شيئاً آخر كان تأثيرها فيه كثيراً
وفيه من الكلام مثل الذي قبل من الدليل على أمور الآخرة
وعِظَمِها وعِظَمِ القدرة الربانية الجليلة وفي هذا الفصل
وفي الذي قبل دليل على أن أمور الآخرة ليست كأمور الدنيا
يؤخذ ذلك من كون هذا مضطجعاً لا يقدر أن يتحرك بلا شيء
يحبسه والآخر قاعد أيضاً بلا شيء يحبسه كلاهما مستسلم لهذا
الأمر العظيم وفي هذه الدار لا يمكن أن يُحبَس أحد لبعض ما
هو أقل من هذا
إلا بحبس شديد من وثاق أو غيره هذا من عجائب القدرة
وفيه أيضاً دليل يتبين به معنی قوله تعالی غِلاظٌ شِدَادٌ
۱ لأن قوة تلك الضربة لا تكون
إلا عن تلك الصفات المذكورة وهي من جملة التخويفات وهنا
بحث وهو لم خُص هذا العضو من سائر الأعضاء بالعذاب فالجواب
أنه هو الذي ترك السَّهَر بالتهجد بالقرآن كما يذكر في آخر
الحديث وهناك يكون البحث عليه قوله عليه السلام قلت ما هذا
قالا انطلق فانطلقنا إلى ثَقب مثل التنور أعلاه وأسفله
واسع تتوقد تحته نار فإذا اقترب اقترب بمعنى قرب كقوله
تعالى اقْتَرَبَتِ
السَّاعَةُ
2 ٢ أى قربت فإذا قربت منهم تلك بِحَرّها وهذا كناية عن
عظيم تأججها
ه ضيق
وقوله ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا منها هكذا تفعل القدر
هنا إذا كانت على النار واشتدت النار تحتها غلت فارتفع ما
فيها إلى أعلاها حتى إنه إن غفل عنها رمت بعضَه خارج القدر
فدل بهذه الصفة على عِظمَ حَرّها والحكمة في كونه مثل
التنور أعلاه ضيق لأنه أبلغ في حرارة النار لأنه تنعكس
حرارتها إلى داخل
وقوله حتى كادوا أن يخرجوا أي قربوا من الخروج وقوله فإذا
خمدت أي سكن حرها وقوله رجعوا فيها أي رجعوا إلى الحالة
الأولى وقوله وفيه رجال ونساء عراة الكلام عليه كالذي تقدم
من إظهار القدرة وعِظَمها
وهنا بحث وهو لِمَ كان من تقدم من المعذبين منفردين وهؤلاء
مجتمعِينَ فالجواب أن نقول هذا كما أخبر عزّ وجلّ في كتابه
بقوله ﴿ جَزَاءً وِفَاقًا ۳ لما لم تكن هذه المعصية في هذه
الدار إلا في جمع - والجمع ينطلق في اللغة على الاثنين
فصاعداً - وهَتَكا ما أُمِرا به من ستر العورة كان هنالك
كذلك حكمة حكيم وهؤلاء هم الزناة كما يأتي بعد
وفيه فائدة كبرى لمن رُزِق التصديق به والإيمان وأعني
بالتصديق الذي يكون حقيقياً وهي إن تحرك من النفس أو من
الشيطان باعث لمثل هذا يذكرها هذه الحالة المهلكة فترجع عن
غيها ولهذا وما أشبهه أعلمنا به لأنه ليس من يخاف عقاباً
على الجملة لا يدري قدره مثل من يخاف
عقاباً معلوماً
هذا في الخوف أبلغ كما ذكر عن بعض المتعبدين أنه حسده ناس
من شياطين الإنس
۱ سورة التحريم من الآية ٦
سورة القمر من الآية 1 ۳ سورة النبأ من الآية ٢٦
٥٠٢
في حاله المبارك فأرادوا أن يُوقعوه فأخذوا امرأة في غاية
الحسن والجمال بعدما علموها ما تقول له وكيف تستدرجه
وزيّنوها ثم تلاحوا بينهم حتى أظهروا كأنهم يقتتلون في
شأنها وكأنها ابنة أحدهم ثم جاؤوه يرغبون منه لعله يمسكها
الليلة في بعض زوايا بيته حتى يعودوا إليه أو ما يشبه هذا
المعنى فامتنع فما زالوا في المَكْرِ به حتى أنعم لهم في
ذلك وهو لا يعرف لها صورة فلما جَنَّ الليل وهو مشتغل
بعبادته وإذا بها قد أنته على تلك الحالة بصورة خوف
لحقها تستجيرُ به لتُرِيَه وجهَها وتجلس معه بادية الوجه
بالقرب منه فلم تزل تكيد عليه حتى راودته وعزمت عليه
بالفاحشة فلما رأى جدّها قال لها أمهلي يسيراً وأخذ دهناً
وألقاه في المصباح وزاده فتيلاً فلما قويت شمعته جعل عليها
أصبعه وتركها ساعة والنار تتقد فيها حتى اشتد عليه ألم
النار صاح صيحة وغشي عليه وأدركها هي الرعب من حاله وصدقه
مع الله فكفّت فلما أصبح وأتوها وأخذوها وسألوها أخبرتهم
بما جرى فارتجعوا عنه وقال بعضهم
فكيـ
على البَرْدِ ليس تَقْوَ ولا على أيس
ـوَى لِحَرِّ نـ
وَقودُهـ
ـرارَه الناسُ والحِجارَه
وقوله عليه السلام فقلت ما هذا قالا انطلق فانطلقنا حتى
أتينا الكلام على هذه الألفاظ كما تقدم أولاً وكذلك تلك
البحوث هل ما رآه عليه السلام حقيقة أو تمثيلاً في كل وجه
يتكرر البحث فيه والجواب عليه على حد واحد فإن القدرة لا
تعجز عن شيء
وقوله على نهر من دم فيه رجل قائم وعلى وسط النهر - قال
يزيد ووهب بن جرير عن جرير بن حازم وعلى شط النهر - رجل
بين يديه حجارة فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن
يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فردّه حيث كان فجعل كلما جاء
ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان الكلام على ما فيه من
أمر عظيم القدرة كما تقدم وما فيه من حذف بعض الألفاظ
للدلالة عليه كالكلام على ما كان قبل والحذف الذي هنا قوله
رمى الرجل في فيه ولم يذكر الذي على حافة النهر وإنما حذفه
لدلالة الكلام عليه قبل ولأن فيه الألف واللام وهي للعهد
أي الرجل المعهود وهو المذكور قبل وفيه حذف آخر وهو قوله
كلما جاء ليخرج رمى في فيه وسكت عن ذكر الرجل وموضعه وإنما
سكت هنا أيضاً عنه لما دل عليه الكلام أولاً لأنه لم يذكر
في القضية إلا رجلين لا ثالث لهما وبين موضع كل واحد فإذا
ذكر ما فعل بالواحد لم يفهم أنه فعله إلا الثاني
1 الواو زائدة في جواب لمّا ٢ أي كائن حقيقة أو تمثيلا
٥٠٣
وهنا بحث وهو لم كان من تقدم قعوداً لا يتحركون وهذا يخوض
في هذا النهر ويرجع فالجواب أنه لما كان الذنب الذي أوجب
هذا هو أكل الربا والربا في هذه الدار لا يكتسب في الغالب
إلا بالذهاب والرجوع فكان عذابه من ذلك الجنس
وكونه دماً إنما كان ذلك كذلك لأن الدم ثخين ثقيل والخوض
في الشيء الثخين الثقيل من أتعب الأشياء ثم زيد لذلك
التألمُ بريحه ثم زيد كذلك رَمْيُ الحجر في فيه لأن به كان
يأكل الربا فكان ذلك عذاباً على عذاب مضاعف ثم انظر إلى
قدرة القادر كيف تزيده الآلام إذا أراد الخروج ثم إنه مع
ذلك لا يقدر أن يقف في ذلك الموضع حيث هو لشدّة ما هو فيه
فيروم لعل راحة فيزيده بلاء على بلاء كما قال بالبعد أشقى
وبالقرب لا أستريح فما هي إلا الآلام تتأكد وتفيح" وقوله
عليه السلام قلت ما هذا قالا انطلق فانطلقنا حتى انتهينا
إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة وفي أصلها شيخ وصبيان ورجل
قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها الروضة الخضراء هي
أحسن الروضات وهنا تحققنا أن هذا تمثيل لا حقيقة للموضع
لأنه ذكر بعد أن هذا الشيخ إبراهيم عليه السلام والصبيان
أولاد الناس وذكر عن الرجل الذي يوقد النار أنه مالك
والكلام على توجيه البقعة والشجرة وما معناهما عند ذكره ل
لذلك يأتي في آخر الحديث وقوله عليه السلام فصعِدًا بي
الشجرة فأدخلاني داراً لم أرَ قَطُّ أحسن منها من أكبر
الأدلة على أن أمور الآخرة لا تطيق العقول فهمها إلا بعد
علم أشياء عديدة وتوفيق ونظر في مثل هذا المثال الذي جعل
فيه الشجرة طريقاً إلى الدار لا يقبله العقل بديهة فإذا
بين له على ما أذكره بعد إن شاء الله زاد إيمانه وقويت
عظمة الله تعالى في قلبه
وقوله عليه السلام فيها شيوخ وشباب ونساء وصبيان ثم
أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فيه دليل على أن هذه الدار
الأولى كانت في بعض الشجرة يؤخذ ذلك من كونهم حين خرجوا من
الدار صعدوا في الشجرة
وقوله فأدخلاني داراً هي أحسن وأفضل فيها شيوخ وشباب قلت
طَوَّفتماني الليلةَ فأخبراني عمّا رأيتُ قالا نعم الذي
رأيته يشق شدقه قد تقدم الكلام على هذا أولاً غير أنه ما
ذكرناه هناك من الشق وكان مضمراً عاد هنا ظاهراً وعاد
الإدخال الذي كان هناك ظاهراً هنا
مضمراً
1 البيت مضطرب الوزن و تفيح تشتد وتهيج
٥٠٤
وقوله فكذاب يحدث بالكذبة تُحمل عنه حتى تبلغ الآفاق
فيُصنَع به إلى يوم القيامة هكذا لا يفتر زائداً على ما
لَهُ يوم القيامة من العذاب الأليم
أقسام الكذب 1
ونحتاج هنا أن نعرف الكذب الذي هو هذا عذابه فنقول والله
المستعان إن الكذب ينقسم على خمسة أقسام فمنه واجب وصاحبه
مأجور ومنه مندوب وصاحبه مأجور أيضاً على ما أبينه بعد
ومنه مباح ولا أجر فيه ولا إثم على قائله ومنه حرام وهو
الذي عليه هذا الوعيد العظيم
ومنه مكروه
فأما الواجب منه فهو أن تعرف شخصاً في موضع ويسألك عنه من
تعلم أنه يسفك دمه ظلماً وعدواناً فيتعين عليك في هذا
الموضع الكذب وتقول لا أعلم وإن حلفك تحلف وتُوَرّي في
قلبك بأن تقول أعني موضع قعوده أو هل هو واقف أو مضطجع
فإنك لا تعرف في أي موضع الآن من البيت الذي هو فيه هل في
الزاوية اليمنى أو اليسرى أو وسط البيت أو في موضع الحاجة
لأنه من يحلف على غير حق عليه اختلف العلماء فيه هل اليمين
على نية الحالف أو على نية المحلوف له على ثلاثة أقوال على
نية الحالف أو على نية المحلوف له أو على نية الذي أرادها
أولاً ولم يختلف أحد منهم على أنها إذا كانت في حق عليه
فإنها على نية المحلوف له لقوله صلى الله عليه وسلم اليمين
على نية المحلوف له فإن صدق هنا ودله عليه كان قد شارك في
قتل مسلم بغير حق وقال مَن شارَكَ في قتل مسلم ولو بشطر
كلمةٍ جاء يوم القيامة وبين عينيه ايس من رحمة الله ۳ وما
أشبه هذا النوع فالكذب فيه واجب ومن فعل واجباً كان
مأجوراً وأما المستحب فالكذب في الحرب مع نزيله لقوله و
الحرب خدعة 1 فيكون مأجوراً لاتباعه السنة في ذلك الموطن
ونحتاج أن نبين هذا الكذب بالمثال من أجل أن ٥ تعطيه العهد
ثم تقتله وتظن أن ذلك هو الكذب الجائز في الحرب وهو أن
فعلته نقض عهد ونقض العهد حرام لا يجوز وقد كان عمر رضي
الله عنه يكتب إلى جيوشه بالأمصار من بلغني عنه أنه قال
للعلج مُطَّرس ثم قتله قتلته به و مُطْرس بلغتهم الأمان
الأمان
۱ هذا العنوان وضعناه لبيان ما يلي من تفصيل وليس موجوداً
في الأصل
نص الحديث اليمين على نية المستحلف رواه مسلم وابن ماجه عن
أبي هريرة رضى الله عنه الحديث من أعان على قتل مسلم بشطر
كلمة لقي الله يوم القيامة مكتوبٌ بين عينيه آيسٌ من رحمة
الله أخرجه ابن ماجه والبيهقي عن أبي هريرة والطبراني عن
ابن عباس رضي الله عنهم
۳ نصر
٤ حديث صحيح متواتر ٥ يريد من أجل خشية أن
040
فمثال الكذب الذي يجوز في الحرب أن يقول لنزيله مَنْ ذلك
الشخص الذي خلفك وليس وراءه أحد من أجل أن يلتفت فيتمكن
منه أو يقول له ما بال حزام سرجك محلولاً تريد أن تريني
حُسن ركوبك فإما أن يلتفت إلى حزام سرجه فيتمكن منه وإما
أن يدخله الشك فيبقى يشتغل بحبس نفسه في سرجه فَتَقِل
شطارته لذلك فيكون أمكن منه وما يشبه هذا النوع
وأما الكذب المباح فمثل أن يكون الشخص قد فعل شيئاً ونسي
أنه فعله فيسأل عنه فيقول
لم أفعله فهذا من قبيل المباح لأنه قال لا إن الله تجاوز
عن أمتي الخطأ والنسيان۱ تجاوز عنه فلا إثم عليه ولا هو
أيضاً فيه مأجور فهذه صفة المباح أعني في عدم الإثم وعدم
الأجر فما كان هذا سبيله من جميع الأشياء فهو مباح وأما
المكروه فهو ما يَعِدُ بِهِ الرجل امرأته من الإحسان ولا
يفي لها به لقول سيدنا الله للسائل الذي سأله أأكذب
لامرأتي فكره ذلك فقال له أعِدُها قال افعل
وقد ذكر بعض الناس أنه إن اشترى حاجة لامرأته ليست بواجبة
عليه إلا من طريق الإحسان لها ويخبرها عن ثمنها بأزيد مما
دفع فيها أنه من قبيل المكروه لأنه لا يترتب عليه إلا
مصلحة نفسانية وهي كونها تطاوعه في كل ما يريد ولا يترتب
عليه أيضاً مفسدة كما أخبر في الحديث من فتح باب ضرر
للمسلمين بكذبه وقد قال الله في حديث آخر من ضارّ بمسلم
ضرّ الله به مثال ذلك أن يُسأل شخص قد جاء من بلد إلى بلد
آخر عن سعر ذلك البلد الذي جاء منه فيخبر أرفع مما هو
فيخطر لأحد أهل ذلك الموضع أن يجلب إليه الطعام لما يرى من
الفائدة في ذلك السوم الذي أخبر به الكذاب فإذا أتعب نفسه
وغرَّرَ بها وبِمالِهِ وبلغ البلد وجد السعر ناقصاً عما
قيل له فخسر في ماله وتغير حاله وخاطره وكثرت عليه المفاسد
وسبب ذلك تلك الكذبة هذا وما يشبهه هو الممنوع
وأما الحرام الذي عليه هذا الوعيد العظيم فهو المتعهد
للكذب بلا عذر مما تقدم ولا مما يشبهه وقد قال لا يزال
الرجل يتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذاباً ۳ وهو الذي
يقول الله ضد الحق عامداً لذلك وقد جاء أن الرجل يُحاسب
على الكذيبة وهي أن تنفلت منه دابته فيروم
۱ بقية الحديث وما استكرهوا عليه أخرجه ابن ماجه عن أبي ذر
والطبراني والبيهقي في الأفراد والحاكم في المستدرك عن ابن
عباس رضي الله عنهم
لم نقف على مصدره
۳ أوله عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر أخرجه الإمام
أحمد والبخاري في الأدب المفرد ومسلم
والترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه
0
ذا
ن
C
أخذها فلا يطيق ذلك فيُخرج لها التعليقة التى كانت تأكل
فيها العلف ليريها أن بها علفاً وليس فيها شيء فتأتيه
فيأخذها فإذا كان السؤال عن مثل هذا فما بالك بغيرها
وقوله يفعل به إلى يوم القيامة إذا كان هذا من حين موته
إلى يوم القيامة فكيف حاله يوم القيامة لو لم يكن إلا ذلك
لكان أمراً عظيماً وفيه دليل على أن لأصحاب المعاصي عذابين
عذاباً في قبورهم وعذاباً آخر يوم القيامة
وقوله والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه الله القرآن فنام
عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار يُفعل به إلى يوم القيامة
فيه دليل لأهل السنة الذين يقولون إن أفعال العبد كسب له
وخَلْق لربه يؤخذ ذلك من قوله علمه الله القرآن فأضاف
حقيقة التعليم إليه - عزّ وجلّ ـ وإن كان
العبد قد تسبب فيه بالدرس والاجتهاد
وهنا بحث وهو كيف يقع العذاب على ترك القيام بالليل وهو من
جملة المندوبات والمندوب لا يعذَّب عليه تاركه فالجواب أن
نقول قد اختلف العلماء في وجوب قيام الليل فمنهم من قال
بوجوبه والذي قال بوجوبه قال هو قدر فواق ناقة أي قدر ما
تحلب الناقة فعلى هذا القول فالحديث له فيه دليل فلا بحث
على هذا الوجه ومنهم من قال إنه مندوب وهم الجمهور وعلى
هذا يقع البحث والجواب عنه من وجهين
أحدهما لما كان يُعذَّب على غير الكبائر اتبعتها الصغائر
لقوله تعالى ﴿ إِن تَجتَنِبُواً كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ
عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ 1 فدل على أنه
إن لم يجتنب الكبائر يعذب على الجميع وليس ترك مندوب متفق
عليه كمندوب مختلف في فرضيته أو ندبيته فبهذا نلحقه
بالصغائر وإن كان عند الأكثر مندوباً من أجل خلاف بعض
العلماء في وجوبه كما تقدم
و الوجه الآخر هو أنه قد جاء أن العبد يُنظَر يوم القيامة
في صلاته فإن أتى بها فحسن
وإن كانت ناقصة قال الله تعالى انظروا إلى عمل عبدي إن كان
له نوافل أكملوا منها صلاته
ومثل ذلك في كل الأعمال إذا لم يكملها وله نافلة من جنسها
جبرت منها فضلا من الله ورحمة فلما ترك هذا قيام الليل
الذي يجبر به ما ضيعه من صلاة نهاره عذب عليه لكونه لم
يفعل ما يجبر فرضه فتكون تسميته بالعذاب ليس من أجل نفسه
وإنما هو من أجل ما نقصه من فرضه ولم
۱ سورة النساء من الآية ۳۱ ٢ أوله إن أول ما يحاسب به
العبد يوم القيامة من عمله الصلاة أخرجه الترمذي والنسائي
وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه
٥٠٧
يفعل ما يجبره فالعذاب في الحقيقة إنما هو ما نقص من فرضه
وقد قال جل جلاله إِنَّ نَاشِئَةٌ الَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ
وَطْنَا وَأَقْوَمُ قِيلا ۱ وهذا الوجه هو الأظهر والله
أعلم ولذلك استحب العلماء كثرة النوافل من جميع أنواع
المفروضات من أجل ما يتوقع من نقص الفرض
وقد يحتمل أن يكون المراد بقوله نام عنه بالليل أنه ترك
صلاة الليل فيكون اللفظ عاماً والمراد به الخصوص لكن بشرط
ألا يكون نومه غلبة فإنه إذا غلبه النوم كان معذوراً لقوله
عليه السلام من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها
فذلك وقت لها ۳ لكن هذا الشرط لا يسوع أن يشترط إلا إن كان
هذا الحديث الذي نحن بسبيله بعد حديث الرخصة في النوم عن
الصلاة ٣ وهو حديث الوادي وإن كان قبله فهو على العموم كان
النوم بغلبة أو غيرها والانفصال عنه من ثلاثة أوجه - كما
ذكرنا - وأظهرها الثاني منها والله أعلم
واحتمل وجهاً رابعاً وهو أن يكون كنَى عن تضييع عمل النهار
بقوله لم يعمل فيه بالنهار وكنى عن ترك العمل في الليل
بالنوم لأنه أبلغ في الترك
وقوله والذي رأيته في الثقب فهم الزناة قد تقدم الكلام
عليهم وبقي فيه بحث وهو لِمَ كان العذاب لمن تقدم ذكرهم في
بعض الجوارح دون بعض وللزناة في البدن كله فالجواب لما كان
من تقدَّم ذكرهم معصيتهم بعضو دون عضو كان العذاب كذلك
ولما كان الزنا يتلذذ به البدن كان العذاب لجميع البدن
ولوجه اخر أيضاً لأنه من أكبر الكبائر لأنه قد جاء أنه لا
يهتز
العرش إلا لنطفة مني حرام أو قطرة دم حرام 4 وقد يكون
لمجموعهما وهو الأظهر والله أعلم
جميع
وقوله والذي رأيته في النهر أكل الربا قد تقدم الكلام عليه
أيضاً لكن بقي هنا بحث وهو
كون المساق واحداً ومن محتملاته الحقيقة والمجاز فلم سكت
عنهما هل اختصاراً أو ليس فالجواب إن قلنا إن الكل تمثيل
فالحكم واحد ويكون سكوته اختصاراً وإن قلنا إن الكل وما
فعل حقيقة فالمتقدم ذكرهم ما عدا الزناة وأصحاب الربا قد
يكون يفعل بهم ما قدر عليهم من العذاب وهم في قبورهم وأن
هذين المذكورين يكونان مثلهم مثل آل فرعون لعظم ما أتوا به
بهم
۱ سورة المزمل الآية ٦
لفظه من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا
ذكرها وفي رواية لا كفارة لها إلا ذلك أخرجه الإمام أحمد
والشيخان والترمذي والنسائي عن أنس رضي الله عنه
۳ انظر سنن النسائي ١/ ۹٥ - ۹۹ ففيها روايات لأحاديث عن
إعادة من نام عن الصلاة وكيفية قضاء الفائت
منها
٤ لم نقف على مصدره
۵۰۸
وقد قال تعالى في ال فرعون النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا
غُدُوا وَعَشِيّا ويوم تقومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا عَالَ
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ۱ والقدرة صالحة فيكون
سكوته على هذا الوجه مستدعياً للفكرة
والاعتبار
وقوله والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم فيه بحث وهو ما هذه
الشجرة التي الدور في أعلاها وإبراهيم عليه السلام في
أصلها فالجواب أن الشجرة هـ شجرة الإيمان والإسلام لقوله
تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً
طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ
وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِ أُكُلَهَا كُلَّ حِينِ
بِإِذْنِ رَبِّهَا وكون إبراهيم عليه السلام في أصلها
فلأنه الأب لجميع المؤمنين لقوله تعالى مِلَّةَ أَبِيكُمْ
إِبْرَهِيمُ هُوَ سَمَّنكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبل ۳
والآب هو
الأصل فكان ذلك تمثيلاً حسناً جداً
وقوله والصبيان حوله فأولاد الناس احتمل الألف واللام هنا
أن تكون للجنس فيكون المراد أولاد المؤمنين والكافرين لأنه
قد جاء أن أولاد الكفار يكونون في الجنة خدماً للمؤمنين
لأنهم على فطرة الإسلام فيكونون بعد في أصل الإسلام و لا
اله الا الله و قد قال ما من مولود يولد إلا على الفطرة
فأبواه يُهَوّدانه أو يُنصرانه أو يُمَجِّسانه ٤ واحتمل أن
تكون الألف واللام للعهد فيكون المراد أولاد المؤمنين ليس
إلا لأنه قد جاء في أولاد الكفار أنهم من ابائهم وأما
كونهم في أصل الشجرة والدور من فوقهم فلأن تلك الدور هي
دور الأعمال أي درجات الأعمال كما يذكر بعد والصبيان ماتوا
وهم دون التكليف وليس لهم ما يدخلون به تلك المنازل حتى
يتفضل الله عزّ وجلّ عليهم بما شاء وفيه دليل على أن أولاد
المؤمنين مؤمنون لكونهم مع ابائهم وقد اختلف العلماء فيهم
هل هم من المقطوع لهم بالجنة أو هم في حكم المشيئة على
قولين وسبب اختلافهم اختلاف الأحاديث فإنه قد جاء عنه أنه
قال في حقهم عصفور من عصافير الجنة ٥ وجاء عنه أنه قال
الله أعلَمُ بما كانوا عاملين ٦ وأما الروضة فهي كناية عن
أصل الخلقة لأنه قد جاء أن آدم عليه السلام كانت طينته من
1 سورة غافر من الآية ٤٦ سورة إبراهيم من الآية ٤ و ۵
۳ سورة الحج من الآية ۷۸
٤ قطعة من حديث أخرجه الشيخان وأبو داود عن أبي هريرة رضي
الله
٥ سبق تخريجه في الحديث ۳
٦ سبق تخريجه في الحديث ٢٣
09
جميع بقع الأرض طيبها وخبيثها وسهلها ووعرها ۱ فالمؤمنون
من الأرض الطيبة التي تلك الشجرة فيها وهي شجرة الإيمان
وبها نباتها فلا ينبت الطيب إلا فى الطيب كما قال تعالى
وَالطَّيِّبَتُ لِلطَّيِّبين والكافر من الأرض الخبيثة
والأرض الخبيثة لا تنبت إلا خبيثاً مثل الحنظل وما أشبه
كما قال تعالى ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ
خَبِيثَةٍ أَجْتُنَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا
لَهَا مِن قَرارِ ۳ وقوله والدار الأولى التي دخلت الجنة
دار عامة المؤمنين لأجل أنها دار عامة المؤمنين
كان فيها الرجال والنساء والشباب والشيوخ لأن هذه الأربع
صفات احتوت على جميع أنواع المؤمنين وفيه أيضاً تحقيق لما
ذكرنا أن الشجرة هي عبارة عن الإيمان لأن الإيمان هو
الطريق إلى
الجنة بلا خلاف
وقوله وأما هذه الدار فدار الشهداء لأجل أنها دار الشهداء
لم يكن فيها إلا شيوخ وشباب وهنا بحث وهو لِمَ لَمْ يكن في
الدار التي للشهداء إلا نوعان شيوخ وشباب ولم يكن فيها
نساء وقد عد في الشهداء المرأة تموت حاملاً شهيداً والمرأة
تموت بِجُمْعِ ٤ شهيد فالجواب أنه لم يختلف أحد في أن أعلى
الشهادة القتل في سبيل الله وإن كان الشهداء سبعة كما جاء
في الحديث المبطون والمحترق والغريق وصاحب الهدم وصاحب ذات
الجنب والمرأة تموت حاملا والشهيد فإنما المراد هنا تبيين
فضل الشهادة في سبيل الله من أجل التحضيض عليه والله أعلم
وهنا بحث وهو لِمَ أخَّرا الإخبار له عليه السلام بما رأى
إلى آخر الرؤيا ولم يخبراء عند كل قضية بها فالجواب أن
تأخيرهما الإخبار إلى آخر الرؤيا فيه من الحكمة التيسير
لجمع
1 أصل الحديث إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع
الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض جاء الأحمر والأبيض
والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب وبين ذلك
أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي عن
أبي موسى رضي الله عنه
منهم
سورة النور من الآية ٦ ۳ سورة إبراهيم من الآية ٢٦
رضي
٤ بِجُمْع مثلثة الجيم ساكنة الميم أي ماتت وولدها في
بطنها وقيل إذا ماتت عذراء أيضاً ٥ كثيرة هي الأحاديث التي
تعدد الشهادة منها حديث جابر بن عتيك أن رسول الله جاء
يعود عبدالله بن ثابت الله عنه فوجده قد غلب عليه إلى أن
يقول قال النبى الله الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله
المبطون شهيد والغريق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمطعون
شهيد وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة
تموت بجمع شهيد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن
حبان
في صحيحه
01
ش
مثل
سین
ـاع
لى
بها
راه
جاء
مل
د
یان
الفائدة لأنه إذا رأى شخص شيئاً وأخبر بمعناه ثم رأى شيئاً
اخر وأخبر بمعناه وتكرر ذلك في أشياء عديدة فمن الجائز أن
ينسى بعض ما قيل له وإذا أريت له الأشياء ولم يُخبر إلا
اخرا بقي الخاطر بجميعها مشغولا وإلى ما يلقى إليه
متشوّفاً فيكون ذلك أكد فى التحصيل ولحفظ ما به أخبر ولذلك
كان عليه السلام إذا كان شيء له بال يسأل ثلاث مرات الشخص
أو يناديه ثلاثاً وحينئذ يعلمه وما ذاك إلا لِجَمْع الخاطر
إلى ما يلقى إليه ونفى الالتفات للغير كما قال عليه السلام
يا معاذ ثلاثاً ومعاذ في كل مرة يقول لَبَّيْكَ يا رسول
الله وسَعْدَيْكَ ۱ فـ أخبره به إلا بعد الثلاث لتلك
الحكمة المشار إليها يخبره بالذي
وفيه أيضاً سؤال ثالث وهو لِمَ لم يُعرِّفاهُ بأنفسهما
أولاً وتركا التعريف بأنفسهما إلى آخر فالجواب لو عرفاه
أولاً لوقع الاستئناس بهما والإدلال عليهما حتى يسألهما
عما رأى أوّلاً بأول ولا يمكنهما إلا الجواب له عليه
وعليهما الصلاة والسلام لما يلزمهما من الأدب معه
والاحترام له وعند التنكير تبقى النفس مجموعة بما ترى
مشغولة بحالها وعرّفاه آخِراً بأنفسهما لِيَعلم أن ما رأى
كان حقاً كله بواسطة الملك الذي نزل بالقرآن لأن هذين لا
يدخلهما تأويل ولا يُشَك فيهما وإن كانت مرائيه عليه
السلام كلها حقاً فليس الحق كله في القوة الواقعة في
النفوس على حد سواء وللقوة في ذلك وبنوه فمنها بحسب قوة
سياسة المبلغ إليه ومنها بحسب معرفتك بحال مبلغها إليك
وفيه دليل على أن الملائكة عليهم السلام تتطور لأن سيدنا و
قد كان يعرف هذين الملكين فلما راهما على صورة لم يرهما
عليها لم يعرفهما
وقوله فارفع رأسك فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحاب قالا
ذلك منزلك فقلت دعاني أدخل منزلي قالا إنه بقي لك عمر لم
تستكمله فلو استَكْمَلْتُهُ أتيت منزلك فيه بحث وهو أن
يقال أليست هاتان الداران من الجنة وتراه عليه السلام قد
دخلهما وخرج منهما فلم مُنع عليه السلام من منزله وهو
أيضاً من الجنة حتى يستكمل عمره فالجواب أنه إنما دخل عليه
السلام هاتين الدارين وإن كانتا من الجنة لأنه ليس له
فيهما أهل لنفسه ولا لأهلهما أيضاً تعلق به كتعلقهم بمن هم
له ودخوله عليه السلام الجنة حق للنص عليه بقولهما التي
دخلت الجنة وقد رأى عليه السلام ما بين الدارين من التفاوت
وما بينهما من المسافة إلا القدر القليل والنزر اليسير
بالنسبة لما بين الدارين ولما رأى عليه السلام بعد المسافة
بين منزله وبين المنازل التى دخل وعايَنَ حصل له العلم
بعظم المنزلة وكيفيتها وهناك
1 أخرجه الشيخان عن أنس بن مالك عن معاذ بن جبل رضي الله
عنهما
۵۱۱
أهله من الحور والولدان وهم موعودون به والوعد حق لا خلف
فيه فلو وقع الاجتماع لم تمكن الفرقة للوعد الحق وكذلك
جميع القصور والأشجار التي هناك والأنهار منتظرة له عليه
السلام فهذا - والله أعلم - بمقتضى الحكمة أوجب منع الدخول
إلا بعد توفية العمر وفيه بحث ثانٍ أيضاً لِمَ أُخر رؤية
منزله عليه السلام آخراً ولم يكن ذلك أولاً فالجواب أنه قد
جرت الحكمة أن الأشياء لا يتبين قدرها إلا بمعاينة ما هو
أقل منها فأخرا الإخبار له عاين ذلك فكبرت النعمة إذ ذاك
وعظمت وأما كونه عاين منازل المؤمنين وحينئذ عاين منزله
فلان
ووج
الختام إنما يكون بأجل الأشياء ولذلك قال عزّ وجلّ
خِتَمُهُ مِسْدٌ ﴾ ۱ وقد قال بعضهم وساقي القوم آخرهم
شراباً وهو عليه السلام المخير لنا فأخَّرَ الإخبارَ
بخَبَرِهِ الخاص به
وفائدة هذا الحديث الإيمان بما فيه من الوعد والوعيد
والعمل على طريق النجاة فهي
الفائدة التي من أجلها أخبرنا بما تضمن
يا سيدي
ومن هنا فَضَل أهل الطريق غيرهم لأنهم صيروا العلم حالاً
حتى إنه يذكر عن بعض التلامذة أنه غاب عن شيخه أياماً
كثيرة فلما أتاه قال له يا بني ما حبسك عني قال له سمعت
منك آيتين فعملت عليهما لأن أتخدهما حالاً فجاهدت النفس
على ذلك حتى من الله به أو ما في معناه فقال له الشيخ وما
هما يا بني قال الأولى قوله تعالى فَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَمُ وَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ۳ والثانية قوله تعالى
وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ
رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾ ٤
فجاهدت النفس على
ج
التزام عمل الخير ولا تترك منه ذرة وترك الشر ولا تقع فيه
بِذَرَّةٍ وعلمت أني من أحد دواب الأرض ورزقي عليه ويعلمني
وحيث مستقري فَأَزَلْتُ تعلق القلب من الرزق لوعده الجميل
لأنه لا يخلف الميعاد ولعلمه بي وأين مستقري فهو عزّ وجلّ
ييسره لي بحسن لطفه ووفاء وعده فقال له الشيخ هنيئاً لك يا
بني فلقد فقت العابدين هذا مقصود الموالي من العبيد ولذلك
قال من قال إذا كان وَعدك بالرزق لا يُخلف وطلبك الأمر من
غيره لا يُعرَف فحسبي تصديق وعدٍ لا يُخلف واشتغالي بأمر
غيره مني لا يُعرَف
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ سورة المطففين من الآية ٢٦
لفظه ساقي القوم اخرهم شربا أخرجه الترمذي وابن ماجه عن
أبي قتادة رضي الله عنه
۳ سورة الزلزلة الايتان ۷ و ۸
٤ سورة هود من الاية ٦
۵۱
حديث لا حسد إلا في اثنتين
عَنِ ابن مسعود ۱ رضيَ الله عَنهُ قالَ سَمِعتُ النَّبِيَّ
صلى الله عليه وسلم يَقولُ لا حَسدَ إلا في التينِ رَجُل
آتاه الله مالاً فَسَلَّطه على هلكته في الحَقِّ وَرَجُلٍ
آتَاهُ الله حِكمَةٌ فَهُوَ يَقضي بها
ويُعلمها
*
ظاهر الحديث يدل على جواز الحسد في الصفتين المذكورتين
ومنعه مما عدا ذلك والكلام عليه من وجوه
أحدها هل هذا الحسد هنا حقيقة أو مجاز محتمل والظاهر أنه
مجاز وهو إذا تحقق غبطة وتنافس وقد قال جل جلاله وَفِي
ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ ٢
والدليل على أنه غبطة لا حسد لأن حقيقة الحسد إنما بكون في
شيء ينتقل عادة من واحد إلى اخر بوجوه ممكنة جائزة مثل أن
يرى شخص على شخص نعمة فيريد أن تنتقل تلك النعمة إليه
ويفقدها صاحبها ولذلك قال جلّ جلاله لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ
مِّمَّا اَكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَا
1 عبد الله بن مسعود أبو عبد الرحمن صحابي ابن صحابية سادس
ستة في الإسلام من أكابرهم فضلاً وعقلاً وقرباً من رسول
الله وشهد الغزوات من بدر إلى اليرموك أجهز على أبي جهل في
بدر وشهد له النبي بالجنة وقال فيه ساقاه النحيلتان اللتان
ضحك منهما الصحابة لما تسلق شجرة أوْزَن من جبل أحد عند
الله يوم القيامة كان صاحب نعل رسول الله كان يُلبسه إياها
فإذا جلس عليه السلام جعلها ابن مسعود في ذراعه كثير
الدخول على رسول الله وكان يقال له صاحب السواك والنعل روي
له ٨٤٨ حديثاً اتفق الشيخان على ٦٤ منها ويعد ابن مسعود
مرجع الإمام أبي حنيفة وأصل مذهبه في الحديث وفيه قال خذوا
القرآن من أربعة من ابن مسعود وأبي بن كعب ومُعاذ بن جَبَل
وسالم مولى أبي حُذَيْفَة ويُقسم ابن مسعود أنه يعرف كل
اية أين نزلت وفيم نزلت ولو يعلم من هو أعلم منه لركب إليه
وكان في مرضه يشكو ذنوبه لعثمان وأوصى بناته بقراءة سورة
الواقعة أمناً من الفقر وهو أحد العبادلة الفقهاء ت ٣٢هـ /
٦٥٣ في المدينة المنورة وصلى عليه
عثمان رضي الله عنه سورة المطففين من الاية ٢٦
اكْتَسَبَنَ وَسَتَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۱ معناه لا
يطلب أحد من أحد مما أنعم الله عليه ويسألُ الله الذي أنعم
على أخيه أن ينعم عليه بفضله فإن كل نعمة من الله على
عباده إنما هي من فضله ومَنْه لا بوجوب ولا استحقاق
ولذلك قال إذا حسدت فلا تَبْغِ لأن الحسد هو ما قدمنا ذكره
من انتقال النعمة التي على شخص إلى غيره وقد يكون انتقالها
بزيادة خير للآخر مثال ذلك أن يرى شخص ثوباً على شخص
فيتمنى أن يعطيه إياه ويطلبه له فيفتح الله على صاحب الثوب
بما هو خير منه فيتصدق به على الذي حسده فيه أو يبيعه منه
فقد حصل للحاسد مقصوده وزادت النعمة على المحسود والبغي هو
أن يريد أن تنتقل النعمة من صاحبها إلى غيره بضرر يلحق
صاحب النعمة مثال ذلك أن يرى أحد بعض متاع الدنيا عند شخص
فيتمنى أن يكون ذلك المتاع عنده وصاحبه ميتاً أو مقتولاً
أو منفياً أو ما أشبه ذلك من وجوه الضرر فهذا معنى قوله
إذا حسدت فلا تبغ أي إن وقع منك حسد فلا يكون بغياً أي
بضرر لغيرك فالأولى ألا تحسد أحداً فإن أعجبك شيء من
الأشياء فاسأل الله أن يعطيك من فضله كما أعطى ذلك الشخص
فإن لم تقدر على ذلك وأبت نفسك إلا ذلك الشيء بعينه فاسأله
بلا ضرر يلحق لصاحبه فإن طلبته بضرر فذلك هو البغي وهو من
أعظم الذنوب
وقد رأيت في بعض التواريخ أن شخصاً فتح الله عليه فتحاً
عظيماً من الدنيا وكان بعض المساكين يمشي في الأزقة
والأسواق وما كان دعاؤه إلا أن يقول اللهم افتح عليّ كما
فتحت على فلان ويذكر ذلك الشخص المنعم عليه فقال له يا هذا
ما لك وما لي أما وجدت أن تسأل الله إلا مثل ما أعطاني ألا
تكف عني كلامك يزيدني شُهرة وربما قد يلقاني منه أذى فأبى
المسكين أن ينتقل عن ذلك القول وقال له ما شَتَمتُك ولا
سَبَبتك وأنا أدعو بما يظهر لي فلما قال له ذلك قال له كم
يكفيك في يومك على ما تشتهيه من النفقة فسمّى له عدداً
فالتزم له إعطاء ذلك العدد كلَّ يوم ويقعد في داره ولا
يذكره ولا يسأل أحداً فبقي يُجري عليه ذلك
المعروف حتى توفي
وهذه الحكمة المرادة في الحديث لم يُجرِ الله عزّ وجل
عادته أنه يأخذها من واحد ويعطيها آخر مثل حطام الدنيا
وكذلك المال أيضاً لأنه إذا أنفق لا يرجع إلى أحد لأنه قد
حصل في
۱ سورة النساء من الآية ۳
لفظه إذا حسدتم فلا تبغوا وإذا ظننتم فلا تحققوا وإذا
تطيرتم فامضوا وعلى الله فتوكلوا أخرجه ابن عدي عن أبي
هريرة رضي الله عنه
٥١٤
الآخرة لأنه ما حسده في المال نفسه وإنما حسده في كونه
أنفقه فـ أسقط عنه ما عليه من الحق وثبت في ديوان حسناته
ومثل ذلك مثل من يرى شخصاً قد حج كذا حقه وإنفاقه في حقه
قد وكذا حجة وجاهَدَ كذا وكذا مرة فحسده على ذلك فحقيقة
الحسد في مثل هذا إنما هو غبطة لأنه في الحقيقة تمنى أن
يفعل خيراً مثله وكلام العرب فيه المجاز كثير وهو من فصيحه
وهنا بحث وهو ما المراد بالحكمة هنا الظاهر أنها الفهم في
كتاب الله عزّ وجلّ لأن الله تعالى يقول ﴿ وَمَن يُؤْتَ
الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ۱ قال
العلماء الحكمة هي الفهم ب كتاب الله والدليل على ذلك من
الحديث قوله يقضي به أي يحكم بها ولا يحكم أحد بشيء بعد
الإسلام ويكون مأجوراً فيه إلا بكتاب الله عزّ وجلّ وسنة
رسول الله والفهم في كتاب الله كالفهم في سنة رسول الله ل
لأنهما من الحكمة والحكم بهما مخرج واحد لأنهما الثقلان
اللذان قال له فيهما لن تضلوا ما تمسكتم بهما
وتعليمهما للغير من الكمال لأنه إذا كان يفهم عن الله
ويعمل به ويعلمه فهو أعلى المقامات لأن هؤلاء هم ورثة
الأنبياء عليهم السلام وقد قال عليه السلام إذا مات المرء
انقطع عمله إلا من ثلاث ولد صالح يدعو له وصدقة جارية
وعِلم يُنتفع به بعد موته ۳ وأعلاها بَثْ العلم والعلم
الذي فيه هذا الأجر العظيم هو علم الكتاب والسنة أو ما
استنبط
منهما وقد جاء أنه من صلى الفريضة وقعد يعلم الخير نودي في
ملكوت السموات عظيماً وهنا بحث وهو هل الفهم في الكتاب
معناه فهم الأمر والنهي من التحليل والتحريم ليس
إلا فإن كان هذا فقد حصل لمن تقدم ولم يبق للمتأخر شيء منه
لأن الأصول قد تقعدت والأحكام قد ثبتت أو أن المقصود ذلك
وما فيه من الحكم وفوائد أمثاله وفهمها فإن كان هذا فهو لا
ينقضي إلى يوم القيامة ويأخذ منه المتقدم والمتأخر كلُّ
بحسب ما قسم له وإلى ذلك أشار بقوله صلى الله عليه وسلم
فيه لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الردّ ولا يشبع منه
العلماء ٤ مثال ذلك قصة موسى عليه السلام في قوله تعالى
﴿فَلَمَّا تَرَاهَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَى
إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي
سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ أَضْرِب
بَعَصَاكَ الْبَحْرُ فَأَنفَلَقَ
1 سورة البقرة من الآية ٢٦٩ ٢ أول الحديث تركت فيكم شيئين
لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي الخ أخرجه الحاكم عن أبي
هريرة ۳ أصله إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث الخ
أخرجه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والترمذي
والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه
رضي
الله عنه
جزء من حديث طويل أوله إلا أنها ستكون فتنة أخرجه الإمام
أحمد من حديث سيدنا علي رضي الله عنه
فَكَانَ كُلُّ فِرْقِ كَالطَّودِ الْعَظِيمِ ۱ ينبغي أن
نعلم ما الفائدة بالإخبار بهذه القصة لنا وما لنا فيها من
التأسي بمقتضى الحكمة ومن تقدم من العلماء لم يتعرضوا لهذا
المعنى فيما أعلم وهو مما نحن مخاطبون به لأنه لم يقص
علينا القصص عبثاً لأن الله عزّ وجلّ يقول ﴿ فَاقْصُصِ
الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
فالفائدة في ذلك - والله أعلم - أنه لما لم يخرج موسى عليه
السلام ببني إسرائيل إلا بعد ما أمره الله تعالى بذلك ثم
قام البحر أمامهم ورأوا الجمع وراءَهم وقد وقع العَينُ
بالعَين أيقنوا بالعادة الجارية أنهم مُدرَكون فسألوا موسى
عليه السلام لعله يكون عنده أمرُ من الله تعالى يفعله عند
وقوع العين بالعين لأن قولهم ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ - وهو
عليه السلام قد أبصر ما أبصروا من الجمع والبحر - ما
الفائدة فيه إلا استخراج ما عنده في ذلك فلم يكن عنده شيء
مستعد للعدو إلا أنه يعلم أن الذي أمره ووفقه لامتثال أمره
هو معه ولا يُسْلِمُهُ
فلم ينظر في ذلك إلى مقتضى العوائد الجارية ولا غير ذلك
لأن قدرة الله تعالى لا تنحصر للعادة يفعل عزّ وجلّ ما شاء
فقال جواباً لهم ﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي
سَيَهْدِينِ كأنه عليه السلام يقول بمتضمّن قوة كلامه يا
قوم ليس لي شيء أفضُلُكم به إلا قوة إيمان بالله ويقين به
وصدقٌ معه فهو يهديني لما فيه نجاتي ونجاتكم فما فرغ من
كلامه إلا ونزل عليه قوله تعالى ﴿ فَأَوْحَيْنَا إِلَى
مُوسَى أَنِ أَضْرِب بَعَصَاكَ الْبَحْرُ فجاءه الجواب من
الله بالفاء التي تعطي التعقيب والتسبيب لما أخبرهم بحاله
مع ربه في الحال أتته الهداية كما تليق بالعظيم الجليل إلى
الضعيف إذا وثق به فكان من أمْرِهم وأمْرِ عدوهم ما قص عزّ
وجلّ بعده كذلك أنتَ يا من قصَّت عليه هذه القصة إذا كنتَ
ممتثلاً لأمر ربك كما أمَرَك ولم تعلق قلبك بسواه يمدك
بالنصر والظفر في كل موضع تحتاج إليه ولا تقف في ذلك مع
عادة جارية كما فعل أصحاب موسى عليه السلام فكن في إيمانك
مُوسَوِيَّ العقل يُغرِق فرعون هواك لطفُ مولاك في بحر
التلف وكذلك كلُّ من أرادك بسوء قال عزّ وجلّ في محكم
التنزيل ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
۳ وإنما ذكرتُ هذه القصة تصديقاً لهذا الوعد الحق وهو قوله
تعالى وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ لأن
القصص إذا ذكرت بعد الوعد كانت تصديقاً له وتأكيداً
۱ سورة الشعراء الآيات ٦١ - ٦٣
سورة الأعراف من الآية ١٧٦
۳ سورة الروم من الاية ٤٧
01
﴿
وقد قال تعالى إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ۱ ونصرة
العبد الله إنما هي باتباع أمره واجتناب نَهيه وفي هذه
القصة إشارة لطيفة وهي أنه إذا كان واحد ممن هو ممتثل في
جمع وهم له مطيعون أنهم يُنصَرون يؤخذ ذلك من أنه لم يكن
على يقين موسى عليه السلام في القوم غيره فلما كانوا له
مطيعين عادت على الكل تلك البركة بذلك النصر العجيب
وفيها أيضاً إشارة وهي ! في هذا المعنى وهي أنه لما بادر
عليه السلام للأمر ممتثلاً عَلِمَ بحقيقة الإيمان أن الأمر
لا يترك من أمره وامتثل أمره فإنه خُلْف والخُلْف في حق
الله تعالى مُحال فإذا رأى المرء نفسه قد قام بأمر ربه كما
أَمَرَهُ إيماناً واحتساباً فلا يشك في النصر ولا يَدخله
في ذلك امتراء فإن دخله شك فهو ضَعْف في التصديق وإذا
ضَعُف تصديقه - وهو إيمانه - خان نفسه وهو لا يشعر وهذا من
خُدَع العدوّ وقد يُبطىءُ عليه النصر من أجل ذلك فلا يزال
مع الإبطاء يضعف إيمانه حتى يكون سبباً إلى الشقاوة العظمى
وهو من مكايد العدو وقد قال تعالى في كتابه مثنياً على من
قام بأمره في هذا المعنى الذي أشرنا إليه ومخبراً بحالهم
الجليل كيف كان ليقع بهم التأسي في ذلك الشأن فقال عزّ وجل
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ
جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَا
وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ
يَمْسَسْهُمْ سُوءُ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ
وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ٢ أي الله يكفينا والآي في
هذا المعنى كثيرة
وفيه دليل على كثرة نصحه ل لأمته وإرشاده لهم لكل ما فيه
ربحهم في الدارين يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام لا َحسَدَ
إلا في اثنتين وسمى هذه التي بين وما فيها من الخير وهي
الحكمة المذكورة وسمّى المال الذي سلطه صاحبه على هلكته في
الحق
وقد يقول السامعون أو بعضهم وأي فائدة لنا في الدنيا أو في
الآخرة إذا تمنينا أن يكون لنا مثل حال صاحب هذا المال
الذي ينفقه في الحق وماذا يعود أيضاً علينا من أن نتمنى
حالَ صاحب الحكمة التي يقضي بها ويعلّمها وليس كل الناس
فيه أهلية لذلك فيتمنى أحد شيئاً وهو يعلم أنه لا يمكنه
الحاقه مثل شخص لا يقرأ أو لا يكتب فيقول كيف أتمنى أنا
حال هذا
وهو إذا تمنى حاله بإخلاص مع الله فإن له مثل أجره لأنه
قال له إنما الدنيا لأربعةِ نَفَر رجل رزقه الله مالاً
وعلماً فهو يتقي في ماله ربَّه يَصِل به رَحِمَه ويعلم أن
الله فيه حقاً فهذا
۱ سورة محمد من الآية ٧ سورة آل عمران الآيتان ۱۷۳ و ١٧٤
۵۱۷
N
بأفضل المنازل وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً فهو
صادق النية الله يقول لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان
بنيته فأجرهما سواء وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً
فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربَّه ولا يَصِل به
رَحِمَه ولا يعلم الله فيه حقاً فهذا بأخبث المنازل وعبد
لم يرزقه مالاً ولا علماً فهو يقول لو أن لي مالاً لعملت
فيه بعمل فلان فهو بنيته ووزرهما سواء ۱ والعلم المذكور
هنا المراد به أن يعلم ما في المال من الحق وهذا القدر من
العلم يكاد لا يخفى على أحد إلا اليسير من الناس فإذا علم
أن في المال حقاً ولم يعرف كيفية إخراجه فيسأل عنه ويمتثل
ما يقال له في ذلك فعلمه أولاً أن في ماله حقاً الله وعزمه
على توفيته بالخروج وسؤاله عن ذلك وإخراجه في وجوهه
الواجبة والمندوبة عالم يطلق عليه
فأراد عليه السلام بجواز الحسد هنا الذي هو المبالغة في
التمني لأن يحصل للحاسد هذه المنزلة الرفيعة وهو لا يعلم
كما حكي أنه كان في بني إسرائيل عابد ومرت به سَنَة شديدة
فمرَّ بكثيب من رمل فتمنى أن يكون له مثله طعاماً فيتصدق
به على بني إسرائيل وكان صادقاً مع الله تعالى فأوحى الله
عزّ وجلّ لنبي ذلك الزمان عليه الصلاة والسلام أن قل لفلان
إني قد قبلت صدقته فأراد سيدنا أن يسوق لنا كل خير كان لمن
تقدم من الأمم بطريقة لطيفة وتعليم
جميل
كذلك أيضاً الحاسد لصاحب الحكمة إذا كان لا يمكنه أن يصل
إليها يحصل له أجر النية على العزم على ذلك لأنه قال له
نية المؤمن خير من عمله وقد حكي عن بعض أهل الدين والفضل
أنه دخل على أخ له مريض يعوده فقال له المريض انْوِ بنا
حَجًا اِنْوِ بنا جهاداً انْوِ بنا رباطاً فقال له يا أخي
وأنت في هذا الحال فقال إن عشنا وَفَّينا وإن مِثْنا كان
لنا أجر النية إذا كانت صادقة فهؤلاء فهموا عن الله وعن
رسوله صلى الله عليه وسلم
ثم مع ذلك يحصل له شيئان عظيمان أحدهما الندم على تضييع
العمر وقد قال الندم توبة ۳ والثاني حب أهل الخير وإيثارهم
على غيرهم وقد قال الله المرء مع من أحب ٤ وقد يزيده مع
ذلك التأسي بهم في بعض الأشياء التي يسمعها منهم ويكون
بينه وبينهم مناسبة ما
۱ مروي بالمعنى مَثَلُ هذه الأمة كمثل أربعة نفر الخ أخرجه
الإمام أحمد وهناد وابن ماجه والطبراني والبيهقي عن أبي
كبشة الأنماري رضي الله عنه ٢ أخرجه البيهقي في الشعب عن
أنس رضي الله عنه
جزء من حديث أخرجه الطبراني وأبو نعيم عن أبي سعيد
الأنصاري رضي الله عنه ٤ أخرجه الإمام أحمد والشيخان وأبو
داود والترمذي والنسائي عن أنس والشيخان عن ابن مسعود رضي
عنهم
الله
۵۱۸
والتشبه بالكرام فلاح وقد يكون صادقاً مع الله فيفتح له في
ذلك بطريق خرق العادة كما ذكر عن يوقنا في فتوح الشام مع
أنه كان لا يفقه من العربية شيئاً وما ذكرنا يوقنا إلا من
أجل بيان خرق العادة في كسب العلم ليس إلا فلما أخذ
المسلمون حصنه وأسروه أصبح وهو يتكلم بالعربية وهو يحفظ
سُوَرا من القرآن وأسلم فسأله حاكم المسلمين عن حاله من
أين أتاك هذا الأمر فأخبره أنه رأى سيدنا صلى الله عليه
وسلم في النوم وأنه هو الذي علمه ذلك وانتفع المسلمون
بإسلامه كثيراً أو يعطيه كما أعطى صاحب المال بحسن نيته
فإن المولى كريم منّان فبان ما قلنا من الدلالة على نصحه
لأمته وحسن إرشاده لهم من هذا الحديث بما أبديناه
ويترتب على هذا من الفقه وجوه منها الجد في فهم الحديث
والكتاب لما فيهما من الخير وأنه ينبغي لكل من له ولاية
على رعية ولو على نفسه الذي لا بد لكل شخص منها أن ينظر
كيف يجلب لهم الخير بحسن إرشاد منه اقتداء بهذا السيّد صلى
الله عليه وسلم
وفيه إشارة إلى أن العلم لا يكمل الانتفاع به إلا مع العمل
به يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام ويقضي بها
وفيه دليل لأهل الصوفة لأنهم يسأل بعضهم بعضاً أين مقامك
وما حالك مع ربك وما ذاك منهم إلا لأن يقع التأسي بنبيّهم
عليه السلام في ذلك الترقي ولغبطة بعضهم لبعض ولذلك قال
إذا كانت نفسي لك وكنتَ لي فأنا صاحب الدارَينِ وهما لي
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۵۱۹
حديث فضل الصدقة
عَن أبي هُرَيرةَ رَضي الله عَنهُ أَنَّ رَسولَ الله صلى
الله عليه وسلم قالَ قالَ رَجُلٌ لأَتَصَدَّقن بصدقةٍ
فَخرجَ بصدَقتِهِ فَوضعَها في يد سارق فأصبحوا يتحدَّثونَ
تُصُدِّقَ على سارق فقَالَ اللّهمّ لكَ الحَمدُ لأتصدقنَّ
بصدقَةٍ فَخرجَ بصدقتِه فوَضعَها في يد زانِيةٍ فأصبحوا
يتحدثونَ تُصُدِّق اللَّيلةَ على زانية فقالَ اللَّهمَ لكَ
الحَمدُ لأتصدقنّ بصدقةٍ فخرج بصدقتِه فوضعها في يد غَنيّ
فأصبحوا يتحدَّثونَ تُصُدِّق على غني فقالَ اللّهُمّ لكَ
الحَمدُ على سارق وعلى زانيةٍ وعلى غَنيّ فأُتِيَ فَقِيلَ
لَهُ أمَّا صَدقتُكَ على سارِقٍ فلعلَّهُ أن يَستَعِفَّ
عَن سَرقَتِهِ وأَمَّا الزَّانيةُ فَلعلها أن تَستَعفَّ
عَن زِناها وأمَّا الغَنيُّ فلَعَلَّهُ أن يَعتبر فينفق
مما أعطاه الله عَزَّ وجَلَّ
وجوه
ظاهر الحديث يدل على أن دوام حسن المعاملة مع الله يوجب
رفع المنزلة والكلام عليه من
منها الدليل على صدقة السر أنها أفضل الصدقات فيما تقدم من
الشرائع كما هي في شريعتنا يؤخذ ذلك من قوله فخرج بصدقته
فوضعها فأصبح الناس يتحدثون بالصدقة ولا يعرف
لها صاحب
وفيه دليل على جواز مفاوضة المرء مع نفسه فيما يفعله من
الخير يؤخذ ذلك من قوله الأتصَدَّقَنَّ بصَدَقةٍ ولم يذكر
مع من فدل أن ذلك كان مع النفس وفيه من الفائدة تحقيق
النية وفيه دليل على أن تحقيق العمل الله وتخليصه من
الشوائب أنجح الوسائل يؤخذ ذلك مما مُنْ عليه من البشارة
بلَعَلَّ لَعَلَّ لَعَلّ بعد بذل جهده في معروفه ورضاه بما
جرى له فيه وعلى أن التخير للصدقة مطلوب فيمن تقدم كما هو
في شريعتنا لأنه قال تخيروا الصدقاتكم يؤخذ ذلك من إعادة
الصدقة لما سمع أنها في غير مستوجب لها ولا تخلو الصدقة أن
تكون فَرْضاً فاستئنافها
۵۰
واجب لأنه إذا أعطى شخص صدقته مجتهدا ثم ظهر له بعده أنها
في غير مستحقها وجب عليه بدلها وإن كانت تطوعاً فإعادتها
مستحبة إلا أن يكون نَذرها للمساكين فعليه واجب إعادتها
حتى
يفي بنذره
وبقي البحث في هذه الصدقة هل كانت على الوجوب أو على الندب
فالظاهر من الحديث أنها كانت على الندب لكونه بعد الثلاث -
وهو في كل واحدة لم يصب من فيه لها أهلية - تعزى بالذي قيل
له ولم يُعِدِ الصدقة
وفيه دليل على أن الحكم للظاهر حتى يتبين ضده وأن العمل
على ذلك في كل الملل يؤخذ ذلك من كونه بالليل ورأى على
هؤلاء ظاهر المسكنة فعمل على ما ظهر له من حالهم وأعطاهم
الصدقة فلما تبين له غير الذي ظن استأنف العمل
وفيه تنبيه على أن الذي يخرج الشيء الله صادقاً ويكون
طيباً أن الله لا يضيع له ذلك وأنه يوقع معروفه في خير مما
قدّره هو كما قيل له آخر الحديث لعلّ لعلّ لعلّ ولعل في كل
موضع مما قيل له ليس على بابها بل هي واجبة على المشهور من
الأقاويل لأن هذه أخبار من الله
واختبار له من الله سبحانه بحسن نيته ولا يقع بها للفاعل
تسلية إلا أن تكون على الوجوب ومثل ذلك ذكر عن بعض الناس
أنه خطر له أن يتصدق بمائة دينار الله تطوعاً فجاء لبعض
أهل الطريق فقال له يا سيدي دلني على من أعطيه هذه الصدقة
فقال له اخرج غُدوة النهار على باب المدينة فأول رجل تلقاه
فأعطها إياه ففعل الرجل فلما أن خرج كما أمره به فأول رجل
لقي بعض الذين كانوا يوصفون بالدنيا وعليه أثرها فقال في
نفسه وكيف أعطي صدقة لغني ثم قال الشيخ أعلم منّي فدفع له
المال
طعاماً ورجع ورجع ومعه
فلما دفعه قامت النفس معه فقال والله لأتَّبِعه حتى أرى ما
يفعل فاتبعه من البعد حتى رآه قد دخل خربة فلما دخل رمى
فيها من تحته بشيء فنظر ذلك الشيء الذي رماه فإذا هي دجاجة
جيفة ثم اتبعه حتى دخل داره فاستمع من خلف الباب فسمعه
يقول لعياله افرحوا فقد فتح الله لكم وأخبرهم الخبر وسمع
فرحهم ثم خرج إلى السوق واشترى لهم الطعام حتى سمع فرحهم
بالطعام فتبين له فاقتهم فلم يقنعه ذلك حتى خرج الرجل
فأقسم عليه وسأله حاله فقال له إني كان لي ثلاثة أيام ما
منا من أكل طعاماً وما عندنا شيء نبيعه إلا هذه الثويبات
التي نستر بها حالنا عن الناس فخرجت لعلي أجد شيئاً أتسبب
لهم فيه فلقيت تلك الدجاجة التي رأيتني رميتها فقلت الحمد
الله هذه
نتبلغ بها اليوم وَلِغَدٍ فَرَجٌ فأنا راجع بها وأنت قد
دفعت لي ذلك المعروف فحَرُمت الميتة علينا
فرميتها فسُرّ الشخص بذلك وعاد إلى الشيخ وأخبره فقال يا
بني هذه سنة الله فيمن صَدَقه هـ
عزّ وجلّ يُهيّىءُ خير الأمور وأحسنَها
وفيه دليل على بركة التسليم والرضا يؤخذ ذلك من كونه في كل
مرة خاب سعيه ـ على جري العادة ـ ولم يضجر ورضي وسلّم
وأعاد المعاملة فأعقبه ذلك تلك البشارة وفيه دليل على أن
غلبة الشح في الغالب من الأغنياء يؤخذ ذلك من كون أحد
الآخذين غنياً وأخذ تلك الصدقة وهو غير أهل لها فلولا
زيادة الحرص فيهم ما اجتمع المال لهم في
الأغلب منهم
وفيه دليل لأهل الصوفة الذين يقولون لا تقطع الخدمة وإن
ظهر لك عدم القبول أو تحققته فليس للعبد بد من خدمة مولاه
فبدوام الخدمة يُرجى القبول ولذلك يذكر عن بعض بني إسرائيل
أنه كان فيهم عابد عبد الله سنين فأوحى الله الى نبي ذلك
الزمان قل لعبدي فلان يتعبد ما شاء هو من أهل النار فتوجه
إليه وأخبره فقال مرحباً بقضاء ربي ثم رجع إلى منزله وزاد
في تعبده أضعاف ما كان قبل ذلك وقال يا رب كنت أعبدك وأنا
عند نفسي أن ليس في أهلية لشيء فكيف الآن وأنت قد مَنَنْت
عليّ وجعلتني أهلاً لنارك وأقام في التعبد وازداد خيراً
فأوحى الله لذلك النبي أن قل له يفعل ما شاء هو من أهل
الجنة لازدرائه بنفسه وقال بعضهم لئن أردتم مني السلوّ
عنكم فليس لي منكم بد وإن أبعدتم
وهنا بحث وهو لِمَ كرّر في الآخرة الحمد على الثلاثة
والحمد منه على كل واحدة قد وقع فهو قد حمد على النازلة
الأولى والثانية فالجواب تلك مبالغة في الرضا والتسليم
فقوة كلامه تخبر كأنه يقول قد فعلت في الأولى معي كذا وكذا
وحمدتُ ورضيتُ بحكمك ثم في الثانية كذلك وإني لا أريد مع
مخالفتك ما أختاره أنا إلا الرضا والحمد والتسليم لا أتغير
عن ذلك مع تكرار حكمك بما شئت فمنك الحكم ومني الرضا
والتسليم فجاء من أخبره بذلك الخبر وبقي البحث من المخبِرُ
له وفي أي العالم فالظاهر - والله أعلم - أنه في عالم الحس
فلعله ملك من الملائكة لأنه كثيراً ما جاء أن الملائكة
كانت تكلم بني إسرائيل في بعض النوازل وفي الأخبار من ذلك
كثير أو من أرسل إليه من الصالحين بما قيل له في النوم أو
اليقظة أن يخبره بذلك أو بعض الأنبياء في وقته لأن قوله
فأتي دليل على أنه مرسل إليه من قبل الله
وفيما قيل له في حق الزانية لعلها أن تتوب - على الوجه
الذي ذكرناه أولاً - فإن توبتها على يديه خير له من الصدقة
لقوله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمُر
النَّعَم ۱
1 أخرجه الإمام أحمد عن معاذ رضي الله عنه بلفظ مختلف
لأن بعض الزانيات قد لا يحملها على ذلك الفعل إلا قلة ذات
اليد والحاجة وعدم الصبر على ذلك فمثل هذه إذا وجدت شيئاً
يقوم بها كفت بخلاف التي تفعل ذلك لغلبة الشهوة في ذلك
الشأن وكذلك الجواب على السارق والخير فيه أعظم لأنه يكف
ضرره عن المسلمين وأما الغني فالبحث فيه مثل ذلك غير أنه
يكون أيضاً خيره متعدياً والخير المتعدي أفضل
وفيه دليل على أن جميع متاع الدنيا هبة من الله لعباده
بغير حق يؤخذ ذلك مما قيل له فينفق
مما أعطاه الله فجعل ذلك عطية خالصة وهو مذهب أهل السنة
وهو الحق وفيه دليل على فضل هذا المتصدق يؤخذ ذلك من أنه
جمع في أمره بين الحقيقة والشريعة فأما الحقيقة فإنه لما
تصدق - كما تقدم - ولم يوافق القدر اختياره حَمِد وسَلّم
فهذه الحقيقة سَلَّم الأمر لصاحبه وأما آداب الشريعة فكونه
أعاد فعله للصدقة ثانية فعل ذلك ثلاثة كل مرة يجمع بين
الحقيقة والشريعة فهذه أعلى الأحوال على ما تقدم في غير ما
موضع مَنّ الله علينا بها بلا
محنة بمنه وكرمه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
3
حديث صدقة المرأة من مال زوجها
عائشة رضي عن بيتها غيرَ مُفْسِدَةٍ كان لها أجرُها بما
أنفقت ولزوجها أجرُه بما كَسبَ وللخازِنِ
الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا
أنفقت المرأة من طعام
ذلك لا يَنقُصُ بعضُهم أجرَ بعض شيئاً
*
*
ظاهر الحديث يدل على حكمين أحدهما أن المرأة إذا أنفقت من
طعام بيتها - غير مفسدة - كان لها أجر نفقتها ولزوجها أجر
الكسب و الثاني أن الخازن الذي يفعل مثلها له من الأجر
مثلها والكلام عليه من وجوه
منها ما معنى تخصيص النفقة بالطعام ليس إلا وما مقدارها
حتى لا تكون مفسدة وهل لذلك حدّ معلوم أو هو فقه حالي وهل
الخازن والمرأة يحتاجان للإذن في النفقة أم لا وما معنى
النفقة هنا هل على العموم أو هل على الخصوص
أما قولنا هل النفقة على العموم فليس هي إلا على الخصوص
وهي بمعنى ا الصدقة يؤخذ ذلك من قوله لها أجرها لأن الأجر
لا يكون إلا في وجوه المعروف
وأما هل يحتاجون للإذن فلا بد لهما من ذلك لأن مال الغير
لا يجوز للآخر أن يعطيه إلا بإذن صاحبه لقوله لا يحل مال
امری مسلم إلا عن طيب نفس منه ۱ إلا أن الإذن قد يكون
باللفظ أو بالعادة مثال الذي بالعادة مثل الكسرة من الخبز
توهب إلى السائل بالباب أو ما أشبه ذلك ومثل الشيء اليسير
من الملح والماء والنار والخميرة للخبز وقد قال بعض
الفقهاء
1 أخرجه أبو داود والبيهقي وابن قانع وأبو نعيم عن أبي حرة
الرقاشي عن عمه حنيفة الرقاشي وأخرجه عبد الرزاق
عن الحسن مرسلا
٥٢٤
إن ما ذكر مع قدر البيت ومتاعه إنه مما لا يحل منعه فإذا
كان على هذا القول لا يحل منعه فلا يحتاج إلى إذن في ذلك
وإن كان باقياً على أصله مثل سائر الأموال
والظاهر الندب وعليه الجمهور وأن المرء يندب إلى ذلك ولا
سيما مع نص الأحاديث التي وردت في ذلك لأنه قال الله في
الذي يعطي الملح ما معناه له من الأجر مثل من تصدق بمقدار
الطعام الذي وضع الملح فيه ۱ والخميرة مثل ذلك والنار مثل
من تصدق بقدر الطعام الذي طبخ عليها والقدر بمثل الطعام
الذي طبخ فيها ومثل ذلك جاءت أحاديث كثيرة تبين قدر عظيم
الأجر مع يسارة الشيء المعطى ولم يقل إن من لم يفعله فعليه
من الإثم كذا وكذا وهذه
طريقة المندوب
وأما حجة من قال إنه واجب إعطاؤه ومنعه لا يحل فاحتجوا
بقوله تعالى ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ٢ فقالوا الماعون
هو متاع البيت نحو الأشياء التي سمينا قبل وكالحبل وما
يشبه ذلك وفي الحديث لما أن سأل السائل ما الشيء الذي لا
يحل منعه يا رسول الله فذكر فيه مثل الماء والملح والقدر
والخميرة وما يشبه ذلك ۳
وأما الذي عليه مذهب مالك رحمه الله والجمهور في معنى قوله
تعالى ويمنعون الماعون فإنها الزكاة المفروضة والأحاديث -
إن صحت ـ احتملت التأويل وما يحتمل التأويل لا يُعارض به
النص
فأما التأويل فيحتمل أن يريد بقوله ما لا يحل منعه أن يكون
واجباً تركه من طريق الشرع واحتمل وجوباً من طريق المروءة
وحسن المعروف بين الناس لقوله إنما بعثت لأتمم مكارم
الأخلاق 4 ومنع ما ذكرنا ليس من مكارم الأخلاق ا
إلا وأما الأصل الذي هو القاعدة الكلية قوله ٥ عليه السلام
لا يحل مال امرىء مسلم طيب نفس منه والمال ينطلق على
الكثير واليسير لكن الإذن في إنفاق مثل هذا الذي ذكرناه قد
رجع بالعرف مما سمحت به النفوس من المعروف بين الناس حتى
إن طالبه لا يعاب ذلك عليه في كريم الأخلاق وأن الشح به
يتعلق به الذمّ الكثير حتى إن حابسه لوجه ما لا يقدر أن
يَحْبِسَهُ إلا أن
1 لم نقف على مصدره سورة الماعون من الآية ٧
۳
لم نقف على مصدره
٤ أخرجه الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد والحاكم عن
أبي هريرة رضي الله عنه
٥ يريد فقوله
٥٢٥
يبين عذره في يحبسه أو ينكره مرة واحدة بأنه ليس عنده
مخافة على عرضه وقد قال صلى الله عليه وسلم ما
وقى المرء به عِرضَه كُتِب له صدقة ۱
فصاحبة الدار - على ما مرت من العادة على الاختلاف الذي
ذكرناه - لا يمكن لها ٢ منع ما ذكرناه إلا أن ينص صاحب
البيت عليه في ذلك الوقت إن أعطته تكون متعدية على أحد
الوجوه وأما على الوجه الآخر فلا يحل لها منعه وإن أمرها
بذلك لأنها تكون تعينه على ترك واجب
وهذا ممنوع شرعاً وما زاد على ما ذكرناه أيضاً لا يجوز لها
التصرف فيه إلا بإذنه قولاً واحداً واحتمل له وجهاً آخر أن
يكون تعاطي ذلك بينهم من قبل السَّلف والهِبَة على العوض
وما في ذلك من الجهالة مغتَفَر لكثرة حاجة الناس إلى ذلك
وندارة وقوعه فإن الغني والفقير محتاجان إلى ذلك ولو يوماً
ما غير أنه قد يكون بعض الناس في ذلك أحوج من بعض وهو وجه
إذا تأملته ترى فيه وجهاً ما من الاستحسان وهو كثير ما
يوجد ذلك النوع في الشرع مثل المساقاة والقراض ٣ وما أشبه
ذلك تراها مستثناة من قواعد ممنوعة وأبيحت من أجل الحاجة
لذلك وقاس عليها الفقهاء سلف الرغيف من الجار تحرياً بلا
ميزان ولم يجعلوه من باب البياعات وجعلوه من باب المعروف
ومثله الدرهم الناقص بالوزن كذلك أيضاً إذا كان ذلك في مثل
الدرهم الواحد أو الإثنين لأن ذلك عندهم من قبيل المعروف
أيضاً إلا أن يقترن من أجل الفاعلين قرينة
يتبين منها خلاف ذلك فيرجع الأمر إلى أصله من المنع وما
زاد أيضاً على ذلك المقدار ممنوع وهنا بحث وهو إذا قلنا
إنها إنما أعطت ما هو واجب على صاحب المنزل أو هو مندوب
فيرجع إلى بحثنا فعلى ماذا يكون أجرها فالجواب أنها خازنة
لجميع ذلك وقد قال الخازن الذي يعطي ما أمر به طيبةً به
نفسُه أَحَدُ المتصدقين ٤ لأنه لما طابت نفسه على ذلك
وياسر أخاه المعطى له بالمبادرة بالتعجيل كرامة إدخال
السرور عليه لأنه محتمل أن يبدو للمعطي فيمنع فيكون بطؤه
في إنجاز الهبة سبباً للحرمان وتعجيله سبباً إلى تحصيل
المعروف فإنه إذا رجع المعطي والوكيل قد أنفذ أمره بعيد أن
يأخذ المعروف من يد المعطَى له وأيضاً فمن قبل الأمر فإنه
بسرعة إخراج ما أمر به أعانه على إعطاء معروفه
ووجه آخر تيسير الخازن أيضاً تزيد به نفس المعطى له
انشراحاً ومرحاً فهو زيادة في
1 أخرجه الطبراني عن جابر رضي الله عنه بلفظ ما وقى به
المؤمن عرضه فهو له صدقة ٢ أي لا يمكنها
۳ المساقاة شركة بين صاحب زرع وشجر وعامل يسقيها على نسبة
متفق عليها والقراض المضاربة أو شركة مضاربة بين صاحب مال
و عامل أو تاجر
٤ أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن
أبي موسى رضي الله عنه بلفظ آخر
٥٢٦
المعروف وما هو زيادة في المعروف فهو معروف أيضاً وزيادة
ما قدمنا ذكره فظهرت فائدة قوله أحد المتصدقين
وعلى هذا المعنى بحث وهو أن النفس قد طبعت على الشح بما
جعل بيدها من متاع الدنيا وإن كانت تعلم حقيقة أنه ليس لها
فإذا جادَت به فلها الأجر لمخالفتها ما طبعت عليه من الشح
وامتثال الأمر فإن العالم بأسره يعلمون أن ما بأيديهم من
متاع الدنيا ملك لمولاهم وأنه بأيديهم عارية وقد أُمروا
بإنفاق اليسير منه ووعدوا على ذلك بالأجر العظيم وبالبركة
في الباقي والعقاب
على الترك ورفع البركة من الباقي ومع ذلك ما تجد من يجود
بالواجب في ذلك إلا القليل وكذلك خازن المال بيده وهو يعلم
أنه لغيره وأنه مذموم على تأخيره لإعطائه ما أُمِر به من
المال وغيره وأنه مشكور ومثاب على التيسير في إعطائه ومع
ذلك ما تجد من يفعل اليَسِير في ذلك إلا القليل لأجل
التعلق الطبيعي ومن أجل ذلك قال ما يخرج المرء الصدقة حتى
يفك فيها لَحْيَي سبعين شيطانا ۱ غير أن الفرق بين الرجلين
- أعني الخازن وصاحب المال ـ أن صاحب المال قد يظن أنه لا
ينزع المال من يده ويبقى حسابه إلى الآخرة عليه وأن الخازن
قد يقول إن صاحب المال يعزله ويأخذ ماله وإن بقي فإنما
المنفعة لربه ومع ذلك الطبع يحمله على ما ذكرناه حكمة حكيم
وفيه دليل لحسن طريق أهل الصوفة فإن كل ما كان فيه مخالفة
للنفس ولم يكن ممنوعاً شرعاً فإن صاحبه في ذلك مأجور إذا
استقريْتَ هذه القاعدة بحسب قواعد الشريعة تجدها ـ إن شاء
الله ـ غير منكسرة فأخذ أهل الطريق من أجل ذلك في مخالفتها
مرة واحدة حتى إنه ذكر أن إسلام بعض رهبان النصارى إنما
كان سببه ما كان ألزم نفسه من مخالفته إياها
ـه النصراني كيف وذلك لما رأى منه بعض علماء المسلمين من
حسن العبادة ما أعجبه فسأله رأيت يعني حاله فقال له بقي
عليك شيء واحد فقال وما هو فقال أن تُسْلِمَ فأطرق ساعة ثم
أسلم فقام أهل الدير من أهل دينه بالعياط فقال لهم بم نلت
فيكم هذه المنزلة قالوا بأجمعهم بمجاهدتك نفسك ومخالفتك
لها قال لهم وهذا هو الذي جعلني أسلمت فإنه لما ذكر لي
الإسلام لم تقبل فعلمت أنه الحق وأنه ما نلت ما نلت إلا
لمخالفتها فأسلمت لمخالفتي إياها وهذا هو الدين الحق فإنها
ما تهرب إلا عن الحق وحَسُنَ إسلامه
۱ لفظ الحديث ما يخرج رجل شيئاً من الصدقة حتى يفك عنها
لحيي سبعين شيطاناً رواه الإمام أحمد والبزار والطبراني
وابن خزيمة في صحيحه عن بريدة رضي الله عنه ومعنى يفك عنها
لحيي سبعين شيطاناً أن إخراج
الصدقة يؤلم سبعين شيطاناً رجيماً حرصوا على عدم أدائها
۵۷
والبحث مع المرأة كالبحث مع الخازن سواء ومن أجل ذلك عطف
أحدهما على
الآخر ومما يقوي مذهب مالك والجمهور في هذه المسألة قوله
عليه السلام غير مفسدة لأنه لو كان واجباً لكان محدوداً
إما بالكتاب وإما بالسنة وهذه حجة مالك ومن تبعه أن ما ليس
بمحدود إما بالكتاب وإما بالسنة فهو غير واجب لأنه لا يعرف
المكلف إلى أين يبلغ ولا بماذا يقع عليه اسم مُوَفَّ بما
أمر به وأما قولنا هل له حد محدود أو هو فقه حالي الظاهر ۱
أنه فقه حالي بدليل أن الناس ليس حالهم سواء فإذا جاء سائل
يطلب ملحاً من دار مَن قد وسّع الله عليه في دنياه ومن دار
ضعيف الحال فليس الأمر في ذلك سواء لأن الذي يعطيه من وسع
الله عليه في مرة واحدة هو الذي يكفي الضعيف في سنة أو شهر
فإن أعطت امرأة الضعيف مثل ما أعطته امرأة الغني أجحفت به
وأضرته وكانت مأثومة فيما فعلت فإن قلنا بمن يقول بالفرض
على الخلاف المتقدم فإنها قد أعطت أكثر مما يجب عليه وإن
كان على الوجه الآخر - وهو أكثر مما قد طابت به النفس ـ
فهذه قد أعطت ما لم تطب به نفسه فإن الضعيف إذا أخذ مثلاً
ملحاً بثمن درهم غايته إن طابت نفسه أن يخرج منه حفنة في
مرار عدة وأما أن تعطي نصفه أو أكثر من ذلك فلا تطيب نفسه
بذلك وأما من فتح له في الدنيا إذا أخذ من ملح فلا يعز
عليه أن يبذل منها الصاع والصاعين وهو قدر ما ينفق المسكين
في سنة أو
Y-
وبية ٢
شهر وكذلك غيره من الأمور وعلى ذلك فقس ولذلك قال عليه
السلام غير مفسدة لأنها يجب
عليها أن تنظر إلى حاله وما يحتمل وما لا يشق عليه من ذلك
لو أنه راه وهذا هو فقه الحال ولذلك قال تعالى لِيُنْفِقْ
ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ
فَلْيُنفق مِمَّا ءَانَنهُ الله لا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا
إِلَّا مَا ءَاتَنهَا ۳ فإذا كان هذا في الواجب فكيف في
المندوب
وأما قولنا لم خصت النفقة بالطعام ليس إلا فلوجوه منها أنه
الذي جعل للمرأة التصرف فيه بحسب العادة عندهم وأن المرأة
هي التي و أن المرأة هي التي تُطلب بتوفية ما يحتاج
الأولاد إليه من ترتب مرافقهم في معايشهم لأن الأب ليس
عليه أن يعطيها إلا ما يكفيها وبنيها وخادماً إن كان لها
وهي المتصرفة في ذلك بحسب ما فيه المصلحة للجميع ولذلك
قالت هند أم معاوية للنبي لا اله الا الله إن أبا سفیان
رجل شحيح فهل عَلَيَّ جُناح أن آخذ من ماله سراً فقال خذي
ما يكفيك أنت وبنيك
۱ يريد فالظاهر
الويبة مقياس للحجوم بمقدار كَيْلَتين
۳ سورة الطلاق من الآية ٧
۵۸
بالمعروف ۱ وغير الطعام هي عليه أمينة ولا يجوز لها التصرف
في شيء منه إلا بالإذن ولوجه اخر أيضاً ما جرت العادة
يتصرف فيه النساء دون مشورة الرجال إلا في الطعام ليس إلا
ولوجه آخر وهو أن ما ذكرنا من متاع البيت - على جري العادة
ـ فأعلاه الطعام فإذا كان لها التصرف فيه فمن باب أحرى
غيره ولوجه آخر أيضاً لكثرة دوام الاحتياج إليه مع الساعات
بل مع الأنفاس
بخلاف غيره من الثياب وغير ذلك فبان ما في قوله عليه
السلام من طعام بيتها من الفائدة
آخر في تخصيص الطعام بالبيت هل هو ما يكون في البيت من
الطعام وإن كان محجوراً عليها التصرف فيه مثل ما يخزنه
الرجل في بيته زائداً على ما يأكله هو وعياله وما كان
خارجاً من البيت وإن كان مما هو للمرأة وأولادها إنه ما
دام خارجاً من بيتها - وإن كان لها ولأولادها - فليس لها
التصرف فيه حتى يكون في بيتها وحينئذ يكون مباحاً لها
التصرف فيه دون حجر عليها فلا يكون لها التصرف إلا بجمع
العلتين وهو أن يكون لها وإما لأولادها في بيتها وأنه إذا
كانت إحدى العلتين منفردة فلا يحل لها التصرف
فالجواب أما إنه إذا كان بالوصفين فلا خلاف في ذلك وأما
إذا كان بوصف واحد فلا يخلو أن يكون في بيتها أو خارجاً عن
بيتها فإذا كان خارجاً عن بيتها فلا يخلو أن يكون تحت
حكمها وهي المسؤولة عنه أو غيرها هو المسؤول عنه فأما إذا
كان في بيتها ـ وهو محجور عنها ـ فهي تأخذ منه بالمعروف
سرًّا كما أخبر سيدنا الله أم معاوية في متاع زوجها أبي
سفيان كما تقدم ذكره وكذلك إن كان خارجاً عن بيتها وهي
المسؤولة عنه
وأما إذا كان خارجاً عن البيت والغير هو المسؤول عنه فلا
يجوز ذلك لها لما يلحق الغير من الضرر في ذلك وقد قال لا
ضرر ولا ضرار ٣ وفيه مع ذلك تحرز آخر في قوله عليه السلام
من طعام بيتها تحرزاً من الودائع والرهون لأنها في بيتها
وليست من متاع بيتها وإن كان
طعاماً وكلامه له مجامع الفوائد
وكذلك الخازن أيضاً كل ما كان في حفظه وخزانته إذا كان
وديعة عند الذي وكله على حفظه
أو رهناً عنده فالحكم هو نفس الحكم وقوله عليه السلام
ولزوجها أجره بما كسب يعني يكون أصل المال له وإن كان لم
يكن ذلك المال مكسوباً ولا موهوباً أو ما يشبه ذلك لكن لما
كان الغالب أنه لا يتحصل المال أو الطعام
1 أخرجه الإمام أحمد والبخاري والدارمي ومسلم وأبو داود
والنسائي عن السيدة عائشة رضي الله عنها بلفظ آخر
وهو موضوع الحديث ٩٥ ٢ أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه عن ابن
عباس رضي الله عنهما
۵۹
إلا بالكسب فجاء الخطاب منه على ما هو الأصل غالباً وعلى
هذه القاعدة وقع التخاطب بين الناس وجرت عليها الأحكام
فكأنه يقول لها وللخازن الأجر من أجل تلك العلل التي عللنا
لأنه ما واحد منهما يملك من المال شيئاً وكان لمن له المال
حقاً الأجر من كون المال له ثابتاً حقاً
ولا يطرد ذلك الحكم في المعصية لأنه إذا عصى أحد المذكورين
بالمال الذي اؤتمن عليه لا يكون على صاحب المال من ذلك
الإثم شيء إذا لم يعرف بفعلهما لأنه إذا عرف به وأعانه على
ما هو عليه كان شريكه في الإثم وإذا لم يعرفه لم يلزمه منه
شيء فإنَّه ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ۱
وبدليل ما جاء أنه إذا كان شخص مع أقوام فقام ليخرج عنهم
فسلم عليهم عند خروجه أنه إن هم بقوا في خير بعده كان
شريكهم في ذلك الخير وإن بقوا في شر لم يلحقه من
ذلك الشر شيء
فهذا وما أشبهه من طريق الفضل إذا كانت الأشياء التي فيها
الخير يشرك العبيد في ذلك الخير بأدنى ملابسة أو نسبة ما
ولا ينقص أجر بعضهم من أجر بعض شيئاً وإن كان شراً لم يتعد
صاحبه أو من أعانه عليه وهو عالم بذلك قاصد له فسبحان
المتفضل المنان لا ربَّ سواه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ سورة فاطر الآية ۱۸
٥٣٠
-45-
حديث إتلاف أموال الناس
قالَ البُخاريُّ رضي الله عنه قالَ رَسولُ الله صلى الله
عليه وسلم مَن أخذَ أموالَ النَّاسِ يُريدُ إتلافها أتلفه
الله قالَ البُخاري إلا أن يكونَ معروفاً بالصَّبْرِ
فَيوْثِرُ عَلى نَفْسِهِ وَلَو كانَ بِهِ خَصاصة كَفِعل
أبي بكرٍ حينَ تَصَدَقَ بِمالِهِ وَكَذلِكَ آثَر الأنصارُ
المُهاجرينَ ونَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَن
إضاعة المال فَليسَ لَه أن يُضيع أموالَ النَّاسِ بعلَّةِ
الصَّدقَةِ
ظاهر الحديث دعاؤه ل على من أخذ أموال الناس يريد إتلافها
والكلام عليه من وجوه منها هل هذا على عمومه وعلى ماذا يقع
هذا الدعاء هل هو حقيقة أو هو كما جاء عنه أن دعاءه رحمة
وإن كان اللفظ خلاف ذلك وهل ما يقع الحذر إلا بقصد الوجهين
أعني النية والفعل وإن أقلع وتاب منه هل التوبة ترفع إجابة
الدعوة بعد استجابتها أولا فالجواب أما قولنا هل هو على
عمومه فليس هذا على عمومه لأن من الأخذ ما يسمى سرقة وقد
حدّ فيه القطع ومنها ما هو خلسة فقد حدّ فيه الغرم ومنها
ظلم وفيه ما فيه ومنها ما هو قمار وفيه ما فيه ومنها ربا
وجاء فيه ما هو معلوم ومنها خيانة وقد جاء ما فيها فكل وجه
من وجوه الأخذ على خلاف المشروع فقد جاء فيه ما جاء وما
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجمع على أحد من أمته
عقابين فإن دعاءه أكبر العقوبات والوجوه المشروعة إذا أخذ
بها أحد شيئاً فليس بحرام فكيف يدعو عليه هذا مستحيل أيضاً
فما بقي إلا وجه واحد وهو من جملة المشروعات إلا أن له
شروطاً فكثير من الناس يفعله بغير تلك الشروط فيذهب به
كثير من أموال الناس وهو السَّلف لأنه إذا احتاج طالب
السلف وما ينظر إلى الشروط التي تجب عليه وحينئذ يأخذه
فإنما قصده زوال ضرورته في الوقت ففي هذا النوع هو دعاؤه
على من أخذها بغير شروطها
٥٣١
1 يريد أما ما يقع
قال البخاري إلا أن يكون معروفاً بالصبر فيؤثر على نفسه
ولو كان به خصاصة إلا به
استثنى أن يكون كفعل أبي بكر رضي الله عنه حين تصدق بماله
وكذلك اثر الأنصار المهاجرين فنحتاج أن نبين شروط السَّلف
فقد نص عليها الفقهاء وقالوا إنه لا يجوز لأحد أن يأخذ
سَلفاً ولا ديناً إلا أن تكون له ذمة تفي بدينه على كل حال
وإلا يدخل تحت هذه اللعنة لأنه غَرَّر بأخيه المسلم لكونه
أخذ ماله وهو ليس له قدرة على أن يوفيه فإن المعطي يقول في
نفسه لولا ما الا خلابة ولا يعلم هو من نفسه أن له ما يؤدي
منه ما يأخذ مني ما طلبه لأن أخوة الإسلام تقتضي
غبن 1
ولا خيانة أو يبين له حاله ويقول له ليس لي ذمة على ما اخذ
منك هذا المال وإنما تسلفه لي فإن فتح الله عليَّ بشيءٍ
أعطيتك إياه وإلا ما لَكَ قِبَلي لَوْم فإن رضي وأعطاه على
ذلك الوجه فما غرّر به فكأنه قال له تصدَّق عليَّ بحيلة ما
فإن فعل فهو صدقة أو معروف محتمل للرد أو غيره فلا يدخل
تحت هذا الدعاء ولهذا المعنى الخفي كان دعاؤه لأنه فعل في
الظاهر فعلاً مشروعاً وفي الباطن ما أشرنا إليه
ويترتب على هذا من الفقه أن كل شيء فيه شروط ظاهرة وباطنة
فلا يجوز لأحد فعله إلا بتمام تلك الشروط أو يبين عجزه
عنها كيلا يغرّر بالغير وقد قال مَن غَشنا فليس منا وأما
الصفة التي أجاز عليه السلام معها أخذ المال - وهي ما نبه
عليها البخاري رحمه
الله عقيب الحديث بقوله إلا أن يكون معروفاً بالصبر فيؤثر
على نفسه ولو كان به خصاصة كفعل أبي بكر رضي الله عنه حين
تصدق بماله وكذلك اثر الأنصار المهاجرين رضوان الله عليهم
- فهي قوة الإيمان التي توجب كثرة السخاء والصَّبر على
الضّرّاء فإن أبا بكر رضي الله عنه أتى بجميع ماله فقيل له
ما أبقيت لأهلك قال الله ورسوله
والأنصار والمهاجرون إذا كانت لهم ضرورة ويرون غيرهم في
ضرورة ينظرون أولاً في حق أخيهم المسلم ويحملون أنفسهم على
الصبر كما فعل بعضهم حين أتى إلى النبي بعض الواردين فقال
من يضيف الليلة هذا وعلى الله ثوابه فقام بعضهم فأخذه
وحمله إلى منزله وقال لعياله عندك شيء فقالت له ما عندي
إلا شيء يسير للأولاد فقال لها نومي أولادك فإذا ناموا
قدمي الطعام فإذا قدّمته فقومي إلى السراج لِتُصْلِحِيه
فأطفئيه ونمدّ أيدينا إلى الصحفة كأنا نأكل ولا نأكل شيئاً
فلعل الضيف يشبع أو كلاماً هذا معناه ففعلت المرأة ما
أمرها
۱ الخلابة الخديعة والغبن الغلبة والنقص أخرجه الطبراني عن
ابن عباس رضي الله عنهما وللحديث بقية
به فلما أتى النبي الله صبيحة الليلة تبسّم عليه السلام
وقال له شَكَرَ الله البارحة صنيعك
مع ضيفك ۱
ومثله ما ذكر عن عليّ رضي الله عنه أنه دخل والأولاد يبكون
من الجوع فقال ما شأنهم فأخبرته رضي الله عنها بأنه من
الجوع وليس عندهم شيء فخرج فاقترض ديناراً ليشتري به لهم
ما يأكلون فبينا هو راجع به إذا أحد قرابته فسأله عن حاله
فأخبر أن عياله في جوع شديد وأنه ليس عنده شيء فدفع له
الدينار كله ودخل بيته وليس عنده شيء وكان هذا عشية النهار
ثقة
ثم خرج يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فدنا منه في
الصلاة فلما فرغت الصلاة التفت عليه السلام إليه وقال له
يا علي هلا عشيتني الليلة فتفكر في نفسه أنه ما عنده شيء
فقال له نعم بالله ثم ببركته فأتى معه إلى منزل عليّ فدخل
علي و النبي معه ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم يا بنية
ألا تعشينا فالتفت عليّ فإذا في البيت ثريد مغطّى يبخر
فقدم لهم فقال له يا علي هذا بالدينار الذي أعطيته فلانا ۳
وحمد عليه السلام الله على ما جعل في أهل بيته مِمّا أشبه
مريم عليها السلام حين قيل لها أَنَّكَ لَكِ هَذَا قَالَتْ
هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۳ وما أشبه هذا عنهم رضي
الله عنهم كثير فمن يجود بضرورته على غيره بغير حق له عليه
فكيف بحق إذا كان له عليه وبقيت هنا علة أخرى لأنه لا يأخذ
السَّلف إلا حين يكون مضطراً كما ذكرنا آنفاً فإذا كان
مضطراً ومرت به ثلاثة من الأوقات تعيّن له في مال الغير حق
واجب وهل يلزمه عند يُسْره ردّه أم لا خلاف بين العلماء
فمنهم من يقول إنه حق قد وجب فليس عليه رده ومنهم من يقول
وإن كان حقاً قد وجب فلا يسقط أداؤه إلا باستصحاب الفقر
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم إن المحتاج له أن
يقاتل صاحب المال إذا امتنع من أن يعطيه فإن قتل صاحب
المال فشر قتيل وإن قتل المضطر فشهيد ٤ أو كما قال فلما
كان هذا الأمر خفياً ولا يعلمه إلا الله والذي نزلت به
الحاجة أبقيت الأحكام في المنع على ظاهرها وأشار هنا إلى
العلة الموجبة للجواز
فعلى هذا فالسلف على أربعة الثلاثة منها جائزة والرابع
ممنوع بمتضمن هذا الحديث وما قد ذكره العلماء كما أشرنا
إليه أولاً فالأربعة الأوجه أحدها أن يكون له ذمة تفي
بدينه على كل حال فهذا جائز باتفاق و الآخر أن يبين له
حاله وأنه إنما يقترض منه ويبين له أنه ليس له
1 أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ ا
لم نقف على مصدره ۳ سورة ال عمران من الآية ۳۷
٤ لم نقف على مصدره
٥٣٣
ذمة مقابلة دينه وأنه في حكم المشيئة إن فتح الله عليه
أداه وإلا فلا يطالبه بشيء فهذا جائز وإن كان خالف فيه بعض
الناس والظاهر الجواز وقد قدمنا العلة في جوازه و الآخر أن
تجتمع فيه تلك الأوصاف التي في أبي بكر والمهاجرين
والأنصار رضوان الله عليهم وهي كثرة السخاء والصبر ولا
يقترض إلا عند الضرورة الشرعية ويكون اقتراضه بقدر ضرورته
فهذا جائز بمقتضى ما عللناه آنفاً وقواعد الشرع كلها تدل
على هذه الإشارة وتنص عليها
و
الرابع وهو أن يأخذ السلف على غير ذمة له وليست له تلك
الضرورة الشرعية ولا يبين عدمه لصاحب المال فهو الذي يدخل
تحت ما تضمنه الحديث من دعائه له ولأن الضرورة الشرعية
كثير من الناس لا يعرفها
وما أعني بـ الناس هنا إلا بعض الذين ينتسبون إلى العلم
لأنهم قعدوا لأنفسهم قواعد نفسانية وجعلوها من ضروراتهم
اللازمة شرعاً واستباحوا بها أخذ أموال الناس وقالوا نحن
مضطرون لا حرج علينا وتعيَّن لنا على الناس حق فما أخذنا
هو بعض حقوقنا وهو مصادم لما نبه عليه البخاري رحمه الله
بقوله إلا أن يكون معروفاً بالصبر تحرزاً من أن يقول هو في
نفسه حين تأخذه الحاجة أنا آخذ السلف وأجاهد النفس وأصبر
على الضيم حتى أؤدي مال الغير قيل له على لسان العلم هذا
حديث نفس وهي خوانة ۱ إلا إن كان لك صبر حتى عرف ذلك منك
وانظر هذه الإشارة حتى يعرفه العبد منه ولم يقنع أن يكون
هو قد عرف الصبر من نفسه فيما تقدم إلا حتى يعرفه الناس
ولا يكون صبره من حيث أن يعرفه الناس إلا لكثرته حتى يكون
في حكم المقطوع به و شرط ثانٍ أن يكون ذلك الصبر الذي يعرف
منه من شأن الإيثار على نفسه ومعناه أن يكون ذلك الإيثار
من أجل الله ويفضل جانب القربة إلى الله على ضرورته تحرزاً
أن يكون صبره لشهوة أو من غير اختياره لعدم الشيء وقلة
الصبر إذ ذاك ما يكون لها فائدة إلا أنها أحسن حالة من
غيرها لا يحكم لصاحبها بالوفاء عند مواقف الرجال وأنه مع
صبره أيضاً يعرف بالإيثار على نفسه مع الخصاصة ومع الحاجة
والضيق
فانظر إلى هذه الشروط هل يمكن في زماننا هذا وجودها إلا إن
كان نادراً جداً ثم بعد هذه التقييدات أعطى البخاري المثال
فقال مثل أبي بكر ولم يقنعه أن سماه إلا حتى ۳ ذكر تلك
الصفة المباركة المشهورة وهي خروجه عن جميع ما ملك إيثاراً
الله ولرسوله ثم أكدها بأن قال
۱ كذا والصواب خيانة كذا بزيادة إلا قبل حتى ۳ كذا و إلا
هنا زائدة
٥٣٤
وكذلك أثر أي الذي كان فيه الإيثار من الأنصار للمهاجرين
ولم يقل عن جميعهم إلا عن الذين
كانت فيهم تلك الصفة البكرية
ويترتب على هذا من الفقه أن المبين للأحكام يجب عليه أن
يبين جميع الأحكام وإن كان فيها ما هو نادر قد لا يمكن
وقوعه لندارته من أجل أن يقع فلا يعرف الحكم فيه فعلى
التقسيم الذي قلنا أولاً إنه - أعني السَّلف - على أربعة
أوجه الثلاثة جائزة والواحد ممنوع - على ما بيناه ـ أن هذا
في موضع التقسيم بحسب الحديث من أجل أن يعرف حكم الله بحسب
ما بينه صلى الله عليه وسلم
وأما بحسب أحوالنا اليوم وما يعرف من الأكثر من الناس -
كما أشرنا إليه - فلا يكون الجائز
منها إلا اثنين والاثنان الآخران ممنوعان الواحد لكونه
مجمعاً على منعه كما ذكرنا والثاني وهو الذي تقدم ذكره من
تعليلهم بفعل أبي بكر وإيثار الأنصار ممنوع لعدم وجود
الشروط المذكورة فيه وهو أيضاً ممنوع من باب سد الذريعة
كيلا يقع الناس فيما لا يجوز لهم وهم يظنون أنهم على لسان
العلم فالوجهان الجائزان إما من له الذمة كما قدمنا وإما
مَن يُبيّن حاله على الخلاف الذي ذكرناه
وأما قولنا هل هذا حقيقة أو هو كما جاء أن دعاءه عليه
السلام رحمة وإن كان ظاهره غير ذلك فالجواب أن كل دعاء منه
عليه السلام على طريق الزجر على ألا يفعل فعلا فهو حق وأما
الذي هو خير - وإن كان ظاهره خلاف ذلك ـ فذلك كما أخبر هو
إذا كان ذلك منه عليه السلام لأمر ما قد وقع
وأما قولنا هل لا يقع ۱ الدعاء إلا بالوصفين معاً وهو أخذ
المال والنية فهذا هو ظاهر الحديث فإذا كان أحدهما فلا
يخلو أن تكون نية دون عمل فهذه لا يلزم فيها حكم إلا أنها
نية سوء يجب عليه التوبة منها وإن كان فعلا دون نية مثاله
أن يأخذ السَّلف ويذهل عن أن يبين الشرط فهذا فيه إشكال من
أجل أن المال قد أخذه وهو لا ذمة له ولا بيَّن لصاحبه حاله
وقال الخطأ والعمد في أموال الناس سواء فهذا الحديث يحكم
له بأنه مثل من تعمد ذلك
وبنص الحديث الذي نحن بسبيله وقوله يريد إتلافها فالنية في
ذلك مع الأخذ مشروطة فمن أجل هذا هو مشكل وما هو مشكل مثل
هذا فتركه أولى لأن الدخول تحت دعائه ا ليس بالهين وإنما
بَحْثنا إن وقع ثم
1 يريد ألا يقع
٥٣٥
تاب هل إجابة الدعوة بعدما أجيبت تزول أم لا فهنا تقسيم
فلا يخلو أن تكون توبته بعدما ردَّ مال الغير الذي كان قد
أتلفه أو يتوب ولم يردّ المال لصاحبه بل كانت توبته على
ألا يفعل مثل هذا أبداً فأما إن كانت توبته بعد ما ردّ
المال فيرجى ألا يلحقه الدعاء لأن عدم المال لا يمنع
حقاً
جبر
و أن المال قد رجع إلى صاحبه فالضرر الذي كان لحق صاحب
المال قد زال عنه واستبشرنا بكون الله عزّ وجلّ قد منّ
عليه برده مال الغير أنه ما كانت نية سيدنا ل إلا أن يكون
إتلافاً لا بعده هذا قوة رجاء في فضل الله وما نعلم من
رحمته عليه السلام بأمته
وأما الذي يعترض ويقول إن السبب الذي علق به الدعاء - وهو
أخذ المال بنية أنه لا يرده ويتلفه - فقد وقع الدعاء
والإجابة في دعائه عليه السلام في حكم المقطوع به فإذا
قبلت فلا تُرَد فهو أمر محتمل من طريق الخوف والذي قدمناه
أولاً هو الأظهر والله أعلم
1 الموت
وأما إن كانت توبته إقلاعاً عن الفعل ومال الغير باق في
ذمته فشروط التوبة لم تصح بعد فنحن مع وجود شروطها فيه ما
تقدم فكيف مع عدمها لكن هو خير ممن يستمر على العمل ولعله
ييسر له في شيء يؤدي به عن نفسه أو يحله صاحب الحق فيقوى
له الرجاء إن جعلنا تحليل صاحب الحق مثل الأداء وإن قلنا
إن التحليل هنا ليس كمثل أخذ الحق فيبقى فيه توقف وهذه
المضايق الهروب منها أولى ومن أجل هذه المضايق أصل أهل
الطريق طريقهم على الصبر على الظمأ حتى إلى ولا يتعرضون
لشيء فيه خلاف كما ذكر عن بعضهم أنه لحقه جوع شديد ومجاهدة
ولم يكن له شيء ثم فتح عليه في طعام لم يرتضه فأبى أن يأكل
منه شيئاً فقالت له أمه كل يا بني وأرجو أن الله يغفر لك
فقال لها نرجو أن الله يغفر لي ولا اكله فلم يأكل منه
شيئاً مع كثرة حاجته إليه ومثل ذلك ما روي عن أبي بكر رضي
الله عنه حين أتاه خادمه بالطعام فلم يسأله إلا بعد ما أكل
منه لقمة فلما رفع اللقمة وأكلها قال له الخادم يا سيدي
عادتك لا تأكل طعاماً حتى تسأل عنه فما بالك في هذا فقال
شدة الجوع حملتني على ذلك ولكن من أين هو فأخبره أنه من
جهة كذا وسمّى له جهة لم يرتضها فأخذ أبو بكر رضي الله عنه
عند ذلك يردّ تلك اللقمة من بطنه بعد ما ابتلعها فلم تخرج
إلا بعد أمر شديد ومعالجة فقال له الخادم يا سيدي هذا على
لقمة واحدة فقال نعم ولو لم تخرج إلا بنفسي لأخرجتها فإني
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كل لحم نبت من
الحرام فالنار أولى به
۱ حتى حرف عطف والمعطوف مقدر
لفظه كل جسد نبت من سُحتٍ فالنار أولى به أخرجه الطبراني
وأبو نعيم عن أبي بكر رضي الله عنه وقد ورد
بعد هذا الحديث أبيات من الشعر نثبتها كما وردت
=
٥٣٦
وقد قيل
إذا كنت لا أمنع نفسي شبهةً ولا في مطعم
فكيف طريقي إلى التقى
كلا وبـل هــي
أثقلتني
ظلم
أتَوَرّع
وهل من لتوفيق والخيــ
ـل لي نور في القلب يوضع
ذنوب وعيدك بهــــا ـرّ نار تقلع
إلهي أرجــــــوك فــــــي تــــــوبــــة وبك أسأل كيف
أصنــ مي من يثرب إلا مــا هــديتني إلــى مــا منهــا
فبـ
وأما قوله نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة
المال فليس له أن يضيع أموال الناس بعلة الصدقة هذا تأكيد
لما تقدم لأنه إذا منع إضاعة مال الغير عموماً فليس لك أنت
أن تخصص لفظه بأن تقول إنما أستلف من أجل أني أتصدق بما
أستلف وليس هذا من باب عموم إضاعة المال بل هي إضاعة محضة
حتى تعلمه فتقول له أستلف منك هذا المال على أن أتصدق به
على نفسي فإن فتح الله عليَّ رددتُ إليك مالك وإلا فلا
تَبِعَة لك عليَّ فإن رضي فحسن وإلا فلا
وهنا علة أخرى مع كونك خصصت عموم قول الشارع عليه السلام
برأيك وليس ذلك أن الذمة قد تعمرت حقاً والصدقة التي
أعطيتها محتملة إن قبلت أو لا فكيف يبرأ شيء متحقق بشيء
مشكوك فيه هذا ممنوع شرعاً وعقلاً
لك وهي
ولا يحملك على أن ترتكب هذا المحذور من أجل بعض أخبار وردت
عن بعض المباركين منها أن بعضهم كان في سَنَة شديدة
فاستقرض جملة مال واشترى به طعاماً وفرقه على المساكين
فلما جاء أصحاب المال يطلبون مالهم توضأ وركع ركعتين وسأل
الله الكريم ألا يخزيه معهم ثم قال لهم ارفعوا الحصير
فانظروا هل تجدون تحته شيئاً فرفعوا الحصير فإذا تحته مال
فقال لهم خذوا قدر مالِكم فوجدوه مثله سواء بسواء
فهذا السيد احتمل حاله أشياء منها أنه قد تقدمت له مع
مولاه عادة فعمل عليها وقد قال مَن رُزِق من باب
فَلْيَلْزَمْهُ ۱ وقال أصحاب التوفيق إنه من فتح الله له
باباً من خير من باب خرق العادة فذلك لسان العلم فيما يخصه
واحتمل أن يكون مجاب الدعوة وهو يعلم ذلك من مولاه بما
تقدم له أيضاً واحتمل أن كانت معاملته مع الله صادقة
فقبلها فلما قبلها لم يكن
ليضيعه عند احتياجه إليه حاشاه
۱ سبق تخريجه في الحديث ٤٨
فلا يجوز لمن ليست له من هذه الوجوه شيء أن يقتدي بمثل هذا
السيّد ولا بما يذكر من
مثله فإن مثل هؤلاء يُسلّم لهم ولا يُقتدى بهم ولا يُعترض
عليهم لعدم الحال الموجب لذلك ولذلك قال بعض من نُسب إلى
هذا الشأن إذا كان أمرك إلى مولاك مصروفاً وقلبك ببابه
موقوفاً ويدك عن الدنيا مكفوف ۱ وحالك بأمره ونهيه محفوفاً
فقد رحلت عن الدنيا وإن كنت بها موقوفاً فجعل صحة حاله أن
يكون بالأمر والنهي من كل الوجوه محفوظاً وهذه زبدة الأمر
وهو الحق الذي عليه أهل الحال والمقال جعلنا الله ممّن منّ
عليه بهما إنه ولي حميد
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
تسليماً
۱ كذا
۵۳۸
-٧٤-
مُسلم
حديث الأمر بالصدقة على كل مسلم
عن سعيد بن أبي بردة ١ عَن أبيهِ رَضِيَ الله عَنهُما
أَنَّ النَّبِيَّ قال على كُلِّ صدَقَة فَقالوا يا نَبِيَّ
الله فَمن لم يجد فَقالَ يَعملُ بيده فَيَنفع نَفْسَهُ
ويَتصدَّقُ قالوا فَإِن لَم يَجد قالَ يُعينُ ذا الحاجة
المَلهُوفَ قالُوا فَإِن لَم يَجد قالَ فَلْيَعمل بالمعروف
وليمسك عَنِ الشَّرِّ فإنَّها لَهُ صَدقَة
ظاهر الحديث يدل على الأمر بالصدقة والتسبب فيما به يتصدق
والكلام عليه من وجوه منها هل هذا الأمر على الوجوب أو على
الندب وما معنى قوله عليه السلام فليعمل بالمعروف وليمسك
عن الشر فإنها له صدقة فالجواب أما الأمر فهو على الندب لا
بالصيغة بل بالاستقراء من خارج منها قوله الله في حديث غير
هذا لا صدقة إلا عن ظهر غِنَى عند يعني وقوله عليه السلام
أيضاً في ركعتي الضحى إنها تجزىء عنه ۳ القدرة عدم
على الصدقة
وقوله عليه السلام آخر الحديث فليعمل بالمعروف وليمسك عن
الشر فإنها له صدقة وهذا من الواجب مع وجود الصدقة أو عدم
وجودها لأنه لا يجوز له أن يعمل الشر ويترك المعروف لكن
المراد في هذا الموضع ما زاد على الواجب فهو له صدقة وقد
قال عليه السلام
1 سعيد بن أبي بردة حفيد أبي موسى الأشعري هو وأبوه من
التابعين ثقة ثبت توفي في الكوفة سنة ۱۳٨ هـ لفظ الحديث لا
صدقة إلا من ظهرِ غِنى واليد العليا خيرٌ من اليد السفلى
وابدأ بمَن تَعُول أخرجه الإمام
على الأصح
أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه ۳ أخرج الإمام أحمد عن
بريدة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول في الإنسان ستون وثلاثمائة مفصل فعليه أن يتصدق عن كل
مفصل منها صدقة قالوا فمن يطيق ذلك يا رسول الله قال
النخامة في المسجد تدفنها والشيء تنحيه عن الطريق فإن لم
تقدر فركعتا الضحى تجزىء عن ذلك
۵۳۹
والكلمة الطيبة صدقة وإماطة الأذى عن الطريق صدقة ولقاء
المؤمن لأخيه ببشاشة الوجه صدقة
أو كما قال عليه السلام
ويؤخذ من هذا من الفقه أن الدين كله مطلوب فرضه وندبه
والتسديد فيهما جميعاً لقوله
عليه السلام فسددوا وقاربوا على ما مرّ الكلام عليه وفيه
دليل في فضيلة الصدقة وفيه دليل لأهل الصوفة الذين بنوا
طريقهم على البذل والإيثار حتى يروى عن جماعة منهم أنهم
كانوا لا يحتملون أن يبيت عندهم شيء من الصدقة المعلومة في
بيوتهم قوله عليه السلام على كل مسلم صدقة يعني ودلّ على
أن الكافر لا تقبل منه الصدقة لكونه خصصها بالمسلم وفيه
دليل لمن يقول إن الكافر ليس مخاطباً بفروع الشريعة يؤخذ
ذلك من كونه لم يعلق
الصدقة إلا بمسلم
ى ما في الإيمان من الرحمة والإسلام
وفيه دليل على أن اليسارة في الناس هي الأغلب يؤخذ ذلك من
كونه عليه السلام أطلق الصدقة على كل مسلم وفيهم - ولا بد
- الذي ليس له شيء وقد استدل بعض العلماء على قلة المساكين
بكون المولى جل جلاله لم يفرض الصدقة إلا ربع العشر ولم
يجعله مطلقاً إلا في نصاب معلوم وهي خمسة أو اق أو عشرون
ديناراً وما كان العليم الرحيم ليفرض لعباده شيئاً لا
يكفيهم وهو يعلم حالهم وعددهم أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ
وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ ۱ فلما علم قلة المساكين
وأن ذلك المقدار يكفيهم فرض لهم ما يكفيهم ولو أن الأغنياء
أخرجوا جميعاً ما أوجب الله عليهم من الزكوات ما احتاج
مسكين لأن يسأل أحداً
وفيه دليل على أن الأحكام تجري على الغالب يؤخذ ذلك من
كونه عليه السلام عمَّ بالصدقة جميع المسلمين وفيهم من
ذكرنا من الضعفاء وهم الذين يأخذون الصدقة المأمور بها
وفيه دليل على أن هذه الصدقة اليسير منها يجزىء يؤخذ ذلك
من كونه لم يحدّ فيها نصاباً ولا مقداراً مثل ما فعل في
الفرض وهذا أيضاً من الأدلة على أنها ليست بواجبة وقوله
فقالوا يا نبي الله فمن لم يجد قال يعمل بيده فينفع نفسه
ويتصدق فيه دليل على مراجعة العالم في تفسير المجمل وتخصيص
العام يؤخذ ذلك من قولهم فمن لم يجد
وفيه دليل على ما للصحابة من الفضل علينا - كما ذكرناه
أولاً - لأنهم تلقوا الأحكام بالخطاب وسألوا في مثل هذا
وغيره حتى بانت الأمور ووضح الحكم
۱ سورة الملك من الآية ١٤
٥٤٠
وفيه دليل على فضل التكسب لكن إذا كان على لسان العلم
ويكون عوناً على الدين يؤخذ ذلك من قوله يعمل بيده
وفيه دليل على جواز الصناعات على الإطلاق لعموم قوله عليه
السلام يعمل بيده ولم
يخص عملا دون غيره
وفيه دليل على تقديم ضرورة الشخص على الصدقة يؤخذ ذلك من
قوله عليه السلام فينفع نفسه ويتصدق فإنه أتى إثر عمل اليد
بنفع النفس وأتى به بالفاء التي تفيد التسبيب والتعقيب
وحينئذ عطف عليه الصدقة وهم ما كان سؤالهم إلا على الصدقة
وفيه إذا نظرت إشارة عجيبة لأنه لو قال يعمل ويتصدق لكان
الشخص يقول أعمل فيما أتصدق به وأبقى أنا على ما يفتح الله
لي فأشار هنا بتقديم الانتفاع له لأنه من أكبر الصدقات أن
يزيل حكمه عن غيره ويبدأ بالذي هو أهم وبعد ذلك يتصدق
وكونه عليه السلام قال ينفع نفسه لفظ جامع لجميع ما هو
محتاج إليه من ضرورات نفسه وعياله أو سكنه أو غير ذلك مما
إليه حاجة البشرية إلا أنه بقيد الشريعة فإن هذا أصل في كل
الأمور
وقوله قالوا فإن لم يجد يؤخذ منه تنويع البحث على العالم
إذا دعت لذلك ضرورة ويؤخذ منه استنباط المسائل الممكنة
الوقوع وإن لم تقع بعد وأن هذا من الدين وصاحبه مثاب وقوله
يعين ذا الحاجة الملهوف هنا بحث لم قال ذا الحاجة ونعته
بالملهوف وكل من أعان في حاجة مسلم فهو مأجور لقوله الله
في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ۱ فالجواب أن
الإعانة في الحاجة مثاب عليها لكن الصدقة أرفع كما أشرنا
قبل فلما نوّع السؤال عليه أراد أن يبقى لهم أفعالاً يكون
الثواب عليها مثل الصدقة فلما أن كان صاحب الحاجة بهذه
الصفة الزائدة - وهي كونه ملهوفاً - نبه عليه لما فيه من
زيادة الأجر على أن لو كانت حاجة دون لهف فحينئذ بزيادة
هذه الصفة يكون له مثل ما فاته من عمل الصدقة وفيه دليل
لتقعيد الأحكام بألفاظ العموم لأن الحاجة لفظ عام وكذلك
اللهف أنواع
بحسب الحاجات وأصحابها والملهوف كناية عن الحائر في حاجته
القليل القدرة على القيام بها فهو يشبه المضطر وقد يكون
أكد منه لأن المضطر قد ألف الصبر وأيقن بعجزه وهذا متلهف
من جانب إلى جانب ومن وجه إلى وجه وقد حار في نفسه ولا
يعرف من أين يكون له الفَرَج ولا
ضرورته يفيد فيها القعود والاستسلام
جزء من حديث رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أوله من
نفس عن مؤمن كربة من كُرَبِ الدنيا نفْسَ الله
منه كُربةً من كُرَبِ يوم القيامة الخ
٥٤١
مثاله من عليه دين وقد حان وقته وهو ليس له شيء وهو لا
يقدر أن يثبت عُدْمَه وصاحب الدين لا يُفتره ولا يعذره
فالقعود لا يمكنه والخلاص لا يقدر عليه ووجه الرشاد إلى
راحته لا يعرفه فحاجته أشدّ من المضطر لأن المضطر قد يفوض
الأمرَ كلَّه إلى الله ويصبر على
ما نزل به حتى يأتيه فرج الله والإعانة هنا بماذا تكون هل
تكون بالموجود أو بالإرشاد فالجواب أنه لو كانت بالمعلوم
لكانت أعلى الصدقات نعم لفظ الإعانة يقتضي بالمعلوم وغيره
لكن لمّا كان بساط الحال مما يفعل عند عدم الوجود ذكرت
إعانة الملهوف فتخصص اللفظ ببساط السؤال فقام عون هذا
الملهوف وإن لم تعطه من عندك شيئاً مقام الصدقة لما فيه من
تفريج كربه في الوقت لأن الثواب على الصدقة إنما هو لما
يدخل على أخذها من راحة نفسه ولذلك كان أكثرها ثواباً إذا
كان الآخذ أكثر احتياجاً وإذا قلت مثلا لهذا الملهوف أنا
أدلك على وجه يكون لك فيه راحة فقد أدخلت عليه من السرور
في الوقت أكثر مما يدخل على صاحب الصدقة إذا لم يكن أخذها
مثل هذا
عموم
وقوله قالوا فإن لم يجد هنا بحث كما تقدم قبل في الجواب
على قوله عليه السلام فليعمل بالمعروف وليُمسك عن الشرّ
فإنها له صدقة وهو كيف يقوم عمل واجب عن تطوع فإن العمل
بالمعروف والإمساك عن الشر مما هو واجب شرعاً والصدقة -
كما قدمنا - في هذا الموضع مندوبة فالجواب إن الأمر
بالصدقة لا يلزم منه ترك الشيء والعمل بالمعروف إنما يلزم
ذلك من قواعد الشريعة كما يندب مع الصدقة وعدمها بمقتضى
قواعد الشريعة إغاثة الملهوف والندب إلى التكسب الحلال
لينفع نفسه ويتصدق وكما يقال في حديث اخر حين ذكر الصدقة
ثم قال في من لم يجد أن ركعتي الضحى تجزىء عنها وركعتا
الضحى مندوب إليها مع وجود
الصدقة وعدمها
ـه وهي
إغاثة
فمفهوم الحديث على هذه التنويعات أنه ندب أولاً إلى الصدقة
لما فيها من الخير المتعدي فعند العجز عنها ندب أيضاً لما
يقرب منها أو يقوم مقامها لما فيها أيضاً من الخير المتعدي
وهو العمل والانتفاع والصدقة وعند عدم ذلك ندب إلى ما يقوم
مقامه الملهوف - كما بينا - ثم عند ذلك كأنه عليه السلام
يقول بعد عدم هذه المذكورات ليس في أفعال البرّ ما يشبهها
لكن من فعل شيئاً من المعروف - والمعروف هنا ما هو مندوب
إليه شرعاً من جميع المندوبات ولو إماطة شيء من الأذى عن
طريق المسلمين ولو ركعتي الضحى فمعناه أن لا تُخلِ نفسك من
فعل مندوب من المندوبات وإن قل - فإن في كل منه صدقة بمعنى
فيه أجر وإن لم تقدر على فعل شيء من المندوبات فإمساكك عن
الشر ومعنى الشر هنا ما مُنعته شرعاً - فإنه صدقة أي إنك
فيه مأجور فهذا التنويع منه الله تسلية للعاجز عن أفعال
المندوبات إذا كان ذلك عجزاً لا اختياراً
٥٤٢
ومما يشبه ذلك ما ورد أن الفقراء من الصحابة رضوان الله
عليهم لما جاءوا واشتكوا إلى النبي إن أصحابنا من أهل
الجدة سبقونا بالصدقة قال عليه السلام ألا أدلكم على ما هو
خير من ذلك تسبحون دُبَرَ كل صلاة ثلاثاً وثلاثين وتكبّرون
ثلاثاً وثلاثين وتحمدون ثلاثاً وثلاثين وتختمون المائة بلا
إله إلا الله وحده لا شريك له فذلك خير ۱ فلما بلغت
الأغنياء فعلوا كفعلهم فرجع الفقراء إليه الا الله فأخبروه
بذلك فقال لهم صلى الله عليه وسلم ذلك فضل الله يؤتيه من
يشاء ويترتب على هذا من الفقه أنا مطالبون بجميع فرائض
الدين ومندوباته وتطوعاته والشأن أن يُقدم الفرض ثم الأعلى
فالأعلى من جميع المندوبات ومن وسعه عمل الكل فنعم ما فعل
فإن فعل الأدنى من المندوبات مع القدرة على الأعلى فقد ترك
ما هو المستحب لكن لم يُخْلِ نفسه من الخير فإن لم يفعل من
المندوبات شيئاً فقد غبن نفسه غبناً كبيراً فليجتنب الشر
فإنه مأجور في ذلك فإن لم يفعل ذهب عنه الدين ولا علم عنده
نسأل الله العافية بمنّه
وفيه ردّ على بعض الأصوليين الذين يقولون إن الترك لا
يُؤجر عليه لأنه ليس بعمل لقد أخطأوا الطريق وضلّوا ضلالاً
بعيداً لكونهم أوجبوا الثواب بمجرد عقولهم وتركوا الكتاب
والسنة فأما الكتاب فقوله تعالى إن يَنتَهُوا يُغْفَرْ
لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ والانتهاء هو ترك الشيء لا شك فيه
وأما السنة فمنها نسمه عليه السلام في هذا الحديث بقوله
عليه السلام وَلْيمسك عن الشر فإنها له صدقة جمع أفعال
البر في قوله عليه السلام بالمعروف وجمع أيضاً جميع أنواع
الشر بقوله عليه السلام وليمسك عن الشرّ أي جميع أنواع
الشر قال فإنها أي من فعل
شيئاً من هذه الصفات المذكورة أو ترك شيئاً من هذه الصفات
المذمومة فإن ذلك له صدقة ولا يخطر لك أن تقول بمجموعها
تكون الصدقة فهذا لا يعطيه اللفظ وهو مذهب المعتزلة لأنهم
يقولون لا تُقبَلُ الحسنةُ حتى لا تعمل سيئة وأهل السنة
على خلاف ذلك لقوله تعالى ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ
ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَمُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
شَرًّا يَرَهُ وقوله عليه السلام في حديث غيره اتق محارم
الله تكن أعبد الناس4 والآي والأحاديث في
هذا كثيرة فسبحان من حرمهم طريق الرشاد
۱ لعله يشير إلى جزء من حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري
ومسلم من أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله الله فقالوا
ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم إلى آخر
الحديث أو إلى أحاديث تشير إلى هذه
الأعداد من الأذكار التي أخرجها علماء الحديث بطرق شتى
ومضمونها متقارب
سورة الأنفال من الآية ۳۸ سورة الزلزلة الايتان ۷ و ۸ سبق
تخريجه في الحديث ٦٦
٥٤٣
وهنا تنبيه وهو انظر إلى حكمة الشرع فإنه جعلك في إدخال
الراحة والسرور على نفس
غيرك مأجوراً إذا كان الله وإدخال الضرر أو التغيير عليها
مأثوماً ومعاقباً وفي إدخالك التشويش على نفسك أو المجاهدة
لها إذا كانت الله كنت مأجوراً على ذلك ولذلك قال الخضِرُ
لموسى عليهما السلام وزَعزع بالخوف قلبك فإن ذلك مما
يُرضِي ربَّك فانظر هل تعرف لذلك حكمة أو هو مما يُلقى
تعبداً أو امتثالاً لا غير قد تقدم الكلام في غير ما موضع
أن الحكيم لا يفعل شيئاً إلا عن حكمة والحكمة هنا خفية
ظاهرة وهي - والله أعلم - لأن السرور إذا أدخلته على نفسك
وإن ادعيت أنه الله فقلما يسلم من دسيسة النفس من أجل
حَظِّها وهو من باب سد الذريعة وهي قاعدة كلية في الشرع
مثال ذلك جعل مكة محلاً للجدب وعدم الزرع والمشقة التي في
الوصول إليها حتى إن المشي إليها والإقامة بها تتحقق الله
لأنه ليس في ذلك كله شيء يلائم النفس بخلاف أن لو كانت مثل
دمشق في الفواكه والخضر فقلما كانت العبادة تخلص فيها من
أجل حظ النفوس في
الخصب والفرجة
ولوجه آخر أيضاً فإن إدخال السرور على الغير إذا كان الله
خالصاً قلما يخلو من تعب النفس بوجه ما أقل ما فيه أنها
تريد جمع الحظوظ من الخير لها وكونها تؤثر بها غيرها فقد
حصل لها تعب في الباطن وهو أشده فتمحضت العبادة بالإخلاص
الذي هو أصلها لقوله عزّ وجلّ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۱
فبين الإخلاص بأسبابه حتى يكون ذلك عوناً من الله لعبدِهِ
لذلك قال يُمْنُ بن رزق - رحمه الله - وهو من أجلّ أهل
الطريقين نظرت في هذا الأمر - يعني العبادة ـ فلم أر شيئاً
أعون عليها من الغربة من أجل نفي الدسائس التي للنفس مع
الاستيطان والأهل والجيران ومنهم من قال إذا كان في الغربة
إصلاح ديني فلا أوحش الله من الأهل
والوطن وهمتي بالله وعزمي في إصلاح ديني
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
سأل
33
العـ
على
يع
٥٤٤
۱ سورة البينة من الاية ٥
1401
حديث أخذ المال بسخاوة النفس
عَن حَكيم بن حزام رضي الله عَنهُ قالَ سَأَلْتُ رَسولَ
الله فأعطاني ثمَّ ۱ صلى الله عليه وسلم
سألته فأعطاني ثُمَّ قال يا حكيم إنَّ هذا المالَ خَضِرة
حُلوة فمن أخذَهُ بِسخاوةِ نَفْسٍ بُورِكَ لهُ فيهِ وَمَن
أخذَهُ بإشرافِ نَفْس لَم يُبَارَك لهُ فيهِ وَكانَ
كالَّذِي يَأْكُلُ ولا يَشبَعُ وَاليَدُ العليا خَير منَ
اليد السُّفْلَى
ظاهر الحديث يدل على أن أخذ المال بسخاوة النفس فيه بركة
وأخذه بإشراف النفس فيه عدم بركة والكلام عليه من رجوه
منها الدلالة على سخاوته يؤخذ ذلك من تكرار طلب الطالب
عليه مراراً وفي كل مرة يعطيه ولم يقلقه ذلك
وفيه دليل على حب النفوس المالَ لما جبلت عليه بمقتضى
الحكمة الربانية يؤخذ ذلك من قوله إن هذا المال خَضِرَة
حُلوة وهذه كناية عن الشيء المستحسن المحبوب يؤيده قوله
تعالى زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِن
النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ
مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ
وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتعُ الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَالله KUNGLEANT GANGNANT ANNEL
وجاء عن عمر رضي الله عنه أنه قال اللهم إني لا أستطيع ألا
أحب ما زينته لنا فاجعلني ممن أخُذُه من وجهه وأنفقه فيما
يرضيك ٣ أو كما قال
1 حكيم بن حزام صحابي قرشي وهو ابن أخي خديجة أم المؤمنين
رضي الله عنها مولده بمكة في الكعبة شهد حرب الفجار وكان
صديقاً للنبي الهلال الاول قبل البعثة وبعدها وعُمر طويلا
وكان من سادات قريش في الجاهلية والإسلام عالماً بالنسب
أسلم يوم الفتح له في كتب الحديث ٤٠ حديثاً توفي في
المدينة سنة ٥٤هـ / ٦٧٤م سورة ال عمران الآية ١٤
۳ عزاء السيوطي في الدر المنثور ۱۰/ لابن أبي شيبة وعبد
الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم عن =
٥٤٥
م الأخذ وتكون فيه فوائد منها أجر الزهد ومنها راحة وفيه
دليل على أنه قد يقع الزهد النفس ومنها البركة في الرزق
فأما الزهد فبدليل قوله عليه السلام فمن أخذه بسخاوة نفس
وسخاوة النفس هو زهدها تقول سَخَت بكذا أي جادت به وسَخت
عن كذا أي لم تلتفت إليه وأما راحة النفس فقد قال عليه
السلام الزهد في الدنيا يُريح القلب والبدن وهذه أعظم راحة
للنفس وأما البركة في الرزق فلقوله عليه السلام بورك له
فيه ويترتب على ذلك من الفقه أن الزاهد يجتمع فيه خير
الدنيا والآخرة فأما خير الدنيا فما يحصل له من البركة في
الحطام الذي يطلبه الحريص ولا يصل إليه وراحة القلب والبدن
اللذين قد حرمهما صاحب الدنيا وهما حقيقة النعيم فيها وأما
الآخرة فما يتحصل له من ثواب الزهد هناك وقلة الحساب فإن
الزهد يحمله على إخراج الواجبات والتوقف في المتشابهات وهي
السعادة التامة والذي يطلب الدنيا يخسر الدنيا والآخرة
فأما خسارته الدنيا فتعب قلبه وبدنه لقوله والحرص فيها
يُتعِبُ القلبَ والبَدَن ٢ وهذه غاية في الشقاء والتعب
وخسارته ما أمل منها من زيادة حطامها لكونه تُرفَع له
البركة كما تقدم في قوله عليه السلام بإشراف نفس وهو الحرص
وهذا غاية في الحرمان لأنه تعب التعب الكلي وحرم ما أمله
ونجد ذلك في عالم الحس ترى طعام أهل الدنيا كثيراً في
العين وعند الأكل ما تجد الشبع منه إلا من شيء كثير والقوى
بالنسبة إلى ما أكلوا قليلة وطعام أهل التوفيق والزهد في
مرأى العين يسير ويأكل منه الجمع الكثير ويشبعون ويجدون
القوى الكثيرة بالنسبة إلى ما أكلوا ومع ما أهل الدنيا فيه
من التعب يتولد بينهم الحسد والضغائن والغيبة والشح بمنع
الحقوقِ أو بعضها أو تَوْفِيَتِها وعلى هذه الصفات مع
التسامح في المشكلات تترتب خسارة الآخرة مع العذاب والهوان
أعاذنا
الله منها بمنّه
وفيه دليل لفضل أهل الصوفة الذين بنوا طريقهم على الزهد
لأنه أول باب في السلوك ولذلك قال يُمْن بن رِزق رحمه الله
لا يثبت لك قدم في محجة الدين وفي قلبك خوف الفقر أو الغنى
وحب المنزلة والرياسة فذلك مفتاح فقر الأبد
أسلم قال رأيت عبد الله بن أرقم جاء إلى عمر بن الخطاب
بحلية انية وفضة فقال عمر اللهم إنك ذكرت هذا المال فقلت
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ حتى ختم الآية وقلت
لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا
بِمَا
اتكم وإنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زيّنت لنا اللهم
فاجعلنا ننفقه في حق وأعوذ بك من شره ۱ عزاه السيوطي في
الجامع الصغير للطبراني في الأوسط وابن عدي في الكامل
والبيهقي في الشعب وقال المنذري في الترغيب والترهيب
إسناده مقارب وانظر فيض القدير للمناوي ٧٣/٤
ضم السيوطي هذا الحديث إلى الحديث السابق وجعلهما واحداً
وعزاهما إلى المصادر المذكورة آنفاً ولفظه
والرغبة فيها تتعب القلب والبدن
۳ يمن بن رزق تقدمت ترجمته في الحديث الوجه الثاني
٥٤٦
وفيه دليل على جواز ضرب المثل فيما لا يمكن السامع أن
يعقله حتى يُعلم أنه يعقله من الأمثلة التي يغلب على الظن
أنه يعرفها يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام كالذي يأكل ولا
يشبع لأن الغالب من الناس ولا سيما في زماننا لا يعرفون
البركة إلا بالشيء الكثير فأراد أن يبين لهم بالمثال الذي
يعرفونه أن البركة هى خَلق من خَلق الله وليست كما يزعمون
وضرب لهم المثل بما يعرفه كل أحد وهو أنه لا يقصد أحد
الأكل إلا من أجل أن يشبعَ ويُزيل به الم الجوع فإذا أكل
الأكل الكثير ولم يشبع فكأنّ ما أكله من الطعام مخسور لأن
الفائدة التي من أجلها استعمل الطعام - وهي الشبَع - لم
يجدها
فكذلك المال ليس الفائدة في عينه وإنما يراد لما يتوّل به
من الفوائد فإذا كثر المال ولم يجد به من الفوائد ما
أرادها فكأن لا مال له حاضر وذلك موجود محسوس في أبناء
الدنيا والآخرة تجد أبناء الدنيا لا يقدرون أن يصلوا إلى
ضروراتهم إلا بالأموال الكثيرة فلما رأوا ذلك لم تكن همتهم
إلا في تكثير المال وغاب عنهم ما وراء ذلك وجاء أهل الآخرة
فبلغوا تلك الضرورات التي لم ينلها أهل الدنيا إلا
بالأموال الكثيرة بأقل الأشياء وربما كانت أحسن منها هذا
موجود كثير لمن تأمله ونظره
منه
وفيه دليل على أن تقعيد الأحكام لا يُقتَصَر فيها على ما
يفهمه المخاطب ليس إلا بل على ما يفهمه المخاطب وغيره ممن
هو دونه في الفهم حتى لا يكون فيها إشكال يؤخذ ذلك من قوله
للصحابي رضي الله عنه كالذي يأكل ولا يشبع لأنا بالضرورة
نعلم أن الصحابة رضي الله عنهم يعلمون أن البركة خَلْق من
خَلْقِ الله كما هو الشبع خَلْق من خَلْقِ الله لأنهم قد
رأوا ذلك مرارا ومن بعضهم مع بعض على ما هو منقول عنه عليه
السلام وعنهم ولكن ضرب ذلك المثال لمن يأتي بعد ليزول
الإشكال بتقعيد قاعدة شرعية لا تحتمل التأويل هذا البيان
التامّ الأمر كيف هو اليوم ممن ينسب إلى العلم في الغالب
فكيف بالغير فقد تنكرت الطرق وعاد الحق في كثير من الأمور
مشكوكاً فيه وبعضه مجحوداً للعوائد السوء التي كثرت ممن
لبّس على الناس أنهم علماء وصالحون فإنا لله وإنا إليه
راجعون ولذلك قال كيف بك يا حُذَيْفَة إذا تركت بدعةً
قالوا تَرَك سنّة فقال ما تأمرني إن أدركني ذلك الزمان قال
أقرِضُهم من عِرْضك ليوم فقرك ۱ معناه افعل ما هو الحق
والسنة ودعهم يقولون ما شاؤوا فإنك مأجور في كونهم يأخذون
من عرضك بغير حق شرعي
فانظر
مع
۱ رواه الخطيب وابن عساكر عن أبي الدرداء ورواه أبو نعيم
والطبراني وابن عساكر عن أبي أمامة وهو جزء من
حديث طويل وانظر منتخب كنز العمال ۳۹/۵ ومجمع الزوائد
٢٨٥/٧
٥٤٧
وقوله عليه السلام اليد العليا خير من اليد السفلى هنا
خلاف بين العلماء وأهل الصوفة فالعلماء يقولون اليد العليا
هي المعطية والسفلى هي الآخذة وأهل الطريق يقولون بالضد إن
الآخذة لأنها هي التي أعطتك بالشيء اليسير الثواب الكثير
واحدة بعشرة وبسبعين
العليا هي
وبسعمائة والسفلى هي المعطية لأنها هي المنتظرة للمجازاة
وهي مفتقرة إلى ذلك والذي يظهر لي - والله أعلم - أن الجمع
يقع بينهما بوجه آخر وهو حسن إذا تأملته لا يخلو أن يكون
المعطي هو الذي يطلبك لقبول معروفه أو أنت هو الذي تطلب
منه ذلك فإن كنت أنت الطالب له فيده عليك وهي العليا وقد
حصل منك ذل السؤال إليه وقد جاء أن الذل في السؤال ولو عن
الطريق والمنكر لهذا يَجْحَد الضرورة
وإن كان هو الذي يطلبك بمعروفه فقد كسر مائية وجهه إليك في
أمرٍ أنت فيه بالخيار وهو محتاج إليه إما لزوال واجب عليه
أو لخير يؤمله في دنياه أو اخرته فإنه لم يأتك بمعروفة
كرامة لك وإنما هو لأمر يقصده مما أشرنا إليه فقبولك أنت
إياه معروف وهو السائل فيه فالحاجة له ويده هي السفلى ويد
الآخذ هي العليا وقد قال عليّ رضي الله عنه من دعانا كان
الفضل له فإن أجبنا كان الفضل لنا وبساط الحال الذي نحن
بسبيله يشهد لذلك لأن سيدنا ل لا لا لا لو لم يقل ما قال
إلا لسائل له عليه السلام لَمَّا كرَّر سؤاله مراراً
۱ وفيه دليل لوجه رابع وهو أنه جعل الاثنين حَسَنَيْنِ
وأحدهما يفضل على صاحبه بزيادة يؤخذ ذلك من قوله خير لأنه
أدخلهما في باب أفضل وباب أفضل يشهد بالحسن أو الخير
للمذكورين غير أن أحدهما يكون - إن فعل - خيرا من غيره كما
نقول زيد خير من عمرو وما نفينا الخيرية عن عمرو بالأصالة
ولكن زيداً أرفع منه درجة فيها فكذلك هاتان اليدان كلتاهما
حسن لأنهما امتدتا إلى معروف وحصلت الفضيلة بينهما بمرجّح
ثان إما نظر بعين الفعل أو بعين المال أو بعين القصد أو
بمجموعها فمن أجل هذه التعليلات وقع الخلاف
وفيه دليل على إرشاد الشارع عليه السلام إلى الأعلى في
المقامات يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام اليد العليا خير من
اليد السفلى كأنه عليه السلام يقول كن ممن يده عليا ولا
تكن ممن يده سفلى إلا أن هذا في المقامات الدينيات لا في
الدنيا وحطامها
وفيه دليل على أن بيان العلل بعد قضاء الحاجة ليس بمخجل
ولا مفسد للمعروف يؤخذ ذلك من أن سيدنا ا ا ا ا ل لم يبين
للسائل ولا ضرب له المثل إلا بعد قضاء حاجته مرارا حتى تمت
أمنيته وحينئذ بين عليه السلام له العلل التي في السؤال
1 كذا وقد أورد قبل أكثر من ثلاثة
٥٤٨
وفيه من الفقه أنه بعد قضاء حاجته كان خاطره خالياً من
التشويش ومن التهمة للمتكلم وأرفع للخجل ويجتمع له قضاء
حاجته وفائدة أخرى وهي التعليم بما لم يكن يعلم وفيه دليل
على جواز سؤال أهل الفضل والدين وأهل المعاملة وليس فيه
مذلة يؤخذ ذلك من أن سيدنا ل لم يعرض له فى حق سؤاله إياه
بشيء إلا أنه قال له قاعدة كلية ولو كان في سؤاله شيء ما
كتمه عنه ولا كان أيضاً يعطيه شيئاً حين يبين له ما فيه من
الكراهية لأنه المشرع والبيان عند الحاجة إليه لا يجوز
تأخيره وكأن فحوى الكلام يقول له يا حكيم ليس الأخذ مني
الأخذ من غيري اليد العليا خير من اليد السفلى لأن يده هي
العليا على كل الحالات لأنها لا مماثل لها ولا يتناوله
عليه السلام التمثيل في الفضيلة وهذا بين لاخفاء فيه
ويخلفه بالميراث في المنزلة - وإن كان ليس مثله - مَن له
الخلافة بعده وكذلك من ناب عن الخليفة نائب بعد نائب وإن
بَعُد أعني إذا كانوا من أهل الفضل والدين
مثل
وفيه دليل على أن المطلوب منا المبالغة في النصيحة
والتعليم يؤخذ ذلك من أنه صلى الله عليه وسلم لم يقتنع
بالمثال الأول حتى أكده بالمثال الثاني لكونه فيه معنى
زائد وكلما زادت أدلة التحذير كان
أقوى في المنع
وفيه دليل على أن من أقوى الأسباب في حمل العلم بمقتضى
الحكمة الجِدَةُ ۱ يؤخذ ذلك من أنه لم يعلمه حتى أغناه
بتكرار العطاء ثلاثاً
وفيه دليل على جواز تكرار السؤال ثلاثاً والرابعة ممنوعة
يؤخذ ذلك من أنه في كل مرة من الأولى والثانية أعطاه عليه
السلام وسكت عنه وفي الثالثة أعطاه وأشغله بإلقاء العلم عن
إعادة السؤال لأن الصحابة رضي الله عنهم فيهم من الفهم
والذكاء لقوة إيمانهم ما يزجرهم في الإشارات أقل من هذا
وفيه حجة لأهل الطريق الذين يقولون بالزنبيل لأنهم يقولون
من شرطه ألا يخرج لشخص معين يقصده ولا يلح في سؤاله ولا
يحلف ۳ وإنما يسأل الله فإذا حملته المقادير إلى باب أو
شخص لا يتعداه لغيره ومن شرطه ألا يخرج إلا على حاجة
صادقاً لقوله الله لا بأس أن يشكو المؤمن حاجته لأخيه
المؤمن ٤ فإذا سأل ذلك الشخص الذي حملته القدرة إليه فإن
أعطاه
1 الجدة مصدر للفعل وجد يَجِد يقال وَجَد فلان أي صار ذا
مال وللفعل وجَدَ معان أخرى الزنبيل بفتح الزاي المشددة
وكسرها القفه ويراد به هنا الأخذ بالسبب والسعي للرزق ۳
ولا يحلف ولا يُقسم على من سأله ليعطيه
٤ لم أقف على مصدره
٥٤٩
فحسن وإن حرمه فحسن ثم يقصد ثانياً وثالثاً فإن حرمه
الثلاثة فلا يزيد عليهم شيئاً ويعلم أن المطلوب منه الصبر
والتسليم فيرجع إلى موضعه ولا يسأل غير من ذكر حتى يفتح
الله له أو
يفعل فيه ما شاء
فانظر اليوم هل ترى من الطرفين العلم والحال من هو على ما
يقتضيه طريقه مما استنبطه أهله الموفقون من الكتاب والسنة
كما أبديناه قبل وفي هذا الحديث طرف منه كلا والله تشعبت
الطرق وقل السالكون فإنا لله وإنا إليه راجعون
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
حديث كراهية كثرة السؤال
عَن عَبدِ الله بن عُمَرَ رَضي الله عنهما قالَ قالَ
رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما يَزال الرَّجل يسألُ ۱
النَّاسَ حتَّى يأتيَ يَومَ القيامَةِ لَيسَ فِي وَجْهِهِ
مِرْعَةٌ ٢ لحم
ظاهر الحديث يدل أن الذي يكثر من سؤال الناس يأتي يوم
القيامة وليس في وجهه لحم والكلام عليه من وجوه
منها هل هذا السؤال على العموم في علم أو طريق أو لا يكون
ذلك إلا في حطام الدنيا وإن كان في حطام الدنيا هل إذا ۳
كان محتاجاً أو غير محتاج وهل هذا خاص بالرجال دون النساء
أو ليس وهل هذه العقوبة لحكمة تعرف أو ليس وهل يدخل في ذلك
من تاب قبل موته أم لا فالجواب أما السؤال عن العلم فلا
يدخل في عموم ذلك بدليل مولانا جلّ جلاله نَسْتَلُوا
أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٤
وأما السؤال أيضاً عن الطريق فلا يدخل في عمومه لأنه من
إرشاد الضال وإرشاد الضال من المأمور به فلم يبق إلا أن
يكون في حطام الدنيا فإذا كان في حطامها فليس على عمومه
أيضاً لأن من المأمور به السؤال عند الحاجة لقوله عليه
السلام لا بأس للمؤمن أن يشكو حاله لأخيه المؤمن ٥ ومن أجل
ذلك اختلف العلماء في الذي يلحقه الجوع أيما أفضل له الصبر
حتى
1 يسأل في هذا السياق بمعنى يستجدي ويشحذ
المزعة القطعة وجمعها مزع
۳ كذا والصواب أفإذا
٤ سورة النحل من الآية ٤٣
٥ لم أقف على مصدره
100
5
12
يموت فيكون شهيداً لقوله عزّ وجلّ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ
رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۱ أو يكون مأثوماً لقوله
لا بأس للمؤمن أن يشكو حاله لأخيه المؤمن فإن لم يفعل حتى
يموت يكون ممن تسبّب في قتل نفسه فيأثم على قولين
وأما من تاب قبل موته فيرجى أنه لا يدخل تحت ذلك العموم
لقوله التوبة تَجُبُّ ما قبلها ٢ غير أنه يبقى هنا بحث
فالذي يكون مال بيده عند التوبة هل يتناول منه شيئاً أو
كيف
يفعل به أما بقاؤه بيده فلا يجوزه وكيف يجوز له إبقاء مال
حرام بيده بدليل قوله عليه السلام لا تَحِل الصدقة لغنيّ
ولا لِذي مِرَّةٍ سَوِيّ ۳ وأما ما يفعل به فإن كان مما
يعرف أصحابه فيرده إليهم وإن لم يعرف فيتصدق به
وأما هل هو خاص بالرجال دون النساء أو عام فالجواب أنه عام
بدليل أن النساء شقائق الرجال في جميع التكليفات وجرى
الإخبار عنهم دون النساء من طريق الأفضلية وأنهم تلقوا
الخطاب كقوله عزّ وجلّ يَأَيُّهَا الرُّسُلُ ٤ والمقصود هم
وأتباعهم
وهنا بحث وهو أن من فعله ولم يدم عليه لا يلحقه ذلك الوعيد
بدليل قوله ما يزال وهذه الصيغة تدل على الدوام
وفيه دليل على أن جميع الناس محتاجون إلى العلم يؤخذ ذلك
من أنه إذا كان أقل الناس - وهم السؤال الذين ليس لهم شيء
في الدنيا - يحاسبون على سؤالهم سواء أكان على ما أمروا به
أو تعدوا فما بالك بالغير
وفيه دليل على أن الجهل لا يُعذر به أحد فإنه إذا لم يعذر
السائلون - مع شدة مسكنتهم
بالجهل فيما يلزمهم من سؤالهم فكيف بغيرهم
وفيه دليل على أن العلم أفضل الأشياء إذ به يتخلص الرفيع
والوضيع إذا عمل به وفيه دليل على جواز سؤال غير المؤمن
يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام يسأل الناس و الناس لفظ عام
يدخل تحته المؤمن وغيره ومن أجل ذلك كان بعض السادة لا
يخرج من منزله إلا عند الضرورة فلا يأتي إلا إلى ذمّي فقيل
له في ذلك فقال إني لا أخرج إلا محتاجاً فإذا
۱ سورة الطور من الاية ٤٨
لم أقف على مصدره والمروي المعروف هو الإسلام يَجُبُّ ما
قبله
۳ رواه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً
ورواه النسائي من حديث أبي هريرة وهو حديث صحيح وذو مرّة
صاحب قوّة ونشاط
٥٥٢
٤ سورة المؤمنون من الآية ٥١
أتيت باب المسلم فأخاف أن يردني ويعود عليه من أجل ردي
بلاء لأنه مأمور بإحياء نفسي فلا أريد أن يلحقه مني أذى
والذمي ليس هو بي مكلفاً فإن واساني رجوت له الخير وإن
ردَّ لم يخف
أن يلحقه مني أذى له
بین
وفيه دليل على حمل السائلين على التصديق يؤخذ ذلك من أنه
لم يجعل لغيرهم فرقاً الصادق وغيره منهم ويذكر عن بعض
المباركين أنه مر يوماً فرأى شخصاً عُرياناً يسأل من
يكسوه الله فجرد ثوباً عنه وأعطاه وكان ذلك السائل معروفاً
عند بعض الناس أنه كان يعمل ذلك حيلة وربما تصرف بثمن ما
يأخذه فيما لا يصلح فلما انصرف ذلك السيد عنه أخبره شخص
أنه رأى ذلك السائل في موضع وليس عليه ذلك الثوب وأنه يمكن
أنه تصرف فيه على غير لسان العلم فتحرك ذلك السيّد لمقالة
القائل وسأله أن يحمله حتى يراه كيف حاله فلما بلغ إليه
وراه على تلك الحالة التي وُصف بها سأله ما فعلت في الثوب
الذي أعطيتك وكان ثوباً نفيساً يساوي شيئاً كثيراً فجاوبه
بأن قال له اطلب ثوبك ممن أعطيته واتركني مع من عصيته فقال
صدقت
وتركه وانصرف إذا كنت في معروفك صادقاً مخلصاً فكن في فضل
من عاملته مصدقاً مخلصاً وأما قولنا هل تعرف ما الحكمة في
كونه يأتي يوم القيامة ولا مزعة لحم في وجهه والمزعة الشيء
اليسير فمعناه أنه ليس يكون في وجهه من الحُسْن شيء ولأن
حُسْن الوجه هو بما فيه من اللحم ولذلك فإن السِّمَن يَزيد
الوجه حسناً وذلك لأنه لما أذهب في الدنيا مائية وجهه وهي
ما في الوجوه من الحياء الموجب لترك المسألة - فلما أزاله
لغير ضرورة أذهب حسنه الحسي والآخرة أمورها في الآخرة لأن
حسن الحياء الذي في الوجه هو معنوي وحسن اللحم حسي حسية
مشاهدة غالباً لأن الحكمة اقتضت أن كل ذنب في الدنيا
لصاحبه علامة يعرف بها في الآخرة وتكون دالة على ذنبه
فيجتمع عليه أمران عقاب وتوبيخ من أجل شهرته على جميع
العالمين كما جاء أن شاهد الزور يبعث مُولعاً ۱ لسانه بنار
واكل الربا مثل البخت ۳ يتخبط مثل السكران وأكل أموال
اليتامى يقوم من قبره وألسنة النار تخرج من منافسه
۱ مُولَعاً في هذا السياق تعني محبوساً فلسان شاهد الزور
تلفه النار وكأنه محبوس بها والعبارة الواردة في النص أن
شاهد الزور يبعث الخ لم يتيسر الوقوف على مصدرها
البخت نوع من الإبل خراسانية وكأنه يعني أ خلقه غير سوي
كسائر المخلوقات وحديث الإسراء الذي رواه الإمام أحمد عن
أبي هريرة والذي أوله رأيت ليلة أسري بي والحديث الذي رواه
البيهقي في الدلائل عن أبي سعيد والذي أوله لما عرج به إلى
السماء فيهما تشبيه بطون أكلة الربا بالبيوت العظام
المائلة ج منفس وهو مكان النَّفَس وعبارة المؤلف وألسنة
النار تخرج من الإسراء الذي رواه البيهقي عن أبي سعيد رضي
الله عنه وفي تفسير ابن كثير لقوله تعالى الَّذِينَ
يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا وفي كتاب
الكبائر للذهبي زيادة إيضاح وشرح لهذا الموضوع
۳ منافسه
منافسه قطعة من حديث
٥٥٣
وتعداد ذلك كثير بحسب ما أخبر به الصادق عليه السلام فتكون
فائدة الإخبار بهذا وأمثاله التحرز من ذلك الخزي العظيم
والعذاب الأليم أعاذنا الله من الجميع بمنه وفضله لا رب
سواه
وقال حَسنُ لنفسك العقبى إن كنت بصيراً واحذَرْ خِزْيَ يوم
كان وجهه عبوساً قمطريراً بتقوى مَوْلى لم يزل عليك
منعِماً شكوراً
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
تسليماً
٥٥٤
-Y-
حديث قران الحج بالعمرة
عَن عُمر رضي الله عَنهُ يَقولُ سَمِعتُ النَّبِيَّ بوادِي
العَقيقِ۱ يَقولُ أتاني الليلة آتٍ مِن رَبِّي فَقالَ
صَلِّ في هَذا الوَادي المُبارَكَ وَقُل عُمرَةٌ في
حَجَّةٍ
آخر
*
ظاهر الحديث فيه بحث وهو هل يحمل على ما يقتضيه لفظه أو
المعنى فيه على وجه
فمن قواعد الشريعة تعرف أن في ها هنا ليست على حقيقتها
وإنما هي بدل عن غيرها وهذا في كلام العرب كثير لأنه قد
تقرر من قواعد الشرع أن العمرة لا تُردَف على الحج وأن
الحج هو الذي يُردَف على العمرة
وسبب الأمر من مولانا جلّ جلاله في هذا الوادي المبارك
لسيدنا أن يصلي فيه وهو عليه السلام قد كان أحرم عند خروجه
من المدينة بالحج مفرداً وذلك أنه كانت الجاهلية قبل
الإسلام يقولون إن من أفجَرِ الفجور العمرة في أشهر المج
وكانوا يقولون إذا عفا الوَبَر وَبرَأ الدَّبَر ودخل صَفَر
حلّت العمرة لمن اعتمر عفا الوبر كثر وبر الإبل الذي حلق
بالرحال وفي رواية عفا الأثر أي اندرس أثر الإبل وغيرها في
سيرها ويحتمل أثر الوبر المذكور جرح في ظهر الإبل من أثر
السفر وصَفَر هو الشهر الذي يلي المحرَّم وكانوا يسمون
المحرَّم صَفَراً فأمر الله نبيه عليه السلام أن ينسخ فعل
الجاهلية بأن يُحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفسخ بذلك
الإحرام إحرامه المتقدم بالحج المفرد ويكون ذلك حكماً
خاصاً بذلك
والدبر
۱ وادي العقيق هو الوادي المبارك ويقع ببطن وادي ذي
الحليفة وهو الأقرب منها وهو مهل أهل العراق من ذات عزق
يقع غربي المدينة المنورة ويشقه طريق مكة ويكاد عمران
المدينة يتصل بمداخله والطرق إليه منها باب العنبرية
الطريق شمالي قبة الخضر المدرّج العقيق انظر بين التاريخ
والآثار لعبد القدوس
الأنصاري ص ٧٦
٥٥٥
الوقت لأنه لم يأت نص في الأحاديث أن العمرة يجوز إدخالها
على الحج فتكون في ههنا على
هذا الوجه معناها عُمْرة بدل حَجة
هذا على القول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم
مفرداً وهو حديث عائشة ۱
رضي الله عنها لأن
العلماء اختلفوا في حجه وإحرامه صلى الله عليه وسلم
اختلافاً كثيراً والأحاديث في ذلك أيضاً مختلفة وهو
موجب الخلاف
الله
قطعي فيه
وعلى القول بأنه عليه السلام أحرم أولاً بعمرة فيكون قوله
هنا عُمرَة في حَجّة من المقلوب ويكون معنى الكلام حَجَّة
في عُمرة وقلب اللفظ عن حقيقته بغير وجه إشكال والأول الذي
هو بدل الحروف أولى لأنه معروف في كلام العرب ومن فصيحه
وأما على وجه من قال إنه الا الله و أحرم قارِنا فيكون
الأمر هنا زيادة تأكيد في شأن ما أراد سبحانه أن ينسخ من
فعل الجاهلية لأن يكون ذلك بالسنة أولاً وتثبيتاً بالحكم
الإلهي ثانياً ونذكر الآن إشارة إلى ما هو الأظهر من
إحرامه لا لا لا لهم من أجل الاختلاف الواقع في ذلك وذلك
أنه لما اختلفت الأحاديث من أين كان إحرامه الله هل من
المسجد أو حين استوى على راحلته أو حين توسط البيداء سئل
ابن عباس رضي الله عنهما عن سبب هذا الخلاف فقال أنا
أخبركم كنت معه في المسجد فصلى ثم أحرم إثر الصلاة وهي
نافلة فلبّى فمن كان هناك روى ما سمع ثم خرجتُ معه حتى ركب
فلما استوى على راحلته لبّي فمن كان هناك روى ما سمع ثم
سار وسرت معه حتى توسط البيداء والناس أمامه مدّ البصر
وخلفه ويمينه وشماله
كذلك وهلل ولبّي فمن كان هناك روى ما سمع
وأما الذي جاء في اختلاف إحرامه عليه السلام هل كان مفرداً
أو قارناً أو بعمرة وكيف
الجمع فذلك أن عائشة رضي الله عنها قالت خرجنا مع رسول
الله عام حجة الوداع
فمنا من أهَلَّ بعمرة ومنا من أهَلَّ بحج وعمرة ومنا من
أهَلّ بالحج وأَهَلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج
۱ حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم مفرداً
رواه مسلم رقم ۱۱۱ في الحج - باب بيان وجوه الإحرام أداء
فريضة الحج يمكن أن يتم على ثلاثة أشكال ۱ حج إفراد وهو
أداء مناسك الحج من غير أداء عمرة في وقت الحج وهو شوال
وذو القعدة وعشر ذي
الحجة
حج تمتع وهو الجمع بين أفعال العمرة والحج في أشهر الحج في
سنة واحدة بإحرامين بتقديم أفعال العمرة من غير أن يُلمَّ
بأهله إلماماً صحيحاً
۳ حج قران وهو الجمع بين العمرة والحج بإحرام واحد في
سَفْرة واحدة ۳ رواه الإمام أحمد في المسند وأبو داود في
السنن وصححه الحاكم في المستدرك وأقره الذهبي وفي رواية
المؤلف ابن أبي جمرة رحمه الله زيادة بعض الألفاظ وهي غير
واردة في الكتب الانفة الذكر
٥٥٦
فأما من أهل بعمرة فحَلَّ وأما من أهل بالحج أو جمع بين
الحج والعمرة فلم يخلل حتى كان
يوم النحر
وقول سعد في الموطأ للضحاك بئس ما قلت يا ابن أخي قد صنعها
رسول الله
وصنعناها
٣ أنحر
معه
يعني العمرة في حجة الوداع وقول حفصة لرسول الله صلى الله
عليه وسلم ما شأن الناس
حَلوا ولم تَحْلِلْ أنت من عمرتك فقال إني لَبَّدْتُ رأسي
وقلدتُ هَذيي فلا أحِلّ حتى وروي عن أنس بن مالك رضي الله
عنه أن رسول الله ل قرن وأنه سمعه يقول لبيك اللهم
لبَّيْكَ بحَجَّة وعُمرَة معا ٤
واختلف الناس في كيفية الجمع بينهما فمن أحسن ما قيل في
ذلك أنه عليه السلام أحرم أولاً مفرداً بالحج فمن سمع ذلك
أخبر بما سمع ثم فسخه في العمرة حين أمره الحق جلّ جلاله
كما تقدم فمن سمع إهلاله عليه السلام بالعمرة مفرَدَة روى
ما سمع ثم إنه عليه السلام لما قدم مكة قبل أن يطوف بالبيت
أردف الحج على العمرة فمن سمعه يلبي بهما حدث بما سمع
فَصَدَق أن يقال مفرداً وأن يقال متمتعاً وأن يقال قارنا
والكل حق ولا تناقض بينها وإنما كان يكون التناقض أن لو
كانت الأحاديث كلها عن يوم واحد في ساعة واحدة وهذا لم
يوجد فلا تعارض عند التحقيق والحمد الله وَلَوْ كَانَ مِنْ
عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافًا ﴿
كثِيرًا ٥ فهذا ما أمكن الكلام فيه على قوله في حجة على
التقريب والاختصار وفيه دليل على أن الله عزّ وجلّ يفضل ما
يشاء من خلقه جماداً أو غيره فضلاً منه تعالى يؤخذ ذلك مما
قيل له عليه السلام في هذا الوادي المبارك فسمي بالبركة
وفيه دليل على أن المقصود منا في الأمكنة والأزمنة
المباركة التعبد يؤخذ ذلك من قوله صل في هذا الوادي
المبارك فمن أجل بركته أمرنا بالصلاة فيه كما قال تعالى في
الأشهر الحرم فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَ فنهى عن
الظلم فيها لكون الإثم عليه إذ ذاك أكثر مما لو كان في
غيرها والأمر بالشيء نهي عن ضده والنهي عن الشيء أمر بضده
فلما نهى عن ترك الظلم
فيها يلزم فعل الطاعة أو يندب فيها
1 رواه البخاري ومسلم كما في جامع الأصول ١٤٤/٣ و ١٤٥ و
١٤٦ رواه الإمام مالك في الموطأ والنسائي ۱۵/۵ والترمذي
رقم ۸۳ ۳ رواه البخاري في الحج باب التمتع والقران
والإفراد ومسلم رقم ۱۹ عن السيدة حفصة رضي الله عنها 4
رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه
عن أنس رضي الله عنه
0
سورة النساء من الاية ۸ ٦ سورة التوبة من الآية ٣٦
٥٥٧
وفيه دليل على تفضيل بني ادم على غيرهم من المخلوقات يؤخذ
ذلك من أن ما فضل من البقع والأزمنة إنما هي من أجل بني
آدم لكونهم أمروا فيها بالتعبدات وضعف لهم الثواب يدل على
ذلك قوله تعالى وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ
وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَآيَتٍ لِقَوْمٍ
ون ۱ فكانت الفائدة لنا ورحمة بنا
وفيه دليل على جواز الإخبار بأمر الأمر ولا يلزم ذكر
الواسطة يؤخذ ذلك من قوله عليه
السلام أتاني الليلة اتٍ من ربي ولم يذكر من كان الآتي هل
جبريل عليه السلام أو غيره وفيه دليل على تأكيد الركوع قبل
الإحرام يؤخذ ذلك من قوله صَلّ في هذا الوادي المبارك وقل
عمرة في حجة فلم يؤمر عليه السلام بالإحرام إلا بعد الركوع
وإن كان سيدنا قد سَنها قبل فجاء الأمر هنا تأكيداً لما
كان هو ا سَنه وعلى القول - وهو الأظهر - إنه عليه السلام
أحرم أولاً مفرداً يجوز فَسخُ الحج في العمرة إذا كان هناك
عذر يوجب ذلك يؤخذ ذلك من فسخه عليه السلام الحج في العمرة
للعذر الذي قدمنا ذكره
ومنه - والله أعلم - أجاز العلماء لمن فاته الوقوف بعرفة
إن شاء أن يفسخ إحرامه في عمرة فعل
لأنه عذر يوجب له الخيار بما ذكرنا أو يبقى على إحرامه إلى
قابل وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه
وسلّم تسليماً
الفل
۱ سورة الجاثية من الآية ۱۳
يقصد بـ الركوع الصلاة النافلة قبل الإحرام من إطلاق الجزء
على الكل
لا
الا
فل
أنا
-۷۸-
حديث الإنابة في الحج
عَن عَبدِ الله بن عبّاس رضي الله عَنهُما أنَّ امرأةً
قالت يا رَسولَ الله إِنَّ فَريضةً الله علَى عِبادِهِ في
الحج أدركت أبي شَيخاً كبيراً لا يَثْبُتُ على الرَّاحِلة
أفَأَحُجُ عَنهُ قَالَ نَعم وَذلِكَ في حَجَّةِ الوداع
ظاهره يدل على جواز النيابة في الحج والكلام عليه من وجوه
منها هل هو مطلق في الفرض والنافلة كما يروى عن الشافعي
رحمه الله أو في النفل لا غير
أما على ما ذكرته عن أبيها لأنه لا يقدر أن يثبت على
الراحلة فالحج ليس بفرض عليه لأن الله عزّ وجلّ يقول مَنِ
اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۱ وهذا عادم للاستطاعة فلا
وجوب عليه ﴿ ويكون ما فعلته عنه من الحج تطوّعاً فإذا
بمقتضى الحديث تجوز النيابة في الحج في النافلة ولا تجوز
في الفرض
وهنا بحث وهو هل يحمل ذلك الحكم - أعني النيابة - في جميع
التطوعات البدنية أم لا الجمهور على أن لا وما أجاز
النيابة في الحج - على خلاف بينهم ممن أجازها هل مطلقاً في
الفرض والنفل أو في النفل لا غير - إلا من أجل هذا الحديث
ومن أجل أن معظم ما فيه إنفاق المالية وجعل البدن تابعاً
لها لأن النيابة في المالية جائزة وفي الفرض بلا خلاف وأما
البدنيات فلا إلا خلاف شاذ جاء فيمن مات وعليه صوم واجب هل
يصوم عنه وليّه أم لا فالجمهور على أن لا يصام عنه وجاء
حديث يصوم عنه وليّه فعمل على ذلك بعض العلماء ولم يصح عند
الجمهور العمل به
۱ سورة ال عمران من الآية ۹۷
روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله الله قال
من مات وعليه صيام صام عنه وليه
۵۵۹
وفيه دليل على جواز النيابة في العلم يؤخذ ذلك من سؤال هذه
عمّا يلزم أباها وفيه دليل على جواز نيابة المرأة في العلم
يؤخذ ذلك من أن النبي لما سألته هذه أجابها ولم ينكر عليها
وفيه دليل على جواز كلام المرأة والأجانب يسمعونها وإن كان
كلامها عورة لا يجوز أن يسمعه أجنبي لكن عند الضرورة جائز
يؤخذ ذلك من كون ابن عبّاس روى كلامها وأنه وهو أجنبي منها
لكن من أجل الضرورة لكونه مع النبي وهذه قد سألته فسمع
كلامها ويؤخذ منه جواز الجلوس مع الحكام والفقهاء المفتين
وإن كان الناس تأتيهم رجالاً ونساءً يؤخذ ذلك من كون ابن
عباس كان مع النبي حين سألته هذه وهو المروي عنه عليه
السلام في الأحاديث لأنه لم يكن قط يجلس إلا ويجلس معه
الصحابة رضي الله عنهم ومن أجل ذلك تقررت الأحكام ولو لم
يكن ذلك جائزاً وكان يكون من الخاص به لكونه يقرر الأحكام
وتنقل عنه لكان يذكر ذلك ويبينه
وفيه دليل على تصحيح قاعدة الأبوة بخلاف ما يقوله بعض أهل
التفقه لأنهم يقولون محتملة وإطلاقهم هذه الصيغة على هذه
الصفة غلط والبحث فيه أن نقول لا يخلو أن نرجع في ذلك إلى
مجرد العقل ولا نلاحظ في ذلك أمر الشرع أو نرجع إلى
مجموعهما فإن قال القائل أقول بمجرد العقل عند البحث
ليتقرر حكم العقل في ذلك على أسلوبه فإن وافق الشرع فحسن
وإلا قلنا هذا بحث العقل ورجعنا في الأحكام إلى الشرع فإنا
به مأمورون
فنقول لا يخلو أن نقول عن الأبوة محتملة بحسب بلوغ الأمر
إلى علمنا أو بحسب وقوعها في الوجود فإن قلتم بحسب وصوله
إلى علمنا فلا فرق بين الأبوة والأمومة لأن الأمومة كذلك
أيضاً إما أن تكون بعلم قطعي أو بحسب وقوعها في الوجود
فالعلم القطعي مثل أن يُرى خارجاً من رَحِم أمه فهذا هو
العلم القطعي وهو معدوم في الأبوة أعني القطع بالمعاينة
وأما الأسباب فتشترك الأبوة مع الأمومة في ذلك لأن الأمومة
إما أن تكون بدعوى أو بشهادة والأبوة تشاركها فيهما وهذا
هو الغالب من الناس لأنهم لا يعرفون أبوتهم وأمومتهم إلا
من طريق الدعوى أو الشهادة فلم يبق في ذلك إلا الرجوع إلى
الأمر المنقول منها عن طريق إخبار الصادق عليه السلام من
نفيها أو صحتها
فما جاء من طريق الصادق عليه السلام نفيها مثل ابن نوح
عليه السلام على خلاف فيه
۱ كلام المرأة ليس بعورة ويجوز للأجنبي أن يسمعه إلا إن
كان هناك فتنة نص عليه النووي في أكثر من موضع من شرح مسلم
٥٦٠
به
ن
ـذه
أن
حين
تقوله عزّ وجلّ ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۱ فضاء عنه
وذكر عن بعض العلماء أنه كان ملتقطاً عليه لأن زوجة نبي
بالإجماع أنها ما بغت قط لا مخالف في هذا ومثله قول سيدنا
محمد الله سأله السائل مَن أبي فقال أبوك حذافة ٣ ونسبه
إلى أبيه وأما ما ثبت فمثل أولاد يعقوب عليه السلام فقد
ثبتوا بنص القرآن وكذلك أولاد إبراهيم عليه السلام وأولاد
سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم
علي رضي
ومثل أبيه و و و و و و و و و و ل لقوله عليه السلام أنا
النبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطّلب ٤ وقوله عليه أنا ابن
الذبيحين٥ وقوله عليه السلام حين كتب العهد بينه وبين أهل
مكة فكتب السلام الله عنه محمد رسول الله قالوا لو علمنا
أنه رسول الله لا تبعناه فكتب محمّد بن وقوله عليه السلام
للسائل إن أبي وأباك في النار ۷ وقوله عليه السلام أستأذنت
في أن أزور قبر أمي فأذن لي واستأذنته أن أزور أبي فمنعني
۸ وقوله عليه السلام
عبد الله
۱ سورة هود من الآية ٤٦
رواه البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه وانظر في تفسير
قوله تعالى ﴿لا تسألوا عن أشياء ۳ رواه البخاري في المغازي
- باب قول الله تعالى ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ٤ قول
ضعيف ومدلول عبارة المؤلف يدل على ذلك
٥ يريد بالذبيحين اسماعيل بن إبراهيم وأباه عبد الله بن
عبد المطلب وقد وقع عليه نذر أبيه عبد المطلب أن يذبحه ثم
افتداه بمائة من الإبل جاء في الطبقات الكبرى لابن سعد
۸۸/۱ ما يلي لما رأى عبد المطلب قلة أعوانه في حفر زمزم
وإنما كان يحفر وحده وابنه الحارث هو بكره نذر لئن أكمل
الله له عشرة ذكور حتى يراهم أن يذبح أحدهم فلما تكاملوا
عشرة منهم الحارث والزبير وأبو طالب وعبد الله وحمزة وأبو
لهب والغيداق والمقوّم وضرار والعباس جمعهم ثم أخذهم بنذره
ودعاهم إلى الوفاء الله به فما اختلف عليه منهم أحد وقالوا
أوف بنذرك وافعل ما شئت فقال لِيَكتُب كل رجل منكم اسمه في
قدحه ففعلوا فدخل عبد المطلب في جوف الكعبة وقال للسادن
اضرب بقداحهم فضرب فخرج قدح عبد الله أوّلها وكان عبد
المطلب يحبه فأخذ بيده يقوده إلى المذبح ومعه المدية فبكت
بنات عبد المطلب وكن قياماً وقالت إحداهن لأبيها أعذر فيه
بأن تضرب في إبلك السوائم التي في الحَرَم فقال للسادن
اضرب عليه بالقِداح وعليَّ عشر من الإبل وكانت الدية يومئذ
عشرا من الإبل فضرب فخرج القدح على عبد الله فجعل يزيد
عشرا عشرا كل ذلك يخرج القدح على عبد الله حتى كملت المائة
فضرب بالقداح فخرج على الإبل فكبّر عبد المطلب والناس معه
واحتمل بنات عبد المطلب أخاهن عبد الله وقدم عبد المطلب
الإبل فنحرها بين الصَّفا والمَرْوَة والرواية أن أعرابياً
قال للنبي الا يا ابن الذبيحين انظر كشف الخفا ۱۹۹/۱ ٦
رواه الشيخان عن المسوّر وعليّ رضي الله عنهما ۷ رواه مسلم
وأبو داود وفي رسالة للسيوطي في نجاة الأبوين الشريفين أن
لفظه أبي الواردة في الحديث مُدْرَجَة من الراوي وله في
ذلك أدلة قوية ۸ لفظه استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن
لي واستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي رواه مسلم عن أبي هريرة
رضي الله عنه
٥٦١
للعباس يا عم ۱ ولأبي طالب يا عم ولصَفِيَّةَ حين أنزل
الله عزّ وجلّ ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأفريين ۳ يا صفية
عمة رسول الله فإن العمومة لا تثبت إلا بالأبوة الثابتة
فقد رجع قوله عليه السلام هنا التواتر لأنه قد قيل في أقل
التواتر إنه يثبت بأقل الجموع ومن أهل العلم من قال إنه
يحصل بخبر الواحد وهنا أكثر من أقل الجموع والأحاديث في
هذا كثيرة وطرقها مختلفة وأما التنزيل فقوله عزّ وجلّ
ولَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ نُسِكُمْ ﴾ ٤ أي أحسَبِكم
والحَسَب لا يثبت إلا بثبوت الأبوة وقال صلى الله عليه
وسلم إن الله اختار من أولاد آدم إبراهيم عليه السلام
واختار من ولد إبراهيم إسماعيل إلى أن قال عليه السلام
واختارني من بني هاشم ٥
أَنفُسِ
هذا من طريق بحث العقل ورأينا الشرع قد أثبت هاتين
القاعدتين الأمومة والأبوة وجعل الاحتمال الطارىء على
الأبوة الوصول إليه متعذر فإنه عليه السلام جعل في دعوى
الزنى أربعة شهود يَرَوْنه كالمِرْوَد في المُكحُلَة ٦
والتلاعن الذي هو مؤكَّد باللعنة والغضب للحرمة وقال الولد
للفراش وللعاهر الحَجَر وأكد سبحانه هذا بأن قسم المواريث
على هذه الأصول وقال عزّ وجلّ ءَابَاؤُكُمْ
وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ
نَفْعًا ۸ وقال عزّ وجلّ وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۹ وجعل السبب كحكم الأصل
المقطوع به لأنه إذا دخل الرجل بالمرأة
وجاءت منه أو من غيره بولد وادّعته منه أنه لازم له إلا أن
ينفيه باللعان بِشَرط مذكور في بابه فترجع الآن للجمع بين
العقل ومدلوله في هذه القاعدة هل وافق الشرعَ أم خالَفَه
فأما على البحث بحكم وصول العلم إلينا فاستوى فيها دليل
العقل والشرع من وجه أنه ما وصل إلينا العلم
۱ نداؤه - عليه السلام - عمّه العباس يا عَمْ رواه الترمذي
وابن ماجه عن أبي رافع كما رواه الإمام أحمد وأبو يعلى
والطبراني عن أم الفضل رضي الله عنها
نداؤه - عليه السلام - عمّه أبا طالب يا عمّ رواه الإمام
أحمد والترمذي
۳ سورة الشعراء الآية ٢١٤ ٤ سورة التوبة من الآية ۱۸
٥ رواه الطبراني في الأوسط والكبير عن عبد الله بن عمر
مرفوعاً ولفظه وخلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم الخ كما
أخرجه مسلم عن واثلة بن الأسقع أن النبي الا الله قال إن
الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة
الخ ٦ أخرجه مسلم في اللعان عن أبي هريرة رضي الله عنه في
حوار سعد بن عبادة مع النبي الا الله كما أخرجه أبو داود
في حديث ماعز الأسلمي واللفظ مختلف
۷ متفق عليه من حديث السيدة عائشة وأبي هريرة رضي الله
عنهما
۸ سورة النساء من الآية ۱۱
۹ سورة الحجرات من الآية ١٣
٥٦٢
بالأمومة والأبوة إلا بواسطة السبب وكذلك حكمنا بهما إلا
فيما ثبت خلافه وكذلك الشرع ما حكم بهما إلا بواسطة السبب
وهو عقد النكاح ووجوده فاستوى في ذلك العقل والنقل وأما
على البحث من كون ظهوره في الوجود فلا فائدة في ذلك الدليل
بدليل أن الشيء إذا وقع في الوجود ولم يحقق حقيقة كيفيَّته
على الوضع الذي وقع في الوجود إلا بواسطة فرجع الأمر إلى
الواسطة فدار البحث ورجع البحث الأول الذي عليه يقع الحكم
فيكون ما قعدوه توقعاً خيالياً والتوقع الخيالي لا يُبنى
عليه حكم لأن هذا - وإن عاينه أحد من الجنس - فهو نادر لا
يثبت النسب به إلا بوساطة ذلك المشاهد لذلك الأمر إن كان
ممن تقبل شهادته ولتعذر ذلك رجع فيه إلى قبول امرأتين
وشهادتهما لا تقبل في غير هذا ولا يحكم بهما إلا مع اليمين
فكيف نجعل قاعدة إذا تحققنا البحث فيها من طريق العقل
والنقل لا نصل إلا إلى احتمال الإمكان بالتحقيق يطرأ عليها
بالنسبة إلى علمنا ولذلك لم تُثبت الشريعةُ للمَسْبِيَة
نسباً مع ابنها وإن كانت حاملة له بدعواها ولا إلى أب
أيضاً إلا ببيان من خارج وساوت في ذلك بين الأبوة والأمومة
وغيرهما من القرابات ولا سبب يدل عليه مثل الأصل الذي قد
دل الشرع عليه بما ربط فيه من العادة والأسباب فالعقل
أيضاً قد ترجحت عنده الأسباب والأصل كما قدمناه فجعل
الاحتمال فيه على حد سواء هذا مشكل لا خفاء به
مسألة
ثم كيف يمكن عند من يفرق بين أن الاثنين أكثر من الواحد أن
يطرد القاعدة على ضعف الاحتمال فيها كما قدمنا في المسألة
وقد جاء فيها دلالة من القرآن أو من السنة أو إجماع الأمة
هذا حمق وجهل - إن حَسَّنا الظن - ما لم يكن في مسألة تختص
بسيدنا فإن كانت في مـ سيدنا صلى الله عليه وسلم فإنه من
شك في أبوته أو نبوته فإنه جمع على نفسه أمرين عظيمين
أحدهما الرد على الكتاب والسنة المتواترة كما ذكرنا أولاً
فوجب بأقل من هذا قتله إجماعاً إلا ما روي عن الشافعي وأبي
حنيفة قولاً ثانياً أنها ردة يجب قتله إلا أن يتوب ومثله
قول ضعيف عن مالك رحمه الله وليس بمشهور مذهبه ومشهور
مذهبه القتل ولا يستتاب
وهنا بحث وهو لا يخلو ما نقل من الإجماع أن يكون قبل ما
ذكر من الخلاف المتقدم عمن ذكر أو يكون الخلاف متقدماً على
الإجماع فإن كان الخلاف منهم قبل ثم رجعوا إلى الإجماع فلا
تأثير لذلك الخلاف وتحقق الإجماع وإن كان الخلاف منهم وقع
بعد الإجماع فلا يُعبأ به والذي نقل الإجماع في قتله جماعة
منهم صاحب الاستذكار وصاحب الكافي
۱ صاحب الاستذكار هو نفسه صاحب الكافي وهو ابن عبد البر
يوسف بن عمر عبد البر قُرْطبي مالكي توفي سنة ٤٦٣ واسم
كتابه كاملاً الاستذكار لمذاهب أئمة الأمصار وفيما تضمنه
الموطأ من المعاني والاثار والثاني الكافي في فروع
المالكية ١٥ مجلدا
٥٦٣
ε
۱ وابن سبوع وابن رشد ۳ وابن أبي زيد 4 وسَحْنون ٥ والليث
٦
^
رحمهم
والتَّلْمِسَانِي والقاضي عياض ٧ وابن العربي الله تعالى
وجماعة ممن يقرب من هؤلاء في الشهرة أنسيتهم في الوقت فإن
شاء الله أذكرهم فإن أنسيته فمن وقف على كتابي هذا أو ذكر
منهم أحداً فليلحقه وله الأجر لأن ذلك مساعدة في قاعدة
شرعية وكذلك نقل الكل أنه من قال لفظاً يدل على شيء من
التنقيص في حقه عليه السلام من أي وجه كان أو ازدرى به أو
شَانَه شَيْناً ما من أي المحتملات والوجوه كان أنه يقتل
له على البحث المتقدم
والذي أوجب القتل ولم يقل بتوبته اختلف هل هو حدّ الأدب أو
الكفر فالذي قال حَدّ الأدب فلا تنفع فيه التوبة لأنه حق
قد وجب وإذا وجب الحق فلا فائدة لتوبته والقائل بأنه كفر
قال هو كالزنديق يقتل ولا تقبل توبته والقولان عند مالك
رحمه الله ومن تبعه واختلفوا أيضاً هل يكون قتله كفراً أو
حَدًا قولان والأكثر منهم نقلوا الإجماع على أنه لا يعذر
في ذلك بجهل ولا سُكر ولا فلتة لسان ولا سهو ولا غفلة ولا
شيء من الأشياء والحكم في ذلك القتل عمن تقدم ذكرهم منهم
من نقل مذهب مالك رحمه الله ومشهوره وهو القتل ومنهم من
ذكر الإجماع في ذلك غير الخلاف عن الشافعي وأبي حنيفة
رحمهما الله وقد استُدِل على قتله بالكتاب والسنة فبالكتاب
قوله عزّ وجلّ قُلْ أَبِاللهِ وَءَايَيْهِ وَرَسُولِهِ
كُنتُم تَسْتَهْزِءُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم
بَعْدَ إِيمَنكُمْ ﴾ ٩ وأما السنة فقوله صلى الله عليه
وسلم من سَبَّ نبيًّا
۱ التلمساني أبو مدين شعيب بن الحسن المغربي الأنصاري
الأندلسي من أهل الحقيقة والشريعة أصله من الأندلس وإقامته
في فاس خافه سلطان فاس ووشى به علماء الظاهر وخوفوا
السلطان من انتشار أمره فبعث يطلبه فطمأن مريديه بأنه لن
يرى السلطان ولن يراه السلطان ومات في الطريق إليه سنة ٥٨٩
هـ له أخبار كثيرة عن كراماته من أقواله حسن الخلق معاشرة
كل إنسان بما يؤنسه و احذر من يدعي مع
يكذبه ظاهره
ابن سبوع لم نقف على ترجمته
الله حالاً
۳ ابن رشد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد أبو الوليد
مشهور باسم ابن رشد الحفيد توفي سنة ٥٩٥ هـ مؤلف بداية
المجتهد ونهاية المقتصد في الفقه المالكي
٤ ابن أبي زيد عبد الله بن أبي عبد الرحمن المالكي الفقيه
المفسّر له إعجاز القرآن ت ٣٨٦ هـ سحنون عبد السلام بن
سعيد فقيه مالكي أصله من حمص قاضي إفريقية اجتمع مع عبد
الرحمن
0
ابن القاسم واستفاد من اراء الإمام مالك التي ترد إلى ابن
القاسم توفي سنة ٢٤٠هـ ٦ الليث بن سعد إمام مصر في الفقه
والحديث ت ١٧٥ هـ
۷ القاضي عياض بن موسى أبو الفضل أندلسي الأصل محدث مفسّر
توفي في مراكش سنة ٥٤٤ هـ ۸ ابن العربي أبو بكر محمد
الأندلسي المالكي محدث فقيه أصولي مفسّر مؤرخ قاضي إشبيلية
له كتاب العواصم من القواصم وتفسير في ۸۰ مجلدا وكتاب
المسالك في شرح موطأ مالك ت ٥٤٣ هـ
۹ سورة التوبة من الايتين ٦٥ و ٦٦
٥٦٤
فاقتلوه ۱ وقيل في قتل ابن خَطَل إنما كان قتله من أجل
إذايته له ولا من أجل الكفر والآثار
في مثل هذا كثيرة
وأما الوجه الثاني فإن الشك في النسب نفي له ومن نفاه عليه
السلام من نسبه فقد وجب قتله ولا يمكن أن يدخل فيه الخلاف
كما دخل في الوجه قبله لأنه حد قد وجب فإن القذف حق تعين
فيه الحدّ بالإجماع ومنهم من نقل الإجماع فيمن قال إن من
سب النبي صلى الله عليه وسلم إنه لا شيء عليه إنه كافر
وكذلك الحكم فيمن سَبَّ أحداً من الرسل والأنبياء عليهم
السلام ثم نرجع إلى الحديث وأما ما احتجت به الشافعية من
أنه سمع شخصاً يقول لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ عن شُبْرُمَة فقال
له َأحَجَجْتَ عن نَفْسِك فقال لا قال حُجَّ عن نفسك ثم
حُجّ اللهم عن شُبُرُمَة ۳ فليس فيه دليل على أن الذي حجه
عن شبرمة كان فرضاً ولا أنه يكون مجزئاً عنه عن فرضه بل لو
قال عليه السلام أد فرضك ثم حُجَّ عن شبرمة لكان نصا كما
زعموا وأما قوله ثم حجّ عن شُبْرُمة معناه كما تطوعت عنه
بما هو في حقه تطوعاً فإذا وقع الاحتمال
سقط الدليل
te
وفيه دليل على أن السنة في التلبية تكون جهراً يؤخذ ذلك من
كون الرواة رووا صيغة لفظه عليه السلام جهراً وكذلك
الخلفاء بعده وبقيت السنة على ذلك إلى هَلُمَّ جَرَّا
والله أعلم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله
وصحبه وسلّم تسليماً
۱ رواه الطبراني في الأوسط والصغير وفي إسناده من هو متهم
بالكذب ولفظه من سب الأنبياء قتل ومن سب
أصحابي جُلِد انظر مجمع الزوائد ٦ / ٢٦٠
المعنى من أنكر نسب النبي وجَبَ قتله ۳ رواه كما في موارد
الظمآن والبيهقي في السنن الكبرى و شُبْرمَة بضم
الشين والراء صحابي
حديث ما يلبس المحرم في الحج
عَن عَبدِ الله بن عُمرَ رضي الله عَنهُما أنَّ رجُلاً قال
يا رَسولَ اللهِ مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الشَّيَابِ
قالَ رَسولُ الله لا يَلْبَسُ القُمُص ۱ ولا العَمائِمَ ٢
وَلا السَّراويلاتِ ۳ ولا البرانس ٤ ولا الخفاف ٥ إلا
أحَدٌ لا يَجدُ نَعْلَينِ فَلْيلبَس خُفَّينِ
وَلْيَقطَعهُما أسفَلَ مِنَ الكَعْبينِ ولا تلبسوا مِنَ
الشَّيَابِ شيئاً مَسَّهُ زَعفران أَوْ وَرْس
*
*
ظاهر الحديث يدل على منع تلك الثياب المذكورة في الحديث
ومنع الخفاف إذا جاوزت الكعبين ومنع المزعفر والمُوَرَّس
والكلام عليه من وجوه
منها هل المنع مقصور على ما ذكر في الحديث لا غير أم هو
تنبيه بالشيء على باقيه فالظاهر أنه ليس مقصوراً على ما
ذكر لأنه منع من الثياب المتقمّص بها القمص والسراويلات
والبرانس فهم من هذا على عادتهم في تعدي الأحكام من قوله
القُمُص جميع ما كان مما يشبهه من الأقبية ٦ والجباب ٧
والقباطي ۸ إذا كان مُحيطاً بالبدن من كل الجهات فيكون من
باب
۱ القُمُص جمع قميص هو الشِّعار تحت الدثار وله كُمّان
واسعان يهبطان إلى المعصم ويتدلى القميص إلى
منتصف الساقين
العمائم جمع عِمامة وهي ما يلف على الرأس
۳ السراويلات جمع سراويل وهي لباس يغطي السُّرَّة
والركبتين وما بينهما وهو فضفاض من أعلى وضيق من أسفل وقد
يصل إلى القدمين أو فوق ذلك
٤ البرانس جمع بزنس وهو كل ثوب رأسه منه دُرّاعة كان أوجبة
أو ممطراً ٥ الخفاف جمع خف وهو ما يلبس في الرّجل من جلد
رقيق
٦ الأقبية جمع قباء وهو ثوب يلبس فوق الثياب أو القميص
ويتمنطق عليه
۷ الجِباب جمع جبة وهي ثوب سابغ واسع الكمين مشقوق المقدم
يلبس فوق الثياب ۸ القباطي جمع قِبْطِيّة وهي ثياب من كتان
بيض رقاق كانت تنسج بمصر وهي منسوبة إلى القبط
٥٦٦
الآفاق منها ما تعرف
التنبيه بالبعض عن الكل إلا أنه بهذين الشرطين أن يكون
مَخِيطاً ملبوساً على هذه الصفة المذكورة ولو سمّي باي اسم
فإن الأسماء فى الثياب مختلفة في جميع ا باللغة ومنها
اصطلاحي بحسب ما جرت عادتهم في ذلك في الآفاق فأعطى بوصف
القمص المنع في كل ما وجدت فيه تلك الصفة واستعمل في تلك
العادة
فإن فَعَلَهُ لعذرٍ أو لغير عذر افتَدَى والفدية في ذلك ما
ذكره أهل الفقه في كتب الفروع ونص الله عزّ وجلّ عليه في
كتابه بقوله سبحانه فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ
أَوْ نُهِ ﴾ ۱ فإن كان مخيطاً ولم يلبسه على العادة
المعلومة فلا شيء عليه مثال ذلك أن يكون له قميص فيتغطى به
بالليل أو بالنهار يرميه على ظهره مثل الإحرام أو مثل
المئزر فلا شيء عليه لأنه لم يلبسه على ما جرت به العادة
في ذلك
ومنع عليه السلام بقوله السراويلات كل ما كان يشبه ذلك وهو
أن يكون يُلبَس من المُحرِم إلى أسفل إذا كان مخيطاً ودار
على الإليتين والفخذين وإن سمي بأي اسم أو كان على أي صفة
إذا كان مخيطاً فإن لم يُلبَس على ذلك الوجه الذي جرت به
العادة بأن يأخذ أحد السراويل ولا يدخل فيه ساقه ويشده على
وسطه مثل الإزرة فلا شيء عليه وإن كان مخيطاً لأنه لم
يلبسه على العادة المعروفة في ذلك
ومنع عليه السلام بقوله البرانس كل ما كان يشبه ذلك النوع
وهو أن يكون فيه بعض خياطة ويلبس بعد إدخاله في العنق وإن
كان بعضه مفتوحاً سمّي بأي نوع سُمّي مثل الغفاير ۳
والكباب ٤ والبَلْدَرَانات ٥ وما يشبه ذلك النوع إذا لبِسَ
على تلك الصفة فإذا أخذ أحد بُرنُساً ورماه على ظهره
طاقينِ غير مفتوح الجناحين أو شدّه على وسطه مثل الإزرة
فلا شيء عليه لأنه لم يلبسه على العادة الجارية في ذلك ومن
هنا اختلف مالك والشافعي رحمهما الله فيمن أخذ بُرْداً له
فخلّلها أو عقدها فقال مالك عليه الدم لأنه مثل المخيط
وقال الشافعي لا شيء عليه لأنه ليس مثل ما نص عليه في
المنع هذا تعليل قولهما وأما الذي جاء عنهما فالمنع عن
مالك والجواز عن الشافعي
6
۱ سورة البقرة من الآية ۱۹٦ الإزرة الإزار وهو قطعة من
النسيج تلتف به النساء العربيات عادة عندما يبرزن للجمهور
ويكون كذلك
للرجال
۳ الغفاير جمع غفارة وهي الخرقة تلبسها المرأة فتغطي رأسها
ما قبل منه وما دَبَر غير وسطه
٤ الكباب جمع كب وهو شبيه بالبرنس الذي يلبس فوق الثياب
٥ البلدرانات لباس أندلسي شبيه بالبرانس أو المعاطف
٥٦٧
واختلفا أيضاً في النسيان والعمد أي من فعل شيئاً مما فيه
الفداء ناسياً من هذه أو ما أشبهها من اللباس فأما مالك
فالعَمْد عنده في ذلك والنسيان سواء عليه الفدية فيه
والشافعي لا يوجبها في النسيان
ومنع بقوله ولا العمائم كل ما جعل في الرأس بخياطة كان أو
بغير خياطة لأنه إذا منعنا الذي ليس بمخيط - وهي العمامة -
فمن باب أولى المخيط ولذلك نص العلماء على أن إحرام الرجل
في وجهه ورأسه أي لا يغطيهما بشيء فتكون العمائم التنبيه
بها من باب الأعلى لأنه أعلى ما يُستر به الرأسُ عند العرب
العمائم ليست على أي وجه كان بخلاف البدن لأنه إذا غطى
رأسه ولو بخرقة أو بعضه لزمه الفداء لأنه منع كل ما كان
بغير خياطة كما قدمناه فهو منع كلي سُمّي الذي جُعِل على
الرأس بأي اسم كان أو جُعِل على أي شكل كان
ومنع عليه السلام بقوله ولا الخفاف إلا أحدٌ لا يجد
نَعلَينِ فَلْيَلْبس خفَّينِ ولْيَقْطَعْهما أسفل من
الكعبين منع الخفاف وما أشبهها إذا جاوزت الكعبين على أي
نوع كان سُمّي بأي اسم وأن المستحب في ذلك النعلان وهما
اللذان لا كعب لهما معطوفاً مثل القُرْق ۱ أعني
السَّرْمُوجَة ٢ وما يشابهها من أنواع
ومنع عليه السلام بقوله ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه
زعفران أو ورس جميع الطيب لأنه أقل رائحةً من الطيب قبل أن
يُصبغ به فإذا صُبغ به كانت رائحته أقل وأقل فهو من باب
التنبيه بالأدنى على الأعلى
فيتحصل من الفقه بالمدلولات التي ذكرنا أن الحاج ممنوع من
جميع الطيب والزينة والرفاهية والتنعم قلّ ذلك أو كثر إلا
ما أحكمته السنة في ذلك من لباس الثوب الذي يستر العورة
ويقي البدن من الأذى على ما هو منصوص في كتب الفروع
وهنا بحث وهو أن المتكلم يخاطب السائل بحسب ما يعلم أنه
يفهم عنه يؤخذ ذلك من جواب سيدنا الأعرابي بما ذكر في
الحديث فلولا أنه عليه السلام فهم عنه ما بيناه لم يقتنع
منه بما في الحديث حتى يبالغ له في البيان
ويترتب عليه من الفقه أنه لا يجوز أن يُنظر في حديثه ل هول
و ولا في كتاب الله عزّ وجلّ إلا بما يقتضيه اللسان العربي
لا غير ولذلك قال تعالى ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ
بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَرُونَ ﴾ ۳ أي يفهمون بما
تقتضيه اللغة العربية فيحصل لهم فهم ما أريد منهم فيتذكرون
عند ذلك
۱ القَرْق وهو عند الأندلسيين يشبه الصندل وتكون قاعدته من
الفلين
السَّرْموجة غطاء من لباد للساق يلبس فوق القرق أو الخف أو
هي الخف الواسع الذي يلبس فوق الخفّ ۳ سورة الدخان من
الآية ٥٨
٥٦٨
جها
تبها
نعنا
وام
لأنه
طى منع
ي
نبيه
هيه
33
يقي
لم
3 2 3 "y,
بما
أي
وفيه دليل على البحث في جزئيات الدين يؤخذ ذلك من سؤال
السائل سيدنا عن هذه الجزئيات فجاوبه عليه السلام عليها
وجوابه على ذلك يقتضي جوازه ۱ وفيه دليل على جواز السؤال
في الدين وإن كان الشخص ممن لا يحتاج إلى ذلك في الوقت
يؤخذ ذلك من سؤال هذا عما يلبسه المُحرِم وهو في الوقت ليس
بمُحرِم ومن هذا ذكر أن الشافعي بات عند بعض الأئمة
المعاصرين له - وكان ذلك الإمام الغالب عليه التعبد ـ وإن
كان ذلك حال الأئمة أجمعين رضي الله عنهم فبات ذلك العالم
قائماً يصلي والشافعي مضطجعاً فلما أصبح قالت امرأة العالم
هذا هو الشافعي الذي تثني عليه بنَّ أنت قائماً تصلي وهو
مضطجع لم يتحرك ليلته فذكر ذلك للشافعي فقال له إني جمعت
البارحة في فكري ثمانين مسألة مستنبطة بالدليل والبرهان
فقال ذلك السيد لامرأته هذا الذي عِبْتِه بالاضطجاع استنبط
البارحة ثمانين مسألة مسألة واحدة منها خير من عبادتي كلها
فانظر فضل جميعهم وتناصفهم واحترامهم للعلم رحمهم الله وهو
الحق إذا كان الله
وهنا بحث وهو هل هذه الصفات التي كُلِّف الحاج بها من ترك
المخيط وترك الطيب وترك الرفاهية هل الحكمة فيها معروفة أو
تعبد لا يعقل له معنى فإن قلنا تعبّد فلا بحث وإن قلنا إن
قواعد الشريعة تنبني على نظر الحكمة فيها وقد أرشد الكتاب
العزيز إليها ولولاه ما كانت ايات كثيرة إذا نظر فيها لم
توجد الحكمة فيها ظاهرة ما قبل ذلك وهو قوله تعالى فيه ايت
بينت فإذا لا يُخص هذا اللفظ بشيء من آياته دون شيء أو
بجعله في المحسوس مثل ما قاله بعض الناس من كونها لم يَرَ
بها مجذوماً وما في رمي الجمار من كونها تُرمى في كل عام
ولا يوجد لها أثر فهذه مما هي البعض وفيها تنبيه لمن ينظر
ويتفكر يجدها عديدة وكلُّ يأخذ من عموم هذه الآي بحسب ما
يُفتح له من الفهم فإن الحكمة عجيبة
فمما يظهر بتوفيق الله من الحكمة وجهان
أحدهما وهو كونهم يمشون لكشف ما بهم من الأوزار والأثقال
ومن يمشي إلى مثل هذا الحال فيكون مشيه متذللاً خارجاً عن
حظوظ النفس التي أوقعته في ارتكاب الذنوب لأنه جاء عنه لما
قال مولانا جل جلاله للملائكة إِنِّي جَاعِلٌ فِي
الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن
يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ
بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا
لَا تَعْلَمُونَ ﴾ ۳
333
1 أي البحث في الجزئيات سورة ال عمران من الآية ۹۷ سورة
البقرة من الاية ۳۰
09
غضب الله عزّ وجلّ عليهم فطافوا بالعرش أسبوعاً واستغفروا
وتابوا فتاب بفضله عليهم ثم قال لهم ابنوا في الأرض بيتاً
يطوف به المذنبون من بني ادم فأتوب عليهم كما تبت عليكم
وأغفر لهم كما غفرت لكم فبنوا البيت ۱ فمن يأتي بهذه الصفة
ينبغي من طريق الحكمة
التناسب بين الحال والمقصد
أما ترى لما كان الخروج إلى العيد إلى طلب رحمته عزّ وجلّ
عقب خروجهم من العبادة المتقدمة - وهي الصوم - كانت بالطيب
وحسن الثياب موافقة لحال الاستقامة والامتثال لما به
أُمروا ولما كان الخروج إلى الاستسقاء خروجاً إلى كشف ما
نزل من الضر كان الخروج على هيئة تضرع ومسكنة من أجل ما
ارتكبوا من الذنوب لأنه جاء أن العبيد إذا أذنبوا منع الله
عزّ وجلّ المطر من أجل ذنوبهم فخرجوا في مَسْكَنَة وقشَف
من الحال حتى يكون رفع الأيدي بظهورها
إلى السماء رَهَباً من أجل تناسب الحال فكذلك هنا بل يكون
هذا أعظم لأن الطلب فيه أعظم وفيه وجه آخر لما كان فيه
شَبَه بالمحشر لأن المحشر يجتمع فيه الناس في يوم واحد من
كل الأرض وكما أن المحشر هو مواقف كذلك هنا مواقيت للجمار
ومواقيت للمبيت بمنى وبالمزدلفة إلى غير ذلك كما أن الخروج
من هذه الدار ومفارقة الأهل والمال وليس له من ذلك كله إلا
قدر زاده إلى الآخرة من الكفن وما يتجهز به كذلك الحاج
مفارقته للأهل والوطن الذي قد جعل مقروناً بالموت لقوله
عزّ وجلّ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ
اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَرِكُم مَّا
فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ۳ وكذلك ليس له من ماله
إلا قدر زاده لسفره وهذا على الغالب من ﴾ عادات الناس
والغير يتركه كله
ε
وكما له بعد الموت مواقف دون القيامة وأهوال يخلص الله
منها من يشاء أو يُهلك فيها من يشاء كذلك طريق الحج ما فيه
من المكابدة وقد قال الله تعالى لَمْ تَكُونُواْ بَلِفِيهِ
إِلَّا بِشِقِّ الأَنفُسِ ٤ ومن الناس من يَهْلِك في طريق
الحج كما يهلك هناك غير أن بين الهلاكينِ فَرْقاً ما لأن
الهلاك هنا يذهب بالروح من الجسد وقد تكون فيه سعادته
وهناك بكثرة الأهوال وعدم التخلص منها فهو هلاك شقاوة
وخسران غير أنه هناك يقفون عراة وقد كانوا يقفون قبل
الإسلام عراة إلا أنه أحكمت السنة هنا نوعاً من اللباس من
أجل ستر العورة لأن ذلك الهول هناك يمنع أن
1 لم نقف على مصدره
القشف المذلة ۳ سورة النساء من الآية ٦٦
٤ سورة النحل من الآية ٧
۵۷۰
ليهم
یکم
حكمة
لعبادة
مروا
ضرع
عنهم
ورها
ـد من
یعنی کله
جعل
من
ف
شرقاً
عدم
ينظر أحد عورة أحد وليس هنا مانع من النظر فأمر بسترها
هناك لا طيب فيه لأحد وهنا مثله وهناك الأمر فيه والحكم
الله لا لغيره وذهبت الدعاوى كلها كذلك هنا فيها يرجى من
المغفرة لا حيلة في ذلك لأحد الكل مستسلمون ينتظرون ما
يحكم الله عزّ وجلّ فيهم وقد أخبر عن بعض المباركين أنه
لما أن حج وفرغ غلبت عيناه فنام فرأى كأن ملكين نزلا من
السماء فقال أحدهما للآخر كم حج بيت ربنا العام قال له
ستمائة ألف قال كم قبل منهم قال ستة فاستيقظ مذعوراً وقال
مَن لي حتى أكون واحداً من ستة ثم نام ثانياً فرأى الملكين
قد نزلا وأعادا السؤال الأول ثم الثالثة مثل ذلك فقال له
فما فعل ربنا في الباقين قال شَفّع كلَّ واحد منهم في مائة
ألف واستيقظ فرحان فجاء الشبه على هذه الحكاية مثل القيامة
ناج وضده
ومقبول وغير مقبول ومشفوع فيه وشافع لكن بإذنه وفضله وقد
يكون للمجموع ويترتب عليه من معرفة الحكمة أنه لا يُنال
الخطير من القُرَب إلا بالخطير من المجاهدات والتعبدات
لأنه لما كان هذا موطناً تغفر فيه الجرائم العظام كما جاء
عنه أنه لم يُرَ الشيطان أصغَرَ ولا أحقَرَ من يوم عَرَفة
لما يعاين من تجاوز الله عن الكبائر العظام يحثو التراب
على رأسه ويقول قوم قد فتنتهم منذ خمسين أو أربعين سنة ثم
غُفِر لهم في ساعة ۱ أو كما قال عليه السلام فالوصول إلى
هذا ليس بالهين بل بالجهد العظيم إلا من مَنّ الله عليه
بالتيسير من طريق الفضل
وفيه تنبيه على أن يتذكر به ذلك الموقف الذي يشبهه فيكون
سبباً لصدق اللجأ إلى المولى الكريم وكثرة الرغبة إليه
وإظهار الافتقار الذي به يرجى الخير كله لقوله تعالى أمَّن
يُجيب الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ٢ وهو سبحانه لا يُخلف
الميعاد
جعلنا الله ممن مَنّ عليه بفضله بلا محنة لا ربّ سواه وصلى
الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً
اعلام
أن
1 رواه الإمام مالك في الموطأ مرسلاً قال الزرقاني وصله
الحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء رضي الله عنه وأوله ما
رئي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أغيظ منه في
يوم عرفة الخ
سورة النمل من الآية ٦٢
۵۷۱
حديث جواز الشرب من السقاية
عن ابن عبّاس رضيَ الله عَنهُما أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم جاء إلى السقاية ۱ فاستقى فَقالَ العبّاسُ يا
فَضلُ اذْهَب إِلى أَمْكَ فَانتِ رَسولَ الله بِشرابِ مِن
عِندِها فَقال اسقني فقال يا رسول الله إنّهُم يَجعلون
أيديهم فيهِ قَالَ اسقِني فَشَرِبَ منهُ ثُمَّ أَتى زمزم
وهم يَسقُونَ ويَعمَلونَ فيها فقال اعملوا فإنَّكُم على
عمل صالح ثُمَّ قَالَ لَولا أن تُغلبوا لنزلتُ حتَّى أضعَ
الحَبل على هذِهِ يَعني عاتقه وَأشار إلى عاتِقِهِ
6
ظاهر الحديث يدل على طهارة الماء المستعمل وهو مذهب مالك
رحمه الله ويدل على طهارة المؤمنين ومدح أفعال البر للذين
يفعلونها فأما طهارة المؤمنين والماء فلكون النبي شرب من
السقاية بعد أن أخبر أن الناس يضعون فيها أيديهم وإن كان
وقوع النجاسة يتطرق بالاحتمال لبعضهم بعلمٍ منه أو بغير
علم فبين الله بشربه أن الممكن في هذا الموطن وما أشبهه من
المياه وما يمكن أن يكون قد خالطها من طريق الاحتمال لا
يُلتفت إليه وإنما يُعمَل على ما تحقق من ذلك وأن الأصل
البراءة فيعمل عليه وأن الماء طاهر في ذاته كما جاء في بئر
بضاعة ۳ الذي كان يُرمى فيه خرق الحيض وكان مستقذراً في
الظاهر فسئل عنه عليه السلام فقال خلق الله الماء طهوراً
لا ينجسه شيءٌ إلا ما غَيَّرَ طَعْمَه أو لونه ۳ فطرد
القاعدة وألزمها استصحاب
1 السقاية موضع السقي والإناء الذي يسقى به بئر بضاعة بضم
الباء وقد كسره بعضهم وهي دار بني ساعدة في المدينة
المنورة وبئرها معروفة وفي الخبر أن النبي أتى بئر بضاعة
فتوضأ من الدلو وردّها إلى البئر وبصق فيها وشرب من مائها
وكان إذا مرض المريض في أيامه يقول اغسلوني من ماء بضاعة
فيُغسَل فكأنما أنشط من عقال وقالت أسماء بنت
أبي بكر كنا نغسل المرضى من بئر بضاعة ثلاثة أيام
فيُعافَون بإذن الله انظر معجم البلدان ٤٤٣/١ ۳ لفظ الحديث
إن الماء طهور لا يُنجسه شيء أخرجه الإمام أحمد وأبو داود
والترمذي والنسائي عن أبي سعيد
رضي
الله عنه
۵۷
ن
الحكم وعلى هذا أجاز الفقهاء الوضوء من الجوابي التي على
الطرق والدواب تشرب منها ويخالطها ما في أنوفها من القذر
إلى غير ذلك مما في أيدي الناس وأرجلهم من الغبار واحتمال
النجاسة أن تكون حلّت فيه
الفقهاء
وفيه دليل على طلب شرب الماء وإن كان في الحَضَر وليس
كغيره وقد ذكر ذلك بعض
وفيه دليل على أن ما جُعِل في السبيل ولم يُسمَّ بصدقة أنه
حلال للغني والفقير وليس بصدقة ولا يتعيّن على أحد فيه منة
يؤخذ ذلك من أن النبي شراب او امن عمل هؤلاء أهل السقاية
وهم الكل خرجوا عنه الله فلو كان يجري مجرى الصدقة لما
شربه هو فإن الصدقة عليه حرام وكذلك لو كان فيه مكروه ما
فعله يؤخذ ذلك من كونه عليه السلام جاء بنفسه المكرمة إلى
السقاية فاستسقى
وفيه دليل على جواز جواب السائل بأعلى مما طلبه على ما
يراه المطلوب منه يؤخذ ذلك من
قول العباس بدلاً من أن يعطي قال للفضل اذهب إلى أمكَ
فَائتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب وفيه دليل على
جواز ذكر النساء بمحضر أهل الفضل وجمع الناس وليس في ذلك
مكروه يؤخذ ذلك من قوله اذهب إلى أمك بحضرة النبي الله ومن
معه ولم يعتب عليه النبي ل وما قال له في ذلك شيئاً وجرت
عادة بعض الناس اليوم إذا ذكروا النساء ذكروا بعد ذلك
حاشاك وجعلوها من الأدب بل هي من البدع
وفيه دليل على جواز تبريد الماء يؤخذ ذلك من قوله اذهب إلى
أمك فائت بشراب لأن ماء الحجاز إذا عَرب ۱ برد وطاب فلو لم
يكن جائزاً ما فعله العباس ولا سكت له النبي
حين سمعه
ويؤخذ منه أن الذي يقصد وجهاً ما في حاجته ليس عليه بيانها
يؤخذ ذلك من أن النبي لم يمنعه من قبول ما أمر العباس به
ابنه من إتيانه بالماء إلا ما قصد هو من تقعيد قاعدة شرعية
- كما قدمنا ذكرها - من طهارة الماء المستعمل وغيرها
وزيادة على ذلك رفع التكلف وهي الله عنها ما خُيّر رسول
الله صلى الله عليه وسلم بين أمرَينِ إلا اختار
طريقته عليه السلام لقول عائشة رضي
أيسرهما ما لم يكن إثما ٢
۱ عَرِب الماء صفا وكثر
عليه وهو جزء من حديث وتمامه فإن كان إثماً كان أبعد الناس
عنه وما انتقم رسول الله له لنفسه
في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم
۵۷۳
وفيه دليل لأهل الصوفة الذين يقولون بترك التكلف
وفيه دليل على أنه إذا اجتمع حظ النفس وأمرُ ما فى الدين -
ولو كان مندوباً - قدم الدين يؤخذ ذلك من أن شرب الماء
البارد فيه راحة للنفس والشرب من السقاية فيه من الفوائد
الدينية ما ذكرناه فآثر هو الله ما هو للدِّين على ما هو
للنفس وقد نص عليه السلام على ذلك فقال
أنتم في زمان يُبدون أعمالهم قبل أهوائهم وسيأتي زمان
يُبدون أهواءهم قبل أعمالهم 1 وما قلنا إنه من قصد مقصداً
في فعله لا يلزمه ذلك - بمقتضى ما قدمناه ـ هل يعارضنا
قوله عليه السلام حين صلى بوضوء واحد الظهر والعصر ولم تكن
عادته عليه السلام قبلُ إلا الله عنه فقال عليه السلام
عمداً فَعَلْتُه يا عمر الوضوء لكل صلاة فذكره عمرُ رضي
فالجواب عن الفرق بين المسألتين أن تلك كانت له عادة فذكره
عمر من أجل احتمال النسيان فحينئذ جاوبه عليه السلام لرفع
الإشكال وهنا لم تكن عادةً متقدمة يقع من أجلها إشكال ففعل
ولم يقل لعلمه أن فعله في التعليم أبلغ وأثبت
وفيه دليل على أن المرأة هي المتصرفة فيما في البيت يؤخذ
ذلك من قول العباس اذهب إلى أمك فلو لم يكن الحكم والتصرف
لها لقال له اذهب أنت إلى الموضع الفلاني أو إلى الشخص
الفلاني الذي يكون له التصرف ويؤخذ منه الندب إلى مشاركة
الأهل في المعروف يؤخذ ذلك من قوله لابنه اذهب إلى أمك
فائت رسول الله له بشراب لكي يخبرها فيحصل لها نية في
تحسين الشراب وتنظيف الإناء فيكون لها في ذلك أجر وسرور
وفيه من الأدب أن يُكنَى عن الشخص بأعلى أسمائه يؤخذ ذلك
من قوله ائت رسول الله
لأنه أعلى أسمائه عليه السلام ولم يقل ابن أخي ولا غير ذلك
وفيه دليل على أن الاختصار في الجواب والسؤال إذا فُهِم
المقصود هو الأولى يؤخذ
ذلك من قوله حين ذكر له أنهم يجعلون أيديهم فيه اسْقني ولم
يَزِد على ذلك شيئاً وفيه دليل على أن من السنة الانصراف
عند الفراغ من الشراب أو الأكل يؤخذ ذلك من قوله فشرب منه
ثم أتى زمزم أي تحوّل بعد شربه منه إلى أن مشى إلى زمزم
ومن المعروف إثباغ
1 لم نقف على مصدره هكذا وقد تقدم الكلام عنه في الحديث ١٤
فليراجع ونصه كما ورد إنكم أصبحتم في زمن كثير فقهاؤه قليل
قراؤه وخطباؤه قليل سائلوه كثيرٌ مُغطوه العمل فيه خيرٌ من
العلم وسيأتي على
الناس زمان قليل فقهاؤه كثيرٌ خطباؤه قليل معطوه كثيرٌ
سائلوه والعلم فيه خير من العمل هكذا قال الشارح رحمه الله
تعالى والذي في الصحيح أن النبى الله صلى الصلوات يوم
الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال عمر لقد صنعت اليوم
شيئاً لم تكن تصنعه فقال عليه السلام عمداً صنعته يا عمر
رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي
٥٧٤
المعروف بالمعروف لأنه عليه السلام مشى من هنا بعدما قعد
أحكاماً ـ كما ذكرنا - إلى موضع آخر وإن كان الحكم فيهما
سواء لأن هؤلاء يسقون فيكون مشيه عليه السلام لهؤلاء
الآخرين لإدخال السرور عليهم لأنه عليه السلام لو لم يمش
لهؤلاء لبقيت قلوبهم منكسرة وكان الناس أيضاً يفضلون
السقاية على زمزم يقولون النبي ما أتى السقاية ولم يأتِ
زمزم فجاء مشيه عليه السلام إلى هؤلاء معروفاً ثانياً
وقوله فقال اعملوا فإنكم على عمل صالح يؤخذ منه ندب العمل
لأهله إذا كانوا يعملونه كما قدمناه أولاً وفيه من الفائدة
أنه تنشيط للعامل على عمله وترغيب له فيه وقد قال عزّ وجلّ
وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالنَّقَوَىٰ ۱ بخلاف مدح
الشخص لقوله عليه السلام قطعتم ظهر الرجل لأن مدح ال قد
يحصل منه العُجب وهو سُمّ قاتل ومدح العمل ليس فيه ذلك بل
هو كما ذكرناه ترغيب فيه مثال ذلك إذا رأيت شخصاً يصوم
تَذكُر له ما جاء في الصوم أو يجاهد تذكر ما جاء في الجهاد
فذلك تقوية له على ما هو بسبيله وقوله على عمل صالح أي
تُثابون عليه لأن الأعمال الصالحات فائدتها ما يترتب
عليها من الثواب
وفيه جواز ترك العمل ما لم يكن فرضاً لما يترتب عليه من
منع توفيته أو مكروه يقع من أجله يؤخذ ذلك من قوله عليه
السلام لولا أن تُغلَبوا لَنزلتُ حتى أضعَ الحبل على هذه
فبيّن عليه السلام أنه ما منعه من الفعل إلا أنهم يُغلبون
عليه حتى لا يتركوه وقد يحصل لبعضهم من الازدحام عليه من
أجل ما يرغبون فيه أذى
وفيه دليل على طلب التبرك بالمباركين يؤخذ ذلك من أنهم لم
يكونوا يأخذون الحبل معه عليه السلام إلا أنهم يرغبون في
البركة التي تحصل لهم من اجتماعهم معه عليه السلام في
حَبْل واحد فإنه يرجى من الكريم إذا قبل عملَ من له عنده
حُرمة لا يترك ۳ من كان معه فيه مشاركاً كيف وقد قيل هُمُ
القومُ لا يَشقَى بهم جَليسُهم فهذا بالمجالسة فكيف
بالمشاركة
ويترتب على هذا بحث يَحُضّ على مخالطة أهل الفضل في كل
الأحوال رجاءَ الفضل من فضلهم لأنهم ما جُعِلوا إلا رحمة
فينبغي أن نغتنم تلك الرحمة من واهبها ولذلك فاق أهل
الصوفة الناسَ في هذا التحسين في ظن بعضهم ببعض
1 سورة المائدة من الآية ٢
رواه البخاري في الشهادات ومسلم في الزهد عن أبي موسى
٥٧٥
يريد ألا يترك
وقد دخلت قرية بالأندلس تسمى بَلْفِيق ۱ وكانت موطن الشيخ
المبارك أبي إسحاق
نفع الله به وبأمثاله فلا تمشي فيها تسأل أحداً منهم عن
أحد أين هو إلا أن يكون جوابه عن ذلك الشخص سيدي فلان نفع
الله به في الموضع الفلاني هذا في غيبة الشخص وأما بحضرته
فلا يزيد أحد منهم لأحد على السلام الشرعي شيئا وإن ناداه
باسمه لا يزيد عليه شيئاً هكذا رأيتهم
مدة ما كنت معهم لم يتغيروا عنه وفيه دليل على الكلام
بالإشارة وليس من العِي يؤخذ ذلك من قوله على هذه وأشار
إلى عاتقه
وفيه دليل على أن إشارة ذي الفضل ليس فيها اعتراض عليهم
ولا تنقص بهم ولا خلل في منزلتهم يؤخذ ذلك من إشارته عليه
السلام إلى عاتقه وفيه دليل على أن الحكم للمعاني لا لظاهر
الألفاظ يؤخذ ذلك من أن إشارته عليه
السلام إنما باشر بظاهرها الثوب الذي على العاتق والمعني
بها العاتق الذي تحته وفيه دليل لأهل الإشارات وأن الإبلاغ
فيها فيما خفي ودَقَّ يؤخذ ذلك من فعله عليه السلام ما
تقدم ذكره من الإشارة إلى العاتق والمقصود تلك النفس
المباركة
وهنا بحث وهو لم قال لأهل زمزم اعملوا فإنكم على عمل صالح
وقال في الصلاة أفضلُ الصَّلاةِ صلاة المرء في بيته إلا
المكتوبة ۳ فوجه الفقه في ذلك أنه ما كان من النوافل من
جميع الخير يمكن فيها الإخفاء والإظهار فالإخفاء أفضل وما
كان منها لا يمكن بالوضع إخفاؤه كمثل السقاية وتدريس العلم
والجهاد وما أشبه ذلك فالأفضلية فيه بتعدي النية فيه لقوله
عليه السلام أوقع الله أجره على قدر نيته ٤
ومن أجل هذا الشأن فضل أهل السلوك غيرهم لأنهم ناظرون
أبداً في ترفيع أعمالهم إما بالنية أو بالقول أو بالفعل أو
بالزمان أو بالمكان أو بالمجموع ولذلك قال كفى بالعبادة
۱ بلفيق قرية أندلسية من إقليم المريَّة ويروي التلمساني
في نفح الطيب أن بلفيق وأندرش لم ترتدا عن الإسلام بعد
خروج المسلمين من الأندلس وذبح سكانهما عن بكرة أبيهم أيام
محاكم التفتيش أبو إسحاق هو إبراهيم بن مسعود الألبيري
شاعر أندلسي وفقيه زاهد اشتهر بغرناطة وأنكر على ملكها
كونه استوزر ابن نغزلة اليهودي فنفي إلى البيرة فثارت
صنهاجة على اليهودي وقتلوه له ديوان شعر معظمه في الزهد ت
٤٦٠هـ / ١٠٦٨م
۳ جزء من حديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن
زيد بن ثابت رضي الله عنه ٤ جزء من حديث طويل رواه الإمام
مالك والإمام أحمد وأبو داود والنسائي في الجنائز
٥٧٦
لا
شغلاً 1 لأن صاحب هذا الشأن مثل تاجر الدنيا على معظم ما
معه من المال لا يزال في تنميته بجميع وجوه التنمية فكذلك
أهل المعاملات مع مولاهم ليس لهم شغل ولا قرة عين إلا فيما
فيه
رضاؤه عزّ وجلّ
ولبعضهم إن العين إذا لم تَرَكُم لم تَرَ شيئاً يسرها وإذا
أبصَرَتْكم لم تَرَ شيئاً يَسوؤُها فتجلي جلالكم جَبْرُ
كَسْرِها كجبر غيث السماء في جذب أرضها فيحرمة ما تعلمون
من ضعفها
فلطفكم جبرٌ لِرَهَف حالها
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 جزء من حديث رواه البيهقي في شعب الإيمان وأوله كفى
بالموت واعظاً وكفى باليقين غنى إلخ
۵۷۷
حديث تقديم صلاة الفجر بالمزدلفة يوم النحر
عَن عبد الله بن مسعود رضيَ الله عَنهُ قالَ ما رأيتُ
رَسولَ الله صَلَّى الله علَيهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلاةٌ
لِغَير ميقاتها إلا صلاتينِ جَمعَ بينَ المَغربِ وَالعِشاء
وصَلَّى الفَجْرَ قَبلَ ميقاتِها
وَذلِكَ في الحَج
*
*
ظاهره يدل على إيقاع هاتين الصلاتين في غير وقتيهما وليس
على ظاهره بدليل أن أوقات الصلوات قد حدّها جبريل عليه
السلام للنبي الله وقال ما بين هذين وقت ۱ ولكن لما كانت
عادته عليه السلام في صلاة الصبح أنه ما يصليها إلا بعد
الفجر بهنيهة كما جاء أنه عليه السلام كان يصليها بغَلَس -
والغَلَس بقية من ظلمة الليل - وفي المزدلفة عند أول
انشقاق الفجر ٣ فأخرجها - يعني وقوع الصلاة نفسها ـ عن
الوقت الذي كان يوقعها فيه كما تقدم ولذلك ذكر أنه لما
حجّت ميمونة رضي الله عنها زوج النبي بعد وفاته مع الله
عنه فلما كان في الصبح من ليلة المزدلفة عند أول انشقاق
الفجر قالت إن كان عثمان يوافق السنة فنصلي الآن فلم تتم
الكلام إلا والمؤذن يقيمُ الصّلاة وأما صلاة المغرب فكانت
عادته عليه السلام يصليها أول الوقت 4 وكذلك صلاها
رضي
عثمان
۱ قطعة من حديث طويل رواه الإمام الشافعي وأحمد وأبو داود
والترمذي وابن خزيمة والدارقطني والحاكم عن ابن عباس رضي
الله عنهما انظر فتح الباري ۹/ صلاة رسول الله له بغلس
رواها البخاري في مواقيت الصلاة باب وقت المغرب وباب وقت
العشاء ورواه مسلم رقم / ٦٤٦ / في المساجد من حديث جابر
رضي الله عنه مرفوعاً
۳ صلاة رسول الله لها في المزدلفة رواها مسلم من حديث جابر
رضي الله عنه في حجة النبي رقم ۱۱۸ ورواها البخاري ومسلم
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ٤ رواه مسلم عن أبي
موسى الأشعري رضي الله عنه رقم ٦١٤ وعن بريدة رقم ٦١٣
ورواه أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما رقم ۳۹۳
والترمذي رقم ١٤٩ وفيه إمامة جبريل للنبي عليه السلام
۵۷۸
به
جبريل عليه السير جمع بين الصلاتين المشتركتين الظهر
والعصر والمغرب والعِشاء وكانت سنته عليه السلام في الجمع
إن كان رحيله قبل وقت الأولى أخرها حتى يصليها مع الأخرى
وإن كان رحيله بعد دخول وقت الأولى صلاهما معاً في أول وقت
الأولى ۳
فجاء عند نفوره عليه السلام من عَرَفة بعد دخول الوقت فنفر
بالناس فقال له
أسامة رضي الله عنه الصلاة يا رسول الله فقال له الصلاة
أمامك ٤ ٤ - يعني - يعني وَقتُ وقوعها موضعه أمامك - حتى
وصل المزدَلِفَة فصلى المغرب والرواحلُ قائمة ثم حَط
الرحالَ وصَلوا العشاء فجاء في هذه الصلاة تغييرات مما
كانت عادته عليه السلام أنه يصلّي إذا جمع في السفر وقد
دخل وقت الأولى الصلاتين معاً - كما ذكرنا - فصَدَق ما
قاله الراوي لأنه صلاها في غير وقتها
وزيادة على غير الصفة المعهودة كما ذكرنا
وهنا بحث وهو هل هذه الصفة التي جعلها و في هاتين الصلاتين
تعبد لا تُعقل حكمته أو الحكمة فيه معقولة فالجواب أن
الحكمة - والله أعلم - معقولة لأنا إذا علمنا ما الحكمة في
كونه عليه السلام كان يجمع إذا جَدّ به السير علمنا ما
الحكمة هنا وقد ثبت أنه عليه السلام لم يكن يجمع إلا إذا
جدَّ به السَّير لأمر يخاف فواته فهو من قبيل الرفق بأمته
ولوجه اخر وهو من أجل جمعية الباطن في الصلاة لأن من يكون
قلبه متعلقاً بأمر يفوته قل ما يكون مع ذلك حضورٌ هذا في
حق غيره لأنه عليه السلام عند رؤية تلك الآيات العظام في
عالم الملكوت كان كما أخبر الله عزّ وجلّ عنه بقوله مَا
زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ٥ فكيف هنا فنجد في هذا
الموطن إذا تأملناه التشويش بالنسبة للغير أكثر لكثرة
الناس وما هم فيه من الدهشة
1 رواه البخاري في مواقيت الصلاة ومسلم من حديث جابر رضي
الله عنه أنه عليه السلام كان يصلي المغرب إذا رواه
البخاري ومسلم من حديث أنس وابن عباس رضي الله عنهم ومسلم
من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه
وجبت الشمس
والشيخان من حديث ابن عمر رضي الله عنهما
۳ رواه مسلم من حديث معاذ باب الجمع بين الصلاتين في الحضر
وأبو داود والترمذي وفيه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر
والعصر فإن رحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل
للعصر وفي المغرب مثل ذلك إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع
بين المغرب والعشاء
فإذا ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء
ثم يجمع بينهما ٤ رواه البخاري في الوضوء ومسلم في الحج
باب الإفاضة من عرفات إلى مزدلفة
0
سورة النجم من الاية ۱۷
۵۷۹
وفيه أيضاً استدراك أمر يُخاف فواتُه وهو تمام هذا الركن
العظيم الذي مدار الحج كله عليه لقوله عليه السلام الحَجَّ
عَرَفة ۱ أي معظم الحج عَرَفة وباقي الليلة له فلا يتم
المقصود فيه بتمامه إلا بالخروج من محله وبقعته فتسكن
النفس عند فوزها بهذا الخير العظيم وتستقبل ذلك الركن الذي
يليه وهو المبيت بالمزلفة بعبادتين وهما أداء فرضين في وقت
واحد وتوسعة أيضاً كما قلنا - في الجمع بين الصلاتين عند
جَدّ السَّير لكون الناس في ذلك الوقت قد تتعذر عليهم
الطهارة أيضاً إلى غير ذلك من الضرورات وكان عليه السلام
بالمؤمنين رحيماً وتأمل ذلك المعنى الذي أشرنا إليه تجده
لأنه ترفيع أيضاً للركن الذي يلي عرفة وهو المزدلفة لكونه
أول عمل يعمل فيها صلاة المغرب قبل حط الرواحل ليكون
استفتاح الشغل بها عبادة كبرى وهي أداء صلاة المغرب وقد
جاء في فضلها ما جاء
وفيه دليل على ما يقوله العلماء أن القاعدة الشرعية إذا
جاء ما يعارضها يُتأول يؤخذ ذلك من أن الصحابي رضي الله
عنه لما عرف أن قد ثبتت أوقات الصلوات ولا يدخلها نسخ بعد
ثَبَتَتْ وفاته أطلق اللفظ بأن قال صلى صلاة لغير وقتها
لعلمه بأن القاعدة لا يدخلها نسخ فلا يقع إشكال على أحد
بإطلاق لفظه
وفيه دليل على أن من داوم على شيءٍ عُرف به وإن خالفه يجوز
الإخبار عنه أنه قد خرج عما كان عليه وإن كانت اللغة أو
الشريعة لم تخرجه عن ذلك بمدلولاتها يؤخذ ذلك من كون النبي
كانت له عادة في صلاة الصبح لم يكن يخرج عنها وكذلك في
الجمع في السفر فلما خرج هنا عن تينك العادتين - كما ذكرنا
- وإن كان دلالة الشرع لم تخرجه حقيقة عنها أطلق الصحابي
رضي الله عنه أنه صلاها في غير وقتها
وفيه دليل على جواز الإخبار باللفظ المحتمل ولا يبين ماذا
أراد منهما بصيغة ما يؤخذ ذلك من قول الصحابي رضي الله عنه
صلاها لغير ميقاتها وهو لفظ محتمل أن يريد وقتها المفروض
لها أو وقتها على جري العادة في إيقاعها ولم يأت في اللفظ
بما يدل على واحد منهما وفيه دليل على أن ثبوت العمل
يُستَغنَى به عن تخصيص المحتمل يؤخذ ذلك من أنه لما كان
فعله في الحج معروفاً عندهم وعلته لا تَخفَى عليهم أجمَلَ
لهم اللفظ بقوله صلى صلاة
لغير ميقاتها
وفيه دليل على أن من الدين ذكرَ الحكم في الدين والتحدث به
وإن كان شائعاً بحيث لا
۱ رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عبد
الرحمن بن يعمر الديلمي وتتمته من جاء ليلة جمع قبل طلوع
الفجر فقد أدرك الحج أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا
إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه
۵۸۰
يخفى يؤخذ ذلك من كون هذه الصلاة عن سيدنا مشهورة والعمل
عليها لم ينقطع إلى هَلُمَّ
جَراً وعبد الله بن مسعود يتحدث فيها
وقد كنت لقيت بعض السادة في العلم والعمل فإذا اتفق
اجتماعهم يوماً ما عند بعضهم لم يكن حديثهم إلا في مسائل
الدين أو في أحوال القوم ليس إلا ومثل ذلك كان المروي عن
الصحابة والسلف رضي الله عنهم أنهم إذا تلاقوا يقولون
تعالَ نُؤْمِنُ أي نتحدث في مسائل الإيمان لأن كل شيء إذا
كَثر الكلام فيه قد يحصل فيه ملل في بعض الأوقات أو ضيق
صدر في وقت ما إلا الكلام في الإيمان وفروعه وأحوال أهله
فإن ذلك عند أهل التحقيق يزيد به إيمانهم مثل العلم إذا
أنفق منه زاد وغيرُه إِذا أُنفق منه نَقَص
فعليك برأس مال إذا أنفقت منه زادَ ونَما وتَرفَّه به غيرك
واستغْنَى ولم ينقصك شيئاً ولذلك قال بعض الحكماء أعطِيةُ
العالم ربانية يعطيك الشيء برمته ولا يَنقُص مما عنده شيء
لأنه إذا عَلَّمك العلم قد قد حصل عندك جميع ما كان يعرفه
ولم ينقص له مما عنده شيء بل زاده تجديداً فإن ذكرَ العِلم
زيادة تنبيه له مع زيادة الأجر الذي هو خير من الكل
وفيه من الفقه أن روايته - وإن كان العمل ثابتاً ظاهراً -
أقطع لحجة الخصم وأثبت إذ إنّ ذلك كان حكم الله على لسان
رسوله ونقل عدل عن عدل فلو لم يكن هذا الإمام يتحدث بهذا
الحديث - وإن كان العمل باقياً عليه من أي طريق - كنا نحن
نقطع بأن هذه هي سنة رسول الله الله للخصم إذا جاءه أو
للنفس إذا أرادت الوقوف على حقيقة دينها وقد قيل في الدين
كن مجتهداً ولا تأخذه إلا من أصل كتاب الله وسنة نبيه له
وإجماع وقياس إن عرفت شرطه وخامس ليس طريقه العدول عن
القياس إلى الاستحسان وإنما طريقه المصالح المرسلة كما هو
مذهب المالكية ١
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
الـ ۱ الأصل الخامس عند الحنابلة هو الاستحسان ويعرفونه
بأنه العدول بحكم المسألة عن نظائرها بدليل شرعي وعند
المالكية الأصل الخامس هو المصالح المرسلة ويعرفونها بأنها
المُطلقة عن النصوص الخاصة ولها أصل في النصوص العامة في
الشريعة من كتاب وسنة ومن أمثلة المصالح المرسلة عندهم جمع
القرآن في مصحف واحد وقتل الجماعة بالواحد ومصادرة أموال
الولاة إذا استغلوا مراكزهم وتوريث مطلقة الفار الذي يطلق
زوجته في مرضه فراراً من إرثها وجواز تنصيب الأمثل للإمامة
ولو لم يكن مجتهداً وجواز أخذ أكثر من نصاب الزكاة لسدّ
حاجات المسلمين إذن طريق الأصل الخامس عند المالكية هو
المصالح المرسلة وهي كل ما فيه دفع ضرر أو جلب مصلحة أو
رفع حرج عن الأمة
۵۸۱
حديث الصدقة بجلال البذن التي تُنحَر وجلودها
عَن عَليَّ ١ رَضِيَ الله عَنهُ وكَرَّمَ الله وجههُ قالَ
أَمَرني رَسُولُ الله أن
أتَصدَّقَ بِجلال البُدْنِ التي نُحِرَت وَبِجُلودِها
* *
ظاهر الحديث يدل على الأمر بالصدقة بجلود البدن وجلالها
والكلام عليه من وجوه منها هل الأمر على الندب أو على
الوجوب وما الفائدة في إخبار الإمام بذلك وما الحكمة بأن
خَص النبي بذلك عَلِيّاً رضي الله عنه
فأما الجواب عن الأمر فهو على الندب لوجهين أحدهما أن
الصدقة من الهَدْي وإنما هي على طريق الندب بتقرير ذلك من
السنَّة فلا تكون صدقة الجِلال أعلى منها و الوجه الآخر أن
جَعَلَ الجِلال التي تُكسَى بها البُدْنُ ليست مثل الجلود
فإن الجلود حكمها مثل حكم البُدْنِ من وجوب أو ندب إذا
كانت واجبة أو ندباً على أحد الاحتمالين فليست الجلود تختص
بحكم
۱ علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي أبو الحسن
أمير المؤمنين رابع الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين
وابن عم النبي وصهره وأحد الشجعان الأبطال ومن أكابر
العلماء والخطباء والقضاة وأول الناس إسلاماً بعد خديجة
ولد بمكة وربي في حجر النبي ا ا وكان اللواء بيده في أكثر
الله
المشاهد ولما اخى النبي عليه السلام بين أصحابه قال له أنت
أخي ولي الخلافة بعد مقتل عثمان رضي عنه سنة ٣٥هـ وكثرت
الفتن في أيامه وانقلبت إلى حروب منها وقعة الجمل و صفين
ثم كانت حادثة التحكيم وبعدها انشق المسلمون ثلاثة أقسام
الأول بايع معاوية رضي الله عنه وهم أهل الشام والثاني
حافظ على بيعة علي رضي الله عنه وهم أهل الكوفة والثالث
اعتزلهما وخرج على عليّ لرضاه بالتحكيم فكانت معركة
النهروان وكفر الخوارج علياً رضي الله عنه ودعوه إلى
التوبة فقاتلهم واغتاله عبد الرحمن بن ملجم المرادي
الخارجي وهو يصلي في ۱۷ رمضان سنة ٤٠ هـ ٦٦١ م رضي الله
عنه وكرّم وجهه ٤٠هـ / الجلال مفردها الجَلَّ وهو ما تغطى
به الدابة لتصان والبدن مفردها بَدَنة وهي ناقة أو بقرة
تنحر بمكة قرباناً ومنه قوله تعالى والبُدْنَ جَعَلْنَهَا
لَكُم مِّن شَعَدِيرِ اللهِ
۵۸
وحدها دون اللحم فإن كانت البَدَنَة مما لا يجوز لصاحبها
الأكل منها فلا يجوز له بيعها أعني الجلود ولا الانتفاع
بها والذي لا يجوز لصاحبها أن يأكل منها أربعة نذر
المساكين وهدي التطوع إذا عطب قبل محله وفداء الصيد وفدية
الأذى ويأكل مما سوى ذلك فجلود هذه
الأربعة مثل لحومها
ولم يرو عن أحد من السلف - فيما أعلم - وجوب الصدقة
بجلالها ولا وجوب تجليلها لأنهم قد نصوا على أن من تعظيم
الشعائر تجليل البدن وتحسين الجلال وتعظيم الشعائر من
المندوب وإن كانت البدن مما عدا هذه الأربعة المذكورة
فالتصدق منها من المندوب أيضاً فأعظم ما تكون الجلود
والجلال - فيما عدا الأربعة المتقدم ذكرها - أن يكون حكمها
حكم اللحم فتكون ندباً لا وجوباً ولا نقول لعلها كانت من
الواجب الذي لا يؤكل منها فيكون هذا تنبيهاً بأن تلحق
الجلود والجلال باللحم لأنه إذا أطلق لفظ البُدْن دون
تقييد فإنما يُحمل على ما هو الغالب فيها وهو الذي على
طريق التطوع لأنه الأصل في ذلك الاسم لكونه قد جاء عن
سيدنا حين نحر مائة بَدَنَة أنه أخذ من كل واحدة بَضْعَةٌ
۱ وجُعِلت في قِدْر وشرب عليه السلام من مَرَقها وأكل منها
٢
فهذا هو الأصل وما كان من غيره فلا بد من أن يجلى بصفته
الزائدة لاختلاف الحكم في ذلك وليس عليّ رضي الله عنه ممن
يجهل مثل هذا فنجعلها محتملة وتسوية النبي عليه السلام بين
الجلود والجلال دلّ على ندبيته لأنه لا تساوي بين واجب
ومندوب في الحكم وهذه حجة الإمام مالك رحمه الله في أن
النكاح ليس بواجب لأن الله جلّ جلاله خير بين الزواج وملك
اليمين والوطءُ بملك اليمين بالإجماع مباح فلم يكن الله
عزّ وجلّ ليُخيّر بين واجب ومباح وعلى هذا يكون ما سوى
بينه وبينه ملك اليمين مثل ملك اليمين إذ ليس النكاح به
بواجب فكذلك يكون ما سوى بينهما هنا فلم يبق إلا أن يكون
ندباً وفي أمره عليه السلام علياً بذلك دليل على جواز
النيابة في إخراج الصدقة
وأما ما هي الفائدة في ذكر الإمام ذلك فهي ما تقدم الكلام
عليه وزيادة على ذلك لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا
يفرحون ويفتخرون بما يخص النبي به واحدا منهم دون غيره أو
أي شيء كان منه عليه السلام في حق أحدهم ألا ترى أن أحبّ
الأسماء لعلي رضي الله عنه
۱ البَضْعَة من اللحم وغيره القطعة رواه الترمذي رقم ۸۱٥
في الحج وابن ماجه في المناسك رقم ٣٠٧٦ باب حجة رسول الله
صلى الله عليه وسلم
۵۸۳
أبو تراب ۱ لأن النبي وهو الذي كناه به وثبت في الحكم كأنه
يقول هذا ليس بالمنقول أنا
الذي سمعت هذا الحكم وتلقيت هذا الأمر بنفسي
وأما هل ذلك خاص بالبدن أو ذلك في جميع القُرُبات بذناً
كانت أو أضاحي فإذا فهمنا الأمر أنه على النَّدْب - أعني
في الجلود - فتعدية الحكم أولى لأنه ندب إلى خير ولأن
الضعفاء أيضاً محتاجون إلى ذلك بزيادة فيكون الندب يتأكد
فيه إما في الحال من أجل أن العُريَ غالب على الضعفاء وعلة
البرد أكيدة وكذلك في جلود البدن من أجل ما ينتعلون بها
وهذا عندهم قليل وهو مما إليه ضروراتهم أكيدة ولا سيما
بأرض الحجاز لتوعر أرضها وحرها وأما ما له صوف أيضاً من
جلود الأضاحي فمن علة البرد أيضاً فالندب عام في الكل
أولاً
وأما ما الحكمة في كون النبي ل ا ل ص علي رضي الله عنه
بذلك فلزيادة العلم الذي خص خص به علي وإن كان الخلفاء رضي
الله عنهم كلهم علماء لكن كان لعلي رضي الله عنه في هذا
الوجه من وجوه الخير زيادة لقوله الا الله أنا مدينة العلم
وعلي بابها ۳ ولكونه هو الذي عليه السلام بالنيابة بنحرها
عنه
خصه
ويترتب عليه من الفقه أن المندوب في النيابة في النسك
والصدقة أن يكون النائب فيها عالماً لأنه من تمام القربة
وفيه أيضاً وجه آخر أن المستحب بالمعروف الذي ليس بواجب أن
يؤمر به الأقرب من القرابة لأن علياً رضي الله عنه كان
أقرب إلى النبي ل من غيره لأنه كان ابن عمه وصهره ولأن
نيابته عليه السلام له في النحر - كما ذكرنا قبل - وإدخال
السرور عليه بذلك ولو أمر غيره بالتصرف في الصدقة لكان
محتملا لتغير خاطره وأمرُهُ عليه السلام له بالتصدق عنه
إدخال سرور وجَبر قلب
وفيه وجه من حسن الصحبة أنه إذا بدأ شخص أمراً فمن حسن
الصحبة أن يكون هو الذي يتم بقايا وجوه تصرفاته فلما كان
عليّ رضي الله عنه هو الذي وجّهه النبي عليه السلام إلى
اليمن لأن يأتيه بالبدن فكان من طريق حسن الصحبة أن يكون
هو الذي ينوب عنه فيما بقي للنحر منها وفي التصدق عنه
فاستنابه لحسن الصحبة ومن أحسن صحبة من رسول الله
وفيه دليل على التحدث بما فتح الله به على العبد من أمور
خير الآخرة إذا لم يكن كسباً له
۱ تكنية النبي علياً كرّم الله وجهه أبا تراب رواها
البخاري في الصلاة - باب نوم الرجال في المساجد وفي الأدب
ورواه مسلم في فضائل علي كرّم الله وجهه رقم / ٢٤٠٩/ رواه
الترمذي في المناقب رقم // ۳۷۵ والحاكم في المستدرك ١٢٦/٣
والسيوطي في بعض رسائله وللحافظ أحمد بن محمّد صديق
الغماري رسالة اسمها القول الجلي في صحة حديث أنا مدينة
العلم وبابها عليّ
ΟΛΕ
لأن الذي هو كسب له هو من باب التزكية والله عزّ وجلّ يقول
فَلَا تُرَكُوا أَنفُسَكُمْ ۱ والذي هو من قبيل الله تعالى
إذا سلمت النية فيه من طلب الرفعة يكون من قبيل الشكر لأنه
قد قال التحدث بالنعم شكر وقد قال الله تعالى لمن
شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۳ يؤخذ ذلك من ﴿لَن ذِكْرِ
عليّ رضي الله عنه أن رسول الله وه له و أمره بالصدقة
فيكون إعلان القول منه بأنه بأمر أمره النبي الله تبرئة من
الالم العلوى والتزكية مثل أن يُرى إنسان يتصدق بصدقة
واجبة فيقول هي واجبة أي لا تمدحوني عليها لأن الصحابة
والصدر الأول رضوان الله عليهم لم يكن عندهم
في إعطاء الواجبات مدح بينهم لأنها من اللازم وما هو واجب
يَتَساوَى الناس كلهم فيه ولذلك يُروى عن بعض المتعبدين
أنه قال لا جزى الله تُراكَ الصلاة عنا خيراً رأونا نؤدي
الصلاة قالوا عنا عُبّاد والصحابة ٤ رضي الله عنهم بذكرهم
لِمَا خَصّهم الله عزّ وجلّ به أو نبيه عليه السلام هو على
طريق الاستبشار وشكر النعمة وتبرؤ من دعوى العمل ليس كمثل
بعض الناس في الوقت الذي لا يكمل الواجب الذي عليه ويحب أن
يُلحق بالمباركين كما قال جل جلاله وَيُحِبُّونَ أَن
يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا
وفيه دليل لأهل الصوفة الذين يقولون يُندَب لأهل هذا الشأن
أن يتحدثوا بما فتح الله عليهم بين إخوانهم بشرط ألا يكون
بينهم أجنبي لأنه مما يتقوى به إيمانهم وقوة الإيمان زيادة
في القربة إلى الله عزّ وجلّ
وفيه أيضاً عون على النفس ولاسيما في زمان قل فيه الصدق في
هذه الطريقة حتى إنه عند بعض من يعرف شروطها إنه شيء طُوِي
بِساطه فيكون سبباً لكسله عن الترقي وقد أخبرني بعض من كان
له تعلق بالطريق ثم فتر عن عمله فلما رأى من بعض من كان في
زمانه شيئاً من أحوال القوم وأنه ٦ لما أبصر ذلك رجع إلى
المجاهدة والخدمة وفتح عليه في أقرب زمان فقال لي والله ـ
وهو الحالف - ما كان كَسَلِي عن الخدمة إلا لكوني لم أرَ
في نفسي شيئاً ولم ألق أحداً رأيت منه شيئاً مما رأيت في
كتب القوم فقلت هذا شيء طُوِيَ بساطه فما لي وللتعب فلما
أبصرت
1 سورة النجم من الآية ۳
جزء من حديث رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند
والبزار والطبراني ورواه ابن أبي الدنيا في
الشكر ص ١٤ والخرائطي في فضيلة الشكر رقم / ۸/
۳ سورة إبراهيم من الآية ٧ ٤ العبارة مضطربة غير واضحة
التركيب ٥ سورة آل عمران من الآية ۱۸۸
٦ كذا بزيادة وأنه
٥٨٥
من فلان شيئاً مما رأيت في كتب القوم أيقنت أن الطريق
باقية وإنما السالكون قلوا فأخذت في
الخدمة فجاء من أمري ما ترى فذلك فائدة التحدث بها وفي ذلك
قيل إذا كنت في حالك
صادقاً فنطقك أو سكوتك لمن راك فلاح وصلى الله على سيدنا
ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً
35
نة
٥٨٦
لك
البُخاريُّ قالَ عَطاء رَضِيَ الله عَنهُ إذا تَطيِّبَ أو
لَبِس جاهلاً أو ناسِياً فَلا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ
هذا مذهب عطاء وليس بمتفق عليه أما النسيان فالشافعي رحمه
الله وافقه على ذلك لقول
رسول الله الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وأما مالك رحمه
الله فلم يَعذُر به وقال إنه
b
مثل سجود السهو في الصلاة شُرِع لأن يُجبَر به خلل وقع في
العبادة وفي الصلاة هو يَشتَرِط السجود فيها بالسهو لا
بالعمد وهنا مطلقاً فينبغي أن يكون الحكم في السهو والعمد
سواء وهو الأظهر والله أعلم
وأما الجهل فلا أعرف في الوقت وافقه عليه أحد من العلماء ٣
ودليل القرآن يرد عليه بقوله تعالى فَسْتَلُوا أَهْلَ
الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ 1 فلم يعذر أحداً
بجهل ولو كان الجهل عذراً
لكان أرفعَ من العلم ولا قائل به
من
الله عنه
ويؤخذ منه الفقه أنه من تحقق عنده حكم من أحكام الله عزّ
وجلّ له أن يطلق اللفظ بعموم الحكم ولا يلزمه خلاف المخالف
ومثل ذلك جرى لعمر بن الخطاب رضي حين سمع شخصاً ٥ يتلو
سورة الفرقان على خلاف ما كان يعرف فلببه بردائه وأتى به
رسول الله
۱ هو أبو محمد عطاء بن أبي رباح مولى بني فهر من مُوَلَّدي
الجند وهي بلدة مشهورة باليمن كان من أجلاء الفقهاء وتابعي
مكة وزهادها سمع عددا من أجلاء الصحابة منهم ابن عباس وابن
الزبير وكان أعلم الناس بالمناسك توفي سنة ١١٥ هـ / ٧٣٣م
رواه ابن ماجه وابن حبان والدارقطني والطبراني والبيهقي
والحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ
إن الله وضع وللحاكم والطبراني تجاوز ونقل الخلال عن
الإمام أحمد أنه قال من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوع فقد
خالف كتاب الله وسنة رسوله وأصل الباب حديث أبي هريرة في
الصحيح بلفظ إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم
تعمل أو تكلم به ورواه ابن ماجه بلفظ عما توسوس به صدورها
وزاد في اخره وما استكرهوا عليه والزيادة إدراج من الراوي
۳ كذا وردت العبارة وفيها خلل
٤ سورة النحل من الآية ٤٣
•
هو حكيم بن حزام رضي الله عنه كما في الموطأ والصحيحين
۵۸۷
عمر
كان
وقال سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أن را تنها
فقال أرسله فأرسله فقال اقرأ فقرأ مثل ما كان عمر سمع منه
فقال هكذا أنزلت ثم قال إقرأ يا عمر فقرأ عم مالى قارة
يعرف وهو مخالف لقراءة صاحبه فقال هكذا أُنزِلت إن هذا
القرآنَ أُنزِل على سبعة أحران
فاقرأوا ما تيسر منه ۱
ولم ينكر على عمر أخذ ذلك بالعنف وزجره له وهو كان على
الحق وعمر لم يكن له ۳ علم بذلك الوجه الذي كان ذلك يعرفه
كما أنه لم يكن له علم بما كان عمر يعرفه ومن أجل الغفلة
عن هذا الوجه ضاع كثير من النهي عن المناكر لأن بعض الناس
يقول لعل هذا الذي أنكره
أنا يجيزه غيري
ويترتب أيضاً عليه من الفقه أنه لا يجوز الحكم بمجرد النقل
بما يراه في الكتب إلا لأهله الذين يعرفون مقاطع الكلام
وعلى ماذا يدلّ يؤخذ ذلك من أنه إذا رأى هذا النص من لا
يعرف المذهب وهو ينتسب بدعواه لأحد المذاهب يبقى يعمل عليه
ويظنه مما يجيزه صاحب مذهبه فيكون يقع في الكذب على إمامه
ويُدلي الناس بغرور وقد أخبرني جماعة عمن ينسب في مذهبه
إلى أنه متبع لمالك رضي الله عنه وهو ممّن يُستفتى كان
يفتي في مذهب مالك بما نص عن عطاء هنا وقد ذكرنا مذهب مالك
قبل في ذلك وما هو عليه فنسأل الله الإرشاد لمعرفة العلم
على ما هو علم على وجهه والعمل به ابتغاء مرضاته لا ربَّ
سواه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ رواه البخاري في كتاب الخصومات ومسلم في صلاة المسافرين
وقصرها باب بيان أن هذا القرآن على سبعة أحرف رقم / ۸۱۸/
كما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمر
رضي الله عنه
أي حكيم بن حزام ۳ يدلي الناس بغرور يوقعهم فيما أراد من
تغريره
۵۸۸
حديث بناء مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم
عَن أنس رضي الله عنه قالَ قَدِمَ النَّبِيُّ الله
المدينةَ وَأمَرَ بِبِناءِ المَسجِدِ فَقال يا بَني
النَّجار ثامنوني ١ فَقالوا لا نَطَلُبُ ثَمَنَهُ إلا إلى
الله فَأمَرَ بِقُبورِ المُشركينَ فَنُبِشَت تم بالخِرَبِ
فَسُوِّيَت وَبِالنّحْلِ فَقُطِعَ فَصَفُّوا النّخلَ
قِبلَةَ المَسجِدِ
* * *
ظاهره يدل على أن بناء المسجد كان بأمر النبي و بعد هجرته
إلى المدينة والكلام عليه
من وجوه
منها جواز طلب الأشياء للبيع وإن لم يكن صاحبها عرضها
للبيع يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام يا بني النجار ثامنوني
وهم لم يكونوا عرضوا ملكهم للبيع قبل
وفيه دليل على جواز أن ينسب الشخص إلى صنعة كانت في قبيلته
أو ابائه وليس ذلك من الألقاب المنهي عنها يؤخذ ذلك من
قوله عليه السلام يا بني النّجّار وهذه صنعة كانت في أحد
ابائهم فشهروا بها فدعاهم بها
وفيه دليل على جواز قبول الهدية لشيء وإن كان قد تعرض إلى
شرائها ما لم يقصد تحشيم صاحبها يؤخذ ذلك من قبوله عليه
السلام منهم بعدما طلب منهم البيع فقالوا لا نطلب ثمنه إلا
إلى الله والدليل على قولنا ما لم يقصد تحشيم صاحبها لأن
النبي صلى الله عليه وسلم قال ثامنوني ولا يقول النبي يا
الله نامنوني إلا حقاً لا يقول ذلك حيلة ولا مجازاً ومن
يقع له شيء من ذلك فهو تنقيص بالنبي وهو وهو لا يحل وإن
أفصح به وجب قتله شرعاً
۱ ثامنه في السلعة ساوَمَه في شرائها الخِرَب ج خِرْبة وهي
موضع الخراب 3 أحشم فلان فلاناً أخجله
۵۸۹
وهنا بحث وهو ليس بمجرد الدعوى منه يقع التصديق إلا ۱ تكون
هناك قرينة تبين ذلك مثل قول هؤلاء الذين قالوا لا نطلب
ثمنه إلا إلى الله تعالى ولا يلزم من قولهم لا نطلب ثمنه
إلا إلى الله أن يكون صدقة لأن الهدية صاحبها مأجور إذا
قصد بها وجه الله مثل الصدقة غير أن الفرق بين الصدقة
والهبة أن الصدقة لا تكون إلا لله إلا أن يدخلها رياء
والهبة قد تكون لوجوه كثيرة قد نص عليها في كتب الفروع فما
هو منها الله فصاحبها فيها مأجور كما هو في الصدقة وإن لم
يكن من صاحبها إفصاح مثل مقالة هؤلاء ويكون هناك ما يقوم
مقام ذلك وقد روي عن بعض أهل هذا الشأن إذا كان يأتيه
الفتوح ولا يعلم من صاحبه من أي الوجوه هو يقول له ناشدتك
الله متى أنا عندك خير إن قبلت منك أو إن رددت عليك فعلى
الذي يحلف عليه من الحالتين عمل عليه تحرزاً من الدعوى في
هذا الشأن وإن كان على ما روي عنه من أهل الكشف والاطلاع
وفيه دليل على جواز حفر قبور المشركين يؤخذ ذلك من قوله
فأمر بقبور المشركين فنبشت وفيه من الحكمة أن حكم الحياة
مستصحب في الممات فكما هي دماؤهم في الحياة مباحة ولا حرمة
لهم كانوا كذلك في مماتهم والمؤمن حرمته في الممات كحرمته
في الحياة لأنه قد جاء أنه من كسر عظم مؤمن ميت كمن كسره
حياً في الإثم سواء ۳ وقبره حَبْسٌ 4 لا يحل لأحد
التصرف فيه
وفيه إشارة لأهل البصيرة الذين يقولون أحوالك عنوان على
مالك هنالك فإن استقمت هنا رفعت هنالك وإن خلطت فإنما
بَخَستَ نفسك
وفيه دليل على جواز هدم خراب البناء إذا كان فيه فائدة
وليس من الفساد في الأرض يؤخذ ذلك من قوله ثم بالخِرَب
فَسُوِّيت
وفيه دليل على جواز قطع الثمار وإن كانت تُطعِم إذا كان
ذلك لضرورة يؤخذ ذلك من قوله وبالنخل فقطع وقد نص العلماء
على أن قطع الثمار المُطعِمة من الفساد في الأرض ولما كان
هذا لضرورة خرج أن يكون من ذلك القبيل والضرورة التي هي
هنا أنه لما تقدم العالم المدينه الا الله تنافس الأنصار
رضوان الله عليهم في نزوله عليه السلام عند من ينزل منهم
فقال لهم دعوا
۱ كذا بزيادة إلا
كأنه يستحلفه بالله أي العملين أفضل هل أخذ الفتوح الهدية
أوردها ۳ رواه عبد الرزاق ومالك في الموطأ وأبو داود وابن
ماجه والإمام أحمد عن السيدة عائشة رضي الله عنها بألفاظ
مختلفة
٤ قبره حبس عليه وقف عليه لا يباع ولا يورث
۵۹۰
الناقة فإنها مأمورة ۱ فمشت حتى أتت موضع المسجد فبركت فيه
فأي ضرورة أشد من هذه لأن هذا حكم من الله عز وجل وقد كان
في علم الله تعالى أن تلك البقعة هي الموضع الذي هو روضة
من رياض الجنة فكل ما كان فيها فهو عارية بحكم القلع وليس
مثل هذا ضرورة في غيره أن يقول شخص نريد نبني هذا بنيانا
بشهوة نفسه فيكون هناك شجر مثمر فيقطعه ويجعل هذا الحديث
حجة فيه هذا لا يحل بل الضرورة غير هذه على ما هو مذكور في
كتب الفقه وهنا إشارة لمن سعد في الأزل ما ضَرَّه ما جرى
عليه من الفتن يؤخذ ذلك من أنه لما كانت هذه البقعة قد
سبقت لها تلك السعادة العظمى - وهي أن تكون مسجداً ومنزلاً
ولَحْداً للسيد من بني آدم والمرفّع في العالمين الله -
اما ضرها ما تداول عليها من أيدي المشركين ومخالفتهم إذا
حَسُنت العقبى فكل قبيح يزول وإن فسدت فكل جميل يَحُول
وفيه دليل على أن من حسن التصرف أن يعمل الشخص في أمره كله
على قدر جدته ٢ أو عسره يؤخذ ذلك من كون النبي ا لما ترك
هو والمهاجرون أوطانهم وأموالهم فاحتاج عليه السلام إلى
بناء المسجد بناه على ما يقتضيه الوقت بجريد النخل وحيطانه
من جذوعها يؤخذ ذلك من قوله فَصَفُّوا النخل قبلة المسجد
ولم يبنِ بآجُرٌ ولا حصّ ولا بشيء فيه تكليف لا عليه ولا
على غيره فهذا مقتضى السنة ومما يؤيده من الكتاب قوله
تعالى ليُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ﴾ ٣ وقد قال رضي
الله عنه الرفق في النفقة خير من الزيادة في الكسب وفيه
دليل على أن أهم ما على المرء من الأمور النظر في أمر دينه
يؤخذ ذلك من أنه أول ما نظر فيه عند دخوله المدينة بناء
المسجد الذي هو للاخرة
وفيه دليل للفقراء الذين يقولون إذا زهد الفقير وخرج عن كل
ما يملكه مما هو من أمر دينه فلا يدخل تحت ذلك اللفظ ولا
يجوز له الخروج عنه ويحبس منه بقدر ضرورة دينه مثل الإناء
للوضوء وما يستر به عورته ومثل ما يصلي عليه لأن كل ما
يكون الخروج عنه يتعذر به وجه من وجوه الدين فلا يجوز لأنه
الأهم وقد قيل على جميع أمور الدين حافظ عليها ولا تبال
بما عداها فعزّ المرء بدينه لا بما سواه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 رواه البيهقي في دلائل النبوة ٥۰۱/۳ و ٥٠٤ وابن كثير في
البداية والنهاية ۱۹۹/۳ و ۰۰ والسيوطي في الخصائص ۹۰/۱
والشامي في سيرته سبل الهدى والرشاد ٣٨٦/٣
الجدة الغنى ۳ سورة الطلاق من الآية ٧
۰۹۱
1121
حديث خروج الدجال وفتنته
عَن أبي سعيد الخدري ١ رضي الله عَنهُ عَنِ النبي صلى الله
عليه وسلم قالَ يَنزِلُ الدَّجَالُ بَعضَ السَّباخ ۳
بالمَدينَةِ فَيَخرُجُ إِلَيهِ يومئذٍ رَجُل هُوَ خَيرُ
النّاس - أو من خير النّاسِ - فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّكَ
الدَّجالُ الذي حَدَّثَنَا عَنكَ رسول الله لا حَدِيثَهُ
فَيَقولُ الدَّجالُ أرَأَيْتُم إن قتلتُ هذا ثُمّ أحيَتُهُ
هَل تَشكُونَ في الأمرِ فَيَقولونَ لاَ فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ
يُحْيِيهِ فَيَقولُ حينَ يُحييهِ وَالله ما كُنتُ قَطُّ
أشدَّ بَصيرَةً منّي اليومَ فَيَقولُ الدّجالُ أقتلُهُ
فَلا
يُسلّط عَليهِ
ظاهره يدل على وجهين أحدهما أن ما أعطي الدجال من خرق
العادة تكذيباً لدعواه لأنها قاصرة و الثاني ما أعطي
الخارج إليه من قوة الإيمان وأن تلك الفتنة العظمى لم تضره
والكلام
عليه من وجوه
منها أن يقال ما قصْرُ خرق العادة التي أعطي فنقول هي ما
أراد من قتل الرجل المؤمن ثانية فلم يقدر عليه فنحتاج الان
أن نذكر خرق العادة وما هو الدال منها على الخير وعلى ضده
وما انقطع منها
فأما خرق العادة فقد تكلم العلماء عليها وهي على أربعة
أقسام
1 أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري
الخزرجي أبو سعيد صحابي كان من ملازمي النبي وروى عنه
أحاديث كثيرة غزا اثنتي عشرة غزوة وله ۱۱۷۰ حديثاً توفي في
المدينة المنورة سنة ١٤ هـ / ٦٩٣ م انظر الحديث ٤٨ الدجال
لغة المموّه المدَّعي الكذاب وشرعاً المسيح الدجال رجل من
يهود يخرج في آخر هذه الأمة سمي بذلك لأنه يدجل الحق
بالباطل وقيل بل لأنه يغطي الأرض بكثرة جموعه وقيل لأنه
يغطي على الناس أو سمي بذلك لكذبه وجمعه دجاجلة و دجالون
وكل كذاب فهو دجال
بكفره وقيل لأنه يدعي "
۳ السباخ ج سَبَخة والسبخة من الأرض ما لم يحرث ولم
يُعمَّر لملوحته
۵۹
قسم يدل على صدق النبوة وهذا قد طوي بساطه لكن نذكره من
أجل المعرفة به لأنه من
جملة أمور الدين
وقسم يدل على الولاية وتحقيقها
وقسم يكون من أجل المجاهدة والدوام عليها وإن كان صاحبها
فاجراً أو كافراً وكثيراً ما افتتن الناس من هذا القسم
لجهلهم به
وقسم من الذي يسمونه السيمياء وهي استنزال بعض الروحانيات
وخدمة بعض الكواكب الفلكية وهي أيضاً مما ضل بها كثير من
الناس
ولكل واحدة منها علامة تعرف بها ولا يعرف ذلك إلا من له
نور إيماني ومعرفة بها
فأما التي هي دالة على النبوة فمن شرطها التحدّي وهو أن
يقول أنا نبي ومن الدال على نبوتي أنني أفعل كذا وكذا وذلك
الذي يدعيه لا بد من ظهوره على ما ذكره علماء الدين وهذا
لم يبق لأحد فيه دعوى لقوله عليه السلام لا نبي بعدي
والتي هي دالة على صدق الولاية تظهر على يديه دون تحدٍ ومن
شرطها أن يكون في حاله متبعاً للسنة والسِّنَن لأن الله
عزّ وجلّ لم يتخذ قط ولياً بدعيا ۳ لأنه عزّ وجلّ يقول في
كتابه قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
يُحْبِبْكُمُ اللهُ ۳ وإن تحدى بها عند ضرورة دون عجب فلا
تخلفه لأنها من بركة تصديق النبوة لأن كل كرامة ظهرت لولي
فهي معجزة لنبيه عليه السلام لأنه بصدقه في اتباعه ظهر له
هذا الخير ومثاله ما ذكر عن بعض السادة حين ركب البحر فهاج
عليهم وكان المركب مُوسَقاً " قمحاً للملك وكان معه ركاب
حجاج فسمع البحريين يقولون إن القمح مكيل علينا بالشهادة
وهؤلاء الحجاج ركبوا باختيارهم ليس علينا فيهم شيء نحن
الحُجّاج وندع القمح من أجل أنا مطالبون به فلما رآهم
عزموا على ذلك قال لهم ارموا القمح على ذمتي فرَمَوا منه
ما شاء الله ثم سكن البحر وبلغوا الموضعَ الذي كانوا
أمّلوا فطلبوه بما رَمَوا من القمح فقال لهم أخرِجوا
الشهادة التي عليكم واكتالوا القمح فما نَقَص منه
غَرِمْتُهُ ففعلوا فوجدوا الزائد على ذلك القدر
1 جزء من حديث رواه البخاري في المغازي باب غزوة تبوك
ورواه مسلم في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باب
من
فضائل عليّ من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه
البدعي المبتدع والمستحدث في الدين ما ليس منه ۳ سورة ال
عمران من الآية ۳۱
٤ موسقاً محمَّلا موقرا
۵۹۳
التي كانت به الشهادة عليهم فخلوا عنه فقال لأصحابه والله
ما فعلتها إلا من أجل الضرورة إحياء لنفوس هؤلاء المؤمنين
وإن كان يتحدّى بها لغير ضرورة فليس هو في منزلة الأولياء
بل هو في حزب سَنَستَدْرِجُهُم مِنْ حَيْثُ لَا
يَعْلَمُونَ ﴾ ۱ وهذا هو حظهم من الله عزّ وجلّ لأنهم قد
نصوا أن من كانت عبادته من أجل أن تظهر له كرامة أو تستجاب
له دعوة أو يُعرف بالخير من أجل المنزلة فأولئك من الذين
يعبدون الله على حرف ٢
وأما التي هي من أجل المجاهدة فإنه تظهر له كرامات لكن
ليست بنافذة ۳ ولا مكاشفته تتعدى مدى بصره وتكون في المؤمن
والكافر وهي من أثر المجاهدة فإن بالمجاهدة نفسها يتنور
الباطن ويرجع القلب مثل المرأة الصقيلة ينطبع فيها كل شيء
قابلها لا غير وما لم يكن في مقابلتها فلا ينطبع فيها
ومثال ذلك ما ذكره عن بعض الأكابر أنه في بعض أسفاره مَرَّ
بِدَير رهبان فرأى ما هم فيه من كثرة المجاهدة فوقع له
استحسان لتلك المجاهدة فلما وقع له ذلك أمروا لخديمهم
بالإقبال عليه وأن يحسن قراه ويدخله بيت تعبدهم حيث
أصنامهم فلما أدخله بيت الأصنام وقع في خاطره سخفُهم وقلة
عقولهم لكونهم يعبدون تلك الأصنام فلما وقع له ذلك وإذا هم
يصيحون على الخديم أخرجه أخرجه فأخرجه من حينه فتعجب لسرعة
اطلاعهم على خاطره لكن لا يجاوزون بمكاشفاتهم مدى البصر
وإذا كانت المجاهدة عن إيمان واتباع للسنة كاشف من العرش
فما دون وكانت الدنيا كلها عنده كخطوة واحدة يتصرف فيها
كيف شاء بحسب ما يفتح الله عليه
0
وأما التي هي من طريق السيمياء واستنزال بعض الروحانيات
وعبادة بعض الكواكب الفلكية فله ٦ علامات
أما الذي يعبد بعض الكواكب فلكل عابد كوكب علامة يعرف بها
مثاله أن الذي يعبد زُحل ٧ يكون لباسه أخسَّ اللباس وأقذره
وعيشه وجلوسه من تلك النسبة فالذي يراه في ذلك
۱ سورة الأعراف من الآية ۱۸
الحرف من كل شيء جانبه وطرفه والآية الكريمة وَمِنَ
النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفِ أي يعبده في
السراء لا في
الضراء ۳ نافذة ماضية قاطعة
٤ الخديم الخادم 0 كذا بزيادة الواو ٦ أي لصاحب خرق العادة
۷
زُحل أحد الكواكب الكبرى في المجموعة الشمسية ترتيبه
السادس من الشمس وهـو علـى بعـد =
٥٩٤
الحال يظنه من الزهد والورع وما هو إلا بمقتضى ما يقتضيه
معبوده ويبقى على ذلك الحال قدر دورة معبوده في الأفلاك
وذلك على ما يزعمون ستة وثلاثون ۱ سنة على تلك الحالة التي
بينت لا يفتر فإن فتر ساعة فَسَد عليه كل ما تقدم ولكل
واحد مما عدا هذا أيضاً حالة تخصه إلا أن هذا عندهم أنحس
الحالات
وأما الذي هو من الروحانيات ليس إلا فحاله الظرف في اللباس
وفي كل أمره وانشراح النفس وما يطيبها وحسن المجالس ومع
هذا فالغالب على أهل هذه الطرق الفاسدة حظوظ النفس وطلب
الرئاسة وعدم اتباع السنة واختراع بدع يجلب بها الجهال
ويجعلها من طريق الحكمة ورياضة النفس وهو الضد - أعاذنا
الله من ذلك - لأن ما كان من طريق خرق العادات التي ليس
على صاحبها لسان العلم حاكماً تجدها غير نافذة من كل
الجهات وإذا جاء من له حقيقة يقابلهم ما يمشي لهم منها شيء
ويتعذر عليهم أكثرها بحسب قوة إيمان الشخص وضعفه ولذلك
فأكثر ما يخالطون الجهال
والذي خرق العادة له مع اتباع السنة هو في حالة ملك لا
يُغلب بحيلة ولا مكر ولا قوة محسوسة أو معنوية وأمره
يتزايد لا ينقص والناس وجميع الوجود عنده كلهم على حد واحد
كيف شاء أن يتصرف تصرّف بغير دعوى متبرىء من الحول والقوة
إلا إلى الله صاحبها وهو أخوف الناس على نفسه إلا عندما
تأتيه البشائر الربانية
وعلامته أن يكون أكثر الناس تواضعاً وأقبلهم لهم عذراً إلا
ما كان في حق الدين وأكثرهم شفقة عليهم ونفسه عنده أقل
الخلق ويشاهد ذلك الخير فيضاً ومَناً بغير استحقاق ويحض
الناس على اتباع السنة والسنن كثير الصمت إلا فيما يعنيه
كثير الفطنة قليل الطمع ملاحظ بقلبه الآخرة لا يرى لنفسه
على أحد حقاً ويرى حقوق الناس قد ترتبت عليه بشرط أخوة
الإيمان بالحضور والغيبة يفر من المدح ويستأنس بالوحدة
يبذل المعروف ويقلل الضرر بل لا يقع منه يحبه كل شيء حتى
الأرض التي يمشي عليها والسماء التي تظله وأهلها كذلك
معرفته في كأنه السماء أكثر وأشهر مما في الأرض لا يُحِل
أكل الخبيث تؤلمه معصية العاصي هو الذي
١,٤٢٥,٧٦٧,٠٨٠ كيلومتراً في المتوسط منها وتتم دورته حول
الشمس في ثلاثين عاماً ويبلغ / ٧٣٤ / مرة حجم الأرض وكتلته
٩٤٩ مرة قدر كتلتها وكثافته ۸/۱ كثافتها ويبدو قرصاً
منبعجاً لامعاً عند الاستواء وقطره الاستوائي ۱۰,۰۰۰
كيلومتر وله عشرة أقمار تدور حوله
۱ تقدير الفلكيين ثلاثون سنة وقوله ستة كذا في المخطوطات
والمطبوعة
0
۵۹۵
فعلها وتَسُره طاعة الطائع كأنه الذي يأخذ أجرها صورته
صورة بشر وحقيقة باطنه ملكية نورانية
قدسية ووصفه يطول
مَنَّ الله علينا بما به مَنْ عليهم برحمته ورحمنا بحرمتهم
وصلى الله على محمد نبيه وعبده فمن أجل الجهل الغالب على
الناس بطريق القوم كل من رأوا منه شيئاً من خرق العادة من
أي نوع كانت قالوا صالحا ۱ أو يكون ممن سمع شيئاً من مفاسد
الفاسدين فيعيب أهل الحقيقة على الحقيقة فيحرمهم لأنه يجعل
أمرهم إما محتملاً إذا أراد السلامة أو ينسبهم إلى الطريق
الفاسد فيحصل مع الحرمان الخسارة فإن الله عزّ وجلّ يَغيرُ
لهم أشد الغيرة لقوله عزّ وجل على لسان نبيه عليه السلام
من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة ۳ وفيه دليل على
عظيم قدرة الله عزّ وجلّ يؤخذ ذلك من قوله ينزل ببعض
السباخ التي بالمدينة ثم يمنع من الدخول إليها وفيه دليل
على أن من قوي إيمانه لا يمكنه حَملُ البدع ولا السكوت
عليها يؤخذ ذلك من خروج هذا الرجل الذي شهد له رسول الله
الله بالخيرية مع علمه أنه لا يدخل المدينة وأنه - صلى
الله عليه وسلم وحده ـ لا يقدر على قتاله لكن قوة إيمانه
حملته على أن يخرج ويكذبه بين أتباعه وإن كان لا يعلم هل
ينجو منه أم لا
ألا ترى إلى ما جاء في قصة عبد الله بن رواحة ۳ حين أخبر
رسول الله أنه رأى بين سريره وسريري صاحبيه ازوراراً وعلة
ذلك ما أخبر به الصادق و أن صاحبيه تقدما ولم يتوقفا وتوقف
هو يرثي ما يشجع نفسه الطيبة بأبيات من الشعر ويطيبها
للموت ثم تقدم فقتل كما فعل بصاحبيه ٤ رحمهم الله أجمعين
فقوة الإيمان تقتضي القيام بأمر الله عزّ وجلّ ولو بقي
الشخص وحده كذلك فعل أبو بكر رضي الله عند وفاة النبي رضي
الله عند وفاة النبي ا ومنع أولئك الرهط الزكاة وخطب
۱ كذا
38
رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء وأبو نعيم في الحلية
۳۱۸/۸ والطبراني في الأوسط عن السيدة عائشة الله عنها
والبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه وألفاظه مختلفة في هذه
الروايات عما أورده الشيخ
رضي
الإمام ابن أبي جمرة رضي الله عنه
عبد الله بن رواحة صحابي يعد من الأمراء والشعراء الراجزين
كان يكتب في الجاهلية وشهد العقبة مع السبعين من الأنصار
شهد بدراً وأحداً والخندق والحديبية واستخلفه النبي الله
العليل و المدينة في إحدى غزواته وصحبه في عمرة القضاء
وكان أحد الأمراء في وقعة مؤتة بأدنى البلقاء من أرض الشام
فاستشهد فيها سنة
هـ / ٦٢٩م ٤ رواه البيهقي في دلائل النبوة ٣٦٨/٤ وللحديث
تتمة
٥٩٦
نية
ـن
مة
ق
بعدما كان ظهر للصحابة رضي الله عن جميعهم أن يسامحوا في
الوقت فقال لهم أبو بكر
رضي
الله عنه
لأقاتلنهم ولو بالدَّبور ۱ فقال عمر رضي الله عنهم أجمعين
فلما سمعت مقالة أبي بكر علمت أنه الحق وشرح الله صدري لما
شرح له صدر أبي بكر وهو من أقوى الأدلة على أن النصر ما
يكون إلا بقدر قوة الإيمان لأن أبا بكر رضي الله عنه لم
يتم كلامه إلا والمسجد قد امتلأ بالدبور وهي الريح وقيل
بالتشديد وهو طائر يشبه النحل ۳ وهو أشد ضرراً منها وأتت
وجوه القوم حتى خرجوا من حينهم من المسجد
وقوله رجل هو خير الناس أو من خير الناس ۳ الشك من الراوي
وقوله عليه السلام خير - على إحدى الروايتين - قد حصلت له
الشهادة من الصادق المصدق بالخيرية
وفيه دليل على أن الخيرية هي بقدر الإيمان لأنه إذا قوي
الإيمان علم قطعاً أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له قعد أو
تحرك فالأولى المبادرة إلى ما أمر به أو ندب إليه قال عزّ
وجلّ ﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا
هُوَ مَوْلَسْنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ
الْمُؤْمِنُونَ ٤ وقوله فيقول أشهد أنك الدجال أي لست أنت
بالرب كما تزعم بل أنت كذاب فهذه أكبر المجاهدة يقول الحق
ولا يلتفت إلى ما يترتب عليه وصار اليوم عند بعض المنسوبين
إلى العلم أو الدين يتركون قول الحق من أجل توقعات ممكنة
يتوقع منها ضرر دنيوي فيلزم من شاهد حاله أنه مِن شرِ
الناس وقد أخبر بذلك الصادق عليه السلام حيث قال يأتي على
الناس زمان يصبح الرجل فيه مؤمناً ويُمسى كافراً مؤمناً
ويصبح كافراً يبيع دينه بعَرَض من الدنيا ٥ وفي هذا الحديث
مصداق لقوله عليه السلام لا تزال طائفة من أمتي على الحق
ظاهرة إلى قيام الساعة لا يضرهم من خالفهم ٦
1 الدبور الريح تهب من المغرب وتقابلها القبول
ويمسي
الدَّبُور جمع دَبر وهي جماعة النحل والزنابير والدبور
جمعه دبابير وهي الزنابير وهو عربي مولد
معرب عن السريانية وقيل عامي ۳ قال كثير من العلماء إنه
الخضر رضي عنه واسمه بليا بن ملكان وكنيته أبو العباس
ولقبه الخضر وقد ورد أن من عرف اسمه وكنيته ولقبه واسم
أبيه مات على حسن الخاتمة وورد في فضائله الله الله إنماء
الخضير خضيرا لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز تحته
خضراء رواه الشيخان
سمي
٤ سورة التوبة من الآية ٥١
٥ رواه مسلم في الإيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً
مع اختلاف يسير في اللفظ
جزء من حديث صحيح متواتر رواه البخاري في الاعتصام
والأنبياء والتوحيد ومسلم في الإيمان والإمارة والترمذي في
الفتن وأبو داود في الجهاد والفتن والملاحم وابن ماجه في
المقدمة وأحمد في مسند الشاميين والدارمي في الجهاد
=
۵۹۷
وفيه دليل على إبقاء الإيمان كاملاً في المدينة وإن كان في
بعض أهلها تخليط يؤخذ ذلك من أنه لم يخرج له من يواجهه
بهذا الحق إلا من المدينة ولو كان له موضع اخر ثان لأخبر
به يلي وفيه تأنيس لمن وفق للحق وإن خالفه أهل زمانه
وبشارة له بالنصر لأن العلة التي من
أجلها كان النصر لذلك المبارك موجودة عنده وهي قوة الإيمان
وقول الحق في الله وفيه دليل على أن قوة الإيمان عند
الضرورة لا تعول على القدرة بمجردها ولا تستعمل أثر الحكمة
مع التصديق بثبوت أثر الحكمة والقدرة معاً أما العدول منه
عن أثر الحكمة فكونه خرج إلى ما لا طاقة له به وقد دلت
الشريعة التي
مقتضى الحكمة على منع ذلك بقوله تعالى ﴿ وَلَا تُلْقُوا
بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَهْلُكَةِ 1 وأما أثر القدرة فقوله
تعالى وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا
بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ ۳ وقوله تعالى قُل لَّن يُصِيبَنَا
إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا ۳ فأشد الأمور - وهو القتل
- لما لم يرد الله عزّ وجلّ موت هذا لم يضره ولما أراد
ثانية أن يمنعه مَنَعه بغير أثر حكمة إلا إظهار قدرة تامة
ليعلم أن الله على كل شيء قدير وأما قتله أولاً فتحقيق
لعظيم القدرة لأنه قد كان يقول القائل لم يره وحجب عنه
ويرى أن ذلك من خرق العادة للأولياء وما أظهر الله عزّ
وجلّ له من الكرامة أرفع وأعظم
E
وفيه دليل على أن الفتنة لا تضرّ مع الإيمان ولا تزيده إلا
تحقيقاً يؤخذ ذلك من كونه فعل به أشد الفتن وهو الموت
والإحياء ثم ما زاده ذلك إلا قوة في إيمانه كما ذكر هو
بقوله والله ما كنت قط أشد بصيرة مني اليوم وذلك لأنه كان
عنده قبل عِلمُ يقين وصار الآن عنده عينُ يقين وعين اليقين
لأهل الأحوال هو أعلاها كما قال الخليل عليه السلام حين
قيل له أَولَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَينَ
قَلبي ٥ فأراد عليه السلام الانتقال من علم اليقين إلى عين
اليقين
فاستحق بذلك درجة الخُلَّة
o
۱ سورة البقرة من الآية ۱۹٥ سورة البقرة من الاية ۱۰ ۳
سورة التوبة من الاية ٥١
٤ اليقين في حقيقة معناه رأس مال الدين قال رسول الله الله
اليقين الإيمان كله أخرجه البيهقي في الزهد والخطيب في
التاريخ من حديث ابن مسعود بإسناد حسن وبين علم اليقين و
عين اليقين و حق اليقين علاقة وشيجة أقرب مثال لفهم
العلاقة بينهما أنك لو رأيت دخاناً فاعلم علم اليقين أن
وراءه نارا وإذا
اقتربت أكثر منه فرأيت النار فذلك عين اليقين وإذا مَسَست
النار فلذعتك فذلك حق اليقين
٥ سورة البقرة من الاية ٢٦٠
۵۹۸
وفيه تصديق للحديث الآخر وإن كان كل واحد منهما يصدّق
الآخر الذي قال عليه السلام فيه تُعرَضُ الفتن على القلب
عوداً عوداً فأيُّما قلب أُشرِبَها نكتت فيه نكتة سوداء
وأيما قلب لم يُشْرَبها نكتت فيه نكتة بيضاء فلا تزال تتسع
حتى تعود على القلب مثل الصفاة لا تضره فتنة بعد ۱ لأن هذا
لما صدق قول النبي وخرج مجاهداً في سبيل الله ورسوله لم
يضره
القتل بل زاد به إيمانه
ويؤخذ من حال الدجال الدليل على تكذيبه يؤخذ ذلك من قوله
لأتباعه أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته هل تشكون في الأمر
فلو كانت إلهيته حقاً لجلب القلوب على التصديق لأن القلوب
كما يقتضي الإيمان أنها بين أصبعين - أي بين أمرين من أمر
الرحمن ۳ - وكونه يطلب منهم ـ التصديق على ربوبيته بما
يبدي لهم ضعف في قدرته وهذا في حق الربوبية محال
وفيه دليل على إظهار قدرة الله عزّ وجلّ فيمن حكم عليه
بالضلالة أنه لا تنفعه العبر ولا المواعظ يؤخذ ذلك من أن
الدجال ادعى أن دليل ربوبيته إماتة الشخص وإحياؤه ففعل ثم
جاء ثانية أن يفعل فمنع من غير موجب ظاهر فكان يجب عليه
وعلى أتباعه الإقرار بالحق لأنه قد جاء ما أبطل دليله في
عالم الحس ولم يقدر على دفعه فما بقيت الأدلة تنفع
والمواعظ إلا مع السعادة ولا تضر الفتن والامتحانات إلا مع
الشقاوة
فنسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يعيذنا من الشقاوة
والحرمان ومن المحن والفتن في الدارين ويمنّ علينا
بالسعادة فيهما بفضله لا ربَّ سِواه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 رواه مسلم بلفظ تعرض الفتن على القلوب كالحصير عُوداً
عُوداً فأي قلب أشربها نُكِتَ فيه نكتةً سوداء وأي قلب
أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين أبيض مثل
الصفا فلا تضره فتنته مادامت السموات والأرض والآخر أسودُ
مُزباداً كالكوز مُجَخْياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر
منكراً إلا ما أشرب من هواه عن
حذيفة رضي
الله عنه
هو معنى لحديث رواه الإمام أحمد في المسند ۱۷۳/ وانظر الدر
المنثور ۸/-۹
0
۵۹۹
-٨٦-
حديث حراسة مكة والمدينة من الدجال
أنس بن مالك رضيَ الله عَنهُ عَنِ النبي ا ا قالَ لَيسَ
مِن بلَدٍ إلا سَيطَوُ الدَّجَالُ إِلا مَكَّةَ
وَالمَدينةَ لَيس لَهُ مِن نقابِها نَقب ۱ إلا علَيهِ
المَلائِكَةُ صافينَ يحرُسونَها ثمّ تَرجُفُ المَدينةُ
بأهلِها ثَلاثَ رجفَاتٍ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلٌّ كافِرٍ
وَمنافق
ظاهر الحديث يدل على أن جميع بلاد الأرض يدخلها الدجال إلا
مكة والمدينة والكلام
عليه من وجوه
منها الدليل على تحقيق خروج الدجال ومنها التساوي بين فضل
مكة والمدينة وقد
6
اختلف العلماء فيهما في الفضيلة فمالك رحمه الله ومَن
تَبِعه يفضلون المدينة على مكة والشافعي رحمه الله ومَن
تبعه يفضلون مكة على المدينة ولم يختلف أحد أن موضع قبره
أفضل البقاع وإنما الخلاف فيما عداه من البلدين واستدل كل
واحد منهما بظواهر أحاديث كلها تحتمل التأويل وبأقيسة
ولكنها أيضاً تحتمل التعليل
وظاهر هذا الحديث يعطي التسوية بينهما في الفضل لأن جميع
الأرض يطؤها الدجال إلا هذين البلدين فدل على تسويتهما في
الفضل ويُؤكَّد ذلك أيضاً من وجوه من النظر لأنه إن خُصَّت
المدينة بمدفنه عليه السلام وإقامته بها ومسجده فقد خُصَّت
مكة بمَسقَطِه عليه السلام بها ومبعثه منها وهي قبلته
فمطلع شمس ذاته المباركة مكة ومغربها المدينةُ وإقامته بعد
النبوة - على المشهور من الأقاويل - بمكة مثل إقامته عليه
السلام بالمدينة وفيه دليل على كثرة ما يُعطَى هذا اللعين
من خرق العادة فمنها كونه يَطَأ الأرض كلها ولم أن تكون
إقامته في الأرض وطوافه عليها إلا في أربعين يوماً إلا أن
أول يوم منها كسَنَة
يجيء
۱ النقب الخرق في الجلد أو في الجدار أو نحوها جمع أنقاب
ونقاب
10
وهنا بحث وهو هل هذا الذي راه الله مع كونه حقاً هل ذلك
مثال يعرف به الحكم
وترى له الكيفية أو ذلك حقيقة أري له بعض أهل المعصية على
ما هم فيه محتمل لأنه عليه
السلام لم يخير أنه رأى من أهل هذا الحال إلا واحداً
وبالقطع إن أهل ذلك الذنب عدد كثير
والقدرة صالحة للوجهين معاً
وهل الموضع الذي رآه فيه عليه السلام أيضاً بالأرض المقدسة
هو موضعه الذي كان دفنه فيه أو فسح له عليه السلام من
الأرض المقدسة حتى رآه في موضعه على حاله ذلك فالقدرة
أيضاً صالحة للوجهين معاً وفيه أيضاً دليل على عظم قدرة
القادر
وفيه دليل على أن من الفصيح في الكلام الحذف والاختصار إذا
لم ينقص ذلك من المعنى شيئاً يؤخذ ذلك من قوله يدخله في
شِدقه حتى يبلغ قفاه ولم يذكر كونه يشقه بعد فحذف ذلك
للدلالة عليه بقوله فيلتئم شدقه هذا فلو كان ثقباً دون شق
ما احتاج أن يبين أنه لا يرجع إلى الآخر إلا وهو قد التأم
لأنه إذا ثقب موضع من الشدق الواحد بقي منه مواضع غير ذلك
فيرجع فيثقب فيها فيكون أكثر في تألمه لكونه يبقى له جرح
ويجرح جرحاً آخر في جنب الجرح الأول ولكن لما كان شَقَّ لم
يبق له فيه لِمَا يَرجع إلا أن يلتئم فلذلك بين بقوله
فيلتئم
وقوله فانطلقنا أي سرنا وقوله حتى أتينا أي بلغنا وقوله
إلى رجل مضطجع على قفاه ورجل قائم على رأسه بقهر أو صخرة
الفِهْر الحَجَر المدوّر والصخرة حَجَر مبسوط وقوله
فيَشدَخُ به رأسَه أي يكسره ويبالغ في كسره
وقوله عليه السلام فإذا ضربه تَدَهْدَهَ الحَجَرُ فانطلق
إليه ليأخذه فلا يرجع حتى يلتثم رأسه وعاد رأسُه كما هو
فعاد إليه فَضَرَبه هذه الصفة كناية عن شدة الضربة
بالحَجَر لأنه إذا ضرب به حتى زال عن يده وذهب إلى بُعْدِ
منه من حيث يحتاج أن يمشي إليه وحينئذ يأخذه فهذه الصفة
عندنا في هذه الدار معلومة إنه إذا كان الذي يضرب بالحجر
ذا قوة بعد ضرب الحجر في
الشيء الذي يُضرب به ويذهب عنه إلى بُعْد وربما إن أصابت
شيئاً آخر كان تأثيرها فيه كثيراً
وفيه من الكلام مثل الذي قبل من الدليل على أمور الآخرة
وعِظَمِها وعِظَمِ القدرة الربانية الجليلة وفي هذا الفصل
وفي الذي قبل دليل على أن أمور الآخرة ليست كأمور الدنيا
يؤخذ ذلك من كون هذا مضطجعاً لا يقدر أن يتحرك بلا شيء
يحبسه والآخر قاعد أيضاً بلا شيء يحبسه كلاهما مستسلم لهذا
الأمر العظيم وفي هذه الدار لا يمكن أن يُحبَس أحد لبعض ما
هو أقل من هذا
إلا بحبس شديد من وثاق أو غيره هذا من عجائب القدرة
وفيه أيضاً دليل يتبين به معنی قوله تعالی غِلاظٌ شِدَادٌ
۱ لأن قوة تلك الضربة لا تكون
إلا عن تلك الصفات المذكورة وهي من جملة التخويفات وهنا
بحث وهو لم خُص هذا العضو من سائر الأعضاء بالعذاب فالجواب
أنه هو الذي ترك السَّهَر بالتهجد بالقرآن كما يذكر في آخر
الحديث وهناك يكون البحث عليه قوله عليه السلام قلت ما هذا
قالا انطلق فانطلقنا إلى ثَقب مثل التنور أعلاه وأسفله
واسع تتوقد تحته نار فإذا اقترب اقترب بمعنى قرب كقوله
تعالى اقْتَرَبَتِ
السَّاعَةُ
2 ٢ أى قربت فإذا قربت منهم تلك بِحَرّها وهذا كناية عن
عظيم تأججها
ه ضيق
وقوله ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا منها هكذا تفعل القدر
هنا إذا كانت على النار واشتدت النار تحتها غلت فارتفع ما
فيها إلى أعلاها حتى إنه إن غفل عنها رمت بعضَه خارج القدر
فدل بهذه الصفة على عِظمَ حَرّها والحكمة في كونه مثل
التنور أعلاه ضيق لأنه أبلغ في حرارة النار لأنه تنعكس
حرارتها إلى داخل
وقوله حتى كادوا أن يخرجوا أي قربوا من الخروج وقوله فإذا
خمدت أي سكن حرها وقوله رجعوا فيها أي رجعوا إلى الحالة
الأولى وقوله وفيه رجال ونساء عراة الكلام عليه كالذي تقدم
من إظهار القدرة وعِظَمها
وهنا بحث وهو لِمَ كان من تقدم من المعذبين منفردين وهؤلاء
مجتمعِينَ فالجواب أن نقول هذا كما أخبر عزّ وجلّ في كتابه
بقوله ﴿ جَزَاءً وِفَاقًا ۳ لما لم تكن هذه المعصية في هذه
الدار إلا في جمع - والجمع ينطلق في اللغة على الاثنين
فصاعداً - وهَتَكا ما أُمِرا به من ستر العورة كان هنالك
كذلك حكمة حكيم وهؤلاء هم الزناة كما يأتي بعد
وفيه فائدة كبرى لمن رُزِق التصديق به والإيمان وأعني
بالتصديق الذي يكون حقيقياً وهي إن تحرك من النفس أو من
الشيطان باعث لمثل هذا يذكرها هذه الحالة المهلكة فترجع عن
غيها ولهذا وما أشبهه أعلمنا به لأنه ليس من يخاف عقاباً
على الجملة لا يدري قدره مثل من يخاف
عقاباً معلوماً
هذا في الخوف أبلغ كما ذكر عن بعض المتعبدين أنه حسده ناس
من شياطين الإنس
۱ سورة التحريم من الآية ٦
سورة القمر من الآية 1 ۳ سورة النبأ من الآية ٢٦
٥٠٢
في حاله المبارك فأرادوا أن يُوقعوه فأخذوا امرأة في غاية
الحسن والجمال بعدما علموها ما تقول له وكيف تستدرجه
وزيّنوها ثم تلاحوا بينهم حتى أظهروا كأنهم يقتتلون في
شأنها وكأنها ابنة أحدهم ثم جاؤوه يرغبون منه لعله يمسكها
الليلة في بعض زوايا بيته حتى يعودوا إليه أو ما يشبه هذا
المعنى فامتنع فما زالوا في المَكْرِ به حتى أنعم لهم في
ذلك وهو لا يعرف لها صورة فلما جَنَّ الليل وهو مشتغل
بعبادته وإذا بها قد أنته على تلك الحالة بصورة خوف
لحقها تستجيرُ به لتُرِيَه وجهَها وتجلس معه بادية الوجه
بالقرب منه فلم تزل تكيد عليه حتى راودته وعزمت عليه
بالفاحشة فلما رأى جدّها قال لها أمهلي يسيراً وأخذ دهناً
وألقاه في المصباح وزاده فتيلاً فلما قويت شمعته جعل عليها
أصبعه وتركها ساعة والنار تتقد فيها حتى اشتد عليه ألم
النار صاح صيحة وغشي عليه وأدركها هي الرعب من حاله وصدقه
مع الله فكفّت فلما أصبح وأتوها وأخذوها وسألوها أخبرتهم
بما جرى فارتجعوا عنه وقال بعضهم
فكيـ
على البَرْدِ ليس تَقْوَ ولا على أيس
ـوَى لِحَرِّ نـ
وَقودُهـ
ـرارَه الناسُ والحِجارَه
وقوله عليه السلام فقلت ما هذا قالا انطلق فانطلقنا حتى
أتينا الكلام على هذه الألفاظ كما تقدم أولاً وكذلك تلك
البحوث هل ما رآه عليه السلام حقيقة أو تمثيلاً في كل وجه
يتكرر البحث فيه والجواب عليه على حد واحد فإن القدرة لا
تعجز عن شيء
وقوله على نهر من دم فيه رجل قائم وعلى وسط النهر - قال
يزيد ووهب بن جرير عن جرير بن حازم وعلى شط النهر - رجل
بين يديه حجارة فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن
يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فردّه حيث كان فجعل كلما جاء
ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان الكلام على ما فيه من
أمر عظيم القدرة كما تقدم وما فيه من حذف بعض الألفاظ
للدلالة عليه كالكلام على ما كان قبل والحذف الذي هنا قوله
رمى الرجل في فيه ولم يذكر الذي على حافة النهر وإنما حذفه
لدلالة الكلام عليه قبل ولأن فيه الألف واللام وهي للعهد
أي الرجل المعهود وهو المذكور قبل وفيه حذف آخر وهو قوله
كلما جاء ليخرج رمى في فيه وسكت عن ذكر الرجل وموضعه وإنما
سكت هنا أيضاً عنه لما دل عليه الكلام أولاً لأنه لم يذكر
في القضية إلا رجلين لا ثالث لهما وبين موضع كل واحد فإذا
ذكر ما فعل بالواحد لم يفهم أنه فعله إلا الثاني
1 الواو زائدة في جواب لمّا ٢ أي كائن حقيقة أو تمثيلا
٥٠٣
وهنا بحث وهو لم كان من تقدم قعوداً لا يتحركون وهذا يخوض
في هذا النهر ويرجع فالجواب أنه لما كان الذنب الذي أوجب
هذا هو أكل الربا والربا في هذه الدار لا يكتسب في الغالب
إلا بالذهاب والرجوع فكان عذابه من ذلك الجنس
وكونه دماً إنما كان ذلك كذلك لأن الدم ثخين ثقيل والخوض
في الشيء الثخين الثقيل من أتعب الأشياء ثم زيد لذلك
التألمُ بريحه ثم زيد كذلك رَمْيُ الحجر في فيه لأن به كان
يأكل الربا فكان ذلك عذاباً على عذاب مضاعف ثم انظر إلى
قدرة القادر كيف تزيده الآلام إذا أراد الخروج ثم إنه مع
ذلك لا يقدر أن يقف في ذلك الموضع حيث هو لشدّة ما هو فيه
فيروم لعل راحة فيزيده بلاء على بلاء كما قال بالبعد أشقى
وبالقرب لا أستريح فما هي إلا الآلام تتأكد وتفيح" وقوله
عليه السلام قلت ما هذا قالا انطلق فانطلقنا حتى انتهينا
إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة وفي أصلها شيخ وصبيان ورجل
قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها الروضة الخضراء هي
أحسن الروضات وهنا تحققنا أن هذا تمثيل لا حقيقة للموضع
لأنه ذكر بعد أن هذا الشيخ إبراهيم عليه السلام والصبيان
أولاد الناس وذكر عن الرجل الذي يوقد النار أنه مالك
والكلام على توجيه البقعة والشجرة وما معناهما عند ذكره ل
لذلك يأتي في آخر الحديث وقوله عليه السلام فصعِدًا بي
الشجرة فأدخلاني داراً لم أرَ قَطُّ أحسن منها من أكبر
الأدلة على أن أمور الآخرة لا تطيق العقول فهمها إلا بعد
علم أشياء عديدة وتوفيق ونظر في مثل هذا المثال الذي جعل
فيه الشجرة طريقاً إلى الدار لا يقبله العقل بديهة فإذا
بين له على ما أذكره بعد إن شاء الله زاد إيمانه وقويت
عظمة الله تعالى في قلبه
وقوله عليه السلام فيها شيوخ وشباب ونساء وصبيان ثم
أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فيه دليل على أن هذه الدار
الأولى كانت في بعض الشجرة يؤخذ ذلك من كونهم حين خرجوا من
الدار صعدوا في الشجرة
وقوله فأدخلاني داراً هي أحسن وأفضل فيها شيوخ وشباب قلت
طَوَّفتماني الليلةَ فأخبراني عمّا رأيتُ قالا نعم الذي
رأيته يشق شدقه قد تقدم الكلام على هذا أولاً غير أنه ما
ذكرناه هناك من الشق وكان مضمراً عاد هنا ظاهراً وعاد
الإدخال الذي كان هناك ظاهراً هنا
مضمراً
1 البيت مضطرب الوزن و تفيح تشتد وتهيج
٥٠٤
وقوله فكذاب يحدث بالكذبة تُحمل عنه حتى تبلغ الآفاق
فيُصنَع به إلى يوم القيامة هكذا لا يفتر زائداً على ما
لَهُ يوم القيامة من العذاب الأليم
أقسام الكذب 1
ونحتاج هنا أن نعرف الكذب الذي هو هذا عذابه فنقول والله
المستعان إن الكذب ينقسم على خمسة أقسام فمنه واجب وصاحبه
مأجور ومنه مندوب وصاحبه مأجور أيضاً على ما أبينه بعد
ومنه مباح ولا أجر فيه ولا إثم على قائله ومنه حرام وهو
الذي عليه هذا الوعيد العظيم
ومنه مكروه
فأما الواجب منه فهو أن تعرف شخصاً في موضع ويسألك عنه من
تعلم أنه يسفك دمه ظلماً وعدواناً فيتعين عليك في هذا
الموضع الكذب وتقول لا أعلم وإن حلفك تحلف وتُوَرّي في
قلبك بأن تقول أعني موضع قعوده أو هل هو واقف أو مضطجع
فإنك لا تعرف في أي موضع الآن من البيت الذي هو فيه هل في
الزاوية اليمنى أو اليسرى أو وسط البيت أو في موضع الحاجة
لأنه من يحلف على غير حق عليه اختلف العلماء فيه هل اليمين
على نية الحالف أو على نية المحلوف له على ثلاثة أقوال على
نية الحالف أو على نية المحلوف له أو على نية الذي أرادها
أولاً ولم يختلف أحد منهم على أنها إذا كانت في حق عليه
فإنها على نية المحلوف له لقوله صلى الله عليه وسلم اليمين
على نية المحلوف له فإن صدق هنا ودله عليه كان قد شارك في
قتل مسلم بغير حق وقال مَن شارَكَ في قتل مسلم ولو بشطر
كلمةٍ جاء يوم القيامة وبين عينيه ايس من رحمة الله ۳ وما
أشبه هذا النوع فالكذب فيه واجب ومن فعل واجباً كان
مأجوراً وأما المستحب فالكذب في الحرب مع نزيله لقوله و
الحرب خدعة 1 فيكون مأجوراً لاتباعه السنة في ذلك الموطن
ونحتاج أن نبين هذا الكذب بالمثال من أجل أن ٥ تعطيه العهد
ثم تقتله وتظن أن ذلك هو الكذب الجائز في الحرب وهو أن
فعلته نقض عهد ونقض العهد حرام لا يجوز وقد كان عمر رضي
الله عنه يكتب إلى جيوشه بالأمصار من بلغني عنه أنه قال
للعلج مُطَّرس ثم قتله قتلته به و مُطْرس بلغتهم الأمان
الأمان
۱ هذا العنوان وضعناه لبيان ما يلي من تفصيل وليس موجوداً
في الأصل
نص الحديث اليمين على نية المستحلف رواه مسلم وابن ماجه عن
أبي هريرة رضى الله عنه الحديث من أعان على قتل مسلم بشطر
كلمة لقي الله يوم القيامة مكتوبٌ بين عينيه آيسٌ من رحمة
الله أخرجه ابن ماجه والبيهقي عن أبي هريرة والطبراني عن
ابن عباس رضي الله عنهم
۳ نصر
٤ حديث صحيح متواتر ٥ يريد من أجل خشية أن
040
فمثال الكذب الذي يجوز في الحرب أن يقول لنزيله مَنْ ذلك
الشخص الذي خلفك وليس وراءه أحد من أجل أن يلتفت فيتمكن
منه أو يقول له ما بال حزام سرجك محلولاً تريد أن تريني
حُسن ركوبك فإما أن يلتفت إلى حزام سرجه فيتمكن منه وإما
أن يدخله الشك فيبقى يشتغل بحبس نفسه في سرجه فَتَقِل
شطارته لذلك فيكون أمكن منه وما يشبه هذا النوع
وأما الكذب المباح فمثل أن يكون الشخص قد فعل شيئاً ونسي
أنه فعله فيسأل عنه فيقول
لم أفعله فهذا من قبيل المباح لأنه قال لا إن الله تجاوز
عن أمتي الخطأ والنسيان۱ تجاوز عنه فلا إثم عليه ولا هو
أيضاً فيه مأجور فهذه صفة المباح أعني في عدم الإثم وعدم
الأجر فما كان هذا سبيله من جميع الأشياء فهو مباح وأما
المكروه فهو ما يَعِدُ بِهِ الرجل امرأته من الإحسان ولا
يفي لها به لقول سيدنا الله للسائل الذي سأله أأكذب
لامرأتي فكره ذلك فقال له أعِدُها قال افعل
وقد ذكر بعض الناس أنه إن اشترى حاجة لامرأته ليست بواجبة
عليه إلا من طريق الإحسان لها ويخبرها عن ثمنها بأزيد مما
دفع فيها أنه من قبيل المكروه لأنه لا يترتب عليه إلا
مصلحة نفسانية وهي كونها تطاوعه في كل ما يريد ولا يترتب
عليه أيضاً مفسدة كما أخبر في الحديث من فتح باب ضرر
للمسلمين بكذبه وقد قال الله في حديث آخر من ضارّ بمسلم
ضرّ الله به مثال ذلك أن يُسأل شخص قد جاء من بلد إلى بلد
آخر عن سعر ذلك البلد الذي جاء منه فيخبر أرفع مما هو
فيخطر لأحد أهل ذلك الموضع أن يجلب إليه الطعام لما يرى من
الفائدة في ذلك السوم الذي أخبر به الكذاب فإذا أتعب نفسه
وغرَّرَ بها وبِمالِهِ وبلغ البلد وجد السعر ناقصاً عما
قيل له فخسر في ماله وتغير حاله وخاطره وكثرت عليه المفاسد
وسبب ذلك تلك الكذبة هذا وما يشبهه هو الممنوع
وأما الحرام الذي عليه هذا الوعيد العظيم فهو المتعهد
للكذب بلا عذر مما تقدم ولا مما يشبهه وقد قال لا يزال
الرجل يتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذاباً ۳ وهو الذي
يقول الله ضد الحق عامداً لذلك وقد جاء أن الرجل يُحاسب
على الكذيبة وهي أن تنفلت منه دابته فيروم
۱ بقية الحديث وما استكرهوا عليه أخرجه ابن ماجه عن أبي ذر
والطبراني والبيهقي في الأفراد والحاكم في المستدرك عن ابن
عباس رضي الله عنهم
لم نقف على مصدره
۳ أوله عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر أخرجه الإمام
أحمد والبخاري في الأدب المفرد ومسلم
والترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه
0
ذا
ن
C
أخذها فلا يطيق ذلك فيُخرج لها التعليقة التى كانت تأكل
فيها العلف ليريها أن بها علفاً وليس فيها شيء فتأتيه
فيأخذها فإذا كان السؤال عن مثل هذا فما بالك بغيرها
وقوله يفعل به إلى يوم القيامة إذا كان هذا من حين موته
إلى يوم القيامة فكيف حاله يوم القيامة لو لم يكن إلا ذلك
لكان أمراً عظيماً وفيه دليل على أن لأصحاب المعاصي عذابين
عذاباً في قبورهم وعذاباً آخر يوم القيامة
وقوله والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه الله القرآن فنام
عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار يُفعل به إلى يوم القيامة
فيه دليل لأهل السنة الذين يقولون إن أفعال العبد كسب له
وخَلْق لربه يؤخذ ذلك من قوله علمه الله القرآن فأضاف
حقيقة التعليم إليه - عزّ وجلّ ـ وإن كان
العبد قد تسبب فيه بالدرس والاجتهاد
وهنا بحث وهو كيف يقع العذاب على ترك القيام بالليل وهو من
جملة المندوبات والمندوب لا يعذَّب عليه تاركه فالجواب أن
نقول قد اختلف العلماء في وجوب قيام الليل فمنهم من قال
بوجوبه والذي قال بوجوبه قال هو قدر فواق ناقة أي قدر ما
تحلب الناقة فعلى هذا القول فالحديث له فيه دليل فلا بحث
على هذا الوجه ومنهم من قال إنه مندوب وهم الجمهور وعلى
هذا يقع البحث والجواب عنه من وجهين
أحدهما لما كان يُعذَّب على غير الكبائر اتبعتها الصغائر
لقوله تعالى ﴿ إِن تَجتَنِبُواً كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ
عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ 1 فدل على أنه
إن لم يجتنب الكبائر يعذب على الجميع وليس ترك مندوب متفق
عليه كمندوب مختلف في فرضيته أو ندبيته فبهذا نلحقه
بالصغائر وإن كان عند الأكثر مندوباً من أجل خلاف بعض
العلماء في وجوبه كما تقدم
و الوجه الآخر هو أنه قد جاء أن العبد يُنظَر يوم القيامة
في صلاته فإن أتى بها فحسن
وإن كانت ناقصة قال الله تعالى انظروا إلى عمل عبدي إن كان
له نوافل أكملوا منها صلاته
ومثل ذلك في كل الأعمال إذا لم يكملها وله نافلة من جنسها
جبرت منها فضلا من الله ورحمة فلما ترك هذا قيام الليل
الذي يجبر به ما ضيعه من صلاة نهاره عذب عليه لكونه لم
يفعل ما يجبر فرضه فتكون تسميته بالعذاب ليس من أجل نفسه
وإنما هو من أجل ما نقصه من فرضه ولم
۱ سورة النساء من الآية ۳۱ ٢ أوله إن أول ما يحاسب به
العبد يوم القيامة من عمله الصلاة أخرجه الترمذي والنسائي
وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه
٥٠٧
يفعل ما يجبره فالعذاب في الحقيقة إنما هو ما نقص من فرضه
وقد قال جل جلاله إِنَّ نَاشِئَةٌ الَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ
وَطْنَا وَأَقْوَمُ قِيلا ۱ وهذا الوجه هو الأظهر والله
أعلم ولذلك استحب العلماء كثرة النوافل من جميع أنواع
المفروضات من أجل ما يتوقع من نقص الفرض
وقد يحتمل أن يكون المراد بقوله نام عنه بالليل أنه ترك
صلاة الليل فيكون اللفظ عاماً والمراد به الخصوص لكن بشرط
ألا يكون نومه غلبة فإنه إذا غلبه النوم كان معذوراً لقوله
عليه السلام من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها
فذلك وقت لها ۳ لكن هذا الشرط لا يسوع أن يشترط إلا إن كان
هذا الحديث الذي نحن بسبيله بعد حديث الرخصة في النوم عن
الصلاة ٣ وهو حديث الوادي وإن كان قبله فهو على العموم كان
النوم بغلبة أو غيرها والانفصال عنه من ثلاثة أوجه - كما
ذكرنا - وأظهرها الثاني منها والله أعلم
واحتمل وجهاً رابعاً وهو أن يكون كنَى عن تضييع عمل النهار
بقوله لم يعمل فيه بالنهار وكنى عن ترك العمل في الليل
بالنوم لأنه أبلغ في الترك
وقوله والذي رأيته في الثقب فهم الزناة قد تقدم الكلام
عليهم وبقي فيه بحث وهو لِمَ كان العذاب لمن تقدم ذكرهم في
بعض الجوارح دون بعض وللزناة في البدن كله فالجواب لما كان
من تقدَّم ذكرهم معصيتهم بعضو دون عضو كان العذاب كذلك
ولما كان الزنا يتلذذ به البدن كان العذاب لجميع البدن
ولوجه اخر أيضاً لأنه من أكبر الكبائر لأنه قد جاء أنه لا
يهتز
العرش إلا لنطفة مني حرام أو قطرة دم حرام 4 وقد يكون
لمجموعهما وهو الأظهر والله أعلم
جميع
وقوله والذي رأيته في النهر أكل الربا قد تقدم الكلام عليه
أيضاً لكن بقي هنا بحث وهو
كون المساق واحداً ومن محتملاته الحقيقة والمجاز فلم سكت
عنهما هل اختصاراً أو ليس فالجواب إن قلنا إن الكل تمثيل
فالحكم واحد ويكون سكوته اختصاراً وإن قلنا إن الكل وما
فعل حقيقة فالمتقدم ذكرهم ما عدا الزناة وأصحاب الربا قد
يكون يفعل بهم ما قدر عليهم من العذاب وهم في قبورهم وأن
هذين المذكورين يكونان مثلهم مثل آل فرعون لعظم ما أتوا به
بهم
۱ سورة المزمل الآية ٦
لفظه من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا
ذكرها وفي رواية لا كفارة لها إلا ذلك أخرجه الإمام أحمد
والشيخان والترمذي والنسائي عن أنس رضي الله عنه
۳ انظر سنن النسائي ١/ ۹٥ - ۹۹ ففيها روايات لأحاديث عن
إعادة من نام عن الصلاة وكيفية قضاء الفائت
منها
٤ لم نقف على مصدره
۵۰۸
وقد قال تعالى في ال فرعون النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا
غُدُوا وَعَشِيّا ويوم تقومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا عَالَ
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ۱ والقدرة صالحة فيكون
سكوته على هذا الوجه مستدعياً للفكرة
والاعتبار
وقوله والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم فيه بحث وهو ما هذه
الشجرة التي الدور في أعلاها وإبراهيم عليه السلام في
أصلها فالجواب أن الشجرة هـ شجرة الإيمان والإسلام لقوله
تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً
طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ
وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِ أُكُلَهَا كُلَّ حِينِ
بِإِذْنِ رَبِّهَا وكون إبراهيم عليه السلام في أصلها
فلأنه الأب لجميع المؤمنين لقوله تعالى مِلَّةَ أَبِيكُمْ
إِبْرَهِيمُ هُوَ سَمَّنكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبل ۳
والآب هو
الأصل فكان ذلك تمثيلاً حسناً جداً
وقوله والصبيان حوله فأولاد الناس احتمل الألف واللام هنا
أن تكون للجنس فيكون المراد أولاد المؤمنين والكافرين لأنه
قد جاء أن أولاد الكفار يكونون في الجنة خدماً للمؤمنين
لأنهم على فطرة الإسلام فيكونون بعد في أصل الإسلام و لا
اله الا الله و قد قال ما من مولود يولد إلا على الفطرة
فأبواه يُهَوّدانه أو يُنصرانه أو يُمَجِّسانه ٤ واحتمل أن
تكون الألف واللام للعهد فيكون المراد أولاد المؤمنين ليس
إلا لأنه قد جاء في أولاد الكفار أنهم من ابائهم وأما
كونهم في أصل الشجرة والدور من فوقهم فلأن تلك الدور هي
دور الأعمال أي درجات الأعمال كما يذكر بعد والصبيان ماتوا
وهم دون التكليف وليس لهم ما يدخلون به تلك المنازل حتى
يتفضل الله عزّ وجلّ عليهم بما شاء وفيه دليل على أن أولاد
المؤمنين مؤمنون لكونهم مع ابائهم وقد اختلف العلماء فيهم
هل هم من المقطوع لهم بالجنة أو هم في حكم المشيئة على
قولين وسبب اختلافهم اختلاف الأحاديث فإنه قد جاء عنه أنه
قال في حقهم عصفور من عصافير الجنة ٥ وجاء عنه أنه قال
الله أعلَمُ بما كانوا عاملين ٦ وأما الروضة فهي كناية عن
أصل الخلقة لأنه قد جاء أن آدم عليه السلام كانت طينته من
1 سورة غافر من الآية ٤٦ سورة إبراهيم من الآية ٤ و ۵
۳ سورة الحج من الآية ۷۸
٤ قطعة من حديث أخرجه الشيخان وأبو داود عن أبي هريرة رضي
الله
٥ سبق تخريجه في الحديث ۳
٦ سبق تخريجه في الحديث ٢٣
09
جميع بقع الأرض طيبها وخبيثها وسهلها ووعرها ۱ فالمؤمنون
من الأرض الطيبة التي تلك الشجرة فيها وهي شجرة الإيمان
وبها نباتها فلا ينبت الطيب إلا فى الطيب كما قال تعالى
وَالطَّيِّبَتُ لِلطَّيِّبين والكافر من الأرض الخبيثة
والأرض الخبيثة لا تنبت إلا خبيثاً مثل الحنظل وما أشبه
كما قال تعالى ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ
خَبِيثَةٍ أَجْتُنَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا
لَهَا مِن قَرارِ ۳ وقوله والدار الأولى التي دخلت الجنة
دار عامة المؤمنين لأجل أنها دار عامة المؤمنين
كان فيها الرجال والنساء والشباب والشيوخ لأن هذه الأربع
صفات احتوت على جميع أنواع المؤمنين وفيه أيضاً تحقيق لما
ذكرنا أن الشجرة هي عبارة عن الإيمان لأن الإيمان هو
الطريق إلى
الجنة بلا خلاف
وقوله وأما هذه الدار فدار الشهداء لأجل أنها دار الشهداء
لم يكن فيها إلا شيوخ وشباب وهنا بحث وهو لِمَ لَمْ يكن في
الدار التي للشهداء إلا نوعان شيوخ وشباب ولم يكن فيها
نساء وقد عد في الشهداء المرأة تموت حاملاً شهيداً والمرأة
تموت بِجُمْعِ ٤ شهيد فالجواب أنه لم يختلف أحد في أن أعلى
الشهادة القتل في سبيل الله وإن كان الشهداء سبعة كما جاء
في الحديث المبطون والمحترق والغريق وصاحب الهدم وصاحب ذات
الجنب والمرأة تموت حاملا والشهيد فإنما المراد هنا تبيين
فضل الشهادة في سبيل الله من أجل التحضيض عليه والله أعلم
وهنا بحث وهو لِمَ أخَّرا الإخبار له عليه السلام بما رأى
إلى آخر الرؤيا ولم يخبراء عند كل قضية بها فالجواب أن
تأخيرهما الإخبار إلى آخر الرؤيا فيه من الحكمة التيسير
لجمع
1 أصل الحديث إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع
الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض جاء الأحمر والأبيض
والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب وبين ذلك
أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي عن
أبي موسى رضي الله عنه
منهم
سورة النور من الآية ٦ ۳ سورة إبراهيم من الآية ٢٦
رضي
٤ بِجُمْع مثلثة الجيم ساكنة الميم أي ماتت وولدها في
بطنها وقيل إذا ماتت عذراء أيضاً ٥ كثيرة هي الأحاديث التي
تعدد الشهادة منها حديث جابر بن عتيك أن رسول الله جاء
يعود عبدالله بن ثابت الله عنه فوجده قد غلب عليه إلى أن
يقول قال النبى الله الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله
المبطون شهيد والغريق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمطعون
شهيد وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة
تموت بجمع شهيد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن
حبان
في صحيحه
01
ش
مثل
سین
ـاع
لى
بها
راه
جاء
مل
د
یان
الفائدة لأنه إذا رأى شخص شيئاً وأخبر بمعناه ثم رأى شيئاً
اخر وأخبر بمعناه وتكرر ذلك في أشياء عديدة فمن الجائز أن
ينسى بعض ما قيل له وإذا أريت له الأشياء ولم يُخبر إلا
اخرا بقي الخاطر بجميعها مشغولا وإلى ما يلقى إليه
متشوّفاً فيكون ذلك أكد فى التحصيل ولحفظ ما به أخبر ولذلك
كان عليه السلام إذا كان شيء له بال يسأل ثلاث مرات الشخص
أو يناديه ثلاثاً وحينئذ يعلمه وما ذاك إلا لِجَمْع الخاطر
إلى ما يلقى إليه ونفى الالتفات للغير كما قال عليه السلام
يا معاذ ثلاثاً ومعاذ في كل مرة يقول لَبَّيْكَ يا رسول
الله وسَعْدَيْكَ ۱ فـ أخبره به إلا بعد الثلاث لتلك
الحكمة المشار إليها يخبره بالذي
وفيه أيضاً سؤال ثالث وهو لِمَ لم يُعرِّفاهُ بأنفسهما
أولاً وتركا التعريف بأنفسهما إلى آخر فالجواب لو عرفاه
أولاً لوقع الاستئناس بهما والإدلال عليهما حتى يسألهما
عما رأى أوّلاً بأول ولا يمكنهما إلا الجواب له عليه
وعليهما الصلاة والسلام لما يلزمهما من الأدب معه
والاحترام له وعند التنكير تبقى النفس مجموعة بما ترى
مشغولة بحالها وعرّفاه آخِراً بأنفسهما لِيَعلم أن ما رأى
كان حقاً كله بواسطة الملك الذي نزل بالقرآن لأن هذين لا
يدخلهما تأويل ولا يُشَك فيهما وإن كانت مرائيه عليه
السلام كلها حقاً فليس الحق كله في القوة الواقعة في
النفوس على حد سواء وللقوة في ذلك وبنوه فمنها بحسب قوة
سياسة المبلغ إليه ومنها بحسب معرفتك بحال مبلغها إليك
وفيه دليل على أن الملائكة عليهم السلام تتطور لأن سيدنا و
قد كان يعرف هذين الملكين فلما راهما على صورة لم يرهما
عليها لم يعرفهما
وقوله فارفع رأسك فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحاب قالا
ذلك منزلك فقلت دعاني أدخل منزلي قالا إنه بقي لك عمر لم
تستكمله فلو استَكْمَلْتُهُ أتيت منزلك فيه بحث وهو أن
يقال أليست هاتان الداران من الجنة وتراه عليه السلام قد
دخلهما وخرج منهما فلم مُنع عليه السلام من منزله وهو
أيضاً من الجنة حتى يستكمل عمره فالجواب أنه إنما دخل عليه
السلام هاتين الدارين وإن كانتا من الجنة لأنه ليس له
فيهما أهل لنفسه ولا لأهلهما أيضاً تعلق به كتعلقهم بمن هم
له ودخوله عليه السلام الجنة حق للنص عليه بقولهما التي
دخلت الجنة وقد رأى عليه السلام ما بين الدارين من التفاوت
وما بينهما من المسافة إلا القدر القليل والنزر اليسير
بالنسبة لما بين الدارين ولما رأى عليه السلام بعد المسافة
بين منزله وبين المنازل التى دخل وعايَنَ حصل له العلم
بعظم المنزلة وكيفيتها وهناك
1 أخرجه الشيخان عن أنس بن مالك عن معاذ بن جبل رضي الله
عنهما
۵۱۱
أهله من الحور والولدان وهم موعودون به والوعد حق لا خلف
فيه فلو وقع الاجتماع لم تمكن الفرقة للوعد الحق وكذلك
جميع القصور والأشجار التي هناك والأنهار منتظرة له عليه
السلام فهذا - والله أعلم - بمقتضى الحكمة أوجب منع الدخول
إلا بعد توفية العمر وفيه بحث ثانٍ أيضاً لِمَ أُخر رؤية
منزله عليه السلام آخراً ولم يكن ذلك أولاً فالجواب أنه قد
جرت الحكمة أن الأشياء لا يتبين قدرها إلا بمعاينة ما هو
أقل منها فأخرا الإخبار له عاين ذلك فكبرت النعمة إذ ذاك
وعظمت وأما كونه عاين منازل المؤمنين وحينئذ عاين منزله
فلان
ووج
الختام إنما يكون بأجل الأشياء ولذلك قال عزّ وجلّ
خِتَمُهُ مِسْدٌ ﴾ ۱ وقد قال بعضهم وساقي القوم آخرهم
شراباً وهو عليه السلام المخير لنا فأخَّرَ الإخبارَ
بخَبَرِهِ الخاص به
وفائدة هذا الحديث الإيمان بما فيه من الوعد والوعيد
والعمل على طريق النجاة فهي
الفائدة التي من أجلها أخبرنا بما تضمن
يا سيدي
ومن هنا فَضَل أهل الطريق غيرهم لأنهم صيروا العلم حالاً
حتى إنه يذكر عن بعض التلامذة أنه غاب عن شيخه أياماً
كثيرة فلما أتاه قال له يا بني ما حبسك عني قال له سمعت
منك آيتين فعملت عليهما لأن أتخدهما حالاً فجاهدت النفس
على ذلك حتى من الله به أو ما في معناه فقال له الشيخ وما
هما يا بني قال الأولى قوله تعالى فَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَمُ وَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ۳ والثانية قوله تعالى
وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ
رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾ ٤
فجاهدت النفس على
ج
التزام عمل الخير ولا تترك منه ذرة وترك الشر ولا تقع فيه
بِذَرَّةٍ وعلمت أني من أحد دواب الأرض ورزقي عليه ويعلمني
وحيث مستقري فَأَزَلْتُ تعلق القلب من الرزق لوعده الجميل
لأنه لا يخلف الميعاد ولعلمه بي وأين مستقري فهو عزّ وجلّ
ييسره لي بحسن لطفه ووفاء وعده فقال له الشيخ هنيئاً لك يا
بني فلقد فقت العابدين هذا مقصود الموالي من العبيد ولذلك
قال من قال إذا كان وَعدك بالرزق لا يُخلف وطلبك الأمر من
غيره لا يُعرَف فحسبي تصديق وعدٍ لا يُخلف واشتغالي بأمر
غيره مني لا يُعرَف
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ سورة المطففين من الآية ٢٦
لفظه ساقي القوم اخرهم شربا أخرجه الترمذي وابن ماجه عن
أبي قتادة رضي الله عنه
۳ سورة الزلزلة الايتان ۷ و ۸
٤ سورة هود من الاية ٦
۵۱
حديث لا حسد إلا في اثنتين
عَنِ ابن مسعود ۱ رضيَ الله عَنهُ قالَ سَمِعتُ النَّبِيَّ
صلى الله عليه وسلم يَقولُ لا حَسدَ إلا في التينِ رَجُل
آتاه الله مالاً فَسَلَّطه على هلكته في الحَقِّ وَرَجُلٍ
آتَاهُ الله حِكمَةٌ فَهُوَ يَقضي بها
ويُعلمها
*
ظاهر الحديث يدل على جواز الحسد في الصفتين المذكورتين
ومنعه مما عدا ذلك والكلام عليه من وجوه
أحدها هل هذا الحسد هنا حقيقة أو مجاز محتمل والظاهر أنه
مجاز وهو إذا تحقق غبطة وتنافس وقد قال جل جلاله وَفِي
ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ ٢
والدليل على أنه غبطة لا حسد لأن حقيقة الحسد إنما بكون في
شيء ينتقل عادة من واحد إلى اخر بوجوه ممكنة جائزة مثل أن
يرى شخص على شخص نعمة فيريد أن تنتقل تلك النعمة إليه
ويفقدها صاحبها ولذلك قال جلّ جلاله لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ
مِّمَّا اَكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَا
1 عبد الله بن مسعود أبو عبد الرحمن صحابي ابن صحابية سادس
ستة في الإسلام من أكابرهم فضلاً وعقلاً وقرباً من رسول
الله وشهد الغزوات من بدر إلى اليرموك أجهز على أبي جهل في
بدر وشهد له النبي بالجنة وقال فيه ساقاه النحيلتان اللتان
ضحك منهما الصحابة لما تسلق شجرة أوْزَن من جبل أحد عند
الله يوم القيامة كان صاحب نعل رسول الله كان يُلبسه إياها
فإذا جلس عليه السلام جعلها ابن مسعود في ذراعه كثير
الدخول على رسول الله وكان يقال له صاحب السواك والنعل روي
له ٨٤٨ حديثاً اتفق الشيخان على ٦٤ منها ويعد ابن مسعود
مرجع الإمام أبي حنيفة وأصل مذهبه في الحديث وفيه قال خذوا
القرآن من أربعة من ابن مسعود وأبي بن كعب ومُعاذ بن جَبَل
وسالم مولى أبي حُذَيْفَة ويُقسم ابن مسعود أنه يعرف كل
اية أين نزلت وفيم نزلت ولو يعلم من هو أعلم منه لركب إليه
وكان في مرضه يشكو ذنوبه لعثمان وأوصى بناته بقراءة سورة
الواقعة أمناً من الفقر وهو أحد العبادلة الفقهاء ت ٣٢هـ /
٦٥٣ في المدينة المنورة وصلى عليه
عثمان رضي الله عنه سورة المطففين من الاية ٢٦
اكْتَسَبَنَ وَسَتَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۱ معناه لا
يطلب أحد من أحد مما أنعم الله عليه ويسألُ الله الذي أنعم
على أخيه أن ينعم عليه بفضله فإن كل نعمة من الله على
عباده إنما هي من فضله ومَنْه لا بوجوب ولا استحقاق
ولذلك قال إذا حسدت فلا تَبْغِ لأن الحسد هو ما قدمنا ذكره
من انتقال النعمة التي على شخص إلى غيره وقد يكون انتقالها
بزيادة خير للآخر مثال ذلك أن يرى شخص ثوباً على شخص
فيتمنى أن يعطيه إياه ويطلبه له فيفتح الله على صاحب الثوب
بما هو خير منه فيتصدق به على الذي حسده فيه أو يبيعه منه
فقد حصل للحاسد مقصوده وزادت النعمة على المحسود والبغي هو
أن يريد أن تنتقل النعمة من صاحبها إلى غيره بضرر يلحق
صاحب النعمة مثال ذلك أن يرى أحد بعض متاع الدنيا عند شخص
فيتمنى أن يكون ذلك المتاع عنده وصاحبه ميتاً أو مقتولاً
أو منفياً أو ما أشبه ذلك من وجوه الضرر فهذا معنى قوله
إذا حسدت فلا تبغ أي إن وقع منك حسد فلا يكون بغياً أي
بضرر لغيرك فالأولى ألا تحسد أحداً فإن أعجبك شيء من
الأشياء فاسأل الله أن يعطيك من فضله كما أعطى ذلك الشخص
فإن لم تقدر على ذلك وأبت نفسك إلا ذلك الشيء بعينه فاسأله
بلا ضرر يلحق لصاحبه فإن طلبته بضرر فذلك هو البغي وهو من
أعظم الذنوب
وقد رأيت في بعض التواريخ أن شخصاً فتح الله عليه فتحاً
عظيماً من الدنيا وكان بعض المساكين يمشي في الأزقة
والأسواق وما كان دعاؤه إلا أن يقول اللهم افتح عليّ كما
فتحت على فلان ويذكر ذلك الشخص المنعم عليه فقال له يا هذا
ما لك وما لي أما وجدت أن تسأل الله إلا مثل ما أعطاني ألا
تكف عني كلامك يزيدني شُهرة وربما قد يلقاني منه أذى فأبى
المسكين أن ينتقل عن ذلك القول وقال له ما شَتَمتُك ولا
سَبَبتك وأنا أدعو بما يظهر لي فلما قال له ذلك قال له كم
يكفيك في يومك على ما تشتهيه من النفقة فسمّى له عدداً
فالتزم له إعطاء ذلك العدد كلَّ يوم ويقعد في داره ولا
يذكره ولا يسأل أحداً فبقي يُجري عليه ذلك
المعروف حتى توفي
وهذه الحكمة المرادة في الحديث لم يُجرِ الله عزّ وجل
عادته أنه يأخذها من واحد ويعطيها آخر مثل حطام الدنيا
وكذلك المال أيضاً لأنه إذا أنفق لا يرجع إلى أحد لأنه قد
حصل في
۱ سورة النساء من الآية ۳
لفظه إذا حسدتم فلا تبغوا وإذا ظننتم فلا تحققوا وإذا
تطيرتم فامضوا وعلى الله فتوكلوا أخرجه ابن عدي عن أبي
هريرة رضي الله عنه
٥١٤
الآخرة لأنه ما حسده في المال نفسه وإنما حسده في كونه
أنفقه فـ أسقط عنه ما عليه من الحق وثبت في ديوان حسناته
ومثل ذلك مثل من يرى شخصاً قد حج كذا حقه وإنفاقه في حقه
قد وكذا حجة وجاهَدَ كذا وكذا مرة فحسده على ذلك فحقيقة
الحسد في مثل هذا إنما هو غبطة لأنه في الحقيقة تمنى أن
يفعل خيراً مثله وكلام العرب فيه المجاز كثير وهو من فصيحه
وهنا بحث وهو ما المراد بالحكمة هنا الظاهر أنها الفهم في
كتاب الله عزّ وجلّ لأن الله تعالى يقول ﴿ وَمَن يُؤْتَ
الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ۱ قال
العلماء الحكمة هي الفهم ب كتاب الله والدليل على ذلك من
الحديث قوله يقضي به أي يحكم بها ولا يحكم أحد بشيء بعد
الإسلام ويكون مأجوراً فيه إلا بكتاب الله عزّ وجلّ وسنة
رسول الله والفهم في كتاب الله كالفهم في سنة رسول الله ل
لأنهما من الحكمة والحكم بهما مخرج واحد لأنهما الثقلان
اللذان قال له فيهما لن تضلوا ما تمسكتم بهما
وتعليمهما للغير من الكمال لأنه إذا كان يفهم عن الله
ويعمل به ويعلمه فهو أعلى المقامات لأن هؤلاء هم ورثة
الأنبياء عليهم السلام وقد قال عليه السلام إذا مات المرء
انقطع عمله إلا من ثلاث ولد صالح يدعو له وصدقة جارية
وعِلم يُنتفع به بعد موته ۳ وأعلاها بَثْ العلم والعلم
الذي فيه هذا الأجر العظيم هو علم الكتاب والسنة أو ما
استنبط
منهما وقد جاء أنه من صلى الفريضة وقعد يعلم الخير نودي في
ملكوت السموات عظيماً وهنا بحث وهو هل الفهم في الكتاب
معناه فهم الأمر والنهي من التحليل والتحريم ليس
إلا فإن كان هذا فقد حصل لمن تقدم ولم يبق للمتأخر شيء منه
لأن الأصول قد تقعدت والأحكام قد ثبتت أو أن المقصود ذلك
وما فيه من الحكم وفوائد أمثاله وفهمها فإن كان هذا فهو لا
ينقضي إلى يوم القيامة ويأخذ منه المتقدم والمتأخر كلُّ
بحسب ما قسم له وإلى ذلك أشار بقوله صلى الله عليه وسلم
فيه لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الردّ ولا يشبع منه
العلماء ٤ مثال ذلك قصة موسى عليه السلام في قوله تعالى
﴿فَلَمَّا تَرَاهَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَى
إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي
سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ أَضْرِب
بَعَصَاكَ الْبَحْرُ فَأَنفَلَقَ
1 سورة البقرة من الآية ٢٦٩ ٢ أول الحديث تركت فيكم شيئين
لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي الخ أخرجه الحاكم عن أبي
هريرة ۳ أصله إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث الخ
أخرجه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والترمذي
والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه
رضي
الله عنه
جزء من حديث طويل أوله إلا أنها ستكون فتنة أخرجه الإمام
أحمد من حديث سيدنا علي رضي الله عنه
فَكَانَ كُلُّ فِرْقِ كَالطَّودِ الْعَظِيمِ ۱ ينبغي أن
نعلم ما الفائدة بالإخبار بهذه القصة لنا وما لنا فيها من
التأسي بمقتضى الحكمة ومن تقدم من العلماء لم يتعرضوا لهذا
المعنى فيما أعلم وهو مما نحن مخاطبون به لأنه لم يقص
علينا القصص عبثاً لأن الله عزّ وجلّ يقول ﴿ فَاقْصُصِ
الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
فالفائدة في ذلك - والله أعلم - أنه لما لم يخرج موسى عليه
السلام ببني إسرائيل إلا بعد ما أمره الله تعالى بذلك ثم
قام البحر أمامهم ورأوا الجمع وراءَهم وقد وقع العَينُ
بالعَين أيقنوا بالعادة الجارية أنهم مُدرَكون فسألوا موسى
عليه السلام لعله يكون عنده أمرُ من الله تعالى يفعله عند
وقوع العين بالعين لأن قولهم ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ - وهو
عليه السلام قد أبصر ما أبصروا من الجمع والبحر - ما
الفائدة فيه إلا استخراج ما عنده في ذلك فلم يكن عنده شيء
مستعد للعدو إلا أنه يعلم أن الذي أمره ووفقه لامتثال أمره
هو معه ولا يُسْلِمُهُ
فلم ينظر في ذلك إلى مقتضى العوائد الجارية ولا غير ذلك
لأن قدرة الله تعالى لا تنحصر للعادة يفعل عزّ وجلّ ما شاء
فقال جواباً لهم ﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي
سَيَهْدِينِ كأنه عليه السلام يقول بمتضمّن قوة كلامه يا
قوم ليس لي شيء أفضُلُكم به إلا قوة إيمان بالله ويقين به
وصدقٌ معه فهو يهديني لما فيه نجاتي ونجاتكم فما فرغ من
كلامه إلا ونزل عليه قوله تعالى ﴿ فَأَوْحَيْنَا إِلَى
مُوسَى أَنِ أَضْرِب بَعَصَاكَ الْبَحْرُ فجاءه الجواب من
الله بالفاء التي تعطي التعقيب والتسبيب لما أخبرهم بحاله
مع ربه في الحال أتته الهداية كما تليق بالعظيم الجليل إلى
الضعيف إذا وثق به فكان من أمْرِهم وأمْرِ عدوهم ما قص عزّ
وجلّ بعده كذلك أنتَ يا من قصَّت عليه هذه القصة إذا كنتَ
ممتثلاً لأمر ربك كما أمَرَك ولم تعلق قلبك بسواه يمدك
بالنصر والظفر في كل موضع تحتاج إليه ولا تقف في ذلك مع
عادة جارية كما فعل أصحاب موسى عليه السلام فكن في إيمانك
مُوسَوِيَّ العقل يُغرِق فرعون هواك لطفُ مولاك في بحر
التلف وكذلك كلُّ من أرادك بسوء قال عزّ وجلّ في محكم
التنزيل ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
۳ وإنما ذكرتُ هذه القصة تصديقاً لهذا الوعد الحق وهو قوله
تعالى وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ لأن
القصص إذا ذكرت بعد الوعد كانت تصديقاً له وتأكيداً
۱ سورة الشعراء الآيات ٦١ - ٦٣
سورة الأعراف من الآية ١٧٦
۳ سورة الروم من الاية ٤٧
01
﴿
وقد قال تعالى إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ۱ ونصرة
العبد الله إنما هي باتباع أمره واجتناب نَهيه وفي هذه
القصة إشارة لطيفة وهي أنه إذا كان واحد ممن هو ممتثل في
جمع وهم له مطيعون أنهم يُنصَرون يؤخذ ذلك من أنه لم يكن
على يقين موسى عليه السلام في القوم غيره فلما كانوا له
مطيعين عادت على الكل تلك البركة بذلك النصر العجيب
وفيها أيضاً إشارة وهي ! في هذا المعنى وهي أنه لما بادر
عليه السلام للأمر ممتثلاً عَلِمَ بحقيقة الإيمان أن الأمر
لا يترك من أمره وامتثل أمره فإنه خُلْف والخُلْف في حق
الله تعالى مُحال فإذا رأى المرء نفسه قد قام بأمر ربه كما
أَمَرَهُ إيماناً واحتساباً فلا يشك في النصر ولا يَدخله
في ذلك امتراء فإن دخله شك فهو ضَعْف في التصديق وإذا
ضَعُف تصديقه - وهو إيمانه - خان نفسه وهو لا يشعر وهذا من
خُدَع العدوّ وقد يُبطىءُ عليه النصر من أجل ذلك فلا يزال
مع الإبطاء يضعف إيمانه حتى يكون سبباً إلى الشقاوة العظمى
وهو من مكايد العدو وقد قال تعالى في كتابه مثنياً على من
قام بأمره في هذا المعنى الذي أشرنا إليه ومخبراً بحالهم
الجليل كيف كان ليقع بهم التأسي في ذلك الشأن فقال عزّ وجل
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ
جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَا
وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ
يَمْسَسْهُمْ سُوءُ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ
وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ٢ أي الله يكفينا والآي في
هذا المعنى كثيرة
وفيه دليل على كثرة نصحه ل لأمته وإرشاده لهم لكل ما فيه
ربحهم في الدارين يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام لا َحسَدَ
إلا في اثنتين وسمى هذه التي بين وما فيها من الخير وهي
الحكمة المذكورة وسمّى المال الذي سلطه صاحبه على هلكته في
الحق
وقد يقول السامعون أو بعضهم وأي فائدة لنا في الدنيا أو في
الآخرة إذا تمنينا أن يكون لنا مثل حال صاحب هذا المال
الذي ينفقه في الحق وماذا يعود أيضاً علينا من أن نتمنى
حالَ صاحب الحكمة التي يقضي بها ويعلّمها وليس كل الناس
فيه أهلية لذلك فيتمنى أحد شيئاً وهو يعلم أنه لا يمكنه
الحاقه مثل شخص لا يقرأ أو لا يكتب فيقول كيف أتمنى أنا
حال هذا
وهو إذا تمنى حاله بإخلاص مع الله فإن له مثل أجره لأنه
قال له إنما الدنيا لأربعةِ نَفَر رجل رزقه الله مالاً
وعلماً فهو يتقي في ماله ربَّه يَصِل به رَحِمَه ويعلم أن
الله فيه حقاً فهذا
۱ سورة محمد من الآية ٧ سورة آل عمران الآيتان ۱۷۳ و ١٧٤
۵۱۷
N
بأفضل المنازل وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً فهو
صادق النية الله يقول لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان
بنيته فأجرهما سواء وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً
فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربَّه ولا يَصِل به
رَحِمَه ولا يعلم الله فيه حقاً فهذا بأخبث المنازل وعبد
لم يرزقه مالاً ولا علماً فهو يقول لو أن لي مالاً لعملت
فيه بعمل فلان فهو بنيته ووزرهما سواء ۱ والعلم المذكور
هنا المراد به أن يعلم ما في المال من الحق وهذا القدر من
العلم يكاد لا يخفى على أحد إلا اليسير من الناس فإذا علم
أن في المال حقاً ولم يعرف كيفية إخراجه فيسأل عنه ويمتثل
ما يقال له في ذلك فعلمه أولاً أن في ماله حقاً الله وعزمه
على توفيته بالخروج وسؤاله عن ذلك وإخراجه في وجوهه
الواجبة والمندوبة عالم يطلق عليه
فأراد عليه السلام بجواز الحسد هنا الذي هو المبالغة في
التمني لأن يحصل للحاسد هذه المنزلة الرفيعة وهو لا يعلم
كما حكي أنه كان في بني إسرائيل عابد ومرت به سَنَة شديدة
فمرَّ بكثيب من رمل فتمنى أن يكون له مثله طعاماً فيتصدق
به على بني إسرائيل وكان صادقاً مع الله تعالى فأوحى الله
عزّ وجلّ لنبي ذلك الزمان عليه الصلاة والسلام أن قل لفلان
إني قد قبلت صدقته فأراد سيدنا أن يسوق لنا كل خير كان لمن
تقدم من الأمم بطريقة لطيفة وتعليم
جميل
كذلك أيضاً الحاسد لصاحب الحكمة إذا كان لا يمكنه أن يصل
إليها يحصل له أجر النية على العزم على ذلك لأنه قال له
نية المؤمن خير من عمله وقد حكي عن بعض أهل الدين والفضل
أنه دخل على أخ له مريض يعوده فقال له المريض انْوِ بنا
حَجًا اِنْوِ بنا جهاداً انْوِ بنا رباطاً فقال له يا أخي
وأنت في هذا الحال فقال إن عشنا وَفَّينا وإن مِثْنا كان
لنا أجر النية إذا كانت صادقة فهؤلاء فهموا عن الله وعن
رسوله صلى الله عليه وسلم
ثم مع ذلك يحصل له شيئان عظيمان أحدهما الندم على تضييع
العمر وقد قال الندم توبة ۳ والثاني حب أهل الخير وإيثارهم
على غيرهم وقد قال الله المرء مع من أحب ٤ وقد يزيده مع
ذلك التأسي بهم في بعض الأشياء التي يسمعها منهم ويكون
بينه وبينهم مناسبة ما
۱ مروي بالمعنى مَثَلُ هذه الأمة كمثل أربعة نفر الخ أخرجه
الإمام أحمد وهناد وابن ماجه والطبراني والبيهقي عن أبي
كبشة الأنماري رضي الله عنه ٢ أخرجه البيهقي في الشعب عن
أنس رضي الله عنه
جزء من حديث أخرجه الطبراني وأبو نعيم عن أبي سعيد
الأنصاري رضي الله عنه ٤ أخرجه الإمام أحمد والشيخان وأبو
داود والترمذي والنسائي عن أنس والشيخان عن ابن مسعود رضي
عنهم
الله
۵۱۸
والتشبه بالكرام فلاح وقد يكون صادقاً مع الله فيفتح له في
ذلك بطريق خرق العادة كما ذكر عن يوقنا في فتوح الشام مع
أنه كان لا يفقه من العربية شيئاً وما ذكرنا يوقنا إلا من
أجل بيان خرق العادة في كسب العلم ليس إلا فلما أخذ
المسلمون حصنه وأسروه أصبح وهو يتكلم بالعربية وهو يحفظ
سُوَرا من القرآن وأسلم فسأله حاكم المسلمين عن حاله من
أين أتاك هذا الأمر فأخبره أنه رأى سيدنا صلى الله عليه
وسلم في النوم وأنه هو الذي علمه ذلك وانتفع المسلمون
بإسلامه كثيراً أو يعطيه كما أعطى صاحب المال بحسن نيته
فإن المولى كريم منّان فبان ما قلنا من الدلالة على نصحه
لأمته وحسن إرشاده لهم من هذا الحديث بما أبديناه
ويترتب على هذا من الفقه وجوه منها الجد في فهم الحديث
والكتاب لما فيهما من الخير وأنه ينبغي لكل من له ولاية
على رعية ولو على نفسه الذي لا بد لكل شخص منها أن ينظر
كيف يجلب لهم الخير بحسن إرشاد منه اقتداء بهذا السيّد صلى
الله عليه وسلم
وفيه إشارة إلى أن العلم لا يكمل الانتفاع به إلا مع العمل
به يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام ويقضي بها
وفيه دليل لأهل الصوفة لأنهم يسأل بعضهم بعضاً أين مقامك
وما حالك مع ربك وما ذاك منهم إلا لأن يقع التأسي بنبيّهم
عليه السلام في ذلك الترقي ولغبطة بعضهم لبعض ولذلك قال
إذا كانت نفسي لك وكنتَ لي فأنا صاحب الدارَينِ وهما لي
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۵۱۹
حديث فضل الصدقة
عَن أبي هُرَيرةَ رَضي الله عَنهُ أَنَّ رَسولَ الله صلى
الله عليه وسلم قالَ قالَ رَجُلٌ لأَتَصَدَّقن بصدقةٍ
فَخرجَ بصدَقتِهِ فَوضعَها في يد سارق فأصبحوا يتحدَّثونَ
تُصُدِّقَ على سارق فقَالَ اللّهمّ لكَ الحَمدُ لأتصدقنَّ
بصدقَةٍ فَخرجَ بصدقتِه فوَضعَها في يد زانِيةٍ فأصبحوا
يتحدثونَ تُصُدِّق اللَّيلةَ على زانية فقالَ اللَّهمَ لكَ
الحَمدُ لأتصدقنّ بصدقةٍ فخرج بصدقتِه فوضعها في يد غَنيّ
فأصبحوا يتحدَّثونَ تُصُدِّق على غني فقالَ اللّهُمّ لكَ
الحَمدُ على سارق وعلى زانيةٍ وعلى غَنيّ فأُتِيَ فَقِيلَ
لَهُ أمَّا صَدقتُكَ على سارِقٍ فلعلَّهُ أن يَستَعِفَّ
عَن سَرقَتِهِ وأَمَّا الزَّانيةُ فَلعلها أن تَستَعفَّ
عَن زِناها وأمَّا الغَنيُّ فلَعَلَّهُ أن يَعتبر فينفق
مما أعطاه الله عَزَّ وجَلَّ
وجوه
ظاهر الحديث يدل على أن دوام حسن المعاملة مع الله يوجب
رفع المنزلة والكلام عليه من
منها الدليل على صدقة السر أنها أفضل الصدقات فيما تقدم من
الشرائع كما هي في شريعتنا يؤخذ ذلك من قوله فخرج بصدقته
فوضعها فأصبح الناس يتحدثون بالصدقة ولا يعرف
لها صاحب
وفيه دليل على جواز مفاوضة المرء مع نفسه فيما يفعله من
الخير يؤخذ ذلك من قوله الأتصَدَّقَنَّ بصَدَقةٍ ولم يذكر
مع من فدل أن ذلك كان مع النفس وفيه من الفائدة تحقيق
النية وفيه دليل على أن تحقيق العمل الله وتخليصه من
الشوائب أنجح الوسائل يؤخذ ذلك مما مُنْ عليه من البشارة
بلَعَلَّ لَعَلَّ لَعَلّ بعد بذل جهده في معروفه ورضاه بما
جرى له فيه وعلى أن التخير للصدقة مطلوب فيمن تقدم كما هو
في شريعتنا لأنه قال تخيروا الصدقاتكم يؤخذ ذلك من إعادة
الصدقة لما سمع أنها في غير مستوجب لها ولا تخلو الصدقة أن
تكون فَرْضاً فاستئنافها
۵۰
واجب لأنه إذا أعطى شخص صدقته مجتهدا ثم ظهر له بعده أنها
في غير مستحقها وجب عليه بدلها وإن كانت تطوعاً فإعادتها
مستحبة إلا أن يكون نَذرها للمساكين فعليه واجب إعادتها
حتى
يفي بنذره
وبقي البحث في هذه الصدقة هل كانت على الوجوب أو على الندب
فالظاهر من الحديث أنها كانت على الندب لكونه بعد الثلاث -
وهو في كل واحدة لم يصب من فيه لها أهلية - تعزى بالذي قيل
له ولم يُعِدِ الصدقة
وفيه دليل على أن الحكم للظاهر حتى يتبين ضده وأن العمل
على ذلك في كل الملل يؤخذ ذلك من كونه بالليل ورأى على
هؤلاء ظاهر المسكنة فعمل على ما ظهر له من حالهم وأعطاهم
الصدقة فلما تبين له غير الذي ظن استأنف العمل
وفيه تنبيه على أن الذي يخرج الشيء الله صادقاً ويكون
طيباً أن الله لا يضيع له ذلك وأنه يوقع معروفه في خير مما
قدّره هو كما قيل له آخر الحديث لعلّ لعلّ لعلّ ولعل في كل
موضع مما قيل له ليس على بابها بل هي واجبة على المشهور من
الأقاويل لأن هذه أخبار من الله
واختبار له من الله سبحانه بحسن نيته ولا يقع بها للفاعل
تسلية إلا أن تكون على الوجوب ومثل ذلك ذكر عن بعض الناس
أنه خطر له أن يتصدق بمائة دينار الله تطوعاً فجاء لبعض
أهل الطريق فقال له يا سيدي دلني على من أعطيه هذه الصدقة
فقال له اخرج غُدوة النهار على باب المدينة فأول رجل تلقاه
فأعطها إياه ففعل الرجل فلما أن خرج كما أمره به فأول رجل
لقي بعض الذين كانوا يوصفون بالدنيا وعليه أثرها فقال في
نفسه وكيف أعطي صدقة لغني ثم قال الشيخ أعلم منّي فدفع له
المال
طعاماً ورجع ورجع ومعه
فلما دفعه قامت النفس معه فقال والله لأتَّبِعه حتى أرى ما
يفعل فاتبعه من البعد حتى رآه قد دخل خربة فلما دخل رمى
فيها من تحته بشيء فنظر ذلك الشيء الذي رماه فإذا هي دجاجة
جيفة ثم اتبعه حتى دخل داره فاستمع من خلف الباب فسمعه
يقول لعياله افرحوا فقد فتح الله لكم وأخبرهم الخبر وسمع
فرحهم ثم خرج إلى السوق واشترى لهم الطعام حتى سمع فرحهم
بالطعام فتبين له فاقتهم فلم يقنعه ذلك حتى خرج الرجل
فأقسم عليه وسأله حاله فقال له إني كان لي ثلاثة أيام ما
منا من أكل طعاماً وما عندنا شيء نبيعه إلا هذه الثويبات
التي نستر بها حالنا عن الناس فخرجت لعلي أجد شيئاً أتسبب
لهم فيه فلقيت تلك الدجاجة التي رأيتني رميتها فقلت الحمد
الله هذه
نتبلغ بها اليوم وَلِغَدٍ فَرَجٌ فأنا راجع بها وأنت قد
دفعت لي ذلك المعروف فحَرُمت الميتة علينا
فرميتها فسُرّ الشخص بذلك وعاد إلى الشيخ وأخبره فقال يا
بني هذه سنة الله فيمن صَدَقه هـ
عزّ وجلّ يُهيّىءُ خير الأمور وأحسنَها
وفيه دليل على بركة التسليم والرضا يؤخذ ذلك من كونه في كل
مرة خاب سعيه ـ على جري العادة ـ ولم يضجر ورضي وسلّم
وأعاد المعاملة فأعقبه ذلك تلك البشارة وفيه دليل على أن
غلبة الشح في الغالب من الأغنياء يؤخذ ذلك من كون أحد
الآخذين غنياً وأخذ تلك الصدقة وهو غير أهل لها فلولا
زيادة الحرص فيهم ما اجتمع المال لهم في
الأغلب منهم
وفيه دليل لأهل الصوفة الذين يقولون لا تقطع الخدمة وإن
ظهر لك عدم القبول أو تحققته فليس للعبد بد من خدمة مولاه
فبدوام الخدمة يُرجى القبول ولذلك يذكر عن بعض بني إسرائيل
أنه كان فيهم عابد عبد الله سنين فأوحى الله الى نبي ذلك
الزمان قل لعبدي فلان يتعبد ما شاء هو من أهل النار فتوجه
إليه وأخبره فقال مرحباً بقضاء ربي ثم رجع إلى منزله وزاد
في تعبده أضعاف ما كان قبل ذلك وقال يا رب كنت أعبدك وأنا
عند نفسي أن ليس في أهلية لشيء فكيف الآن وأنت قد مَنَنْت
عليّ وجعلتني أهلاً لنارك وأقام في التعبد وازداد خيراً
فأوحى الله لذلك النبي أن قل له يفعل ما شاء هو من أهل
الجنة لازدرائه بنفسه وقال بعضهم لئن أردتم مني السلوّ
عنكم فليس لي منكم بد وإن أبعدتم
وهنا بحث وهو لِمَ كرّر في الآخرة الحمد على الثلاثة
والحمد منه على كل واحدة قد وقع فهو قد حمد على النازلة
الأولى والثانية فالجواب تلك مبالغة في الرضا والتسليم
فقوة كلامه تخبر كأنه يقول قد فعلت في الأولى معي كذا وكذا
وحمدتُ ورضيتُ بحكمك ثم في الثانية كذلك وإني لا أريد مع
مخالفتك ما أختاره أنا إلا الرضا والحمد والتسليم لا أتغير
عن ذلك مع تكرار حكمك بما شئت فمنك الحكم ومني الرضا
والتسليم فجاء من أخبره بذلك الخبر وبقي البحث من المخبِرُ
له وفي أي العالم فالظاهر - والله أعلم - أنه في عالم الحس
فلعله ملك من الملائكة لأنه كثيراً ما جاء أن الملائكة
كانت تكلم بني إسرائيل في بعض النوازل وفي الأخبار من ذلك
كثير أو من أرسل إليه من الصالحين بما قيل له في النوم أو
اليقظة أن يخبره بذلك أو بعض الأنبياء في وقته لأن قوله
فأتي دليل على أنه مرسل إليه من قبل الله
وفيما قيل له في حق الزانية لعلها أن تتوب - على الوجه
الذي ذكرناه أولاً - فإن توبتها على يديه خير له من الصدقة
لقوله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمُر
النَّعَم ۱
1 أخرجه الإمام أحمد عن معاذ رضي الله عنه بلفظ مختلف
لأن بعض الزانيات قد لا يحملها على ذلك الفعل إلا قلة ذات
اليد والحاجة وعدم الصبر على ذلك فمثل هذه إذا وجدت شيئاً
يقوم بها كفت بخلاف التي تفعل ذلك لغلبة الشهوة في ذلك
الشأن وكذلك الجواب على السارق والخير فيه أعظم لأنه يكف
ضرره عن المسلمين وأما الغني فالبحث فيه مثل ذلك غير أنه
يكون أيضاً خيره متعدياً والخير المتعدي أفضل
وفيه دليل على أن جميع متاع الدنيا هبة من الله لعباده
بغير حق يؤخذ ذلك مما قيل له فينفق
مما أعطاه الله فجعل ذلك عطية خالصة وهو مذهب أهل السنة
وهو الحق وفيه دليل على فضل هذا المتصدق يؤخذ ذلك من أنه
جمع في أمره بين الحقيقة والشريعة فأما الحقيقة فإنه لما
تصدق - كما تقدم - ولم يوافق القدر اختياره حَمِد وسَلّم
فهذه الحقيقة سَلَّم الأمر لصاحبه وأما آداب الشريعة فكونه
أعاد فعله للصدقة ثانية فعل ذلك ثلاثة كل مرة يجمع بين
الحقيقة والشريعة فهذه أعلى الأحوال على ما تقدم في غير ما
موضع مَنّ الله علينا بها بلا
محنة بمنه وكرمه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
3
حديث صدقة المرأة من مال زوجها
عائشة رضي عن بيتها غيرَ مُفْسِدَةٍ كان لها أجرُها بما
أنفقت ولزوجها أجرُه بما كَسبَ وللخازِنِ
الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا
أنفقت المرأة من طعام
ذلك لا يَنقُصُ بعضُهم أجرَ بعض شيئاً
*
*
ظاهر الحديث يدل على حكمين أحدهما أن المرأة إذا أنفقت من
طعام بيتها - غير مفسدة - كان لها أجر نفقتها ولزوجها أجر
الكسب و الثاني أن الخازن الذي يفعل مثلها له من الأجر
مثلها والكلام عليه من وجوه
منها ما معنى تخصيص النفقة بالطعام ليس إلا وما مقدارها
حتى لا تكون مفسدة وهل لذلك حدّ معلوم أو هو فقه حالي وهل
الخازن والمرأة يحتاجان للإذن في النفقة أم لا وما معنى
النفقة هنا هل على العموم أو هل على الخصوص
أما قولنا هل النفقة على العموم فليس هي إلا على الخصوص
وهي بمعنى ا الصدقة يؤخذ ذلك من قوله لها أجرها لأن الأجر
لا يكون إلا في وجوه المعروف
وأما هل يحتاجون للإذن فلا بد لهما من ذلك لأن مال الغير
لا يجوز للآخر أن يعطيه إلا بإذن صاحبه لقوله لا يحل مال
امری مسلم إلا عن طيب نفس منه ۱ إلا أن الإذن قد يكون
باللفظ أو بالعادة مثال الذي بالعادة مثل الكسرة من الخبز
توهب إلى السائل بالباب أو ما أشبه ذلك ومثل الشيء اليسير
من الملح والماء والنار والخميرة للخبز وقد قال بعض
الفقهاء
1 أخرجه أبو داود والبيهقي وابن قانع وأبو نعيم عن أبي حرة
الرقاشي عن عمه حنيفة الرقاشي وأخرجه عبد الرزاق
عن الحسن مرسلا
٥٢٤
إن ما ذكر مع قدر البيت ومتاعه إنه مما لا يحل منعه فإذا
كان على هذا القول لا يحل منعه فلا يحتاج إلى إذن في ذلك
وإن كان باقياً على أصله مثل سائر الأموال
والظاهر الندب وعليه الجمهور وأن المرء يندب إلى ذلك ولا
سيما مع نص الأحاديث التي وردت في ذلك لأنه قال الله في
الذي يعطي الملح ما معناه له من الأجر مثل من تصدق بمقدار
الطعام الذي وضع الملح فيه ۱ والخميرة مثل ذلك والنار مثل
من تصدق بقدر الطعام الذي طبخ عليها والقدر بمثل الطعام
الذي طبخ فيها ومثل ذلك جاءت أحاديث كثيرة تبين قدر عظيم
الأجر مع يسارة الشيء المعطى ولم يقل إن من لم يفعله فعليه
من الإثم كذا وكذا وهذه
طريقة المندوب
وأما حجة من قال إنه واجب إعطاؤه ومنعه لا يحل فاحتجوا
بقوله تعالى ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ٢ فقالوا الماعون
هو متاع البيت نحو الأشياء التي سمينا قبل وكالحبل وما
يشبه ذلك وفي الحديث لما أن سأل السائل ما الشيء الذي لا
يحل منعه يا رسول الله فذكر فيه مثل الماء والملح والقدر
والخميرة وما يشبه ذلك ۳
وأما الذي عليه مذهب مالك رحمه الله والجمهور في معنى قوله
تعالى ويمنعون الماعون فإنها الزكاة المفروضة والأحاديث -
إن صحت ـ احتملت التأويل وما يحتمل التأويل لا يُعارض به
النص
فأما التأويل فيحتمل أن يريد بقوله ما لا يحل منعه أن يكون
واجباً تركه من طريق الشرع واحتمل وجوباً من طريق المروءة
وحسن المعروف بين الناس لقوله إنما بعثت لأتمم مكارم
الأخلاق 4 ومنع ما ذكرنا ليس من مكارم الأخلاق ا
إلا وأما الأصل الذي هو القاعدة الكلية قوله ٥ عليه السلام
لا يحل مال امرىء مسلم طيب نفس منه والمال ينطلق على
الكثير واليسير لكن الإذن في إنفاق مثل هذا الذي ذكرناه قد
رجع بالعرف مما سمحت به النفوس من المعروف بين الناس حتى
إن طالبه لا يعاب ذلك عليه في كريم الأخلاق وأن الشح به
يتعلق به الذمّ الكثير حتى إن حابسه لوجه ما لا يقدر أن
يَحْبِسَهُ إلا أن
1 لم نقف على مصدره سورة الماعون من الآية ٧
۳
لم نقف على مصدره
٤ أخرجه الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد والحاكم عن
أبي هريرة رضي الله عنه
٥ يريد فقوله
٥٢٥
يبين عذره في يحبسه أو ينكره مرة واحدة بأنه ليس عنده
مخافة على عرضه وقد قال صلى الله عليه وسلم ما
وقى المرء به عِرضَه كُتِب له صدقة ۱
فصاحبة الدار - على ما مرت من العادة على الاختلاف الذي
ذكرناه - لا يمكن لها ٢ منع ما ذكرناه إلا أن ينص صاحب
البيت عليه في ذلك الوقت إن أعطته تكون متعدية على أحد
الوجوه وأما على الوجه الآخر فلا يحل لها منعه وإن أمرها
بذلك لأنها تكون تعينه على ترك واجب
وهذا ممنوع شرعاً وما زاد على ما ذكرناه أيضاً لا يجوز لها
التصرف فيه إلا بإذنه قولاً واحداً واحتمل له وجهاً آخر أن
يكون تعاطي ذلك بينهم من قبل السَّلف والهِبَة على العوض
وما في ذلك من الجهالة مغتَفَر لكثرة حاجة الناس إلى ذلك
وندارة وقوعه فإن الغني والفقير محتاجان إلى ذلك ولو يوماً
ما غير أنه قد يكون بعض الناس في ذلك أحوج من بعض وهو وجه
إذا تأملته ترى فيه وجهاً ما من الاستحسان وهو كثير ما
يوجد ذلك النوع في الشرع مثل المساقاة والقراض ٣ وما أشبه
ذلك تراها مستثناة من قواعد ممنوعة وأبيحت من أجل الحاجة
لذلك وقاس عليها الفقهاء سلف الرغيف من الجار تحرياً بلا
ميزان ولم يجعلوه من باب البياعات وجعلوه من باب المعروف
ومثله الدرهم الناقص بالوزن كذلك أيضاً إذا كان ذلك في مثل
الدرهم الواحد أو الإثنين لأن ذلك عندهم من قبيل المعروف
أيضاً إلا أن يقترن من أجل الفاعلين قرينة
يتبين منها خلاف ذلك فيرجع الأمر إلى أصله من المنع وما
زاد أيضاً على ذلك المقدار ممنوع وهنا بحث وهو إذا قلنا
إنها إنما أعطت ما هو واجب على صاحب المنزل أو هو مندوب
فيرجع إلى بحثنا فعلى ماذا يكون أجرها فالجواب أنها خازنة
لجميع ذلك وقد قال الخازن الذي يعطي ما أمر به طيبةً به
نفسُه أَحَدُ المتصدقين ٤ لأنه لما طابت نفسه على ذلك
وياسر أخاه المعطى له بالمبادرة بالتعجيل كرامة إدخال
السرور عليه لأنه محتمل أن يبدو للمعطي فيمنع فيكون بطؤه
في إنجاز الهبة سبباً للحرمان وتعجيله سبباً إلى تحصيل
المعروف فإنه إذا رجع المعطي والوكيل قد أنفذ أمره بعيد أن
يأخذ المعروف من يد المعطَى له وأيضاً فمن قبل الأمر فإنه
بسرعة إخراج ما أمر به أعانه على إعطاء معروفه
ووجه آخر تيسير الخازن أيضاً تزيد به نفس المعطى له
انشراحاً ومرحاً فهو زيادة في
1 أخرجه الطبراني عن جابر رضي الله عنه بلفظ ما وقى به
المؤمن عرضه فهو له صدقة ٢ أي لا يمكنها
۳ المساقاة شركة بين صاحب زرع وشجر وعامل يسقيها على نسبة
متفق عليها والقراض المضاربة أو شركة مضاربة بين صاحب مال
و عامل أو تاجر
٤ أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن
أبي موسى رضي الله عنه بلفظ آخر
٥٢٦
المعروف وما هو زيادة في المعروف فهو معروف أيضاً وزيادة
ما قدمنا ذكره فظهرت فائدة قوله أحد المتصدقين
وعلى هذا المعنى بحث وهو أن النفس قد طبعت على الشح بما
جعل بيدها من متاع الدنيا وإن كانت تعلم حقيقة أنه ليس لها
فإذا جادَت به فلها الأجر لمخالفتها ما طبعت عليه من الشح
وامتثال الأمر فإن العالم بأسره يعلمون أن ما بأيديهم من
متاع الدنيا ملك لمولاهم وأنه بأيديهم عارية وقد أُمروا
بإنفاق اليسير منه ووعدوا على ذلك بالأجر العظيم وبالبركة
في الباقي والعقاب
على الترك ورفع البركة من الباقي ومع ذلك ما تجد من يجود
بالواجب في ذلك إلا القليل وكذلك خازن المال بيده وهو يعلم
أنه لغيره وأنه مذموم على تأخيره لإعطائه ما أُمِر به من
المال وغيره وأنه مشكور ومثاب على التيسير في إعطائه ومع
ذلك ما تجد من يفعل اليَسِير في ذلك إلا القليل لأجل
التعلق الطبيعي ومن أجل ذلك قال ما يخرج المرء الصدقة حتى
يفك فيها لَحْيَي سبعين شيطانا ۱ غير أن الفرق بين الرجلين
- أعني الخازن وصاحب المال ـ أن صاحب المال قد يظن أنه لا
ينزع المال من يده ويبقى حسابه إلى الآخرة عليه وأن الخازن
قد يقول إن صاحب المال يعزله ويأخذ ماله وإن بقي فإنما
المنفعة لربه ومع ذلك الطبع يحمله على ما ذكرناه حكمة حكيم
وفيه دليل لحسن طريق أهل الصوفة فإن كل ما كان فيه مخالفة
للنفس ولم يكن ممنوعاً شرعاً فإن صاحبه في ذلك مأجور إذا
استقريْتَ هذه القاعدة بحسب قواعد الشريعة تجدها ـ إن شاء
الله ـ غير منكسرة فأخذ أهل الطريق من أجل ذلك في مخالفتها
مرة واحدة حتى إنه ذكر أن إسلام بعض رهبان النصارى إنما
كان سببه ما كان ألزم نفسه من مخالفته إياها
ـه النصراني كيف وذلك لما رأى منه بعض علماء المسلمين من
حسن العبادة ما أعجبه فسأله رأيت يعني حاله فقال له بقي
عليك شيء واحد فقال وما هو فقال أن تُسْلِمَ فأطرق ساعة ثم
أسلم فقام أهل الدير من أهل دينه بالعياط فقال لهم بم نلت
فيكم هذه المنزلة قالوا بأجمعهم بمجاهدتك نفسك ومخالفتك
لها قال لهم وهذا هو الذي جعلني أسلمت فإنه لما ذكر لي
الإسلام لم تقبل فعلمت أنه الحق وأنه ما نلت ما نلت إلا
لمخالفتها فأسلمت لمخالفتي إياها وهذا هو الدين الحق فإنها
ما تهرب إلا عن الحق وحَسُنَ إسلامه
۱ لفظ الحديث ما يخرج رجل شيئاً من الصدقة حتى يفك عنها
لحيي سبعين شيطاناً رواه الإمام أحمد والبزار والطبراني
وابن خزيمة في صحيحه عن بريدة رضي الله عنه ومعنى يفك عنها
لحيي سبعين شيطاناً أن إخراج
الصدقة يؤلم سبعين شيطاناً رجيماً حرصوا على عدم أدائها
۵۷
والبحث مع المرأة كالبحث مع الخازن سواء ومن أجل ذلك عطف
أحدهما على
الآخر ومما يقوي مذهب مالك والجمهور في هذه المسألة قوله
عليه السلام غير مفسدة لأنه لو كان واجباً لكان محدوداً
إما بالكتاب وإما بالسنة وهذه حجة مالك ومن تبعه أن ما ليس
بمحدود إما بالكتاب وإما بالسنة فهو غير واجب لأنه لا يعرف
المكلف إلى أين يبلغ ولا بماذا يقع عليه اسم مُوَفَّ بما
أمر به وأما قولنا هل له حد محدود أو هو فقه حالي الظاهر ۱
أنه فقه حالي بدليل أن الناس ليس حالهم سواء فإذا جاء سائل
يطلب ملحاً من دار مَن قد وسّع الله عليه في دنياه ومن دار
ضعيف الحال فليس الأمر في ذلك سواء لأن الذي يعطيه من وسع
الله عليه في مرة واحدة هو الذي يكفي الضعيف في سنة أو شهر
فإن أعطت امرأة الضعيف مثل ما أعطته امرأة الغني أجحفت به
وأضرته وكانت مأثومة فيما فعلت فإن قلنا بمن يقول بالفرض
على الخلاف المتقدم فإنها قد أعطت أكثر مما يجب عليه وإن
كان على الوجه الآخر - وهو أكثر مما قد طابت به النفس ـ
فهذه قد أعطت ما لم تطب به نفسه فإن الضعيف إذا أخذ مثلاً
ملحاً بثمن درهم غايته إن طابت نفسه أن يخرج منه حفنة في
مرار عدة وأما أن تعطي نصفه أو أكثر من ذلك فلا تطيب نفسه
بذلك وأما من فتح له في الدنيا إذا أخذ من ملح فلا يعز
عليه أن يبذل منها الصاع والصاعين وهو قدر ما ينفق المسكين
في سنة أو
Y-
وبية ٢
شهر وكذلك غيره من الأمور وعلى ذلك فقس ولذلك قال عليه
السلام غير مفسدة لأنها يجب
عليها أن تنظر إلى حاله وما يحتمل وما لا يشق عليه من ذلك
لو أنه راه وهذا هو فقه الحال ولذلك قال تعالى لِيُنْفِقْ
ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ
فَلْيُنفق مِمَّا ءَانَنهُ الله لا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا
إِلَّا مَا ءَاتَنهَا ۳ فإذا كان هذا في الواجب فكيف في
المندوب
وأما قولنا لم خصت النفقة بالطعام ليس إلا فلوجوه منها أنه
الذي جعل للمرأة التصرف فيه بحسب العادة عندهم وأن المرأة
هي التي و أن المرأة هي التي تُطلب بتوفية ما يحتاج
الأولاد إليه من ترتب مرافقهم في معايشهم لأن الأب ليس
عليه أن يعطيها إلا ما يكفيها وبنيها وخادماً إن كان لها
وهي المتصرفة في ذلك بحسب ما فيه المصلحة للجميع ولذلك
قالت هند أم معاوية للنبي لا اله الا الله إن أبا سفیان
رجل شحيح فهل عَلَيَّ جُناح أن آخذ من ماله سراً فقال خذي
ما يكفيك أنت وبنيك
۱ يريد فالظاهر
الويبة مقياس للحجوم بمقدار كَيْلَتين
۳ سورة الطلاق من الآية ٧
۵۸
بالمعروف ۱ وغير الطعام هي عليه أمينة ولا يجوز لها التصرف
في شيء منه إلا بالإذن ولوجه اخر أيضاً ما جرت العادة
يتصرف فيه النساء دون مشورة الرجال إلا في الطعام ليس إلا
ولوجه آخر وهو أن ما ذكرنا من متاع البيت - على جري العادة
ـ فأعلاه الطعام فإذا كان لها التصرف فيه فمن باب أحرى
غيره ولوجه آخر أيضاً لكثرة دوام الاحتياج إليه مع الساعات
بل مع الأنفاس
بخلاف غيره من الثياب وغير ذلك فبان ما في قوله عليه
السلام من طعام بيتها من الفائدة
آخر في تخصيص الطعام بالبيت هل هو ما يكون في البيت من
الطعام وإن كان محجوراً عليها التصرف فيه مثل ما يخزنه
الرجل في بيته زائداً على ما يأكله هو وعياله وما كان
خارجاً من البيت وإن كان مما هو للمرأة وأولادها إنه ما
دام خارجاً من بيتها - وإن كان لها ولأولادها - فليس لها
التصرف فيه حتى يكون في بيتها وحينئذ يكون مباحاً لها
التصرف فيه دون حجر عليها فلا يكون لها التصرف إلا بجمع
العلتين وهو أن يكون لها وإما لأولادها في بيتها وأنه إذا
كانت إحدى العلتين منفردة فلا يحل لها التصرف
فالجواب أما إنه إذا كان بالوصفين فلا خلاف في ذلك وأما
إذا كان بوصف واحد فلا يخلو أن يكون في بيتها أو خارجاً عن
بيتها فإذا كان خارجاً عن بيتها فلا يخلو أن يكون تحت
حكمها وهي المسؤولة عنه أو غيرها هو المسؤول عنه فأما إذا
كان في بيتها ـ وهو محجور عنها ـ فهي تأخذ منه بالمعروف
سرًّا كما أخبر سيدنا الله أم معاوية في متاع زوجها أبي
سفيان كما تقدم ذكره وكذلك إن كان خارجاً عن بيتها وهي
المسؤولة عنه
وأما إذا كان خارجاً عن البيت والغير هو المسؤول عنه فلا
يجوز ذلك لها لما يلحق الغير من الضرر في ذلك وقد قال لا
ضرر ولا ضرار ٣ وفيه مع ذلك تحرز آخر في قوله عليه السلام
من طعام بيتها تحرزاً من الودائع والرهون لأنها في بيتها
وليست من متاع بيتها وإن كان
طعاماً وكلامه له مجامع الفوائد
وكذلك الخازن أيضاً كل ما كان في حفظه وخزانته إذا كان
وديعة عند الذي وكله على حفظه
أو رهناً عنده فالحكم هو نفس الحكم وقوله عليه السلام
ولزوجها أجره بما كسب يعني يكون أصل المال له وإن كان لم
يكن ذلك المال مكسوباً ولا موهوباً أو ما يشبه ذلك لكن لما
كان الغالب أنه لا يتحصل المال أو الطعام
1 أخرجه الإمام أحمد والبخاري والدارمي ومسلم وأبو داود
والنسائي عن السيدة عائشة رضي الله عنها بلفظ آخر
وهو موضوع الحديث ٩٥ ٢ أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه عن ابن
عباس رضي الله عنهما
۵۹
إلا بالكسب فجاء الخطاب منه على ما هو الأصل غالباً وعلى
هذه القاعدة وقع التخاطب بين الناس وجرت عليها الأحكام
فكأنه يقول لها وللخازن الأجر من أجل تلك العلل التي عللنا
لأنه ما واحد منهما يملك من المال شيئاً وكان لمن له المال
حقاً الأجر من كون المال له ثابتاً حقاً
ولا يطرد ذلك الحكم في المعصية لأنه إذا عصى أحد المذكورين
بالمال الذي اؤتمن عليه لا يكون على صاحب المال من ذلك
الإثم شيء إذا لم يعرف بفعلهما لأنه إذا عرف به وأعانه على
ما هو عليه كان شريكه في الإثم وإذا لم يعرفه لم يلزمه منه
شيء فإنَّه ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ۱
وبدليل ما جاء أنه إذا كان شخص مع أقوام فقام ليخرج عنهم
فسلم عليهم عند خروجه أنه إن هم بقوا في خير بعده كان
شريكهم في ذلك الخير وإن بقوا في شر لم يلحقه من
ذلك الشر شيء
فهذا وما أشبهه من طريق الفضل إذا كانت الأشياء التي فيها
الخير يشرك العبيد في ذلك الخير بأدنى ملابسة أو نسبة ما
ولا ينقص أجر بعضهم من أجر بعض شيئاً وإن كان شراً لم يتعد
صاحبه أو من أعانه عليه وهو عالم بذلك قاصد له فسبحان
المتفضل المنان لا ربَّ سواه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ سورة فاطر الآية ۱۸
٥٣٠
-45-
حديث إتلاف أموال الناس
قالَ البُخاريُّ رضي الله عنه قالَ رَسولُ الله صلى الله
عليه وسلم مَن أخذَ أموالَ النَّاسِ يُريدُ إتلافها أتلفه
الله قالَ البُخاري إلا أن يكونَ معروفاً بالصَّبْرِ
فَيوْثِرُ عَلى نَفْسِهِ وَلَو كانَ بِهِ خَصاصة كَفِعل
أبي بكرٍ حينَ تَصَدَقَ بِمالِهِ وَكَذلِكَ آثَر الأنصارُ
المُهاجرينَ ونَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَن
إضاعة المال فَليسَ لَه أن يُضيع أموالَ النَّاسِ بعلَّةِ
الصَّدقَةِ
ظاهر الحديث دعاؤه ل على من أخذ أموال الناس يريد إتلافها
والكلام عليه من وجوه منها هل هذا على عمومه وعلى ماذا يقع
هذا الدعاء هل هو حقيقة أو هو كما جاء عنه أن دعاءه رحمة
وإن كان اللفظ خلاف ذلك وهل ما يقع الحذر إلا بقصد الوجهين
أعني النية والفعل وإن أقلع وتاب منه هل التوبة ترفع إجابة
الدعوة بعد استجابتها أولا فالجواب أما قولنا هل هو على
عمومه فليس هذا على عمومه لأن من الأخذ ما يسمى سرقة وقد
حدّ فيه القطع ومنها ما هو خلسة فقد حدّ فيه الغرم ومنها
ظلم وفيه ما فيه ومنها ما هو قمار وفيه ما فيه ومنها ربا
وجاء فيه ما هو معلوم ومنها خيانة وقد جاء ما فيها فكل وجه
من وجوه الأخذ على خلاف المشروع فقد جاء فيه ما جاء وما
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجمع على أحد من أمته
عقابين فإن دعاءه أكبر العقوبات والوجوه المشروعة إذا أخذ
بها أحد شيئاً فليس بحرام فكيف يدعو عليه هذا مستحيل أيضاً
فما بقي إلا وجه واحد وهو من جملة المشروعات إلا أن له
شروطاً فكثير من الناس يفعله بغير تلك الشروط فيذهب به
كثير من أموال الناس وهو السَّلف لأنه إذا احتاج طالب
السلف وما ينظر إلى الشروط التي تجب عليه وحينئذ يأخذه
فإنما قصده زوال ضرورته في الوقت ففي هذا النوع هو دعاؤه
على من أخذها بغير شروطها
٥٣١
1 يريد أما ما يقع
قال البخاري إلا أن يكون معروفاً بالصبر فيؤثر على نفسه
ولو كان به خصاصة إلا به
استثنى أن يكون كفعل أبي بكر رضي الله عنه حين تصدق بماله
وكذلك اثر الأنصار المهاجرين فنحتاج أن نبين شروط السَّلف
فقد نص عليها الفقهاء وقالوا إنه لا يجوز لأحد أن يأخذ
سَلفاً ولا ديناً إلا أن تكون له ذمة تفي بدينه على كل حال
وإلا يدخل تحت هذه اللعنة لأنه غَرَّر بأخيه المسلم لكونه
أخذ ماله وهو ليس له قدرة على أن يوفيه فإن المعطي يقول في
نفسه لولا ما الا خلابة ولا يعلم هو من نفسه أن له ما يؤدي
منه ما يأخذ مني ما طلبه لأن أخوة الإسلام تقتضي
غبن 1
ولا خيانة أو يبين له حاله ويقول له ليس لي ذمة على ما اخذ
منك هذا المال وإنما تسلفه لي فإن فتح الله عليَّ بشيءٍ
أعطيتك إياه وإلا ما لَكَ قِبَلي لَوْم فإن رضي وأعطاه على
ذلك الوجه فما غرّر به فكأنه قال له تصدَّق عليَّ بحيلة ما
فإن فعل فهو صدقة أو معروف محتمل للرد أو غيره فلا يدخل
تحت هذا الدعاء ولهذا المعنى الخفي كان دعاؤه لأنه فعل في
الظاهر فعلاً مشروعاً وفي الباطن ما أشرنا إليه
ويترتب على هذا من الفقه أن كل شيء فيه شروط ظاهرة وباطنة
فلا يجوز لأحد فعله إلا بتمام تلك الشروط أو يبين عجزه
عنها كيلا يغرّر بالغير وقد قال مَن غَشنا فليس منا وأما
الصفة التي أجاز عليه السلام معها أخذ المال - وهي ما نبه
عليها البخاري رحمه
الله عقيب الحديث بقوله إلا أن يكون معروفاً بالصبر فيؤثر
على نفسه ولو كان به خصاصة كفعل أبي بكر رضي الله عنه حين
تصدق بماله وكذلك اثر الأنصار المهاجرين رضوان الله عليهم
- فهي قوة الإيمان التي توجب كثرة السخاء والصَّبر على
الضّرّاء فإن أبا بكر رضي الله عنه أتى بجميع ماله فقيل له
ما أبقيت لأهلك قال الله ورسوله
والأنصار والمهاجرون إذا كانت لهم ضرورة ويرون غيرهم في
ضرورة ينظرون أولاً في حق أخيهم المسلم ويحملون أنفسهم على
الصبر كما فعل بعضهم حين أتى إلى النبي بعض الواردين فقال
من يضيف الليلة هذا وعلى الله ثوابه فقام بعضهم فأخذه
وحمله إلى منزله وقال لعياله عندك شيء فقالت له ما عندي
إلا شيء يسير للأولاد فقال لها نومي أولادك فإذا ناموا
قدمي الطعام فإذا قدّمته فقومي إلى السراج لِتُصْلِحِيه
فأطفئيه ونمدّ أيدينا إلى الصحفة كأنا نأكل ولا نأكل شيئاً
فلعل الضيف يشبع أو كلاماً هذا معناه ففعلت المرأة ما
أمرها
۱ الخلابة الخديعة والغبن الغلبة والنقص أخرجه الطبراني عن
ابن عباس رضي الله عنهما وللحديث بقية
به فلما أتى النبي الله صبيحة الليلة تبسّم عليه السلام
وقال له شَكَرَ الله البارحة صنيعك
مع ضيفك ۱
ومثله ما ذكر عن عليّ رضي الله عنه أنه دخل والأولاد يبكون
من الجوع فقال ما شأنهم فأخبرته رضي الله عنها بأنه من
الجوع وليس عندهم شيء فخرج فاقترض ديناراً ليشتري به لهم
ما يأكلون فبينا هو راجع به إذا أحد قرابته فسأله عن حاله
فأخبر أن عياله في جوع شديد وأنه ليس عنده شيء فدفع له
الدينار كله ودخل بيته وليس عنده شيء وكان هذا عشية النهار
ثقة
ثم خرج يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فدنا منه في
الصلاة فلما فرغت الصلاة التفت عليه السلام إليه وقال له
يا علي هلا عشيتني الليلة فتفكر في نفسه أنه ما عنده شيء
فقال له نعم بالله ثم ببركته فأتى معه إلى منزل عليّ فدخل
علي و النبي معه ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم يا بنية
ألا تعشينا فالتفت عليّ فإذا في البيت ثريد مغطّى يبخر
فقدم لهم فقال له يا علي هذا بالدينار الذي أعطيته فلانا ۳
وحمد عليه السلام الله على ما جعل في أهل بيته مِمّا أشبه
مريم عليها السلام حين قيل لها أَنَّكَ لَكِ هَذَا قَالَتْ
هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۳ وما أشبه هذا عنهم رضي
الله عنهم كثير فمن يجود بضرورته على غيره بغير حق له عليه
فكيف بحق إذا كان له عليه وبقيت هنا علة أخرى لأنه لا يأخذ
السَّلف إلا حين يكون مضطراً كما ذكرنا آنفاً فإذا كان
مضطراً ومرت به ثلاثة من الأوقات تعيّن له في مال الغير حق
واجب وهل يلزمه عند يُسْره ردّه أم لا خلاف بين العلماء
فمنهم من يقول إنه حق قد وجب فليس عليه رده ومنهم من يقول
وإن كان حقاً قد وجب فلا يسقط أداؤه إلا باستصحاب الفقر
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم إن المحتاج له أن
يقاتل صاحب المال إذا امتنع من أن يعطيه فإن قتل صاحب
المال فشر قتيل وإن قتل المضطر فشهيد ٤ أو كما قال فلما
كان هذا الأمر خفياً ولا يعلمه إلا الله والذي نزلت به
الحاجة أبقيت الأحكام في المنع على ظاهرها وأشار هنا إلى
العلة الموجبة للجواز
فعلى هذا فالسلف على أربعة الثلاثة منها جائزة والرابع
ممنوع بمتضمن هذا الحديث وما قد ذكره العلماء كما أشرنا
إليه أولاً فالأربعة الأوجه أحدها أن يكون له ذمة تفي
بدينه على كل حال فهذا جائز باتفاق و الآخر أن يبين له
حاله وأنه إنما يقترض منه ويبين له أنه ليس له
1 أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ ا
لم نقف على مصدره ۳ سورة ال عمران من الآية ۳۷
٤ لم نقف على مصدره
٥٣٣
ذمة مقابلة دينه وأنه في حكم المشيئة إن فتح الله عليه
أداه وإلا فلا يطالبه بشيء فهذا جائز وإن كان خالف فيه بعض
الناس والظاهر الجواز وقد قدمنا العلة في جوازه و الآخر أن
تجتمع فيه تلك الأوصاف التي في أبي بكر والمهاجرين
والأنصار رضوان الله عليهم وهي كثرة السخاء والصبر ولا
يقترض إلا عند الضرورة الشرعية ويكون اقتراضه بقدر ضرورته
فهذا جائز بمقتضى ما عللناه آنفاً وقواعد الشرع كلها تدل
على هذه الإشارة وتنص عليها
و
الرابع وهو أن يأخذ السلف على غير ذمة له وليست له تلك
الضرورة الشرعية ولا يبين عدمه لصاحب المال فهو الذي يدخل
تحت ما تضمنه الحديث من دعائه له ولأن الضرورة الشرعية
كثير من الناس لا يعرفها
وما أعني بـ الناس هنا إلا بعض الذين ينتسبون إلى العلم
لأنهم قعدوا لأنفسهم قواعد نفسانية وجعلوها من ضروراتهم
اللازمة شرعاً واستباحوا بها أخذ أموال الناس وقالوا نحن
مضطرون لا حرج علينا وتعيَّن لنا على الناس حق فما أخذنا
هو بعض حقوقنا وهو مصادم لما نبه عليه البخاري رحمه الله
بقوله إلا أن يكون معروفاً بالصبر تحرزاً من أن يقول هو في
نفسه حين تأخذه الحاجة أنا آخذ السلف وأجاهد النفس وأصبر
على الضيم حتى أؤدي مال الغير قيل له على لسان العلم هذا
حديث نفس وهي خوانة ۱ إلا إن كان لك صبر حتى عرف ذلك منك
وانظر هذه الإشارة حتى يعرفه العبد منه ولم يقنع أن يكون
هو قد عرف الصبر من نفسه فيما تقدم إلا حتى يعرفه الناس
ولا يكون صبره من حيث أن يعرفه الناس إلا لكثرته حتى يكون
في حكم المقطوع به و شرط ثانٍ أن يكون ذلك الصبر الذي يعرف
منه من شأن الإيثار على نفسه ومعناه أن يكون ذلك الإيثار
من أجل الله ويفضل جانب القربة إلى الله على ضرورته تحرزاً
أن يكون صبره لشهوة أو من غير اختياره لعدم الشيء وقلة
الصبر إذ ذاك ما يكون لها فائدة إلا أنها أحسن حالة من
غيرها لا يحكم لصاحبها بالوفاء عند مواقف الرجال وأنه مع
صبره أيضاً يعرف بالإيثار على نفسه مع الخصاصة ومع الحاجة
والضيق
فانظر إلى هذه الشروط هل يمكن في زماننا هذا وجودها إلا إن
كان نادراً جداً ثم بعد هذه التقييدات أعطى البخاري المثال
فقال مثل أبي بكر ولم يقنعه أن سماه إلا حتى ۳ ذكر تلك
الصفة المباركة المشهورة وهي خروجه عن جميع ما ملك إيثاراً
الله ولرسوله ثم أكدها بأن قال
۱ كذا والصواب خيانة كذا بزيادة إلا قبل حتى ۳ كذا و إلا
هنا زائدة
٥٣٤
وكذلك أثر أي الذي كان فيه الإيثار من الأنصار للمهاجرين
ولم يقل عن جميعهم إلا عن الذين
كانت فيهم تلك الصفة البكرية
ويترتب على هذا من الفقه أن المبين للأحكام يجب عليه أن
يبين جميع الأحكام وإن كان فيها ما هو نادر قد لا يمكن
وقوعه لندارته من أجل أن يقع فلا يعرف الحكم فيه فعلى
التقسيم الذي قلنا أولاً إنه - أعني السَّلف - على أربعة
أوجه الثلاثة جائزة والواحد ممنوع - على ما بيناه ـ أن هذا
في موضع التقسيم بحسب الحديث من أجل أن يعرف حكم الله بحسب
ما بينه صلى الله عليه وسلم
وأما بحسب أحوالنا اليوم وما يعرف من الأكثر من الناس -
كما أشرنا إليه - فلا يكون الجائز
منها إلا اثنين والاثنان الآخران ممنوعان الواحد لكونه
مجمعاً على منعه كما ذكرنا والثاني وهو الذي تقدم ذكره من
تعليلهم بفعل أبي بكر وإيثار الأنصار ممنوع لعدم وجود
الشروط المذكورة فيه وهو أيضاً ممنوع من باب سد الذريعة
كيلا يقع الناس فيما لا يجوز لهم وهم يظنون أنهم على لسان
العلم فالوجهان الجائزان إما من له الذمة كما قدمنا وإما
مَن يُبيّن حاله على الخلاف الذي ذكرناه
وأما قولنا هل هذا حقيقة أو هو كما جاء أن دعاءه عليه
السلام رحمة وإن كان ظاهره غير ذلك فالجواب أن كل دعاء منه
عليه السلام على طريق الزجر على ألا يفعل فعلا فهو حق وأما
الذي هو خير - وإن كان ظاهره خلاف ذلك ـ فذلك كما أخبر هو
إذا كان ذلك منه عليه السلام لأمر ما قد وقع
وأما قولنا هل لا يقع ۱ الدعاء إلا بالوصفين معاً وهو أخذ
المال والنية فهذا هو ظاهر الحديث فإذا كان أحدهما فلا
يخلو أن تكون نية دون عمل فهذه لا يلزم فيها حكم إلا أنها
نية سوء يجب عليه التوبة منها وإن كان فعلا دون نية مثاله
أن يأخذ السَّلف ويذهل عن أن يبين الشرط فهذا فيه إشكال من
أجل أن المال قد أخذه وهو لا ذمة له ولا بيَّن لصاحبه حاله
وقال الخطأ والعمد في أموال الناس سواء فهذا الحديث يحكم
له بأنه مثل من تعمد ذلك
وبنص الحديث الذي نحن بسبيله وقوله يريد إتلافها فالنية في
ذلك مع الأخذ مشروطة فمن أجل هذا هو مشكل وما هو مشكل مثل
هذا فتركه أولى لأن الدخول تحت دعائه ا ليس بالهين وإنما
بَحْثنا إن وقع ثم
1 يريد ألا يقع
٥٣٥
تاب هل إجابة الدعوة بعدما أجيبت تزول أم لا فهنا تقسيم
فلا يخلو أن تكون توبته بعدما ردَّ مال الغير الذي كان قد
أتلفه أو يتوب ولم يردّ المال لصاحبه بل كانت توبته على
ألا يفعل مثل هذا أبداً فأما إن كانت توبته بعد ما ردّ
المال فيرجى ألا يلحقه الدعاء لأن عدم المال لا يمنع
حقاً
جبر
و أن المال قد رجع إلى صاحبه فالضرر الذي كان لحق صاحب
المال قد زال عنه واستبشرنا بكون الله عزّ وجلّ قد منّ
عليه برده مال الغير أنه ما كانت نية سيدنا ل إلا أن يكون
إتلافاً لا بعده هذا قوة رجاء في فضل الله وما نعلم من
رحمته عليه السلام بأمته
وأما الذي يعترض ويقول إن السبب الذي علق به الدعاء - وهو
أخذ المال بنية أنه لا يرده ويتلفه - فقد وقع الدعاء
والإجابة في دعائه عليه السلام في حكم المقطوع به فإذا
قبلت فلا تُرَد فهو أمر محتمل من طريق الخوف والذي قدمناه
أولاً هو الأظهر والله أعلم
1 الموت
وأما إن كانت توبته إقلاعاً عن الفعل ومال الغير باق في
ذمته فشروط التوبة لم تصح بعد فنحن مع وجود شروطها فيه ما
تقدم فكيف مع عدمها لكن هو خير ممن يستمر على العمل ولعله
ييسر له في شيء يؤدي به عن نفسه أو يحله صاحب الحق فيقوى
له الرجاء إن جعلنا تحليل صاحب الحق مثل الأداء وإن قلنا
إن التحليل هنا ليس كمثل أخذ الحق فيبقى فيه توقف وهذه
المضايق الهروب منها أولى ومن أجل هذه المضايق أصل أهل
الطريق طريقهم على الصبر على الظمأ حتى إلى ولا يتعرضون
لشيء فيه خلاف كما ذكر عن بعضهم أنه لحقه جوع شديد ومجاهدة
ولم يكن له شيء ثم فتح عليه في طعام لم يرتضه فأبى أن يأكل
منه شيئاً فقالت له أمه كل يا بني وأرجو أن الله يغفر لك
فقال لها نرجو أن الله يغفر لي ولا اكله فلم يأكل منه
شيئاً مع كثرة حاجته إليه ومثل ذلك ما روي عن أبي بكر رضي
الله عنه حين أتاه خادمه بالطعام فلم يسأله إلا بعد ما أكل
منه لقمة فلما رفع اللقمة وأكلها قال له الخادم يا سيدي
عادتك لا تأكل طعاماً حتى تسأل عنه فما بالك في هذا فقال
شدة الجوع حملتني على ذلك ولكن من أين هو فأخبره أنه من
جهة كذا وسمّى له جهة لم يرتضها فأخذ أبو بكر رضي الله عنه
عند ذلك يردّ تلك اللقمة من بطنه بعد ما ابتلعها فلم تخرج
إلا بعد أمر شديد ومعالجة فقال له الخادم يا سيدي هذا على
لقمة واحدة فقال نعم ولو لم تخرج إلا بنفسي لأخرجتها فإني
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كل لحم نبت من
الحرام فالنار أولى به
۱ حتى حرف عطف والمعطوف مقدر
لفظه كل جسد نبت من سُحتٍ فالنار أولى به أخرجه الطبراني
وأبو نعيم عن أبي بكر رضي الله عنه وقد ورد
بعد هذا الحديث أبيات من الشعر نثبتها كما وردت
=
٥٣٦
وقد قيل
إذا كنت لا أمنع نفسي شبهةً ولا في مطعم
فكيف طريقي إلى التقى
كلا وبـل هــي
أثقلتني
ظلم
أتَوَرّع
وهل من لتوفيق والخيــ
ـل لي نور في القلب يوضع
ذنوب وعيدك بهــــا ـرّ نار تقلع
إلهي أرجــــــوك فــــــي تــــــوبــــة وبك أسأل كيف
أصنــ مي من يثرب إلا مــا هــديتني إلــى مــا منهــا
فبـ
وأما قوله نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة
المال فليس له أن يضيع أموال الناس بعلة الصدقة هذا تأكيد
لما تقدم لأنه إذا منع إضاعة مال الغير عموماً فليس لك أنت
أن تخصص لفظه بأن تقول إنما أستلف من أجل أني أتصدق بما
أستلف وليس هذا من باب عموم إضاعة المال بل هي إضاعة محضة
حتى تعلمه فتقول له أستلف منك هذا المال على أن أتصدق به
على نفسي فإن فتح الله عليَّ رددتُ إليك مالك وإلا فلا
تَبِعَة لك عليَّ فإن رضي فحسن وإلا فلا
وهنا علة أخرى مع كونك خصصت عموم قول الشارع عليه السلام
برأيك وليس ذلك أن الذمة قد تعمرت حقاً والصدقة التي
أعطيتها محتملة إن قبلت أو لا فكيف يبرأ شيء متحقق بشيء
مشكوك فيه هذا ممنوع شرعاً وعقلاً
لك وهي
ولا يحملك على أن ترتكب هذا المحذور من أجل بعض أخبار وردت
عن بعض المباركين منها أن بعضهم كان في سَنَة شديدة
فاستقرض جملة مال واشترى به طعاماً وفرقه على المساكين
فلما جاء أصحاب المال يطلبون مالهم توضأ وركع ركعتين وسأل
الله الكريم ألا يخزيه معهم ثم قال لهم ارفعوا الحصير
فانظروا هل تجدون تحته شيئاً فرفعوا الحصير فإذا تحته مال
فقال لهم خذوا قدر مالِكم فوجدوه مثله سواء بسواء
فهذا السيد احتمل حاله أشياء منها أنه قد تقدمت له مع
مولاه عادة فعمل عليها وقد قال مَن رُزِق من باب
فَلْيَلْزَمْهُ ۱ وقال أصحاب التوفيق إنه من فتح الله له
باباً من خير من باب خرق العادة فذلك لسان العلم فيما يخصه
واحتمل أن يكون مجاب الدعوة وهو يعلم ذلك من مولاه بما
تقدم له أيضاً واحتمل أن كانت معاملته مع الله صادقة
فقبلها فلما قبلها لم يكن
ليضيعه عند احتياجه إليه حاشاه
۱ سبق تخريجه في الحديث ٤٨
فلا يجوز لمن ليست له من هذه الوجوه شيء أن يقتدي بمثل هذا
السيّد ولا بما يذكر من
مثله فإن مثل هؤلاء يُسلّم لهم ولا يُقتدى بهم ولا يُعترض
عليهم لعدم الحال الموجب لذلك ولذلك قال بعض من نُسب إلى
هذا الشأن إذا كان أمرك إلى مولاك مصروفاً وقلبك ببابه
موقوفاً ويدك عن الدنيا مكفوف ۱ وحالك بأمره ونهيه محفوفاً
فقد رحلت عن الدنيا وإن كنت بها موقوفاً فجعل صحة حاله أن
يكون بالأمر والنهي من كل الوجوه محفوظاً وهذه زبدة الأمر
وهو الحق الذي عليه أهل الحال والمقال جعلنا الله ممّن منّ
عليه بهما إنه ولي حميد
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
تسليماً
۱ كذا
۵۳۸
-٧٤-
مُسلم
حديث الأمر بالصدقة على كل مسلم
عن سعيد بن أبي بردة ١ عَن أبيهِ رَضِيَ الله عَنهُما
أَنَّ النَّبِيَّ قال على كُلِّ صدَقَة فَقالوا يا نَبِيَّ
الله فَمن لم يجد فَقالَ يَعملُ بيده فَيَنفع نَفْسَهُ
ويَتصدَّقُ قالوا فَإِن لَم يَجد قالَ يُعينُ ذا الحاجة
المَلهُوفَ قالُوا فَإِن لَم يَجد قالَ فَلْيَعمل بالمعروف
وليمسك عَنِ الشَّرِّ فإنَّها لَهُ صَدقَة
ظاهر الحديث يدل على الأمر بالصدقة والتسبب فيما به يتصدق
والكلام عليه من وجوه منها هل هذا الأمر على الوجوب أو على
الندب وما معنى قوله عليه السلام فليعمل بالمعروف وليمسك
عن الشر فإنها له صدقة فالجواب أما الأمر فهو على الندب لا
بالصيغة بل بالاستقراء من خارج منها قوله الله في حديث غير
هذا لا صدقة إلا عن ظهر غِنَى عند يعني وقوله عليه السلام
أيضاً في ركعتي الضحى إنها تجزىء عنه ۳ القدرة عدم
على الصدقة
وقوله عليه السلام آخر الحديث فليعمل بالمعروف وليمسك عن
الشر فإنها له صدقة وهذا من الواجب مع وجود الصدقة أو عدم
وجودها لأنه لا يجوز له أن يعمل الشر ويترك المعروف لكن
المراد في هذا الموضع ما زاد على الواجب فهو له صدقة وقد
قال عليه السلام
1 سعيد بن أبي بردة حفيد أبي موسى الأشعري هو وأبوه من
التابعين ثقة ثبت توفي في الكوفة سنة ۱۳٨ هـ لفظ الحديث لا
صدقة إلا من ظهرِ غِنى واليد العليا خيرٌ من اليد السفلى
وابدأ بمَن تَعُول أخرجه الإمام
على الأصح
أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه ۳ أخرج الإمام أحمد عن
بريدة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول في الإنسان ستون وثلاثمائة مفصل فعليه أن يتصدق عن كل
مفصل منها صدقة قالوا فمن يطيق ذلك يا رسول الله قال
النخامة في المسجد تدفنها والشيء تنحيه عن الطريق فإن لم
تقدر فركعتا الضحى تجزىء عن ذلك
۵۳۹
والكلمة الطيبة صدقة وإماطة الأذى عن الطريق صدقة ولقاء
المؤمن لأخيه ببشاشة الوجه صدقة
أو كما قال عليه السلام
ويؤخذ من هذا من الفقه أن الدين كله مطلوب فرضه وندبه
والتسديد فيهما جميعاً لقوله
عليه السلام فسددوا وقاربوا على ما مرّ الكلام عليه وفيه
دليل في فضيلة الصدقة وفيه دليل لأهل الصوفة الذين بنوا
طريقهم على البذل والإيثار حتى يروى عن جماعة منهم أنهم
كانوا لا يحتملون أن يبيت عندهم شيء من الصدقة المعلومة في
بيوتهم قوله عليه السلام على كل مسلم صدقة يعني ودلّ على
أن الكافر لا تقبل منه الصدقة لكونه خصصها بالمسلم وفيه
دليل لمن يقول إن الكافر ليس مخاطباً بفروع الشريعة يؤخذ
ذلك من كونه لم يعلق
الصدقة إلا بمسلم
ى ما في الإيمان من الرحمة والإسلام
وفيه دليل على أن اليسارة في الناس هي الأغلب يؤخذ ذلك من
كونه عليه السلام أطلق الصدقة على كل مسلم وفيهم - ولا بد
- الذي ليس له شيء وقد استدل بعض العلماء على قلة المساكين
بكون المولى جل جلاله لم يفرض الصدقة إلا ربع العشر ولم
يجعله مطلقاً إلا في نصاب معلوم وهي خمسة أو اق أو عشرون
ديناراً وما كان العليم الرحيم ليفرض لعباده شيئاً لا
يكفيهم وهو يعلم حالهم وعددهم أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ
وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ ۱ فلما علم قلة المساكين
وأن ذلك المقدار يكفيهم فرض لهم ما يكفيهم ولو أن الأغنياء
أخرجوا جميعاً ما أوجب الله عليهم من الزكوات ما احتاج
مسكين لأن يسأل أحداً
وفيه دليل على أن الأحكام تجري على الغالب يؤخذ ذلك من
كونه عليه السلام عمَّ بالصدقة جميع المسلمين وفيهم من
ذكرنا من الضعفاء وهم الذين يأخذون الصدقة المأمور بها
وفيه دليل على أن هذه الصدقة اليسير منها يجزىء يؤخذ ذلك
من كونه لم يحدّ فيها نصاباً ولا مقداراً مثل ما فعل في
الفرض وهذا أيضاً من الأدلة على أنها ليست بواجبة وقوله
فقالوا يا نبي الله فمن لم يجد قال يعمل بيده فينفع نفسه
ويتصدق فيه دليل على مراجعة العالم في تفسير المجمل وتخصيص
العام يؤخذ ذلك من قولهم فمن لم يجد
وفيه دليل على ما للصحابة من الفضل علينا - كما ذكرناه
أولاً - لأنهم تلقوا الأحكام بالخطاب وسألوا في مثل هذا
وغيره حتى بانت الأمور ووضح الحكم
۱ سورة الملك من الآية ١٤
٥٤٠
وفيه دليل على فضل التكسب لكن إذا كان على لسان العلم
ويكون عوناً على الدين يؤخذ ذلك من قوله يعمل بيده
وفيه دليل على جواز الصناعات على الإطلاق لعموم قوله عليه
السلام يعمل بيده ولم
يخص عملا دون غيره
وفيه دليل على تقديم ضرورة الشخص على الصدقة يؤخذ ذلك من
قوله عليه السلام فينفع نفسه ويتصدق فإنه أتى إثر عمل اليد
بنفع النفس وأتى به بالفاء التي تفيد التسبيب والتعقيب
وحينئذ عطف عليه الصدقة وهم ما كان سؤالهم إلا على الصدقة
وفيه إذا نظرت إشارة عجيبة لأنه لو قال يعمل ويتصدق لكان
الشخص يقول أعمل فيما أتصدق به وأبقى أنا على ما يفتح الله
لي فأشار هنا بتقديم الانتفاع له لأنه من أكبر الصدقات أن
يزيل حكمه عن غيره ويبدأ بالذي هو أهم وبعد ذلك يتصدق
وكونه عليه السلام قال ينفع نفسه لفظ جامع لجميع ما هو
محتاج إليه من ضرورات نفسه وعياله أو سكنه أو غير ذلك مما
إليه حاجة البشرية إلا أنه بقيد الشريعة فإن هذا أصل في كل
الأمور
وقوله قالوا فإن لم يجد يؤخذ منه تنويع البحث على العالم
إذا دعت لذلك ضرورة ويؤخذ منه استنباط المسائل الممكنة
الوقوع وإن لم تقع بعد وأن هذا من الدين وصاحبه مثاب وقوله
يعين ذا الحاجة الملهوف هنا بحث لم قال ذا الحاجة ونعته
بالملهوف وكل من أعان في حاجة مسلم فهو مأجور لقوله الله
في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ۱ فالجواب أن
الإعانة في الحاجة مثاب عليها لكن الصدقة أرفع كما أشرنا
قبل فلما نوّع السؤال عليه أراد أن يبقى لهم أفعالاً يكون
الثواب عليها مثل الصدقة فلما أن كان صاحب الحاجة بهذه
الصفة الزائدة - وهي كونه ملهوفاً - نبه عليه لما فيه من
زيادة الأجر على أن لو كانت حاجة دون لهف فحينئذ بزيادة
هذه الصفة يكون له مثل ما فاته من عمل الصدقة وفيه دليل
لتقعيد الأحكام بألفاظ العموم لأن الحاجة لفظ عام وكذلك
اللهف أنواع
بحسب الحاجات وأصحابها والملهوف كناية عن الحائر في حاجته
القليل القدرة على القيام بها فهو يشبه المضطر وقد يكون
أكد منه لأن المضطر قد ألف الصبر وأيقن بعجزه وهذا متلهف
من جانب إلى جانب ومن وجه إلى وجه وقد حار في نفسه ولا
يعرف من أين يكون له الفَرَج ولا
ضرورته يفيد فيها القعود والاستسلام
جزء من حديث رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أوله من
نفس عن مؤمن كربة من كُرَبِ الدنيا نفْسَ الله
منه كُربةً من كُرَبِ يوم القيامة الخ
٥٤١
مثاله من عليه دين وقد حان وقته وهو ليس له شيء وهو لا
يقدر أن يثبت عُدْمَه وصاحب الدين لا يُفتره ولا يعذره
فالقعود لا يمكنه والخلاص لا يقدر عليه ووجه الرشاد إلى
راحته لا يعرفه فحاجته أشدّ من المضطر لأن المضطر قد يفوض
الأمرَ كلَّه إلى الله ويصبر على
ما نزل به حتى يأتيه فرج الله والإعانة هنا بماذا تكون هل
تكون بالموجود أو بالإرشاد فالجواب أنه لو كانت بالمعلوم
لكانت أعلى الصدقات نعم لفظ الإعانة يقتضي بالمعلوم وغيره
لكن لمّا كان بساط الحال مما يفعل عند عدم الوجود ذكرت
إعانة الملهوف فتخصص اللفظ ببساط السؤال فقام عون هذا
الملهوف وإن لم تعطه من عندك شيئاً مقام الصدقة لما فيه من
تفريج كربه في الوقت لأن الثواب على الصدقة إنما هو لما
يدخل على أخذها من راحة نفسه ولذلك كان أكثرها ثواباً إذا
كان الآخذ أكثر احتياجاً وإذا قلت مثلا لهذا الملهوف أنا
أدلك على وجه يكون لك فيه راحة فقد أدخلت عليه من السرور
في الوقت أكثر مما يدخل على صاحب الصدقة إذا لم يكن أخذها
مثل هذا
عموم
وقوله قالوا فإن لم يجد هنا بحث كما تقدم قبل في الجواب
على قوله عليه السلام فليعمل بالمعروف وليُمسك عن الشرّ
فإنها له صدقة وهو كيف يقوم عمل واجب عن تطوع فإن العمل
بالمعروف والإمساك عن الشر مما هو واجب شرعاً والصدقة -
كما قدمنا - في هذا الموضع مندوبة فالجواب إن الأمر
بالصدقة لا يلزم منه ترك الشيء والعمل بالمعروف إنما يلزم
ذلك من قواعد الشريعة كما يندب مع الصدقة وعدمها بمقتضى
قواعد الشريعة إغاثة الملهوف والندب إلى التكسب الحلال
لينفع نفسه ويتصدق وكما يقال في حديث اخر حين ذكر الصدقة
ثم قال في من لم يجد أن ركعتي الضحى تجزىء عنها وركعتا
الضحى مندوب إليها مع وجود
الصدقة وعدمها
ـه وهي
إغاثة
فمفهوم الحديث على هذه التنويعات أنه ندب أولاً إلى الصدقة
لما فيها من الخير المتعدي فعند العجز عنها ندب أيضاً لما
يقرب منها أو يقوم مقامها لما فيها أيضاً من الخير المتعدي
وهو العمل والانتفاع والصدقة وعند عدم ذلك ندب إلى ما يقوم
مقامه الملهوف - كما بينا - ثم عند ذلك كأنه عليه السلام
يقول بعد عدم هذه المذكورات ليس في أفعال البرّ ما يشبهها
لكن من فعل شيئاً من المعروف - والمعروف هنا ما هو مندوب
إليه شرعاً من جميع المندوبات ولو إماطة شيء من الأذى عن
طريق المسلمين ولو ركعتي الضحى فمعناه أن لا تُخلِ نفسك من
فعل مندوب من المندوبات وإن قل - فإن في كل منه صدقة بمعنى
فيه أجر وإن لم تقدر على فعل شيء من المندوبات فإمساكك عن
الشر ومعنى الشر هنا ما مُنعته شرعاً - فإنه صدقة أي إنك
فيه مأجور فهذا التنويع منه الله تسلية للعاجز عن أفعال
المندوبات إذا كان ذلك عجزاً لا اختياراً
٥٤٢
ومما يشبه ذلك ما ورد أن الفقراء من الصحابة رضوان الله
عليهم لما جاءوا واشتكوا إلى النبي إن أصحابنا من أهل
الجدة سبقونا بالصدقة قال عليه السلام ألا أدلكم على ما هو
خير من ذلك تسبحون دُبَرَ كل صلاة ثلاثاً وثلاثين وتكبّرون
ثلاثاً وثلاثين وتحمدون ثلاثاً وثلاثين وتختمون المائة بلا
إله إلا الله وحده لا شريك له فذلك خير ۱ فلما بلغت
الأغنياء فعلوا كفعلهم فرجع الفقراء إليه الا الله فأخبروه
بذلك فقال لهم صلى الله عليه وسلم ذلك فضل الله يؤتيه من
يشاء ويترتب على هذا من الفقه أنا مطالبون بجميع فرائض
الدين ومندوباته وتطوعاته والشأن أن يُقدم الفرض ثم الأعلى
فالأعلى من جميع المندوبات ومن وسعه عمل الكل فنعم ما فعل
فإن فعل الأدنى من المندوبات مع القدرة على الأعلى فقد ترك
ما هو المستحب لكن لم يُخْلِ نفسه من الخير فإن لم يفعل من
المندوبات شيئاً فقد غبن نفسه غبناً كبيراً فليجتنب الشر
فإنه مأجور في ذلك فإن لم يفعل ذهب عنه الدين ولا علم عنده
نسأل الله العافية بمنّه
وفيه ردّ على بعض الأصوليين الذين يقولون إن الترك لا
يُؤجر عليه لأنه ليس بعمل لقد أخطأوا الطريق وضلّوا ضلالاً
بعيداً لكونهم أوجبوا الثواب بمجرد عقولهم وتركوا الكتاب
والسنة فأما الكتاب فقوله تعالى إن يَنتَهُوا يُغْفَرْ
لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ والانتهاء هو ترك الشيء لا شك فيه
وأما السنة فمنها نسمه عليه السلام في هذا الحديث بقوله
عليه السلام وَلْيمسك عن الشر فإنها له صدقة جمع أفعال
البر في قوله عليه السلام بالمعروف وجمع أيضاً جميع أنواع
الشر بقوله عليه السلام وليمسك عن الشرّ أي جميع أنواع
الشر قال فإنها أي من فعل
شيئاً من هذه الصفات المذكورة أو ترك شيئاً من هذه الصفات
المذمومة فإن ذلك له صدقة ولا يخطر لك أن تقول بمجموعها
تكون الصدقة فهذا لا يعطيه اللفظ وهو مذهب المعتزلة لأنهم
يقولون لا تُقبَلُ الحسنةُ حتى لا تعمل سيئة وأهل السنة
على خلاف ذلك لقوله تعالى ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ
ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَمُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
شَرًّا يَرَهُ وقوله عليه السلام في حديث غيره اتق محارم
الله تكن أعبد الناس4 والآي والأحاديث في
هذا كثيرة فسبحان من حرمهم طريق الرشاد
۱ لعله يشير إلى جزء من حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري
ومسلم من أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله الله فقالوا
ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم إلى آخر
الحديث أو إلى أحاديث تشير إلى هذه
الأعداد من الأذكار التي أخرجها علماء الحديث بطرق شتى
ومضمونها متقارب
سورة الأنفال من الآية ۳۸ سورة الزلزلة الايتان ۷ و ۸ سبق
تخريجه في الحديث ٦٦
٥٤٣
وهنا تنبيه وهو انظر إلى حكمة الشرع فإنه جعلك في إدخال
الراحة والسرور على نفس
غيرك مأجوراً إذا كان الله وإدخال الضرر أو التغيير عليها
مأثوماً ومعاقباً وفي إدخالك التشويش على نفسك أو المجاهدة
لها إذا كانت الله كنت مأجوراً على ذلك ولذلك قال الخضِرُ
لموسى عليهما السلام وزَعزع بالخوف قلبك فإن ذلك مما
يُرضِي ربَّك فانظر هل تعرف لذلك حكمة أو هو مما يُلقى
تعبداً أو امتثالاً لا غير قد تقدم الكلام في غير ما موضع
أن الحكيم لا يفعل شيئاً إلا عن حكمة والحكمة هنا خفية
ظاهرة وهي - والله أعلم - لأن السرور إذا أدخلته على نفسك
وإن ادعيت أنه الله فقلما يسلم من دسيسة النفس من أجل
حَظِّها وهو من باب سد الذريعة وهي قاعدة كلية في الشرع
مثال ذلك جعل مكة محلاً للجدب وعدم الزرع والمشقة التي في
الوصول إليها حتى إن المشي إليها والإقامة بها تتحقق الله
لأنه ليس في ذلك كله شيء يلائم النفس بخلاف أن لو كانت مثل
دمشق في الفواكه والخضر فقلما كانت العبادة تخلص فيها من
أجل حظ النفوس في
الخصب والفرجة
ولوجه آخر أيضاً فإن إدخال السرور على الغير إذا كان الله
خالصاً قلما يخلو من تعب النفس بوجه ما أقل ما فيه أنها
تريد جمع الحظوظ من الخير لها وكونها تؤثر بها غيرها فقد
حصل لها تعب في الباطن وهو أشده فتمحضت العبادة بالإخلاص
الذي هو أصلها لقوله عزّ وجلّ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۱
فبين الإخلاص بأسبابه حتى يكون ذلك عوناً من الله لعبدِهِ
لذلك قال يُمْنُ بن رزق - رحمه الله - وهو من أجلّ أهل
الطريقين نظرت في هذا الأمر - يعني العبادة ـ فلم أر شيئاً
أعون عليها من الغربة من أجل نفي الدسائس التي للنفس مع
الاستيطان والأهل والجيران ومنهم من قال إذا كان في الغربة
إصلاح ديني فلا أوحش الله من الأهل
والوطن وهمتي بالله وعزمي في إصلاح ديني
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
سأل
33
العـ
على
يع
٥٤٤
۱ سورة البينة من الاية ٥
1401
حديث أخذ المال بسخاوة النفس
عَن حَكيم بن حزام رضي الله عَنهُ قالَ سَأَلْتُ رَسولَ
الله فأعطاني ثمَّ ۱ صلى الله عليه وسلم
سألته فأعطاني ثُمَّ قال يا حكيم إنَّ هذا المالَ خَضِرة
حُلوة فمن أخذَهُ بِسخاوةِ نَفْسٍ بُورِكَ لهُ فيهِ وَمَن
أخذَهُ بإشرافِ نَفْس لَم يُبَارَك لهُ فيهِ وَكانَ
كالَّذِي يَأْكُلُ ولا يَشبَعُ وَاليَدُ العليا خَير منَ
اليد السُّفْلَى
ظاهر الحديث يدل على أن أخذ المال بسخاوة النفس فيه بركة
وأخذه بإشراف النفس فيه عدم بركة والكلام عليه من رجوه
منها الدلالة على سخاوته يؤخذ ذلك من تكرار طلب الطالب
عليه مراراً وفي كل مرة يعطيه ولم يقلقه ذلك
وفيه دليل على حب النفوس المالَ لما جبلت عليه بمقتضى
الحكمة الربانية يؤخذ ذلك من قوله إن هذا المال خَضِرَة
حُلوة وهذه كناية عن الشيء المستحسن المحبوب يؤيده قوله
تعالى زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِن
النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ
مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ
وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتعُ الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَالله KUNGLEANT GANGNANT ANNEL
وجاء عن عمر رضي الله عنه أنه قال اللهم إني لا أستطيع ألا
أحب ما زينته لنا فاجعلني ممن أخُذُه من وجهه وأنفقه فيما
يرضيك ٣ أو كما قال
1 حكيم بن حزام صحابي قرشي وهو ابن أخي خديجة أم المؤمنين
رضي الله عنها مولده بمكة في الكعبة شهد حرب الفجار وكان
صديقاً للنبي الهلال الاول قبل البعثة وبعدها وعُمر طويلا
وكان من سادات قريش في الجاهلية والإسلام عالماً بالنسب
أسلم يوم الفتح له في كتب الحديث ٤٠ حديثاً توفي في
المدينة سنة ٥٤هـ / ٦٧٤م سورة ال عمران الآية ١٤
۳ عزاء السيوطي في الدر المنثور ۱۰/ لابن أبي شيبة وعبد
الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم عن =
٥٤٥
م الأخذ وتكون فيه فوائد منها أجر الزهد ومنها راحة وفيه
دليل على أنه قد يقع الزهد النفس ومنها البركة في الرزق
فأما الزهد فبدليل قوله عليه السلام فمن أخذه بسخاوة نفس
وسخاوة النفس هو زهدها تقول سَخَت بكذا أي جادت به وسَخت
عن كذا أي لم تلتفت إليه وأما راحة النفس فقد قال عليه
السلام الزهد في الدنيا يُريح القلب والبدن وهذه أعظم راحة
للنفس وأما البركة في الرزق فلقوله عليه السلام بورك له
فيه ويترتب على ذلك من الفقه أن الزاهد يجتمع فيه خير
الدنيا والآخرة فأما خير الدنيا فما يحصل له من البركة في
الحطام الذي يطلبه الحريص ولا يصل إليه وراحة القلب والبدن
اللذين قد حرمهما صاحب الدنيا وهما حقيقة النعيم فيها وأما
الآخرة فما يتحصل له من ثواب الزهد هناك وقلة الحساب فإن
الزهد يحمله على إخراج الواجبات والتوقف في المتشابهات وهي
السعادة التامة والذي يطلب الدنيا يخسر الدنيا والآخرة
فأما خسارته الدنيا فتعب قلبه وبدنه لقوله والحرص فيها
يُتعِبُ القلبَ والبَدَن ٢ وهذه غاية في الشقاء والتعب
وخسارته ما أمل منها من زيادة حطامها لكونه تُرفَع له
البركة كما تقدم في قوله عليه السلام بإشراف نفس وهو الحرص
وهذا غاية في الحرمان لأنه تعب التعب الكلي وحرم ما أمله
ونجد ذلك في عالم الحس ترى طعام أهل الدنيا كثيراً في
العين وعند الأكل ما تجد الشبع منه إلا من شيء كثير والقوى
بالنسبة إلى ما أكلوا قليلة وطعام أهل التوفيق والزهد في
مرأى العين يسير ويأكل منه الجمع الكثير ويشبعون ويجدون
القوى الكثيرة بالنسبة إلى ما أكلوا ومع ما أهل الدنيا فيه
من التعب يتولد بينهم الحسد والضغائن والغيبة والشح بمنع
الحقوقِ أو بعضها أو تَوْفِيَتِها وعلى هذه الصفات مع
التسامح في المشكلات تترتب خسارة الآخرة مع العذاب والهوان
أعاذنا
الله منها بمنّه
وفيه دليل لفضل أهل الصوفة الذين بنوا طريقهم على الزهد
لأنه أول باب في السلوك ولذلك قال يُمْن بن رِزق رحمه الله
لا يثبت لك قدم في محجة الدين وفي قلبك خوف الفقر أو الغنى
وحب المنزلة والرياسة فذلك مفتاح فقر الأبد
أسلم قال رأيت عبد الله بن أرقم جاء إلى عمر بن الخطاب
بحلية انية وفضة فقال عمر اللهم إنك ذكرت هذا المال فقلت
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ حتى ختم الآية وقلت
لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا
بِمَا
اتكم وإنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زيّنت لنا اللهم
فاجعلنا ننفقه في حق وأعوذ بك من شره ۱ عزاه السيوطي في
الجامع الصغير للطبراني في الأوسط وابن عدي في الكامل
والبيهقي في الشعب وقال المنذري في الترغيب والترهيب
إسناده مقارب وانظر فيض القدير للمناوي ٧٣/٤
ضم السيوطي هذا الحديث إلى الحديث السابق وجعلهما واحداً
وعزاهما إلى المصادر المذكورة آنفاً ولفظه
والرغبة فيها تتعب القلب والبدن
۳ يمن بن رزق تقدمت ترجمته في الحديث الوجه الثاني
٥٤٦
وفيه دليل على جواز ضرب المثل فيما لا يمكن السامع أن
يعقله حتى يُعلم أنه يعقله من الأمثلة التي يغلب على الظن
أنه يعرفها يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام كالذي يأكل ولا
يشبع لأن الغالب من الناس ولا سيما في زماننا لا يعرفون
البركة إلا بالشيء الكثير فأراد أن يبين لهم بالمثال الذي
يعرفونه أن البركة هى خَلق من خَلق الله وليست كما يزعمون
وضرب لهم المثل بما يعرفه كل أحد وهو أنه لا يقصد أحد
الأكل إلا من أجل أن يشبعَ ويُزيل به الم الجوع فإذا أكل
الأكل الكثير ولم يشبع فكأنّ ما أكله من الطعام مخسور لأن
الفائدة التي من أجلها استعمل الطعام - وهي الشبَع - لم
يجدها
فكذلك المال ليس الفائدة في عينه وإنما يراد لما يتوّل به
من الفوائد فإذا كثر المال ولم يجد به من الفوائد ما
أرادها فكأن لا مال له حاضر وذلك موجود محسوس في أبناء
الدنيا والآخرة تجد أبناء الدنيا لا يقدرون أن يصلوا إلى
ضروراتهم إلا بالأموال الكثيرة فلما رأوا ذلك لم تكن همتهم
إلا في تكثير المال وغاب عنهم ما وراء ذلك وجاء أهل الآخرة
فبلغوا تلك الضرورات التي لم ينلها أهل الدنيا إلا
بالأموال الكثيرة بأقل الأشياء وربما كانت أحسن منها هذا
موجود كثير لمن تأمله ونظره
منه
وفيه دليل على أن تقعيد الأحكام لا يُقتَصَر فيها على ما
يفهمه المخاطب ليس إلا بل على ما يفهمه المخاطب وغيره ممن
هو دونه في الفهم حتى لا يكون فيها إشكال يؤخذ ذلك من قوله
للصحابي رضي الله عنه كالذي يأكل ولا يشبع لأنا بالضرورة
نعلم أن الصحابة رضي الله عنهم يعلمون أن البركة خَلْق من
خَلْقِ الله كما هو الشبع خَلْق من خَلْقِ الله لأنهم قد
رأوا ذلك مرارا ومن بعضهم مع بعض على ما هو منقول عنه عليه
السلام وعنهم ولكن ضرب ذلك المثال لمن يأتي بعد ليزول
الإشكال بتقعيد قاعدة شرعية لا تحتمل التأويل هذا البيان
التامّ الأمر كيف هو اليوم ممن ينسب إلى العلم في الغالب
فكيف بالغير فقد تنكرت الطرق وعاد الحق في كثير من الأمور
مشكوكاً فيه وبعضه مجحوداً للعوائد السوء التي كثرت ممن
لبّس على الناس أنهم علماء وصالحون فإنا لله وإنا إليه
راجعون ولذلك قال كيف بك يا حُذَيْفَة إذا تركت بدعةً
قالوا تَرَك سنّة فقال ما تأمرني إن أدركني ذلك الزمان قال
أقرِضُهم من عِرْضك ليوم فقرك ۱ معناه افعل ما هو الحق
والسنة ودعهم يقولون ما شاؤوا فإنك مأجور في كونهم يأخذون
من عرضك بغير حق شرعي
فانظر
مع
۱ رواه الخطيب وابن عساكر عن أبي الدرداء ورواه أبو نعيم
والطبراني وابن عساكر عن أبي أمامة وهو جزء من
حديث طويل وانظر منتخب كنز العمال ۳۹/۵ ومجمع الزوائد
٢٨٥/٧
٥٤٧
وقوله عليه السلام اليد العليا خير من اليد السفلى هنا
خلاف بين العلماء وأهل الصوفة فالعلماء يقولون اليد العليا
هي المعطية والسفلى هي الآخذة وأهل الطريق يقولون بالضد إن
الآخذة لأنها هي التي أعطتك بالشيء اليسير الثواب الكثير
واحدة بعشرة وبسبعين
العليا هي
وبسعمائة والسفلى هي المعطية لأنها هي المنتظرة للمجازاة
وهي مفتقرة إلى ذلك والذي يظهر لي - والله أعلم - أن الجمع
يقع بينهما بوجه آخر وهو حسن إذا تأملته لا يخلو أن يكون
المعطي هو الذي يطلبك لقبول معروفه أو أنت هو الذي تطلب
منه ذلك فإن كنت أنت الطالب له فيده عليك وهي العليا وقد
حصل منك ذل السؤال إليه وقد جاء أن الذل في السؤال ولو عن
الطريق والمنكر لهذا يَجْحَد الضرورة
وإن كان هو الذي يطلبك بمعروفه فقد كسر مائية وجهه إليك في
أمرٍ أنت فيه بالخيار وهو محتاج إليه إما لزوال واجب عليه
أو لخير يؤمله في دنياه أو اخرته فإنه لم يأتك بمعروفة
كرامة لك وإنما هو لأمر يقصده مما أشرنا إليه فقبولك أنت
إياه معروف وهو السائل فيه فالحاجة له ويده هي السفلى ويد
الآخذ هي العليا وقد قال عليّ رضي الله عنه من دعانا كان
الفضل له فإن أجبنا كان الفضل لنا وبساط الحال الذي نحن
بسبيله يشهد لذلك لأن سيدنا ل لا لا لا لو لم يقل ما قال
إلا لسائل له عليه السلام لَمَّا كرَّر سؤاله مراراً
۱ وفيه دليل لوجه رابع وهو أنه جعل الاثنين حَسَنَيْنِ
وأحدهما يفضل على صاحبه بزيادة يؤخذ ذلك من قوله خير لأنه
أدخلهما في باب أفضل وباب أفضل يشهد بالحسن أو الخير
للمذكورين غير أن أحدهما يكون - إن فعل - خيرا من غيره كما
نقول زيد خير من عمرو وما نفينا الخيرية عن عمرو بالأصالة
ولكن زيداً أرفع منه درجة فيها فكذلك هاتان اليدان كلتاهما
حسن لأنهما امتدتا إلى معروف وحصلت الفضيلة بينهما بمرجّح
ثان إما نظر بعين الفعل أو بعين المال أو بعين القصد أو
بمجموعها فمن أجل هذه التعليلات وقع الخلاف
وفيه دليل على إرشاد الشارع عليه السلام إلى الأعلى في
المقامات يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام اليد العليا خير من
اليد السفلى كأنه عليه السلام يقول كن ممن يده عليا ولا
تكن ممن يده سفلى إلا أن هذا في المقامات الدينيات لا في
الدنيا وحطامها
وفيه دليل على أن بيان العلل بعد قضاء الحاجة ليس بمخجل
ولا مفسد للمعروف يؤخذ ذلك من أن سيدنا ا ا ا ا ل لم يبين
للسائل ولا ضرب له المثل إلا بعد قضاء حاجته مرارا حتى تمت
أمنيته وحينئذ بين عليه السلام له العلل التي في السؤال
1 كذا وقد أورد قبل أكثر من ثلاثة
٥٤٨
وفيه من الفقه أنه بعد قضاء حاجته كان خاطره خالياً من
التشويش ومن التهمة للمتكلم وأرفع للخجل ويجتمع له قضاء
حاجته وفائدة أخرى وهي التعليم بما لم يكن يعلم وفيه دليل
على جواز سؤال أهل الفضل والدين وأهل المعاملة وليس فيه
مذلة يؤخذ ذلك من أن سيدنا ل لم يعرض له فى حق سؤاله إياه
بشيء إلا أنه قال له قاعدة كلية ولو كان في سؤاله شيء ما
كتمه عنه ولا كان أيضاً يعطيه شيئاً حين يبين له ما فيه من
الكراهية لأنه المشرع والبيان عند الحاجة إليه لا يجوز
تأخيره وكأن فحوى الكلام يقول له يا حكيم ليس الأخذ مني
الأخذ من غيري اليد العليا خير من اليد السفلى لأن يده هي
العليا على كل الحالات لأنها لا مماثل لها ولا يتناوله
عليه السلام التمثيل في الفضيلة وهذا بين لاخفاء فيه
ويخلفه بالميراث في المنزلة - وإن كان ليس مثله - مَن له
الخلافة بعده وكذلك من ناب عن الخليفة نائب بعد نائب وإن
بَعُد أعني إذا كانوا من أهل الفضل والدين
مثل
وفيه دليل على أن المطلوب منا المبالغة في النصيحة
والتعليم يؤخذ ذلك من أنه صلى الله عليه وسلم لم يقتنع
بالمثال الأول حتى أكده بالمثال الثاني لكونه فيه معنى
زائد وكلما زادت أدلة التحذير كان
أقوى في المنع
وفيه دليل على أن من أقوى الأسباب في حمل العلم بمقتضى
الحكمة الجِدَةُ ۱ يؤخذ ذلك من أنه لم يعلمه حتى أغناه
بتكرار العطاء ثلاثاً
وفيه دليل على جواز تكرار السؤال ثلاثاً والرابعة ممنوعة
يؤخذ ذلك من أنه في كل مرة من الأولى والثانية أعطاه عليه
السلام وسكت عنه وفي الثالثة أعطاه وأشغله بإلقاء العلم عن
إعادة السؤال لأن الصحابة رضي الله عنهم فيهم من الفهم
والذكاء لقوة إيمانهم ما يزجرهم في الإشارات أقل من هذا
وفيه حجة لأهل الطريق الذين يقولون بالزنبيل لأنهم يقولون
من شرطه ألا يخرج لشخص معين يقصده ولا يلح في سؤاله ولا
يحلف ۳ وإنما يسأل الله فإذا حملته المقادير إلى باب أو
شخص لا يتعداه لغيره ومن شرطه ألا يخرج إلا على حاجة
صادقاً لقوله الله لا بأس أن يشكو المؤمن حاجته لأخيه
المؤمن ٤ فإذا سأل ذلك الشخص الذي حملته القدرة إليه فإن
أعطاه
1 الجدة مصدر للفعل وجد يَجِد يقال وَجَد فلان أي صار ذا
مال وللفعل وجَدَ معان أخرى الزنبيل بفتح الزاي المشددة
وكسرها القفه ويراد به هنا الأخذ بالسبب والسعي للرزق ۳
ولا يحلف ولا يُقسم على من سأله ليعطيه
٤ لم أقف على مصدره
٥٤٩
فحسن وإن حرمه فحسن ثم يقصد ثانياً وثالثاً فإن حرمه
الثلاثة فلا يزيد عليهم شيئاً ويعلم أن المطلوب منه الصبر
والتسليم فيرجع إلى موضعه ولا يسأل غير من ذكر حتى يفتح
الله له أو
يفعل فيه ما شاء
فانظر اليوم هل ترى من الطرفين العلم والحال من هو على ما
يقتضيه طريقه مما استنبطه أهله الموفقون من الكتاب والسنة
كما أبديناه قبل وفي هذا الحديث طرف منه كلا والله تشعبت
الطرق وقل السالكون فإنا لله وإنا إليه راجعون
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
حديث كراهية كثرة السؤال
عَن عَبدِ الله بن عُمَرَ رَضي الله عنهما قالَ قالَ
رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما يَزال الرَّجل يسألُ ۱
النَّاسَ حتَّى يأتيَ يَومَ القيامَةِ لَيسَ فِي وَجْهِهِ
مِرْعَةٌ ٢ لحم
ظاهر الحديث يدل أن الذي يكثر من سؤال الناس يأتي يوم
القيامة وليس في وجهه لحم والكلام عليه من وجوه
منها هل هذا السؤال على العموم في علم أو طريق أو لا يكون
ذلك إلا في حطام الدنيا وإن كان في حطام الدنيا هل إذا ۳
كان محتاجاً أو غير محتاج وهل هذا خاص بالرجال دون النساء
أو ليس وهل هذه العقوبة لحكمة تعرف أو ليس وهل يدخل في ذلك
من تاب قبل موته أم لا فالجواب أما السؤال عن العلم فلا
يدخل في عموم ذلك بدليل مولانا جلّ جلاله نَسْتَلُوا
أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٤
وأما السؤال أيضاً عن الطريق فلا يدخل في عمومه لأنه من
إرشاد الضال وإرشاد الضال من المأمور به فلم يبق إلا أن
يكون في حطام الدنيا فإذا كان في حطامها فليس على عمومه
أيضاً لأن من المأمور به السؤال عند الحاجة لقوله عليه
السلام لا بأس للمؤمن أن يشكو حاله لأخيه المؤمن ٥ ومن أجل
ذلك اختلف العلماء في الذي يلحقه الجوع أيما أفضل له الصبر
حتى
1 يسأل في هذا السياق بمعنى يستجدي ويشحذ
المزعة القطعة وجمعها مزع
۳ كذا والصواب أفإذا
٤ سورة النحل من الآية ٤٣
٥ لم أقف على مصدره
100
5
12
يموت فيكون شهيداً لقوله عزّ وجلّ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ
رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۱ أو يكون مأثوماً لقوله
لا بأس للمؤمن أن يشكو حاله لأخيه المؤمن فإن لم يفعل حتى
يموت يكون ممن تسبّب في قتل نفسه فيأثم على قولين
وأما من تاب قبل موته فيرجى أنه لا يدخل تحت ذلك العموم
لقوله التوبة تَجُبُّ ما قبلها ٢ غير أنه يبقى هنا بحث
فالذي يكون مال بيده عند التوبة هل يتناول منه شيئاً أو
كيف
يفعل به أما بقاؤه بيده فلا يجوزه وكيف يجوز له إبقاء مال
حرام بيده بدليل قوله عليه السلام لا تَحِل الصدقة لغنيّ
ولا لِذي مِرَّةٍ سَوِيّ ۳ وأما ما يفعل به فإن كان مما
يعرف أصحابه فيرده إليهم وإن لم يعرف فيتصدق به
وأما هل هو خاص بالرجال دون النساء أو عام فالجواب أنه عام
بدليل أن النساء شقائق الرجال في جميع التكليفات وجرى
الإخبار عنهم دون النساء من طريق الأفضلية وأنهم تلقوا
الخطاب كقوله عزّ وجلّ يَأَيُّهَا الرُّسُلُ ٤ والمقصود هم
وأتباعهم
وهنا بحث وهو أن من فعله ولم يدم عليه لا يلحقه ذلك الوعيد
بدليل قوله ما يزال وهذه الصيغة تدل على الدوام
وفيه دليل على أن جميع الناس محتاجون إلى العلم يؤخذ ذلك
من أنه إذا كان أقل الناس - وهم السؤال الذين ليس لهم شيء
في الدنيا - يحاسبون على سؤالهم سواء أكان على ما أمروا به
أو تعدوا فما بالك بالغير
وفيه دليل على أن الجهل لا يُعذر به أحد فإنه إذا لم يعذر
السائلون - مع شدة مسكنتهم
بالجهل فيما يلزمهم من سؤالهم فكيف بغيرهم
وفيه دليل على أن العلم أفضل الأشياء إذ به يتخلص الرفيع
والوضيع إذا عمل به وفيه دليل على جواز سؤال غير المؤمن
يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام يسأل الناس و الناس لفظ عام
يدخل تحته المؤمن وغيره ومن أجل ذلك كان بعض السادة لا
يخرج من منزله إلا عند الضرورة فلا يأتي إلا إلى ذمّي فقيل
له في ذلك فقال إني لا أخرج إلا محتاجاً فإذا
۱ سورة الطور من الاية ٤٨
لم أقف على مصدره والمروي المعروف هو الإسلام يَجُبُّ ما
قبله
۳ رواه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً
ورواه النسائي من حديث أبي هريرة وهو حديث صحيح وذو مرّة
صاحب قوّة ونشاط
٥٥٢
٤ سورة المؤمنون من الآية ٥١
أتيت باب المسلم فأخاف أن يردني ويعود عليه من أجل ردي
بلاء لأنه مأمور بإحياء نفسي فلا أريد أن يلحقه مني أذى
والذمي ليس هو بي مكلفاً فإن واساني رجوت له الخير وإن
ردَّ لم يخف
أن يلحقه مني أذى له
بین
وفيه دليل على حمل السائلين على التصديق يؤخذ ذلك من أنه
لم يجعل لغيرهم فرقاً الصادق وغيره منهم ويذكر عن بعض
المباركين أنه مر يوماً فرأى شخصاً عُرياناً يسأل من
يكسوه الله فجرد ثوباً عنه وأعطاه وكان ذلك السائل معروفاً
عند بعض الناس أنه كان يعمل ذلك حيلة وربما تصرف بثمن ما
يأخذه فيما لا يصلح فلما انصرف ذلك السيد عنه أخبره شخص
أنه رأى ذلك السائل في موضع وليس عليه ذلك الثوب وأنه يمكن
أنه تصرف فيه على غير لسان العلم فتحرك ذلك السيّد لمقالة
القائل وسأله أن يحمله حتى يراه كيف حاله فلما بلغ إليه
وراه على تلك الحالة التي وُصف بها سأله ما فعلت في الثوب
الذي أعطيتك وكان ثوباً نفيساً يساوي شيئاً كثيراً فجاوبه
بأن قال له اطلب ثوبك ممن أعطيته واتركني مع من عصيته فقال
صدقت
وتركه وانصرف إذا كنت في معروفك صادقاً مخلصاً فكن في فضل
من عاملته مصدقاً مخلصاً وأما قولنا هل تعرف ما الحكمة في
كونه يأتي يوم القيامة ولا مزعة لحم في وجهه والمزعة الشيء
اليسير فمعناه أنه ليس يكون في وجهه من الحُسْن شيء ولأن
حُسْن الوجه هو بما فيه من اللحم ولذلك فإن السِّمَن يَزيد
الوجه حسناً وذلك لأنه لما أذهب في الدنيا مائية وجهه وهي
ما في الوجوه من الحياء الموجب لترك المسألة - فلما أزاله
لغير ضرورة أذهب حسنه الحسي والآخرة أمورها في الآخرة لأن
حسن الحياء الذي في الوجه هو معنوي وحسن اللحم حسي حسية
مشاهدة غالباً لأن الحكمة اقتضت أن كل ذنب في الدنيا
لصاحبه علامة يعرف بها في الآخرة وتكون دالة على ذنبه
فيجتمع عليه أمران عقاب وتوبيخ من أجل شهرته على جميع
العالمين كما جاء أن شاهد الزور يبعث مُولعاً ۱ لسانه بنار
واكل الربا مثل البخت ۳ يتخبط مثل السكران وأكل أموال
اليتامى يقوم من قبره وألسنة النار تخرج من منافسه
۱ مُولَعاً في هذا السياق تعني محبوساً فلسان شاهد الزور
تلفه النار وكأنه محبوس بها والعبارة الواردة في النص أن
شاهد الزور يبعث الخ لم يتيسر الوقوف على مصدرها
البخت نوع من الإبل خراسانية وكأنه يعني أ خلقه غير سوي
كسائر المخلوقات وحديث الإسراء الذي رواه الإمام أحمد عن
أبي هريرة والذي أوله رأيت ليلة أسري بي والحديث الذي رواه
البيهقي في الدلائل عن أبي سعيد والذي أوله لما عرج به إلى
السماء فيهما تشبيه بطون أكلة الربا بالبيوت العظام
المائلة ج منفس وهو مكان النَّفَس وعبارة المؤلف وألسنة
النار تخرج من الإسراء الذي رواه البيهقي عن أبي سعيد رضي
الله عنه وفي تفسير ابن كثير لقوله تعالى الَّذِينَ
يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا وفي كتاب
الكبائر للذهبي زيادة إيضاح وشرح لهذا الموضوع
۳ منافسه
منافسه قطعة من حديث
٥٥٣
وتعداد ذلك كثير بحسب ما أخبر به الصادق عليه السلام فتكون
فائدة الإخبار بهذا وأمثاله التحرز من ذلك الخزي العظيم
والعذاب الأليم أعاذنا الله من الجميع بمنه وفضله لا رب
سواه
وقال حَسنُ لنفسك العقبى إن كنت بصيراً واحذَرْ خِزْيَ يوم
كان وجهه عبوساً قمطريراً بتقوى مَوْلى لم يزل عليك
منعِماً شكوراً
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
تسليماً
٥٥٤
-Y-
حديث قران الحج بالعمرة
عَن عُمر رضي الله عَنهُ يَقولُ سَمِعتُ النَّبِيَّ بوادِي
العَقيقِ۱ يَقولُ أتاني الليلة آتٍ مِن رَبِّي فَقالَ
صَلِّ في هَذا الوَادي المُبارَكَ وَقُل عُمرَةٌ في
حَجَّةٍ
آخر
*
ظاهر الحديث فيه بحث وهو هل يحمل على ما يقتضيه لفظه أو
المعنى فيه على وجه
فمن قواعد الشريعة تعرف أن في ها هنا ليست على حقيقتها
وإنما هي بدل عن غيرها وهذا في كلام العرب كثير لأنه قد
تقرر من قواعد الشرع أن العمرة لا تُردَف على الحج وأن
الحج هو الذي يُردَف على العمرة
وسبب الأمر من مولانا جلّ جلاله في هذا الوادي المبارك
لسيدنا أن يصلي فيه وهو عليه السلام قد كان أحرم عند خروجه
من المدينة بالحج مفرداً وذلك أنه كانت الجاهلية قبل
الإسلام يقولون إن من أفجَرِ الفجور العمرة في أشهر المج
وكانوا يقولون إذا عفا الوَبَر وَبرَأ الدَّبَر ودخل صَفَر
حلّت العمرة لمن اعتمر عفا الوبر كثر وبر الإبل الذي حلق
بالرحال وفي رواية عفا الأثر أي اندرس أثر الإبل وغيرها في
سيرها ويحتمل أثر الوبر المذكور جرح في ظهر الإبل من أثر
السفر وصَفَر هو الشهر الذي يلي المحرَّم وكانوا يسمون
المحرَّم صَفَراً فأمر الله نبيه عليه السلام أن ينسخ فعل
الجاهلية بأن يُحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفسخ بذلك
الإحرام إحرامه المتقدم بالحج المفرد ويكون ذلك حكماً
خاصاً بذلك
والدبر
۱ وادي العقيق هو الوادي المبارك ويقع ببطن وادي ذي
الحليفة وهو الأقرب منها وهو مهل أهل العراق من ذات عزق
يقع غربي المدينة المنورة ويشقه طريق مكة ويكاد عمران
المدينة يتصل بمداخله والطرق إليه منها باب العنبرية
الطريق شمالي قبة الخضر المدرّج العقيق انظر بين التاريخ
والآثار لعبد القدوس
الأنصاري ص ٧٦
٥٥٥
الوقت لأنه لم يأت نص في الأحاديث أن العمرة يجوز إدخالها
على الحج فتكون في ههنا على
هذا الوجه معناها عُمْرة بدل حَجة
هذا على القول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم
مفرداً وهو حديث عائشة ۱
رضي الله عنها لأن
العلماء اختلفوا في حجه وإحرامه صلى الله عليه وسلم
اختلافاً كثيراً والأحاديث في ذلك أيضاً مختلفة وهو
موجب الخلاف
الله
قطعي فيه
وعلى القول بأنه عليه السلام أحرم أولاً بعمرة فيكون قوله
هنا عُمرَة في حَجّة من المقلوب ويكون معنى الكلام حَجَّة
في عُمرة وقلب اللفظ عن حقيقته بغير وجه إشكال والأول الذي
هو بدل الحروف أولى لأنه معروف في كلام العرب ومن فصيحه
وأما على وجه من قال إنه الا الله و أحرم قارِنا فيكون
الأمر هنا زيادة تأكيد في شأن ما أراد سبحانه أن ينسخ من
فعل الجاهلية لأن يكون ذلك بالسنة أولاً وتثبيتاً بالحكم
الإلهي ثانياً ونذكر الآن إشارة إلى ما هو الأظهر من
إحرامه لا لا لا لهم من أجل الاختلاف الواقع في ذلك وذلك
أنه لما اختلفت الأحاديث من أين كان إحرامه الله هل من
المسجد أو حين استوى على راحلته أو حين توسط البيداء سئل
ابن عباس رضي الله عنهما عن سبب هذا الخلاف فقال أنا
أخبركم كنت معه في المسجد فصلى ثم أحرم إثر الصلاة وهي
نافلة فلبّى فمن كان هناك روى ما سمع ثم خرجتُ معه حتى ركب
فلما استوى على راحلته لبّي فمن كان هناك روى ما سمع ثم
سار وسرت معه حتى توسط البيداء والناس أمامه مدّ البصر
وخلفه ويمينه وشماله
كذلك وهلل ولبّي فمن كان هناك روى ما سمع
وأما الذي جاء في اختلاف إحرامه عليه السلام هل كان مفرداً
أو قارناً أو بعمرة وكيف
الجمع فذلك أن عائشة رضي الله عنها قالت خرجنا مع رسول
الله عام حجة الوداع
فمنا من أهَلَّ بعمرة ومنا من أهَلَّ بحج وعمرة ومنا من
أهَلّ بالحج وأَهَلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج
۱ حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم مفرداً
رواه مسلم رقم ۱۱۱ في الحج - باب بيان وجوه الإحرام أداء
فريضة الحج يمكن أن يتم على ثلاثة أشكال ۱ حج إفراد وهو
أداء مناسك الحج من غير أداء عمرة في وقت الحج وهو شوال
وذو القعدة وعشر ذي
الحجة
حج تمتع وهو الجمع بين أفعال العمرة والحج في أشهر الحج في
سنة واحدة بإحرامين بتقديم أفعال العمرة من غير أن يُلمَّ
بأهله إلماماً صحيحاً
۳ حج قران وهو الجمع بين العمرة والحج بإحرام واحد في
سَفْرة واحدة ۳ رواه الإمام أحمد في المسند وأبو داود في
السنن وصححه الحاكم في المستدرك وأقره الذهبي وفي رواية
المؤلف ابن أبي جمرة رحمه الله زيادة بعض الألفاظ وهي غير
واردة في الكتب الانفة الذكر
٥٥٦
فأما من أهل بعمرة فحَلَّ وأما من أهل بالحج أو جمع بين
الحج والعمرة فلم يخلل حتى كان
يوم النحر
وقول سعد في الموطأ للضحاك بئس ما قلت يا ابن أخي قد صنعها
رسول الله
وصنعناها
٣ أنحر
معه
يعني العمرة في حجة الوداع وقول حفصة لرسول الله صلى الله
عليه وسلم ما شأن الناس
حَلوا ولم تَحْلِلْ أنت من عمرتك فقال إني لَبَّدْتُ رأسي
وقلدتُ هَذيي فلا أحِلّ حتى وروي عن أنس بن مالك رضي الله
عنه أن رسول الله ل قرن وأنه سمعه يقول لبيك اللهم
لبَّيْكَ بحَجَّة وعُمرَة معا ٤
واختلف الناس في كيفية الجمع بينهما فمن أحسن ما قيل في
ذلك أنه عليه السلام أحرم أولاً مفرداً بالحج فمن سمع ذلك
أخبر بما سمع ثم فسخه في العمرة حين أمره الحق جلّ جلاله
كما تقدم فمن سمع إهلاله عليه السلام بالعمرة مفرَدَة روى
ما سمع ثم إنه عليه السلام لما قدم مكة قبل أن يطوف بالبيت
أردف الحج على العمرة فمن سمعه يلبي بهما حدث بما سمع
فَصَدَق أن يقال مفرداً وأن يقال متمتعاً وأن يقال قارنا
والكل حق ولا تناقض بينها وإنما كان يكون التناقض أن لو
كانت الأحاديث كلها عن يوم واحد في ساعة واحدة وهذا لم
يوجد فلا تعارض عند التحقيق والحمد الله وَلَوْ كَانَ مِنْ
عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافًا ﴿
كثِيرًا ٥ فهذا ما أمكن الكلام فيه على قوله في حجة على
التقريب والاختصار وفيه دليل على أن الله عزّ وجلّ يفضل ما
يشاء من خلقه جماداً أو غيره فضلاً منه تعالى يؤخذ ذلك مما
قيل له عليه السلام في هذا الوادي المبارك فسمي بالبركة
وفيه دليل على أن المقصود منا في الأمكنة والأزمنة
المباركة التعبد يؤخذ ذلك من قوله صل في هذا الوادي
المبارك فمن أجل بركته أمرنا بالصلاة فيه كما قال تعالى في
الأشهر الحرم فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَ فنهى عن
الظلم فيها لكون الإثم عليه إذ ذاك أكثر مما لو كان في
غيرها والأمر بالشيء نهي عن ضده والنهي عن الشيء أمر بضده
فلما نهى عن ترك الظلم
فيها يلزم فعل الطاعة أو يندب فيها
1 رواه البخاري ومسلم كما في جامع الأصول ١٤٤/٣ و ١٤٥ و
١٤٦ رواه الإمام مالك في الموطأ والنسائي ۱۵/۵ والترمذي
رقم ۸۳ ۳ رواه البخاري في الحج باب التمتع والقران
والإفراد ومسلم رقم ۱۹ عن السيدة حفصة رضي الله عنها 4
رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه
عن أنس رضي الله عنه
0
سورة النساء من الاية ۸ ٦ سورة التوبة من الآية ٣٦
٥٥٧
وفيه دليل على تفضيل بني ادم على غيرهم من المخلوقات يؤخذ
ذلك من أن ما فضل من البقع والأزمنة إنما هي من أجل بني
آدم لكونهم أمروا فيها بالتعبدات وضعف لهم الثواب يدل على
ذلك قوله تعالى وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ
وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَآيَتٍ لِقَوْمٍ
ون ۱ فكانت الفائدة لنا ورحمة بنا
وفيه دليل على جواز الإخبار بأمر الأمر ولا يلزم ذكر
الواسطة يؤخذ ذلك من قوله عليه
السلام أتاني الليلة اتٍ من ربي ولم يذكر من كان الآتي هل
جبريل عليه السلام أو غيره وفيه دليل على تأكيد الركوع قبل
الإحرام يؤخذ ذلك من قوله صَلّ في هذا الوادي المبارك وقل
عمرة في حجة فلم يؤمر عليه السلام بالإحرام إلا بعد الركوع
وإن كان سيدنا قد سَنها قبل فجاء الأمر هنا تأكيداً لما
كان هو ا سَنه وعلى القول - وهو الأظهر - إنه عليه السلام
أحرم أولاً مفرداً يجوز فَسخُ الحج في العمرة إذا كان هناك
عذر يوجب ذلك يؤخذ ذلك من فسخه عليه السلام الحج في العمرة
للعذر الذي قدمنا ذكره
ومنه - والله أعلم - أجاز العلماء لمن فاته الوقوف بعرفة
إن شاء أن يفسخ إحرامه في عمرة فعل
لأنه عذر يوجب له الخيار بما ذكرنا أو يبقى على إحرامه إلى
قابل وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه
وسلّم تسليماً
الفل
۱ سورة الجاثية من الآية ۱۳
يقصد بـ الركوع الصلاة النافلة قبل الإحرام من إطلاق الجزء
على الكل
لا
الا
فل
أنا
-۷۸-
حديث الإنابة في الحج
عَن عَبدِ الله بن عبّاس رضي الله عَنهُما أنَّ امرأةً
قالت يا رَسولَ الله إِنَّ فَريضةً الله علَى عِبادِهِ في
الحج أدركت أبي شَيخاً كبيراً لا يَثْبُتُ على الرَّاحِلة
أفَأَحُجُ عَنهُ قَالَ نَعم وَذلِكَ في حَجَّةِ الوداع
ظاهره يدل على جواز النيابة في الحج والكلام عليه من وجوه
منها هل هو مطلق في الفرض والنافلة كما يروى عن الشافعي
رحمه الله أو في النفل لا غير
أما على ما ذكرته عن أبيها لأنه لا يقدر أن يثبت على
الراحلة فالحج ليس بفرض عليه لأن الله عزّ وجلّ يقول مَنِ
اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۱ وهذا عادم للاستطاعة فلا
وجوب عليه ﴿ ويكون ما فعلته عنه من الحج تطوّعاً فإذا
بمقتضى الحديث تجوز النيابة في الحج في النافلة ولا تجوز
في الفرض
وهنا بحث وهو هل يحمل ذلك الحكم - أعني النيابة - في جميع
التطوعات البدنية أم لا الجمهور على أن لا وما أجاز
النيابة في الحج - على خلاف بينهم ممن أجازها هل مطلقاً في
الفرض والنفل أو في النفل لا غير - إلا من أجل هذا الحديث
ومن أجل أن معظم ما فيه إنفاق المالية وجعل البدن تابعاً
لها لأن النيابة في المالية جائزة وفي الفرض بلا خلاف وأما
البدنيات فلا إلا خلاف شاذ جاء فيمن مات وعليه صوم واجب هل
يصوم عنه وليّه أم لا فالجمهور على أن لا يصام عنه وجاء
حديث يصوم عنه وليّه فعمل على ذلك بعض العلماء ولم يصح عند
الجمهور العمل به
۱ سورة ال عمران من الآية ۹۷
روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله الله قال
من مات وعليه صيام صام عنه وليه
۵۵۹
وفيه دليل على جواز النيابة في العلم يؤخذ ذلك من سؤال هذه
عمّا يلزم أباها وفيه دليل على جواز نيابة المرأة في العلم
يؤخذ ذلك من أن النبي لما سألته هذه أجابها ولم ينكر عليها
وفيه دليل على جواز كلام المرأة والأجانب يسمعونها وإن كان
كلامها عورة لا يجوز أن يسمعه أجنبي لكن عند الضرورة جائز
يؤخذ ذلك من كون ابن عبّاس روى كلامها وأنه وهو أجنبي منها
لكن من أجل الضرورة لكونه مع النبي وهذه قد سألته فسمع
كلامها ويؤخذ منه جواز الجلوس مع الحكام والفقهاء المفتين
وإن كان الناس تأتيهم رجالاً ونساءً يؤخذ ذلك من كون ابن
عباس كان مع النبي حين سألته هذه وهو المروي عنه عليه
السلام في الأحاديث لأنه لم يكن قط يجلس إلا ويجلس معه
الصحابة رضي الله عنهم ومن أجل ذلك تقررت الأحكام ولو لم
يكن ذلك جائزاً وكان يكون من الخاص به لكونه يقرر الأحكام
وتنقل عنه لكان يذكر ذلك ويبينه
وفيه دليل على تصحيح قاعدة الأبوة بخلاف ما يقوله بعض أهل
التفقه لأنهم يقولون محتملة وإطلاقهم هذه الصيغة على هذه
الصفة غلط والبحث فيه أن نقول لا يخلو أن نرجع في ذلك إلى
مجرد العقل ولا نلاحظ في ذلك أمر الشرع أو نرجع إلى
مجموعهما فإن قال القائل أقول بمجرد العقل عند البحث
ليتقرر حكم العقل في ذلك على أسلوبه فإن وافق الشرع فحسن
وإلا قلنا هذا بحث العقل ورجعنا في الأحكام إلى الشرع فإنا
به مأمورون
فنقول لا يخلو أن نقول عن الأبوة محتملة بحسب بلوغ الأمر
إلى علمنا أو بحسب وقوعها في الوجود فإن قلتم بحسب وصوله
إلى علمنا فلا فرق بين الأبوة والأمومة لأن الأمومة كذلك
أيضاً إما أن تكون بعلم قطعي أو بحسب وقوعها في الوجود
فالعلم القطعي مثل أن يُرى خارجاً من رَحِم أمه فهذا هو
العلم القطعي وهو معدوم في الأبوة أعني القطع بالمعاينة
وأما الأسباب فتشترك الأبوة مع الأمومة في ذلك لأن الأمومة
إما أن تكون بدعوى أو بشهادة والأبوة تشاركها فيهما وهذا
هو الغالب من الناس لأنهم لا يعرفون أبوتهم وأمومتهم إلا
من طريق الدعوى أو الشهادة فلم يبق في ذلك إلا الرجوع إلى
الأمر المنقول منها عن طريق إخبار الصادق عليه السلام من
نفيها أو صحتها
فما جاء من طريق الصادق عليه السلام نفيها مثل ابن نوح
عليه السلام على خلاف فيه
۱ كلام المرأة ليس بعورة ويجوز للأجنبي أن يسمعه إلا إن
كان هناك فتنة نص عليه النووي في أكثر من موضع من شرح مسلم
٥٦٠
به
ن
ـذه
أن
حين
تقوله عزّ وجلّ ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۱ فضاء عنه
وذكر عن بعض العلماء أنه كان ملتقطاً عليه لأن زوجة نبي
بالإجماع أنها ما بغت قط لا مخالف في هذا ومثله قول سيدنا
محمد الله سأله السائل مَن أبي فقال أبوك حذافة ٣ ونسبه
إلى أبيه وأما ما ثبت فمثل أولاد يعقوب عليه السلام فقد
ثبتوا بنص القرآن وكذلك أولاد إبراهيم عليه السلام وأولاد
سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم
علي رضي
ومثل أبيه و و و و و و و و و و ل لقوله عليه السلام أنا
النبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطّلب ٤ وقوله عليه أنا ابن
الذبيحين٥ وقوله عليه السلام حين كتب العهد بينه وبين أهل
مكة فكتب السلام الله عنه محمد رسول الله قالوا لو علمنا
أنه رسول الله لا تبعناه فكتب محمّد بن وقوله عليه السلام
للسائل إن أبي وأباك في النار ۷ وقوله عليه السلام أستأذنت
في أن أزور قبر أمي فأذن لي واستأذنته أن أزور أبي فمنعني
۸ وقوله عليه السلام
عبد الله
۱ سورة هود من الآية ٤٦
رواه البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه وانظر في تفسير
قوله تعالى ﴿لا تسألوا عن أشياء ۳ رواه البخاري في المغازي
- باب قول الله تعالى ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ٤ قول
ضعيف ومدلول عبارة المؤلف يدل على ذلك
٥ يريد بالذبيحين اسماعيل بن إبراهيم وأباه عبد الله بن
عبد المطلب وقد وقع عليه نذر أبيه عبد المطلب أن يذبحه ثم
افتداه بمائة من الإبل جاء في الطبقات الكبرى لابن سعد
۸۸/۱ ما يلي لما رأى عبد المطلب قلة أعوانه في حفر زمزم
وإنما كان يحفر وحده وابنه الحارث هو بكره نذر لئن أكمل
الله له عشرة ذكور حتى يراهم أن يذبح أحدهم فلما تكاملوا
عشرة منهم الحارث والزبير وأبو طالب وعبد الله وحمزة وأبو
لهب والغيداق والمقوّم وضرار والعباس جمعهم ثم أخذهم بنذره
ودعاهم إلى الوفاء الله به فما اختلف عليه منهم أحد وقالوا
أوف بنذرك وافعل ما شئت فقال لِيَكتُب كل رجل منكم اسمه في
قدحه ففعلوا فدخل عبد المطلب في جوف الكعبة وقال للسادن
اضرب بقداحهم فضرب فخرج قدح عبد الله أوّلها وكان عبد
المطلب يحبه فأخذ بيده يقوده إلى المذبح ومعه المدية فبكت
بنات عبد المطلب وكن قياماً وقالت إحداهن لأبيها أعذر فيه
بأن تضرب في إبلك السوائم التي في الحَرَم فقال للسادن
اضرب عليه بالقِداح وعليَّ عشر من الإبل وكانت الدية يومئذ
عشرا من الإبل فضرب فخرج القدح على عبد الله فجعل يزيد
عشرا عشرا كل ذلك يخرج القدح على عبد الله حتى كملت المائة
فضرب بالقداح فخرج على الإبل فكبّر عبد المطلب والناس معه
واحتمل بنات عبد المطلب أخاهن عبد الله وقدم عبد المطلب
الإبل فنحرها بين الصَّفا والمَرْوَة والرواية أن أعرابياً
قال للنبي الا يا ابن الذبيحين انظر كشف الخفا ۱۹۹/۱ ٦
رواه الشيخان عن المسوّر وعليّ رضي الله عنهما ۷ رواه مسلم
وأبو داود وفي رسالة للسيوطي في نجاة الأبوين الشريفين أن
لفظه أبي الواردة في الحديث مُدْرَجَة من الراوي وله في
ذلك أدلة قوية ۸ لفظه استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن
لي واستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي رواه مسلم عن أبي هريرة
رضي الله عنه
٥٦١
للعباس يا عم ۱ ولأبي طالب يا عم ولصَفِيَّةَ حين أنزل
الله عزّ وجلّ ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأفريين ۳ يا صفية
عمة رسول الله فإن العمومة لا تثبت إلا بالأبوة الثابتة
فقد رجع قوله عليه السلام هنا التواتر لأنه قد قيل في أقل
التواتر إنه يثبت بأقل الجموع ومن أهل العلم من قال إنه
يحصل بخبر الواحد وهنا أكثر من أقل الجموع والأحاديث في
هذا كثيرة وطرقها مختلفة وأما التنزيل فقوله عزّ وجلّ
ولَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ نُسِكُمْ ﴾ ٤ أي أحسَبِكم
والحَسَب لا يثبت إلا بثبوت الأبوة وقال صلى الله عليه
وسلم إن الله اختار من أولاد آدم إبراهيم عليه السلام
واختار من ولد إبراهيم إسماعيل إلى أن قال عليه السلام
واختارني من بني هاشم ٥
أَنفُسِ
هذا من طريق بحث العقل ورأينا الشرع قد أثبت هاتين
القاعدتين الأمومة والأبوة وجعل الاحتمال الطارىء على
الأبوة الوصول إليه متعذر فإنه عليه السلام جعل في دعوى
الزنى أربعة شهود يَرَوْنه كالمِرْوَد في المُكحُلَة ٦
والتلاعن الذي هو مؤكَّد باللعنة والغضب للحرمة وقال الولد
للفراش وللعاهر الحَجَر وأكد سبحانه هذا بأن قسم المواريث
على هذه الأصول وقال عزّ وجلّ ءَابَاؤُكُمْ
وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ
نَفْعًا ۸ وقال عزّ وجلّ وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۹ وجعل السبب كحكم الأصل
المقطوع به لأنه إذا دخل الرجل بالمرأة
وجاءت منه أو من غيره بولد وادّعته منه أنه لازم له إلا أن
ينفيه باللعان بِشَرط مذكور في بابه فترجع الآن للجمع بين
العقل ومدلوله في هذه القاعدة هل وافق الشرعَ أم خالَفَه
فأما على البحث بحكم وصول العلم إلينا فاستوى فيها دليل
العقل والشرع من وجه أنه ما وصل إلينا العلم
۱ نداؤه - عليه السلام - عمّه العباس يا عَمْ رواه الترمذي
وابن ماجه عن أبي رافع كما رواه الإمام أحمد وأبو يعلى
والطبراني عن أم الفضل رضي الله عنها
نداؤه - عليه السلام - عمّه أبا طالب يا عمّ رواه الإمام
أحمد والترمذي
۳ سورة الشعراء الآية ٢١٤ ٤ سورة التوبة من الآية ۱۸
٥ رواه الطبراني في الأوسط والكبير عن عبد الله بن عمر
مرفوعاً ولفظه وخلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم الخ كما
أخرجه مسلم عن واثلة بن الأسقع أن النبي الا الله قال إن
الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة
الخ ٦ أخرجه مسلم في اللعان عن أبي هريرة رضي الله عنه في
حوار سعد بن عبادة مع النبي الا الله كما أخرجه أبو داود
في حديث ماعز الأسلمي واللفظ مختلف
۷ متفق عليه من حديث السيدة عائشة وأبي هريرة رضي الله
عنهما
۸ سورة النساء من الآية ۱۱
۹ سورة الحجرات من الآية ١٣
٥٦٢
بالأمومة والأبوة إلا بواسطة السبب وكذلك حكمنا بهما إلا
فيما ثبت خلافه وكذلك الشرع ما حكم بهما إلا بواسطة السبب
وهو عقد النكاح ووجوده فاستوى في ذلك العقل والنقل وأما
على البحث من كون ظهوره في الوجود فلا فائدة في ذلك الدليل
بدليل أن الشيء إذا وقع في الوجود ولم يحقق حقيقة كيفيَّته
على الوضع الذي وقع في الوجود إلا بواسطة فرجع الأمر إلى
الواسطة فدار البحث ورجع البحث الأول الذي عليه يقع الحكم
فيكون ما قعدوه توقعاً خيالياً والتوقع الخيالي لا يُبنى
عليه حكم لأن هذا - وإن عاينه أحد من الجنس - فهو نادر لا
يثبت النسب به إلا بوساطة ذلك المشاهد لذلك الأمر إن كان
ممن تقبل شهادته ولتعذر ذلك رجع فيه إلى قبول امرأتين
وشهادتهما لا تقبل في غير هذا ولا يحكم بهما إلا مع اليمين
فكيف نجعل قاعدة إذا تحققنا البحث فيها من طريق العقل
والنقل لا نصل إلا إلى احتمال الإمكان بالتحقيق يطرأ عليها
بالنسبة إلى علمنا ولذلك لم تُثبت الشريعةُ للمَسْبِيَة
نسباً مع ابنها وإن كانت حاملة له بدعواها ولا إلى أب
أيضاً إلا ببيان من خارج وساوت في ذلك بين الأبوة والأمومة
وغيرهما من القرابات ولا سبب يدل عليه مثل الأصل الذي قد
دل الشرع عليه بما ربط فيه من العادة والأسباب فالعقل
أيضاً قد ترجحت عنده الأسباب والأصل كما قدمناه فجعل
الاحتمال فيه على حد سواء هذا مشكل لا خفاء به
مسألة
ثم كيف يمكن عند من يفرق بين أن الاثنين أكثر من الواحد أن
يطرد القاعدة على ضعف الاحتمال فيها كما قدمنا في المسألة
وقد جاء فيها دلالة من القرآن أو من السنة أو إجماع الأمة
هذا حمق وجهل - إن حَسَّنا الظن - ما لم يكن في مسألة تختص
بسيدنا فإن كانت في مـ سيدنا صلى الله عليه وسلم فإنه من
شك في أبوته أو نبوته فإنه جمع على نفسه أمرين عظيمين
أحدهما الرد على الكتاب والسنة المتواترة كما ذكرنا أولاً
فوجب بأقل من هذا قتله إجماعاً إلا ما روي عن الشافعي وأبي
حنيفة قولاً ثانياً أنها ردة يجب قتله إلا أن يتوب ومثله
قول ضعيف عن مالك رحمه الله وليس بمشهور مذهبه ومشهور
مذهبه القتل ولا يستتاب
وهنا بحث وهو لا يخلو ما نقل من الإجماع أن يكون قبل ما
ذكر من الخلاف المتقدم عمن ذكر أو يكون الخلاف متقدماً على
الإجماع فإن كان الخلاف منهم قبل ثم رجعوا إلى الإجماع فلا
تأثير لذلك الخلاف وتحقق الإجماع وإن كان الخلاف منهم وقع
بعد الإجماع فلا يُعبأ به والذي نقل الإجماع في قتله جماعة
منهم صاحب الاستذكار وصاحب الكافي
۱ صاحب الاستذكار هو نفسه صاحب الكافي وهو ابن عبد البر
يوسف بن عمر عبد البر قُرْطبي مالكي توفي سنة ٤٦٣ واسم
كتابه كاملاً الاستذكار لمذاهب أئمة الأمصار وفيما تضمنه
الموطأ من المعاني والاثار والثاني الكافي في فروع
المالكية ١٥ مجلدا
٥٦٣
ε
۱ وابن سبوع وابن رشد ۳ وابن أبي زيد 4 وسَحْنون ٥ والليث
٦
^
رحمهم
والتَّلْمِسَانِي والقاضي عياض ٧ وابن العربي الله تعالى
وجماعة ممن يقرب من هؤلاء في الشهرة أنسيتهم في الوقت فإن
شاء الله أذكرهم فإن أنسيته فمن وقف على كتابي هذا أو ذكر
منهم أحداً فليلحقه وله الأجر لأن ذلك مساعدة في قاعدة
شرعية وكذلك نقل الكل أنه من قال لفظاً يدل على شيء من
التنقيص في حقه عليه السلام من أي وجه كان أو ازدرى به أو
شَانَه شَيْناً ما من أي المحتملات والوجوه كان أنه يقتل
له على البحث المتقدم
والذي أوجب القتل ولم يقل بتوبته اختلف هل هو حدّ الأدب أو
الكفر فالذي قال حَدّ الأدب فلا تنفع فيه التوبة لأنه حق
قد وجب وإذا وجب الحق فلا فائدة لتوبته والقائل بأنه كفر
قال هو كالزنديق يقتل ولا تقبل توبته والقولان عند مالك
رحمه الله ومن تبعه واختلفوا أيضاً هل يكون قتله كفراً أو
حَدًا قولان والأكثر منهم نقلوا الإجماع على أنه لا يعذر
في ذلك بجهل ولا سُكر ولا فلتة لسان ولا سهو ولا غفلة ولا
شيء من الأشياء والحكم في ذلك القتل عمن تقدم ذكرهم منهم
من نقل مذهب مالك رحمه الله ومشهوره وهو القتل ومنهم من
ذكر الإجماع في ذلك غير الخلاف عن الشافعي وأبي حنيفة
رحمهما الله وقد استُدِل على قتله بالكتاب والسنة فبالكتاب
قوله عزّ وجلّ قُلْ أَبِاللهِ وَءَايَيْهِ وَرَسُولِهِ
كُنتُم تَسْتَهْزِءُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم
بَعْدَ إِيمَنكُمْ ﴾ ٩ وأما السنة فقوله صلى الله عليه
وسلم من سَبَّ نبيًّا
۱ التلمساني أبو مدين شعيب بن الحسن المغربي الأنصاري
الأندلسي من أهل الحقيقة والشريعة أصله من الأندلس وإقامته
في فاس خافه سلطان فاس ووشى به علماء الظاهر وخوفوا
السلطان من انتشار أمره فبعث يطلبه فطمأن مريديه بأنه لن
يرى السلطان ولن يراه السلطان ومات في الطريق إليه سنة ٥٨٩
هـ له أخبار كثيرة عن كراماته من أقواله حسن الخلق معاشرة
كل إنسان بما يؤنسه و احذر من يدعي مع
يكذبه ظاهره
ابن سبوع لم نقف على ترجمته
الله حالاً
۳ ابن رشد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد أبو الوليد
مشهور باسم ابن رشد الحفيد توفي سنة ٥٩٥ هـ مؤلف بداية
المجتهد ونهاية المقتصد في الفقه المالكي
٤ ابن أبي زيد عبد الله بن أبي عبد الرحمن المالكي الفقيه
المفسّر له إعجاز القرآن ت ٣٨٦ هـ سحنون عبد السلام بن
سعيد فقيه مالكي أصله من حمص قاضي إفريقية اجتمع مع عبد
الرحمن
0
ابن القاسم واستفاد من اراء الإمام مالك التي ترد إلى ابن
القاسم توفي سنة ٢٤٠هـ ٦ الليث بن سعد إمام مصر في الفقه
والحديث ت ١٧٥ هـ
۷ القاضي عياض بن موسى أبو الفضل أندلسي الأصل محدث مفسّر
توفي في مراكش سنة ٥٤٤ هـ ۸ ابن العربي أبو بكر محمد
الأندلسي المالكي محدث فقيه أصولي مفسّر مؤرخ قاضي إشبيلية
له كتاب العواصم من القواصم وتفسير في ۸۰ مجلدا وكتاب
المسالك في شرح موطأ مالك ت ٥٤٣ هـ
۹ سورة التوبة من الايتين ٦٥ و ٦٦
٥٦٤
فاقتلوه ۱ وقيل في قتل ابن خَطَل إنما كان قتله من أجل
إذايته له ولا من أجل الكفر والآثار
في مثل هذا كثيرة
وأما الوجه الثاني فإن الشك في النسب نفي له ومن نفاه عليه
السلام من نسبه فقد وجب قتله ولا يمكن أن يدخل فيه الخلاف
كما دخل في الوجه قبله لأنه حد قد وجب فإن القذف حق تعين
فيه الحدّ بالإجماع ومنهم من نقل الإجماع فيمن قال إن من
سب النبي صلى الله عليه وسلم إنه لا شيء عليه إنه كافر
وكذلك الحكم فيمن سَبَّ أحداً من الرسل والأنبياء عليهم
السلام ثم نرجع إلى الحديث وأما ما احتجت به الشافعية من
أنه سمع شخصاً يقول لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ عن شُبْرُمَة فقال
له َأحَجَجْتَ عن نَفْسِك فقال لا قال حُجَّ عن نفسك ثم
حُجّ اللهم عن شُبُرُمَة ۳ فليس فيه دليل على أن الذي حجه
عن شبرمة كان فرضاً ولا أنه يكون مجزئاً عنه عن فرضه بل لو
قال عليه السلام أد فرضك ثم حُجَّ عن شبرمة لكان نصا كما
زعموا وأما قوله ثم حجّ عن شُبْرُمة معناه كما تطوعت عنه
بما هو في حقه تطوعاً فإذا وقع الاحتمال
سقط الدليل
te
وفيه دليل على أن السنة في التلبية تكون جهراً يؤخذ ذلك من
كون الرواة رووا صيغة لفظه عليه السلام جهراً وكذلك
الخلفاء بعده وبقيت السنة على ذلك إلى هَلُمَّ جَرَّا
والله أعلم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله
وصحبه وسلّم تسليماً
۱ رواه الطبراني في الأوسط والصغير وفي إسناده من هو متهم
بالكذب ولفظه من سب الأنبياء قتل ومن سب
أصحابي جُلِد انظر مجمع الزوائد ٦ / ٢٦٠
المعنى من أنكر نسب النبي وجَبَ قتله ۳ رواه كما في موارد
الظمآن والبيهقي في السنن الكبرى و شُبْرمَة بضم
الشين والراء صحابي
حديث ما يلبس المحرم في الحج
عَن عَبدِ الله بن عُمرَ رضي الله عَنهُما أنَّ رجُلاً قال
يا رَسولَ اللهِ مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الشَّيَابِ
قالَ رَسولُ الله لا يَلْبَسُ القُمُص ۱ ولا العَمائِمَ ٢
وَلا السَّراويلاتِ ۳ ولا البرانس ٤ ولا الخفاف ٥ إلا
أحَدٌ لا يَجدُ نَعْلَينِ فَلْيلبَس خُفَّينِ
وَلْيَقطَعهُما أسفَلَ مِنَ الكَعْبينِ ولا تلبسوا مِنَ
الشَّيَابِ شيئاً مَسَّهُ زَعفران أَوْ وَرْس
*
*
ظاهر الحديث يدل على منع تلك الثياب المذكورة في الحديث
ومنع الخفاف إذا جاوزت الكعبين ومنع المزعفر والمُوَرَّس
والكلام عليه من وجوه
منها هل المنع مقصور على ما ذكر في الحديث لا غير أم هو
تنبيه بالشيء على باقيه فالظاهر أنه ليس مقصوراً على ما
ذكر لأنه منع من الثياب المتقمّص بها القمص والسراويلات
والبرانس فهم من هذا على عادتهم في تعدي الأحكام من قوله
القُمُص جميع ما كان مما يشبهه من الأقبية ٦ والجباب ٧
والقباطي ۸ إذا كان مُحيطاً بالبدن من كل الجهات فيكون من
باب
۱ القُمُص جمع قميص هو الشِّعار تحت الدثار وله كُمّان
واسعان يهبطان إلى المعصم ويتدلى القميص إلى
منتصف الساقين
العمائم جمع عِمامة وهي ما يلف على الرأس
۳ السراويلات جمع سراويل وهي لباس يغطي السُّرَّة
والركبتين وما بينهما وهو فضفاض من أعلى وضيق من أسفل وقد
يصل إلى القدمين أو فوق ذلك
٤ البرانس جمع بزنس وهو كل ثوب رأسه منه دُرّاعة كان أوجبة
أو ممطراً ٥ الخفاف جمع خف وهو ما يلبس في الرّجل من جلد
رقيق
٦ الأقبية جمع قباء وهو ثوب يلبس فوق الثياب أو القميص
ويتمنطق عليه
۷ الجِباب جمع جبة وهي ثوب سابغ واسع الكمين مشقوق المقدم
يلبس فوق الثياب ۸ القباطي جمع قِبْطِيّة وهي ثياب من كتان
بيض رقاق كانت تنسج بمصر وهي منسوبة إلى القبط
٥٦٦
الآفاق منها ما تعرف
التنبيه بالبعض عن الكل إلا أنه بهذين الشرطين أن يكون
مَخِيطاً ملبوساً على هذه الصفة المذكورة ولو سمّي باي اسم
فإن الأسماء فى الثياب مختلفة في جميع ا باللغة ومنها
اصطلاحي بحسب ما جرت عادتهم في ذلك في الآفاق فأعطى بوصف
القمص المنع في كل ما وجدت فيه تلك الصفة واستعمل في تلك
العادة
فإن فَعَلَهُ لعذرٍ أو لغير عذر افتَدَى والفدية في ذلك ما
ذكره أهل الفقه في كتب الفروع ونص الله عزّ وجلّ عليه في
كتابه بقوله سبحانه فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ
أَوْ نُهِ ﴾ ۱ فإن كان مخيطاً ولم يلبسه على العادة
المعلومة فلا شيء عليه مثال ذلك أن يكون له قميص فيتغطى به
بالليل أو بالنهار يرميه على ظهره مثل الإحرام أو مثل
المئزر فلا شيء عليه لأنه لم يلبسه على ما جرت به العادة
في ذلك
ومنع عليه السلام بقوله السراويلات كل ما كان يشبه ذلك وهو
أن يكون يُلبَس من المُحرِم إلى أسفل إذا كان مخيطاً ودار
على الإليتين والفخذين وإن سمي بأي اسم أو كان على أي صفة
إذا كان مخيطاً فإن لم يُلبَس على ذلك الوجه الذي جرت به
العادة بأن يأخذ أحد السراويل ولا يدخل فيه ساقه ويشده على
وسطه مثل الإزرة فلا شيء عليه وإن كان مخيطاً لأنه لم
يلبسه على العادة المعروفة في ذلك
ومنع عليه السلام بقوله البرانس كل ما كان يشبه ذلك النوع
وهو أن يكون فيه بعض خياطة ويلبس بعد إدخاله في العنق وإن
كان بعضه مفتوحاً سمّي بأي نوع سُمّي مثل الغفاير ۳
والكباب ٤ والبَلْدَرَانات ٥ وما يشبه ذلك النوع إذا لبِسَ
على تلك الصفة فإذا أخذ أحد بُرنُساً ورماه على ظهره
طاقينِ غير مفتوح الجناحين أو شدّه على وسطه مثل الإزرة
فلا شيء عليه لأنه لم يلبسه على العادة الجارية في ذلك ومن
هنا اختلف مالك والشافعي رحمهما الله فيمن أخذ بُرْداً له
فخلّلها أو عقدها فقال مالك عليه الدم لأنه مثل المخيط
وقال الشافعي لا شيء عليه لأنه ليس مثل ما نص عليه في
المنع هذا تعليل قولهما وأما الذي جاء عنهما فالمنع عن
مالك والجواز عن الشافعي
6
۱ سورة البقرة من الآية ۱۹٦ الإزرة الإزار وهو قطعة من
النسيج تلتف به النساء العربيات عادة عندما يبرزن للجمهور
ويكون كذلك
للرجال
۳ الغفاير جمع غفارة وهي الخرقة تلبسها المرأة فتغطي رأسها
ما قبل منه وما دَبَر غير وسطه
٤ الكباب جمع كب وهو شبيه بالبرنس الذي يلبس فوق الثياب
٥ البلدرانات لباس أندلسي شبيه بالبرانس أو المعاطف
٥٦٧
واختلفا أيضاً في النسيان والعمد أي من فعل شيئاً مما فيه
الفداء ناسياً من هذه أو ما أشبهها من اللباس فأما مالك
فالعَمْد عنده في ذلك والنسيان سواء عليه الفدية فيه
والشافعي لا يوجبها في النسيان
ومنع بقوله ولا العمائم كل ما جعل في الرأس بخياطة كان أو
بغير خياطة لأنه إذا منعنا الذي ليس بمخيط - وهي العمامة -
فمن باب أولى المخيط ولذلك نص العلماء على أن إحرام الرجل
في وجهه ورأسه أي لا يغطيهما بشيء فتكون العمائم التنبيه
بها من باب الأعلى لأنه أعلى ما يُستر به الرأسُ عند العرب
العمائم ليست على أي وجه كان بخلاف البدن لأنه إذا غطى
رأسه ولو بخرقة أو بعضه لزمه الفداء لأنه منع كل ما كان
بغير خياطة كما قدمناه فهو منع كلي سُمّي الذي جُعِل على
الرأس بأي اسم كان أو جُعِل على أي شكل كان
ومنع عليه السلام بقوله ولا الخفاف إلا أحدٌ لا يجد
نَعلَينِ فَلْيَلْبس خفَّينِ ولْيَقْطَعْهما أسفل من
الكعبين منع الخفاف وما أشبهها إذا جاوزت الكعبين على أي
نوع كان سُمّي بأي اسم وأن المستحب في ذلك النعلان وهما
اللذان لا كعب لهما معطوفاً مثل القُرْق ۱ أعني
السَّرْمُوجَة ٢ وما يشابهها من أنواع
ومنع عليه السلام بقوله ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه
زعفران أو ورس جميع الطيب لأنه أقل رائحةً من الطيب قبل أن
يُصبغ به فإذا صُبغ به كانت رائحته أقل وأقل فهو من باب
التنبيه بالأدنى على الأعلى
فيتحصل من الفقه بالمدلولات التي ذكرنا أن الحاج ممنوع من
جميع الطيب والزينة والرفاهية والتنعم قلّ ذلك أو كثر إلا
ما أحكمته السنة في ذلك من لباس الثوب الذي يستر العورة
ويقي البدن من الأذى على ما هو منصوص في كتب الفروع
وهنا بحث وهو أن المتكلم يخاطب السائل بحسب ما يعلم أنه
يفهم عنه يؤخذ ذلك من جواب سيدنا الأعرابي بما ذكر في
الحديث فلولا أنه عليه السلام فهم عنه ما بيناه لم يقتنع
منه بما في الحديث حتى يبالغ له في البيان
ويترتب عليه من الفقه أنه لا يجوز أن يُنظر في حديثه ل هول
و ولا في كتاب الله عزّ وجلّ إلا بما يقتضيه اللسان العربي
لا غير ولذلك قال تعالى ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ
بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَرُونَ ﴾ ۳ أي يفهمون بما
تقتضيه اللغة العربية فيحصل لهم فهم ما أريد منهم فيتذكرون
عند ذلك
۱ القَرْق وهو عند الأندلسيين يشبه الصندل وتكون قاعدته من
الفلين
السَّرْموجة غطاء من لباد للساق يلبس فوق القرق أو الخف أو
هي الخف الواسع الذي يلبس فوق الخفّ ۳ سورة الدخان من
الآية ٥٨
٥٦٨
جها
تبها
نعنا
وام
لأنه
طى منع
ي
نبيه
هيه
33
يقي
لم
3 2 3 "y,
بما
أي
وفيه دليل على البحث في جزئيات الدين يؤخذ ذلك من سؤال
السائل سيدنا عن هذه الجزئيات فجاوبه عليه السلام عليها
وجوابه على ذلك يقتضي جوازه ۱ وفيه دليل على جواز السؤال
في الدين وإن كان الشخص ممن لا يحتاج إلى ذلك في الوقت
يؤخذ ذلك من سؤال هذا عما يلبسه المُحرِم وهو في الوقت ليس
بمُحرِم ومن هذا ذكر أن الشافعي بات عند بعض الأئمة
المعاصرين له - وكان ذلك الإمام الغالب عليه التعبد ـ وإن
كان ذلك حال الأئمة أجمعين رضي الله عنهم فبات ذلك العالم
قائماً يصلي والشافعي مضطجعاً فلما أصبح قالت امرأة العالم
هذا هو الشافعي الذي تثني عليه بنَّ أنت قائماً تصلي وهو
مضطجع لم يتحرك ليلته فذكر ذلك للشافعي فقال له إني جمعت
البارحة في فكري ثمانين مسألة مستنبطة بالدليل والبرهان
فقال ذلك السيد لامرأته هذا الذي عِبْتِه بالاضطجاع استنبط
البارحة ثمانين مسألة مسألة واحدة منها خير من عبادتي كلها
فانظر فضل جميعهم وتناصفهم واحترامهم للعلم رحمهم الله وهو
الحق إذا كان الله
وهنا بحث وهو هل هذه الصفات التي كُلِّف الحاج بها من ترك
المخيط وترك الطيب وترك الرفاهية هل الحكمة فيها معروفة أو
تعبد لا يعقل له معنى فإن قلنا تعبّد فلا بحث وإن قلنا إن
قواعد الشريعة تنبني على نظر الحكمة فيها وقد أرشد الكتاب
العزيز إليها ولولاه ما كانت ايات كثيرة إذا نظر فيها لم
توجد الحكمة فيها ظاهرة ما قبل ذلك وهو قوله تعالى فيه ايت
بينت فإذا لا يُخص هذا اللفظ بشيء من آياته دون شيء أو
بجعله في المحسوس مثل ما قاله بعض الناس من كونها لم يَرَ
بها مجذوماً وما في رمي الجمار من كونها تُرمى في كل عام
ولا يوجد لها أثر فهذه مما هي البعض وفيها تنبيه لمن ينظر
ويتفكر يجدها عديدة وكلُّ يأخذ من عموم هذه الآي بحسب ما
يُفتح له من الفهم فإن الحكمة عجيبة
فمما يظهر بتوفيق الله من الحكمة وجهان
أحدهما وهو كونهم يمشون لكشف ما بهم من الأوزار والأثقال
ومن يمشي إلى مثل هذا الحال فيكون مشيه متذللاً خارجاً عن
حظوظ النفس التي أوقعته في ارتكاب الذنوب لأنه جاء عنه لما
قال مولانا جل جلاله للملائكة إِنِّي جَاعِلٌ فِي
الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن
يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ
بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا
لَا تَعْلَمُونَ ﴾ ۳
333
1 أي البحث في الجزئيات سورة ال عمران من الآية ۹۷ سورة
البقرة من الاية ۳۰
09
غضب الله عزّ وجلّ عليهم فطافوا بالعرش أسبوعاً واستغفروا
وتابوا فتاب بفضله عليهم ثم قال لهم ابنوا في الأرض بيتاً
يطوف به المذنبون من بني ادم فأتوب عليهم كما تبت عليكم
وأغفر لهم كما غفرت لكم فبنوا البيت ۱ فمن يأتي بهذه الصفة
ينبغي من طريق الحكمة
التناسب بين الحال والمقصد
أما ترى لما كان الخروج إلى العيد إلى طلب رحمته عزّ وجلّ
عقب خروجهم من العبادة المتقدمة - وهي الصوم - كانت بالطيب
وحسن الثياب موافقة لحال الاستقامة والامتثال لما به
أُمروا ولما كان الخروج إلى الاستسقاء خروجاً إلى كشف ما
نزل من الضر كان الخروج على هيئة تضرع ومسكنة من أجل ما
ارتكبوا من الذنوب لأنه جاء أن العبيد إذا أذنبوا منع الله
عزّ وجلّ المطر من أجل ذنوبهم فخرجوا في مَسْكَنَة وقشَف
من الحال حتى يكون رفع الأيدي بظهورها
إلى السماء رَهَباً من أجل تناسب الحال فكذلك هنا بل يكون
هذا أعظم لأن الطلب فيه أعظم وفيه وجه آخر لما كان فيه
شَبَه بالمحشر لأن المحشر يجتمع فيه الناس في يوم واحد من
كل الأرض وكما أن المحشر هو مواقف كذلك هنا مواقيت للجمار
ومواقيت للمبيت بمنى وبالمزدلفة إلى غير ذلك كما أن الخروج
من هذه الدار ومفارقة الأهل والمال وليس له من ذلك كله إلا
قدر زاده إلى الآخرة من الكفن وما يتجهز به كذلك الحاج
مفارقته للأهل والوطن الذي قد جعل مقروناً بالموت لقوله
عزّ وجلّ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ
اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَرِكُم مَّا
فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ۳ وكذلك ليس له من ماله
إلا قدر زاده لسفره وهذا على الغالب من ﴾ عادات الناس
والغير يتركه كله
ε
وكما له بعد الموت مواقف دون القيامة وأهوال يخلص الله
منها من يشاء أو يُهلك فيها من يشاء كذلك طريق الحج ما فيه
من المكابدة وقد قال الله تعالى لَمْ تَكُونُواْ بَلِفِيهِ
إِلَّا بِشِقِّ الأَنفُسِ ٤ ومن الناس من يَهْلِك في طريق
الحج كما يهلك هناك غير أن بين الهلاكينِ فَرْقاً ما لأن
الهلاك هنا يذهب بالروح من الجسد وقد تكون فيه سعادته
وهناك بكثرة الأهوال وعدم التخلص منها فهو هلاك شقاوة
وخسران غير أنه هناك يقفون عراة وقد كانوا يقفون قبل
الإسلام عراة إلا أنه أحكمت السنة هنا نوعاً من اللباس من
أجل ستر العورة لأن ذلك الهول هناك يمنع أن
1 لم نقف على مصدره
القشف المذلة ۳ سورة النساء من الآية ٦٦
٤ سورة النحل من الآية ٧
۵۷۰
ليهم
یکم
حكمة
لعبادة
مروا
ضرع
عنهم
ورها
ـد من
یعنی کله
جعل
من
ف
شرقاً
عدم
ينظر أحد عورة أحد وليس هنا مانع من النظر فأمر بسترها
هناك لا طيب فيه لأحد وهنا مثله وهناك الأمر فيه والحكم
الله لا لغيره وذهبت الدعاوى كلها كذلك هنا فيها يرجى من
المغفرة لا حيلة في ذلك لأحد الكل مستسلمون ينتظرون ما
يحكم الله عزّ وجلّ فيهم وقد أخبر عن بعض المباركين أنه
لما أن حج وفرغ غلبت عيناه فنام فرأى كأن ملكين نزلا من
السماء فقال أحدهما للآخر كم حج بيت ربنا العام قال له
ستمائة ألف قال كم قبل منهم قال ستة فاستيقظ مذعوراً وقال
مَن لي حتى أكون واحداً من ستة ثم نام ثانياً فرأى الملكين
قد نزلا وأعادا السؤال الأول ثم الثالثة مثل ذلك فقال له
فما فعل ربنا في الباقين قال شَفّع كلَّ واحد منهم في مائة
ألف واستيقظ فرحان فجاء الشبه على هذه الحكاية مثل القيامة
ناج وضده
ومقبول وغير مقبول ومشفوع فيه وشافع لكن بإذنه وفضله وقد
يكون للمجموع ويترتب عليه من معرفة الحكمة أنه لا يُنال
الخطير من القُرَب إلا بالخطير من المجاهدات والتعبدات
لأنه لما كان هذا موطناً تغفر فيه الجرائم العظام كما جاء
عنه أنه لم يُرَ الشيطان أصغَرَ ولا أحقَرَ من يوم عَرَفة
لما يعاين من تجاوز الله عن الكبائر العظام يحثو التراب
على رأسه ويقول قوم قد فتنتهم منذ خمسين أو أربعين سنة ثم
غُفِر لهم في ساعة ۱ أو كما قال عليه السلام فالوصول إلى
هذا ليس بالهين بل بالجهد العظيم إلا من مَنّ الله عليه
بالتيسير من طريق الفضل
وفيه تنبيه على أن يتذكر به ذلك الموقف الذي يشبهه فيكون
سبباً لصدق اللجأ إلى المولى الكريم وكثرة الرغبة إليه
وإظهار الافتقار الذي به يرجى الخير كله لقوله تعالى أمَّن
يُجيب الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ٢ وهو سبحانه لا يُخلف
الميعاد
جعلنا الله ممن مَنّ عليه بفضله بلا محنة لا ربّ سواه وصلى
الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً
اعلام
أن
1 رواه الإمام مالك في الموطأ مرسلاً قال الزرقاني وصله
الحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء رضي الله عنه وأوله ما
رئي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أغيظ منه في
يوم عرفة الخ
سورة النمل من الآية ٦٢
۵۷۱
حديث جواز الشرب من السقاية
عن ابن عبّاس رضيَ الله عَنهُما أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم جاء إلى السقاية ۱ فاستقى فَقالَ العبّاسُ يا
فَضلُ اذْهَب إِلى أَمْكَ فَانتِ رَسولَ الله بِشرابِ مِن
عِندِها فَقال اسقني فقال يا رسول الله إنّهُم يَجعلون
أيديهم فيهِ قَالَ اسقِني فَشَرِبَ منهُ ثُمَّ أَتى زمزم
وهم يَسقُونَ ويَعمَلونَ فيها فقال اعملوا فإنَّكُم على
عمل صالح ثُمَّ قَالَ لَولا أن تُغلبوا لنزلتُ حتَّى أضعَ
الحَبل على هذِهِ يَعني عاتقه وَأشار إلى عاتِقِهِ
6
ظاهر الحديث يدل على طهارة الماء المستعمل وهو مذهب مالك
رحمه الله ويدل على طهارة المؤمنين ومدح أفعال البر للذين
يفعلونها فأما طهارة المؤمنين والماء فلكون النبي شرب من
السقاية بعد أن أخبر أن الناس يضعون فيها أيديهم وإن كان
وقوع النجاسة يتطرق بالاحتمال لبعضهم بعلمٍ منه أو بغير
علم فبين الله بشربه أن الممكن في هذا الموطن وما أشبهه من
المياه وما يمكن أن يكون قد خالطها من طريق الاحتمال لا
يُلتفت إليه وإنما يُعمَل على ما تحقق من ذلك وأن الأصل
البراءة فيعمل عليه وأن الماء طاهر في ذاته كما جاء في بئر
بضاعة ۳ الذي كان يُرمى فيه خرق الحيض وكان مستقذراً في
الظاهر فسئل عنه عليه السلام فقال خلق الله الماء طهوراً
لا ينجسه شيءٌ إلا ما غَيَّرَ طَعْمَه أو لونه ۳ فطرد
القاعدة وألزمها استصحاب
1 السقاية موضع السقي والإناء الذي يسقى به بئر بضاعة بضم
الباء وقد كسره بعضهم وهي دار بني ساعدة في المدينة
المنورة وبئرها معروفة وفي الخبر أن النبي أتى بئر بضاعة
فتوضأ من الدلو وردّها إلى البئر وبصق فيها وشرب من مائها
وكان إذا مرض المريض في أيامه يقول اغسلوني من ماء بضاعة
فيُغسَل فكأنما أنشط من عقال وقالت أسماء بنت
أبي بكر كنا نغسل المرضى من بئر بضاعة ثلاثة أيام
فيُعافَون بإذن الله انظر معجم البلدان ٤٤٣/١ ۳ لفظ الحديث
إن الماء طهور لا يُنجسه شيء أخرجه الإمام أحمد وأبو داود
والترمذي والنسائي عن أبي سعيد
رضي
الله عنه
۵۷
ن
الحكم وعلى هذا أجاز الفقهاء الوضوء من الجوابي التي على
الطرق والدواب تشرب منها ويخالطها ما في أنوفها من القذر
إلى غير ذلك مما في أيدي الناس وأرجلهم من الغبار واحتمال
النجاسة أن تكون حلّت فيه
الفقهاء
وفيه دليل على طلب شرب الماء وإن كان في الحَضَر وليس
كغيره وقد ذكر ذلك بعض
وفيه دليل على أن ما جُعِل في السبيل ولم يُسمَّ بصدقة أنه
حلال للغني والفقير وليس بصدقة ولا يتعيّن على أحد فيه منة
يؤخذ ذلك من أن النبي شراب او امن عمل هؤلاء أهل السقاية
وهم الكل خرجوا عنه الله فلو كان يجري مجرى الصدقة لما
شربه هو فإن الصدقة عليه حرام وكذلك لو كان فيه مكروه ما
فعله يؤخذ ذلك من كونه عليه السلام جاء بنفسه المكرمة إلى
السقاية فاستسقى
وفيه دليل على جواز جواب السائل بأعلى مما طلبه على ما
يراه المطلوب منه يؤخذ ذلك من
قول العباس بدلاً من أن يعطي قال للفضل اذهب إلى أمكَ
فَائتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب وفيه دليل على
جواز ذكر النساء بمحضر أهل الفضل وجمع الناس وليس في ذلك
مكروه يؤخذ ذلك من قوله اذهب إلى أمك بحضرة النبي الله ومن
معه ولم يعتب عليه النبي ل وما قال له في ذلك شيئاً وجرت
عادة بعض الناس اليوم إذا ذكروا النساء ذكروا بعد ذلك
حاشاك وجعلوها من الأدب بل هي من البدع
وفيه دليل على جواز تبريد الماء يؤخذ ذلك من قوله اذهب إلى
أمك فائت بشراب لأن ماء الحجاز إذا عَرب ۱ برد وطاب فلو لم
يكن جائزاً ما فعله العباس ولا سكت له النبي
حين سمعه
ويؤخذ منه أن الذي يقصد وجهاً ما في حاجته ليس عليه بيانها
يؤخذ ذلك من أن النبي لم يمنعه من قبول ما أمر العباس به
ابنه من إتيانه بالماء إلا ما قصد هو من تقعيد قاعدة شرعية
- كما قدمنا ذكرها - من طهارة الماء المستعمل وغيرها
وزيادة على ذلك رفع التكلف وهي الله عنها ما خُيّر رسول
الله صلى الله عليه وسلم بين أمرَينِ إلا اختار
طريقته عليه السلام لقول عائشة رضي
أيسرهما ما لم يكن إثما ٢
۱ عَرِب الماء صفا وكثر
عليه وهو جزء من حديث وتمامه فإن كان إثماً كان أبعد الناس
عنه وما انتقم رسول الله له لنفسه
في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم
۵۷۳
وفيه دليل لأهل الصوفة الذين يقولون بترك التكلف
وفيه دليل على أنه إذا اجتمع حظ النفس وأمرُ ما فى الدين -
ولو كان مندوباً - قدم الدين يؤخذ ذلك من أن شرب الماء
البارد فيه راحة للنفس والشرب من السقاية فيه من الفوائد
الدينية ما ذكرناه فآثر هو الله ما هو للدِّين على ما هو
للنفس وقد نص عليه السلام على ذلك فقال
أنتم في زمان يُبدون أعمالهم قبل أهوائهم وسيأتي زمان
يُبدون أهواءهم قبل أعمالهم 1 وما قلنا إنه من قصد مقصداً
في فعله لا يلزمه ذلك - بمقتضى ما قدمناه ـ هل يعارضنا
قوله عليه السلام حين صلى بوضوء واحد الظهر والعصر ولم تكن
عادته عليه السلام قبلُ إلا الله عنه فقال عليه السلام
عمداً فَعَلْتُه يا عمر الوضوء لكل صلاة فذكره عمرُ رضي
فالجواب عن الفرق بين المسألتين أن تلك كانت له عادة فذكره
عمر من أجل احتمال النسيان فحينئذ جاوبه عليه السلام لرفع
الإشكال وهنا لم تكن عادةً متقدمة يقع من أجلها إشكال ففعل
ولم يقل لعلمه أن فعله في التعليم أبلغ وأثبت
وفيه دليل على أن المرأة هي المتصرفة فيما في البيت يؤخذ
ذلك من قول العباس اذهب إلى أمك فلو لم يكن الحكم والتصرف
لها لقال له اذهب أنت إلى الموضع الفلاني أو إلى الشخص
الفلاني الذي يكون له التصرف ويؤخذ منه الندب إلى مشاركة
الأهل في المعروف يؤخذ ذلك من قوله لابنه اذهب إلى أمك
فائت رسول الله له بشراب لكي يخبرها فيحصل لها نية في
تحسين الشراب وتنظيف الإناء فيكون لها في ذلك أجر وسرور
وفيه من الأدب أن يُكنَى عن الشخص بأعلى أسمائه يؤخذ ذلك
من قوله ائت رسول الله
لأنه أعلى أسمائه عليه السلام ولم يقل ابن أخي ولا غير ذلك
وفيه دليل على أن الاختصار في الجواب والسؤال إذا فُهِم
المقصود هو الأولى يؤخذ
ذلك من قوله حين ذكر له أنهم يجعلون أيديهم فيه اسْقني ولم
يَزِد على ذلك شيئاً وفيه دليل على أن من السنة الانصراف
عند الفراغ من الشراب أو الأكل يؤخذ ذلك من قوله فشرب منه
ثم أتى زمزم أي تحوّل بعد شربه منه إلى أن مشى إلى زمزم
ومن المعروف إثباغ
1 لم نقف على مصدره هكذا وقد تقدم الكلام عنه في الحديث ١٤
فليراجع ونصه كما ورد إنكم أصبحتم في زمن كثير فقهاؤه قليل
قراؤه وخطباؤه قليل سائلوه كثيرٌ مُغطوه العمل فيه خيرٌ من
العلم وسيأتي على
الناس زمان قليل فقهاؤه كثيرٌ خطباؤه قليل معطوه كثيرٌ
سائلوه والعلم فيه خير من العمل هكذا قال الشارح رحمه الله
تعالى والذي في الصحيح أن النبى الله صلى الصلوات يوم
الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال عمر لقد صنعت اليوم
شيئاً لم تكن تصنعه فقال عليه السلام عمداً صنعته يا عمر
رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي
٥٧٤
المعروف بالمعروف لأنه عليه السلام مشى من هنا بعدما قعد
أحكاماً ـ كما ذكرنا - إلى موضع آخر وإن كان الحكم فيهما
سواء لأن هؤلاء يسقون فيكون مشيه عليه السلام لهؤلاء
الآخرين لإدخال السرور عليهم لأنه عليه السلام لو لم يمش
لهؤلاء لبقيت قلوبهم منكسرة وكان الناس أيضاً يفضلون
السقاية على زمزم يقولون النبي ما أتى السقاية ولم يأتِ
زمزم فجاء مشيه عليه السلام إلى هؤلاء معروفاً ثانياً
وقوله فقال اعملوا فإنكم على عمل صالح يؤخذ منه ندب العمل
لأهله إذا كانوا يعملونه كما قدمناه أولاً وفيه من الفائدة
أنه تنشيط للعامل على عمله وترغيب له فيه وقد قال عزّ وجلّ
وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالنَّقَوَىٰ ۱ بخلاف مدح
الشخص لقوله عليه السلام قطعتم ظهر الرجل لأن مدح ال قد
يحصل منه العُجب وهو سُمّ قاتل ومدح العمل ليس فيه ذلك بل
هو كما ذكرناه ترغيب فيه مثال ذلك إذا رأيت شخصاً يصوم
تَذكُر له ما جاء في الصوم أو يجاهد تذكر ما جاء في الجهاد
فذلك تقوية له على ما هو بسبيله وقوله على عمل صالح أي
تُثابون عليه لأن الأعمال الصالحات فائدتها ما يترتب
عليها من الثواب
وفيه جواز ترك العمل ما لم يكن فرضاً لما يترتب عليه من
منع توفيته أو مكروه يقع من أجله يؤخذ ذلك من قوله عليه
السلام لولا أن تُغلَبوا لَنزلتُ حتى أضعَ الحبل على هذه
فبيّن عليه السلام أنه ما منعه من الفعل إلا أنهم يُغلبون
عليه حتى لا يتركوه وقد يحصل لبعضهم من الازدحام عليه من
أجل ما يرغبون فيه أذى
وفيه دليل على طلب التبرك بالمباركين يؤخذ ذلك من أنهم لم
يكونوا يأخذون الحبل معه عليه السلام إلا أنهم يرغبون في
البركة التي تحصل لهم من اجتماعهم معه عليه السلام في
حَبْل واحد فإنه يرجى من الكريم إذا قبل عملَ من له عنده
حُرمة لا يترك ۳ من كان معه فيه مشاركاً كيف وقد قيل هُمُ
القومُ لا يَشقَى بهم جَليسُهم فهذا بالمجالسة فكيف
بالمشاركة
ويترتب على هذا بحث يَحُضّ على مخالطة أهل الفضل في كل
الأحوال رجاءَ الفضل من فضلهم لأنهم ما جُعِلوا إلا رحمة
فينبغي أن نغتنم تلك الرحمة من واهبها ولذلك فاق أهل
الصوفة الناسَ في هذا التحسين في ظن بعضهم ببعض
1 سورة المائدة من الآية ٢
رواه البخاري في الشهادات ومسلم في الزهد عن أبي موسى
٥٧٥
يريد ألا يترك
وقد دخلت قرية بالأندلس تسمى بَلْفِيق ۱ وكانت موطن الشيخ
المبارك أبي إسحاق
نفع الله به وبأمثاله فلا تمشي فيها تسأل أحداً منهم عن
أحد أين هو إلا أن يكون جوابه عن ذلك الشخص سيدي فلان نفع
الله به في الموضع الفلاني هذا في غيبة الشخص وأما بحضرته
فلا يزيد أحد منهم لأحد على السلام الشرعي شيئا وإن ناداه
باسمه لا يزيد عليه شيئاً هكذا رأيتهم
مدة ما كنت معهم لم يتغيروا عنه وفيه دليل على الكلام
بالإشارة وليس من العِي يؤخذ ذلك من قوله على هذه وأشار
إلى عاتقه
وفيه دليل على أن إشارة ذي الفضل ليس فيها اعتراض عليهم
ولا تنقص بهم ولا خلل في منزلتهم يؤخذ ذلك من إشارته عليه
السلام إلى عاتقه وفيه دليل على أن الحكم للمعاني لا لظاهر
الألفاظ يؤخذ ذلك من أن إشارته عليه
السلام إنما باشر بظاهرها الثوب الذي على العاتق والمعني
بها العاتق الذي تحته وفيه دليل لأهل الإشارات وأن الإبلاغ
فيها فيما خفي ودَقَّ يؤخذ ذلك من فعله عليه السلام ما
تقدم ذكره من الإشارة إلى العاتق والمقصود تلك النفس
المباركة
وهنا بحث وهو لم قال لأهل زمزم اعملوا فإنكم على عمل صالح
وقال في الصلاة أفضلُ الصَّلاةِ صلاة المرء في بيته إلا
المكتوبة ۳ فوجه الفقه في ذلك أنه ما كان من النوافل من
جميع الخير يمكن فيها الإخفاء والإظهار فالإخفاء أفضل وما
كان منها لا يمكن بالوضع إخفاؤه كمثل السقاية وتدريس العلم
والجهاد وما أشبه ذلك فالأفضلية فيه بتعدي النية فيه لقوله
عليه السلام أوقع الله أجره على قدر نيته ٤
ومن أجل هذا الشأن فضل أهل السلوك غيرهم لأنهم ناظرون
أبداً في ترفيع أعمالهم إما بالنية أو بالقول أو بالفعل أو
بالزمان أو بالمكان أو بالمجموع ولذلك قال كفى بالعبادة
۱ بلفيق قرية أندلسية من إقليم المريَّة ويروي التلمساني
في نفح الطيب أن بلفيق وأندرش لم ترتدا عن الإسلام بعد
خروج المسلمين من الأندلس وذبح سكانهما عن بكرة أبيهم أيام
محاكم التفتيش أبو إسحاق هو إبراهيم بن مسعود الألبيري
شاعر أندلسي وفقيه زاهد اشتهر بغرناطة وأنكر على ملكها
كونه استوزر ابن نغزلة اليهودي فنفي إلى البيرة فثارت
صنهاجة على اليهودي وقتلوه له ديوان شعر معظمه في الزهد ت
٤٦٠هـ / ١٠٦٨م
۳ جزء من حديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن
زيد بن ثابت رضي الله عنه ٤ جزء من حديث طويل رواه الإمام
مالك والإمام أحمد وأبو داود والنسائي في الجنائز
٥٧٦
لا
شغلاً 1 لأن صاحب هذا الشأن مثل تاجر الدنيا على معظم ما
معه من المال لا يزال في تنميته بجميع وجوه التنمية فكذلك
أهل المعاملات مع مولاهم ليس لهم شغل ولا قرة عين إلا فيما
فيه
رضاؤه عزّ وجلّ
ولبعضهم إن العين إذا لم تَرَكُم لم تَرَ شيئاً يسرها وإذا
أبصَرَتْكم لم تَرَ شيئاً يَسوؤُها فتجلي جلالكم جَبْرُ
كَسْرِها كجبر غيث السماء في جذب أرضها فيحرمة ما تعلمون
من ضعفها
فلطفكم جبرٌ لِرَهَف حالها
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 جزء من حديث رواه البيهقي في شعب الإيمان وأوله كفى
بالموت واعظاً وكفى باليقين غنى إلخ
۵۷۷
حديث تقديم صلاة الفجر بالمزدلفة يوم النحر
عَن عبد الله بن مسعود رضيَ الله عَنهُ قالَ ما رأيتُ
رَسولَ الله صَلَّى الله علَيهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلاةٌ
لِغَير ميقاتها إلا صلاتينِ جَمعَ بينَ المَغربِ وَالعِشاء
وصَلَّى الفَجْرَ قَبلَ ميقاتِها
وَذلِكَ في الحَج
*
*
ظاهره يدل على إيقاع هاتين الصلاتين في غير وقتيهما وليس
على ظاهره بدليل أن أوقات الصلوات قد حدّها جبريل عليه
السلام للنبي الله وقال ما بين هذين وقت ۱ ولكن لما كانت
عادته عليه السلام في صلاة الصبح أنه ما يصليها إلا بعد
الفجر بهنيهة كما جاء أنه عليه السلام كان يصليها بغَلَس -
والغَلَس بقية من ظلمة الليل - وفي المزدلفة عند أول
انشقاق الفجر ٣ فأخرجها - يعني وقوع الصلاة نفسها ـ عن
الوقت الذي كان يوقعها فيه كما تقدم ولذلك ذكر أنه لما
حجّت ميمونة رضي الله عنها زوج النبي بعد وفاته مع الله
عنه فلما كان في الصبح من ليلة المزدلفة عند أول انشقاق
الفجر قالت إن كان عثمان يوافق السنة فنصلي الآن فلم تتم
الكلام إلا والمؤذن يقيمُ الصّلاة وأما صلاة المغرب فكانت
عادته عليه السلام يصليها أول الوقت 4 وكذلك صلاها
رضي
عثمان
۱ قطعة من حديث طويل رواه الإمام الشافعي وأحمد وأبو داود
والترمذي وابن خزيمة والدارقطني والحاكم عن ابن عباس رضي
الله عنهما انظر فتح الباري ۹/ صلاة رسول الله له بغلس
رواها البخاري في مواقيت الصلاة باب وقت المغرب وباب وقت
العشاء ورواه مسلم رقم / ٦٤٦ / في المساجد من حديث جابر
رضي الله عنه مرفوعاً
۳ صلاة رسول الله لها في المزدلفة رواها مسلم من حديث جابر
رضي الله عنه في حجة النبي رقم ۱۱۸ ورواها البخاري ومسلم
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ٤ رواه مسلم عن أبي
موسى الأشعري رضي الله عنه رقم ٦١٤ وعن بريدة رقم ٦١٣
ورواه أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما رقم ۳۹۳
والترمذي رقم ١٤٩ وفيه إمامة جبريل للنبي عليه السلام
۵۷۸
به
جبريل عليه السير جمع بين الصلاتين المشتركتين الظهر
والعصر والمغرب والعِشاء وكانت سنته عليه السلام في الجمع
إن كان رحيله قبل وقت الأولى أخرها حتى يصليها مع الأخرى
وإن كان رحيله بعد دخول وقت الأولى صلاهما معاً في أول وقت
الأولى ۳
فجاء عند نفوره عليه السلام من عَرَفة بعد دخول الوقت فنفر
بالناس فقال له
أسامة رضي الله عنه الصلاة يا رسول الله فقال له الصلاة
أمامك ٤ ٤ - يعني - يعني وَقتُ وقوعها موضعه أمامك - حتى
وصل المزدَلِفَة فصلى المغرب والرواحلُ قائمة ثم حَط
الرحالَ وصَلوا العشاء فجاء في هذه الصلاة تغييرات مما
كانت عادته عليه السلام أنه يصلّي إذا جمع في السفر وقد
دخل وقت الأولى الصلاتين معاً - كما ذكرنا - فصَدَق ما
قاله الراوي لأنه صلاها في غير وقتها
وزيادة على غير الصفة المعهودة كما ذكرنا
وهنا بحث وهو هل هذه الصفة التي جعلها و في هاتين الصلاتين
تعبد لا تُعقل حكمته أو الحكمة فيه معقولة فالجواب أن
الحكمة - والله أعلم - معقولة لأنا إذا علمنا ما الحكمة في
كونه عليه السلام كان يجمع إذا جَدّ به السير علمنا ما
الحكمة هنا وقد ثبت أنه عليه السلام لم يكن يجمع إلا إذا
جدَّ به السَّير لأمر يخاف فواته فهو من قبيل الرفق بأمته
ولوجه اخر وهو من أجل جمعية الباطن في الصلاة لأن من يكون
قلبه متعلقاً بأمر يفوته قل ما يكون مع ذلك حضورٌ هذا في
حق غيره لأنه عليه السلام عند رؤية تلك الآيات العظام في
عالم الملكوت كان كما أخبر الله عزّ وجلّ عنه بقوله مَا
زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ٥ فكيف هنا فنجد في هذا
الموطن إذا تأملناه التشويش بالنسبة للغير أكثر لكثرة
الناس وما هم فيه من الدهشة
1 رواه البخاري في مواقيت الصلاة ومسلم من حديث جابر رضي
الله عنه أنه عليه السلام كان يصلي المغرب إذا رواه
البخاري ومسلم من حديث أنس وابن عباس رضي الله عنهم ومسلم
من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه
وجبت الشمس
والشيخان من حديث ابن عمر رضي الله عنهما
۳ رواه مسلم من حديث معاذ باب الجمع بين الصلاتين في الحضر
وأبو داود والترمذي وفيه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر
والعصر فإن رحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل
للعصر وفي المغرب مثل ذلك إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع
بين المغرب والعشاء
فإذا ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء
ثم يجمع بينهما ٤ رواه البخاري في الوضوء ومسلم في الحج
باب الإفاضة من عرفات إلى مزدلفة
0
سورة النجم من الاية ۱۷
۵۷۹
وفيه أيضاً استدراك أمر يُخاف فواتُه وهو تمام هذا الركن
العظيم الذي مدار الحج كله عليه لقوله عليه السلام الحَجَّ
عَرَفة ۱ أي معظم الحج عَرَفة وباقي الليلة له فلا يتم
المقصود فيه بتمامه إلا بالخروج من محله وبقعته فتسكن
النفس عند فوزها بهذا الخير العظيم وتستقبل ذلك الركن الذي
يليه وهو المبيت بالمزلفة بعبادتين وهما أداء فرضين في وقت
واحد وتوسعة أيضاً كما قلنا - في الجمع بين الصلاتين عند
جَدّ السَّير لكون الناس في ذلك الوقت قد تتعذر عليهم
الطهارة أيضاً إلى غير ذلك من الضرورات وكان عليه السلام
بالمؤمنين رحيماً وتأمل ذلك المعنى الذي أشرنا إليه تجده
لأنه ترفيع أيضاً للركن الذي يلي عرفة وهو المزدلفة لكونه
أول عمل يعمل فيها صلاة المغرب قبل حط الرواحل ليكون
استفتاح الشغل بها عبادة كبرى وهي أداء صلاة المغرب وقد
جاء في فضلها ما جاء
وفيه دليل على ما يقوله العلماء أن القاعدة الشرعية إذا
جاء ما يعارضها يُتأول يؤخذ ذلك من أن الصحابي رضي الله
عنه لما عرف أن قد ثبتت أوقات الصلوات ولا يدخلها نسخ بعد
ثَبَتَتْ وفاته أطلق اللفظ بأن قال صلى صلاة لغير وقتها
لعلمه بأن القاعدة لا يدخلها نسخ فلا يقع إشكال على أحد
بإطلاق لفظه
وفيه دليل على أن من داوم على شيءٍ عُرف به وإن خالفه يجوز
الإخبار عنه أنه قد خرج عما كان عليه وإن كانت اللغة أو
الشريعة لم تخرجه عن ذلك بمدلولاتها يؤخذ ذلك من كون النبي
كانت له عادة في صلاة الصبح لم يكن يخرج عنها وكذلك في
الجمع في السفر فلما خرج هنا عن تينك العادتين - كما ذكرنا
- وإن كان دلالة الشرع لم تخرجه حقيقة عنها أطلق الصحابي
رضي الله عنه أنه صلاها في غير وقتها
وفيه دليل على جواز الإخبار باللفظ المحتمل ولا يبين ماذا
أراد منهما بصيغة ما يؤخذ ذلك من قول الصحابي رضي الله عنه
صلاها لغير ميقاتها وهو لفظ محتمل أن يريد وقتها المفروض
لها أو وقتها على جري العادة في إيقاعها ولم يأت في اللفظ
بما يدل على واحد منهما وفيه دليل على أن ثبوت العمل
يُستَغنَى به عن تخصيص المحتمل يؤخذ ذلك من أنه لما كان
فعله في الحج معروفاً عندهم وعلته لا تَخفَى عليهم أجمَلَ
لهم اللفظ بقوله صلى صلاة
لغير ميقاتها
وفيه دليل على أن من الدين ذكرَ الحكم في الدين والتحدث به
وإن كان شائعاً بحيث لا
۱ رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عبد
الرحمن بن يعمر الديلمي وتتمته من جاء ليلة جمع قبل طلوع
الفجر فقد أدرك الحج أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا
إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه
۵۸۰
يخفى يؤخذ ذلك من كون هذه الصلاة عن سيدنا مشهورة والعمل
عليها لم ينقطع إلى هَلُمَّ
جَراً وعبد الله بن مسعود يتحدث فيها
وقد كنت لقيت بعض السادة في العلم والعمل فإذا اتفق
اجتماعهم يوماً ما عند بعضهم لم يكن حديثهم إلا في مسائل
الدين أو في أحوال القوم ليس إلا ومثل ذلك كان المروي عن
الصحابة والسلف رضي الله عنهم أنهم إذا تلاقوا يقولون
تعالَ نُؤْمِنُ أي نتحدث في مسائل الإيمان لأن كل شيء إذا
كَثر الكلام فيه قد يحصل فيه ملل في بعض الأوقات أو ضيق
صدر في وقت ما إلا الكلام في الإيمان وفروعه وأحوال أهله
فإن ذلك عند أهل التحقيق يزيد به إيمانهم مثل العلم إذا
أنفق منه زاد وغيرُه إِذا أُنفق منه نَقَص
فعليك برأس مال إذا أنفقت منه زادَ ونَما وتَرفَّه به غيرك
واستغْنَى ولم ينقصك شيئاً ولذلك قال بعض الحكماء أعطِيةُ
العالم ربانية يعطيك الشيء برمته ولا يَنقُص مما عنده شيء
لأنه إذا عَلَّمك العلم قد قد حصل عندك جميع ما كان يعرفه
ولم ينقص له مما عنده شيء بل زاده تجديداً فإن ذكرَ العِلم
زيادة تنبيه له مع زيادة الأجر الذي هو خير من الكل
وفيه من الفقه أن روايته - وإن كان العمل ثابتاً ظاهراً -
أقطع لحجة الخصم وأثبت إذ إنّ ذلك كان حكم الله على لسان
رسوله ونقل عدل عن عدل فلو لم يكن هذا الإمام يتحدث بهذا
الحديث - وإن كان العمل باقياً عليه من أي طريق - كنا نحن
نقطع بأن هذه هي سنة رسول الله الله للخصم إذا جاءه أو
للنفس إذا أرادت الوقوف على حقيقة دينها وقد قيل في الدين
كن مجتهداً ولا تأخذه إلا من أصل كتاب الله وسنة نبيه له
وإجماع وقياس إن عرفت شرطه وخامس ليس طريقه العدول عن
القياس إلى الاستحسان وإنما طريقه المصالح المرسلة كما هو
مذهب المالكية ١
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
الـ ۱ الأصل الخامس عند الحنابلة هو الاستحسان ويعرفونه
بأنه العدول بحكم المسألة عن نظائرها بدليل شرعي وعند
المالكية الأصل الخامس هو المصالح المرسلة ويعرفونها بأنها
المُطلقة عن النصوص الخاصة ولها أصل في النصوص العامة في
الشريعة من كتاب وسنة ومن أمثلة المصالح المرسلة عندهم جمع
القرآن في مصحف واحد وقتل الجماعة بالواحد ومصادرة أموال
الولاة إذا استغلوا مراكزهم وتوريث مطلقة الفار الذي يطلق
زوجته في مرضه فراراً من إرثها وجواز تنصيب الأمثل للإمامة
ولو لم يكن مجتهداً وجواز أخذ أكثر من نصاب الزكاة لسدّ
حاجات المسلمين إذن طريق الأصل الخامس عند المالكية هو
المصالح المرسلة وهي كل ما فيه دفع ضرر أو جلب مصلحة أو
رفع حرج عن الأمة
۵۸۱
حديث الصدقة بجلال البذن التي تُنحَر وجلودها
عَن عَليَّ ١ رَضِيَ الله عَنهُ وكَرَّمَ الله وجههُ قالَ
أَمَرني رَسُولُ الله أن
أتَصدَّقَ بِجلال البُدْنِ التي نُحِرَت وَبِجُلودِها
* *
ظاهر الحديث يدل على الأمر بالصدقة بجلود البدن وجلالها
والكلام عليه من وجوه منها هل الأمر على الندب أو على
الوجوب وما الفائدة في إخبار الإمام بذلك وما الحكمة بأن
خَص النبي بذلك عَلِيّاً رضي الله عنه
فأما الجواب عن الأمر فهو على الندب لوجهين أحدهما أن
الصدقة من الهَدْي وإنما هي على طريق الندب بتقرير ذلك من
السنَّة فلا تكون صدقة الجِلال أعلى منها و الوجه الآخر أن
جَعَلَ الجِلال التي تُكسَى بها البُدْنُ ليست مثل الجلود
فإن الجلود حكمها مثل حكم البُدْنِ من وجوب أو ندب إذا
كانت واجبة أو ندباً على أحد الاحتمالين فليست الجلود تختص
بحكم
۱ علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي أبو الحسن
أمير المؤمنين رابع الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين
وابن عم النبي وصهره وأحد الشجعان الأبطال ومن أكابر
العلماء والخطباء والقضاة وأول الناس إسلاماً بعد خديجة
ولد بمكة وربي في حجر النبي ا ا وكان اللواء بيده في أكثر
الله
المشاهد ولما اخى النبي عليه السلام بين أصحابه قال له أنت
أخي ولي الخلافة بعد مقتل عثمان رضي عنه سنة ٣٥هـ وكثرت
الفتن في أيامه وانقلبت إلى حروب منها وقعة الجمل و صفين
ثم كانت حادثة التحكيم وبعدها انشق المسلمون ثلاثة أقسام
الأول بايع معاوية رضي الله عنه وهم أهل الشام والثاني
حافظ على بيعة علي رضي الله عنه وهم أهل الكوفة والثالث
اعتزلهما وخرج على عليّ لرضاه بالتحكيم فكانت معركة
النهروان وكفر الخوارج علياً رضي الله عنه ودعوه إلى
التوبة فقاتلهم واغتاله عبد الرحمن بن ملجم المرادي
الخارجي وهو يصلي في ۱۷ رمضان سنة ٤٠ هـ ٦٦١ م رضي الله
عنه وكرّم وجهه ٤٠هـ / الجلال مفردها الجَلَّ وهو ما تغطى
به الدابة لتصان والبدن مفردها بَدَنة وهي ناقة أو بقرة
تنحر بمكة قرباناً ومنه قوله تعالى والبُدْنَ جَعَلْنَهَا
لَكُم مِّن شَعَدِيرِ اللهِ
۵۸
وحدها دون اللحم فإن كانت البَدَنَة مما لا يجوز لصاحبها
الأكل منها فلا يجوز له بيعها أعني الجلود ولا الانتفاع
بها والذي لا يجوز لصاحبها أن يأكل منها أربعة نذر
المساكين وهدي التطوع إذا عطب قبل محله وفداء الصيد وفدية
الأذى ويأكل مما سوى ذلك فجلود هذه
الأربعة مثل لحومها
ولم يرو عن أحد من السلف - فيما أعلم - وجوب الصدقة
بجلالها ولا وجوب تجليلها لأنهم قد نصوا على أن من تعظيم
الشعائر تجليل البدن وتحسين الجلال وتعظيم الشعائر من
المندوب وإن كانت البدن مما عدا هذه الأربعة المذكورة
فالتصدق منها من المندوب أيضاً فأعظم ما تكون الجلود
والجلال - فيما عدا الأربعة المتقدم ذكرها - أن يكون حكمها
حكم اللحم فتكون ندباً لا وجوباً ولا نقول لعلها كانت من
الواجب الذي لا يؤكل منها فيكون هذا تنبيهاً بأن تلحق
الجلود والجلال باللحم لأنه إذا أطلق لفظ البُدْن دون
تقييد فإنما يُحمل على ما هو الغالب فيها وهو الذي على
طريق التطوع لأنه الأصل في ذلك الاسم لكونه قد جاء عن
سيدنا حين نحر مائة بَدَنَة أنه أخذ من كل واحدة بَضْعَةٌ
۱ وجُعِلت في قِدْر وشرب عليه السلام من مَرَقها وأكل منها
٢
فهذا هو الأصل وما كان من غيره فلا بد من أن يجلى بصفته
الزائدة لاختلاف الحكم في ذلك وليس عليّ رضي الله عنه ممن
يجهل مثل هذا فنجعلها محتملة وتسوية النبي عليه السلام بين
الجلود والجلال دلّ على ندبيته لأنه لا تساوي بين واجب
ومندوب في الحكم وهذه حجة الإمام مالك رحمه الله في أن
النكاح ليس بواجب لأن الله جلّ جلاله خير بين الزواج وملك
اليمين والوطءُ بملك اليمين بالإجماع مباح فلم يكن الله
عزّ وجلّ ليُخيّر بين واجب ومباح وعلى هذا يكون ما سوى
بينه وبينه ملك اليمين مثل ملك اليمين إذ ليس النكاح به
بواجب فكذلك يكون ما سوى بينهما هنا فلم يبق إلا أن يكون
ندباً وفي أمره عليه السلام علياً بذلك دليل على جواز
النيابة في إخراج الصدقة
وأما ما هي الفائدة في ذكر الإمام ذلك فهي ما تقدم الكلام
عليه وزيادة على ذلك لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا
يفرحون ويفتخرون بما يخص النبي به واحدا منهم دون غيره أو
أي شيء كان منه عليه السلام في حق أحدهم ألا ترى أن أحبّ
الأسماء لعلي رضي الله عنه
۱ البَضْعَة من اللحم وغيره القطعة رواه الترمذي رقم ۸۱٥
في الحج وابن ماجه في المناسك رقم ٣٠٧٦ باب حجة رسول الله
صلى الله عليه وسلم
۵۸۳
أبو تراب ۱ لأن النبي وهو الذي كناه به وثبت في الحكم كأنه
يقول هذا ليس بالمنقول أنا
الذي سمعت هذا الحكم وتلقيت هذا الأمر بنفسي
وأما هل ذلك خاص بالبدن أو ذلك في جميع القُرُبات بذناً
كانت أو أضاحي فإذا فهمنا الأمر أنه على النَّدْب - أعني
في الجلود - فتعدية الحكم أولى لأنه ندب إلى خير ولأن
الضعفاء أيضاً محتاجون إلى ذلك بزيادة فيكون الندب يتأكد
فيه إما في الحال من أجل أن العُريَ غالب على الضعفاء وعلة
البرد أكيدة وكذلك في جلود البدن من أجل ما ينتعلون بها
وهذا عندهم قليل وهو مما إليه ضروراتهم أكيدة ولا سيما
بأرض الحجاز لتوعر أرضها وحرها وأما ما له صوف أيضاً من
جلود الأضاحي فمن علة البرد أيضاً فالندب عام في الكل
أولاً
وأما ما الحكمة في كون النبي ل ا ل ص علي رضي الله عنه
بذلك فلزيادة العلم الذي خص خص به علي وإن كان الخلفاء رضي
الله عنهم كلهم علماء لكن كان لعلي رضي الله عنه في هذا
الوجه من وجوه الخير زيادة لقوله الا الله أنا مدينة العلم
وعلي بابها ۳ ولكونه هو الذي عليه السلام بالنيابة بنحرها
عنه
خصه
ويترتب عليه من الفقه أن المندوب في النيابة في النسك
والصدقة أن يكون النائب فيها عالماً لأنه من تمام القربة
وفيه أيضاً وجه آخر أن المستحب بالمعروف الذي ليس بواجب أن
يؤمر به الأقرب من القرابة لأن علياً رضي الله عنه كان
أقرب إلى النبي ل من غيره لأنه كان ابن عمه وصهره ولأن
نيابته عليه السلام له في النحر - كما ذكرنا قبل - وإدخال
السرور عليه بذلك ولو أمر غيره بالتصرف في الصدقة لكان
محتملا لتغير خاطره وأمرُهُ عليه السلام له بالتصدق عنه
إدخال سرور وجَبر قلب
وفيه وجه من حسن الصحبة أنه إذا بدأ شخص أمراً فمن حسن
الصحبة أن يكون هو الذي يتم بقايا وجوه تصرفاته فلما كان
عليّ رضي الله عنه هو الذي وجّهه النبي عليه السلام إلى
اليمن لأن يأتيه بالبدن فكان من طريق حسن الصحبة أن يكون
هو الذي ينوب عنه فيما بقي للنحر منها وفي التصدق عنه
فاستنابه لحسن الصحبة ومن أحسن صحبة من رسول الله
وفيه دليل على التحدث بما فتح الله به على العبد من أمور
خير الآخرة إذا لم يكن كسباً له
۱ تكنية النبي علياً كرّم الله وجهه أبا تراب رواها
البخاري في الصلاة - باب نوم الرجال في المساجد وفي الأدب
ورواه مسلم في فضائل علي كرّم الله وجهه رقم / ٢٤٠٩/ رواه
الترمذي في المناقب رقم // ۳۷۵ والحاكم في المستدرك ١٢٦/٣
والسيوطي في بعض رسائله وللحافظ أحمد بن محمّد صديق
الغماري رسالة اسمها القول الجلي في صحة حديث أنا مدينة
العلم وبابها عليّ
ΟΛΕ
لأن الذي هو كسب له هو من باب التزكية والله عزّ وجلّ يقول
فَلَا تُرَكُوا أَنفُسَكُمْ ۱ والذي هو من قبيل الله تعالى
إذا سلمت النية فيه من طلب الرفعة يكون من قبيل الشكر لأنه
قد قال التحدث بالنعم شكر وقد قال الله تعالى لمن
شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۳ يؤخذ ذلك من ﴿لَن ذِكْرِ
عليّ رضي الله عنه أن رسول الله وه له و أمره بالصدقة
فيكون إعلان القول منه بأنه بأمر أمره النبي الله تبرئة من
الالم العلوى والتزكية مثل أن يُرى إنسان يتصدق بصدقة
واجبة فيقول هي واجبة أي لا تمدحوني عليها لأن الصحابة
والصدر الأول رضوان الله عليهم لم يكن عندهم
في إعطاء الواجبات مدح بينهم لأنها من اللازم وما هو واجب
يَتَساوَى الناس كلهم فيه ولذلك يُروى عن بعض المتعبدين
أنه قال لا جزى الله تُراكَ الصلاة عنا خيراً رأونا نؤدي
الصلاة قالوا عنا عُبّاد والصحابة ٤ رضي الله عنهم بذكرهم
لِمَا خَصّهم الله عزّ وجلّ به أو نبيه عليه السلام هو على
طريق الاستبشار وشكر النعمة وتبرؤ من دعوى العمل ليس كمثل
بعض الناس في الوقت الذي لا يكمل الواجب الذي عليه ويحب أن
يُلحق بالمباركين كما قال جل جلاله وَيُحِبُّونَ أَن
يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا
وفيه دليل لأهل الصوفة الذين يقولون يُندَب لأهل هذا الشأن
أن يتحدثوا بما فتح الله عليهم بين إخوانهم بشرط ألا يكون
بينهم أجنبي لأنه مما يتقوى به إيمانهم وقوة الإيمان زيادة
في القربة إلى الله عزّ وجلّ
وفيه أيضاً عون على النفس ولاسيما في زمان قل فيه الصدق في
هذه الطريقة حتى إنه عند بعض من يعرف شروطها إنه شيء طُوِي
بِساطه فيكون سبباً لكسله عن الترقي وقد أخبرني بعض من كان
له تعلق بالطريق ثم فتر عن عمله فلما رأى من بعض من كان في
زمانه شيئاً من أحوال القوم وأنه ٦ لما أبصر ذلك رجع إلى
المجاهدة والخدمة وفتح عليه في أقرب زمان فقال لي والله ـ
وهو الحالف - ما كان كَسَلِي عن الخدمة إلا لكوني لم أرَ
في نفسي شيئاً ولم ألق أحداً رأيت منه شيئاً مما رأيت في
كتب القوم فقلت هذا شيء طُوِيَ بساطه فما لي وللتعب فلما
أبصرت
1 سورة النجم من الآية ۳
جزء من حديث رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند
والبزار والطبراني ورواه ابن أبي الدنيا في
الشكر ص ١٤ والخرائطي في فضيلة الشكر رقم / ۸/
۳ سورة إبراهيم من الآية ٧ ٤ العبارة مضطربة غير واضحة
التركيب ٥ سورة آل عمران من الآية ۱۸۸
٦ كذا بزيادة وأنه
٥٨٥
من فلان شيئاً مما رأيت في كتب القوم أيقنت أن الطريق
باقية وإنما السالكون قلوا فأخذت في
الخدمة فجاء من أمري ما ترى فذلك فائدة التحدث بها وفي ذلك
قيل إذا كنت في حالك
صادقاً فنطقك أو سكوتك لمن راك فلاح وصلى الله على سيدنا
ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً
35
نة
٥٨٦
لك
البُخاريُّ قالَ عَطاء رَضِيَ الله عَنهُ إذا تَطيِّبَ أو
لَبِس جاهلاً أو ناسِياً فَلا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ
هذا مذهب عطاء وليس بمتفق عليه أما النسيان فالشافعي رحمه
الله وافقه على ذلك لقول
رسول الله الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وأما مالك رحمه
الله فلم يَعذُر به وقال إنه
b
مثل سجود السهو في الصلاة شُرِع لأن يُجبَر به خلل وقع في
العبادة وفي الصلاة هو يَشتَرِط السجود فيها بالسهو لا
بالعمد وهنا مطلقاً فينبغي أن يكون الحكم في السهو والعمد
سواء وهو الأظهر والله أعلم
وأما الجهل فلا أعرف في الوقت وافقه عليه أحد من العلماء ٣
ودليل القرآن يرد عليه بقوله تعالى فَسْتَلُوا أَهْلَ
الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ 1 فلم يعذر أحداً
بجهل ولو كان الجهل عذراً
لكان أرفعَ من العلم ولا قائل به
من
الله عنه
ويؤخذ منه الفقه أنه من تحقق عنده حكم من أحكام الله عزّ
وجلّ له أن يطلق اللفظ بعموم الحكم ولا يلزمه خلاف المخالف
ومثل ذلك جرى لعمر بن الخطاب رضي حين سمع شخصاً ٥ يتلو
سورة الفرقان على خلاف ما كان يعرف فلببه بردائه وأتى به
رسول الله
۱ هو أبو محمد عطاء بن أبي رباح مولى بني فهر من مُوَلَّدي
الجند وهي بلدة مشهورة باليمن كان من أجلاء الفقهاء وتابعي
مكة وزهادها سمع عددا من أجلاء الصحابة منهم ابن عباس وابن
الزبير وكان أعلم الناس بالمناسك توفي سنة ١١٥ هـ / ٧٣٣م
رواه ابن ماجه وابن حبان والدارقطني والطبراني والبيهقي
والحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ
إن الله وضع وللحاكم والطبراني تجاوز ونقل الخلال عن
الإمام أحمد أنه قال من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوع فقد
خالف كتاب الله وسنة رسوله وأصل الباب حديث أبي هريرة في
الصحيح بلفظ إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم
تعمل أو تكلم به ورواه ابن ماجه بلفظ عما توسوس به صدورها
وزاد في اخره وما استكرهوا عليه والزيادة إدراج من الراوي
۳ كذا وردت العبارة وفيها خلل
٤ سورة النحل من الآية ٤٣
•
هو حكيم بن حزام رضي الله عنه كما في الموطأ والصحيحين
۵۸۷
عمر
كان
وقال سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أن را تنها
فقال أرسله فأرسله فقال اقرأ فقرأ مثل ما كان عمر سمع منه
فقال هكذا أنزلت ثم قال إقرأ يا عمر فقرأ عم مالى قارة
يعرف وهو مخالف لقراءة صاحبه فقال هكذا أُنزِلت إن هذا
القرآنَ أُنزِل على سبعة أحران
فاقرأوا ما تيسر منه ۱
ولم ينكر على عمر أخذ ذلك بالعنف وزجره له وهو كان على
الحق وعمر لم يكن له ۳ علم بذلك الوجه الذي كان ذلك يعرفه
كما أنه لم يكن له علم بما كان عمر يعرفه ومن أجل الغفلة
عن هذا الوجه ضاع كثير من النهي عن المناكر لأن بعض الناس
يقول لعل هذا الذي أنكره
أنا يجيزه غيري
ويترتب أيضاً عليه من الفقه أنه لا يجوز الحكم بمجرد النقل
بما يراه في الكتب إلا لأهله الذين يعرفون مقاطع الكلام
وعلى ماذا يدلّ يؤخذ ذلك من أنه إذا رأى هذا النص من لا
يعرف المذهب وهو ينتسب بدعواه لأحد المذاهب يبقى يعمل عليه
ويظنه مما يجيزه صاحب مذهبه فيكون يقع في الكذب على إمامه
ويُدلي الناس بغرور وقد أخبرني جماعة عمن ينسب في مذهبه
إلى أنه متبع لمالك رضي الله عنه وهو ممّن يُستفتى كان
يفتي في مذهب مالك بما نص عن عطاء هنا وقد ذكرنا مذهب مالك
قبل في ذلك وما هو عليه فنسأل الله الإرشاد لمعرفة العلم
على ما هو علم على وجهه والعمل به ابتغاء مرضاته لا ربَّ
سواه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ رواه البخاري في كتاب الخصومات ومسلم في صلاة المسافرين
وقصرها باب بيان أن هذا القرآن على سبعة أحرف رقم / ۸۱۸/
كما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمر
رضي الله عنه
أي حكيم بن حزام ۳ يدلي الناس بغرور يوقعهم فيما أراد من
تغريره
۵۸۸
حديث بناء مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم
عَن أنس رضي الله عنه قالَ قَدِمَ النَّبِيُّ الله
المدينةَ وَأمَرَ بِبِناءِ المَسجِدِ فَقال يا بَني
النَّجار ثامنوني ١ فَقالوا لا نَطَلُبُ ثَمَنَهُ إلا إلى
الله فَأمَرَ بِقُبورِ المُشركينَ فَنُبِشَت تم بالخِرَبِ
فَسُوِّيَت وَبِالنّحْلِ فَقُطِعَ فَصَفُّوا النّخلَ
قِبلَةَ المَسجِدِ
* * *
ظاهره يدل على أن بناء المسجد كان بأمر النبي و بعد هجرته
إلى المدينة والكلام عليه
من وجوه
منها جواز طلب الأشياء للبيع وإن لم يكن صاحبها عرضها
للبيع يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام يا بني النجار ثامنوني
وهم لم يكونوا عرضوا ملكهم للبيع قبل
وفيه دليل على جواز أن ينسب الشخص إلى صنعة كانت في قبيلته
أو ابائه وليس ذلك من الألقاب المنهي عنها يؤخذ ذلك من
قوله عليه السلام يا بني النّجّار وهذه صنعة كانت في أحد
ابائهم فشهروا بها فدعاهم بها
وفيه دليل على جواز قبول الهدية لشيء وإن كان قد تعرض إلى
شرائها ما لم يقصد تحشيم صاحبها يؤخذ ذلك من قبوله عليه
السلام منهم بعدما طلب منهم البيع فقالوا لا نطلب ثمنه إلا
إلى الله والدليل على قولنا ما لم يقصد تحشيم صاحبها لأن
النبي صلى الله عليه وسلم قال ثامنوني ولا يقول النبي يا
الله نامنوني إلا حقاً لا يقول ذلك حيلة ولا مجازاً ومن
يقع له شيء من ذلك فهو تنقيص بالنبي وهو وهو لا يحل وإن
أفصح به وجب قتله شرعاً
۱ ثامنه في السلعة ساوَمَه في شرائها الخِرَب ج خِرْبة وهي
موضع الخراب 3 أحشم فلان فلاناً أخجله
۵۸۹
وهنا بحث وهو ليس بمجرد الدعوى منه يقع التصديق إلا ۱ تكون
هناك قرينة تبين ذلك مثل قول هؤلاء الذين قالوا لا نطلب
ثمنه إلا إلى الله تعالى ولا يلزم من قولهم لا نطلب ثمنه
إلا إلى الله أن يكون صدقة لأن الهدية صاحبها مأجور إذا
قصد بها وجه الله مثل الصدقة غير أن الفرق بين الصدقة
والهبة أن الصدقة لا تكون إلا لله إلا أن يدخلها رياء
والهبة قد تكون لوجوه كثيرة قد نص عليها في كتب الفروع فما
هو منها الله فصاحبها فيها مأجور كما هو في الصدقة وإن لم
يكن من صاحبها إفصاح مثل مقالة هؤلاء ويكون هناك ما يقوم
مقام ذلك وقد روي عن بعض أهل هذا الشأن إذا كان يأتيه
الفتوح ولا يعلم من صاحبه من أي الوجوه هو يقول له ناشدتك
الله متى أنا عندك خير إن قبلت منك أو إن رددت عليك فعلى
الذي يحلف عليه من الحالتين عمل عليه تحرزاً من الدعوى في
هذا الشأن وإن كان على ما روي عنه من أهل الكشف والاطلاع
وفيه دليل على جواز حفر قبور المشركين يؤخذ ذلك من قوله
فأمر بقبور المشركين فنبشت وفيه من الحكمة أن حكم الحياة
مستصحب في الممات فكما هي دماؤهم في الحياة مباحة ولا حرمة
لهم كانوا كذلك في مماتهم والمؤمن حرمته في الممات كحرمته
في الحياة لأنه قد جاء أنه من كسر عظم مؤمن ميت كمن كسره
حياً في الإثم سواء ۳ وقبره حَبْسٌ 4 لا يحل لأحد
التصرف فيه
وفيه إشارة لأهل البصيرة الذين يقولون أحوالك عنوان على
مالك هنالك فإن استقمت هنا رفعت هنالك وإن خلطت فإنما
بَخَستَ نفسك
وفيه دليل على جواز هدم خراب البناء إذا كان فيه فائدة
وليس من الفساد في الأرض يؤخذ ذلك من قوله ثم بالخِرَب
فَسُوِّيت
وفيه دليل على جواز قطع الثمار وإن كانت تُطعِم إذا كان
ذلك لضرورة يؤخذ ذلك من قوله وبالنخل فقطع وقد نص العلماء
على أن قطع الثمار المُطعِمة من الفساد في الأرض ولما كان
هذا لضرورة خرج أن يكون من ذلك القبيل والضرورة التي هي
هنا أنه لما تقدم العالم المدينه الا الله تنافس الأنصار
رضوان الله عليهم في نزوله عليه السلام عند من ينزل منهم
فقال لهم دعوا
۱ كذا بزيادة إلا
كأنه يستحلفه بالله أي العملين أفضل هل أخذ الفتوح الهدية
أوردها ۳ رواه عبد الرزاق ومالك في الموطأ وأبو داود وابن
ماجه والإمام أحمد عن السيدة عائشة رضي الله عنها بألفاظ
مختلفة
٤ قبره حبس عليه وقف عليه لا يباع ولا يورث
۵۹۰
الناقة فإنها مأمورة ۱ فمشت حتى أتت موضع المسجد فبركت فيه
فأي ضرورة أشد من هذه لأن هذا حكم من الله عز وجل وقد كان
في علم الله تعالى أن تلك البقعة هي الموضع الذي هو روضة
من رياض الجنة فكل ما كان فيها فهو عارية بحكم القلع وليس
مثل هذا ضرورة في غيره أن يقول شخص نريد نبني هذا بنيانا
بشهوة نفسه فيكون هناك شجر مثمر فيقطعه ويجعل هذا الحديث
حجة فيه هذا لا يحل بل الضرورة غير هذه على ما هو مذكور في
كتب الفقه وهنا إشارة لمن سعد في الأزل ما ضَرَّه ما جرى
عليه من الفتن يؤخذ ذلك من أنه لما كانت هذه البقعة قد
سبقت لها تلك السعادة العظمى - وهي أن تكون مسجداً ومنزلاً
ولَحْداً للسيد من بني آدم والمرفّع في العالمين الله -
اما ضرها ما تداول عليها من أيدي المشركين ومخالفتهم إذا
حَسُنت العقبى فكل قبيح يزول وإن فسدت فكل جميل يَحُول
وفيه دليل على أن من حسن التصرف أن يعمل الشخص في أمره كله
على قدر جدته ٢ أو عسره يؤخذ ذلك من كون النبي ا لما ترك
هو والمهاجرون أوطانهم وأموالهم فاحتاج عليه السلام إلى
بناء المسجد بناه على ما يقتضيه الوقت بجريد النخل وحيطانه
من جذوعها يؤخذ ذلك من قوله فَصَفُّوا النخل قبلة المسجد
ولم يبنِ بآجُرٌ ولا حصّ ولا بشيء فيه تكليف لا عليه ولا
على غيره فهذا مقتضى السنة ومما يؤيده من الكتاب قوله
تعالى ليُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ﴾ ٣ وقد قال رضي
الله عنه الرفق في النفقة خير من الزيادة في الكسب وفيه
دليل على أن أهم ما على المرء من الأمور النظر في أمر دينه
يؤخذ ذلك من أنه أول ما نظر فيه عند دخوله المدينة بناء
المسجد الذي هو للاخرة
وفيه دليل للفقراء الذين يقولون إذا زهد الفقير وخرج عن كل
ما يملكه مما هو من أمر دينه فلا يدخل تحت ذلك اللفظ ولا
يجوز له الخروج عنه ويحبس منه بقدر ضرورة دينه مثل الإناء
للوضوء وما يستر به عورته ومثل ما يصلي عليه لأن كل ما
يكون الخروج عنه يتعذر به وجه من وجوه الدين فلا يجوز لأنه
الأهم وقد قيل على جميع أمور الدين حافظ عليها ولا تبال
بما عداها فعزّ المرء بدينه لا بما سواه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 رواه البيهقي في دلائل النبوة ٥۰۱/۳ و ٥٠٤ وابن كثير في
البداية والنهاية ۱۹۹/۳ و ۰۰ والسيوطي في الخصائص ۹۰/۱
والشامي في سيرته سبل الهدى والرشاد ٣٨٦/٣
الجدة الغنى ۳ سورة الطلاق من الآية ٧
۰۹۱
1121
حديث خروج الدجال وفتنته
عَن أبي سعيد الخدري ١ رضي الله عَنهُ عَنِ النبي صلى الله
عليه وسلم قالَ يَنزِلُ الدَّجَالُ بَعضَ السَّباخ ۳
بالمَدينَةِ فَيَخرُجُ إِلَيهِ يومئذٍ رَجُل هُوَ خَيرُ
النّاس - أو من خير النّاسِ - فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّكَ
الدَّجالُ الذي حَدَّثَنَا عَنكَ رسول الله لا حَدِيثَهُ
فَيَقولُ الدَّجالُ أرَأَيْتُم إن قتلتُ هذا ثُمّ أحيَتُهُ
هَل تَشكُونَ في الأمرِ فَيَقولونَ لاَ فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ
يُحْيِيهِ فَيَقولُ حينَ يُحييهِ وَالله ما كُنتُ قَطُّ
أشدَّ بَصيرَةً منّي اليومَ فَيَقولُ الدّجالُ أقتلُهُ
فَلا
يُسلّط عَليهِ
ظاهره يدل على وجهين أحدهما أن ما أعطي الدجال من خرق
العادة تكذيباً لدعواه لأنها قاصرة و الثاني ما أعطي
الخارج إليه من قوة الإيمان وأن تلك الفتنة العظمى لم تضره
والكلام
عليه من وجوه
منها أن يقال ما قصْرُ خرق العادة التي أعطي فنقول هي ما
أراد من قتل الرجل المؤمن ثانية فلم يقدر عليه فنحتاج الان
أن نذكر خرق العادة وما هو الدال منها على الخير وعلى ضده
وما انقطع منها
فأما خرق العادة فقد تكلم العلماء عليها وهي على أربعة
أقسام
1 أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري
الخزرجي أبو سعيد صحابي كان من ملازمي النبي وروى عنه
أحاديث كثيرة غزا اثنتي عشرة غزوة وله ۱۱۷۰ حديثاً توفي في
المدينة المنورة سنة ١٤ هـ / ٦٩٣ م انظر الحديث ٤٨ الدجال
لغة المموّه المدَّعي الكذاب وشرعاً المسيح الدجال رجل من
يهود يخرج في آخر هذه الأمة سمي بذلك لأنه يدجل الحق
بالباطل وقيل بل لأنه يغطي الأرض بكثرة جموعه وقيل لأنه
يغطي على الناس أو سمي بذلك لكذبه وجمعه دجاجلة و دجالون
وكل كذاب فهو دجال
بكفره وقيل لأنه يدعي "
۳ السباخ ج سَبَخة والسبخة من الأرض ما لم يحرث ولم
يُعمَّر لملوحته
۵۹
قسم يدل على صدق النبوة وهذا قد طوي بساطه لكن نذكره من
أجل المعرفة به لأنه من
جملة أمور الدين
وقسم يدل على الولاية وتحقيقها
وقسم يكون من أجل المجاهدة والدوام عليها وإن كان صاحبها
فاجراً أو كافراً وكثيراً ما افتتن الناس من هذا القسم
لجهلهم به
وقسم من الذي يسمونه السيمياء وهي استنزال بعض الروحانيات
وخدمة بعض الكواكب الفلكية وهي أيضاً مما ضل بها كثير من
الناس
ولكل واحدة منها علامة تعرف بها ولا يعرف ذلك إلا من له
نور إيماني ومعرفة بها
فأما التي هي دالة على النبوة فمن شرطها التحدّي وهو أن
يقول أنا نبي ومن الدال على نبوتي أنني أفعل كذا وكذا وذلك
الذي يدعيه لا بد من ظهوره على ما ذكره علماء الدين وهذا
لم يبق لأحد فيه دعوى لقوله عليه السلام لا نبي بعدي
والتي هي دالة على صدق الولاية تظهر على يديه دون تحدٍ ومن
شرطها أن يكون في حاله متبعاً للسنة والسِّنَن لأن الله
عزّ وجلّ لم يتخذ قط ولياً بدعيا ۳ لأنه عزّ وجلّ يقول في
كتابه قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
يُحْبِبْكُمُ اللهُ ۳ وإن تحدى بها عند ضرورة دون عجب فلا
تخلفه لأنها من بركة تصديق النبوة لأن كل كرامة ظهرت لولي
فهي معجزة لنبيه عليه السلام لأنه بصدقه في اتباعه ظهر له
هذا الخير ومثاله ما ذكر عن بعض السادة حين ركب البحر فهاج
عليهم وكان المركب مُوسَقاً " قمحاً للملك وكان معه ركاب
حجاج فسمع البحريين يقولون إن القمح مكيل علينا بالشهادة
وهؤلاء الحجاج ركبوا باختيارهم ليس علينا فيهم شيء نحن
الحُجّاج وندع القمح من أجل أنا مطالبون به فلما رآهم
عزموا على ذلك قال لهم ارموا القمح على ذمتي فرَمَوا منه
ما شاء الله ثم سكن البحر وبلغوا الموضعَ الذي كانوا
أمّلوا فطلبوه بما رَمَوا من القمح فقال لهم أخرِجوا
الشهادة التي عليكم واكتالوا القمح فما نَقَص منه
غَرِمْتُهُ ففعلوا فوجدوا الزائد على ذلك القدر
1 جزء من حديث رواه البخاري في المغازي باب غزوة تبوك
ورواه مسلم في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باب
من
فضائل عليّ من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه
البدعي المبتدع والمستحدث في الدين ما ليس منه ۳ سورة ال
عمران من الآية ۳۱
٤ موسقاً محمَّلا موقرا
۵۹۳
التي كانت به الشهادة عليهم فخلوا عنه فقال لأصحابه والله
ما فعلتها إلا من أجل الضرورة إحياء لنفوس هؤلاء المؤمنين
وإن كان يتحدّى بها لغير ضرورة فليس هو في منزلة الأولياء
بل هو في حزب سَنَستَدْرِجُهُم مِنْ حَيْثُ لَا
يَعْلَمُونَ ﴾ ۱ وهذا هو حظهم من الله عزّ وجلّ لأنهم قد
نصوا أن من كانت عبادته من أجل أن تظهر له كرامة أو تستجاب
له دعوة أو يُعرف بالخير من أجل المنزلة فأولئك من الذين
يعبدون الله على حرف ٢
وأما التي هي من أجل المجاهدة فإنه تظهر له كرامات لكن
ليست بنافذة ۳ ولا مكاشفته تتعدى مدى بصره وتكون في المؤمن
والكافر وهي من أثر المجاهدة فإن بالمجاهدة نفسها يتنور
الباطن ويرجع القلب مثل المرأة الصقيلة ينطبع فيها كل شيء
قابلها لا غير وما لم يكن في مقابلتها فلا ينطبع فيها
ومثال ذلك ما ذكره عن بعض الأكابر أنه في بعض أسفاره مَرَّ
بِدَير رهبان فرأى ما هم فيه من كثرة المجاهدة فوقع له
استحسان لتلك المجاهدة فلما وقع له ذلك أمروا لخديمهم
بالإقبال عليه وأن يحسن قراه ويدخله بيت تعبدهم حيث
أصنامهم فلما أدخله بيت الأصنام وقع في خاطره سخفُهم وقلة
عقولهم لكونهم يعبدون تلك الأصنام فلما وقع له ذلك وإذا هم
يصيحون على الخديم أخرجه أخرجه فأخرجه من حينه فتعجب لسرعة
اطلاعهم على خاطره لكن لا يجاوزون بمكاشفاتهم مدى البصر
وإذا كانت المجاهدة عن إيمان واتباع للسنة كاشف من العرش
فما دون وكانت الدنيا كلها عنده كخطوة واحدة يتصرف فيها
كيف شاء بحسب ما يفتح الله عليه
0
وأما التي هي من طريق السيمياء واستنزال بعض الروحانيات
وعبادة بعض الكواكب الفلكية فله ٦ علامات
أما الذي يعبد بعض الكواكب فلكل عابد كوكب علامة يعرف بها
مثاله أن الذي يعبد زُحل ٧ يكون لباسه أخسَّ اللباس وأقذره
وعيشه وجلوسه من تلك النسبة فالذي يراه في ذلك
۱ سورة الأعراف من الآية ۱۸
الحرف من كل شيء جانبه وطرفه والآية الكريمة وَمِنَ
النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفِ أي يعبده في
السراء لا في
الضراء ۳ نافذة ماضية قاطعة
٤ الخديم الخادم 0 كذا بزيادة الواو ٦ أي لصاحب خرق العادة
۷
زُحل أحد الكواكب الكبرى في المجموعة الشمسية ترتيبه
السادس من الشمس وهـو علـى بعـد =
٥٩٤
الحال يظنه من الزهد والورع وما هو إلا بمقتضى ما يقتضيه
معبوده ويبقى على ذلك الحال قدر دورة معبوده في الأفلاك
وذلك على ما يزعمون ستة وثلاثون ۱ سنة على تلك الحالة التي
بينت لا يفتر فإن فتر ساعة فَسَد عليه كل ما تقدم ولكل
واحد مما عدا هذا أيضاً حالة تخصه إلا أن هذا عندهم أنحس
الحالات
وأما الذي هو من الروحانيات ليس إلا فحاله الظرف في اللباس
وفي كل أمره وانشراح النفس وما يطيبها وحسن المجالس ومع
هذا فالغالب على أهل هذه الطرق الفاسدة حظوظ النفس وطلب
الرئاسة وعدم اتباع السنة واختراع بدع يجلب بها الجهال
ويجعلها من طريق الحكمة ورياضة النفس وهو الضد - أعاذنا
الله من ذلك - لأن ما كان من طريق خرق العادات التي ليس
على صاحبها لسان العلم حاكماً تجدها غير نافذة من كل
الجهات وإذا جاء من له حقيقة يقابلهم ما يمشي لهم منها شيء
ويتعذر عليهم أكثرها بحسب قوة إيمان الشخص وضعفه ولذلك
فأكثر ما يخالطون الجهال
والذي خرق العادة له مع اتباع السنة هو في حالة ملك لا
يُغلب بحيلة ولا مكر ولا قوة محسوسة أو معنوية وأمره
يتزايد لا ينقص والناس وجميع الوجود عنده كلهم على حد واحد
كيف شاء أن يتصرف تصرّف بغير دعوى متبرىء من الحول والقوة
إلا إلى الله صاحبها وهو أخوف الناس على نفسه إلا عندما
تأتيه البشائر الربانية
وعلامته أن يكون أكثر الناس تواضعاً وأقبلهم لهم عذراً إلا
ما كان في حق الدين وأكثرهم شفقة عليهم ونفسه عنده أقل
الخلق ويشاهد ذلك الخير فيضاً ومَناً بغير استحقاق ويحض
الناس على اتباع السنة والسنن كثير الصمت إلا فيما يعنيه
كثير الفطنة قليل الطمع ملاحظ بقلبه الآخرة لا يرى لنفسه
على أحد حقاً ويرى حقوق الناس قد ترتبت عليه بشرط أخوة
الإيمان بالحضور والغيبة يفر من المدح ويستأنس بالوحدة
يبذل المعروف ويقلل الضرر بل لا يقع منه يحبه كل شيء حتى
الأرض التي يمشي عليها والسماء التي تظله وأهلها كذلك
معرفته في كأنه السماء أكثر وأشهر مما في الأرض لا يُحِل
أكل الخبيث تؤلمه معصية العاصي هو الذي
١,٤٢٥,٧٦٧,٠٨٠ كيلومتراً في المتوسط منها وتتم دورته حول
الشمس في ثلاثين عاماً ويبلغ / ٧٣٤ / مرة حجم الأرض وكتلته
٩٤٩ مرة قدر كتلتها وكثافته ۸/۱ كثافتها ويبدو قرصاً
منبعجاً لامعاً عند الاستواء وقطره الاستوائي ۱۰,۰۰۰
كيلومتر وله عشرة أقمار تدور حوله
۱ تقدير الفلكيين ثلاثون سنة وقوله ستة كذا في المخطوطات
والمطبوعة
0
۵۹۵
فعلها وتَسُره طاعة الطائع كأنه الذي يأخذ أجرها صورته
صورة بشر وحقيقة باطنه ملكية نورانية
قدسية ووصفه يطول
مَنَّ الله علينا بما به مَنْ عليهم برحمته ورحمنا بحرمتهم
وصلى الله على محمد نبيه وعبده فمن أجل الجهل الغالب على
الناس بطريق القوم كل من رأوا منه شيئاً من خرق العادة من
أي نوع كانت قالوا صالحا ۱ أو يكون ممن سمع شيئاً من مفاسد
الفاسدين فيعيب أهل الحقيقة على الحقيقة فيحرمهم لأنه يجعل
أمرهم إما محتملاً إذا أراد السلامة أو ينسبهم إلى الطريق
الفاسد فيحصل مع الحرمان الخسارة فإن الله عزّ وجلّ يَغيرُ
لهم أشد الغيرة لقوله عزّ وجل على لسان نبيه عليه السلام
من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة ۳ وفيه دليل على
عظيم قدرة الله عزّ وجلّ يؤخذ ذلك من قوله ينزل ببعض
السباخ التي بالمدينة ثم يمنع من الدخول إليها وفيه دليل
على أن من قوي إيمانه لا يمكنه حَملُ البدع ولا السكوت
عليها يؤخذ ذلك من خروج هذا الرجل الذي شهد له رسول الله
الله بالخيرية مع علمه أنه لا يدخل المدينة وأنه - صلى
الله عليه وسلم وحده ـ لا يقدر على قتاله لكن قوة إيمانه
حملته على أن يخرج ويكذبه بين أتباعه وإن كان لا يعلم هل
ينجو منه أم لا
ألا ترى إلى ما جاء في قصة عبد الله بن رواحة ۳ حين أخبر
رسول الله أنه رأى بين سريره وسريري صاحبيه ازوراراً وعلة
ذلك ما أخبر به الصادق و أن صاحبيه تقدما ولم يتوقفا وتوقف
هو يرثي ما يشجع نفسه الطيبة بأبيات من الشعر ويطيبها
للموت ثم تقدم فقتل كما فعل بصاحبيه ٤ رحمهم الله أجمعين
فقوة الإيمان تقتضي القيام بأمر الله عزّ وجلّ ولو بقي
الشخص وحده كذلك فعل أبو بكر رضي الله عند وفاة النبي رضي
الله عند وفاة النبي ا ومنع أولئك الرهط الزكاة وخطب
۱ كذا
38
رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء وأبو نعيم في الحلية
۳۱۸/۸ والطبراني في الأوسط عن السيدة عائشة الله عنها
والبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه وألفاظه مختلفة في هذه
الروايات عما أورده الشيخ
رضي
الإمام ابن أبي جمرة رضي الله عنه
عبد الله بن رواحة صحابي يعد من الأمراء والشعراء الراجزين
كان يكتب في الجاهلية وشهد العقبة مع السبعين من الأنصار
شهد بدراً وأحداً والخندق والحديبية واستخلفه النبي الله
العليل و المدينة في إحدى غزواته وصحبه في عمرة القضاء
وكان أحد الأمراء في وقعة مؤتة بأدنى البلقاء من أرض الشام
فاستشهد فيها سنة
هـ / ٦٢٩م ٤ رواه البيهقي في دلائل النبوة ٣٦٨/٤ وللحديث
تتمة
٥٩٦
نية
ـن
مة
ق
بعدما كان ظهر للصحابة رضي الله عن جميعهم أن يسامحوا في
الوقت فقال لهم أبو بكر
رضي
الله عنه
لأقاتلنهم ولو بالدَّبور ۱ فقال عمر رضي الله عنهم أجمعين
فلما سمعت مقالة أبي بكر علمت أنه الحق وشرح الله صدري لما
شرح له صدر أبي بكر وهو من أقوى الأدلة على أن النصر ما
يكون إلا بقدر قوة الإيمان لأن أبا بكر رضي الله عنه لم
يتم كلامه إلا والمسجد قد امتلأ بالدبور وهي الريح وقيل
بالتشديد وهو طائر يشبه النحل ۳ وهو أشد ضرراً منها وأتت
وجوه القوم حتى خرجوا من حينهم من المسجد
وقوله رجل هو خير الناس أو من خير الناس ۳ الشك من الراوي
وقوله عليه السلام خير - على إحدى الروايتين - قد حصلت له
الشهادة من الصادق المصدق بالخيرية
وفيه دليل على أن الخيرية هي بقدر الإيمان لأنه إذا قوي
الإيمان علم قطعاً أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له قعد أو
تحرك فالأولى المبادرة إلى ما أمر به أو ندب إليه قال عزّ
وجلّ ﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا
هُوَ مَوْلَسْنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ
الْمُؤْمِنُونَ ٤ وقوله فيقول أشهد أنك الدجال أي لست أنت
بالرب كما تزعم بل أنت كذاب فهذه أكبر المجاهدة يقول الحق
ولا يلتفت إلى ما يترتب عليه وصار اليوم عند بعض المنسوبين
إلى العلم أو الدين يتركون قول الحق من أجل توقعات ممكنة
يتوقع منها ضرر دنيوي فيلزم من شاهد حاله أنه مِن شرِ
الناس وقد أخبر بذلك الصادق عليه السلام حيث قال يأتي على
الناس زمان يصبح الرجل فيه مؤمناً ويُمسى كافراً مؤمناً
ويصبح كافراً يبيع دينه بعَرَض من الدنيا ٥ وفي هذا الحديث
مصداق لقوله عليه السلام لا تزال طائفة من أمتي على الحق
ظاهرة إلى قيام الساعة لا يضرهم من خالفهم ٦
1 الدبور الريح تهب من المغرب وتقابلها القبول
ويمسي
الدَّبُور جمع دَبر وهي جماعة النحل والزنابير والدبور
جمعه دبابير وهي الزنابير وهو عربي مولد
معرب عن السريانية وقيل عامي ۳ قال كثير من العلماء إنه
الخضر رضي عنه واسمه بليا بن ملكان وكنيته أبو العباس
ولقبه الخضر وقد ورد أن من عرف اسمه وكنيته ولقبه واسم
أبيه مات على حسن الخاتمة وورد في فضائله الله الله إنماء
الخضير خضيرا لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز تحته
خضراء رواه الشيخان
سمي
٤ سورة التوبة من الآية ٥١
٥ رواه مسلم في الإيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً
مع اختلاف يسير في اللفظ
جزء من حديث صحيح متواتر رواه البخاري في الاعتصام
والأنبياء والتوحيد ومسلم في الإيمان والإمارة والترمذي في
الفتن وأبو داود في الجهاد والفتن والملاحم وابن ماجه في
المقدمة وأحمد في مسند الشاميين والدارمي في الجهاد
=
۵۹۷
وفيه دليل على إبقاء الإيمان كاملاً في المدينة وإن كان في
بعض أهلها تخليط يؤخذ ذلك من أنه لم يخرج له من يواجهه
بهذا الحق إلا من المدينة ولو كان له موضع اخر ثان لأخبر
به يلي وفيه تأنيس لمن وفق للحق وإن خالفه أهل زمانه
وبشارة له بالنصر لأن العلة التي من
أجلها كان النصر لذلك المبارك موجودة عنده وهي قوة الإيمان
وقول الحق في الله وفيه دليل على أن قوة الإيمان عند
الضرورة لا تعول على القدرة بمجردها ولا تستعمل أثر الحكمة
مع التصديق بثبوت أثر الحكمة والقدرة معاً أما العدول منه
عن أثر الحكمة فكونه خرج إلى ما لا طاقة له به وقد دلت
الشريعة التي
مقتضى الحكمة على منع ذلك بقوله تعالى ﴿ وَلَا تُلْقُوا
بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَهْلُكَةِ 1 وأما أثر القدرة فقوله
تعالى وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا
بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ ۳ وقوله تعالى قُل لَّن يُصِيبَنَا
إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا ۳ فأشد الأمور - وهو القتل
- لما لم يرد الله عزّ وجلّ موت هذا لم يضره ولما أراد
ثانية أن يمنعه مَنَعه بغير أثر حكمة إلا إظهار قدرة تامة
ليعلم أن الله على كل شيء قدير وأما قتله أولاً فتحقيق
لعظيم القدرة لأنه قد كان يقول القائل لم يره وحجب عنه
ويرى أن ذلك من خرق العادة للأولياء وما أظهر الله عزّ
وجلّ له من الكرامة أرفع وأعظم
E
وفيه دليل على أن الفتنة لا تضرّ مع الإيمان ولا تزيده إلا
تحقيقاً يؤخذ ذلك من كونه فعل به أشد الفتن وهو الموت
والإحياء ثم ما زاده ذلك إلا قوة في إيمانه كما ذكر هو
بقوله والله ما كنت قط أشد بصيرة مني اليوم وذلك لأنه كان
عنده قبل عِلمُ يقين وصار الآن عنده عينُ يقين وعين اليقين
لأهل الأحوال هو أعلاها كما قال الخليل عليه السلام حين
قيل له أَولَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَينَ
قَلبي ٥ فأراد عليه السلام الانتقال من علم اليقين إلى عين
اليقين
فاستحق بذلك درجة الخُلَّة
o
۱ سورة البقرة من الآية ۱۹٥ سورة البقرة من الاية ۱۰ ۳
سورة التوبة من الاية ٥١
٤ اليقين في حقيقة معناه رأس مال الدين قال رسول الله الله
اليقين الإيمان كله أخرجه البيهقي في الزهد والخطيب في
التاريخ من حديث ابن مسعود بإسناد حسن وبين علم اليقين و
عين اليقين و حق اليقين علاقة وشيجة أقرب مثال لفهم
العلاقة بينهما أنك لو رأيت دخاناً فاعلم علم اليقين أن
وراءه نارا وإذا
اقتربت أكثر منه فرأيت النار فذلك عين اليقين وإذا مَسَست
النار فلذعتك فذلك حق اليقين
٥ سورة البقرة من الاية ٢٦٠
۵۹۸
وفيه تصديق للحديث الآخر وإن كان كل واحد منهما يصدّق
الآخر الذي قال عليه السلام فيه تُعرَضُ الفتن على القلب
عوداً عوداً فأيُّما قلب أُشرِبَها نكتت فيه نكتة سوداء
وأيما قلب لم يُشْرَبها نكتت فيه نكتة بيضاء فلا تزال تتسع
حتى تعود على القلب مثل الصفاة لا تضره فتنة بعد ۱ لأن هذا
لما صدق قول النبي وخرج مجاهداً في سبيل الله ورسوله لم
يضره
القتل بل زاد به إيمانه
ويؤخذ من حال الدجال الدليل على تكذيبه يؤخذ ذلك من قوله
لأتباعه أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته هل تشكون في الأمر
فلو كانت إلهيته حقاً لجلب القلوب على التصديق لأن القلوب
كما يقتضي الإيمان أنها بين أصبعين - أي بين أمرين من أمر
الرحمن ۳ - وكونه يطلب منهم ـ التصديق على ربوبيته بما
يبدي لهم ضعف في قدرته وهذا في حق الربوبية محال
وفيه دليل على إظهار قدرة الله عزّ وجلّ فيمن حكم عليه
بالضلالة أنه لا تنفعه العبر ولا المواعظ يؤخذ ذلك من أن
الدجال ادعى أن دليل ربوبيته إماتة الشخص وإحياؤه ففعل ثم
جاء ثانية أن يفعل فمنع من غير موجب ظاهر فكان يجب عليه
وعلى أتباعه الإقرار بالحق لأنه قد جاء ما أبطل دليله في
عالم الحس ولم يقدر على دفعه فما بقيت الأدلة تنفع
والمواعظ إلا مع السعادة ولا تضر الفتن والامتحانات إلا مع
الشقاوة
فنسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يعيذنا من الشقاوة
والحرمان ومن المحن والفتن في الدارين ويمنّ علينا
بالسعادة فيهما بفضله لا ربَّ سِواه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 رواه مسلم بلفظ تعرض الفتن على القلوب كالحصير عُوداً
عُوداً فأي قلب أشربها نُكِتَ فيه نكتةً سوداء وأي قلب
أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين أبيض مثل
الصفا فلا تضره فتنته مادامت السموات والأرض والآخر أسودُ
مُزباداً كالكوز مُجَخْياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر
منكراً إلا ما أشرب من هواه عن
حذيفة رضي
الله عنه
هو معنى لحديث رواه الإمام أحمد في المسند ۱۷۳/ وانظر الدر
المنثور ۸/-۹
0
۵۹۹
-٨٦-
حديث حراسة مكة والمدينة من الدجال
أنس بن مالك رضيَ الله عَنهُ عَنِ النبي ا ا قالَ لَيسَ
مِن بلَدٍ إلا سَيطَوُ الدَّجَالُ إِلا مَكَّةَ
وَالمَدينةَ لَيس لَهُ مِن نقابِها نَقب ۱ إلا علَيهِ
المَلائِكَةُ صافينَ يحرُسونَها ثمّ تَرجُفُ المَدينةُ
بأهلِها ثَلاثَ رجفَاتٍ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلٌّ كافِرٍ
وَمنافق
ظاهر الحديث يدل على أن جميع بلاد الأرض يدخلها الدجال إلا
مكة والمدينة والكلام
عليه من وجوه
منها الدليل على تحقيق خروج الدجال ومنها التساوي بين فضل
مكة والمدينة وقد
6
اختلف العلماء فيهما في الفضيلة فمالك رحمه الله ومَن
تَبِعه يفضلون المدينة على مكة والشافعي رحمه الله ومَن
تبعه يفضلون مكة على المدينة ولم يختلف أحد أن موضع قبره
أفضل البقاع وإنما الخلاف فيما عداه من البلدين واستدل كل
واحد منهما بظواهر أحاديث كلها تحتمل التأويل وبأقيسة
ولكنها أيضاً تحتمل التعليل
وظاهر هذا الحديث يعطي التسوية بينهما في الفضل لأن جميع
الأرض يطؤها الدجال إلا هذين البلدين فدل على تسويتهما في
الفضل ويُؤكَّد ذلك أيضاً من وجوه من النظر لأنه إن خُصَّت
المدينة بمدفنه عليه السلام وإقامته بها ومسجده فقد خُصَّت
مكة بمَسقَطِه عليه السلام بها ومبعثه منها وهي قبلته
فمطلع شمس ذاته المباركة مكة ومغربها المدينةُ وإقامته بعد
النبوة - على المشهور من الأقاويل - بمكة مثل إقامته عليه
السلام بالمدينة وفيه دليل على كثرة ما يُعطَى هذا اللعين
من خرق العادة فمنها كونه يَطَأ الأرض كلها ولم أن تكون
إقامته في الأرض وطوافه عليها إلا في أربعين يوماً إلا أن
أول يوم منها كسَنَة
يجيء
۱ النقب الخرق في الجلد أو في الجدار أو نحوها جمع أنقاب
ونقاب
10
وهنا بحث وهو هل هذا الذي راه الله مع كونه حقاً هل ذلك
مثال يعرف به الحكم
وترى له الكيفية أو ذلك حقيقة أري له بعض أهل المعصية على
ما هم فيه محتمل لأنه عليه
السلام لم يخير أنه رأى من أهل هذا الحال إلا واحداً
وبالقطع إن أهل ذلك الذنب عدد كثير
والقدرة صالحة للوجهين معاً
وهل الموضع الذي رآه فيه عليه السلام أيضاً بالأرض المقدسة
هو موضعه الذي كان دفنه فيه أو فسح له عليه السلام من
الأرض المقدسة حتى رآه في موضعه على حاله ذلك فالقدرة
أيضاً صالحة للوجهين معاً وفيه أيضاً دليل على عظم قدرة
القادر
وفيه دليل على أن من الفصيح في الكلام الحذف والاختصار إذا
لم ينقص ذلك من المعنى شيئاً يؤخذ ذلك من قوله يدخله في
شِدقه حتى يبلغ قفاه ولم يذكر كونه يشقه بعد فحذف ذلك
للدلالة عليه بقوله فيلتئم شدقه هذا فلو كان ثقباً دون شق
ما احتاج أن يبين أنه لا يرجع إلى الآخر إلا وهو قد التأم
لأنه إذا ثقب موضع من الشدق الواحد بقي منه مواضع غير ذلك
فيرجع فيثقب فيها فيكون أكثر في تألمه لكونه يبقى له جرح
ويجرح جرحاً آخر في جنب الجرح الأول ولكن لما كان شَقَّ لم
يبق له فيه لِمَا يَرجع إلا أن يلتئم فلذلك بين بقوله
فيلتئم
وقوله فانطلقنا أي سرنا وقوله حتى أتينا أي بلغنا وقوله
إلى رجل مضطجع على قفاه ورجل قائم على رأسه بقهر أو صخرة
الفِهْر الحَجَر المدوّر والصخرة حَجَر مبسوط وقوله
فيَشدَخُ به رأسَه أي يكسره ويبالغ في كسره
وقوله عليه السلام فإذا ضربه تَدَهْدَهَ الحَجَرُ فانطلق
إليه ليأخذه فلا يرجع حتى يلتثم رأسه وعاد رأسُه كما هو
فعاد إليه فَضَرَبه هذه الصفة كناية عن شدة الضربة
بالحَجَر لأنه إذا ضرب به حتى زال عن يده وذهب إلى بُعْدِ
منه من حيث يحتاج أن يمشي إليه وحينئذ يأخذه فهذه الصفة
عندنا في هذه الدار معلومة إنه إذا كان الذي يضرب بالحجر
ذا قوة بعد ضرب الحجر في
الشيء الذي يُضرب به ويذهب عنه إلى بُعْد وربما إن أصابت
شيئاً آخر كان تأثيرها فيه كثيراً
وفيه من الكلام مثل الذي قبل من الدليل على أمور الآخرة
وعِظَمِها وعِظَمِ القدرة الربانية الجليلة وفي هذا الفصل
وفي الذي قبل دليل على أن أمور الآخرة ليست كأمور الدنيا
يؤخذ ذلك من كون هذا مضطجعاً لا يقدر أن يتحرك بلا شيء
يحبسه والآخر قاعد أيضاً بلا شيء يحبسه كلاهما مستسلم لهذا
الأمر العظيم وفي هذه الدار لا يمكن أن يُحبَس أحد لبعض ما
هو أقل من هذا
إلا بحبس شديد من وثاق أو غيره هذا من عجائب القدرة
وفيه أيضاً دليل يتبين به معنی قوله تعالی غِلاظٌ شِدَادٌ
۱ لأن قوة تلك الضربة لا تكون
إلا عن تلك الصفات المذكورة وهي من جملة التخويفات وهنا
بحث وهو لم خُص هذا العضو من سائر الأعضاء بالعذاب فالجواب
أنه هو الذي ترك السَّهَر بالتهجد بالقرآن كما يذكر في آخر
الحديث وهناك يكون البحث عليه قوله عليه السلام قلت ما هذا
قالا انطلق فانطلقنا إلى ثَقب مثل التنور أعلاه وأسفله
واسع تتوقد تحته نار فإذا اقترب اقترب بمعنى قرب كقوله
تعالى اقْتَرَبَتِ
السَّاعَةُ
2 ٢ أى قربت فإذا قربت منهم تلك بِحَرّها وهذا كناية عن
عظيم تأججها
ه ضيق
وقوله ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا منها هكذا تفعل القدر
هنا إذا كانت على النار واشتدت النار تحتها غلت فارتفع ما
فيها إلى أعلاها حتى إنه إن غفل عنها رمت بعضَه خارج القدر
فدل بهذه الصفة على عِظمَ حَرّها والحكمة في كونه مثل
التنور أعلاه ضيق لأنه أبلغ في حرارة النار لأنه تنعكس
حرارتها إلى داخل
وقوله حتى كادوا أن يخرجوا أي قربوا من الخروج وقوله فإذا
خمدت أي سكن حرها وقوله رجعوا فيها أي رجعوا إلى الحالة
الأولى وقوله وفيه رجال ونساء عراة الكلام عليه كالذي تقدم
من إظهار القدرة وعِظَمها
وهنا بحث وهو لِمَ كان من تقدم من المعذبين منفردين وهؤلاء
مجتمعِينَ فالجواب أن نقول هذا كما أخبر عزّ وجلّ في كتابه
بقوله ﴿ جَزَاءً وِفَاقًا ۳ لما لم تكن هذه المعصية في هذه
الدار إلا في جمع - والجمع ينطلق في اللغة على الاثنين
فصاعداً - وهَتَكا ما أُمِرا به من ستر العورة كان هنالك
كذلك حكمة حكيم وهؤلاء هم الزناة كما يأتي بعد
وفيه فائدة كبرى لمن رُزِق التصديق به والإيمان وأعني
بالتصديق الذي يكون حقيقياً وهي إن تحرك من النفس أو من
الشيطان باعث لمثل هذا يذكرها هذه الحالة المهلكة فترجع عن
غيها ولهذا وما أشبهه أعلمنا به لأنه ليس من يخاف عقاباً
على الجملة لا يدري قدره مثل من يخاف
عقاباً معلوماً
هذا في الخوف أبلغ كما ذكر عن بعض المتعبدين أنه حسده ناس
من شياطين الإنس
۱ سورة التحريم من الآية ٦
سورة القمر من الآية 1 ۳ سورة النبأ من الآية ٢٦
٥٠٢
في حاله المبارك فأرادوا أن يُوقعوه فأخذوا امرأة في غاية
الحسن والجمال بعدما علموها ما تقول له وكيف تستدرجه
وزيّنوها ثم تلاحوا بينهم حتى أظهروا كأنهم يقتتلون في
شأنها وكأنها ابنة أحدهم ثم جاؤوه يرغبون منه لعله يمسكها
الليلة في بعض زوايا بيته حتى يعودوا إليه أو ما يشبه هذا
المعنى فامتنع فما زالوا في المَكْرِ به حتى أنعم لهم في
ذلك وهو لا يعرف لها صورة فلما جَنَّ الليل وهو مشتغل
بعبادته وإذا بها قد أنته على تلك الحالة بصورة خوف
لحقها تستجيرُ به لتُرِيَه وجهَها وتجلس معه بادية الوجه
بالقرب منه فلم تزل تكيد عليه حتى راودته وعزمت عليه
بالفاحشة فلما رأى جدّها قال لها أمهلي يسيراً وأخذ دهناً
وألقاه في المصباح وزاده فتيلاً فلما قويت شمعته جعل عليها
أصبعه وتركها ساعة والنار تتقد فيها حتى اشتد عليه ألم
النار صاح صيحة وغشي عليه وأدركها هي الرعب من حاله وصدقه
مع الله فكفّت فلما أصبح وأتوها وأخذوها وسألوها أخبرتهم
بما جرى فارتجعوا عنه وقال بعضهم
فكيـ
على البَرْدِ ليس تَقْوَ ولا على أيس
ـوَى لِحَرِّ نـ
وَقودُهـ
ـرارَه الناسُ والحِجارَه
وقوله عليه السلام فقلت ما هذا قالا انطلق فانطلقنا حتى
أتينا الكلام على هذه الألفاظ كما تقدم أولاً وكذلك تلك
البحوث هل ما رآه عليه السلام حقيقة أو تمثيلاً في كل وجه
يتكرر البحث فيه والجواب عليه على حد واحد فإن القدرة لا
تعجز عن شيء
وقوله على نهر من دم فيه رجل قائم وعلى وسط النهر - قال
يزيد ووهب بن جرير عن جرير بن حازم وعلى شط النهر - رجل
بين يديه حجارة فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن
يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فردّه حيث كان فجعل كلما جاء
ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان الكلام على ما فيه من
أمر عظيم القدرة كما تقدم وما فيه من حذف بعض الألفاظ
للدلالة عليه كالكلام على ما كان قبل والحذف الذي هنا قوله
رمى الرجل في فيه ولم يذكر الذي على حافة النهر وإنما حذفه
لدلالة الكلام عليه قبل ولأن فيه الألف واللام وهي للعهد
أي الرجل المعهود وهو المذكور قبل وفيه حذف آخر وهو قوله
كلما جاء ليخرج رمى في فيه وسكت عن ذكر الرجل وموضعه وإنما
سكت هنا أيضاً عنه لما دل عليه الكلام أولاً لأنه لم يذكر
في القضية إلا رجلين لا ثالث لهما وبين موضع كل واحد فإذا
ذكر ما فعل بالواحد لم يفهم أنه فعله إلا الثاني
1 الواو زائدة في جواب لمّا ٢ أي كائن حقيقة أو تمثيلا
٥٠٣
وهنا بحث وهو لم كان من تقدم قعوداً لا يتحركون وهذا يخوض
في هذا النهر ويرجع فالجواب أنه لما كان الذنب الذي أوجب
هذا هو أكل الربا والربا في هذه الدار لا يكتسب في الغالب
إلا بالذهاب والرجوع فكان عذابه من ذلك الجنس
وكونه دماً إنما كان ذلك كذلك لأن الدم ثخين ثقيل والخوض
في الشيء الثخين الثقيل من أتعب الأشياء ثم زيد لذلك
التألمُ بريحه ثم زيد كذلك رَمْيُ الحجر في فيه لأن به كان
يأكل الربا فكان ذلك عذاباً على عذاب مضاعف ثم انظر إلى
قدرة القادر كيف تزيده الآلام إذا أراد الخروج ثم إنه مع
ذلك لا يقدر أن يقف في ذلك الموضع حيث هو لشدّة ما هو فيه
فيروم لعل راحة فيزيده بلاء على بلاء كما قال بالبعد أشقى
وبالقرب لا أستريح فما هي إلا الآلام تتأكد وتفيح" وقوله
عليه السلام قلت ما هذا قالا انطلق فانطلقنا حتى انتهينا
إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة وفي أصلها شيخ وصبيان ورجل
قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها الروضة الخضراء هي
أحسن الروضات وهنا تحققنا أن هذا تمثيل لا حقيقة للموضع
لأنه ذكر بعد أن هذا الشيخ إبراهيم عليه السلام والصبيان
أولاد الناس وذكر عن الرجل الذي يوقد النار أنه مالك
والكلام على توجيه البقعة والشجرة وما معناهما عند ذكره ل
لذلك يأتي في آخر الحديث وقوله عليه السلام فصعِدًا بي
الشجرة فأدخلاني داراً لم أرَ قَطُّ أحسن منها من أكبر
الأدلة على أن أمور الآخرة لا تطيق العقول فهمها إلا بعد
علم أشياء عديدة وتوفيق ونظر في مثل هذا المثال الذي جعل
فيه الشجرة طريقاً إلى الدار لا يقبله العقل بديهة فإذا
بين له على ما أذكره بعد إن شاء الله زاد إيمانه وقويت
عظمة الله تعالى في قلبه
وقوله عليه السلام فيها شيوخ وشباب ونساء وصبيان ثم
أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فيه دليل على أن هذه الدار
الأولى كانت في بعض الشجرة يؤخذ ذلك من كونهم حين خرجوا من
الدار صعدوا في الشجرة
وقوله فأدخلاني داراً هي أحسن وأفضل فيها شيوخ وشباب قلت
طَوَّفتماني الليلةَ فأخبراني عمّا رأيتُ قالا نعم الذي
رأيته يشق شدقه قد تقدم الكلام على هذا أولاً غير أنه ما
ذكرناه هناك من الشق وكان مضمراً عاد هنا ظاهراً وعاد
الإدخال الذي كان هناك ظاهراً هنا
مضمراً
1 البيت مضطرب الوزن و تفيح تشتد وتهيج
٥٠٤
وقوله فكذاب يحدث بالكذبة تُحمل عنه حتى تبلغ الآفاق
فيُصنَع به إلى يوم القيامة هكذا لا يفتر زائداً على ما
لَهُ يوم القيامة من العذاب الأليم
أقسام الكذب 1
ونحتاج هنا أن نعرف الكذب الذي هو هذا عذابه فنقول والله
المستعان إن الكذب ينقسم على خمسة أقسام فمنه واجب وصاحبه
مأجور ومنه مندوب وصاحبه مأجور أيضاً على ما أبينه بعد
ومنه مباح ولا أجر فيه ولا إثم على قائله ومنه حرام وهو
الذي عليه هذا الوعيد العظيم
ومنه مكروه
فأما الواجب منه فهو أن تعرف شخصاً في موضع ويسألك عنه من
تعلم أنه يسفك دمه ظلماً وعدواناً فيتعين عليك في هذا
الموضع الكذب وتقول لا أعلم وإن حلفك تحلف وتُوَرّي في
قلبك بأن تقول أعني موضع قعوده أو هل هو واقف أو مضطجع
فإنك لا تعرف في أي موضع الآن من البيت الذي هو فيه هل في
الزاوية اليمنى أو اليسرى أو وسط البيت أو في موضع الحاجة
لأنه من يحلف على غير حق عليه اختلف العلماء فيه هل اليمين
على نية الحالف أو على نية المحلوف له على ثلاثة أقوال على
نية الحالف أو على نية المحلوف له أو على نية الذي أرادها
أولاً ولم يختلف أحد منهم على أنها إذا كانت في حق عليه
فإنها على نية المحلوف له لقوله صلى الله عليه وسلم اليمين
على نية المحلوف له فإن صدق هنا ودله عليه كان قد شارك في
قتل مسلم بغير حق وقال مَن شارَكَ في قتل مسلم ولو بشطر
كلمةٍ جاء يوم القيامة وبين عينيه ايس من رحمة الله ۳ وما
أشبه هذا النوع فالكذب فيه واجب ومن فعل واجباً كان
مأجوراً وأما المستحب فالكذب في الحرب مع نزيله لقوله و
الحرب خدعة 1 فيكون مأجوراً لاتباعه السنة في ذلك الموطن
ونحتاج أن نبين هذا الكذب بالمثال من أجل أن ٥ تعطيه العهد
ثم تقتله وتظن أن ذلك هو الكذب الجائز في الحرب وهو أن
فعلته نقض عهد ونقض العهد حرام لا يجوز وقد كان عمر رضي
الله عنه يكتب إلى جيوشه بالأمصار من بلغني عنه أنه قال
للعلج مُطَّرس ثم قتله قتلته به و مُطْرس بلغتهم الأمان
الأمان
۱ هذا العنوان وضعناه لبيان ما يلي من تفصيل وليس موجوداً
في الأصل
نص الحديث اليمين على نية المستحلف رواه مسلم وابن ماجه عن
أبي هريرة رضى الله عنه الحديث من أعان على قتل مسلم بشطر
كلمة لقي الله يوم القيامة مكتوبٌ بين عينيه آيسٌ من رحمة
الله أخرجه ابن ماجه والبيهقي عن أبي هريرة والطبراني عن
ابن عباس رضي الله عنهم
۳ نصر
٤ حديث صحيح متواتر ٥ يريد من أجل خشية أن
040
فمثال الكذب الذي يجوز في الحرب أن يقول لنزيله مَنْ ذلك
الشخص الذي خلفك وليس وراءه أحد من أجل أن يلتفت فيتمكن
منه أو يقول له ما بال حزام سرجك محلولاً تريد أن تريني
حُسن ركوبك فإما أن يلتفت إلى حزام سرجه فيتمكن منه وإما
أن يدخله الشك فيبقى يشتغل بحبس نفسه في سرجه فَتَقِل
شطارته لذلك فيكون أمكن منه وما يشبه هذا النوع
وأما الكذب المباح فمثل أن يكون الشخص قد فعل شيئاً ونسي
أنه فعله فيسأل عنه فيقول
لم أفعله فهذا من قبيل المباح لأنه قال لا إن الله تجاوز
عن أمتي الخطأ والنسيان۱ تجاوز عنه فلا إثم عليه ولا هو
أيضاً فيه مأجور فهذه صفة المباح أعني في عدم الإثم وعدم
الأجر فما كان هذا سبيله من جميع الأشياء فهو مباح وأما
المكروه فهو ما يَعِدُ بِهِ الرجل امرأته من الإحسان ولا
يفي لها به لقول سيدنا الله للسائل الذي سأله أأكذب
لامرأتي فكره ذلك فقال له أعِدُها قال افعل
وقد ذكر بعض الناس أنه إن اشترى حاجة لامرأته ليست بواجبة
عليه إلا من طريق الإحسان لها ويخبرها عن ثمنها بأزيد مما
دفع فيها أنه من قبيل المكروه لأنه لا يترتب عليه إلا
مصلحة نفسانية وهي كونها تطاوعه في كل ما يريد ولا يترتب
عليه أيضاً مفسدة كما أخبر في الحديث من فتح باب ضرر
للمسلمين بكذبه وقد قال الله في حديث آخر من ضارّ بمسلم
ضرّ الله به مثال ذلك أن يُسأل شخص قد جاء من بلد إلى بلد
آخر عن سعر ذلك البلد الذي جاء منه فيخبر أرفع مما هو
فيخطر لأحد أهل ذلك الموضع أن يجلب إليه الطعام لما يرى من
الفائدة في ذلك السوم الذي أخبر به الكذاب فإذا أتعب نفسه
وغرَّرَ بها وبِمالِهِ وبلغ البلد وجد السعر ناقصاً عما
قيل له فخسر في ماله وتغير حاله وخاطره وكثرت عليه المفاسد
وسبب ذلك تلك الكذبة هذا وما يشبهه هو الممنوع
وأما الحرام الذي عليه هذا الوعيد العظيم فهو المتعهد
للكذب بلا عذر مما تقدم ولا مما يشبهه وقد قال لا يزال
الرجل يتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذاباً ۳ وهو الذي
يقول الله ضد الحق عامداً لذلك وقد جاء أن الرجل يُحاسب
على الكذيبة وهي أن تنفلت منه دابته فيروم
۱ بقية الحديث وما استكرهوا عليه أخرجه ابن ماجه عن أبي ذر
والطبراني والبيهقي في الأفراد والحاكم في المستدرك عن ابن
عباس رضي الله عنهم
لم نقف على مصدره
۳ أوله عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر أخرجه الإمام
أحمد والبخاري في الأدب المفرد ومسلم
والترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه
0
ذا
ن
C
أخذها فلا يطيق ذلك فيُخرج لها التعليقة التى كانت تأكل
فيها العلف ليريها أن بها علفاً وليس فيها شيء فتأتيه
فيأخذها فإذا كان السؤال عن مثل هذا فما بالك بغيرها
وقوله يفعل به إلى يوم القيامة إذا كان هذا من حين موته
إلى يوم القيامة فكيف حاله يوم القيامة لو لم يكن إلا ذلك
لكان أمراً عظيماً وفيه دليل على أن لأصحاب المعاصي عذابين
عذاباً في قبورهم وعذاباً آخر يوم القيامة
وقوله والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه الله القرآن فنام
عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار يُفعل به إلى يوم القيامة
فيه دليل لأهل السنة الذين يقولون إن أفعال العبد كسب له
وخَلْق لربه يؤخذ ذلك من قوله علمه الله القرآن فأضاف
حقيقة التعليم إليه - عزّ وجلّ ـ وإن كان
العبد قد تسبب فيه بالدرس والاجتهاد
وهنا بحث وهو كيف يقع العذاب على ترك القيام بالليل وهو من
جملة المندوبات والمندوب لا يعذَّب عليه تاركه فالجواب أن
نقول قد اختلف العلماء في وجوب قيام الليل فمنهم من قال
بوجوبه والذي قال بوجوبه قال هو قدر فواق ناقة أي قدر ما
تحلب الناقة فعلى هذا القول فالحديث له فيه دليل فلا بحث
على هذا الوجه ومنهم من قال إنه مندوب وهم الجمهور وعلى
هذا يقع البحث والجواب عنه من وجهين
أحدهما لما كان يُعذَّب على غير الكبائر اتبعتها الصغائر
لقوله تعالى ﴿ إِن تَجتَنِبُواً كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ
عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ 1 فدل على أنه
إن لم يجتنب الكبائر يعذب على الجميع وليس ترك مندوب متفق
عليه كمندوب مختلف في فرضيته أو ندبيته فبهذا نلحقه
بالصغائر وإن كان عند الأكثر مندوباً من أجل خلاف بعض
العلماء في وجوبه كما تقدم
و الوجه الآخر هو أنه قد جاء أن العبد يُنظَر يوم القيامة
في صلاته فإن أتى بها فحسن
وإن كانت ناقصة قال الله تعالى انظروا إلى عمل عبدي إن كان
له نوافل أكملوا منها صلاته
ومثل ذلك في كل الأعمال إذا لم يكملها وله نافلة من جنسها
جبرت منها فضلا من الله ورحمة فلما ترك هذا قيام الليل
الذي يجبر به ما ضيعه من صلاة نهاره عذب عليه لكونه لم
يفعل ما يجبر فرضه فتكون تسميته بالعذاب ليس من أجل نفسه
وإنما هو من أجل ما نقصه من فرضه ولم
۱ سورة النساء من الآية ۳۱ ٢ أوله إن أول ما يحاسب به
العبد يوم القيامة من عمله الصلاة أخرجه الترمذي والنسائي
وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه
٥٠٧
يفعل ما يجبره فالعذاب في الحقيقة إنما هو ما نقص من فرضه
وقد قال جل جلاله إِنَّ نَاشِئَةٌ الَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ
وَطْنَا وَأَقْوَمُ قِيلا ۱ وهذا الوجه هو الأظهر والله
أعلم ولذلك استحب العلماء كثرة النوافل من جميع أنواع
المفروضات من أجل ما يتوقع من نقص الفرض
وقد يحتمل أن يكون المراد بقوله نام عنه بالليل أنه ترك
صلاة الليل فيكون اللفظ عاماً والمراد به الخصوص لكن بشرط
ألا يكون نومه غلبة فإنه إذا غلبه النوم كان معذوراً لقوله
عليه السلام من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها
فذلك وقت لها ۳ لكن هذا الشرط لا يسوع أن يشترط إلا إن كان
هذا الحديث الذي نحن بسبيله بعد حديث الرخصة في النوم عن
الصلاة ٣ وهو حديث الوادي وإن كان قبله فهو على العموم كان
النوم بغلبة أو غيرها والانفصال عنه من ثلاثة أوجه - كما
ذكرنا - وأظهرها الثاني منها والله أعلم
واحتمل وجهاً رابعاً وهو أن يكون كنَى عن تضييع عمل النهار
بقوله لم يعمل فيه بالنهار وكنى عن ترك العمل في الليل
بالنوم لأنه أبلغ في الترك
وقوله والذي رأيته في الثقب فهم الزناة قد تقدم الكلام
عليهم وبقي فيه بحث وهو لِمَ كان العذاب لمن تقدم ذكرهم في
بعض الجوارح دون بعض وللزناة في البدن كله فالجواب لما كان
من تقدَّم ذكرهم معصيتهم بعضو دون عضو كان العذاب كذلك
ولما كان الزنا يتلذذ به البدن كان العذاب لجميع البدن
ولوجه اخر أيضاً لأنه من أكبر الكبائر لأنه قد جاء أنه لا
يهتز
العرش إلا لنطفة مني حرام أو قطرة دم حرام 4 وقد يكون
لمجموعهما وهو الأظهر والله أعلم
جميع
وقوله والذي رأيته في النهر أكل الربا قد تقدم الكلام عليه
أيضاً لكن بقي هنا بحث وهو
كون المساق واحداً ومن محتملاته الحقيقة والمجاز فلم سكت
عنهما هل اختصاراً أو ليس فالجواب إن قلنا إن الكل تمثيل
فالحكم واحد ويكون سكوته اختصاراً وإن قلنا إن الكل وما
فعل حقيقة فالمتقدم ذكرهم ما عدا الزناة وأصحاب الربا قد
يكون يفعل بهم ما قدر عليهم من العذاب وهم في قبورهم وأن
هذين المذكورين يكونان مثلهم مثل آل فرعون لعظم ما أتوا به
بهم
۱ سورة المزمل الآية ٦
لفظه من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا
ذكرها وفي رواية لا كفارة لها إلا ذلك أخرجه الإمام أحمد
والشيخان والترمذي والنسائي عن أنس رضي الله عنه
۳ انظر سنن النسائي ١/ ۹٥ - ۹۹ ففيها روايات لأحاديث عن
إعادة من نام عن الصلاة وكيفية قضاء الفائت
منها
٤ لم نقف على مصدره
۵۰۸
وقد قال تعالى في ال فرعون النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا
غُدُوا وَعَشِيّا ويوم تقومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا عَالَ
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ۱ والقدرة صالحة فيكون
سكوته على هذا الوجه مستدعياً للفكرة
والاعتبار
وقوله والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم فيه بحث وهو ما هذه
الشجرة التي الدور في أعلاها وإبراهيم عليه السلام في
أصلها فالجواب أن الشجرة هـ شجرة الإيمان والإسلام لقوله
تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً
طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ
وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِ أُكُلَهَا كُلَّ حِينِ
بِإِذْنِ رَبِّهَا وكون إبراهيم عليه السلام في أصلها
فلأنه الأب لجميع المؤمنين لقوله تعالى مِلَّةَ أَبِيكُمْ
إِبْرَهِيمُ هُوَ سَمَّنكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبل ۳
والآب هو
الأصل فكان ذلك تمثيلاً حسناً جداً
وقوله والصبيان حوله فأولاد الناس احتمل الألف واللام هنا
أن تكون للجنس فيكون المراد أولاد المؤمنين والكافرين لأنه
قد جاء أن أولاد الكفار يكونون في الجنة خدماً للمؤمنين
لأنهم على فطرة الإسلام فيكونون بعد في أصل الإسلام و لا
اله الا الله و قد قال ما من مولود يولد إلا على الفطرة
فأبواه يُهَوّدانه أو يُنصرانه أو يُمَجِّسانه ٤ واحتمل أن
تكون الألف واللام للعهد فيكون المراد أولاد المؤمنين ليس
إلا لأنه قد جاء في أولاد الكفار أنهم من ابائهم وأما
كونهم في أصل الشجرة والدور من فوقهم فلأن تلك الدور هي
دور الأعمال أي درجات الأعمال كما يذكر بعد والصبيان ماتوا
وهم دون التكليف وليس لهم ما يدخلون به تلك المنازل حتى
يتفضل الله عزّ وجلّ عليهم بما شاء وفيه دليل على أن أولاد
المؤمنين مؤمنون لكونهم مع ابائهم وقد اختلف العلماء فيهم
هل هم من المقطوع لهم بالجنة أو هم في حكم المشيئة على
قولين وسبب اختلافهم اختلاف الأحاديث فإنه قد جاء عنه أنه
قال في حقهم عصفور من عصافير الجنة ٥ وجاء عنه أنه قال
الله أعلَمُ بما كانوا عاملين ٦ وأما الروضة فهي كناية عن
أصل الخلقة لأنه قد جاء أن آدم عليه السلام كانت طينته من
1 سورة غافر من الآية ٤٦ سورة إبراهيم من الآية ٤ و ۵
۳ سورة الحج من الآية ۷۸
٤ قطعة من حديث أخرجه الشيخان وأبو داود عن أبي هريرة رضي
الله
٥ سبق تخريجه في الحديث ۳
٦ سبق تخريجه في الحديث ٢٣
09
جميع بقع الأرض طيبها وخبيثها وسهلها ووعرها ۱ فالمؤمنون
من الأرض الطيبة التي تلك الشجرة فيها وهي شجرة الإيمان
وبها نباتها فلا ينبت الطيب إلا فى الطيب كما قال تعالى
وَالطَّيِّبَتُ لِلطَّيِّبين والكافر من الأرض الخبيثة
والأرض الخبيثة لا تنبت إلا خبيثاً مثل الحنظل وما أشبه
كما قال تعالى ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ
خَبِيثَةٍ أَجْتُنَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا
لَهَا مِن قَرارِ ۳ وقوله والدار الأولى التي دخلت الجنة
دار عامة المؤمنين لأجل أنها دار عامة المؤمنين
كان فيها الرجال والنساء والشباب والشيوخ لأن هذه الأربع
صفات احتوت على جميع أنواع المؤمنين وفيه أيضاً تحقيق لما
ذكرنا أن الشجرة هي عبارة عن الإيمان لأن الإيمان هو
الطريق إلى
الجنة بلا خلاف
وقوله وأما هذه الدار فدار الشهداء لأجل أنها دار الشهداء
لم يكن فيها إلا شيوخ وشباب وهنا بحث وهو لِمَ لَمْ يكن في
الدار التي للشهداء إلا نوعان شيوخ وشباب ولم يكن فيها
نساء وقد عد في الشهداء المرأة تموت حاملاً شهيداً والمرأة
تموت بِجُمْعِ ٤ شهيد فالجواب أنه لم يختلف أحد في أن أعلى
الشهادة القتل في سبيل الله وإن كان الشهداء سبعة كما جاء
في الحديث المبطون والمحترق والغريق وصاحب الهدم وصاحب ذات
الجنب والمرأة تموت حاملا والشهيد فإنما المراد هنا تبيين
فضل الشهادة في سبيل الله من أجل التحضيض عليه والله أعلم
وهنا بحث وهو لِمَ أخَّرا الإخبار له عليه السلام بما رأى
إلى آخر الرؤيا ولم يخبراء عند كل قضية بها فالجواب أن
تأخيرهما الإخبار إلى آخر الرؤيا فيه من الحكمة التيسير
لجمع
1 أصل الحديث إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع
الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض جاء الأحمر والأبيض
والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب وبين ذلك
أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي عن
أبي موسى رضي الله عنه
منهم
سورة النور من الآية ٦ ۳ سورة إبراهيم من الآية ٢٦
رضي
٤ بِجُمْع مثلثة الجيم ساكنة الميم أي ماتت وولدها في
بطنها وقيل إذا ماتت عذراء أيضاً ٥ كثيرة هي الأحاديث التي
تعدد الشهادة منها حديث جابر بن عتيك أن رسول الله جاء
يعود عبدالله بن ثابت الله عنه فوجده قد غلب عليه إلى أن
يقول قال النبى الله الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله
المبطون شهيد والغريق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمطعون
شهيد وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة
تموت بجمع شهيد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن
حبان
في صحيحه
01
ش
مثل
سین
ـاع
لى
بها
راه
جاء
مل
د
یان
الفائدة لأنه إذا رأى شخص شيئاً وأخبر بمعناه ثم رأى شيئاً
اخر وأخبر بمعناه وتكرر ذلك في أشياء عديدة فمن الجائز أن
ينسى بعض ما قيل له وإذا أريت له الأشياء ولم يُخبر إلا
اخرا بقي الخاطر بجميعها مشغولا وإلى ما يلقى إليه
متشوّفاً فيكون ذلك أكد فى التحصيل ولحفظ ما به أخبر ولذلك
كان عليه السلام إذا كان شيء له بال يسأل ثلاث مرات الشخص
أو يناديه ثلاثاً وحينئذ يعلمه وما ذاك إلا لِجَمْع الخاطر
إلى ما يلقى إليه ونفى الالتفات للغير كما قال عليه السلام
يا معاذ ثلاثاً ومعاذ في كل مرة يقول لَبَّيْكَ يا رسول
الله وسَعْدَيْكَ ۱ فـ أخبره به إلا بعد الثلاث لتلك
الحكمة المشار إليها يخبره بالذي
وفيه أيضاً سؤال ثالث وهو لِمَ لم يُعرِّفاهُ بأنفسهما
أولاً وتركا التعريف بأنفسهما إلى آخر فالجواب لو عرفاه
أولاً لوقع الاستئناس بهما والإدلال عليهما حتى يسألهما
عما رأى أوّلاً بأول ولا يمكنهما إلا الجواب له عليه
وعليهما الصلاة والسلام لما يلزمهما من الأدب معه
والاحترام له وعند التنكير تبقى النفس مجموعة بما ترى
مشغولة بحالها وعرّفاه آخِراً بأنفسهما لِيَعلم أن ما رأى
كان حقاً كله بواسطة الملك الذي نزل بالقرآن لأن هذين لا
يدخلهما تأويل ولا يُشَك فيهما وإن كانت مرائيه عليه
السلام كلها حقاً فليس الحق كله في القوة الواقعة في
النفوس على حد سواء وللقوة في ذلك وبنوه فمنها بحسب قوة
سياسة المبلغ إليه ومنها بحسب معرفتك بحال مبلغها إليك
وفيه دليل على أن الملائكة عليهم السلام تتطور لأن سيدنا و
قد كان يعرف هذين الملكين فلما راهما على صورة لم يرهما
عليها لم يعرفهما
وقوله فارفع رأسك فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحاب قالا
ذلك منزلك فقلت دعاني أدخل منزلي قالا إنه بقي لك عمر لم
تستكمله فلو استَكْمَلْتُهُ أتيت منزلك فيه بحث وهو أن
يقال أليست هاتان الداران من الجنة وتراه عليه السلام قد
دخلهما وخرج منهما فلم مُنع عليه السلام من منزله وهو
أيضاً من الجنة حتى يستكمل عمره فالجواب أنه إنما دخل عليه
السلام هاتين الدارين وإن كانتا من الجنة لأنه ليس له
فيهما أهل لنفسه ولا لأهلهما أيضاً تعلق به كتعلقهم بمن هم
له ودخوله عليه السلام الجنة حق للنص عليه بقولهما التي
دخلت الجنة وقد رأى عليه السلام ما بين الدارين من التفاوت
وما بينهما من المسافة إلا القدر القليل والنزر اليسير
بالنسبة لما بين الدارين ولما رأى عليه السلام بعد المسافة
بين منزله وبين المنازل التى دخل وعايَنَ حصل له العلم
بعظم المنزلة وكيفيتها وهناك
1 أخرجه الشيخان عن أنس بن مالك عن معاذ بن جبل رضي الله
عنهما
۵۱۱
أهله من الحور والولدان وهم موعودون به والوعد حق لا خلف
فيه فلو وقع الاجتماع لم تمكن الفرقة للوعد الحق وكذلك
جميع القصور والأشجار التي هناك والأنهار منتظرة له عليه
السلام فهذا - والله أعلم - بمقتضى الحكمة أوجب منع الدخول
إلا بعد توفية العمر وفيه بحث ثانٍ أيضاً لِمَ أُخر رؤية
منزله عليه السلام آخراً ولم يكن ذلك أولاً فالجواب أنه قد
جرت الحكمة أن الأشياء لا يتبين قدرها إلا بمعاينة ما هو
أقل منها فأخرا الإخبار له عاين ذلك فكبرت النعمة إذ ذاك
وعظمت وأما كونه عاين منازل المؤمنين وحينئذ عاين منزله
فلان
ووج
الختام إنما يكون بأجل الأشياء ولذلك قال عزّ وجلّ
خِتَمُهُ مِسْدٌ ﴾ ۱ وقد قال بعضهم وساقي القوم آخرهم
شراباً وهو عليه السلام المخير لنا فأخَّرَ الإخبارَ
بخَبَرِهِ الخاص به
وفائدة هذا الحديث الإيمان بما فيه من الوعد والوعيد
والعمل على طريق النجاة فهي
الفائدة التي من أجلها أخبرنا بما تضمن
يا سيدي
ومن هنا فَضَل أهل الطريق غيرهم لأنهم صيروا العلم حالاً
حتى إنه يذكر عن بعض التلامذة أنه غاب عن شيخه أياماً
كثيرة فلما أتاه قال له يا بني ما حبسك عني قال له سمعت
منك آيتين فعملت عليهما لأن أتخدهما حالاً فجاهدت النفس
على ذلك حتى من الله به أو ما في معناه فقال له الشيخ وما
هما يا بني قال الأولى قوله تعالى فَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَمُ وَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ۳ والثانية قوله تعالى
وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ
رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾ ٤
فجاهدت النفس على
ج
التزام عمل الخير ولا تترك منه ذرة وترك الشر ولا تقع فيه
بِذَرَّةٍ وعلمت أني من أحد دواب الأرض ورزقي عليه ويعلمني
وحيث مستقري فَأَزَلْتُ تعلق القلب من الرزق لوعده الجميل
لأنه لا يخلف الميعاد ولعلمه بي وأين مستقري فهو عزّ وجلّ
ييسره لي بحسن لطفه ووفاء وعده فقال له الشيخ هنيئاً لك يا
بني فلقد فقت العابدين هذا مقصود الموالي من العبيد ولذلك
قال من قال إذا كان وَعدك بالرزق لا يُخلف وطلبك الأمر من
غيره لا يُعرَف فحسبي تصديق وعدٍ لا يُخلف واشتغالي بأمر
غيره مني لا يُعرَف
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ سورة المطففين من الآية ٢٦
لفظه ساقي القوم اخرهم شربا أخرجه الترمذي وابن ماجه عن
أبي قتادة رضي الله عنه
۳ سورة الزلزلة الايتان ۷ و ۸
٤ سورة هود من الاية ٦
۵۱
حديث لا حسد إلا في اثنتين
عَنِ ابن مسعود ۱ رضيَ الله عَنهُ قالَ سَمِعتُ النَّبِيَّ
صلى الله عليه وسلم يَقولُ لا حَسدَ إلا في التينِ رَجُل
آتاه الله مالاً فَسَلَّطه على هلكته في الحَقِّ وَرَجُلٍ
آتَاهُ الله حِكمَةٌ فَهُوَ يَقضي بها
ويُعلمها
*
ظاهر الحديث يدل على جواز الحسد في الصفتين المذكورتين
ومنعه مما عدا ذلك والكلام عليه من وجوه
أحدها هل هذا الحسد هنا حقيقة أو مجاز محتمل والظاهر أنه
مجاز وهو إذا تحقق غبطة وتنافس وقد قال جل جلاله وَفِي
ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ ٢
والدليل على أنه غبطة لا حسد لأن حقيقة الحسد إنما بكون في
شيء ينتقل عادة من واحد إلى اخر بوجوه ممكنة جائزة مثل أن
يرى شخص على شخص نعمة فيريد أن تنتقل تلك النعمة إليه
ويفقدها صاحبها ولذلك قال جلّ جلاله لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ
مِّمَّا اَكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَا
1 عبد الله بن مسعود أبو عبد الرحمن صحابي ابن صحابية سادس
ستة في الإسلام من أكابرهم فضلاً وعقلاً وقرباً من رسول
الله وشهد الغزوات من بدر إلى اليرموك أجهز على أبي جهل في
بدر وشهد له النبي بالجنة وقال فيه ساقاه النحيلتان اللتان
ضحك منهما الصحابة لما تسلق شجرة أوْزَن من جبل أحد عند
الله يوم القيامة كان صاحب نعل رسول الله كان يُلبسه إياها
فإذا جلس عليه السلام جعلها ابن مسعود في ذراعه كثير
الدخول على رسول الله وكان يقال له صاحب السواك والنعل روي
له ٨٤٨ حديثاً اتفق الشيخان على ٦٤ منها ويعد ابن مسعود
مرجع الإمام أبي حنيفة وأصل مذهبه في الحديث وفيه قال خذوا
القرآن من أربعة من ابن مسعود وأبي بن كعب ومُعاذ بن جَبَل
وسالم مولى أبي حُذَيْفَة ويُقسم ابن مسعود أنه يعرف كل
اية أين نزلت وفيم نزلت ولو يعلم من هو أعلم منه لركب إليه
وكان في مرضه يشكو ذنوبه لعثمان وأوصى بناته بقراءة سورة
الواقعة أمناً من الفقر وهو أحد العبادلة الفقهاء ت ٣٢هـ /
٦٥٣ في المدينة المنورة وصلى عليه
عثمان رضي الله عنه سورة المطففين من الاية ٢٦
اكْتَسَبَنَ وَسَتَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۱ معناه لا
يطلب أحد من أحد مما أنعم الله عليه ويسألُ الله الذي أنعم
على أخيه أن ينعم عليه بفضله فإن كل نعمة من الله على
عباده إنما هي من فضله ومَنْه لا بوجوب ولا استحقاق
ولذلك قال إذا حسدت فلا تَبْغِ لأن الحسد هو ما قدمنا ذكره
من انتقال النعمة التي على شخص إلى غيره وقد يكون انتقالها
بزيادة خير للآخر مثال ذلك أن يرى شخص ثوباً على شخص
فيتمنى أن يعطيه إياه ويطلبه له فيفتح الله على صاحب الثوب
بما هو خير منه فيتصدق به على الذي حسده فيه أو يبيعه منه
فقد حصل للحاسد مقصوده وزادت النعمة على المحسود والبغي هو
أن يريد أن تنتقل النعمة من صاحبها إلى غيره بضرر يلحق
صاحب النعمة مثال ذلك أن يرى أحد بعض متاع الدنيا عند شخص
فيتمنى أن يكون ذلك المتاع عنده وصاحبه ميتاً أو مقتولاً
أو منفياً أو ما أشبه ذلك من وجوه الضرر فهذا معنى قوله
إذا حسدت فلا تبغ أي إن وقع منك حسد فلا يكون بغياً أي
بضرر لغيرك فالأولى ألا تحسد أحداً فإن أعجبك شيء من
الأشياء فاسأل الله أن يعطيك من فضله كما أعطى ذلك الشخص
فإن لم تقدر على ذلك وأبت نفسك إلا ذلك الشيء بعينه فاسأله
بلا ضرر يلحق لصاحبه فإن طلبته بضرر فذلك هو البغي وهو من
أعظم الذنوب
وقد رأيت في بعض التواريخ أن شخصاً فتح الله عليه فتحاً
عظيماً من الدنيا وكان بعض المساكين يمشي في الأزقة
والأسواق وما كان دعاؤه إلا أن يقول اللهم افتح عليّ كما
فتحت على فلان ويذكر ذلك الشخص المنعم عليه فقال له يا هذا
ما لك وما لي أما وجدت أن تسأل الله إلا مثل ما أعطاني ألا
تكف عني كلامك يزيدني شُهرة وربما قد يلقاني منه أذى فأبى
المسكين أن ينتقل عن ذلك القول وقال له ما شَتَمتُك ولا
سَبَبتك وأنا أدعو بما يظهر لي فلما قال له ذلك قال له كم
يكفيك في يومك على ما تشتهيه من النفقة فسمّى له عدداً
فالتزم له إعطاء ذلك العدد كلَّ يوم ويقعد في داره ولا
يذكره ولا يسأل أحداً فبقي يُجري عليه ذلك
المعروف حتى توفي
وهذه الحكمة المرادة في الحديث لم يُجرِ الله عزّ وجل
عادته أنه يأخذها من واحد ويعطيها آخر مثل حطام الدنيا
وكذلك المال أيضاً لأنه إذا أنفق لا يرجع إلى أحد لأنه قد
حصل في
۱ سورة النساء من الآية ۳
لفظه إذا حسدتم فلا تبغوا وإذا ظننتم فلا تحققوا وإذا
تطيرتم فامضوا وعلى الله فتوكلوا أخرجه ابن عدي عن أبي
هريرة رضي الله عنه
٥١٤
الآخرة لأنه ما حسده في المال نفسه وإنما حسده في كونه
أنفقه فـ أسقط عنه ما عليه من الحق وثبت في ديوان حسناته
ومثل ذلك مثل من يرى شخصاً قد حج كذا حقه وإنفاقه في حقه
قد وكذا حجة وجاهَدَ كذا وكذا مرة فحسده على ذلك فحقيقة
الحسد في مثل هذا إنما هو غبطة لأنه في الحقيقة تمنى أن
يفعل خيراً مثله وكلام العرب فيه المجاز كثير وهو من فصيحه
وهنا بحث وهو ما المراد بالحكمة هنا الظاهر أنها الفهم في
كتاب الله عزّ وجلّ لأن الله تعالى يقول ﴿ وَمَن يُؤْتَ
الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ۱ قال
العلماء الحكمة هي الفهم ب كتاب الله والدليل على ذلك من
الحديث قوله يقضي به أي يحكم بها ولا يحكم أحد بشيء بعد
الإسلام ويكون مأجوراً فيه إلا بكتاب الله عزّ وجلّ وسنة
رسول الله والفهم في كتاب الله كالفهم في سنة رسول الله ل
لأنهما من الحكمة والحكم بهما مخرج واحد لأنهما الثقلان
اللذان قال له فيهما لن تضلوا ما تمسكتم بهما
وتعليمهما للغير من الكمال لأنه إذا كان يفهم عن الله
ويعمل به ويعلمه فهو أعلى المقامات لأن هؤلاء هم ورثة
الأنبياء عليهم السلام وقد قال عليه السلام إذا مات المرء
انقطع عمله إلا من ثلاث ولد صالح يدعو له وصدقة جارية
وعِلم يُنتفع به بعد موته ۳ وأعلاها بَثْ العلم والعلم
الذي فيه هذا الأجر العظيم هو علم الكتاب والسنة أو ما
استنبط
منهما وقد جاء أنه من صلى الفريضة وقعد يعلم الخير نودي في
ملكوت السموات عظيماً وهنا بحث وهو هل الفهم في الكتاب
معناه فهم الأمر والنهي من التحليل والتحريم ليس
إلا فإن كان هذا فقد حصل لمن تقدم ولم يبق للمتأخر شيء منه
لأن الأصول قد تقعدت والأحكام قد ثبتت أو أن المقصود ذلك
وما فيه من الحكم وفوائد أمثاله وفهمها فإن كان هذا فهو لا
ينقضي إلى يوم القيامة ويأخذ منه المتقدم والمتأخر كلُّ
بحسب ما قسم له وإلى ذلك أشار بقوله صلى الله عليه وسلم
فيه لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الردّ ولا يشبع منه
العلماء ٤ مثال ذلك قصة موسى عليه السلام في قوله تعالى
﴿فَلَمَّا تَرَاهَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَى
إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي
سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ أَضْرِب
بَعَصَاكَ الْبَحْرُ فَأَنفَلَقَ
1 سورة البقرة من الآية ٢٦٩ ٢ أول الحديث تركت فيكم شيئين
لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي الخ أخرجه الحاكم عن أبي
هريرة ۳ أصله إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث الخ
أخرجه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والترمذي
والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه
رضي
الله عنه
جزء من حديث طويل أوله إلا أنها ستكون فتنة أخرجه الإمام
أحمد من حديث سيدنا علي رضي الله عنه
فَكَانَ كُلُّ فِرْقِ كَالطَّودِ الْعَظِيمِ ۱ ينبغي أن
نعلم ما الفائدة بالإخبار بهذه القصة لنا وما لنا فيها من
التأسي بمقتضى الحكمة ومن تقدم من العلماء لم يتعرضوا لهذا
المعنى فيما أعلم وهو مما نحن مخاطبون به لأنه لم يقص
علينا القصص عبثاً لأن الله عزّ وجلّ يقول ﴿ فَاقْصُصِ
الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
فالفائدة في ذلك - والله أعلم - أنه لما لم يخرج موسى عليه
السلام ببني إسرائيل إلا بعد ما أمره الله تعالى بذلك ثم
قام البحر أمامهم ورأوا الجمع وراءَهم وقد وقع العَينُ
بالعَين أيقنوا بالعادة الجارية أنهم مُدرَكون فسألوا موسى
عليه السلام لعله يكون عنده أمرُ من الله تعالى يفعله عند
وقوع العين بالعين لأن قولهم ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ - وهو
عليه السلام قد أبصر ما أبصروا من الجمع والبحر - ما
الفائدة فيه إلا استخراج ما عنده في ذلك فلم يكن عنده شيء
مستعد للعدو إلا أنه يعلم أن الذي أمره ووفقه لامتثال أمره
هو معه ولا يُسْلِمُهُ
فلم ينظر في ذلك إلى مقتضى العوائد الجارية ولا غير ذلك
لأن قدرة الله تعالى لا تنحصر للعادة يفعل عزّ وجلّ ما شاء
فقال جواباً لهم ﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي
سَيَهْدِينِ كأنه عليه السلام يقول بمتضمّن قوة كلامه يا
قوم ليس لي شيء أفضُلُكم به إلا قوة إيمان بالله ويقين به
وصدقٌ معه فهو يهديني لما فيه نجاتي ونجاتكم فما فرغ من
كلامه إلا ونزل عليه قوله تعالى ﴿ فَأَوْحَيْنَا إِلَى
مُوسَى أَنِ أَضْرِب بَعَصَاكَ الْبَحْرُ فجاءه الجواب من
الله بالفاء التي تعطي التعقيب والتسبيب لما أخبرهم بحاله
مع ربه في الحال أتته الهداية كما تليق بالعظيم الجليل إلى
الضعيف إذا وثق به فكان من أمْرِهم وأمْرِ عدوهم ما قص عزّ
وجلّ بعده كذلك أنتَ يا من قصَّت عليه هذه القصة إذا كنتَ
ممتثلاً لأمر ربك كما أمَرَك ولم تعلق قلبك بسواه يمدك
بالنصر والظفر في كل موضع تحتاج إليه ولا تقف في ذلك مع
عادة جارية كما فعل أصحاب موسى عليه السلام فكن في إيمانك
مُوسَوِيَّ العقل يُغرِق فرعون هواك لطفُ مولاك في بحر
التلف وكذلك كلُّ من أرادك بسوء قال عزّ وجلّ في محكم
التنزيل ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
۳ وإنما ذكرتُ هذه القصة تصديقاً لهذا الوعد الحق وهو قوله
تعالى وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ لأن
القصص إذا ذكرت بعد الوعد كانت تصديقاً له وتأكيداً
۱ سورة الشعراء الآيات ٦١ - ٦٣
سورة الأعراف من الآية ١٧٦
۳ سورة الروم من الاية ٤٧
01
﴿
وقد قال تعالى إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ۱ ونصرة
العبد الله إنما هي باتباع أمره واجتناب نَهيه وفي هذه
القصة إشارة لطيفة وهي أنه إذا كان واحد ممن هو ممتثل في
جمع وهم له مطيعون أنهم يُنصَرون يؤخذ ذلك من أنه لم يكن
على يقين موسى عليه السلام في القوم غيره فلما كانوا له
مطيعين عادت على الكل تلك البركة بذلك النصر العجيب
وفيها أيضاً إشارة وهي ! في هذا المعنى وهي أنه لما بادر
عليه السلام للأمر ممتثلاً عَلِمَ بحقيقة الإيمان أن الأمر
لا يترك من أمره وامتثل أمره فإنه خُلْف والخُلْف في حق
الله تعالى مُحال فإذا رأى المرء نفسه قد قام بأمر ربه كما
أَمَرَهُ إيماناً واحتساباً فلا يشك في النصر ولا يَدخله
في ذلك امتراء فإن دخله شك فهو ضَعْف في التصديق وإذا
ضَعُف تصديقه - وهو إيمانه - خان نفسه وهو لا يشعر وهذا من
خُدَع العدوّ وقد يُبطىءُ عليه النصر من أجل ذلك فلا يزال
مع الإبطاء يضعف إيمانه حتى يكون سبباً إلى الشقاوة العظمى
وهو من مكايد العدو وقد قال تعالى في كتابه مثنياً على من
قام بأمره في هذا المعنى الذي أشرنا إليه ومخبراً بحالهم
الجليل كيف كان ليقع بهم التأسي في ذلك الشأن فقال عزّ وجل
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ
جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَا
وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ
يَمْسَسْهُمْ سُوءُ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ
وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ٢ أي الله يكفينا والآي في
هذا المعنى كثيرة
وفيه دليل على كثرة نصحه ل لأمته وإرشاده لهم لكل ما فيه
ربحهم في الدارين يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام لا َحسَدَ
إلا في اثنتين وسمى هذه التي بين وما فيها من الخير وهي
الحكمة المذكورة وسمّى المال الذي سلطه صاحبه على هلكته في
الحق
وقد يقول السامعون أو بعضهم وأي فائدة لنا في الدنيا أو في
الآخرة إذا تمنينا أن يكون لنا مثل حال صاحب هذا المال
الذي ينفقه في الحق وماذا يعود أيضاً علينا من أن نتمنى
حالَ صاحب الحكمة التي يقضي بها ويعلّمها وليس كل الناس
فيه أهلية لذلك فيتمنى أحد شيئاً وهو يعلم أنه لا يمكنه
الحاقه مثل شخص لا يقرأ أو لا يكتب فيقول كيف أتمنى أنا
حال هذا
وهو إذا تمنى حاله بإخلاص مع الله فإن له مثل أجره لأنه
قال له إنما الدنيا لأربعةِ نَفَر رجل رزقه الله مالاً
وعلماً فهو يتقي في ماله ربَّه يَصِل به رَحِمَه ويعلم أن
الله فيه حقاً فهذا
۱ سورة محمد من الآية ٧ سورة آل عمران الآيتان ۱۷۳ و ١٧٤
۵۱۷
N
بأفضل المنازل وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً فهو
صادق النية الله يقول لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان
بنيته فأجرهما سواء وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً
فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربَّه ولا يَصِل به
رَحِمَه ولا يعلم الله فيه حقاً فهذا بأخبث المنازل وعبد
لم يرزقه مالاً ولا علماً فهو يقول لو أن لي مالاً لعملت
فيه بعمل فلان فهو بنيته ووزرهما سواء ۱ والعلم المذكور
هنا المراد به أن يعلم ما في المال من الحق وهذا القدر من
العلم يكاد لا يخفى على أحد إلا اليسير من الناس فإذا علم
أن في المال حقاً ولم يعرف كيفية إخراجه فيسأل عنه ويمتثل
ما يقال له في ذلك فعلمه أولاً أن في ماله حقاً الله وعزمه
على توفيته بالخروج وسؤاله عن ذلك وإخراجه في وجوهه
الواجبة والمندوبة عالم يطلق عليه
فأراد عليه السلام بجواز الحسد هنا الذي هو المبالغة في
التمني لأن يحصل للحاسد هذه المنزلة الرفيعة وهو لا يعلم
كما حكي أنه كان في بني إسرائيل عابد ومرت به سَنَة شديدة
فمرَّ بكثيب من رمل فتمنى أن يكون له مثله طعاماً فيتصدق
به على بني إسرائيل وكان صادقاً مع الله تعالى فأوحى الله
عزّ وجلّ لنبي ذلك الزمان عليه الصلاة والسلام أن قل لفلان
إني قد قبلت صدقته فأراد سيدنا أن يسوق لنا كل خير كان لمن
تقدم من الأمم بطريقة لطيفة وتعليم
جميل
كذلك أيضاً الحاسد لصاحب الحكمة إذا كان لا يمكنه أن يصل
إليها يحصل له أجر النية على العزم على ذلك لأنه قال له
نية المؤمن خير من عمله وقد حكي عن بعض أهل الدين والفضل
أنه دخل على أخ له مريض يعوده فقال له المريض انْوِ بنا
حَجًا اِنْوِ بنا جهاداً انْوِ بنا رباطاً فقال له يا أخي
وأنت في هذا الحال فقال إن عشنا وَفَّينا وإن مِثْنا كان
لنا أجر النية إذا كانت صادقة فهؤلاء فهموا عن الله وعن
رسوله صلى الله عليه وسلم
ثم مع ذلك يحصل له شيئان عظيمان أحدهما الندم على تضييع
العمر وقد قال الندم توبة ۳ والثاني حب أهل الخير وإيثارهم
على غيرهم وقد قال الله المرء مع من أحب ٤ وقد يزيده مع
ذلك التأسي بهم في بعض الأشياء التي يسمعها منهم ويكون
بينه وبينهم مناسبة ما
۱ مروي بالمعنى مَثَلُ هذه الأمة كمثل أربعة نفر الخ أخرجه
الإمام أحمد وهناد وابن ماجه والطبراني والبيهقي عن أبي
كبشة الأنماري رضي الله عنه ٢ أخرجه البيهقي في الشعب عن
أنس رضي الله عنه
جزء من حديث أخرجه الطبراني وأبو نعيم عن أبي سعيد
الأنصاري رضي الله عنه ٤ أخرجه الإمام أحمد والشيخان وأبو
داود والترمذي والنسائي عن أنس والشيخان عن ابن مسعود رضي
عنهم
الله
۵۱۸
والتشبه بالكرام فلاح وقد يكون صادقاً مع الله فيفتح له في
ذلك بطريق خرق العادة كما ذكر عن يوقنا في فتوح الشام مع
أنه كان لا يفقه من العربية شيئاً وما ذكرنا يوقنا إلا من
أجل بيان خرق العادة في كسب العلم ليس إلا فلما أخذ
المسلمون حصنه وأسروه أصبح وهو يتكلم بالعربية وهو يحفظ
سُوَرا من القرآن وأسلم فسأله حاكم المسلمين عن حاله من
أين أتاك هذا الأمر فأخبره أنه رأى سيدنا صلى الله عليه
وسلم في النوم وأنه هو الذي علمه ذلك وانتفع المسلمون
بإسلامه كثيراً أو يعطيه كما أعطى صاحب المال بحسن نيته
فإن المولى كريم منّان فبان ما قلنا من الدلالة على نصحه
لأمته وحسن إرشاده لهم من هذا الحديث بما أبديناه
ويترتب على هذا من الفقه وجوه منها الجد في فهم الحديث
والكتاب لما فيهما من الخير وأنه ينبغي لكل من له ولاية
على رعية ولو على نفسه الذي لا بد لكل شخص منها أن ينظر
كيف يجلب لهم الخير بحسن إرشاد منه اقتداء بهذا السيّد صلى
الله عليه وسلم
وفيه إشارة إلى أن العلم لا يكمل الانتفاع به إلا مع العمل
به يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام ويقضي بها
وفيه دليل لأهل الصوفة لأنهم يسأل بعضهم بعضاً أين مقامك
وما حالك مع ربك وما ذاك منهم إلا لأن يقع التأسي بنبيّهم
عليه السلام في ذلك الترقي ولغبطة بعضهم لبعض ولذلك قال
إذا كانت نفسي لك وكنتَ لي فأنا صاحب الدارَينِ وهما لي
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۵۱۹
حديث فضل الصدقة
عَن أبي هُرَيرةَ رَضي الله عَنهُ أَنَّ رَسولَ الله صلى
الله عليه وسلم قالَ قالَ رَجُلٌ لأَتَصَدَّقن بصدقةٍ
فَخرجَ بصدَقتِهِ فَوضعَها في يد سارق فأصبحوا يتحدَّثونَ
تُصُدِّقَ على سارق فقَالَ اللّهمّ لكَ الحَمدُ لأتصدقنَّ
بصدقَةٍ فَخرجَ بصدقتِه فوَضعَها في يد زانِيةٍ فأصبحوا
يتحدثونَ تُصُدِّق اللَّيلةَ على زانية فقالَ اللَّهمَ لكَ
الحَمدُ لأتصدقنّ بصدقةٍ فخرج بصدقتِه فوضعها في يد غَنيّ
فأصبحوا يتحدَّثونَ تُصُدِّق على غني فقالَ اللّهُمّ لكَ
الحَمدُ على سارق وعلى زانيةٍ وعلى غَنيّ فأُتِيَ فَقِيلَ
لَهُ أمَّا صَدقتُكَ على سارِقٍ فلعلَّهُ أن يَستَعِفَّ
عَن سَرقَتِهِ وأَمَّا الزَّانيةُ فَلعلها أن تَستَعفَّ
عَن زِناها وأمَّا الغَنيُّ فلَعَلَّهُ أن يَعتبر فينفق
مما أعطاه الله عَزَّ وجَلَّ
وجوه
ظاهر الحديث يدل على أن دوام حسن المعاملة مع الله يوجب
رفع المنزلة والكلام عليه من
منها الدليل على صدقة السر أنها أفضل الصدقات فيما تقدم من
الشرائع كما هي في شريعتنا يؤخذ ذلك من قوله فخرج بصدقته
فوضعها فأصبح الناس يتحدثون بالصدقة ولا يعرف
لها صاحب
وفيه دليل على جواز مفاوضة المرء مع نفسه فيما يفعله من
الخير يؤخذ ذلك من قوله الأتصَدَّقَنَّ بصَدَقةٍ ولم يذكر
مع من فدل أن ذلك كان مع النفس وفيه من الفائدة تحقيق
النية وفيه دليل على أن تحقيق العمل الله وتخليصه من
الشوائب أنجح الوسائل يؤخذ ذلك مما مُنْ عليه من البشارة
بلَعَلَّ لَعَلَّ لَعَلّ بعد بذل جهده في معروفه ورضاه بما
جرى له فيه وعلى أن التخير للصدقة مطلوب فيمن تقدم كما هو
في شريعتنا لأنه قال تخيروا الصدقاتكم يؤخذ ذلك من إعادة
الصدقة لما سمع أنها في غير مستوجب لها ولا تخلو الصدقة أن
تكون فَرْضاً فاستئنافها
۵۰
واجب لأنه إذا أعطى شخص صدقته مجتهدا ثم ظهر له بعده أنها
في غير مستحقها وجب عليه بدلها وإن كانت تطوعاً فإعادتها
مستحبة إلا أن يكون نَذرها للمساكين فعليه واجب إعادتها
حتى
يفي بنذره
وبقي البحث في هذه الصدقة هل كانت على الوجوب أو على الندب
فالظاهر من الحديث أنها كانت على الندب لكونه بعد الثلاث -
وهو في كل واحدة لم يصب من فيه لها أهلية - تعزى بالذي قيل
له ولم يُعِدِ الصدقة
وفيه دليل على أن الحكم للظاهر حتى يتبين ضده وأن العمل
على ذلك في كل الملل يؤخذ ذلك من كونه بالليل ورأى على
هؤلاء ظاهر المسكنة فعمل على ما ظهر له من حالهم وأعطاهم
الصدقة فلما تبين له غير الذي ظن استأنف العمل
وفيه تنبيه على أن الذي يخرج الشيء الله صادقاً ويكون
طيباً أن الله لا يضيع له ذلك وأنه يوقع معروفه في خير مما
قدّره هو كما قيل له آخر الحديث لعلّ لعلّ لعلّ ولعل في كل
موضع مما قيل له ليس على بابها بل هي واجبة على المشهور من
الأقاويل لأن هذه أخبار من الله
واختبار له من الله سبحانه بحسن نيته ولا يقع بها للفاعل
تسلية إلا أن تكون على الوجوب ومثل ذلك ذكر عن بعض الناس
أنه خطر له أن يتصدق بمائة دينار الله تطوعاً فجاء لبعض
أهل الطريق فقال له يا سيدي دلني على من أعطيه هذه الصدقة
فقال له اخرج غُدوة النهار على باب المدينة فأول رجل تلقاه
فأعطها إياه ففعل الرجل فلما أن خرج كما أمره به فأول رجل
لقي بعض الذين كانوا يوصفون بالدنيا وعليه أثرها فقال في
نفسه وكيف أعطي صدقة لغني ثم قال الشيخ أعلم منّي فدفع له
المال
طعاماً ورجع ورجع ومعه
فلما دفعه قامت النفس معه فقال والله لأتَّبِعه حتى أرى ما
يفعل فاتبعه من البعد حتى رآه قد دخل خربة فلما دخل رمى
فيها من تحته بشيء فنظر ذلك الشيء الذي رماه فإذا هي دجاجة
جيفة ثم اتبعه حتى دخل داره فاستمع من خلف الباب فسمعه
يقول لعياله افرحوا فقد فتح الله لكم وأخبرهم الخبر وسمع
فرحهم ثم خرج إلى السوق واشترى لهم الطعام حتى سمع فرحهم
بالطعام فتبين له فاقتهم فلم يقنعه ذلك حتى خرج الرجل
فأقسم عليه وسأله حاله فقال له إني كان لي ثلاثة أيام ما
منا من أكل طعاماً وما عندنا شيء نبيعه إلا هذه الثويبات
التي نستر بها حالنا عن الناس فخرجت لعلي أجد شيئاً أتسبب
لهم فيه فلقيت تلك الدجاجة التي رأيتني رميتها فقلت الحمد
الله هذه
نتبلغ بها اليوم وَلِغَدٍ فَرَجٌ فأنا راجع بها وأنت قد
دفعت لي ذلك المعروف فحَرُمت الميتة علينا
فرميتها فسُرّ الشخص بذلك وعاد إلى الشيخ وأخبره فقال يا
بني هذه سنة الله فيمن صَدَقه هـ
عزّ وجلّ يُهيّىءُ خير الأمور وأحسنَها
وفيه دليل على بركة التسليم والرضا يؤخذ ذلك من كونه في كل
مرة خاب سعيه ـ على جري العادة ـ ولم يضجر ورضي وسلّم
وأعاد المعاملة فأعقبه ذلك تلك البشارة وفيه دليل على أن
غلبة الشح في الغالب من الأغنياء يؤخذ ذلك من كون أحد
الآخذين غنياً وأخذ تلك الصدقة وهو غير أهل لها فلولا
زيادة الحرص فيهم ما اجتمع المال لهم في
الأغلب منهم
وفيه دليل لأهل الصوفة الذين يقولون لا تقطع الخدمة وإن
ظهر لك عدم القبول أو تحققته فليس للعبد بد من خدمة مولاه
فبدوام الخدمة يُرجى القبول ولذلك يذكر عن بعض بني إسرائيل
أنه كان فيهم عابد عبد الله سنين فأوحى الله الى نبي ذلك
الزمان قل لعبدي فلان يتعبد ما شاء هو من أهل النار فتوجه
إليه وأخبره فقال مرحباً بقضاء ربي ثم رجع إلى منزله وزاد
في تعبده أضعاف ما كان قبل ذلك وقال يا رب كنت أعبدك وأنا
عند نفسي أن ليس في أهلية لشيء فكيف الآن وأنت قد مَنَنْت
عليّ وجعلتني أهلاً لنارك وأقام في التعبد وازداد خيراً
فأوحى الله لذلك النبي أن قل له يفعل ما شاء هو من أهل
الجنة لازدرائه بنفسه وقال بعضهم لئن أردتم مني السلوّ
عنكم فليس لي منكم بد وإن أبعدتم
وهنا بحث وهو لِمَ كرّر في الآخرة الحمد على الثلاثة
والحمد منه على كل واحدة قد وقع فهو قد حمد على النازلة
الأولى والثانية فالجواب تلك مبالغة في الرضا والتسليم
فقوة كلامه تخبر كأنه يقول قد فعلت في الأولى معي كذا وكذا
وحمدتُ ورضيتُ بحكمك ثم في الثانية كذلك وإني لا أريد مع
مخالفتك ما أختاره أنا إلا الرضا والحمد والتسليم لا أتغير
عن ذلك مع تكرار حكمك بما شئت فمنك الحكم ومني الرضا
والتسليم فجاء من أخبره بذلك الخبر وبقي البحث من المخبِرُ
له وفي أي العالم فالظاهر - والله أعلم - أنه في عالم الحس
فلعله ملك من الملائكة لأنه كثيراً ما جاء أن الملائكة
كانت تكلم بني إسرائيل في بعض النوازل وفي الأخبار من ذلك
كثير أو من أرسل إليه من الصالحين بما قيل له في النوم أو
اليقظة أن يخبره بذلك أو بعض الأنبياء في وقته لأن قوله
فأتي دليل على أنه مرسل إليه من قبل الله
وفيما قيل له في حق الزانية لعلها أن تتوب - على الوجه
الذي ذكرناه أولاً - فإن توبتها على يديه خير له من الصدقة
لقوله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمُر
النَّعَم ۱
1 أخرجه الإمام أحمد عن معاذ رضي الله عنه بلفظ مختلف
لأن بعض الزانيات قد لا يحملها على ذلك الفعل إلا قلة ذات
اليد والحاجة وعدم الصبر على ذلك فمثل هذه إذا وجدت شيئاً
يقوم بها كفت بخلاف التي تفعل ذلك لغلبة الشهوة في ذلك
الشأن وكذلك الجواب على السارق والخير فيه أعظم لأنه يكف
ضرره عن المسلمين وأما الغني فالبحث فيه مثل ذلك غير أنه
يكون أيضاً خيره متعدياً والخير المتعدي أفضل
وفيه دليل على أن جميع متاع الدنيا هبة من الله لعباده
بغير حق يؤخذ ذلك مما قيل له فينفق
مما أعطاه الله فجعل ذلك عطية خالصة وهو مذهب أهل السنة
وهو الحق وفيه دليل على فضل هذا المتصدق يؤخذ ذلك من أنه
جمع في أمره بين الحقيقة والشريعة فأما الحقيقة فإنه لما
تصدق - كما تقدم - ولم يوافق القدر اختياره حَمِد وسَلّم
فهذه الحقيقة سَلَّم الأمر لصاحبه وأما آداب الشريعة فكونه
أعاد فعله للصدقة ثانية فعل ذلك ثلاثة كل مرة يجمع بين
الحقيقة والشريعة فهذه أعلى الأحوال على ما تقدم في غير ما
موضع مَنّ الله علينا بها بلا
محنة بمنه وكرمه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
3
حديث صدقة المرأة من مال زوجها
عائشة رضي عن بيتها غيرَ مُفْسِدَةٍ كان لها أجرُها بما
أنفقت ولزوجها أجرُه بما كَسبَ وللخازِنِ
الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا
أنفقت المرأة من طعام
ذلك لا يَنقُصُ بعضُهم أجرَ بعض شيئاً
*
*
ظاهر الحديث يدل على حكمين أحدهما أن المرأة إذا أنفقت من
طعام بيتها - غير مفسدة - كان لها أجر نفقتها ولزوجها أجر
الكسب و الثاني أن الخازن الذي يفعل مثلها له من الأجر
مثلها والكلام عليه من وجوه
منها ما معنى تخصيص النفقة بالطعام ليس إلا وما مقدارها
حتى لا تكون مفسدة وهل لذلك حدّ معلوم أو هو فقه حالي وهل
الخازن والمرأة يحتاجان للإذن في النفقة أم لا وما معنى
النفقة هنا هل على العموم أو هل على الخصوص
أما قولنا هل النفقة على العموم فليس هي إلا على الخصوص
وهي بمعنى ا الصدقة يؤخذ ذلك من قوله لها أجرها لأن الأجر
لا يكون إلا في وجوه المعروف
وأما هل يحتاجون للإذن فلا بد لهما من ذلك لأن مال الغير
لا يجوز للآخر أن يعطيه إلا بإذن صاحبه لقوله لا يحل مال
امری مسلم إلا عن طيب نفس منه ۱ إلا أن الإذن قد يكون
باللفظ أو بالعادة مثال الذي بالعادة مثل الكسرة من الخبز
توهب إلى السائل بالباب أو ما أشبه ذلك ومثل الشيء اليسير
من الملح والماء والنار والخميرة للخبز وقد قال بعض
الفقهاء
1 أخرجه أبو داود والبيهقي وابن قانع وأبو نعيم عن أبي حرة
الرقاشي عن عمه حنيفة الرقاشي وأخرجه عبد الرزاق
عن الحسن مرسلا
٥٢٤
إن ما ذكر مع قدر البيت ومتاعه إنه مما لا يحل منعه فإذا
كان على هذا القول لا يحل منعه فلا يحتاج إلى إذن في ذلك
وإن كان باقياً على أصله مثل سائر الأموال
والظاهر الندب وعليه الجمهور وأن المرء يندب إلى ذلك ولا
سيما مع نص الأحاديث التي وردت في ذلك لأنه قال الله في
الذي يعطي الملح ما معناه له من الأجر مثل من تصدق بمقدار
الطعام الذي وضع الملح فيه ۱ والخميرة مثل ذلك والنار مثل
من تصدق بقدر الطعام الذي طبخ عليها والقدر بمثل الطعام
الذي طبخ فيها ومثل ذلك جاءت أحاديث كثيرة تبين قدر عظيم
الأجر مع يسارة الشيء المعطى ولم يقل إن من لم يفعله فعليه
من الإثم كذا وكذا وهذه
طريقة المندوب
وأما حجة من قال إنه واجب إعطاؤه ومنعه لا يحل فاحتجوا
بقوله تعالى ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ٢ فقالوا الماعون
هو متاع البيت نحو الأشياء التي سمينا قبل وكالحبل وما
يشبه ذلك وفي الحديث لما أن سأل السائل ما الشيء الذي لا
يحل منعه يا رسول الله فذكر فيه مثل الماء والملح والقدر
والخميرة وما يشبه ذلك ۳
وأما الذي عليه مذهب مالك رحمه الله والجمهور في معنى قوله
تعالى ويمنعون الماعون فإنها الزكاة المفروضة والأحاديث -
إن صحت ـ احتملت التأويل وما يحتمل التأويل لا يُعارض به
النص
فأما التأويل فيحتمل أن يريد بقوله ما لا يحل منعه أن يكون
واجباً تركه من طريق الشرع واحتمل وجوباً من طريق المروءة
وحسن المعروف بين الناس لقوله إنما بعثت لأتمم مكارم
الأخلاق 4 ومنع ما ذكرنا ليس من مكارم الأخلاق ا
إلا وأما الأصل الذي هو القاعدة الكلية قوله ٥ عليه السلام
لا يحل مال امرىء مسلم طيب نفس منه والمال ينطلق على
الكثير واليسير لكن الإذن في إنفاق مثل هذا الذي ذكرناه قد
رجع بالعرف مما سمحت به النفوس من المعروف بين الناس حتى
إن طالبه لا يعاب ذلك عليه في كريم الأخلاق وأن الشح به
يتعلق به الذمّ الكثير حتى إن حابسه لوجه ما لا يقدر أن
يَحْبِسَهُ إلا أن
1 لم نقف على مصدره سورة الماعون من الآية ٧
۳
لم نقف على مصدره
٤ أخرجه الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد والحاكم عن
أبي هريرة رضي الله عنه
٥ يريد فقوله
٥٢٥
يبين عذره في يحبسه أو ينكره مرة واحدة بأنه ليس عنده
مخافة على عرضه وقد قال صلى الله عليه وسلم ما
وقى المرء به عِرضَه كُتِب له صدقة ۱
فصاحبة الدار - على ما مرت من العادة على الاختلاف الذي
ذكرناه - لا يمكن لها ٢ منع ما ذكرناه إلا أن ينص صاحب
البيت عليه في ذلك الوقت إن أعطته تكون متعدية على أحد
الوجوه وأما على الوجه الآخر فلا يحل لها منعه وإن أمرها
بذلك لأنها تكون تعينه على ترك واجب
وهذا ممنوع شرعاً وما زاد على ما ذكرناه أيضاً لا يجوز لها
التصرف فيه إلا بإذنه قولاً واحداً واحتمل له وجهاً آخر أن
يكون تعاطي ذلك بينهم من قبل السَّلف والهِبَة على العوض
وما في ذلك من الجهالة مغتَفَر لكثرة حاجة الناس إلى ذلك
وندارة وقوعه فإن الغني والفقير محتاجان إلى ذلك ولو يوماً
ما غير أنه قد يكون بعض الناس في ذلك أحوج من بعض وهو وجه
إذا تأملته ترى فيه وجهاً ما من الاستحسان وهو كثير ما
يوجد ذلك النوع في الشرع مثل المساقاة والقراض ٣ وما أشبه
ذلك تراها مستثناة من قواعد ممنوعة وأبيحت من أجل الحاجة
لذلك وقاس عليها الفقهاء سلف الرغيف من الجار تحرياً بلا
ميزان ولم يجعلوه من باب البياعات وجعلوه من باب المعروف
ومثله الدرهم الناقص بالوزن كذلك أيضاً إذا كان ذلك في مثل
الدرهم الواحد أو الإثنين لأن ذلك عندهم من قبيل المعروف
أيضاً إلا أن يقترن من أجل الفاعلين قرينة
يتبين منها خلاف ذلك فيرجع الأمر إلى أصله من المنع وما
زاد أيضاً على ذلك المقدار ممنوع وهنا بحث وهو إذا قلنا
إنها إنما أعطت ما هو واجب على صاحب المنزل أو هو مندوب
فيرجع إلى بحثنا فعلى ماذا يكون أجرها فالجواب أنها خازنة
لجميع ذلك وقد قال الخازن الذي يعطي ما أمر به طيبةً به
نفسُه أَحَدُ المتصدقين ٤ لأنه لما طابت نفسه على ذلك
وياسر أخاه المعطى له بالمبادرة بالتعجيل كرامة إدخال
السرور عليه لأنه محتمل أن يبدو للمعطي فيمنع فيكون بطؤه
في إنجاز الهبة سبباً للحرمان وتعجيله سبباً إلى تحصيل
المعروف فإنه إذا رجع المعطي والوكيل قد أنفذ أمره بعيد أن
يأخذ المعروف من يد المعطَى له وأيضاً فمن قبل الأمر فإنه
بسرعة إخراج ما أمر به أعانه على إعطاء معروفه
ووجه آخر تيسير الخازن أيضاً تزيد به نفس المعطى له
انشراحاً ومرحاً فهو زيادة في
1 أخرجه الطبراني عن جابر رضي الله عنه بلفظ ما وقى به
المؤمن عرضه فهو له صدقة ٢ أي لا يمكنها
۳ المساقاة شركة بين صاحب زرع وشجر وعامل يسقيها على نسبة
متفق عليها والقراض المضاربة أو شركة مضاربة بين صاحب مال
و عامل أو تاجر
٤ أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن
أبي موسى رضي الله عنه بلفظ آخر
٥٢٦
المعروف وما هو زيادة في المعروف فهو معروف أيضاً وزيادة
ما قدمنا ذكره فظهرت فائدة قوله أحد المتصدقين
وعلى هذا المعنى بحث وهو أن النفس قد طبعت على الشح بما
جعل بيدها من متاع الدنيا وإن كانت تعلم حقيقة أنه ليس لها
فإذا جادَت به فلها الأجر لمخالفتها ما طبعت عليه من الشح
وامتثال الأمر فإن العالم بأسره يعلمون أن ما بأيديهم من
متاع الدنيا ملك لمولاهم وأنه بأيديهم عارية وقد أُمروا
بإنفاق اليسير منه ووعدوا على ذلك بالأجر العظيم وبالبركة
في الباقي والعقاب
على الترك ورفع البركة من الباقي ومع ذلك ما تجد من يجود
بالواجب في ذلك إلا القليل وكذلك خازن المال بيده وهو يعلم
أنه لغيره وأنه مذموم على تأخيره لإعطائه ما أُمِر به من
المال وغيره وأنه مشكور ومثاب على التيسير في إعطائه ومع
ذلك ما تجد من يفعل اليَسِير في ذلك إلا القليل لأجل
التعلق الطبيعي ومن أجل ذلك قال ما يخرج المرء الصدقة حتى
يفك فيها لَحْيَي سبعين شيطانا ۱ غير أن الفرق بين الرجلين
- أعني الخازن وصاحب المال ـ أن صاحب المال قد يظن أنه لا
ينزع المال من يده ويبقى حسابه إلى الآخرة عليه وأن الخازن
قد يقول إن صاحب المال يعزله ويأخذ ماله وإن بقي فإنما
المنفعة لربه ومع ذلك الطبع يحمله على ما ذكرناه حكمة حكيم
وفيه دليل لحسن طريق أهل الصوفة فإن كل ما كان فيه مخالفة
للنفس ولم يكن ممنوعاً شرعاً فإن صاحبه في ذلك مأجور إذا
استقريْتَ هذه القاعدة بحسب قواعد الشريعة تجدها ـ إن شاء
الله ـ غير منكسرة فأخذ أهل الطريق من أجل ذلك في مخالفتها
مرة واحدة حتى إنه ذكر أن إسلام بعض رهبان النصارى إنما
كان سببه ما كان ألزم نفسه من مخالفته إياها
ـه النصراني كيف وذلك لما رأى منه بعض علماء المسلمين من
حسن العبادة ما أعجبه فسأله رأيت يعني حاله فقال له بقي
عليك شيء واحد فقال وما هو فقال أن تُسْلِمَ فأطرق ساعة ثم
أسلم فقام أهل الدير من أهل دينه بالعياط فقال لهم بم نلت
فيكم هذه المنزلة قالوا بأجمعهم بمجاهدتك نفسك ومخالفتك
لها قال لهم وهذا هو الذي جعلني أسلمت فإنه لما ذكر لي
الإسلام لم تقبل فعلمت أنه الحق وأنه ما نلت ما نلت إلا
لمخالفتها فأسلمت لمخالفتي إياها وهذا هو الدين الحق فإنها
ما تهرب إلا عن الحق وحَسُنَ إسلامه
۱ لفظ الحديث ما يخرج رجل شيئاً من الصدقة حتى يفك عنها
لحيي سبعين شيطاناً رواه الإمام أحمد والبزار والطبراني
وابن خزيمة في صحيحه عن بريدة رضي الله عنه ومعنى يفك عنها
لحيي سبعين شيطاناً أن إخراج
الصدقة يؤلم سبعين شيطاناً رجيماً حرصوا على عدم أدائها
۵۷
والبحث مع المرأة كالبحث مع الخازن سواء ومن أجل ذلك عطف
أحدهما على
الآخر ومما يقوي مذهب مالك والجمهور في هذه المسألة قوله
عليه السلام غير مفسدة لأنه لو كان واجباً لكان محدوداً
إما بالكتاب وإما بالسنة وهذه حجة مالك ومن تبعه أن ما ليس
بمحدود إما بالكتاب وإما بالسنة فهو غير واجب لأنه لا يعرف
المكلف إلى أين يبلغ ولا بماذا يقع عليه اسم مُوَفَّ بما
أمر به وأما قولنا هل له حد محدود أو هو فقه حالي الظاهر ۱
أنه فقه حالي بدليل أن الناس ليس حالهم سواء فإذا جاء سائل
يطلب ملحاً من دار مَن قد وسّع الله عليه في دنياه ومن دار
ضعيف الحال فليس الأمر في ذلك سواء لأن الذي يعطيه من وسع
الله عليه في مرة واحدة هو الذي يكفي الضعيف في سنة أو شهر
فإن أعطت امرأة الضعيف مثل ما أعطته امرأة الغني أجحفت به
وأضرته وكانت مأثومة فيما فعلت فإن قلنا بمن يقول بالفرض
على الخلاف المتقدم فإنها قد أعطت أكثر مما يجب عليه وإن
كان على الوجه الآخر - وهو أكثر مما قد طابت به النفس ـ
فهذه قد أعطت ما لم تطب به نفسه فإن الضعيف إذا أخذ مثلاً
ملحاً بثمن درهم غايته إن طابت نفسه أن يخرج منه حفنة في
مرار عدة وأما أن تعطي نصفه أو أكثر من ذلك فلا تطيب نفسه
بذلك وأما من فتح له في الدنيا إذا أخذ من ملح فلا يعز
عليه أن يبذل منها الصاع والصاعين وهو قدر ما ينفق المسكين
في سنة أو
Y-
وبية ٢
شهر وكذلك غيره من الأمور وعلى ذلك فقس ولذلك قال عليه
السلام غير مفسدة لأنها يجب
عليها أن تنظر إلى حاله وما يحتمل وما لا يشق عليه من ذلك
لو أنه راه وهذا هو فقه الحال ولذلك قال تعالى لِيُنْفِقْ
ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ
فَلْيُنفق مِمَّا ءَانَنهُ الله لا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا
إِلَّا مَا ءَاتَنهَا ۳ فإذا كان هذا في الواجب فكيف في
المندوب
وأما قولنا لم خصت النفقة بالطعام ليس إلا فلوجوه منها أنه
الذي جعل للمرأة التصرف فيه بحسب العادة عندهم وأن المرأة
هي التي و أن المرأة هي التي تُطلب بتوفية ما يحتاج
الأولاد إليه من ترتب مرافقهم في معايشهم لأن الأب ليس
عليه أن يعطيها إلا ما يكفيها وبنيها وخادماً إن كان لها
وهي المتصرفة في ذلك بحسب ما فيه المصلحة للجميع ولذلك
قالت هند أم معاوية للنبي لا اله الا الله إن أبا سفیان
رجل شحيح فهل عَلَيَّ جُناح أن آخذ من ماله سراً فقال خذي
ما يكفيك أنت وبنيك
۱ يريد فالظاهر
الويبة مقياس للحجوم بمقدار كَيْلَتين
۳ سورة الطلاق من الآية ٧
۵۸
بالمعروف ۱ وغير الطعام هي عليه أمينة ولا يجوز لها التصرف
في شيء منه إلا بالإذن ولوجه اخر أيضاً ما جرت العادة
يتصرف فيه النساء دون مشورة الرجال إلا في الطعام ليس إلا
ولوجه آخر وهو أن ما ذكرنا من متاع البيت - على جري العادة
ـ فأعلاه الطعام فإذا كان لها التصرف فيه فمن باب أحرى
غيره ولوجه آخر أيضاً لكثرة دوام الاحتياج إليه مع الساعات
بل مع الأنفاس
بخلاف غيره من الثياب وغير ذلك فبان ما في قوله عليه
السلام من طعام بيتها من الفائدة
آخر في تخصيص الطعام بالبيت هل هو ما يكون في البيت من
الطعام وإن كان محجوراً عليها التصرف فيه مثل ما يخزنه
الرجل في بيته زائداً على ما يأكله هو وعياله وما كان
خارجاً من البيت وإن كان مما هو للمرأة وأولادها إنه ما
دام خارجاً من بيتها - وإن كان لها ولأولادها - فليس لها
التصرف فيه حتى يكون في بيتها وحينئذ يكون مباحاً لها
التصرف فيه دون حجر عليها فلا يكون لها التصرف إلا بجمع
العلتين وهو أن يكون لها وإما لأولادها في بيتها وأنه إذا
كانت إحدى العلتين منفردة فلا يحل لها التصرف
فالجواب أما إنه إذا كان بالوصفين فلا خلاف في ذلك وأما
إذا كان بوصف واحد فلا يخلو أن يكون في بيتها أو خارجاً عن
بيتها فإذا كان خارجاً عن بيتها فلا يخلو أن يكون تحت
حكمها وهي المسؤولة عنه أو غيرها هو المسؤول عنه فأما إذا
كان في بيتها ـ وهو محجور عنها ـ فهي تأخذ منه بالمعروف
سرًّا كما أخبر سيدنا الله أم معاوية في متاع زوجها أبي
سفيان كما تقدم ذكره وكذلك إن كان خارجاً عن بيتها وهي
المسؤولة عنه
وأما إذا كان خارجاً عن البيت والغير هو المسؤول عنه فلا
يجوز ذلك لها لما يلحق الغير من الضرر في ذلك وقد قال لا
ضرر ولا ضرار ٣ وفيه مع ذلك تحرز آخر في قوله عليه السلام
من طعام بيتها تحرزاً من الودائع والرهون لأنها في بيتها
وليست من متاع بيتها وإن كان
طعاماً وكلامه له مجامع الفوائد
وكذلك الخازن أيضاً كل ما كان في حفظه وخزانته إذا كان
وديعة عند الذي وكله على حفظه
أو رهناً عنده فالحكم هو نفس الحكم وقوله عليه السلام
ولزوجها أجره بما كسب يعني يكون أصل المال له وإن كان لم
يكن ذلك المال مكسوباً ولا موهوباً أو ما يشبه ذلك لكن لما
كان الغالب أنه لا يتحصل المال أو الطعام
1 أخرجه الإمام أحمد والبخاري والدارمي ومسلم وأبو داود
والنسائي عن السيدة عائشة رضي الله عنها بلفظ آخر
وهو موضوع الحديث ٩٥ ٢ أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه عن ابن
عباس رضي الله عنهما
۵۹
إلا بالكسب فجاء الخطاب منه على ما هو الأصل غالباً وعلى
هذه القاعدة وقع التخاطب بين الناس وجرت عليها الأحكام
فكأنه يقول لها وللخازن الأجر من أجل تلك العلل التي عللنا
لأنه ما واحد منهما يملك من المال شيئاً وكان لمن له المال
حقاً الأجر من كون المال له ثابتاً حقاً
ولا يطرد ذلك الحكم في المعصية لأنه إذا عصى أحد المذكورين
بالمال الذي اؤتمن عليه لا يكون على صاحب المال من ذلك
الإثم شيء إذا لم يعرف بفعلهما لأنه إذا عرف به وأعانه على
ما هو عليه كان شريكه في الإثم وإذا لم يعرفه لم يلزمه منه
شيء فإنَّه ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ۱
وبدليل ما جاء أنه إذا كان شخص مع أقوام فقام ليخرج عنهم
فسلم عليهم عند خروجه أنه إن هم بقوا في خير بعده كان
شريكهم في ذلك الخير وإن بقوا في شر لم يلحقه من
ذلك الشر شيء
فهذا وما أشبهه من طريق الفضل إذا كانت الأشياء التي فيها
الخير يشرك العبيد في ذلك الخير بأدنى ملابسة أو نسبة ما
ولا ينقص أجر بعضهم من أجر بعض شيئاً وإن كان شراً لم يتعد
صاحبه أو من أعانه عليه وهو عالم بذلك قاصد له فسبحان
المتفضل المنان لا ربَّ سواه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ سورة فاطر الآية ۱۸
٥٣٠
-45-
حديث إتلاف أموال الناس
قالَ البُخاريُّ رضي الله عنه قالَ رَسولُ الله صلى الله
عليه وسلم مَن أخذَ أموالَ النَّاسِ يُريدُ إتلافها أتلفه
الله قالَ البُخاري إلا أن يكونَ معروفاً بالصَّبْرِ
فَيوْثِرُ عَلى نَفْسِهِ وَلَو كانَ بِهِ خَصاصة كَفِعل
أبي بكرٍ حينَ تَصَدَقَ بِمالِهِ وَكَذلِكَ آثَر الأنصارُ
المُهاجرينَ ونَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَن
إضاعة المال فَليسَ لَه أن يُضيع أموالَ النَّاسِ بعلَّةِ
الصَّدقَةِ
ظاهر الحديث دعاؤه ل على من أخذ أموال الناس يريد إتلافها
والكلام عليه من وجوه منها هل هذا على عمومه وعلى ماذا يقع
هذا الدعاء هل هو حقيقة أو هو كما جاء عنه أن دعاءه رحمة
وإن كان اللفظ خلاف ذلك وهل ما يقع الحذر إلا بقصد الوجهين
أعني النية والفعل وإن أقلع وتاب منه هل التوبة ترفع إجابة
الدعوة بعد استجابتها أولا فالجواب أما قولنا هل هو على
عمومه فليس هذا على عمومه لأن من الأخذ ما يسمى سرقة وقد
حدّ فيه القطع ومنها ما هو خلسة فقد حدّ فيه الغرم ومنها
ظلم وفيه ما فيه ومنها ما هو قمار وفيه ما فيه ومنها ربا
وجاء فيه ما هو معلوم ومنها خيانة وقد جاء ما فيها فكل وجه
من وجوه الأخذ على خلاف المشروع فقد جاء فيه ما جاء وما
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجمع على أحد من أمته
عقابين فإن دعاءه أكبر العقوبات والوجوه المشروعة إذا أخذ
بها أحد شيئاً فليس بحرام فكيف يدعو عليه هذا مستحيل أيضاً
فما بقي إلا وجه واحد وهو من جملة المشروعات إلا أن له
شروطاً فكثير من الناس يفعله بغير تلك الشروط فيذهب به
كثير من أموال الناس وهو السَّلف لأنه إذا احتاج طالب
السلف وما ينظر إلى الشروط التي تجب عليه وحينئذ يأخذه
فإنما قصده زوال ضرورته في الوقت ففي هذا النوع هو دعاؤه
على من أخذها بغير شروطها
٥٣١
1 يريد أما ما يقع
قال البخاري إلا أن يكون معروفاً بالصبر فيؤثر على نفسه
ولو كان به خصاصة إلا به
استثنى أن يكون كفعل أبي بكر رضي الله عنه حين تصدق بماله
وكذلك اثر الأنصار المهاجرين فنحتاج أن نبين شروط السَّلف
فقد نص عليها الفقهاء وقالوا إنه لا يجوز لأحد أن يأخذ
سَلفاً ولا ديناً إلا أن تكون له ذمة تفي بدينه على كل حال
وإلا يدخل تحت هذه اللعنة لأنه غَرَّر بأخيه المسلم لكونه
أخذ ماله وهو ليس له قدرة على أن يوفيه فإن المعطي يقول في
نفسه لولا ما الا خلابة ولا يعلم هو من نفسه أن له ما يؤدي
منه ما يأخذ مني ما طلبه لأن أخوة الإسلام تقتضي
غبن 1
ولا خيانة أو يبين له حاله ويقول له ليس لي ذمة على ما اخذ
منك هذا المال وإنما تسلفه لي فإن فتح الله عليَّ بشيءٍ
أعطيتك إياه وإلا ما لَكَ قِبَلي لَوْم فإن رضي وأعطاه على
ذلك الوجه فما غرّر به فكأنه قال له تصدَّق عليَّ بحيلة ما
فإن فعل فهو صدقة أو معروف محتمل للرد أو غيره فلا يدخل
تحت هذا الدعاء ولهذا المعنى الخفي كان دعاؤه لأنه فعل في
الظاهر فعلاً مشروعاً وفي الباطن ما أشرنا إليه
ويترتب على هذا من الفقه أن كل شيء فيه شروط ظاهرة وباطنة
فلا يجوز لأحد فعله إلا بتمام تلك الشروط أو يبين عجزه
عنها كيلا يغرّر بالغير وقد قال مَن غَشنا فليس منا وأما
الصفة التي أجاز عليه السلام معها أخذ المال - وهي ما نبه
عليها البخاري رحمه
الله عقيب الحديث بقوله إلا أن يكون معروفاً بالصبر فيؤثر
على نفسه ولو كان به خصاصة كفعل أبي بكر رضي الله عنه حين
تصدق بماله وكذلك اثر الأنصار المهاجرين رضوان الله عليهم
- فهي قوة الإيمان التي توجب كثرة السخاء والصَّبر على
الضّرّاء فإن أبا بكر رضي الله عنه أتى بجميع ماله فقيل له
ما أبقيت لأهلك قال الله ورسوله
والأنصار والمهاجرون إذا كانت لهم ضرورة ويرون غيرهم في
ضرورة ينظرون أولاً في حق أخيهم المسلم ويحملون أنفسهم على
الصبر كما فعل بعضهم حين أتى إلى النبي بعض الواردين فقال
من يضيف الليلة هذا وعلى الله ثوابه فقام بعضهم فأخذه
وحمله إلى منزله وقال لعياله عندك شيء فقالت له ما عندي
إلا شيء يسير للأولاد فقال لها نومي أولادك فإذا ناموا
قدمي الطعام فإذا قدّمته فقومي إلى السراج لِتُصْلِحِيه
فأطفئيه ونمدّ أيدينا إلى الصحفة كأنا نأكل ولا نأكل شيئاً
فلعل الضيف يشبع أو كلاماً هذا معناه ففعلت المرأة ما
أمرها
۱ الخلابة الخديعة والغبن الغلبة والنقص أخرجه الطبراني عن
ابن عباس رضي الله عنهما وللحديث بقية
به فلما أتى النبي الله صبيحة الليلة تبسّم عليه السلام
وقال له شَكَرَ الله البارحة صنيعك
مع ضيفك ۱
ومثله ما ذكر عن عليّ رضي الله عنه أنه دخل والأولاد يبكون
من الجوع فقال ما شأنهم فأخبرته رضي الله عنها بأنه من
الجوع وليس عندهم شيء فخرج فاقترض ديناراً ليشتري به لهم
ما يأكلون فبينا هو راجع به إذا أحد قرابته فسأله عن حاله
فأخبر أن عياله في جوع شديد وأنه ليس عنده شيء فدفع له
الدينار كله ودخل بيته وليس عنده شيء وكان هذا عشية النهار
ثقة
ثم خرج يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فدنا منه في
الصلاة فلما فرغت الصلاة التفت عليه السلام إليه وقال له
يا علي هلا عشيتني الليلة فتفكر في نفسه أنه ما عنده شيء
فقال له نعم بالله ثم ببركته فأتى معه إلى منزل عليّ فدخل
علي و النبي معه ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم يا بنية
ألا تعشينا فالتفت عليّ فإذا في البيت ثريد مغطّى يبخر
فقدم لهم فقال له يا علي هذا بالدينار الذي أعطيته فلانا ۳
وحمد عليه السلام الله على ما جعل في أهل بيته مِمّا أشبه
مريم عليها السلام حين قيل لها أَنَّكَ لَكِ هَذَا قَالَتْ
هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۳ وما أشبه هذا عنهم رضي
الله عنهم كثير فمن يجود بضرورته على غيره بغير حق له عليه
فكيف بحق إذا كان له عليه وبقيت هنا علة أخرى لأنه لا يأخذ
السَّلف إلا حين يكون مضطراً كما ذكرنا آنفاً فإذا كان
مضطراً ومرت به ثلاثة من الأوقات تعيّن له في مال الغير حق
واجب وهل يلزمه عند يُسْره ردّه أم لا خلاف بين العلماء
فمنهم من يقول إنه حق قد وجب فليس عليه رده ومنهم من يقول
وإن كان حقاً قد وجب فلا يسقط أداؤه إلا باستصحاب الفقر
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم إن المحتاج له أن
يقاتل صاحب المال إذا امتنع من أن يعطيه فإن قتل صاحب
المال فشر قتيل وإن قتل المضطر فشهيد ٤ أو كما قال فلما
كان هذا الأمر خفياً ولا يعلمه إلا الله والذي نزلت به
الحاجة أبقيت الأحكام في المنع على ظاهرها وأشار هنا إلى
العلة الموجبة للجواز
فعلى هذا فالسلف على أربعة الثلاثة منها جائزة والرابع
ممنوع بمتضمن هذا الحديث وما قد ذكره العلماء كما أشرنا
إليه أولاً فالأربعة الأوجه أحدها أن يكون له ذمة تفي
بدينه على كل حال فهذا جائز باتفاق و الآخر أن يبين له
حاله وأنه إنما يقترض منه ويبين له أنه ليس له
1 أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ ا
لم نقف على مصدره ۳ سورة ال عمران من الآية ۳۷
٤ لم نقف على مصدره
٥٣٣
ذمة مقابلة دينه وأنه في حكم المشيئة إن فتح الله عليه
أداه وإلا فلا يطالبه بشيء فهذا جائز وإن كان خالف فيه بعض
الناس والظاهر الجواز وقد قدمنا العلة في جوازه و الآخر أن
تجتمع فيه تلك الأوصاف التي في أبي بكر والمهاجرين
والأنصار رضوان الله عليهم وهي كثرة السخاء والصبر ولا
يقترض إلا عند الضرورة الشرعية ويكون اقتراضه بقدر ضرورته
فهذا جائز بمقتضى ما عللناه آنفاً وقواعد الشرع كلها تدل
على هذه الإشارة وتنص عليها
و
الرابع وهو أن يأخذ السلف على غير ذمة له وليست له تلك
الضرورة الشرعية ولا يبين عدمه لصاحب المال فهو الذي يدخل
تحت ما تضمنه الحديث من دعائه له ولأن الضرورة الشرعية
كثير من الناس لا يعرفها
وما أعني بـ الناس هنا إلا بعض الذين ينتسبون إلى العلم
لأنهم قعدوا لأنفسهم قواعد نفسانية وجعلوها من ضروراتهم
اللازمة شرعاً واستباحوا بها أخذ أموال الناس وقالوا نحن
مضطرون لا حرج علينا وتعيَّن لنا على الناس حق فما أخذنا
هو بعض حقوقنا وهو مصادم لما نبه عليه البخاري رحمه الله
بقوله إلا أن يكون معروفاً بالصبر تحرزاً من أن يقول هو في
نفسه حين تأخذه الحاجة أنا آخذ السلف وأجاهد النفس وأصبر
على الضيم حتى أؤدي مال الغير قيل له على لسان العلم هذا
حديث نفس وهي خوانة ۱ إلا إن كان لك صبر حتى عرف ذلك منك
وانظر هذه الإشارة حتى يعرفه العبد منه ولم يقنع أن يكون
هو قد عرف الصبر من نفسه فيما تقدم إلا حتى يعرفه الناس
ولا يكون صبره من حيث أن يعرفه الناس إلا لكثرته حتى يكون
في حكم المقطوع به و شرط ثانٍ أن يكون ذلك الصبر الذي يعرف
منه من شأن الإيثار على نفسه ومعناه أن يكون ذلك الإيثار
من أجل الله ويفضل جانب القربة إلى الله على ضرورته تحرزاً
أن يكون صبره لشهوة أو من غير اختياره لعدم الشيء وقلة
الصبر إذ ذاك ما يكون لها فائدة إلا أنها أحسن حالة من
غيرها لا يحكم لصاحبها بالوفاء عند مواقف الرجال وأنه مع
صبره أيضاً يعرف بالإيثار على نفسه مع الخصاصة ومع الحاجة
والضيق
فانظر إلى هذه الشروط هل يمكن في زماننا هذا وجودها إلا إن
كان نادراً جداً ثم بعد هذه التقييدات أعطى البخاري المثال
فقال مثل أبي بكر ولم يقنعه أن سماه إلا حتى ۳ ذكر تلك
الصفة المباركة المشهورة وهي خروجه عن جميع ما ملك إيثاراً
الله ولرسوله ثم أكدها بأن قال
۱ كذا والصواب خيانة كذا بزيادة إلا قبل حتى ۳ كذا و إلا
هنا زائدة
٥٣٤
وكذلك أثر أي الذي كان فيه الإيثار من الأنصار للمهاجرين
ولم يقل عن جميعهم إلا عن الذين
كانت فيهم تلك الصفة البكرية
ويترتب على هذا من الفقه أن المبين للأحكام يجب عليه أن
يبين جميع الأحكام وإن كان فيها ما هو نادر قد لا يمكن
وقوعه لندارته من أجل أن يقع فلا يعرف الحكم فيه فعلى
التقسيم الذي قلنا أولاً إنه - أعني السَّلف - على أربعة
أوجه الثلاثة جائزة والواحد ممنوع - على ما بيناه ـ أن هذا
في موضع التقسيم بحسب الحديث من أجل أن يعرف حكم الله بحسب
ما بينه صلى الله عليه وسلم
وأما بحسب أحوالنا اليوم وما يعرف من الأكثر من الناس -
كما أشرنا إليه - فلا يكون الجائز
منها إلا اثنين والاثنان الآخران ممنوعان الواحد لكونه
مجمعاً على منعه كما ذكرنا والثاني وهو الذي تقدم ذكره من
تعليلهم بفعل أبي بكر وإيثار الأنصار ممنوع لعدم وجود
الشروط المذكورة فيه وهو أيضاً ممنوع من باب سد الذريعة
كيلا يقع الناس فيما لا يجوز لهم وهم يظنون أنهم على لسان
العلم فالوجهان الجائزان إما من له الذمة كما قدمنا وإما
مَن يُبيّن حاله على الخلاف الذي ذكرناه
وأما قولنا هل هذا حقيقة أو هو كما جاء أن دعاءه عليه
السلام رحمة وإن كان ظاهره غير ذلك فالجواب أن كل دعاء منه
عليه السلام على طريق الزجر على ألا يفعل فعلا فهو حق وأما
الذي هو خير - وإن كان ظاهره خلاف ذلك ـ فذلك كما أخبر هو
إذا كان ذلك منه عليه السلام لأمر ما قد وقع
وأما قولنا هل لا يقع ۱ الدعاء إلا بالوصفين معاً وهو أخذ
المال والنية فهذا هو ظاهر الحديث فإذا كان أحدهما فلا
يخلو أن تكون نية دون عمل فهذه لا يلزم فيها حكم إلا أنها
نية سوء يجب عليه التوبة منها وإن كان فعلا دون نية مثاله
أن يأخذ السَّلف ويذهل عن أن يبين الشرط فهذا فيه إشكال من
أجل أن المال قد أخذه وهو لا ذمة له ولا بيَّن لصاحبه حاله
وقال الخطأ والعمد في أموال الناس سواء فهذا الحديث يحكم
له بأنه مثل من تعمد ذلك
وبنص الحديث الذي نحن بسبيله وقوله يريد إتلافها فالنية في
ذلك مع الأخذ مشروطة فمن أجل هذا هو مشكل وما هو مشكل مثل
هذا فتركه أولى لأن الدخول تحت دعائه ا ليس بالهين وإنما
بَحْثنا إن وقع ثم
1 يريد ألا يقع
٥٣٥
تاب هل إجابة الدعوة بعدما أجيبت تزول أم لا فهنا تقسيم
فلا يخلو أن تكون توبته بعدما ردَّ مال الغير الذي كان قد
أتلفه أو يتوب ولم يردّ المال لصاحبه بل كانت توبته على
ألا يفعل مثل هذا أبداً فأما إن كانت توبته بعد ما ردّ
المال فيرجى ألا يلحقه الدعاء لأن عدم المال لا يمنع
حقاً
جبر
و أن المال قد رجع إلى صاحبه فالضرر الذي كان لحق صاحب
المال قد زال عنه واستبشرنا بكون الله عزّ وجلّ قد منّ
عليه برده مال الغير أنه ما كانت نية سيدنا ل إلا أن يكون
إتلافاً لا بعده هذا قوة رجاء في فضل الله وما نعلم من
رحمته عليه السلام بأمته
وأما الذي يعترض ويقول إن السبب الذي علق به الدعاء - وهو
أخذ المال بنية أنه لا يرده ويتلفه - فقد وقع الدعاء
والإجابة في دعائه عليه السلام في حكم المقطوع به فإذا
قبلت فلا تُرَد فهو أمر محتمل من طريق الخوف والذي قدمناه
أولاً هو الأظهر والله أعلم
1 الموت
وأما إن كانت توبته إقلاعاً عن الفعل ومال الغير باق في
ذمته فشروط التوبة لم تصح بعد فنحن مع وجود شروطها فيه ما
تقدم فكيف مع عدمها لكن هو خير ممن يستمر على العمل ولعله
ييسر له في شيء يؤدي به عن نفسه أو يحله صاحب الحق فيقوى
له الرجاء إن جعلنا تحليل صاحب الحق مثل الأداء وإن قلنا
إن التحليل هنا ليس كمثل أخذ الحق فيبقى فيه توقف وهذه
المضايق الهروب منها أولى ومن أجل هذه المضايق أصل أهل
الطريق طريقهم على الصبر على الظمأ حتى إلى ولا يتعرضون
لشيء فيه خلاف كما ذكر عن بعضهم أنه لحقه جوع شديد ومجاهدة
ولم يكن له شيء ثم فتح عليه في طعام لم يرتضه فأبى أن يأكل
منه شيئاً فقالت له أمه كل يا بني وأرجو أن الله يغفر لك
فقال لها نرجو أن الله يغفر لي ولا اكله فلم يأكل منه
شيئاً مع كثرة حاجته إليه ومثل ذلك ما روي عن أبي بكر رضي
الله عنه حين أتاه خادمه بالطعام فلم يسأله إلا بعد ما أكل
منه لقمة فلما رفع اللقمة وأكلها قال له الخادم يا سيدي
عادتك لا تأكل طعاماً حتى تسأل عنه فما بالك في هذا فقال
شدة الجوع حملتني على ذلك ولكن من أين هو فأخبره أنه من
جهة كذا وسمّى له جهة لم يرتضها فأخذ أبو بكر رضي الله عنه
عند ذلك يردّ تلك اللقمة من بطنه بعد ما ابتلعها فلم تخرج
إلا بعد أمر شديد ومعالجة فقال له الخادم يا سيدي هذا على
لقمة واحدة فقال نعم ولو لم تخرج إلا بنفسي لأخرجتها فإني
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كل لحم نبت من
الحرام فالنار أولى به
۱ حتى حرف عطف والمعطوف مقدر
لفظه كل جسد نبت من سُحتٍ فالنار أولى به أخرجه الطبراني
وأبو نعيم عن أبي بكر رضي الله عنه وقد ورد
بعد هذا الحديث أبيات من الشعر نثبتها كما وردت
=
٥٣٦
وقد قيل
إذا كنت لا أمنع نفسي شبهةً ولا في مطعم
فكيف طريقي إلى التقى
كلا وبـل هــي
أثقلتني
ظلم
أتَوَرّع
وهل من لتوفيق والخيــ
ـل لي نور في القلب يوضع
ذنوب وعيدك بهــــا ـرّ نار تقلع
إلهي أرجــــــوك فــــــي تــــــوبــــة وبك أسأل كيف
أصنــ مي من يثرب إلا مــا هــديتني إلــى مــا منهــا
فبـ
وأما قوله نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة
المال فليس له أن يضيع أموال الناس بعلة الصدقة هذا تأكيد
لما تقدم لأنه إذا منع إضاعة مال الغير عموماً فليس لك أنت
أن تخصص لفظه بأن تقول إنما أستلف من أجل أني أتصدق بما
أستلف وليس هذا من باب عموم إضاعة المال بل هي إضاعة محضة
حتى تعلمه فتقول له أستلف منك هذا المال على أن أتصدق به
على نفسي فإن فتح الله عليَّ رددتُ إليك مالك وإلا فلا
تَبِعَة لك عليَّ فإن رضي فحسن وإلا فلا
وهنا علة أخرى مع كونك خصصت عموم قول الشارع عليه السلام
برأيك وليس ذلك أن الذمة قد تعمرت حقاً والصدقة التي
أعطيتها محتملة إن قبلت أو لا فكيف يبرأ شيء متحقق بشيء
مشكوك فيه هذا ممنوع شرعاً وعقلاً
لك وهي
ولا يحملك على أن ترتكب هذا المحذور من أجل بعض أخبار وردت
عن بعض المباركين منها أن بعضهم كان في سَنَة شديدة
فاستقرض جملة مال واشترى به طعاماً وفرقه على المساكين
فلما جاء أصحاب المال يطلبون مالهم توضأ وركع ركعتين وسأل
الله الكريم ألا يخزيه معهم ثم قال لهم ارفعوا الحصير
فانظروا هل تجدون تحته شيئاً فرفعوا الحصير فإذا تحته مال
فقال لهم خذوا قدر مالِكم فوجدوه مثله سواء بسواء
فهذا السيد احتمل حاله أشياء منها أنه قد تقدمت له مع
مولاه عادة فعمل عليها وقد قال مَن رُزِق من باب
فَلْيَلْزَمْهُ ۱ وقال أصحاب التوفيق إنه من فتح الله له
باباً من خير من باب خرق العادة فذلك لسان العلم فيما يخصه
واحتمل أن يكون مجاب الدعوة وهو يعلم ذلك من مولاه بما
تقدم له أيضاً واحتمل أن كانت معاملته مع الله صادقة
فقبلها فلما قبلها لم يكن
ليضيعه عند احتياجه إليه حاشاه
۱ سبق تخريجه في الحديث ٤٨
فلا يجوز لمن ليست له من هذه الوجوه شيء أن يقتدي بمثل هذا
السيّد ولا بما يذكر من
مثله فإن مثل هؤلاء يُسلّم لهم ولا يُقتدى بهم ولا يُعترض
عليهم لعدم الحال الموجب لذلك ولذلك قال بعض من نُسب إلى
هذا الشأن إذا كان أمرك إلى مولاك مصروفاً وقلبك ببابه
موقوفاً ويدك عن الدنيا مكفوف ۱ وحالك بأمره ونهيه محفوفاً
فقد رحلت عن الدنيا وإن كنت بها موقوفاً فجعل صحة حاله أن
يكون بالأمر والنهي من كل الوجوه محفوظاً وهذه زبدة الأمر
وهو الحق الذي عليه أهل الحال والمقال جعلنا الله ممّن منّ
عليه بهما إنه ولي حميد
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
تسليماً
۱ كذا
۵۳۸
-٧٤-
مُسلم
حديث الأمر بالصدقة على كل مسلم
عن سعيد بن أبي بردة ١ عَن أبيهِ رَضِيَ الله عَنهُما
أَنَّ النَّبِيَّ قال على كُلِّ صدَقَة فَقالوا يا نَبِيَّ
الله فَمن لم يجد فَقالَ يَعملُ بيده فَيَنفع نَفْسَهُ
ويَتصدَّقُ قالوا فَإِن لَم يَجد قالَ يُعينُ ذا الحاجة
المَلهُوفَ قالُوا فَإِن لَم يَجد قالَ فَلْيَعمل بالمعروف
وليمسك عَنِ الشَّرِّ فإنَّها لَهُ صَدقَة
ظاهر الحديث يدل على الأمر بالصدقة والتسبب فيما به يتصدق
والكلام عليه من وجوه منها هل هذا الأمر على الوجوب أو على
الندب وما معنى قوله عليه السلام فليعمل بالمعروف وليمسك
عن الشر فإنها له صدقة فالجواب أما الأمر فهو على الندب لا
بالصيغة بل بالاستقراء من خارج منها قوله الله في حديث غير
هذا لا صدقة إلا عن ظهر غِنَى عند يعني وقوله عليه السلام
أيضاً في ركعتي الضحى إنها تجزىء عنه ۳ القدرة عدم
على الصدقة
وقوله عليه السلام آخر الحديث فليعمل بالمعروف وليمسك عن
الشر فإنها له صدقة وهذا من الواجب مع وجود الصدقة أو عدم
وجودها لأنه لا يجوز له أن يعمل الشر ويترك المعروف لكن
المراد في هذا الموضع ما زاد على الواجب فهو له صدقة وقد
قال عليه السلام
1 سعيد بن أبي بردة حفيد أبي موسى الأشعري هو وأبوه من
التابعين ثقة ثبت توفي في الكوفة سنة ۱۳٨ هـ لفظ الحديث لا
صدقة إلا من ظهرِ غِنى واليد العليا خيرٌ من اليد السفلى
وابدأ بمَن تَعُول أخرجه الإمام
على الأصح
أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه ۳ أخرج الإمام أحمد عن
بريدة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول في الإنسان ستون وثلاثمائة مفصل فعليه أن يتصدق عن كل
مفصل منها صدقة قالوا فمن يطيق ذلك يا رسول الله قال
النخامة في المسجد تدفنها والشيء تنحيه عن الطريق فإن لم
تقدر فركعتا الضحى تجزىء عن ذلك
۵۳۹
والكلمة الطيبة صدقة وإماطة الأذى عن الطريق صدقة ولقاء
المؤمن لأخيه ببشاشة الوجه صدقة
أو كما قال عليه السلام
ويؤخذ من هذا من الفقه أن الدين كله مطلوب فرضه وندبه
والتسديد فيهما جميعاً لقوله
عليه السلام فسددوا وقاربوا على ما مرّ الكلام عليه وفيه
دليل في فضيلة الصدقة وفيه دليل لأهل الصوفة الذين بنوا
طريقهم على البذل والإيثار حتى يروى عن جماعة منهم أنهم
كانوا لا يحتملون أن يبيت عندهم شيء من الصدقة المعلومة في
بيوتهم قوله عليه السلام على كل مسلم صدقة يعني ودلّ على
أن الكافر لا تقبل منه الصدقة لكونه خصصها بالمسلم وفيه
دليل لمن يقول إن الكافر ليس مخاطباً بفروع الشريعة يؤخذ
ذلك من كونه لم يعلق
الصدقة إلا بمسلم
ى ما في الإيمان من الرحمة والإسلام
وفيه دليل على أن اليسارة في الناس هي الأغلب يؤخذ ذلك من
كونه عليه السلام أطلق الصدقة على كل مسلم وفيهم - ولا بد
- الذي ليس له شيء وقد استدل بعض العلماء على قلة المساكين
بكون المولى جل جلاله لم يفرض الصدقة إلا ربع العشر ولم
يجعله مطلقاً إلا في نصاب معلوم وهي خمسة أو اق أو عشرون
ديناراً وما كان العليم الرحيم ليفرض لعباده شيئاً لا
يكفيهم وهو يعلم حالهم وعددهم أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ
وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ ۱ فلما علم قلة المساكين
وأن ذلك المقدار يكفيهم فرض لهم ما يكفيهم ولو أن الأغنياء
أخرجوا جميعاً ما أوجب الله عليهم من الزكوات ما احتاج
مسكين لأن يسأل أحداً
وفيه دليل على أن الأحكام تجري على الغالب يؤخذ ذلك من
كونه عليه السلام عمَّ بالصدقة جميع المسلمين وفيهم من
ذكرنا من الضعفاء وهم الذين يأخذون الصدقة المأمور بها
وفيه دليل على أن هذه الصدقة اليسير منها يجزىء يؤخذ ذلك
من كونه لم يحدّ فيها نصاباً ولا مقداراً مثل ما فعل في
الفرض وهذا أيضاً من الأدلة على أنها ليست بواجبة وقوله
فقالوا يا نبي الله فمن لم يجد قال يعمل بيده فينفع نفسه
ويتصدق فيه دليل على مراجعة العالم في تفسير المجمل وتخصيص
العام يؤخذ ذلك من قولهم فمن لم يجد
وفيه دليل على ما للصحابة من الفضل علينا - كما ذكرناه
أولاً - لأنهم تلقوا الأحكام بالخطاب وسألوا في مثل هذا
وغيره حتى بانت الأمور ووضح الحكم
۱ سورة الملك من الآية ١٤
٥٤٠
وفيه دليل على فضل التكسب لكن إذا كان على لسان العلم
ويكون عوناً على الدين يؤخذ ذلك من قوله يعمل بيده
وفيه دليل على جواز الصناعات على الإطلاق لعموم قوله عليه
السلام يعمل بيده ولم
يخص عملا دون غيره
وفيه دليل على تقديم ضرورة الشخص على الصدقة يؤخذ ذلك من
قوله عليه السلام فينفع نفسه ويتصدق فإنه أتى إثر عمل اليد
بنفع النفس وأتى به بالفاء التي تفيد التسبيب والتعقيب
وحينئذ عطف عليه الصدقة وهم ما كان سؤالهم إلا على الصدقة
وفيه إذا نظرت إشارة عجيبة لأنه لو قال يعمل ويتصدق لكان
الشخص يقول أعمل فيما أتصدق به وأبقى أنا على ما يفتح الله
لي فأشار هنا بتقديم الانتفاع له لأنه من أكبر الصدقات أن
يزيل حكمه عن غيره ويبدأ بالذي هو أهم وبعد ذلك يتصدق
وكونه عليه السلام قال ينفع نفسه لفظ جامع لجميع ما هو
محتاج إليه من ضرورات نفسه وعياله أو سكنه أو غير ذلك مما
إليه حاجة البشرية إلا أنه بقيد الشريعة فإن هذا أصل في كل
الأمور
وقوله قالوا فإن لم يجد يؤخذ منه تنويع البحث على العالم
إذا دعت لذلك ضرورة ويؤخذ منه استنباط المسائل الممكنة
الوقوع وإن لم تقع بعد وأن هذا من الدين وصاحبه مثاب وقوله
يعين ذا الحاجة الملهوف هنا بحث لم قال ذا الحاجة ونعته
بالملهوف وكل من أعان في حاجة مسلم فهو مأجور لقوله الله
في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ۱ فالجواب أن
الإعانة في الحاجة مثاب عليها لكن الصدقة أرفع كما أشرنا
قبل فلما نوّع السؤال عليه أراد أن يبقى لهم أفعالاً يكون
الثواب عليها مثل الصدقة فلما أن كان صاحب الحاجة بهذه
الصفة الزائدة - وهي كونه ملهوفاً - نبه عليه لما فيه من
زيادة الأجر على أن لو كانت حاجة دون لهف فحينئذ بزيادة
هذه الصفة يكون له مثل ما فاته من عمل الصدقة وفيه دليل
لتقعيد الأحكام بألفاظ العموم لأن الحاجة لفظ عام وكذلك
اللهف أنواع
بحسب الحاجات وأصحابها والملهوف كناية عن الحائر في حاجته
القليل القدرة على القيام بها فهو يشبه المضطر وقد يكون
أكد منه لأن المضطر قد ألف الصبر وأيقن بعجزه وهذا متلهف
من جانب إلى جانب ومن وجه إلى وجه وقد حار في نفسه ولا
يعرف من أين يكون له الفَرَج ولا
ضرورته يفيد فيها القعود والاستسلام
جزء من حديث رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أوله من
نفس عن مؤمن كربة من كُرَبِ الدنيا نفْسَ الله
منه كُربةً من كُرَبِ يوم القيامة الخ
٥٤١
مثاله من عليه دين وقد حان وقته وهو ليس له شيء وهو لا
يقدر أن يثبت عُدْمَه وصاحب الدين لا يُفتره ولا يعذره
فالقعود لا يمكنه والخلاص لا يقدر عليه ووجه الرشاد إلى
راحته لا يعرفه فحاجته أشدّ من المضطر لأن المضطر قد يفوض
الأمرَ كلَّه إلى الله ويصبر على
ما نزل به حتى يأتيه فرج الله والإعانة هنا بماذا تكون هل
تكون بالموجود أو بالإرشاد فالجواب أنه لو كانت بالمعلوم
لكانت أعلى الصدقات نعم لفظ الإعانة يقتضي بالمعلوم وغيره
لكن لمّا كان بساط الحال مما يفعل عند عدم الوجود ذكرت
إعانة الملهوف فتخصص اللفظ ببساط السؤال فقام عون هذا
الملهوف وإن لم تعطه من عندك شيئاً مقام الصدقة لما فيه من
تفريج كربه في الوقت لأن الثواب على الصدقة إنما هو لما
يدخل على أخذها من راحة نفسه ولذلك كان أكثرها ثواباً إذا
كان الآخذ أكثر احتياجاً وإذا قلت مثلا لهذا الملهوف أنا
أدلك على وجه يكون لك فيه راحة فقد أدخلت عليه من السرور
في الوقت أكثر مما يدخل على صاحب الصدقة إذا لم يكن أخذها
مثل هذا
عموم
وقوله قالوا فإن لم يجد هنا بحث كما تقدم قبل في الجواب
على قوله عليه السلام فليعمل بالمعروف وليُمسك عن الشرّ
فإنها له صدقة وهو كيف يقوم عمل واجب عن تطوع فإن العمل
بالمعروف والإمساك عن الشر مما هو واجب شرعاً والصدقة -
كما قدمنا - في هذا الموضع مندوبة فالجواب إن الأمر
بالصدقة لا يلزم منه ترك الشيء والعمل بالمعروف إنما يلزم
ذلك من قواعد الشريعة كما يندب مع الصدقة وعدمها بمقتضى
قواعد الشريعة إغاثة الملهوف والندب إلى التكسب الحلال
لينفع نفسه ويتصدق وكما يقال في حديث اخر حين ذكر الصدقة
ثم قال في من لم يجد أن ركعتي الضحى تجزىء عنها وركعتا
الضحى مندوب إليها مع وجود
الصدقة وعدمها
ـه وهي
إغاثة
فمفهوم الحديث على هذه التنويعات أنه ندب أولاً إلى الصدقة
لما فيها من الخير المتعدي فعند العجز عنها ندب أيضاً لما
يقرب منها أو يقوم مقامها لما فيها أيضاً من الخير المتعدي
وهو العمل والانتفاع والصدقة وعند عدم ذلك ندب إلى ما يقوم
مقامه الملهوف - كما بينا - ثم عند ذلك كأنه عليه السلام
يقول بعد عدم هذه المذكورات ليس في أفعال البرّ ما يشبهها
لكن من فعل شيئاً من المعروف - والمعروف هنا ما هو مندوب
إليه شرعاً من جميع المندوبات ولو إماطة شيء من الأذى عن
طريق المسلمين ولو ركعتي الضحى فمعناه أن لا تُخلِ نفسك من
فعل مندوب من المندوبات وإن قل - فإن في كل منه صدقة بمعنى
فيه أجر وإن لم تقدر على فعل شيء من المندوبات فإمساكك عن
الشر ومعنى الشر هنا ما مُنعته شرعاً - فإنه صدقة أي إنك
فيه مأجور فهذا التنويع منه الله تسلية للعاجز عن أفعال
المندوبات إذا كان ذلك عجزاً لا اختياراً
٥٤٢
ومما يشبه ذلك ما ورد أن الفقراء من الصحابة رضوان الله
عليهم لما جاءوا واشتكوا إلى النبي إن أصحابنا من أهل
الجدة سبقونا بالصدقة قال عليه السلام ألا أدلكم على ما هو
خير من ذلك تسبحون دُبَرَ كل صلاة ثلاثاً وثلاثين وتكبّرون
ثلاثاً وثلاثين وتحمدون ثلاثاً وثلاثين وتختمون المائة بلا
إله إلا الله وحده لا شريك له فذلك خير ۱ فلما بلغت
الأغنياء فعلوا كفعلهم فرجع الفقراء إليه الا الله فأخبروه
بذلك فقال لهم صلى الله عليه وسلم ذلك فضل الله يؤتيه من
يشاء ويترتب على هذا من الفقه أنا مطالبون بجميع فرائض
الدين ومندوباته وتطوعاته والشأن أن يُقدم الفرض ثم الأعلى
فالأعلى من جميع المندوبات ومن وسعه عمل الكل فنعم ما فعل
فإن فعل الأدنى من المندوبات مع القدرة على الأعلى فقد ترك
ما هو المستحب لكن لم يُخْلِ نفسه من الخير فإن لم يفعل من
المندوبات شيئاً فقد غبن نفسه غبناً كبيراً فليجتنب الشر
فإنه مأجور في ذلك فإن لم يفعل ذهب عنه الدين ولا علم عنده
نسأل الله العافية بمنّه
وفيه ردّ على بعض الأصوليين الذين يقولون إن الترك لا
يُؤجر عليه لأنه ليس بعمل لقد أخطأوا الطريق وضلّوا ضلالاً
بعيداً لكونهم أوجبوا الثواب بمجرد عقولهم وتركوا الكتاب
والسنة فأما الكتاب فقوله تعالى إن يَنتَهُوا يُغْفَرْ
لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ والانتهاء هو ترك الشيء لا شك فيه
وأما السنة فمنها نسمه عليه السلام في هذا الحديث بقوله
عليه السلام وَلْيمسك عن الشر فإنها له صدقة جمع أفعال
البر في قوله عليه السلام بالمعروف وجمع أيضاً جميع أنواع
الشر بقوله عليه السلام وليمسك عن الشرّ أي جميع أنواع
الشر قال فإنها أي من فعل
شيئاً من هذه الصفات المذكورة أو ترك شيئاً من هذه الصفات
المذمومة فإن ذلك له صدقة ولا يخطر لك أن تقول بمجموعها
تكون الصدقة فهذا لا يعطيه اللفظ وهو مذهب المعتزلة لأنهم
يقولون لا تُقبَلُ الحسنةُ حتى لا تعمل سيئة وأهل السنة
على خلاف ذلك لقوله تعالى ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ
ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَمُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
شَرًّا يَرَهُ وقوله عليه السلام في حديث غيره اتق محارم
الله تكن أعبد الناس4 والآي والأحاديث في
هذا كثيرة فسبحان من حرمهم طريق الرشاد
۱ لعله يشير إلى جزء من حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري
ومسلم من أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله الله فقالوا
ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم إلى آخر
الحديث أو إلى أحاديث تشير إلى هذه
الأعداد من الأذكار التي أخرجها علماء الحديث بطرق شتى
ومضمونها متقارب
سورة الأنفال من الآية ۳۸ سورة الزلزلة الايتان ۷ و ۸ سبق
تخريجه في الحديث ٦٦
٥٤٣
وهنا تنبيه وهو انظر إلى حكمة الشرع فإنه جعلك في إدخال
الراحة والسرور على نفس
غيرك مأجوراً إذا كان الله وإدخال الضرر أو التغيير عليها
مأثوماً ومعاقباً وفي إدخالك التشويش على نفسك أو المجاهدة
لها إذا كانت الله كنت مأجوراً على ذلك ولذلك قال الخضِرُ
لموسى عليهما السلام وزَعزع بالخوف قلبك فإن ذلك مما
يُرضِي ربَّك فانظر هل تعرف لذلك حكمة أو هو مما يُلقى
تعبداً أو امتثالاً لا غير قد تقدم الكلام في غير ما موضع
أن الحكيم لا يفعل شيئاً إلا عن حكمة والحكمة هنا خفية
ظاهرة وهي - والله أعلم - لأن السرور إذا أدخلته على نفسك
وإن ادعيت أنه الله فقلما يسلم من دسيسة النفس من أجل
حَظِّها وهو من باب سد الذريعة وهي قاعدة كلية في الشرع
مثال ذلك جعل مكة محلاً للجدب وعدم الزرع والمشقة التي في
الوصول إليها حتى إن المشي إليها والإقامة بها تتحقق الله
لأنه ليس في ذلك كله شيء يلائم النفس بخلاف أن لو كانت مثل
دمشق في الفواكه والخضر فقلما كانت العبادة تخلص فيها من
أجل حظ النفوس في
الخصب والفرجة
ولوجه آخر أيضاً فإن إدخال السرور على الغير إذا كان الله
خالصاً قلما يخلو من تعب النفس بوجه ما أقل ما فيه أنها
تريد جمع الحظوظ من الخير لها وكونها تؤثر بها غيرها فقد
حصل لها تعب في الباطن وهو أشده فتمحضت العبادة بالإخلاص
الذي هو أصلها لقوله عزّ وجلّ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۱
فبين الإخلاص بأسبابه حتى يكون ذلك عوناً من الله لعبدِهِ
لذلك قال يُمْنُ بن رزق - رحمه الله - وهو من أجلّ أهل
الطريقين نظرت في هذا الأمر - يعني العبادة ـ فلم أر شيئاً
أعون عليها من الغربة من أجل نفي الدسائس التي للنفس مع
الاستيطان والأهل والجيران ومنهم من قال إذا كان في الغربة
إصلاح ديني فلا أوحش الله من الأهل
والوطن وهمتي بالله وعزمي في إصلاح ديني
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
سأل
33
العـ
على
يع
٥٤٤
۱ سورة البينة من الاية ٥
1401
حديث أخذ المال بسخاوة النفس
عَن حَكيم بن حزام رضي الله عَنهُ قالَ سَأَلْتُ رَسولَ
الله فأعطاني ثمَّ ۱ صلى الله عليه وسلم
سألته فأعطاني ثُمَّ قال يا حكيم إنَّ هذا المالَ خَضِرة
حُلوة فمن أخذَهُ بِسخاوةِ نَفْسٍ بُورِكَ لهُ فيهِ وَمَن
أخذَهُ بإشرافِ نَفْس لَم يُبَارَك لهُ فيهِ وَكانَ
كالَّذِي يَأْكُلُ ولا يَشبَعُ وَاليَدُ العليا خَير منَ
اليد السُّفْلَى
ظاهر الحديث يدل على أن أخذ المال بسخاوة النفس فيه بركة
وأخذه بإشراف النفس فيه عدم بركة والكلام عليه من رجوه
منها الدلالة على سخاوته يؤخذ ذلك من تكرار طلب الطالب
عليه مراراً وفي كل مرة يعطيه ولم يقلقه ذلك
وفيه دليل على حب النفوس المالَ لما جبلت عليه بمقتضى
الحكمة الربانية يؤخذ ذلك من قوله إن هذا المال خَضِرَة
حُلوة وهذه كناية عن الشيء المستحسن المحبوب يؤيده قوله
تعالى زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِن
النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ
مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ
وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتعُ الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَالله KUNGLEANT GANGNANT ANNEL
وجاء عن عمر رضي الله عنه أنه قال اللهم إني لا أستطيع ألا
أحب ما زينته لنا فاجعلني ممن أخُذُه من وجهه وأنفقه فيما
يرضيك ٣ أو كما قال
1 حكيم بن حزام صحابي قرشي وهو ابن أخي خديجة أم المؤمنين
رضي الله عنها مولده بمكة في الكعبة شهد حرب الفجار وكان
صديقاً للنبي الهلال الاول قبل البعثة وبعدها وعُمر طويلا
وكان من سادات قريش في الجاهلية والإسلام عالماً بالنسب
أسلم يوم الفتح له في كتب الحديث ٤٠ حديثاً توفي في
المدينة سنة ٥٤هـ / ٦٧٤م سورة ال عمران الآية ١٤
۳ عزاء السيوطي في الدر المنثور ۱۰/ لابن أبي شيبة وعبد
الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم عن =
٥٤٥
م الأخذ وتكون فيه فوائد منها أجر الزهد ومنها راحة وفيه
دليل على أنه قد يقع الزهد النفس ومنها البركة في الرزق
فأما الزهد فبدليل قوله عليه السلام فمن أخذه بسخاوة نفس
وسخاوة النفس هو زهدها تقول سَخَت بكذا أي جادت به وسَخت
عن كذا أي لم تلتفت إليه وأما راحة النفس فقد قال عليه
السلام الزهد في الدنيا يُريح القلب والبدن وهذه أعظم راحة
للنفس وأما البركة في الرزق فلقوله عليه السلام بورك له
فيه ويترتب على ذلك من الفقه أن الزاهد يجتمع فيه خير
الدنيا والآخرة فأما خير الدنيا فما يحصل له من البركة في
الحطام الذي يطلبه الحريص ولا يصل إليه وراحة القلب والبدن
اللذين قد حرمهما صاحب الدنيا وهما حقيقة النعيم فيها وأما
الآخرة فما يتحصل له من ثواب الزهد هناك وقلة الحساب فإن
الزهد يحمله على إخراج الواجبات والتوقف في المتشابهات وهي
السعادة التامة والذي يطلب الدنيا يخسر الدنيا والآخرة
فأما خسارته الدنيا فتعب قلبه وبدنه لقوله والحرص فيها
يُتعِبُ القلبَ والبَدَن ٢ وهذه غاية في الشقاء والتعب
وخسارته ما أمل منها من زيادة حطامها لكونه تُرفَع له
البركة كما تقدم في قوله عليه السلام بإشراف نفس وهو الحرص
وهذا غاية في الحرمان لأنه تعب التعب الكلي وحرم ما أمله
ونجد ذلك في عالم الحس ترى طعام أهل الدنيا كثيراً في
العين وعند الأكل ما تجد الشبع منه إلا من شيء كثير والقوى
بالنسبة إلى ما أكلوا قليلة وطعام أهل التوفيق والزهد في
مرأى العين يسير ويأكل منه الجمع الكثير ويشبعون ويجدون
القوى الكثيرة بالنسبة إلى ما أكلوا ومع ما أهل الدنيا فيه
من التعب يتولد بينهم الحسد والضغائن والغيبة والشح بمنع
الحقوقِ أو بعضها أو تَوْفِيَتِها وعلى هذه الصفات مع
التسامح في المشكلات تترتب خسارة الآخرة مع العذاب والهوان
أعاذنا
الله منها بمنّه
وفيه دليل لفضل أهل الصوفة الذين بنوا طريقهم على الزهد
لأنه أول باب في السلوك ولذلك قال يُمْن بن رِزق رحمه الله
لا يثبت لك قدم في محجة الدين وفي قلبك خوف الفقر أو الغنى
وحب المنزلة والرياسة فذلك مفتاح فقر الأبد
أسلم قال رأيت عبد الله بن أرقم جاء إلى عمر بن الخطاب
بحلية انية وفضة فقال عمر اللهم إنك ذكرت هذا المال فقلت
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ حتى ختم الآية وقلت
لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا
بِمَا
اتكم وإنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زيّنت لنا اللهم
فاجعلنا ننفقه في حق وأعوذ بك من شره ۱ عزاه السيوطي في
الجامع الصغير للطبراني في الأوسط وابن عدي في الكامل
والبيهقي في الشعب وقال المنذري في الترغيب والترهيب
إسناده مقارب وانظر فيض القدير للمناوي ٧٣/٤
ضم السيوطي هذا الحديث إلى الحديث السابق وجعلهما واحداً
وعزاهما إلى المصادر المذكورة آنفاً ولفظه
والرغبة فيها تتعب القلب والبدن
۳ يمن بن رزق تقدمت ترجمته في الحديث الوجه الثاني
٥٤٦
وفيه دليل على جواز ضرب المثل فيما لا يمكن السامع أن
يعقله حتى يُعلم أنه يعقله من الأمثلة التي يغلب على الظن
أنه يعرفها يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام كالذي يأكل ولا
يشبع لأن الغالب من الناس ولا سيما في زماننا لا يعرفون
البركة إلا بالشيء الكثير فأراد أن يبين لهم بالمثال الذي
يعرفونه أن البركة هى خَلق من خَلق الله وليست كما يزعمون
وضرب لهم المثل بما يعرفه كل أحد وهو أنه لا يقصد أحد
الأكل إلا من أجل أن يشبعَ ويُزيل به الم الجوع فإذا أكل
الأكل الكثير ولم يشبع فكأنّ ما أكله من الطعام مخسور لأن
الفائدة التي من أجلها استعمل الطعام - وهي الشبَع - لم
يجدها
فكذلك المال ليس الفائدة في عينه وإنما يراد لما يتوّل به
من الفوائد فإذا كثر المال ولم يجد به من الفوائد ما
أرادها فكأن لا مال له حاضر وذلك موجود محسوس في أبناء
الدنيا والآخرة تجد أبناء الدنيا لا يقدرون أن يصلوا إلى
ضروراتهم إلا بالأموال الكثيرة فلما رأوا ذلك لم تكن همتهم
إلا في تكثير المال وغاب عنهم ما وراء ذلك وجاء أهل الآخرة
فبلغوا تلك الضرورات التي لم ينلها أهل الدنيا إلا
بالأموال الكثيرة بأقل الأشياء وربما كانت أحسن منها هذا
موجود كثير لمن تأمله ونظره
منه
وفيه دليل على أن تقعيد الأحكام لا يُقتَصَر فيها على ما
يفهمه المخاطب ليس إلا بل على ما يفهمه المخاطب وغيره ممن
هو دونه في الفهم حتى لا يكون فيها إشكال يؤخذ ذلك من قوله
للصحابي رضي الله عنه كالذي يأكل ولا يشبع لأنا بالضرورة
نعلم أن الصحابة رضي الله عنهم يعلمون أن البركة خَلْق من
خَلْقِ الله كما هو الشبع خَلْق من خَلْقِ الله لأنهم قد
رأوا ذلك مرارا ومن بعضهم مع بعض على ما هو منقول عنه عليه
السلام وعنهم ولكن ضرب ذلك المثال لمن يأتي بعد ليزول
الإشكال بتقعيد قاعدة شرعية لا تحتمل التأويل هذا البيان
التامّ الأمر كيف هو اليوم ممن ينسب إلى العلم في الغالب
فكيف بالغير فقد تنكرت الطرق وعاد الحق في كثير من الأمور
مشكوكاً فيه وبعضه مجحوداً للعوائد السوء التي كثرت ممن
لبّس على الناس أنهم علماء وصالحون فإنا لله وإنا إليه
راجعون ولذلك قال كيف بك يا حُذَيْفَة إذا تركت بدعةً
قالوا تَرَك سنّة فقال ما تأمرني إن أدركني ذلك الزمان قال
أقرِضُهم من عِرْضك ليوم فقرك ۱ معناه افعل ما هو الحق
والسنة ودعهم يقولون ما شاؤوا فإنك مأجور في كونهم يأخذون
من عرضك بغير حق شرعي
فانظر
مع
۱ رواه الخطيب وابن عساكر عن أبي الدرداء ورواه أبو نعيم
والطبراني وابن عساكر عن أبي أمامة وهو جزء من
حديث طويل وانظر منتخب كنز العمال ۳۹/۵ ومجمع الزوائد
٢٨٥/٧
٥٤٧
وقوله عليه السلام اليد العليا خير من اليد السفلى هنا
خلاف بين العلماء وأهل الصوفة فالعلماء يقولون اليد العليا
هي المعطية والسفلى هي الآخذة وأهل الطريق يقولون بالضد إن
الآخذة لأنها هي التي أعطتك بالشيء اليسير الثواب الكثير
واحدة بعشرة وبسبعين
العليا هي
وبسعمائة والسفلى هي المعطية لأنها هي المنتظرة للمجازاة
وهي مفتقرة إلى ذلك والذي يظهر لي - والله أعلم - أن الجمع
يقع بينهما بوجه آخر وهو حسن إذا تأملته لا يخلو أن يكون
المعطي هو الذي يطلبك لقبول معروفه أو أنت هو الذي تطلب
منه ذلك فإن كنت أنت الطالب له فيده عليك وهي العليا وقد
حصل منك ذل السؤال إليه وقد جاء أن الذل في السؤال ولو عن
الطريق والمنكر لهذا يَجْحَد الضرورة
وإن كان هو الذي يطلبك بمعروفه فقد كسر مائية وجهه إليك في
أمرٍ أنت فيه بالخيار وهو محتاج إليه إما لزوال واجب عليه
أو لخير يؤمله في دنياه أو اخرته فإنه لم يأتك بمعروفة
كرامة لك وإنما هو لأمر يقصده مما أشرنا إليه فقبولك أنت
إياه معروف وهو السائل فيه فالحاجة له ويده هي السفلى ويد
الآخذ هي العليا وقد قال عليّ رضي الله عنه من دعانا كان
الفضل له فإن أجبنا كان الفضل لنا وبساط الحال الذي نحن
بسبيله يشهد لذلك لأن سيدنا ل لا لا لا لو لم يقل ما قال
إلا لسائل له عليه السلام لَمَّا كرَّر سؤاله مراراً
۱ وفيه دليل لوجه رابع وهو أنه جعل الاثنين حَسَنَيْنِ
وأحدهما يفضل على صاحبه بزيادة يؤخذ ذلك من قوله خير لأنه
أدخلهما في باب أفضل وباب أفضل يشهد بالحسن أو الخير
للمذكورين غير أن أحدهما يكون - إن فعل - خيرا من غيره كما
نقول زيد خير من عمرو وما نفينا الخيرية عن عمرو بالأصالة
ولكن زيداً أرفع منه درجة فيها فكذلك هاتان اليدان كلتاهما
حسن لأنهما امتدتا إلى معروف وحصلت الفضيلة بينهما بمرجّح
ثان إما نظر بعين الفعل أو بعين المال أو بعين القصد أو
بمجموعها فمن أجل هذه التعليلات وقع الخلاف
وفيه دليل على إرشاد الشارع عليه السلام إلى الأعلى في
المقامات يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام اليد العليا خير من
اليد السفلى كأنه عليه السلام يقول كن ممن يده عليا ولا
تكن ممن يده سفلى إلا أن هذا في المقامات الدينيات لا في
الدنيا وحطامها
وفيه دليل على أن بيان العلل بعد قضاء الحاجة ليس بمخجل
ولا مفسد للمعروف يؤخذ ذلك من أن سيدنا ا ا ا ا ل لم يبين
للسائل ولا ضرب له المثل إلا بعد قضاء حاجته مرارا حتى تمت
أمنيته وحينئذ بين عليه السلام له العلل التي في السؤال
1 كذا وقد أورد قبل أكثر من ثلاثة
٥٤٨
وفيه من الفقه أنه بعد قضاء حاجته كان خاطره خالياً من
التشويش ومن التهمة للمتكلم وأرفع للخجل ويجتمع له قضاء
حاجته وفائدة أخرى وهي التعليم بما لم يكن يعلم وفيه دليل
على جواز سؤال أهل الفضل والدين وأهل المعاملة وليس فيه
مذلة يؤخذ ذلك من أن سيدنا ل لم يعرض له فى حق سؤاله إياه
بشيء إلا أنه قال له قاعدة كلية ولو كان في سؤاله شيء ما
كتمه عنه ولا كان أيضاً يعطيه شيئاً حين يبين له ما فيه من
الكراهية لأنه المشرع والبيان عند الحاجة إليه لا يجوز
تأخيره وكأن فحوى الكلام يقول له يا حكيم ليس الأخذ مني
الأخذ من غيري اليد العليا خير من اليد السفلى لأن يده هي
العليا على كل الحالات لأنها لا مماثل لها ولا يتناوله
عليه السلام التمثيل في الفضيلة وهذا بين لاخفاء فيه
ويخلفه بالميراث في المنزلة - وإن كان ليس مثله - مَن له
الخلافة بعده وكذلك من ناب عن الخليفة نائب بعد نائب وإن
بَعُد أعني إذا كانوا من أهل الفضل والدين
مثل
وفيه دليل على أن المطلوب منا المبالغة في النصيحة
والتعليم يؤخذ ذلك من أنه صلى الله عليه وسلم لم يقتنع
بالمثال الأول حتى أكده بالمثال الثاني لكونه فيه معنى
زائد وكلما زادت أدلة التحذير كان
أقوى في المنع
وفيه دليل على أن من أقوى الأسباب في حمل العلم بمقتضى
الحكمة الجِدَةُ ۱ يؤخذ ذلك من أنه لم يعلمه حتى أغناه
بتكرار العطاء ثلاثاً
وفيه دليل على جواز تكرار السؤال ثلاثاً والرابعة ممنوعة
يؤخذ ذلك من أنه في كل مرة من الأولى والثانية أعطاه عليه
السلام وسكت عنه وفي الثالثة أعطاه وأشغله بإلقاء العلم عن
إعادة السؤال لأن الصحابة رضي الله عنهم فيهم من الفهم
والذكاء لقوة إيمانهم ما يزجرهم في الإشارات أقل من هذا
وفيه حجة لأهل الطريق الذين يقولون بالزنبيل لأنهم يقولون
من شرطه ألا يخرج لشخص معين يقصده ولا يلح في سؤاله ولا
يحلف ۳ وإنما يسأل الله فإذا حملته المقادير إلى باب أو
شخص لا يتعداه لغيره ومن شرطه ألا يخرج إلا على حاجة
صادقاً لقوله الله لا بأس أن يشكو المؤمن حاجته لأخيه
المؤمن ٤ فإذا سأل ذلك الشخص الذي حملته القدرة إليه فإن
أعطاه
1 الجدة مصدر للفعل وجد يَجِد يقال وَجَد فلان أي صار ذا
مال وللفعل وجَدَ معان أخرى الزنبيل بفتح الزاي المشددة
وكسرها القفه ويراد به هنا الأخذ بالسبب والسعي للرزق ۳
ولا يحلف ولا يُقسم على من سأله ليعطيه
٤ لم أقف على مصدره
٥٤٩
فحسن وإن حرمه فحسن ثم يقصد ثانياً وثالثاً فإن حرمه
الثلاثة فلا يزيد عليهم شيئاً ويعلم أن المطلوب منه الصبر
والتسليم فيرجع إلى موضعه ولا يسأل غير من ذكر حتى يفتح
الله له أو
يفعل فيه ما شاء
فانظر اليوم هل ترى من الطرفين العلم والحال من هو على ما
يقتضيه طريقه مما استنبطه أهله الموفقون من الكتاب والسنة
كما أبديناه قبل وفي هذا الحديث طرف منه كلا والله تشعبت
الطرق وقل السالكون فإنا لله وإنا إليه راجعون
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
حديث كراهية كثرة السؤال
عَن عَبدِ الله بن عُمَرَ رَضي الله عنهما قالَ قالَ
رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما يَزال الرَّجل يسألُ ۱
النَّاسَ حتَّى يأتيَ يَومَ القيامَةِ لَيسَ فِي وَجْهِهِ
مِرْعَةٌ ٢ لحم
ظاهر الحديث يدل أن الذي يكثر من سؤال الناس يأتي يوم
القيامة وليس في وجهه لحم والكلام عليه من وجوه
منها هل هذا السؤال على العموم في علم أو طريق أو لا يكون
ذلك إلا في حطام الدنيا وإن كان في حطام الدنيا هل إذا ۳
كان محتاجاً أو غير محتاج وهل هذا خاص بالرجال دون النساء
أو ليس وهل هذه العقوبة لحكمة تعرف أو ليس وهل يدخل في ذلك
من تاب قبل موته أم لا فالجواب أما السؤال عن العلم فلا
يدخل في عموم ذلك بدليل مولانا جلّ جلاله نَسْتَلُوا
أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٤
وأما السؤال أيضاً عن الطريق فلا يدخل في عمومه لأنه من
إرشاد الضال وإرشاد الضال من المأمور به فلم يبق إلا أن
يكون في حطام الدنيا فإذا كان في حطامها فليس على عمومه
أيضاً لأن من المأمور به السؤال عند الحاجة لقوله عليه
السلام لا بأس للمؤمن أن يشكو حاله لأخيه المؤمن ٥ ومن أجل
ذلك اختلف العلماء في الذي يلحقه الجوع أيما أفضل له الصبر
حتى
1 يسأل في هذا السياق بمعنى يستجدي ويشحذ
المزعة القطعة وجمعها مزع
۳ كذا والصواب أفإذا
٤ سورة النحل من الآية ٤٣
٥ لم أقف على مصدره
100
5
12
يموت فيكون شهيداً لقوله عزّ وجلّ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ
رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۱ أو يكون مأثوماً لقوله
لا بأس للمؤمن أن يشكو حاله لأخيه المؤمن فإن لم يفعل حتى
يموت يكون ممن تسبّب في قتل نفسه فيأثم على قولين
وأما من تاب قبل موته فيرجى أنه لا يدخل تحت ذلك العموم
لقوله التوبة تَجُبُّ ما قبلها ٢ غير أنه يبقى هنا بحث
فالذي يكون مال بيده عند التوبة هل يتناول منه شيئاً أو
كيف
يفعل به أما بقاؤه بيده فلا يجوزه وكيف يجوز له إبقاء مال
حرام بيده بدليل قوله عليه السلام لا تَحِل الصدقة لغنيّ
ولا لِذي مِرَّةٍ سَوِيّ ۳ وأما ما يفعل به فإن كان مما
يعرف أصحابه فيرده إليهم وإن لم يعرف فيتصدق به
وأما هل هو خاص بالرجال دون النساء أو عام فالجواب أنه عام
بدليل أن النساء شقائق الرجال في جميع التكليفات وجرى
الإخبار عنهم دون النساء من طريق الأفضلية وأنهم تلقوا
الخطاب كقوله عزّ وجلّ يَأَيُّهَا الرُّسُلُ ٤ والمقصود هم
وأتباعهم
وهنا بحث وهو أن من فعله ولم يدم عليه لا يلحقه ذلك الوعيد
بدليل قوله ما يزال وهذه الصيغة تدل على الدوام
وفيه دليل على أن جميع الناس محتاجون إلى العلم يؤخذ ذلك
من أنه إذا كان أقل الناس - وهم السؤال الذين ليس لهم شيء
في الدنيا - يحاسبون على سؤالهم سواء أكان على ما أمروا به
أو تعدوا فما بالك بالغير
وفيه دليل على أن الجهل لا يُعذر به أحد فإنه إذا لم يعذر
السائلون - مع شدة مسكنتهم
بالجهل فيما يلزمهم من سؤالهم فكيف بغيرهم
وفيه دليل على أن العلم أفضل الأشياء إذ به يتخلص الرفيع
والوضيع إذا عمل به وفيه دليل على جواز سؤال غير المؤمن
يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام يسأل الناس و الناس لفظ عام
يدخل تحته المؤمن وغيره ومن أجل ذلك كان بعض السادة لا
يخرج من منزله إلا عند الضرورة فلا يأتي إلا إلى ذمّي فقيل
له في ذلك فقال إني لا أخرج إلا محتاجاً فإذا
۱ سورة الطور من الاية ٤٨
لم أقف على مصدره والمروي المعروف هو الإسلام يَجُبُّ ما
قبله
۳ رواه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً
ورواه النسائي من حديث أبي هريرة وهو حديث صحيح وذو مرّة
صاحب قوّة ونشاط
٥٥٢
٤ سورة المؤمنون من الآية ٥١
أتيت باب المسلم فأخاف أن يردني ويعود عليه من أجل ردي
بلاء لأنه مأمور بإحياء نفسي فلا أريد أن يلحقه مني أذى
والذمي ليس هو بي مكلفاً فإن واساني رجوت له الخير وإن
ردَّ لم يخف
أن يلحقه مني أذى له
بین
وفيه دليل على حمل السائلين على التصديق يؤخذ ذلك من أنه
لم يجعل لغيرهم فرقاً الصادق وغيره منهم ويذكر عن بعض
المباركين أنه مر يوماً فرأى شخصاً عُرياناً يسأل من
يكسوه الله فجرد ثوباً عنه وأعطاه وكان ذلك السائل معروفاً
عند بعض الناس أنه كان يعمل ذلك حيلة وربما تصرف بثمن ما
يأخذه فيما لا يصلح فلما انصرف ذلك السيد عنه أخبره شخص
أنه رأى ذلك السائل في موضع وليس عليه ذلك الثوب وأنه يمكن
أنه تصرف فيه على غير لسان العلم فتحرك ذلك السيّد لمقالة
القائل وسأله أن يحمله حتى يراه كيف حاله فلما بلغ إليه
وراه على تلك الحالة التي وُصف بها سأله ما فعلت في الثوب
الذي أعطيتك وكان ثوباً نفيساً يساوي شيئاً كثيراً فجاوبه
بأن قال له اطلب ثوبك ممن أعطيته واتركني مع من عصيته فقال
صدقت
وتركه وانصرف إذا كنت في معروفك صادقاً مخلصاً فكن في فضل
من عاملته مصدقاً مخلصاً وأما قولنا هل تعرف ما الحكمة في
كونه يأتي يوم القيامة ولا مزعة لحم في وجهه والمزعة الشيء
اليسير فمعناه أنه ليس يكون في وجهه من الحُسْن شيء ولأن
حُسْن الوجه هو بما فيه من اللحم ولذلك فإن السِّمَن يَزيد
الوجه حسناً وذلك لأنه لما أذهب في الدنيا مائية وجهه وهي
ما في الوجوه من الحياء الموجب لترك المسألة - فلما أزاله
لغير ضرورة أذهب حسنه الحسي والآخرة أمورها في الآخرة لأن
حسن الحياء الذي في الوجه هو معنوي وحسن اللحم حسي حسية
مشاهدة غالباً لأن الحكمة اقتضت أن كل ذنب في الدنيا
لصاحبه علامة يعرف بها في الآخرة وتكون دالة على ذنبه
فيجتمع عليه أمران عقاب وتوبيخ من أجل شهرته على جميع
العالمين كما جاء أن شاهد الزور يبعث مُولعاً ۱ لسانه بنار
واكل الربا مثل البخت ۳ يتخبط مثل السكران وأكل أموال
اليتامى يقوم من قبره وألسنة النار تخرج من منافسه
۱ مُولَعاً في هذا السياق تعني محبوساً فلسان شاهد الزور
تلفه النار وكأنه محبوس بها والعبارة الواردة في النص أن
شاهد الزور يبعث الخ لم يتيسر الوقوف على مصدرها
البخت نوع من الإبل خراسانية وكأنه يعني أ خلقه غير سوي
كسائر المخلوقات وحديث الإسراء الذي رواه الإمام أحمد عن
أبي هريرة والذي أوله رأيت ليلة أسري بي والحديث الذي رواه
البيهقي في الدلائل عن أبي سعيد والذي أوله لما عرج به إلى
السماء فيهما تشبيه بطون أكلة الربا بالبيوت العظام
المائلة ج منفس وهو مكان النَّفَس وعبارة المؤلف وألسنة
النار تخرج من الإسراء الذي رواه البيهقي عن أبي سعيد رضي
الله عنه وفي تفسير ابن كثير لقوله تعالى الَّذِينَ
يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا وفي كتاب
الكبائر للذهبي زيادة إيضاح وشرح لهذا الموضوع
۳ منافسه
منافسه قطعة من حديث
٥٥٣
وتعداد ذلك كثير بحسب ما أخبر به الصادق عليه السلام فتكون
فائدة الإخبار بهذا وأمثاله التحرز من ذلك الخزي العظيم
والعذاب الأليم أعاذنا الله من الجميع بمنه وفضله لا رب
سواه
وقال حَسنُ لنفسك العقبى إن كنت بصيراً واحذَرْ خِزْيَ يوم
كان وجهه عبوساً قمطريراً بتقوى مَوْلى لم يزل عليك
منعِماً شكوراً
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
تسليماً
٥٥٤
-Y-
حديث قران الحج بالعمرة
عَن عُمر رضي الله عَنهُ يَقولُ سَمِعتُ النَّبِيَّ بوادِي
العَقيقِ۱ يَقولُ أتاني الليلة آتٍ مِن رَبِّي فَقالَ
صَلِّ في هَذا الوَادي المُبارَكَ وَقُل عُمرَةٌ في
حَجَّةٍ
آخر
*
ظاهر الحديث فيه بحث وهو هل يحمل على ما يقتضيه لفظه أو
المعنى فيه على وجه
فمن قواعد الشريعة تعرف أن في ها هنا ليست على حقيقتها
وإنما هي بدل عن غيرها وهذا في كلام العرب كثير لأنه قد
تقرر من قواعد الشرع أن العمرة لا تُردَف على الحج وأن
الحج هو الذي يُردَف على العمرة
وسبب الأمر من مولانا جلّ جلاله في هذا الوادي المبارك
لسيدنا أن يصلي فيه وهو عليه السلام قد كان أحرم عند خروجه
من المدينة بالحج مفرداً وذلك أنه كانت الجاهلية قبل
الإسلام يقولون إن من أفجَرِ الفجور العمرة في أشهر المج
وكانوا يقولون إذا عفا الوَبَر وَبرَأ الدَّبَر ودخل صَفَر
حلّت العمرة لمن اعتمر عفا الوبر كثر وبر الإبل الذي حلق
بالرحال وفي رواية عفا الأثر أي اندرس أثر الإبل وغيرها في
سيرها ويحتمل أثر الوبر المذكور جرح في ظهر الإبل من أثر
السفر وصَفَر هو الشهر الذي يلي المحرَّم وكانوا يسمون
المحرَّم صَفَراً فأمر الله نبيه عليه السلام أن ينسخ فعل
الجاهلية بأن يُحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفسخ بذلك
الإحرام إحرامه المتقدم بالحج المفرد ويكون ذلك حكماً
خاصاً بذلك
والدبر
۱ وادي العقيق هو الوادي المبارك ويقع ببطن وادي ذي
الحليفة وهو الأقرب منها وهو مهل أهل العراق من ذات عزق
يقع غربي المدينة المنورة ويشقه طريق مكة ويكاد عمران
المدينة يتصل بمداخله والطرق إليه منها باب العنبرية
الطريق شمالي قبة الخضر المدرّج العقيق انظر بين التاريخ
والآثار لعبد القدوس
الأنصاري ص ٧٦
٥٥٥
الوقت لأنه لم يأت نص في الأحاديث أن العمرة يجوز إدخالها
على الحج فتكون في ههنا على
هذا الوجه معناها عُمْرة بدل حَجة
هذا على القول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم
مفرداً وهو حديث عائشة ۱
رضي الله عنها لأن
العلماء اختلفوا في حجه وإحرامه صلى الله عليه وسلم
اختلافاً كثيراً والأحاديث في ذلك أيضاً مختلفة وهو
موجب الخلاف
الله
قطعي فيه
وعلى القول بأنه عليه السلام أحرم أولاً بعمرة فيكون قوله
هنا عُمرَة في حَجّة من المقلوب ويكون معنى الكلام حَجَّة
في عُمرة وقلب اللفظ عن حقيقته بغير وجه إشكال والأول الذي
هو بدل الحروف أولى لأنه معروف في كلام العرب ومن فصيحه
وأما على وجه من قال إنه الا الله و أحرم قارِنا فيكون
الأمر هنا زيادة تأكيد في شأن ما أراد سبحانه أن ينسخ من
فعل الجاهلية لأن يكون ذلك بالسنة أولاً وتثبيتاً بالحكم
الإلهي ثانياً ونذكر الآن إشارة إلى ما هو الأظهر من
إحرامه لا لا لا لهم من أجل الاختلاف الواقع في ذلك وذلك
أنه لما اختلفت الأحاديث من أين كان إحرامه الله هل من
المسجد أو حين استوى على راحلته أو حين توسط البيداء سئل
ابن عباس رضي الله عنهما عن سبب هذا الخلاف فقال أنا
أخبركم كنت معه في المسجد فصلى ثم أحرم إثر الصلاة وهي
نافلة فلبّى فمن كان هناك روى ما سمع ثم خرجتُ معه حتى ركب
فلما استوى على راحلته لبّي فمن كان هناك روى ما سمع ثم
سار وسرت معه حتى توسط البيداء والناس أمامه مدّ البصر
وخلفه ويمينه وشماله
كذلك وهلل ولبّي فمن كان هناك روى ما سمع
وأما الذي جاء في اختلاف إحرامه عليه السلام هل كان مفرداً
أو قارناً أو بعمرة وكيف
الجمع فذلك أن عائشة رضي الله عنها قالت خرجنا مع رسول
الله عام حجة الوداع
فمنا من أهَلَّ بعمرة ومنا من أهَلَّ بحج وعمرة ومنا من
أهَلّ بالحج وأَهَلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج
۱ حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم مفرداً
رواه مسلم رقم ۱۱۱ في الحج - باب بيان وجوه الإحرام أداء
فريضة الحج يمكن أن يتم على ثلاثة أشكال ۱ حج إفراد وهو
أداء مناسك الحج من غير أداء عمرة في وقت الحج وهو شوال
وذو القعدة وعشر ذي
الحجة
حج تمتع وهو الجمع بين أفعال العمرة والحج في أشهر الحج في
سنة واحدة بإحرامين بتقديم أفعال العمرة من غير أن يُلمَّ
بأهله إلماماً صحيحاً
۳ حج قران وهو الجمع بين العمرة والحج بإحرام واحد في
سَفْرة واحدة ۳ رواه الإمام أحمد في المسند وأبو داود في
السنن وصححه الحاكم في المستدرك وأقره الذهبي وفي رواية
المؤلف ابن أبي جمرة رحمه الله زيادة بعض الألفاظ وهي غير
واردة في الكتب الانفة الذكر
٥٥٦
فأما من أهل بعمرة فحَلَّ وأما من أهل بالحج أو جمع بين
الحج والعمرة فلم يخلل حتى كان
يوم النحر
وقول سعد في الموطأ للضحاك بئس ما قلت يا ابن أخي قد صنعها
رسول الله
وصنعناها
٣ أنحر
معه
يعني العمرة في حجة الوداع وقول حفصة لرسول الله صلى الله
عليه وسلم ما شأن الناس
حَلوا ولم تَحْلِلْ أنت من عمرتك فقال إني لَبَّدْتُ رأسي
وقلدتُ هَذيي فلا أحِلّ حتى وروي عن أنس بن مالك رضي الله
عنه أن رسول الله ل قرن وأنه سمعه يقول لبيك اللهم
لبَّيْكَ بحَجَّة وعُمرَة معا ٤
واختلف الناس في كيفية الجمع بينهما فمن أحسن ما قيل في
ذلك أنه عليه السلام أحرم أولاً مفرداً بالحج فمن سمع ذلك
أخبر بما سمع ثم فسخه في العمرة حين أمره الحق جلّ جلاله
كما تقدم فمن سمع إهلاله عليه السلام بالعمرة مفرَدَة روى
ما سمع ثم إنه عليه السلام لما قدم مكة قبل أن يطوف بالبيت
أردف الحج على العمرة فمن سمعه يلبي بهما حدث بما سمع
فَصَدَق أن يقال مفرداً وأن يقال متمتعاً وأن يقال قارنا
والكل حق ولا تناقض بينها وإنما كان يكون التناقض أن لو
كانت الأحاديث كلها عن يوم واحد في ساعة واحدة وهذا لم
يوجد فلا تعارض عند التحقيق والحمد الله وَلَوْ كَانَ مِنْ
عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافًا ﴿
كثِيرًا ٥ فهذا ما أمكن الكلام فيه على قوله في حجة على
التقريب والاختصار وفيه دليل على أن الله عزّ وجلّ يفضل ما
يشاء من خلقه جماداً أو غيره فضلاً منه تعالى يؤخذ ذلك مما
قيل له عليه السلام في هذا الوادي المبارك فسمي بالبركة
وفيه دليل على أن المقصود منا في الأمكنة والأزمنة
المباركة التعبد يؤخذ ذلك من قوله صل في هذا الوادي
المبارك فمن أجل بركته أمرنا بالصلاة فيه كما قال تعالى في
الأشهر الحرم فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَ فنهى عن
الظلم فيها لكون الإثم عليه إذ ذاك أكثر مما لو كان في
غيرها والأمر بالشيء نهي عن ضده والنهي عن الشيء أمر بضده
فلما نهى عن ترك الظلم
فيها يلزم فعل الطاعة أو يندب فيها
1 رواه البخاري ومسلم كما في جامع الأصول ١٤٤/٣ و ١٤٥ و
١٤٦ رواه الإمام مالك في الموطأ والنسائي ۱۵/۵ والترمذي
رقم ۸۳ ۳ رواه البخاري في الحج باب التمتع والقران
والإفراد ومسلم رقم ۱۹ عن السيدة حفصة رضي الله عنها 4
رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه
عن أنس رضي الله عنه
0
سورة النساء من الاية ۸ ٦ سورة التوبة من الآية ٣٦
٥٥٧
وفيه دليل على تفضيل بني ادم على غيرهم من المخلوقات يؤخذ
ذلك من أن ما فضل من البقع والأزمنة إنما هي من أجل بني
آدم لكونهم أمروا فيها بالتعبدات وضعف لهم الثواب يدل على
ذلك قوله تعالى وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ
وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَآيَتٍ لِقَوْمٍ
ون ۱ فكانت الفائدة لنا ورحمة بنا
وفيه دليل على جواز الإخبار بأمر الأمر ولا يلزم ذكر
الواسطة يؤخذ ذلك من قوله عليه
السلام أتاني الليلة اتٍ من ربي ولم يذكر من كان الآتي هل
جبريل عليه السلام أو غيره وفيه دليل على تأكيد الركوع قبل
الإحرام يؤخذ ذلك من قوله صَلّ في هذا الوادي المبارك وقل
عمرة في حجة فلم يؤمر عليه السلام بالإحرام إلا بعد الركوع
وإن كان سيدنا قد سَنها قبل فجاء الأمر هنا تأكيداً لما
كان هو ا سَنه وعلى القول - وهو الأظهر - إنه عليه السلام
أحرم أولاً مفرداً يجوز فَسخُ الحج في العمرة إذا كان هناك
عذر يوجب ذلك يؤخذ ذلك من فسخه عليه السلام الحج في العمرة
للعذر الذي قدمنا ذكره
ومنه - والله أعلم - أجاز العلماء لمن فاته الوقوف بعرفة
إن شاء أن يفسخ إحرامه في عمرة فعل
لأنه عذر يوجب له الخيار بما ذكرنا أو يبقى على إحرامه إلى
قابل وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه
وسلّم تسليماً
الفل
۱ سورة الجاثية من الآية ۱۳
يقصد بـ الركوع الصلاة النافلة قبل الإحرام من إطلاق الجزء
على الكل
لا
الا
فل
أنا
-۷۸-
حديث الإنابة في الحج
عَن عَبدِ الله بن عبّاس رضي الله عَنهُما أنَّ امرأةً
قالت يا رَسولَ الله إِنَّ فَريضةً الله علَى عِبادِهِ في
الحج أدركت أبي شَيخاً كبيراً لا يَثْبُتُ على الرَّاحِلة
أفَأَحُجُ عَنهُ قَالَ نَعم وَذلِكَ في حَجَّةِ الوداع
ظاهره يدل على جواز النيابة في الحج والكلام عليه من وجوه
منها هل هو مطلق في الفرض والنافلة كما يروى عن الشافعي
رحمه الله أو في النفل لا غير
أما على ما ذكرته عن أبيها لأنه لا يقدر أن يثبت على
الراحلة فالحج ليس بفرض عليه لأن الله عزّ وجلّ يقول مَنِ
اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۱ وهذا عادم للاستطاعة فلا
وجوب عليه ﴿ ويكون ما فعلته عنه من الحج تطوّعاً فإذا
بمقتضى الحديث تجوز النيابة في الحج في النافلة ولا تجوز
في الفرض
وهنا بحث وهو هل يحمل ذلك الحكم - أعني النيابة - في جميع
التطوعات البدنية أم لا الجمهور على أن لا وما أجاز
النيابة في الحج - على خلاف بينهم ممن أجازها هل مطلقاً في
الفرض والنفل أو في النفل لا غير - إلا من أجل هذا الحديث
ومن أجل أن معظم ما فيه إنفاق المالية وجعل البدن تابعاً
لها لأن النيابة في المالية جائزة وفي الفرض بلا خلاف وأما
البدنيات فلا إلا خلاف شاذ جاء فيمن مات وعليه صوم واجب هل
يصوم عنه وليّه أم لا فالجمهور على أن لا يصام عنه وجاء
حديث يصوم عنه وليّه فعمل على ذلك بعض العلماء ولم يصح عند
الجمهور العمل به
۱ سورة ال عمران من الآية ۹۷
روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله الله قال
من مات وعليه صيام صام عنه وليه
۵۵۹
وفيه دليل على جواز النيابة في العلم يؤخذ ذلك من سؤال هذه
عمّا يلزم أباها وفيه دليل على جواز نيابة المرأة في العلم
يؤخذ ذلك من أن النبي لما سألته هذه أجابها ولم ينكر عليها
وفيه دليل على جواز كلام المرأة والأجانب يسمعونها وإن كان
كلامها عورة لا يجوز أن يسمعه أجنبي لكن عند الضرورة جائز
يؤخذ ذلك من كون ابن عبّاس روى كلامها وأنه وهو أجنبي منها
لكن من أجل الضرورة لكونه مع النبي وهذه قد سألته فسمع
كلامها ويؤخذ منه جواز الجلوس مع الحكام والفقهاء المفتين
وإن كان الناس تأتيهم رجالاً ونساءً يؤخذ ذلك من كون ابن
عباس كان مع النبي حين سألته هذه وهو المروي عنه عليه
السلام في الأحاديث لأنه لم يكن قط يجلس إلا ويجلس معه
الصحابة رضي الله عنهم ومن أجل ذلك تقررت الأحكام ولو لم
يكن ذلك جائزاً وكان يكون من الخاص به لكونه يقرر الأحكام
وتنقل عنه لكان يذكر ذلك ويبينه
وفيه دليل على تصحيح قاعدة الأبوة بخلاف ما يقوله بعض أهل
التفقه لأنهم يقولون محتملة وإطلاقهم هذه الصيغة على هذه
الصفة غلط والبحث فيه أن نقول لا يخلو أن نرجع في ذلك إلى
مجرد العقل ولا نلاحظ في ذلك أمر الشرع أو نرجع إلى
مجموعهما فإن قال القائل أقول بمجرد العقل عند البحث
ليتقرر حكم العقل في ذلك على أسلوبه فإن وافق الشرع فحسن
وإلا قلنا هذا بحث العقل ورجعنا في الأحكام إلى الشرع فإنا
به مأمورون
فنقول لا يخلو أن نقول عن الأبوة محتملة بحسب بلوغ الأمر
إلى علمنا أو بحسب وقوعها في الوجود فإن قلتم بحسب وصوله
إلى علمنا فلا فرق بين الأبوة والأمومة لأن الأمومة كذلك
أيضاً إما أن تكون بعلم قطعي أو بحسب وقوعها في الوجود
فالعلم القطعي مثل أن يُرى خارجاً من رَحِم أمه فهذا هو
العلم القطعي وهو معدوم في الأبوة أعني القطع بالمعاينة
وأما الأسباب فتشترك الأبوة مع الأمومة في ذلك لأن الأمومة
إما أن تكون بدعوى أو بشهادة والأبوة تشاركها فيهما وهذا
هو الغالب من الناس لأنهم لا يعرفون أبوتهم وأمومتهم إلا
من طريق الدعوى أو الشهادة فلم يبق في ذلك إلا الرجوع إلى
الأمر المنقول منها عن طريق إخبار الصادق عليه السلام من
نفيها أو صحتها
فما جاء من طريق الصادق عليه السلام نفيها مثل ابن نوح
عليه السلام على خلاف فيه
۱ كلام المرأة ليس بعورة ويجوز للأجنبي أن يسمعه إلا إن
كان هناك فتنة نص عليه النووي في أكثر من موضع من شرح مسلم
٥٦٠
به
ن
ـذه
أن
حين
تقوله عزّ وجلّ ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۱ فضاء عنه
وذكر عن بعض العلماء أنه كان ملتقطاً عليه لأن زوجة نبي
بالإجماع أنها ما بغت قط لا مخالف في هذا ومثله قول سيدنا
محمد الله سأله السائل مَن أبي فقال أبوك حذافة ٣ ونسبه
إلى أبيه وأما ما ثبت فمثل أولاد يعقوب عليه السلام فقد
ثبتوا بنص القرآن وكذلك أولاد إبراهيم عليه السلام وأولاد
سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم
علي رضي
ومثل أبيه و و و و و و و و و و ل لقوله عليه السلام أنا
النبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطّلب ٤ وقوله عليه أنا ابن
الذبيحين٥ وقوله عليه السلام حين كتب العهد بينه وبين أهل
مكة فكتب السلام الله عنه محمد رسول الله قالوا لو علمنا
أنه رسول الله لا تبعناه فكتب محمّد بن وقوله عليه السلام
للسائل إن أبي وأباك في النار ۷ وقوله عليه السلام أستأذنت
في أن أزور قبر أمي فأذن لي واستأذنته أن أزور أبي فمنعني
۸ وقوله عليه السلام
عبد الله
۱ سورة هود من الآية ٤٦
رواه البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه وانظر في تفسير
قوله تعالى ﴿لا تسألوا عن أشياء ۳ رواه البخاري في المغازي
- باب قول الله تعالى ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ٤ قول
ضعيف ومدلول عبارة المؤلف يدل على ذلك
٥ يريد بالذبيحين اسماعيل بن إبراهيم وأباه عبد الله بن
عبد المطلب وقد وقع عليه نذر أبيه عبد المطلب أن يذبحه ثم
افتداه بمائة من الإبل جاء في الطبقات الكبرى لابن سعد
۸۸/۱ ما يلي لما رأى عبد المطلب قلة أعوانه في حفر زمزم
وإنما كان يحفر وحده وابنه الحارث هو بكره نذر لئن أكمل
الله له عشرة ذكور حتى يراهم أن يذبح أحدهم فلما تكاملوا
عشرة منهم الحارث والزبير وأبو طالب وعبد الله وحمزة وأبو
لهب والغيداق والمقوّم وضرار والعباس جمعهم ثم أخذهم بنذره
ودعاهم إلى الوفاء الله به فما اختلف عليه منهم أحد وقالوا
أوف بنذرك وافعل ما شئت فقال لِيَكتُب كل رجل منكم اسمه في
قدحه ففعلوا فدخل عبد المطلب في جوف الكعبة وقال للسادن
اضرب بقداحهم فضرب فخرج قدح عبد الله أوّلها وكان عبد
المطلب يحبه فأخذ بيده يقوده إلى المذبح ومعه المدية فبكت
بنات عبد المطلب وكن قياماً وقالت إحداهن لأبيها أعذر فيه
بأن تضرب في إبلك السوائم التي في الحَرَم فقال للسادن
اضرب عليه بالقِداح وعليَّ عشر من الإبل وكانت الدية يومئذ
عشرا من الإبل فضرب فخرج القدح على عبد الله فجعل يزيد
عشرا عشرا كل ذلك يخرج القدح على عبد الله حتى كملت المائة
فضرب بالقداح فخرج على الإبل فكبّر عبد المطلب والناس معه
واحتمل بنات عبد المطلب أخاهن عبد الله وقدم عبد المطلب
الإبل فنحرها بين الصَّفا والمَرْوَة والرواية أن أعرابياً
قال للنبي الا يا ابن الذبيحين انظر كشف الخفا ۱۹۹/۱ ٦
رواه الشيخان عن المسوّر وعليّ رضي الله عنهما ۷ رواه مسلم
وأبو داود وفي رسالة للسيوطي في نجاة الأبوين الشريفين أن
لفظه أبي الواردة في الحديث مُدْرَجَة من الراوي وله في
ذلك أدلة قوية ۸ لفظه استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن
لي واستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي رواه مسلم عن أبي هريرة
رضي الله عنه
٥٦١
للعباس يا عم ۱ ولأبي طالب يا عم ولصَفِيَّةَ حين أنزل
الله عزّ وجلّ ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأفريين ۳ يا صفية
عمة رسول الله فإن العمومة لا تثبت إلا بالأبوة الثابتة
فقد رجع قوله عليه السلام هنا التواتر لأنه قد قيل في أقل
التواتر إنه يثبت بأقل الجموع ومن أهل العلم من قال إنه
يحصل بخبر الواحد وهنا أكثر من أقل الجموع والأحاديث في
هذا كثيرة وطرقها مختلفة وأما التنزيل فقوله عزّ وجلّ
ولَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ نُسِكُمْ ﴾ ٤ أي أحسَبِكم
والحَسَب لا يثبت إلا بثبوت الأبوة وقال صلى الله عليه
وسلم إن الله اختار من أولاد آدم إبراهيم عليه السلام
واختار من ولد إبراهيم إسماعيل إلى أن قال عليه السلام
واختارني من بني هاشم ٥
أَنفُسِ
هذا من طريق بحث العقل ورأينا الشرع قد أثبت هاتين
القاعدتين الأمومة والأبوة وجعل الاحتمال الطارىء على
الأبوة الوصول إليه متعذر فإنه عليه السلام جعل في دعوى
الزنى أربعة شهود يَرَوْنه كالمِرْوَد في المُكحُلَة ٦
والتلاعن الذي هو مؤكَّد باللعنة والغضب للحرمة وقال الولد
للفراش وللعاهر الحَجَر وأكد سبحانه هذا بأن قسم المواريث
على هذه الأصول وقال عزّ وجلّ ءَابَاؤُكُمْ
وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ
نَفْعًا ۸ وقال عزّ وجلّ وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۹ وجعل السبب كحكم الأصل
المقطوع به لأنه إذا دخل الرجل بالمرأة
وجاءت منه أو من غيره بولد وادّعته منه أنه لازم له إلا أن
ينفيه باللعان بِشَرط مذكور في بابه فترجع الآن للجمع بين
العقل ومدلوله في هذه القاعدة هل وافق الشرعَ أم خالَفَه
فأما على البحث بحكم وصول العلم إلينا فاستوى فيها دليل
العقل والشرع من وجه أنه ما وصل إلينا العلم
۱ نداؤه - عليه السلام - عمّه العباس يا عَمْ رواه الترمذي
وابن ماجه عن أبي رافع كما رواه الإمام أحمد وأبو يعلى
والطبراني عن أم الفضل رضي الله عنها
نداؤه - عليه السلام - عمّه أبا طالب يا عمّ رواه الإمام
أحمد والترمذي
۳ سورة الشعراء الآية ٢١٤ ٤ سورة التوبة من الآية ۱۸
٥ رواه الطبراني في الأوسط والكبير عن عبد الله بن عمر
مرفوعاً ولفظه وخلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم الخ كما
أخرجه مسلم عن واثلة بن الأسقع أن النبي الا الله قال إن
الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة
الخ ٦ أخرجه مسلم في اللعان عن أبي هريرة رضي الله عنه في
حوار سعد بن عبادة مع النبي الا الله كما أخرجه أبو داود
في حديث ماعز الأسلمي واللفظ مختلف
۷ متفق عليه من حديث السيدة عائشة وأبي هريرة رضي الله
عنهما
۸ سورة النساء من الآية ۱۱
۹ سورة الحجرات من الآية ١٣
٥٦٢
بالأمومة والأبوة إلا بواسطة السبب وكذلك حكمنا بهما إلا
فيما ثبت خلافه وكذلك الشرع ما حكم بهما إلا بواسطة السبب
وهو عقد النكاح ووجوده فاستوى في ذلك العقل والنقل وأما
على البحث من كون ظهوره في الوجود فلا فائدة في ذلك الدليل
بدليل أن الشيء إذا وقع في الوجود ولم يحقق حقيقة كيفيَّته
على الوضع الذي وقع في الوجود إلا بواسطة فرجع الأمر إلى
الواسطة فدار البحث ورجع البحث الأول الذي عليه يقع الحكم
فيكون ما قعدوه توقعاً خيالياً والتوقع الخيالي لا يُبنى
عليه حكم لأن هذا - وإن عاينه أحد من الجنس - فهو نادر لا
يثبت النسب به إلا بوساطة ذلك المشاهد لذلك الأمر إن كان
ممن تقبل شهادته ولتعذر ذلك رجع فيه إلى قبول امرأتين
وشهادتهما لا تقبل في غير هذا ولا يحكم بهما إلا مع اليمين
فكيف نجعل قاعدة إذا تحققنا البحث فيها من طريق العقل
والنقل لا نصل إلا إلى احتمال الإمكان بالتحقيق يطرأ عليها
بالنسبة إلى علمنا ولذلك لم تُثبت الشريعةُ للمَسْبِيَة
نسباً مع ابنها وإن كانت حاملة له بدعواها ولا إلى أب
أيضاً إلا ببيان من خارج وساوت في ذلك بين الأبوة والأمومة
وغيرهما من القرابات ولا سبب يدل عليه مثل الأصل الذي قد
دل الشرع عليه بما ربط فيه من العادة والأسباب فالعقل
أيضاً قد ترجحت عنده الأسباب والأصل كما قدمناه فجعل
الاحتمال فيه على حد سواء هذا مشكل لا خفاء به
مسألة
ثم كيف يمكن عند من يفرق بين أن الاثنين أكثر من الواحد أن
يطرد القاعدة على ضعف الاحتمال فيها كما قدمنا في المسألة
وقد جاء فيها دلالة من القرآن أو من السنة أو إجماع الأمة
هذا حمق وجهل - إن حَسَّنا الظن - ما لم يكن في مسألة تختص
بسيدنا فإن كانت في مـ سيدنا صلى الله عليه وسلم فإنه من
شك في أبوته أو نبوته فإنه جمع على نفسه أمرين عظيمين
أحدهما الرد على الكتاب والسنة المتواترة كما ذكرنا أولاً
فوجب بأقل من هذا قتله إجماعاً إلا ما روي عن الشافعي وأبي
حنيفة قولاً ثانياً أنها ردة يجب قتله إلا أن يتوب ومثله
قول ضعيف عن مالك رحمه الله وليس بمشهور مذهبه ومشهور
مذهبه القتل ولا يستتاب
وهنا بحث وهو لا يخلو ما نقل من الإجماع أن يكون قبل ما
ذكر من الخلاف المتقدم عمن ذكر أو يكون الخلاف متقدماً على
الإجماع فإن كان الخلاف منهم قبل ثم رجعوا إلى الإجماع فلا
تأثير لذلك الخلاف وتحقق الإجماع وإن كان الخلاف منهم وقع
بعد الإجماع فلا يُعبأ به والذي نقل الإجماع في قتله جماعة
منهم صاحب الاستذكار وصاحب الكافي
۱ صاحب الاستذكار هو نفسه صاحب الكافي وهو ابن عبد البر
يوسف بن عمر عبد البر قُرْطبي مالكي توفي سنة ٤٦٣ واسم
كتابه كاملاً الاستذكار لمذاهب أئمة الأمصار وفيما تضمنه
الموطأ من المعاني والاثار والثاني الكافي في فروع
المالكية ١٥ مجلدا
٥٦٣
ε
۱ وابن سبوع وابن رشد ۳ وابن أبي زيد 4 وسَحْنون ٥ والليث
٦
^
رحمهم
والتَّلْمِسَانِي والقاضي عياض ٧ وابن العربي الله تعالى
وجماعة ممن يقرب من هؤلاء في الشهرة أنسيتهم في الوقت فإن
شاء الله أذكرهم فإن أنسيته فمن وقف على كتابي هذا أو ذكر
منهم أحداً فليلحقه وله الأجر لأن ذلك مساعدة في قاعدة
شرعية وكذلك نقل الكل أنه من قال لفظاً يدل على شيء من
التنقيص في حقه عليه السلام من أي وجه كان أو ازدرى به أو
شَانَه شَيْناً ما من أي المحتملات والوجوه كان أنه يقتل
له على البحث المتقدم
والذي أوجب القتل ولم يقل بتوبته اختلف هل هو حدّ الأدب أو
الكفر فالذي قال حَدّ الأدب فلا تنفع فيه التوبة لأنه حق
قد وجب وإذا وجب الحق فلا فائدة لتوبته والقائل بأنه كفر
قال هو كالزنديق يقتل ولا تقبل توبته والقولان عند مالك
رحمه الله ومن تبعه واختلفوا أيضاً هل يكون قتله كفراً أو
حَدًا قولان والأكثر منهم نقلوا الإجماع على أنه لا يعذر
في ذلك بجهل ولا سُكر ولا فلتة لسان ولا سهو ولا غفلة ولا
شيء من الأشياء والحكم في ذلك القتل عمن تقدم ذكرهم منهم
من نقل مذهب مالك رحمه الله ومشهوره وهو القتل ومنهم من
ذكر الإجماع في ذلك غير الخلاف عن الشافعي وأبي حنيفة
رحمهما الله وقد استُدِل على قتله بالكتاب والسنة فبالكتاب
قوله عزّ وجلّ قُلْ أَبِاللهِ وَءَايَيْهِ وَرَسُولِهِ
كُنتُم تَسْتَهْزِءُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم
بَعْدَ إِيمَنكُمْ ﴾ ٩ وأما السنة فقوله صلى الله عليه
وسلم من سَبَّ نبيًّا
۱ التلمساني أبو مدين شعيب بن الحسن المغربي الأنصاري
الأندلسي من أهل الحقيقة والشريعة أصله من الأندلس وإقامته
في فاس خافه سلطان فاس ووشى به علماء الظاهر وخوفوا
السلطان من انتشار أمره فبعث يطلبه فطمأن مريديه بأنه لن
يرى السلطان ولن يراه السلطان ومات في الطريق إليه سنة ٥٨٩
هـ له أخبار كثيرة عن كراماته من أقواله حسن الخلق معاشرة
كل إنسان بما يؤنسه و احذر من يدعي مع
يكذبه ظاهره
ابن سبوع لم نقف على ترجمته
الله حالاً
۳ ابن رشد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد أبو الوليد
مشهور باسم ابن رشد الحفيد توفي سنة ٥٩٥ هـ مؤلف بداية
المجتهد ونهاية المقتصد في الفقه المالكي
٤ ابن أبي زيد عبد الله بن أبي عبد الرحمن المالكي الفقيه
المفسّر له إعجاز القرآن ت ٣٨٦ هـ سحنون عبد السلام بن
سعيد فقيه مالكي أصله من حمص قاضي إفريقية اجتمع مع عبد
الرحمن
0
ابن القاسم واستفاد من اراء الإمام مالك التي ترد إلى ابن
القاسم توفي سنة ٢٤٠هـ ٦ الليث بن سعد إمام مصر في الفقه
والحديث ت ١٧٥ هـ
۷ القاضي عياض بن موسى أبو الفضل أندلسي الأصل محدث مفسّر
توفي في مراكش سنة ٥٤٤ هـ ۸ ابن العربي أبو بكر محمد
الأندلسي المالكي محدث فقيه أصولي مفسّر مؤرخ قاضي إشبيلية
له كتاب العواصم من القواصم وتفسير في ۸۰ مجلدا وكتاب
المسالك في شرح موطأ مالك ت ٥٤٣ هـ
۹ سورة التوبة من الايتين ٦٥ و ٦٦
٥٦٤
فاقتلوه ۱ وقيل في قتل ابن خَطَل إنما كان قتله من أجل
إذايته له ولا من أجل الكفر والآثار
في مثل هذا كثيرة
وأما الوجه الثاني فإن الشك في النسب نفي له ومن نفاه عليه
السلام من نسبه فقد وجب قتله ولا يمكن أن يدخل فيه الخلاف
كما دخل في الوجه قبله لأنه حد قد وجب فإن القذف حق تعين
فيه الحدّ بالإجماع ومنهم من نقل الإجماع فيمن قال إن من
سب النبي صلى الله عليه وسلم إنه لا شيء عليه إنه كافر
وكذلك الحكم فيمن سَبَّ أحداً من الرسل والأنبياء عليهم
السلام ثم نرجع إلى الحديث وأما ما احتجت به الشافعية من
أنه سمع شخصاً يقول لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ عن شُبْرُمَة فقال
له َأحَجَجْتَ عن نَفْسِك فقال لا قال حُجَّ عن نفسك ثم
حُجّ اللهم عن شُبُرُمَة ۳ فليس فيه دليل على أن الذي حجه
عن شبرمة كان فرضاً ولا أنه يكون مجزئاً عنه عن فرضه بل لو
قال عليه السلام أد فرضك ثم حُجَّ عن شبرمة لكان نصا كما
زعموا وأما قوله ثم حجّ عن شُبْرُمة معناه كما تطوعت عنه
بما هو في حقه تطوعاً فإذا وقع الاحتمال
سقط الدليل
te
وفيه دليل على أن السنة في التلبية تكون جهراً يؤخذ ذلك من
كون الرواة رووا صيغة لفظه عليه السلام جهراً وكذلك
الخلفاء بعده وبقيت السنة على ذلك إلى هَلُمَّ جَرَّا
والله أعلم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله
وصحبه وسلّم تسليماً
۱ رواه الطبراني في الأوسط والصغير وفي إسناده من هو متهم
بالكذب ولفظه من سب الأنبياء قتل ومن سب
أصحابي جُلِد انظر مجمع الزوائد ٦ / ٢٦٠
المعنى من أنكر نسب النبي وجَبَ قتله ۳ رواه كما في موارد
الظمآن والبيهقي في السنن الكبرى و شُبْرمَة بضم
الشين والراء صحابي
حديث ما يلبس المحرم في الحج
عَن عَبدِ الله بن عُمرَ رضي الله عَنهُما أنَّ رجُلاً قال
يا رَسولَ اللهِ مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الشَّيَابِ
قالَ رَسولُ الله لا يَلْبَسُ القُمُص ۱ ولا العَمائِمَ ٢
وَلا السَّراويلاتِ ۳ ولا البرانس ٤ ولا الخفاف ٥ إلا
أحَدٌ لا يَجدُ نَعْلَينِ فَلْيلبَس خُفَّينِ
وَلْيَقطَعهُما أسفَلَ مِنَ الكَعْبينِ ولا تلبسوا مِنَ
الشَّيَابِ شيئاً مَسَّهُ زَعفران أَوْ وَرْس
*
*
ظاهر الحديث يدل على منع تلك الثياب المذكورة في الحديث
ومنع الخفاف إذا جاوزت الكعبين ومنع المزعفر والمُوَرَّس
والكلام عليه من وجوه
منها هل المنع مقصور على ما ذكر في الحديث لا غير أم هو
تنبيه بالشيء على باقيه فالظاهر أنه ليس مقصوراً على ما
ذكر لأنه منع من الثياب المتقمّص بها القمص والسراويلات
والبرانس فهم من هذا على عادتهم في تعدي الأحكام من قوله
القُمُص جميع ما كان مما يشبهه من الأقبية ٦ والجباب ٧
والقباطي ۸ إذا كان مُحيطاً بالبدن من كل الجهات فيكون من
باب
۱ القُمُص جمع قميص هو الشِّعار تحت الدثار وله كُمّان
واسعان يهبطان إلى المعصم ويتدلى القميص إلى
منتصف الساقين
العمائم جمع عِمامة وهي ما يلف على الرأس
۳ السراويلات جمع سراويل وهي لباس يغطي السُّرَّة
والركبتين وما بينهما وهو فضفاض من أعلى وضيق من أسفل وقد
يصل إلى القدمين أو فوق ذلك
٤ البرانس جمع بزنس وهو كل ثوب رأسه منه دُرّاعة كان أوجبة
أو ممطراً ٥ الخفاف جمع خف وهو ما يلبس في الرّجل من جلد
رقيق
٦ الأقبية جمع قباء وهو ثوب يلبس فوق الثياب أو القميص
ويتمنطق عليه
۷ الجِباب جمع جبة وهي ثوب سابغ واسع الكمين مشقوق المقدم
يلبس فوق الثياب ۸ القباطي جمع قِبْطِيّة وهي ثياب من كتان
بيض رقاق كانت تنسج بمصر وهي منسوبة إلى القبط
٥٦٦
الآفاق منها ما تعرف
التنبيه بالبعض عن الكل إلا أنه بهذين الشرطين أن يكون
مَخِيطاً ملبوساً على هذه الصفة المذكورة ولو سمّي باي اسم
فإن الأسماء فى الثياب مختلفة في جميع ا باللغة ومنها
اصطلاحي بحسب ما جرت عادتهم في ذلك في الآفاق فأعطى بوصف
القمص المنع في كل ما وجدت فيه تلك الصفة واستعمل في تلك
العادة
فإن فَعَلَهُ لعذرٍ أو لغير عذر افتَدَى والفدية في ذلك ما
ذكره أهل الفقه في كتب الفروع ونص الله عزّ وجلّ عليه في
كتابه بقوله سبحانه فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ
أَوْ نُهِ ﴾ ۱ فإن كان مخيطاً ولم يلبسه على العادة
المعلومة فلا شيء عليه مثال ذلك أن يكون له قميص فيتغطى به
بالليل أو بالنهار يرميه على ظهره مثل الإحرام أو مثل
المئزر فلا شيء عليه لأنه لم يلبسه على ما جرت به العادة
في ذلك
ومنع عليه السلام بقوله السراويلات كل ما كان يشبه ذلك وهو
أن يكون يُلبَس من المُحرِم إلى أسفل إذا كان مخيطاً ودار
على الإليتين والفخذين وإن سمي بأي اسم أو كان على أي صفة
إذا كان مخيطاً فإن لم يُلبَس على ذلك الوجه الذي جرت به
العادة بأن يأخذ أحد السراويل ولا يدخل فيه ساقه ويشده على
وسطه مثل الإزرة فلا شيء عليه وإن كان مخيطاً لأنه لم
يلبسه على العادة المعروفة في ذلك
ومنع عليه السلام بقوله البرانس كل ما كان يشبه ذلك النوع
وهو أن يكون فيه بعض خياطة ويلبس بعد إدخاله في العنق وإن
كان بعضه مفتوحاً سمّي بأي نوع سُمّي مثل الغفاير ۳
والكباب ٤ والبَلْدَرَانات ٥ وما يشبه ذلك النوع إذا لبِسَ
على تلك الصفة فإذا أخذ أحد بُرنُساً ورماه على ظهره
طاقينِ غير مفتوح الجناحين أو شدّه على وسطه مثل الإزرة
فلا شيء عليه لأنه لم يلبسه على العادة الجارية في ذلك ومن
هنا اختلف مالك والشافعي رحمهما الله فيمن أخذ بُرْداً له
فخلّلها أو عقدها فقال مالك عليه الدم لأنه مثل المخيط
وقال الشافعي لا شيء عليه لأنه ليس مثل ما نص عليه في
المنع هذا تعليل قولهما وأما الذي جاء عنهما فالمنع عن
مالك والجواز عن الشافعي
6
۱ سورة البقرة من الآية ۱۹٦ الإزرة الإزار وهو قطعة من
النسيج تلتف به النساء العربيات عادة عندما يبرزن للجمهور
ويكون كذلك
للرجال
۳ الغفاير جمع غفارة وهي الخرقة تلبسها المرأة فتغطي رأسها
ما قبل منه وما دَبَر غير وسطه
٤ الكباب جمع كب وهو شبيه بالبرنس الذي يلبس فوق الثياب
٥ البلدرانات لباس أندلسي شبيه بالبرانس أو المعاطف
٥٦٧
واختلفا أيضاً في النسيان والعمد أي من فعل شيئاً مما فيه
الفداء ناسياً من هذه أو ما أشبهها من اللباس فأما مالك
فالعَمْد عنده في ذلك والنسيان سواء عليه الفدية فيه
والشافعي لا يوجبها في النسيان
ومنع بقوله ولا العمائم كل ما جعل في الرأس بخياطة كان أو
بغير خياطة لأنه إذا منعنا الذي ليس بمخيط - وهي العمامة -
فمن باب أولى المخيط ولذلك نص العلماء على أن إحرام الرجل
في وجهه ورأسه أي لا يغطيهما بشيء فتكون العمائم التنبيه
بها من باب الأعلى لأنه أعلى ما يُستر به الرأسُ عند العرب
العمائم ليست على أي وجه كان بخلاف البدن لأنه إذا غطى
رأسه ولو بخرقة أو بعضه لزمه الفداء لأنه منع كل ما كان
بغير خياطة كما قدمناه فهو منع كلي سُمّي الذي جُعِل على
الرأس بأي اسم كان أو جُعِل على أي شكل كان
ومنع عليه السلام بقوله ولا الخفاف إلا أحدٌ لا يجد
نَعلَينِ فَلْيَلْبس خفَّينِ ولْيَقْطَعْهما أسفل من
الكعبين منع الخفاف وما أشبهها إذا جاوزت الكعبين على أي
نوع كان سُمّي بأي اسم وأن المستحب في ذلك النعلان وهما
اللذان لا كعب لهما معطوفاً مثل القُرْق ۱ أعني
السَّرْمُوجَة ٢ وما يشابهها من أنواع
ومنع عليه السلام بقوله ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه
زعفران أو ورس جميع الطيب لأنه أقل رائحةً من الطيب قبل أن
يُصبغ به فإذا صُبغ به كانت رائحته أقل وأقل فهو من باب
التنبيه بالأدنى على الأعلى
فيتحصل من الفقه بالمدلولات التي ذكرنا أن الحاج ممنوع من
جميع الطيب والزينة والرفاهية والتنعم قلّ ذلك أو كثر إلا
ما أحكمته السنة في ذلك من لباس الثوب الذي يستر العورة
ويقي البدن من الأذى على ما هو منصوص في كتب الفروع
وهنا بحث وهو أن المتكلم يخاطب السائل بحسب ما يعلم أنه
يفهم عنه يؤخذ ذلك من جواب سيدنا الأعرابي بما ذكر في
الحديث فلولا أنه عليه السلام فهم عنه ما بيناه لم يقتنع
منه بما في الحديث حتى يبالغ له في البيان
ويترتب عليه من الفقه أنه لا يجوز أن يُنظر في حديثه ل هول
و ولا في كتاب الله عزّ وجلّ إلا بما يقتضيه اللسان العربي
لا غير ولذلك قال تعالى ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ
بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَرُونَ ﴾ ۳ أي يفهمون بما
تقتضيه اللغة العربية فيحصل لهم فهم ما أريد منهم فيتذكرون
عند ذلك
۱ القَرْق وهو عند الأندلسيين يشبه الصندل وتكون قاعدته من
الفلين
السَّرْموجة غطاء من لباد للساق يلبس فوق القرق أو الخف أو
هي الخف الواسع الذي يلبس فوق الخفّ ۳ سورة الدخان من
الآية ٥٨
٥٦٨
جها
تبها
نعنا
وام
لأنه
طى منع
ي
نبيه
هيه
33
يقي
لم
3 2 3 "y,
بما
أي
وفيه دليل على البحث في جزئيات الدين يؤخذ ذلك من سؤال
السائل سيدنا عن هذه الجزئيات فجاوبه عليه السلام عليها
وجوابه على ذلك يقتضي جوازه ۱ وفيه دليل على جواز السؤال
في الدين وإن كان الشخص ممن لا يحتاج إلى ذلك في الوقت
يؤخذ ذلك من سؤال هذا عما يلبسه المُحرِم وهو في الوقت ليس
بمُحرِم ومن هذا ذكر أن الشافعي بات عند بعض الأئمة
المعاصرين له - وكان ذلك الإمام الغالب عليه التعبد ـ وإن
كان ذلك حال الأئمة أجمعين رضي الله عنهم فبات ذلك العالم
قائماً يصلي والشافعي مضطجعاً فلما أصبح قالت امرأة العالم
هذا هو الشافعي الذي تثني عليه بنَّ أنت قائماً تصلي وهو
مضطجع لم يتحرك ليلته فذكر ذلك للشافعي فقال له إني جمعت
البارحة في فكري ثمانين مسألة مستنبطة بالدليل والبرهان
فقال ذلك السيد لامرأته هذا الذي عِبْتِه بالاضطجاع استنبط
البارحة ثمانين مسألة مسألة واحدة منها خير من عبادتي كلها
فانظر فضل جميعهم وتناصفهم واحترامهم للعلم رحمهم الله وهو
الحق إذا كان الله
وهنا بحث وهو هل هذه الصفات التي كُلِّف الحاج بها من ترك
المخيط وترك الطيب وترك الرفاهية هل الحكمة فيها معروفة أو
تعبد لا يعقل له معنى فإن قلنا تعبّد فلا بحث وإن قلنا إن
قواعد الشريعة تنبني على نظر الحكمة فيها وقد أرشد الكتاب
العزيز إليها ولولاه ما كانت ايات كثيرة إذا نظر فيها لم
توجد الحكمة فيها ظاهرة ما قبل ذلك وهو قوله تعالى فيه ايت
بينت فإذا لا يُخص هذا اللفظ بشيء من آياته دون شيء أو
بجعله في المحسوس مثل ما قاله بعض الناس من كونها لم يَرَ
بها مجذوماً وما في رمي الجمار من كونها تُرمى في كل عام
ولا يوجد لها أثر فهذه مما هي البعض وفيها تنبيه لمن ينظر
ويتفكر يجدها عديدة وكلُّ يأخذ من عموم هذه الآي بحسب ما
يُفتح له من الفهم فإن الحكمة عجيبة
فمما يظهر بتوفيق الله من الحكمة وجهان
أحدهما وهو كونهم يمشون لكشف ما بهم من الأوزار والأثقال
ومن يمشي إلى مثل هذا الحال فيكون مشيه متذللاً خارجاً عن
حظوظ النفس التي أوقعته في ارتكاب الذنوب لأنه جاء عنه لما
قال مولانا جل جلاله للملائكة إِنِّي جَاعِلٌ فِي
الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن
يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ
بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا
لَا تَعْلَمُونَ ﴾ ۳
333
1 أي البحث في الجزئيات سورة ال عمران من الآية ۹۷ سورة
البقرة من الاية ۳۰
09
غضب الله عزّ وجلّ عليهم فطافوا بالعرش أسبوعاً واستغفروا
وتابوا فتاب بفضله عليهم ثم قال لهم ابنوا في الأرض بيتاً
يطوف به المذنبون من بني ادم فأتوب عليهم كما تبت عليكم
وأغفر لهم كما غفرت لكم فبنوا البيت ۱ فمن يأتي بهذه الصفة
ينبغي من طريق الحكمة
التناسب بين الحال والمقصد
أما ترى لما كان الخروج إلى العيد إلى طلب رحمته عزّ وجلّ
عقب خروجهم من العبادة المتقدمة - وهي الصوم - كانت بالطيب
وحسن الثياب موافقة لحال الاستقامة والامتثال لما به
أُمروا ولما كان الخروج إلى الاستسقاء خروجاً إلى كشف ما
نزل من الضر كان الخروج على هيئة تضرع ومسكنة من أجل ما
ارتكبوا من الذنوب لأنه جاء أن العبيد إذا أذنبوا منع الله
عزّ وجلّ المطر من أجل ذنوبهم فخرجوا في مَسْكَنَة وقشَف
من الحال حتى يكون رفع الأيدي بظهورها
إلى السماء رَهَباً من أجل تناسب الحال فكذلك هنا بل يكون
هذا أعظم لأن الطلب فيه أعظم وفيه وجه آخر لما كان فيه
شَبَه بالمحشر لأن المحشر يجتمع فيه الناس في يوم واحد من
كل الأرض وكما أن المحشر هو مواقف كذلك هنا مواقيت للجمار
ومواقيت للمبيت بمنى وبالمزدلفة إلى غير ذلك كما أن الخروج
من هذه الدار ومفارقة الأهل والمال وليس له من ذلك كله إلا
قدر زاده إلى الآخرة من الكفن وما يتجهز به كذلك الحاج
مفارقته للأهل والوطن الذي قد جعل مقروناً بالموت لقوله
عزّ وجلّ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ
اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَرِكُم مَّا
فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ۳ وكذلك ليس له من ماله
إلا قدر زاده لسفره وهذا على الغالب من ﴾ عادات الناس
والغير يتركه كله
ε
وكما له بعد الموت مواقف دون القيامة وأهوال يخلص الله
منها من يشاء أو يُهلك فيها من يشاء كذلك طريق الحج ما فيه
من المكابدة وقد قال الله تعالى لَمْ تَكُونُواْ بَلِفِيهِ
إِلَّا بِشِقِّ الأَنفُسِ ٤ ومن الناس من يَهْلِك في طريق
الحج كما يهلك هناك غير أن بين الهلاكينِ فَرْقاً ما لأن
الهلاك هنا يذهب بالروح من الجسد وقد تكون فيه سعادته
وهناك بكثرة الأهوال وعدم التخلص منها فهو هلاك شقاوة
وخسران غير أنه هناك يقفون عراة وقد كانوا يقفون قبل
الإسلام عراة إلا أنه أحكمت السنة هنا نوعاً من اللباس من
أجل ستر العورة لأن ذلك الهول هناك يمنع أن
1 لم نقف على مصدره
القشف المذلة ۳ سورة النساء من الآية ٦٦
٤ سورة النحل من الآية ٧
۵۷۰
ليهم
یکم
حكمة
لعبادة
مروا
ضرع
عنهم
ورها
ـد من
یعنی کله
جعل
من
ف
شرقاً
عدم
ينظر أحد عورة أحد وليس هنا مانع من النظر فأمر بسترها
هناك لا طيب فيه لأحد وهنا مثله وهناك الأمر فيه والحكم
الله لا لغيره وذهبت الدعاوى كلها كذلك هنا فيها يرجى من
المغفرة لا حيلة في ذلك لأحد الكل مستسلمون ينتظرون ما
يحكم الله عزّ وجلّ فيهم وقد أخبر عن بعض المباركين أنه
لما أن حج وفرغ غلبت عيناه فنام فرأى كأن ملكين نزلا من
السماء فقال أحدهما للآخر كم حج بيت ربنا العام قال له
ستمائة ألف قال كم قبل منهم قال ستة فاستيقظ مذعوراً وقال
مَن لي حتى أكون واحداً من ستة ثم نام ثانياً فرأى الملكين
قد نزلا وأعادا السؤال الأول ثم الثالثة مثل ذلك فقال له
فما فعل ربنا في الباقين قال شَفّع كلَّ واحد منهم في مائة
ألف واستيقظ فرحان فجاء الشبه على هذه الحكاية مثل القيامة
ناج وضده
ومقبول وغير مقبول ومشفوع فيه وشافع لكن بإذنه وفضله وقد
يكون للمجموع ويترتب عليه من معرفة الحكمة أنه لا يُنال
الخطير من القُرَب إلا بالخطير من المجاهدات والتعبدات
لأنه لما كان هذا موطناً تغفر فيه الجرائم العظام كما جاء
عنه أنه لم يُرَ الشيطان أصغَرَ ولا أحقَرَ من يوم عَرَفة
لما يعاين من تجاوز الله عن الكبائر العظام يحثو التراب
على رأسه ويقول قوم قد فتنتهم منذ خمسين أو أربعين سنة ثم
غُفِر لهم في ساعة ۱ أو كما قال عليه السلام فالوصول إلى
هذا ليس بالهين بل بالجهد العظيم إلا من مَنّ الله عليه
بالتيسير من طريق الفضل
وفيه تنبيه على أن يتذكر به ذلك الموقف الذي يشبهه فيكون
سبباً لصدق اللجأ إلى المولى الكريم وكثرة الرغبة إليه
وإظهار الافتقار الذي به يرجى الخير كله لقوله تعالى أمَّن
يُجيب الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ٢ وهو سبحانه لا يُخلف
الميعاد
جعلنا الله ممن مَنّ عليه بفضله بلا محنة لا ربّ سواه وصلى
الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً
اعلام
أن
1 رواه الإمام مالك في الموطأ مرسلاً قال الزرقاني وصله
الحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء رضي الله عنه وأوله ما
رئي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أغيظ منه في
يوم عرفة الخ
سورة النمل من الآية ٦٢
۵۷۱
حديث جواز الشرب من السقاية
عن ابن عبّاس رضيَ الله عَنهُما أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم جاء إلى السقاية ۱ فاستقى فَقالَ العبّاسُ يا
فَضلُ اذْهَب إِلى أَمْكَ فَانتِ رَسولَ الله بِشرابِ مِن
عِندِها فَقال اسقني فقال يا رسول الله إنّهُم يَجعلون
أيديهم فيهِ قَالَ اسقِني فَشَرِبَ منهُ ثُمَّ أَتى زمزم
وهم يَسقُونَ ويَعمَلونَ فيها فقال اعملوا فإنَّكُم على
عمل صالح ثُمَّ قَالَ لَولا أن تُغلبوا لنزلتُ حتَّى أضعَ
الحَبل على هذِهِ يَعني عاتقه وَأشار إلى عاتِقِهِ
6
ظاهر الحديث يدل على طهارة الماء المستعمل وهو مذهب مالك
رحمه الله ويدل على طهارة المؤمنين ومدح أفعال البر للذين
يفعلونها فأما طهارة المؤمنين والماء فلكون النبي شرب من
السقاية بعد أن أخبر أن الناس يضعون فيها أيديهم وإن كان
وقوع النجاسة يتطرق بالاحتمال لبعضهم بعلمٍ منه أو بغير
علم فبين الله بشربه أن الممكن في هذا الموطن وما أشبهه من
المياه وما يمكن أن يكون قد خالطها من طريق الاحتمال لا
يُلتفت إليه وإنما يُعمَل على ما تحقق من ذلك وأن الأصل
البراءة فيعمل عليه وأن الماء طاهر في ذاته كما جاء في بئر
بضاعة ۳ الذي كان يُرمى فيه خرق الحيض وكان مستقذراً في
الظاهر فسئل عنه عليه السلام فقال خلق الله الماء طهوراً
لا ينجسه شيءٌ إلا ما غَيَّرَ طَعْمَه أو لونه ۳ فطرد
القاعدة وألزمها استصحاب
1 السقاية موضع السقي والإناء الذي يسقى به بئر بضاعة بضم
الباء وقد كسره بعضهم وهي دار بني ساعدة في المدينة
المنورة وبئرها معروفة وفي الخبر أن النبي أتى بئر بضاعة
فتوضأ من الدلو وردّها إلى البئر وبصق فيها وشرب من مائها
وكان إذا مرض المريض في أيامه يقول اغسلوني من ماء بضاعة
فيُغسَل فكأنما أنشط من عقال وقالت أسماء بنت
أبي بكر كنا نغسل المرضى من بئر بضاعة ثلاثة أيام
فيُعافَون بإذن الله انظر معجم البلدان ٤٤٣/١ ۳ لفظ الحديث
إن الماء طهور لا يُنجسه شيء أخرجه الإمام أحمد وأبو داود
والترمذي والنسائي عن أبي سعيد
رضي
الله عنه
۵۷
ن
الحكم وعلى هذا أجاز الفقهاء الوضوء من الجوابي التي على
الطرق والدواب تشرب منها ويخالطها ما في أنوفها من القذر
إلى غير ذلك مما في أيدي الناس وأرجلهم من الغبار واحتمال
النجاسة أن تكون حلّت فيه
الفقهاء
وفيه دليل على طلب شرب الماء وإن كان في الحَضَر وليس
كغيره وقد ذكر ذلك بعض
وفيه دليل على أن ما جُعِل في السبيل ولم يُسمَّ بصدقة أنه
حلال للغني والفقير وليس بصدقة ولا يتعيّن على أحد فيه منة
يؤخذ ذلك من أن النبي شراب او امن عمل هؤلاء أهل السقاية
وهم الكل خرجوا عنه الله فلو كان يجري مجرى الصدقة لما
شربه هو فإن الصدقة عليه حرام وكذلك لو كان فيه مكروه ما
فعله يؤخذ ذلك من كونه عليه السلام جاء بنفسه المكرمة إلى
السقاية فاستسقى
وفيه دليل على جواز جواب السائل بأعلى مما طلبه على ما
يراه المطلوب منه يؤخذ ذلك من
قول العباس بدلاً من أن يعطي قال للفضل اذهب إلى أمكَ
فَائتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب وفيه دليل على
جواز ذكر النساء بمحضر أهل الفضل وجمع الناس وليس في ذلك
مكروه يؤخذ ذلك من قوله اذهب إلى أمك بحضرة النبي الله ومن
معه ولم يعتب عليه النبي ل وما قال له في ذلك شيئاً وجرت
عادة بعض الناس اليوم إذا ذكروا النساء ذكروا بعد ذلك
حاشاك وجعلوها من الأدب بل هي من البدع
وفيه دليل على جواز تبريد الماء يؤخذ ذلك من قوله اذهب إلى
أمك فائت بشراب لأن ماء الحجاز إذا عَرب ۱ برد وطاب فلو لم
يكن جائزاً ما فعله العباس ولا سكت له النبي
حين سمعه
ويؤخذ منه أن الذي يقصد وجهاً ما في حاجته ليس عليه بيانها
يؤخذ ذلك من أن النبي لم يمنعه من قبول ما أمر العباس به
ابنه من إتيانه بالماء إلا ما قصد هو من تقعيد قاعدة شرعية
- كما قدمنا ذكرها - من طهارة الماء المستعمل وغيرها
وزيادة على ذلك رفع التكلف وهي الله عنها ما خُيّر رسول
الله صلى الله عليه وسلم بين أمرَينِ إلا اختار
طريقته عليه السلام لقول عائشة رضي
أيسرهما ما لم يكن إثما ٢
۱ عَرِب الماء صفا وكثر
عليه وهو جزء من حديث وتمامه فإن كان إثماً كان أبعد الناس
عنه وما انتقم رسول الله له لنفسه
في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم
۵۷۳
وفيه دليل لأهل الصوفة الذين يقولون بترك التكلف
وفيه دليل على أنه إذا اجتمع حظ النفس وأمرُ ما فى الدين -
ولو كان مندوباً - قدم الدين يؤخذ ذلك من أن شرب الماء
البارد فيه راحة للنفس والشرب من السقاية فيه من الفوائد
الدينية ما ذكرناه فآثر هو الله ما هو للدِّين على ما هو
للنفس وقد نص عليه السلام على ذلك فقال
أنتم في زمان يُبدون أعمالهم قبل أهوائهم وسيأتي زمان
يُبدون أهواءهم قبل أعمالهم 1 وما قلنا إنه من قصد مقصداً
في فعله لا يلزمه ذلك - بمقتضى ما قدمناه ـ هل يعارضنا
قوله عليه السلام حين صلى بوضوء واحد الظهر والعصر ولم تكن
عادته عليه السلام قبلُ إلا الله عنه فقال عليه السلام
عمداً فَعَلْتُه يا عمر الوضوء لكل صلاة فذكره عمرُ رضي
فالجواب عن الفرق بين المسألتين أن تلك كانت له عادة فذكره
عمر من أجل احتمال النسيان فحينئذ جاوبه عليه السلام لرفع
الإشكال وهنا لم تكن عادةً متقدمة يقع من أجلها إشكال ففعل
ولم يقل لعلمه أن فعله في التعليم أبلغ وأثبت
وفيه دليل على أن المرأة هي المتصرفة فيما في البيت يؤخذ
ذلك من قول العباس اذهب إلى أمك فلو لم يكن الحكم والتصرف
لها لقال له اذهب أنت إلى الموضع الفلاني أو إلى الشخص
الفلاني الذي يكون له التصرف ويؤخذ منه الندب إلى مشاركة
الأهل في المعروف يؤخذ ذلك من قوله لابنه اذهب إلى أمك
فائت رسول الله له بشراب لكي يخبرها فيحصل لها نية في
تحسين الشراب وتنظيف الإناء فيكون لها في ذلك أجر وسرور
وفيه من الأدب أن يُكنَى عن الشخص بأعلى أسمائه يؤخذ ذلك
من قوله ائت رسول الله
لأنه أعلى أسمائه عليه السلام ولم يقل ابن أخي ولا غير ذلك
وفيه دليل على أن الاختصار في الجواب والسؤال إذا فُهِم
المقصود هو الأولى يؤخذ
ذلك من قوله حين ذكر له أنهم يجعلون أيديهم فيه اسْقني ولم
يَزِد على ذلك شيئاً وفيه دليل على أن من السنة الانصراف
عند الفراغ من الشراب أو الأكل يؤخذ ذلك من قوله فشرب منه
ثم أتى زمزم أي تحوّل بعد شربه منه إلى أن مشى إلى زمزم
ومن المعروف إثباغ
1 لم نقف على مصدره هكذا وقد تقدم الكلام عنه في الحديث ١٤
فليراجع ونصه كما ورد إنكم أصبحتم في زمن كثير فقهاؤه قليل
قراؤه وخطباؤه قليل سائلوه كثيرٌ مُغطوه العمل فيه خيرٌ من
العلم وسيأتي على
الناس زمان قليل فقهاؤه كثيرٌ خطباؤه قليل معطوه كثيرٌ
سائلوه والعلم فيه خير من العمل هكذا قال الشارح رحمه الله
تعالى والذي في الصحيح أن النبى الله صلى الصلوات يوم
الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال عمر لقد صنعت اليوم
شيئاً لم تكن تصنعه فقال عليه السلام عمداً صنعته يا عمر
رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي
٥٧٤
المعروف بالمعروف لأنه عليه السلام مشى من هنا بعدما قعد
أحكاماً ـ كما ذكرنا - إلى موضع آخر وإن كان الحكم فيهما
سواء لأن هؤلاء يسقون فيكون مشيه عليه السلام لهؤلاء
الآخرين لإدخال السرور عليهم لأنه عليه السلام لو لم يمش
لهؤلاء لبقيت قلوبهم منكسرة وكان الناس أيضاً يفضلون
السقاية على زمزم يقولون النبي ما أتى السقاية ولم يأتِ
زمزم فجاء مشيه عليه السلام إلى هؤلاء معروفاً ثانياً
وقوله فقال اعملوا فإنكم على عمل صالح يؤخذ منه ندب العمل
لأهله إذا كانوا يعملونه كما قدمناه أولاً وفيه من الفائدة
أنه تنشيط للعامل على عمله وترغيب له فيه وقد قال عزّ وجلّ
وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالنَّقَوَىٰ ۱ بخلاف مدح
الشخص لقوله عليه السلام قطعتم ظهر الرجل لأن مدح ال قد
يحصل منه العُجب وهو سُمّ قاتل ومدح العمل ليس فيه ذلك بل
هو كما ذكرناه ترغيب فيه مثال ذلك إذا رأيت شخصاً يصوم
تَذكُر له ما جاء في الصوم أو يجاهد تذكر ما جاء في الجهاد
فذلك تقوية له على ما هو بسبيله وقوله على عمل صالح أي
تُثابون عليه لأن الأعمال الصالحات فائدتها ما يترتب
عليها من الثواب
وفيه جواز ترك العمل ما لم يكن فرضاً لما يترتب عليه من
منع توفيته أو مكروه يقع من أجله يؤخذ ذلك من قوله عليه
السلام لولا أن تُغلَبوا لَنزلتُ حتى أضعَ الحبل على هذه
فبيّن عليه السلام أنه ما منعه من الفعل إلا أنهم يُغلبون
عليه حتى لا يتركوه وقد يحصل لبعضهم من الازدحام عليه من
أجل ما يرغبون فيه أذى
وفيه دليل على طلب التبرك بالمباركين يؤخذ ذلك من أنهم لم
يكونوا يأخذون الحبل معه عليه السلام إلا أنهم يرغبون في
البركة التي تحصل لهم من اجتماعهم معه عليه السلام في
حَبْل واحد فإنه يرجى من الكريم إذا قبل عملَ من له عنده
حُرمة لا يترك ۳ من كان معه فيه مشاركاً كيف وقد قيل هُمُ
القومُ لا يَشقَى بهم جَليسُهم فهذا بالمجالسة فكيف
بالمشاركة
ويترتب على هذا بحث يَحُضّ على مخالطة أهل الفضل في كل
الأحوال رجاءَ الفضل من فضلهم لأنهم ما جُعِلوا إلا رحمة
فينبغي أن نغتنم تلك الرحمة من واهبها ولذلك فاق أهل
الصوفة الناسَ في هذا التحسين في ظن بعضهم ببعض
1 سورة المائدة من الآية ٢
رواه البخاري في الشهادات ومسلم في الزهد عن أبي موسى
٥٧٥
يريد ألا يترك
وقد دخلت قرية بالأندلس تسمى بَلْفِيق ۱ وكانت موطن الشيخ
المبارك أبي إسحاق
نفع الله به وبأمثاله فلا تمشي فيها تسأل أحداً منهم عن
أحد أين هو إلا أن يكون جوابه عن ذلك الشخص سيدي فلان نفع
الله به في الموضع الفلاني هذا في غيبة الشخص وأما بحضرته
فلا يزيد أحد منهم لأحد على السلام الشرعي شيئا وإن ناداه
باسمه لا يزيد عليه شيئاً هكذا رأيتهم
مدة ما كنت معهم لم يتغيروا عنه وفيه دليل على الكلام
بالإشارة وليس من العِي يؤخذ ذلك من قوله على هذه وأشار
إلى عاتقه
وفيه دليل على أن إشارة ذي الفضل ليس فيها اعتراض عليهم
ولا تنقص بهم ولا خلل في منزلتهم يؤخذ ذلك من إشارته عليه
السلام إلى عاتقه وفيه دليل على أن الحكم للمعاني لا لظاهر
الألفاظ يؤخذ ذلك من أن إشارته عليه
السلام إنما باشر بظاهرها الثوب الذي على العاتق والمعني
بها العاتق الذي تحته وفيه دليل لأهل الإشارات وأن الإبلاغ
فيها فيما خفي ودَقَّ يؤخذ ذلك من فعله عليه السلام ما
تقدم ذكره من الإشارة إلى العاتق والمقصود تلك النفس
المباركة
وهنا بحث وهو لم قال لأهل زمزم اعملوا فإنكم على عمل صالح
وقال في الصلاة أفضلُ الصَّلاةِ صلاة المرء في بيته إلا
المكتوبة ۳ فوجه الفقه في ذلك أنه ما كان من النوافل من
جميع الخير يمكن فيها الإخفاء والإظهار فالإخفاء أفضل وما
كان منها لا يمكن بالوضع إخفاؤه كمثل السقاية وتدريس العلم
والجهاد وما أشبه ذلك فالأفضلية فيه بتعدي النية فيه لقوله
عليه السلام أوقع الله أجره على قدر نيته ٤
ومن أجل هذا الشأن فضل أهل السلوك غيرهم لأنهم ناظرون
أبداً في ترفيع أعمالهم إما بالنية أو بالقول أو بالفعل أو
بالزمان أو بالمكان أو بالمجموع ولذلك قال كفى بالعبادة
۱ بلفيق قرية أندلسية من إقليم المريَّة ويروي التلمساني
في نفح الطيب أن بلفيق وأندرش لم ترتدا عن الإسلام بعد
خروج المسلمين من الأندلس وذبح سكانهما عن بكرة أبيهم أيام
محاكم التفتيش أبو إسحاق هو إبراهيم بن مسعود الألبيري
شاعر أندلسي وفقيه زاهد اشتهر بغرناطة وأنكر على ملكها
كونه استوزر ابن نغزلة اليهودي فنفي إلى البيرة فثارت
صنهاجة على اليهودي وقتلوه له ديوان شعر معظمه في الزهد ت
٤٦٠هـ / ١٠٦٨م
۳ جزء من حديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن
زيد بن ثابت رضي الله عنه ٤ جزء من حديث طويل رواه الإمام
مالك والإمام أحمد وأبو داود والنسائي في الجنائز
٥٧٦
لا
شغلاً 1 لأن صاحب هذا الشأن مثل تاجر الدنيا على معظم ما
معه من المال لا يزال في تنميته بجميع وجوه التنمية فكذلك
أهل المعاملات مع مولاهم ليس لهم شغل ولا قرة عين إلا فيما
فيه
رضاؤه عزّ وجلّ
ولبعضهم إن العين إذا لم تَرَكُم لم تَرَ شيئاً يسرها وإذا
أبصَرَتْكم لم تَرَ شيئاً يَسوؤُها فتجلي جلالكم جَبْرُ
كَسْرِها كجبر غيث السماء في جذب أرضها فيحرمة ما تعلمون
من ضعفها
فلطفكم جبرٌ لِرَهَف حالها
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 جزء من حديث رواه البيهقي في شعب الإيمان وأوله كفى
بالموت واعظاً وكفى باليقين غنى إلخ
۵۷۷
حديث تقديم صلاة الفجر بالمزدلفة يوم النحر
عَن عبد الله بن مسعود رضيَ الله عَنهُ قالَ ما رأيتُ
رَسولَ الله صَلَّى الله علَيهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلاةٌ
لِغَير ميقاتها إلا صلاتينِ جَمعَ بينَ المَغربِ وَالعِشاء
وصَلَّى الفَجْرَ قَبلَ ميقاتِها
وَذلِكَ في الحَج
*
*
ظاهره يدل على إيقاع هاتين الصلاتين في غير وقتيهما وليس
على ظاهره بدليل أن أوقات الصلوات قد حدّها جبريل عليه
السلام للنبي الله وقال ما بين هذين وقت ۱ ولكن لما كانت
عادته عليه السلام في صلاة الصبح أنه ما يصليها إلا بعد
الفجر بهنيهة كما جاء أنه عليه السلام كان يصليها بغَلَس -
والغَلَس بقية من ظلمة الليل - وفي المزدلفة عند أول
انشقاق الفجر ٣ فأخرجها - يعني وقوع الصلاة نفسها ـ عن
الوقت الذي كان يوقعها فيه كما تقدم ولذلك ذكر أنه لما
حجّت ميمونة رضي الله عنها زوج النبي بعد وفاته مع الله
عنه فلما كان في الصبح من ليلة المزدلفة عند أول انشقاق
الفجر قالت إن كان عثمان يوافق السنة فنصلي الآن فلم تتم
الكلام إلا والمؤذن يقيمُ الصّلاة وأما صلاة المغرب فكانت
عادته عليه السلام يصليها أول الوقت 4 وكذلك صلاها
رضي
عثمان
۱ قطعة من حديث طويل رواه الإمام الشافعي وأحمد وأبو داود
والترمذي وابن خزيمة والدارقطني والحاكم عن ابن عباس رضي
الله عنهما انظر فتح الباري ۹/ صلاة رسول الله له بغلس
رواها البخاري في مواقيت الصلاة باب وقت المغرب وباب وقت
العشاء ورواه مسلم رقم / ٦٤٦ / في المساجد من حديث جابر
رضي الله عنه مرفوعاً
۳ صلاة رسول الله لها في المزدلفة رواها مسلم من حديث جابر
رضي الله عنه في حجة النبي رقم ۱۱۸ ورواها البخاري ومسلم
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ٤ رواه مسلم عن أبي
موسى الأشعري رضي الله عنه رقم ٦١٤ وعن بريدة رقم ٦١٣
ورواه أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما رقم ۳۹۳
والترمذي رقم ١٤٩ وفيه إمامة جبريل للنبي عليه السلام
۵۷۸
به
جبريل عليه السير جمع بين الصلاتين المشتركتين الظهر
والعصر والمغرب والعِشاء وكانت سنته عليه السلام في الجمع
إن كان رحيله قبل وقت الأولى أخرها حتى يصليها مع الأخرى
وإن كان رحيله بعد دخول وقت الأولى صلاهما معاً في أول وقت
الأولى ۳
فجاء عند نفوره عليه السلام من عَرَفة بعد دخول الوقت فنفر
بالناس فقال له
أسامة رضي الله عنه الصلاة يا رسول الله فقال له الصلاة
أمامك ٤ ٤ - يعني - يعني وَقتُ وقوعها موضعه أمامك - حتى
وصل المزدَلِفَة فصلى المغرب والرواحلُ قائمة ثم حَط
الرحالَ وصَلوا العشاء فجاء في هذه الصلاة تغييرات مما
كانت عادته عليه السلام أنه يصلّي إذا جمع في السفر وقد
دخل وقت الأولى الصلاتين معاً - كما ذكرنا - فصَدَق ما
قاله الراوي لأنه صلاها في غير وقتها
وزيادة على غير الصفة المعهودة كما ذكرنا
وهنا بحث وهو هل هذه الصفة التي جعلها و في هاتين الصلاتين
تعبد لا تُعقل حكمته أو الحكمة فيه معقولة فالجواب أن
الحكمة - والله أعلم - معقولة لأنا إذا علمنا ما الحكمة في
كونه عليه السلام كان يجمع إذا جَدّ به السير علمنا ما
الحكمة هنا وقد ثبت أنه عليه السلام لم يكن يجمع إلا إذا
جدَّ به السَّير لأمر يخاف فواته فهو من قبيل الرفق بأمته
ولوجه اخر وهو من أجل جمعية الباطن في الصلاة لأن من يكون
قلبه متعلقاً بأمر يفوته قل ما يكون مع ذلك حضورٌ هذا في
حق غيره لأنه عليه السلام عند رؤية تلك الآيات العظام في
عالم الملكوت كان كما أخبر الله عزّ وجلّ عنه بقوله مَا
زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ٥ فكيف هنا فنجد في هذا
الموطن إذا تأملناه التشويش بالنسبة للغير أكثر لكثرة
الناس وما هم فيه من الدهشة
1 رواه البخاري في مواقيت الصلاة ومسلم من حديث جابر رضي
الله عنه أنه عليه السلام كان يصلي المغرب إذا رواه
البخاري ومسلم من حديث أنس وابن عباس رضي الله عنهم ومسلم
من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه
وجبت الشمس
والشيخان من حديث ابن عمر رضي الله عنهما
۳ رواه مسلم من حديث معاذ باب الجمع بين الصلاتين في الحضر
وأبو داود والترمذي وفيه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر
والعصر فإن رحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل
للعصر وفي المغرب مثل ذلك إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع
بين المغرب والعشاء
فإذا ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء
ثم يجمع بينهما ٤ رواه البخاري في الوضوء ومسلم في الحج
باب الإفاضة من عرفات إلى مزدلفة
0
سورة النجم من الاية ۱۷
۵۷۹
وفيه أيضاً استدراك أمر يُخاف فواتُه وهو تمام هذا الركن
العظيم الذي مدار الحج كله عليه لقوله عليه السلام الحَجَّ
عَرَفة ۱ أي معظم الحج عَرَفة وباقي الليلة له فلا يتم
المقصود فيه بتمامه إلا بالخروج من محله وبقعته فتسكن
النفس عند فوزها بهذا الخير العظيم وتستقبل ذلك الركن الذي
يليه وهو المبيت بالمزلفة بعبادتين وهما أداء فرضين في وقت
واحد وتوسعة أيضاً كما قلنا - في الجمع بين الصلاتين عند
جَدّ السَّير لكون الناس في ذلك الوقت قد تتعذر عليهم
الطهارة أيضاً إلى غير ذلك من الضرورات وكان عليه السلام
بالمؤمنين رحيماً وتأمل ذلك المعنى الذي أشرنا إليه تجده
لأنه ترفيع أيضاً للركن الذي يلي عرفة وهو المزدلفة لكونه
أول عمل يعمل فيها صلاة المغرب قبل حط الرواحل ليكون
استفتاح الشغل بها عبادة كبرى وهي أداء صلاة المغرب وقد
جاء في فضلها ما جاء
وفيه دليل على ما يقوله العلماء أن القاعدة الشرعية إذا
جاء ما يعارضها يُتأول يؤخذ ذلك من أن الصحابي رضي الله
عنه لما عرف أن قد ثبتت أوقات الصلوات ولا يدخلها نسخ بعد
ثَبَتَتْ وفاته أطلق اللفظ بأن قال صلى صلاة لغير وقتها
لعلمه بأن القاعدة لا يدخلها نسخ فلا يقع إشكال على أحد
بإطلاق لفظه
وفيه دليل على أن من داوم على شيءٍ عُرف به وإن خالفه يجوز
الإخبار عنه أنه قد خرج عما كان عليه وإن كانت اللغة أو
الشريعة لم تخرجه عن ذلك بمدلولاتها يؤخذ ذلك من كون النبي
كانت له عادة في صلاة الصبح لم يكن يخرج عنها وكذلك في
الجمع في السفر فلما خرج هنا عن تينك العادتين - كما ذكرنا
- وإن كان دلالة الشرع لم تخرجه حقيقة عنها أطلق الصحابي
رضي الله عنه أنه صلاها في غير وقتها
وفيه دليل على جواز الإخبار باللفظ المحتمل ولا يبين ماذا
أراد منهما بصيغة ما يؤخذ ذلك من قول الصحابي رضي الله عنه
صلاها لغير ميقاتها وهو لفظ محتمل أن يريد وقتها المفروض
لها أو وقتها على جري العادة في إيقاعها ولم يأت في اللفظ
بما يدل على واحد منهما وفيه دليل على أن ثبوت العمل
يُستَغنَى به عن تخصيص المحتمل يؤخذ ذلك من أنه لما كان
فعله في الحج معروفاً عندهم وعلته لا تَخفَى عليهم أجمَلَ
لهم اللفظ بقوله صلى صلاة
لغير ميقاتها
وفيه دليل على أن من الدين ذكرَ الحكم في الدين والتحدث به
وإن كان شائعاً بحيث لا
۱ رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عبد
الرحمن بن يعمر الديلمي وتتمته من جاء ليلة جمع قبل طلوع
الفجر فقد أدرك الحج أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا
إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه
۵۸۰
يخفى يؤخذ ذلك من كون هذه الصلاة عن سيدنا مشهورة والعمل
عليها لم ينقطع إلى هَلُمَّ
جَراً وعبد الله بن مسعود يتحدث فيها
وقد كنت لقيت بعض السادة في العلم والعمل فإذا اتفق
اجتماعهم يوماً ما عند بعضهم لم يكن حديثهم إلا في مسائل
الدين أو في أحوال القوم ليس إلا ومثل ذلك كان المروي عن
الصحابة والسلف رضي الله عنهم أنهم إذا تلاقوا يقولون
تعالَ نُؤْمِنُ أي نتحدث في مسائل الإيمان لأن كل شيء إذا
كَثر الكلام فيه قد يحصل فيه ملل في بعض الأوقات أو ضيق
صدر في وقت ما إلا الكلام في الإيمان وفروعه وأحوال أهله
فإن ذلك عند أهل التحقيق يزيد به إيمانهم مثل العلم إذا
أنفق منه زاد وغيرُه إِذا أُنفق منه نَقَص
فعليك برأس مال إذا أنفقت منه زادَ ونَما وتَرفَّه به غيرك
واستغْنَى ولم ينقصك شيئاً ولذلك قال بعض الحكماء أعطِيةُ
العالم ربانية يعطيك الشيء برمته ولا يَنقُص مما عنده شيء
لأنه إذا عَلَّمك العلم قد قد حصل عندك جميع ما كان يعرفه
ولم ينقص له مما عنده شيء بل زاده تجديداً فإن ذكرَ العِلم
زيادة تنبيه له مع زيادة الأجر الذي هو خير من الكل
وفيه من الفقه أن روايته - وإن كان العمل ثابتاً ظاهراً -
أقطع لحجة الخصم وأثبت إذ إنّ ذلك كان حكم الله على لسان
رسوله ونقل عدل عن عدل فلو لم يكن هذا الإمام يتحدث بهذا
الحديث - وإن كان العمل باقياً عليه من أي طريق - كنا نحن
نقطع بأن هذه هي سنة رسول الله الله للخصم إذا جاءه أو
للنفس إذا أرادت الوقوف على حقيقة دينها وقد قيل في الدين
كن مجتهداً ولا تأخذه إلا من أصل كتاب الله وسنة نبيه له
وإجماع وقياس إن عرفت شرطه وخامس ليس طريقه العدول عن
القياس إلى الاستحسان وإنما طريقه المصالح المرسلة كما هو
مذهب المالكية ١
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
الـ ۱ الأصل الخامس عند الحنابلة هو الاستحسان ويعرفونه
بأنه العدول بحكم المسألة عن نظائرها بدليل شرعي وعند
المالكية الأصل الخامس هو المصالح المرسلة ويعرفونها بأنها
المُطلقة عن النصوص الخاصة ولها أصل في النصوص العامة في
الشريعة من كتاب وسنة ومن أمثلة المصالح المرسلة عندهم جمع
القرآن في مصحف واحد وقتل الجماعة بالواحد ومصادرة أموال
الولاة إذا استغلوا مراكزهم وتوريث مطلقة الفار الذي يطلق
زوجته في مرضه فراراً من إرثها وجواز تنصيب الأمثل للإمامة
ولو لم يكن مجتهداً وجواز أخذ أكثر من نصاب الزكاة لسدّ
حاجات المسلمين إذن طريق الأصل الخامس عند المالكية هو
المصالح المرسلة وهي كل ما فيه دفع ضرر أو جلب مصلحة أو
رفع حرج عن الأمة
۵۸۱
حديث الصدقة بجلال البذن التي تُنحَر وجلودها
عَن عَليَّ ١ رَضِيَ الله عَنهُ وكَرَّمَ الله وجههُ قالَ
أَمَرني رَسُولُ الله أن
أتَصدَّقَ بِجلال البُدْنِ التي نُحِرَت وَبِجُلودِها
* *
ظاهر الحديث يدل على الأمر بالصدقة بجلود البدن وجلالها
والكلام عليه من وجوه منها هل الأمر على الندب أو على
الوجوب وما الفائدة في إخبار الإمام بذلك وما الحكمة بأن
خَص النبي بذلك عَلِيّاً رضي الله عنه
فأما الجواب عن الأمر فهو على الندب لوجهين أحدهما أن
الصدقة من الهَدْي وإنما هي على طريق الندب بتقرير ذلك من
السنَّة فلا تكون صدقة الجِلال أعلى منها و الوجه الآخر أن
جَعَلَ الجِلال التي تُكسَى بها البُدْنُ ليست مثل الجلود
فإن الجلود حكمها مثل حكم البُدْنِ من وجوب أو ندب إذا
كانت واجبة أو ندباً على أحد الاحتمالين فليست الجلود تختص
بحكم
۱ علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي أبو الحسن
أمير المؤمنين رابع الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين
وابن عم النبي وصهره وأحد الشجعان الأبطال ومن أكابر
العلماء والخطباء والقضاة وأول الناس إسلاماً بعد خديجة
ولد بمكة وربي في حجر النبي ا ا وكان اللواء بيده في أكثر
الله
المشاهد ولما اخى النبي عليه السلام بين أصحابه قال له أنت
أخي ولي الخلافة بعد مقتل عثمان رضي عنه سنة ٣٥هـ وكثرت
الفتن في أيامه وانقلبت إلى حروب منها وقعة الجمل و صفين
ثم كانت حادثة التحكيم وبعدها انشق المسلمون ثلاثة أقسام
الأول بايع معاوية رضي الله عنه وهم أهل الشام والثاني
حافظ على بيعة علي رضي الله عنه وهم أهل الكوفة والثالث
اعتزلهما وخرج على عليّ لرضاه بالتحكيم فكانت معركة
النهروان وكفر الخوارج علياً رضي الله عنه ودعوه إلى
التوبة فقاتلهم واغتاله عبد الرحمن بن ملجم المرادي
الخارجي وهو يصلي في ۱۷ رمضان سنة ٤٠ هـ ٦٦١ م رضي الله
عنه وكرّم وجهه ٤٠هـ / الجلال مفردها الجَلَّ وهو ما تغطى
به الدابة لتصان والبدن مفردها بَدَنة وهي ناقة أو بقرة
تنحر بمكة قرباناً ومنه قوله تعالى والبُدْنَ جَعَلْنَهَا
لَكُم مِّن شَعَدِيرِ اللهِ
۵۸
وحدها دون اللحم فإن كانت البَدَنَة مما لا يجوز لصاحبها
الأكل منها فلا يجوز له بيعها أعني الجلود ولا الانتفاع
بها والذي لا يجوز لصاحبها أن يأكل منها أربعة نذر
المساكين وهدي التطوع إذا عطب قبل محله وفداء الصيد وفدية
الأذى ويأكل مما سوى ذلك فجلود هذه
الأربعة مثل لحومها
ولم يرو عن أحد من السلف - فيما أعلم - وجوب الصدقة
بجلالها ولا وجوب تجليلها لأنهم قد نصوا على أن من تعظيم
الشعائر تجليل البدن وتحسين الجلال وتعظيم الشعائر من
المندوب وإن كانت البدن مما عدا هذه الأربعة المذكورة
فالتصدق منها من المندوب أيضاً فأعظم ما تكون الجلود
والجلال - فيما عدا الأربعة المتقدم ذكرها - أن يكون حكمها
حكم اللحم فتكون ندباً لا وجوباً ولا نقول لعلها كانت من
الواجب الذي لا يؤكل منها فيكون هذا تنبيهاً بأن تلحق
الجلود والجلال باللحم لأنه إذا أطلق لفظ البُدْن دون
تقييد فإنما يُحمل على ما هو الغالب فيها وهو الذي على
طريق التطوع لأنه الأصل في ذلك الاسم لكونه قد جاء عن
سيدنا حين نحر مائة بَدَنَة أنه أخذ من كل واحدة بَضْعَةٌ
۱ وجُعِلت في قِدْر وشرب عليه السلام من مَرَقها وأكل منها
٢
فهذا هو الأصل وما كان من غيره فلا بد من أن يجلى بصفته
الزائدة لاختلاف الحكم في ذلك وليس عليّ رضي الله عنه ممن
يجهل مثل هذا فنجعلها محتملة وتسوية النبي عليه السلام بين
الجلود والجلال دلّ على ندبيته لأنه لا تساوي بين واجب
ومندوب في الحكم وهذه حجة الإمام مالك رحمه الله في أن
النكاح ليس بواجب لأن الله جلّ جلاله خير بين الزواج وملك
اليمين والوطءُ بملك اليمين بالإجماع مباح فلم يكن الله
عزّ وجلّ ليُخيّر بين واجب ومباح وعلى هذا يكون ما سوى
بينه وبينه ملك اليمين مثل ملك اليمين إذ ليس النكاح به
بواجب فكذلك يكون ما سوى بينهما هنا فلم يبق إلا أن يكون
ندباً وفي أمره عليه السلام علياً بذلك دليل على جواز
النيابة في إخراج الصدقة
وأما ما هي الفائدة في ذكر الإمام ذلك فهي ما تقدم الكلام
عليه وزيادة على ذلك لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا
يفرحون ويفتخرون بما يخص النبي به واحدا منهم دون غيره أو
أي شيء كان منه عليه السلام في حق أحدهم ألا ترى أن أحبّ
الأسماء لعلي رضي الله عنه
۱ البَضْعَة من اللحم وغيره القطعة رواه الترمذي رقم ۸۱٥
في الحج وابن ماجه في المناسك رقم ٣٠٧٦ باب حجة رسول الله
صلى الله عليه وسلم
۵۸۳
أبو تراب ۱ لأن النبي وهو الذي كناه به وثبت في الحكم كأنه
يقول هذا ليس بالمنقول أنا
الذي سمعت هذا الحكم وتلقيت هذا الأمر بنفسي
وأما هل ذلك خاص بالبدن أو ذلك في جميع القُرُبات بذناً
كانت أو أضاحي فإذا فهمنا الأمر أنه على النَّدْب - أعني
في الجلود - فتعدية الحكم أولى لأنه ندب إلى خير ولأن
الضعفاء أيضاً محتاجون إلى ذلك بزيادة فيكون الندب يتأكد
فيه إما في الحال من أجل أن العُريَ غالب على الضعفاء وعلة
البرد أكيدة وكذلك في جلود البدن من أجل ما ينتعلون بها
وهذا عندهم قليل وهو مما إليه ضروراتهم أكيدة ولا سيما
بأرض الحجاز لتوعر أرضها وحرها وأما ما له صوف أيضاً من
جلود الأضاحي فمن علة البرد أيضاً فالندب عام في الكل
أولاً
وأما ما الحكمة في كون النبي ل ا ل ص علي رضي الله عنه
بذلك فلزيادة العلم الذي خص خص به علي وإن كان الخلفاء رضي
الله عنهم كلهم علماء لكن كان لعلي رضي الله عنه في هذا
الوجه من وجوه الخير زيادة لقوله الا الله أنا مدينة العلم
وعلي بابها ۳ ولكونه هو الذي عليه السلام بالنيابة بنحرها
عنه
خصه
ويترتب عليه من الفقه أن المندوب في النيابة في النسك
والصدقة أن يكون النائب فيها عالماً لأنه من تمام القربة
وفيه أيضاً وجه آخر أن المستحب بالمعروف الذي ليس بواجب أن
يؤمر به الأقرب من القرابة لأن علياً رضي الله عنه كان
أقرب إلى النبي ل من غيره لأنه كان ابن عمه وصهره ولأن
نيابته عليه السلام له في النحر - كما ذكرنا قبل - وإدخال
السرور عليه بذلك ولو أمر غيره بالتصرف في الصدقة لكان
محتملا لتغير خاطره وأمرُهُ عليه السلام له بالتصدق عنه
إدخال سرور وجَبر قلب
وفيه وجه من حسن الصحبة أنه إذا بدأ شخص أمراً فمن حسن
الصحبة أن يكون هو الذي يتم بقايا وجوه تصرفاته فلما كان
عليّ رضي الله عنه هو الذي وجّهه النبي عليه السلام إلى
اليمن لأن يأتيه بالبدن فكان من طريق حسن الصحبة أن يكون
هو الذي ينوب عنه فيما بقي للنحر منها وفي التصدق عنه
فاستنابه لحسن الصحبة ومن أحسن صحبة من رسول الله
وفيه دليل على التحدث بما فتح الله به على العبد من أمور
خير الآخرة إذا لم يكن كسباً له
۱ تكنية النبي علياً كرّم الله وجهه أبا تراب رواها
البخاري في الصلاة - باب نوم الرجال في المساجد وفي الأدب
ورواه مسلم في فضائل علي كرّم الله وجهه رقم / ٢٤٠٩/ رواه
الترمذي في المناقب رقم // ۳۷۵ والحاكم في المستدرك ١٢٦/٣
والسيوطي في بعض رسائله وللحافظ أحمد بن محمّد صديق
الغماري رسالة اسمها القول الجلي في صحة حديث أنا مدينة
العلم وبابها عليّ
ΟΛΕ
لأن الذي هو كسب له هو من باب التزكية والله عزّ وجلّ يقول
فَلَا تُرَكُوا أَنفُسَكُمْ ۱ والذي هو من قبيل الله تعالى
إذا سلمت النية فيه من طلب الرفعة يكون من قبيل الشكر لأنه
قد قال التحدث بالنعم شكر وقد قال الله تعالى لمن
شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۳ يؤخذ ذلك من ﴿لَن ذِكْرِ
عليّ رضي الله عنه أن رسول الله وه له و أمره بالصدقة
فيكون إعلان القول منه بأنه بأمر أمره النبي الله تبرئة من
الالم العلوى والتزكية مثل أن يُرى إنسان يتصدق بصدقة
واجبة فيقول هي واجبة أي لا تمدحوني عليها لأن الصحابة
والصدر الأول رضوان الله عليهم لم يكن عندهم
في إعطاء الواجبات مدح بينهم لأنها من اللازم وما هو واجب
يَتَساوَى الناس كلهم فيه ولذلك يُروى عن بعض المتعبدين
أنه قال لا جزى الله تُراكَ الصلاة عنا خيراً رأونا نؤدي
الصلاة قالوا عنا عُبّاد والصحابة ٤ رضي الله عنهم بذكرهم
لِمَا خَصّهم الله عزّ وجلّ به أو نبيه عليه السلام هو على
طريق الاستبشار وشكر النعمة وتبرؤ من دعوى العمل ليس كمثل
بعض الناس في الوقت الذي لا يكمل الواجب الذي عليه ويحب أن
يُلحق بالمباركين كما قال جل جلاله وَيُحِبُّونَ أَن
يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا
وفيه دليل لأهل الصوفة الذين يقولون يُندَب لأهل هذا الشأن
أن يتحدثوا بما فتح الله عليهم بين إخوانهم بشرط ألا يكون
بينهم أجنبي لأنه مما يتقوى به إيمانهم وقوة الإيمان زيادة
في القربة إلى الله عزّ وجلّ
وفيه أيضاً عون على النفس ولاسيما في زمان قل فيه الصدق في
هذه الطريقة حتى إنه عند بعض من يعرف شروطها إنه شيء طُوِي
بِساطه فيكون سبباً لكسله عن الترقي وقد أخبرني بعض من كان
له تعلق بالطريق ثم فتر عن عمله فلما رأى من بعض من كان في
زمانه شيئاً من أحوال القوم وأنه ٦ لما أبصر ذلك رجع إلى
المجاهدة والخدمة وفتح عليه في أقرب زمان فقال لي والله ـ
وهو الحالف - ما كان كَسَلِي عن الخدمة إلا لكوني لم أرَ
في نفسي شيئاً ولم ألق أحداً رأيت منه شيئاً مما رأيت في
كتب القوم فقلت هذا شيء طُوِيَ بساطه فما لي وللتعب فلما
أبصرت
1 سورة النجم من الآية ۳
جزء من حديث رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند
والبزار والطبراني ورواه ابن أبي الدنيا في
الشكر ص ١٤ والخرائطي في فضيلة الشكر رقم / ۸/
۳ سورة إبراهيم من الآية ٧ ٤ العبارة مضطربة غير واضحة
التركيب ٥ سورة آل عمران من الآية ۱۸۸
٦ كذا بزيادة وأنه
٥٨٥
من فلان شيئاً مما رأيت في كتب القوم أيقنت أن الطريق
باقية وإنما السالكون قلوا فأخذت في
الخدمة فجاء من أمري ما ترى فذلك فائدة التحدث بها وفي ذلك
قيل إذا كنت في حالك
صادقاً فنطقك أو سكوتك لمن راك فلاح وصلى الله على سيدنا
ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً
35
نة
٥٨٦
لك
البُخاريُّ قالَ عَطاء رَضِيَ الله عَنهُ إذا تَطيِّبَ أو
لَبِس جاهلاً أو ناسِياً فَلا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ
هذا مذهب عطاء وليس بمتفق عليه أما النسيان فالشافعي رحمه
الله وافقه على ذلك لقول
رسول الله الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وأما مالك رحمه
الله فلم يَعذُر به وقال إنه
b
مثل سجود السهو في الصلاة شُرِع لأن يُجبَر به خلل وقع في
العبادة وفي الصلاة هو يَشتَرِط السجود فيها بالسهو لا
بالعمد وهنا مطلقاً فينبغي أن يكون الحكم في السهو والعمد
سواء وهو الأظهر والله أعلم
وأما الجهل فلا أعرف في الوقت وافقه عليه أحد من العلماء ٣
ودليل القرآن يرد عليه بقوله تعالى فَسْتَلُوا أَهْلَ
الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ 1 فلم يعذر أحداً
بجهل ولو كان الجهل عذراً
لكان أرفعَ من العلم ولا قائل به
من
الله عنه
ويؤخذ منه الفقه أنه من تحقق عنده حكم من أحكام الله عزّ
وجلّ له أن يطلق اللفظ بعموم الحكم ولا يلزمه خلاف المخالف
ومثل ذلك جرى لعمر بن الخطاب رضي حين سمع شخصاً ٥ يتلو
سورة الفرقان على خلاف ما كان يعرف فلببه بردائه وأتى به
رسول الله
۱ هو أبو محمد عطاء بن أبي رباح مولى بني فهر من مُوَلَّدي
الجند وهي بلدة مشهورة باليمن كان من أجلاء الفقهاء وتابعي
مكة وزهادها سمع عددا من أجلاء الصحابة منهم ابن عباس وابن
الزبير وكان أعلم الناس بالمناسك توفي سنة ١١٥ هـ / ٧٣٣م
رواه ابن ماجه وابن حبان والدارقطني والطبراني والبيهقي
والحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ
إن الله وضع وللحاكم والطبراني تجاوز ونقل الخلال عن
الإمام أحمد أنه قال من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوع فقد
خالف كتاب الله وسنة رسوله وأصل الباب حديث أبي هريرة في
الصحيح بلفظ إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم
تعمل أو تكلم به ورواه ابن ماجه بلفظ عما توسوس به صدورها
وزاد في اخره وما استكرهوا عليه والزيادة إدراج من الراوي
۳ كذا وردت العبارة وفيها خلل
٤ سورة النحل من الآية ٤٣
•
هو حكيم بن حزام رضي الله عنه كما في الموطأ والصحيحين
۵۸۷
عمر
كان
وقال سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أن را تنها
فقال أرسله فأرسله فقال اقرأ فقرأ مثل ما كان عمر سمع منه
فقال هكذا أنزلت ثم قال إقرأ يا عمر فقرأ عم مالى قارة
يعرف وهو مخالف لقراءة صاحبه فقال هكذا أُنزِلت إن هذا
القرآنَ أُنزِل على سبعة أحران
فاقرأوا ما تيسر منه ۱
ولم ينكر على عمر أخذ ذلك بالعنف وزجره له وهو كان على
الحق وعمر لم يكن له ۳ علم بذلك الوجه الذي كان ذلك يعرفه
كما أنه لم يكن له علم بما كان عمر يعرفه ومن أجل الغفلة
عن هذا الوجه ضاع كثير من النهي عن المناكر لأن بعض الناس
يقول لعل هذا الذي أنكره
أنا يجيزه غيري
ويترتب أيضاً عليه من الفقه أنه لا يجوز الحكم بمجرد النقل
بما يراه في الكتب إلا لأهله الذين يعرفون مقاطع الكلام
وعلى ماذا يدلّ يؤخذ ذلك من أنه إذا رأى هذا النص من لا
يعرف المذهب وهو ينتسب بدعواه لأحد المذاهب يبقى يعمل عليه
ويظنه مما يجيزه صاحب مذهبه فيكون يقع في الكذب على إمامه
ويُدلي الناس بغرور وقد أخبرني جماعة عمن ينسب في مذهبه
إلى أنه متبع لمالك رضي الله عنه وهو ممّن يُستفتى كان
يفتي في مذهب مالك بما نص عن عطاء هنا وقد ذكرنا مذهب مالك
قبل في ذلك وما هو عليه فنسأل الله الإرشاد لمعرفة العلم
على ما هو علم على وجهه والعمل به ابتغاء مرضاته لا ربَّ
سواه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ رواه البخاري في كتاب الخصومات ومسلم في صلاة المسافرين
وقصرها باب بيان أن هذا القرآن على سبعة أحرف رقم / ۸۱۸/
كما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمر
رضي الله عنه
أي حكيم بن حزام ۳ يدلي الناس بغرور يوقعهم فيما أراد من
تغريره
۵۸۸
حديث بناء مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم
عَن أنس رضي الله عنه قالَ قَدِمَ النَّبِيُّ الله
المدينةَ وَأمَرَ بِبِناءِ المَسجِدِ فَقال يا بَني
النَّجار ثامنوني ١ فَقالوا لا نَطَلُبُ ثَمَنَهُ إلا إلى
الله فَأمَرَ بِقُبورِ المُشركينَ فَنُبِشَت تم بالخِرَبِ
فَسُوِّيَت وَبِالنّحْلِ فَقُطِعَ فَصَفُّوا النّخلَ
قِبلَةَ المَسجِدِ
* * *
ظاهره يدل على أن بناء المسجد كان بأمر النبي و بعد هجرته
إلى المدينة والكلام عليه
من وجوه
منها جواز طلب الأشياء للبيع وإن لم يكن صاحبها عرضها
للبيع يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام يا بني النجار ثامنوني
وهم لم يكونوا عرضوا ملكهم للبيع قبل
وفيه دليل على جواز أن ينسب الشخص إلى صنعة كانت في قبيلته
أو ابائه وليس ذلك من الألقاب المنهي عنها يؤخذ ذلك من
قوله عليه السلام يا بني النّجّار وهذه صنعة كانت في أحد
ابائهم فشهروا بها فدعاهم بها
وفيه دليل على جواز قبول الهدية لشيء وإن كان قد تعرض إلى
شرائها ما لم يقصد تحشيم صاحبها يؤخذ ذلك من قبوله عليه
السلام منهم بعدما طلب منهم البيع فقالوا لا نطلب ثمنه إلا
إلى الله والدليل على قولنا ما لم يقصد تحشيم صاحبها لأن
النبي صلى الله عليه وسلم قال ثامنوني ولا يقول النبي يا
الله نامنوني إلا حقاً لا يقول ذلك حيلة ولا مجازاً ومن
يقع له شيء من ذلك فهو تنقيص بالنبي وهو وهو لا يحل وإن
أفصح به وجب قتله شرعاً
۱ ثامنه في السلعة ساوَمَه في شرائها الخِرَب ج خِرْبة وهي
موضع الخراب 3 أحشم فلان فلاناً أخجله
۵۸۹
وهنا بحث وهو ليس بمجرد الدعوى منه يقع التصديق إلا ۱ تكون
هناك قرينة تبين ذلك مثل قول هؤلاء الذين قالوا لا نطلب
ثمنه إلا إلى الله تعالى ولا يلزم من قولهم لا نطلب ثمنه
إلا إلى الله أن يكون صدقة لأن الهدية صاحبها مأجور إذا
قصد بها وجه الله مثل الصدقة غير أن الفرق بين الصدقة
والهبة أن الصدقة لا تكون إلا لله إلا أن يدخلها رياء
والهبة قد تكون لوجوه كثيرة قد نص عليها في كتب الفروع فما
هو منها الله فصاحبها فيها مأجور كما هو في الصدقة وإن لم
يكن من صاحبها إفصاح مثل مقالة هؤلاء ويكون هناك ما يقوم
مقام ذلك وقد روي عن بعض أهل هذا الشأن إذا كان يأتيه
الفتوح ولا يعلم من صاحبه من أي الوجوه هو يقول له ناشدتك
الله متى أنا عندك خير إن قبلت منك أو إن رددت عليك فعلى
الذي يحلف عليه من الحالتين عمل عليه تحرزاً من الدعوى في
هذا الشأن وإن كان على ما روي عنه من أهل الكشف والاطلاع
وفيه دليل على جواز حفر قبور المشركين يؤخذ ذلك من قوله
فأمر بقبور المشركين فنبشت وفيه من الحكمة أن حكم الحياة
مستصحب في الممات فكما هي دماؤهم في الحياة مباحة ولا حرمة
لهم كانوا كذلك في مماتهم والمؤمن حرمته في الممات كحرمته
في الحياة لأنه قد جاء أنه من كسر عظم مؤمن ميت كمن كسره
حياً في الإثم سواء ۳ وقبره حَبْسٌ 4 لا يحل لأحد
التصرف فيه
وفيه إشارة لأهل البصيرة الذين يقولون أحوالك عنوان على
مالك هنالك فإن استقمت هنا رفعت هنالك وإن خلطت فإنما
بَخَستَ نفسك
وفيه دليل على جواز هدم خراب البناء إذا كان فيه فائدة
وليس من الفساد في الأرض يؤخذ ذلك من قوله ثم بالخِرَب
فَسُوِّيت
وفيه دليل على جواز قطع الثمار وإن كانت تُطعِم إذا كان
ذلك لضرورة يؤخذ ذلك من قوله وبالنخل فقطع وقد نص العلماء
على أن قطع الثمار المُطعِمة من الفساد في الأرض ولما كان
هذا لضرورة خرج أن يكون من ذلك القبيل والضرورة التي هي
هنا أنه لما تقدم العالم المدينه الا الله تنافس الأنصار
رضوان الله عليهم في نزوله عليه السلام عند من ينزل منهم
فقال لهم دعوا
۱ كذا بزيادة إلا
كأنه يستحلفه بالله أي العملين أفضل هل أخذ الفتوح الهدية
أوردها ۳ رواه عبد الرزاق ومالك في الموطأ وأبو داود وابن
ماجه والإمام أحمد عن السيدة عائشة رضي الله عنها بألفاظ
مختلفة
٤ قبره حبس عليه وقف عليه لا يباع ولا يورث
۵۹۰
الناقة فإنها مأمورة ۱ فمشت حتى أتت موضع المسجد فبركت فيه
فأي ضرورة أشد من هذه لأن هذا حكم من الله عز وجل وقد كان
في علم الله تعالى أن تلك البقعة هي الموضع الذي هو روضة
من رياض الجنة فكل ما كان فيها فهو عارية بحكم القلع وليس
مثل هذا ضرورة في غيره أن يقول شخص نريد نبني هذا بنيانا
بشهوة نفسه فيكون هناك شجر مثمر فيقطعه ويجعل هذا الحديث
حجة فيه هذا لا يحل بل الضرورة غير هذه على ما هو مذكور في
كتب الفقه وهنا إشارة لمن سعد في الأزل ما ضَرَّه ما جرى
عليه من الفتن يؤخذ ذلك من أنه لما كانت هذه البقعة قد
سبقت لها تلك السعادة العظمى - وهي أن تكون مسجداً ومنزلاً
ولَحْداً للسيد من بني آدم والمرفّع في العالمين الله -
اما ضرها ما تداول عليها من أيدي المشركين ومخالفتهم إذا
حَسُنت العقبى فكل قبيح يزول وإن فسدت فكل جميل يَحُول
وفيه دليل على أن من حسن التصرف أن يعمل الشخص في أمره كله
على قدر جدته ٢ أو عسره يؤخذ ذلك من كون النبي ا لما ترك
هو والمهاجرون أوطانهم وأموالهم فاحتاج عليه السلام إلى
بناء المسجد بناه على ما يقتضيه الوقت بجريد النخل وحيطانه
من جذوعها يؤخذ ذلك من قوله فَصَفُّوا النخل قبلة المسجد
ولم يبنِ بآجُرٌ ولا حصّ ولا بشيء فيه تكليف لا عليه ولا
على غيره فهذا مقتضى السنة ومما يؤيده من الكتاب قوله
تعالى ليُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ﴾ ٣ وقد قال رضي
الله عنه الرفق في النفقة خير من الزيادة في الكسب وفيه
دليل على أن أهم ما على المرء من الأمور النظر في أمر دينه
يؤخذ ذلك من أنه أول ما نظر فيه عند دخوله المدينة بناء
المسجد الذي هو للاخرة
وفيه دليل للفقراء الذين يقولون إذا زهد الفقير وخرج عن كل
ما يملكه مما هو من أمر دينه فلا يدخل تحت ذلك اللفظ ولا
يجوز له الخروج عنه ويحبس منه بقدر ضرورة دينه مثل الإناء
للوضوء وما يستر به عورته ومثل ما يصلي عليه لأن كل ما
يكون الخروج عنه يتعذر به وجه من وجوه الدين فلا يجوز لأنه
الأهم وقد قيل على جميع أمور الدين حافظ عليها ولا تبال
بما عداها فعزّ المرء بدينه لا بما سواه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 رواه البيهقي في دلائل النبوة ٥۰۱/۳ و ٥٠٤ وابن كثير في
البداية والنهاية ۱۹۹/۳ و ۰۰ والسيوطي في الخصائص ۹۰/۱
والشامي في سيرته سبل الهدى والرشاد ٣٨٦/٣
الجدة الغنى ۳ سورة الطلاق من الآية ٧
۰۹۱
1121
حديث خروج الدجال وفتنته
عَن أبي سعيد الخدري ١ رضي الله عَنهُ عَنِ النبي صلى الله
عليه وسلم قالَ يَنزِلُ الدَّجَالُ بَعضَ السَّباخ ۳
بالمَدينَةِ فَيَخرُجُ إِلَيهِ يومئذٍ رَجُل هُوَ خَيرُ
النّاس - أو من خير النّاسِ - فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّكَ
الدَّجالُ الذي حَدَّثَنَا عَنكَ رسول الله لا حَدِيثَهُ
فَيَقولُ الدَّجالُ أرَأَيْتُم إن قتلتُ هذا ثُمّ أحيَتُهُ
هَل تَشكُونَ في الأمرِ فَيَقولونَ لاَ فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ
يُحْيِيهِ فَيَقولُ حينَ يُحييهِ وَالله ما كُنتُ قَطُّ
أشدَّ بَصيرَةً منّي اليومَ فَيَقولُ الدّجالُ أقتلُهُ
فَلا
يُسلّط عَليهِ
ظاهره يدل على وجهين أحدهما أن ما أعطي الدجال من خرق
العادة تكذيباً لدعواه لأنها قاصرة و الثاني ما أعطي
الخارج إليه من قوة الإيمان وأن تلك الفتنة العظمى لم تضره
والكلام
عليه من وجوه
منها أن يقال ما قصْرُ خرق العادة التي أعطي فنقول هي ما
أراد من قتل الرجل المؤمن ثانية فلم يقدر عليه فنحتاج الان
أن نذكر خرق العادة وما هو الدال منها على الخير وعلى ضده
وما انقطع منها
فأما خرق العادة فقد تكلم العلماء عليها وهي على أربعة
أقسام
1 أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري
الخزرجي أبو سعيد صحابي كان من ملازمي النبي وروى عنه
أحاديث كثيرة غزا اثنتي عشرة غزوة وله ۱۱۷۰ حديثاً توفي في
المدينة المنورة سنة ١٤ هـ / ٦٩٣ م انظر الحديث ٤٨ الدجال
لغة المموّه المدَّعي الكذاب وشرعاً المسيح الدجال رجل من
يهود يخرج في آخر هذه الأمة سمي بذلك لأنه يدجل الحق
بالباطل وقيل بل لأنه يغطي الأرض بكثرة جموعه وقيل لأنه
يغطي على الناس أو سمي بذلك لكذبه وجمعه دجاجلة و دجالون
وكل كذاب فهو دجال
بكفره وقيل لأنه يدعي "
۳ السباخ ج سَبَخة والسبخة من الأرض ما لم يحرث ولم
يُعمَّر لملوحته
۵۹
قسم يدل على صدق النبوة وهذا قد طوي بساطه لكن نذكره من
أجل المعرفة به لأنه من
جملة أمور الدين
وقسم يدل على الولاية وتحقيقها
وقسم يكون من أجل المجاهدة والدوام عليها وإن كان صاحبها
فاجراً أو كافراً وكثيراً ما افتتن الناس من هذا القسم
لجهلهم به
وقسم من الذي يسمونه السيمياء وهي استنزال بعض الروحانيات
وخدمة بعض الكواكب الفلكية وهي أيضاً مما ضل بها كثير من
الناس
ولكل واحدة منها علامة تعرف بها ولا يعرف ذلك إلا من له
نور إيماني ومعرفة بها
فأما التي هي دالة على النبوة فمن شرطها التحدّي وهو أن
يقول أنا نبي ومن الدال على نبوتي أنني أفعل كذا وكذا وذلك
الذي يدعيه لا بد من ظهوره على ما ذكره علماء الدين وهذا
لم يبق لأحد فيه دعوى لقوله عليه السلام لا نبي بعدي
والتي هي دالة على صدق الولاية تظهر على يديه دون تحدٍ ومن
شرطها أن يكون في حاله متبعاً للسنة والسِّنَن لأن الله
عزّ وجلّ لم يتخذ قط ولياً بدعيا ۳ لأنه عزّ وجلّ يقول في
كتابه قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
يُحْبِبْكُمُ اللهُ ۳ وإن تحدى بها عند ضرورة دون عجب فلا
تخلفه لأنها من بركة تصديق النبوة لأن كل كرامة ظهرت لولي
فهي معجزة لنبيه عليه السلام لأنه بصدقه في اتباعه ظهر له
هذا الخير ومثاله ما ذكر عن بعض السادة حين ركب البحر فهاج
عليهم وكان المركب مُوسَقاً " قمحاً للملك وكان معه ركاب
حجاج فسمع البحريين يقولون إن القمح مكيل علينا بالشهادة
وهؤلاء الحجاج ركبوا باختيارهم ليس علينا فيهم شيء نحن
الحُجّاج وندع القمح من أجل أنا مطالبون به فلما رآهم
عزموا على ذلك قال لهم ارموا القمح على ذمتي فرَمَوا منه
ما شاء الله ثم سكن البحر وبلغوا الموضعَ الذي كانوا
أمّلوا فطلبوه بما رَمَوا من القمح فقال لهم أخرِجوا
الشهادة التي عليكم واكتالوا القمح فما نَقَص منه
غَرِمْتُهُ ففعلوا فوجدوا الزائد على ذلك القدر
1 جزء من حديث رواه البخاري في المغازي باب غزوة تبوك
ورواه مسلم في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باب
من
فضائل عليّ من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه
البدعي المبتدع والمستحدث في الدين ما ليس منه ۳ سورة ال
عمران من الآية ۳۱
٤ موسقاً محمَّلا موقرا
۵۹۳
التي كانت به الشهادة عليهم فخلوا عنه فقال لأصحابه والله
ما فعلتها إلا من أجل الضرورة إحياء لنفوس هؤلاء المؤمنين
وإن كان يتحدّى بها لغير ضرورة فليس هو في منزلة الأولياء
بل هو في حزب سَنَستَدْرِجُهُم مِنْ حَيْثُ لَا
يَعْلَمُونَ ﴾ ۱ وهذا هو حظهم من الله عزّ وجلّ لأنهم قد
نصوا أن من كانت عبادته من أجل أن تظهر له كرامة أو تستجاب
له دعوة أو يُعرف بالخير من أجل المنزلة فأولئك من الذين
يعبدون الله على حرف ٢
وأما التي هي من أجل المجاهدة فإنه تظهر له كرامات لكن
ليست بنافذة ۳ ولا مكاشفته تتعدى مدى بصره وتكون في المؤمن
والكافر وهي من أثر المجاهدة فإن بالمجاهدة نفسها يتنور
الباطن ويرجع القلب مثل المرأة الصقيلة ينطبع فيها كل شيء
قابلها لا غير وما لم يكن في مقابلتها فلا ينطبع فيها
ومثال ذلك ما ذكره عن بعض الأكابر أنه في بعض أسفاره مَرَّ
بِدَير رهبان فرأى ما هم فيه من كثرة المجاهدة فوقع له
استحسان لتلك المجاهدة فلما وقع له ذلك أمروا لخديمهم
بالإقبال عليه وأن يحسن قراه ويدخله بيت تعبدهم حيث
أصنامهم فلما أدخله بيت الأصنام وقع في خاطره سخفُهم وقلة
عقولهم لكونهم يعبدون تلك الأصنام فلما وقع له ذلك وإذا هم
يصيحون على الخديم أخرجه أخرجه فأخرجه من حينه فتعجب لسرعة
اطلاعهم على خاطره لكن لا يجاوزون بمكاشفاتهم مدى البصر
وإذا كانت المجاهدة عن إيمان واتباع للسنة كاشف من العرش
فما دون وكانت الدنيا كلها عنده كخطوة واحدة يتصرف فيها
كيف شاء بحسب ما يفتح الله عليه
0
وأما التي هي من طريق السيمياء واستنزال بعض الروحانيات
وعبادة بعض الكواكب الفلكية فله ٦ علامات
أما الذي يعبد بعض الكواكب فلكل عابد كوكب علامة يعرف بها
مثاله أن الذي يعبد زُحل ٧ يكون لباسه أخسَّ اللباس وأقذره
وعيشه وجلوسه من تلك النسبة فالذي يراه في ذلك
۱ سورة الأعراف من الآية ۱۸
الحرف من كل شيء جانبه وطرفه والآية الكريمة وَمِنَ
النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفِ أي يعبده في
السراء لا في
الضراء ۳ نافذة ماضية قاطعة
٤ الخديم الخادم 0 كذا بزيادة الواو ٦ أي لصاحب خرق العادة
۷
زُحل أحد الكواكب الكبرى في المجموعة الشمسية ترتيبه
السادس من الشمس وهـو علـى بعـد =
٥٩٤
الحال يظنه من الزهد والورع وما هو إلا بمقتضى ما يقتضيه
معبوده ويبقى على ذلك الحال قدر دورة معبوده في الأفلاك
وذلك على ما يزعمون ستة وثلاثون ۱ سنة على تلك الحالة التي
بينت لا يفتر فإن فتر ساعة فَسَد عليه كل ما تقدم ولكل
واحد مما عدا هذا أيضاً حالة تخصه إلا أن هذا عندهم أنحس
الحالات
وأما الذي هو من الروحانيات ليس إلا فحاله الظرف في اللباس
وفي كل أمره وانشراح النفس وما يطيبها وحسن المجالس ومع
هذا فالغالب على أهل هذه الطرق الفاسدة حظوظ النفس وطلب
الرئاسة وعدم اتباع السنة واختراع بدع يجلب بها الجهال
ويجعلها من طريق الحكمة ورياضة النفس وهو الضد - أعاذنا
الله من ذلك - لأن ما كان من طريق خرق العادات التي ليس
على صاحبها لسان العلم حاكماً تجدها غير نافذة من كل
الجهات وإذا جاء من له حقيقة يقابلهم ما يمشي لهم منها شيء
ويتعذر عليهم أكثرها بحسب قوة إيمان الشخص وضعفه ولذلك
فأكثر ما يخالطون الجهال
والذي خرق العادة له مع اتباع السنة هو في حالة ملك لا
يُغلب بحيلة ولا مكر ولا قوة محسوسة أو معنوية وأمره
يتزايد لا ينقص والناس وجميع الوجود عنده كلهم على حد واحد
كيف شاء أن يتصرف تصرّف بغير دعوى متبرىء من الحول والقوة
إلا إلى الله صاحبها وهو أخوف الناس على نفسه إلا عندما
تأتيه البشائر الربانية
وعلامته أن يكون أكثر الناس تواضعاً وأقبلهم لهم عذراً إلا
ما كان في حق الدين وأكثرهم شفقة عليهم ونفسه عنده أقل
الخلق ويشاهد ذلك الخير فيضاً ومَناً بغير استحقاق ويحض
الناس على اتباع السنة والسنن كثير الصمت إلا فيما يعنيه
كثير الفطنة قليل الطمع ملاحظ بقلبه الآخرة لا يرى لنفسه
على أحد حقاً ويرى حقوق الناس قد ترتبت عليه بشرط أخوة
الإيمان بالحضور والغيبة يفر من المدح ويستأنس بالوحدة
يبذل المعروف ويقلل الضرر بل لا يقع منه يحبه كل شيء حتى
الأرض التي يمشي عليها والسماء التي تظله وأهلها كذلك
معرفته في كأنه السماء أكثر وأشهر مما في الأرض لا يُحِل
أكل الخبيث تؤلمه معصية العاصي هو الذي
١,٤٢٥,٧٦٧,٠٨٠ كيلومتراً في المتوسط منها وتتم دورته حول
الشمس في ثلاثين عاماً ويبلغ / ٧٣٤ / مرة حجم الأرض وكتلته
٩٤٩ مرة قدر كتلتها وكثافته ۸/۱ كثافتها ويبدو قرصاً
منبعجاً لامعاً عند الاستواء وقطره الاستوائي ۱۰,۰۰۰
كيلومتر وله عشرة أقمار تدور حوله
۱ تقدير الفلكيين ثلاثون سنة وقوله ستة كذا في المخطوطات
والمطبوعة
0
۵۹۵
فعلها وتَسُره طاعة الطائع كأنه الذي يأخذ أجرها صورته
صورة بشر وحقيقة باطنه ملكية نورانية
قدسية ووصفه يطول
مَنَّ الله علينا بما به مَنْ عليهم برحمته ورحمنا بحرمتهم
وصلى الله على محمد نبيه وعبده فمن أجل الجهل الغالب على
الناس بطريق القوم كل من رأوا منه شيئاً من خرق العادة من
أي نوع كانت قالوا صالحا ۱ أو يكون ممن سمع شيئاً من مفاسد
الفاسدين فيعيب أهل الحقيقة على الحقيقة فيحرمهم لأنه يجعل
أمرهم إما محتملاً إذا أراد السلامة أو ينسبهم إلى الطريق
الفاسد فيحصل مع الحرمان الخسارة فإن الله عزّ وجلّ يَغيرُ
لهم أشد الغيرة لقوله عزّ وجل على لسان نبيه عليه السلام
من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة ۳ وفيه دليل على
عظيم قدرة الله عزّ وجلّ يؤخذ ذلك من قوله ينزل ببعض
السباخ التي بالمدينة ثم يمنع من الدخول إليها وفيه دليل
على أن من قوي إيمانه لا يمكنه حَملُ البدع ولا السكوت
عليها يؤخذ ذلك من خروج هذا الرجل الذي شهد له رسول الله
الله بالخيرية مع علمه أنه لا يدخل المدينة وأنه - صلى
الله عليه وسلم وحده ـ لا يقدر على قتاله لكن قوة إيمانه
حملته على أن يخرج ويكذبه بين أتباعه وإن كان لا يعلم هل
ينجو منه أم لا
ألا ترى إلى ما جاء في قصة عبد الله بن رواحة ۳ حين أخبر
رسول الله أنه رأى بين سريره وسريري صاحبيه ازوراراً وعلة
ذلك ما أخبر به الصادق و أن صاحبيه تقدما ولم يتوقفا وتوقف
هو يرثي ما يشجع نفسه الطيبة بأبيات من الشعر ويطيبها
للموت ثم تقدم فقتل كما فعل بصاحبيه ٤ رحمهم الله أجمعين
فقوة الإيمان تقتضي القيام بأمر الله عزّ وجلّ ولو بقي
الشخص وحده كذلك فعل أبو بكر رضي الله عند وفاة النبي رضي
الله عند وفاة النبي ا ومنع أولئك الرهط الزكاة وخطب
۱ كذا
38
رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء وأبو نعيم في الحلية
۳۱۸/۸ والطبراني في الأوسط عن السيدة عائشة الله عنها
والبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه وألفاظه مختلفة في هذه
الروايات عما أورده الشيخ
رضي
الإمام ابن أبي جمرة رضي الله عنه
عبد الله بن رواحة صحابي يعد من الأمراء والشعراء الراجزين
كان يكتب في الجاهلية وشهد العقبة مع السبعين من الأنصار
شهد بدراً وأحداً والخندق والحديبية واستخلفه النبي الله
العليل و المدينة في إحدى غزواته وصحبه في عمرة القضاء
وكان أحد الأمراء في وقعة مؤتة بأدنى البلقاء من أرض الشام
فاستشهد فيها سنة
هـ / ٦٢٩م ٤ رواه البيهقي في دلائل النبوة ٣٦٨/٤ وللحديث
تتمة
٥٩٦
نية
ـن
مة
ق
بعدما كان ظهر للصحابة رضي الله عن جميعهم أن يسامحوا في
الوقت فقال لهم أبو بكر
رضي
الله عنه
لأقاتلنهم ولو بالدَّبور ۱ فقال عمر رضي الله عنهم أجمعين
فلما سمعت مقالة أبي بكر علمت أنه الحق وشرح الله صدري لما
شرح له صدر أبي بكر وهو من أقوى الأدلة على أن النصر ما
يكون إلا بقدر قوة الإيمان لأن أبا بكر رضي الله عنه لم
يتم كلامه إلا والمسجد قد امتلأ بالدبور وهي الريح وقيل
بالتشديد وهو طائر يشبه النحل ۳ وهو أشد ضرراً منها وأتت
وجوه القوم حتى خرجوا من حينهم من المسجد
وقوله رجل هو خير الناس أو من خير الناس ۳ الشك من الراوي
وقوله عليه السلام خير - على إحدى الروايتين - قد حصلت له
الشهادة من الصادق المصدق بالخيرية
وفيه دليل على أن الخيرية هي بقدر الإيمان لأنه إذا قوي
الإيمان علم قطعاً أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له قعد أو
تحرك فالأولى المبادرة إلى ما أمر به أو ندب إليه قال عزّ
وجلّ ﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا
هُوَ مَوْلَسْنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ
الْمُؤْمِنُونَ ٤ وقوله فيقول أشهد أنك الدجال أي لست أنت
بالرب كما تزعم بل أنت كذاب فهذه أكبر المجاهدة يقول الحق
ولا يلتفت إلى ما يترتب عليه وصار اليوم عند بعض المنسوبين
إلى العلم أو الدين يتركون قول الحق من أجل توقعات ممكنة
يتوقع منها ضرر دنيوي فيلزم من شاهد حاله أنه مِن شرِ
الناس وقد أخبر بذلك الصادق عليه السلام حيث قال يأتي على
الناس زمان يصبح الرجل فيه مؤمناً ويُمسى كافراً مؤمناً
ويصبح كافراً يبيع دينه بعَرَض من الدنيا ٥ وفي هذا الحديث
مصداق لقوله عليه السلام لا تزال طائفة من أمتي على الحق
ظاهرة إلى قيام الساعة لا يضرهم من خالفهم ٦
1 الدبور الريح تهب من المغرب وتقابلها القبول
ويمسي
الدَّبُور جمع دَبر وهي جماعة النحل والزنابير والدبور
جمعه دبابير وهي الزنابير وهو عربي مولد
معرب عن السريانية وقيل عامي ۳ قال كثير من العلماء إنه
الخضر رضي عنه واسمه بليا بن ملكان وكنيته أبو العباس
ولقبه الخضر وقد ورد أن من عرف اسمه وكنيته ولقبه واسم
أبيه مات على حسن الخاتمة وورد في فضائله الله الله إنماء
الخضير خضيرا لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز تحته
خضراء رواه الشيخان
سمي
٤ سورة التوبة من الآية ٥١
٥ رواه مسلم في الإيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً
مع اختلاف يسير في اللفظ
جزء من حديث صحيح متواتر رواه البخاري في الاعتصام
والأنبياء والتوحيد ومسلم في الإيمان والإمارة والترمذي في
الفتن وأبو داود في الجهاد والفتن والملاحم وابن ماجه في
المقدمة وأحمد في مسند الشاميين والدارمي في الجهاد
=
۵۹۷
وفيه دليل على إبقاء الإيمان كاملاً في المدينة وإن كان في
بعض أهلها تخليط يؤخذ ذلك من أنه لم يخرج له من يواجهه
بهذا الحق إلا من المدينة ولو كان له موضع اخر ثان لأخبر
به يلي وفيه تأنيس لمن وفق للحق وإن خالفه أهل زمانه
وبشارة له بالنصر لأن العلة التي من
أجلها كان النصر لذلك المبارك موجودة عنده وهي قوة الإيمان
وقول الحق في الله وفيه دليل على أن قوة الإيمان عند
الضرورة لا تعول على القدرة بمجردها ولا تستعمل أثر الحكمة
مع التصديق بثبوت أثر الحكمة والقدرة معاً أما العدول منه
عن أثر الحكمة فكونه خرج إلى ما لا طاقة له به وقد دلت
الشريعة التي
مقتضى الحكمة على منع ذلك بقوله تعالى ﴿ وَلَا تُلْقُوا
بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَهْلُكَةِ 1 وأما أثر القدرة فقوله
تعالى وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا
بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ ۳ وقوله تعالى قُل لَّن يُصِيبَنَا
إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا ۳ فأشد الأمور - وهو القتل
- لما لم يرد الله عزّ وجلّ موت هذا لم يضره ولما أراد
ثانية أن يمنعه مَنَعه بغير أثر حكمة إلا إظهار قدرة تامة
ليعلم أن الله على كل شيء قدير وأما قتله أولاً فتحقيق
لعظيم القدرة لأنه قد كان يقول القائل لم يره وحجب عنه
ويرى أن ذلك من خرق العادة للأولياء وما أظهر الله عزّ
وجلّ له من الكرامة أرفع وأعظم
E
وفيه دليل على أن الفتنة لا تضرّ مع الإيمان ولا تزيده إلا
تحقيقاً يؤخذ ذلك من كونه فعل به أشد الفتن وهو الموت
والإحياء ثم ما زاده ذلك إلا قوة في إيمانه كما ذكر هو
بقوله والله ما كنت قط أشد بصيرة مني اليوم وذلك لأنه كان
عنده قبل عِلمُ يقين وصار الآن عنده عينُ يقين وعين اليقين
لأهل الأحوال هو أعلاها كما قال الخليل عليه السلام حين
قيل له أَولَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَينَ
قَلبي ٥ فأراد عليه السلام الانتقال من علم اليقين إلى عين
اليقين
فاستحق بذلك درجة الخُلَّة
o
۱ سورة البقرة من الآية ۱۹٥ سورة البقرة من الاية ۱۰ ۳
سورة التوبة من الاية ٥١
٤ اليقين في حقيقة معناه رأس مال الدين قال رسول الله الله
اليقين الإيمان كله أخرجه البيهقي في الزهد والخطيب في
التاريخ من حديث ابن مسعود بإسناد حسن وبين علم اليقين و
عين اليقين و حق اليقين علاقة وشيجة أقرب مثال لفهم
العلاقة بينهما أنك لو رأيت دخاناً فاعلم علم اليقين أن
وراءه نارا وإذا
اقتربت أكثر منه فرأيت النار فذلك عين اليقين وإذا مَسَست
النار فلذعتك فذلك حق اليقين
٥ سورة البقرة من الاية ٢٦٠
۵۹۸
وفيه تصديق للحديث الآخر وإن كان كل واحد منهما يصدّق
الآخر الذي قال عليه السلام فيه تُعرَضُ الفتن على القلب
عوداً عوداً فأيُّما قلب أُشرِبَها نكتت فيه نكتة سوداء
وأيما قلب لم يُشْرَبها نكتت فيه نكتة بيضاء فلا تزال تتسع
حتى تعود على القلب مثل الصفاة لا تضره فتنة بعد ۱ لأن هذا
لما صدق قول النبي وخرج مجاهداً في سبيل الله ورسوله لم
يضره
القتل بل زاد به إيمانه
ويؤخذ من حال الدجال الدليل على تكذيبه يؤخذ ذلك من قوله
لأتباعه أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته هل تشكون في الأمر
فلو كانت إلهيته حقاً لجلب القلوب على التصديق لأن القلوب
كما يقتضي الإيمان أنها بين أصبعين - أي بين أمرين من أمر
الرحمن ۳ - وكونه يطلب منهم ـ التصديق على ربوبيته بما
يبدي لهم ضعف في قدرته وهذا في حق الربوبية محال
وفيه دليل على إظهار قدرة الله عزّ وجلّ فيمن حكم عليه
بالضلالة أنه لا تنفعه العبر ولا المواعظ يؤخذ ذلك من أن
الدجال ادعى أن دليل ربوبيته إماتة الشخص وإحياؤه ففعل ثم
جاء ثانية أن يفعل فمنع من غير موجب ظاهر فكان يجب عليه
وعلى أتباعه الإقرار بالحق لأنه قد جاء ما أبطل دليله في
عالم الحس ولم يقدر على دفعه فما بقيت الأدلة تنفع
والمواعظ إلا مع السعادة ولا تضر الفتن والامتحانات إلا مع
الشقاوة
فنسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يعيذنا من الشقاوة
والحرمان ومن المحن والفتن في الدارين ويمنّ علينا
بالسعادة فيهما بفضله لا ربَّ سِواه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 رواه مسلم بلفظ تعرض الفتن على القلوب كالحصير عُوداً
عُوداً فأي قلب أشربها نُكِتَ فيه نكتةً سوداء وأي قلب
أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين أبيض مثل
الصفا فلا تضره فتنته مادامت السموات والأرض والآخر أسودُ
مُزباداً كالكوز مُجَخْياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر
منكراً إلا ما أشرب من هواه عن
حذيفة رضي
الله عنه
هو معنى لحديث رواه الإمام أحمد في المسند ۱۷۳/ وانظر الدر
المنثور ۸/-۹
0
۵۹۹
-٨٦-
حديث حراسة مكة والمدينة من الدجال
أنس بن مالك رضيَ الله عَنهُ عَنِ النبي ا ا قالَ لَيسَ
مِن بلَدٍ إلا سَيطَوُ الدَّجَالُ إِلا مَكَّةَ
وَالمَدينةَ لَيس لَهُ مِن نقابِها نَقب ۱ إلا علَيهِ
المَلائِكَةُ صافينَ يحرُسونَها ثمّ تَرجُفُ المَدينةُ
بأهلِها ثَلاثَ رجفَاتٍ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلٌّ كافِرٍ
وَمنافق
ظاهر الحديث يدل على أن جميع بلاد الأرض يدخلها الدجال إلا
مكة والمدينة والكلام
عليه من وجوه
منها الدليل على تحقيق خروج الدجال ومنها التساوي بين فضل
مكة والمدينة وقد
6
اختلف العلماء فيهما في الفضيلة فمالك رحمه الله ومَن
تَبِعه يفضلون المدينة على مكة والشافعي رحمه الله ومَن
تبعه يفضلون مكة على المدينة ولم يختلف أحد أن موضع قبره
أفضل البقاع وإنما الخلاف فيما عداه من البلدين واستدل كل
واحد منهما بظواهر أحاديث كلها تحتمل التأويل وبأقيسة
ولكنها أيضاً تحتمل التعليل
وظاهر هذا الحديث يعطي التسوية بينهما في الفضل لأن جميع
الأرض يطؤها الدجال إلا هذين البلدين فدل على تسويتهما في
الفضل ويُؤكَّد ذلك أيضاً من وجوه من النظر لأنه إن خُصَّت
المدينة بمدفنه عليه السلام وإقامته بها ومسجده فقد خُصَّت
مكة بمَسقَطِه عليه السلام بها ومبعثه منها وهي قبلته
فمطلع شمس ذاته المباركة مكة ومغربها المدينةُ وإقامته بعد
النبوة - على المشهور من الأقاويل - بمكة مثل إقامته عليه
السلام بالمدينة وفيه دليل على كثرة ما يُعطَى هذا اللعين
من خرق العادة فمنها كونه يَطَأ الأرض كلها ولم أن تكون
إقامته في الأرض وطوافه عليها إلا في أربعين يوماً إلا أن
أول يوم منها كسَنَة
يجيء
۱ النقب الخرق في الجلد أو في الجدار أو نحوها جمع أنقاب
ونقاب
10
وهنا بحث وهو هل هذا الذي راه الله مع كونه حقاً هل ذلك
مثال يعرف به الحكم
وترى له الكيفية أو ذلك حقيقة أري له بعض أهل المعصية على
ما هم فيه محتمل لأنه عليه
السلام لم يخير أنه رأى من أهل هذا الحال إلا واحداً
وبالقطع إن أهل ذلك الذنب عدد كثير
والقدرة صالحة للوجهين معاً
وهل الموضع الذي رآه فيه عليه السلام أيضاً بالأرض المقدسة
هو موضعه الذي كان دفنه فيه أو فسح له عليه السلام من
الأرض المقدسة حتى رآه في موضعه على حاله ذلك فالقدرة
أيضاً صالحة للوجهين معاً وفيه أيضاً دليل على عظم قدرة
القادر
وفيه دليل على أن من الفصيح في الكلام الحذف والاختصار إذا
لم ينقص ذلك من المعنى شيئاً يؤخذ ذلك من قوله يدخله في
شِدقه حتى يبلغ قفاه ولم يذكر كونه يشقه بعد فحذف ذلك
للدلالة عليه بقوله فيلتئم شدقه هذا فلو كان ثقباً دون شق
ما احتاج أن يبين أنه لا يرجع إلى الآخر إلا وهو قد التأم
لأنه إذا ثقب موضع من الشدق الواحد بقي منه مواضع غير ذلك
فيرجع فيثقب فيها فيكون أكثر في تألمه لكونه يبقى له جرح
ويجرح جرحاً آخر في جنب الجرح الأول ولكن لما كان شَقَّ لم
يبق له فيه لِمَا يَرجع إلا أن يلتئم فلذلك بين بقوله
فيلتئم
وقوله فانطلقنا أي سرنا وقوله حتى أتينا أي بلغنا وقوله
إلى رجل مضطجع على قفاه ورجل قائم على رأسه بقهر أو صخرة
الفِهْر الحَجَر المدوّر والصخرة حَجَر مبسوط وقوله
فيَشدَخُ به رأسَه أي يكسره ويبالغ في كسره
وقوله عليه السلام فإذا ضربه تَدَهْدَهَ الحَجَرُ فانطلق
إليه ليأخذه فلا يرجع حتى يلتثم رأسه وعاد رأسُه كما هو
فعاد إليه فَضَرَبه هذه الصفة كناية عن شدة الضربة
بالحَجَر لأنه إذا ضرب به حتى زال عن يده وذهب إلى بُعْدِ
منه من حيث يحتاج أن يمشي إليه وحينئذ يأخذه فهذه الصفة
عندنا في هذه الدار معلومة إنه إذا كان الذي يضرب بالحجر
ذا قوة بعد ضرب الحجر في
الشيء الذي يُضرب به ويذهب عنه إلى بُعْد وربما إن أصابت
شيئاً آخر كان تأثيرها فيه كثيراً
وفيه من الكلام مثل الذي قبل من الدليل على أمور الآخرة
وعِظَمِها وعِظَمِ القدرة الربانية الجليلة وفي هذا الفصل
وفي الذي قبل دليل على أن أمور الآخرة ليست كأمور الدنيا
يؤخذ ذلك من كون هذا مضطجعاً لا يقدر أن يتحرك بلا شيء
يحبسه والآخر قاعد أيضاً بلا شيء يحبسه كلاهما مستسلم لهذا
الأمر العظيم وفي هذه الدار لا يمكن أن يُحبَس أحد لبعض ما
هو أقل من هذا
إلا بحبس شديد من وثاق أو غيره هذا من عجائب القدرة
وفيه أيضاً دليل يتبين به معنی قوله تعالی غِلاظٌ شِدَادٌ
۱ لأن قوة تلك الضربة لا تكون
إلا عن تلك الصفات المذكورة وهي من جملة التخويفات وهنا
بحث وهو لم خُص هذا العضو من سائر الأعضاء بالعذاب فالجواب
أنه هو الذي ترك السَّهَر بالتهجد بالقرآن كما يذكر في آخر
الحديث وهناك يكون البحث عليه قوله عليه السلام قلت ما هذا
قالا انطلق فانطلقنا إلى ثَقب مثل التنور أعلاه وأسفله
واسع تتوقد تحته نار فإذا اقترب اقترب بمعنى قرب كقوله
تعالى اقْتَرَبَتِ
السَّاعَةُ
2 ٢ أى قربت فإذا قربت منهم تلك بِحَرّها وهذا كناية عن
عظيم تأججها
ه ضيق
وقوله ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا منها هكذا تفعل القدر
هنا إذا كانت على النار واشتدت النار تحتها غلت فارتفع ما
فيها إلى أعلاها حتى إنه إن غفل عنها رمت بعضَه خارج القدر
فدل بهذه الصفة على عِظمَ حَرّها والحكمة في كونه مثل
التنور أعلاه ضيق لأنه أبلغ في حرارة النار لأنه تنعكس
حرارتها إلى داخل
وقوله حتى كادوا أن يخرجوا أي قربوا من الخروج وقوله فإذا
خمدت أي سكن حرها وقوله رجعوا فيها أي رجعوا إلى الحالة
الأولى وقوله وفيه رجال ونساء عراة الكلام عليه كالذي تقدم
من إظهار القدرة وعِظَمها
وهنا بحث وهو لِمَ كان من تقدم من المعذبين منفردين وهؤلاء
مجتمعِينَ فالجواب أن نقول هذا كما أخبر عزّ وجلّ في كتابه
بقوله ﴿ جَزَاءً وِفَاقًا ۳ لما لم تكن هذه المعصية في هذه
الدار إلا في جمع - والجمع ينطلق في اللغة على الاثنين
فصاعداً - وهَتَكا ما أُمِرا به من ستر العورة كان هنالك
كذلك حكمة حكيم وهؤلاء هم الزناة كما يأتي بعد
وفيه فائدة كبرى لمن رُزِق التصديق به والإيمان وأعني
بالتصديق الذي يكون حقيقياً وهي إن تحرك من النفس أو من
الشيطان باعث لمثل هذا يذكرها هذه الحالة المهلكة فترجع عن
غيها ولهذا وما أشبهه أعلمنا به لأنه ليس من يخاف عقاباً
على الجملة لا يدري قدره مثل من يخاف
عقاباً معلوماً
هذا في الخوف أبلغ كما ذكر عن بعض المتعبدين أنه حسده ناس
من شياطين الإنس
۱ سورة التحريم من الآية ٦
سورة القمر من الآية 1 ۳ سورة النبأ من الآية ٢٦
٥٠٢
في حاله المبارك فأرادوا أن يُوقعوه فأخذوا امرأة في غاية
الحسن والجمال بعدما علموها ما تقول له وكيف تستدرجه
وزيّنوها ثم تلاحوا بينهم حتى أظهروا كأنهم يقتتلون في
شأنها وكأنها ابنة أحدهم ثم جاؤوه يرغبون منه لعله يمسكها
الليلة في بعض زوايا بيته حتى يعودوا إليه أو ما يشبه هذا
المعنى فامتنع فما زالوا في المَكْرِ به حتى أنعم لهم في
ذلك وهو لا يعرف لها صورة فلما جَنَّ الليل وهو مشتغل
بعبادته وإذا بها قد أنته على تلك الحالة بصورة خوف
لحقها تستجيرُ به لتُرِيَه وجهَها وتجلس معه بادية الوجه
بالقرب منه فلم تزل تكيد عليه حتى راودته وعزمت عليه
بالفاحشة فلما رأى جدّها قال لها أمهلي يسيراً وأخذ دهناً
وألقاه في المصباح وزاده فتيلاً فلما قويت شمعته جعل عليها
أصبعه وتركها ساعة والنار تتقد فيها حتى اشتد عليه ألم
النار صاح صيحة وغشي عليه وأدركها هي الرعب من حاله وصدقه
مع الله فكفّت فلما أصبح وأتوها وأخذوها وسألوها أخبرتهم
بما جرى فارتجعوا عنه وقال بعضهم
فكيـ
على البَرْدِ ليس تَقْوَ ولا على أيس
ـوَى لِحَرِّ نـ
وَقودُهـ
ـرارَه الناسُ والحِجارَه
وقوله عليه السلام فقلت ما هذا قالا انطلق فانطلقنا حتى
أتينا الكلام على هذه الألفاظ كما تقدم أولاً وكذلك تلك
البحوث هل ما رآه عليه السلام حقيقة أو تمثيلاً في كل وجه
يتكرر البحث فيه والجواب عليه على حد واحد فإن القدرة لا
تعجز عن شيء
وقوله على نهر من دم فيه رجل قائم وعلى وسط النهر - قال
يزيد ووهب بن جرير عن جرير بن حازم وعلى شط النهر - رجل
بين يديه حجارة فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن
يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فردّه حيث كان فجعل كلما جاء
ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان الكلام على ما فيه من
أمر عظيم القدرة كما تقدم وما فيه من حذف بعض الألفاظ
للدلالة عليه كالكلام على ما كان قبل والحذف الذي هنا قوله
رمى الرجل في فيه ولم يذكر الذي على حافة النهر وإنما حذفه
لدلالة الكلام عليه قبل ولأن فيه الألف واللام وهي للعهد
أي الرجل المعهود وهو المذكور قبل وفيه حذف آخر وهو قوله
كلما جاء ليخرج رمى في فيه وسكت عن ذكر الرجل وموضعه وإنما
سكت هنا أيضاً عنه لما دل عليه الكلام أولاً لأنه لم يذكر
في القضية إلا رجلين لا ثالث لهما وبين موضع كل واحد فإذا
ذكر ما فعل بالواحد لم يفهم أنه فعله إلا الثاني
1 الواو زائدة في جواب لمّا ٢ أي كائن حقيقة أو تمثيلا
٥٠٣
وهنا بحث وهو لم كان من تقدم قعوداً لا يتحركون وهذا يخوض
في هذا النهر ويرجع فالجواب أنه لما كان الذنب الذي أوجب
هذا هو أكل الربا والربا في هذه الدار لا يكتسب في الغالب
إلا بالذهاب والرجوع فكان عذابه من ذلك الجنس
وكونه دماً إنما كان ذلك كذلك لأن الدم ثخين ثقيل والخوض
في الشيء الثخين الثقيل من أتعب الأشياء ثم زيد لذلك
التألمُ بريحه ثم زيد كذلك رَمْيُ الحجر في فيه لأن به كان
يأكل الربا فكان ذلك عذاباً على عذاب مضاعف ثم انظر إلى
قدرة القادر كيف تزيده الآلام إذا أراد الخروج ثم إنه مع
ذلك لا يقدر أن يقف في ذلك الموضع حيث هو لشدّة ما هو فيه
فيروم لعل راحة فيزيده بلاء على بلاء كما قال بالبعد أشقى
وبالقرب لا أستريح فما هي إلا الآلام تتأكد وتفيح" وقوله
عليه السلام قلت ما هذا قالا انطلق فانطلقنا حتى انتهينا
إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة وفي أصلها شيخ وصبيان ورجل
قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها الروضة الخضراء هي
أحسن الروضات وهنا تحققنا أن هذا تمثيل لا حقيقة للموضع
لأنه ذكر بعد أن هذا الشيخ إبراهيم عليه السلام والصبيان
أولاد الناس وذكر عن الرجل الذي يوقد النار أنه مالك
والكلام على توجيه البقعة والشجرة وما معناهما عند ذكره ل
لذلك يأتي في آخر الحديث وقوله عليه السلام فصعِدًا بي
الشجرة فأدخلاني داراً لم أرَ قَطُّ أحسن منها من أكبر
الأدلة على أن أمور الآخرة لا تطيق العقول فهمها إلا بعد
علم أشياء عديدة وتوفيق ونظر في مثل هذا المثال الذي جعل
فيه الشجرة طريقاً إلى الدار لا يقبله العقل بديهة فإذا
بين له على ما أذكره بعد إن شاء الله زاد إيمانه وقويت
عظمة الله تعالى في قلبه
وقوله عليه السلام فيها شيوخ وشباب ونساء وصبيان ثم
أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فيه دليل على أن هذه الدار
الأولى كانت في بعض الشجرة يؤخذ ذلك من كونهم حين خرجوا من
الدار صعدوا في الشجرة
وقوله فأدخلاني داراً هي أحسن وأفضل فيها شيوخ وشباب قلت
طَوَّفتماني الليلةَ فأخبراني عمّا رأيتُ قالا نعم الذي
رأيته يشق شدقه قد تقدم الكلام على هذا أولاً غير أنه ما
ذكرناه هناك من الشق وكان مضمراً عاد هنا ظاهراً وعاد
الإدخال الذي كان هناك ظاهراً هنا
مضمراً
1 البيت مضطرب الوزن و تفيح تشتد وتهيج
٥٠٤
وقوله فكذاب يحدث بالكذبة تُحمل عنه حتى تبلغ الآفاق
فيُصنَع به إلى يوم القيامة هكذا لا يفتر زائداً على ما
لَهُ يوم القيامة من العذاب الأليم
أقسام الكذب 1
ونحتاج هنا أن نعرف الكذب الذي هو هذا عذابه فنقول والله
المستعان إن الكذب ينقسم على خمسة أقسام فمنه واجب وصاحبه
مأجور ومنه مندوب وصاحبه مأجور أيضاً على ما أبينه بعد
ومنه مباح ولا أجر فيه ولا إثم على قائله ومنه حرام وهو
الذي عليه هذا الوعيد العظيم
ومنه مكروه
فأما الواجب منه فهو أن تعرف شخصاً في موضع ويسألك عنه من
تعلم أنه يسفك دمه ظلماً وعدواناً فيتعين عليك في هذا
الموضع الكذب وتقول لا أعلم وإن حلفك تحلف وتُوَرّي في
قلبك بأن تقول أعني موضع قعوده أو هل هو واقف أو مضطجع
فإنك لا تعرف في أي موضع الآن من البيت الذي هو فيه هل في
الزاوية اليمنى أو اليسرى أو وسط البيت أو في موضع الحاجة
لأنه من يحلف على غير حق عليه اختلف العلماء فيه هل اليمين
على نية الحالف أو على نية المحلوف له على ثلاثة أقوال على
نية الحالف أو على نية المحلوف له أو على نية الذي أرادها
أولاً ولم يختلف أحد منهم على أنها إذا كانت في حق عليه
فإنها على نية المحلوف له لقوله صلى الله عليه وسلم اليمين
على نية المحلوف له فإن صدق هنا ودله عليه كان قد شارك في
قتل مسلم بغير حق وقال مَن شارَكَ في قتل مسلم ولو بشطر
كلمةٍ جاء يوم القيامة وبين عينيه ايس من رحمة الله ۳ وما
أشبه هذا النوع فالكذب فيه واجب ومن فعل واجباً كان
مأجوراً وأما المستحب فالكذب في الحرب مع نزيله لقوله و
الحرب خدعة 1 فيكون مأجوراً لاتباعه السنة في ذلك الموطن
ونحتاج أن نبين هذا الكذب بالمثال من أجل أن ٥ تعطيه العهد
ثم تقتله وتظن أن ذلك هو الكذب الجائز في الحرب وهو أن
فعلته نقض عهد ونقض العهد حرام لا يجوز وقد كان عمر رضي
الله عنه يكتب إلى جيوشه بالأمصار من بلغني عنه أنه قال
للعلج مُطَّرس ثم قتله قتلته به و مُطْرس بلغتهم الأمان
الأمان
۱ هذا العنوان وضعناه لبيان ما يلي من تفصيل وليس موجوداً
في الأصل
نص الحديث اليمين على نية المستحلف رواه مسلم وابن ماجه عن
أبي هريرة رضى الله عنه الحديث من أعان على قتل مسلم بشطر
كلمة لقي الله يوم القيامة مكتوبٌ بين عينيه آيسٌ من رحمة
الله أخرجه ابن ماجه والبيهقي عن أبي هريرة والطبراني عن
ابن عباس رضي الله عنهم
۳ نصر
٤ حديث صحيح متواتر ٥ يريد من أجل خشية أن
040
فمثال الكذب الذي يجوز في الحرب أن يقول لنزيله مَنْ ذلك
الشخص الذي خلفك وليس وراءه أحد من أجل أن يلتفت فيتمكن
منه أو يقول له ما بال حزام سرجك محلولاً تريد أن تريني
حُسن ركوبك فإما أن يلتفت إلى حزام سرجه فيتمكن منه وإما
أن يدخله الشك فيبقى يشتغل بحبس نفسه في سرجه فَتَقِل
شطارته لذلك فيكون أمكن منه وما يشبه هذا النوع
وأما الكذب المباح فمثل أن يكون الشخص قد فعل شيئاً ونسي
أنه فعله فيسأل عنه فيقول
لم أفعله فهذا من قبيل المباح لأنه قال لا إن الله تجاوز
عن أمتي الخطأ والنسيان۱ تجاوز عنه فلا إثم عليه ولا هو
أيضاً فيه مأجور فهذه صفة المباح أعني في عدم الإثم وعدم
الأجر فما كان هذا سبيله من جميع الأشياء فهو مباح وأما
المكروه فهو ما يَعِدُ بِهِ الرجل امرأته من الإحسان ولا
يفي لها به لقول سيدنا الله للسائل الذي سأله أأكذب
لامرأتي فكره ذلك فقال له أعِدُها قال افعل
وقد ذكر بعض الناس أنه إن اشترى حاجة لامرأته ليست بواجبة
عليه إلا من طريق الإحسان لها ويخبرها عن ثمنها بأزيد مما
دفع فيها أنه من قبيل المكروه لأنه لا يترتب عليه إلا
مصلحة نفسانية وهي كونها تطاوعه في كل ما يريد ولا يترتب
عليه أيضاً مفسدة كما أخبر في الحديث من فتح باب ضرر
للمسلمين بكذبه وقد قال الله في حديث آخر من ضارّ بمسلم
ضرّ الله به مثال ذلك أن يُسأل شخص قد جاء من بلد إلى بلد
آخر عن سعر ذلك البلد الذي جاء منه فيخبر أرفع مما هو
فيخطر لأحد أهل ذلك الموضع أن يجلب إليه الطعام لما يرى من
الفائدة في ذلك السوم الذي أخبر به الكذاب فإذا أتعب نفسه
وغرَّرَ بها وبِمالِهِ وبلغ البلد وجد السعر ناقصاً عما
قيل له فخسر في ماله وتغير حاله وخاطره وكثرت عليه المفاسد
وسبب ذلك تلك الكذبة هذا وما يشبهه هو الممنوع
وأما الحرام الذي عليه هذا الوعيد العظيم فهو المتعهد
للكذب بلا عذر مما تقدم ولا مما يشبهه وقد قال لا يزال
الرجل يتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذاباً ۳ وهو الذي
يقول الله ضد الحق عامداً لذلك وقد جاء أن الرجل يُحاسب
على الكذيبة وهي أن تنفلت منه دابته فيروم
۱ بقية الحديث وما استكرهوا عليه أخرجه ابن ماجه عن أبي ذر
والطبراني والبيهقي في الأفراد والحاكم في المستدرك عن ابن
عباس رضي الله عنهم
لم نقف على مصدره
۳ أوله عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر أخرجه الإمام
أحمد والبخاري في الأدب المفرد ومسلم
والترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه
0
ذا
ن
C
أخذها فلا يطيق ذلك فيُخرج لها التعليقة التى كانت تأكل
فيها العلف ليريها أن بها علفاً وليس فيها شيء فتأتيه
فيأخذها فإذا كان السؤال عن مثل هذا فما بالك بغيرها
وقوله يفعل به إلى يوم القيامة إذا كان هذا من حين موته
إلى يوم القيامة فكيف حاله يوم القيامة لو لم يكن إلا ذلك
لكان أمراً عظيماً وفيه دليل على أن لأصحاب المعاصي عذابين
عذاباً في قبورهم وعذاباً آخر يوم القيامة
وقوله والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه الله القرآن فنام
عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار يُفعل به إلى يوم القيامة
فيه دليل لأهل السنة الذين يقولون إن أفعال العبد كسب له
وخَلْق لربه يؤخذ ذلك من قوله علمه الله القرآن فأضاف
حقيقة التعليم إليه - عزّ وجلّ ـ وإن كان
العبد قد تسبب فيه بالدرس والاجتهاد
وهنا بحث وهو كيف يقع العذاب على ترك القيام بالليل وهو من
جملة المندوبات والمندوب لا يعذَّب عليه تاركه فالجواب أن
نقول قد اختلف العلماء في وجوب قيام الليل فمنهم من قال
بوجوبه والذي قال بوجوبه قال هو قدر فواق ناقة أي قدر ما
تحلب الناقة فعلى هذا القول فالحديث له فيه دليل فلا بحث
على هذا الوجه ومنهم من قال إنه مندوب وهم الجمهور وعلى
هذا يقع البحث والجواب عنه من وجهين
أحدهما لما كان يُعذَّب على غير الكبائر اتبعتها الصغائر
لقوله تعالى ﴿ إِن تَجتَنِبُواً كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ
عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ 1 فدل على أنه
إن لم يجتنب الكبائر يعذب على الجميع وليس ترك مندوب متفق
عليه كمندوب مختلف في فرضيته أو ندبيته فبهذا نلحقه
بالصغائر وإن كان عند الأكثر مندوباً من أجل خلاف بعض
العلماء في وجوبه كما تقدم
و الوجه الآخر هو أنه قد جاء أن العبد يُنظَر يوم القيامة
في صلاته فإن أتى بها فحسن
وإن كانت ناقصة قال الله تعالى انظروا إلى عمل عبدي إن كان
له نوافل أكملوا منها صلاته
ومثل ذلك في كل الأعمال إذا لم يكملها وله نافلة من جنسها
جبرت منها فضلا من الله ورحمة فلما ترك هذا قيام الليل
الذي يجبر به ما ضيعه من صلاة نهاره عذب عليه لكونه لم
يفعل ما يجبر فرضه فتكون تسميته بالعذاب ليس من أجل نفسه
وإنما هو من أجل ما نقصه من فرضه ولم
۱ سورة النساء من الآية ۳۱ ٢ أوله إن أول ما يحاسب به
العبد يوم القيامة من عمله الصلاة أخرجه الترمذي والنسائي
وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه
٥٠٧
يفعل ما يجبره فالعذاب في الحقيقة إنما هو ما نقص من فرضه
وقد قال جل جلاله إِنَّ نَاشِئَةٌ الَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ
وَطْنَا وَأَقْوَمُ قِيلا ۱ وهذا الوجه هو الأظهر والله
أعلم ولذلك استحب العلماء كثرة النوافل من جميع أنواع
المفروضات من أجل ما يتوقع من نقص الفرض
وقد يحتمل أن يكون المراد بقوله نام عنه بالليل أنه ترك
صلاة الليل فيكون اللفظ عاماً والمراد به الخصوص لكن بشرط
ألا يكون نومه غلبة فإنه إذا غلبه النوم كان معذوراً لقوله
عليه السلام من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها
فذلك وقت لها ۳ لكن هذا الشرط لا يسوع أن يشترط إلا إن كان
هذا الحديث الذي نحن بسبيله بعد حديث الرخصة في النوم عن
الصلاة ٣ وهو حديث الوادي وإن كان قبله فهو على العموم كان
النوم بغلبة أو غيرها والانفصال عنه من ثلاثة أوجه - كما
ذكرنا - وأظهرها الثاني منها والله أعلم
واحتمل وجهاً رابعاً وهو أن يكون كنَى عن تضييع عمل النهار
بقوله لم يعمل فيه بالنهار وكنى عن ترك العمل في الليل
بالنوم لأنه أبلغ في الترك
وقوله والذي رأيته في الثقب فهم الزناة قد تقدم الكلام
عليهم وبقي فيه بحث وهو لِمَ كان العذاب لمن تقدم ذكرهم في
بعض الجوارح دون بعض وللزناة في البدن كله فالجواب لما كان
من تقدَّم ذكرهم معصيتهم بعضو دون عضو كان العذاب كذلك
ولما كان الزنا يتلذذ به البدن كان العذاب لجميع البدن
ولوجه اخر أيضاً لأنه من أكبر الكبائر لأنه قد جاء أنه لا
يهتز
العرش إلا لنطفة مني حرام أو قطرة دم حرام 4 وقد يكون
لمجموعهما وهو الأظهر والله أعلم
جميع
وقوله والذي رأيته في النهر أكل الربا قد تقدم الكلام عليه
أيضاً لكن بقي هنا بحث وهو
كون المساق واحداً ومن محتملاته الحقيقة والمجاز فلم سكت
عنهما هل اختصاراً أو ليس فالجواب إن قلنا إن الكل تمثيل
فالحكم واحد ويكون سكوته اختصاراً وإن قلنا إن الكل وما
فعل حقيقة فالمتقدم ذكرهم ما عدا الزناة وأصحاب الربا قد
يكون يفعل بهم ما قدر عليهم من العذاب وهم في قبورهم وأن
هذين المذكورين يكونان مثلهم مثل آل فرعون لعظم ما أتوا به
بهم
۱ سورة المزمل الآية ٦
لفظه من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا
ذكرها وفي رواية لا كفارة لها إلا ذلك أخرجه الإمام أحمد
والشيخان والترمذي والنسائي عن أنس رضي الله عنه
۳ انظر سنن النسائي ١/ ۹٥ - ۹۹ ففيها روايات لأحاديث عن
إعادة من نام عن الصلاة وكيفية قضاء الفائت
منها
٤ لم نقف على مصدره
۵۰۸
وقد قال تعالى في ال فرعون النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا
غُدُوا وَعَشِيّا ويوم تقومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا عَالَ
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ۱ والقدرة صالحة فيكون
سكوته على هذا الوجه مستدعياً للفكرة
والاعتبار
وقوله والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم فيه بحث وهو ما هذه
الشجرة التي الدور في أعلاها وإبراهيم عليه السلام في
أصلها فالجواب أن الشجرة هـ شجرة الإيمان والإسلام لقوله
تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً
طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ
وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِ أُكُلَهَا كُلَّ حِينِ
بِإِذْنِ رَبِّهَا وكون إبراهيم عليه السلام في أصلها
فلأنه الأب لجميع المؤمنين لقوله تعالى مِلَّةَ أَبِيكُمْ
إِبْرَهِيمُ هُوَ سَمَّنكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبل ۳
والآب هو
الأصل فكان ذلك تمثيلاً حسناً جداً
وقوله والصبيان حوله فأولاد الناس احتمل الألف واللام هنا
أن تكون للجنس فيكون المراد أولاد المؤمنين والكافرين لأنه
قد جاء أن أولاد الكفار يكونون في الجنة خدماً للمؤمنين
لأنهم على فطرة الإسلام فيكونون بعد في أصل الإسلام و لا
اله الا الله و قد قال ما من مولود يولد إلا على الفطرة
فأبواه يُهَوّدانه أو يُنصرانه أو يُمَجِّسانه ٤ واحتمل أن
تكون الألف واللام للعهد فيكون المراد أولاد المؤمنين ليس
إلا لأنه قد جاء في أولاد الكفار أنهم من ابائهم وأما
كونهم في أصل الشجرة والدور من فوقهم فلأن تلك الدور هي
دور الأعمال أي درجات الأعمال كما يذكر بعد والصبيان ماتوا
وهم دون التكليف وليس لهم ما يدخلون به تلك المنازل حتى
يتفضل الله عزّ وجلّ عليهم بما شاء وفيه دليل على أن أولاد
المؤمنين مؤمنون لكونهم مع ابائهم وقد اختلف العلماء فيهم
هل هم من المقطوع لهم بالجنة أو هم في حكم المشيئة على
قولين وسبب اختلافهم اختلاف الأحاديث فإنه قد جاء عنه أنه
قال في حقهم عصفور من عصافير الجنة ٥ وجاء عنه أنه قال
الله أعلَمُ بما كانوا عاملين ٦ وأما الروضة فهي كناية عن
أصل الخلقة لأنه قد جاء أن آدم عليه السلام كانت طينته من
1 سورة غافر من الآية ٤٦ سورة إبراهيم من الآية ٤ و ۵
۳ سورة الحج من الآية ۷۸
٤ قطعة من حديث أخرجه الشيخان وأبو داود عن أبي هريرة رضي
الله
٥ سبق تخريجه في الحديث ۳
٦ سبق تخريجه في الحديث ٢٣
09
جميع بقع الأرض طيبها وخبيثها وسهلها ووعرها ۱ فالمؤمنون
من الأرض الطيبة التي تلك الشجرة فيها وهي شجرة الإيمان
وبها نباتها فلا ينبت الطيب إلا فى الطيب كما قال تعالى
وَالطَّيِّبَتُ لِلطَّيِّبين والكافر من الأرض الخبيثة
والأرض الخبيثة لا تنبت إلا خبيثاً مثل الحنظل وما أشبه
كما قال تعالى ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ
خَبِيثَةٍ أَجْتُنَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا
لَهَا مِن قَرارِ ۳ وقوله والدار الأولى التي دخلت الجنة
دار عامة المؤمنين لأجل أنها دار عامة المؤمنين
كان فيها الرجال والنساء والشباب والشيوخ لأن هذه الأربع
صفات احتوت على جميع أنواع المؤمنين وفيه أيضاً تحقيق لما
ذكرنا أن الشجرة هي عبارة عن الإيمان لأن الإيمان هو
الطريق إلى
الجنة بلا خلاف
وقوله وأما هذه الدار فدار الشهداء لأجل أنها دار الشهداء
لم يكن فيها إلا شيوخ وشباب وهنا بحث وهو لِمَ لَمْ يكن في
الدار التي للشهداء إلا نوعان شيوخ وشباب ولم يكن فيها
نساء وقد عد في الشهداء المرأة تموت حاملاً شهيداً والمرأة
تموت بِجُمْعِ ٤ شهيد فالجواب أنه لم يختلف أحد في أن أعلى
الشهادة القتل في سبيل الله وإن كان الشهداء سبعة كما جاء
في الحديث المبطون والمحترق والغريق وصاحب الهدم وصاحب ذات
الجنب والمرأة تموت حاملا والشهيد فإنما المراد هنا تبيين
فضل الشهادة في سبيل الله من أجل التحضيض عليه والله أعلم
وهنا بحث وهو لِمَ أخَّرا الإخبار له عليه السلام بما رأى
إلى آخر الرؤيا ولم يخبراء عند كل قضية بها فالجواب أن
تأخيرهما الإخبار إلى آخر الرؤيا فيه من الحكمة التيسير
لجمع
1 أصل الحديث إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع
الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض جاء الأحمر والأبيض
والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب وبين ذلك
أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي عن
أبي موسى رضي الله عنه
منهم
سورة النور من الآية ٦ ۳ سورة إبراهيم من الآية ٢٦
رضي
٤ بِجُمْع مثلثة الجيم ساكنة الميم أي ماتت وولدها في
بطنها وقيل إذا ماتت عذراء أيضاً ٥ كثيرة هي الأحاديث التي
تعدد الشهادة منها حديث جابر بن عتيك أن رسول الله جاء
يعود عبدالله بن ثابت الله عنه فوجده قد غلب عليه إلى أن
يقول قال النبى الله الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله
المبطون شهيد والغريق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمطعون
شهيد وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة
تموت بجمع شهيد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن
حبان
في صحيحه
01
ش
مثل
سین
ـاع
لى
بها
راه
جاء
مل
د
یان
الفائدة لأنه إذا رأى شخص شيئاً وأخبر بمعناه ثم رأى شيئاً
اخر وأخبر بمعناه وتكرر ذلك في أشياء عديدة فمن الجائز أن
ينسى بعض ما قيل له وإذا أريت له الأشياء ولم يُخبر إلا
اخرا بقي الخاطر بجميعها مشغولا وإلى ما يلقى إليه
متشوّفاً فيكون ذلك أكد فى التحصيل ولحفظ ما به أخبر ولذلك
كان عليه السلام إذا كان شيء له بال يسأل ثلاث مرات الشخص
أو يناديه ثلاثاً وحينئذ يعلمه وما ذاك إلا لِجَمْع الخاطر
إلى ما يلقى إليه ونفى الالتفات للغير كما قال عليه السلام
يا معاذ ثلاثاً ومعاذ في كل مرة يقول لَبَّيْكَ يا رسول
الله وسَعْدَيْكَ ۱ فـ أخبره به إلا بعد الثلاث لتلك
الحكمة المشار إليها يخبره بالذي
وفيه أيضاً سؤال ثالث وهو لِمَ لم يُعرِّفاهُ بأنفسهما
أولاً وتركا التعريف بأنفسهما إلى آخر فالجواب لو عرفاه
أولاً لوقع الاستئناس بهما والإدلال عليهما حتى يسألهما
عما رأى أوّلاً بأول ولا يمكنهما إلا الجواب له عليه
وعليهما الصلاة والسلام لما يلزمهما من الأدب معه
والاحترام له وعند التنكير تبقى النفس مجموعة بما ترى
مشغولة بحالها وعرّفاه آخِراً بأنفسهما لِيَعلم أن ما رأى
كان حقاً كله بواسطة الملك الذي نزل بالقرآن لأن هذين لا
يدخلهما تأويل ولا يُشَك فيهما وإن كانت مرائيه عليه
السلام كلها حقاً فليس الحق كله في القوة الواقعة في
النفوس على حد سواء وللقوة في ذلك وبنوه فمنها بحسب قوة
سياسة المبلغ إليه ومنها بحسب معرفتك بحال مبلغها إليك
وفيه دليل على أن الملائكة عليهم السلام تتطور لأن سيدنا و
قد كان يعرف هذين الملكين فلما راهما على صورة لم يرهما
عليها لم يعرفهما
وقوله فارفع رأسك فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحاب قالا
ذلك منزلك فقلت دعاني أدخل منزلي قالا إنه بقي لك عمر لم
تستكمله فلو استَكْمَلْتُهُ أتيت منزلك فيه بحث وهو أن
يقال أليست هاتان الداران من الجنة وتراه عليه السلام قد
دخلهما وخرج منهما فلم مُنع عليه السلام من منزله وهو
أيضاً من الجنة حتى يستكمل عمره فالجواب أنه إنما دخل عليه
السلام هاتين الدارين وإن كانتا من الجنة لأنه ليس له
فيهما أهل لنفسه ولا لأهلهما أيضاً تعلق به كتعلقهم بمن هم
له ودخوله عليه السلام الجنة حق للنص عليه بقولهما التي
دخلت الجنة وقد رأى عليه السلام ما بين الدارين من التفاوت
وما بينهما من المسافة إلا القدر القليل والنزر اليسير
بالنسبة لما بين الدارين ولما رأى عليه السلام بعد المسافة
بين منزله وبين المنازل التى دخل وعايَنَ حصل له العلم
بعظم المنزلة وكيفيتها وهناك
1 أخرجه الشيخان عن أنس بن مالك عن معاذ بن جبل رضي الله
عنهما
۵۱۱
أهله من الحور والولدان وهم موعودون به والوعد حق لا خلف
فيه فلو وقع الاجتماع لم تمكن الفرقة للوعد الحق وكذلك
جميع القصور والأشجار التي هناك والأنهار منتظرة له عليه
السلام فهذا - والله أعلم - بمقتضى الحكمة أوجب منع الدخول
إلا بعد توفية العمر وفيه بحث ثانٍ أيضاً لِمَ أُخر رؤية
منزله عليه السلام آخراً ولم يكن ذلك أولاً فالجواب أنه قد
جرت الحكمة أن الأشياء لا يتبين قدرها إلا بمعاينة ما هو
أقل منها فأخرا الإخبار له عاين ذلك فكبرت النعمة إذ ذاك
وعظمت وأما كونه عاين منازل المؤمنين وحينئذ عاين منزله
فلان
ووج
الختام إنما يكون بأجل الأشياء ولذلك قال عزّ وجلّ
خِتَمُهُ مِسْدٌ ﴾ ۱ وقد قال بعضهم وساقي القوم آخرهم
شراباً وهو عليه السلام المخير لنا فأخَّرَ الإخبارَ
بخَبَرِهِ الخاص به
وفائدة هذا الحديث الإيمان بما فيه من الوعد والوعيد
والعمل على طريق النجاة فهي
الفائدة التي من أجلها أخبرنا بما تضمن
يا سيدي
ومن هنا فَضَل أهل الطريق غيرهم لأنهم صيروا العلم حالاً
حتى إنه يذكر عن بعض التلامذة أنه غاب عن شيخه أياماً
كثيرة فلما أتاه قال له يا بني ما حبسك عني قال له سمعت
منك آيتين فعملت عليهما لأن أتخدهما حالاً فجاهدت النفس
على ذلك حتى من الله به أو ما في معناه فقال له الشيخ وما
هما يا بني قال الأولى قوله تعالى فَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَمُ وَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ۳ والثانية قوله تعالى
وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ
رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾ ٤
فجاهدت النفس على
ج
التزام عمل الخير ولا تترك منه ذرة وترك الشر ولا تقع فيه
بِذَرَّةٍ وعلمت أني من أحد دواب الأرض ورزقي عليه ويعلمني
وحيث مستقري فَأَزَلْتُ تعلق القلب من الرزق لوعده الجميل
لأنه لا يخلف الميعاد ولعلمه بي وأين مستقري فهو عزّ وجلّ
ييسره لي بحسن لطفه ووفاء وعده فقال له الشيخ هنيئاً لك يا
بني فلقد فقت العابدين هذا مقصود الموالي من العبيد ولذلك
قال من قال إذا كان وَعدك بالرزق لا يُخلف وطلبك الأمر من
غيره لا يُعرَف فحسبي تصديق وعدٍ لا يُخلف واشتغالي بأمر
غيره مني لا يُعرَف
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ سورة المطففين من الآية ٢٦
لفظه ساقي القوم اخرهم شربا أخرجه الترمذي وابن ماجه عن
أبي قتادة رضي الله عنه
۳ سورة الزلزلة الايتان ۷ و ۸
٤ سورة هود من الاية ٦
۵۱
حديث لا حسد إلا في اثنتين
عَنِ ابن مسعود ۱ رضيَ الله عَنهُ قالَ سَمِعتُ النَّبِيَّ
صلى الله عليه وسلم يَقولُ لا حَسدَ إلا في التينِ رَجُل
آتاه الله مالاً فَسَلَّطه على هلكته في الحَقِّ وَرَجُلٍ
آتَاهُ الله حِكمَةٌ فَهُوَ يَقضي بها
ويُعلمها
*
ظاهر الحديث يدل على جواز الحسد في الصفتين المذكورتين
ومنعه مما عدا ذلك والكلام عليه من وجوه
أحدها هل هذا الحسد هنا حقيقة أو مجاز محتمل والظاهر أنه
مجاز وهو إذا تحقق غبطة وتنافس وقد قال جل جلاله وَفِي
ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ ٢
والدليل على أنه غبطة لا حسد لأن حقيقة الحسد إنما بكون في
شيء ينتقل عادة من واحد إلى اخر بوجوه ممكنة جائزة مثل أن
يرى شخص على شخص نعمة فيريد أن تنتقل تلك النعمة إليه
ويفقدها صاحبها ولذلك قال جلّ جلاله لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ
مِّمَّا اَكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَا
1 عبد الله بن مسعود أبو عبد الرحمن صحابي ابن صحابية سادس
ستة في الإسلام من أكابرهم فضلاً وعقلاً وقرباً من رسول
الله وشهد الغزوات من بدر إلى اليرموك أجهز على أبي جهل في
بدر وشهد له النبي بالجنة وقال فيه ساقاه النحيلتان اللتان
ضحك منهما الصحابة لما تسلق شجرة أوْزَن من جبل أحد عند
الله يوم القيامة كان صاحب نعل رسول الله كان يُلبسه إياها
فإذا جلس عليه السلام جعلها ابن مسعود في ذراعه كثير
الدخول على رسول الله وكان يقال له صاحب السواك والنعل روي
له ٨٤٨ حديثاً اتفق الشيخان على ٦٤ منها ويعد ابن مسعود
مرجع الإمام أبي حنيفة وأصل مذهبه في الحديث وفيه قال خذوا
القرآن من أربعة من ابن مسعود وأبي بن كعب ومُعاذ بن جَبَل
وسالم مولى أبي حُذَيْفَة ويُقسم ابن مسعود أنه يعرف كل
اية أين نزلت وفيم نزلت ولو يعلم من هو أعلم منه لركب إليه
وكان في مرضه يشكو ذنوبه لعثمان وأوصى بناته بقراءة سورة
الواقعة أمناً من الفقر وهو أحد العبادلة الفقهاء ت ٣٢هـ /
٦٥٣ في المدينة المنورة وصلى عليه
عثمان رضي الله عنه سورة المطففين من الاية ٢٦
اكْتَسَبَنَ وَسَتَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۱ معناه لا
يطلب أحد من أحد مما أنعم الله عليه ويسألُ الله الذي أنعم
على أخيه أن ينعم عليه بفضله فإن كل نعمة من الله على
عباده إنما هي من فضله ومَنْه لا بوجوب ولا استحقاق
ولذلك قال إذا حسدت فلا تَبْغِ لأن الحسد هو ما قدمنا ذكره
من انتقال النعمة التي على شخص إلى غيره وقد يكون انتقالها
بزيادة خير للآخر مثال ذلك أن يرى شخص ثوباً على شخص
فيتمنى أن يعطيه إياه ويطلبه له فيفتح الله على صاحب الثوب
بما هو خير منه فيتصدق به على الذي حسده فيه أو يبيعه منه
فقد حصل للحاسد مقصوده وزادت النعمة على المحسود والبغي هو
أن يريد أن تنتقل النعمة من صاحبها إلى غيره بضرر يلحق
صاحب النعمة مثال ذلك أن يرى أحد بعض متاع الدنيا عند شخص
فيتمنى أن يكون ذلك المتاع عنده وصاحبه ميتاً أو مقتولاً
أو منفياً أو ما أشبه ذلك من وجوه الضرر فهذا معنى قوله
إذا حسدت فلا تبغ أي إن وقع منك حسد فلا يكون بغياً أي
بضرر لغيرك فالأولى ألا تحسد أحداً فإن أعجبك شيء من
الأشياء فاسأل الله أن يعطيك من فضله كما أعطى ذلك الشخص
فإن لم تقدر على ذلك وأبت نفسك إلا ذلك الشيء بعينه فاسأله
بلا ضرر يلحق لصاحبه فإن طلبته بضرر فذلك هو البغي وهو من
أعظم الذنوب
وقد رأيت في بعض التواريخ أن شخصاً فتح الله عليه فتحاً
عظيماً من الدنيا وكان بعض المساكين يمشي في الأزقة
والأسواق وما كان دعاؤه إلا أن يقول اللهم افتح عليّ كما
فتحت على فلان ويذكر ذلك الشخص المنعم عليه فقال له يا هذا
ما لك وما لي أما وجدت أن تسأل الله إلا مثل ما أعطاني ألا
تكف عني كلامك يزيدني شُهرة وربما قد يلقاني منه أذى فأبى
المسكين أن ينتقل عن ذلك القول وقال له ما شَتَمتُك ولا
سَبَبتك وأنا أدعو بما يظهر لي فلما قال له ذلك قال له كم
يكفيك في يومك على ما تشتهيه من النفقة فسمّى له عدداً
فالتزم له إعطاء ذلك العدد كلَّ يوم ويقعد في داره ولا
يذكره ولا يسأل أحداً فبقي يُجري عليه ذلك
المعروف حتى توفي
وهذه الحكمة المرادة في الحديث لم يُجرِ الله عزّ وجل
عادته أنه يأخذها من واحد ويعطيها آخر مثل حطام الدنيا
وكذلك المال أيضاً لأنه إذا أنفق لا يرجع إلى أحد لأنه قد
حصل في
۱ سورة النساء من الآية ۳
لفظه إذا حسدتم فلا تبغوا وإذا ظننتم فلا تحققوا وإذا
تطيرتم فامضوا وعلى الله فتوكلوا أخرجه ابن عدي عن أبي
هريرة رضي الله عنه
٥١٤
الآخرة لأنه ما حسده في المال نفسه وإنما حسده في كونه
أنفقه فـ أسقط عنه ما عليه من الحق وثبت في ديوان حسناته
ومثل ذلك مثل من يرى شخصاً قد حج كذا حقه وإنفاقه في حقه
قد وكذا حجة وجاهَدَ كذا وكذا مرة فحسده على ذلك فحقيقة
الحسد في مثل هذا إنما هو غبطة لأنه في الحقيقة تمنى أن
يفعل خيراً مثله وكلام العرب فيه المجاز كثير وهو من فصيحه
وهنا بحث وهو ما المراد بالحكمة هنا الظاهر أنها الفهم في
كتاب الله عزّ وجلّ لأن الله تعالى يقول ﴿ وَمَن يُؤْتَ
الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ۱ قال
العلماء الحكمة هي الفهم ب كتاب الله والدليل على ذلك من
الحديث قوله يقضي به أي يحكم بها ولا يحكم أحد بشيء بعد
الإسلام ويكون مأجوراً فيه إلا بكتاب الله عزّ وجلّ وسنة
رسول الله والفهم في كتاب الله كالفهم في سنة رسول الله ل
لأنهما من الحكمة والحكم بهما مخرج واحد لأنهما الثقلان
اللذان قال له فيهما لن تضلوا ما تمسكتم بهما
وتعليمهما للغير من الكمال لأنه إذا كان يفهم عن الله
ويعمل به ويعلمه فهو أعلى المقامات لأن هؤلاء هم ورثة
الأنبياء عليهم السلام وقد قال عليه السلام إذا مات المرء
انقطع عمله إلا من ثلاث ولد صالح يدعو له وصدقة جارية
وعِلم يُنتفع به بعد موته ۳ وأعلاها بَثْ العلم والعلم
الذي فيه هذا الأجر العظيم هو علم الكتاب والسنة أو ما
استنبط
منهما وقد جاء أنه من صلى الفريضة وقعد يعلم الخير نودي في
ملكوت السموات عظيماً وهنا بحث وهو هل الفهم في الكتاب
معناه فهم الأمر والنهي من التحليل والتحريم ليس
إلا فإن كان هذا فقد حصل لمن تقدم ولم يبق للمتأخر شيء منه
لأن الأصول قد تقعدت والأحكام قد ثبتت أو أن المقصود ذلك
وما فيه من الحكم وفوائد أمثاله وفهمها فإن كان هذا فهو لا
ينقضي إلى يوم القيامة ويأخذ منه المتقدم والمتأخر كلُّ
بحسب ما قسم له وإلى ذلك أشار بقوله صلى الله عليه وسلم
فيه لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الردّ ولا يشبع منه
العلماء ٤ مثال ذلك قصة موسى عليه السلام في قوله تعالى
﴿فَلَمَّا تَرَاهَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَى
إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي
سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ أَضْرِب
بَعَصَاكَ الْبَحْرُ فَأَنفَلَقَ
1 سورة البقرة من الآية ٢٦٩ ٢ أول الحديث تركت فيكم شيئين
لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي الخ أخرجه الحاكم عن أبي
هريرة ۳ أصله إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث الخ
أخرجه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والترمذي
والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه
رضي
الله عنه
جزء من حديث طويل أوله إلا أنها ستكون فتنة أخرجه الإمام
أحمد من حديث سيدنا علي رضي الله عنه
فَكَانَ كُلُّ فِرْقِ كَالطَّودِ الْعَظِيمِ ۱ ينبغي أن
نعلم ما الفائدة بالإخبار بهذه القصة لنا وما لنا فيها من
التأسي بمقتضى الحكمة ومن تقدم من العلماء لم يتعرضوا لهذا
المعنى فيما أعلم وهو مما نحن مخاطبون به لأنه لم يقص
علينا القصص عبثاً لأن الله عزّ وجلّ يقول ﴿ فَاقْصُصِ
الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
فالفائدة في ذلك - والله أعلم - أنه لما لم يخرج موسى عليه
السلام ببني إسرائيل إلا بعد ما أمره الله تعالى بذلك ثم
قام البحر أمامهم ورأوا الجمع وراءَهم وقد وقع العَينُ
بالعَين أيقنوا بالعادة الجارية أنهم مُدرَكون فسألوا موسى
عليه السلام لعله يكون عنده أمرُ من الله تعالى يفعله عند
وقوع العين بالعين لأن قولهم ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ - وهو
عليه السلام قد أبصر ما أبصروا من الجمع والبحر - ما
الفائدة فيه إلا استخراج ما عنده في ذلك فلم يكن عنده شيء
مستعد للعدو إلا أنه يعلم أن الذي أمره ووفقه لامتثال أمره
هو معه ولا يُسْلِمُهُ
فلم ينظر في ذلك إلى مقتضى العوائد الجارية ولا غير ذلك
لأن قدرة الله تعالى لا تنحصر للعادة يفعل عزّ وجلّ ما شاء
فقال جواباً لهم ﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي
سَيَهْدِينِ كأنه عليه السلام يقول بمتضمّن قوة كلامه يا
قوم ليس لي شيء أفضُلُكم به إلا قوة إيمان بالله ويقين به
وصدقٌ معه فهو يهديني لما فيه نجاتي ونجاتكم فما فرغ من
كلامه إلا ونزل عليه قوله تعالى ﴿ فَأَوْحَيْنَا إِلَى
مُوسَى أَنِ أَضْرِب بَعَصَاكَ الْبَحْرُ فجاءه الجواب من
الله بالفاء التي تعطي التعقيب والتسبيب لما أخبرهم بحاله
مع ربه في الحال أتته الهداية كما تليق بالعظيم الجليل إلى
الضعيف إذا وثق به فكان من أمْرِهم وأمْرِ عدوهم ما قص عزّ
وجلّ بعده كذلك أنتَ يا من قصَّت عليه هذه القصة إذا كنتَ
ممتثلاً لأمر ربك كما أمَرَك ولم تعلق قلبك بسواه يمدك
بالنصر والظفر في كل موضع تحتاج إليه ولا تقف في ذلك مع
عادة جارية كما فعل أصحاب موسى عليه السلام فكن في إيمانك
مُوسَوِيَّ العقل يُغرِق فرعون هواك لطفُ مولاك في بحر
التلف وكذلك كلُّ من أرادك بسوء قال عزّ وجلّ في محكم
التنزيل ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
۳ وإنما ذكرتُ هذه القصة تصديقاً لهذا الوعد الحق وهو قوله
تعالى وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ لأن
القصص إذا ذكرت بعد الوعد كانت تصديقاً له وتأكيداً
۱ سورة الشعراء الآيات ٦١ - ٦٣
سورة الأعراف من الآية ١٧٦
۳ سورة الروم من الاية ٤٧
01
﴿
وقد قال تعالى إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ۱ ونصرة
العبد الله إنما هي باتباع أمره واجتناب نَهيه وفي هذه
القصة إشارة لطيفة وهي أنه إذا كان واحد ممن هو ممتثل في
جمع وهم له مطيعون أنهم يُنصَرون يؤخذ ذلك من أنه لم يكن
على يقين موسى عليه السلام في القوم غيره فلما كانوا له
مطيعين عادت على الكل تلك البركة بذلك النصر العجيب
وفيها أيضاً إشارة وهي ! في هذا المعنى وهي أنه لما بادر
عليه السلام للأمر ممتثلاً عَلِمَ بحقيقة الإيمان أن الأمر
لا يترك من أمره وامتثل أمره فإنه خُلْف والخُلْف في حق
الله تعالى مُحال فإذا رأى المرء نفسه قد قام بأمر ربه كما
أَمَرَهُ إيماناً واحتساباً فلا يشك في النصر ولا يَدخله
في ذلك امتراء فإن دخله شك فهو ضَعْف في التصديق وإذا
ضَعُف تصديقه - وهو إيمانه - خان نفسه وهو لا يشعر وهذا من
خُدَع العدوّ وقد يُبطىءُ عليه النصر من أجل ذلك فلا يزال
مع الإبطاء يضعف إيمانه حتى يكون سبباً إلى الشقاوة العظمى
وهو من مكايد العدو وقد قال تعالى في كتابه مثنياً على من
قام بأمره في هذا المعنى الذي أشرنا إليه ومخبراً بحالهم
الجليل كيف كان ليقع بهم التأسي في ذلك الشأن فقال عزّ وجل
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ
جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَا
وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ
يَمْسَسْهُمْ سُوءُ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ
وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ٢ أي الله يكفينا والآي في
هذا المعنى كثيرة
وفيه دليل على كثرة نصحه ل لأمته وإرشاده لهم لكل ما فيه
ربحهم في الدارين يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام لا َحسَدَ
إلا في اثنتين وسمى هذه التي بين وما فيها من الخير وهي
الحكمة المذكورة وسمّى المال الذي سلطه صاحبه على هلكته في
الحق
وقد يقول السامعون أو بعضهم وأي فائدة لنا في الدنيا أو في
الآخرة إذا تمنينا أن يكون لنا مثل حال صاحب هذا المال
الذي ينفقه في الحق وماذا يعود أيضاً علينا من أن نتمنى
حالَ صاحب الحكمة التي يقضي بها ويعلّمها وليس كل الناس
فيه أهلية لذلك فيتمنى أحد شيئاً وهو يعلم أنه لا يمكنه
الحاقه مثل شخص لا يقرأ أو لا يكتب فيقول كيف أتمنى أنا
حال هذا
وهو إذا تمنى حاله بإخلاص مع الله فإن له مثل أجره لأنه
قال له إنما الدنيا لأربعةِ نَفَر رجل رزقه الله مالاً
وعلماً فهو يتقي في ماله ربَّه يَصِل به رَحِمَه ويعلم أن
الله فيه حقاً فهذا
۱ سورة محمد من الآية ٧ سورة آل عمران الآيتان ۱۷۳ و ١٧٤
۵۱۷
N
بأفضل المنازل وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً فهو
صادق النية الله يقول لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان
بنيته فأجرهما سواء وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً
فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربَّه ولا يَصِل به
رَحِمَه ولا يعلم الله فيه حقاً فهذا بأخبث المنازل وعبد
لم يرزقه مالاً ولا علماً فهو يقول لو أن لي مالاً لعملت
فيه بعمل فلان فهو بنيته ووزرهما سواء ۱ والعلم المذكور
هنا المراد به أن يعلم ما في المال من الحق وهذا القدر من
العلم يكاد لا يخفى على أحد إلا اليسير من الناس فإذا علم
أن في المال حقاً ولم يعرف كيفية إخراجه فيسأل عنه ويمتثل
ما يقال له في ذلك فعلمه أولاً أن في ماله حقاً الله وعزمه
على توفيته بالخروج وسؤاله عن ذلك وإخراجه في وجوهه
الواجبة والمندوبة عالم يطلق عليه
فأراد عليه السلام بجواز الحسد هنا الذي هو المبالغة في
التمني لأن يحصل للحاسد هذه المنزلة الرفيعة وهو لا يعلم
كما حكي أنه كان في بني إسرائيل عابد ومرت به سَنَة شديدة
فمرَّ بكثيب من رمل فتمنى أن يكون له مثله طعاماً فيتصدق
به على بني إسرائيل وكان صادقاً مع الله تعالى فأوحى الله
عزّ وجلّ لنبي ذلك الزمان عليه الصلاة والسلام أن قل لفلان
إني قد قبلت صدقته فأراد سيدنا أن يسوق لنا كل خير كان لمن
تقدم من الأمم بطريقة لطيفة وتعليم
جميل
كذلك أيضاً الحاسد لصاحب الحكمة إذا كان لا يمكنه أن يصل
إليها يحصل له أجر النية على العزم على ذلك لأنه قال له
نية المؤمن خير من عمله وقد حكي عن بعض أهل الدين والفضل
أنه دخل على أخ له مريض يعوده فقال له المريض انْوِ بنا
حَجًا اِنْوِ بنا جهاداً انْوِ بنا رباطاً فقال له يا أخي
وأنت في هذا الحال فقال إن عشنا وَفَّينا وإن مِثْنا كان
لنا أجر النية إذا كانت صادقة فهؤلاء فهموا عن الله وعن
رسوله صلى الله عليه وسلم
ثم مع ذلك يحصل له شيئان عظيمان أحدهما الندم على تضييع
العمر وقد قال الندم توبة ۳ والثاني حب أهل الخير وإيثارهم
على غيرهم وقد قال الله المرء مع من أحب ٤ وقد يزيده مع
ذلك التأسي بهم في بعض الأشياء التي يسمعها منهم ويكون
بينه وبينهم مناسبة ما
۱ مروي بالمعنى مَثَلُ هذه الأمة كمثل أربعة نفر الخ أخرجه
الإمام أحمد وهناد وابن ماجه والطبراني والبيهقي عن أبي
كبشة الأنماري رضي الله عنه ٢ أخرجه البيهقي في الشعب عن
أنس رضي الله عنه
جزء من حديث أخرجه الطبراني وأبو نعيم عن أبي سعيد
الأنصاري رضي الله عنه ٤ أخرجه الإمام أحمد والشيخان وأبو
داود والترمذي والنسائي عن أنس والشيخان عن ابن مسعود رضي
عنهم
الله
۵۱۸
والتشبه بالكرام فلاح وقد يكون صادقاً مع الله فيفتح له في
ذلك بطريق خرق العادة كما ذكر عن يوقنا في فتوح الشام مع
أنه كان لا يفقه من العربية شيئاً وما ذكرنا يوقنا إلا من
أجل بيان خرق العادة في كسب العلم ليس إلا فلما أخذ
المسلمون حصنه وأسروه أصبح وهو يتكلم بالعربية وهو يحفظ
سُوَرا من القرآن وأسلم فسأله حاكم المسلمين عن حاله من
أين أتاك هذا الأمر فأخبره أنه رأى سيدنا صلى الله عليه
وسلم في النوم وأنه هو الذي علمه ذلك وانتفع المسلمون
بإسلامه كثيراً أو يعطيه كما أعطى صاحب المال بحسن نيته
فإن المولى كريم منّان فبان ما قلنا من الدلالة على نصحه
لأمته وحسن إرشاده لهم من هذا الحديث بما أبديناه
ويترتب على هذا من الفقه وجوه منها الجد في فهم الحديث
والكتاب لما فيهما من الخير وأنه ينبغي لكل من له ولاية
على رعية ولو على نفسه الذي لا بد لكل شخص منها أن ينظر
كيف يجلب لهم الخير بحسن إرشاد منه اقتداء بهذا السيّد صلى
الله عليه وسلم
وفيه إشارة إلى أن العلم لا يكمل الانتفاع به إلا مع العمل
به يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام ويقضي بها
وفيه دليل لأهل الصوفة لأنهم يسأل بعضهم بعضاً أين مقامك
وما حالك مع ربك وما ذاك منهم إلا لأن يقع التأسي بنبيّهم
عليه السلام في ذلك الترقي ولغبطة بعضهم لبعض ولذلك قال
إذا كانت نفسي لك وكنتَ لي فأنا صاحب الدارَينِ وهما لي
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۵۱۹
حديث فضل الصدقة
عَن أبي هُرَيرةَ رَضي الله عَنهُ أَنَّ رَسولَ الله صلى
الله عليه وسلم قالَ قالَ رَجُلٌ لأَتَصَدَّقن بصدقةٍ
فَخرجَ بصدَقتِهِ فَوضعَها في يد سارق فأصبحوا يتحدَّثونَ
تُصُدِّقَ على سارق فقَالَ اللّهمّ لكَ الحَمدُ لأتصدقنَّ
بصدقَةٍ فَخرجَ بصدقتِه فوَضعَها في يد زانِيةٍ فأصبحوا
يتحدثونَ تُصُدِّق اللَّيلةَ على زانية فقالَ اللَّهمَ لكَ
الحَمدُ لأتصدقنّ بصدقةٍ فخرج بصدقتِه فوضعها في يد غَنيّ
فأصبحوا يتحدَّثونَ تُصُدِّق على غني فقالَ اللّهُمّ لكَ
الحَمدُ على سارق وعلى زانيةٍ وعلى غَنيّ فأُتِيَ فَقِيلَ
لَهُ أمَّا صَدقتُكَ على سارِقٍ فلعلَّهُ أن يَستَعِفَّ
عَن سَرقَتِهِ وأَمَّا الزَّانيةُ فَلعلها أن تَستَعفَّ
عَن زِناها وأمَّا الغَنيُّ فلَعَلَّهُ أن يَعتبر فينفق
مما أعطاه الله عَزَّ وجَلَّ
وجوه
ظاهر الحديث يدل على أن دوام حسن المعاملة مع الله يوجب
رفع المنزلة والكلام عليه من
منها الدليل على صدقة السر أنها أفضل الصدقات فيما تقدم من
الشرائع كما هي في شريعتنا يؤخذ ذلك من قوله فخرج بصدقته
فوضعها فأصبح الناس يتحدثون بالصدقة ولا يعرف
لها صاحب
وفيه دليل على جواز مفاوضة المرء مع نفسه فيما يفعله من
الخير يؤخذ ذلك من قوله الأتصَدَّقَنَّ بصَدَقةٍ ولم يذكر
مع من فدل أن ذلك كان مع النفس وفيه من الفائدة تحقيق
النية وفيه دليل على أن تحقيق العمل الله وتخليصه من
الشوائب أنجح الوسائل يؤخذ ذلك مما مُنْ عليه من البشارة
بلَعَلَّ لَعَلَّ لَعَلّ بعد بذل جهده في معروفه ورضاه بما
جرى له فيه وعلى أن التخير للصدقة مطلوب فيمن تقدم كما هو
في شريعتنا لأنه قال تخيروا الصدقاتكم يؤخذ ذلك من إعادة
الصدقة لما سمع أنها في غير مستوجب لها ولا تخلو الصدقة أن
تكون فَرْضاً فاستئنافها
۵۰
واجب لأنه إذا أعطى شخص صدقته مجتهدا ثم ظهر له بعده أنها
في غير مستحقها وجب عليه بدلها وإن كانت تطوعاً فإعادتها
مستحبة إلا أن يكون نَذرها للمساكين فعليه واجب إعادتها
حتى
يفي بنذره
وبقي البحث في هذه الصدقة هل كانت على الوجوب أو على الندب
فالظاهر من الحديث أنها كانت على الندب لكونه بعد الثلاث -
وهو في كل واحدة لم يصب من فيه لها أهلية - تعزى بالذي قيل
له ولم يُعِدِ الصدقة
وفيه دليل على أن الحكم للظاهر حتى يتبين ضده وأن العمل
على ذلك في كل الملل يؤخذ ذلك من كونه بالليل ورأى على
هؤلاء ظاهر المسكنة فعمل على ما ظهر له من حالهم وأعطاهم
الصدقة فلما تبين له غير الذي ظن استأنف العمل
وفيه تنبيه على أن الذي يخرج الشيء الله صادقاً ويكون
طيباً أن الله لا يضيع له ذلك وأنه يوقع معروفه في خير مما
قدّره هو كما قيل له آخر الحديث لعلّ لعلّ لعلّ ولعل في كل
موضع مما قيل له ليس على بابها بل هي واجبة على المشهور من
الأقاويل لأن هذه أخبار من الله
واختبار له من الله سبحانه بحسن نيته ولا يقع بها للفاعل
تسلية إلا أن تكون على الوجوب ومثل ذلك ذكر عن بعض الناس
أنه خطر له أن يتصدق بمائة دينار الله تطوعاً فجاء لبعض
أهل الطريق فقال له يا سيدي دلني على من أعطيه هذه الصدقة
فقال له اخرج غُدوة النهار على باب المدينة فأول رجل تلقاه
فأعطها إياه ففعل الرجل فلما أن خرج كما أمره به فأول رجل
لقي بعض الذين كانوا يوصفون بالدنيا وعليه أثرها فقال في
نفسه وكيف أعطي صدقة لغني ثم قال الشيخ أعلم منّي فدفع له
المال
طعاماً ورجع ورجع ومعه
فلما دفعه قامت النفس معه فقال والله لأتَّبِعه حتى أرى ما
يفعل فاتبعه من البعد حتى رآه قد دخل خربة فلما دخل رمى
فيها من تحته بشيء فنظر ذلك الشيء الذي رماه فإذا هي دجاجة
جيفة ثم اتبعه حتى دخل داره فاستمع من خلف الباب فسمعه
يقول لعياله افرحوا فقد فتح الله لكم وأخبرهم الخبر وسمع
فرحهم ثم خرج إلى السوق واشترى لهم الطعام حتى سمع فرحهم
بالطعام فتبين له فاقتهم فلم يقنعه ذلك حتى خرج الرجل
فأقسم عليه وسأله حاله فقال له إني كان لي ثلاثة أيام ما
منا من أكل طعاماً وما عندنا شيء نبيعه إلا هذه الثويبات
التي نستر بها حالنا عن الناس فخرجت لعلي أجد شيئاً أتسبب
لهم فيه فلقيت تلك الدجاجة التي رأيتني رميتها فقلت الحمد
الله هذه
نتبلغ بها اليوم وَلِغَدٍ فَرَجٌ فأنا راجع بها وأنت قد
دفعت لي ذلك المعروف فحَرُمت الميتة علينا
فرميتها فسُرّ الشخص بذلك وعاد إلى الشيخ وأخبره فقال يا
بني هذه سنة الله فيمن صَدَقه هـ
عزّ وجلّ يُهيّىءُ خير الأمور وأحسنَها
وفيه دليل على بركة التسليم والرضا يؤخذ ذلك من كونه في كل
مرة خاب سعيه ـ على جري العادة ـ ولم يضجر ورضي وسلّم
وأعاد المعاملة فأعقبه ذلك تلك البشارة وفيه دليل على أن
غلبة الشح في الغالب من الأغنياء يؤخذ ذلك من كون أحد
الآخذين غنياً وأخذ تلك الصدقة وهو غير أهل لها فلولا
زيادة الحرص فيهم ما اجتمع المال لهم في
الأغلب منهم
وفيه دليل لأهل الصوفة الذين يقولون لا تقطع الخدمة وإن
ظهر لك عدم القبول أو تحققته فليس للعبد بد من خدمة مولاه
فبدوام الخدمة يُرجى القبول ولذلك يذكر عن بعض بني إسرائيل
أنه كان فيهم عابد عبد الله سنين فأوحى الله الى نبي ذلك
الزمان قل لعبدي فلان يتعبد ما شاء هو من أهل النار فتوجه
إليه وأخبره فقال مرحباً بقضاء ربي ثم رجع إلى منزله وزاد
في تعبده أضعاف ما كان قبل ذلك وقال يا رب كنت أعبدك وأنا
عند نفسي أن ليس في أهلية لشيء فكيف الآن وأنت قد مَنَنْت
عليّ وجعلتني أهلاً لنارك وأقام في التعبد وازداد خيراً
فأوحى الله لذلك النبي أن قل له يفعل ما شاء هو من أهل
الجنة لازدرائه بنفسه وقال بعضهم لئن أردتم مني السلوّ
عنكم فليس لي منكم بد وإن أبعدتم
وهنا بحث وهو لِمَ كرّر في الآخرة الحمد على الثلاثة
والحمد منه على كل واحدة قد وقع فهو قد حمد على النازلة
الأولى والثانية فالجواب تلك مبالغة في الرضا والتسليم
فقوة كلامه تخبر كأنه يقول قد فعلت في الأولى معي كذا وكذا
وحمدتُ ورضيتُ بحكمك ثم في الثانية كذلك وإني لا أريد مع
مخالفتك ما أختاره أنا إلا الرضا والحمد والتسليم لا أتغير
عن ذلك مع تكرار حكمك بما شئت فمنك الحكم ومني الرضا
والتسليم فجاء من أخبره بذلك الخبر وبقي البحث من المخبِرُ
له وفي أي العالم فالظاهر - والله أعلم - أنه في عالم الحس
فلعله ملك من الملائكة لأنه كثيراً ما جاء أن الملائكة
كانت تكلم بني إسرائيل في بعض النوازل وفي الأخبار من ذلك
كثير أو من أرسل إليه من الصالحين بما قيل له في النوم أو
اليقظة أن يخبره بذلك أو بعض الأنبياء في وقته لأن قوله
فأتي دليل على أنه مرسل إليه من قبل الله
وفيما قيل له في حق الزانية لعلها أن تتوب - على الوجه
الذي ذكرناه أولاً - فإن توبتها على يديه خير له من الصدقة
لقوله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمُر
النَّعَم ۱
1 أخرجه الإمام أحمد عن معاذ رضي الله عنه بلفظ مختلف
لأن بعض الزانيات قد لا يحملها على ذلك الفعل إلا قلة ذات
اليد والحاجة وعدم الصبر على ذلك فمثل هذه إذا وجدت شيئاً
يقوم بها كفت بخلاف التي تفعل ذلك لغلبة الشهوة في ذلك
الشأن وكذلك الجواب على السارق والخير فيه أعظم لأنه يكف
ضرره عن المسلمين وأما الغني فالبحث فيه مثل ذلك غير أنه
يكون أيضاً خيره متعدياً والخير المتعدي أفضل
وفيه دليل على أن جميع متاع الدنيا هبة من الله لعباده
بغير حق يؤخذ ذلك مما قيل له فينفق
مما أعطاه الله فجعل ذلك عطية خالصة وهو مذهب أهل السنة
وهو الحق وفيه دليل على فضل هذا المتصدق يؤخذ ذلك من أنه
جمع في أمره بين الحقيقة والشريعة فأما الحقيقة فإنه لما
تصدق - كما تقدم - ولم يوافق القدر اختياره حَمِد وسَلّم
فهذه الحقيقة سَلَّم الأمر لصاحبه وأما آداب الشريعة فكونه
أعاد فعله للصدقة ثانية فعل ذلك ثلاثة كل مرة يجمع بين
الحقيقة والشريعة فهذه أعلى الأحوال على ما تقدم في غير ما
موضع مَنّ الله علينا بها بلا
محنة بمنه وكرمه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
3
حديث صدقة المرأة من مال زوجها
عائشة رضي عن بيتها غيرَ مُفْسِدَةٍ كان لها أجرُها بما
أنفقت ولزوجها أجرُه بما كَسبَ وللخازِنِ
الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا
أنفقت المرأة من طعام
ذلك لا يَنقُصُ بعضُهم أجرَ بعض شيئاً
*
*
ظاهر الحديث يدل على حكمين أحدهما أن المرأة إذا أنفقت من
طعام بيتها - غير مفسدة - كان لها أجر نفقتها ولزوجها أجر
الكسب و الثاني أن الخازن الذي يفعل مثلها له من الأجر
مثلها والكلام عليه من وجوه
منها ما معنى تخصيص النفقة بالطعام ليس إلا وما مقدارها
حتى لا تكون مفسدة وهل لذلك حدّ معلوم أو هو فقه حالي وهل
الخازن والمرأة يحتاجان للإذن في النفقة أم لا وما معنى
النفقة هنا هل على العموم أو هل على الخصوص
أما قولنا هل النفقة على العموم فليس هي إلا على الخصوص
وهي بمعنى ا الصدقة يؤخذ ذلك من قوله لها أجرها لأن الأجر
لا يكون إلا في وجوه المعروف
وأما هل يحتاجون للإذن فلا بد لهما من ذلك لأن مال الغير
لا يجوز للآخر أن يعطيه إلا بإذن صاحبه لقوله لا يحل مال
امری مسلم إلا عن طيب نفس منه ۱ إلا أن الإذن قد يكون
باللفظ أو بالعادة مثال الذي بالعادة مثل الكسرة من الخبز
توهب إلى السائل بالباب أو ما أشبه ذلك ومثل الشيء اليسير
من الملح والماء والنار والخميرة للخبز وقد قال بعض
الفقهاء
1 أخرجه أبو داود والبيهقي وابن قانع وأبو نعيم عن أبي حرة
الرقاشي عن عمه حنيفة الرقاشي وأخرجه عبد الرزاق
عن الحسن مرسلا
٥٢٤
إن ما ذكر مع قدر البيت ومتاعه إنه مما لا يحل منعه فإذا
كان على هذا القول لا يحل منعه فلا يحتاج إلى إذن في ذلك
وإن كان باقياً على أصله مثل سائر الأموال
والظاهر الندب وعليه الجمهور وأن المرء يندب إلى ذلك ولا
سيما مع نص الأحاديث التي وردت في ذلك لأنه قال الله في
الذي يعطي الملح ما معناه له من الأجر مثل من تصدق بمقدار
الطعام الذي وضع الملح فيه ۱ والخميرة مثل ذلك والنار مثل
من تصدق بقدر الطعام الذي طبخ عليها والقدر بمثل الطعام
الذي طبخ فيها ومثل ذلك جاءت أحاديث كثيرة تبين قدر عظيم
الأجر مع يسارة الشيء المعطى ولم يقل إن من لم يفعله فعليه
من الإثم كذا وكذا وهذه
طريقة المندوب
وأما حجة من قال إنه واجب إعطاؤه ومنعه لا يحل فاحتجوا
بقوله تعالى ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ٢ فقالوا الماعون
هو متاع البيت نحو الأشياء التي سمينا قبل وكالحبل وما
يشبه ذلك وفي الحديث لما أن سأل السائل ما الشيء الذي لا
يحل منعه يا رسول الله فذكر فيه مثل الماء والملح والقدر
والخميرة وما يشبه ذلك ۳
وأما الذي عليه مذهب مالك رحمه الله والجمهور في معنى قوله
تعالى ويمنعون الماعون فإنها الزكاة المفروضة والأحاديث -
إن صحت ـ احتملت التأويل وما يحتمل التأويل لا يُعارض به
النص
فأما التأويل فيحتمل أن يريد بقوله ما لا يحل منعه أن يكون
واجباً تركه من طريق الشرع واحتمل وجوباً من طريق المروءة
وحسن المعروف بين الناس لقوله إنما بعثت لأتمم مكارم
الأخلاق 4 ومنع ما ذكرنا ليس من مكارم الأخلاق ا
إلا وأما الأصل الذي هو القاعدة الكلية قوله ٥ عليه السلام
لا يحل مال امرىء مسلم طيب نفس منه والمال ينطلق على
الكثير واليسير لكن الإذن في إنفاق مثل هذا الذي ذكرناه قد
رجع بالعرف مما سمحت به النفوس من المعروف بين الناس حتى
إن طالبه لا يعاب ذلك عليه في كريم الأخلاق وأن الشح به
يتعلق به الذمّ الكثير حتى إن حابسه لوجه ما لا يقدر أن
يَحْبِسَهُ إلا أن
1 لم نقف على مصدره سورة الماعون من الآية ٧
۳
لم نقف على مصدره
٤ أخرجه الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد والحاكم عن
أبي هريرة رضي الله عنه
٥ يريد فقوله
٥٢٥
يبين عذره في يحبسه أو ينكره مرة واحدة بأنه ليس عنده
مخافة على عرضه وقد قال صلى الله عليه وسلم ما
وقى المرء به عِرضَه كُتِب له صدقة ۱
فصاحبة الدار - على ما مرت من العادة على الاختلاف الذي
ذكرناه - لا يمكن لها ٢ منع ما ذكرناه إلا أن ينص صاحب
البيت عليه في ذلك الوقت إن أعطته تكون متعدية على أحد
الوجوه وأما على الوجه الآخر فلا يحل لها منعه وإن أمرها
بذلك لأنها تكون تعينه على ترك واجب
وهذا ممنوع شرعاً وما زاد على ما ذكرناه أيضاً لا يجوز لها
التصرف فيه إلا بإذنه قولاً واحداً واحتمل له وجهاً آخر أن
يكون تعاطي ذلك بينهم من قبل السَّلف والهِبَة على العوض
وما في ذلك من الجهالة مغتَفَر لكثرة حاجة الناس إلى ذلك
وندارة وقوعه فإن الغني والفقير محتاجان إلى ذلك ولو يوماً
ما غير أنه قد يكون بعض الناس في ذلك أحوج من بعض وهو وجه
إذا تأملته ترى فيه وجهاً ما من الاستحسان وهو كثير ما
يوجد ذلك النوع في الشرع مثل المساقاة والقراض ٣ وما أشبه
ذلك تراها مستثناة من قواعد ممنوعة وأبيحت من أجل الحاجة
لذلك وقاس عليها الفقهاء سلف الرغيف من الجار تحرياً بلا
ميزان ولم يجعلوه من باب البياعات وجعلوه من باب المعروف
ومثله الدرهم الناقص بالوزن كذلك أيضاً إذا كان ذلك في مثل
الدرهم الواحد أو الإثنين لأن ذلك عندهم من قبيل المعروف
أيضاً إلا أن يقترن من أجل الفاعلين قرينة
يتبين منها خلاف ذلك فيرجع الأمر إلى أصله من المنع وما
زاد أيضاً على ذلك المقدار ممنوع وهنا بحث وهو إذا قلنا
إنها إنما أعطت ما هو واجب على صاحب المنزل أو هو مندوب
فيرجع إلى بحثنا فعلى ماذا يكون أجرها فالجواب أنها خازنة
لجميع ذلك وقد قال الخازن الذي يعطي ما أمر به طيبةً به
نفسُه أَحَدُ المتصدقين ٤ لأنه لما طابت نفسه على ذلك
وياسر أخاه المعطى له بالمبادرة بالتعجيل كرامة إدخال
السرور عليه لأنه محتمل أن يبدو للمعطي فيمنع فيكون بطؤه
في إنجاز الهبة سبباً للحرمان وتعجيله سبباً إلى تحصيل
المعروف فإنه إذا رجع المعطي والوكيل قد أنفذ أمره بعيد أن
يأخذ المعروف من يد المعطَى له وأيضاً فمن قبل الأمر فإنه
بسرعة إخراج ما أمر به أعانه على إعطاء معروفه
ووجه آخر تيسير الخازن أيضاً تزيد به نفس المعطى له
انشراحاً ومرحاً فهو زيادة في
1 أخرجه الطبراني عن جابر رضي الله عنه بلفظ ما وقى به
المؤمن عرضه فهو له صدقة ٢ أي لا يمكنها
۳ المساقاة شركة بين صاحب زرع وشجر وعامل يسقيها على نسبة
متفق عليها والقراض المضاربة أو شركة مضاربة بين صاحب مال
و عامل أو تاجر
٤ أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن
أبي موسى رضي الله عنه بلفظ آخر
٥٢٦
المعروف وما هو زيادة في المعروف فهو معروف أيضاً وزيادة
ما قدمنا ذكره فظهرت فائدة قوله أحد المتصدقين
وعلى هذا المعنى بحث وهو أن النفس قد طبعت على الشح بما
جعل بيدها من متاع الدنيا وإن كانت تعلم حقيقة أنه ليس لها
فإذا جادَت به فلها الأجر لمخالفتها ما طبعت عليه من الشح
وامتثال الأمر فإن العالم بأسره يعلمون أن ما بأيديهم من
متاع الدنيا ملك لمولاهم وأنه بأيديهم عارية وقد أُمروا
بإنفاق اليسير منه ووعدوا على ذلك بالأجر العظيم وبالبركة
في الباقي والعقاب
على الترك ورفع البركة من الباقي ومع ذلك ما تجد من يجود
بالواجب في ذلك إلا القليل وكذلك خازن المال بيده وهو يعلم
أنه لغيره وأنه مذموم على تأخيره لإعطائه ما أُمِر به من
المال وغيره وأنه مشكور ومثاب على التيسير في إعطائه ومع
ذلك ما تجد من يفعل اليَسِير في ذلك إلا القليل لأجل
التعلق الطبيعي ومن أجل ذلك قال ما يخرج المرء الصدقة حتى
يفك فيها لَحْيَي سبعين شيطانا ۱ غير أن الفرق بين الرجلين
- أعني الخازن وصاحب المال ـ أن صاحب المال قد يظن أنه لا
ينزع المال من يده ويبقى حسابه إلى الآخرة عليه وأن الخازن
قد يقول إن صاحب المال يعزله ويأخذ ماله وإن بقي فإنما
المنفعة لربه ومع ذلك الطبع يحمله على ما ذكرناه حكمة حكيم
وفيه دليل لحسن طريق أهل الصوفة فإن كل ما كان فيه مخالفة
للنفس ولم يكن ممنوعاً شرعاً فإن صاحبه في ذلك مأجور إذا
استقريْتَ هذه القاعدة بحسب قواعد الشريعة تجدها ـ إن شاء
الله ـ غير منكسرة فأخذ أهل الطريق من أجل ذلك في مخالفتها
مرة واحدة حتى إنه ذكر أن إسلام بعض رهبان النصارى إنما
كان سببه ما كان ألزم نفسه من مخالفته إياها
ـه النصراني كيف وذلك لما رأى منه بعض علماء المسلمين من
حسن العبادة ما أعجبه فسأله رأيت يعني حاله فقال له بقي
عليك شيء واحد فقال وما هو فقال أن تُسْلِمَ فأطرق ساعة ثم
أسلم فقام أهل الدير من أهل دينه بالعياط فقال لهم بم نلت
فيكم هذه المنزلة قالوا بأجمعهم بمجاهدتك نفسك ومخالفتك
لها قال لهم وهذا هو الذي جعلني أسلمت فإنه لما ذكر لي
الإسلام لم تقبل فعلمت أنه الحق وأنه ما نلت ما نلت إلا
لمخالفتها فأسلمت لمخالفتي إياها وهذا هو الدين الحق فإنها
ما تهرب إلا عن الحق وحَسُنَ إسلامه
۱ لفظ الحديث ما يخرج رجل شيئاً من الصدقة حتى يفك عنها
لحيي سبعين شيطاناً رواه الإمام أحمد والبزار والطبراني
وابن خزيمة في صحيحه عن بريدة رضي الله عنه ومعنى يفك عنها
لحيي سبعين شيطاناً أن إخراج
الصدقة يؤلم سبعين شيطاناً رجيماً حرصوا على عدم أدائها
۵۷
والبحث مع المرأة كالبحث مع الخازن سواء ومن أجل ذلك عطف
أحدهما على
الآخر ومما يقوي مذهب مالك والجمهور في هذه المسألة قوله
عليه السلام غير مفسدة لأنه لو كان واجباً لكان محدوداً
إما بالكتاب وإما بالسنة وهذه حجة مالك ومن تبعه أن ما ليس
بمحدود إما بالكتاب وإما بالسنة فهو غير واجب لأنه لا يعرف
المكلف إلى أين يبلغ ولا بماذا يقع عليه اسم مُوَفَّ بما
أمر به وأما قولنا هل له حد محدود أو هو فقه حالي الظاهر ۱
أنه فقه حالي بدليل أن الناس ليس حالهم سواء فإذا جاء سائل
يطلب ملحاً من دار مَن قد وسّع الله عليه في دنياه ومن دار
ضعيف الحال فليس الأمر في ذلك سواء لأن الذي يعطيه من وسع
الله عليه في مرة واحدة هو الذي يكفي الضعيف في سنة أو شهر
فإن أعطت امرأة الضعيف مثل ما أعطته امرأة الغني أجحفت به
وأضرته وكانت مأثومة فيما فعلت فإن قلنا بمن يقول بالفرض
على الخلاف المتقدم فإنها قد أعطت أكثر مما يجب عليه وإن
كان على الوجه الآخر - وهو أكثر مما قد طابت به النفس ـ
فهذه قد أعطت ما لم تطب به نفسه فإن الضعيف إذا أخذ مثلاً
ملحاً بثمن درهم غايته إن طابت نفسه أن يخرج منه حفنة في
مرار عدة وأما أن تعطي نصفه أو أكثر من ذلك فلا تطيب نفسه
بذلك وأما من فتح له في الدنيا إذا أخذ من ملح فلا يعز
عليه أن يبذل منها الصاع والصاعين وهو قدر ما ينفق المسكين
في سنة أو
Y-
وبية ٢
شهر وكذلك غيره من الأمور وعلى ذلك فقس ولذلك قال عليه
السلام غير مفسدة لأنها يجب
عليها أن تنظر إلى حاله وما يحتمل وما لا يشق عليه من ذلك
لو أنه راه وهذا هو فقه الحال ولذلك قال تعالى لِيُنْفِقْ
ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ
فَلْيُنفق مِمَّا ءَانَنهُ الله لا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا
إِلَّا مَا ءَاتَنهَا ۳ فإذا كان هذا في الواجب فكيف في
المندوب
وأما قولنا لم خصت النفقة بالطعام ليس إلا فلوجوه منها أنه
الذي جعل للمرأة التصرف فيه بحسب العادة عندهم وأن المرأة
هي التي و أن المرأة هي التي تُطلب بتوفية ما يحتاج
الأولاد إليه من ترتب مرافقهم في معايشهم لأن الأب ليس
عليه أن يعطيها إلا ما يكفيها وبنيها وخادماً إن كان لها
وهي المتصرفة في ذلك بحسب ما فيه المصلحة للجميع ولذلك
قالت هند أم معاوية للنبي لا اله الا الله إن أبا سفیان
رجل شحيح فهل عَلَيَّ جُناح أن آخذ من ماله سراً فقال خذي
ما يكفيك أنت وبنيك
۱ يريد فالظاهر
الويبة مقياس للحجوم بمقدار كَيْلَتين
۳ سورة الطلاق من الآية ٧
۵۸
بالمعروف ۱ وغير الطعام هي عليه أمينة ولا يجوز لها التصرف
في شيء منه إلا بالإذن ولوجه اخر أيضاً ما جرت العادة
يتصرف فيه النساء دون مشورة الرجال إلا في الطعام ليس إلا
ولوجه آخر وهو أن ما ذكرنا من متاع البيت - على جري العادة
ـ فأعلاه الطعام فإذا كان لها التصرف فيه فمن باب أحرى
غيره ولوجه آخر أيضاً لكثرة دوام الاحتياج إليه مع الساعات
بل مع الأنفاس
بخلاف غيره من الثياب وغير ذلك فبان ما في قوله عليه
السلام من طعام بيتها من الفائدة
آخر في تخصيص الطعام بالبيت هل هو ما يكون في البيت من
الطعام وإن كان محجوراً عليها التصرف فيه مثل ما يخزنه
الرجل في بيته زائداً على ما يأكله هو وعياله وما كان
خارجاً من البيت وإن كان مما هو للمرأة وأولادها إنه ما
دام خارجاً من بيتها - وإن كان لها ولأولادها - فليس لها
التصرف فيه حتى يكون في بيتها وحينئذ يكون مباحاً لها
التصرف فيه دون حجر عليها فلا يكون لها التصرف إلا بجمع
العلتين وهو أن يكون لها وإما لأولادها في بيتها وأنه إذا
كانت إحدى العلتين منفردة فلا يحل لها التصرف
فالجواب أما إنه إذا كان بالوصفين فلا خلاف في ذلك وأما
إذا كان بوصف واحد فلا يخلو أن يكون في بيتها أو خارجاً عن
بيتها فإذا كان خارجاً عن بيتها فلا يخلو أن يكون تحت
حكمها وهي المسؤولة عنه أو غيرها هو المسؤول عنه فأما إذا
كان في بيتها ـ وهو محجور عنها ـ فهي تأخذ منه بالمعروف
سرًّا كما أخبر سيدنا الله أم معاوية في متاع زوجها أبي
سفيان كما تقدم ذكره وكذلك إن كان خارجاً عن بيتها وهي
المسؤولة عنه
وأما إذا كان خارجاً عن البيت والغير هو المسؤول عنه فلا
يجوز ذلك لها لما يلحق الغير من الضرر في ذلك وقد قال لا
ضرر ولا ضرار ٣ وفيه مع ذلك تحرز آخر في قوله عليه السلام
من طعام بيتها تحرزاً من الودائع والرهون لأنها في بيتها
وليست من متاع بيتها وإن كان
طعاماً وكلامه له مجامع الفوائد
وكذلك الخازن أيضاً كل ما كان في حفظه وخزانته إذا كان
وديعة عند الذي وكله على حفظه
أو رهناً عنده فالحكم هو نفس الحكم وقوله عليه السلام
ولزوجها أجره بما كسب يعني يكون أصل المال له وإن كان لم
يكن ذلك المال مكسوباً ولا موهوباً أو ما يشبه ذلك لكن لما
كان الغالب أنه لا يتحصل المال أو الطعام
1 أخرجه الإمام أحمد والبخاري والدارمي ومسلم وأبو داود
والنسائي عن السيدة عائشة رضي الله عنها بلفظ آخر
وهو موضوع الحديث ٩٥ ٢ أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه عن ابن
عباس رضي الله عنهما
۵۹
إلا بالكسب فجاء الخطاب منه على ما هو الأصل غالباً وعلى
هذه القاعدة وقع التخاطب بين الناس وجرت عليها الأحكام
فكأنه يقول لها وللخازن الأجر من أجل تلك العلل التي عللنا
لأنه ما واحد منهما يملك من المال شيئاً وكان لمن له المال
حقاً الأجر من كون المال له ثابتاً حقاً
ولا يطرد ذلك الحكم في المعصية لأنه إذا عصى أحد المذكورين
بالمال الذي اؤتمن عليه لا يكون على صاحب المال من ذلك
الإثم شيء إذا لم يعرف بفعلهما لأنه إذا عرف به وأعانه على
ما هو عليه كان شريكه في الإثم وإذا لم يعرفه لم يلزمه منه
شيء فإنَّه ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ۱
وبدليل ما جاء أنه إذا كان شخص مع أقوام فقام ليخرج عنهم
فسلم عليهم عند خروجه أنه إن هم بقوا في خير بعده كان
شريكهم في ذلك الخير وإن بقوا في شر لم يلحقه من
ذلك الشر شيء
فهذا وما أشبهه من طريق الفضل إذا كانت الأشياء التي فيها
الخير يشرك العبيد في ذلك الخير بأدنى ملابسة أو نسبة ما
ولا ينقص أجر بعضهم من أجر بعض شيئاً وإن كان شراً لم يتعد
صاحبه أو من أعانه عليه وهو عالم بذلك قاصد له فسبحان
المتفضل المنان لا ربَّ سواه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ سورة فاطر الآية ۱۸
٥٣٠
-45-
حديث إتلاف أموال الناس
قالَ البُخاريُّ رضي الله عنه قالَ رَسولُ الله صلى الله
عليه وسلم مَن أخذَ أموالَ النَّاسِ يُريدُ إتلافها أتلفه
الله قالَ البُخاري إلا أن يكونَ معروفاً بالصَّبْرِ
فَيوْثِرُ عَلى نَفْسِهِ وَلَو كانَ بِهِ خَصاصة كَفِعل
أبي بكرٍ حينَ تَصَدَقَ بِمالِهِ وَكَذلِكَ آثَر الأنصارُ
المُهاجرينَ ونَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَن
إضاعة المال فَليسَ لَه أن يُضيع أموالَ النَّاسِ بعلَّةِ
الصَّدقَةِ
ظاهر الحديث دعاؤه ل على من أخذ أموال الناس يريد إتلافها
والكلام عليه من وجوه منها هل هذا على عمومه وعلى ماذا يقع
هذا الدعاء هل هو حقيقة أو هو كما جاء عنه أن دعاءه رحمة
وإن كان اللفظ خلاف ذلك وهل ما يقع الحذر إلا بقصد الوجهين
أعني النية والفعل وإن أقلع وتاب منه هل التوبة ترفع إجابة
الدعوة بعد استجابتها أولا فالجواب أما قولنا هل هو على
عمومه فليس هذا على عمومه لأن من الأخذ ما يسمى سرقة وقد
حدّ فيه القطع ومنها ما هو خلسة فقد حدّ فيه الغرم ومنها
ظلم وفيه ما فيه ومنها ما هو قمار وفيه ما فيه ومنها ربا
وجاء فيه ما هو معلوم ومنها خيانة وقد جاء ما فيها فكل وجه
من وجوه الأخذ على خلاف المشروع فقد جاء فيه ما جاء وما
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجمع على أحد من أمته
عقابين فإن دعاءه أكبر العقوبات والوجوه المشروعة إذا أخذ
بها أحد شيئاً فليس بحرام فكيف يدعو عليه هذا مستحيل أيضاً
فما بقي إلا وجه واحد وهو من جملة المشروعات إلا أن له
شروطاً فكثير من الناس يفعله بغير تلك الشروط فيذهب به
كثير من أموال الناس وهو السَّلف لأنه إذا احتاج طالب
السلف وما ينظر إلى الشروط التي تجب عليه وحينئذ يأخذه
فإنما قصده زوال ضرورته في الوقت ففي هذا النوع هو دعاؤه
على من أخذها بغير شروطها
٥٣١
1 يريد أما ما يقع
قال البخاري إلا أن يكون معروفاً بالصبر فيؤثر على نفسه
ولو كان به خصاصة إلا به
استثنى أن يكون كفعل أبي بكر رضي الله عنه حين تصدق بماله
وكذلك اثر الأنصار المهاجرين فنحتاج أن نبين شروط السَّلف
فقد نص عليها الفقهاء وقالوا إنه لا يجوز لأحد أن يأخذ
سَلفاً ولا ديناً إلا أن تكون له ذمة تفي بدينه على كل حال
وإلا يدخل تحت هذه اللعنة لأنه غَرَّر بأخيه المسلم لكونه
أخذ ماله وهو ليس له قدرة على أن يوفيه فإن المعطي يقول في
نفسه لولا ما الا خلابة ولا يعلم هو من نفسه أن له ما يؤدي
منه ما يأخذ مني ما طلبه لأن أخوة الإسلام تقتضي
غبن 1
ولا خيانة أو يبين له حاله ويقول له ليس لي ذمة على ما اخذ
منك هذا المال وإنما تسلفه لي فإن فتح الله عليَّ بشيءٍ
أعطيتك إياه وإلا ما لَكَ قِبَلي لَوْم فإن رضي وأعطاه على
ذلك الوجه فما غرّر به فكأنه قال له تصدَّق عليَّ بحيلة ما
فإن فعل فهو صدقة أو معروف محتمل للرد أو غيره فلا يدخل
تحت هذا الدعاء ولهذا المعنى الخفي كان دعاؤه لأنه فعل في
الظاهر فعلاً مشروعاً وفي الباطن ما أشرنا إليه
ويترتب على هذا من الفقه أن كل شيء فيه شروط ظاهرة وباطنة
فلا يجوز لأحد فعله إلا بتمام تلك الشروط أو يبين عجزه
عنها كيلا يغرّر بالغير وقد قال مَن غَشنا فليس منا وأما
الصفة التي أجاز عليه السلام معها أخذ المال - وهي ما نبه
عليها البخاري رحمه
الله عقيب الحديث بقوله إلا أن يكون معروفاً بالصبر فيؤثر
على نفسه ولو كان به خصاصة كفعل أبي بكر رضي الله عنه حين
تصدق بماله وكذلك اثر الأنصار المهاجرين رضوان الله عليهم
- فهي قوة الإيمان التي توجب كثرة السخاء والصَّبر على
الضّرّاء فإن أبا بكر رضي الله عنه أتى بجميع ماله فقيل له
ما أبقيت لأهلك قال الله ورسوله
والأنصار والمهاجرون إذا كانت لهم ضرورة ويرون غيرهم في
ضرورة ينظرون أولاً في حق أخيهم المسلم ويحملون أنفسهم على
الصبر كما فعل بعضهم حين أتى إلى النبي بعض الواردين فقال
من يضيف الليلة هذا وعلى الله ثوابه فقام بعضهم فأخذه
وحمله إلى منزله وقال لعياله عندك شيء فقالت له ما عندي
إلا شيء يسير للأولاد فقال لها نومي أولادك فإذا ناموا
قدمي الطعام فإذا قدّمته فقومي إلى السراج لِتُصْلِحِيه
فأطفئيه ونمدّ أيدينا إلى الصحفة كأنا نأكل ولا نأكل شيئاً
فلعل الضيف يشبع أو كلاماً هذا معناه ففعلت المرأة ما
أمرها
۱ الخلابة الخديعة والغبن الغلبة والنقص أخرجه الطبراني عن
ابن عباس رضي الله عنهما وللحديث بقية
به فلما أتى النبي الله صبيحة الليلة تبسّم عليه السلام
وقال له شَكَرَ الله البارحة صنيعك
مع ضيفك ۱
ومثله ما ذكر عن عليّ رضي الله عنه أنه دخل والأولاد يبكون
من الجوع فقال ما شأنهم فأخبرته رضي الله عنها بأنه من
الجوع وليس عندهم شيء فخرج فاقترض ديناراً ليشتري به لهم
ما يأكلون فبينا هو راجع به إذا أحد قرابته فسأله عن حاله
فأخبر أن عياله في جوع شديد وأنه ليس عنده شيء فدفع له
الدينار كله ودخل بيته وليس عنده شيء وكان هذا عشية النهار
ثقة
ثم خرج يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فدنا منه في
الصلاة فلما فرغت الصلاة التفت عليه السلام إليه وقال له
يا علي هلا عشيتني الليلة فتفكر في نفسه أنه ما عنده شيء
فقال له نعم بالله ثم ببركته فأتى معه إلى منزل عليّ فدخل
علي و النبي معه ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم يا بنية
ألا تعشينا فالتفت عليّ فإذا في البيت ثريد مغطّى يبخر
فقدم لهم فقال له يا علي هذا بالدينار الذي أعطيته فلانا ۳
وحمد عليه السلام الله على ما جعل في أهل بيته مِمّا أشبه
مريم عليها السلام حين قيل لها أَنَّكَ لَكِ هَذَا قَالَتْ
هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۳ وما أشبه هذا عنهم رضي
الله عنهم كثير فمن يجود بضرورته على غيره بغير حق له عليه
فكيف بحق إذا كان له عليه وبقيت هنا علة أخرى لأنه لا يأخذ
السَّلف إلا حين يكون مضطراً كما ذكرنا آنفاً فإذا كان
مضطراً ومرت به ثلاثة من الأوقات تعيّن له في مال الغير حق
واجب وهل يلزمه عند يُسْره ردّه أم لا خلاف بين العلماء
فمنهم من يقول إنه حق قد وجب فليس عليه رده ومنهم من يقول
وإن كان حقاً قد وجب فلا يسقط أداؤه إلا باستصحاب الفقر
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم إن المحتاج له أن
يقاتل صاحب المال إذا امتنع من أن يعطيه فإن قتل صاحب
المال فشر قتيل وإن قتل المضطر فشهيد ٤ أو كما قال فلما
كان هذا الأمر خفياً ولا يعلمه إلا الله والذي نزلت به
الحاجة أبقيت الأحكام في المنع على ظاهرها وأشار هنا إلى
العلة الموجبة للجواز
فعلى هذا فالسلف على أربعة الثلاثة منها جائزة والرابع
ممنوع بمتضمن هذا الحديث وما قد ذكره العلماء كما أشرنا
إليه أولاً فالأربعة الأوجه أحدها أن يكون له ذمة تفي
بدينه على كل حال فهذا جائز باتفاق و الآخر أن يبين له
حاله وأنه إنما يقترض منه ويبين له أنه ليس له
1 أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ ا
لم نقف على مصدره ۳ سورة ال عمران من الآية ۳۷
٤ لم نقف على مصدره
٥٣٣
ذمة مقابلة دينه وأنه في حكم المشيئة إن فتح الله عليه
أداه وإلا فلا يطالبه بشيء فهذا جائز وإن كان خالف فيه بعض
الناس والظاهر الجواز وقد قدمنا العلة في جوازه و الآخر أن
تجتمع فيه تلك الأوصاف التي في أبي بكر والمهاجرين
والأنصار رضوان الله عليهم وهي كثرة السخاء والصبر ولا
يقترض إلا عند الضرورة الشرعية ويكون اقتراضه بقدر ضرورته
فهذا جائز بمقتضى ما عللناه آنفاً وقواعد الشرع كلها تدل
على هذه الإشارة وتنص عليها
و
الرابع وهو أن يأخذ السلف على غير ذمة له وليست له تلك
الضرورة الشرعية ولا يبين عدمه لصاحب المال فهو الذي يدخل
تحت ما تضمنه الحديث من دعائه له ولأن الضرورة الشرعية
كثير من الناس لا يعرفها
وما أعني بـ الناس هنا إلا بعض الذين ينتسبون إلى العلم
لأنهم قعدوا لأنفسهم قواعد نفسانية وجعلوها من ضروراتهم
اللازمة شرعاً واستباحوا بها أخذ أموال الناس وقالوا نحن
مضطرون لا حرج علينا وتعيَّن لنا على الناس حق فما أخذنا
هو بعض حقوقنا وهو مصادم لما نبه عليه البخاري رحمه الله
بقوله إلا أن يكون معروفاً بالصبر تحرزاً من أن يقول هو في
نفسه حين تأخذه الحاجة أنا آخذ السلف وأجاهد النفس وأصبر
على الضيم حتى أؤدي مال الغير قيل له على لسان العلم هذا
حديث نفس وهي خوانة ۱ إلا إن كان لك صبر حتى عرف ذلك منك
وانظر هذه الإشارة حتى يعرفه العبد منه ولم يقنع أن يكون
هو قد عرف الصبر من نفسه فيما تقدم إلا حتى يعرفه الناس
ولا يكون صبره من حيث أن يعرفه الناس إلا لكثرته حتى يكون
في حكم المقطوع به و شرط ثانٍ أن يكون ذلك الصبر الذي يعرف
منه من شأن الإيثار على نفسه ومعناه أن يكون ذلك الإيثار
من أجل الله ويفضل جانب القربة إلى الله على ضرورته تحرزاً
أن يكون صبره لشهوة أو من غير اختياره لعدم الشيء وقلة
الصبر إذ ذاك ما يكون لها فائدة إلا أنها أحسن حالة من
غيرها لا يحكم لصاحبها بالوفاء عند مواقف الرجال وأنه مع
صبره أيضاً يعرف بالإيثار على نفسه مع الخصاصة ومع الحاجة
والضيق
فانظر إلى هذه الشروط هل يمكن في زماننا هذا وجودها إلا إن
كان نادراً جداً ثم بعد هذه التقييدات أعطى البخاري المثال
فقال مثل أبي بكر ولم يقنعه أن سماه إلا حتى ۳ ذكر تلك
الصفة المباركة المشهورة وهي خروجه عن جميع ما ملك إيثاراً
الله ولرسوله ثم أكدها بأن قال
۱ كذا والصواب خيانة كذا بزيادة إلا قبل حتى ۳ كذا و إلا
هنا زائدة
٥٣٤
وكذلك أثر أي الذي كان فيه الإيثار من الأنصار للمهاجرين
ولم يقل عن جميعهم إلا عن الذين
كانت فيهم تلك الصفة البكرية
ويترتب على هذا من الفقه أن المبين للأحكام يجب عليه أن
يبين جميع الأحكام وإن كان فيها ما هو نادر قد لا يمكن
وقوعه لندارته من أجل أن يقع فلا يعرف الحكم فيه فعلى
التقسيم الذي قلنا أولاً إنه - أعني السَّلف - على أربعة
أوجه الثلاثة جائزة والواحد ممنوع - على ما بيناه ـ أن هذا
في موضع التقسيم بحسب الحديث من أجل أن يعرف حكم الله بحسب
ما بينه صلى الله عليه وسلم
وأما بحسب أحوالنا اليوم وما يعرف من الأكثر من الناس -
كما أشرنا إليه - فلا يكون الجائز
منها إلا اثنين والاثنان الآخران ممنوعان الواحد لكونه
مجمعاً على منعه كما ذكرنا والثاني وهو الذي تقدم ذكره من
تعليلهم بفعل أبي بكر وإيثار الأنصار ممنوع لعدم وجود
الشروط المذكورة فيه وهو أيضاً ممنوع من باب سد الذريعة
كيلا يقع الناس فيما لا يجوز لهم وهم يظنون أنهم على لسان
العلم فالوجهان الجائزان إما من له الذمة كما قدمنا وإما
مَن يُبيّن حاله على الخلاف الذي ذكرناه
وأما قولنا هل هذا حقيقة أو هو كما جاء أن دعاءه عليه
السلام رحمة وإن كان ظاهره غير ذلك فالجواب أن كل دعاء منه
عليه السلام على طريق الزجر على ألا يفعل فعلا فهو حق وأما
الذي هو خير - وإن كان ظاهره خلاف ذلك ـ فذلك كما أخبر هو
إذا كان ذلك منه عليه السلام لأمر ما قد وقع
وأما قولنا هل لا يقع ۱ الدعاء إلا بالوصفين معاً وهو أخذ
المال والنية فهذا هو ظاهر الحديث فإذا كان أحدهما فلا
يخلو أن تكون نية دون عمل فهذه لا يلزم فيها حكم إلا أنها
نية سوء يجب عليه التوبة منها وإن كان فعلا دون نية مثاله
أن يأخذ السَّلف ويذهل عن أن يبين الشرط فهذا فيه إشكال من
أجل أن المال قد أخذه وهو لا ذمة له ولا بيَّن لصاحبه حاله
وقال الخطأ والعمد في أموال الناس سواء فهذا الحديث يحكم
له بأنه مثل من تعمد ذلك
وبنص الحديث الذي نحن بسبيله وقوله يريد إتلافها فالنية في
ذلك مع الأخذ مشروطة فمن أجل هذا هو مشكل وما هو مشكل مثل
هذا فتركه أولى لأن الدخول تحت دعائه ا ليس بالهين وإنما
بَحْثنا إن وقع ثم
1 يريد ألا يقع
٥٣٥
تاب هل إجابة الدعوة بعدما أجيبت تزول أم لا فهنا تقسيم
فلا يخلو أن تكون توبته بعدما ردَّ مال الغير الذي كان قد
أتلفه أو يتوب ولم يردّ المال لصاحبه بل كانت توبته على
ألا يفعل مثل هذا أبداً فأما إن كانت توبته بعد ما ردّ
المال فيرجى ألا يلحقه الدعاء لأن عدم المال لا يمنع
حقاً
جبر
و أن المال قد رجع إلى صاحبه فالضرر الذي كان لحق صاحب
المال قد زال عنه واستبشرنا بكون الله عزّ وجلّ قد منّ
عليه برده مال الغير أنه ما كانت نية سيدنا ل إلا أن يكون
إتلافاً لا بعده هذا قوة رجاء في فضل الله وما نعلم من
رحمته عليه السلام بأمته
وأما الذي يعترض ويقول إن السبب الذي علق به الدعاء - وهو
أخذ المال بنية أنه لا يرده ويتلفه - فقد وقع الدعاء
والإجابة في دعائه عليه السلام في حكم المقطوع به فإذا
قبلت فلا تُرَد فهو أمر محتمل من طريق الخوف والذي قدمناه
أولاً هو الأظهر والله أعلم
1 الموت
وأما إن كانت توبته إقلاعاً عن الفعل ومال الغير باق في
ذمته فشروط التوبة لم تصح بعد فنحن مع وجود شروطها فيه ما
تقدم فكيف مع عدمها لكن هو خير ممن يستمر على العمل ولعله
ييسر له في شيء يؤدي به عن نفسه أو يحله صاحب الحق فيقوى
له الرجاء إن جعلنا تحليل صاحب الحق مثل الأداء وإن قلنا
إن التحليل هنا ليس كمثل أخذ الحق فيبقى فيه توقف وهذه
المضايق الهروب منها أولى ومن أجل هذه المضايق أصل أهل
الطريق طريقهم على الصبر على الظمأ حتى إلى ولا يتعرضون
لشيء فيه خلاف كما ذكر عن بعضهم أنه لحقه جوع شديد ومجاهدة
ولم يكن له شيء ثم فتح عليه في طعام لم يرتضه فأبى أن يأكل
منه شيئاً فقالت له أمه كل يا بني وأرجو أن الله يغفر لك
فقال لها نرجو أن الله يغفر لي ولا اكله فلم يأكل منه
شيئاً مع كثرة حاجته إليه ومثل ذلك ما روي عن أبي بكر رضي
الله عنه حين أتاه خادمه بالطعام فلم يسأله إلا بعد ما أكل
منه لقمة فلما رفع اللقمة وأكلها قال له الخادم يا سيدي
عادتك لا تأكل طعاماً حتى تسأل عنه فما بالك في هذا فقال
شدة الجوع حملتني على ذلك ولكن من أين هو فأخبره أنه من
جهة كذا وسمّى له جهة لم يرتضها فأخذ أبو بكر رضي الله عنه
عند ذلك يردّ تلك اللقمة من بطنه بعد ما ابتلعها فلم تخرج
إلا بعد أمر شديد ومعالجة فقال له الخادم يا سيدي هذا على
لقمة واحدة فقال نعم ولو لم تخرج إلا بنفسي لأخرجتها فإني
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كل لحم نبت من
الحرام فالنار أولى به
۱ حتى حرف عطف والمعطوف مقدر
لفظه كل جسد نبت من سُحتٍ فالنار أولى به أخرجه الطبراني
وأبو نعيم عن أبي بكر رضي الله عنه وقد ورد
بعد هذا الحديث أبيات من الشعر نثبتها كما وردت
=
٥٣٦
وقد قيل
إذا كنت لا أمنع نفسي شبهةً ولا في مطعم
فكيف طريقي إلى التقى
كلا وبـل هــي
أثقلتني
ظلم
أتَوَرّع
وهل من لتوفيق والخيــ
ـل لي نور في القلب يوضع
ذنوب وعيدك بهــــا ـرّ نار تقلع
إلهي أرجــــــوك فــــــي تــــــوبــــة وبك أسأل كيف
أصنــ مي من يثرب إلا مــا هــديتني إلــى مــا منهــا
فبـ
وأما قوله نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة
المال فليس له أن يضيع أموال الناس بعلة الصدقة هذا تأكيد
لما تقدم لأنه إذا منع إضاعة مال الغير عموماً فليس لك أنت
أن تخصص لفظه بأن تقول إنما أستلف من أجل أني أتصدق بما
أستلف وليس هذا من باب عموم إضاعة المال بل هي إضاعة محضة
حتى تعلمه فتقول له أستلف منك هذا المال على أن أتصدق به
على نفسي فإن فتح الله عليَّ رددتُ إليك مالك وإلا فلا
تَبِعَة لك عليَّ فإن رضي فحسن وإلا فلا
وهنا علة أخرى مع كونك خصصت عموم قول الشارع عليه السلام
برأيك وليس ذلك أن الذمة قد تعمرت حقاً والصدقة التي
أعطيتها محتملة إن قبلت أو لا فكيف يبرأ شيء متحقق بشيء
مشكوك فيه هذا ممنوع شرعاً وعقلاً
لك وهي
ولا يحملك على أن ترتكب هذا المحذور من أجل بعض أخبار وردت
عن بعض المباركين منها أن بعضهم كان في سَنَة شديدة
فاستقرض جملة مال واشترى به طعاماً وفرقه على المساكين
فلما جاء أصحاب المال يطلبون مالهم توضأ وركع ركعتين وسأل
الله الكريم ألا يخزيه معهم ثم قال لهم ارفعوا الحصير
فانظروا هل تجدون تحته شيئاً فرفعوا الحصير فإذا تحته مال
فقال لهم خذوا قدر مالِكم فوجدوه مثله سواء بسواء
فهذا السيد احتمل حاله أشياء منها أنه قد تقدمت له مع
مولاه عادة فعمل عليها وقد قال مَن رُزِق من باب
فَلْيَلْزَمْهُ ۱ وقال أصحاب التوفيق إنه من فتح الله له
باباً من خير من باب خرق العادة فذلك لسان العلم فيما يخصه
واحتمل أن يكون مجاب الدعوة وهو يعلم ذلك من مولاه بما
تقدم له أيضاً واحتمل أن كانت معاملته مع الله صادقة
فقبلها فلما قبلها لم يكن
ليضيعه عند احتياجه إليه حاشاه
۱ سبق تخريجه في الحديث ٤٨
فلا يجوز لمن ليست له من هذه الوجوه شيء أن يقتدي بمثل هذا
السيّد ولا بما يذكر من
مثله فإن مثل هؤلاء يُسلّم لهم ولا يُقتدى بهم ولا يُعترض
عليهم لعدم الحال الموجب لذلك ولذلك قال بعض من نُسب إلى
هذا الشأن إذا كان أمرك إلى مولاك مصروفاً وقلبك ببابه
موقوفاً ويدك عن الدنيا مكفوف ۱ وحالك بأمره ونهيه محفوفاً
فقد رحلت عن الدنيا وإن كنت بها موقوفاً فجعل صحة حاله أن
يكون بالأمر والنهي من كل الوجوه محفوظاً وهذه زبدة الأمر
وهو الحق الذي عليه أهل الحال والمقال جعلنا الله ممّن منّ
عليه بهما إنه ولي حميد
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
تسليماً
۱ كذا
۵۳۸
-٧٤-
مُسلم
حديث الأمر بالصدقة على كل مسلم
عن سعيد بن أبي بردة ١ عَن أبيهِ رَضِيَ الله عَنهُما
أَنَّ النَّبِيَّ قال على كُلِّ صدَقَة فَقالوا يا نَبِيَّ
الله فَمن لم يجد فَقالَ يَعملُ بيده فَيَنفع نَفْسَهُ
ويَتصدَّقُ قالوا فَإِن لَم يَجد قالَ يُعينُ ذا الحاجة
المَلهُوفَ قالُوا فَإِن لَم يَجد قالَ فَلْيَعمل بالمعروف
وليمسك عَنِ الشَّرِّ فإنَّها لَهُ صَدقَة
ظاهر الحديث يدل على الأمر بالصدقة والتسبب فيما به يتصدق
والكلام عليه من وجوه منها هل هذا الأمر على الوجوب أو على
الندب وما معنى قوله عليه السلام فليعمل بالمعروف وليمسك
عن الشر فإنها له صدقة فالجواب أما الأمر فهو على الندب لا
بالصيغة بل بالاستقراء من خارج منها قوله الله في حديث غير
هذا لا صدقة إلا عن ظهر غِنَى عند يعني وقوله عليه السلام
أيضاً في ركعتي الضحى إنها تجزىء عنه ۳ القدرة عدم
على الصدقة
وقوله عليه السلام آخر الحديث فليعمل بالمعروف وليمسك عن
الشر فإنها له صدقة وهذا من الواجب مع وجود الصدقة أو عدم
وجودها لأنه لا يجوز له أن يعمل الشر ويترك المعروف لكن
المراد في هذا الموضع ما زاد على الواجب فهو له صدقة وقد
قال عليه السلام
1 سعيد بن أبي بردة حفيد أبي موسى الأشعري هو وأبوه من
التابعين ثقة ثبت توفي في الكوفة سنة ۱۳٨ هـ لفظ الحديث لا
صدقة إلا من ظهرِ غِنى واليد العليا خيرٌ من اليد السفلى
وابدأ بمَن تَعُول أخرجه الإمام
على الأصح
أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه ۳ أخرج الإمام أحمد عن
بريدة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول في الإنسان ستون وثلاثمائة مفصل فعليه أن يتصدق عن كل
مفصل منها صدقة قالوا فمن يطيق ذلك يا رسول الله قال
النخامة في المسجد تدفنها والشيء تنحيه عن الطريق فإن لم
تقدر فركعتا الضحى تجزىء عن ذلك
۵۳۹
والكلمة الطيبة صدقة وإماطة الأذى عن الطريق صدقة ولقاء
المؤمن لأخيه ببشاشة الوجه صدقة
أو كما قال عليه السلام
ويؤخذ من هذا من الفقه أن الدين كله مطلوب فرضه وندبه
والتسديد فيهما جميعاً لقوله
عليه السلام فسددوا وقاربوا على ما مرّ الكلام عليه وفيه
دليل في فضيلة الصدقة وفيه دليل لأهل الصوفة الذين بنوا
طريقهم على البذل والإيثار حتى يروى عن جماعة منهم أنهم
كانوا لا يحتملون أن يبيت عندهم شيء من الصدقة المعلومة في
بيوتهم قوله عليه السلام على كل مسلم صدقة يعني ودلّ على
أن الكافر لا تقبل منه الصدقة لكونه خصصها بالمسلم وفيه
دليل لمن يقول إن الكافر ليس مخاطباً بفروع الشريعة يؤخذ
ذلك من كونه لم يعلق
الصدقة إلا بمسلم
ى ما في الإيمان من الرحمة والإسلام
وفيه دليل على أن اليسارة في الناس هي الأغلب يؤخذ ذلك من
كونه عليه السلام أطلق الصدقة على كل مسلم وفيهم - ولا بد
- الذي ليس له شيء وقد استدل بعض العلماء على قلة المساكين
بكون المولى جل جلاله لم يفرض الصدقة إلا ربع العشر ولم
يجعله مطلقاً إلا في نصاب معلوم وهي خمسة أو اق أو عشرون
ديناراً وما كان العليم الرحيم ليفرض لعباده شيئاً لا
يكفيهم وهو يعلم حالهم وعددهم أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ
وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ ۱ فلما علم قلة المساكين
وأن ذلك المقدار يكفيهم فرض لهم ما يكفيهم ولو أن الأغنياء
أخرجوا جميعاً ما أوجب الله عليهم من الزكوات ما احتاج
مسكين لأن يسأل أحداً
وفيه دليل على أن الأحكام تجري على الغالب يؤخذ ذلك من
كونه عليه السلام عمَّ بالصدقة جميع المسلمين وفيهم من
ذكرنا من الضعفاء وهم الذين يأخذون الصدقة المأمور بها
وفيه دليل على أن هذه الصدقة اليسير منها يجزىء يؤخذ ذلك
من كونه لم يحدّ فيها نصاباً ولا مقداراً مثل ما فعل في
الفرض وهذا أيضاً من الأدلة على أنها ليست بواجبة وقوله
فقالوا يا نبي الله فمن لم يجد قال يعمل بيده فينفع نفسه
ويتصدق فيه دليل على مراجعة العالم في تفسير المجمل وتخصيص
العام يؤخذ ذلك من قولهم فمن لم يجد
وفيه دليل على ما للصحابة من الفضل علينا - كما ذكرناه
أولاً - لأنهم تلقوا الأحكام بالخطاب وسألوا في مثل هذا
وغيره حتى بانت الأمور ووضح الحكم
۱ سورة الملك من الآية ١٤
٥٤٠
وفيه دليل على فضل التكسب لكن إذا كان على لسان العلم
ويكون عوناً على الدين يؤخذ ذلك من قوله يعمل بيده
وفيه دليل على جواز الصناعات على الإطلاق لعموم قوله عليه
السلام يعمل بيده ولم
يخص عملا دون غيره
وفيه دليل على تقديم ضرورة الشخص على الصدقة يؤخذ ذلك من
قوله عليه السلام فينفع نفسه ويتصدق فإنه أتى إثر عمل اليد
بنفع النفس وأتى به بالفاء التي تفيد التسبيب والتعقيب
وحينئذ عطف عليه الصدقة وهم ما كان سؤالهم إلا على الصدقة
وفيه إذا نظرت إشارة عجيبة لأنه لو قال يعمل ويتصدق لكان
الشخص يقول أعمل فيما أتصدق به وأبقى أنا على ما يفتح الله
لي فأشار هنا بتقديم الانتفاع له لأنه من أكبر الصدقات أن
يزيل حكمه عن غيره ويبدأ بالذي هو أهم وبعد ذلك يتصدق
وكونه عليه السلام قال ينفع نفسه لفظ جامع لجميع ما هو
محتاج إليه من ضرورات نفسه وعياله أو سكنه أو غير ذلك مما
إليه حاجة البشرية إلا أنه بقيد الشريعة فإن هذا أصل في كل
الأمور
وقوله قالوا فإن لم يجد يؤخذ منه تنويع البحث على العالم
إذا دعت لذلك ضرورة ويؤخذ منه استنباط المسائل الممكنة
الوقوع وإن لم تقع بعد وأن هذا من الدين وصاحبه مثاب وقوله
يعين ذا الحاجة الملهوف هنا بحث لم قال ذا الحاجة ونعته
بالملهوف وكل من أعان في حاجة مسلم فهو مأجور لقوله الله
في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ۱ فالجواب أن
الإعانة في الحاجة مثاب عليها لكن الصدقة أرفع كما أشرنا
قبل فلما نوّع السؤال عليه أراد أن يبقى لهم أفعالاً يكون
الثواب عليها مثل الصدقة فلما أن كان صاحب الحاجة بهذه
الصفة الزائدة - وهي كونه ملهوفاً - نبه عليه لما فيه من
زيادة الأجر على أن لو كانت حاجة دون لهف فحينئذ بزيادة
هذه الصفة يكون له مثل ما فاته من عمل الصدقة وفيه دليل
لتقعيد الأحكام بألفاظ العموم لأن الحاجة لفظ عام وكذلك
اللهف أنواع
بحسب الحاجات وأصحابها والملهوف كناية عن الحائر في حاجته
القليل القدرة على القيام بها فهو يشبه المضطر وقد يكون
أكد منه لأن المضطر قد ألف الصبر وأيقن بعجزه وهذا متلهف
من جانب إلى جانب ومن وجه إلى وجه وقد حار في نفسه ولا
يعرف من أين يكون له الفَرَج ولا
ضرورته يفيد فيها القعود والاستسلام
جزء من حديث رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أوله من
نفس عن مؤمن كربة من كُرَبِ الدنيا نفْسَ الله
منه كُربةً من كُرَبِ يوم القيامة الخ
٥٤١
مثاله من عليه دين وقد حان وقته وهو ليس له شيء وهو لا
يقدر أن يثبت عُدْمَه وصاحب الدين لا يُفتره ولا يعذره
فالقعود لا يمكنه والخلاص لا يقدر عليه ووجه الرشاد إلى
راحته لا يعرفه فحاجته أشدّ من المضطر لأن المضطر قد يفوض
الأمرَ كلَّه إلى الله ويصبر على
ما نزل به حتى يأتيه فرج الله والإعانة هنا بماذا تكون هل
تكون بالموجود أو بالإرشاد فالجواب أنه لو كانت بالمعلوم
لكانت أعلى الصدقات نعم لفظ الإعانة يقتضي بالمعلوم وغيره
لكن لمّا كان بساط الحال مما يفعل عند عدم الوجود ذكرت
إعانة الملهوف فتخصص اللفظ ببساط السؤال فقام عون هذا
الملهوف وإن لم تعطه من عندك شيئاً مقام الصدقة لما فيه من
تفريج كربه في الوقت لأن الثواب على الصدقة إنما هو لما
يدخل على أخذها من راحة نفسه ولذلك كان أكثرها ثواباً إذا
كان الآخذ أكثر احتياجاً وإذا قلت مثلا لهذا الملهوف أنا
أدلك على وجه يكون لك فيه راحة فقد أدخلت عليه من السرور
في الوقت أكثر مما يدخل على صاحب الصدقة إذا لم يكن أخذها
مثل هذا
عموم
وقوله قالوا فإن لم يجد هنا بحث كما تقدم قبل في الجواب
على قوله عليه السلام فليعمل بالمعروف وليُمسك عن الشرّ
فإنها له صدقة وهو كيف يقوم عمل واجب عن تطوع فإن العمل
بالمعروف والإمساك عن الشر مما هو واجب شرعاً والصدقة -
كما قدمنا - في هذا الموضع مندوبة فالجواب إن الأمر
بالصدقة لا يلزم منه ترك الشيء والعمل بالمعروف إنما يلزم
ذلك من قواعد الشريعة كما يندب مع الصدقة وعدمها بمقتضى
قواعد الشريعة إغاثة الملهوف والندب إلى التكسب الحلال
لينفع نفسه ويتصدق وكما يقال في حديث اخر حين ذكر الصدقة
ثم قال في من لم يجد أن ركعتي الضحى تجزىء عنها وركعتا
الضحى مندوب إليها مع وجود
الصدقة وعدمها
ـه وهي
إغاثة
فمفهوم الحديث على هذه التنويعات أنه ندب أولاً إلى الصدقة
لما فيها من الخير المتعدي فعند العجز عنها ندب أيضاً لما
يقرب منها أو يقوم مقامها لما فيها أيضاً من الخير المتعدي
وهو العمل والانتفاع والصدقة وعند عدم ذلك ندب إلى ما يقوم
مقامه الملهوف - كما بينا - ثم عند ذلك كأنه عليه السلام
يقول بعد عدم هذه المذكورات ليس في أفعال البرّ ما يشبهها
لكن من فعل شيئاً من المعروف - والمعروف هنا ما هو مندوب
إليه شرعاً من جميع المندوبات ولو إماطة شيء من الأذى عن
طريق المسلمين ولو ركعتي الضحى فمعناه أن لا تُخلِ نفسك من
فعل مندوب من المندوبات وإن قل - فإن في كل منه صدقة بمعنى
فيه أجر وإن لم تقدر على فعل شيء من المندوبات فإمساكك عن
الشر ومعنى الشر هنا ما مُنعته شرعاً - فإنه صدقة أي إنك
فيه مأجور فهذا التنويع منه الله تسلية للعاجز عن أفعال
المندوبات إذا كان ذلك عجزاً لا اختياراً
٥٤٢
ومما يشبه ذلك ما ورد أن الفقراء من الصحابة رضوان الله
عليهم لما جاءوا واشتكوا إلى النبي إن أصحابنا من أهل
الجدة سبقونا بالصدقة قال عليه السلام ألا أدلكم على ما هو
خير من ذلك تسبحون دُبَرَ كل صلاة ثلاثاً وثلاثين وتكبّرون
ثلاثاً وثلاثين وتحمدون ثلاثاً وثلاثين وتختمون المائة بلا
إله إلا الله وحده لا شريك له فذلك خير ۱ فلما بلغت
الأغنياء فعلوا كفعلهم فرجع الفقراء إليه الا الله فأخبروه
بذلك فقال لهم صلى الله عليه وسلم ذلك فضل الله يؤتيه من
يشاء ويترتب على هذا من الفقه أنا مطالبون بجميع فرائض
الدين ومندوباته وتطوعاته والشأن أن يُقدم الفرض ثم الأعلى
فالأعلى من جميع المندوبات ومن وسعه عمل الكل فنعم ما فعل
فإن فعل الأدنى من المندوبات مع القدرة على الأعلى فقد ترك
ما هو المستحب لكن لم يُخْلِ نفسه من الخير فإن لم يفعل من
المندوبات شيئاً فقد غبن نفسه غبناً كبيراً فليجتنب الشر
فإنه مأجور في ذلك فإن لم يفعل ذهب عنه الدين ولا علم عنده
نسأل الله العافية بمنّه
وفيه ردّ على بعض الأصوليين الذين يقولون إن الترك لا
يُؤجر عليه لأنه ليس بعمل لقد أخطأوا الطريق وضلّوا ضلالاً
بعيداً لكونهم أوجبوا الثواب بمجرد عقولهم وتركوا الكتاب
والسنة فأما الكتاب فقوله تعالى إن يَنتَهُوا يُغْفَرْ
لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ والانتهاء هو ترك الشيء لا شك فيه
وأما السنة فمنها نسمه عليه السلام في هذا الحديث بقوله
عليه السلام وَلْيمسك عن الشر فإنها له صدقة جمع أفعال
البر في قوله عليه السلام بالمعروف وجمع أيضاً جميع أنواع
الشر بقوله عليه السلام وليمسك عن الشرّ أي جميع أنواع
الشر قال فإنها أي من فعل
شيئاً من هذه الصفات المذكورة أو ترك شيئاً من هذه الصفات
المذمومة فإن ذلك له صدقة ولا يخطر لك أن تقول بمجموعها
تكون الصدقة فهذا لا يعطيه اللفظ وهو مذهب المعتزلة لأنهم
يقولون لا تُقبَلُ الحسنةُ حتى لا تعمل سيئة وأهل السنة
على خلاف ذلك لقوله تعالى ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ
ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَمُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
شَرًّا يَرَهُ وقوله عليه السلام في حديث غيره اتق محارم
الله تكن أعبد الناس4 والآي والأحاديث في
هذا كثيرة فسبحان من حرمهم طريق الرشاد
۱ لعله يشير إلى جزء من حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري
ومسلم من أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله الله فقالوا
ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم إلى آخر
الحديث أو إلى أحاديث تشير إلى هذه
الأعداد من الأذكار التي أخرجها علماء الحديث بطرق شتى
ومضمونها متقارب
سورة الأنفال من الآية ۳۸ سورة الزلزلة الايتان ۷ و ۸ سبق
تخريجه في الحديث ٦٦
٥٤٣
وهنا تنبيه وهو انظر إلى حكمة الشرع فإنه جعلك في إدخال
الراحة والسرور على نفس
غيرك مأجوراً إذا كان الله وإدخال الضرر أو التغيير عليها
مأثوماً ومعاقباً وفي إدخالك التشويش على نفسك أو المجاهدة
لها إذا كانت الله كنت مأجوراً على ذلك ولذلك قال الخضِرُ
لموسى عليهما السلام وزَعزع بالخوف قلبك فإن ذلك مما
يُرضِي ربَّك فانظر هل تعرف لذلك حكمة أو هو مما يُلقى
تعبداً أو امتثالاً لا غير قد تقدم الكلام في غير ما موضع
أن الحكيم لا يفعل شيئاً إلا عن حكمة والحكمة هنا خفية
ظاهرة وهي - والله أعلم - لأن السرور إذا أدخلته على نفسك
وإن ادعيت أنه الله فقلما يسلم من دسيسة النفس من أجل
حَظِّها وهو من باب سد الذريعة وهي قاعدة كلية في الشرع
مثال ذلك جعل مكة محلاً للجدب وعدم الزرع والمشقة التي في
الوصول إليها حتى إن المشي إليها والإقامة بها تتحقق الله
لأنه ليس في ذلك كله شيء يلائم النفس بخلاف أن لو كانت مثل
دمشق في الفواكه والخضر فقلما كانت العبادة تخلص فيها من
أجل حظ النفوس في
الخصب والفرجة
ولوجه آخر أيضاً فإن إدخال السرور على الغير إذا كان الله
خالصاً قلما يخلو من تعب النفس بوجه ما أقل ما فيه أنها
تريد جمع الحظوظ من الخير لها وكونها تؤثر بها غيرها فقد
حصل لها تعب في الباطن وهو أشده فتمحضت العبادة بالإخلاص
الذي هو أصلها لقوله عزّ وجلّ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۱
فبين الإخلاص بأسبابه حتى يكون ذلك عوناً من الله لعبدِهِ
لذلك قال يُمْنُ بن رزق - رحمه الله - وهو من أجلّ أهل
الطريقين نظرت في هذا الأمر - يعني العبادة ـ فلم أر شيئاً
أعون عليها من الغربة من أجل نفي الدسائس التي للنفس مع
الاستيطان والأهل والجيران ومنهم من قال إذا كان في الغربة
إصلاح ديني فلا أوحش الله من الأهل
والوطن وهمتي بالله وعزمي في إصلاح ديني
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
سأل
33
العـ
على
يع
٥٤٤
۱ سورة البينة من الاية ٥
1401
حديث أخذ المال بسخاوة النفس
عَن حَكيم بن حزام رضي الله عَنهُ قالَ سَأَلْتُ رَسولَ
الله فأعطاني ثمَّ ۱ صلى الله عليه وسلم
سألته فأعطاني ثُمَّ قال يا حكيم إنَّ هذا المالَ خَضِرة
حُلوة فمن أخذَهُ بِسخاوةِ نَفْسٍ بُورِكَ لهُ فيهِ وَمَن
أخذَهُ بإشرافِ نَفْس لَم يُبَارَك لهُ فيهِ وَكانَ
كالَّذِي يَأْكُلُ ولا يَشبَعُ وَاليَدُ العليا خَير منَ
اليد السُّفْلَى
ظاهر الحديث يدل على أن أخذ المال بسخاوة النفس فيه بركة
وأخذه بإشراف النفس فيه عدم بركة والكلام عليه من رجوه
منها الدلالة على سخاوته يؤخذ ذلك من تكرار طلب الطالب
عليه مراراً وفي كل مرة يعطيه ولم يقلقه ذلك
وفيه دليل على حب النفوس المالَ لما جبلت عليه بمقتضى
الحكمة الربانية يؤخذ ذلك من قوله إن هذا المال خَضِرَة
حُلوة وهذه كناية عن الشيء المستحسن المحبوب يؤيده قوله
تعالى زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِن
النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ
مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ
وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتعُ الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَالله KUNGLEANT GANGNANT ANNEL
وجاء عن عمر رضي الله عنه أنه قال اللهم إني لا أستطيع ألا
أحب ما زينته لنا فاجعلني ممن أخُذُه من وجهه وأنفقه فيما
يرضيك ٣ أو كما قال
1 حكيم بن حزام صحابي قرشي وهو ابن أخي خديجة أم المؤمنين
رضي الله عنها مولده بمكة في الكعبة شهد حرب الفجار وكان
صديقاً للنبي الهلال الاول قبل البعثة وبعدها وعُمر طويلا
وكان من سادات قريش في الجاهلية والإسلام عالماً بالنسب
أسلم يوم الفتح له في كتب الحديث ٤٠ حديثاً توفي في
المدينة سنة ٥٤هـ / ٦٧٤م سورة ال عمران الآية ١٤
۳ عزاء السيوطي في الدر المنثور ۱۰/ لابن أبي شيبة وعبد
الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم عن =
٥٤٥
م الأخذ وتكون فيه فوائد منها أجر الزهد ومنها راحة وفيه
دليل على أنه قد يقع الزهد النفس ومنها البركة في الرزق
فأما الزهد فبدليل قوله عليه السلام فمن أخذه بسخاوة نفس
وسخاوة النفس هو زهدها تقول سَخَت بكذا أي جادت به وسَخت
عن كذا أي لم تلتفت إليه وأما راحة النفس فقد قال عليه
السلام الزهد في الدنيا يُريح القلب والبدن وهذه أعظم راحة
للنفس وأما البركة في الرزق فلقوله عليه السلام بورك له
فيه ويترتب على ذلك من الفقه أن الزاهد يجتمع فيه خير
الدنيا والآخرة فأما خير الدنيا فما يحصل له من البركة في
الحطام الذي يطلبه الحريص ولا يصل إليه وراحة القلب والبدن
اللذين قد حرمهما صاحب الدنيا وهما حقيقة النعيم فيها وأما
الآخرة فما يتحصل له من ثواب الزهد هناك وقلة الحساب فإن
الزهد يحمله على إخراج الواجبات والتوقف في المتشابهات وهي
السعادة التامة والذي يطلب الدنيا يخسر الدنيا والآخرة
فأما خسارته الدنيا فتعب قلبه وبدنه لقوله والحرص فيها
يُتعِبُ القلبَ والبَدَن ٢ وهذه غاية في الشقاء والتعب
وخسارته ما أمل منها من زيادة حطامها لكونه تُرفَع له
البركة كما تقدم في قوله عليه السلام بإشراف نفس وهو الحرص
وهذا غاية في الحرمان لأنه تعب التعب الكلي وحرم ما أمله
ونجد ذلك في عالم الحس ترى طعام أهل الدنيا كثيراً في
العين وعند الأكل ما تجد الشبع منه إلا من شيء كثير والقوى
بالنسبة إلى ما أكلوا قليلة وطعام أهل التوفيق والزهد في
مرأى العين يسير ويأكل منه الجمع الكثير ويشبعون ويجدون
القوى الكثيرة بالنسبة إلى ما أكلوا ومع ما أهل الدنيا فيه
من التعب يتولد بينهم الحسد والضغائن والغيبة والشح بمنع
الحقوقِ أو بعضها أو تَوْفِيَتِها وعلى هذه الصفات مع
التسامح في المشكلات تترتب خسارة الآخرة مع العذاب والهوان
أعاذنا
الله منها بمنّه
وفيه دليل لفضل أهل الصوفة الذين بنوا طريقهم على الزهد
لأنه أول باب في السلوك ولذلك قال يُمْن بن رِزق رحمه الله
لا يثبت لك قدم في محجة الدين وفي قلبك خوف الفقر أو الغنى
وحب المنزلة والرياسة فذلك مفتاح فقر الأبد
أسلم قال رأيت عبد الله بن أرقم جاء إلى عمر بن الخطاب
بحلية انية وفضة فقال عمر اللهم إنك ذكرت هذا المال فقلت
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ حتى ختم الآية وقلت
لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا
بِمَا
اتكم وإنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زيّنت لنا اللهم
فاجعلنا ننفقه في حق وأعوذ بك من شره ۱ عزاه السيوطي في
الجامع الصغير للطبراني في الأوسط وابن عدي في الكامل
والبيهقي في الشعب وقال المنذري في الترغيب والترهيب
إسناده مقارب وانظر فيض القدير للمناوي ٧٣/٤
ضم السيوطي هذا الحديث إلى الحديث السابق وجعلهما واحداً
وعزاهما إلى المصادر المذكورة آنفاً ولفظه
والرغبة فيها تتعب القلب والبدن
۳ يمن بن رزق تقدمت ترجمته في الحديث الوجه الثاني
٥٤٦
وفيه دليل على جواز ضرب المثل فيما لا يمكن السامع أن
يعقله حتى يُعلم أنه يعقله من الأمثلة التي يغلب على الظن
أنه يعرفها يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام كالذي يأكل ولا
يشبع لأن الغالب من الناس ولا سيما في زماننا لا يعرفون
البركة إلا بالشيء الكثير فأراد أن يبين لهم بالمثال الذي
يعرفونه أن البركة هى خَلق من خَلق الله وليست كما يزعمون
وضرب لهم المثل بما يعرفه كل أحد وهو أنه لا يقصد أحد
الأكل إلا من أجل أن يشبعَ ويُزيل به الم الجوع فإذا أكل
الأكل الكثير ولم يشبع فكأنّ ما أكله من الطعام مخسور لأن
الفائدة التي من أجلها استعمل الطعام - وهي الشبَع - لم
يجدها
فكذلك المال ليس الفائدة في عينه وإنما يراد لما يتوّل به
من الفوائد فإذا كثر المال ولم يجد به من الفوائد ما
أرادها فكأن لا مال له حاضر وذلك موجود محسوس في أبناء
الدنيا والآخرة تجد أبناء الدنيا لا يقدرون أن يصلوا إلى
ضروراتهم إلا بالأموال الكثيرة فلما رأوا ذلك لم تكن همتهم
إلا في تكثير المال وغاب عنهم ما وراء ذلك وجاء أهل الآخرة
فبلغوا تلك الضرورات التي لم ينلها أهل الدنيا إلا
بالأموال الكثيرة بأقل الأشياء وربما كانت أحسن منها هذا
موجود كثير لمن تأمله ونظره
منه
وفيه دليل على أن تقعيد الأحكام لا يُقتَصَر فيها على ما
يفهمه المخاطب ليس إلا بل على ما يفهمه المخاطب وغيره ممن
هو دونه في الفهم حتى لا يكون فيها إشكال يؤخذ ذلك من قوله
للصحابي رضي الله عنه كالذي يأكل ولا يشبع لأنا بالضرورة
نعلم أن الصحابة رضي الله عنهم يعلمون أن البركة خَلْق من
خَلْقِ الله كما هو الشبع خَلْق من خَلْقِ الله لأنهم قد
رأوا ذلك مرارا ومن بعضهم مع بعض على ما هو منقول عنه عليه
السلام وعنهم ولكن ضرب ذلك المثال لمن يأتي بعد ليزول
الإشكال بتقعيد قاعدة شرعية لا تحتمل التأويل هذا البيان
التامّ الأمر كيف هو اليوم ممن ينسب إلى العلم في الغالب
فكيف بالغير فقد تنكرت الطرق وعاد الحق في كثير من الأمور
مشكوكاً فيه وبعضه مجحوداً للعوائد السوء التي كثرت ممن
لبّس على الناس أنهم علماء وصالحون فإنا لله وإنا إليه
راجعون ولذلك قال كيف بك يا حُذَيْفَة إذا تركت بدعةً
قالوا تَرَك سنّة فقال ما تأمرني إن أدركني ذلك الزمان قال
أقرِضُهم من عِرْضك ليوم فقرك ۱ معناه افعل ما هو الحق
والسنة ودعهم يقولون ما شاؤوا فإنك مأجور في كونهم يأخذون
من عرضك بغير حق شرعي
فانظر
مع
۱ رواه الخطيب وابن عساكر عن أبي الدرداء ورواه أبو نعيم
والطبراني وابن عساكر عن أبي أمامة وهو جزء من
حديث طويل وانظر منتخب كنز العمال ۳۹/۵ ومجمع الزوائد
٢٨٥/٧
٥٤٧
وقوله عليه السلام اليد العليا خير من اليد السفلى هنا
خلاف بين العلماء وأهل الصوفة فالعلماء يقولون اليد العليا
هي المعطية والسفلى هي الآخذة وأهل الطريق يقولون بالضد إن
الآخذة لأنها هي التي أعطتك بالشيء اليسير الثواب الكثير
واحدة بعشرة وبسبعين
العليا هي
وبسعمائة والسفلى هي المعطية لأنها هي المنتظرة للمجازاة
وهي مفتقرة إلى ذلك والذي يظهر لي - والله أعلم - أن الجمع
يقع بينهما بوجه آخر وهو حسن إذا تأملته لا يخلو أن يكون
المعطي هو الذي يطلبك لقبول معروفه أو أنت هو الذي تطلب
منه ذلك فإن كنت أنت الطالب له فيده عليك وهي العليا وقد
حصل منك ذل السؤال إليه وقد جاء أن الذل في السؤال ولو عن
الطريق والمنكر لهذا يَجْحَد الضرورة
وإن كان هو الذي يطلبك بمعروفه فقد كسر مائية وجهه إليك في
أمرٍ أنت فيه بالخيار وهو محتاج إليه إما لزوال واجب عليه
أو لخير يؤمله في دنياه أو اخرته فإنه لم يأتك بمعروفة
كرامة لك وإنما هو لأمر يقصده مما أشرنا إليه فقبولك أنت
إياه معروف وهو السائل فيه فالحاجة له ويده هي السفلى ويد
الآخذ هي العليا وقد قال عليّ رضي الله عنه من دعانا كان
الفضل له فإن أجبنا كان الفضل لنا وبساط الحال الذي نحن
بسبيله يشهد لذلك لأن سيدنا ل لا لا لا لو لم يقل ما قال
إلا لسائل له عليه السلام لَمَّا كرَّر سؤاله مراراً
۱ وفيه دليل لوجه رابع وهو أنه جعل الاثنين حَسَنَيْنِ
وأحدهما يفضل على صاحبه بزيادة يؤخذ ذلك من قوله خير لأنه
أدخلهما في باب أفضل وباب أفضل يشهد بالحسن أو الخير
للمذكورين غير أن أحدهما يكون - إن فعل - خيرا من غيره كما
نقول زيد خير من عمرو وما نفينا الخيرية عن عمرو بالأصالة
ولكن زيداً أرفع منه درجة فيها فكذلك هاتان اليدان كلتاهما
حسن لأنهما امتدتا إلى معروف وحصلت الفضيلة بينهما بمرجّح
ثان إما نظر بعين الفعل أو بعين المال أو بعين القصد أو
بمجموعها فمن أجل هذه التعليلات وقع الخلاف
وفيه دليل على إرشاد الشارع عليه السلام إلى الأعلى في
المقامات يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام اليد العليا خير من
اليد السفلى كأنه عليه السلام يقول كن ممن يده عليا ولا
تكن ممن يده سفلى إلا أن هذا في المقامات الدينيات لا في
الدنيا وحطامها
وفيه دليل على أن بيان العلل بعد قضاء الحاجة ليس بمخجل
ولا مفسد للمعروف يؤخذ ذلك من أن سيدنا ا ا ا ا ل لم يبين
للسائل ولا ضرب له المثل إلا بعد قضاء حاجته مرارا حتى تمت
أمنيته وحينئذ بين عليه السلام له العلل التي في السؤال
1 كذا وقد أورد قبل أكثر من ثلاثة
٥٤٨
وفيه من الفقه أنه بعد قضاء حاجته كان خاطره خالياً من
التشويش ومن التهمة للمتكلم وأرفع للخجل ويجتمع له قضاء
حاجته وفائدة أخرى وهي التعليم بما لم يكن يعلم وفيه دليل
على جواز سؤال أهل الفضل والدين وأهل المعاملة وليس فيه
مذلة يؤخذ ذلك من أن سيدنا ل لم يعرض له فى حق سؤاله إياه
بشيء إلا أنه قال له قاعدة كلية ولو كان في سؤاله شيء ما
كتمه عنه ولا كان أيضاً يعطيه شيئاً حين يبين له ما فيه من
الكراهية لأنه المشرع والبيان عند الحاجة إليه لا يجوز
تأخيره وكأن فحوى الكلام يقول له يا حكيم ليس الأخذ مني
الأخذ من غيري اليد العليا خير من اليد السفلى لأن يده هي
العليا على كل الحالات لأنها لا مماثل لها ولا يتناوله
عليه السلام التمثيل في الفضيلة وهذا بين لاخفاء فيه
ويخلفه بالميراث في المنزلة - وإن كان ليس مثله - مَن له
الخلافة بعده وكذلك من ناب عن الخليفة نائب بعد نائب وإن
بَعُد أعني إذا كانوا من أهل الفضل والدين
مثل
وفيه دليل على أن المطلوب منا المبالغة في النصيحة
والتعليم يؤخذ ذلك من أنه صلى الله عليه وسلم لم يقتنع
بالمثال الأول حتى أكده بالمثال الثاني لكونه فيه معنى
زائد وكلما زادت أدلة التحذير كان
أقوى في المنع
وفيه دليل على أن من أقوى الأسباب في حمل العلم بمقتضى
الحكمة الجِدَةُ ۱ يؤخذ ذلك من أنه لم يعلمه حتى أغناه
بتكرار العطاء ثلاثاً
وفيه دليل على جواز تكرار السؤال ثلاثاً والرابعة ممنوعة
يؤخذ ذلك من أنه في كل مرة من الأولى والثانية أعطاه عليه
السلام وسكت عنه وفي الثالثة أعطاه وأشغله بإلقاء العلم عن
إعادة السؤال لأن الصحابة رضي الله عنهم فيهم من الفهم
والذكاء لقوة إيمانهم ما يزجرهم في الإشارات أقل من هذا
وفيه حجة لأهل الطريق الذين يقولون بالزنبيل لأنهم يقولون
من شرطه ألا يخرج لشخص معين يقصده ولا يلح في سؤاله ولا
يحلف ۳ وإنما يسأل الله فإذا حملته المقادير إلى باب أو
شخص لا يتعداه لغيره ومن شرطه ألا يخرج إلا على حاجة
صادقاً لقوله الله لا بأس أن يشكو المؤمن حاجته لأخيه
المؤمن ٤ فإذا سأل ذلك الشخص الذي حملته القدرة إليه فإن
أعطاه
1 الجدة مصدر للفعل وجد يَجِد يقال وَجَد فلان أي صار ذا
مال وللفعل وجَدَ معان أخرى الزنبيل بفتح الزاي المشددة
وكسرها القفه ويراد به هنا الأخذ بالسبب والسعي للرزق ۳
ولا يحلف ولا يُقسم على من سأله ليعطيه
٤ لم أقف على مصدره
٥٤٩
فحسن وإن حرمه فحسن ثم يقصد ثانياً وثالثاً فإن حرمه
الثلاثة فلا يزيد عليهم شيئاً ويعلم أن المطلوب منه الصبر
والتسليم فيرجع إلى موضعه ولا يسأل غير من ذكر حتى يفتح
الله له أو
يفعل فيه ما شاء
فانظر اليوم هل ترى من الطرفين العلم والحال من هو على ما
يقتضيه طريقه مما استنبطه أهله الموفقون من الكتاب والسنة
كما أبديناه قبل وفي هذا الحديث طرف منه كلا والله تشعبت
الطرق وقل السالكون فإنا لله وإنا إليه راجعون
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
حديث كراهية كثرة السؤال
عَن عَبدِ الله بن عُمَرَ رَضي الله عنهما قالَ قالَ
رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما يَزال الرَّجل يسألُ ۱
النَّاسَ حتَّى يأتيَ يَومَ القيامَةِ لَيسَ فِي وَجْهِهِ
مِرْعَةٌ ٢ لحم
ظاهر الحديث يدل أن الذي يكثر من سؤال الناس يأتي يوم
القيامة وليس في وجهه لحم والكلام عليه من وجوه
منها هل هذا السؤال على العموم في علم أو طريق أو لا يكون
ذلك إلا في حطام الدنيا وإن كان في حطام الدنيا هل إذا ۳
كان محتاجاً أو غير محتاج وهل هذا خاص بالرجال دون النساء
أو ليس وهل هذه العقوبة لحكمة تعرف أو ليس وهل يدخل في ذلك
من تاب قبل موته أم لا فالجواب أما السؤال عن العلم فلا
يدخل في عموم ذلك بدليل مولانا جلّ جلاله نَسْتَلُوا
أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٤
وأما السؤال أيضاً عن الطريق فلا يدخل في عمومه لأنه من
إرشاد الضال وإرشاد الضال من المأمور به فلم يبق إلا أن
يكون في حطام الدنيا فإذا كان في حطامها فليس على عمومه
أيضاً لأن من المأمور به السؤال عند الحاجة لقوله عليه
السلام لا بأس للمؤمن أن يشكو حاله لأخيه المؤمن ٥ ومن أجل
ذلك اختلف العلماء في الذي يلحقه الجوع أيما أفضل له الصبر
حتى
1 يسأل في هذا السياق بمعنى يستجدي ويشحذ
المزعة القطعة وجمعها مزع
۳ كذا والصواب أفإذا
٤ سورة النحل من الآية ٤٣
٥ لم أقف على مصدره
100
5
12
يموت فيكون شهيداً لقوله عزّ وجلّ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ
رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۱ أو يكون مأثوماً لقوله
لا بأس للمؤمن أن يشكو حاله لأخيه المؤمن فإن لم يفعل حتى
يموت يكون ممن تسبّب في قتل نفسه فيأثم على قولين
وأما من تاب قبل موته فيرجى أنه لا يدخل تحت ذلك العموم
لقوله التوبة تَجُبُّ ما قبلها ٢ غير أنه يبقى هنا بحث
فالذي يكون مال بيده عند التوبة هل يتناول منه شيئاً أو
كيف
يفعل به أما بقاؤه بيده فلا يجوزه وكيف يجوز له إبقاء مال
حرام بيده بدليل قوله عليه السلام لا تَحِل الصدقة لغنيّ
ولا لِذي مِرَّةٍ سَوِيّ ۳ وأما ما يفعل به فإن كان مما
يعرف أصحابه فيرده إليهم وإن لم يعرف فيتصدق به
وأما هل هو خاص بالرجال دون النساء أو عام فالجواب أنه عام
بدليل أن النساء شقائق الرجال في جميع التكليفات وجرى
الإخبار عنهم دون النساء من طريق الأفضلية وأنهم تلقوا
الخطاب كقوله عزّ وجلّ يَأَيُّهَا الرُّسُلُ ٤ والمقصود هم
وأتباعهم
وهنا بحث وهو أن من فعله ولم يدم عليه لا يلحقه ذلك الوعيد
بدليل قوله ما يزال وهذه الصيغة تدل على الدوام
وفيه دليل على أن جميع الناس محتاجون إلى العلم يؤخذ ذلك
من أنه إذا كان أقل الناس - وهم السؤال الذين ليس لهم شيء
في الدنيا - يحاسبون على سؤالهم سواء أكان على ما أمروا به
أو تعدوا فما بالك بالغير
وفيه دليل على أن الجهل لا يُعذر به أحد فإنه إذا لم يعذر
السائلون - مع شدة مسكنتهم
بالجهل فيما يلزمهم من سؤالهم فكيف بغيرهم
وفيه دليل على أن العلم أفضل الأشياء إذ به يتخلص الرفيع
والوضيع إذا عمل به وفيه دليل على جواز سؤال غير المؤمن
يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام يسأل الناس و الناس لفظ عام
يدخل تحته المؤمن وغيره ومن أجل ذلك كان بعض السادة لا
يخرج من منزله إلا عند الضرورة فلا يأتي إلا إلى ذمّي فقيل
له في ذلك فقال إني لا أخرج إلا محتاجاً فإذا
۱ سورة الطور من الاية ٤٨
لم أقف على مصدره والمروي المعروف هو الإسلام يَجُبُّ ما
قبله
۳ رواه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً
ورواه النسائي من حديث أبي هريرة وهو حديث صحيح وذو مرّة
صاحب قوّة ونشاط
٥٥٢
٤ سورة المؤمنون من الآية ٥١
أتيت باب المسلم فأخاف أن يردني ويعود عليه من أجل ردي
بلاء لأنه مأمور بإحياء نفسي فلا أريد أن يلحقه مني أذى
والذمي ليس هو بي مكلفاً فإن واساني رجوت له الخير وإن
ردَّ لم يخف
أن يلحقه مني أذى له
بین
وفيه دليل على حمل السائلين على التصديق يؤخذ ذلك من أنه
لم يجعل لغيرهم فرقاً الصادق وغيره منهم ويذكر عن بعض
المباركين أنه مر يوماً فرأى شخصاً عُرياناً يسأل من
يكسوه الله فجرد ثوباً عنه وأعطاه وكان ذلك السائل معروفاً
عند بعض الناس أنه كان يعمل ذلك حيلة وربما تصرف بثمن ما
يأخذه فيما لا يصلح فلما انصرف ذلك السيد عنه أخبره شخص
أنه رأى ذلك السائل في موضع وليس عليه ذلك الثوب وأنه يمكن
أنه تصرف فيه على غير لسان العلم فتحرك ذلك السيّد لمقالة
القائل وسأله أن يحمله حتى يراه كيف حاله فلما بلغ إليه
وراه على تلك الحالة التي وُصف بها سأله ما فعلت في الثوب
الذي أعطيتك وكان ثوباً نفيساً يساوي شيئاً كثيراً فجاوبه
بأن قال له اطلب ثوبك ممن أعطيته واتركني مع من عصيته فقال
صدقت
وتركه وانصرف إذا كنت في معروفك صادقاً مخلصاً فكن في فضل
من عاملته مصدقاً مخلصاً وأما قولنا هل تعرف ما الحكمة في
كونه يأتي يوم القيامة ولا مزعة لحم في وجهه والمزعة الشيء
اليسير فمعناه أنه ليس يكون في وجهه من الحُسْن شيء ولأن
حُسْن الوجه هو بما فيه من اللحم ولذلك فإن السِّمَن يَزيد
الوجه حسناً وذلك لأنه لما أذهب في الدنيا مائية وجهه وهي
ما في الوجوه من الحياء الموجب لترك المسألة - فلما أزاله
لغير ضرورة أذهب حسنه الحسي والآخرة أمورها في الآخرة لأن
حسن الحياء الذي في الوجه هو معنوي وحسن اللحم حسي حسية
مشاهدة غالباً لأن الحكمة اقتضت أن كل ذنب في الدنيا
لصاحبه علامة يعرف بها في الآخرة وتكون دالة على ذنبه
فيجتمع عليه أمران عقاب وتوبيخ من أجل شهرته على جميع
العالمين كما جاء أن شاهد الزور يبعث مُولعاً ۱ لسانه بنار
واكل الربا مثل البخت ۳ يتخبط مثل السكران وأكل أموال
اليتامى يقوم من قبره وألسنة النار تخرج من منافسه
۱ مُولَعاً في هذا السياق تعني محبوساً فلسان شاهد الزور
تلفه النار وكأنه محبوس بها والعبارة الواردة في النص أن
شاهد الزور يبعث الخ لم يتيسر الوقوف على مصدرها
البخت نوع من الإبل خراسانية وكأنه يعني أ خلقه غير سوي
كسائر المخلوقات وحديث الإسراء الذي رواه الإمام أحمد عن
أبي هريرة والذي أوله رأيت ليلة أسري بي والحديث الذي رواه
البيهقي في الدلائل عن أبي سعيد والذي أوله لما عرج به إلى
السماء فيهما تشبيه بطون أكلة الربا بالبيوت العظام
المائلة ج منفس وهو مكان النَّفَس وعبارة المؤلف وألسنة
النار تخرج من الإسراء الذي رواه البيهقي عن أبي سعيد رضي
الله عنه وفي تفسير ابن كثير لقوله تعالى الَّذِينَ
يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا وفي كتاب
الكبائر للذهبي زيادة إيضاح وشرح لهذا الموضوع
۳ منافسه
منافسه قطعة من حديث
٥٥٣
وتعداد ذلك كثير بحسب ما أخبر به الصادق عليه السلام فتكون
فائدة الإخبار بهذا وأمثاله التحرز من ذلك الخزي العظيم
والعذاب الأليم أعاذنا الله من الجميع بمنه وفضله لا رب
سواه
وقال حَسنُ لنفسك العقبى إن كنت بصيراً واحذَرْ خِزْيَ يوم
كان وجهه عبوساً قمطريراً بتقوى مَوْلى لم يزل عليك
منعِماً شكوراً
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
تسليماً
٥٥٤
-Y-
حديث قران الحج بالعمرة
عَن عُمر رضي الله عَنهُ يَقولُ سَمِعتُ النَّبِيَّ بوادِي
العَقيقِ۱ يَقولُ أتاني الليلة آتٍ مِن رَبِّي فَقالَ
صَلِّ في هَذا الوَادي المُبارَكَ وَقُل عُمرَةٌ في
حَجَّةٍ
آخر
*
ظاهر الحديث فيه بحث وهو هل يحمل على ما يقتضيه لفظه أو
المعنى فيه على وجه
فمن قواعد الشريعة تعرف أن في ها هنا ليست على حقيقتها
وإنما هي بدل عن غيرها وهذا في كلام العرب كثير لأنه قد
تقرر من قواعد الشرع أن العمرة لا تُردَف على الحج وأن
الحج هو الذي يُردَف على العمرة
وسبب الأمر من مولانا جلّ جلاله في هذا الوادي المبارك
لسيدنا أن يصلي فيه وهو عليه السلام قد كان أحرم عند خروجه
من المدينة بالحج مفرداً وذلك أنه كانت الجاهلية قبل
الإسلام يقولون إن من أفجَرِ الفجور العمرة في أشهر المج
وكانوا يقولون إذا عفا الوَبَر وَبرَأ الدَّبَر ودخل صَفَر
حلّت العمرة لمن اعتمر عفا الوبر كثر وبر الإبل الذي حلق
بالرحال وفي رواية عفا الأثر أي اندرس أثر الإبل وغيرها في
سيرها ويحتمل أثر الوبر المذكور جرح في ظهر الإبل من أثر
السفر وصَفَر هو الشهر الذي يلي المحرَّم وكانوا يسمون
المحرَّم صَفَراً فأمر الله نبيه عليه السلام أن ينسخ فعل
الجاهلية بأن يُحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفسخ بذلك
الإحرام إحرامه المتقدم بالحج المفرد ويكون ذلك حكماً
خاصاً بذلك
والدبر
۱ وادي العقيق هو الوادي المبارك ويقع ببطن وادي ذي
الحليفة وهو الأقرب منها وهو مهل أهل العراق من ذات عزق
يقع غربي المدينة المنورة ويشقه طريق مكة ويكاد عمران
المدينة يتصل بمداخله والطرق إليه منها باب العنبرية
الطريق شمالي قبة الخضر المدرّج العقيق انظر بين التاريخ
والآثار لعبد القدوس
الأنصاري ص ٧٦
٥٥٥
الوقت لأنه لم يأت نص في الأحاديث أن العمرة يجوز إدخالها
على الحج فتكون في ههنا على
هذا الوجه معناها عُمْرة بدل حَجة
هذا على القول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم
مفرداً وهو حديث عائشة ۱
رضي الله عنها لأن
العلماء اختلفوا في حجه وإحرامه صلى الله عليه وسلم
اختلافاً كثيراً والأحاديث في ذلك أيضاً مختلفة وهو
موجب الخلاف
الله
قطعي فيه
وعلى القول بأنه عليه السلام أحرم أولاً بعمرة فيكون قوله
هنا عُمرَة في حَجّة من المقلوب ويكون معنى الكلام حَجَّة
في عُمرة وقلب اللفظ عن حقيقته بغير وجه إشكال والأول الذي
هو بدل الحروف أولى لأنه معروف في كلام العرب ومن فصيحه
وأما على وجه من قال إنه الا الله و أحرم قارِنا فيكون
الأمر هنا زيادة تأكيد في شأن ما أراد سبحانه أن ينسخ من
فعل الجاهلية لأن يكون ذلك بالسنة أولاً وتثبيتاً بالحكم
الإلهي ثانياً ونذكر الآن إشارة إلى ما هو الأظهر من
إحرامه لا لا لا لهم من أجل الاختلاف الواقع في ذلك وذلك
أنه لما اختلفت الأحاديث من أين كان إحرامه الله هل من
المسجد أو حين استوى على راحلته أو حين توسط البيداء سئل
ابن عباس رضي الله عنهما عن سبب هذا الخلاف فقال أنا
أخبركم كنت معه في المسجد فصلى ثم أحرم إثر الصلاة وهي
نافلة فلبّى فمن كان هناك روى ما سمع ثم خرجتُ معه حتى ركب
فلما استوى على راحلته لبّي فمن كان هناك روى ما سمع ثم
سار وسرت معه حتى توسط البيداء والناس أمامه مدّ البصر
وخلفه ويمينه وشماله
كذلك وهلل ولبّي فمن كان هناك روى ما سمع
وأما الذي جاء في اختلاف إحرامه عليه السلام هل كان مفرداً
أو قارناً أو بعمرة وكيف
الجمع فذلك أن عائشة رضي الله عنها قالت خرجنا مع رسول
الله عام حجة الوداع
فمنا من أهَلَّ بعمرة ومنا من أهَلَّ بحج وعمرة ومنا من
أهَلّ بالحج وأَهَلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج
۱ حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم مفرداً
رواه مسلم رقم ۱۱۱ في الحج - باب بيان وجوه الإحرام أداء
فريضة الحج يمكن أن يتم على ثلاثة أشكال ۱ حج إفراد وهو
أداء مناسك الحج من غير أداء عمرة في وقت الحج وهو شوال
وذو القعدة وعشر ذي
الحجة
حج تمتع وهو الجمع بين أفعال العمرة والحج في أشهر الحج في
سنة واحدة بإحرامين بتقديم أفعال العمرة من غير أن يُلمَّ
بأهله إلماماً صحيحاً
۳ حج قران وهو الجمع بين العمرة والحج بإحرام واحد في
سَفْرة واحدة ۳ رواه الإمام أحمد في المسند وأبو داود في
السنن وصححه الحاكم في المستدرك وأقره الذهبي وفي رواية
المؤلف ابن أبي جمرة رحمه الله زيادة بعض الألفاظ وهي غير
واردة في الكتب الانفة الذكر
٥٥٦
فأما من أهل بعمرة فحَلَّ وأما من أهل بالحج أو جمع بين
الحج والعمرة فلم يخلل حتى كان
يوم النحر
وقول سعد في الموطأ للضحاك بئس ما قلت يا ابن أخي قد صنعها
رسول الله
وصنعناها
٣ أنحر
معه
يعني العمرة في حجة الوداع وقول حفصة لرسول الله صلى الله
عليه وسلم ما شأن الناس
حَلوا ولم تَحْلِلْ أنت من عمرتك فقال إني لَبَّدْتُ رأسي
وقلدتُ هَذيي فلا أحِلّ حتى وروي عن أنس بن مالك رضي الله
عنه أن رسول الله ل قرن وأنه سمعه يقول لبيك اللهم
لبَّيْكَ بحَجَّة وعُمرَة معا ٤
واختلف الناس في كيفية الجمع بينهما فمن أحسن ما قيل في
ذلك أنه عليه السلام أحرم أولاً مفرداً بالحج فمن سمع ذلك
أخبر بما سمع ثم فسخه في العمرة حين أمره الحق جلّ جلاله
كما تقدم فمن سمع إهلاله عليه السلام بالعمرة مفرَدَة روى
ما سمع ثم إنه عليه السلام لما قدم مكة قبل أن يطوف بالبيت
أردف الحج على العمرة فمن سمعه يلبي بهما حدث بما سمع
فَصَدَق أن يقال مفرداً وأن يقال متمتعاً وأن يقال قارنا
والكل حق ولا تناقض بينها وإنما كان يكون التناقض أن لو
كانت الأحاديث كلها عن يوم واحد في ساعة واحدة وهذا لم
يوجد فلا تعارض عند التحقيق والحمد الله وَلَوْ كَانَ مِنْ
عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافًا ﴿
كثِيرًا ٥ فهذا ما أمكن الكلام فيه على قوله في حجة على
التقريب والاختصار وفيه دليل على أن الله عزّ وجلّ يفضل ما
يشاء من خلقه جماداً أو غيره فضلاً منه تعالى يؤخذ ذلك مما
قيل له عليه السلام في هذا الوادي المبارك فسمي بالبركة
وفيه دليل على أن المقصود منا في الأمكنة والأزمنة
المباركة التعبد يؤخذ ذلك من قوله صل في هذا الوادي
المبارك فمن أجل بركته أمرنا بالصلاة فيه كما قال تعالى في
الأشهر الحرم فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَ فنهى عن
الظلم فيها لكون الإثم عليه إذ ذاك أكثر مما لو كان في
غيرها والأمر بالشيء نهي عن ضده والنهي عن الشيء أمر بضده
فلما نهى عن ترك الظلم
فيها يلزم فعل الطاعة أو يندب فيها
1 رواه البخاري ومسلم كما في جامع الأصول ١٤٤/٣ و ١٤٥ و
١٤٦ رواه الإمام مالك في الموطأ والنسائي ۱۵/۵ والترمذي
رقم ۸۳ ۳ رواه البخاري في الحج باب التمتع والقران
والإفراد ومسلم رقم ۱۹ عن السيدة حفصة رضي الله عنها 4
رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه
عن أنس رضي الله عنه
0
سورة النساء من الاية ۸ ٦ سورة التوبة من الآية ٣٦
٥٥٧
وفيه دليل على تفضيل بني ادم على غيرهم من المخلوقات يؤخذ
ذلك من أن ما فضل من البقع والأزمنة إنما هي من أجل بني
آدم لكونهم أمروا فيها بالتعبدات وضعف لهم الثواب يدل على
ذلك قوله تعالى وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ
وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَآيَتٍ لِقَوْمٍ
ون ۱ فكانت الفائدة لنا ورحمة بنا
وفيه دليل على جواز الإخبار بأمر الأمر ولا يلزم ذكر
الواسطة يؤخذ ذلك من قوله عليه
السلام أتاني الليلة اتٍ من ربي ولم يذكر من كان الآتي هل
جبريل عليه السلام أو غيره وفيه دليل على تأكيد الركوع قبل
الإحرام يؤخذ ذلك من قوله صَلّ في هذا الوادي المبارك وقل
عمرة في حجة فلم يؤمر عليه السلام بالإحرام إلا بعد الركوع
وإن كان سيدنا قد سَنها قبل فجاء الأمر هنا تأكيداً لما
كان هو ا سَنه وعلى القول - وهو الأظهر - إنه عليه السلام
أحرم أولاً مفرداً يجوز فَسخُ الحج في العمرة إذا كان هناك
عذر يوجب ذلك يؤخذ ذلك من فسخه عليه السلام الحج في العمرة
للعذر الذي قدمنا ذكره
ومنه - والله أعلم - أجاز العلماء لمن فاته الوقوف بعرفة
إن شاء أن يفسخ إحرامه في عمرة فعل
لأنه عذر يوجب له الخيار بما ذكرنا أو يبقى على إحرامه إلى
قابل وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه
وسلّم تسليماً
الفل
۱ سورة الجاثية من الآية ۱۳
يقصد بـ الركوع الصلاة النافلة قبل الإحرام من إطلاق الجزء
على الكل
لا
الا
فل
أنا
-۷۸-
حديث الإنابة في الحج
عَن عَبدِ الله بن عبّاس رضي الله عَنهُما أنَّ امرأةً
قالت يا رَسولَ الله إِنَّ فَريضةً الله علَى عِبادِهِ في
الحج أدركت أبي شَيخاً كبيراً لا يَثْبُتُ على الرَّاحِلة
أفَأَحُجُ عَنهُ قَالَ نَعم وَذلِكَ في حَجَّةِ الوداع
ظاهره يدل على جواز النيابة في الحج والكلام عليه من وجوه
منها هل هو مطلق في الفرض والنافلة كما يروى عن الشافعي
رحمه الله أو في النفل لا غير
أما على ما ذكرته عن أبيها لأنه لا يقدر أن يثبت على
الراحلة فالحج ليس بفرض عليه لأن الله عزّ وجلّ يقول مَنِ
اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۱ وهذا عادم للاستطاعة فلا
وجوب عليه ﴿ ويكون ما فعلته عنه من الحج تطوّعاً فإذا
بمقتضى الحديث تجوز النيابة في الحج في النافلة ولا تجوز
في الفرض
وهنا بحث وهو هل يحمل ذلك الحكم - أعني النيابة - في جميع
التطوعات البدنية أم لا الجمهور على أن لا وما أجاز
النيابة في الحج - على خلاف بينهم ممن أجازها هل مطلقاً في
الفرض والنفل أو في النفل لا غير - إلا من أجل هذا الحديث
ومن أجل أن معظم ما فيه إنفاق المالية وجعل البدن تابعاً
لها لأن النيابة في المالية جائزة وفي الفرض بلا خلاف وأما
البدنيات فلا إلا خلاف شاذ جاء فيمن مات وعليه صوم واجب هل
يصوم عنه وليّه أم لا فالجمهور على أن لا يصام عنه وجاء
حديث يصوم عنه وليّه فعمل على ذلك بعض العلماء ولم يصح عند
الجمهور العمل به
۱ سورة ال عمران من الآية ۹۷
روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله الله قال
من مات وعليه صيام صام عنه وليه
۵۵۹
وفيه دليل على جواز النيابة في العلم يؤخذ ذلك من سؤال هذه
عمّا يلزم أباها وفيه دليل على جواز نيابة المرأة في العلم
يؤخذ ذلك من أن النبي لما سألته هذه أجابها ولم ينكر عليها
وفيه دليل على جواز كلام المرأة والأجانب يسمعونها وإن كان
كلامها عورة لا يجوز أن يسمعه أجنبي لكن عند الضرورة جائز
يؤخذ ذلك من كون ابن عبّاس روى كلامها وأنه وهو أجنبي منها
لكن من أجل الضرورة لكونه مع النبي وهذه قد سألته فسمع
كلامها ويؤخذ منه جواز الجلوس مع الحكام والفقهاء المفتين
وإن كان الناس تأتيهم رجالاً ونساءً يؤخذ ذلك من كون ابن
عباس كان مع النبي حين سألته هذه وهو المروي عنه عليه
السلام في الأحاديث لأنه لم يكن قط يجلس إلا ويجلس معه
الصحابة رضي الله عنهم ومن أجل ذلك تقررت الأحكام ولو لم
يكن ذلك جائزاً وكان يكون من الخاص به لكونه يقرر الأحكام
وتنقل عنه لكان يذكر ذلك ويبينه
وفيه دليل على تصحيح قاعدة الأبوة بخلاف ما يقوله بعض أهل
التفقه لأنهم يقولون محتملة وإطلاقهم هذه الصيغة على هذه
الصفة غلط والبحث فيه أن نقول لا يخلو أن نرجع في ذلك إلى
مجرد العقل ولا نلاحظ في ذلك أمر الشرع أو نرجع إلى
مجموعهما فإن قال القائل أقول بمجرد العقل عند البحث
ليتقرر حكم العقل في ذلك على أسلوبه فإن وافق الشرع فحسن
وإلا قلنا هذا بحث العقل ورجعنا في الأحكام إلى الشرع فإنا
به مأمورون
فنقول لا يخلو أن نقول عن الأبوة محتملة بحسب بلوغ الأمر
إلى علمنا أو بحسب وقوعها في الوجود فإن قلتم بحسب وصوله
إلى علمنا فلا فرق بين الأبوة والأمومة لأن الأمومة كذلك
أيضاً إما أن تكون بعلم قطعي أو بحسب وقوعها في الوجود
فالعلم القطعي مثل أن يُرى خارجاً من رَحِم أمه فهذا هو
العلم القطعي وهو معدوم في الأبوة أعني القطع بالمعاينة
وأما الأسباب فتشترك الأبوة مع الأمومة في ذلك لأن الأمومة
إما أن تكون بدعوى أو بشهادة والأبوة تشاركها فيهما وهذا
هو الغالب من الناس لأنهم لا يعرفون أبوتهم وأمومتهم إلا
من طريق الدعوى أو الشهادة فلم يبق في ذلك إلا الرجوع إلى
الأمر المنقول منها عن طريق إخبار الصادق عليه السلام من
نفيها أو صحتها
فما جاء من طريق الصادق عليه السلام نفيها مثل ابن نوح
عليه السلام على خلاف فيه
۱ كلام المرأة ليس بعورة ويجوز للأجنبي أن يسمعه إلا إن
كان هناك فتنة نص عليه النووي في أكثر من موضع من شرح مسلم
٥٦٠
به
ن
ـذه
أن
حين
تقوله عزّ وجلّ ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۱ فضاء عنه
وذكر عن بعض العلماء أنه كان ملتقطاً عليه لأن زوجة نبي
بالإجماع أنها ما بغت قط لا مخالف في هذا ومثله قول سيدنا
محمد الله سأله السائل مَن أبي فقال أبوك حذافة ٣ ونسبه
إلى أبيه وأما ما ثبت فمثل أولاد يعقوب عليه السلام فقد
ثبتوا بنص القرآن وكذلك أولاد إبراهيم عليه السلام وأولاد
سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم
علي رضي
ومثل أبيه و و و و و و و و و و ل لقوله عليه السلام أنا
النبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطّلب ٤ وقوله عليه أنا ابن
الذبيحين٥ وقوله عليه السلام حين كتب العهد بينه وبين أهل
مكة فكتب السلام الله عنه محمد رسول الله قالوا لو علمنا
أنه رسول الله لا تبعناه فكتب محمّد بن وقوله عليه السلام
للسائل إن أبي وأباك في النار ۷ وقوله عليه السلام أستأذنت
في أن أزور قبر أمي فأذن لي واستأذنته أن أزور أبي فمنعني
۸ وقوله عليه السلام
عبد الله
۱ سورة هود من الآية ٤٦
رواه البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه وانظر في تفسير
قوله تعالى ﴿لا تسألوا عن أشياء ۳ رواه البخاري في المغازي
- باب قول الله تعالى ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ٤ قول
ضعيف ومدلول عبارة المؤلف يدل على ذلك
٥ يريد بالذبيحين اسماعيل بن إبراهيم وأباه عبد الله بن
عبد المطلب وقد وقع عليه نذر أبيه عبد المطلب أن يذبحه ثم
افتداه بمائة من الإبل جاء في الطبقات الكبرى لابن سعد
۸۸/۱ ما يلي لما رأى عبد المطلب قلة أعوانه في حفر زمزم
وإنما كان يحفر وحده وابنه الحارث هو بكره نذر لئن أكمل
الله له عشرة ذكور حتى يراهم أن يذبح أحدهم فلما تكاملوا
عشرة منهم الحارث والزبير وأبو طالب وعبد الله وحمزة وأبو
لهب والغيداق والمقوّم وضرار والعباس جمعهم ثم أخذهم بنذره
ودعاهم إلى الوفاء الله به فما اختلف عليه منهم أحد وقالوا
أوف بنذرك وافعل ما شئت فقال لِيَكتُب كل رجل منكم اسمه في
قدحه ففعلوا فدخل عبد المطلب في جوف الكعبة وقال للسادن
اضرب بقداحهم فضرب فخرج قدح عبد الله أوّلها وكان عبد
المطلب يحبه فأخذ بيده يقوده إلى المذبح ومعه المدية فبكت
بنات عبد المطلب وكن قياماً وقالت إحداهن لأبيها أعذر فيه
بأن تضرب في إبلك السوائم التي في الحَرَم فقال للسادن
اضرب عليه بالقِداح وعليَّ عشر من الإبل وكانت الدية يومئذ
عشرا من الإبل فضرب فخرج القدح على عبد الله فجعل يزيد
عشرا عشرا كل ذلك يخرج القدح على عبد الله حتى كملت المائة
فضرب بالقداح فخرج على الإبل فكبّر عبد المطلب والناس معه
واحتمل بنات عبد المطلب أخاهن عبد الله وقدم عبد المطلب
الإبل فنحرها بين الصَّفا والمَرْوَة والرواية أن أعرابياً
قال للنبي الا يا ابن الذبيحين انظر كشف الخفا ۱۹۹/۱ ٦
رواه الشيخان عن المسوّر وعليّ رضي الله عنهما ۷ رواه مسلم
وأبو داود وفي رسالة للسيوطي في نجاة الأبوين الشريفين أن
لفظه أبي الواردة في الحديث مُدْرَجَة من الراوي وله في
ذلك أدلة قوية ۸ لفظه استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن
لي واستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي رواه مسلم عن أبي هريرة
رضي الله عنه
٥٦١
للعباس يا عم ۱ ولأبي طالب يا عم ولصَفِيَّةَ حين أنزل
الله عزّ وجلّ ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأفريين ۳ يا صفية
عمة رسول الله فإن العمومة لا تثبت إلا بالأبوة الثابتة
فقد رجع قوله عليه السلام هنا التواتر لأنه قد قيل في أقل
التواتر إنه يثبت بأقل الجموع ومن أهل العلم من قال إنه
يحصل بخبر الواحد وهنا أكثر من أقل الجموع والأحاديث في
هذا كثيرة وطرقها مختلفة وأما التنزيل فقوله عزّ وجلّ
ولَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ نُسِكُمْ ﴾ ٤ أي أحسَبِكم
والحَسَب لا يثبت إلا بثبوت الأبوة وقال صلى الله عليه
وسلم إن الله اختار من أولاد آدم إبراهيم عليه السلام
واختار من ولد إبراهيم إسماعيل إلى أن قال عليه السلام
واختارني من بني هاشم ٥
أَنفُسِ
هذا من طريق بحث العقل ورأينا الشرع قد أثبت هاتين
القاعدتين الأمومة والأبوة وجعل الاحتمال الطارىء على
الأبوة الوصول إليه متعذر فإنه عليه السلام جعل في دعوى
الزنى أربعة شهود يَرَوْنه كالمِرْوَد في المُكحُلَة ٦
والتلاعن الذي هو مؤكَّد باللعنة والغضب للحرمة وقال الولد
للفراش وللعاهر الحَجَر وأكد سبحانه هذا بأن قسم المواريث
على هذه الأصول وقال عزّ وجلّ ءَابَاؤُكُمْ
وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ
نَفْعًا ۸ وقال عزّ وجلّ وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۹ وجعل السبب كحكم الأصل
المقطوع به لأنه إذا دخل الرجل بالمرأة
وجاءت منه أو من غيره بولد وادّعته منه أنه لازم له إلا أن
ينفيه باللعان بِشَرط مذكور في بابه فترجع الآن للجمع بين
العقل ومدلوله في هذه القاعدة هل وافق الشرعَ أم خالَفَه
فأما على البحث بحكم وصول العلم إلينا فاستوى فيها دليل
العقل والشرع من وجه أنه ما وصل إلينا العلم
۱ نداؤه - عليه السلام - عمّه العباس يا عَمْ رواه الترمذي
وابن ماجه عن أبي رافع كما رواه الإمام أحمد وأبو يعلى
والطبراني عن أم الفضل رضي الله عنها
نداؤه - عليه السلام - عمّه أبا طالب يا عمّ رواه الإمام
أحمد والترمذي
۳ سورة الشعراء الآية ٢١٤ ٤ سورة التوبة من الآية ۱۸
٥ رواه الطبراني في الأوسط والكبير عن عبد الله بن عمر
مرفوعاً ولفظه وخلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم الخ كما
أخرجه مسلم عن واثلة بن الأسقع أن النبي الا الله قال إن
الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة
الخ ٦ أخرجه مسلم في اللعان عن أبي هريرة رضي الله عنه في
حوار سعد بن عبادة مع النبي الا الله كما أخرجه أبو داود
في حديث ماعز الأسلمي واللفظ مختلف
۷ متفق عليه من حديث السيدة عائشة وأبي هريرة رضي الله
عنهما
۸ سورة النساء من الآية ۱۱
۹ سورة الحجرات من الآية ١٣
٥٦٢
بالأمومة والأبوة إلا بواسطة السبب وكذلك حكمنا بهما إلا
فيما ثبت خلافه وكذلك الشرع ما حكم بهما إلا بواسطة السبب
وهو عقد النكاح ووجوده فاستوى في ذلك العقل والنقل وأما
على البحث من كون ظهوره في الوجود فلا فائدة في ذلك الدليل
بدليل أن الشيء إذا وقع في الوجود ولم يحقق حقيقة كيفيَّته
على الوضع الذي وقع في الوجود إلا بواسطة فرجع الأمر إلى
الواسطة فدار البحث ورجع البحث الأول الذي عليه يقع الحكم
فيكون ما قعدوه توقعاً خيالياً والتوقع الخيالي لا يُبنى
عليه حكم لأن هذا - وإن عاينه أحد من الجنس - فهو نادر لا
يثبت النسب به إلا بوساطة ذلك المشاهد لذلك الأمر إن كان
ممن تقبل شهادته ولتعذر ذلك رجع فيه إلى قبول امرأتين
وشهادتهما لا تقبل في غير هذا ولا يحكم بهما إلا مع اليمين
فكيف نجعل قاعدة إذا تحققنا البحث فيها من طريق العقل
والنقل لا نصل إلا إلى احتمال الإمكان بالتحقيق يطرأ عليها
بالنسبة إلى علمنا ولذلك لم تُثبت الشريعةُ للمَسْبِيَة
نسباً مع ابنها وإن كانت حاملة له بدعواها ولا إلى أب
أيضاً إلا ببيان من خارج وساوت في ذلك بين الأبوة والأمومة
وغيرهما من القرابات ولا سبب يدل عليه مثل الأصل الذي قد
دل الشرع عليه بما ربط فيه من العادة والأسباب فالعقل
أيضاً قد ترجحت عنده الأسباب والأصل كما قدمناه فجعل
الاحتمال فيه على حد سواء هذا مشكل لا خفاء به
مسألة
ثم كيف يمكن عند من يفرق بين أن الاثنين أكثر من الواحد أن
يطرد القاعدة على ضعف الاحتمال فيها كما قدمنا في المسألة
وقد جاء فيها دلالة من القرآن أو من السنة أو إجماع الأمة
هذا حمق وجهل - إن حَسَّنا الظن - ما لم يكن في مسألة تختص
بسيدنا فإن كانت في مـ سيدنا صلى الله عليه وسلم فإنه من
شك في أبوته أو نبوته فإنه جمع على نفسه أمرين عظيمين
أحدهما الرد على الكتاب والسنة المتواترة كما ذكرنا أولاً
فوجب بأقل من هذا قتله إجماعاً إلا ما روي عن الشافعي وأبي
حنيفة قولاً ثانياً أنها ردة يجب قتله إلا أن يتوب ومثله
قول ضعيف عن مالك رحمه الله وليس بمشهور مذهبه ومشهور
مذهبه القتل ولا يستتاب
وهنا بحث وهو لا يخلو ما نقل من الإجماع أن يكون قبل ما
ذكر من الخلاف المتقدم عمن ذكر أو يكون الخلاف متقدماً على
الإجماع فإن كان الخلاف منهم قبل ثم رجعوا إلى الإجماع فلا
تأثير لذلك الخلاف وتحقق الإجماع وإن كان الخلاف منهم وقع
بعد الإجماع فلا يُعبأ به والذي نقل الإجماع في قتله جماعة
منهم صاحب الاستذكار وصاحب الكافي
۱ صاحب الاستذكار هو نفسه صاحب الكافي وهو ابن عبد البر
يوسف بن عمر عبد البر قُرْطبي مالكي توفي سنة ٤٦٣ واسم
كتابه كاملاً الاستذكار لمذاهب أئمة الأمصار وفيما تضمنه
الموطأ من المعاني والاثار والثاني الكافي في فروع
المالكية ١٥ مجلدا
٥٦٣
ε
۱ وابن سبوع وابن رشد ۳ وابن أبي زيد 4 وسَحْنون ٥ والليث
٦
^
رحمهم
والتَّلْمِسَانِي والقاضي عياض ٧ وابن العربي الله تعالى
وجماعة ممن يقرب من هؤلاء في الشهرة أنسيتهم في الوقت فإن
شاء الله أذكرهم فإن أنسيته فمن وقف على كتابي هذا أو ذكر
منهم أحداً فليلحقه وله الأجر لأن ذلك مساعدة في قاعدة
شرعية وكذلك نقل الكل أنه من قال لفظاً يدل على شيء من
التنقيص في حقه عليه السلام من أي وجه كان أو ازدرى به أو
شَانَه شَيْناً ما من أي المحتملات والوجوه كان أنه يقتل
له على البحث المتقدم
والذي أوجب القتل ولم يقل بتوبته اختلف هل هو حدّ الأدب أو
الكفر فالذي قال حَدّ الأدب فلا تنفع فيه التوبة لأنه حق
قد وجب وإذا وجب الحق فلا فائدة لتوبته والقائل بأنه كفر
قال هو كالزنديق يقتل ولا تقبل توبته والقولان عند مالك
رحمه الله ومن تبعه واختلفوا أيضاً هل يكون قتله كفراً أو
حَدًا قولان والأكثر منهم نقلوا الإجماع على أنه لا يعذر
في ذلك بجهل ولا سُكر ولا فلتة لسان ولا سهو ولا غفلة ولا
شيء من الأشياء والحكم في ذلك القتل عمن تقدم ذكرهم منهم
من نقل مذهب مالك رحمه الله ومشهوره وهو القتل ومنهم من
ذكر الإجماع في ذلك غير الخلاف عن الشافعي وأبي حنيفة
رحمهما الله وقد استُدِل على قتله بالكتاب والسنة فبالكتاب
قوله عزّ وجلّ قُلْ أَبِاللهِ وَءَايَيْهِ وَرَسُولِهِ
كُنتُم تَسْتَهْزِءُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم
بَعْدَ إِيمَنكُمْ ﴾ ٩ وأما السنة فقوله صلى الله عليه
وسلم من سَبَّ نبيًّا
۱ التلمساني أبو مدين شعيب بن الحسن المغربي الأنصاري
الأندلسي من أهل الحقيقة والشريعة أصله من الأندلس وإقامته
في فاس خافه سلطان فاس ووشى به علماء الظاهر وخوفوا
السلطان من انتشار أمره فبعث يطلبه فطمأن مريديه بأنه لن
يرى السلطان ولن يراه السلطان ومات في الطريق إليه سنة ٥٨٩
هـ له أخبار كثيرة عن كراماته من أقواله حسن الخلق معاشرة
كل إنسان بما يؤنسه و احذر من يدعي مع
يكذبه ظاهره
ابن سبوع لم نقف على ترجمته
الله حالاً
۳ ابن رشد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد أبو الوليد
مشهور باسم ابن رشد الحفيد توفي سنة ٥٩٥ هـ مؤلف بداية
المجتهد ونهاية المقتصد في الفقه المالكي
٤ ابن أبي زيد عبد الله بن أبي عبد الرحمن المالكي الفقيه
المفسّر له إعجاز القرآن ت ٣٨٦ هـ سحنون عبد السلام بن
سعيد فقيه مالكي أصله من حمص قاضي إفريقية اجتمع مع عبد
الرحمن
0
ابن القاسم واستفاد من اراء الإمام مالك التي ترد إلى ابن
القاسم توفي سنة ٢٤٠هـ ٦ الليث بن سعد إمام مصر في الفقه
والحديث ت ١٧٥ هـ
۷ القاضي عياض بن موسى أبو الفضل أندلسي الأصل محدث مفسّر
توفي في مراكش سنة ٥٤٤ هـ ۸ ابن العربي أبو بكر محمد
الأندلسي المالكي محدث فقيه أصولي مفسّر مؤرخ قاضي إشبيلية
له كتاب العواصم من القواصم وتفسير في ۸۰ مجلدا وكتاب
المسالك في شرح موطأ مالك ت ٥٤٣ هـ
۹ سورة التوبة من الايتين ٦٥ و ٦٦
٥٦٤
فاقتلوه ۱ وقيل في قتل ابن خَطَل إنما كان قتله من أجل
إذايته له ولا من أجل الكفر والآثار
في مثل هذا كثيرة
وأما الوجه الثاني فإن الشك في النسب نفي له ومن نفاه عليه
السلام من نسبه فقد وجب قتله ولا يمكن أن يدخل فيه الخلاف
كما دخل في الوجه قبله لأنه حد قد وجب فإن القذف حق تعين
فيه الحدّ بالإجماع ومنهم من نقل الإجماع فيمن قال إن من
سب النبي صلى الله عليه وسلم إنه لا شيء عليه إنه كافر
وكذلك الحكم فيمن سَبَّ أحداً من الرسل والأنبياء عليهم
السلام ثم نرجع إلى الحديث وأما ما احتجت به الشافعية من
أنه سمع شخصاً يقول لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ عن شُبْرُمَة فقال
له َأحَجَجْتَ عن نَفْسِك فقال لا قال حُجَّ عن نفسك ثم
حُجّ اللهم عن شُبُرُمَة ۳ فليس فيه دليل على أن الذي حجه
عن شبرمة كان فرضاً ولا أنه يكون مجزئاً عنه عن فرضه بل لو
قال عليه السلام أد فرضك ثم حُجَّ عن شبرمة لكان نصا كما
زعموا وأما قوله ثم حجّ عن شُبْرُمة معناه كما تطوعت عنه
بما هو في حقه تطوعاً فإذا وقع الاحتمال
سقط الدليل
te
وفيه دليل على أن السنة في التلبية تكون جهراً يؤخذ ذلك من
كون الرواة رووا صيغة لفظه عليه السلام جهراً وكذلك
الخلفاء بعده وبقيت السنة على ذلك إلى هَلُمَّ جَرَّا
والله أعلم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله
وصحبه وسلّم تسليماً
۱ رواه الطبراني في الأوسط والصغير وفي إسناده من هو متهم
بالكذب ولفظه من سب الأنبياء قتل ومن سب
أصحابي جُلِد انظر مجمع الزوائد ٦ / ٢٦٠
المعنى من أنكر نسب النبي وجَبَ قتله ۳ رواه كما في موارد
الظمآن والبيهقي في السنن الكبرى و شُبْرمَة بضم
الشين والراء صحابي
حديث ما يلبس المحرم في الحج
عَن عَبدِ الله بن عُمرَ رضي الله عَنهُما أنَّ رجُلاً قال
يا رَسولَ اللهِ مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الشَّيَابِ
قالَ رَسولُ الله لا يَلْبَسُ القُمُص ۱ ولا العَمائِمَ ٢
وَلا السَّراويلاتِ ۳ ولا البرانس ٤ ولا الخفاف ٥ إلا
أحَدٌ لا يَجدُ نَعْلَينِ فَلْيلبَس خُفَّينِ
وَلْيَقطَعهُما أسفَلَ مِنَ الكَعْبينِ ولا تلبسوا مِنَ
الشَّيَابِ شيئاً مَسَّهُ زَعفران أَوْ وَرْس
*
*
ظاهر الحديث يدل على منع تلك الثياب المذكورة في الحديث
ومنع الخفاف إذا جاوزت الكعبين ومنع المزعفر والمُوَرَّس
والكلام عليه من وجوه
منها هل المنع مقصور على ما ذكر في الحديث لا غير أم هو
تنبيه بالشيء على باقيه فالظاهر أنه ليس مقصوراً على ما
ذكر لأنه منع من الثياب المتقمّص بها القمص والسراويلات
والبرانس فهم من هذا على عادتهم في تعدي الأحكام من قوله
القُمُص جميع ما كان مما يشبهه من الأقبية ٦ والجباب ٧
والقباطي ۸ إذا كان مُحيطاً بالبدن من كل الجهات فيكون من
باب
۱ القُمُص جمع قميص هو الشِّعار تحت الدثار وله كُمّان
واسعان يهبطان إلى المعصم ويتدلى القميص إلى
منتصف الساقين
العمائم جمع عِمامة وهي ما يلف على الرأس
۳ السراويلات جمع سراويل وهي لباس يغطي السُّرَّة
والركبتين وما بينهما وهو فضفاض من أعلى وضيق من أسفل وقد
يصل إلى القدمين أو فوق ذلك
٤ البرانس جمع بزنس وهو كل ثوب رأسه منه دُرّاعة كان أوجبة
أو ممطراً ٥ الخفاف جمع خف وهو ما يلبس في الرّجل من جلد
رقيق
٦ الأقبية جمع قباء وهو ثوب يلبس فوق الثياب أو القميص
ويتمنطق عليه
۷ الجِباب جمع جبة وهي ثوب سابغ واسع الكمين مشقوق المقدم
يلبس فوق الثياب ۸ القباطي جمع قِبْطِيّة وهي ثياب من كتان
بيض رقاق كانت تنسج بمصر وهي منسوبة إلى القبط
٥٦٦
الآفاق منها ما تعرف
التنبيه بالبعض عن الكل إلا أنه بهذين الشرطين أن يكون
مَخِيطاً ملبوساً على هذه الصفة المذكورة ولو سمّي باي اسم
فإن الأسماء فى الثياب مختلفة في جميع ا باللغة ومنها
اصطلاحي بحسب ما جرت عادتهم في ذلك في الآفاق فأعطى بوصف
القمص المنع في كل ما وجدت فيه تلك الصفة واستعمل في تلك
العادة
فإن فَعَلَهُ لعذرٍ أو لغير عذر افتَدَى والفدية في ذلك ما
ذكره أهل الفقه في كتب الفروع ونص الله عزّ وجلّ عليه في
كتابه بقوله سبحانه فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ
أَوْ نُهِ ﴾ ۱ فإن كان مخيطاً ولم يلبسه على العادة
المعلومة فلا شيء عليه مثال ذلك أن يكون له قميص فيتغطى به
بالليل أو بالنهار يرميه على ظهره مثل الإحرام أو مثل
المئزر فلا شيء عليه لأنه لم يلبسه على ما جرت به العادة
في ذلك
ومنع عليه السلام بقوله السراويلات كل ما كان يشبه ذلك وهو
أن يكون يُلبَس من المُحرِم إلى أسفل إذا كان مخيطاً ودار
على الإليتين والفخذين وإن سمي بأي اسم أو كان على أي صفة
إذا كان مخيطاً فإن لم يُلبَس على ذلك الوجه الذي جرت به
العادة بأن يأخذ أحد السراويل ولا يدخل فيه ساقه ويشده على
وسطه مثل الإزرة فلا شيء عليه وإن كان مخيطاً لأنه لم
يلبسه على العادة المعروفة في ذلك
ومنع عليه السلام بقوله البرانس كل ما كان يشبه ذلك النوع
وهو أن يكون فيه بعض خياطة ويلبس بعد إدخاله في العنق وإن
كان بعضه مفتوحاً سمّي بأي نوع سُمّي مثل الغفاير ۳
والكباب ٤ والبَلْدَرَانات ٥ وما يشبه ذلك النوع إذا لبِسَ
على تلك الصفة فإذا أخذ أحد بُرنُساً ورماه على ظهره
طاقينِ غير مفتوح الجناحين أو شدّه على وسطه مثل الإزرة
فلا شيء عليه لأنه لم يلبسه على العادة الجارية في ذلك ومن
هنا اختلف مالك والشافعي رحمهما الله فيمن أخذ بُرْداً له
فخلّلها أو عقدها فقال مالك عليه الدم لأنه مثل المخيط
وقال الشافعي لا شيء عليه لأنه ليس مثل ما نص عليه في
المنع هذا تعليل قولهما وأما الذي جاء عنهما فالمنع عن
مالك والجواز عن الشافعي
6
۱ سورة البقرة من الآية ۱۹٦ الإزرة الإزار وهو قطعة من
النسيج تلتف به النساء العربيات عادة عندما يبرزن للجمهور
ويكون كذلك
للرجال
۳ الغفاير جمع غفارة وهي الخرقة تلبسها المرأة فتغطي رأسها
ما قبل منه وما دَبَر غير وسطه
٤ الكباب جمع كب وهو شبيه بالبرنس الذي يلبس فوق الثياب
٥ البلدرانات لباس أندلسي شبيه بالبرانس أو المعاطف
٥٦٧
واختلفا أيضاً في النسيان والعمد أي من فعل شيئاً مما فيه
الفداء ناسياً من هذه أو ما أشبهها من اللباس فأما مالك
فالعَمْد عنده في ذلك والنسيان سواء عليه الفدية فيه
والشافعي لا يوجبها في النسيان
ومنع بقوله ولا العمائم كل ما جعل في الرأس بخياطة كان أو
بغير خياطة لأنه إذا منعنا الذي ليس بمخيط - وهي العمامة -
فمن باب أولى المخيط ولذلك نص العلماء على أن إحرام الرجل
في وجهه ورأسه أي لا يغطيهما بشيء فتكون العمائم التنبيه
بها من باب الأعلى لأنه أعلى ما يُستر به الرأسُ عند العرب
العمائم ليست على أي وجه كان بخلاف البدن لأنه إذا غطى
رأسه ولو بخرقة أو بعضه لزمه الفداء لأنه منع كل ما كان
بغير خياطة كما قدمناه فهو منع كلي سُمّي الذي جُعِل على
الرأس بأي اسم كان أو جُعِل على أي شكل كان
ومنع عليه السلام بقوله ولا الخفاف إلا أحدٌ لا يجد
نَعلَينِ فَلْيَلْبس خفَّينِ ولْيَقْطَعْهما أسفل من
الكعبين منع الخفاف وما أشبهها إذا جاوزت الكعبين على أي
نوع كان سُمّي بأي اسم وأن المستحب في ذلك النعلان وهما
اللذان لا كعب لهما معطوفاً مثل القُرْق ۱ أعني
السَّرْمُوجَة ٢ وما يشابهها من أنواع
ومنع عليه السلام بقوله ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه
زعفران أو ورس جميع الطيب لأنه أقل رائحةً من الطيب قبل أن
يُصبغ به فإذا صُبغ به كانت رائحته أقل وأقل فهو من باب
التنبيه بالأدنى على الأعلى
فيتحصل من الفقه بالمدلولات التي ذكرنا أن الحاج ممنوع من
جميع الطيب والزينة والرفاهية والتنعم قلّ ذلك أو كثر إلا
ما أحكمته السنة في ذلك من لباس الثوب الذي يستر العورة
ويقي البدن من الأذى على ما هو منصوص في كتب الفروع
وهنا بحث وهو أن المتكلم يخاطب السائل بحسب ما يعلم أنه
يفهم عنه يؤخذ ذلك من جواب سيدنا الأعرابي بما ذكر في
الحديث فلولا أنه عليه السلام فهم عنه ما بيناه لم يقتنع
منه بما في الحديث حتى يبالغ له في البيان
ويترتب عليه من الفقه أنه لا يجوز أن يُنظر في حديثه ل هول
و ولا في كتاب الله عزّ وجلّ إلا بما يقتضيه اللسان العربي
لا غير ولذلك قال تعالى ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ
بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَرُونَ ﴾ ۳ أي يفهمون بما
تقتضيه اللغة العربية فيحصل لهم فهم ما أريد منهم فيتذكرون
عند ذلك
۱ القَرْق وهو عند الأندلسيين يشبه الصندل وتكون قاعدته من
الفلين
السَّرْموجة غطاء من لباد للساق يلبس فوق القرق أو الخف أو
هي الخف الواسع الذي يلبس فوق الخفّ ۳ سورة الدخان من
الآية ٥٨
٥٦٨
جها
تبها
نعنا
وام
لأنه
طى منع
ي
نبيه
هيه
33
يقي
لم
3 2 3 "y,
بما
أي
وفيه دليل على البحث في جزئيات الدين يؤخذ ذلك من سؤال
السائل سيدنا عن هذه الجزئيات فجاوبه عليه السلام عليها
وجوابه على ذلك يقتضي جوازه ۱ وفيه دليل على جواز السؤال
في الدين وإن كان الشخص ممن لا يحتاج إلى ذلك في الوقت
يؤخذ ذلك من سؤال هذا عما يلبسه المُحرِم وهو في الوقت ليس
بمُحرِم ومن هذا ذكر أن الشافعي بات عند بعض الأئمة
المعاصرين له - وكان ذلك الإمام الغالب عليه التعبد ـ وإن
كان ذلك حال الأئمة أجمعين رضي الله عنهم فبات ذلك العالم
قائماً يصلي والشافعي مضطجعاً فلما أصبح قالت امرأة العالم
هذا هو الشافعي الذي تثني عليه بنَّ أنت قائماً تصلي وهو
مضطجع لم يتحرك ليلته فذكر ذلك للشافعي فقال له إني جمعت
البارحة في فكري ثمانين مسألة مستنبطة بالدليل والبرهان
فقال ذلك السيد لامرأته هذا الذي عِبْتِه بالاضطجاع استنبط
البارحة ثمانين مسألة مسألة واحدة منها خير من عبادتي كلها
فانظر فضل جميعهم وتناصفهم واحترامهم للعلم رحمهم الله وهو
الحق إذا كان الله
وهنا بحث وهو هل هذه الصفات التي كُلِّف الحاج بها من ترك
المخيط وترك الطيب وترك الرفاهية هل الحكمة فيها معروفة أو
تعبد لا يعقل له معنى فإن قلنا تعبّد فلا بحث وإن قلنا إن
قواعد الشريعة تنبني على نظر الحكمة فيها وقد أرشد الكتاب
العزيز إليها ولولاه ما كانت ايات كثيرة إذا نظر فيها لم
توجد الحكمة فيها ظاهرة ما قبل ذلك وهو قوله تعالى فيه ايت
بينت فإذا لا يُخص هذا اللفظ بشيء من آياته دون شيء أو
بجعله في المحسوس مثل ما قاله بعض الناس من كونها لم يَرَ
بها مجذوماً وما في رمي الجمار من كونها تُرمى في كل عام
ولا يوجد لها أثر فهذه مما هي البعض وفيها تنبيه لمن ينظر
ويتفكر يجدها عديدة وكلُّ يأخذ من عموم هذه الآي بحسب ما
يُفتح له من الفهم فإن الحكمة عجيبة
فمما يظهر بتوفيق الله من الحكمة وجهان
أحدهما وهو كونهم يمشون لكشف ما بهم من الأوزار والأثقال
ومن يمشي إلى مثل هذا الحال فيكون مشيه متذللاً خارجاً عن
حظوظ النفس التي أوقعته في ارتكاب الذنوب لأنه جاء عنه لما
قال مولانا جل جلاله للملائكة إِنِّي جَاعِلٌ فِي
الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن
يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ
بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا
لَا تَعْلَمُونَ ﴾ ۳
333
1 أي البحث في الجزئيات سورة ال عمران من الآية ۹۷ سورة
البقرة من الاية ۳۰
09
غضب الله عزّ وجلّ عليهم فطافوا بالعرش أسبوعاً واستغفروا
وتابوا فتاب بفضله عليهم ثم قال لهم ابنوا في الأرض بيتاً
يطوف به المذنبون من بني ادم فأتوب عليهم كما تبت عليكم
وأغفر لهم كما غفرت لكم فبنوا البيت ۱ فمن يأتي بهذه الصفة
ينبغي من طريق الحكمة
التناسب بين الحال والمقصد
أما ترى لما كان الخروج إلى العيد إلى طلب رحمته عزّ وجلّ
عقب خروجهم من العبادة المتقدمة - وهي الصوم - كانت بالطيب
وحسن الثياب موافقة لحال الاستقامة والامتثال لما به
أُمروا ولما كان الخروج إلى الاستسقاء خروجاً إلى كشف ما
نزل من الضر كان الخروج على هيئة تضرع ومسكنة من أجل ما
ارتكبوا من الذنوب لأنه جاء أن العبيد إذا أذنبوا منع الله
عزّ وجلّ المطر من أجل ذنوبهم فخرجوا في مَسْكَنَة وقشَف
من الحال حتى يكون رفع الأيدي بظهورها
إلى السماء رَهَباً من أجل تناسب الحال فكذلك هنا بل يكون
هذا أعظم لأن الطلب فيه أعظم وفيه وجه آخر لما كان فيه
شَبَه بالمحشر لأن المحشر يجتمع فيه الناس في يوم واحد من
كل الأرض وكما أن المحشر هو مواقف كذلك هنا مواقيت للجمار
ومواقيت للمبيت بمنى وبالمزدلفة إلى غير ذلك كما أن الخروج
من هذه الدار ومفارقة الأهل والمال وليس له من ذلك كله إلا
قدر زاده إلى الآخرة من الكفن وما يتجهز به كذلك الحاج
مفارقته للأهل والوطن الذي قد جعل مقروناً بالموت لقوله
عزّ وجلّ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ
اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَرِكُم مَّا
فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ۳ وكذلك ليس له من ماله
إلا قدر زاده لسفره وهذا على الغالب من ﴾ عادات الناس
والغير يتركه كله
ε
وكما له بعد الموت مواقف دون القيامة وأهوال يخلص الله
منها من يشاء أو يُهلك فيها من يشاء كذلك طريق الحج ما فيه
من المكابدة وقد قال الله تعالى لَمْ تَكُونُواْ بَلِفِيهِ
إِلَّا بِشِقِّ الأَنفُسِ ٤ ومن الناس من يَهْلِك في طريق
الحج كما يهلك هناك غير أن بين الهلاكينِ فَرْقاً ما لأن
الهلاك هنا يذهب بالروح من الجسد وقد تكون فيه سعادته
وهناك بكثرة الأهوال وعدم التخلص منها فهو هلاك شقاوة
وخسران غير أنه هناك يقفون عراة وقد كانوا يقفون قبل
الإسلام عراة إلا أنه أحكمت السنة هنا نوعاً من اللباس من
أجل ستر العورة لأن ذلك الهول هناك يمنع أن
1 لم نقف على مصدره
القشف المذلة ۳ سورة النساء من الآية ٦٦
٤ سورة النحل من الآية ٧
۵۷۰
ليهم
یکم
حكمة
لعبادة
مروا
ضرع
عنهم
ورها
ـد من
یعنی کله
جعل
من
ف
شرقاً
عدم
ينظر أحد عورة أحد وليس هنا مانع من النظر فأمر بسترها
هناك لا طيب فيه لأحد وهنا مثله وهناك الأمر فيه والحكم
الله لا لغيره وذهبت الدعاوى كلها كذلك هنا فيها يرجى من
المغفرة لا حيلة في ذلك لأحد الكل مستسلمون ينتظرون ما
يحكم الله عزّ وجلّ فيهم وقد أخبر عن بعض المباركين أنه
لما أن حج وفرغ غلبت عيناه فنام فرأى كأن ملكين نزلا من
السماء فقال أحدهما للآخر كم حج بيت ربنا العام قال له
ستمائة ألف قال كم قبل منهم قال ستة فاستيقظ مذعوراً وقال
مَن لي حتى أكون واحداً من ستة ثم نام ثانياً فرأى الملكين
قد نزلا وأعادا السؤال الأول ثم الثالثة مثل ذلك فقال له
فما فعل ربنا في الباقين قال شَفّع كلَّ واحد منهم في مائة
ألف واستيقظ فرحان فجاء الشبه على هذه الحكاية مثل القيامة
ناج وضده
ومقبول وغير مقبول ومشفوع فيه وشافع لكن بإذنه وفضله وقد
يكون للمجموع ويترتب عليه من معرفة الحكمة أنه لا يُنال
الخطير من القُرَب إلا بالخطير من المجاهدات والتعبدات
لأنه لما كان هذا موطناً تغفر فيه الجرائم العظام كما جاء
عنه أنه لم يُرَ الشيطان أصغَرَ ولا أحقَرَ من يوم عَرَفة
لما يعاين من تجاوز الله عن الكبائر العظام يحثو التراب
على رأسه ويقول قوم قد فتنتهم منذ خمسين أو أربعين سنة ثم
غُفِر لهم في ساعة ۱ أو كما قال عليه السلام فالوصول إلى
هذا ليس بالهين بل بالجهد العظيم إلا من مَنّ الله عليه
بالتيسير من طريق الفضل
وفيه تنبيه على أن يتذكر به ذلك الموقف الذي يشبهه فيكون
سبباً لصدق اللجأ إلى المولى الكريم وكثرة الرغبة إليه
وإظهار الافتقار الذي به يرجى الخير كله لقوله تعالى أمَّن
يُجيب الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ٢ وهو سبحانه لا يُخلف
الميعاد
جعلنا الله ممن مَنّ عليه بفضله بلا محنة لا ربّ سواه وصلى
الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً
اعلام
أن
1 رواه الإمام مالك في الموطأ مرسلاً قال الزرقاني وصله
الحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء رضي الله عنه وأوله ما
رئي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أغيظ منه في
يوم عرفة الخ
سورة النمل من الآية ٦٢
۵۷۱
حديث جواز الشرب من السقاية
عن ابن عبّاس رضيَ الله عَنهُما أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم جاء إلى السقاية ۱ فاستقى فَقالَ العبّاسُ يا
فَضلُ اذْهَب إِلى أَمْكَ فَانتِ رَسولَ الله بِشرابِ مِن
عِندِها فَقال اسقني فقال يا رسول الله إنّهُم يَجعلون
أيديهم فيهِ قَالَ اسقِني فَشَرِبَ منهُ ثُمَّ أَتى زمزم
وهم يَسقُونَ ويَعمَلونَ فيها فقال اعملوا فإنَّكُم على
عمل صالح ثُمَّ قَالَ لَولا أن تُغلبوا لنزلتُ حتَّى أضعَ
الحَبل على هذِهِ يَعني عاتقه وَأشار إلى عاتِقِهِ
6
ظاهر الحديث يدل على طهارة الماء المستعمل وهو مذهب مالك
رحمه الله ويدل على طهارة المؤمنين ومدح أفعال البر للذين
يفعلونها فأما طهارة المؤمنين والماء فلكون النبي شرب من
السقاية بعد أن أخبر أن الناس يضعون فيها أيديهم وإن كان
وقوع النجاسة يتطرق بالاحتمال لبعضهم بعلمٍ منه أو بغير
علم فبين الله بشربه أن الممكن في هذا الموطن وما أشبهه من
المياه وما يمكن أن يكون قد خالطها من طريق الاحتمال لا
يُلتفت إليه وإنما يُعمَل على ما تحقق من ذلك وأن الأصل
البراءة فيعمل عليه وأن الماء طاهر في ذاته كما جاء في بئر
بضاعة ۳ الذي كان يُرمى فيه خرق الحيض وكان مستقذراً في
الظاهر فسئل عنه عليه السلام فقال خلق الله الماء طهوراً
لا ينجسه شيءٌ إلا ما غَيَّرَ طَعْمَه أو لونه ۳ فطرد
القاعدة وألزمها استصحاب
1 السقاية موضع السقي والإناء الذي يسقى به بئر بضاعة بضم
الباء وقد كسره بعضهم وهي دار بني ساعدة في المدينة
المنورة وبئرها معروفة وفي الخبر أن النبي أتى بئر بضاعة
فتوضأ من الدلو وردّها إلى البئر وبصق فيها وشرب من مائها
وكان إذا مرض المريض في أيامه يقول اغسلوني من ماء بضاعة
فيُغسَل فكأنما أنشط من عقال وقالت أسماء بنت
أبي بكر كنا نغسل المرضى من بئر بضاعة ثلاثة أيام
فيُعافَون بإذن الله انظر معجم البلدان ٤٤٣/١ ۳ لفظ الحديث
إن الماء طهور لا يُنجسه شيء أخرجه الإمام أحمد وأبو داود
والترمذي والنسائي عن أبي سعيد
رضي
الله عنه
۵۷
ن
الحكم وعلى هذا أجاز الفقهاء الوضوء من الجوابي التي على
الطرق والدواب تشرب منها ويخالطها ما في أنوفها من القذر
إلى غير ذلك مما في أيدي الناس وأرجلهم من الغبار واحتمال
النجاسة أن تكون حلّت فيه
الفقهاء
وفيه دليل على طلب شرب الماء وإن كان في الحَضَر وليس
كغيره وقد ذكر ذلك بعض
وفيه دليل على أن ما جُعِل في السبيل ولم يُسمَّ بصدقة أنه
حلال للغني والفقير وليس بصدقة ولا يتعيّن على أحد فيه منة
يؤخذ ذلك من أن النبي شراب او امن عمل هؤلاء أهل السقاية
وهم الكل خرجوا عنه الله فلو كان يجري مجرى الصدقة لما
شربه هو فإن الصدقة عليه حرام وكذلك لو كان فيه مكروه ما
فعله يؤخذ ذلك من كونه عليه السلام جاء بنفسه المكرمة إلى
السقاية فاستسقى
وفيه دليل على جواز جواب السائل بأعلى مما طلبه على ما
يراه المطلوب منه يؤخذ ذلك من
قول العباس بدلاً من أن يعطي قال للفضل اذهب إلى أمكَ
فَائتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب وفيه دليل على
جواز ذكر النساء بمحضر أهل الفضل وجمع الناس وليس في ذلك
مكروه يؤخذ ذلك من قوله اذهب إلى أمك بحضرة النبي الله ومن
معه ولم يعتب عليه النبي ل وما قال له في ذلك شيئاً وجرت
عادة بعض الناس اليوم إذا ذكروا النساء ذكروا بعد ذلك
حاشاك وجعلوها من الأدب بل هي من البدع
وفيه دليل على جواز تبريد الماء يؤخذ ذلك من قوله اذهب إلى
أمك فائت بشراب لأن ماء الحجاز إذا عَرب ۱ برد وطاب فلو لم
يكن جائزاً ما فعله العباس ولا سكت له النبي
حين سمعه
ويؤخذ منه أن الذي يقصد وجهاً ما في حاجته ليس عليه بيانها
يؤخذ ذلك من أن النبي لم يمنعه من قبول ما أمر العباس به
ابنه من إتيانه بالماء إلا ما قصد هو من تقعيد قاعدة شرعية
- كما قدمنا ذكرها - من طهارة الماء المستعمل وغيرها
وزيادة على ذلك رفع التكلف وهي الله عنها ما خُيّر رسول
الله صلى الله عليه وسلم بين أمرَينِ إلا اختار
طريقته عليه السلام لقول عائشة رضي
أيسرهما ما لم يكن إثما ٢
۱ عَرِب الماء صفا وكثر
عليه وهو جزء من حديث وتمامه فإن كان إثماً كان أبعد الناس
عنه وما انتقم رسول الله له لنفسه
في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم
۵۷۳
وفيه دليل لأهل الصوفة الذين يقولون بترك التكلف
وفيه دليل على أنه إذا اجتمع حظ النفس وأمرُ ما فى الدين -
ولو كان مندوباً - قدم الدين يؤخذ ذلك من أن شرب الماء
البارد فيه راحة للنفس والشرب من السقاية فيه من الفوائد
الدينية ما ذكرناه فآثر هو الله ما هو للدِّين على ما هو
للنفس وقد نص عليه السلام على ذلك فقال
أنتم في زمان يُبدون أعمالهم قبل أهوائهم وسيأتي زمان
يُبدون أهواءهم قبل أعمالهم 1 وما قلنا إنه من قصد مقصداً
في فعله لا يلزمه ذلك - بمقتضى ما قدمناه ـ هل يعارضنا
قوله عليه السلام حين صلى بوضوء واحد الظهر والعصر ولم تكن
عادته عليه السلام قبلُ إلا الله عنه فقال عليه السلام
عمداً فَعَلْتُه يا عمر الوضوء لكل صلاة فذكره عمرُ رضي
فالجواب عن الفرق بين المسألتين أن تلك كانت له عادة فذكره
عمر من أجل احتمال النسيان فحينئذ جاوبه عليه السلام لرفع
الإشكال وهنا لم تكن عادةً متقدمة يقع من أجلها إشكال ففعل
ولم يقل لعلمه أن فعله في التعليم أبلغ وأثبت
وفيه دليل على أن المرأة هي المتصرفة فيما في البيت يؤخذ
ذلك من قول العباس اذهب إلى أمك فلو لم يكن الحكم والتصرف
لها لقال له اذهب أنت إلى الموضع الفلاني أو إلى الشخص
الفلاني الذي يكون له التصرف ويؤخذ منه الندب إلى مشاركة
الأهل في المعروف يؤخذ ذلك من قوله لابنه اذهب إلى أمك
فائت رسول الله له بشراب لكي يخبرها فيحصل لها نية في
تحسين الشراب وتنظيف الإناء فيكون لها في ذلك أجر وسرور
وفيه من الأدب أن يُكنَى عن الشخص بأعلى أسمائه يؤخذ ذلك
من قوله ائت رسول الله
لأنه أعلى أسمائه عليه السلام ولم يقل ابن أخي ولا غير ذلك
وفيه دليل على أن الاختصار في الجواب والسؤال إذا فُهِم
المقصود هو الأولى يؤخذ
ذلك من قوله حين ذكر له أنهم يجعلون أيديهم فيه اسْقني ولم
يَزِد على ذلك شيئاً وفيه دليل على أن من السنة الانصراف
عند الفراغ من الشراب أو الأكل يؤخذ ذلك من قوله فشرب منه
ثم أتى زمزم أي تحوّل بعد شربه منه إلى أن مشى إلى زمزم
ومن المعروف إثباغ
1 لم نقف على مصدره هكذا وقد تقدم الكلام عنه في الحديث ١٤
فليراجع ونصه كما ورد إنكم أصبحتم في زمن كثير فقهاؤه قليل
قراؤه وخطباؤه قليل سائلوه كثيرٌ مُغطوه العمل فيه خيرٌ من
العلم وسيأتي على
الناس زمان قليل فقهاؤه كثيرٌ خطباؤه قليل معطوه كثيرٌ
سائلوه والعلم فيه خير من العمل هكذا قال الشارح رحمه الله
تعالى والذي في الصحيح أن النبى الله صلى الصلوات يوم
الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال عمر لقد صنعت اليوم
شيئاً لم تكن تصنعه فقال عليه السلام عمداً صنعته يا عمر
رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي
٥٧٤
المعروف بالمعروف لأنه عليه السلام مشى من هنا بعدما قعد
أحكاماً ـ كما ذكرنا - إلى موضع آخر وإن كان الحكم فيهما
سواء لأن هؤلاء يسقون فيكون مشيه عليه السلام لهؤلاء
الآخرين لإدخال السرور عليهم لأنه عليه السلام لو لم يمش
لهؤلاء لبقيت قلوبهم منكسرة وكان الناس أيضاً يفضلون
السقاية على زمزم يقولون النبي ما أتى السقاية ولم يأتِ
زمزم فجاء مشيه عليه السلام إلى هؤلاء معروفاً ثانياً
وقوله فقال اعملوا فإنكم على عمل صالح يؤخذ منه ندب العمل
لأهله إذا كانوا يعملونه كما قدمناه أولاً وفيه من الفائدة
أنه تنشيط للعامل على عمله وترغيب له فيه وقد قال عزّ وجلّ
وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالنَّقَوَىٰ ۱ بخلاف مدح
الشخص لقوله عليه السلام قطعتم ظهر الرجل لأن مدح ال قد
يحصل منه العُجب وهو سُمّ قاتل ومدح العمل ليس فيه ذلك بل
هو كما ذكرناه ترغيب فيه مثال ذلك إذا رأيت شخصاً يصوم
تَذكُر له ما جاء في الصوم أو يجاهد تذكر ما جاء في الجهاد
فذلك تقوية له على ما هو بسبيله وقوله على عمل صالح أي
تُثابون عليه لأن الأعمال الصالحات فائدتها ما يترتب
عليها من الثواب
وفيه جواز ترك العمل ما لم يكن فرضاً لما يترتب عليه من
منع توفيته أو مكروه يقع من أجله يؤخذ ذلك من قوله عليه
السلام لولا أن تُغلَبوا لَنزلتُ حتى أضعَ الحبل على هذه
فبيّن عليه السلام أنه ما منعه من الفعل إلا أنهم يُغلبون
عليه حتى لا يتركوه وقد يحصل لبعضهم من الازدحام عليه من
أجل ما يرغبون فيه أذى
وفيه دليل على طلب التبرك بالمباركين يؤخذ ذلك من أنهم لم
يكونوا يأخذون الحبل معه عليه السلام إلا أنهم يرغبون في
البركة التي تحصل لهم من اجتماعهم معه عليه السلام في
حَبْل واحد فإنه يرجى من الكريم إذا قبل عملَ من له عنده
حُرمة لا يترك ۳ من كان معه فيه مشاركاً كيف وقد قيل هُمُ
القومُ لا يَشقَى بهم جَليسُهم فهذا بالمجالسة فكيف
بالمشاركة
ويترتب على هذا بحث يَحُضّ على مخالطة أهل الفضل في كل
الأحوال رجاءَ الفضل من فضلهم لأنهم ما جُعِلوا إلا رحمة
فينبغي أن نغتنم تلك الرحمة من واهبها ولذلك فاق أهل
الصوفة الناسَ في هذا التحسين في ظن بعضهم ببعض
1 سورة المائدة من الآية ٢
رواه البخاري في الشهادات ومسلم في الزهد عن أبي موسى
٥٧٥
يريد ألا يترك
وقد دخلت قرية بالأندلس تسمى بَلْفِيق ۱ وكانت موطن الشيخ
المبارك أبي إسحاق
نفع الله به وبأمثاله فلا تمشي فيها تسأل أحداً منهم عن
أحد أين هو إلا أن يكون جوابه عن ذلك الشخص سيدي فلان نفع
الله به في الموضع الفلاني هذا في غيبة الشخص وأما بحضرته
فلا يزيد أحد منهم لأحد على السلام الشرعي شيئا وإن ناداه
باسمه لا يزيد عليه شيئاً هكذا رأيتهم
مدة ما كنت معهم لم يتغيروا عنه وفيه دليل على الكلام
بالإشارة وليس من العِي يؤخذ ذلك من قوله على هذه وأشار
إلى عاتقه
وفيه دليل على أن إشارة ذي الفضل ليس فيها اعتراض عليهم
ولا تنقص بهم ولا خلل في منزلتهم يؤخذ ذلك من إشارته عليه
السلام إلى عاتقه وفيه دليل على أن الحكم للمعاني لا لظاهر
الألفاظ يؤخذ ذلك من أن إشارته عليه
السلام إنما باشر بظاهرها الثوب الذي على العاتق والمعني
بها العاتق الذي تحته وفيه دليل لأهل الإشارات وأن الإبلاغ
فيها فيما خفي ودَقَّ يؤخذ ذلك من فعله عليه السلام ما
تقدم ذكره من الإشارة إلى العاتق والمقصود تلك النفس
المباركة
وهنا بحث وهو لم قال لأهل زمزم اعملوا فإنكم على عمل صالح
وقال في الصلاة أفضلُ الصَّلاةِ صلاة المرء في بيته إلا
المكتوبة ۳ فوجه الفقه في ذلك أنه ما كان من النوافل من
جميع الخير يمكن فيها الإخفاء والإظهار فالإخفاء أفضل وما
كان منها لا يمكن بالوضع إخفاؤه كمثل السقاية وتدريس العلم
والجهاد وما أشبه ذلك فالأفضلية فيه بتعدي النية فيه لقوله
عليه السلام أوقع الله أجره على قدر نيته ٤
ومن أجل هذا الشأن فضل أهل السلوك غيرهم لأنهم ناظرون
أبداً في ترفيع أعمالهم إما بالنية أو بالقول أو بالفعل أو
بالزمان أو بالمكان أو بالمجموع ولذلك قال كفى بالعبادة
۱ بلفيق قرية أندلسية من إقليم المريَّة ويروي التلمساني
في نفح الطيب أن بلفيق وأندرش لم ترتدا عن الإسلام بعد
خروج المسلمين من الأندلس وذبح سكانهما عن بكرة أبيهم أيام
محاكم التفتيش أبو إسحاق هو إبراهيم بن مسعود الألبيري
شاعر أندلسي وفقيه زاهد اشتهر بغرناطة وأنكر على ملكها
كونه استوزر ابن نغزلة اليهودي فنفي إلى البيرة فثارت
صنهاجة على اليهودي وقتلوه له ديوان شعر معظمه في الزهد ت
٤٦٠هـ / ١٠٦٨م
۳ جزء من حديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن
زيد بن ثابت رضي الله عنه ٤ جزء من حديث طويل رواه الإمام
مالك والإمام أحمد وأبو داود والنسائي في الجنائز
٥٧٦
لا
شغلاً 1 لأن صاحب هذا الشأن مثل تاجر الدنيا على معظم ما
معه من المال لا يزال في تنميته بجميع وجوه التنمية فكذلك
أهل المعاملات مع مولاهم ليس لهم شغل ولا قرة عين إلا فيما
فيه
رضاؤه عزّ وجلّ
ولبعضهم إن العين إذا لم تَرَكُم لم تَرَ شيئاً يسرها وإذا
أبصَرَتْكم لم تَرَ شيئاً يَسوؤُها فتجلي جلالكم جَبْرُ
كَسْرِها كجبر غيث السماء في جذب أرضها فيحرمة ما تعلمون
من ضعفها
فلطفكم جبرٌ لِرَهَف حالها
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 جزء من حديث رواه البيهقي في شعب الإيمان وأوله كفى
بالموت واعظاً وكفى باليقين غنى إلخ
۵۷۷
حديث تقديم صلاة الفجر بالمزدلفة يوم النحر
عَن عبد الله بن مسعود رضيَ الله عَنهُ قالَ ما رأيتُ
رَسولَ الله صَلَّى الله علَيهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلاةٌ
لِغَير ميقاتها إلا صلاتينِ جَمعَ بينَ المَغربِ وَالعِشاء
وصَلَّى الفَجْرَ قَبلَ ميقاتِها
وَذلِكَ في الحَج
*
*
ظاهره يدل على إيقاع هاتين الصلاتين في غير وقتيهما وليس
على ظاهره بدليل أن أوقات الصلوات قد حدّها جبريل عليه
السلام للنبي الله وقال ما بين هذين وقت ۱ ولكن لما كانت
عادته عليه السلام في صلاة الصبح أنه ما يصليها إلا بعد
الفجر بهنيهة كما جاء أنه عليه السلام كان يصليها بغَلَس -
والغَلَس بقية من ظلمة الليل - وفي المزدلفة عند أول
انشقاق الفجر ٣ فأخرجها - يعني وقوع الصلاة نفسها ـ عن
الوقت الذي كان يوقعها فيه كما تقدم ولذلك ذكر أنه لما
حجّت ميمونة رضي الله عنها زوج النبي بعد وفاته مع الله
عنه فلما كان في الصبح من ليلة المزدلفة عند أول انشقاق
الفجر قالت إن كان عثمان يوافق السنة فنصلي الآن فلم تتم
الكلام إلا والمؤذن يقيمُ الصّلاة وأما صلاة المغرب فكانت
عادته عليه السلام يصليها أول الوقت 4 وكذلك صلاها
رضي
عثمان
۱ قطعة من حديث طويل رواه الإمام الشافعي وأحمد وأبو داود
والترمذي وابن خزيمة والدارقطني والحاكم عن ابن عباس رضي
الله عنهما انظر فتح الباري ۹/ صلاة رسول الله له بغلس
رواها البخاري في مواقيت الصلاة باب وقت المغرب وباب وقت
العشاء ورواه مسلم رقم / ٦٤٦ / في المساجد من حديث جابر
رضي الله عنه مرفوعاً
۳ صلاة رسول الله لها في المزدلفة رواها مسلم من حديث جابر
رضي الله عنه في حجة النبي رقم ۱۱۸ ورواها البخاري ومسلم
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ٤ رواه مسلم عن أبي
موسى الأشعري رضي الله عنه رقم ٦١٤ وعن بريدة رقم ٦١٣
ورواه أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما رقم ۳۹۳
والترمذي رقم ١٤٩ وفيه إمامة جبريل للنبي عليه السلام
۵۷۸
به
جبريل عليه السير جمع بين الصلاتين المشتركتين الظهر
والعصر والمغرب والعِشاء وكانت سنته عليه السلام في الجمع
إن كان رحيله قبل وقت الأولى أخرها حتى يصليها مع الأخرى
وإن كان رحيله بعد دخول وقت الأولى صلاهما معاً في أول وقت
الأولى ۳
فجاء عند نفوره عليه السلام من عَرَفة بعد دخول الوقت فنفر
بالناس فقال له
أسامة رضي الله عنه الصلاة يا رسول الله فقال له الصلاة
أمامك ٤ ٤ - يعني - يعني وَقتُ وقوعها موضعه أمامك - حتى
وصل المزدَلِفَة فصلى المغرب والرواحلُ قائمة ثم حَط
الرحالَ وصَلوا العشاء فجاء في هذه الصلاة تغييرات مما
كانت عادته عليه السلام أنه يصلّي إذا جمع في السفر وقد
دخل وقت الأولى الصلاتين معاً - كما ذكرنا - فصَدَق ما
قاله الراوي لأنه صلاها في غير وقتها
وزيادة على غير الصفة المعهودة كما ذكرنا
وهنا بحث وهو هل هذه الصفة التي جعلها و في هاتين الصلاتين
تعبد لا تُعقل حكمته أو الحكمة فيه معقولة فالجواب أن
الحكمة - والله أعلم - معقولة لأنا إذا علمنا ما الحكمة في
كونه عليه السلام كان يجمع إذا جَدّ به السير علمنا ما
الحكمة هنا وقد ثبت أنه عليه السلام لم يكن يجمع إلا إذا
جدَّ به السَّير لأمر يخاف فواته فهو من قبيل الرفق بأمته
ولوجه اخر وهو من أجل جمعية الباطن في الصلاة لأن من يكون
قلبه متعلقاً بأمر يفوته قل ما يكون مع ذلك حضورٌ هذا في
حق غيره لأنه عليه السلام عند رؤية تلك الآيات العظام في
عالم الملكوت كان كما أخبر الله عزّ وجلّ عنه بقوله مَا
زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ٥ فكيف هنا فنجد في هذا
الموطن إذا تأملناه التشويش بالنسبة للغير أكثر لكثرة
الناس وما هم فيه من الدهشة
1 رواه البخاري في مواقيت الصلاة ومسلم من حديث جابر رضي
الله عنه أنه عليه السلام كان يصلي المغرب إذا رواه
البخاري ومسلم من حديث أنس وابن عباس رضي الله عنهم ومسلم
من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه
وجبت الشمس
والشيخان من حديث ابن عمر رضي الله عنهما
۳ رواه مسلم من حديث معاذ باب الجمع بين الصلاتين في الحضر
وأبو داود والترمذي وفيه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر
والعصر فإن رحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل
للعصر وفي المغرب مثل ذلك إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع
بين المغرب والعشاء
فإذا ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء
ثم يجمع بينهما ٤ رواه البخاري في الوضوء ومسلم في الحج
باب الإفاضة من عرفات إلى مزدلفة
0
سورة النجم من الاية ۱۷
۵۷۹
وفيه أيضاً استدراك أمر يُخاف فواتُه وهو تمام هذا الركن
العظيم الذي مدار الحج كله عليه لقوله عليه السلام الحَجَّ
عَرَفة ۱ أي معظم الحج عَرَفة وباقي الليلة له فلا يتم
المقصود فيه بتمامه إلا بالخروج من محله وبقعته فتسكن
النفس عند فوزها بهذا الخير العظيم وتستقبل ذلك الركن الذي
يليه وهو المبيت بالمزلفة بعبادتين وهما أداء فرضين في وقت
واحد وتوسعة أيضاً كما قلنا - في الجمع بين الصلاتين عند
جَدّ السَّير لكون الناس في ذلك الوقت قد تتعذر عليهم
الطهارة أيضاً إلى غير ذلك من الضرورات وكان عليه السلام
بالمؤمنين رحيماً وتأمل ذلك المعنى الذي أشرنا إليه تجده
لأنه ترفيع أيضاً للركن الذي يلي عرفة وهو المزدلفة لكونه
أول عمل يعمل فيها صلاة المغرب قبل حط الرواحل ليكون
استفتاح الشغل بها عبادة كبرى وهي أداء صلاة المغرب وقد
جاء في فضلها ما جاء
وفيه دليل على ما يقوله العلماء أن القاعدة الشرعية إذا
جاء ما يعارضها يُتأول يؤخذ ذلك من أن الصحابي رضي الله
عنه لما عرف أن قد ثبتت أوقات الصلوات ولا يدخلها نسخ بعد
ثَبَتَتْ وفاته أطلق اللفظ بأن قال صلى صلاة لغير وقتها
لعلمه بأن القاعدة لا يدخلها نسخ فلا يقع إشكال على أحد
بإطلاق لفظه
وفيه دليل على أن من داوم على شيءٍ عُرف به وإن خالفه يجوز
الإخبار عنه أنه قد خرج عما كان عليه وإن كانت اللغة أو
الشريعة لم تخرجه عن ذلك بمدلولاتها يؤخذ ذلك من كون النبي
كانت له عادة في صلاة الصبح لم يكن يخرج عنها وكذلك في
الجمع في السفر فلما خرج هنا عن تينك العادتين - كما ذكرنا
- وإن كان دلالة الشرع لم تخرجه حقيقة عنها أطلق الصحابي
رضي الله عنه أنه صلاها في غير وقتها
وفيه دليل على جواز الإخبار باللفظ المحتمل ولا يبين ماذا
أراد منهما بصيغة ما يؤخذ ذلك من قول الصحابي رضي الله عنه
صلاها لغير ميقاتها وهو لفظ محتمل أن يريد وقتها المفروض
لها أو وقتها على جري العادة في إيقاعها ولم يأت في اللفظ
بما يدل على واحد منهما وفيه دليل على أن ثبوت العمل
يُستَغنَى به عن تخصيص المحتمل يؤخذ ذلك من أنه لما كان
فعله في الحج معروفاً عندهم وعلته لا تَخفَى عليهم أجمَلَ
لهم اللفظ بقوله صلى صلاة
لغير ميقاتها
وفيه دليل على أن من الدين ذكرَ الحكم في الدين والتحدث به
وإن كان شائعاً بحيث لا
۱ رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عبد
الرحمن بن يعمر الديلمي وتتمته من جاء ليلة جمع قبل طلوع
الفجر فقد أدرك الحج أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا
إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه
۵۸۰
يخفى يؤخذ ذلك من كون هذه الصلاة عن سيدنا مشهورة والعمل
عليها لم ينقطع إلى هَلُمَّ
جَراً وعبد الله بن مسعود يتحدث فيها
وقد كنت لقيت بعض السادة في العلم والعمل فإذا اتفق
اجتماعهم يوماً ما عند بعضهم لم يكن حديثهم إلا في مسائل
الدين أو في أحوال القوم ليس إلا ومثل ذلك كان المروي عن
الصحابة والسلف رضي الله عنهم أنهم إذا تلاقوا يقولون
تعالَ نُؤْمِنُ أي نتحدث في مسائل الإيمان لأن كل شيء إذا
كَثر الكلام فيه قد يحصل فيه ملل في بعض الأوقات أو ضيق
صدر في وقت ما إلا الكلام في الإيمان وفروعه وأحوال أهله
فإن ذلك عند أهل التحقيق يزيد به إيمانهم مثل العلم إذا
أنفق منه زاد وغيرُه إِذا أُنفق منه نَقَص
فعليك برأس مال إذا أنفقت منه زادَ ونَما وتَرفَّه به غيرك
واستغْنَى ولم ينقصك شيئاً ولذلك قال بعض الحكماء أعطِيةُ
العالم ربانية يعطيك الشيء برمته ولا يَنقُص مما عنده شيء
لأنه إذا عَلَّمك العلم قد قد حصل عندك جميع ما كان يعرفه
ولم ينقص له مما عنده شيء بل زاده تجديداً فإن ذكرَ العِلم
زيادة تنبيه له مع زيادة الأجر الذي هو خير من الكل
وفيه من الفقه أن روايته - وإن كان العمل ثابتاً ظاهراً -
أقطع لحجة الخصم وأثبت إذ إنّ ذلك كان حكم الله على لسان
رسوله ونقل عدل عن عدل فلو لم يكن هذا الإمام يتحدث بهذا
الحديث - وإن كان العمل باقياً عليه من أي طريق - كنا نحن
نقطع بأن هذه هي سنة رسول الله الله للخصم إذا جاءه أو
للنفس إذا أرادت الوقوف على حقيقة دينها وقد قيل في الدين
كن مجتهداً ولا تأخذه إلا من أصل كتاب الله وسنة نبيه له
وإجماع وقياس إن عرفت شرطه وخامس ليس طريقه العدول عن
القياس إلى الاستحسان وإنما طريقه المصالح المرسلة كما هو
مذهب المالكية ١
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
الـ ۱ الأصل الخامس عند الحنابلة هو الاستحسان ويعرفونه
بأنه العدول بحكم المسألة عن نظائرها بدليل شرعي وعند
المالكية الأصل الخامس هو المصالح المرسلة ويعرفونها بأنها
المُطلقة عن النصوص الخاصة ولها أصل في النصوص العامة في
الشريعة من كتاب وسنة ومن أمثلة المصالح المرسلة عندهم جمع
القرآن في مصحف واحد وقتل الجماعة بالواحد ومصادرة أموال
الولاة إذا استغلوا مراكزهم وتوريث مطلقة الفار الذي يطلق
زوجته في مرضه فراراً من إرثها وجواز تنصيب الأمثل للإمامة
ولو لم يكن مجتهداً وجواز أخذ أكثر من نصاب الزكاة لسدّ
حاجات المسلمين إذن طريق الأصل الخامس عند المالكية هو
المصالح المرسلة وهي كل ما فيه دفع ضرر أو جلب مصلحة أو
رفع حرج عن الأمة
۵۸۱
حديث الصدقة بجلال البذن التي تُنحَر وجلودها
عَن عَليَّ ١ رَضِيَ الله عَنهُ وكَرَّمَ الله وجههُ قالَ
أَمَرني رَسُولُ الله أن
أتَصدَّقَ بِجلال البُدْنِ التي نُحِرَت وَبِجُلودِها
* *
ظاهر الحديث يدل على الأمر بالصدقة بجلود البدن وجلالها
والكلام عليه من وجوه منها هل الأمر على الندب أو على
الوجوب وما الفائدة في إخبار الإمام بذلك وما الحكمة بأن
خَص النبي بذلك عَلِيّاً رضي الله عنه
فأما الجواب عن الأمر فهو على الندب لوجهين أحدهما أن
الصدقة من الهَدْي وإنما هي على طريق الندب بتقرير ذلك من
السنَّة فلا تكون صدقة الجِلال أعلى منها و الوجه الآخر أن
جَعَلَ الجِلال التي تُكسَى بها البُدْنُ ليست مثل الجلود
فإن الجلود حكمها مثل حكم البُدْنِ من وجوب أو ندب إذا
كانت واجبة أو ندباً على أحد الاحتمالين فليست الجلود تختص
بحكم
۱ علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي أبو الحسن
أمير المؤمنين رابع الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين
وابن عم النبي وصهره وأحد الشجعان الأبطال ومن أكابر
العلماء والخطباء والقضاة وأول الناس إسلاماً بعد خديجة
ولد بمكة وربي في حجر النبي ا ا وكان اللواء بيده في أكثر
الله
المشاهد ولما اخى النبي عليه السلام بين أصحابه قال له أنت
أخي ولي الخلافة بعد مقتل عثمان رضي عنه سنة ٣٥هـ وكثرت
الفتن في أيامه وانقلبت إلى حروب منها وقعة الجمل و صفين
ثم كانت حادثة التحكيم وبعدها انشق المسلمون ثلاثة أقسام
الأول بايع معاوية رضي الله عنه وهم أهل الشام والثاني
حافظ على بيعة علي رضي الله عنه وهم أهل الكوفة والثالث
اعتزلهما وخرج على عليّ لرضاه بالتحكيم فكانت معركة
النهروان وكفر الخوارج علياً رضي الله عنه ودعوه إلى
التوبة فقاتلهم واغتاله عبد الرحمن بن ملجم المرادي
الخارجي وهو يصلي في ۱۷ رمضان سنة ٤٠ هـ ٦٦١ م رضي الله
عنه وكرّم وجهه ٤٠هـ / الجلال مفردها الجَلَّ وهو ما تغطى
به الدابة لتصان والبدن مفردها بَدَنة وهي ناقة أو بقرة
تنحر بمكة قرباناً ومنه قوله تعالى والبُدْنَ جَعَلْنَهَا
لَكُم مِّن شَعَدِيرِ اللهِ
۵۸
وحدها دون اللحم فإن كانت البَدَنَة مما لا يجوز لصاحبها
الأكل منها فلا يجوز له بيعها أعني الجلود ولا الانتفاع
بها والذي لا يجوز لصاحبها أن يأكل منها أربعة نذر
المساكين وهدي التطوع إذا عطب قبل محله وفداء الصيد وفدية
الأذى ويأكل مما سوى ذلك فجلود هذه
الأربعة مثل لحومها
ولم يرو عن أحد من السلف - فيما أعلم - وجوب الصدقة
بجلالها ولا وجوب تجليلها لأنهم قد نصوا على أن من تعظيم
الشعائر تجليل البدن وتحسين الجلال وتعظيم الشعائر من
المندوب وإن كانت البدن مما عدا هذه الأربعة المذكورة
فالتصدق منها من المندوب أيضاً فأعظم ما تكون الجلود
والجلال - فيما عدا الأربعة المتقدم ذكرها - أن يكون حكمها
حكم اللحم فتكون ندباً لا وجوباً ولا نقول لعلها كانت من
الواجب الذي لا يؤكل منها فيكون هذا تنبيهاً بأن تلحق
الجلود والجلال باللحم لأنه إذا أطلق لفظ البُدْن دون
تقييد فإنما يُحمل على ما هو الغالب فيها وهو الذي على
طريق التطوع لأنه الأصل في ذلك الاسم لكونه قد جاء عن
سيدنا حين نحر مائة بَدَنَة أنه أخذ من كل واحدة بَضْعَةٌ
۱ وجُعِلت في قِدْر وشرب عليه السلام من مَرَقها وأكل منها
٢
فهذا هو الأصل وما كان من غيره فلا بد من أن يجلى بصفته
الزائدة لاختلاف الحكم في ذلك وليس عليّ رضي الله عنه ممن
يجهل مثل هذا فنجعلها محتملة وتسوية النبي عليه السلام بين
الجلود والجلال دلّ على ندبيته لأنه لا تساوي بين واجب
ومندوب في الحكم وهذه حجة الإمام مالك رحمه الله في أن
النكاح ليس بواجب لأن الله جلّ جلاله خير بين الزواج وملك
اليمين والوطءُ بملك اليمين بالإجماع مباح فلم يكن الله
عزّ وجلّ ليُخيّر بين واجب ومباح وعلى هذا يكون ما سوى
بينه وبينه ملك اليمين مثل ملك اليمين إذ ليس النكاح به
بواجب فكذلك يكون ما سوى بينهما هنا فلم يبق إلا أن يكون
ندباً وفي أمره عليه السلام علياً بذلك دليل على جواز
النيابة في إخراج الصدقة
وأما ما هي الفائدة في ذكر الإمام ذلك فهي ما تقدم الكلام
عليه وزيادة على ذلك لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا
يفرحون ويفتخرون بما يخص النبي به واحدا منهم دون غيره أو
أي شيء كان منه عليه السلام في حق أحدهم ألا ترى أن أحبّ
الأسماء لعلي رضي الله عنه
۱ البَضْعَة من اللحم وغيره القطعة رواه الترمذي رقم ۸۱٥
في الحج وابن ماجه في المناسك رقم ٣٠٧٦ باب حجة رسول الله
صلى الله عليه وسلم
۵۸۳
أبو تراب ۱ لأن النبي وهو الذي كناه به وثبت في الحكم كأنه
يقول هذا ليس بالمنقول أنا
الذي سمعت هذا الحكم وتلقيت هذا الأمر بنفسي
وأما هل ذلك خاص بالبدن أو ذلك في جميع القُرُبات بذناً
كانت أو أضاحي فإذا فهمنا الأمر أنه على النَّدْب - أعني
في الجلود - فتعدية الحكم أولى لأنه ندب إلى خير ولأن
الضعفاء أيضاً محتاجون إلى ذلك بزيادة فيكون الندب يتأكد
فيه إما في الحال من أجل أن العُريَ غالب على الضعفاء وعلة
البرد أكيدة وكذلك في جلود البدن من أجل ما ينتعلون بها
وهذا عندهم قليل وهو مما إليه ضروراتهم أكيدة ولا سيما
بأرض الحجاز لتوعر أرضها وحرها وأما ما له صوف أيضاً من
جلود الأضاحي فمن علة البرد أيضاً فالندب عام في الكل
أولاً
وأما ما الحكمة في كون النبي ل ا ل ص علي رضي الله عنه
بذلك فلزيادة العلم الذي خص خص به علي وإن كان الخلفاء رضي
الله عنهم كلهم علماء لكن كان لعلي رضي الله عنه في هذا
الوجه من وجوه الخير زيادة لقوله الا الله أنا مدينة العلم
وعلي بابها ۳ ولكونه هو الذي عليه السلام بالنيابة بنحرها
عنه
خصه
ويترتب عليه من الفقه أن المندوب في النيابة في النسك
والصدقة أن يكون النائب فيها عالماً لأنه من تمام القربة
وفيه أيضاً وجه آخر أن المستحب بالمعروف الذي ليس بواجب أن
يؤمر به الأقرب من القرابة لأن علياً رضي الله عنه كان
أقرب إلى النبي ل من غيره لأنه كان ابن عمه وصهره ولأن
نيابته عليه السلام له في النحر - كما ذكرنا قبل - وإدخال
السرور عليه بذلك ولو أمر غيره بالتصرف في الصدقة لكان
محتملا لتغير خاطره وأمرُهُ عليه السلام له بالتصدق عنه
إدخال سرور وجَبر قلب
وفيه وجه من حسن الصحبة أنه إذا بدأ شخص أمراً فمن حسن
الصحبة أن يكون هو الذي يتم بقايا وجوه تصرفاته فلما كان
عليّ رضي الله عنه هو الذي وجّهه النبي عليه السلام إلى
اليمن لأن يأتيه بالبدن فكان من طريق حسن الصحبة أن يكون
هو الذي ينوب عنه فيما بقي للنحر منها وفي التصدق عنه
فاستنابه لحسن الصحبة ومن أحسن صحبة من رسول الله
وفيه دليل على التحدث بما فتح الله به على العبد من أمور
خير الآخرة إذا لم يكن كسباً له
۱ تكنية النبي علياً كرّم الله وجهه أبا تراب رواها
البخاري في الصلاة - باب نوم الرجال في المساجد وفي الأدب
ورواه مسلم في فضائل علي كرّم الله وجهه رقم / ٢٤٠٩/ رواه
الترمذي في المناقب رقم // ۳۷۵ والحاكم في المستدرك ١٢٦/٣
والسيوطي في بعض رسائله وللحافظ أحمد بن محمّد صديق
الغماري رسالة اسمها القول الجلي في صحة حديث أنا مدينة
العلم وبابها عليّ
ΟΛΕ
لأن الذي هو كسب له هو من باب التزكية والله عزّ وجلّ يقول
فَلَا تُرَكُوا أَنفُسَكُمْ ۱ والذي هو من قبيل الله تعالى
إذا سلمت النية فيه من طلب الرفعة يكون من قبيل الشكر لأنه
قد قال التحدث بالنعم شكر وقد قال الله تعالى لمن
شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۳ يؤخذ ذلك من ﴿لَن ذِكْرِ
عليّ رضي الله عنه أن رسول الله وه له و أمره بالصدقة
فيكون إعلان القول منه بأنه بأمر أمره النبي الله تبرئة من
الالم العلوى والتزكية مثل أن يُرى إنسان يتصدق بصدقة
واجبة فيقول هي واجبة أي لا تمدحوني عليها لأن الصحابة
والصدر الأول رضوان الله عليهم لم يكن عندهم
في إعطاء الواجبات مدح بينهم لأنها من اللازم وما هو واجب
يَتَساوَى الناس كلهم فيه ولذلك يُروى عن بعض المتعبدين
أنه قال لا جزى الله تُراكَ الصلاة عنا خيراً رأونا نؤدي
الصلاة قالوا عنا عُبّاد والصحابة ٤ رضي الله عنهم بذكرهم
لِمَا خَصّهم الله عزّ وجلّ به أو نبيه عليه السلام هو على
طريق الاستبشار وشكر النعمة وتبرؤ من دعوى العمل ليس كمثل
بعض الناس في الوقت الذي لا يكمل الواجب الذي عليه ويحب أن
يُلحق بالمباركين كما قال جل جلاله وَيُحِبُّونَ أَن
يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا
وفيه دليل لأهل الصوفة الذين يقولون يُندَب لأهل هذا الشأن
أن يتحدثوا بما فتح الله عليهم بين إخوانهم بشرط ألا يكون
بينهم أجنبي لأنه مما يتقوى به إيمانهم وقوة الإيمان زيادة
في القربة إلى الله عزّ وجلّ
وفيه أيضاً عون على النفس ولاسيما في زمان قل فيه الصدق في
هذه الطريقة حتى إنه عند بعض من يعرف شروطها إنه شيء طُوِي
بِساطه فيكون سبباً لكسله عن الترقي وقد أخبرني بعض من كان
له تعلق بالطريق ثم فتر عن عمله فلما رأى من بعض من كان في
زمانه شيئاً من أحوال القوم وأنه ٦ لما أبصر ذلك رجع إلى
المجاهدة والخدمة وفتح عليه في أقرب زمان فقال لي والله ـ
وهو الحالف - ما كان كَسَلِي عن الخدمة إلا لكوني لم أرَ
في نفسي شيئاً ولم ألق أحداً رأيت منه شيئاً مما رأيت في
كتب القوم فقلت هذا شيء طُوِيَ بساطه فما لي وللتعب فلما
أبصرت
1 سورة النجم من الآية ۳
جزء من حديث رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند
والبزار والطبراني ورواه ابن أبي الدنيا في
الشكر ص ١٤ والخرائطي في فضيلة الشكر رقم / ۸/
۳ سورة إبراهيم من الآية ٧ ٤ العبارة مضطربة غير واضحة
التركيب ٥ سورة آل عمران من الآية ۱۸۸
٦ كذا بزيادة وأنه
٥٨٥
من فلان شيئاً مما رأيت في كتب القوم أيقنت أن الطريق
باقية وإنما السالكون قلوا فأخذت في
الخدمة فجاء من أمري ما ترى فذلك فائدة التحدث بها وفي ذلك
قيل إذا كنت في حالك
صادقاً فنطقك أو سكوتك لمن راك فلاح وصلى الله على سيدنا
ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً
35
نة
٥٨٦
لك
البُخاريُّ قالَ عَطاء رَضِيَ الله عَنهُ إذا تَطيِّبَ أو
لَبِس جاهلاً أو ناسِياً فَلا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ
هذا مذهب عطاء وليس بمتفق عليه أما النسيان فالشافعي رحمه
الله وافقه على ذلك لقول
رسول الله الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وأما مالك رحمه
الله فلم يَعذُر به وقال إنه
b
مثل سجود السهو في الصلاة شُرِع لأن يُجبَر به خلل وقع في
العبادة وفي الصلاة هو يَشتَرِط السجود فيها بالسهو لا
بالعمد وهنا مطلقاً فينبغي أن يكون الحكم في السهو والعمد
سواء وهو الأظهر والله أعلم
وأما الجهل فلا أعرف في الوقت وافقه عليه أحد من العلماء ٣
ودليل القرآن يرد عليه بقوله تعالى فَسْتَلُوا أَهْلَ
الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ 1 فلم يعذر أحداً
بجهل ولو كان الجهل عذراً
لكان أرفعَ من العلم ولا قائل به
من
الله عنه
ويؤخذ منه الفقه أنه من تحقق عنده حكم من أحكام الله عزّ
وجلّ له أن يطلق اللفظ بعموم الحكم ولا يلزمه خلاف المخالف
ومثل ذلك جرى لعمر بن الخطاب رضي حين سمع شخصاً ٥ يتلو
سورة الفرقان على خلاف ما كان يعرف فلببه بردائه وأتى به
رسول الله
۱ هو أبو محمد عطاء بن أبي رباح مولى بني فهر من مُوَلَّدي
الجند وهي بلدة مشهورة باليمن كان من أجلاء الفقهاء وتابعي
مكة وزهادها سمع عددا من أجلاء الصحابة منهم ابن عباس وابن
الزبير وكان أعلم الناس بالمناسك توفي سنة ١١٥ هـ / ٧٣٣م
رواه ابن ماجه وابن حبان والدارقطني والطبراني والبيهقي
والحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ
إن الله وضع وللحاكم والطبراني تجاوز ونقل الخلال عن
الإمام أحمد أنه قال من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوع فقد
خالف كتاب الله وسنة رسوله وأصل الباب حديث أبي هريرة في
الصحيح بلفظ إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم
تعمل أو تكلم به ورواه ابن ماجه بلفظ عما توسوس به صدورها
وزاد في اخره وما استكرهوا عليه والزيادة إدراج من الراوي
۳ كذا وردت العبارة وفيها خلل
٤ سورة النحل من الآية ٤٣
•
هو حكيم بن حزام رضي الله عنه كما في الموطأ والصحيحين
۵۸۷
عمر
كان
وقال سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أن را تنها
فقال أرسله فأرسله فقال اقرأ فقرأ مثل ما كان عمر سمع منه
فقال هكذا أنزلت ثم قال إقرأ يا عمر فقرأ عم مالى قارة
يعرف وهو مخالف لقراءة صاحبه فقال هكذا أُنزِلت إن هذا
القرآنَ أُنزِل على سبعة أحران
فاقرأوا ما تيسر منه ۱
ولم ينكر على عمر أخذ ذلك بالعنف وزجره له وهو كان على
الحق وعمر لم يكن له ۳ علم بذلك الوجه الذي كان ذلك يعرفه
كما أنه لم يكن له علم بما كان عمر يعرفه ومن أجل الغفلة
عن هذا الوجه ضاع كثير من النهي عن المناكر لأن بعض الناس
يقول لعل هذا الذي أنكره
أنا يجيزه غيري
ويترتب أيضاً عليه من الفقه أنه لا يجوز الحكم بمجرد النقل
بما يراه في الكتب إلا لأهله الذين يعرفون مقاطع الكلام
وعلى ماذا يدلّ يؤخذ ذلك من أنه إذا رأى هذا النص من لا
يعرف المذهب وهو ينتسب بدعواه لأحد المذاهب يبقى يعمل عليه
ويظنه مما يجيزه صاحب مذهبه فيكون يقع في الكذب على إمامه
ويُدلي الناس بغرور وقد أخبرني جماعة عمن ينسب في مذهبه
إلى أنه متبع لمالك رضي الله عنه وهو ممّن يُستفتى كان
يفتي في مذهب مالك بما نص عن عطاء هنا وقد ذكرنا مذهب مالك
قبل في ذلك وما هو عليه فنسأل الله الإرشاد لمعرفة العلم
على ما هو علم على وجهه والعمل به ابتغاء مرضاته لا ربَّ
سواه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ رواه البخاري في كتاب الخصومات ومسلم في صلاة المسافرين
وقصرها باب بيان أن هذا القرآن على سبعة أحرف رقم / ۸۱۸/
كما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمر
رضي الله عنه
أي حكيم بن حزام ۳ يدلي الناس بغرور يوقعهم فيما أراد من
تغريره
۵۸۸
حديث بناء مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم
عَن أنس رضي الله عنه قالَ قَدِمَ النَّبِيُّ الله
المدينةَ وَأمَرَ بِبِناءِ المَسجِدِ فَقال يا بَني
النَّجار ثامنوني ١ فَقالوا لا نَطَلُبُ ثَمَنَهُ إلا إلى
الله فَأمَرَ بِقُبورِ المُشركينَ فَنُبِشَت تم بالخِرَبِ
فَسُوِّيَت وَبِالنّحْلِ فَقُطِعَ فَصَفُّوا النّخلَ
قِبلَةَ المَسجِدِ
* * *
ظاهره يدل على أن بناء المسجد كان بأمر النبي و بعد هجرته
إلى المدينة والكلام عليه
من وجوه
منها جواز طلب الأشياء للبيع وإن لم يكن صاحبها عرضها
للبيع يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام يا بني النجار ثامنوني
وهم لم يكونوا عرضوا ملكهم للبيع قبل
وفيه دليل على جواز أن ينسب الشخص إلى صنعة كانت في قبيلته
أو ابائه وليس ذلك من الألقاب المنهي عنها يؤخذ ذلك من
قوله عليه السلام يا بني النّجّار وهذه صنعة كانت في أحد
ابائهم فشهروا بها فدعاهم بها
وفيه دليل على جواز قبول الهدية لشيء وإن كان قد تعرض إلى
شرائها ما لم يقصد تحشيم صاحبها يؤخذ ذلك من قبوله عليه
السلام منهم بعدما طلب منهم البيع فقالوا لا نطلب ثمنه إلا
إلى الله والدليل على قولنا ما لم يقصد تحشيم صاحبها لأن
النبي صلى الله عليه وسلم قال ثامنوني ولا يقول النبي يا
الله نامنوني إلا حقاً لا يقول ذلك حيلة ولا مجازاً ومن
يقع له شيء من ذلك فهو تنقيص بالنبي وهو وهو لا يحل وإن
أفصح به وجب قتله شرعاً
۱ ثامنه في السلعة ساوَمَه في شرائها الخِرَب ج خِرْبة وهي
موضع الخراب 3 أحشم فلان فلاناً أخجله
۵۸۹
وهنا بحث وهو ليس بمجرد الدعوى منه يقع التصديق إلا ۱ تكون
هناك قرينة تبين ذلك مثل قول هؤلاء الذين قالوا لا نطلب
ثمنه إلا إلى الله تعالى ولا يلزم من قولهم لا نطلب ثمنه
إلا إلى الله أن يكون صدقة لأن الهدية صاحبها مأجور إذا
قصد بها وجه الله مثل الصدقة غير أن الفرق بين الصدقة
والهبة أن الصدقة لا تكون إلا لله إلا أن يدخلها رياء
والهبة قد تكون لوجوه كثيرة قد نص عليها في كتب الفروع فما
هو منها الله فصاحبها فيها مأجور كما هو في الصدقة وإن لم
يكن من صاحبها إفصاح مثل مقالة هؤلاء ويكون هناك ما يقوم
مقام ذلك وقد روي عن بعض أهل هذا الشأن إذا كان يأتيه
الفتوح ولا يعلم من صاحبه من أي الوجوه هو يقول له ناشدتك
الله متى أنا عندك خير إن قبلت منك أو إن رددت عليك فعلى
الذي يحلف عليه من الحالتين عمل عليه تحرزاً من الدعوى في
هذا الشأن وإن كان على ما روي عنه من أهل الكشف والاطلاع
وفيه دليل على جواز حفر قبور المشركين يؤخذ ذلك من قوله
فأمر بقبور المشركين فنبشت وفيه من الحكمة أن حكم الحياة
مستصحب في الممات فكما هي دماؤهم في الحياة مباحة ولا حرمة
لهم كانوا كذلك في مماتهم والمؤمن حرمته في الممات كحرمته
في الحياة لأنه قد جاء أنه من كسر عظم مؤمن ميت كمن كسره
حياً في الإثم سواء ۳ وقبره حَبْسٌ 4 لا يحل لأحد
التصرف فيه
وفيه إشارة لأهل البصيرة الذين يقولون أحوالك عنوان على
مالك هنالك فإن استقمت هنا رفعت هنالك وإن خلطت فإنما
بَخَستَ نفسك
وفيه دليل على جواز هدم خراب البناء إذا كان فيه فائدة
وليس من الفساد في الأرض يؤخذ ذلك من قوله ثم بالخِرَب
فَسُوِّيت
وفيه دليل على جواز قطع الثمار وإن كانت تُطعِم إذا كان
ذلك لضرورة يؤخذ ذلك من قوله وبالنخل فقطع وقد نص العلماء
على أن قطع الثمار المُطعِمة من الفساد في الأرض ولما كان
هذا لضرورة خرج أن يكون من ذلك القبيل والضرورة التي هي
هنا أنه لما تقدم العالم المدينه الا الله تنافس الأنصار
رضوان الله عليهم في نزوله عليه السلام عند من ينزل منهم
فقال لهم دعوا
۱ كذا بزيادة إلا
كأنه يستحلفه بالله أي العملين أفضل هل أخذ الفتوح الهدية
أوردها ۳ رواه عبد الرزاق ومالك في الموطأ وأبو داود وابن
ماجه والإمام أحمد عن السيدة عائشة رضي الله عنها بألفاظ
مختلفة
٤ قبره حبس عليه وقف عليه لا يباع ولا يورث
۵۹۰
الناقة فإنها مأمورة ۱ فمشت حتى أتت موضع المسجد فبركت فيه
فأي ضرورة أشد من هذه لأن هذا حكم من الله عز وجل وقد كان
في علم الله تعالى أن تلك البقعة هي الموضع الذي هو روضة
من رياض الجنة فكل ما كان فيها فهو عارية بحكم القلع وليس
مثل هذا ضرورة في غيره أن يقول شخص نريد نبني هذا بنيانا
بشهوة نفسه فيكون هناك شجر مثمر فيقطعه ويجعل هذا الحديث
حجة فيه هذا لا يحل بل الضرورة غير هذه على ما هو مذكور في
كتب الفقه وهنا إشارة لمن سعد في الأزل ما ضَرَّه ما جرى
عليه من الفتن يؤخذ ذلك من أنه لما كانت هذه البقعة قد
سبقت لها تلك السعادة العظمى - وهي أن تكون مسجداً ومنزلاً
ولَحْداً للسيد من بني آدم والمرفّع في العالمين الله -
اما ضرها ما تداول عليها من أيدي المشركين ومخالفتهم إذا
حَسُنت العقبى فكل قبيح يزول وإن فسدت فكل جميل يَحُول
وفيه دليل على أن من حسن التصرف أن يعمل الشخص في أمره كله
على قدر جدته ٢ أو عسره يؤخذ ذلك من كون النبي ا لما ترك
هو والمهاجرون أوطانهم وأموالهم فاحتاج عليه السلام إلى
بناء المسجد بناه على ما يقتضيه الوقت بجريد النخل وحيطانه
من جذوعها يؤخذ ذلك من قوله فَصَفُّوا النخل قبلة المسجد
ولم يبنِ بآجُرٌ ولا حصّ ولا بشيء فيه تكليف لا عليه ولا
على غيره فهذا مقتضى السنة ومما يؤيده من الكتاب قوله
تعالى ليُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ﴾ ٣ وقد قال رضي
الله عنه الرفق في النفقة خير من الزيادة في الكسب وفيه
دليل على أن أهم ما على المرء من الأمور النظر في أمر دينه
يؤخذ ذلك من أنه أول ما نظر فيه عند دخوله المدينة بناء
المسجد الذي هو للاخرة
وفيه دليل للفقراء الذين يقولون إذا زهد الفقير وخرج عن كل
ما يملكه مما هو من أمر دينه فلا يدخل تحت ذلك اللفظ ولا
يجوز له الخروج عنه ويحبس منه بقدر ضرورة دينه مثل الإناء
للوضوء وما يستر به عورته ومثل ما يصلي عليه لأن كل ما
يكون الخروج عنه يتعذر به وجه من وجوه الدين فلا يجوز لأنه
الأهم وقد قيل على جميع أمور الدين حافظ عليها ولا تبال
بما عداها فعزّ المرء بدينه لا بما سواه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 رواه البيهقي في دلائل النبوة ٥۰۱/۳ و ٥٠٤ وابن كثير في
البداية والنهاية ۱۹۹/۳ و ۰۰ والسيوطي في الخصائص ۹۰/۱
والشامي في سيرته سبل الهدى والرشاد ٣٨٦/٣
الجدة الغنى ۳ سورة الطلاق من الآية ٧
۰۹۱
1121
حديث خروج الدجال وفتنته
عَن أبي سعيد الخدري ١ رضي الله عَنهُ عَنِ النبي صلى الله
عليه وسلم قالَ يَنزِلُ الدَّجَالُ بَعضَ السَّباخ ۳
بالمَدينَةِ فَيَخرُجُ إِلَيهِ يومئذٍ رَجُل هُوَ خَيرُ
النّاس - أو من خير النّاسِ - فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّكَ
الدَّجالُ الذي حَدَّثَنَا عَنكَ رسول الله لا حَدِيثَهُ
فَيَقولُ الدَّجالُ أرَأَيْتُم إن قتلتُ هذا ثُمّ أحيَتُهُ
هَل تَشكُونَ في الأمرِ فَيَقولونَ لاَ فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ
يُحْيِيهِ فَيَقولُ حينَ يُحييهِ وَالله ما كُنتُ قَطُّ
أشدَّ بَصيرَةً منّي اليومَ فَيَقولُ الدّجالُ أقتلُهُ
فَلا
يُسلّط عَليهِ
ظاهره يدل على وجهين أحدهما أن ما أعطي الدجال من خرق
العادة تكذيباً لدعواه لأنها قاصرة و الثاني ما أعطي
الخارج إليه من قوة الإيمان وأن تلك الفتنة العظمى لم تضره
والكلام
عليه من وجوه
منها أن يقال ما قصْرُ خرق العادة التي أعطي فنقول هي ما
أراد من قتل الرجل المؤمن ثانية فلم يقدر عليه فنحتاج الان
أن نذكر خرق العادة وما هو الدال منها على الخير وعلى ضده
وما انقطع منها
فأما خرق العادة فقد تكلم العلماء عليها وهي على أربعة
أقسام
1 أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري
الخزرجي أبو سعيد صحابي كان من ملازمي النبي وروى عنه
أحاديث كثيرة غزا اثنتي عشرة غزوة وله ۱۱۷۰ حديثاً توفي في
المدينة المنورة سنة ١٤ هـ / ٦٩٣ م انظر الحديث ٤٨ الدجال
لغة المموّه المدَّعي الكذاب وشرعاً المسيح الدجال رجل من
يهود يخرج في آخر هذه الأمة سمي بذلك لأنه يدجل الحق
بالباطل وقيل بل لأنه يغطي الأرض بكثرة جموعه وقيل لأنه
يغطي على الناس أو سمي بذلك لكذبه وجمعه دجاجلة و دجالون
وكل كذاب فهو دجال
بكفره وقيل لأنه يدعي "
۳ السباخ ج سَبَخة والسبخة من الأرض ما لم يحرث ولم
يُعمَّر لملوحته
۵۹
قسم يدل على صدق النبوة وهذا قد طوي بساطه لكن نذكره من
أجل المعرفة به لأنه من
جملة أمور الدين
وقسم يدل على الولاية وتحقيقها
وقسم يكون من أجل المجاهدة والدوام عليها وإن كان صاحبها
فاجراً أو كافراً وكثيراً ما افتتن الناس من هذا القسم
لجهلهم به
وقسم من الذي يسمونه السيمياء وهي استنزال بعض الروحانيات
وخدمة بعض الكواكب الفلكية وهي أيضاً مما ضل بها كثير من
الناس
ولكل واحدة منها علامة تعرف بها ولا يعرف ذلك إلا من له
نور إيماني ومعرفة بها
فأما التي هي دالة على النبوة فمن شرطها التحدّي وهو أن
يقول أنا نبي ومن الدال على نبوتي أنني أفعل كذا وكذا وذلك
الذي يدعيه لا بد من ظهوره على ما ذكره علماء الدين وهذا
لم يبق لأحد فيه دعوى لقوله عليه السلام لا نبي بعدي
والتي هي دالة على صدق الولاية تظهر على يديه دون تحدٍ ومن
شرطها أن يكون في حاله متبعاً للسنة والسِّنَن لأن الله
عزّ وجلّ لم يتخذ قط ولياً بدعيا ۳ لأنه عزّ وجلّ يقول في
كتابه قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
يُحْبِبْكُمُ اللهُ ۳ وإن تحدى بها عند ضرورة دون عجب فلا
تخلفه لأنها من بركة تصديق النبوة لأن كل كرامة ظهرت لولي
فهي معجزة لنبيه عليه السلام لأنه بصدقه في اتباعه ظهر له
هذا الخير ومثاله ما ذكر عن بعض السادة حين ركب البحر فهاج
عليهم وكان المركب مُوسَقاً " قمحاً للملك وكان معه ركاب
حجاج فسمع البحريين يقولون إن القمح مكيل علينا بالشهادة
وهؤلاء الحجاج ركبوا باختيارهم ليس علينا فيهم شيء نحن
الحُجّاج وندع القمح من أجل أنا مطالبون به فلما رآهم
عزموا على ذلك قال لهم ارموا القمح على ذمتي فرَمَوا منه
ما شاء الله ثم سكن البحر وبلغوا الموضعَ الذي كانوا
أمّلوا فطلبوه بما رَمَوا من القمح فقال لهم أخرِجوا
الشهادة التي عليكم واكتالوا القمح فما نَقَص منه
غَرِمْتُهُ ففعلوا فوجدوا الزائد على ذلك القدر
1 جزء من حديث رواه البخاري في المغازي باب غزوة تبوك
ورواه مسلم في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باب
من
فضائل عليّ من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه
البدعي المبتدع والمستحدث في الدين ما ليس منه ۳ سورة ال
عمران من الآية ۳۱
٤ موسقاً محمَّلا موقرا
۵۹۳
التي كانت به الشهادة عليهم فخلوا عنه فقال لأصحابه والله
ما فعلتها إلا من أجل الضرورة إحياء لنفوس هؤلاء المؤمنين
وإن كان يتحدّى بها لغير ضرورة فليس هو في منزلة الأولياء
بل هو في حزب سَنَستَدْرِجُهُم مِنْ حَيْثُ لَا
يَعْلَمُونَ ﴾ ۱ وهذا هو حظهم من الله عزّ وجلّ لأنهم قد
نصوا أن من كانت عبادته من أجل أن تظهر له كرامة أو تستجاب
له دعوة أو يُعرف بالخير من أجل المنزلة فأولئك من الذين
يعبدون الله على حرف ٢
وأما التي هي من أجل المجاهدة فإنه تظهر له كرامات لكن
ليست بنافذة ۳ ولا مكاشفته تتعدى مدى بصره وتكون في المؤمن
والكافر وهي من أثر المجاهدة فإن بالمجاهدة نفسها يتنور
الباطن ويرجع القلب مثل المرأة الصقيلة ينطبع فيها كل شيء
قابلها لا غير وما لم يكن في مقابلتها فلا ينطبع فيها
ومثال ذلك ما ذكره عن بعض الأكابر أنه في بعض أسفاره مَرَّ
بِدَير رهبان فرأى ما هم فيه من كثرة المجاهدة فوقع له
استحسان لتلك المجاهدة فلما وقع له ذلك أمروا لخديمهم
بالإقبال عليه وأن يحسن قراه ويدخله بيت تعبدهم حيث
أصنامهم فلما أدخله بيت الأصنام وقع في خاطره سخفُهم وقلة
عقولهم لكونهم يعبدون تلك الأصنام فلما وقع له ذلك وإذا هم
يصيحون على الخديم أخرجه أخرجه فأخرجه من حينه فتعجب لسرعة
اطلاعهم على خاطره لكن لا يجاوزون بمكاشفاتهم مدى البصر
وإذا كانت المجاهدة عن إيمان واتباع للسنة كاشف من العرش
فما دون وكانت الدنيا كلها عنده كخطوة واحدة يتصرف فيها
كيف شاء بحسب ما يفتح الله عليه
0
وأما التي هي من طريق السيمياء واستنزال بعض الروحانيات
وعبادة بعض الكواكب الفلكية فله ٦ علامات
أما الذي يعبد بعض الكواكب فلكل عابد كوكب علامة يعرف بها
مثاله أن الذي يعبد زُحل ٧ يكون لباسه أخسَّ اللباس وأقذره
وعيشه وجلوسه من تلك النسبة فالذي يراه في ذلك
۱ سورة الأعراف من الآية ۱۸
الحرف من كل شيء جانبه وطرفه والآية الكريمة وَمِنَ
النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفِ أي يعبده في
السراء لا في
الضراء ۳ نافذة ماضية قاطعة
٤ الخديم الخادم 0 كذا بزيادة الواو ٦ أي لصاحب خرق العادة
۷
زُحل أحد الكواكب الكبرى في المجموعة الشمسية ترتيبه
السادس من الشمس وهـو علـى بعـد =
٥٩٤
الحال يظنه من الزهد والورع وما هو إلا بمقتضى ما يقتضيه
معبوده ويبقى على ذلك الحال قدر دورة معبوده في الأفلاك
وذلك على ما يزعمون ستة وثلاثون ۱ سنة على تلك الحالة التي
بينت لا يفتر فإن فتر ساعة فَسَد عليه كل ما تقدم ولكل
واحد مما عدا هذا أيضاً حالة تخصه إلا أن هذا عندهم أنحس
الحالات
وأما الذي هو من الروحانيات ليس إلا فحاله الظرف في اللباس
وفي كل أمره وانشراح النفس وما يطيبها وحسن المجالس ومع
هذا فالغالب على أهل هذه الطرق الفاسدة حظوظ النفس وطلب
الرئاسة وعدم اتباع السنة واختراع بدع يجلب بها الجهال
ويجعلها من طريق الحكمة ورياضة النفس وهو الضد - أعاذنا
الله من ذلك - لأن ما كان من طريق خرق العادات التي ليس
على صاحبها لسان العلم حاكماً تجدها غير نافذة من كل
الجهات وإذا جاء من له حقيقة يقابلهم ما يمشي لهم منها شيء
ويتعذر عليهم أكثرها بحسب قوة إيمان الشخص وضعفه ولذلك
فأكثر ما يخالطون الجهال
والذي خرق العادة له مع اتباع السنة هو في حالة ملك لا
يُغلب بحيلة ولا مكر ولا قوة محسوسة أو معنوية وأمره
يتزايد لا ينقص والناس وجميع الوجود عنده كلهم على حد واحد
كيف شاء أن يتصرف تصرّف بغير دعوى متبرىء من الحول والقوة
إلا إلى الله صاحبها وهو أخوف الناس على نفسه إلا عندما
تأتيه البشائر الربانية
وعلامته أن يكون أكثر الناس تواضعاً وأقبلهم لهم عذراً إلا
ما كان في حق الدين وأكثرهم شفقة عليهم ونفسه عنده أقل
الخلق ويشاهد ذلك الخير فيضاً ومَناً بغير استحقاق ويحض
الناس على اتباع السنة والسنن كثير الصمت إلا فيما يعنيه
كثير الفطنة قليل الطمع ملاحظ بقلبه الآخرة لا يرى لنفسه
على أحد حقاً ويرى حقوق الناس قد ترتبت عليه بشرط أخوة
الإيمان بالحضور والغيبة يفر من المدح ويستأنس بالوحدة
يبذل المعروف ويقلل الضرر بل لا يقع منه يحبه كل شيء حتى
الأرض التي يمشي عليها والسماء التي تظله وأهلها كذلك
معرفته في كأنه السماء أكثر وأشهر مما في الأرض لا يُحِل
أكل الخبيث تؤلمه معصية العاصي هو الذي
١,٤٢٥,٧٦٧,٠٨٠ كيلومتراً في المتوسط منها وتتم دورته حول
الشمس في ثلاثين عاماً ويبلغ / ٧٣٤ / مرة حجم الأرض وكتلته
٩٤٩ مرة قدر كتلتها وكثافته ۸/۱ كثافتها ويبدو قرصاً
منبعجاً لامعاً عند الاستواء وقطره الاستوائي ۱۰,۰۰۰
كيلومتر وله عشرة أقمار تدور حوله
۱ تقدير الفلكيين ثلاثون سنة وقوله ستة كذا في المخطوطات
والمطبوعة
0
۵۹۵
فعلها وتَسُره طاعة الطائع كأنه الذي يأخذ أجرها صورته
صورة بشر وحقيقة باطنه ملكية نورانية
قدسية ووصفه يطول
مَنَّ الله علينا بما به مَنْ عليهم برحمته ورحمنا بحرمتهم
وصلى الله على محمد نبيه وعبده فمن أجل الجهل الغالب على
الناس بطريق القوم كل من رأوا منه شيئاً من خرق العادة من
أي نوع كانت قالوا صالحا ۱ أو يكون ممن سمع شيئاً من مفاسد
الفاسدين فيعيب أهل الحقيقة على الحقيقة فيحرمهم لأنه يجعل
أمرهم إما محتملاً إذا أراد السلامة أو ينسبهم إلى الطريق
الفاسد فيحصل مع الحرمان الخسارة فإن الله عزّ وجلّ يَغيرُ
لهم أشد الغيرة لقوله عزّ وجل على لسان نبيه عليه السلام
من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة ۳ وفيه دليل على
عظيم قدرة الله عزّ وجلّ يؤخذ ذلك من قوله ينزل ببعض
السباخ التي بالمدينة ثم يمنع من الدخول إليها وفيه دليل
على أن من قوي إيمانه لا يمكنه حَملُ البدع ولا السكوت
عليها يؤخذ ذلك من خروج هذا الرجل الذي شهد له رسول الله
الله بالخيرية مع علمه أنه لا يدخل المدينة وأنه - صلى
الله عليه وسلم وحده ـ لا يقدر على قتاله لكن قوة إيمانه
حملته على أن يخرج ويكذبه بين أتباعه وإن كان لا يعلم هل
ينجو منه أم لا
ألا ترى إلى ما جاء في قصة عبد الله بن رواحة ۳ حين أخبر
رسول الله أنه رأى بين سريره وسريري صاحبيه ازوراراً وعلة
ذلك ما أخبر به الصادق و أن صاحبيه تقدما ولم يتوقفا وتوقف
هو يرثي ما يشجع نفسه الطيبة بأبيات من الشعر ويطيبها
للموت ثم تقدم فقتل كما فعل بصاحبيه ٤ رحمهم الله أجمعين
فقوة الإيمان تقتضي القيام بأمر الله عزّ وجلّ ولو بقي
الشخص وحده كذلك فعل أبو بكر رضي الله عند وفاة النبي رضي
الله عند وفاة النبي ا ومنع أولئك الرهط الزكاة وخطب
۱ كذا
38
رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء وأبو نعيم في الحلية
۳۱۸/۸ والطبراني في الأوسط عن السيدة عائشة الله عنها
والبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه وألفاظه مختلفة في هذه
الروايات عما أورده الشيخ
رضي
الإمام ابن أبي جمرة رضي الله عنه
عبد الله بن رواحة صحابي يعد من الأمراء والشعراء الراجزين
كان يكتب في الجاهلية وشهد العقبة مع السبعين من الأنصار
شهد بدراً وأحداً والخندق والحديبية واستخلفه النبي الله
العليل و المدينة في إحدى غزواته وصحبه في عمرة القضاء
وكان أحد الأمراء في وقعة مؤتة بأدنى البلقاء من أرض الشام
فاستشهد فيها سنة
هـ / ٦٢٩م ٤ رواه البيهقي في دلائل النبوة ٣٦٨/٤ وللحديث
تتمة
٥٩٦
نية
ـن
مة
ق
بعدما كان ظهر للصحابة رضي الله عن جميعهم أن يسامحوا في
الوقت فقال لهم أبو بكر
رضي
الله عنه
لأقاتلنهم ولو بالدَّبور ۱ فقال عمر رضي الله عنهم أجمعين
فلما سمعت مقالة أبي بكر علمت أنه الحق وشرح الله صدري لما
شرح له صدر أبي بكر وهو من أقوى الأدلة على أن النصر ما
يكون إلا بقدر قوة الإيمان لأن أبا بكر رضي الله عنه لم
يتم كلامه إلا والمسجد قد امتلأ بالدبور وهي الريح وقيل
بالتشديد وهو طائر يشبه النحل ۳ وهو أشد ضرراً منها وأتت
وجوه القوم حتى خرجوا من حينهم من المسجد
وقوله رجل هو خير الناس أو من خير الناس ۳ الشك من الراوي
وقوله عليه السلام خير - على إحدى الروايتين - قد حصلت له
الشهادة من الصادق المصدق بالخيرية
وفيه دليل على أن الخيرية هي بقدر الإيمان لأنه إذا قوي
الإيمان علم قطعاً أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له قعد أو
تحرك فالأولى المبادرة إلى ما أمر به أو ندب إليه قال عزّ
وجلّ ﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا
هُوَ مَوْلَسْنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ
الْمُؤْمِنُونَ ٤ وقوله فيقول أشهد أنك الدجال أي لست أنت
بالرب كما تزعم بل أنت كذاب فهذه أكبر المجاهدة يقول الحق
ولا يلتفت إلى ما يترتب عليه وصار اليوم عند بعض المنسوبين
إلى العلم أو الدين يتركون قول الحق من أجل توقعات ممكنة
يتوقع منها ضرر دنيوي فيلزم من شاهد حاله أنه مِن شرِ
الناس وقد أخبر بذلك الصادق عليه السلام حيث قال يأتي على
الناس زمان يصبح الرجل فيه مؤمناً ويُمسى كافراً مؤمناً
ويصبح كافراً يبيع دينه بعَرَض من الدنيا ٥ وفي هذا الحديث
مصداق لقوله عليه السلام لا تزال طائفة من أمتي على الحق
ظاهرة إلى قيام الساعة لا يضرهم من خالفهم ٦
1 الدبور الريح تهب من المغرب وتقابلها القبول
ويمسي
الدَّبُور جمع دَبر وهي جماعة النحل والزنابير والدبور
جمعه دبابير وهي الزنابير وهو عربي مولد
معرب عن السريانية وقيل عامي ۳ قال كثير من العلماء إنه
الخضر رضي عنه واسمه بليا بن ملكان وكنيته أبو العباس
ولقبه الخضر وقد ورد أن من عرف اسمه وكنيته ولقبه واسم
أبيه مات على حسن الخاتمة وورد في فضائله الله الله إنماء
الخضير خضيرا لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز تحته
خضراء رواه الشيخان
سمي
٤ سورة التوبة من الآية ٥١
٥ رواه مسلم في الإيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً
مع اختلاف يسير في اللفظ
جزء من حديث صحيح متواتر رواه البخاري في الاعتصام
والأنبياء والتوحيد ومسلم في الإيمان والإمارة والترمذي في
الفتن وأبو داود في الجهاد والفتن والملاحم وابن ماجه في
المقدمة وأحمد في مسند الشاميين والدارمي في الجهاد
=
۵۹۷
وفيه دليل على إبقاء الإيمان كاملاً في المدينة وإن كان في
بعض أهلها تخليط يؤخذ ذلك من أنه لم يخرج له من يواجهه
بهذا الحق إلا من المدينة ولو كان له موضع اخر ثان لأخبر
به يلي وفيه تأنيس لمن وفق للحق وإن خالفه أهل زمانه
وبشارة له بالنصر لأن العلة التي من
أجلها كان النصر لذلك المبارك موجودة عنده وهي قوة الإيمان
وقول الحق في الله وفيه دليل على أن قوة الإيمان عند
الضرورة لا تعول على القدرة بمجردها ولا تستعمل أثر الحكمة
مع التصديق بثبوت أثر الحكمة والقدرة معاً أما العدول منه
عن أثر الحكمة فكونه خرج إلى ما لا طاقة له به وقد دلت
الشريعة التي
مقتضى الحكمة على منع ذلك بقوله تعالى ﴿ وَلَا تُلْقُوا
بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَهْلُكَةِ 1 وأما أثر القدرة فقوله
تعالى وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا
بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ ۳ وقوله تعالى قُل لَّن يُصِيبَنَا
إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا ۳ فأشد الأمور - وهو القتل
- لما لم يرد الله عزّ وجلّ موت هذا لم يضره ولما أراد
ثانية أن يمنعه مَنَعه بغير أثر حكمة إلا إظهار قدرة تامة
ليعلم أن الله على كل شيء قدير وأما قتله أولاً فتحقيق
لعظيم القدرة لأنه قد كان يقول القائل لم يره وحجب عنه
ويرى أن ذلك من خرق العادة للأولياء وما أظهر الله عزّ
وجلّ له من الكرامة أرفع وأعظم
E
وفيه دليل على أن الفتنة لا تضرّ مع الإيمان ولا تزيده إلا
تحقيقاً يؤخذ ذلك من كونه فعل به أشد الفتن وهو الموت
والإحياء ثم ما زاده ذلك إلا قوة في إيمانه كما ذكر هو
بقوله والله ما كنت قط أشد بصيرة مني اليوم وذلك لأنه كان
عنده قبل عِلمُ يقين وصار الآن عنده عينُ يقين وعين اليقين
لأهل الأحوال هو أعلاها كما قال الخليل عليه السلام حين
قيل له أَولَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَينَ
قَلبي ٥ فأراد عليه السلام الانتقال من علم اليقين إلى عين
اليقين
فاستحق بذلك درجة الخُلَّة
o
۱ سورة البقرة من الآية ۱۹٥ سورة البقرة من الاية ۱۰ ۳
سورة التوبة من الاية ٥١
٤ اليقين في حقيقة معناه رأس مال الدين قال رسول الله الله
اليقين الإيمان كله أخرجه البيهقي في الزهد والخطيب في
التاريخ من حديث ابن مسعود بإسناد حسن وبين علم اليقين و
عين اليقين و حق اليقين علاقة وشيجة أقرب مثال لفهم
العلاقة بينهما أنك لو رأيت دخاناً فاعلم علم اليقين أن
وراءه نارا وإذا
اقتربت أكثر منه فرأيت النار فذلك عين اليقين وإذا مَسَست
النار فلذعتك فذلك حق اليقين
٥ سورة البقرة من الاية ٢٦٠
۵۹۸
وفيه تصديق للحديث الآخر وإن كان كل واحد منهما يصدّق
الآخر الذي قال عليه السلام فيه تُعرَضُ الفتن على القلب
عوداً عوداً فأيُّما قلب أُشرِبَها نكتت فيه نكتة سوداء
وأيما قلب لم يُشْرَبها نكتت فيه نكتة بيضاء فلا تزال تتسع
حتى تعود على القلب مثل الصفاة لا تضره فتنة بعد ۱ لأن هذا
لما صدق قول النبي وخرج مجاهداً في سبيل الله ورسوله لم
يضره
القتل بل زاد به إيمانه
ويؤخذ من حال الدجال الدليل على تكذيبه يؤخذ ذلك من قوله
لأتباعه أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته هل تشكون في الأمر
فلو كانت إلهيته حقاً لجلب القلوب على التصديق لأن القلوب
كما يقتضي الإيمان أنها بين أصبعين - أي بين أمرين من أمر
الرحمن ۳ - وكونه يطلب منهم ـ التصديق على ربوبيته بما
يبدي لهم ضعف في قدرته وهذا في حق الربوبية محال
وفيه دليل على إظهار قدرة الله عزّ وجلّ فيمن حكم عليه
بالضلالة أنه لا تنفعه العبر ولا المواعظ يؤخذ ذلك من أن
الدجال ادعى أن دليل ربوبيته إماتة الشخص وإحياؤه ففعل ثم
جاء ثانية أن يفعل فمنع من غير موجب ظاهر فكان يجب عليه
وعلى أتباعه الإقرار بالحق لأنه قد جاء ما أبطل دليله في
عالم الحس ولم يقدر على دفعه فما بقيت الأدلة تنفع
والمواعظ إلا مع السعادة ولا تضر الفتن والامتحانات إلا مع
الشقاوة
فنسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يعيذنا من الشقاوة
والحرمان ومن المحن والفتن في الدارين ويمنّ علينا
بالسعادة فيهما بفضله لا ربَّ سِواه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 رواه مسلم بلفظ تعرض الفتن على القلوب كالحصير عُوداً
عُوداً فأي قلب أشربها نُكِتَ فيه نكتةً سوداء وأي قلب
أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين أبيض مثل
الصفا فلا تضره فتنته مادامت السموات والأرض والآخر أسودُ
مُزباداً كالكوز مُجَخْياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر
منكراً إلا ما أشرب من هواه عن
حذيفة رضي
الله عنه
هو معنى لحديث رواه الإمام أحمد في المسند ۱۷۳/ وانظر الدر
المنثور ۸/-۹
0
۵۹۹
-٨٦-
حديث حراسة مكة والمدينة من الدجال
أنس بن مالك رضيَ الله عَنهُ عَنِ النبي ا ا قالَ لَيسَ
مِن بلَدٍ إلا سَيطَوُ الدَّجَالُ إِلا مَكَّةَ
وَالمَدينةَ لَيس لَهُ مِن نقابِها نَقب ۱ إلا علَيهِ
المَلائِكَةُ صافينَ يحرُسونَها ثمّ تَرجُفُ المَدينةُ
بأهلِها ثَلاثَ رجفَاتٍ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلٌّ كافِرٍ
وَمنافق
ظاهر الحديث يدل على أن جميع بلاد الأرض يدخلها الدجال إلا
مكة والمدينة والكلام
عليه من وجوه
منها الدليل على تحقيق خروج الدجال ومنها التساوي بين فضل
مكة والمدينة وقد
6
اختلف العلماء فيهما في الفضيلة فمالك رحمه الله ومَن
تَبِعه يفضلون المدينة على مكة والشافعي رحمه الله ومَن
تبعه يفضلون مكة على المدينة ولم يختلف أحد أن موضع قبره
أفضل البقاع وإنما الخلاف فيما عداه من البلدين واستدل كل
واحد منهما بظواهر أحاديث كلها تحتمل التأويل وبأقيسة
ولكنها أيضاً تحتمل التعليل
وظاهر هذا الحديث يعطي التسوية بينهما في الفضل لأن جميع
الأرض يطؤها الدجال إلا هذين البلدين فدل على تسويتهما في
الفضل ويُؤكَّد ذلك أيضاً من وجوه من النظر لأنه إن خُصَّت
المدينة بمدفنه عليه السلام وإقامته بها ومسجده فقد خُصَّت
مكة بمَسقَطِه عليه السلام بها ومبعثه منها وهي قبلته
فمطلع شمس ذاته المباركة مكة ومغربها المدينةُ وإقامته بعد
النبوة - على المشهور من الأقاويل - بمكة مثل إقامته عليه
السلام بالمدينة وفيه دليل على كثرة ما يُعطَى هذا اللعين
من خرق العادة فمنها كونه يَطَأ الأرض كلها ولم أن تكون
إقامته في الأرض وطوافه عليها إلا في أربعين يوماً إلا أن
أول يوم منها كسَنَة
يجيء
۱ النقب الخرق في الجلد أو في الجدار أو نحوها جمع أنقاب
ونقاب
10
وهنا بحث وهو هل هذا الذي راه الله مع كونه حقاً هل ذلك
مثال يعرف به الحكم
وترى له الكيفية أو ذلك حقيقة أري له بعض أهل المعصية على
ما هم فيه محتمل لأنه عليه
السلام لم يخير أنه رأى من أهل هذا الحال إلا واحداً
وبالقطع إن أهل ذلك الذنب عدد كثير
والقدرة صالحة للوجهين معاً
وهل الموضع الذي رآه فيه عليه السلام أيضاً بالأرض المقدسة
هو موضعه الذي كان دفنه فيه أو فسح له عليه السلام من
الأرض المقدسة حتى رآه في موضعه على حاله ذلك فالقدرة
أيضاً صالحة للوجهين معاً وفيه أيضاً دليل على عظم قدرة
القادر
وفيه دليل على أن من الفصيح في الكلام الحذف والاختصار إذا
لم ينقص ذلك من المعنى شيئاً يؤخذ ذلك من قوله يدخله في
شِدقه حتى يبلغ قفاه ولم يذكر كونه يشقه بعد فحذف ذلك
للدلالة عليه بقوله فيلتئم شدقه هذا فلو كان ثقباً دون شق
ما احتاج أن يبين أنه لا يرجع إلى الآخر إلا وهو قد التأم
لأنه إذا ثقب موضع من الشدق الواحد بقي منه مواضع غير ذلك
فيرجع فيثقب فيها فيكون أكثر في تألمه لكونه يبقى له جرح
ويجرح جرحاً آخر في جنب الجرح الأول ولكن لما كان شَقَّ لم
يبق له فيه لِمَا يَرجع إلا أن يلتئم فلذلك بين بقوله
فيلتئم
وقوله فانطلقنا أي سرنا وقوله حتى أتينا أي بلغنا وقوله
إلى رجل مضطجع على قفاه ورجل قائم على رأسه بقهر أو صخرة
الفِهْر الحَجَر المدوّر والصخرة حَجَر مبسوط وقوله
فيَشدَخُ به رأسَه أي يكسره ويبالغ في كسره
وقوله عليه السلام فإذا ضربه تَدَهْدَهَ الحَجَرُ فانطلق
إليه ليأخذه فلا يرجع حتى يلتثم رأسه وعاد رأسُه كما هو
فعاد إليه فَضَرَبه هذه الصفة كناية عن شدة الضربة
بالحَجَر لأنه إذا ضرب به حتى زال عن يده وذهب إلى بُعْدِ
منه من حيث يحتاج أن يمشي إليه وحينئذ يأخذه فهذه الصفة
عندنا في هذه الدار معلومة إنه إذا كان الذي يضرب بالحجر
ذا قوة بعد ضرب الحجر في
الشيء الذي يُضرب به ويذهب عنه إلى بُعْد وربما إن أصابت
شيئاً آخر كان تأثيرها فيه كثيراً
وفيه من الكلام مثل الذي قبل من الدليل على أمور الآخرة
وعِظَمِها وعِظَمِ القدرة الربانية الجليلة وفي هذا الفصل
وفي الذي قبل دليل على أن أمور الآخرة ليست كأمور الدنيا
يؤخذ ذلك من كون هذا مضطجعاً لا يقدر أن يتحرك بلا شيء
يحبسه والآخر قاعد أيضاً بلا شيء يحبسه كلاهما مستسلم لهذا
الأمر العظيم وفي هذه الدار لا يمكن أن يُحبَس أحد لبعض ما
هو أقل من هذا
إلا بحبس شديد من وثاق أو غيره هذا من عجائب القدرة
وفيه أيضاً دليل يتبين به معنی قوله تعالی غِلاظٌ شِدَادٌ
۱ لأن قوة تلك الضربة لا تكون
إلا عن تلك الصفات المذكورة وهي من جملة التخويفات وهنا
بحث وهو لم خُص هذا العضو من سائر الأعضاء بالعذاب فالجواب
أنه هو الذي ترك السَّهَر بالتهجد بالقرآن كما يذكر في آخر
الحديث وهناك يكون البحث عليه قوله عليه السلام قلت ما هذا
قالا انطلق فانطلقنا إلى ثَقب مثل التنور أعلاه وأسفله
واسع تتوقد تحته نار فإذا اقترب اقترب بمعنى قرب كقوله
تعالى اقْتَرَبَتِ
السَّاعَةُ
2 ٢ أى قربت فإذا قربت منهم تلك بِحَرّها وهذا كناية عن
عظيم تأججها
ه ضيق
وقوله ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا منها هكذا تفعل القدر
هنا إذا كانت على النار واشتدت النار تحتها غلت فارتفع ما
فيها إلى أعلاها حتى إنه إن غفل عنها رمت بعضَه خارج القدر
فدل بهذه الصفة على عِظمَ حَرّها والحكمة في كونه مثل
التنور أعلاه ضيق لأنه أبلغ في حرارة النار لأنه تنعكس
حرارتها إلى داخل
وقوله حتى كادوا أن يخرجوا أي قربوا من الخروج وقوله فإذا
خمدت أي سكن حرها وقوله رجعوا فيها أي رجعوا إلى الحالة
الأولى وقوله وفيه رجال ونساء عراة الكلام عليه كالذي تقدم
من إظهار القدرة وعِظَمها
وهنا بحث وهو لِمَ كان من تقدم من المعذبين منفردين وهؤلاء
مجتمعِينَ فالجواب أن نقول هذا كما أخبر عزّ وجلّ في كتابه
بقوله ﴿ جَزَاءً وِفَاقًا ۳ لما لم تكن هذه المعصية في هذه
الدار إلا في جمع - والجمع ينطلق في اللغة على الاثنين
فصاعداً - وهَتَكا ما أُمِرا به من ستر العورة كان هنالك
كذلك حكمة حكيم وهؤلاء هم الزناة كما يأتي بعد
وفيه فائدة كبرى لمن رُزِق التصديق به والإيمان وأعني
بالتصديق الذي يكون حقيقياً وهي إن تحرك من النفس أو من
الشيطان باعث لمثل هذا يذكرها هذه الحالة المهلكة فترجع عن
غيها ولهذا وما أشبهه أعلمنا به لأنه ليس من يخاف عقاباً
على الجملة لا يدري قدره مثل من يخاف
عقاباً معلوماً
هذا في الخوف أبلغ كما ذكر عن بعض المتعبدين أنه حسده ناس
من شياطين الإنس
۱ سورة التحريم من الآية ٦
سورة القمر من الآية 1 ۳ سورة النبأ من الآية ٢٦
٥٠٢
في حاله المبارك فأرادوا أن يُوقعوه فأخذوا امرأة في غاية
الحسن والجمال بعدما علموها ما تقول له وكيف تستدرجه
وزيّنوها ثم تلاحوا بينهم حتى أظهروا كأنهم يقتتلون في
شأنها وكأنها ابنة أحدهم ثم جاؤوه يرغبون منه لعله يمسكها
الليلة في بعض زوايا بيته حتى يعودوا إليه أو ما يشبه هذا
المعنى فامتنع فما زالوا في المَكْرِ به حتى أنعم لهم في
ذلك وهو لا يعرف لها صورة فلما جَنَّ الليل وهو مشتغل
بعبادته وإذا بها قد أنته على تلك الحالة بصورة خوف
لحقها تستجيرُ به لتُرِيَه وجهَها وتجلس معه بادية الوجه
بالقرب منه فلم تزل تكيد عليه حتى راودته وعزمت عليه
بالفاحشة فلما رأى جدّها قال لها أمهلي يسيراً وأخذ دهناً
وألقاه في المصباح وزاده فتيلاً فلما قويت شمعته جعل عليها
أصبعه وتركها ساعة والنار تتقد فيها حتى اشتد عليه ألم
النار صاح صيحة وغشي عليه وأدركها هي الرعب من حاله وصدقه
مع الله فكفّت فلما أصبح وأتوها وأخذوها وسألوها أخبرتهم
بما جرى فارتجعوا عنه وقال بعضهم
فكيـ
على البَرْدِ ليس تَقْوَ ولا على أيس
ـوَى لِحَرِّ نـ
وَقودُهـ
ـرارَه الناسُ والحِجارَه
وقوله عليه السلام فقلت ما هذا قالا انطلق فانطلقنا حتى
أتينا الكلام على هذه الألفاظ كما تقدم أولاً وكذلك تلك
البحوث هل ما رآه عليه السلام حقيقة أو تمثيلاً في كل وجه
يتكرر البحث فيه والجواب عليه على حد واحد فإن القدرة لا
تعجز عن شيء
وقوله على نهر من دم فيه رجل قائم وعلى وسط النهر - قال
يزيد ووهب بن جرير عن جرير بن حازم وعلى شط النهر - رجل
بين يديه حجارة فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن
يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فردّه حيث كان فجعل كلما جاء
ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان الكلام على ما فيه من
أمر عظيم القدرة كما تقدم وما فيه من حذف بعض الألفاظ
للدلالة عليه كالكلام على ما كان قبل والحذف الذي هنا قوله
رمى الرجل في فيه ولم يذكر الذي على حافة النهر وإنما حذفه
لدلالة الكلام عليه قبل ولأن فيه الألف واللام وهي للعهد
أي الرجل المعهود وهو المذكور قبل وفيه حذف آخر وهو قوله
كلما جاء ليخرج رمى في فيه وسكت عن ذكر الرجل وموضعه وإنما
سكت هنا أيضاً عنه لما دل عليه الكلام أولاً لأنه لم يذكر
في القضية إلا رجلين لا ثالث لهما وبين موضع كل واحد فإذا
ذكر ما فعل بالواحد لم يفهم أنه فعله إلا الثاني
1 الواو زائدة في جواب لمّا ٢ أي كائن حقيقة أو تمثيلا
٥٠٣
وهنا بحث وهو لم كان من تقدم قعوداً لا يتحركون وهذا يخوض
في هذا النهر ويرجع فالجواب أنه لما كان الذنب الذي أوجب
هذا هو أكل الربا والربا في هذه الدار لا يكتسب في الغالب
إلا بالذهاب والرجوع فكان عذابه من ذلك الجنس
وكونه دماً إنما كان ذلك كذلك لأن الدم ثخين ثقيل والخوض
في الشيء الثخين الثقيل من أتعب الأشياء ثم زيد لذلك
التألمُ بريحه ثم زيد كذلك رَمْيُ الحجر في فيه لأن به كان
يأكل الربا فكان ذلك عذاباً على عذاب مضاعف ثم انظر إلى
قدرة القادر كيف تزيده الآلام إذا أراد الخروج ثم إنه مع
ذلك لا يقدر أن يقف في ذلك الموضع حيث هو لشدّة ما هو فيه
فيروم لعل راحة فيزيده بلاء على بلاء كما قال بالبعد أشقى
وبالقرب لا أستريح فما هي إلا الآلام تتأكد وتفيح" وقوله
عليه السلام قلت ما هذا قالا انطلق فانطلقنا حتى انتهينا
إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة وفي أصلها شيخ وصبيان ورجل
قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها الروضة الخضراء هي
أحسن الروضات وهنا تحققنا أن هذا تمثيل لا حقيقة للموضع
لأنه ذكر بعد أن هذا الشيخ إبراهيم عليه السلام والصبيان
أولاد الناس وذكر عن الرجل الذي يوقد النار أنه مالك
والكلام على توجيه البقعة والشجرة وما معناهما عند ذكره ل
لذلك يأتي في آخر الحديث وقوله عليه السلام فصعِدًا بي
الشجرة فأدخلاني داراً لم أرَ قَطُّ أحسن منها من أكبر
الأدلة على أن أمور الآخرة لا تطيق العقول فهمها إلا بعد
علم أشياء عديدة وتوفيق ونظر في مثل هذا المثال الذي جعل
فيه الشجرة طريقاً إلى الدار لا يقبله العقل بديهة فإذا
بين له على ما أذكره بعد إن شاء الله زاد إيمانه وقويت
عظمة الله تعالى في قلبه
وقوله عليه السلام فيها شيوخ وشباب ونساء وصبيان ثم
أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فيه دليل على أن هذه الدار
الأولى كانت في بعض الشجرة يؤخذ ذلك من كونهم حين خرجوا من
الدار صعدوا في الشجرة
وقوله فأدخلاني داراً هي أحسن وأفضل فيها شيوخ وشباب قلت
طَوَّفتماني الليلةَ فأخبراني عمّا رأيتُ قالا نعم الذي
رأيته يشق شدقه قد تقدم الكلام على هذا أولاً غير أنه ما
ذكرناه هناك من الشق وكان مضمراً عاد هنا ظاهراً وعاد
الإدخال الذي كان هناك ظاهراً هنا
مضمراً
1 البيت مضطرب الوزن و تفيح تشتد وتهيج
٥٠٤
وقوله فكذاب يحدث بالكذبة تُحمل عنه حتى تبلغ الآفاق
فيُصنَع به إلى يوم القيامة هكذا لا يفتر زائداً على ما
لَهُ يوم القيامة من العذاب الأليم
أقسام الكذب 1
ونحتاج هنا أن نعرف الكذب الذي هو هذا عذابه فنقول والله
المستعان إن الكذب ينقسم على خمسة أقسام فمنه واجب وصاحبه
مأجور ومنه مندوب وصاحبه مأجور أيضاً على ما أبينه بعد
ومنه مباح ولا أجر فيه ولا إثم على قائله ومنه حرام وهو
الذي عليه هذا الوعيد العظيم
ومنه مكروه
فأما الواجب منه فهو أن تعرف شخصاً في موضع ويسألك عنه من
تعلم أنه يسفك دمه ظلماً وعدواناً فيتعين عليك في هذا
الموضع الكذب وتقول لا أعلم وإن حلفك تحلف وتُوَرّي في
قلبك بأن تقول أعني موضع قعوده أو هل هو واقف أو مضطجع
فإنك لا تعرف في أي موضع الآن من البيت الذي هو فيه هل في
الزاوية اليمنى أو اليسرى أو وسط البيت أو في موضع الحاجة
لأنه من يحلف على غير حق عليه اختلف العلماء فيه هل اليمين
على نية الحالف أو على نية المحلوف له على ثلاثة أقوال على
نية الحالف أو على نية المحلوف له أو على نية الذي أرادها
أولاً ولم يختلف أحد منهم على أنها إذا كانت في حق عليه
فإنها على نية المحلوف له لقوله صلى الله عليه وسلم اليمين
على نية المحلوف له فإن صدق هنا ودله عليه كان قد شارك في
قتل مسلم بغير حق وقال مَن شارَكَ في قتل مسلم ولو بشطر
كلمةٍ جاء يوم القيامة وبين عينيه ايس من رحمة الله ۳ وما
أشبه هذا النوع فالكذب فيه واجب ومن فعل واجباً كان
مأجوراً وأما المستحب فالكذب في الحرب مع نزيله لقوله و
الحرب خدعة 1 فيكون مأجوراً لاتباعه السنة في ذلك الموطن
ونحتاج أن نبين هذا الكذب بالمثال من أجل أن ٥ تعطيه العهد
ثم تقتله وتظن أن ذلك هو الكذب الجائز في الحرب وهو أن
فعلته نقض عهد ونقض العهد حرام لا يجوز وقد كان عمر رضي
الله عنه يكتب إلى جيوشه بالأمصار من بلغني عنه أنه قال
للعلج مُطَّرس ثم قتله قتلته به و مُطْرس بلغتهم الأمان
الأمان
۱ هذا العنوان وضعناه لبيان ما يلي من تفصيل وليس موجوداً
في الأصل
نص الحديث اليمين على نية المستحلف رواه مسلم وابن ماجه عن
أبي هريرة رضى الله عنه الحديث من أعان على قتل مسلم بشطر
كلمة لقي الله يوم القيامة مكتوبٌ بين عينيه آيسٌ من رحمة
الله أخرجه ابن ماجه والبيهقي عن أبي هريرة والطبراني عن
ابن عباس رضي الله عنهم
۳ نصر
٤ حديث صحيح متواتر ٥ يريد من أجل خشية أن
040
فمثال الكذب الذي يجوز في الحرب أن يقول لنزيله مَنْ ذلك
الشخص الذي خلفك وليس وراءه أحد من أجل أن يلتفت فيتمكن
منه أو يقول له ما بال حزام سرجك محلولاً تريد أن تريني
حُسن ركوبك فإما أن يلتفت إلى حزام سرجه فيتمكن منه وإما
أن يدخله الشك فيبقى يشتغل بحبس نفسه في سرجه فَتَقِل
شطارته لذلك فيكون أمكن منه وما يشبه هذا النوع
وأما الكذب المباح فمثل أن يكون الشخص قد فعل شيئاً ونسي
أنه فعله فيسأل عنه فيقول
لم أفعله فهذا من قبيل المباح لأنه قال لا إن الله تجاوز
عن أمتي الخطأ والنسيان۱ تجاوز عنه فلا إثم عليه ولا هو
أيضاً فيه مأجور فهذه صفة المباح أعني في عدم الإثم وعدم
الأجر فما كان هذا سبيله من جميع الأشياء فهو مباح وأما
المكروه فهو ما يَعِدُ بِهِ الرجل امرأته من الإحسان ولا
يفي لها به لقول سيدنا الله للسائل الذي سأله أأكذب
لامرأتي فكره ذلك فقال له أعِدُها قال افعل
وقد ذكر بعض الناس أنه إن اشترى حاجة لامرأته ليست بواجبة
عليه إلا من طريق الإحسان لها ويخبرها عن ثمنها بأزيد مما
دفع فيها أنه من قبيل المكروه لأنه لا يترتب عليه إلا
مصلحة نفسانية وهي كونها تطاوعه في كل ما يريد ولا يترتب
عليه أيضاً مفسدة كما أخبر في الحديث من فتح باب ضرر
للمسلمين بكذبه وقد قال الله في حديث آخر من ضارّ بمسلم
ضرّ الله به مثال ذلك أن يُسأل شخص قد جاء من بلد إلى بلد
آخر عن سعر ذلك البلد الذي جاء منه فيخبر أرفع مما هو
فيخطر لأحد أهل ذلك الموضع أن يجلب إليه الطعام لما يرى من
الفائدة في ذلك السوم الذي أخبر به الكذاب فإذا أتعب نفسه
وغرَّرَ بها وبِمالِهِ وبلغ البلد وجد السعر ناقصاً عما
قيل له فخسر في ماله وتغير حاله وخاطره وكثرت عليه المفاسد
وسبب ذلك تلك الكذبة هذا وما يشبهه هو الممنوع
وأما الحرام الذي عليه هذا الوعيد العظيم فهو المتعهد
للكذب بلا عذر مما تقدم ولا مما يشبهه وقد قال لا يزال
الرجل يتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذاباً ۳ وهو الذي
يقول الله ضد الحق عامداً لذلك وقد جاء أن الرجل يُحاسب
على الكذيبة وهي أن تنفلت منه دابته فيروم
۱ بقية الحديث وما استكرهوا عليه أخرجه ابن ماجه عن أبي ذر
والطبراني والبيهقي في الأفراد والحاكم في المستدرك عن ابن
عباس رضي الله عنهم
لم نقف على مصدره
۳ أوله عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر أخرجه الإمام
أحمد والبخاري في الأدب المفرد ومسلم
والترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه
0
ذا
ن
C
أخذها فلا يطيق ذلك فيُخرج لها التعليقة التى كانت تأكل
فيها العلف ليريها أن بها علفاً وليس فيها شيء فتأتيه
فيأخذها فإذا كان السؤال عن مثل هذا فما بالك بغيرها
وقوله يفعل به إلى يوم القيامة إذا كان هذا من حين موته
إلى يوم القيامة فكيف حاله يوم القيامة لو لم يكن إلا ذلك
لكان أمراً عظيماً وفيه دليل على أن لأصحاب المعاصي عذابين
عذاباً في قبورهم وعذاباً آخر يوم القيامة
وقوله والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه الله القرآن فنام
عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار يُفعل به إلى يوم القيامة
فيه دليل لأهل السنة الذين يقولون إن أفعال العبد كسب له
وخَلْق لربه يؤخذ ذلك من قوله علمه الله القرآن فأضاف
حقيقة التعليم إليه - عزّ وجلّ ـ وإن كان
العبد قد تسبب فيه بالدرس والاجتهاد
وهنا بحث وهو كيف يقع العذاب على ترك القيام بالليل وهو من
جملة المندوبات والمندوب لا يعذَّب عليه تاركه فالجواب أن
نقول قد اختلف العلماء في وجوب قيام الليل فمنهم من قال
بوجوبه والذي قال بوجوبه قال هو قدر فواق ناقة أي قدر ما
تحلب الناقة فعلى هذا القول فالحديث له فيه دليل فلا بحث
على هذا الوجه ومنهم من قال إنه مندوب وهم الجمهور وعلى
هذا يقع البحث والجواب عنه من وجهين
أحدهما لما كان يُعذَّب على غير الكبائر اتبعتها الصغائر
لقوله تعالى ﴿ إِن تَجتَنِبُواً كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ
عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ 1 فدل على أنه
إن لم يجتنب الكبائر يعذب على الجميع وليس ترك مندوب متفق
عليه كمندوب مختلف في فرضيته أو ندبيته فبهذا نلحقه
بالصغائر وإن كان عند الأكثر مندوباً من أجل خلاف بعض
العلماء في وجوبه كما تقدم
و الوجه الآخر هو أنه قد جاء أن العبد يُنظَر يوم القيامة
في صلاته فإن أتى بها فحسن
وإن كانت ناقصة قال الله تعالى انظروا إلى عمل عبدي إن كان
له نوافل أكملوا منها صلاته
ومثل ذلك في كل الأعمال إذا لم يكملها وله نافلة من جنسها
جبرت منها فضلا من الله ورحمة فلما ترك هذا قيام الليل
الذي يجبر به ما ضيعه من صلاة نهاره عذب عليه لكونه لم
يفعل ما يجبر فرضه فتكون تسميته بالعذاب ليس من أجل نفسه
وإنما هو من أجل ما نقصه من فرضه ولم
۱ سورة النساء من الآية ۳۱ ٢ أوله إن أول ما يحاسب به
العبد يوم القيامة من عمله الصلاة أخرجه الترمذي والنسائي
وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه
٥٠٧
يفعل ما يجبره فالعذاب في الحقيقة إنما هو ما نقص من فرضه
وقد قال جل جلاله إِنَّ نَاشِئَةٌ الَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ
وَطْنَا وَأَقْوَمُ قِيلا ۱ وهذا الوجه هو الأظهر والله
أعلم ولذلك استحب العلماء كثرة النوافل من جميع أنواع
المفروضات من أجل ما يتوقع من نقص الفرض
وقد يحتمل أن يكون المراد بقوله نام عنه بالليل أنه ترك
صلاة الليل فيكون اللفظ عاماً والمراد به الخصوص لكن بشرط
ألا يكون نومه غلبة فإنه إذا غلبه النوم كان معذوراً لقوله
عليه السلام من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها
فذلك وقت لها ۳ لكن هذا الشرط لا يسوع أن يشترط إلا إن كان
هذا الحديث الذي نحن بسبيله بعد حديث الرخصة في النوم عن
الصلاة ٣ وهو حديث الوادي وإن كان قبله فهو على العموم كان
النوم بغلبة أو غيرها والانفصال عنه من ثلاثة أوجه - كما
ذكرنا - وأظهرها الثاني منها والله أعلم
واحتمل وجهاً رابعاً وهو أن يكون كنَى عن تضييع عمل النهار
بقوله لم يعمل فيه بالنهار وكنى عن ترك العمل في الليل
بالنوم لأنه أبلغ في الترك
وقوله والذي رأيته في الثقب فهم الزناة قد تقدم الكلام
عليهم وبقي فيه بحث وهو لِمَ كان العذاب لمن تقدم ذكرهم في
بعض الجوارح دون بعض وللزناة في البدن كله فالجواب لما كان
من تقدَّم ذكرهم معصيتهم بعضو دون عضو كان العذاب كذلك
ولما كان الزنا يتلذذ به البدن كان العذاب لجميع البدن
ولوجه اخر أيضاً لأنه من أكبر الكبائر لأنه قد جاء أنه لا
يهتز
العرش إلا لنطفة مني حرام أو قطرة دم حرام 4 وقد يكون
لمجموعهما وهو الأظهر والله أعلم
جميع
وقوله والذي رأيته في النهر أكل الربا قد تقدم الكلام عليه
أيضاً لكن بقي هنا بحث وهو
كون المساق واحداً ومن محتملاته الحقيقة والمجاز فلم سكت
عنهما هل اختصاراً أو ليس فالجواب إن قلنا إن الكل تمثيل
فالحكم واحد ويكون سكوته اختصاراً وإن قلنا إن الكل وما
فعل حقيقة فالمتقدم ذكرهم ما عدا الزناة وأصحاب الربا قد
يكون يفعل بهم ما قدر عليهم من العذاب وهم في قبورهم وأن
هذين المذكورين يكونان مثلهم مثل آل فرعون لعظم ما أتوا به
بهم
۱ سورة المزمل الآية ٦
لفظه من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا
ذكرها وفي رواية لا كفارة لها إلا ذلك أخرجه الإمام أحمد
والشيخان والترمذي والنسائي عن أنس رضي الله عنه
۳ انظر سنن النسائي ١/ ۹٥ - ۹۹ ففيها روايات لأحاديث عن
إعادة من نام عن الصلاة وكيفية قضاء الفائت
منها
٤ لم نقف على مصدره
۵۰۸
وقد قال تعالى في ال فرعون النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا
غُدُوا وَعَشِيّا ويوم تقومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا عَالَ
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ۱ والقدرة صالحة فيكون
سكوته على هذا الوجه مستدعياً للفكرة
والاعتبار
وقوله والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم فيه بحث وهو ما هذه
الشجرة التي الدور في أعلاها وإبراهيم عليه السلام في
أصلها فالجواب أن الشجرة هـ شجرة الإيمان والإسلام لقوله
تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً
طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ
وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِ أُكُلَهَا كُلَّ حِينِ
بِإِذْنِ رَبِّهَا وكون إبراهيم عليه السلام في أصلها
فلأنه الأب لجميع المؤمنين لقوله تعالى مِلَّةَ أَبِيكُمْ
إِبْرَهِيمُ هُوَ سَمَّنكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبل ۳
والآب هو
الأصل فكان ذلك تمثيلاً حسناً جداً
وقوله والصبيان حوله فأولاد الناس احتمل الألف واللام هنا
أن تكون للجنس فيكون المراد أولاد المؤمنين والكافرين لأنه
قد جاء أن أولاد الكفار يكونون في الجنة خدماً للمؤمنين
لأنهم على فطرة الإسلام فيكونون بعد في أصل الإسلام و لا
اله الا الله و قد قال ما من مولود يولد إلا على الفطرة
فأبواه يُهَوّدانه أو يُنصرانه أو يُمَجِّسانه ٤ واحتمل أن
تكون الألف واللام للعهد فيكون المراد أولاد المؤمنين ليس
إلا لأنه قد جاء في أولاد الكفار أنهم من ابائهم وأما
كونهم في أصل الشجرة والدور من فوقهم فلأن تلك الدور هي
دور الأعمال أي درجات الأعمال كما يذكر بعد والصبيان ماتوا
وهم دون التكليف وليس لهم ما يدخلون به تلك المنازل حتى
يتفضل الله عزّ وجلّ عليهم بما شاء وفيه دليل على أن أولاد
المؤمنين مؤمنون لكونهم مع ابائهم وقد اختلف العلماء فيهم
هل هم من المقطوع لهم بالجنة أو هم في حكم المشيئة على
قولين وسبب اختلافهم اختلاف الأحاديث فإنه قد جاء عنه أنه
قال في حقهم عصفور من عصافير الجنة ٥ وجاء عنه أنه قال
الله أعلَمُ بما كانوا عاملين ٦ وأما الروضة فهي كناية عن
أصل الخلقة لأنه قد جاء أن آدم عليه السلام كانت طينته من
1 سورة غافر من الآية ٤٦ سورة إبراهيم من الآية ٤ و ۵
۳ سورة الحج من الآية ۷۸
٤ قطعة من حديث أخرجه الشيخان وأبو داود عن أبي هريرة رضي
الله
٥ سبق تخريجه في الحديث ۳
٦ سبق تخريجه في الحديث ٢٣
09
جميع بقع الأرض طيبها وخبيثها وسهلها ووعرها ۱ فالمؤمنون
من الأرض الطيبة التي تلك الشجرة فيها وهي شجرة الإيمان
وبها نباتها فلا ينبت الطيب إلا فى الطيب كما قال تعالى
وَالطَّيِّبَتُ لِلطَّيِّبين والكافر من الأرض الخبيثة
والأرض الخبيثة لا تنبت إلا خبيثاً مثل الحنظل وما أشبه
كما قال تعالى ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ
خَبِيثَةٍ أَجْتُنَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا
لَهَا مِن قَرارِ ۳ وقوله والدار الأولى التي دخلت الجنة
دار عامة المؤمنين لأجل أنها دار عامة المؤمنين
كان فيها الرجال والنساء والشباب والشيوخ لأن هذه الأربع
صفات احتوت على جميع أنواع المؤمنين وفيه أيضاً تحقيق لما
ذكرنا أن الشجرة هي عبارة عن الإيمان لأن الإيمان هو
الطريق إلى
الجنة بلا خلاف
وقوله وأما هذه الدار فدار الشهداء لأجل أنها دار الشهداء
لم يكن فيها إلا شيوخ وشباب وهنا بحث وهو لِمَ لَمْ يكن في
الدار التي للشهداء إلا نوعان شيوخ وشباب ولم يكن فيها
نساء وقد عد في الشهداء المرأة تموت حاملاً شهيداً والمرأة
تموت بِجُمْعِ ٤ شهيد فالجواب أنه لم يختلف أحد في أن أعلى
الشهادة القتل في سبيل الله وإن كان الشهداء سبعة كما جاء
في الحديث المبطون والمحترق والغريق وصاحب الهدم وصاحب ذات
الجنب والمرأة تموت حاملا والشهيد فإنما المراد هنا تبيين
فضل الشهادة في سبيل الله من أجل التحضيض عليه والله أعلم
وهنا بحث وهو لِمَ أخَّرا الإخبار له عليه السلام بما رأى
إلى آخر الرؤيا ولم يخبراء عند كل قضية بها فالجواب أن
تأخيرهما الإخبار إلى آخر الرؤيا فيه من الحكمة التيسير
لجمع
1 أصل الحديث إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع
الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض جاء الأحمر والأبيض
والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب وبين ذلك
أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي عن
أبي موسى رضي الله عنه
منهم
سورة النور من الآية ٦ ۳ سورة إبراهيم من الآية ٢٦
رضي
٤ بِجُمْع مثلثة الجيم ساكنة الميم أي ماتت وولدها في
بطنها وقيل إذا ماتت عذراء أيضاً ٥ كثيرة هي الأحاديث التي
تعدد الشهادة منها حديث جابر بن عتيك أن رسول الله جاء
يعود عبدالله بن ثابت الله عنه فوجده قد غلب عليه إلى أن
يقول قال النبى الله الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله
المبطون شهيد والغريق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد والمطعون
شهيد وصاحب الحريق شهيد والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة
تموت بجمع شهيد رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن
حبان
في صحيحه
01
ش
مثل
سین
ـاع
لى
بها
راه
جاء
مل
د
یان
الفائدة لأنه إذا رأى شخص شيئاً وأخبر بمعناه ثم رأى شيئاً
اخر وأخبر بمعناه وتكرر ذلك في أشياء عديدة فمن الجائز أن
ينسى بعض ما قيل له وإذا أريت له الأشياء ولم يُخبر إلا
اخرا بقي الخاطر بجميعها مشغولا وإلى ما يلقى إليه
متشوّفاً فيكون ذلك أكد فى التحصيل ولحفظ ما به أخبر ولذلك
كان عليه السلام إذا كان شيء له بال يسأل ثلاث مرات الشخص
أو يناديه ثلاثاً وحينئذ يعلمه وما ذاك إلا لِجَمْع الخاطر
إلى ما يلقى إليه ونفى الالتفات للغير كما قال عليه السلام
يا معاذ ثلاثاً ومعاذ في كل مرة يقول لَبَّيْكَ يا رسول
الله وسَعْدَيْكَ ۱ فـ أخبره به إلا بعد الثلاث لتلك
الحكمة المشار إليها يخبره بالذي
وفيه أيضاً سؤال ثالث وهو لِمَ لم يُعرِّفاهُ بأنفسهما
أولاً وتركا التعريف بأنفسهما إلى آخر فالجواب لو عرفاه
أولاً لوقع الاستئناس بهما والإدلال عليهما حتى يسألهما
عما رأى أوّلاً بأول ولا يمكنهما إلا الجواب له عليه
وعليهما الصلاة والسلام لما يلزمهما من الأدب معه
والاحترام له وعند التنكير تبقى النفس مجموعة بما ترى
مشغولة بحالها وعرّفاه آخِراً بأنفسهما لِيَعلم أن ما رأى
كان حقاً كله بواسطة الملك الذي نزل بالقرآن لأن هذين لا
يدخلهما تأويل ولا يُشَك فيهما وإن كانت مرائيه عليه
السلام كلها حقاً فليس الحق كله في القوة الواقعة في
النفوس على حد سواء وللقوة في ذلك وبنوه فمنها بحسب قوة
سياسة المبلغ إليه ومنها بحسب معرفتك بحال مبلغها إليك
وفيه دليل على أن الملائكة عليهم السلام تتطور لأن سيدنا و
قد كان يعرف هذين الملكين فلما راهما على صورة لم يرهما
عليها لم يعرفهما
وقوله فارفع رأسك فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحاب قالا
ذلك منزلك فقلت دعاني أدخل منزلي قالا إنه بقي لك عمر لم
تستكمله فلو استَكْمَلْتُهُ أتيت منزلك فيه بحث وهو أن
يقال أليست هاتان الداران من الجنة وتراه عليه السلام قد
دخلهما وخرج منهما فلم مُنع عليه السلام من منزله وهو
أيضاً من الجنة حتى يستكمل عمره فالجواب أنه إنما دخل عليه
السلام هاتين الدارين وإن كانتا من الجنة لأنه ليس له
فيهما أهل لنفسه ولا لأهلهما أيضاً تعلق به كتعلقهم بمن هم
له ودخوله عليه السلام الجنة حق للنص عليه بقولهما التي
دخلت الجنة وقد رأى عليه السلام ما بين الدارين من التفاوت
وما بينهما من المسافة إلا القدر القليل والنزر اليسير
بالنسبة لما بين الدارين ولما رأى عليه السلام بعد المسافة
بين منزله وبين المنازل التى دخل وعايَنَ حصل له العلم
بعظم المنزلة وكيفيتها وهناك
1 أخرجه الشيخان عن أنس بن مالك عن معاذ بن جبل رضي الله
عنهما
۵۱۱
أهله من الحور والولدان وهم موعودون به والوعد حق لا خلف
فيه فلو وقع الاجتماع لم تمكن الفرقة للوعد الحق وكذلك
جميع القصور والأشجار التي هناك والأنهار منتظرة له عليه
السلام فهذا - والله أعلم - بمقتضى الحكمة أوجب منع الدخول
إلا بعد توفية العمر وفيه بحث ثانٍ أيضاً لِمَ أُخر رؤية
منزله عليه السلام آخراً ولم يكن ذلك أولاً فالجواب أنه قد
جرت الحكمة أن الأشياء لا يتبين قدرها إلا بمعاينة ما هو
أقل منها فأخرا الإخبار له عاين ذلك فكبرت النعمة إذ ذاك
وعظمت وأما كونه عاين منازل المؤمنين وحينئذ عاين منزله
فلان
ووج
الختام إنما يكون بأجل الأشياء ولذلك قال عزّ وجلّ
خِتَمُهُ مِسْدٌ ﴾ ۱ وقد قال بعضهم وساقي القوم آخرهم
شراباً وهو عليه السلام المخير لنا فأخَّرَ الإخبارَ
بخَبَرِهِ الخاص به
وفائدة هذا الحديث الإيمان بما فيه من الوعد والوعيد
والعمل على طريق النجاة فهي
الفائدة التي من أجلها أخبرنا بما تضمن
يا سيدي
ومن هنا فَضَل أهل الطريق غيرهم لأنهم صيروا العلم حالاً
حتى إنه يذكر عن بعض التلامذة أنه غاب عن شيخه أياماً
كثيرة فلما أتاه قال له يا بني ما حبسك عني قال له سمعت
منك آيتين فعملت عليهما لأن أتخدهما حالاً فجاهدت النفس
على ذلك حتى من الله به أو ما في معناه فقال له الشيخ وما
هما يا بني قال الأولى قوله تعالى فَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَمُ وَمَن يَعْمَلْ
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ۳ والثانية قوله تعالى
وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ
رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾ ٤
فجاهدت النفس على
ج
التزام عمل الخير ولا تترك منه ذرة وترك الشر ولا تقع فيه
بِذَرَّةٍ وعلمت أني من أحد دواب الأرض ورزقي عليه ويعلمني
وحيث مستقري فَأَزَلْتُ تعلق القلب من الرزق لوعده الجميل
لأنه لا يخلف الميعاد ولعلمه بي وأين مستقري فهو عزّ وجلّ
ييسره لي بحسن لطفه ووفاء وعده فقال له الشيخ هنيئاً لك يا
بني فلقد فقت العابدين هذا مقصود الموالي من العبيد ولذلك
قال من قال إذا كان وَعدك بالرزق لا يُخلف وطلبك الأمر من
غيره لا يُعرَف فحسبي تصديق وعدٍ لا يُخلف واشتغالي بأمر
غيره مني لا يُعرَف
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ سورة المطففين من الآية ٢٦
لفظه ساقي القوم اخرهم شربا أخرجه الترمذي وابن ماجه عن
أبي قتادة رضي الله عنه
۳ سورة الزلزلة الايتان ۷ و ۸
٤ سورة هود من الاية ٦
۵۱
حديث لا حسد إلا في اثنتين
عَنِ ابن مسعود ۱ رضيَ الله عَنهُ قالَ سَمِعتُ النَّبِيَّ
صلى الله عليه وسلم يَقولُ لا حَسدَ إلا في التينِ رَجُل
آتاه الله مالاً فَسَلَّطه على هلكته في الحَقِّ وَرَجُلٍ
آتَاهُ الله حِكمَةٌ فَهُوَ يَقضي بها
ويُعلمها
*
ظاهر الحديث يدل على جواز الحسد في الصفتين المذكورتين
ومنعه مما عدا ذلك والكلام عليه من وجوه
أحدها هل هذا الحسد هنا حقيقة أو مجاز محتمل والظاهر أنه
مجاز وهو إذا تحقق غبطة وتنافس وقد قال جل جلاله وَفِي
ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ ٢
والدليل على أنه غبطة لا حسد لأن حقيقة الحسد إنما بكون في
شيء ينتقل عادة من واحد إلى اخر بوجوه ممكنة جائزة مثل أن
يرى شخص على شخص نعمة فيريد أن تنتقل تلك النعمة إليه
ويفقدها صاحبها ولذلك قال جلّ جلاله لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ
مِّمَّا اَكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَا
1 عبد الله بن مسعود أبو عبد الرحمن صحابي ابن صحابية سادس
ستة في الإسلام من أكابرهم فضلاً وعقلاً وقرباً من رسول
الله وشهد الغزوات من بدر إلى اليرموك أجهز على أبي جهل في
بدر وشهد له النبي بالجنة وقال فيه ساقاه النحيلتان اللتان
ضحك منهما الصحابة لما تسلق شجرة أوْزَن من جبل أحد عند
الله يوم القيامة كان صاحب نعل رسول الله كان يُلبسه إياها
فإذا جلس عليه السلام جعلها ابن مسعود في ذراعه كثير
الدخول على رسول الله وكان يقال له صاحب السواك والنعل روي
له ٨٤٨ حديثاً اتفق الشيخان على ٦٤ منها ويعد ابن مسعود
مرجع الإمام أبي حنيفة وأصل مذهبه في الحديث وفيه قال خذوا
القرآن من أربعة من ابن مسعود وأبي بن كعب ومُعاذ بن جَبَل
وسالم مولى أبي حُذَيْفَة ويُقسم ابن مسعود أنه يعرف كل
اية أين نزلت وفيم نزلت ولو يعلم من هو أعلم منه لركب إليه
وكان في مرضه يشكو ذنوبه لعثمان وأوصى بناته بقراءة سورة
الواقعة أمناً من الفقر وهو أحد العبادلة الفقهاء ت ٣٢هـ /
٦٥٣ في المدينة المنورة وصلى عليه
عثمان رضي الله عنه سورة المطففين من الاية ٢٦
اكْتَسَبَنَ وَسَتَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۱ معناه لا
يطلب أحد من أحد مما أنعم الله عليه ويسألُ الله الذي أنعم
على أخيه أن ينعم عليه بفضله فإن كل نعمة من الله على
عباده إنما هي من فضله ومَنْه لا بوجوب ولا استحقاق
ولذلك قال إذا حسدت فلا تَبْغِ لأن الحسد هو ما قدمنا ذكره
من انتقال النعمة التي على شخص إلى غيره وقد يكون انتقالها
بزيادة خير للآخر مثال ذلك أن يرى شخص ثوباً على شخص
فيتمنى أن يعطيه إياه ويطلبه له فيفتح الله على صاحب الثوب
بما هو خير منه فيتصدق به على الذي حسده فيه أو يبيعه منه
فقد حصل للحاسد مقصوده وزادت النعمة على المحسود والبغي هو
أن يريد أن تنتقل النعمة من صاحبها إلى غيره بضرر يلحق
صاحب النعمة مثال ذلك أن يرى أحد بعض متاع الدنيا عند شخص
فيتمنى أن يكون ذلك المتاع عنده وصاحبه ميتاً أو مقتولاً
أو منفياً أو ما أشبه ذلك من وجوه الضرر فهذا معنى قوله
إذا حسدت فلا تبغ أي إن وقع منك حسد فلا يكون بغياً أي
بضرر لغيرك فالأولى ألا تحسد أحداً فإن أعجبك شيء من
الأشياء فاسأل الله أن يعطيك من فضله كما أعطى ذلك الشخص
فإن لم تقدر على ذلك وأبت نفسك إلا ذلك الشيء بعينه فاسأله
بلا ضرر يلحق لصاحبه فإن طلبته بضرر فذلك هو البغي وهو من
أعظم الذنوب
وقد رأيت في بعض التواريخ أن شخصاً فتح الله عليه فتحاً
عظيماً من الدنيا وكان بعض المساكين يمشي في الأزقة
والأسواق وما كان دعاؤه إلا أن يقول اللهم افتح عليّ كما
فتحت على فلان ويذكر ذلك الشخص المنعم عليه فقال له يا هذا
ما لك وما لي أما وجدت أن تسأل الله إلا مثل ما أعطاني ألا
تكف عني كلامك يزيدني شُهرة وربما قد يلقاني منه أذى فأبى
المسكين أن ينتقل عن ذلك القول وقال له ما شَتَمتُك ولا
سَبَبتك وأنا أدعو بما يظهر لي فلما قال له ذلك قال له كم
يكفيك في يومك على ما تشتهيه من النفقة فسمّى له عدداً
فالتزم له إعطاء ذلك العدد كلَّ يوم ويقعد في داره ولا
يذكره ولا يسأل أحداً فبقي يُجري عليه ذلك
المعروف حتى توفي
وهذه الحكمة المرادة في الحديث لم يُجرِ الله عزّ وجل
عادته أنه يأخذها من واحد ويعطيها آخر مثل حطام الدنيا
وكذلك المال أيضاً لأنه إذا أنفق لا يرجع إلى أحد لأنه قد
حصل في
۱ سورة النساء من الآية ۳
لفظه إذا حسدتم فلا تبغوا وإذا ظننتم فلا تحققوا وإذا
تطيرتم فامضوا وعلى الله فتوكلوا أخرجه ابن عدي عن أبي
هريرة رضي الله عنه
٥١٤
الآخرة لأنه ما حسده في المال نفسه وإنما حسده في كونه
أنفقه فـ أسقط عنه ما عليه من الحق وثبت في ديوان حسناته
ومثل ذلك مثل من يرى شخصاً قد حج كذا حقه وإنفاقه في حقه
قد وكذا حجة وجاهَدَ كذا وكذا مرة فحسده على ذلك فحقيقة
الحسد في مثل هذا إنما هو غبطة لأنه في الحقيقة تمنى أن
يفعل خيراً مثله وكلام العرب فيه المجاز كثير وهو من فصيحه
وهنا بحث وهو ما المراد بالحكمة هنا الظاهر أنها الفهم في
كتاب الله عزّ وجلّ لأن الله تعالى يقول ﴿ وَمَن يُؤْتَ
الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ۱ قال
العلماء الحكمة هي الفهم ب كتاب الله والدليل على ذلك من
الحديث قوله يقضي به أي يحكم بها ولا يحكم أحد بشيء بعد
الإسلام ويكون مأجوراً فيه إلا بكتاب الله عزّ وجلّ وسنة
رسول الله والفهم في كتاب الله كالفهم في سنة رسول الله ل
لأنهما من الحكمة والحكم بهما مخرج واحد لأنهما الثقلان
اللذان قال له فيهما لن تضلوا ما تمسكتم بهما
وتعليمهما للغير من الكمال لأنه إذا كان يفهم عن الله
ويعمل به ويعلمه فهو أعلى المقامات لأن هؤلاء هم ورثة
الأنبياء عليهم السلام وقد قال عليه السلام إذا مات المرء
انقطع عمله إلا من ثلاث ولد صالح يدعو له وصدقة جارية
وعِلم يُنتفع به بعد موته ۳ وأعلاها بَثْ العلم والعلم
الذي فيه هذا الأجر العظيم هو علم الكتاب والسنة أو ما
استنبط
منهما وقد جاء أنه من صلى الفريضة وقعد يعلم الخير نودي في
ملكوت السموات عظيماً وهنا بحث وهو هل الفهم في الكتاب
معناه فهم الأمر والنهي من التحليل والتحريم ليس
إلا فإن كان هذا فقد حصل لمن تقدم ولم يبق للمتأخر شيء منه
لأن الأصول قد تقعدت والأحكام قد ثبتت أو أن المقصود ذلك
وما فيه من الحكم وفوائد أمثاله وفهمها فإن كان هذا فهو لا
ينقضي إلى يوم القيامة ويأخذ منه المتقدم والمتأخر كلُّ
بحسب ما قسم له وإلى ذلك أشار بقوله صلى الله عليه وسلم
فيه لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الردّ ولا يشبع منه
العلماء ٤ مثال ذلك قصة موسى عليه السلام في قوله تعالى
﴿فَلَمَّا تَرَاهَا الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَبُ مُوسَى
إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي
سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ أَضْرِب
بَعَصَاكَ الْبَحْرُ فَأَنفَلَقَ
1 سورة البقرة من الآية ٢٦٩ ٢ أول الحديث تركت فيكم شيئين
لن تضلوا بعدهما كتاب الله وسنتي الخ أخرجه الحاكم عن أبي
هريرة ۳ أصله إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث الخ
أخرجه البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأبو داود والترمذي
والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه
رضي
الله عنه
جزء من حديث طويل أوله إلا أنها ستكون فتنة أخرجه الإمام
أحمد من حديث سيدنا علي رضي الله عنه
فَكَانَ كُلُّ فِرْقِ كَالطَّودِ الْعَظِيمِ ۱ ينبغي أن
نعلم ما الفائدة بالإخبار بهذه القصة لنا وما لنا فيها من
التأسي بمقتضى الحكمة ومن تقدم من العلماء لم يتعرضوا لهذا
المعنى فيما أعلم وهو مما نحن مخاطبون به لأنه لم يقص
علينا القصص عبثاً لأن الله عزّ وجلّ يقول ﴿ فَاقْصُصِ
الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
فالفائدة في ذلك - والله أعلم - أنه لما لم يخرج موسى عليه
السلام ببني إسرائيل إلا بعد ما أمره الله تعالى بذلك ثم
قام البحر أمامهم ورأوا الجمع وراءَهم وقد وقع العَينُ
بالعَين أيقنوا بالعادة الجارية أنهم مُدرَكون فسألوا موسى
عليه السلام لعله يكون عنده أمرُ من الله تعالى يفعله عند
وقوع العين بالعين لأن قولهم ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ - وهو
عليه السلام قد أبصر ما أبصروا من الجمع والبحر - ما
الفائدة فيه إلا استخراج ما عنده في ذلك فلم يكن عنده شيء
مستعد للعدو إلا أنه يعلم أن الذي أمره ووفقه لامتثال أمره
هو معه ولا يُسْلِمُهُ
فلم ينظر في ذلك إلى مقتضى العوائد الجارية ولا غير ذلك
لأن قدرة الله تعالى لا تنحصر للعادة يفعل عزّ وجلّ ما شاء
فقال جواباً لهم ﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي
سَيَهْدِينِ كأنه عليه السلام يقول بمتضمّن قوة كلامه يا
قوم ليس لي شيء أفضُلُكم به إلا قوة إيمان بالله ويقين به
وصدقٌ معه فهو يهديني لما فيه نجاتي ونجاتكم فما فرغ من
كلامه إلا ونزل عليه قوله تعالى ﴿ فَأَوْحَيْنَا إِلَى
مُوسَى أَنِ أَضْرِب بَعَصَاكَ الْبَحْرُ فجاءه الجواب من
الله بالفاء التي تعطي التعقيب والتسبيب لما أخبرهم بحاله
مع ربه في الحال أتته الهداية كما تليق بالعظيم الجليل إلى
الضعيف إذا وثق به فكان من أمْرِهم وأمْرِ عدوهم ما قص عزّ
وجلّ بعده كذلك أنتَ يا من قصَّت عليه هذه القصة إذا كنتَ
ممتثلاً لأمر ربك كما أمَرَك ولم تعلق قلبك بسواه يمدك
بالنصر والظفر في كل موضع تحتاج إليه ولا تقف في ذلك مع
عادة جارية كما فعل أصحاب موسى عليه السلام فكن في إيمانك
مُوسَوِيَّ العقل يُغرِق فرعون هواك لطفُ مولاك في بحر
التلف وكذلك كلُّ من أرادك بسوء قال عزّ وجلّ في محكم
التنزيل ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
۳ وإنما ذكرتُ هذه القصة تصديقاً لهذا الوعد الحق وهو قوله
تعالى وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ لأن
القصص إذا ذكرت بعد الوعد كانت تصديقاً له وتأكيداً
۱ سورة الشعراء الآيات ٦١ - ٦٣
سورة الأعراف من الآية ١٧٦
۳ سورة الروم من الاية ٤٧
01
﴿
وقد قال تعالى إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ۱ ونصرة
العبد الله إنما هي باتباع أمره واجتناب نَهيه وفي هذه
القصة إشارة لطيفة وهي أنه إذا كان واحد ممن هو ممتثل في
جمع وهم له مطيعون أنهم يُنصَرون يؤخذ ذلك من أنه لم يكن
على يقين موسى عليه السلام في القوم غيره فلما كانوا له
مطيعين عادت على الكل تلك البركة بذلك النصر العجيب
وفيها أيضاً إشارة وهي ! في هذا المعنى وهي أنه لما بادر
عليه السلام للأمر ممتثلاً عَلِمَ بحقيقة الإيمان أن الأمر
لا يترك من أمره وامتثل أمره فإنه خُلْف والخُلْف في حق
الله تعالى مُحال فإذا رأى المرء نفسه قد قام بأمر ربه كما
أَمَرَهُ إيماناً واحتساباً فلا يشك في النصر ولا يَدخله
في ذلك امتراء فإن دخله شك فهو ضَعْف في التصديق وإذا
ضَعُف تصديقه - وهو إيمانه - خان نفسه وهو لا يشعر وهذا من
خُدَع العدوّ وقد يُبطىءُ عليه النصر من أجل ذلك فلا يزال
مع الإبطاء يضعف إيمانه حتى يكون سبباً إلى الشقاوة العظمى
وهو من مكايد العدو وقد قال تعالى في كتابه مثنياً على من
قام بأمره في هذا المعنى الذي أشرنا إليه ومخبراً بحالهم
الجليل كيف كان ليقع بهم التأسي في ذلك الشأن فقال عزّ وجل
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ
جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَا
وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ
فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ
يَمْسَسْهُمْ سُوءُ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ
وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ٢ أي الله يكفينا والآي في
هذا المعنى كثيرة
وفيه دليل على كثرة نصحه ل لأمته وإرشاده لهم لكل ما فيه
ربحهم في الدارين يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام لا َحسَدَ
إلا في اثنتين وسمى هذه التي بين وما فيها من الخير وهي
الحكمة المذكورة وسمّى المال الذي سلطه صاحبه على هلكته في
الحق
وقد يقول السامعون أو بعضهم وأي فائدة لنا في الدنيا أو في
الآخرة إذا تمنينا أن يكون لنا مثل حال صاحب هذا المال
الذي ينفقه في الحق وماذا يعود أيضاً علينا من أن نتمنى
حالَ صاحب الحكمة التي يقضي بها ويعلّمها وليس كل الناس
فيه أهلية لذلك فيتمنى أحد شيئاً وهو يعلم أنه لا يمكنه
الحاقه مثل شخص لا يقرأ أو لا يكتب فيقول كيف أتمنى أنا
حال هذا
وهو إذا تمنى حاله بإخلاص مع الله فإن له مثل أجره لأنه
قال له إنما الدنيا لأربعةِ نَفَر رجل رزقه الله مالاً
وعلماً فهو يتقي في ماله ربَّه يَصِل به رَحِمَه ويعلم أن
الله فيه حقاً فهذا
۱ سورة محمد من الآية ٧ سورة آل عمران الآيتان ۱۷۳ و ١٧٤
۵۱۷
N
بأفضل المنازل وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً فهو
صادق النية الله يقول لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان
بنيته فأجرهما سواء وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً
فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربَّه ولا يَصِل به
رَحِمَه ولا يعلم الله فيه حقاً فهذا بأخبث المنازل وعبد
لم يرزقه مالاً ولا علماً فهو يقول لو أن لي مالاً لعملت
فيه بعمل فلان فهو بنيته ووزرهما سواء ۱ والعلم المذكور
هنا المراد به أن يعلم ما في المال من الحق وهذا القدر من
العلم يكاد لا يخفى على أحد إلا اليسير من الناس فإذا علم
أن في المال حقاً ولم يعرف كيفية إخراجه فيسأل عنه ويمتثل
ما يقال له في ذلك فعلمه أولاً أن في ماله حقاً الله وعزمه
على توفيته بالخروج وسؤاله عن ذلك وإخراجه في وجوهه
الواجبة والمندوبة عالم يطلق عليه
فأراد عليه السلام بجواز الحسد هنا الذي هو المبالغة في
التمني لأن يحصل للحاسد هذه المنزلة الرفيعة وهو لا يعلم
كما حكي أنه كان في بني إسرائيل عابد ومرت به سَنَة شديدة
فمرَّ بكثيب من رمل فتمنى أن يكون له مثله طعاماً فيتصدق
به على بني إسرائيل وكان صادقاً مع الله تعالى فأوحى الله
عزّ وجلّ لنبي ذلك الزمان عليه الصلاة والسلام أن قل لفلان
إني قد قبلت صدقته فأراد سيدنا أن يسوق لنا كل خير كان لمن
تقدم من الأمم بطريقة لطيفة وتعليم
جميل
كذلك أيضاً الحاسد لصاحب الحكمة إذا كان لا يمكنه أن يصل
إليها يحصل له أجر النية على العزم على ذلك لأنه قال له
نية المؤمن خير من عمله وقد حكي عن بعض أهل الدين والفضل
أنه دخل على أخ له مريض يعوده فقال له المريض انْوِ بنا
حَجًا اِنْوِ بنا جهاداً انْوِ بنا رباطاً فقال له يا أخي
وأنت في هذا الحال فقال إن عشنا وَفَّينا وإن مِثْنا كان
لنا أجر النية إذا كانت صادقة فهؤلاء فهموا عن الله وعن
رسوله صلى الله عليه وسلم
ثم مع ذلك يحصل له شيئان عظيمان أحدهما الندم على تضييع
العمر وقد قال الندم توبة ۳ والثاني حب أهل الخير وإيثارهم
على غيرهم وقد قال الله المرء مع من أحب ٤ وقد يزيده مع
ذلك التأسي بهم في بعض الأشياء التي يسمعها منهم ويكون
بينه وبينهم مناسبة ما
۱ مروي بالمعنى مَثَلُ هذه الأمة كمثل أربعة نفر الخ أخرجه
الإمام أحمد وهناد وابن ماجه والطبراني والبيهقي عن أبي
كبشة الأنماري رضي الله عنه ٢ أخرجه البيهقي في الشعب عن
أنس رضي الله عنه
جزء من حديث أخرجه الطبراني وأبو نعيم عن أبي سعيد
الأنصاري رضي الله عنه ٤ أخرجه الإمام أحمد والشيخان وأبو
داود والترمذي والنسائي عن أنس والشيخان عن ابن مسعود رضي
عنهم
الله
۵۱۸
والتشبه بالكرام فلاح وقد يكون صادقاً مع الله فيفتح له في
ذلك بطريق خرق العادة كما ذكر عن يوقنا في فتوح الشام مع
أنه كان لا يفقه من العربية شيئاً وما ذكرنا يوقنا إلا من
أجل بيان خرق العادة في كسب العلم ليس إلا فلما أخذ
المسلمون حصنه وأسروه أصبح وهو يتكلم بالعربية وهو يحفظ
سُوَرا من القرآن وأسلم فسأله حاكم المسلمين عن حاله من
أين أتاك هذا الأمر فأخبره أنه رأى سيدنا صلى الله عليه
وسلم في النوم وأنه هو الذي علمه ذلك وانتفع المسلمون
بإسلامه كثيراً أو يعطيه كما أعطى صاحب المال بحسن نيته
فإن المولى كريم منّان فبان ما قلنا من الدلالة على نصحه
لأمته وحسن إرشاده لهم من هذا الحديث بما أبديناه
ويترتب على هذا من الفقه وجوه منها الجد في فهم الحديث
والكتاب لما فيهما من الخير وأنه ينبغي لكل من له ولاية
على رعية ولو على نفسه الذي لا بد لكل شخص منها أن ينظر
كيف يجلب لهم الخير بحسن إرشاد منه اقتداء بهذا السيّد صلى
الله عليه وسلم
وفيه إشارة إلى أن العلم لا يكمل الانتفاع به إلا مع العمل
به يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام ويقضي بها
وفيه دليل لأهل الصوفة لأنهم يسأل بعضهم بعضاً أين مقامك
وما حالك مع ربك وما ذاك منهم إلا لأن يقع التأسي بنبيّهم
عليه السلام في ذلك الترقي ولغبطة بعضهم لبعض ولذلك قال
إذا كانت نفسي لك وكنتَ لي فأنا صاحب الدارَينِ وهما لي
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۵۱۹
حديث فضل الصدقة
عَن أبي هُرَيرةَ رَضي الله عَنهُ أَنَّ رَسولَ الله صلى
الله عليه وسلم قالَ قالَ رَجُلٌ لأَتَصَدَّقن بصدقةٍ
فَخرجَ بصدَقتِهِ فَوضعَها في يد سارق فأصبحوا يتحدَّثونَ
تُصُدِّقَ على سارق فقَالَ اللّهمّ لكَ الحَمدُ لأتصدقنَّ
بصدقَةٍ فَخرجَ بصدقتِه فوَضعَها في يد زانِيةٍ فأصبحوا
يتحدثونَ تُصُدِّق اللَّيلةَ على زانية فقالَ اللَّهمَ لكَ
الحَمدُ لأتصدقنّ بصدقةٍ فخرج بصدقتِه فوضعها في يد غَنيّ
فأصبحوا يتحدَّثونَ تُصُدِّق على غني فقالَ اللّهُمّ لكَ
الحَمدُ على سارق وعلى زانيةٍ وعلى غَنيّ فأُتِيَ فَقِيلَ
لَهُ أمَّا صَدقتُكَ على سارِقٍ فلعلَّهُ أن يَستَعِفَّ
عَن سَرقَتِهِ وأَمَّا الزَّانيةُ فَلعلها أن تَستَعفَّ
عَن زِناها وأمَّا الغَنيُّ فلَعَلَّهُ أن يَعتبر فينفق
مما أعطاه الله عَزَّ وجَلَّ
وجوه
ظاهر الحديث يدل على أن دوام حسن المعاملة مع الله يوجب
رفع المنزلة والكلام عليه من
منها الدليل على صدقة السر أنها أفضل الصدقات فيما تقدم من
الشرائع كما هي في شريعتنا يؤخذ ذلك من قوله فخرج بصدقته
فوضعها فأصبح الناس يتحدثون بالصدقة ولا يعرف
لها صاحب
وفيه دليل على جواز مفاوضة المرء مع نفسه فيما يفعله من
الخير يؤخذ ذلك من قوله الأتصَدَّقَنَّ بصَدَقةٍ ولم يذكر
مع من فدل أن ذلك كان مع النفس وفيه من الفائدة تحقيق
النية وفيه دليل على أن تحقيق العمل الله وتخليصه من
الشوائب أنجح الوسائل يؤخذ ذلك مما مُنْ عليه من البشارة
بلَعَلَّ لَعَلَّ لَعَلّ بعد بذل جهده في معروفه ورضاه بما
جرى له فيه وعلى أن التخير للصدقة مطلوب فيمن تقدم كما هو
في شريعتنا لأنه قال تخيروا الصدقاتكم يؤخذ ذلك من إعادة
الصدقة لما سمع أنها في غير مستوجب لها ولا تخلو الصدقة أن
تكون فَرْضاً فاستئنافها
۵۰
واجب لأنه إذا أعطى شخص صدقته مجتهدا ثم ظهر له بعده أنها
في غير مستحقها وجب عليه بدلها وإن كانت تطوعاً فإعادتها
مستحبة إلا أن يكون نَذرها للمساكين فعليه واجب إعادتها
حتى
يفي بنذره
وبقي البحث في هذه الصدقة هل كانت على الوجوب أو على الندب
فالظاهر من الحديث أنها كانت على الندب لكونه بعد الثلاث -
وهو في كل واحدة لم يصب من فيه لها أهلية - تعزى بالذي قيل
له ولم يُعِدِ الصدقة
وفيه دليل على أن الحكم للظاهر حتى يتبين ضده وأن العمل
على ذلك في كل الملل يؤخذ ذلك من كونه بالليل ورأى على
هؤلاء ظاهر المسكنة فعمل على ما ظهر له من حالهم وأعطاهم
الصدقة فلما تبين له غير الذي ظن استأنف العمل
وفيه تنبيه على أن الذي يخرج الشيء الله صادقاً ويكون
طيباً أن الله لا يضيع له ذلك وأنه يوقع معروفه في خير مما
قدّره هو كما قيل له آخر الحديث لعلّ لعلّ لعلّ ولعل في كل
موضع مما قيل له ليس على بابها بل هي واجبة على المشهور من
الأقاويل لأن هذه أخبار من الله
واختبار له من الله سبحانه بحسن نيته ولا يقع بها للفاعل
تسلية إلا أن تكون على الوجوب ومثل ذلك ذكر عن بعض الناس
أنه خطر له أن يتصدق بمائة دينار الله تطوعاً فجاء لبعض
أهل الطريق فقال له يا سيدي دلني على من أعطيه هذه الصدقة
فقال له اخرج غُدوة النهار على باب المدينة فأول رجل تلقاه
فأعطها إياه ففعل الرجل فلما أن خرج كما أمره به فأول رجل
لقي بعض الذين كانوا يوصفون بالدنيا وعليه أثرها فقال في
نفسه وكيف أعطي صدقة لغني ثم قال الشيخ أعلم منّي فدفع له
المال
طعاماً ورجع ورجع ومعه
فلما دفعه قامت النفس معه فقال والله لأتَّبِعه حتى أرى ما
يفعل فاتبعه من البعد حتى رآه قد دخل خربة فلما دخل رمى
فيها من تحته بشيء فنظر ذلك الشيء الذي رماه فإذا هي دجاجة
جيفة ثم اتبعه حتى دخل داره فاستمع من خلف الباب فسمعه
يقول لعياله افرحوا فقد فتح الله لكم وأخبرهم الخبر وسمع
فرحهم ثم خرج إلى السوق واشترى لهم الطعام حتى سمع فرحهم
بالطعام فتبين له فاقتهم فلم يقنعه ذلك حتى خرج الرجل
فأقسم عليه وسأله حاله فقال له إني كان لي ثلاثة أيام ما
منا من أكل طعاماً وما عندنا شيء نبيعه إلا هذه الثويبات
التي نستر بها حالنا عن الناس فخرجت لعلي أجد شيئاً أتسبب
لهم فيه فلقيت تلك الدجاجة التي رأيتني رميتها فقلت الحمد
الله هذه
نتبلغ بها اليوم وَلِغَدٍ فَرَجٌ فأنا راجع بها وأنت قد
دفعت لي ذلك المعروف فحَرُمت الميتة علينا
فرميتها فسُرّ الشخص بذلك وعاد إلى الشيخ وأخبره فقال يا
بني هذه سنة الله فيمن صَدَقه هـ
عزّ وجلّ يُهيّىءُ خير الأمور وأحسنَها
وفيه دليل على بركة التسليم والرضا يؤخذ ذلك من كونه في كل
مرة خاب سعيه ـ على جري العادة ـ ولم يضجر ورضي وسلّم
وأعاد المعاملة فأعقبه ذلك تلك البشارة وفيه دليل على أن
غلبة الشح في الغالب من الأغنياء يؤخذ ذلك من كون أحد
الآخذين غنياً وأخذ تلك الصدقة وهو غير أهل لها فلولا
زيادة الحرص فيهم ما اجتمع المال لهم في
الأغلب منهم
وفيه دليل لأهل الصوفة الذين يقولون لا تقطع الخدمة وإن
ظهر لك عدم القبول أو تحققته فليس للعبد بد من خدمة مولاه
فبدوام الخدمة يُرجى القبول ولذلك يذكر عن بعض بني إسرائيل
أنه كان فيهم عابد عبد الله سنين فأوحى الله الى نبي ذلك
الزمان قل لعبدي فلان يتعبد ما شاء هو من أهل النار فتوجه
إليه وأخبره فقال مرحباً بقضاء ربي ثم رجع إلى منزله وزاد
في تعبده أضعاف ما كان قبل ذلك وقال يا رب كنت أعبدك وأنا
عند نفسي أن ليس في أهلية لشيء فكيف الآن وأنت قد مَنَنْت
عليّ وجعلتني أهلاً لنارك وأقام في التعبد وازداد خيراً
فأوحى الله لذلك النبي أن قل له يفعل ما شاء هو من أهل
الجنة لازدرائه بنفسه وقال بعضهم لئن أردتم مني السلوّ
عنكم فليس لي منكم بد وإن أبعدتم
وهنا بحث وهو لِمَ كرّر في الآخرة الحمد على الثلاثة
والحمد منه على كل واحدة قد وقع فهو قد حمد على النازلة
الأولى والثانية فالجواب تلك مبالغة في الرضا والتسليم
فقوة كلامه تخبر كأنه يقول قد فعلت في الأولى معي كذا وكذا
وحمدتُ ورضيتُ بحكمك ثم في الثانية كذلك وإني لا أريد مع
مخالفتك ما أختاره أنا إلا الرضا والحمد والتسليم لا أتغير
عن ذلك مع تكرار حكمك بما شئت فمنك الحكم ومني الرضا
والتسليم فجاء من أخبره بذلك الخبر وبقي البحث من المخبِرُ
له وفي أي العالم فالظاهر - والله أعلم - أنه في عالم الحس
فلعله ملك من الملائكة لأنه كثيراً ما جاء أن الملائكة
كانت تكلم بني إسرائيل في بعض النوازل وفي الأخبار من ذلك
كثير أو من أرسل إليه من الصالحين بما قيل له في النوم أو
اليقظة أن يخبره بذلك أو بعض الأنبياء في وقته لأن قوله
فأتي دليل على أنه مرسل إليه من قبل الله
وفيما قيل له في حق الزانية لعلها أن تتوب - على الوجه
الذي ذكرناه أولاً - فإن توبتها على يديه خير له من الصدقة
لقوله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حُمُر
النَّعَم ۱
1 أخرجه الإمام أحمد عن معاذ رضي الله عنه بلفظ مختلف
لأن بعض الزانيات قد لا يحملها على ذلك الفعل إلا قلة ذات
اليد والحاجة وعدم الصبر على ذلك فمثل هذه إذا وجدت شيئاً
يقوم بها كفت بخلاف التي تفعل ذلك لغلبة الشهوة في ذلك
الشأن وكذلك الجواب على السارق والخير فيه أعظم لأنه يكف
ضرره عن المسلمين وأما الغني فالبحث فيه مثل ذلك غير أنه
يكون أيضاً خيره متعدياً والخير المتعدي أفضل
وفيه دليل على أن جميع متاع الدنيا هبة من الله لعباده
بغير حق يؤخذ ذلك مما قيل له فينفق
مما أعطاه الله فجعل ذلك عطية خالصة وهو مذهب أهل السنة
وهو الحق وفيه دليل على فضل هذا المتصدق يؤخذ ذلك من أنه
جمع في أمره بين الحقيقة والشريعة فأما الحقيقة فإنه لما
تصدق - كما تقدم - ولم يوافق القدر اختياره حَمِد وسَلّم
فهذه الحقيقة سَلَّم الأمر لصاحبه وأما آداب الشريعة فكونه
أعاد فعله للصدقة ثانية فعل ذلك ثلاثة كل مرة يجمع بين
الحقيقة والشريعة فهذه أعلى الأحوال على ما تقدم في غير ما
موضع مَنّ الله علينا بها بلا
محنة بمنه وكرمه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
3
حديث صدقة المرأة من مال زوجها
عائشة رضي عن بيتها غيرَ مُفْسِدَةٍ كان لها أجرُها بما
أنفقت ولزوجها أجرُه بما كَسبَ وللخازِنِ
الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا
أنفقت المرأة من طعام
ذلك لا يَنقُصُ بعضُهم أجرَ بعض شيئاً
*
*
ظاهر الحديث يدل على حكمين أحدهما أن المرأة إذا أنفقت من
طعام بيتها - غير مفسدة - كان لها أجر نفقتها ولزوجها أجر
الكسب و الثاني أن الخازن الذي يفعل مثلها له من الأجر
مثلها والكلام عليه من وجوه
منها ما معنى تخصيص النفقة بالطعام ليس إلا وما مقدارها
حتى لا تكون مفسدة وهل لذلك حدّ معلوم أو هو فقه حالي وهل
الخازن والمرأة يحتاجان للإذن في النفقة أم لا وما معنى
النفقة هنا هل على العموم أو هل على الخصوص
أما قولنا هل النفقة على العموم فليس هي إلا على الخصوص
وهي بمعنى ا الصدقة يؤخذ ذلك من قوله لها أجرها لأن الأجر
لا يكون إلا في وجوه المعروف
وأما هل يحتاجون للإذن فلا بد لهما من ذلك لأن مال الغير
لا يجوز للآخر أن يعطيه إلا بإذن صاحبه لقوله لا يحل مال
امری مسلم إلا عن طيب نفس منه ۱ إلا أن الإذن قد يكون
باللفظ أو بالعادة مثال الذي بالعادة مثل الكسرة من الخبز
توهب إلى السائل بالباب أو ما أشبه ذلك ومثل الشيء اليسير
من الملح والماء والنار والخميرة للخبز وقد قال بعض
الفقهاء
1 أخرجه أبو داود والبيهقي وابن قانع وأبو نعيم عن أبي حرة
الرقاشي عن عمه حنيفة الرقاشي وأخرجه عبد الرزاق
عن الحسن مرسلا
٥٢٤
إن ما ذكر مع قدر البيت ومتاعه إنه مما لا يحل منعه فإذا
كان على هذا القول لا يحل منعه فلا يحتاج إلى إذن في ذلك
وإن كان باقياً على أصله مثل سائر الأموال
والظاهر الندب وعليه الجمهور وأن المرء يندب إلى ذلك ولا
سيما مع نص الأحاديث التي وردت في ذلك لأنه قال الله في
الذي يعطي الملح ما معناه له من الأجر مثل من تصدق بمقدار
الطعام الذي وضع الملح فيه ۱ والخميرة مثل ذلك والنار مثل
من تصدق بقدر الطعام الذي طبخ عليها والقدر بمثل الطعام
الذي طبخ فيها ومثل ذلك جاءت أحاديث كثيرة تبين قدر عظيم
الأجر مع يسارة الشيء المعطى ولم يقل إن من لم يفعله فعليه
من الإثم كذا وكذا وهذه
طريقة المندوب
وأما حجة من قال إنه واجب إعطاؤه ومنعه لا يحل فاحتجوا
بقوله تعالى ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ٢ فقالوا الماعون
هو متاع البيت نحو الأشياء التي سمينا قبل وكالحبل وما
يشبه ذلك وفي الحديث لما أن سأل السائل ما الشيء الذي لا
يحل منعه يا رسول الله فذكر فيه مثل الماء والملح والقدر
والخميرة وما يشبه ذلك ۳
وأما الذي عليه مذهب مالك رحمه الله والجمهور في معنى قوله
تعالى ويمنعون الماعون فإنها الزكاة المفروضة والأحاديث -
إن صحت ـ احتملت التأويل وما يحتمل التأويل لا يُعارض به
النص
فأما التأويل فيحتمل أن يريد بقوله ما لا يحل منعه أن يكون
واجباً تركه من طريق الشرع واحتمل وجوباً من طريق المروءة
وحسن المعروف بين الناس لقوله إنما بعثت لأتمم مكارم
الأخلاق 4 ومنع ما ذكرنا ليس من مكارم الأخلاق ا
إلا وأما الأصل الذي هو القاعدة الكلية قوله ٥ عليه السلام
لا يحل مال امرىء مسلم طيب نفس منه والمال ينطلق على
الكثير واليسير لكن الإذن في إنفاق مثل هذا الذي ذكرناه قد
رجع بالعرف مما سمحت به النفوس من المعروف بين الناس حتى
إن طالبه لا يعاب ذلك عليه في كريم الأخلاق وأن الشح به
يتعلق به الذمّ الكثير حتى إن حابسه لوجه ما لا يقدر أن
يَحْبِسَهُ إلا أن
1 لم نقف على مصدره سورة الماعون من الآية ٧
۳
لم نقف على مصدره
٤ أخرجه الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد والحاكم عن
أبي هريرة رضي الله عنه
٥ يريد فقوله
٥٢٥
يبين عذره في يحبسه أو ينكره مرة واحدة بأنه ليس عنده
مخافة على عرضه وقد قال صلى الله عليه وسلم ما
وقى المرء به عِرضَه كُتِب له صدقة ۱
فصاحبة الدار - على ما مرت من العادة على الاختلاف الذي
ذكرناه - لا يمكن لها ٢ منع ما ذكرناه إلا أن ينص صاحب
البيت عليه في ذلك الوقت إن أعطته تكون متعدية على أحد
الوجوه وأما على الوجه الآخر فلا يحل لها منعه وإن أمرها
بذلك لأنها تكون تعينه على ترك واجب
وهذا ممنوع شرعاً وما زاد على ما ذكرناه أيضاً لا يجوز لها
التصرف فيه إلا بإذنه قولاً واحداً واحتمل له وجهاً آخر أن
يكون تعاطي ذلك بينهم من قبل السَّلف والهِبَة على العوض
وما في ذلك من الجهالة مغتَفَر لكثرة حاجة الناس إلى ذلك
وندارة وقوعه فإن الغني والفقير محتاجان إلى ذلك ولو يوماً
ما غير أنه قد يكون بعض الناس في ذلك أحوج من بعض وهو وجه
إذا تأملته ترى فيه وجهاً ما من الاستحسان وهو كثير ما
يوجد ذلك النوع في الشرع مثل المساقاة والقراض ٣ وما أشبه
ذلك تراها مستثناة من قواعد ممنوعة وأبيحت من أجل الحاجة
لذلك وقاس عليها الفقهاء سلف الرغيف من الجار تحرياً بلا
ميزان ولم يجعلوه من باب البياعات وجعلوه من باب المعروف
ومثله الدرهم الناقص بالوزن كذلك أيضاً إذا كان ذلك في مثل
الدرهم الواحد أو الإثنين لأن ذلك عندهم من قبيل المعروف
أيضاً إلا أن يقترن من أجل الفاعلين قرينة
يتبين منها خلاف ذلك فيرجع الأمر إلى أصله من المنع وما
زاد أيضاً على ذلك المقدار ممنوع وهنا بحث وهو إذا قلنا
إنها إنما أعطت ما هو واجب على صاحب المنزل أو هو مندوب
فيرجع إلى بحثنا فعلى ماذا يكون أجرها فالجواب أنها خازنة
لجميع ذلك وقد قال الخازن الذي يعطي ما أمر به طيبةً به
نفسُه أَحَدُ المتصدقين ٤ لأنه لما طابت نفسه على ذلك
وياسر أخاه المعطى له بالمبادرة بالتعجيل كرامة إدخال
السرور عليه لأنه محتمل أن يبدو للمعطي فيمنع فيكون بطؤه
في إنجاز الهبة سبباً للحرمان وتعجيله سبباً إلى تحصيل
المعروف فإنه إذا رجع المعطي والوكيل قد أنفذ أمره بعيد أن
يأخذ المعروف من يد المعطَى له وأيضاً فمن قبل الأمر فإنه
بسرعة إخراج ما أمر به أعانه على إعطاء معروفه
ووجه آخر تيسير الخازن أيضاً تزيد به نفس المعطى له
انشراحاً ومرحاً فهو زيادة في
1 أخرجه الطبراني عن جابر رضي الله عنه بلفظ ما وقى به
المؤمن عرضه فهو له صدقة ٢ أي لا يمكنها
۳ المساقاة شركة بين صاحب زرع وشجر وعامل يسقيها على نسبة
متفق عليها والقراض المضاربة أو شركة مضاربة بين صاحب مال
و عامل أو تاجر
٤ أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن
أبي موسى رضي الله عنه بلفظ آخر
٥٢٦
المعروف وما هو زيادة في المعروف فهو معروف أيضاً وزيادة
ما قدمنا ذكره فظهرت فائدة قوله أحد المتصدقين
وعلى هذا المعنى بحث وهو أن النفس قد طبعت على الشح بما
جعل بيدها من متاع الدنيا وإن كانت تعلم حقيقة أنه ليس لها
فإذا جادَت به فلها الأجر لمخالفتها ما طبعت عليه من الشح
وامتثال الأمر فإن العالم بأسره يعلمون أن ما بأيديهم من
متاع الدنيا ملك لمولاهم وأنه بأيديهم عارية وقد أُمروا
بإنفاق اليسير منه ووعدوا على ذلك بالأجر العظيم وبالبركة
في الباقي والعقاب
على الترك ورفع البركة من الباقي ومع ذلك ما تجد من يجود
بالواجب في ذلك إلا القليل وكذلك خازن المال بيده وهو يعلم
أنه لغيره وأنه مذموم على تأخيره لإعطائه ما أُمِر به من
المال وغيره وأنه مشكور ومثاب على التيسير في إعطائه ومع
ذلك ما تجد من يفعل اليَسِير في ذلك إلا القليل لأجل
التعلق الطبيعي ومن أجل ذلك قال ما يخرج المرء الصدقة حتى
يفك فيها لَحْيَي سبعين شيطانا ۱ غير أن الفرق بين الرجلين
- أعني الخازن وصاحب المال ـ أن صاحب المال قد يظن أنه لا
ينزع المال من يده ويبقى حسابه إلى الآخرة عليه وأن الخازن
قد يقول إن صاحب المال يعزله ويأخذ ماله وإن بقي فإنما
المنفعة لربه ومع ذلك الطبع يحمله على ما ذكرناه حكمة حكيم
وفيه دليل لحسن طريق أهل الصوفة فإن كل ما كان فيه مخالفة
للنفس ولم يكن ممنوعاً شرعاً فإن صاحبه في ذلك مأجور إذا
استقريْتَ هذه القاعدة بحسب قواعد الشريعة تجدها ـ إن شاء
الله ـ غير منكسرة فأخذ أهل الطريق من أجل ذلك في مخالفتها
مرة واحدة حتى إنه ذكر أن إسلام بعض رهبان النصارى إنما
كان سببه ما كان ألزم نفسه من مخالفته إياها
ـه النصراني كيف وذلك لما رأى منه بعض علماء المسلمين من
حسن العبادة ما أعجبه فسأله رأيت يعني حاله فقال له بقي
عليك شيء واحد فقال وما هو فقال أن تُسْلِمَ فأطرق ساعة ثم
أسلم فقام أهل الدير من أهل دينه بالعياط فقال لهم بم نلت
فيكم هذه المنزلة قالوا بأجمعهم بمجاهدتك نفسك ومخالفتك
لها قال لهم وهذا هو الذي جعلني أسلمت فإنه لما ذكر لي
الإسلام لم تقبل فعلمت أنه الحق وأنه ما نلت ما نلت إلا
لمخالفتها فأسلمت لمخالفتي إياها وهذا هو الدين الحق فإنها
ما تهرب إلا عن الحق وحَسُنَ إسلامه
۱ لفظ الحديث ما يخرج رجل شيئاً من الصدقة حتى يفك عنها
لحيي سبعين شيطاناً رواه الإمام أحمد والبزار والطبراني
وابن خزيمة في صحيحه عن بريدة رضي الله عنه ومعنى يفك عنها
لحيي سبعين شيطاناً أن إخراج
الصدقة يؤلم سبعين شيطاناً رجيماً حرصوا على عدم أدائها
۵۷
والبحث مع المرأة كالبحث مع الخازن سواء ومن أجل ذلك عطف
أحدهما على
الآخر ومما يقوي مذهب مالك والجمهور في هذه المسألة قوله
عليه السلام غير مفسدة لأنه لو كان واجباً لكان محدوداً
إما بالكتاب وإما بالسنة وهذه حجة مالك ومن تبعه أن ما ليس
بمحدود إما بالكتاب وإما بالسنة فهو غير واجب لأنه لا يعرف
المكلف إلى أين يبلغ ولا بماذا يقع عليه اسم مُوَفَّ بما
أمر به وأما قولنا هل له حد محدود أو هو فقه حالي الظاهر ۱
أنه فقه حالي بدليل أن الناس ليس حالهم سواء فإذا جاء سائل
يطلب ملحاً من دار مَن قد وسّع الله عليه في دنياه ومن دار
ضعيف الحال فليس الأمر في ذلك سواء لأن الذي يعطيه من وسع
الله عليه في مرة واحدة هو الذي يكفي الضعيف في سنة أو شهر
فإن أعطت امرأة الضعيف مثل ما أعطته امرأة الغني أجحفت به
وأضرته وكانت مأثومة فيما فعلت فإن قلنا بمن يقول بالفرض
على الخلاف المتقدم فإنها قد أعطت أكثر مما يجب عليه وإن
كان على الوجه الآخر - وهو أكثر مما قد طابت به النفس ـ
فهذه قد أعطت ما لم تطب به نفسه فإن الضعيف إذا أخذ مثلاً
ملحاً بثمن درهم غايته إن طابت نفسه أن يخرج منه حفنة في
مرار عدة وأما أن تعطي نصفه أو أكثر من ذلك فلا تطيب نفسه
بذلك وأما من فتح له في الدنيا إذا أخذ من ملح فلا يعز
عليه أن يبذل منها الصاع والصاعين وهو قدر ما ينفق المسكين
في سنة أو
Y-
وبية ٢
شهر وكذلك غيره من الأمور وعلى ذلك فقس ولذلك قال عليه
السلام غير مفسدة لأنها يجب
عليها أن تنظر إلى حاله وما يحتمل وما لا يشق عليه من ذلك
لو أنه راه وهذا هو فقه الحال ولذلك قال تعالى لِيُنْفِقْ
ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ
فَلْيُنفق مِمَّا ءَانَنهُ الله لا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا
إِلَّا مَا ءَاتَنهَا ۳ فإذا كان هذا في الواجب فكيف في
المندوب
وأما قولنا لم خصت النفقة بالطعام ليس إلا فلوجوه منها أنه
الذي جعل للمرأة التصرف فيه بحسب العادة عندهم وأن المرأة
هي التي و أن المرأة هي التي تُطلب بتوفية ما يحتاج
الأولاد إليه من ترتب مرافقهم في معايشهم لأن الأب ليس
عليه أن يعطيها إلا ما يكفيها وبنيها وخادماً إن كان لها
وهي المتصرفة في ذلك بحسب ما فيه المصلحة للجميع ولذلك
قالت هند أم معاوية للنبي لا اله الا الله إن أبا سفیان
رجل شحيح فهل عَلَيَّ جُناح أن آخذ من ماله سراً فقال خذي
ما يكفيك أنت وبنيك
۱ يريد فالظاهر
الويبة مقياس للحجوم بمقدار كَيْلَتين
۳ سورة الطلاق من الآية ٧
۵۸
بالمعروف ۱ وغير الطعام هي عليه أمينة ولا يجوز لها التصرف
في شيء منه إلا بالإذن ولوجه اخر أيضاً ما جرت العادة
يتصرف فيه النساء دون مشورة الرجال إلا في الطعام ليس إلا
ولوجه آخر وهو أن ما ذكرنا من متاع البيت - على جري العادة
ـ فأعلاه الطعام فإذا كان لها التصرف فيه فمن باب أحرى
غيره ولوجه آخر أيضاً لكثرة دوام الاحتياج إليه مع الساعات
بل مع الأنفاس
بخلاف غيره من الثياب وغير ذلك فبان ما في قوله عليه
السلام من طعام بيتها من الفائدة
آخر في تخصيص الطعام بالبيت هل هو ما يكون في البيت من
الطعام وإن كان محجوراً عليها التصرف فيه مثل ما يخزنه
الرجل في بيته زائداً على ما يأكله هو وعياله وما كان
خارجاً من البيت وإن كان مما هو للمرأة وأولادها إنه ما
دام خارجاً من بيتها - وإن كان لها ولأولادها - فليس لها
التصرف فيه حتى يكون في بيتها وحينئذ يكون مباحاً لها
التصرف فيه دون حجر عليها فلا يكون لها التصرف إلا بجمع
العلتين وهو أن يكون لها وإما لأولادها في بيتها وأنه إذا
كانت إحدى العلتين منفردة فلا يحل لها التصرف
فالجواب أما إنه إذا كان بالوصفين فلا خلاف في ذلك وأما
إذا كان بوصف واحد فلا يخلو أن يكون في بيتها أو خارجاً عن
بيتها فإذا كان خارجاً عن بيتها فلا يخلو أن يكون تحت
حكمها وهي المسؤولة عنه أو غيرها هو المسؤول عنه فأما إذا
كان في بيتها ـ وهو محجور عنها ـ فهي تأخذ منه بالمعروف
سرًّا كما أخبر سيدنا الله أم معاوية في متاع زوجها أبي
سفيان كما تقدم ذكره وكذلك إن كان خارجاً عن بيتها وهي
المسؤولة عنه
وأما إذا كان خارجاً عن البيت والغير هو المسؤول عنه فلا
يجوز ذلك لها لما يلحق الغير من الضرر في ذلك وقد قال لا
ضرر ولا ضرار ٣ وفيه مع ذلك تحرز آخر في قوله عليه السلام
من طعام بيتها تحرزاً من الودائع والرهون لأنها في بيتها
وليست من متاع بيتها وإن كان
طعاماً وكلامه له مجامع الفوائد
وكذلك الخازن أيضاً كل ما كان في حفظه وخزانته إذا كان
وديعة عند الذي وكله على حفظه
أو رهناً عنده فالحكم هو نفس الحكم وقوله عليه السلام
ولزوجها أجره بما كسب يعني يكون أصل المال له وإن كان لم
يكن ذلك المال مكسوباً ولا موهوباً أو ما يشبه ذلك لكن لما
كان الغالب أنه لا يتحصل المال أو الطعام
1 أخرجه الإمام أحمد والبخاري والدارمي ومسلم وأبو داود
والنسائي عن السيدة عائشة رضي الله عنها بلفظ آخر
وهو موضوع الحديث ٩٥ ٢ أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه عن ابن
عباس رضي الله عنهما
۵۹
إلا بالكسب فجاء الخطاب منه على ما هو الأصل غالباً وعلى
هذه القاعدة وقع التخاطب بين الناس وجرت عليها الأحكام
فكأنه يقول لها وللخازن الأجر من أجل تلك العلل التي عللنا
لأنه ما واحد منهما يملك من المال شيئاً وكان لمن له المال
حقاً الأجر من كون المال له ثابتاً حقاً
ولا يطرد ذلك الحكم في المعصية لأنه إذا عصى أحد المذكورين
بالمال الذي اؤتمن عليه لا يكون على صاحب المال من ذلك
الإثم شيء إذا لم يعرف بفعلهما لأنه إذا عرف به وأعانه على
ما هو عليه كان شريكه في الإثم وإذا لم يعرفه لم يلزمه منه
شيء فإنَّه ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ۱
وبدليل ما جاء أنه إذا كان شخص مع أقوام فقام ليخرج عنهم
فسلم عليهم عند خروجه أنه إن هم بقوا في خير بعده كان
شريكهم في ذلك الخير وإن بقوا في شر لم يلحقه من
ذلك الشر شيء
فهذا وما أشبهه من طريق الفضل إذا كانت الأشياء التي فيها
الخير يشرك العبيد في ذلك الخير بأدنى ملابسة أو نسبة ما
ولا ينقص أجر بعضهم من أجر بعض شيئاً وإن كان شراً لم يتعد
صاحبه أو من أعانه عليه وهو عالم بذلك قاصد له فسبحان
المتفضل المنان لا ربَّ سواه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ سورة فاطر الآية ۱۸
٥٣٠
-45-
حديث إتلاف أموال الناس
قالَ البُخاريُّ رضي الله عنه قالَ رَسولُ الله صلى الله
عليه وسلم مَن أخذَ أموالَ النَّاسِ يُريدُ إتلافها أتلفه
الله قالَ البُخاري إلا أن يكونَ معروفاً بالصَّبْرِ
فَيوْثِرُ عَلى نَفْسِهِ وَلَو كانَ بِهِ خَصاصة كَفِعل
أبي بكرٍ حينَ تَصَدَقَ بِمالِهِ وَكَذلِكَ آثَر الأنصارُ
المُهاجرينَ ونَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَن
إضاعة المال فَليسَ لَه أن يُضيع أموالَ النَّاسِ بعلَّةِ
الصَّدقَةِ
ظاهر الحديث دعاؤه ل على من أخذ أموال الناس يريد إتلافها
والكلام عليه من وجوه منها هل هذا على عمومه وعلى ماذا يقع
هذا الدعاء هل هو حقيقة أو هو كما جاء عنه أن دعاءه رحمة
وإن كان اللفظ خلاف ذلك وهل ما يقع الحذر إلا بقصد الوجهين
أعني النية والفعل وإن أقلع وتاب منه هل التوبة ترفع إجابة
الدعوة بعد استجابتها أولا فالجواب أما قولنا هل هو على
عمومه فليس هذا على عمومه لأن من الأخذ ما يسمى سرقة وقد
حدّ فيه القطع ومنها ما هو خلسة فقد حدّ فيه الغرم ومنها
ظلم وفيه ما فيه ومنها ما هو قمار وفيه ما فيه ومنها ربا
وجاء فيه ما هو معلوم ومنها خيانة وقد جاء ما فيها فكل وجه
من وجوه الأخذ على خلاف المشروع فقد جاء فيه ما جاء وما
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجمع على أحد من أمته
عقابين فإن دعاءه أكبر العقوبات والوجوه المشروعة إذا أخذ
بها أحد شيئاً فليس بحرام فكيف يدعو عليه هذا مستحيل أيضاً
فما بقي إلا وجه واحد وهو من جملة المشروعات إلا أن له
شروطاً فكثير من الناس يفعله بغير تلك الشروط فيذهب به
كثير من أموال الناس وهو السَّلف لأنه إذا احتاج طالب
السلف وما ينظر إلى الشروط التي تجب عليه وحينئذ يأخذه
فإنما قصده زوال ضرورته في الوقت ففي هذا النوع هو دعاؤه
على من أخذها بغير شروطها
٥٣١
1 يريد أما ما يقع
قال البخاري إلا أن يكون معروفاً بالصبر فيؤثر على نفسه
ولو كان به خصاصة إلا به
استثنى أن يكون كفعل أبي بكر رضي الله عنه حين تصدق بماله
وكذلك اثر الأنصار المهاجرين فنحتاج أن نبين شروط السَّلف
فقد نص عليها الفقهاء وقالوا إنه لا يجوز لأحد أن يأخذ
سَلفاً ولا ديناً إلا أن تكون له ذمة تفي بدينه على كل حال
وإلا يدخل تحت هذه اللعنة لأنه غَرَّر بأخيه المسلم لكونه
أخذ ماله وهو ليس له قدرة على أن يوفيه فإن المعطي يقول في
نفسه لولا ما الا خلابة ولا يعلم هو من نفسه أن له ما يؤدي
منه ما يأخذ مني ما طلبه لأن أخوة الإسلام تقتضي
غبن 1
ولا خيانة أو يبين له حاله ويقول له ليس لي ذمة على ما اخذ
منك هذا المال وإنما تسلفه لي فإن فتح الله عليَّ بشيءٍ
أعطيتك إياه وإلا ما لَكَ قِبَلي لَوْم فإن رضي وأعطاه على
ذلك الوجه فما غرّر به فكأنه قال له تصدَّق عليَّ بحيلة ما
فإن فعل فهو صدقة أو معروف محتمل للرد أو غيره فلا يدخل
تحت هذا الدعاء ولهذا المعنى الخفي كان دعاؤه لأنه فعل في
الظاهر فعلاً مشروعاً وفي الباطن ما أشرنا إليه
ويترتب على هذا من الفقه أن كل شيء فيه شروط ظاهرة وباطنة
فلا يجوز لأحد فعله إلا بتمام تلك الشروط أو يبين عجزه
عنها كيلا يغرّر بالغير وقد قال مَن غَشنا فليس منا وأما
الصفة التي أجاز عليه السلام معها أخذ المال - وهي ما نبه
عليها البخاري رحمه
الله عقيب الحديث بقوله إلا أن يكون معروفاً بالصبر فيؤثر
على نفسه ولو كان به خصاصة كفعل أبي بكر رضي الله عنه حين
تصدق بماله وكذلك اثر الأنصار المهاجرين رضوان الله عليهم
- فهي قوة الإيمان التي توجب كثرة السخاء والصَّبر على
الضّرّاء فإن أبا بكر رضي الله عنه أتى بجميع ماله فقيل له
ما أبقيت لأهلك قال الله ورسوله
والأنصار والمهاجرون إذا كانت لهم ضرورة ويرون غيرهم في
ضرورة ينظرون أولاً في حق أخيهم المسلم ويحملون أنفسهم على
الصبر كما فعل بعضهم حين أتى إلى النبي بعض الواردين فقال
من يضيف الليلة هذا وعلى الله ثوابه فقام بعضهم فأخذه
وحمله إلى منزله وقال لعياله عندك شيء فقالت له ما عندي
إلا شيء يسير للأولاد فقال لها نومي أولادك فإذا ناموا
قدمي الطعام فإذا قدّمته فقومي إلى السراج لِتُصْلِحِيه
فأطفئيه ونمدّ أيدينا إلى الصحفة كأنا نأكل ولا نأكل شيئاً
فلعل الضيف يشبع أو كلاماً هذا معناه ففعلت المرأة ما
أمرها
۱ الخلابة الخديعة والغبن الغلبة والنقص أخرجه الطبراني عن
ابن عباس رضي الله عنهما وللحديث بقية
به فلما أتى النبي الله صبيحة الليلة تبسّم عليه السلام
وقال له شَكَرَ الله البارحة صنيعك
مع ضيفك ۱
ومثله ما ذكر عن عليّ رضي الله عنه أنه دخل والأولاد يبكون
من الجوع فقال ما شأنهم فأخبرته رضي الله عنها بأنه من
الجوع وليس عندهم شيء فخرج فاقترض ديناراً ليشتري به لهم
ما يأكلون فبينا هو راجع به إذا أحد قرابته فسأله عن حاله
فأخبر أن عياله في جوع شديد وأنه ليس عنده شيء فدفع له
الدينار كله ودخل بيته وليس عنده شيء وكان هذا عشية النهار
ثقة
ثم خرج يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فدنا منه في
الصلاة فلما فرغت الصلاة التفت عليه السلام إليه وقال له
يا علي هلا عشيتني الليلة فتفكر في نفسه أنه ما عنده شيء
فقال له نعم بالله ثم ببركته فأتى معه إلى منزل عليّ فدخل
علي و النبي معه ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم يا بنية
ألا تعشينا فالتفت عليّ فإذا في البيت ثريد مغطّى يبخر
فقدم لهم فقال له يا علي هذا بالدينار الذي أعطيته فلانا ۳
وحمد عليه السلام الله على ما جعل في أهل بيته مِمّا أشبه
مريم عليها السلام حين قيل لها أَنَّكَ لَكِ هَذَا قَالَتْ
هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۳ وما أشبه هذا عنهم رضي
الله عنهم كثير فمن يجود بضرورته على غيره بغير حق له عليه
فكيف بحق إذا كان له عليه وبقيت هنا علة أخرى لأنه لا يأخذ
السَّلف إلا حين يكون مضطراً كما ذكرنا آنفاً فإذا كان
مضطراً ومرت به ثلاثة من الأوقات تعيّن له في مال الغير حق
واجب وهل يلزمه عند يُسْره ردّه أم لا خلاف بين العلماء
فمنهم من يقول إنه حق قد وجب فليس عليه رده ومنهم من يقول
وإن كان حقاً قد وجب فلا يسقط أداؤه إلا باستصحاب الفقر
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم إن المحتاج له أن
يقاتل صاحب المال إذا امتنع من أن يعطيه فإن قتل صاحب
المال فشر قتيل وإن قتل المضطر فشهيد ٤ أو كما قال فلما
كان هذا الأمر خفياً ولا يعلمه إلا الله والذي نزلت به
الحاجة أبقيت الأحكام في المنع على ظاهرها وأشار هنا إلى
العلة الموجبة للجواز
فعلى هذا فالسلف على أربعة الثلاثة منها جائزة والرابع
ممنوع بمتضمن هذا الحديث وما قد ذكره العلماء كما أشرنا
إليه أولاً فالأربعة الأوجه أحدها أن يكون له ذمة تفي
بدينه على كل حال فهذا جائز باتفاق و الآخر أن يبين له
حاله وأنه إنما يقترض منه ويبين له أنه ليس له
1 أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ ا
لم نقف على مصدره ۳ سورة ال عمران من الآية ۳۷
٤ لم نقف على مصدره
٥٣٣
ذمة مقابلة دينه وأنه في حكم المشيئة إن فتح الله عليه
أداه وإلا فلا يطالبه بشيء فهذا جائز وإن كان خالف فيه بعض
الناس والظاهر الجواز وقد قدمنا العلة في جوازه و الآخر أن
تجتمع فيه تلك الأوصاف التي في أبي بكر والمهاجرين
والأنصار رضوان الله عليهم وهي كثرة السخاء والصبر ولا
يقترض إلا عند الضرورة الشرعية ويكون اقتراضه بقدر ضرورته
فهذا جائز بمقتضى ما عللناه آنفاً وقواعد الشرع كلها تدل
على هذه الإشارة وتنص عليها
و
الرابع وهو أن يأخذ السلف على غير ذمة له وليست له تلك
الضرورة الشرعية ولا يبين عدمه لصاحب المال فهو الذي يدخل
تحت ما تضمنه الحديث من دعائه له ولأن الضرورة الشرعية
كثير من الناس لا يعرفها
وما أعني بـ الناس هنا إلا بعض الذين ينتسبون إلى العلم
لأنهم قعدوا لأنفسهم قواعد نفسانية وجعلوها من ضروراتهم
اللازمة شرعاً واستباحوا بها أخذ أموال الناس وقالوا نحن
مضطرون لا حرج علينا وتعيَّن لنا على الناس حق فما أخذنا
هو بعض حقوقنا وهو مصادم لما نبه عليه البخاري رحمه الله
بقوله إلا أن يكون معروفاً بالصبر تحرزاً من أن يقول هو في
نفسه حين تأخذه الحاجة أنا آخذ السلف وأجاهد النفس وأصبر
على الضيم حتى أؤدي مال الغير قيل له على لسان العلم هذا
حديث نفس وهي خوانة ۱ إلا إن كان لك صبر حتى عرف ذلك منك
وانظر هذه الإشارة حتى يعرفه العبد منه ولم يقنع أن يكون
هو قد عرف الصبر من نفسه فيما تقدم إلا حتى يعرفه الناس
ولا يكون صبره من حيث أن يعرفه الناس إلا لكثرته حتى يكون
في حكم المقطوع به و شرط ثانٍ أن يكون ذلك الصبر الذي يعرف
منه من شأن الإيثار على نفسه ومعناه أن يكون ذلك الإيثار
من أجل الله ويفضل جانب القربة إلى الله على ضرورته تحرزاً
أن يكون صبره لشهوة أو من غير اختياره لعدم الشيء وقلة
الصبر إذ ذاك ما يكون لها فائدة إلا أنها أحسن حالة من
غيرها لا يحكم لصاحبها بالوفاء عند مواقف الرجال وأنه مع
صبره أيضاً يعرف بالإيثار على نفسه مع الخصاصة ومع الحاجة
والضيق
فانظر إلى هذه الشروط هل يمكن في زماننا هذا وجودها إلا إن
كان نادراً جداً ثم بعد هذه التقييدات أعطى البخاري المثال
فقال مثل أبي بكر ولم يقنعه أن سماه إلا حتى ۳ ذكر تلك
الصفة المباركة المشهورة وهي خروجه عن جميع ما ملك إيثاراً
الله ولرسوله ثم أكدها بأن قال
۱ كذا والصواب خيانة كذا بزيادة إلا قبل حتى ۳ كذا و إلا
هنا زائدة
٥٣٤
وكذلك أثر أي الذي كان فيه الإيثار من الأنصار للمهاجرين
ولم يقل عن جميعهم إلا عن الذين
كانت فيهم تلك الصفة البكرية
ويترتب على هذا من الفقه أن المبين للأحكام يجب عليه أن
يبين جميع الأحكام وإن كان فيها ما هو نادر قد لا يمكن
وقوعه لندارته من أجل أن يقع فلا يعرف الحكم فيه فعلى
التقسيم الذي قلنا أولاً إنه - أعني السَّلف - على أربعة
أوجه الثلاثة جائزة والواحد ممنوع - على ما بيناه ـ أن هذا
في موضع التقسيم بحسب الحديث من أجل أن يعرف حكم الله بحسب
ما بينه صلى الله عليه وسلم
وأما بحسب أحوالنا اليوم وما يعرف من الأكثر من الناس -
كما أشرنا إليه - فلا يكون الجائز
منها إلا اثنين والاثنان الآخران ممنوعان الواحد لكونه
مجمعاً على منعه كما ذكرنا والثاني وهو الذي تقدم ذكره من
تعليلهم بفعل أبي بكر وإيثار الأنصار ممنوع لعدم وجود
الشروط المذكورة فيه وهو أيضاً ممنوع من باب سد الذريعة
كيلا يقع الناس فيما لا يجوز لهم وهم يظنون أنهم على لسان
العلم فالوجهان الجائزان إما من له الذمة كما قدمنا وإما
مَن يُبيّن حاله على الخلاف الذي ذكرناه
وأما قولنا هل هذا حقيقة أو هو كما جاء أن دعاءه عليه
السلام رحمة وإن كان ظاهره غير ذلك فالجواب أن كل دعاء منه
عليه السلام على طريق الزجر على ألا يفعل فعلا فهو حق وأما
الذي هو خير - وإن كان ظاهره خلاف ذلك ـ فذلك كما أخبر هو
إذا كان ذلك منه عليه السلام لأمر ما قد وقع
وأما قولنا هل لا يقع ۱ الدعاء إلا بالوصفين معاً وهو أخذ
المال والنية فهذا هو ظاهر الحديث فإذا كان أحدهما فلا
يخلو أن تكون نية دون عمل فهذه لا يلزم فيها حكم إلا أنها
نية سوء يجب عليه التوبة منها وإن كان فعلا دون نية مثاله
أن يأخذ السَّلف ويذهل عن أن يبين الشرط فهذا فيه إشكال من
أجل أن المال قد أخذه وهو لا ذمة له ولا بيَّن لصاحبه حاله
وقال الخطأ والعمد في أموال الناس سواء فهذا الحديث يحكم
له بأنه مثل من تعمد ذلك
وبنص الحديث الذي نحن بسبيله وقوله يريد إتلافها فالنية في
ذلك مع الأخذ مشروطة فمن أجل هذا هو مشكل وما هو مشكل مثل
هذا فتركه أولى لأن الدخول تحت دعائه ا ليس بالهين وإنما
بَحْثنا إن وقع ثم
1 يريد ألا يقع
٥٣٥
تاب هل إجابة الدعوة بعدما أجيبت تزول أم لا فهنا تقسيم
فلا يخلو أن تكون توبته بعدما ردَّ مال الغير الذي كان قد
أتلفه أو يتوب ولم يردّ المال لصاحبه بل كانت توبته على
ألا يفعل مثل هذا أبداً فأما إن كانت توبته بعد ما ردّ
المال فيرجى ألا يلحقه الدعاء لأن عدم المال لا يمنع
حقاً
جبر
و أن المال قد رجع إلى صاحبه فالضرر الذي كان لحق صاحب
المال قد زال عنه واستبشرنا بكون الله عزّ وجلّ قد منّ
عليه برده مال الغير أنه ما كانت نية سيدنا ل إلا أن يكون
إتلافاً لا بعده هذا قوة رجاء في فضل الله وما نعلم من
رحمته عليه السلام بأمته
وأما الذي يعترض ويقول إن السبب الذي علق به الدعاء - وهو
أخذ المال بنية أنه لا يرده ويتلفه - فقد وقع الدعاء
والإجابة في دعائه عليه السلام في حكم المقطوع به فإذا
قبلت فلا تُرَد فهو أمر محتمل من طريق الخوف والذي قدمناه
أولاً هو الأظهر والله أعلم
1 الموت
وأما إن كانت توبته إقلاعاً عن الفعل ومال الغير باق في
ذمته فشروط التوبة لم تصح بعد فنحن مع وجود شروطها فيه ما
تقدم فكيف مع عدمها لكن هو خير ممن يستمر على العمل ولعله
ييسر له في شيء يؤدي به عن نفسه أو يحله صاحب الحق فيقوى
له الرجاء إن جعلنا تحليل صاحب الحق مثل الأداء وإن قلنا
إن التحليل هنا ليس كمثل أخذ الحق فيبقى فيه توقف وهذه
المضايق الهروب منها أولى ومن أجل هذه المضايق أصل أهل
الطريق طريقهم على الصبر على الظمأ حتى إلى ولا يتعرضون
لشيء فيه خلاف كما ذكر عن بعضهم أنه لحقه جوع شديد ومجاهدة
ولم يكن له شيء ثم فتح عليه في طعام لم يرتضه فأبى أن يأكل
منه شيئاً فقالت له أمه كل يا بني وأرجو أن الله يغفر لك
فقال لها نرجو أن الله يغفر لي ولا اكله فلم يأكل منه
شيئاً مع كثرة حاجته إليه ومثل ذلك ما روي عن أبي بكر رضي
الله عنه حين أتاه خادمه بالطعام فلم يسأله إلا بعد ما أكل
منه لقمة فلما رفع اللقمة وأكلها قال له الخادم يا سيدي
عادتك لا تأكل طعاماً حتى تسأل عنه فما بالك في هذا فقال
شدة الجوع حملتني على ذلك ولكن من أين هو فأخبره أنه من
جهة كذا وسمّى له جهة لم يرتضها فأخذ أبو بكر رضي الله عنه
عند ذلك يردّ تلك اللقمة من بطنه بعد ما ابتلعها فلم تخرج
إلا بعد أمر شديد ومعالجة فقال له الخادم يا سيدي هذا على
لقمة واحدة فقال نعم ولو لم تخرج إلا بنفسي لأخرجتها فإني
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كل لحم نبت من
الحرام فالنار أولى به
۱ حتى حرف عطف والمعطوف مقدر
لفظه كل جسد نبت من سُحتٍ فالنار أولى به أخرجه الطبراني
وأبو نعيم عن أبي بكر رضي الله عنه وقد ورد
بعد هذا الحديث أبيات من الشعر نثبتها كما وردت
=
٥٣٦
وقد قيل
إذا كنت لا أمنع نفسي شبهةً ولا في مطعم
فكيف طريقي إلى التقى
كلا وبـل هــي
أثقلتني
ظلم
أتَوَرّع
وهل من لتوفيق والخيــ
ـل لي نور في القلب يوضع
ذنوب وعيدك بهــــا ـرّ نار تقلع
إلهي أرجــــــوك فــــــي تــــــوبــــة وبك أسأل كيف
أصنــ مي من يثرب إلا مــا هــديتني إلــى مــا منهــا
فبـ
وأما قوله نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعة
المال فليس له أن يضيع أموال الناس بعلة الصدقة هذا تأكيد
لما تقدم لأنه إذا منع إضاعة مال الغير عموماً فليس لك أنت
أن تخصص لفظه بأن تقول إنما أستلف من أجل أني أتصدق بما
أستلف وليس هذا من باب عموم إضاعة المال بل هي إضاعة محضة
حتى تعلمه فتقول له أستلف منك هذا المال على أن أتصدق به
على نفسي فإن فتح الله عليَّ رددتُ إليك مالك وإلا فلا
تَبِعَة لك عليَّ فإن رضي فحسن وإلا فلا
وهنا علة أخرى مع كونك خصصت عموم قول الشارع عليه السلام
برأيك وليس ذلك أن الذمة قد تعمرت حقاً والصدقة التي
أعطيتها محتملة إن قبلت أو لا فكيف يبرأ شيء متحقق بشيء
مشكوك فيه هذا ممنوع شرعاً وعقلاً
لك وهي
ولا يحملك على أن ترتكب هذا المحذور من أجل بعض أخبار وردت
عن بعض المباركين منها أن بعضهم كان في سَنَة شديدة
فاستقرض جملة مال واشترى به طعاماً وفرقه على المساكين
فلما جاء أصحاب المال يطلبون مالهم توضأ وركع ركعتين وسأل
الله الكريم ألا يخزيه معهم ثم قال لهم ارفعوا الحصير
فانظروا هل تجدون تحته شيئاً فرفعوا الحصير فإذا تحته مال
فقال لهم خذوا قدر مالِكم فوجدوه مثله سواء بسواء
فهذا السيد احتمل حاله أشياء منها أنه قد تقدمت له مع
مولاه عادة فعمل عليها وقد قال مَن رُزِق من باب
فَلْيَلْزَمْهُ ۱ وقال أصحاب التوفيق إنه من فتح الله له
باباً من خير من باب خرق العادة فذلك لسان العلم فيما يخصه
واحتمل أن يكون مجاب الدعوة وهو يعلم ذلك من مولاه بما
تقدم له أيضاً واحتمل أن كانت معاملته مع الله صادقة
فقبلها فلما قبلها لم يكن
ليضيعه عند احتياجه إليه حاشاه
۱ سبق تخريجه في الحديث ٤٨
فلا يجوز لمن ليست له من هذه الوجوه شيء أن يقتدي بمثل هذا
السيّد ولا بما يذكر من
مثله فإن مثل هؤلاء يُسلّم لهم ولا يُقتدى بهم ولا يُعترض
عليهم لعدم الحال الموجب لذلك ولذلك قال بعض من نُسب إلى
هذا الشأن إذا كان أمرك إلى مولاك مصروفاً وقلبك ببابه
موقوفاً ويدك عن الدنيا مكفوف ۱ وحالك بأمره ونهيه محفوفاً
فقد رحلت عن الدنيا وإن كنت بها موقوفاً فجعل صحة حاله أن
يكون بالأمر والنهي من كل الوجوه محفوظاً وهذه زبدة الأمر
وهو الحق الذي عليه أهل الحال والمقال جعلنا الله ممّن منّ
عليه بهما إنه ولي حميد
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
تسليماً
۱ كذا
۵۳۸
-٧٤-
مُسلم
حديث الأمر بالصدقة على كل مسلم
عن سعيد بن أبي بردة ١ عَن أبيهِ رَضِيَ الله عَنهُما
أَنَّ النَّبِيَّ قال على كُلِّ صدَقَة فَقالوا يا نَبِيَّ
الله فَمن لم يجد فَقالَ يَعملُ بيده فَيَنفع نَفْسَهُ
ويَتصدَّقُ قالوا فَإِن لَم يَجد قالَ يُعينُ ذا الحاجة
المَلهُوفَ قالُوا فَإِن لَم يَجد قالَ فَلْيَعمل بالمعروف
وليمسك عَنِ الشَّرِّ فإنَّها لَهُ صَدقَة
ظاهر الحديث يدل على الأمر بالصدقة والتسبب فيما به يتصدق
والكلام عليه من وجوه منها هل هذا الأمر على الوجوب أو على
الندب وما معنى قوله عليه السلام فليعمل بالمعروف وليمسك
عن الشر فإنها له صدقة فالجواب أما الأمر فهو على الندب لا
بالصيغة بل بالاستقراء من خارج منها قوله الله في حديث غير
هذا لا صدقة إلا عن ظهر غِنَى عند يعني وقوله عليه السلام
أيضاً في ركعتي الضحى إنها تجزىء عنه ۳ القدرة عدم
على الصدقة
وقوله عليه السلام آخر الحديث فليعمل بالمعروف وليمسك عن
الشر فإنها له صدقة وهذا من الواجب مع وجود الصدقة أو عدم
وجودها لأنه لا يجوز له أن يعمل الشر ويترك المعروف لكن
المراد في هذا الموضع ما زاد على الواجب فهو له صدقة وقد
قال عليه السلام
1 سعيد بن أبي بردة حفيد أبي موسى الأشعري هو وأبوه من
التابعين ثقة ثبت توفي في الكوفة سنة ۱۳٨ هـ لفظ الحديث لا
صدقة إلا من ظهرِ غِنى واليد العليا خيرٌ من اليد السفلى
وابدأ بمَن تَعُول أخرجه الإمام
على الأصح
أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه ۳ أخرج الإمام أحمد عن
بريدة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم
يقول في الإنسان ستون وثلاثمائة مفصل فعليه أن يتصدق عن كل
مفصل منها صدقة قالوا فمن يطيق ذلك يا رسول الله قال
النخامة في المسجد تدفنها والشيء تنحيه عن الطريق فإن لم
تقدر فركعتا الضحى تجزىء عن ذلك
۵۳۹
والكلمة الطيبة صدقة وإماطة الأذى عن الطريق صدقة ولقاء
المؤمن لأخيه ببشاشة الوجه صدقة
أو كما قال عليه السلام
ويؤخذ من هذا من الفقه أن الدين كله مطلوب فرضه وندبه
والتسديد فيهما جميعاً لقوله
عليه السلام فسددوا وقاربوا على ما مرّ الكلام عليه وفيه
دليل في فضيلة الصدقة وفيه دليل لأهل الصوفة الذين بنوا
طريقهم على البذل والإيثار حتى يروى عن جماعة منهم أنهم
كانوا لا يحتملون أن يبيت عندهم شيء من الصدقة المعلومة في
بيوتهم قوله عليه السلام على كل مسلم صدقة يعني ودلّ على
أن الكافر لا تقبل منه الصدقة لكونه خصصها بالمسلم وفيه
دليل لمن يقول إن الكافر ليس مخاطباً بفروع الشريعة يؤخذ
ذلك من كونه لم يعلق
الصدقة إلا بمسلم
ى ما في الإيمان من الرحمة والإسلام
وفيه دليل على أن اليسارة في الناس هي الأغلب يؤخذ ذلك من
كونه عليه السلام أطلق الصدقة على كل مسلم وفيهم - ولا بد
- الذي ليس له شيء وقد استدل بعض العلماء على قلة المساكين
بكون المولى جل جلاله لم يفرض الصدقة إلا ربع العشر ولم
يجعله مطلقاً إلا في نصاب معلوم وهي خمسة أو اق أو عشرون
ديناراً وما كان العليم الرحيم ليفرض لعباده شيئاً لا
يكفيهم وهو يعلم حالهم وعددهم أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ
وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ ۱ فلما علم قلة المساكين
وأن ذلك المقدار يكفيهم فرض لهم ما يكفيهم ولو أن الأغنياء
أخرجوا جميعاً ما أوجب الله عليهم من الزكوات ما احتاج
مسكين لأن يسأل أحداً
وفيه دليل على أن الأحكام تجري على الغالب يؤخذ ذلك من
كونه عليه السلام عمَّ بالصدقة جميع المسلمين وفيهم من
ذكرنا من الضعفاء وهم الذين يأخذون الصدقة المأمور بها
وفيه دليل على أن هذه الصدقة اليسير منها يجزىء يؤخذ ذلك
من كونه لم يحدّ فيها نصاباً ولا مقداراً مثل ما فعل في
الفرض وهذا أيضاً من الأدلة على أنها ليست بواجبة وقوله
فقالوا يا نبي الله فمن لم يجد قال يعمل بيده فينفع نفسه
ويتصدق فيه دليل على مراجعة العالم في تفسير المجمل وتخصيص
العام يؤخذ ذلك من قولهم فمن لم يجد
وفيه دليل على ما للصحابة من الفضل علينا - كما ذكرناه
أولاً - لأنهم تلقوا الأحكام بالخطاب وسألوا في مثل هذا
وغيره حتى بانت الأمور ووضح الحكم
۱ سورة الملك من الآية ١٤
٥٤٠
وفيه دليل على فضل التكسب لكن إذا كان على لسان العلم
ويكون عوناً على الدين يؤخذ ذلك من قوله يعمل بيده
وفيه دليل على جواز الصناعات على الإطلاق لعموم قوله عليه
السلام يعمل بيده ولم
يخص عملا دون غيره
وفيه دليل على تقديم ضرورة الشخص على الصدقة يؤخذ ذلك من
قوله عليه السلام فينفع نفسه ويتصدق فإنه أتى إثر عمل اليد
بنفع النفس وأتى به بالفاء التي تفيد التسبيب والتعقيب
وحينئذ عطف عليه الصدقة وهم ما كان سؤالهم إلا على الصدقة
وفيه إذا نظرت إشارة عجيبة لأنه لو قال يعمل ويتصدق لكان
الشخص يقول أعمل فيما أتصدق به وأبقى أنا على ما يفتح الله
لي فأشار هنا بتقديم الانتفاع له لأنه من أكبر الصدقات أن
يزيل حكمه عن غيره ويبدأ بالذي هو أهم وبعد ذلك يتصدق
وكونه عليه السلام قال ينفع نفسه لفظ جامع لجميع ما هو
محتاج إليه من ضرورات نفسه وعياله أو سكنه أو غير ذلك مما
إليه حاجة البشرية إلا أنه بقيد الشريعة فإن هذا أصل في كل
الأمور
وقوله قالوا فإن لم يجد يؤخذ منه تنويع البحث على العالم
إذا دعت لذلك ضرورة ويؤخذ منه استنباط المسائل الممكنة
الوقوع وإن لم تقع بعد وأن هذا من الدين وصاحبه مثاب وقوله
يعين ذا الحاجة الملهوف هنا بحث لم قال ذا الحاجة ونعته
بالملهوف وكل من أعان في حاجة مسلم فهو مأجور لقوله الله
في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ۱ فالجواب أن
الإعانة في الحاجة مثاب عليها لكن الصدقة أرفع كما أشرنا
قبل فلما نوّع السؤال عليه أراد أن يبقى لهم أفعالاً يكون
الثواب عليها مثل الصدقة فلما أن كان صاحب الحاجة بهذه
الصفة الزائدة - وهي كونه ملهوفاً - نبه عليه لما فيه من
زيادة الأجر على أن لو كانت حاجة دون لهف فحينئذ بزيادة
هذه الصفة يكون له مثل ما فاته من عمل الصدقة وفيه دليل
لتقعيد الأحكام بألفاظ العموم لأن الحاجة لفظ عام وكذلك
اللهف أنواع
بحسب الحاجات وأصحابها والملهوف كناية عن الحائر في حاجته
القليل القدرة على القيام بها فهو يشبه المضطر وقد يكون
أكد منه لأن المضطر قد ألف الصبر وأيقن بعجزه وهذا متلهف
من جانب إلى جانب ومن وجه إلى وجه وقد حار في نفسه ولا
يعرف من أين يكون له الفَرَج ولا
ضرورته يفيد فيها القعود والاستسلام
جزء من حديث رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أوله من
نفس عن مؤمن كربة من كُرَبِ الدنيا نفْسَ الله
منه كُربةً من كُرَبِ يوم القيامة الخ
٥٤١
مثاله من عليه دين وقد حان وقته وهو ليس له شيء وهو لا
يقدر أن يثبت عُدْمَه وصاحب الدين لا يُفتره ولا يعذره
فالقعود لا يمكنه والخلاص لا يقدر عليه ووجه الرشاد إلى
راحته لا يعرفه فحاجته أشدّ من المضطر لأن المضطر قد يفوض
الأمرَ كلَّه إلى الله ويصبر على
ما نزل به حتى يأتيه فرج الله والإعانة هنا بماذا تكون هل
تكون بالموجود أو بالإرشاد فالجواب أنه لو كانت بالمعلوم
لكانت أعلى الصدقات نعم لفظ الإعانة يقتضي بالمعلوم وغيره
لكن لمّا كان بساط الحال مما يفعل عند عدم الوجود ذكرت
إعانة الملهوف فتخصص اللفظ ببساط السؤال فقام عون هذا
الملهوف وإن لم تعطه من عندك شيئاً مقام الصدقة لما فيه من
تفريج كربه في الوقت لأن الثواب على الصدقة إنما هو لما
يدخل على أخذها من راحة نفسه ولذلك كان أكثرها ثواباً إذا
كان الآخذ أكثر احتياجاً وإذا قلت مثلا لهذا الملهوف أنا
أدلك على وجه يكون لك فيه راحة فقد أدخلت عليه من السرور
في الوقت أكثر مما يدخل على صاحب الصدقة إذا لم يكن أخذها
مثل هذا
عموم
وقوله قالوا فإن لم يجد هنا بحث كما تقدم قبل في الجواب
على قوله عليه السلام فليعمل بالمعروف وليُمسك عن الشرّ
فإنها له صدقة وهو كيف يقوم عمل واجب عن تطوع فإن العمل
بالمعروف والإمساك عن الشر مما هو واجب شرعاً والصدقة -
كما قدمنا - في هذا الموضع مندوبة فالجواب إن الأمر
بالصدقة لا يلزم منه ترك الشيء والعمل بالمعروف إنما يلزم
ذلك من قواعد الشريعة كما يندب مع الصدقة وعدمها بمقتضى
قواعد الشريعة إغاثة الملهوف والندب إلى التكسب الحلال
لينفع نفسه ويتصدق وكما يقال في حديث اخر حين ذكر الصدقة
ثم قال في من لم يجد أن ركعتي الضحى تجزىء عنها وركعتا
الضحى مندوب إليها مع وجود
الصدقة وعدمها
ـه وهي
إغاثة
فمفهوم الحديث على هذه التنويعات أنه ندب أولاً إلى الصدقة
لما فيها من الخير المتعدي فعند العجز عنها ندب أيضاً لما
يقرب منها أو يقوم مقامها لما فيها أيضاً من الخير المتعدي
وهو العمل والانتفاع والصدقة وعند عدم ذلك ندب إلى ما يقوم
مقامه الملهوف - كما بينا - ثم عند ذلك كأنه عليه السلام
يقول بعد عدم هذه المذكورات ليس في أفعال البرّ ما يشبهها
لكن من فعل شيئاً من المعروف - والمعروف هنا ما هو مندوب
إليه شرعاً من جميع المندوبات ولو إماطة شيء من الأذى عن
طريق المسلمين ولو ركعتي الضحى فمعناه أن لا تُخلِ نفسك من
فعل مندوب من المندوبات وإن قل - فإن في كل منه صدقة بمعنى
فيه أجر وإن لم تقدر على فعل شيء من المندوبات فإمساكك عن
الشر ومعنى الشر هنا ما مُنعته شرعاً - فإنه صدقة أي إنك
فيه مأجور فهذا التنويع منه الله تسلية للعاجز عن أفعال
المندوبات إذا كان ذلك عجزاً لا اختياراً
٥٤٢
ومما يشبه ذلك ما ورد أن الفقراء من الصحابة رضوان الله
عليهم لما جاءوا واشتكوا إلى النبي إن أصحابنا من أهل
الجدة سبقونا بالصدقة قال عليه السلام ألا أدلكم على ما هو
خير من ذلك تسبحون دُبَرَ كل صلاة ثلاثاً وثلاثين وتكبّرون
ثلاثاً وثلاثين وتحمدون ثلاثاً وثلاثين وتختمون المائة بلا
إله إلا الله وحده لا شريك له فذلك خير ۱ فلما بلغت
الأغنياء فعلوا كفعلهم فرجع الفقراء إليه الا الله فأخبروه
بذلك فقال لهم صلى الله عليه وسلم ذلك فضل الله يؤتيه من
يشاء ويترتب على هذا من الفقه أنا مطالبون بجميع فرائض
الدين ومندوباته وتطوعاته والشأن أن يُقدم الفرض ثم الأعلى
فالأعلى من جميع المندوبات ومن وسعه عمل الكل فنعم ما فعل
فإن فعل الأدنى من المندوبات مع القدرة على الأعلى فقد ترك
ما هو المستحب لكن لم يُخْلِ نفسه من الخير فإن لم يفعل من
المندوبات شيئاً فقد غبن نفسه غبناً كبيراً فليجتنب الشر
فإنه مأجور في ذلك فإن لم يفعل ذهب عنه الدين ولا علم عنده
نسأل الله العافية بمنّه
وفيه ردّ على بعض الأصوليين الذين يقولون إن الترك لا
يُؤجر عليه لأنه ليس بعمل لقد أخطأوا الطريق وضلّوا ضلالاً
بعيداً لكونهم أوجبوا الثواب بمجرد عقولهم وتركوا الكتاب
والسنة فأما الكتاب فقوله تعالى إن يَنتَهُوا يُغْفَرْ
لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ والانتهاء هو ترك الشيء لا شك فيه
وأما السنة فمنها نسمه عليه السلام في هذا الحديث بقوله
عليه السلام وَلْيمسك عن الشر فإنها له صدقة جمع أفعال
البر في قوله عليه السلام بالمعروف وجمع أيضاً جميع أنواع
الشر بقوله عليه السلام وليمسك عن الشرّ أي جميع أنواع
الشر قال فإنها أي من فعل
شيئاً من هذه الصفات المذكورة أو ترك شيئاً من هذه الصفات
المذمومة فإن ذلك له صدقة ولا يخطر لك أن تقول بمجموعها
تكون الصدقة فهذا لا يعطيه اللفظ وهو مذهب المعتزلة لأنهم
يقولون لا تُقبَلُ الحسنةُ حتى لا تعمل سيئة وأهل السنة
على خلاف ذلك لقوله تعالى ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ
ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَمُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
شَرًّا يَرَهُ وقوله عليه السلام في حديث غيره اتق محارم
الله تكن أعبد الناس4 والآي والأحاديث في
هذا كثيرة فسبحان من حرمهم طريق الرشاد
۱ لعله يشير إلى جزء من حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري
ومسلم من أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله الله فقالوا
ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم إلى آخر
الحديث أو إلى أحاديث تشير إلى هذه
الأعداد من الأذكار التي أخرجها علماء الحديث بطرق شتى
ومضمونها متقارب
سورة الأنفال من الآية ۳۸ سورة الزلزلة الايتان ۷ و ۸ سبق
تخريجه في الحديث ٦٦
٥٤٣
وهنا تنبيه وهو انظر إلى حكمة الشرع فإنه جعلك في إدخال
الراحة والسرور على نفس
غيرك مأجوراً إذا كان الله وإدخال الضرر أو التغيير عليها
مأثوماً ومعاقباً وفي إدخالك التشويش على نفسك أو المجاهدة
لها إذا كانت الله كنت مأجوراً على ذلك ولذلك قال الخضِرُ
لموسى عليهما السلام وزَعزع بالخوف قلبك فإن ذلك مما
يُرضِي ربَّك فانظر هل تعرف لذلك حكمة أو هو مما يُلقى
تعبداً أو امتثالاً لا غير قد تقدم الكلام في غير ما موضع
أن الحكيم لا يفعل شيئاً إلا عن حكمة والحكمة هنا خفية
ظاهرة وهي - والله أعلم - لأن السرور إذا أدخلته على نفسك
وإن ادعيت أنه الله فقلما يسلم من دسيسة النفس من أجل
حَظِّها وهو من باب سد الذريعة وهي قاعدة كلية في الشرع
مثال ذلك جعل مكة محلاً للجدب وعدم الزرع والمشقة التي في
الوصول إليها حتى إن المشي إليها والإقامة بها تتحقق الله
لأنه ليس في ذلك كله شيء يلائم النفس بخلاف أن لو كانت مثل
دمشق في الفواكه والخضر فقلما كانت العبادة تخلص فيها من
أجل حظ النفوس في
الخصب والفرجة
ولوجه آخر أيضاً فإن إدخال السرور على الغير إذا كان الله
خالصاً قلما يخلو من تعب النفس بوجه ما أقل ما فيه أنها
تريد جمع الحظوظ من الخير لها وكونها تؤثر بها غيرها فقد
حصل لها تعب في الباطن وهو أشده فتمحضت العبادة بالإخلاص
الذي هو أصلها لقوله عزّ وجلّ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ۱
فبين الإخلاص بأسبابه حتى يكون ذلك عوناً من الله لعبدِهِ
لذلك قال يُمْنُ بن رزق - رحمه الله - وهو من أجلّ أهل
الطريقين نظرت في هذا الأمر - يعني العبادة ـ فلم أر شيئاً
أعون عليها من الغربة من أجل نفي الدسائس التي للنفس مع
الاستيطان والأهل والجيران ومنهم من قال إذا كان في الغربة
إصلاح ديني فلا أوحش الله من الأهل
والوطن وهمتي بالله وعزمي في إصلاح ديني
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
سأل
33
العـ
على
يع
٥٤٤
۱ سورة البينة من الاية ٥
1401
حديث أخذ المال بسخاوة النفس
عَن حَكيم بن حزام رضي الله عَنهُ قالَ سَأَلْتُ رَسولَ
الله فأعطاني ثمَّ ۱ صلى الله عليه وسلم
سألته فأعطاني ثُمَّ قال يا حكيم إنَّ هذا المالَ خَضِرة
حُلوة فمن أخذَهُ بِسخاوةِ نَفْسٍ بُورِكَ لهُ فيهِ وَمَن
أخذَهُ بإشرافِ نَفْس لَم يُبَارَك لهُ فيهِ وَكانَ
كالَّذِي يَأْكُلُ ولا يَشبَعُ وَاليَدُ العليا خَير منَ
اليد السُّفْلَى
ظاهر الحديث يدل على أن أخذ المال بسخاوة النفس فيه بركة
وأخذه بإشراف النفس فيه عدم بركة والكلام عليه من رجوه
منها الدلالة على سخاوته يؤخذ ذلك من تكرار طلب الطالب
عليه مراراً وفي كل مرة يعطيه ولم يقلقه ذلك
وفيه دليل على حب النفوس المالَ لما جبلت عليه بمقتضى
الحكمة الربانية يؤخذ ذلك من قوله إن هذا المال خَضِرَة
حُلوة وهذه كناية عن الشيء المستحسن المحبوب يؤيده قوله
تعالى زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِن
النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ
مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ
وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتعُ الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَالله KUNGLEANT GANGNANT ANNEL
وجاء عن عمر رضي الله عنه أنه قال اللهم إني لا أستطيع ألا
أحب ما زينته لنا فاجعلني ممن أخُذُه من وجهه وأنفقه فيما
يرضيك ٣ أو كما قال
1 حكيم بن حزام صحابي قرشي وهو ابن أخي خديجة أم المؤمنين
رضي الله عنها مولده بمكة في الكعبة شهد حرب الفجار وكان
صديقاً للنبي الهلال الاول قبل البعثة وبعدها وعُمر طويلا
وكان من سادات قريش في الجاهلية والإسلام عالماً بالنسب
أسلم يوم الفتح له في كتب الحديث ٤٠ حديثاً توفي في
المدينة سنة ٥٤هـ / ٦٧٤م سورة ال عمران الآية ١٤
۳ عزاء السيوطي في الدر المنثور ۱۰/ لابن أبي شيبة وعبد
الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن أبي حاتم عن =
٥٤٥
م الأخذ وتكون فيه فوائد منها أجر الزهد ومنها راحة وفيه
دليل على أنه قد يقع الزهد النفس ومنها البركة في الرزق
فأما الزهد فبدليل قوله عليه السلام فمن أخذه بسخاوة نفس
وسخاوة النفس هو زهدها تقول سَخَت بكذا أي جادت به وسَخت
عن كذا أي لم تلتفت إليه وأما راحة النفس فقد قال عليه
السلام الزهد في الدنيا يُريح القلب والبدن وهذه أعظم راحة
للنفس وأما البركة في الرزق فلقوله عليه السلام بورك له
فيه ويترتب على ذلك من الفقه أن الزاهد يجتمع فيه خير
الدنيا والآخرة فأما خير الدنيا فما يحصل له من البركة في
الحطام الذي يطلبه الحريص ولا يصل إليه وراحة القلب والبدن
اللذين قد حرمهما صاحب الدنيا وهما حقيقة النعيم فيها وأما
الآخرة فما يتحصل له من ثواب الزهد هناك وقلة الحساب فإن
الزهد يحمله على إخراج الواجبات والتوقف في المتشابهات وهي
السعادة التامة والذي يطلب الدنيا يخسر الدنيا والآخرة
فأما خسارته الدنيا فتعب قلبه وبدنه لقوله والحرص فيها
يُتعِبُ القلبَ والبَدَن ٢ وهذه غاية في الشقاء والتعب
وخسارته ما أمل منها من زيادة حطامها لكونه تُرفَع له
البركة كما تقدم في قوله عليه السلام بإشراف نفس وهو الحرص
وهذا غاية في الحرمان لأنه تعب التعب الكلي وحرم ما أمله
ونجد ذلك في عالم الحس ترى طعام أهل الدنيا كثيراً في
العين وعند الأكل ما تجد الشبع منه إلا من شيء كثير والقوى
بالنسبة إلى ما أكلوا قليلة وطعام أهل التوفيق والزهد في
مرأى العين يسير ويأكل منه الجمع الكثير ويشبعون ويجدون
القوى الكثيرة بالنسبة إلى ما أكلوا ومع ما أهل الدنيا فيه
من التعب يتولد بينهم الحسد والضغائن والغيبة والشح بمنع
الحقوقِ أو بعضها أو تَوْفِيَتِها وعلى هذه الصفات مع
التسامح في المشكلات تترتب خسارة الآخرة مع العذاب والهوان
أعاذنا
الله منها بمنّه
وفيه دليل لفضل أهل الصوفة الذين بنوا طريقهم على الزهد
لأنه أول باب في السلوك ولذلك قال يُمْن بن رِزق رحمه الله
لا يثبت لك قدم في محجة الدين وفي قلبك خوف الفقر أو الغنى
وحب المنزلة والرياسة فذلك مفتاح فقر الأبد
أسلم قال رأيت عبد الله بن أرقم جاء إلى عمر بن الخطاب
بحلية انية وفضة فقال عمر اللهم إنك ذكرت هذا المال فقلت
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ حتى ختم الآية وقلت
لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا
بِمَا
اتكم وإنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زيّنت لنا اللهم
فاجعلنا ننفقه في حق وأعوذ بك من شره ۱ عزاه السيوطي في
الجامع الصغير للطبراني في الأوسط وابن عدي في الكامل
والبيهقي في الشعب وقال المنذري في الترغيب والترهيب
إسناده مقارب وانظر فيض القدير للمناوي ٧٣/٤
ضم السيوطي هذا الحديث إلى الحديث السابق وجعلهما واحداً
وعزاهما إلى المصادر المذكورة آنفاً ولفظه
والرغبة فيها تتعب القلب والبدن
۳ يمن بن رزق تقدمت ترجمته في الحديث الوجه الثاني
٥٤٦
وفيه دليل على جواز ضرب المثل فيما لا يمكن السامع أن
يعقله حتى يُعلم أنه يعقله من الأمثلة التي يغلب على الظن
أنه يعرفها يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام كالذي يأكل ولا
يشبع لأن الغالب من الناس ولا سيما في زماننا لا يعرفون
البركة إلا بالشيء الكثير فأراد أن يبين لهم بالمثال الذي
يعرفونه أن البركة هى خَلق من خَلق الله وليست كما يزعمون
وضرب لهم المثل بما يعرفه كل أحد وهو أنه لا يقصد أحد
الأكل إلا من أجل أن يشبعَ ويُزيل به الم الجوع فإذا أكل
الأكل الكثير ولم يشبع فكأنّ ما أكله من الطعام مخسور لأن
الفائدة التي من أجلها استعمل الطعام - وهي الشبَع - لم
يجدها
فكذلك المال ليس الفائدة في عينه وإنما يراد لما يتوّل به
من الفوائد فإذا كثر المال ولم يجد به من الفوائد ما
أرادها فكأن لا مال له حاضر وذلك موجود محسوس في أبناء
الدنيا والآخرة تجد أبناء الدنيا لا يقدرون أن يصلوا إلى
ضروراتهم إلا بالأموال الكثيرة فلما رأوا ذلك لم تكن همتهم
إلا في تكثير المال وغاب عنهم ما وراء ذلك وجاء أهل الآخرة
فبلغوا تلك الضرورات التي لم ينلها أهل الدنيا إلا
بالأموال الكثيرة بأقل الأشياء وربما كانت أحسن منها هذا
موجود كثير لمن تأمله ونظره
منه
وفيه دليل على أن تقعيد الأحكام لا يُقتَصَر فيها على ما
يفهمه المخاطب ليس إلا بل على ما يفهمه المخاطب وغيره ممن
هو دونه في الفهم حتى لا يكون فيها إشكال يؤخذ ذلك من قوله
للصحابي رضي الله عنه كالذي يأكل ولا يشبع لأنا بالضرورة
نعلم أن الصحابة رضي الله عنهم يعلمون أن البركة خَلْق من
خَلْقِ الله كما هو الشبع خَلْق من خَلْقِ الله لأنهم قد
رأوا ذلك مرارا ومن بعضهم مع بعض على ما هو منقول عنه عليه
السلام وعنهم ولكن ضرب ذلك المثال لمن يأتي بعد ليزول
الإشكال بتقعيد قاعدة شرعية لا تحتمل التأويل هذا البيان
التامّ الأمر كيف هو اليوم ممن ينسب إلى العلم في الغالب
فكيف بالغير فقد تنكرت الطرق وعاد الحق في كثير من الأمور
مشكوكاً فيه وبعضه مجحوداً للعوائد السوء التي كثرت ممن
لبّس على الناس أنهم علماء وصالحون فإنا لله وإنا إليه
راجعون ولذلك قال كيف بك يا حُذَيْفَة إذا تركت بدعةً
قالوا تَرَك سنّة فقال ما تأمرني إن أدركني ذلك الزمان قال
أقرِضُهم من عِرْضك ليوم فقرك ۱ معناه افعل ما هو الحق
والسنة ودعهم يقولون ما شاؤوا فإنك مأجور في كونهم يأخذون
من عرضك بغير حق شرعي
فانظر
مع
۱ رواه الخطيب وابن عساكر عن أبي الدرداء ورواه أبو نعيم
والطبراني وابن عساكر عن أبي أمامة وهو جزء من
حديث طويل وانظر منتخب كنز العمال ۳۹/۵ ومجمع الزوائد
٢٨٥/٧
٥٤٧
وقوله عليه السلام اليد العليا خير من اليد السفلى هنا
خلاف بين العلماء وأهل الصوفة فالعلماء يقولون اليد العليا
هي المعطية والسفلى هي الآخذة وأهل الطريق يقولون بالضد إن
الآخذة لأنها هي التي أعطتك بالشيء اليسير الثواب الكثير
واحدة بعشرة وبسبعين
العليا هي
وبسعمائة والسفلى هي المعطية لأنها هي المنتظرة للمجازاة
وهي مفتقرة إلى ذلك والذي يظهر لي - والله أعلم - أن الجمع
يقع بينهما بوجه آخر وهو حسن إذا تأملته لا يخلو أن يكون
المعطي هو الذي يطلبك لقبول معروفه أو أنت هو الذي تطلب
منه ذلك فإن كنت أنت الطالب له فيده عليك وهي العليا وقد
حصل منك ذل السؤال إليه وقد جاء أن الذل في السؤال ولو عن
الطريق والمنكر لهذا يَجْحَد الضرورة
وإن كان هو الذي يطلبك بمعروفه فقد كسر مائية وجهه إليك في
أمرٍ أنت فيه بالخيار وهو محتاج إليه إما لزوال واجب عليه
أو لخير يؤمله في دنياه أو اخرته فإنه لم يأتك بمعروفة
كرامة لك وإنما هو لأمر يقصده مما أشرنا إليه فقبولك أنت
إياه معروف وهو السائل فيه فالحاجة له ويده هي السفلى ويد
الآخذ هي العليا وقد قال عليّ رضي الله عنه من دعانا كان
الفضل له فإن أجبنا كان الفضل لنا وبساط الحال الذي نحن
بسبيله يشهد لذلك لأن سيدنا ل لا لا لا لو لم يقل ما قال
إلا لسائل له عليه السلام لَمَّا كرَّر سؤاله مراراً
۱ وفيه دليل لوجه رابع وهو أنه جعل الاثنين حَسَنَيْنِ
وأحدهما يفضل على صاحبه بزيادة يؤخذ ذلك من قوله خير لأنه
أدخلهما في باب أفضل وباب أفضل يشهد بالحسن أو الخير
للمذكورين غير أن أحدهما يكون - إن فعل - خيرا من غيره كما
نقول زيد خير من عمرو وما نفينا الخيرية عن عمرو بالأصالة
ولكن زيداً أرفع منه درجة فيها فكذلك هاتان اليدان كلتاهما
حسن لأنهما امتدتا إلى معروف وحصلت الفضيلة بينهما بمرجّح
ثان إما نظر بعين الفعل أو بعين المال أو بعين القصد أو
بمجموعها فمن أجل هذه التعليلات وقع الخلاف
وفيه دليل على إرشاد الشارع عليه السلام إلى الأعلى في
المقامات يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام اليد العليا خير من
اليد السفلى كأنه عليه السلام يقول كن ممن يده عليا ولا
تكن ممن يده سفلى إلا أن هذا في المقامات الدينيات لا في
الدنيا وحطامها
وفيه دليل على أن بيان العلل بعد قضاء الحاجة ليس بمخجل
ولا مفسد للمعروف يؤخذ ذلك من أن سيدنا ا ا ا ا ل لم يبين
للسائل ولا ضرب له المثل إلا بعد قضاء حاجته مرارا حتى تمت
أمنيته وحينئذ بين عليه السلام له العلل التي في السؤال
1 كذا وقد أورد قبل أكثر من ثلاثة
٥٤٨
وفيه من الفقه أنه بعد قضاء حاجته كان خاطره خالياً من
التشويش ومن التهمة للمتكلم وأرفع للخجل ويجتمع له قضاء
حاجته وفائدة أخرى وهي التعليم بما لم يكن يعلم وفيه دليل
على جواز سؤال أهل الفضل والدين وأهل المعاملة وليس فيه
مذلة يؤخذ ذلك من أن سيدنا ل لم يعرض له فى حق سؤاله إياه
بشيء إلا أنه قال له قاعدة كلية ولو كان في سؤاله شيء ما
كتمه عنه ولا كان أيضاً يعطيه شيئاً حين يبين له ما فيه من
الكراهية لأنه المشرع والبيان عند الحاجة إليه لا يجوز
تأخيره وكأن فحوى الكلام يقول له يا حكيم ليس الأخذ مني
الأخذ من غيري اليد العليا خير من اليد السفلى لأن يده هي
العليا على كل الحالات لأنها لا مماثل لها ولا يتناوله
عليه السلام التمثيل في الفضيلة وهذا بين لاخفاء فيه
ويخلفه بالميراث في المنزلة - وإن كان ليس مثله - مَن له
الخلافة بعده وكذلك من ناب عن الخليفة نائب بعد نائب وإن
بَعُد أعني إذا كانوا من أهل الفضل والدين
مثل
وفيه دليل على أن المطلوب منا المبالغة في النصيحة
والتعليم يؤخذ ذلك من أنه صلى الله عليه وسلم لم يقتنع
بالمثال الأول حتى أكده بالمثال الثاني لكونه فيه معنى
زائد وكلما زادت أدلة التحذير كان
أقوى في المنع
وفيه دليل على أن من أقوى الأسباب في حمل العلم بمقتضى
الحكمة الجِدَةُ ۱ يؤخذ ذلك من أنه لم يعلمه حتى أغناه
بتكرار العطاء ثلاثاً
وفيه دليل على جواز تكرار السؤال ثلاثاً والرابعة ممنوعة
يؤخذ ذلك من أنه في كل مرة من الأولى والثانية أعطاه عليه
السلام وسكت عنه وفي الثالثة أعطاه وأشغله بإلقاء العلم عن
إعادة السؤال لأن الصحابة رضي الله عنهم فيهم من الفهم
والذكاء لقوة إيمانهم ما يزجرهم في الإشارات أقل من هذا
وفيه حجة لأهل الطريق الذين يقولون بالزنبيل لأنهم يقولون
من شرطه ألا يخرج لشخص معين يقصده ولا يلح في سؤاله ولا
يحلف ۳ وإنما يسأل الله فإذا حملته المقادير إلى باب أو
شخص لا يتعداه لغيره ومن شرطه ألا يخرج إلا على حاجة
صادقاً لقوله الله لا بأس أن يشكو المؤمن حاجته لأخيه
المؤمن ٤ فإذا سأل ذلك الشخص الذي حملته القدرة إليه فإن
أعطاه
1 الجدة مصدر للفعل وجد يَجِد يقال وَجَد فلان أي صار ذا
مال وللفعل وجَدَ معان أخرى الزنبيل بفتح الزاي المشددة
وكسرها القفه ويراد به هنا الأخذ بالسبب والسعي للرزق ۳
ولا يحلف ولا يُقسم على من سأله ليعطيه
٤ لم أقف على مصدره
٥٤٩
فحسن وإن حرمه فحسن ثم يقصد ثانياً وثالثاً فإن حرمه
الثلاثة فلا يزيد عليهم شيئاً ويعلم أن المطلوب منه الصبر
والتسليم فيرجع إلى موضعه ولا يسأل غير من ذكر حتى يفتح
الله له أو
يفعل فيه ما شاء
فانظر اليوم هل ترى من الطرفين العلم والحال من هو على ما
يقتضيه طريقه مما استنبطه أهله الموفقون من الكتاب والسنة
كما أبديناه قبل وفي هذا الحديث طرف منه كلا والله تشعبت
الطرق وقل السالكون فإنا لله وإنا إليه راجعون
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
حديث كراهية كثرة السؤال
عَن عَبدِ الله بن عُمَرَ رَضي الله عنهما قالَ قالَ
رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما يَزال الرَّجل يسألُ ۱
النَّاسَ حتَّى يأتيَ يَومَ القيامَةِ لَيسَ فِي وَجْهِهِ
مِرْعَةٌ ٢ لحم
ظاهر الحديث يدل أن الذي يكثر من سؤال الناس يأتي يوم
القيامة وليس في وجهه لحم والكلام عليه من وجوه
منها هل هذا السؤال على العموم في علم أو طريق أو لا يكون
ذلك إلا في حطام الدنيا وإن كان في حطام الدنيا هل إذا ۳
كان محتاجاً أو غير محتاج وهل هذا خاص بالرجال دون النساء
أو ليس وهل هذه العقوبة لحكمة تعرف أو ليس وهل يدخل في ذلك
من تاب قبل موته أم لا فالجواب أما السؤال عن العلم فلا
يدخل في عموم ذلك بدليل مولانا جلّ جلاله نَسْتَلُوا
أَهْلَ الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٤
وأما السؤال أيضاً عن الطريق فلا يدخل في عمومه لأنه من
إرشاد الضال وإرشاد الضال من المأمور به فلم يبق إلا أن
يكون في حطام الدنيا فإذا كان في حطامها فليس على عمومه
أيضاً لأن من المأمور به السؤال عند الحاجة لقوله عليه
السلام لا بأس للمؤمن أن يشكو حاله لأخيه المؤمن ٥ ومن أجل
ذلك اختلف العلماء في الذي يلحقه الجوع أيما أفضل له الصبر
حتى
1 يسأل في هذا السياق بمعنى يستجدي ويشحذ
المزعة القطعة وجمعها مزع
۳ كذا والصواب أفإذا
٤ سورة النحل من الآية ٤٣
٥ لم أقف على مصدره
100
5
12
يموت فيكون شهيداً لقوله عزّ وجلّ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ
رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ۱ أو يكون مأثوماً لقوله
لا بأس للمؤمن أن يشكو حاله لأخيه المؤمن فإن لم يفعل حتى
يموت يكون ممن تسبّب في قتل نفسه فيأثم على قولين
وأما من تاب قبل موته فيرجى أنه لا يدخل تحت ذلك العموم
لقوله التوبة تَجُبُّ ما قبلها ٢ غير أنه يبقى هنا بحث
فالذي يكون مال بيده عند التوبة هل يتناول منه شيئاً أو
كيف
يفعل به أما بقاؤه بيده فلا يجوزه وكيف يجوز له إبقاء مال
حرام بيده بدليل قوله عليه السلام لا تَحِل الصدقة لغنيّ
ولا لِذي مِرَّةٍ سَوِيّ ۳ وأما ما يفعل به فإن كان مما
يعرف أصحابه فيرده إليهم وإن لم يعرف فيتصدق به
وأما هل هو خاص بالرجال دون النساء أو عام فالجواب أنه عام
بدليل أن النساء شقائق الرجال في جميع التكليفات وجرى
الإخبار عنهم دون النساء من طريق الأفضلية وأنهم تلقوا
الخطاب كقوله عزّ وجلّ يَأَيُّهَا الرُّسُلُ ٤ والمقصود هم
وأتباعهم
وهنا بحث وهو أن من فعله ولم يدم عليه لا يلحقه ذلك الوعيد
بدليل قوله ما يزال وهذه الصيغة تدل على الدوام
وفيه دليل على أن جميع الناس محتاجون إلى العلم يؤخذ ذلك
من أنه إذا كان أقل الناس - وهم السؤال الذين ليس لهم شيء
في الدنيا - يحاسبون على سؤالهم سواء أكان على ما أمروا به
أو تعدوا فما بالك بالغير
وفيه دليل على أن الجهل لا يُعذر به أحد فإنه إذا لم يعذر
السائلون - مع شدة مسكنتهم
بالجهل فيما يلزمهم من سؤالهم فكيف بغيرهم
وفيه دليل على أن العلم أفضل الأشياء إذ به يتخلص الرفيع
والوضيع إذا عمل به وفيه دليل على جواز سؤال غير المؤمن
يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام يسأل الناس و الناس لفظ عام
يدخل تحته المؤمن وغيره ومن أجل ذلك كان بعض السادة لا
يخرج من منزله إلا عند الضرورة فلا يأتي إلا إلى ذمّي فقيل
له في ذلك فقال إني لا أخرج إلا محتاجاً فإذا
۱ سورة الطور من الاية ٤٨
لم أقف على مصدره والمروي المعروف هو الإسلام يَجُبُّ ما
قبله
۳ رواه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً
ورواه النسائي من حديث أبي هريرة وهو حديث صحيح وذو مرّة
صاحب قوّة ونشاط
٥٥٢
٤ سورة المؤمنون من الآية ٥١
أتيت باب المسلم فأخاف أن يردني ويعود عليه من أجل ردي
بلاء لأنه مأمور بإحياء نفسي فلا أريد أن يلحقه مني أذى
والذمي ليس هو بي مكلفاً فإن واساني رجوت له الخير وإن
ردَّ لم يخف
أن يلحقه مني أذى له
بین
وفيه دليل على حمل السائلين على التصديق يؤخذ ذلك من أنه
لم يجعل لغيرهم فرقاً الصادق وغيره منهم ويذكر عن بعض
المباركين أنه مر يوماً فرأى شخصاً عُرياناً يسأل من
يكسوه الله فجرد ثوباً عنه وأعطاه وكان ذلك السائل معروفاً
عند بعض الناس أنه كان يعمل ذلك حيلة وربما تصرف بثمن ما
يأخذه فيما لا يصلح فلما انصرف ذلك السيد عنه أخبره شخص
أنه رأى ذلك السائل في موضع وليس عليه ذلك الثوب وأنه يمكن
أنه تصرف فيه على غير لسان العلم فتحرك ذلك السيّد لمقالة
القائل وسأله أن يحمله حتى يراه كيف حاله فلما بلغ إليه
وراه على تلك الحالة التي وُصف بها سأله ما فعلت في الثوب
الذي أعطيتك وكان ثوباً نفيساً يساوي شيئاً كثيراً فجاوبه
بأن قال له اطلب ثوبك ممن أعطيته واتركني مع من عصيته فقال
صدقت
وتركه وانصرف إذا كنت في معروفك صادقاً مخلصاً فكن في فضل
من عاملته مصدقاً مخلصاً وأما قولنا هل تعرف ما الحكمة في
كونه يأتي يوم القيامة ولا مزعة لحم في وجهه والمزعة الشيء
اليسير فمعناه أنه ليس يكون في وجهه من الحُسْن شيء ولأن
حُسْن الوجه هو بما فيه من اللحم ولذلك فإن السِّمَن يَزيد
الوجه حسناً وذلك لأنه لما أذهب في الدنيا مائية وجهه وهي
ما في الوجوه من الحياء الموجب لترك المسألة - فلما أزاله
لغير ضرورة أذهب حسنه الحسي والآخرة أمورها في الآخرة لأن
حسن الحياء الذي في الوجه هو معنوي وحسن اللحم حسي حسية
مشاهدة غالباً لأن الحكمة اقتضت أن كل ذنب في الدنيا
لصاحبه علامة يعرف بها في الآخرة وتكون دالة على ذنبه
فيجتمع عليه أمران عقاب وتوبيخ من أجل شهرته على جميع
العالمين كما جاء أن شاهد الزور يبعث مُولعاً ۱ لسانه بنار
واكل الربا مثل البخت ۳ يتخبط مثل السكران وأكل أموال
اليتامى يقوم من قبره وألسنة النار تخرج من منافسه
۱ مُولَعاً في هذا السياق تعني محبوساً فلسان شاهد الزور
تلفه النار وكأنه محبوس بها والعبارة الواردة في النص أن
شاهد الزور يبعث الخ لم يتيسر الوقوف على مصدرها
البخت نوع من الإبل خراسانية وكأنه يعني أ خلقه غير سوي
كسائر المخلوقات وحديث الإسراء الذي رواه الإمام أحمد عن
أبي هريرة والذي أوله رأيت ليلة أسري بي والحديث الذي رواه
البيهقي في الدلائل عن أبي سعيد والذي أوله لما عرج به إلى
السماء فيهما تشبيه بطون أكلة الربا بالبيوت العظام
المائلة ج منفس وهو مكان النَّفَس وعبارة المؤلف وألسنة
النار تخرج من الإسراء الذي رواه البيهقي عن أبي سعيد رضي
الله عنه وفي تفسير ابن كثير لقوله تعالى الَّذِينَ
يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا وفي كتاب
الكبائر للذهبي زيادة إيضاح وشرح لهذا الموضوع
۳ منافسه
منافسه قطعة من حديث
٥٥٣
وتعداد ذلك كثير بحسب ما أخبر به الصادق عليه السلام فتكون
فائدة الإخبار بهذا وأمثاله التحرز من ذلك الخزي العظيم
والعذاب الأليم أعاذنا الله من الجميع بمنه وفضله لا رب
سواه
وقال حَسنُ لنفسك العقبى إن كنت بصيراً واحذَرْ خِزْيَ يوم
كان وجهه عبوساً قمطريراً بتقوى مَوْلى لم يزل عليك
منعِماً شكوراً
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
تسليماً
٥٥٤
-Y-
حديث قران الحج بالعمرة
عَن عُمر رضي الله عَنهُ يَقولُ سَمِعتُ النَّبِيَّ بوادِي
العَقيقِ۱ يَقولُ أتاني الليلة آتٍ مِن رَبِّي فَقالَ
صَلِّ في هَذا الوَادي المُبارَكَ وَقُل عُمرَةٌ في
حَجَّةٍ
آخر
*
ظاهر الحديث فيه بحث وهو هل يحمل على ما يقتضيه لفظه أو
المعنى فيه على وجه
فمن قواعد الشريعة تعرف أن في ها هنا ليست على حقيقتها
وإنما هي بدل عن غيرها وهذا في كلام العرب كثير لأنه قد
تقرر من قواعد الشرع أن العمرة لا تُردَف على الحج وأن
الحج هو الذي يُردَف على العمرة
وسبب الأمر من مولانا جلّ جلاله في هذا الوادي المبارك
لسيدنا أن يصلي فيه وهو عليه السلام قد كان أحرم عند خروجه
من المدينة بالحج مفرداً وذلك أنه كانت الجاهلية قبل
الإسلام يقولون إن من أفجَرِ الفجور العمرة في أشهر المج
وكانوا يقولون إذا عفا الوَبَر وَبرَأ الدَّبَر ودخل صَفَر
حلّت العمرة لمن اعتمر عفا الوبر كثر وبر الإبل الذي حلق
بالرحال وفي رواية عفا الأثر أي اندرس أثر الإبل وغيرها في
سيرها ويحتمل أثر الوبر المذكور جرح في ظهر الإبل من أثر
السفر وصَفَر هو الشهر الذي يلي المحرَّم وكانوا يسمون
المحرَّم صَفَراً فأمر الله نبيه عليه السلام أن ينسخ فعل
الجاهلية بأن يُحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفسخ بذلك
الإحرام إحرامه المتقدم بالحج المفرد ويكون ذلك حكماً
خاصاً بذلك
والدبر
۱ وادي العقيق هو الوادي المبارك ويقع ببطن وادي ذي
الحليفة وهو الأقرب منها وهو مهل أهل العراق من ذات عزق
يقع غربي المدينة المنورة ويشقه طريق مكة ويكاد عمران
المدينة يتصل بمداخله والطرق إليه منها باب العنبرية
الطريق شمالي قبة الخضر المدرّج العقيق انظر بين التاريخ
والآثار لعبد القدوس
الأنصاري ص ٧٦
٥٥٥
الوقت لأنه لم يأت نص في الأحاديث أن العمرة يجوز إدخالها
على الحج فتكون في ههنا على
هذا الوجه معناها عُمْرة بدل حَجة
هذا على القول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم
مفرداً وهو حديث عائشة ۱
رضي الله عنها لأن
العلماء اختلفوا في حجه وإحرامه صلى الله عليه وسلم
اختلافاً كثيراً والأحاديث في ذلك أيضاً مختلفة وهو
موجب الخلاف
الله
قطعي فيه
وعلى القول بأنه عليه السلام أحرم أولاً بعمرة فيكون قوله
هنا عُمرَة في حَجّة من المقلوب ويكون معنى الكلام حَجَّة
في عُمرة وقلب اللفظ عن حقيقته بغير وجه إشكال والأول الذي
هو بدل الحروف أولى لأنه معروف في كلام العرب ومن فصيحه
وأما على وجه من قال إنه الا الله و أحرم قارِنا فيكون
الأمر هنا زيادة تأكيد في شأن ما أراد سبحانه أن ينسخ من
فعل الجاهلية لأن يكون ذلك بالسنة أولاً وتثبيتاً بالحكم
الإلهي ثانياً ونذكر الآن إشارة إلى ما هو الأظهر من
إحرامه لا لا لا لهم من أجل الاختلاف الواقع في ذلك وذلك
أنه لما اختلفت الأحاديث من أين كان إحرامه الله هل من
المسجد أو حين استوى على راحلته أو حين توسط البيداء سئل
ابن عباس رضي الله عنهما عن سبب هذا الخلاف فقال أنا
أخبركم كنت معه في المسجد فصلى ثم أحرم إثر الصلاة وهي
نافلة فلبّى فمن كان هناك روى ما سمع ثم خرجتُ معه حتى ركب
فلما استوى على راحلته لبّي فمن كان هناك روى ما سمع ثم
سار وسرت معه حتى توسط البيداء والناس أمامه مدّ البصر
وخلفه ويمينه وشماله
كذلك وهلل ولبّي فمن كان هناك روى ما سمع
وأما الذي جاء في اختلاف إحرامه عليه السلام هل كان مفرداً
أو قارناً أو بعمرة وكيف
الجمع فذلك أن عائشة رضي الله عنها قالت خرجنا مع رسول
الله عام حجة الوداع
فمنا من أهَلَّ بعمرة ومنا من أهَلَّ بحج وعمرة ومنا من
أهَلّ بالحج وأَهَلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج
۱ حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم مفرداً
رواه مسلم رقم ۱۱۱ في الحج - باب بيان وجوه الإحرام أداء
فريضة الحج يمكن أن يتم على ثلاثة أشكال ۱ حج إفراد وهو
أداء مناسك الحج من غير أداء عمرة في وقت الحج وهو شوال
وذو القعدة وعشر ذي
الحجة
حج تمتع وهو الجمع بين أفعال العمرة والحج في أشهر الحج في
سنة واحدة بإحرامين بتقديم أفعال العمرة من غير أن يُلمَّ
بأهله إلماماً صحيحاً
۳ حج قران وهو الجمع بين العمرة والحج بإحرام واحد في
سَفْرة واحدة ۳ رواه الإمام أحمد في المسند وأبو داود في
السنن وصححه الحاكم في المستدرك وأقره الذهبي وفي رواية
المؤلف ابن أبي جمرة رحمه الله زيادة بعض الألفاظ وهي غير
واردة في الكتب الانفة الذكر
٥٥٦
فأما من أهل بعمرة فحَلَّ وأما من أهل بالحج أو جمع بين
الحج والعمرة فلم يخلل حتى كان
يوم النحر
وقول سعد في الموطأ للضحاك بئس ما قلت يا ابن أخي قد صنعها
رسول الله
وصنعناها
٣ أنحر
معه
يعني العمرة في حجة الوداع وقول حفصة لرسول الله صلى الله
عليه وسلم ما شأن الناس
حَلوا ولم تَحْلِلْ أنت من عمرتك فقال إني لَبَّدْتُ رأسي
وقلدتُ هَذيي فلا أحِلّ حتى وروي عن أنس بن مالك رضي الله
عنه أن رسول الله ل قرن وأنه سمعه يقول لبيك اللهم
لبَّيْكَ بحَجَّة وعُمرَة معا ٤
واختلف الناس في كيفية الجمع بينهما فمن أحسن ما قيل في
ذلك أنه عليه السلام أحرم أولاً مفرداً بالحج فمن سمع ذلك
أخبر بما سمع ثم فسخه في العمرة حين أمره الحق جلّ جلاله
كما تقدم فمن سمع إهلاله عليه السلام بالعمرة مفرَدَة روى
ما سمع ثم إنه عليه السلام لما قدم مكة قبل أن يطوف بالبيت
أردف الحج على العمرة فمن سمعه يلبي بهما حدث بما سمع
فَصَدَق أن يقال مفرداً وأن يقال متمتعاً وأن يقال قارنا
والكل حق ولا تناقض بينها وإنما كان يكون التناقض أن لو
كانت الأحاديث كلها عن يوم واحد في ساعة واحدة وهذا لم
يوجد فلا تعارض عند التحقيق والحمد الله وَلَوْ كَانَ مِنْ
عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافًا ﴿
كثِيرًا ٥ فهذا ما أمكن الكلام فيه على قوله في حجة على
التقريب والاختصار وفيه دليل على أن الله عزّ وجلّ يفضل ما
يشاء من خلقه جماداً أو غيره فضلاً منه تعالى يؤخذ ذلك مما
قيل له عليه السلام في هذا الوادي المبارك فسمي بالبركة
وفيه دليل على أن المقصود منا في الأمكنة والأزمنة
المباركة التعبد يؤخذ ذلك من قوله صل في هذا الوادي
المبارك فمن أجل بركته أمرنا بالصلاة فيه كما قال تعالى في
الأشهر الحرم فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَ فنهى عن
الظلم فيها لكون الإثم عليه إذ ذاك أكثر مما لو كان في
غيرها والأمر بالشيء نهي عن ضده والنهي عن الشيء أمر بضده
فلما نهى عن ترك الظلم
فيها يلزم فعل الطاعة أو يندب فيها
1 رواه البخاري ومسلم كما في جامع الأصول ١٤٤/٣ و ١٤٥ و
١٤٦ رواه الإمام مالك في الموطأ والنسائي ۱۵/۵ والترمذي
رقم ۸۳ ۳ رواه البخاري في الحج باب التمتع والقران
والإفراد ومسلم رقم ۱۹ عن السيدة حفصة رضي الله عنها 4
رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه
عن أنس رضي الله عنه
0
سورة النساء من الاية ۸ ٦ سورة التوبة من الآية ٣٦
٥٥٧
وفيه دليل على تفضيل بني ادم على غيرهم من المخلوقات يؤخذ
ذلك من أن ما فضل من البقع والأزمنة إنما هي من أجل بني
آدم لكونهم أمروا فيها بالتعبدات وضعف لهم الثواب يدل على
ذلك قوله تعالى وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ
وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَآيَتٍ لِقَوْمٍ
ون ۱ فكانت الفائدة لنا ورحمة بنا
وفيه دليل على جواز الإخبار بأمر الأمر ولا يلزم ذكر
الواسطة يؤخذ ذلك من قوله عليه
السلام أتاني الليلة اتٍ من ربي ولم يذكر من كان الآتي هل
جبريل عليه السلام أو غيره وفيه دليل على تأكيد الركوع قبل
الإحرام يؤخذ ذلك من قوله صَلّ في هذا الوادي المبارك وقل
عمرة في حجة فلم يؤمر عليه السلام بالإحرام إلا بعد الركوع
وإن كان سيدنا قد سَنها قبل فجاء الأمر هنا تأكيداً لما
كان هو ا سَنه وعلى القول - وهو الأظهر - إنه عليه السلام
أحرم أولاً مفرداً يجوز فَسخُ الحج في العمرة إذا كان هناك
عذر يوجب ذلك يؤخذ ذلك من فسخه عليه السلام الحج في العمرة
للعذر الذي قدمنا ذكره
ومنه - والله أعلم - أجاز العلماء لمن فاته الوقوف بعرفة
إن شاء أن يفسخ إحرامه في عمرة فعل
لأنه عذر يوجب له الخيار بما ذكرنا أو يبقى على إحرامه إلى
قابل وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه
وسلّم تسليماً
الفل
۱ سورة الجاثية من الآية ۱۳
يقصد بـ الركوع الصلاة النافلة قبل الإحرام من إطلاق الجزء
على الكل
لا
الا
فل
أنا
-۷۸-
حديث الإنابة في الحج
عَن عَبدِ الله بن عبّاس رضي الله عَنهُما أنَّ امرأةً
قالت يا رَسولَ الله إِنَّ فَريضةً الله علَى عِبادِهِ في
الحج أدركت أبي شَيخاً كبيراً لا يَثْبُتُ على الرَّاحِلة
أفَأَحُجُ عَنهُ قَالَ نَعم وَذلِكَ في حَجَّةِ الوداع
ظاهره يدل على جواز النيابة في الحج والكلام عليه من وجوه
منها هل هو مطلق في الفرض والنافلة كما يروى عن الشافعي
رحمه الله أو في النفل لا غير
أما على ما ذكرته عن أبيها لأنه لا يقدر أن يثبت على
الراحلة فالحج ليس بفرض عليه لأن الله عزّ وجلّ يقول مَنِ
اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۱ وهذا عادم للاستطاعة فلا
وجوب عليه ﴿ ويكون ما فعلته عنه من الحج تطوّعاً فإذا
بمقتضى الحديث تجوز النيابة في الحج في النافلة ولا تجوز
في الفرض
وهنا بحث وهو هل يحمل ذلك الحكم - أعني النيابة - في جميع
التطوعات البدنية أم لا الجمهور على أن لا وما أجاز
النيابة في الحج - على خلاف بينهم ممن أجازها هل مطلقاً في
الفرض والنفل أو في النفل لا غير - إلا من أجل هذا الحديث
ومن أجل أن معظم ما فيه إنفاق المالية وجعل البدن تابعاً
لها لأن النيابة في المالية جائزة وفي الفرض بلا خلاف وأما
البدنيات فلا إلا خلاف شاذ جاء فيمن مات وعليه صوم واجب هل
يصوم عنه وليّه أم لا فالجمهور على أن لا يصام عنه وجاء
حديث يصوم عنه وليّه فعمل على ذلك بعض العلماء ولم يصح عند
الجمهور العمل به
۱ سورة ال عمران من الآية ۹۷
روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله الله قال
من مات وعليه صيام صام عنه وليه
۵۵۹
وفيه دليل على جواز النيابة في العلم يؤخذ ذلك من سؤال هذه
عمّا يلزم أباها وفيه دليل على جواز نيابة المرأة في العلم
يؤخذ ذلك من أن النبي لما سألته هذه أجابها ولم ينكر عليها
وفيه دليل على جواز كلام المرأة والأجانب يسمعونها وإن كان
كلامها عورة لا يجوز أن يسمعه أجنبي لكن عند الضرورة جائز
يؤخذ ذلك من كون ابن عبّاس روى كلامها وأنه وهو أجنبي منها
لكن من أجل الضرورة لكونه مع النبي وهذه قد سألته فسمع
كلامها ويؤخذ منه جواز الجلوس مع الحكام والفقهاء المفتين
وإن كان الناس تأتيهم رجالاً ونساءً يؤخذ ذلك من كون ابن
عباس كان مع النبي حين سألته هذه وهو المروي عنه عليه
السلام في الأحاديث لأنه لم يكن قط يجلس إلا ويجلس معه
الصحابة رضي الله عنهم ومن أجل ذلك تقررت الأحكام ولو لم
يكن ذلك جائزاً وكان يكون من الخاص به لكونه يقرر الأحكام
وتنقل عنه لكان يذكر ذلك ويبينه
وفيه دليل على تصحيح قاعدة الأبوة بخلاف ما يقوله بعض أهل
التفقه لأنهم يقولون محتملة وإطلاقهم هذه الصيغة على هذه
الصفة غلط والبحث فيه أن نقول لا يخلو أن نرجع في ذلك إلى
مجرد العقل ولا نلاحظ في ذلك أمر الشرع أو نرجع إلى
مجموعهما فإن قال القائل أقول بمجرد العقل عند البحث
ليتقرر حكم العقل في ذلك على أسلوبه فإن وافق الشرع فحسن
وإلا قلنا هذا بحث العقل ورجعنا في الأحكام إلى الشرع فإنا
به مأمورون
فنقول لا يخلو أن نقول عن الأبوة محتملة بحسب بلوغ الأمر
إلى علمنا أو بحسب وقوعها في الوجود فإن قلتم بحسب وصوله
إلى علمنا فلا فرق بين الأبوة والأمومة لأن الأمومة كذلك
أيضاً إما أن تكون بعلم قطعي أو بحسب وقوعها في الوجود
فالعلم القطعي مثل أن يُرى خارجاً من رَحِم أمه فهذا هو
العلم القطعي وهو معدوم في الأبوة أعني القطع بالمعاينة
وأما الأسباب فتشترك الأبوة مع الأمومة في ذلك لأن الأمومة
إما أن تكون بدعوى أو بشهادة والأبوة تشاركها فيهما وهذا
هو الغالب من الناس لأنهم لا يعرفون أبوتهم وأمومتهم إلا
من طريق الدعوى أو الشهادة فلم يبق في ذلك إلا الرجوع إلى
الأمر المنقول منها عن طريق إخبار الصادق عليه السلام من
نفيها أو صحتها
فما جاء من طريق الصادق عليه السلام نفيها مثل ابن نوح
عليه السلام على خلاف فيه
۱ كلام المرأة ليس بعورة ويجوز للأجنبي أن يسمعه إلا إن
كان هناك فتنة نص عليه النووي في أكثر من موضع من شرح مسلم
٥٦٠
به
ن
ـذه
أن
حين
تقوله عزّ وجلّ ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۱ فضاء عنه
وذكر عن بعض العلماء أنه كان ملتقطاً عليه لأن زوجة نبي
بالإجماع أنها ما بغت قط لا مخالف في هذا ومثله قول سيدنا
محمد الله سأله السائل مَن أبي فقال أبوك حذافة ٣ ونسبه
إلى أبيه وأما ما ثبت فمثل أولاد يعقوب عليه السلام فقد
ثبتوا بنص القرآن وكذلك أولاد إبراهيم عليه السلام وأولاد
سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم
علي رضي
ومثل أبيه و و و و و و و و و و ل لقوله عليه السلام أنا
النبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطّلب ٤ وقوله عليه أنا ابن
الذبيحين٥ وقوله عليه السلام حين كتب العهد بينه وبين أهل
مكة فكتب السلام الله عنه محمد رسول الله قالوا لو علمنا
أنه رسول الله لا تبعناه فكتب محمّد بن وقوله عليه السلام
للسائل إن أبي وأباك في النار ۷ وقوله عليه السلام أستأذنت
في أن أزور قبر أمي فأذن لي واستأذنته أن أزور أبي فمنعني
۸ وقوله عليه السلام
عبد الله
۱ سورة هود من الآية ٤٦
رواه البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه وانظر في تفسير
قوله تعالى ﴿لا تسألوا عن أشياء ۳ رواه البخاري في المغازي
- باب قول الله تعالى ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم ٤ قول
ضعيف ومدلول عبارة المؤلف يدل على ذلك
٥ يريد بالذبيحين اسماعيل بن إبراهيم وأباه عبد الله بن
عبد المطلب وقد وقع عليه نذر أبيه عبد المطلب أن يذبحه ثم
افتداه بمائة من الإبل جاء في الطبقات الكبرى لابن سعد
۸۸/۱ ما يلي لما رأى عبد المطلب قلة أعوانه في حفر زمزم
وإنما كان يحفر وحده وابنه الحارث هو بكره نذر لئن أكمل
الله له عشرة ذكور حتى يراهم أن يذبح أحدهم فلما تكاملوا
عشرة منهم الحارث والزبير وأبو طالب وعبد الله وحمزة وأبو
لهب والغيداق والمقوّم وضرار والعباس جمعهم ثم أخذهم بنذره
ودعاهم إلى الوفاء الله به فما اختلف عليه منهم أحد وقالوا
أوف بنذرك وافعل ما شئت فقال لِيَكتُب كل رجل منكم اسمه في
قدحه ففعلوا فدخل عبد المطلب في جوف الكعبة وقال للسادن
اضرب بقداحهم فضرب فخرج قدح عبد الله أوّلها وكان عبد
المطلب يحبه فأخذ بيده يقوده إلى المذبح ومعه المدية فبكت
بنات عبد المطلب وكن قياماً وقالت إحداهن لأبيها أعذر فيه
بأن تضرب في إبلك السوائم التي في الحَرَم فقال للسادن
اضرب عليه بالقِداح وعليَّ عشر من الإبل وكانت الدية يومئذ
عشرا من الإبل فضرب فخرج القدح على عبد الله فجعل يزيد
عشرا عشرا كل ذلك يخرج القدح على عبد الله حتى كملت المائة
فضرب بالقداح فخرج على الإبل فكبّر عبد المطلب والناس معه
واحتمل بنات عبد المطلب أخاهن عبد الله وقدم عبد المطلب
الإبل فنحرها بين الصَّفا والمَرْوَة والرواية أن أعرابياً
قال للنبي الا يا ابن الذبيحين انظر كشف الخفا ۱۹۹/۱ ٦
رواه الشيخان عن المسوّر وعليّ رضي الله عنهما ۷ رواه مسلم
وأبو داود وفي رسالة للسيوطي في نجاة الأبوين الشريفين أن
لفظه أبي الواردة في الحديث مُدْرَجَة من الراوي وله في
ذلك أدلة قوية ۸ لفظه استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن
لي واستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي رواه مسلم عن أبي هريرة
رضي الله عنه
٥٦١
للعباس يا عم ۱ ولأبي طالب يا عم ولصَفِيَّةَ حين أنزل
الله عزّ وجلّ ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأفريين ۳ يا صفية
عمة رسول الله فإن العمومة لا تثبت إلا بالأبوة الثابتة
فقد رجع قوله عليه السلام هنا التواتر لأنه قد قيل في أقل
التواتر إنه يثبت بأقل الجموع ومن أهل العلم من قال إنه
يحصل بخبر الواحد وهنا أكثر من أقل الجموع والأحاديث في
هذا كثيرة وطرقها مختلفة وأما التنزيل فقوله عزّ وجلّ
ولَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ نُسِكُمْ ﴾ ٤ أي أحسَبِكم
والحَسَب لا يثبت إلا بثبوت الأبوة وقال صلى الله عليه
وسلم إن الله اختار من أولاد آدم إبراهيم عليه السلام
واختار من ولد إبراهيم إسماعيل إلى أن قال عليه السلام
واختارني من بني هاشم ٥
أَنفُسِ
هذا من طريق بحث العقل ورأينا الشرع قد أثبت هاتين
القاعدتين الأمومة والأبوة وجعل الاحتمال الطارىء على
الأبوة الوصول إليه متعذر فإنه عليه السلام جعل في دعوى
الزنى أربعة شهود يَرَوْنه كالمِرْوَد في المُكحُلَة ٦
والتلاعن الذي هو مؤكَّد باللعنة والغضب للحرمة وقال الولد
للفراش وللعاهر الحَجَر وأكد سبحانه هذا بأن قسم المواريث
على هذه الأصول وقال عزّ وجلّ ءَابَاؤُكُمْ
وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ
نَفْعًا ۸ وقال عزّ وجلّ وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا
وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۹ وجعل السبب كحكم الأصل
المقطوع به لأنه إذا دخل الرجل بالمرأة
وجاءت منه أو من غيره بولد وادّعته منه أنه لازم له إلا أن
ينفيه باللعان بِشَرط مذكور في بابه فترجع الآن للجمع بين
العقل ومدلوله في هذه القاعدة هل وافق الشرعَ أم خالَفَه
فأما على البحث بحكم وصول العلم إلينا فاستوى فيها دليل
العقل والشرع من وجه أنه ما وصل إلينا العلم
۱ نداؤه - عليه السلام - عمّه العباس يا عَمْ رواه الترمذي
وابن ماجه عن أبي رافع كما رواه الإمام أحمد وأبو يعلى
والطبراني عن أم الفضل رضي الله عنها
نداؤه - عليه السلام - عمّه أبا طالب يا عمّ رواه الإمام
أحمد والترمذي
۳ سورة الشعراء الآية ٢١٤ ٤ سورة التوبة من الآية ۱۸
٥ رواه الطبراني في الأوسط والكبير عن عبد الله بن عمر
مرفوعاً ولفظه وخلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم الخ كما
أخرجه مسلم عن واثلة بن الأسقع أن النبي الا الله قال إن
الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة
الخ ٦ أخرجه مسلم في اللعان عن أبي هريرة رضي الله عنه في
حوار سعد بن عبادة مع النبي الا الله كما أخرجه أبو داود
في حديث ماعز الأسلمي واللفظ مختلف
۷ متفق عليه من حديث السيدة عائشة وأبي هريرة رضي الله
عنهما
۸ سورة النساء من الآية ۱۱
۹ سورة الحجرات من الآية ١٣
٥٦٢
بالأمومة والأبوة إلا بواسطة السبب وكذلك حكمنا بهما إلا
فيما ثبت خلافه وكذلك الشرع ما حكم بهما إلا بواسطة السبب
وهو عقد النكاح ووجوده فاستوى في ذلك العقل والنقل وأما
على البحث من كون ظهوره في الوجود فلا فائدة في ذلك الدليل
بدليل أن الشيء إذا وقع في الوجود ولم يحقق حقيقة كيفيَّته
على الوضع الذي وقع في الوجود إلا بواسطة فرجع الأمر إلى
الواسطة فدار البحث ورجع البحث الأول الذي عليه يقع الحكم
فيكون ما قعدوه توقعاً خيالياً والتوقع الخيالي لا يُبنى
عليه حكم لأن هذا - وإن عاينه أحد من الجنس - فهو نادر لا
يثبت النسب به إلا بوساطة ذلك المشاهد لذلك الأمر إن كان
ممن تقبل شهادته ولتعذر ذلك رجع فيه إلى قبول امرأتين
وشهادتهما لا تقبل في غير هذا ولا يحكم بهما إلا مع اليمين
فكيف نجعل قاعدة إذا تحققنا البحث فيها من طريق العقل
والنقل لا نصل إلا إلى احتمال الإمكان بالتحقيق يطرأ عليها
بالنسبة إلى علمنا ولذلك لم تُثبت الشريعةُ للمَسْبِيَة
نسباً مع ابنها وإن كانت حاملة له بدعواها ولا إلى أب
أيضاً إلا ببيان من خارج وساوت في ذلك بين الأبوة والأمومة
وغيرهما من القرابات ولا سبب يدل عليه مثل الأصل الذي قد
دل الشرع عليه بما ربط فيه من العادة والأسباب فالعقل
أيضاً قد ترجحت عنده الأسباب والأصل كما قدمناه فجعل
الاحتمال فيه على حد سواء هذا مشكل لا خفاء به
مسألة
ثم كيف يمكن عند من يفرق بين أن الاثنين أكثر من الواحد أن
يطرد القاعدة على ضعف الاحتمال فيها كما قدمنا في المسألة
وقد جاء فيها دلالة من القرآن أو من السنة أو إجماع الأمة
هذا حمق وجهل - إن حَسَّنا الظن - ما لم يكن في مسألة تختص
بسيدنا فإن كانت في مـ سيدنا صلى الله عليه وسلم فإنه من
شك في أبوته أو نبوته فإنه جمع على نفسه أمرين عظيمين
أحدهما الرد على الكتاب والسنة المتواترة كما ذكرنا أولاً
فوجب بأقل من هذا قتله إجماعاً إلا ما روي عن الشافعي وأبي
حنيفة قولاً ثانياً أنها ردة يجب قتله إلا أن يتوب ومثله
قول ضعيف عن مالك رحمه الله وليس بمشهور مذهبه ومشهور
مذهبه القتل ولا يستتاب
وهنا بحث وهو لا يخلو ما نقل من الإجماع أن يكون قبل ما
ذكر من الخلاف المتقدم عمن ذكر أو يكون الخلاف متقدماً على
الإجماع فإن كان الخلاف منهم قبل ثم رجعوا إلى الإجماع فلا
تأثير لذلك الخلاف وتحقق الإجماع وإن كان الخلاف منهم وقع
بعد الإجماع فلا يُعبأ به والذي نقل الإجماع في قتله جماعة
منهم صاحب الاستذكار وصاحب الكافي
۱ صاحب الاستذكار هو نفسه صاحب الكافي وهو ابن عبد البر
يوسف بن عمر عبد البر قُرْطبي مالكي توفي سنة ٤٦٣ واسم
كتابه كاملاً الاستذكار لمذاهب أئمة الأمصار وفيما تضمنه
الموطأ من المعاني والاثار والثاني الكافي في فروع
المالكية ١٥ مجلدا
٥٦٣
ε
۱ وابن سبوع وابن رشد ۳ وابن أبي زيد 4 وسَحْنون ٥ والليث
٦
^
رحمهم
والتَّلْمِسَانِي والقاضي عياض ٧ وابن العربي الله تعالى
وجماعة ممن يقرب من هؤلاء في الشهرة أنسيتهم في الوقت فإن
شاء الله أذكرهم فإن أنسيته فمن وقف على كتابي هذا أو ذكر
منهم أحداً فليلحقه وله الأجر لأن ذلك مساعدة في قاعدة
شرعية وكذلك نقل الكل أنه من قال لفظاً يدل على شيء من
التنقيص في حقه عليه السلام من أي وجه كان أو ازدرى به أو
شَانَه شَيْناً ما من أي المحتملات والوجوه كان أنه يقتل
له على البحث المتقدم
والذي أوجب القتل ولم يقل بتوبته اختلف هل هو حدّ الأدب أو
الكفر فالذي قال حَدّ الأدب فلا تنفع فيه التوبة لأنه حق
قد وجب وإذا وجب الحق فلا فائدة لتوبته والقائل بأنه كفر
قال هو كالزنديق يقتل ولا تقبل توبته والقولان عند مالك
رحمه الله ومن تبعه واختلفوا أيضاً هل يكون قتله كفراً أو
حَدًا قولان والأكثر منهم نقلوا الإجماع على أنه لا يعذر
في ذلك بجهل ولا سُكر ولا فلتة لسان ولا سهو ولا غفلة ولا
شيء من الأشياء والحكم في ذلك القتل عمن تقدم ذكرهم منهم
من نقل مذهب مالك رحمه الله ومشهوره وهو القتل ومنهم من
ذكر الإجماع في ذلك غير الخلاف عن الشافعي وأبي حنيفة
رحمهما الله وقد استُدِل على قتله بالكتاب والسنة فبالكتاب
قوله عزّ وجلّ قُلْ أَبِاللهِ وَءَايَيْهِ وَرَسُولِهِ
كُنتُم تَسْتَهْزِءُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم
بَعْدَ إِيمَنكُمْ ﴾ ٩ وأما السنة فقوله صلى الله عليه
وسلم من سَبَّ نبيًّا
۱ التلمساني أبو مدين شعيب بن الحسن المغربي الأنصاري
الأندلسي من أهل الحقيقة والشريعة أصله من الأندلس وإقامته
في فاس خافه سلطان فاس ووشى به علماء الظاهر وخوفوا
السلطان من انتشار أمره فبعث يطلبه فطمأن مريديه بأنه لن
يرى السلطان ولن يراه السلطان ومات في الطريق إليه سنة ٥٨٩
هـ له أخبار كثيرة عن كراماته من أقواله حسن الخلق معاشرة
كل إنسان بما يؤنسه و احذر من يدعي مع
يكذبه ظاهره
ابن سبوع لم نقف على ترجمته
الله حالاً
۳ ابن رشد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد أبو الوليد
مشهور باسم ابن رشد الحفيد توفي سنة ٥٩٥ هـ مؤلف بداية
المجتهد ونهاية المقتصد في الفقه المالكي
٤ ابن أبي زيد عبد الله بن أبي عبد الرحمن المالكي الفقيه
المفسّر له إعجاز القرآن ت ٣٨٦ هـ سحنون عبد السلام بن
سعيد فقيه مالكي أصله من حمص قاضي إفريقية اجتمع مع عبد
الرحمن
0
ابن القاسم واستفاد من اراء الإمام مالك التي ترد إلى ابن
القاسم توفي سنة ٢٤٠هـ ٦ الليث بن سعد إمام مصر في الفقه
والحديث ت ١٧٥ هـ
۷ القاضي عياض بن موسى أبو الفضل أندلسي الأصل محدث مفسّر
توفي في مراكش سنة ٥٤٤ هـ ۸ ابن العربي أبو بكر محمد
الأندلسي المالكي محدث فقيه أصولي مفسّر مؤرخ قاضي إشبيلية
له كتاب العواصم من القواصم وتفسير في ۸۰ مجلدا وكتاب
المسالك في شرح موطأ مالك ت ٥٤٣ هـ
۹ سورة التوبة من الايتين ٦٥ و ٦٦
٥٦٤
فاقتلوه ۱ وقيل في قتل ابن خَطَل إنما كان قتله من أجل
إذايته له ولا من أجل الكفر والآثار
في مثل هذا كثيرة
وأما الوجه الثاني فإن الشك في النسب نفي له ومن نفاه عليه
السلام من نسبه فقد وجب قتله ولا يمكن أن يدخل فيه الخلاف
كما دخل في الوجه قبله لأنه حد قد وجب فإن القذف حق تعين
فيه الحدّ بالإجماع ومنهم من نقل الإجماع فيمن قال إن من
سب النبي صلى الله عليه وسلم إنه لا شيء عليه إنه كافر
وكذلك الحكم فيمن سَبَّ أحداً من الرسل والأنبياء عليهم
السلام ثم نرجع إلى الحديث وأما ما احتجت به الشافعية من
أنه سمع شخصاً يقول لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ عن شُبْرُمَة فقال
له َأحَجَجْتَ عن نَفْسِك فقال لا قال حُجَّ عن نفسك ثم
حُجّ اللهم عن شُبُرُمَة ۳ فليس فيه دليل على أن الذي حجه
عن شبرمة كان فرضاً ولا أنه يكون مجزئاً عنه عن فرضه بل لو
قال عليه السلام أد فرضك ثم حُجَّ عن شبرمة لكان نصا كما
زعموا وأما قوله ثم حجّ عن شُبْرُمة معناه كما تطوعت عنه
بما هو في حقه تطوعاً فإذا وقع الاحتمال
سقط الدليل
te
وفيه دليل على أن السنة في التلبية تكون جهراً يؤخذ ذلك من
كون الرواة رووا صيغة لفظه عليه السلام جهراً وكذلك
الخلفاء بعده وبقيت السنة على ذلك إلى هَلُمَّ جَرَّا
والله أعلم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله
وصحبه وسلّم تسليماً
۱ رواه الطبراني في الأوسط والصغير وفي إسناده من هو متهم
بالكذب ولفظه من سب الأنبياء قتل ومن سب
أصحابي جُلِد انظر مجمع الزوائد ٦ / ٢٦٠
المعنى من أنكر نسب النبي وجَبَ قتله ۳ رواه كما في موارد
الظمآن والبيهقي في السنن الكبرى و شُبْرمَة بضم
الشين والراء صحابي
حديث ما يلبس المحرم في الحج
عَن عَبدِ الله بن عُمرَ رضي الله عَنهُما أنَّ رجُلاً قال
يا رَسولَ اللهِ مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الشَّيَابِ
قالَ رَسولُ الله لا يَلْبَسُ القُمُص ۱ ولا العَمائِمَ ٢
وَلا السَّراويلاتِ ۳ ولا البرانس ٤ ولا الخفاف ٥ إلا
أحَدٌ لا يَجدُ نَعْلَينِ فَلْيلبَس خُفَّينِ
وَلْيَقطَعهُما أسفَلَ مِنَ الكَعْبينِ ولا تلبسوا مِنَ
الشَّيَابِ شيئاً مَسَّهُ زَعفران أَوْ وَرْس
*
*
ظاهر الحديث يدل على منع تلك الثياب المذكورة في الحديث
ومنع الخفاف إذا جاوزت الكعبين ومنع المزعفر والمُوَرَّس
والكلام عليه من وجوه
منها هل المنع مقصور على ما ذكر في الحديث لا غير أم هو
تنبيه بالشيء على باقيه فالظاهر أنه ليس مقصوراً على ما
ذكر لأنه منع من الثياب المتقمّص بها القمص والسراويلات
والبرانس فهم من هذا على عادتهم في تعدي الأحكام من قوله
القُمُص جميع ما كان مما يشبهه من الأقبية ٦ والجباب ٧
والقباطي ۸ إذا كان مُحيطاً بالبدن من كل الجهات فيكون من
باب
۱ القُمُص جمع قميص هو الشِّعار تحت الدثار وله كُمّان
واسعان يهبطان إلى المعصم ويتدلى القميص إلى
منتصف الساقين
العمائم جمع عِمامة وهي ما يلف على الرأس
۳ السراويلات جمع سراويل وهي لباس يغطي السُّرَّة
والركبتين وما بينهما وهو فضفاض من أعلى وضيق من أسفل وقد
يصل إلى القدمين أو فوق ذلك
٤ البرانس جمع بزنس وهو كل ثوب رأسه منه دُرّاعة كان أوجبة
أو ممطراً ٥ الخفاف جمع خف وهو ما يلبس في الرّجل من جلد
رقيق
٦ الأقبية جمع قباء وهو ثوب يلبس فوق الثياب أو القميص
ويتمنطق عليه
۷ الجِباب جمع جبة وهي ثوب سابغ واسع الكمين مشقوق المقدم
يلبس فوق الثياب ۸ القباطي جمع قِبْطِيّة وهي ثياب من كتان
بيض رقاق كانت تنسج بمصر وهي منسوبة إلى القبط
٥٦٦
الآفاق منها ما تعرف
التنبيه بالبعض عن الكل إلا أنه بهذين الشرطين أن يكون
مَخِيطاً ملبوساً على هذه الصفة المذكورة ولو سمّي باي اسم
فإن الأسماء فى الثياب مختلفة في جميع ا باللغة ومنها
اصطلاحي بحسب ما جرت عادتهم في ذلك في الآفاق فأعطى بوصف
القمص المنع في كل ما وجدت فيه تلك الصفة واستعمل في تلك
العادة
فإن فَعَلَهُ لعذرٍ أو لغير عذر افتَدَى والفدية في ذلك ما
ذكره أهل الفقه في كتب الفروع ونص الله عزّ وجلّ عليه في
كتابه بقوله سبحانه فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ
أَوْ نُهِ ﴾ ۱ فإن كان مخيطاً ولم يلبسه على العادة
المعلومة فلا شيء عليه مثال ذلك أن يكون له قميص فيتغطى به
بالليل أو بالنهار يرميه على ظهره مثل الإحرام أو مثل
المئزر فلا شيء عليه لأنه لم يلبسه على ما جرت به العادة
في ذلك
ومنع عليه السلام بقوله السراويلات كل ما كان يشبه ذلك وهو
أن يكون يُلبَس من المُحرِم إلى أسفل إذا كان مخيطاً ودار
على الإليتين والفخذين وإن سمي بأي اسم أو كان على أي صفة
إذا كان مخيطاً فإن لم يُلبَس على ذلك الوجه الذي جرت به
العادة بأن يأخذ أحد السراويل ولا يدخل فيه ساقه ويشده على
وسطه مثل الإزرة فلا شيء عليه وإن كان مخيطاً لأنه لم
يلبسه على العادة المعروفة في ذلك
ومنع عليه السلام بقوله البرانس كل ما كان يشبه ذلك النوع
وهو أن يكون فيه بعض خياطة ويلبس بعد إدخاله في العنق وإن
كان بعضه مفتوحاً سمّي بأي نوع سُمّي مثل الغفاير ۳
والكباب ٤ والبَلْدَرَانات ٥ وما يشبه ذلك النوع إذا لبِسَ
على تلك الصفة فإذا أخذ أحد بُرنُساً ورماه على ظهره
طاقينِ غير مفتوح الجناحين أو شدّه على وسطه مثل الإزرة
فلا شيء عليه لأنه لم يلبسه على العادة الجارية في ذلك ومن
هنا اختلف مالك والشافعي رحمهما الله فيمن أخذ بُرْداً له
فخلّلها أو عقدها فقال مالك عليه الدم لأنه مثل المخيط
وقال الشافعي لا شيء عليه لأنه ليس مثل ما نص عليه في
المنع هذا تعليل قولهما وأما الذي جاء عنهما فالمنع عن
مالك والجواز عن الشافعي
6
۱ سورة البقرة من الآية ۱۹٦ الإزرة الإزار وهو قطعة من
النسيج تلتف به النساء العربيات عادة عندما يبرزن للجمهور
ويكون كذلك
للرجال
۳ الغفاير جمع غفارة وهي الخرقة تلبسها المرأة فتغطي رأسها
ما قبل منه وما دَبَر غير وسطه
٤ الكباب جمع كب وهو شبيه بالبرنس الذي يلبس فوق الثياب
٥ البلدرانات لباس أندلسي شبيه بالبرانس أو المعاطف
٥٦٧
واختلفا أيضاً في النسيان والعمد أي من فعل شيئاً مما فيه
الفداء ناسياً من هذه أو ما أشبهها من اللباس فأما مالك
فالعَمْد عنده في ذلك والنسيان سواء عليه الفدية فيه
والشافعي لا يوجبها في النسيان
ومنع بقوله ولا العمائم كل ما جعل في الرأس بخياطة كان أو
بغير خياطة لأنه إذا منعنا الذي ليس بمخيط - وهي العمامة -
فمن باب أولى المخيط ولذلك نص العلماء على أن إحرام الرجل
في وجهه ورأسه أي لا يغطيهما بشيء فتكون العمائم التنبيه
بها من باب الأعلى لأنه أعلى ما يُستر به الرأسُ عند العرب
العمائم ليست على أي وجه كان بخلاف البدن لأنه إذا غطى
رأسه ولو بخرقة أو بعضه لزمه الفداء لأنه منع كل ما كان
بغير خياطة كما قدمناه فهو منع كلي سُمّي الذي جُعِل على
الرأس بأي اسم كان أو جُعِل على أي شكل كان
ومنع عليه السلام بقوله ولا الخفاف إلا أحدٌ لا يجد
نَعلَينِ فَلْيَلْبس خفَّينِ ولْيَقْطَعْهما أسفل من
الكعبين منع الخفاف وما أشبهها إذا جاوزت الكعبين على أي
نوع كان سُمّي بأي اسم وأن المستحب في ذلك النعلان وهما
اللذان لا كعب لهما معطوفاً مثل القُرْق ۱ أعني
السَّرْمُوجَة ٢ وما يشابهها من أنواع
ومنع عليه السلام بقوله ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه
زعفران أو ورس جميع الطيب لأنه أقل رائحةً من الطيب قبل أن
يُصبغ به فإذا صُبغ به كانت رائحته أقل وأقل فهو من باب
التنبيه بالأدنى على الأعلى
فيتحصل من الفقه بالمدلولات التي ذكرنا أن الحاج ممنوع من
جميع الطيب والزينة والرفاهية والتنعم قلّ ذلك أو كثر إلا
ما أحكمته السنة في ذلك من لباس الثوب الذي يستر العورة
ويقي البدن من الأذى على ما هو منصوص في كتب الفروع
وهنا بحث وهو أن المتكلم يخاطب السائل بحسب ما يعلم أنه
يفهم عنه يؤخذ ذلك من جواب سيدنا الأعرابي بما ذكر في
الحديث فلولا أنه عليه السلام فهم عنه ما بيناه لم يقتنع
منه بما في الحديث حتى يبالغ له في البيان
ويترتب عليه من الفقه أنه لا يجوز أن يُنظر في حديثه ل هول
و ولا في كتاب الله عزّ وجلّ إلا بما يقتضيه اللسان العربي
لا غير ولذلك قال تعالى ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ
بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَرُونَ ﴾ ۳ أي يفهمون بما
تقتضيه اللغة العربية فيحصل لهم فهم ما أريد منهم فيتذكرون
عند ذلك
۱ القَرْق وهو عند الأندلسيين يشبه الصندل وتكون قاعدته من
الفلين
السَّرْموجة غطاء من لباد للساق يلبس فوق القرق أو الخف أو
هي الخف الواسع الذي يلبس فوق الخفّ ۳ سورة الدخان من
الآية ٥٨
٥٦٨
جها
تبها
نعنا
وام
لأنه
طى منع
ي
نبيه
هيه
33
يقي
لم
3 2 3 "y,
بما
أي
وفيه دليل على البحث في جزئيات الدين يؤخذ ذلك من سؤال
السائل سيدنا عن هذه الجزئيات فجاوبه عليه السلام عليها
وجوابه على ذلك يقتضي جوازه ۱ وفيه دليل على جواز السؤال
في الدين وإن كان الشخص ممن لا يحتاج إلى ذلك في الوقت
يؤخذ ذلك من سؤال هذا عما يلبسه المُحرِم وهو في الوقت ليس
بمُحرِم ومن هذا ذكر أن الشافعي بات عند بعض الأئمة
المعاصرين له - وكان ذلك الإمام الغالب عليه التعبد ـ وإن
كان ذلك حال الأئمة أجمعين رضي الله عنهم فبات ذلك العالم
قائماً يصلي والشافعي مضطجعاً فلما أصبح قالت امرأة العالم
هذا هو الشافعي الذي تثني عليه بنَّ أنت قائماً تصلي وهو
مضطجع لم يتحرك ليلته فذكر ذلك للشافعي فقال له إني جمعت
البارحة في فكري ثمانين مسألة مستنبطة بالدليل والبرهان
فقال ذلك السيد لامرأته هذا الذي عِبْتِه بالاضطجاع استنبط
البارحة ثمانين مسألة مسألة واحدة منها خير من عبادتي كلها
فانظر فضل جميعهم وتناصفهم واحترامهم للعلم رحمهم الله وهو
الحق إذا كان الله
وهنا بحث وهو هل هذه الصفات التي كُلِّف الحاج بها من ترك
المخيط وترك الطيب وترك الرفاهية هل الحكمة فيها معروفة أو
تعبد لا يعقل له معنى فإن قلنا تعبّد فلا بحث وإن قلنا إن
قواعد الشريعة تنبني على نظر الحكمة فيها وقد أرشد الكتاب
العزيز إليها ولولاه ما كانت ايات كثيرة إذا نظر فيها لم
توجد الحكمة فيها ظاهرة ما قبل ذلك وهو قوله تعالى فيه ايت
بينت فإذا لا يُخص هذا اللفظ بشيء من آياته دون شيء أو
بجعله في المحسوس مثل ما قاله بعض الناس من كونها لم يَرَ
بها مجذوماً وما في رمي الجمار من كونها تُرمى في كل عام
ولا يوجد لها أثر فهذه مما هي البعض وفيها تنبيه لمن ينظر
ويتفكر يجدها عديدة وكلُّ يأخذ من عموم هذه الآي بحسب ما
يُفتح له من الفهم فإن الحكمة عجيبة
فمما يظهر بتوفيق الله من الحكمة وجهان
أحدهما وهو كونهم يمشون لكشف ما بهم من الأوزار والأثقال
ومن يمشي إلى مثل هذا الحال فيكون مشيه متذللاً خارجاً عن
حظوظ النفس التي أوقعته في ارتكاب الذنوب لأنه جاء عنه لما
قال مولانا جل جلاله للملائكة إِنِّي جَاعِلٌ فِي
الْأَرْضِ خَلِيفَةٌ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن
يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ
بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا
لَا تَعْلَمُونَ ﴾ ۳
333
1 أي البحث في الجزئيات سورة ال عمران من الآية ۹۷ سورة
البقرة من الاية ۳۰
09
غضب الله عزّ وجلّ عليهم فطافوا بالعرش أسبوعاً واستغفروا
وتابوا فتاب بفضله عليهم ثم قال لهم ابنوا في الأرض بيتاً
يطوف به المذنبون من بني ادم فأتوب عليهم كما تبت عليكم
وأغفر لهم كما غفرت لكم فبنوا البيت ۱ فمن يأتي بهذه الصفة
ينبغي من طريق الحكمة
التناسب بين الحال والمقصد
أما ترى لما كان الخروج إلى العيد إلى طلب رحمته عزّ وجلّ
عقب خروجهم من العبادة المتقدمة - وهي الصوم - كانت بالطيب
وحسن الثياب موافقة لحال الاستقامة والامتثال لما به
أُمروا ولما كان الخروج إلى الاستسقاء خروجاً إلى كشف ما
نزل من الضر كان الخروج على هيئة تضرع ومسكنة من أجل ما
ارتكبوا من الذنوب لأنه جاء أن العبيد إذا أذنبوا منع الله
عزّ وجلّ المطر من أجل ذنوبهم فخرجوا في مَسْكَنَة وقشَف
من الحال حتى يكون رفع الأيدي بظهورها
إلى السماء رَهَباً من أجل تناسب الحال فكذلك هنا بل يكون
هذا أعظم لأن الطلب فيه أعظم وفيه وجه آخر لما كان فيه
شَبَه بالمحشر لأن المحشر يجتمع فيه الناس في يوم واحد من
كل الأرض وكما أن المحشر هو مواقف كذلك هنا مواقيت للجمار
ومواقيت للمبيت بمنى وبالمزدلفة إلى غير ذلك كما أن الخروج
من هذه الدار ومفارقة الأهل والمال وليس له من ذلك كله إلا
قدر زاده إلى الآخرة من الكفن وما يتجهز به كذلك الحاج
مفارقته للأهل والوطن الذي قد جعل مقروناً بالموت لقوله
عزّ وجلّ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ
اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَرِكُم مَّا
فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ۳ وكذلك ليس له من ماله
إلا قدر زاده لسفره وهذا على الغالب من ﴾ عادات الناس
والغير يتركه كله
ε
وكما له بعد الموت مواقف دون القيامة وأهوال يخلص الله
منها من يشاء أو يُهلك فيها من يشاء كذلك طريق الحج ما فيه
من المكابدة وقد قال الله تعالى لَمْ تَكُونُواْ بَلِفِيهِ
إِلَّا بِشِقِّ الأَنفُسِ ٤ ومن الناس من يَهْلِك في طريق
الحج كما يهلك هناك غير أن بين الهلاكينِ فَرْقاً ما لأن
الهلاك هنا يذهب بالروح من الجسد وقد تكون فيه سعادته
وهناك بكثرة الأهوال وعدم التخلص منها فهو هلاك شقاوة
وخسران غير أنه هناك يقفون عراة وقد كانوا يقفون قبل
الإسلام عراة إلا أنه أحكمت السنة هنا نوعاً من اللباس من
أجل ستر العورة لأن ذلك الهول هناك يمنع أن
1 لم نقف على مصدره
القشف المذلة ۳ سورة النساء من الآية ٦٦
٤ سورة النحل من الآية ٧
۵۷۰
ليهم
یکم
حكمة
لعبادة
مروا
ضرع
عنهم
ورها
ـد من
یعنی کله
جعل
من
ف
شرقاً
عدم
ينظر أحد عورة أحد وليس هنا مانع من النظر فأمر بسترها
هناك لا طيب فيه لأحد وهنا مثله وهناك الأمر فيه والحكم
الله لا لغيره وذهبت الدعاوى كلها كذلك هنا فيها يرجى من
المغفرة لا حيلة في ذلك لأحد الكل مستسلمون ينتظرون ما
يحكم الله عزّ وجلّ فيهم وقد أخبر عن بعض المباركين أنه
لما أن حج وفرغ غلبت عيناه فنام فرأى كأن ملكين نزلا من
السماء فقال أحدهما للآخر كم حج بيت ربنا العام قال له
ستمائة ألف قال كم قبل منهم قال ستة فاستيقظ مذعوراً وقال
مَن لي حتى أكون واحداً من ستة ثم نام ثانياً فرأى الملكين
قد نزلا وأعادا السؤال الأول ثم الثالثة مثل ذلك فقال له
فما فعل ربنا في الباقين قال شَفّع كلَّ واحد منهم في مائة
ألف واستيقظ فرحان فجاء الشبه على هذه الحكاية مثل القيامة
ناج وضده
ومقبول وغير مقبول ومشفوع فيه وشافع لكن بإذنه وفضله وقد
يكون للمجموع ويترتب عليه من معرفة الحكمة أنه لا يُنال
الخطير من القُرَب إلا بالخطير من المجاهدات والتعبدات
لأنه لما كان هذا موطناً تغفر فيه الجرائم العظام كما جاء
عنه أنه لم يُرَ الشيطان أصغَرَ ولا أحقَرَ من يوم عَرَفة
لما يعاين من تجاوز الله عن الكبائر العظام يحثو التراب
على رأسه ويقول قوم قد فتنتهم منذ خمسين أو أربعين سنة ثم
غُفِر لهم في ساعة ۱ أو كما قال عليه السلام فالوصول إلى
هذا ليس بالهين بل بالجهد العظيم إلا من مَنّ الله عليه
بالتيسير من طريق الفضل
وفيه تنبيه على أن يتذكر به ذلك الموقف الذي يشبهه فيكون
سبباً لصدق اللجأ إلى المولى الكريم وكثرة الرغبة إليه
وإظهار الافتقار الذي به يرجى الخير كله لقوله تعالى أمَّن
يُجيب الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ٢ وهو سبحانه لا يُخلف
الميعاد
جعلنا الله ممن مَنّ عليه بفضله بلا محنة لا ربّ سواه وصلى
الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً
اعلام
أن
1 رواه الإمام مالك في الموطأ مرسلاً قال الزرقاني وصله
الحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء رضي الله عنه وأوله ما
رئي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أغيظ منه في
يوم عرفة الخ
سورة النمل من الآية ٦٢
۵۷۱
حديث جواز الشرب من السقاية
عن ابن عبّاس رضيَ الله عَنهُما أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم جاء إلى السقاية ۱ فاستقى فَقالَ العبّاسُ يا
فَضلُ اذْهَب إِلى أَمْكَ فَانتِ رَسولَ الله بِشرابِ مِن
عِندِها فَقال اسقني فقال يا رسول الله إنّهُم يَجعلون
أيديهم فيهِ قَالَ اسقِني فَشَرِبَ منهُ ثُمَّ أَتى زمزم
وهم يَسقُونَ ويَعمَلونَ فيها فقال اعملوا فإنَّكُم على
عمل صالح ثُمَّ قَالَ لَولا أن تُغلبوا لنزلتُ حتَّى أضعَ
الحَبل على هذِهِ يَعني عاتقه وَأشار إلى عاتِقِهِ
6
ظاهر الحديث يدل على طهارة الماء المستعمل وهو مذهب مالك
رحمه الله ويدل على طهارة المؤمنين ومدح أفعال البر للذين
يفعلونها فأما طهارة المؤمنين والماء فلكون النبي شرب من
السقاية بعد أن أخبر أن الناس يضعون فيها أيديهم وإن كان
وقوع النجاسة يتطرق بالاحتمال لبعضهم بعلمٍ منه أو بغير
علم فبين الله بشربه أن الممكن في هذا الموطن وما أشبهه من
المياه وما يمكن أن يكون قد خالطها من طريق الاحتمال لا
يُلتفت إليه وإنما يُعمَل على ما تحقق من ذلك وأن الأصل
البراءة فيعمل عليه وأن الماء طاهر في ذاته كما جاء في بئر
بضاعة ۳ الذي كان يُرمى فيه خرق الحيض وكان مستقذراً في
الظاهر فسئل عنه عليه السلام فقال خلق الله الماء طهوراً
لا ينجسه شيءٌ إلا ما غَيَّرَ طَعْمَه أو لونه ۳ فطرد
القاعدة وألزمها استصحاب
1 السقاية موضع السقي والإناء الذي يسقى به بئر بضاعة بضم
الباء وقد كسره بعضهم وهي دار بني ساعدة في المدينة
المنورة وبئرها معروفة وفي الخبر أن النبي أتى بئر بضاعة
فتوضأ من الدلو وردّها إلى البئر وبصق فيها وشرب من مائها
وكان إذا مرض المريض في أيامه يقول اغسلوني من ماء بضاعة
فيُغسَل فكأنما أنشط من عقال وقالت أسماء بنت
أبي بكر كنا نغسل المرضى من بئر بضاعة ثلاثة أيام
فيُعافَون بإذن الله انظر معجم البلدان ٤٤٣/١ ۳ لفظ الحديث
إن الماء طهور لا يُنجسه شيء أخرجه الإمام أحمد وأبو داود
والترمذي والنسائي عن أبي سعيد
رضي
الله عنه
۵۷
ن
الحكم وعلى هذا أجاز الفقهاء الوضوء من الجوابي التي على
الطرق والدواب تشرب منها ويخالطها ما في أنوفها من القذر
إلى غير ذلك مما في أيدي الناس وأرجلهم من الغبار واحتمال
النجاسة أن تكون حلّت فيه
الفقهاء
وفيه دليل على طلب شرب الماء وإن كان في الحَضَر وليس
كغيره وقد ذكر ذلك بعض
وفيه دليل على أن ما جُعِل في السبيل ولم يُسمَّ بصدقة أنه
حلال للغني والفقير وليس بصدقة ولا يتعيّن على أحد فيه منة
يؤخذ ذلك من أن النبي شراب او امن عمل هؤلاء أهل السقاية
وهم الكل خرجوا عنه الله فلو كان يجري مجرى الصدقة لما
شربه هو فإن الصدقة عليه حرام وكذلك لو كان فيه مكروه ما
فعله يؤخذ ذلك من كونه عليه السلام جاء بنفسه المكرمة إلى
السقاية فاستسقى
وفيه دليل على جواز جواب السائل بأعلى مما طلبه على ما
يراه المطلوب منه يؤخذ ذلك من
قول العباس بدلاً من أن يعطي قال للفضل اذهب إلى أمكَ
فَائتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب وفيه دليل على
جواز ذكر النساء بمحضر أهل الفضل وجمع الناس وليس في ذلك
مكروه يؤخذ ذلك من قوله اذهب إلى أمك بحضرة النبي الله ومن
معه ولم يعتب عليه النبي ل وما قال له في ذلك شيئاً وجرت
عادة بعض الناس اليوم إذا ذكروا النساء ذكروا بعد ذلك
حاشاك وجعلوها من الأدب بل هي من البدع
وفيه دليل على جواز تبريد الماء يؤخذ ذلك من قوله اذهب إلى
أمك فائت بشراب لأن ماء الحجاز إذا عَرب ۱ برد وطاب فلو لم
يكن جائزاً ما فعله العباس ولا سكت له النبي
حين سمعه
ويؤخذ منه أن الذي يقصد وجهاً ما في حاجته ليس عليه بيانها
يؤخذ ذلك من أن النبي لم يمنعه من قبول ما أمر العباس به
ابنه من إتيانه بالماء إلا ما قصد هو من تقعيد قاعدة شرعية
- كما قدمنا ذكرها - من طهارة الماء المستعمل وغيرها
وزيادة على ذلك رفع التكلف وهي الله عنها ما خُيّر رسول
الله صلى الله عليه وسلم بين أمرَينِ إلا اختار
طريقته عليه السلام لقول عائشة رضي
أيسرهما ما لم يكن إثما ٢
۱ عَرِب الماء صفا وكثر
عليه وهو جزء من حديث وتمامه فإن كان إثماً كان أبعد الناس
عنه وما انتقم رسول الله له لنفسه
في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم
۵۷۳
وفيه دليل لأهل الصوفة الذين يقولون بترك التكلف
وفيه دليل على أنه إذا اجتمع حظ النفس وأمرُ ما فى الدين -
ولو كان مندوباً - قدم الدين يؤخذ ذلك من أن شرب الماء
البارد فيه راحة للنفس والشرب من السقاية فيه من الفوائد
الدينية ما ذكرناه فآثر هو الله ما هو للدِّين على ما هو
للنفس وقد نص عليه السلام على ذلك فقال
أنتم في زمان يُبدون أعمالهم قبل أهوائهم وسيأتي زمان
يُبدون أهواءهم قبل أعمالهم 1 وما قلنا إنه من قصد مقصداً
في فعله لا يلزمه ذلك - بمقتضى ما قدمناه ـ هل يعارضنا
قوله عليه السلام حين صلى بوضوء واحد الظهر والعصر ولم تكن
عادته عليه السلام قبلُ إلا الله عنه فقال عليه السلام
عمداً فَعَلْتُه يا عمر الوضوء لكل صلاة فذكره عمرُ رضي
فالجواب عن الفرق بين المسألتين أن تلك كانت له عادة فذكره
عمر من أجل احتمال النسيان فحينئذ جاوبه عليه السلام لرفع
الإشكال وهنا لم تكن عادةً متقدمة يقع من أجلها إشكال ففعل
ولم يقل لعلمه أن فعله في التعليم أبلغ وأثبت
وفيه دليل على أن المرأة هي المتصرفة فيما في البيت يؤخذ
ذلك من قول العباس اذهب إلى أمك فلو لم يكن الحكم والتصرف
لها لقال له اذهب أنت إلى الموضع الفلاني أو إلى الشخص
الفلاني الذي يكون له التصرف ويؤخذ منه الندب إلى مشاركة
الأهل في المعروف يؤخذ ذلك من قوله لابنه اذهب إلى أمك
فائت رسول الله له بشراب لكي يخبرها فيحصل لها نية في
تحسين الشراب وتنظيف الإناء فيكون لها في ذلك أجر وسرور
وفيه من الأدب أن يُكنَى عن الشخص بأعلى أسمائه يؤخذ ذلك
من قوله ائت رسول الله
لأنه أعلى أسمائه عليه السلام ولم يقل ابن أخي ولا غير ذلك
وفيه دليل على أن الاختصار في الجواب والسؤال إذا فُهِم
المقصود هو الأولى يؤخذ
ذلك من قوله حين ذكر له أنهم يجعلون أيديهم فيه اسْقني ولم
يَزِد على ذلك شيئاً وفيه دليل على أن من السنة الانصراف
عند الفراغ من الشراب أو الأكل يؤخذ ذلك من قوله فشرب منه
ثم أتى زمزم أي تحوّل بعد شربه منه إلى أن مشى إلى زمزم
ومن المعروف إثباغ
1 لم نقف على مصدره هكذا وقد تقدم الكلام عنه في الحديث ١٤
فليراجع ونصه كما ورد إنكم أصبحتم في زمن كثير فقهاؤه قليل
قراؤه وخطباؤه قليل سائلوه كثيرٌ مُغطوه العمل فيه خيرٌ من
العلم وسيأتي على
الناس زمان قليل فقهاؤه كثيرٌ خطباؤه قليل معطوه كثيرٌ
سائلوه والعلم فيه خير من العمل هكذا قال الشارح رحمه الله
تعالى والذي في الصحيح أن النبى الله صلى الصلوات يوم
الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال عمر لقد صنعت اليوم
شيئاً لم تكن تصنعه فقال عليه السلام عمداً صنعته يا عمر
رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي
٥٧٤
المعروف بالمعروف لأنه عليه السلام مشى من هنا بعدما قعد
أحكاماً ـ كما ذكرنا - إلى موضع آخر وإن كان الحكم فيهما
سواء لأن هؤلاء يسقون فيكون مشيه عليه السلام لهؤلاء
الآخرين لإدخال السرور عليهم لأنه عليه السلام لو لم يمش
لهؤلاء لبقيت قلوبهم منكسرة وكان الناس أيضاً يفضلون
السقاية على زمزم يقولون النبي ما أتى السقاية ولم يأتِ
زمزم فجاء مشيه عليه السلام إلى هؤلاء معروفاً ثانياً
وقوله فقال اعملوا فإنكم على عمل صالح يؤخذ منه ندب العمل
لأهله إذا كانوا يعملونه كما قدمناه أولاً وفيه من الفائدة
أنه تنشيط للعامل على عمله وترغيب له فيه وقد قال عزّ وجلّ
وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالنَّقَوَىٰ ۱ بخلاف مدح
الشخص لقوله عليه السلام قطعتم ظهر الرجل لأن مدح ال قد
يحصل منه العُجب وهو سُمّ قاتل ومدح العمل ليس فيه ذلك بل
هو كما ذكرناه ترغيب فيه مثال ذلك إذا رأيت شخصاً يصوم
تَذكُر له ما جاء في الصوم أو يجاهد تذكر ما جاء في الجهاد
فذلك تقوية له على ما هو بسبيله وقوله على عمل صالح أي
تُثابون عليه لأن الأعمال الصالحات فائدتها ما يترتب
عليها من الثواب
وفيه جواز ترك العمل ما لم يكن فرضاً لما يترتب عليه من
منع توفيته أو مكروه يقع من أجله يؤخذ ذلك من قوله عليه
السلام لولا أن تُغلَبوا لَنزلتُ حتى أضعَ الحبل على هذه
فبيّن عليه السلام أنه ما منعه من الفعل إلا أنهم يُغلبون
عليه حتى لا يتركوه وقد يحصل لبعضهم من الازدحام عليه من
أجل ما يرغبون فيه أذى
وفيه دليل على طلب التبرك بالمباركين يؤخذ ذلك من أنهم لم
يكونوا يأخذون الحبل معه عليه السلام إلا أنهم يرغبون في
البركة التي تحصل لهم من اجتماعهم معه عليه السلام في
حَبْل واحد فإنه يرجى من الكريم إذا قبل عملَ من له عنده
حُرمة لا يترك ۳ من كان معه فيه مشاركاً كيف وقد قيل هُمُ
القومُ لا يَشقَى بهم جَليسُهم فهذا بالمجالسة فكيف
بالمشاركة
ويترتب على هذا بحث يَحُضّ على مخالطة أهل الفضل في كل
الأحوال رجاءَ الفضل من فضلهم لأنهم ما جُعِلوا إلا رحمة
فينبغي أن نغتنم تلك الرحمة من واهبها ولذلك فاق أهل
الصوفة الناسَ في هذا التحسين في ظن بعضهم ببعض
1 سورة المائدة من الآية ٢
رواه البخاري في الشهادات ومسلم في الزهد عن أبي موسى
٥٧٥
يريد ألا يترك
وقد دخلت قرية بالأندلس تسمى بَلْفِيق ۱ وكانت موطن الشيخ
المبارك أبي إسحاق
نفع الله به وبأمثاله فلا تمشي فيها تسأل أحداً منهم عن
أحد أين هو إلا أن يكون جوابه عن ذلك الشخص سيدي فلان نفع
الله به في الموضع الفلاني هذا في غيبة الشخص وأما بحضرته
فلا يزيد أحد منهم لأحد على السلام الشرعي شيئا وإن ناداه
باسمه لا يزيد عليه شيئاً هكذا رأيتهم
مدة ما كنت معهم لم يتغيروا عنه وفيه دليل على الكلام
بالإشارة وليس من العِي يؤخذ ذلك من قوله على هذه وأشار
إلى عاتقه
وفيه دليل على أن إشارة ذي الفضل ليس فيها اعتراض عليهم
ولا تنقص بهم ولا خلل في منزلتهم يؤخذ ذلك من إشارته عليه
السلام إلى عاتقه وفيه دليل على أن الحكم للمعاني لا لظاهر
الألفاظ يؤخذ ذلك من أن إشارته عليه
السلام إنما باشر بظاهرها الثوب الذي على العاتق والمعني
بها العاتق الذي تحته وفيه دليل لأهل الإشارات وأن الإبلاغ
فيها فيما خفي ودَقَّ يؤخذ ذلك من فعله عليه السلام ما
تقدم ذكره من الإشارة إلى العاتق والمقصود تلك النفس
المباركة
وهنا بحث وهو لم قال لأهل زمزم اعملوا فإنكم على عمل صالح
وقال في الصلاة أفضلُ الصَّلاةِ صلاة المرء في بيته إلا
المكتوبة ۳ فوجه الفقه في ذلك أنه ما كان من النوافل من
جميع الخير يمكن فيها الإخفاء والإظهار فالإخفاء أفضل وما
كان منها لا يمكن بالوضع إخفاؤه كمثل السقاية وتدريس العلم
والجهاد وما أشبه ذلك فالأفضلية فيه بتعدي النية فيه لقوله
عليه السلام أوقع الله أجره على قدر نيته ٤
ومن أجل هذا الشأن فضل أهل السلوك غيرهم لأنهم ناظرون
أبداً في ترفيع أعمالهم إما بالنية أو بالقول أو بالفعل أو
بالزمان أو بالمكان أو بالمجموع ولذلك قال كفى بالعبادة
۱ بلفيق قرية أندلسية من إقليم المريَّة ويروي التلمساني
في نفح الطيب أن بلفيق وأندرش لم ترتدا عن الإسلام بعد
خروج المسلمين من الأندلس وذبح سكانهما عن بكرة أبيهم أيام
محاكم التفتيش أبو إسحاق هو إبراهيم بن مسعود الألبيري
شاعر أندلسي وفقيه زاهد اشتهر بغرناطة وأنكر على ملكها
كونه استوزر ابن نغزلة اليهودي فنفي إلى البيرة فثارت
صنهاجة على اليهودي وقتلوه له ديوان شعر معظمه في الزهد ت
٤٦٠هـ / ١٠٦٨م
۳ جزء من حديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن
زيد بن ثابت رضي الله عنه ٤ جزء من حديث طويل رواه الإمام
مالك والإمام أحمد وأبو داود والنسائي في الجنائز
٥٧٦
لا
شغلاً 1 لأن صاحب هذا الشأن مثل تاجر الدنيا على معظم ما
معه من المال لا يزال في تنميته بجميع وجوه التنمية فكذلك
أهل المعاملات مع مولاهم ليس لهم شغل ولا قرة عين إلا فيما
فيه
رضاؤه عزّ وجلّ
ولبعضهم إن العين إذا لم تَرَكُم لم تَرَ شيئاً يسرها وإذا
أبصَرَتْكم لم تَرَ شيئاً يَسوؤُها فتجلي جلالكم جَبْرُ
كَسْرِها كجبر غيث السماء في جذب أرضها فيحرمة ما تعلمون
من ضعفها
فلطفكم جبرٌ لِرَهَف حالها
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 جزء من حديث رواه البيهقي في شعب الإيمان وأوله كفى
بالموت واعظاً وكفى باليقين غنى إلخ
۵۷۷
حديث تقديم صلاة الفجر بالمزدلفة يوم النحر
عَن عبد الله بن مسعود رضيَ الله عَنهُ قالَ ما رأيتُ
رَسولَ الله صَلَّى الله علَيهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلاةٌ
لِغَير ميقاتها إلا صلاتينِ جَمعَ بينَ المَغربِ وَالعِشاء
وصَلَّى الفَجْرَ قَبلَ ميقاتِها
وَذلِكَ في الحَج
*
*
ظاهره يدل على إيقاع هاتين الصلاتين في غير وقتيهما وليس
على ظاهره بدليل أن أوقات الصلوات قد حدّها جبريل عليه
السلام للنبي الله وقال ما بين هذين وقت ۱ ولكن لما كانت
عادته عليه السلام في صلاة الصبح أنه ما يصليها إلا بعد
الفجر بهنيهة كما جاء أنه عليه السلام كان يصليها بغَلَس -
والغَلَس بقية من ظلمة الليل - وفي المزدلفة عند أول
انشقاق الفجر ٣ فأخرجها - يعني وقوع الصلاة نفسها ـ عن
الوقت الذي كان يوقعها فيه كما تقدم ولذلك ذكر أنه لما
حجّت ميمونة رضي الله عنها زوج النبي بعد وفاته مع الله
عنه فلما كان في الصبح من ليلة المزدلفة عند أول انشقاق
الفجر قالت إن كان عثمان يوافق السنة فنصلي الآن فلم تتم
الكلام إلا والمؤذن يقيمُ الصّلاة وأما صلاة المغرب فكانت
عادته عليه السلام يصليها أول الوقت 4 وكذلك صلاها
رضي
عثمان
۱ قطعة من حديث طويل رواه الإمام الشافعي وأحمد وأبو داود
والترمذي وابن خزيمة والدارقطني والحاكم عن ابن عباس رضي
الله عنهما انظر فتح الباري ۹/ صلاة رسول الله له بغلس
رواها البخاري في مواقيت الصلاة باب وقت المغرب وباب وقت
العشاء ورواه مسلم رقم / ٦٤٦ / في المساجد من حديث جابر
رضي الله عنه مرفوعاً
۳ صلاة رسول الله لها في المزدلفة رواها مسلم من حديث جابر
رضي الله عنه في حجة النبي رقم ۱۱۸ ورواها البخاري ومسلم
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ٤ رواه مسلم عن أبي
موسى الأشعري رضي الله عنه رقم ٦١٤ وعن بريدة رقم ٦١٣
ورواه أبو داود عن ابن عباس رضي الله عنهما رقم ۳۹۳
والترمذي رقم ١٤٩ وفيه إمامة جبريل للنبي عليه السلام
۵۷۸
به
جبريل عليه السير جمع بين الصلاتين المشتركتين الظهر
والعصر والمغرب والعِشاء وكانت سنته عليه السلام في الجمع
إن كان رحيله قبل وقت الأولى أخرها حتى يصليها مع الأخرى
وإن كان رحيله بعد دخول وقت الأولى صلاهما معاً في أول وقت
الأولى ۳
فجاء عند نفوره عليه السلام من عَرَفة بعد دخول الوقت فنفر
بالناس فقال له
أسامة رضي الله عنه الصلاة يا رسول الله فقال له الصلاة
أمامك ٤ ٤ - يعني - يعني وَقتُ وقوعها موضعه أمامك - حتى
وصل المزدَلِفَة فصلى المغرب والرواحلُ قائمة ثم حَط
الرحالَ وصَلوا العشاء فجاء في هذه الصلاة تغييرات مما
كانت عادته عليه السلام أنه يصلّي إذا جمع في السفر وقد
دخل وقت الأولى الصلاتين معاً - كما ذكرنا - فصَدَق ما
قاله الراوي لأنه صلاها في غير وقتها
وزيادة على غير الصفة المعهودة كما ذكرنا
وهنا بحث وهو هل هذه الصفة التي جعلها و في هاتين الصلاتين
تعبد لا تُعقل حكمته أو الحكمة فيه معقولة فالجواب أن
الحكمة - والله أعلم - معقولة لأنا إذا علمنا ما الحكمة في
كونه عليه السلام كان يجمع إذا جَدّ به السير علمنا ما
الحكمة هنا وقد ثبت أنه عليه السلام لم يكن يجمع إلا إذا
جدَّ به السَّير لأمر يخاف فواته فهو من قبيل الرفق بأمته
ولوجه اخر وهو من أجل جمعية الباطن في الصلاة لأن من يكون
قلبه متعلقاً بأمر يفوته قل ما يكون مع ذلك حضورٌ هذا في
حق غيره لأنه عليه السلام عند رؤية تلك الآيات العظام في
عالم الملكوت كان كما أخبر الله عزّ وجلّ عنه بقوله مَا
زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى ٥ فكيف هنا فنجد في هذا
الموطن إذا تأملناه التشويش بالنسبة للغير أكثر لكثرة
الناس وما هم فيه من الدهشة
1 رواه البخاري في مواقيت الصلاة ومسلم من حديث جابر رضي
الله عنه أنه عليه السلام كان يصلي المغرب إذا رواه
البخاري ومسلم من حديث أنس وابن عباس رضي الله عنهم ومسلم
من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه
وجبت الشمس
والشيخان من حديث ابن عمر رضي الله عنهما
۳ رواه مسلم من حديث معاذ باب الجمع بين الصلاتين في الحضر
وأبو داود والترمذي وفيه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر
والعصر فإن رحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل
للعصر وفي المغرب مثل ذلك إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع
بين المغرب والعشاء
فإذا ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء
ثم يجمع بينهما ٤ رواه البخاري في الوضوء ومسلم في الحج
باب الإفاضة من عرفات إلى مزدلفة
0
سورة النجم من الاية ۱۷
۵۷۹
وفيه أيضاً استدراك أمر يُخاف فواتُه وهو تمام هذا الركن
العظيم الذي مدار الحج كله عليه لقوله عليه السلام الحَجَّ
عَرَفة ۱ أي معظم الحج عَرَفة وباقي الليلة له فلا يتم
المقصود فيه بتمامه إلا بالخروج من محله وبقعته فتسكن
النفس عند فوزها بهذا الخير العظيم وتستقبل ذلك الركن الذي
يليه وهو المبيت بالمزلفة بعبادتين وهما أداء فرضين في وقت
واحد وتوسعة أيضاً كما قلنا - في الجمع بين الصلاتين عند
جَدّ السَّير لكون الناس في ذلك الوقت قد تتعذر عليهم
الطهارة أيضاً إلى غير ذلك من الضرورات وكان عليه السلام
بالمؤمنين رحيماً وتأمل ذلك المعنى الذي أشرنا إليه تجده
لأنه ترفيع أيضاً للركن الذي يلي عرفة وهو المزدلفة لكونه
أول عمل يعمل فيها صلاة المغرب قبل حط الرواحل ليكون
استفتاح الشغل بها عبادة كبرى وهي أداء صلاة المغرب وقد
جاء في فضلها ما جاء
وفيه دليل على ما يقوله العلماء أن القاعدة الشرعية إذا
جاء ما يعارضها يُتأول يؤخذ ذلك من أن الصحابي رضي الله
عنه لما عرف أن قد ثبتت أوقات الصلوات ولا يدخلها نسخ بعد
ثَبَتَتْ وفاته أطلق اللفظ بأن قال صلى صلاة لغير وقتها
لعلمه بأن القاعدة لا يدخلها نسخ فلا يقع إشكال على أحد
بإطلاق لفظه
وفيه دليل على أن من داوم على شيءٍ عُرف به وإن خالفه يجوز
الإخبار عنه أنه قد خرج عما كان عليه وإن كانت اللغة أو
الشريعة لم تخرجه عن ذلك بمدلولاتها يؤخذ ذلك من كون النبي
كانت له عادة في صلاة الصبح لم يكن يخرج عنها وكذلك في
الجمع في السفر فلما خرج هنا عن تينك العادتين - كما ذكرنا
- وإن كان دلالة الشرع لم تخرجه حقيقة عنها أطلق الصحابي
رضي الله عنه أنه صلاها في غير وقتها
وفيه دليل على جواز الإخبار باللفظ المحتمل ولا يبين ماذا
أراد منهما بصيغة ما يؤخذ ذلك من قول الصحابي رضي الله عنه
صلاها لغير ميقاتها وهو لفظ محتمل أن يريد وقتها المفروض
لها أو وقتها على جري العادة في إيقاعها ولم يأت في اللفظ
بما يدل على واحد منهما وفيه دليل على أن ثبوت العمل
يُستَغنَى به عن تخصيص المحتمل يؤخذ ذلك من أنه لما كان
فعله في الحج معروفاً عندهم وعلته لا تَخفَى عليهم أجمَلَ
لهم اللفظ بقوله صلى صلاة
لغير ميقاتها
وفيه دليل على أن من الدين ذكرَ الحكم في الدين والتحدث به
وإن كان شائعاً بحيث لا
۱ رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عبد
الرحمن بن يعمر الديلمي وتتمته من جاء ليلة جمع قبل طلوع
الفجر فقد أدرك الحج أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا
إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه
۵۸۰
يخفى يؤخذ ذلك من كون هذه الصلاة عن سيدنا مشهورة والعمل
عليها لم ينقطع إلى هَلُمَّ
جَراً وعبد الله بن مسعود يتحدث فيها
وقد كنت لقيت بعض السادة في العلم والعمل فإذا اتفق
اجتماعهم يوماً ما عند بعضهم لم يكن حديثهم إلا في مسائل
الدين أو في أحوال القوم ليس إلا ومثل ذلك كان المروي عن
الصحابة والسلف رضي الله عنهم أنهم إذا تلاقوا يقولون
تعالَ نُؤْمِنُ أي نتحدث في مسائل الإيمان لأن كل شيء إذا
كَثر الكلام فيه قد يحصل فيه ملل في بعض الأوقات أو ضيق
صدر في وقت ما إلا الكلام في الإيمان وفروعه وأحوال أهله
فإن ذلك عند أهل التحقيق يزيد به إيمانهم مثل العلم إذا
أنفق منه زاد وغيرُه إِذا أُنفق منه نَقَص
فعليك برأس مال إذا أنفقت منه زادَ ونَما وتَرفَّه به غيرك
واستغْنَى ولم ينقصك شيئاً ولذلك قال بعض الحكماء أعطِيةُ
العالم ربانية يعطيك الشيء برمته ولا يَنقُص مما عنده شيء
لأنه إذا عَلَّمك العلم قد قد حصل عندك جميع ما كان يعرفه
ولم ينقص له مما عنده شيء بل زاده تجديداً فإن ذكرَ العِلم
زيادة تنبيه له مع زيادة الأجر الذي هو خير من الكل
وفيه من الفقه أن روايته - وإن كان العمل ثابتاً ظاهراً -
أقطع لحجة الخصم وأثبت إذ إنّ ذلك كان حكم الله على لسان
رسوله ونقل عدل عن عدل فلو لم يكن هذا الإمام يتحدث بهذا
الحديث - وإن كان العمل باقياً عليه من أي طريق - كنا نحن
نقطع بأن هذه هي سنة رسول الله الله للخصم إذا جاءه أو
للنفس إذا أرادت الوقوف على حقيقة دينها وقد قيل في الدين
كن مجتهداً ولا تأخذه إلا من أصل كتاب الله وسنة نبيه له
وإجماع وقياس إن عرفت شرطه وخامس ليس طريقه العدول عن
القياس إلى الاستحسان وإنما طريقه المصالح المرسلة كما هو
مذهب المالكية ١
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
الـ ۱ الأصل الخامس عند الحنابلة هو الاستحسان ويعرفونه
بأنه العدول بحكم المسألة عن نظائرها بدليل شرعي وعند
المالكية الأصل الخامس هو المصالح المرسلة ويعرفونها بأنها
المُطلقة عن النصوص الخاصة ولها أصل في النصوص العامة في
الشريعة من كتاب وسنة ومن أمثلة المصالح المرسلة عندهم جمع
القرآن في مصحف واحد وقتل الجماعة بالواحد ومصادرة أموال
الولاة إذا استغلوا مراكزهم وتوريث مطلقة الفار الذي يطلق
زوجته في مرضه فراراً من إرثها وجواز تنصيب الأمثل للإمامة
ولو لم يكن مجتهداً وجواز أخذ أكثر من نصاب الزكاة لسدّ
حاجات المسلمين إذن طريق الأصل الخامس عند المالكية هو
المصالح المرسلة وهي كل ما فيه دفع ضرر أو جلب مصلحة أو
رفع حرج عن الأمة
۵۸۱
حديث الصدقة بجلال البذن التي تُنحَر وجلودها
عَن عَليَّ ١ رَضِيَ الله عَنهُ وكَرَّمَ الله وجههُ قالَ
أَمَرني رَسُولُ الله أن
أتَصدَّقَ بِجلال البُدْنِ التي نُحِرَت وَبِجُلودِها
* *
ظاهر الحديث يدل على الأمر بالصدقة بجلود البدن وجلالها
والكلام عليه من وجوه منها هل الأمر على الندب أو على
الوجوب وما الفائدة في إخبار الإمام بذلك وما الحكمة بأن
خَص النبي بذلك عَلِيّاً رضي الله عنه
فأما الجواب عن الأمر فهو على الندب لوجهين أحدهما أن
الصدقة من الهَدْي وإنما هي على طريق الندب بتقرير ذلك من
السنَّة فلا تكون صدقة الجِلال أعلى منها و الوجه الآخر أن
جَعَلَ الجِلال التي تُكسَى بها البُدْنُ ليست مثل الجلود
فإن الجلود حكمها مثل حكم البُدْنِ من وجوب أو ندب إذا
كانت واجبة أو ندباً على أحد الاحتمالين فليست الجلود تختص
بحكم
۱ علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي أبو الحسن
أمير المؤمنين رابع الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين
وابن عم النبي وصهره وأحد الشجعان الأبطال ومن أكابر
العلماء والخطباء والقضاة وأول الناس إسلاماً بعد خديجة
ولد بمكة وربي في حجر النبي ا ا وكان اللواء بيده في أكثر
الله
المشاهد ولما اخى النبي عليه السلام بين أصحابه قال له أنت
أخي ولي الخلافة بعد مقتل عثمان رضي عنه سنة ٣٥هـ وكثرت
الفتن في أيامه وانقلبت إلى حروب منها وقعة الجمل و صفين
ثم كانت حادثة التحكيم وبعدها انشق المسلمون ثلاثة أقسام
الأول بايع معاوية رضي الله عنه وهم أهل الشام والثاني
حافظ على بيعة علي رضي الله عنه وهم أهل الكوفة والثالث
اعتزلهما وخرج على عليّ لرضاه بالتحكيم فكانت معركة
النهروان وكفر الخوارج علياً رضي الله عنه ودعوه إلى
التوبة فقاتلهم واغتاله عبد الرحمن بن ملجم المرادي
الخارجي وهو يصلي في ۱۷ رمضان سنة ٤٠ هـ ٦٦١ م رضي الله
عنه وكرّم وجهه ٤٠هـ / الجلال مفردها الجَلَّ وهو ما تغطى
به الدابة لتصان والبدن مفردها بَدَنة وهي ناقة أو بقرة
تنحر بمكة قرباناً ومنه قوله تعالى والبُدْنَ جَعَلْنَهَا
لَكُم مِّن شَعَدِيرِ اللهِ
۵۸
وحدها دون اللحم فإن كانت البَدَنَة مما لا يجوز لصاحبها
الأكل منها فلا يجوز له بيعها أعني الجلود ولا الانتفاع
بها والذي لا يجوز لصاحبها أن يأكل منها أربعة نذر
المساكين وهدي التطوع إذا عطب قبل محله وفداء الصيد وفدية
الأذى ويأكل مما سوى ذلك فجلود هذه
الأربعة مثل لحومها
ولم يرو عن أحد من السلف - فيما أعلم - وجوب الصدقة
بجلالها ولا وجوب تجليلها لأنهم قد نصوا على أن من تعظيم
الشعائر تجليل البدن وتحسين الجلال وتعظيم الشعائر من
المندوب وإن كانت البدن مما عدا هذه الأربعة المذكورة
فالتصدق منها من المندوب أيضاً فأعظم ما تكون الجلود
والجلال - فيما عدا الأربعة المتقدم ذكرها - أن يكون حكمها
حكم اللحم فتكون ندباً لا وجوباً ولا نقول لعلها كانت من
الواجب الذي لا يؤكل منها فيكون هذا تنبيهاً بأن تلحق
الجلود والجلال باللحم لأنه إذا أطلق لفظ البُدْن دون
تقييد فإنما يُحمل على ما هو الغالب فيها وهو الذي على
طريق التطوع لأنه الأصل في ذلك الاسم لكونه قد جاء عن
سيدنا حين نحر مائة بَدَنَة أنه أخذ من كل واحدة بَضْعَةٌ
۱ وجُعِلت في قِدْر وشرب عليه السلام من مَرَقها وأكل منها
٢
فهذا هو الأصل وما كان من غيره فلا بد من أن يجلى بصفته
الزائدة لاختلاف الحكم في ذلك وليس عليّ رضي الله عنه ممن
يجهل مثل هذا فنجعلها محتملة وتسوية النبي عليه السلام بين
الجلود والجلال دلّ على ندبيته لأنه لا تساوي بين واجب
ومندوب في الحكم وهذه حجة الإمام مالك رحمه الله في أن
النكاح ليس بواجب لأن الله جلّ جلاله خير بين الزواج وملك
اليمين والوطءُ بملك اليمين بالإجماع مباح فلم يكن الله
عزّ وجلّ ليُخيّر بين واجب ومباح وعلى هذا يكون ما سوى
بينه وبينه ملك اليمين مثل ملك اليمين إذ ليس النكاح به
بواجب فكذلك يكون ما سوى بينهما هنا فلم يبق إلا أن يكون
ندباً وفي أمره عليه السلام علياً بذلك دليل على جواز
النيابة في إخراج الصدقة
وأما ما هي الفائدة في ذكر الإمام ذلك فهي ما تقدم الكلام
عليه وزيادة على ذلك لأن الصحابة رضي الله عنهم كانوا
يفرحون ويفتخرون بما يخص النبي به واحدا منهم دون غيره أو
أي شيء كان منه عليه السلام في حق أحدهم ألا ترى أن أحبّ
الأسماء لعلي رضي الله عنه
۱ البَضْعَة من اللحم وغيره القطعة رواه الترمذي رقم ۸۱٥
في الحج وابن ماجه في المناسك رقم ٣٠٧٦ باب حجة رسول الله
صلى الله عليه وسلم
۵۸۳
أبو تراب ۱ لأن النبي وهو الذي كناه به وثبت في الحكم كأنه
يقول هذا ليس بالمنقول أنا
الذي سمعت هذا الحكم وتلقيت هذا الأمر بنفسي
وأما هل ذلك خاص بالبدن أو ذلك في جميع القُرُبات بذناً
كانت أو أضاحي فإذا فهمنا الأمر أنه على النَّدْب - أعني
في الجلود - فتعدية الحكم أولى لأنه ندب إلى خير ولأن
الضعفاء أيضاً محتاجون إلى ذلك بزيادة فيكون الندب يتأكد
فيه إما في الحال من أجل أن العُريَ غالب على الضعفاء وعلة
البرد أكيدة وكذلك في جلود البدن من أجل ما ينتعلون بها
وهذا عندهم قليل وهو مما إليه ضروراتهم أكيدة ولا سيما
بأرض الحجاز لتوعر أرضها وحرها وأما ما له صوف أيضاً من
جلود الأضاحي فمن علة البرد أيضاً فالندب عام في الكل
أولاً
وأما ما الحكمة في كون النبي ل ا ل ص علي رضي الله عنه
بذلك فلزيادة العلم الذي خص خص به علي وإن كان الخلفاء رضي
الله عنهم كلهم علماء لكن كان لعلي رضي الله عنه في هذا
الوجه من وجوه الخير زيادة لقوله الا الله أنا مدينة العلم
وعلي بابها ۳ ولكونه هو الذي عليه السلام بالنيابة بنحرها
عنه
خصه
ويترتب عليه من الفقه أن المندوب في النيابة في النسك
والصدقة أن يكون النائب فيها عالماً لأنه من تمام القربة
وفيه أيضاً وجه آخر أن المستحب بالمعروف الذي ليس بواجب أن
يؤمر به الأقرب من القرابة لأن علياً رضي الله عنه كان
أقرب إلى النبي ل من غيره لأنه كان ابن عمه وصهره ولأن
نيابته عليه السلام له في النحر - كما ذكرنا قبل - وإدخال
السرور عليه بذلك ولو أمر غيره بالتصرف في الصدقة لكان
محتملا لتغير خاطره وأمرُهُ عليه السلام له بالتصدق عنه
إدخال سرور وجَبر قلب
وفيه وجه من حسن الصحبة أنه إذا بدأ شخص أمراً فمن حسن
الصحبة أن يكون هو الذي يتم بقايا وجوه تصرفاته فلما كان
عليّ رضي الله عنه هو الذي وجّهه النبي عليه السلام إلى
اليمن لأن يأتيه بالبدن فكان من طريق حسن الصحبة أن يكون
هو الذي ينوب عنه فيما بقي للنحر منها وفي التصدق عنه
فاستنابه لحسن الصحبة ومن أحسن صحبة من رسول الله
وفيه دليل على التحدث بما فتح الله به على العبد من أمور
خير الآخرة إذا لم يكن كسباً له
۱ تكنية النبي علياً كرّم الله وجهه أبا تراب رواها
البخاري في الصلاة - باب نوم الرجال في المساجد وفي الأدب
ورواه مسلم في فضائل علي كرّم الله وجهه رقم / ٢٤٠٩/ رواه
الترمذي في المناقب رقم // ۳۷۵ والحاكم في المستدرك ١٢٦/٣
والسيوطي في بعض رسائله وللحافظ أحمد بن محمّد صديق
الغماري رسالة اسمها القول الجلي في صحة حديث أنا مدينة
العلم وبابها عليّ
ΟΛΕ
لأن الذي هو كسب له هو من باب التزكية والله عزّ وجلّ يقول
فَلَا تُرَكُوا أَنفُسَكُمْ ۱ والذي هو من قبيل الله تعالى
إذا سلمت النية فيه من طلب الرفعة يكون من قبيل الشكر لأنه
قد قال التحدث بالنعم شكر وقد قال الله تعالى لمن
شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۳ يؤخذ ذلك من ﴿لَن ذِكْرِ
عليّ رضي الله عنه أن رسول الله وه له و أمره بالصدقة
فيكون إعلان القول منه بأنه بأمر أمره النبي الله تبرئة من
الالم العلوى والتزكية مثل أن يُرى إنسان يتصدق بصدقة
واجبة فيقول هي واجبة أي لا تمدحوني عليها لأن الصحابة
والصدر الأول رضوان الله عليهم لم يكن عندهم
في إعطاء الواجبات مدح بينهم لأنها من اللازم وما هو واجب
يَتَساوَى الناس كلهم فيه ولذلك يُروى عن بعض المتعبدين
أنه قال لا جزى الله تُراكَ الصلاة عنا خيراً رأونا نؤدي
الصلاة قالوا عنا عُبّاد والصحابة ٤ رضي الله عنهم بذكرهم
لِمَا خَصّهم الله عزّ وجلّ به أو نبيه عليه السلام هو على
طريق الاستبشار وشكر النعمة وتبرؤ من دعوى العمل ليس كمثل
بعض الناس في الوقت الذي لا يكمل الواجب الذي عليه ويحب أن
يُلحق بالمباركين كما قال جل جلاله وَيُحِبُّونَ أَن
يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا
وفيه دليل لأهل الصوفة الذين يقولون يُندَب لأهل هذا الشأن
أن يتحدثوا بما فتح الله عليهم بين إخوانهم بشرط ألا يكون
بينهم أجنبي لأنه مما يتقوى به إيمانهم وقوة الإيمان زيادة
في القربة إلى الله عزّ وجلّ
وفيه أيضاً عون على النفس ولاسيما في زمان قل فيه الصدق في
هذه الطريقة حتى إنه عند بعض من يعرف شروطها إنه شيء طُوِي
بِساطه فيكون سبباً لكسله عن الترقي وقد أخبرني بعض من كان
له تعلق بالطريق ثم فتر عن عمله فلما رأى من بعض من كان في
زمانه شيئاً من أحوال القوم وأنه ٦ لما أبصر ذلك رجع إلى
المجاهدة والخدمة وفتح عليه في أقرب زمان فقال لي والله ـ
وهو الحالف - ما كان كَسَلِي عن الخدمة إلا لكوني لم أرَ
في نفسي شيئاً ولم ألق أحداً رأيت منه شيئاً مما رأيت في
كتب القوم فقلت هذا شيء طُوِيَ بساطه فما لي وللتعب فلما
أبصرت
1 سورة النجم من الآية ۳
جزء من حديث رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسند
والبزار والطبراني ورواه ابن أبي الدنيا في
الشكر ص ١٤ والخرائطي في فضيلة الشكر رقم / ۸/
۳ سورة إبراهيم من الآية ٧ ٤ العبارة مضطربة غير واضحة
التركيب ٥ سورة آل عمران من الآية ۱۸۸
٦ كذا بزيادة وأنه
٥٨٥
من فلان شيئاً مما رأيت في كتب القوم أيقنت أن الطريق
باقية وإنما السالكون قلوا فأخذت في
الخدمة فجاء من أمري ما ترى فذلك فائدة التحدث بها وفي ذلك
قيل إذا كنت في حالك
صادقاً فنطقك أو سكوتك لمن راك فلاح وصلى الله على سيدنا
ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً
35
نة
٥٨٦
لك
البُخاريُّ قالَ عَطاء رَضِيَ الله عَنهُ إذا تَطيِّبَ أو
لَبِس جاهلاً أو ناسِياً فَلا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ
هذا مذهب عطاء وليس بمتفق عليه أما النسيان فالشافعي رحمه
الله وافقه على ذلك لقول
رسول الله الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وأما مالك رحمه
الله فلم يَعذُر به وقال إنه
b
مثل سجود السهو في الصلاة شُرِع لأن يُجبَر به خلل وقع في
العبادة وفي الصلاة هو يَشتَرِط السجود فيها بالسهو لا
بالعمد وهنا مطلقاً فينبغي أن يكون الحكم في السهو والعمد
سواء وهو الأظهر والله أعلم
وأما الجهل فلا أعرف في الوقت وافقه عليه أحد من العلماء ٣
ودليل القرآن يرد عليه بقوله تعالى فَسْتَلُوا أَهْلَ
الذِكرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ 1 فلم يعذر أحداً
بجهل ولو كان الجهل عذراً
لكان أرفعَ من العلم ولا قائل به
من
الله عنه
ويؤخذ منه الفقه أنه من تحقق عنده حكم من أحكام الله عزّ
وجلّ له أن يطلق اللفظ بعموم الحكم ولا يلزمه خلاف المخالف
ومثل ذلك جرى لعمر بن الخطاب رضي حين سمع شخصاً ٥ يتلو
سورة الفرقان على خلاف ما كان يعرف فلببه بردائه وأتى به
رسول الله
۱ هو أبو محمد عطاء بن أبي رباح مولى بني فهر من مُوَلَّدي
الجند وهي بلدة مشهورة باليمن كان من أجلاء الفقهاء وتابعي
مكة وزهادها سمع عددا من أجلاء الصحابة منهم ابن عباس وابن
الزبير وكان أعلم الناس بالمناسك توفي سنة ١١٥ هـ / ٧٣٣م
رواه ابن ماجه وابن حبان والدارقطني والطبراني والبيهقي
والحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ
إن الله وضع وللحاكم والطبراني تجاوز ونقل الخلال عن
الإمام أحمد أنه قال من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوع فقد
خالف كتاب الله وسنة رسوله وأصل الباب حديث أبي هريرة في
الصحيح بلفظ إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم
تعمل أو تكلم به ورواه ابن ماجه بلفظ عما توسوس به صدورها
وزاد في اخره وما استكرهوا عليه والزيادة إدراج من الراوي
۳ كذا وردت العبارة وفيها خلل
٤ سورة النحل من الآية ٤٣
•
هو حكيم بن حزام رضي الله عنه كما في الموطأ والصحيحين
۵۸۷
عمر
كان
وقال سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أن را تنها
فقال أرسله فأرسله فقال اقرأ فقرأ مثل ما كان عمر سمع منه
فقال هكذا أنزلت ثم قال إقرأ يا عمر فقرأ عم مالى قارة
يعرف وهو مخالف لقراءة صاحبه فقال هكذا أُنزِلت إن هذا
القرآنَ أُنزِل على سبعة أحران
فاقرأوا ما تيسر منه ۱
ولم ينكر على عمر أخذ ذلك بالعنف وزجره له وهو كان على
الحق وعمر لم يكن له ۳ علم بذلك الوجه الذي كان ذلك يعرفه
كما أنه لم يكن له علم بما كان عمر يعرفه ومن أجل الغفلة
عن هذا الوجه ضاع كثير من النهي عن المناكر لأن بعض الناس
يقول لعل هذا الذي أنكره
أنا يجيزه غيري
ويترتب أيضاً عليه من الفقه أنه لا يجوز الحكم بمجرد النقل
بما يراه في الكتب إلا لأهله الذين يعرفون مقاطع الكلام
وعلى ماذا يدلّ يؤخذ ذلك من أنه إذا رأى هذا النص من لا
يعرف المذهب وهو ينتسب بدعواه لأحد المذاهب يبقى يعمل عليه
ويظنه مما يجيزه صاحب مذهبه فيكون يقع في الكذب على إمامه
ويُدلي الناس بغرور وقد أخبرني جماعة عمن ينسب في مذهبه
إلى أنه متبع لمالك رضي الله عنه وهو ممّن يُستفتى كان
يفتي في مذهب مالك بما نص عن عطاء هنا وقد ذكرنا مذهب مالك
قبل في ذلك وما هو عليه فنسأل الله الإرشاد لمعرفة العلم
على ما هو علم على وجهه والعمل به ابتغاء مرضاته لا ربَّ
سواه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ رواه البخاري في كتاب الخصومات ومسلم في صلاة المسافرين
وقصرها باب بيان أن هذا القرآن على سبعة أحرف رقم / ۸۱۸/
كما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمر
رضي الله عنه
أي حكيم بن حزام ۳ يدلي الناس بغرور يوقعهم فيما أراد من
تغريره
۵۸۸
حديث بناء مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم
عَن أنس رضي الله عنه قالَ قَدِمَ النَّبِيُّ الله
المدينةَ وَأمَرَ بِبِناءِ المَسجِدِ فَقال يا بَني
النَّجار ثامنوني ١ فَقالوا لا نَطَلُبُ ثَمَنَهُ إلا إلى
الله فَأمَرَ بِقُبورِ المُشركينَ فَنُبِشَت تم بالخِرَبِ
فَسُوِّيَت وَبِالنّحْلِ فَقُطِعَ فَصَفُّوا النّخلَ
قِبلَةَ المَسجِدِ
* * *
ظاهره يدل على أن بناء المسجد كان بأمر النبي و بعد هجرته
إلى المدينة والكلام عليه
من وجوه
منها جواز طلب الأشياء للبيع وإن لم يكن صاحبها عرضها
للبيع يؤخذ ذلك من قوله عليه السلام يا بني النجار ثامنوني
وهم لم يكونوا عرضوا ملكهم للبيع قبل
وفيه دليل على جواز أن ينسب الشخص إلى صنعة كانت في قبيلته
أو ابائه وليس ذلك من الألقاب المنهي عنها يؤخذ ذلك من
قوله عليه السلام يا بني النّجّار وهذه صنعة كانت في أحد
ابائهم فشهروا بها فدعاهم بها
وفيه دليل على جواز قبول الهدية لشيء وإن كان قد تعرض إلى
شرائها ما لم يقصد تحشيم صاحبها يؤخذ ذلك من قبوله عليه
السلام منهم بعدما طلب منهم البيع فقالوا لا نطلب ثمنه إلا
إلى الله والدليل على قولنا ما لم يقصد تحشيم صاحبها لأن
النبي صلى الله عليه وسلم قال ثامنوني ولا يقول النبي يا
الله نامنوني إلا حقاً لا يقول ذلك حيلة ولا مجازاً ومن
يقع له شيء من ذلك فهو تنقيص بالنبي وهو وهو لا يحل وإن
أفصح به وجب قتله شرعاً
۱ ثامنه في السلعة ساوَمَه في شرائها الخِرَب ج خِرْبة وهي
موضع الخراب 3 أحشم فلان فلاناً أخجله
۵۸۹
وهنا بحث وهو ليس بمجرد الدعوى منه يقع التصديق إلا ۱ تكون
هناك قرينة تبين ذلك مثل قول هؤلاء الذين قالوا لا نطلب
ثمنه إلا إلى الله تعالى ولا يلزم من قولهم لا نطلب ثمنه
إلا إلى الله أن يكون صدقة لأن الهدية صاحبها مأجور إذا
قصد بها وجه الله مثل الصدقة غير أن الفرق بين الصدقة
والهبة أن الصدقة لا تكون إلا لله إلا أن يدخلها رياء
والهبة قد تكون لوجوه كثيرة قد نص عليها في كتب الفروع فما
هو منها الله فصاحبها فيها مأجور كما هو في الصدقة وإن لم
يكن من صاحبها إفصاح مثل مقالة هؤلاء ويكون هناك ما يقوم
مقام ذلك وقد روي عن بعض أهل هذا الشأن إذا كان يأتيه
الفتوح ولا يعلم من صاحبه من أي الوجوه هو يقول له ناشدتك
الله متى أنا عندك خير إن قبلت منك أو إن رددت عليك فعلى
الذي يحلف عليه من الحالتين عمل عليه تحرزاً من الدعوى في
هذا الشأن وإن كان على ما روي عنه من أهل الكشف والاطلاع
وفيه دليل على جواز حفر قبور المشركين يؤخذ ذلك من قوله
فأمر بقبور المشركين فنبشت وفيه من الحكمة أن حكم الحياة
مستصحب في الممات فكما هي دماؤهم في الحياة مباحة ولا حرمة
لهم كانوا كذلك في مماتهم والمؤمن حرمته في الممات كحرمته
في الحياة لأنه قد جاء أنه من كسر عظم مؤمن ميت كمن كسره
حياً في الإثم سواء ۳ وقبره حَبْسٌ 4 لا يحل لأحد
التصرف فيه
وفيه إشارة لأهل البصيرة الذين يقولون أحوالك عنوان على
مالك هنالك فإن استقمت هنا رفعت هنالك وإن خلطت فإنما
بَخَستَ نفسك
وفيه دليل على جواز هدم خراب البناء إذا كان فيه فائدة
وليس من الفساد في الأرض يؤخذ ذلك من قوله ثم بالخِرَب
فَسُوِّيت
وفيه دليل على جواز قطع الثمار وإن كانت تُطعِم إذا كان
ذلك لضرورة يؤخذ ذلك من قوله وبالنخل فقطع وقد نص العلماء
على أن قطع الثمار المُطعِمة من الفساد في الأرض ولما كان
هذا لضرورة خرج أن يكون من ذلك القبيل والضرورة التي هي
هنا أنه لما تقدم العالم المدينه الا الله تنافس الأنصار
رضوان الله عليهم في نزوله عليه السلام عند من ينزل منهم
فقال لهم دعوا
۱ كذا بزيادة إلا
كأنه يستحلفه بالله أي العملين أفضل هل أخذ الفتوح الهدية
أوردها ۳ رواه عبد الرزاق ومالك في الموطأ وأبو داود وابن
ماجه والإمام أحمد عن السيدة عائشة رضي الله عنها بألفاظ
مختلفة
٤ قبره حبس عليه وقف عليه لا يباع ولا يورث
۵۹۰
الناقة فإنها مأمورة ۱ فمشت حتى أتت موضع المسجد فبركت فيه
فأي ضرورة أشد من هذه لأن هذا حكم من الله عز وجل وقد كان
في علم الله تعالى أن تلك البقعة هي الموضع الذي هو روضة
من رياض الجنة فكل ما كان فيها فهو عارية بحكم القلع وليس
مثل هذا ضرورة في غيره أن يقول شخص نريد نبني هذا بنيانا
بشهوة نفسه فيكون هناك شجر مثمر فيقطعه ويجعل هذا الحديث
حجة فيه هذا لا يحل بل الضرورة غير هذه على ما هو مذكور في
كتب الفقه وهنا إشارة لمن سعد في الأزل ما ضَرَّه ما جرى
عليه من الفتن يؤخذ ذلك من أنه لما كانت هذه البقعة قد
سبقت لها تلك السعادة العظمى - وهي أن تكون مسجداً ومنزلاً
ولَحْداً للسيد من بني آدم والمرفّع في العالمين الله -
اما ضرها ما تداول عليها من أيدي المشركين ومخالفتهم إذا
حَسُنت العقبى فكل قبيح يزول وإن فسدت فكل جميل يَحُول
وفيه دليل على أن من حسن التصرف أن يعمل الشخص في أمره كله
على قدر جدته ٢ أو عسره يؤخذ ذلك من كون النبي ا لما ترك
هو والمهاجرون أوطانهم وأموالهم فاحتاج عليه السلام إلى
بناء المسجد بناه على ما يقتضيه الوقت بجريد النخل وحيطانه
من جذوعها يؤخذ ذلك من قوله فَصَفُّوا النخل قبلة المسجد
ولم يبنِ بآجُرٌ ولا حصّ ولا بشيء فيه تكليف لا عليه ولا
على غيره فهذا مقتضى السنة ومما يؤيده من الكتاب قوله
تعالى ليُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ﴾ ٣ وقد قال رضي
الله عنه الرفق في النفقة خير من الزيادة في الكسب وفيه
دليل على أن أهم ما على المرء من الأمور النظر في أمر دينه
يؤخذ ذلك من أنه أول ما نظر فيه عند دخوله المدينة بناء
المسجد الذي هو للاخرة
وفيه دليل للفقراء الذين يقولون إذا زهد الفقير وخرج عن كل
ما يملكه مما هو من أمر دينه فلا يدخل تحت ذلك اللفظ ولا
يجوز له الخروج عنه ويحبس منه بقدر ضرورة دينه مثل الإناء
للوضوء وما يستر به عورته ومثل ما يصلي عليه لأن كل ما
يكون الخروج عنه يتعذر به وجه من وجوه الدين فلا يجوز لأنه
الأهم وقد قيل على جميع أمور الدين حافظ عليها ولا تبال
بما عداها فعزّ المرء بدينه لا بما سواه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 رواه البيهقي في دلائل النبوة ٥۰۱/۳ و ٥٠٤ وابن كثير في
البداية والنهاية ۱۹۹/۳ و ۰۰ والسيوطي في الخصائص ۹۰/۱
والشامي في سيرته سبل الهدى والرشاد ٣٨٦/٣
الجدة الغنى ۳ سورة الطلاق من الآية ٧
۰۹۱
1121
حديث خروج الدجال وفتنته
عَن أبي سعيد الخدري ١ رضي الله عَنهُ عَنِ النبي صلى الله
عليه وسلم قالَ يَنزِلُ الدَّجَالُ بَعضَ السَّباخ ۳
بالمَدينَةِ فَيَخرُجُ إِلَيهِ يومئذٍ رَجُل هُوَ خَيرُ
النّاس - أو من خير النّاسِ - فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّكَ
الدَّجالُ الذي حَدَّثَنَا عَنكَ رسول الله لا حَدِيثَهُ
فَيَقولُ الدَّجالُ أرَأَيْتُم إن قتلتُ هذا ثُمّ أحيَتُهُ
هَل تَشكُونَ في الأمرِ فَيَقولونَ لاَ فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ
يُحْيِيهِ فَيَقولُ حينَ يُحييهِ وَالله ما كُنتُ قَطُّ
أشدَّ بَصيرَةً منّي اليومَ فَيَقولُ الدّجالُ أقتلُهُ
فَلا
يُسلّط عَليهِ
ظاهره يدل على وجهين أحدهما أن ما أعطي الدجال من خرق
العادة تكذيباً لدعواه لأنها قاصرة و الثاني ما أعطي
الخارج إليه من قوة الإيمان وأن تلك الفتنة العظمى لم تضره
والكلام
عليه من وجوه
منها أن يقال ما قصْرُ خرق العادة التي أعطي فنقول هي ما
أراد من قتل الرجل المؤمن ثانية فلم يقدر عليه فنحتاج الان
أن نذكر خرق العادة وما هو الدال منها على الخير وعلى ضده
وما انقطع منها
فأما خرق العادة فقد تكلم العلماء عليها وهي على أربعة
أقسام
1 أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري
الخزرجي أبو سعيد صحابي كان من ملازمي النبي وروى عنه
أحاديث كثيرة غزا اثنتي عشرة غزوة وله ۱۱۷۰ حديثاً توفي في
المدينة المنورة سنة ١٤ هـ / ٦٩٣ م انظر الحديث ٤٨ الدجال
لغة المموّه المدَّعي الكذاب وشرعاً المسيح الدجال رجل من
يهود يخرج في آخر هذه الأمة سمي بذلك لأنه يدجل الحق
بالباطل وقيل بل لأنه يغطي الأرض بكثرة جموعه وقيل لأنه
يغطي على الناس أو سمي بذلك لكذبه وجمعه دجاجلة و دجالون
وكل كذاب فهو دجال
بكفره وقيل لأنه يدعي "
۳ السباخ ج سَبَخة والسبخة من الأرض ما لم يحرث ولم
يُعمَّر لملوحته
۵۹
قسم يدل على صدق النبوة وهذا قد طوي بساطه لكن نذكره من
أجل المعرفة به لأنه من
جملة أمور الدين
وقسم يدل على الولاية وتحقيقها
وقسم يكون من أجل المجاهدة والدوام عليها وإن كان صاحبها
فاجراً أو كافراً وكثيراً ما افتتن الناس من هذا القسم
لجهلهم به
وقسم من الذي يسمونه السيمياء وهي استنزال بعض الروحانيات
وخدمة بعض الكواكب الفلكية وهي أيضاً مما ضل بها كثير من
الناس
ولكل واحدة منها علامة تعرف بها ولا يعرف ذلك إلا من له
نور إيماني ومعرفة بها
فأما التي هي دالة على النبوة فمن شرطها التحدّي وهو أن
يقول أنا نبي ومن الدال على نبوتي أنني أفعل كذا وكذا وذلك
الذي يدعيه لا بد من ظهوره على ما ذكره علماء الدين وهذا
لم يبق لأحد فيه دعوى لقوله عليه السلام لا نبي بعدي
والتي هي دالة على صدق الولاية تظهر على يديه دون تحدٍ ومن
شرطها أن يكون في حاله متبعاً للسنة والسِّنَن لأن الله
عزّ وجلّ لم يتخذ قط ولياً بدعيا ۳ لأنه عزّ وجلّ يقول في
كتابه قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
يُحْبِبْكُمُ اللهُ ۳ وإن تحدى بها عند ضرورة دون عجب فلا
تخلفه لأنها من بركة تصديق النبوة لأن كل كرامة ظهرت لولي
فهي معجزة لنبيه عليه السلام لأنه بصدقه في اتباعه ظهر له
هذا الخير ومثاله ما ذكر عن بعض السادة حين ركب البحر فهاج
عليهم وكان المركب مُوسَقاً " قمحاً للملك وكان معه ركاب
حجاج فسمع البحريين يقولون إن القمح مكيل علينا بالشهادة
وهؤلاء الحجاج ركبوا باختيارهم ليس علينا فيهم شيء نحن
الحُجّاج وندع القمح من أجل أنا مطالبون به فلما رآهم
عزموا على ذلك قال لهم ارموا القمح على ذمتي فرَمَوا منه
ما شاء الله ثم سكن البحر وبلغوا الموضعَ الذي كانوا
أمّلوا فطلبوه بما رَمَوا من القمح فقال لهم أخرِجوا
الشهادة التي عليكم واكتالوا القمح فما نَقَص منه
غَرِمْتُهُ ففعلوا فوجدوا الزائد على ذلك القدر
1 جزء من حديث رواه البخاري في المغازي باب غزوة تبوك
ورواه مسلم في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باب
من
فضائل عليّ من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه
البدعي المبتدع والمستحدث في الدين ما ليس منه ۳ سورة ال
عمران من الآية ۳۱
٤ موسقاً محمَّلا موقرا
۵۹۳
التي كانت به الشهادة عليهم فخلوا عنه فقال لأصحابه والله
ما فعلتها إلا من أجل الضرورة إحياء لنفوس هؤلاء المؤمنين
وإن كان يتحدّى بها لغير ضرورة فليس هو في منزلة الأولياء
بل هو في حزب سَنَستَدْرِجُهُم مِنْ حَيْثُ لَا
يَعْلَمُونَ ﴾ ۱ وهذا هو حظهم من الله عزّ وجلّ لأنهم قد
نصوا أن من كانت عبادته من أجل أن تظهر له كرامة أو تستجاب
له دعوة أو يُعرف بالخير من أجل المنزلة فأولئك من الذين
يعبدون الله على حرف ٢
وأما التي هي من أجل المجاهدة فإنه تظهر له كرامات لكن
ليست بنافذة ۳ ولا مكاشفته تتعدى مدى بصره وتكون في المؤمن
والكافر وهي من أثر المجاهدة فإن بالمجاهدة نفسها يتنور
الباطن ويرجع القلب مثل المرأة الصقيلة ينطبع فيها كل شيء
قابلها لا غير وما لم يكن في مقابلتها فلا ينطبع فيها
ومثال ذلك ما ذكره عن بعض الأكابر أنه في بعض أسفاره مَرَّ
بِدَير رهبان فرأى ما هم فيه من كثرة المجاهدة فوقع له
استحسان لتلك المجاهدة فلما وقع له ذلك أمروا لخديمهم
بالإقبال عليه وأن يحسن قراه ويدخله بيت تعبدهم حيث
أصنامهم فلما أدخله بيت الأصنام وقع في خاطره سخفُهم وقلة
عقولهم لكونهم يعبدون تلك الأصنام فلما وقع له ذلك وإذا هم
يصيحون على الخديم أخرجه أخرجه فأخرجه من حينه فتعجب لسرعة
اطلاعهم على خاطره لكن لا يجاوزون بمكاشفاتهم مدى البصر
وإذا كانت المجاهدة عن إيمان واتباع للسنة كاشف من العرش
فما دون وكانت الدنيا كلها عنده كخطوة واحدة يتصرف فيها
كيف شاء بحسب ما يفتح الله عليه
0
وأما التي هي من طريق السيمياء واستنزال بعض الروحانيات
وعبادة بعض الكواكب الفلكية فله ٦ علامات
أما الذي يعبد بعض الكواكب فلكل عابد كوكب علامة يعرف بها
مثاله أن الذي يعبد زُحل ٧ يكون لباسه أخسَّ اللباس وأقذره
وعيشه وجلوسه من تلك النسبة فالذي يراه في ذلك
۱ سورة الأعراف من الآية ۱۸
الحرف من كل شيء جانبه وطرفه والآية الكريمة وَمِنَ
النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفِ أي يعبده في
السراء لا في
الضراء ۳ نافذة ماضية قاطعة
٤ الخديم الخادم 0 كذا بزيادة الواو ٦ أي لصاحب خرق العادة
۷
زُحل أحد الكواكب الكبرى في المجموعة الشمسية ترتيبه
السادس من الشمس وهـو علـى بعـد =
٥٩٤
الحال يظنه من الزهد والورع وما هو إلا بمقتضى ما يقتضيه
معبوده ويبقى على ذلك الحال قدر دورة معبوده في الأفلاك
وذلك على ما يزعمون ستة وثلاثون ۱ سنة على تلك الحالة التي
بينت لا يفتر فإن فتر ساعة فَسَد عليه كل ما تقدم ولكل
واحد مما عدا هذا أيضاً حالة تخصه إلا أن هذا عندهم أنحس
الحالات
وأما الذي هو من الروحانيات ليس إلا فحاله الظرف في اللباس
وفي كل أمره وانشراح النفس وما يطيبها وحسن المجالس ومع
هذا فالغالب على أهل هذه الطرق الفاسدة حظوظ النفس وطلب
الرئاسة وعدم اتباع السنة واختراع بدع يجلب بها الجهال
ويجعلها من طريق الحكمة ورياضة النفس وهو الضد - أعاذنا
الله من ذلك - لأن ما كان من طريق خرق العادات التي ليس
على صاحبها لسان العلم حاكماً تجدها غير نافذة من كل
الجهات وإذا جاء من له حقيقة يقابلهم ما يمشي لهم منها شيء
ويتعذر عليهم أكثرها بحسب قوة إيمان الشخص وضعفه ولذلك
فأكثر ما يخالطون الجهال
والذي خرق العادة له مع اتباع السنة هو في حالة ملك لا
يُغلب بحيلة ولا مكر ولا قوة محسوسة أو معنوية وأمره
يتزايد لا ينقص والناس وجميع الوجود عنده كلهم على حد واحد
كيف شاء أن يتصرف تصرّف بغير دعوى متبرىء من الحول والقوة
إلا إلى الله صاحبها وهو أخوف الناس على نفسه إلا عندما
تأتيه البشائر الربانية
وعلامته أن يكون أكثر الناس تواضعاً وأقبلهم لهم عذراً إلا
ما كان في حق الدين وأكثرهم شفقة عليهم ونفسه عنده أقل
الخلق ويشاهد ذلك الخير فيضاً ومَناً بغير استحقاق ويحض
الناس على اتباع السنة والسنن كثير الصمت إلا فيما يعنيه
كثير الفطنة قليل الطمع ملاحظ بقلبه الآخرة لا يرى لنفسه
على أحد حقاً ويرى حقوق الناس قد ترتبت عليه بشرط أخوة
الإيمان بالحضور والغيبة يفر من المدح ويستأنس بالوحدة
يبذل المعروف ويقلل الضرر بل لا يقع منه يحبه كل شيء حتى
الأرض التي يمشي عليها والسماء التي تظله وأهلها كذلك
معرفته في كأنه السماء أكثر وأشهر مما في الأرض لا يُحِل
أكل الخبيث تؤلمه معصية العاصي هو الذي
١,٤٢٥,٧٦٧,٠٨٠ كيلومتراً في المتوسط منها وتتم دورته حول
الشمس في ثلاثين عاماً ويبلغ / ٧٣٤ / مرة حجم الأرض وكتلته
٩٤٩ مرة قدر كتلتها وكثافته ۸/۱ كثافتها ويبدو قرصاً
منبعجاً لامعاً عند الاستواء وقطره الاستوائي ۱۰,۰۰۰
كيلومتر وله عشرة أقمار تدور حوله
۱ تقدير الفلكيين ثلاثون سنة وقوله ستة كذا في المخطوطات
والمطبوعة
0
۵۹۵
فعلها وتَسُره طاعة الطائع كأنه الذي يأخذ أجرها صورته
صورة بشر وحقيقة باطنه ملكية نورانية
قدسية ووصفه يطول
مَنَّ الله علينا بما به مَنْ عليهم برحمته ورحمنا بحرمتهم
وصلى الله على محمد نبيه وعبده فمن أجل الجهل الغالب على
الناس بطريق القوم كل من رأوا منه شيئاً من خرق العادة من
أي نوع كانت قالوا صالحا ۱ أو يكون ممن سمع شيئاً من مفاسد
الفاسدين فيعيب أهل الحقيقة على الحقيقة فيحرمهم لأنه يجعل
أمرهم إما محتملاً إذا أراد السلامة أو ينسبهم إلى الطريق
الفاسد فيحصل مع الحرمان الخسارة فإن الله عزّ وجلّ يَغيرُ
لهم أشد الغيرة لقوله عزّ وجل على لسان نبيه عليه السلام
من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة ۳ وفيه دليل على
عظيم قدرة الله عزّ وجلّ يؤخذ ذلك من قوله ينزل ببعض
السباخ التي بالمدينة ثم يمنع من الدخول إليها وفيه دليل
على أن من قوي إيمانه لا يمكنه حَملُ البدع ولا السكوت
عليها يؤخذ ذلك من خروج هذا الرجل الذي شهد له رسول الله
الله بالخيرية مع علمه أنه لا يدخل المدينة وأنه - صلى
الله عليه وسلم وحده ـ لا يقدر على قتاله لكن قوة إيمانه
حملته على أن يخرج ويكذبه بين أتباعه وإن كان لا يعلم هل
ينجو منه أم لا
ألا ترى إلى ما جاء في قصة عبد الله بن رواحة ۳ حين أخبر
رسول الله أنه رأى بين سريره وسريري صاحبيه ازوراراً وعلة
ذلك ما أخبر به الصادق و أن صاحبيه تقدما ولم يتوقفا وتوقف
هو يرثي ما يشجع نفسه الطيبة بأبيات من الشعر ويطيبها
للموت ثم تقدم فقتل كما فعل بصاحبيه ٤ رحمهم الله أجمعين
فقوة الإيمان تقتضي القيام بأمر الله عزّ وجلّ ولو بقي
الشخص وحده كذلك فعل أبو بكر رضي الله عند وفاة النبي رضي
الله عند وفاة النبي ا ومنع أولئك الرهط الزكاة وخطب
۱ كذا
38
رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء وأبو نعيم في الحلية
۳۱۸/۸ والطبراني في الأوسط عن السيدة عائشة الله عنها
والبخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه وألفاظه مختلفة في هذه
الروايات عما أورده الشيخ
رضي
الإمام ابن أبي جمرة رضي الله عنه
عبد الله بن رواحة صحابي يعد من الأمراء والشعراء الراجزين
كان يكتب في الجاهلية وشهد العقبة مع السبعين من الأنصار
شهد بدراً وأحداً والخندق والحديبية واستخلفه النبي الله
العليل و المدينة في إحدى غزواته وصحبه في عمرة القضاء
وكان أحد الأمراء في وقعة مؤتة بأدنى البلقاء من أرض الشام
فاستشهد فيها سنة
هـ / ٦٢٩م ٤ رواه البيهقي في دلائل النبوة ٣٦٨/٤ وللحديث
تتمة
٥٩٦
نية
ـن
مة
ق
بعدما كان ظهر للصحابة رضي الله عن جميعهم أن يسامحوا في
الوقت فقال لهم أبو بكر
رضي
الله عنه
لأقاتلنهم ولو بالدَّبور ۱ فقال عمر رضي الله عنهم أجمعين
فلما سمعت مقالة أبي بكر علمت أنه الحق وشرح الله صدري لما
شرح له صدر أبي بكر وهو من أقوى الأدلة على أن النصر ما
يكون إلا بقدر قوة الإيمان لأن أبا بكر رضي الله عنه لم
يتم كلامه إلا والمسجد قد امتلأ بالدبور وهي الريح وقيل
بالتشديد وهو طائر يشبه النحل ۳ وهو أشد ضرراً منها وأتت
وجوه القوم حتى خرجوا من حينهم من المسجد
وقوله رجل هو خير الناس أو من خير الناس ۳ الشك من الراوي
وقوله عليه السلام خير - على إحدى الروايتين - قد حصلت له
الشهادة من الصادق المصدق بالخيرية
وفيه دليل على أن الخيرية هي بقدر الإيمان لأنه إذا قوي
الإيمان علم قطعاً أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له قعد أو
تحرك فالأولى المبادرة إلى ما أمر به أو ندب إليه قال عزّ
وجلّ ﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا
هُوَ مَوْلَسْنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ
الْمُؤْمِنُونَ ٤ وقوله فيقول أشهد أنك الدجال أي لست أنت
بالرب كما تزعم بل أنت كذاب فهذه أكبر المجاهدة يقول الحق
ولا يلتفت إلى ما يترتب عليه وصار اليوم عند بعض المنسوبين
إلى العلم أو الدين يتركون قول الحق من أجل توقعات ممكنة
يتوقع منها ضرر دنيوي فيلزم من شاهد حاله أنه مِن شرِ
الناس وقد أخبر بذلك الصادق عليه السلام حيث قال يأتي على
الناس زمان يصبح الرجل فيه مؤمناً ويُمسى كافراً مؤمناً
ويصبح كافراً يبيع دينه بعَرَض من الدنيا ٥ وفي هذا الحديث
مصداق لقوله عليه السلام لا تزال طائفة من أمتي على الحق
ظاهرة إلى قيام الساعة لا يضرهم من خالفهم ٦
1 الدبور الريح تهب من المغرب وتقابلها القبول
ويمسي
الدَّبُور جمع دَبر وهي جماعة النحل والزنابير والدبور
جمعه دبابير وهي الزنابير وهو عربي مولد
معرب عن السريانية وقيل عامي ۳ قال كثير من العلماء إنه
الخضر رضي عنه واسمه بليا بن ملكان وكنيته أبو العباس
ولقبه الخضر وقد ورد أن من عرف اسمه وكنيته ولقبه واسم
أبيه مات على حسن الخاتمة وورد في فضائله الله الله إنماء
الخضير خضيرا لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز تحته
خضراء رواه الشيخان
سمي
٤ سورة التوبة من الآية ٥١
٥ رواه مسلم في الإيمان عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً
مع اختلاف يسير في اللفظ
جزء من حديث صحيح متواتر رواه البخاري في الاعتصام
والأنبياء والتوحيد ومسلم في الإيمان والإمارة والترمذي في
الفتن وأبو داود في الجهاد والفتن والملاحم وابن ماجه في
المقدمة وأحمد في مسند الشاميين والدارمي في الجهاد
=
۵۹۷
وفيه دليل على إبقاء الإيمان كاملاً في المدينة وإن كان في
بعض أهلها تخليط يؤخذ ذلك من أنه لم يخرج له من يواجهه
بهذا الحق إلا من المدينة ولو كان له موضع اخر ثان لأخبر
به يلي وفيه تأنيس لمن وفق للحق وإن خالفه أهل زمانه
وبشارة له بالنصر لأن العلة التي من
أجلها كان النصر لذلك المبارك موجودة عنده وهي قوة الإيمان
وقول الحق في الله وفيه دليل على أن قوة الإيمان عند
الضرورة لا تعول على القدرة بمجردها ولا تستعمل أثر الحكمة
مع التصديق بثبوت أثر الحكمة والقدرة معاً أما العدول منه
عن أثر الحكمة فكونه خرج إلى ما لا طاقة له به وقد دلت
الشريعة التي
مقتضى الحكمة على منع ذلك بقوله تعالى ﴿ وَلَا تُلْقُوا
بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَهْلُكَةِ 1 وأما أثر القدرة فقوله
تعالى وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا
بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ ۳ وقوله تعالى قُل لَّن يُصِيبَنَا
إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا ۳ فأشد الأمور - وهو القتل
- لما لم يرد الله عزّ وجلّ موت هذا لم يضره ولما أراد
ثانية أن يمنعه مَنَعه بغير أثر حكمة إلا إظهار قدرة تامة
ليعلم أن الله على كل شيء قدير وأما قتله أولاً فتحقيق
لعظيم القدرة لأنه قد كان يقول القائل لم يره وحجب عنه
ويرى أن ذلك من خرق العادة للأولياء وما أظهر الله عزّ
وجلّ له من الكرامة أرفع وأعظم
E
وفيه دليل على أن الفتنة لا تضرّ مع الإيمان ولا تزيده إلا
تحقيقاً يؤخذ ذلك من كونه فعل به أشد الفتن وهو الموت
والإحياء ثم ما زاده ذلك إلا قوة في إيمانه كما ذكر هو
بقوله والله ما كنت قط أشد بصيرة مني اليوم وذلك لأنه كان
عنده قبل عِلمُ يقين وصار الآن عنده عينُ يقين وعين اليقين
لأهل الأحوال هو أعلاها كما قال الخليل عليه السلام حين
قيل له أَولَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَينَ
قَلبي ٥ فأراد عليه السلام الانتقال من علم اليقين إلى عين
اليقين
فاستحق بذلك درجة الخُلَّة
o
۱ سورة البقرة من الآية ۱۹٥ سورة البقرة من الاية ۱۰ ۳
سورة التوبة من الاية ٥١
٤ اليقين في حقيقة معناه رأس مال الدين قال رسول الله الله
اليقين الإيمان كله أخرجه البيهقي في الزهد والخطيب في
التاريخ من حديث ابن مسعود بإسناد حسن وبين علم اليقين و
عين اليقين و حق اليقين علاقة وشيجة أقرب مثال لفهم
العلاقة بينهما أنك لو رأيت دخاناً فاعلم علم اليقين أن
وراءه نارا وإذا
اقتربت أكثر منه فرأيت النار فذلك عين اليقين وإذا مَسَست
النار فلذعتك فذلك حق اليقين
٥ سورة البقرة من الاية ٢٦٠
۵۹۸
وفيه تصديق للحديث الآخر وإن كان كل واحد منهما يصدّق
الآخر الذي قال عليه السلام فيه تُعرَضُ الفتن على القلب
عوداً عوداً فأيُّما قلب أُشرِبَها نكتت فيه نكتة سوداء
وأيما قلب لم يُشْرَبها نكتت فيه نكتة بيضاء فلا تزال تتسع
حتى تعود على القلب مثل الصفاة لا تضره فتنة بعد ۱ لأن هذا
لما صدق قول النبي وخرج مجاهداً في سبيل الله ورسوله لم
يضره
القتل بل زاد به إيمانه
ويؤخذ من حال الدجال الدليل على تكذيبه يؤخذ ذلك من قوله
لأتباعه أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته هل تشكون في الأمر
فلو كانت إلهيته حقاً لجلب القلوب على التصديق لأن القلوب
كما يقتضي الإيمان أنها بين أصبعين - أي بين أمرين من أمر
الرحمن ۳ - وكونه يطلب منهم ـ التصديق على ربوبيته بما
يبدي لهم ضعف في قدرته وهذا في حق الربوبية محال
وفيه دليل على إظهار قدرة الله عزّ وجلّ فيمن حكم عليه
بالضلالة أنه لا تنفعه العبر ولا المواعظ يؤخذ ذلك من أن
الدجال ادعى أن دليل ربوبيته إماتة الشخص وإحياؤه ففعل ثم
جاء ثانية أن يفعل فمنع من غير موجب ظاهر فكان يجب عليه
وعلى أتباعه الإقرار بالحق لأنه قد جاء ما أبطل دليله في
عالم الحس ولم يقدر على دفعه فما بقيت الأدلة تنفع
والمواعظ إلا مع السعادة ولا تضر الفتن والامتحانات إلا مع
الشقاوة
فنسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يعيذنا من الشقاوة
والحرمان ومن المحن والفتن في الدارين ويمنّ علينا
بالسعادة فيهما بفضله لا ربَّ سِواه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 رواه مسلم بلفظ تعرض الفتن على القلوب كالحصير عُوداً
عُوداً فأي قلب أشربها نُكِتَ فيه نكتةً سوداء وأي قلب
أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين أبيض مثل
الصفا فلا تضره فتنته مادامت السموات والأرض والآخر أسودُ
مُزباداً كالكوز مُجَخْياً لا يعرف معروفاً ولا ينكر
منكراً إلا ما أشرب من هواه عن
حذيفة رضي
الله عنه
هو معنى لحديث رواه الإمام أحمد في المسند ۱۷۳/ وانظر الدر
المنثور ۸/-۹
0
۵۹۹
-٨٦-
حديث حراسة مكة والمدينة من الدجال
أنس بن مالك رضيَ الله عَنهُ عَنِ النبي ا ا قالَ لَيسَ
مِن بلَدٍ إلا سَيطَوُ الدَّجَالُ إِلا مَكَّةَ
وَالمَدينةَ لَيس لَهُ مِن نقابِها نَقب ۱ إلا علَيهِ
المَلائِكَةُ صافينَ يحرُسونَها ثمّ تَرجُفُ المَدينةُ
بأهلِها ثَلاثَ رجفَاتٍ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلٌّ كافِرٍ
وَمنافق
ظاهر الحديث يدل على أن جميع بلاد الأرض يدخلها الدجال إلا
مكة والمدينة والكلام
عليه من وجوه
منها الدليل على تحقيق خروج الدجال ومنها التساوي بين فضل
مكة والمدينة وقد
6
اختلف العلماء فيهما في الفضيلة فمالك رحمه الله ومَن
تَبِعه يفضلون المدينة على مكة والشافعي رحمه الله ومَن
تبعه يفضلون مكة على المدينة ولم يختلف أحد أن موضع قبره
أفضل البقاع وإنما الخلاف فيما عداه من البلدين واستدل كل
واحد منهما بظواهر أحاديث كلها تحتمل التأويل وبأقيسة
ولكنها أيضاً تحتمل التعليل
وظاهر هذا الحديث يعطي التسوية بينهما في الفضل لأن جميع
الأرض يطؤها الدجال إلا هذين البلدين فدل على تسويتهما في
الفضل ويُؤكَّد ذلك أيضاً من وجوه من النظر لأنه إن خُصَّت
المدينة بمدفنه عليه السلام وإقامته بها ومسجده فقد خُصَّت
مكة بمَسقَطِه عليه السلام بها ومبعثه منها وهي قبلته
فمطلع شمس ذاته المباركة مكة ومغربها المدينةُ وإقامته بعد
النبوة - على المشهور من الأقاويل - بمكة مثل إقامته عليه
السلام بالمدينة وفيه دليل على كثرة ما يُعطَى هذا اللعين
من خرق العادة فمنها كونه يَطَأ الأرض كلها ولم أن تكون
إقامته في الأرض وطوافه عليها إلا في أربعين يوماً إلا أن
أول يوم منها كسَنَة
يجيء
۱ النقب الخرق في الجلد أو في الجدار أو نحوها جمع أنقاب
ونقاب