بهجة النفوس
وتحليها وتحليها بمعرفة مَا لَها وعَليهَا
شرح مختصر صحيح البخاري
ويليه كتاب المَراني الحِسَان
تأليف الإمام
عدالله بن أبي جمرة الاندلسي
تحقيق وتقديم
الدكتور بكري شيخ امين
1189-
حديث زيادة الأجر
عَن أبي بُرْدة ١ رضيَ الله عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى
الله عليه وسلم قالَ ثَلاثةٌ يُؤتَوْن أَجرَهُم مَرَّتَينِ
الرَّجُلُ تكُونُ لَهُ الأَمَةُ فَيُعَلِّمُها فَيُحسِنُ
أدبها ثُمَّ يُعتقها فَيَتَزوَّجُها فَلَهُ أجرانِ
وَمُؤمِنٌ مِن أهلِ الكِتابِ الَّذي كانَ مُؤمناً ثُمَّ
آمَنَ بالنَّبي الله فله أجران والعَبدُ الَّذي يُؤَدِّي
حَقَّ الله وَيَنصَحُ لِسَيّدِهِ فَلَهُ أجران
*
ظاهر الحديث يدل على تضعيف الأجر لهؤلاء المذكورين فيه
والكلام عليه من وجوه
الوجه الأول قوله عليه السلام ثلاثةٌ يُؤْتَوْنَ أَجرَهم
مَرَّتَيْنِ يحتمل معناه وجوهاً الأول أن يكون تضعيف الأجر
عند اجتماع الأعمال المذكورة لأن كل واحد منها فعل يؤجر
صاحبه عليه على انفراده فلما أن اجتمع مع صاحبه ضوعف الأجر
في كل منهما ضعفين على ما لو كان منفرداً
شيء
الثاني أن يكون صاحب هذه الأفعال وفي له بأجر كل فعل ولم
يُنقص له من أجر الآخر فأخبر عليه السلام بما حصل له في
الحال كما يقال في المُتَمَتُّع ٢ أنه حصل له أجران
أجر العُمرة وأجر الحج
1 أبو بُردَة هانىء صحابي شهد العقبة الثانية مع السبعين
صحابياً وشهد بدراً وأحداً وسائر المشاهد مع النبي وروى
عنه أحاديث روى له الشيخان حديثاً واحدا هو هذا الحديث
وشهد مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه حروبه ولا عقب له
توفي سنة ٤١ هـ وهو خال البراء بن عازب و أبو بردة التابعي
هو ابن أبي موسى الأشعري - من تهذيب النووي المتعة بضم
الميم وكسرها العُمرة إلى الحج وقد تمتَّع واستمتع قال
تعالى ﴿ فَمَن تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الحَجَ وصورة
المتمتع بالعُمرة إلى الحج أن يُحرم بالعُمرة في أشهر الحج
فإذا أحرم بالعمرة بعد إهلاله شوّالاً فقد صار متمتعاً
بالعمرة إلى الحج وسمّي متمتعاً بالعُمرة إلى الحج لأنه
إذا قدم مكة فطاف بالبيت وسعى بين والمَروَة حَلّ من
عُمْرَتِه وحَلَق رأسه وذبح نسكه الواجب عليه لتمتعه وحلّ
له كل شيء كان حرم عليه في إحرامه من النساء والطيب ثم
ينشىء بعد ذلك إحراماً جديداً للحج وقت نهوضه إلى منى أو
قبل ذلك من غير أن يجب =
الصَّفا
۹۰۹
الثالث أن يكون الأجر على قسمين أجر على الأفعال بمقتضى ما
جاء في ذلك عن الشارع عليه السلام وأجر على العناية بجمعها
ومجاهدة النفس على ذلك والصبر عليها وقد يرد على هذه
التوجيهات بحث وهو أن تضعيف الأجور على أحد هذه المحتملات
أو على مجموعها على ما ذكرناه هل هو خاص بالثلاثة المذكورة
أو هو متعد لغيرها يحتمل الوجهين معاً فإن قلنا بأنه مقصور
على الثلاثة فلا بحث وإن قلنا بأنه متعد فما العلة التي
بها يتعدى وهل العلة واحدة في الثلاثة أو هي مختلفة محتمل
أيضاً فأما على القول بأن العلة فيها واحدة فهي ما أشرنا
إليها آنفاً في أحد المحتملات وهي العناية بجمعها ومجاهدة
النفس على ذلك والصبر عليها فحيثما وجدت طاعات مجموعة على
هذا التعليل رجي فيها التضعيف ولا نقول بالقطع في ذلك لأن
حقيقة الأجور في الأعمال إنما تصح بقول الشارع وأما على
القول بأن العلة في الثلاثة مفترقة فنحتاج إلى بيان كل علة
منها
فالعلة في الأمة - والله أعلم - من ثلاثة أوجه الأول صبره
على تعليمها الثاني عتقه لها حين قرت العين بها الثالث
تركه لحظ نفسه في تزويجها ورفع منزلتها فهذه ثلاثة أوجه
مجموعها في اثنين وهما بذل ما أحبَّت النفس الله ومجاهدة
النفس في ترك حظها لما يرضي الله فحيثما وجدت هذه العلة
رجي التضعيف أيضاً
وأما العلة في المؤمن من أهل الكتاب فهو أنه بإيمانه
الثاني أحرز الإيمان الأول لأنه لولا الإيمان الثاني لحبط
إيمانه الأول فإيمانه بالنبي اللي حصل له الأجر عليه وأحرز
له أجر ما تقدم من إيمانه يشهد لهذا قول النبي الهلال
الهلال والبعض أصحابه حين قال له أمور كنت أتحنث بها في
الجاهلية فقال له عليه السلام أسلمت على ما أسلفتَ من خير
۱ فإذا كان الإسلام يحرز ما كان في الجاهلية فمن باب أولى
إحرازه لأجر الإيمان الذي هو أعلى أفعال البر فعلى هذا
فإذا وجدت طاعة فصاحبها مأجور فيها وهي تحرز أجر غيرها من
الطاعات رُجي فيها التضعيف وأما العلة في العبد فهي اجتماع
الحقوق عليه مع قلة اتساع الزمان لها فأجهد نفسه حتى وَفَى
بها فإذا وجدت هذه العلة أيضاً في طاعة من الطاعات رجي
فيها التضعيف الوجه الثاني من البحث الأول قوله عليه
السلام الرجل تكون له الأمة فيعلمها ويحسن تعليمها ويؤدبها
فيحسن أدبها هل التعليم والأدب اسمان لمعنى واحد أو
لمعنيين يحتمل الوجهين
عليه الرجوع إلى الميقات الذي أنشأ منه عمرته فذلك تمتعه
بالعمرة إلى الحج أي انتفاعه وتبلغه بما انتفع به من حلاقة
وطيب وتنظف وقضاء تفت وإلمام بأهله إن كانت معه وكل هذه
الأشياء كانت محرمة عليه فأبيح له أن يَحِلّ وينتفع بإحلال
هذه الأشياء كلها مع ما سقط عنه من الرجوع إلى الميقات
والإحرام منه بالحج فيكون قد تمتع بالعمرة في أيام الحج أي
انتفع لأنهم كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج فأجازها
الإسلام ۱ رواه الشيخان عن حكيم بن حزام رضي الله عنه
۹۱۰
معاً لأن المعلم يسوغ أن يُطلق عليه مؤدّب وكذلك بالعكس
ويحتمل أن يكونا لمعنيين - وهو
الأظهر - والله أعلم وإذا قلنا بأنهما لمعنيين فما هما
احتملا وجوهاً
الأول أن يكون التعليم لأمور الدين من الواجبات وغيرها
يشهد لهذا قوله عليه السلام علموا ويسروا ويكون الأدب
بتهذيب الطباع وحسن الخلق في التصرف والمعاملات والزجر عن
المكروهات في الأقوال والأفعال وتعليم مكارم الأخلاق يشهد
لهذا قوله عليه السلام لأن يؤدب أحدكم ولده خير له من أن
يتصدق بصاع طعام ۳
وأما الحسن في التعليم فهو ما أشار عليه السلام إليه في
الحديث انفاً من التيسير هو حسن الإلقاء وترك الشواذ من
التشديدات والرخص ولهذا أشار مالك رحمه الله حيث قال خرجت
من عند الخليفة فقيهاً لأنه لما أن أراد أن يؤلف كتاب
المُوَطَّاً قال له الخليفة تجنَّب شدائد ابن عمر ورُخَص
ابنِ عباس وإلى المعنى الأول أشار العلماء بقولهم
وتتواضعون لمن تتعلمون منه وتتواضعون لمن تعلمونه ويكفي في
ذلك شاهداً قوله عليه السلام يسروا ولا تعسروا وأما الحسن
في الأدب فهو أن يحملها برفق دون عنف لقوله عليه السلام ما
كان الرفق في شيء إلا زانه ولا كان الخُرْق في شيءٍ إِلا
شَانَه ۳
الثاني أن يكون التعليم المراد به ما تحتاج الأمة إليه من
أشغال البيت وحفظ متاع البيت والمال وحسن الأمانة في ذلك
لأنه غالب المقصود من الإماء وبقدر تحصيل الأمة لهذا
يتنافس في ثمنها ويكون الإحسان في التعليم على هذا التوجيه
إتقان كل شغل بحسب العادة فيه لقوله عليه السلام رحم الله
امرأ صنع شيئاً فأتقنه 4 ويكون الأدب حملها على رياضة
النفس وأحكام الشريعة لقوله عليه السلام أدبني ربي فأحسَنَ
تأديبي ٥ والذي أدب به عليه السلام ما مُنَّ عليه من حسن
الخلق الأمر والنهي وقد قالت عائشة رضي الله عنها حين سئلت
عن خلقه فقالت كان خلقه القرآن ٦ ويكون الحسن في الأدب على
هذا التوجيه حملها في ذلك على إيضاح السنّة
واتباع
۱ رواه الإمام أحمد والبخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما
وتمام الحديث ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا وإذا غضب أحدكم
فليسكت
رواه الترمذي عن جابر بن سمرة رضي الله عنه وليس فيه كلمة
طعام ۳ رواه الضياء في المختارة عن أنس والبخاري عن شعبة
رضي الله عنه قال كنت على بعير فيه صعوبة فقال النبي عليك
بالرفق فإنه لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا
شانه ورواية ابن أبي جمرة هي ما رواه
الضياء عن أنس رضي الله عنه
٤ في هذا المعنى روى البيهقي عن السيدة عائشة رضي الله
عنها أن النبي الا الله قال إن الله يحب إذا عمل أحدكم
عملا أن يتقنه
٥ تقدم تخريجه في الحديث ۱۸
٦ رواه مسلم عن السيدة عائشة رضي الله عنها
۹۱۱
الثالث أن يكون التعليم فيما تحتاج إليه المرأة في نفسها
لأن النساء يحتجن إلى أشياء تخصهن والأمة لا والدة لها ولا
والد حتى يعلّماها ذلك فقام مقام الأم في تعليم ذلك
وتبيينه ويكون الأدب هنا ما تحتاج المرأة من الأدب مع
الزوج أو السيد إن كانت للفراش لأن ذلك سبب لرفع منزلتها
وحظوتها عند السيد أو الزوج إن تزوجت ويكون الإحسان في
هاتين التواضع لها والإغضاء عن العيوب التي في البشرية وقد
يحتمل أن يكون المراد بالتعليم والأدب جميع ما ذكر وأكثر
من ذلك لأنه عليه السلام أوتي جوامع الكلم
الوجه الثالث من البحث الأول تقديمه عليه السلام الأمة على
المؤمن والمؤمن على العبد ما الحكمة في ذلك وإن كانت الواو
لا تعطي الترتيب في لسان العرب لكن الحكيم لا يقدم شيئاً
عبثاً ومثل ذلك قوله تعالى في الكفارات فَكَفَّرَتُهُ
إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا
تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَو كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ
رَقَبَةٍ فأتى عزَّ وجلَّ بـ أو التي هي للتخيير توسعة على
المكلف ورفقاً به وعلى مقتضى الحكمة في الترتيب ابتدأ
أولاً ببذل المال الذي هو أشد على النفوس ثم جعل بذله في
أعلى القَرَب وهو الإطعام الذي به حياة النفوس وقد قال
تعالى وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ
جَمِيعًا ۳ فإن عدم هذا الوجه فيكون بذله في دفع الأذى وهي
الكسوة التي بها يتقى أذى الحر والبرد فإن عدم هذا الوجه
ففي إدخال السرور وهو رفع الحال من مقام العبودية إلى مقام
الحرية فإن عدم هذا الوجه فمجاهدة النفس وهو الصوم
يشهد لما ذكرناه - من أن الإنفاق أشد الأمور على النفس
وأعلاها قربة - الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى لَن
نَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾
٤ والمال أكثر تعلقاً بالقلب مما ذكر ﴿ بعده وقوله تعالى ﴿
الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَاءِ وَالضَّرَّاءِ
وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ٥
فقدم الإنفاق أيضاً وأما السنة فقوله عليه السلام لا يخرج
أحدكم صدقةً حتى يَفُكَ لخيي سبعين شيطانا ٦
وإلى ما نحن بسبيله أشار عليه السلام في الصفا والمَرْوَة
حيث قال نبدأ بما بدأ الله
۱ هذا جزء من حديث رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله
عنه ومطلعه نُصِرتُ بالرعب وأُعطيتُ جوامع
الكلم سورة المائدة من الآية ۸۹ ۳ سورة المائدة من الاية ۳
٤ سورة ال عمران من الاية ۹ ٥ سورة ال عمران من الاية ١٣٤
٦ سبق تخريجه في الحديث ۱۷
۹۱
به والواو من جهة التكليف لا تفيد الترتيب فاختار عليه
السلام فيما خُيّر فيه من جهة التكليف ما اقتضته الحكمة في
التقديم لحكمة الحكيم وموافقة اللفظ للقرآن فإذا كان
الكتاب على ما قررناه فالحديث كذلك أيضاً لقوله تعالى ﴿
وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾ فكلاهما صادر عن حكمة حكيم
فينبغي أن تكون الأمّة مع ألفاظ القرآن والحديث كذلك
ينظرون من طريق الحكمة ما تقتضي وإلى هذا المعنى أشار عليه
السلام بقوله لكل آية ظهر وبطن ولكل حرف حَدَّ ومطلع ٣
فالظاهر هو اللفظ والباطن هو المعنى والحَد هو التحليل
والتحريم والمطلع هو ما نحن بسبيله من النظر بمقتضى الحكمة
في هذا النوع وغيره من أنواع ما تحتوي عليه الحكمة ثم ترجع
الآن إلى الانفصال عن الحديث والانفصال عنه بما قد ذكرناه
آنفاً من العلة المنفردة فيه للتعدي وهو جمعه ثلاثة أشياء
وهي ترجع لشيئين على ما تقدم وهما بذل ما أحبت النفس الله
ومجاهدتها في ترك حظها لما يرضي الله
وأما تقديم المؤمن على العبد فهو من باب تقديم الأصل على
الفرع لأن مجاهدة النفس فرع عن الإيمان والإيمان هو الأصل
فقدم عليه السلام الأصل على الفرع لأن ذلك هو مقتضى الحكمة
الوجه الرابع من البحث المتقدم قوله عليه السلام الرجل
تكون له الأمة يرد عليه سؤال وهو أن يقال لِمَ قال تكون له
الأمة ولم يقل اشتراها أو غير ذلك من الألفاظ والجواب عنه
أن هذا لفظ يحوي جميع أنواع التمليك وغيره لا ينوب عنه
لأنه جمع بذلك جميع ما يتملك الأمة به من ميراث وشراء وهبة
وسبي وغير ذلك وهذا أدل دليل على فصاحته عليه السلام لأنه
قد جمع في هذا الحديث الإخبار بعظيم الأجور إرشاداً إلى
الخير وأشار إلى الحكمة تنبيهاً عليها وأبدى ما من الله
تعالى به عليه من البيان والفصاحة
أعاد الله علينا من بركته ورزقنا اتباع سنته إنه ولي حميد
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ رواه الإمامان مالك وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه
عن جابر رضي الله عنه
سورة النجم من الآية ٣ ۳ رواه أبو يعلى في مسنده رقم ٥١٤٩
وصححه ابن حبّان رقم ٧٥ وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد
۱٥٢/٧ وقال رواه البزار وأبو يعلى والطبراني في الأوسط
باختصار اخره ورجال أحدهما ثقات
۹۱۳
حديث النهي عن قتل النساء والصبيان في دار الحرب
عُمَرَ رَضِيَ الله عَنهُمَا نَهى رَسُولُ الله عَن قَتلِ
النِّسَاءِ وَالصَّبيانِ
ظاهر الحديث يدل على أن قتل النساء والصبيان لا يجوز لكن
هل النهي على العموم أم لا محتمل والأظهر أنه ليس على
العموم لأن المَعْنِيَّ به في غزو المشركين بعد القدرة
عليهم وهذا بقيد وهو أن يكون النساء والصبيان لم يقاتلوا
حين الحرب فإن قاتلوا فقتلهم جائز هذا في حال القدرة عليهم
وأما حين الحرب ورميهم بالنبل والمجانيق فلا يتوقى ما أصيب
منهم إذا كان بغير تعمد ولا يدخل قاتلهم تحت النهي لقوله
عليه السلام في هذه الحالة هم من آبائهم ثم هذا النهي هل
هو لعلة أم لا الظاهر أنه لعلة أن النساء والصبيان من جملة
الغنائم ولم يدخل بهم ضرر على المسلمين في حين حربهم ثم
هذه العلة هل هي متعدية أم لا فإن قلنا بأنها غير متعدية
فلا بحث وإن قلنا إنها متعدية - وهو الظاهر لأنه اللائق
بكلام الشارع عليه السلام الذي أوتي جوامع الكلم - فحيثما
وجد من كلامه حكم وفهمت له علة أو حيثما وُجدت تلك العلة
يكون الحكم منوطاً بها والعلة في الحديث ما ذكرنا وهو ما
حصل للمسلمين من الفائدة في غنيمة النساء والصبيان من غير
ضرر لحقهم كما تقدم فحيثما وجدنا فائدة لم يتعلق بها ضرر
في الدين وجب استعمالها وإنما قلنا أن تكون لم يتعلق بها
ضرر لأن أكبر الضرر في الدين مقاتلة المشركين للمؤمنين
وقتالهم يهدف إلى إطفاء نور الله تعالى والنساء والصبيان
لم يقاتلوا فلم يدخل من قِبَلِهم ضرَر فكانت فائدة بغير
ضرر في الدين
ثم هذه العلة هل يتعدى الحكم بها للباطن أم لا الظاهر
تعديها على البحث الذي قدمناه لأن أهل الباطن والظاهر من
بحره عليه السلام اغترفوا كل منهم على مقتضى طريقه قَدْ
عَلِمَ
٩١٤
كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ ﴾ ۱ فتعديها للباطن هو أن
تُعرَف تلك العلة في الباطن كما عُرفت في الظاهر فالمرأة
في الباطن كناية عن الدنيا لأنها من زينتها والصبيان كناية
عن الهوى لأنه مثلهم في مخالفة العقل وغلبة الشهوة والصبي
يوصف بعدم العقل واتباع المُرْدِيات وهي صفة الهوى فإن
تعلق القلب بواحد منهما دون ضرر في الدين جاز استعماله على
مقتضى العلة فمثال تعلقه بالدنيا هو مثل أخذ شيء حلال
لإحياء رمق يستعان به على طاعة ولم يقع فيه خلل بلسان
العلم ولم يكن تعلق القلب به يمنعه من أداء الأعمال
والحضور فيها فهذا جائز ولا يضر اتباع النفس والهوى فيه
ومثل هذا كانت أفعال الصحابة رضوان الله عليهم مثل علي رضي
الله عنه حيث كان يقول لأهله اعملوا الطعام مشروباً فإن
بين المأكول والمشروب كذا وكذا آية فلم يكن نظره للطعام
للشهوة وكان تقليله الطعام لزيادة القرب وترجيح زيادة
العبادة لأن تعلق القلب بالشهوة الباعثة في المطعم وغيره
من المباحات وإن كان جائزاً على لسان العلم فهو ممنوع عند
أهل الباطن فوجب قتله عندهم وقتله هو تركه لأنهم يقولون
ترك الشهوات قرع الباب وترك الحظوظ رفع الحجاب
ولهذا المعنى كان عمر رضي الله عنه يقول إني لأتزوج النساء
وما لي إليهن حاجة وأطأهن وما لي إليهن شهوة فقيل له ولم
يا أمير المؤمنين قال رجاء أن يخرج الله من ظهري ما يكثر
به محمّد الأمم يوم القيامة وإن كانت الشهوة في النكاح
والوصول إليها جائزة على لسان العلم ومأجور صاحبها لأنه
عليه السلام قد قال في حديث تعداد الأجور للمؤمنين يُوْجَر
المؤمن حتى في بُضْعِهِ لامرأته فقيل كيف يا رسول الله
ينال أحدنا شهوته ويكون فيها مأجوراً قال أرأيت لو وضعها
في الحرام أكان يكون مأثوماً قيل نعم قال كذلك إذا وضعها
في الحلال يكون مأجوراً ۳ أو كما قال عليه السلام
۱ سورة البقرة من الآية ٦٠
لعله يشير إلى قوله تعالى في سورة الإنسان ﴿ إِنَّ
الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسِ كَانَ مِزَاجُهَا
كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بهَا عِبَادُ اللهِ يُفجرونها
تفجيرا يُوفُونَ بِالنذر ويخافُونَ يَومَا كَانَ شَرُّرٌ
مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُدِ
مِسْكِينَا وَيَتِيماً وَأَسِيراً إنّما نظيشكر لِوَجهِ
اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا
۳ هو معنى لحديث أخرجه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أن
أناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي يا
رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يُصلّون كما نصلي
ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم قال أوليس قد جعل
الله لكم ما تَصَدَّقون به إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة
صدقة وكل تحميدة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر
صدقة وفي بضع أحدكم صدقة قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا
شهوته ويكون له فيها أجر قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان
عليه وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر
۹۱۵
وقد طلّق عمر رضي الله عنه إحدى نسائه فقيل له لِمَ
طلَّقتها وهي من أمرها وشأنها وأثنى
عليها بأنواع الخير فقال أعرف فيها أكثر مما تقولون ولكن
مال قلبي إليها فخفت أن أشتغل بها عما يلزمني من أمور
المسلمين ففارقتها فهكذا هم أرباب القلوب إذا كانت الأمور
جائزة على لسان العلم وكان فيها بعض شغل عن توفية آداب
الشريعة والحضور في التعبدات تركوها لأن ما طلبوا أجل لأن
من علم ما طلبهان عليه ما ترك فما يكون لهم من هذه الخواطر
والشهوات فهو من النوع الذي يُقتل وقتله هو دفعه وقد قال
عزّ وجلّ في كتابه ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا
مَسَّهُمْ طَلَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَرُوا فَإِذَا
هُم مُّبْصِرُونَ ۱ والطائف هو الخاطر الذي يخطر من إغواء
الشيطان وقد قال النبي الاول لعائشة رضي الله عنها حين
سألته عن الرجل يلتفت في صلاته فقال تلك خُلْسة يختَلِسُها
الشيطانُ من صلاة أَحَدِكم وقال عليه السلام إن الله لا
يقبل عمل امرىء حتى يكونَ قلبه جوارحه ۳ ولا يكون القلب مع
الجوارح إلا بدوام الحضور دون حديث نفس أو خطرة من شيطان
أو هوى
ولهذا المعنى قال بعض الصحابة لا أحب أن يكون لي دكان على
باب المسجد لا تفوتني صلاة مع الجماعة أربح فيه كل يوم
ديناراً أتصدق به في سبيل الله لا أوثر ذلك على الفقر
وإنما قال ذلك لأنه يشتغل بالبيع والشراء والأخذ والعطاء
عن الحضور والذكر والفقير ليس له شغل غير
التعبد والحضور
وأما صفة تعلق خطرات الهوى فهو مثل أن يكون هواه مما يوافق
قربة فيفعل هو القربة ولا يبالي بموافقة الهوى لأن الهوى
كان سبباً للغنيمة وهي غنيمة الأجر الذي حصل في ذلك الفعل
وما كان سبباً لشيء فهو مثله فهو إذ ذاك غنيمة فلهذا
المعنى قال عليه السلام من سعادة المرء أن تكون شهوته فيما
يُرضِي ربه أو كما قال ومثل ما نحن بسبيله الأضحية لأنها
قربة وفيها الأكل والعطاء والتمتع والادخار ومثل هذه
الخصال هي التي تحض عليها النفس والهوى فيكون المرء في ذلك
مأجوراً وإن كانت النفس والهوى يريدان ذلك وهذا إذا قصد
بها السنة وأما إذا لم يقصد ذلك وقصد بها مباهاة وفخراً
فهو من النوع الذي يقتل لأنه ضرر في الدين وقتله تركه لأن
قتل النساء والصبيان إعدام لهم وترك هذا هو إعدامه فيناط
الحكم بالعلة حيث
وجدت كما ذكرنا
۱ سورة الأعراف الآية ۰۱
رواه الشيخان من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها
۳ تقدم تخريجه في الحديث ۰
٩١٦
ومن ذلك أيضاً لبس الثياب والطيب والزينة في الأعياد
والجمع إذا قصد السنّة ويكون في
ذلك مأجوراً لأن فيه أيضاً راحة النفس وحظها وتنعمها ومع
ذلك فله الأجر في فعله ذلك ومثل هذا كثير والكل مثل الأول
إن كان لامتثال السنة فالأجر فيه حاصل ولا يضر تعلق النفس
والهوى بذلك وإن كان لشهوة أو لحظ فالحكم كما تقدم وعلى
هذا فقس
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۹۱۷
-101-
حديث النهي عن التعذيب بالنار
عَن أبي هريرَةَ رضيَ الله عَنهُ قالَ قَالَ رَسُولُ الله
إِنِّي أَمَرتُكُم أن تحرقوا فُلاناً وفُلاناً وإنَّ
النَّارَ لا يُعَذِّبُ بِها إلا الله عَزَّ وجَلَّ فإن
وَجَدتُمُوهما فاقتلوهما
*
*
ظاهر الحديث يدل على أن العقاب والحدود لا تكون بالحرق
وإنما تكون بغيره وإن كان قد ورد عن أبي بكر رضي الله عنه
أنه أحرق لوطيّاً لكن كان ذلك منه مرة واحدة ولم يفعله بعد
ولعله فعل ذلك لعدم بلوغ الحديث إليه ورجع عنه ببلوغه إليه
والكلام عليه من وجوه الوجه الأول أنه يجوز للمجتهد إذا
حكم بحكم ثم ظهر له غير ما اجتهد فيه أن ينزع عن اجتهاده
ذلك إلى غيره إذا كان الحكم باقياً لم يمض ولأن النبي لا
لا لا لا و قد كان أمر بحرق هذين ثم نزع عن ذلك وقال فإن
وجدتموهما فاقتلوهما الوجه الثاني أن المجتهد إذا حكم بحكم
ثم ظهر له غيره أن يذكر العلة الموجبة لتغيير الحكم لأن
النبي بين العذر الذي لأجله رجع بقوله عليه السلام إن
النار لا يعذب بها إلا الله الوجه الثالث جواز النيابة في
الأحكام لأن النبي هو أمر بقتل هذين ولم يأمر بأن يؤتى
إليه بهما
الوجه الرابع أن مَن سَبَّ الله عزّ وجلّ ورسوله الا الله
قتل ولم يُستَتَب لأن فلاناً وفلاناً المذكورين في الحديث
قد سُمِّيا في حديث غير هذا وقيل كان سبب ذلك أنهما كانا
يؤذيان الله
ورسوله
الوجه الخامس أن إطالة الزمان لا ترفع العقاب ولا أن النبي
الأمر بقتل هذين حين رجا القدرة عليهما وقبل ذلك حين كانت
الإذاية ۱ منهما صادرة ولَوْ لَمْ ترج القدرة للمسلمين
عليهما لم يأمر فيهما بشيء
1 أي الأذية
۹۱۸
ويترتب على هذا من التنبيه أن من وقع في شيء يوجب العقاب
فستر الله عزّ وجلّ عليه
وأسبغ نِعَمَه وأمهله فلا يَغْتَرُّ بذلك ويَدومُ على
المخالفة ويقول أرجو العفو لما ظهر من صفة الرحمة من دوام
الستر وإدرار النعم وليبادر إلى التوبة والإقلاع قبل
مفاجأة المنايا أو النقم لأن الله عزّ وجلّ يقول في كتابه
العزيز أفَرَيْتَ إِن مَّتَعَنَهُمْ سِنِينَ ثُمَّ
جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُم
مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾ ١ وقال ﴿ وَلَا يَفْزَنَكُم
بِاللَّهِ الْغَرُورُ والغَرور هو الشيطان والغُرور - بضم
الغين - هو ما يلقيه من تسويلاته وتخيلاته من ترك الخوف
والطمأنينة بما أظهر عزّ وجلّ من إمهاله وإدرار إنعامه قال
النبي الله إن الله يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ۳
والتنبيه هنا لكل نوع من نوعه لأهل الظاهر من تنوعهم ولأهل
الباطن بمشربهم فتنبَّة إن كنت لبيباً وما يتذكر إلا من
ينيب والله حسبنا وكفى وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد
وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً
۱ سورة الشعراء من ٢٠٥ إلى ۰۷
سورة لقمان من الآية ۳ وسورة فاطر من الاية ٥
الله
۳ متفق عليه عن أبي موسى رضي الله عنه بلفظ إن الله ليُملي
للظالم إلخ
۹۱۹
- ١٥٢ -
حديث قتل الكافر والمرتدّ وإن التجأ إلى الحرم
عَن أنس بن مالِكِ رَضِيَ الله عَنهُ أَنَّ رَسُولَ الله
صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عامَ الفَتح وعَلى رأسِهِ
المِعْفَر ۱ فَلَمّا نَزَعَهُ جَاء رَجُل فَقالَ يا
رَسُولَ الله إِنَّ ابنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّق بأستارِ
الكَعبة
فَقالَ اقتلوه
*
*
ظاهر الحديث يدل على أن الحَرَم لا يجير من الحدود والكلام
عليه من وجوه
الوجه الأول قوله دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر إنما
أبهم الفتح ولم يبين أي فتح كان للعلم به وشهرته وللقرينة
التي قارنته في الحديث تبين أي فتح كان وهو من الفصيح في
الكلام حذف الألفاظ للعلم بالمعنى
وفيه دليل لمن ذهب من الفقهاء أن مكة دُخِلت عنوة لأن
المغفر من السلاح الذي لا يُتخَذ عند الأمن وأيضاً فلو كان
دخوله لها صلحاً لم يكن ابن خطل ليهرب منه ويستجير بالحرم
إذ إن الصلح مجير له ولم يكن النبي لا لا لا ل ل ليأمر
بقتله وهو قد صالحهم وقد جاء بالنص ما يردّ قول من ذهب إلى
أن دخولها كان صلحاً وهو قوله عليه السلام أُحِلَّت لي
ساعة من نهار ولم تَحِلَّ لأحد قبلي ولا لأحدٍ بعدي ۳ وهذا
نص في موضع الخلاف
الوجه الثاني جواز لبس السلاح في حال الإحرام إذا كان ذلك
لضرورة مثل الخوف من اللصوص وما أشبهه لأن النبي لبس
السلاح في حال إحرامه لضرورة القتال الوجه الثالث لبسه
عليه السلام للسلاح فيه دليل على أن من بلغ في الحقيقة
والتوحيد
۱ المِعْفَرِ ذَرَد يُنسج من الدروع على قدر الرأس يُلبس
تحت الفَلَنَسُوة جمع مغافر ابن خَطَل اسمه عبد العزّى
قتله سعيد بن حريث وسبب قتله أنه كان أسلم فارتد وكانت له
قينتان تغنيان
بهجاء المسلمين وكان قتله يوم فتح مكة
۳ تقدم تخريجه في الحديث ۱۳ وأوله إن الله حبس عن مكة
الفيل
المنتهى فالخطاب له بامتثال الحكمة لم يزل لأن النبي لا لا
لا لو أرفع الناس منزلة في الحقيقة ومع أنه قد وعده الله
عزّ وجلّ بالنصرة والعصمة فقال تعالى ﴿ وَاللهُ يَعْصِمُكَ
مِنَ النَّاسِ ﴾ ١ لكن مع هذا كله لم يترك عن امتثال
الحكمة في كل أجزاء أعماله مثل ما نحن بسبيله من لبس
السلاح وغيره يوفي في الظاهر من طريق الحكمة المجهود وفي
الباطن ما يجب من التوحيد بردّ الحول والقوة الله والخروج
عن رؤية أعماله
الوجه الرابع أن الحدود لا تجب إلا بإذن من الإمام لأن من
أبصر هذا الرجل متعلقاً بأستار الكعبة لم يقتله حتى استأذن
النبي لا اله اللي فيه ولأن بحضور الإمام لا يجوز الحكم
لغيره وإن علم مقتضاه
الوجه الخامس جواز النيابة في الأحكام والحدود لأن النبي
لا يأمر بقتله ولم يأمر
بإحضاره بين يديه
الوجه السادس أن الرعية لا يجوز لهم أن يخفوا عن راعيهم
شيئاً من أمورهم ولا يفعلوا شيئاً حتى يشير به عليهم لأن
هذا الصحابي رضي الله عنه لم يكتم شأن ابن خطل حين رآه وما
وسعه إلا أن يخبر النبي الله فكذلك جميع الرعاة يجب عليهم
ألا يخفوا من أمورهم شيئاً عن راعيهم إذا كان عدلاً لأن
إخبارهم له بذلك عليه تترتب مصالحه ومصالحهم وقد قال عليه
السلام الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله قال لله
ولرسوله ولأئمة المؤمنين ولخاصتهم وعامتهم والإخبار له بما
لا يعلم من باب النصيحة
ثم هذا الوجه يحتاج فيه إلى بحث وهو أنه هل تتعدى عليه أم
لا
فعلى القول بأنها غير متعدية فلا بحث وعلى القول بأنها
متعدية - وهو الأظهر - لما بيناه في الأحاديث قَبْلُ لكثرة
الفوائد في كلام الشارع عليه السلام ولأنه عليه السلام قد
قال كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فيجب على كل من كان
مسترعى أن يخبر راعيه بأجزاء أموره حتى لا يكون منه فعل
إلا بأمر راعيه ومشورته وكل أحد بالنسبة إلى حالة راعيه
فالسيد في قومه راعٍ
۱ سورة المائدة من الآية ٦٧
٢ أخرج الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وأبو عوانة
وابن خزيمة وابن حبان والبغوي والبارودي وابن قانع
والبيهقي وأبو نعيم عن تميم الداري وأخرج الترمذي وقال
حديث حسن والنسائي والدارقطني في الأفراد عن أبي هريرة
وأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس وابن عساكر عن ثوبان رضي
الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الدين
النصيحة إن الدين النصيحة إن الدين النصيحة قالوا لمن يا
رسول الله قال الله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين
وعامتهم
۹۱
عليهم والرجل في بيته كذلك ومن كان عَريّاً عن القبيلة
والأهل فهو أقل وظيفة من غيره لأنه لم يبق عليه غير وظيفة
الجوارح وهي مسترعاة إلى النظر فيها بالعقل والشرع هذا في
حكم الظاهر وكذلك يجب أيضاً في المعاني وهو حكم الباطن وهو
ما يخطر من الخواطر النفسانية والشيطانية والهوائية فكلها
مسترعاة وراعيها هو العقل والحاكم على الجميع هو الشرع
فإذا خطر للمرء خاطر أو وقع له واقع فليعرضه أولاً على
العقل والعقل إذ ذاك ينظر بمقتضى الأمر والحكمة فإن كان
فيه مصلحة أجازه وإلا منعه وإن كان المرء ممّن أمِد
بالتوفيق وكانت شهواته وخطراته في مرضاة ربه فهذه قاعدته
أبداً وليحذر من الغفلة عنها لأن بها قوام أمره لأنه إذا
لم يكن على هذا الحال فقد تستفزه النفس في مرة ما وهو لم
يشعر
ومثل هذا ما حكي عن بعضهم حين لقي إبليس اللعين فسأله هل
قدر عليه قط أو نال منه قَطُّ شيئاً فقال اللعين نعم ليلة
أحضَرتَ بين يديك عَشَاءَك فَشَهَيْتُكَ الطعام حتى زدتَ
فيه على العادة فنمت بسبب ذلك عن وِردك فقال والله لا أشبع
بعدها أبداً فإذا كان المرء يستعمل نظره أبداً على القاعدة
التي قررناها كان أكله ونومه ويقظته مضبوطاً بلسان العلم
وأيضاً فإنه بنفس نظره إلى تلك القاعدة كان له من الأجر ما
لا يكون للصائم القائم الغافل عنها لأنه لا يحمله على هذه
المحاسبة والمراقبة إلا الخوف من الله عزّ وجلّ والإجلال
له وقوة اليقين
ولهذا المعنى كان بعض الفضلاء يقول يحتاج العاقل أن يكون
محاسباً ومراقباً ومعنى المحاسب هو الذي يحاسب نفسه فيما
مضى من عمره فإن كان بقي عليه شيء فليخلص نفسه مادام في
هذه الدار والمراقبة هي مهما خطر له خاطر عرضه على العقل
ونظره بلسان العلم فما حسن منه فعل وما قبح منه ترك ولم
يفعل وإلا كان كالتاجر ينفق ولا يعرف حتى يفلس وقد قال
عليه السلام حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا
ولأجل ترك النظر إلى هذه القاعدة أو الجهل بها وقع كثير من
الخلل والفساد عند بعض المدعين للطريق المنتسبين إليه لأنه
يخطر لأحدهم التصرف في مرضاة نفسه وما يشير به عليه هواه
وقد يسمع وسوسة من الشيطان فيأخذ ذلك من حينه على الإطلاق
من غير أن يلحظ القاعدة التي قررناها فيضل مع الضالين وهو
يحسب أنه يحسن صنعاً فيقول قيل لي وقلت وخطر لي ووقع لي
وهيهات هيهات ليس التعبد بالخواطر ولا بالشهوات وإنما هو
بالامتثال والامتثال لا يتصور وجوده إلا مع العلم والعلم
قد شاء عزّ وجل وسبقت إرادته أنه لا يؤخذ إلا
۱ قوام الأمر نظام الأمر وعماده وملاكه
من كلام عمر رضي الله عنه
۹
بالتعلم لقوله عليه السلام إنما العلم بالتعلم والمراد
بهذا العلم هو علم النقل وهو الأمر لأنه لا يؤخذ بصفاء
القلب ولا بغيره وإن أخذ بصفاء القلب فلا يجوز التعبد به
حتى يكون نقلاً وإنما يكون بصفاء القلب العلم اللدني ومع
ذلك فالعلم المنقول لا بد منه فيه لأن به يختبر
والنهي
صحته من سقمه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ قطعة من حديث أوله يا أيها الناس إنما العلم بالتعلم
والفقه بالتفقه إلخ رواه الطبراني في الكبير
-١٥٣ -
حدیث رد فرس ابن عمر رضي الد
عنهما إليه
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضيَ الله عَنهُ قالَ ذَهَبَ فَرَس لَهُ
فَأَخَذَهُ العَدوُّ فَظَهَرَ عَلَيْهِمُ
المُسلِمونَ فَرُدَّ عليهِ في زَمَنِ رَسولِ الله
*
ظاهر الحديث يدل على رد الفرس لابن عمر رضي الله عنهما
بعدما ملكه العدو والكلام
عليه من وجهين
الوجه الأول قوله ذهب يرد عليه سؤال وهو أن يُقال لم قال
ذهب ولم يأتِ بغيرها من الصيخ الجواب عنه أنه إنما عدل عن
ذكر غيرها إليها لأنها جامعة لأنواع طرق الذهاب لأنك تقول
ذهب مال فلان وقد يكون ذهابه بالسرقة أو الإنفاق أو
النسيان أو الغضب إلى غير ذلك من وجوه الذهاب وذهب يدل على
كل واحد منها على سواء فهذا من الفصيح في الكلام
الوجه الثاني قوله فرُدَّ عليه فيه بحث وهو أنه هل رُدَّ
عليه من طريق إحسان النبي صلى الله عليه وسلم إليه فهو
كالنفل أو رُدَّ عليه لأن حصوله بيد المشركين لم يُزِل
ملكه عنه وكان رده من طريق الوجوب يحتمل الوجهين معاً وقد
اختلف العلماء هل المشركون يملكون أموال المسلمين أم لا
على قولين فذهب قوم إلى الجواز مطلقاً واحتجوا بقوله تعالى
إنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ
عِبادِه ۱ والاحتمال الذي في الحديث وهو كون الفرس رُدَّ
على طريق النفل وذهب قوم إلى المنع مطلقاً وحجتهم الاحتمال
الذي في الحديث وهو كون الفرس رُدَّ على طريق الملك
وبالقياس وهو أن المشركين لا يحل لهم ملك رقاب المسلمين
فأموالهم كذلك
وفَرَّق قوم فقالوا لا يخلو أن يُدْرِبَ العدو بها ۳ أو لا
فإن أدْرَبَ مَلَكَ وإن لم يُدْرِب لم يملك وهذا قول ثالث
وكأن صاحب هذا القول يرى أنهم ما لم يُدْرِبوا فصاحب الشيء
لم ينقطع
۱ سورة الأعراف من الآية ۱۸
يدرب بها يدخل بها بلاده
٩٢٤
رجاؤه منه لأنه قد تعود الكرة عليهم فتؤخذ منهم ويغنمون أو
يتركون ما أخذوا ويهربون وأما إذا أدربوا فقد انقطع الرجاء
من العودة عليهم وهذا استحسان قول بين قولين
والأظهر - والله أعلم - أن العدو لا يملك بدليل الحديث
والقياس أما الحديث فأحد الاحتمالين المذكورين في الحديث
الذي نحن بسبيله ويرجحه على الوجه الآخر ما روي أن العدو
غزا مرّة المدينة وأخذ منها ناقة النبي الله المسماة
بالعضباء وأخذت امرأة من المسلمين في الأسر في جملة ذلك
فلما جَنَّ عليها اللّيلُ قامت تريد الفرار بنفسها فأرادت
أن تركب ناقة تنجو عليها فأتت تأخذ ناقة لتركبها فكل ناقة
أو دابة تضع يدها عليها تنفر فتتركها وتذهب لغيرها حتى أتت
إلى العضباء وكانت ذلولاً فلم تنفر فركبتها وأتت بها إلى
المدينة ونذرت في طريقها أنها إن نجت عليها فسوف تنحرها
وتهديها فلما أتت المدينة رآها الناس فعرفوها فأتوا بها
إلى النبي الله فذكرت له القصة فقال لها عليه السلام لا
نَذْرَ فيما لا يُملَك ووجه الحجة فيه أنها لو أتت على
ناقة كانت ملكاً لمشركين قبل لم تؤخذ منها فلما أن كانت
مما عُنِم من المسلمين قال لها عليه السلام لا نذر فيما لا
يُملك ۱ وأُخِذت منها
وأما القياس فقد تقدم لصاحب هذا المذهب وهو أنهم لا يملكون
الرقاب وهذا يبين أن الاحتمال الذي في الحديث وهو كون
الفرس ردَّ من طريق الملك أو الوجوب هو المراد وهو الأظهر
في الموضع وفي هذين دليل واضح لا خفاء فيه أنهم لا يملكون
الرقاب فالأموال كذلك وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد
وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً
۱ جزء من حديث أوله لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك
ابن آدم أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن
عمران بن حصین رضی الله ع
٩٢٥
11021
حديث أجر المجاهد في سبيل الله
عَن أبي هريرَةَ رضيَ الله عَنهُ أَنَّ رَسُولَ الله صلى
الله عليه وسلم قالَ تَكفَّلَ اللهُ لِمَن جَاهَدَ في
سَبيلِهِ لا يُخرِجُهُ إلا الجهادُ في سَبيلِهِ وتَصديقُ
كلِماتِهِ بأن يُدخِلَهُ الجَنَّةَ أو يرجعه إلى مَسكَنِهِ
الَّذِي خَرجَ مِنْهُ مَعَ ما نالَ مِن أجرٍ أو غَنِيمَةٍ
**
ظاهر الحديث يدل على أن من خرج إلى الجهاد بالنية المذكورة
فيه فله أحد الوجهين المذكورين فيه وهو أن يرجع بالأجر
والغنيمة أو يُستشهد فيدخل الجنة ويكون فيها حياً يُرزَق
لقوله تعالى ﴿أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ١
والكلام عليه من وجوه
الوجه الأول قوله عليه السلام تكفل الله معناه ضمِن الله
لأن الضمان له في اللغة سبعة أسماء ومن جملتها الكفيل
والضمان من الله سبحانه ضمان إفضال لا ضمان وجوب فإن معناه
تأكيد التصديق بحصول الأجر الذي تفضل به على المجاهد في
سبيله لأن الوجوب في حقه تعالى
مستحيل
الوجه الثاني قوله عليه السلام لمن جاهد في سبيله لا يخرجه
إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلماته الجهاد في سبيل الله
يحتمل وجوهاً وأظهرها في هذا الموضع قتال العدو الذي هو
الكافر وكيفية النية فيه هو أن يخرج للغزو يريد به القتال
في سبيل الله وإعلاء كلمته لا يريد بذلك غير الله
ويَحتَسِب قتل نفسه إن قُتِل وكلَّ ما يلاقي من شدة الحروب
وهَوْلِها في حق الله تعالى لا لظهور ولا لكسب دينار ولا
لغير ذلك
والتصديق على ضربين تصديق بوجوبه - والوجوب على ضربين فرض
عين وفرض كفاية وهو مذكور في الفقه - وتصديق بما جاء فيه
من عموم الأجور والإحسان على مقتضى الآيات في الوجهين معاً
٩٢٦
۱ سورة ال عمران من الآية ١٦٩
الوجه الثالث هل تقصر هذه الأجور على الوجه الظاهر - وهو
قتال العدو ـ أو تحمل على ما
يقتضيه عموم الجهاد في طاعة الله تعالى وهو الأظهر كما ذهب
إليه بعض الصحابة حيث قال لأخيه حين لقيه في طريق المسجد
وقد اغبرت قدماه فسأله أغَيرُ الصلاة أخرجك فقال لا لم
أخرج لغيرها فقال شهدت على رسول الله الله أنه قال ما
اغبرت قدما عبد في سبيل الله إلا حَرَّمهما الله على النار
۱ فقال له الرجل ذلك خاص بالقتال فقال الصحابي أفعال الخير
كلها في سبيل الله وقد قال عليه السلام في الخارج إلى
المسجد هو في ذمة الله إن مات أدخله الله الجنة وإن رجع
إلى منزله كان كالمجاهد رجع بالأجر والغنيمة وهذا نص في
المسألة فيجب تعديه في جميع وجوه البر ويكون الأول منها
أظهرها وأعلاها
الوجه الرابع هل يتعدى الحديث للجهاد المعنوي أم لا أما
ظاهر اللفظ فلا يؤخذ منه التعدي لأنه ذكر في الجهاد الحسي
وأما على القاعدة التي قررناها في كلام الشارع عليه السلام
بأنه محمول على كل الفوائد - إن أمكن - فهو متعد لا شك فيه
سيما ۳ في هذا الموضع الذي قد نص عليه السلام أن الجهاد
المعنوي أكبر من الحسي وهو قوله عليه السلام هبطتم من
الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس فإذا كان
حكم يناط بعلة فحيثما وجدت العلة أنيط الحكم بها فالدخول
في الجهاد المعنوي يكون بتلك النيَّتَينِ المذكورتين في
الحديث وهما الجهاد في سبيل الله والتصديق بكلماته ولا
يُعوّل على العيش بعدها إلا إن قُدِّر له بذلك لأن الراجع
من أثناء الطريق لم تتم له صفقة وتمام الصفقة هنا هو الموت
على ما هو عليه من مجاهدة النفس في ابتغاء مرضاة الله
تعالى
ولهذا المعنى لما أن جاء لبعضهم ثلاثة نفر يطلبون منه
التربية في السلوك فقال لأحدهم كم تصبر فعَدَّ له أياماً
محصورة فقال له الشيخ ما يجيء منك شيء ثم سأل الآخر فقال
أطيق أكثر منه وعد له الأيام فقال له ما يجيء منك شيء ثم
سأل الثالث فقال أصبر حتى أموت
فقال له ادخل وقد قال بعض الفضلاء من أهل هذا الشأن من
صَدَق وصدَّق قُرِّبَ لا محالة
وإنما يقع الخلل في الجهادَينِ معاً إذا كان الدخول لحظ
دنيوي أو نفساني ومن دخل بهذا
۱ تقدم تخريجه في الحديث ١٣٤
في هذا المعنى روى أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة رضي
الله عنه أن النبي الا الله قال ثلاثة في ضمان الله عزّ
وجل رجل خرج إلى مسجد الله ورجل خرج غازياً في سبيل الله
ورجل خرج حاجاً
۳ كذا بحذف لا
٤ تقدم تخريجه في الحديث ۱۳۰
٥ النَّفر من ثلاثة إلى عشرة من الرجال والجمع أنفار
قصده في الحياة وهو يؤملها فقليل أن يقع النصر لمثل هذا
لأنه عند أقل شيء يرى من العدو يُوَلِّي مديراً للطمع في
الحياة وأما إذا كانت النية ما أشرنا إليه فالخلل لا يدخل
هناك لأن من دخل بنية
ألا يعيش فقلما ينهزم لأنه إذا عاين الموت لا يفر منه
ويقول هو المطلوب والمقصود وأعظم ما
في الجهادين من الوقائع المَوْت فإذا كانت أعظم الوقعات هي
المقصودة فكيف يبالي بما هو
أقل منها
ولهذا المعنى كان النبي له الا الله حين الجهاد يخطب الناس
ويذكّرهم ويعلمهم بما لهم فيه من الأجور مثل قوله عليه
السلام اعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ۱ وكفى بهذا
دليلاً أن الله عزّ وجلّ جعل الفرار منه من الكبائر فقال
تعالى ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَومَذٍ دُبُرَهُ إِلَّا
مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إِلَى فِئَةٍ
فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَنهُ جَهَنَّمُ
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ٣ وقد روي أن الصحابة رضوان الله
عليهم كانوا بعد وفاة النبي الا الله يُسَرُّون صفوفهم
ويذكرون أصحابهم ويعطونهم حتى كان بعضهم ينظر من هو أفصح
في الكلام وأعلى صوتاً فيأمره بالمشي بين الصفوف فيعِظ
الناسَ ويذكرهم بما جاء في الجهاد وكل هذا مندرج في ضمن
قوله تعالى
يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَيْضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى
الْقِتَالِ ۳ وما ذكرناه وأوردناه من جملة التحريض
وكذلك ينبغي في الجهاد الأكبر إذا كان المرء عالماً
بكيفيته وبما كان فيه فبها ونِعْمَتْ وإن لم يكن عالماً
بذلك فليتخذ شيخاً يستند إليه عارفاً بذلك الشأن حتى يبين
له لسان العلم في جهاده ولسان الطريق وما يشترط فيه ولأجل
ترك النظر إلى هذه القاعدة كانت المجاهدة اليوم عند جل
الناس لا تفيد شيئاً لأجل أنهم يدخلون في المجاهدات جاهلين
بها من الطريقين وإن كان لأحدهم علم فيكون في الطريق
الواحد ويترك الآخر ومن حصل له العلم بالطريقين فهو
المرْجُو له الخير وهو على طريق الهدى والتوفيق فطوبى له
ثم طوبى له
ومن رزق التوفيق ولم يكن له علم بهذين الطريقين يحتاج أن
يبذل نفسه فيهما لعله أن ينال
منهما شيئاً أو من بركة أهليهما وقد قال امرؤ القيس ٤
1 أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود في الجهاد والترمذي في
فضائل الجهاد كما أخرجه الإمام أحمد في مسنده
سورة الأنفال الآية ١٦ ۳ سورة الأنفال من الآية ٦٥
٤ أشعار الشعراء الستة الجاهليين اختيار الأعلم الشمري
طبعة دار الآفاق الجديدة بيروت ١٩٧٥ صفحة
TV
ومطلع القصيدة
الَكَ شَوقُ بعد ما كان أقصَرًا وحَلَّت سُلَيمى بَطَنَ
قَوْ فَعَرعَـرا
۹۸
بَكَى صاحِبِي لَمَّا رأى الدَّرْبَ دُونَهُ لَمَّا رأَى
الدَّرْبَ دُونَهُ وأَيْقَنَ أَنَّا لاحِقَانِ بقَيْصَ
فَقُلْتُ لَهُ لا تَبْكِ عَيْنُكَ إنَّما نُحاوِلُ مُلْكاً
أو نَمُوتَ فنُعْذَرا فإذا كان هذا في طلب مُلك الدنيا
فكيف في طلب الآخرة وقد قال علي رضي الله عنه لو كانت
الدنيا من فضة والآخرة من خزف والدنيا فانية والآخرة باقية
لكان الواجب أن يُزهَد في الفانية وإن كانت من فضة ويُرغَب
في الآخرة وإن كانت من خزف فكيف والأمر بضد ذلك وصلى الله
على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً
۹۹
- ١٥٥ -
حديث جواز التحلل من اليمين المنعقدة
صلى الله عليه وسلم
عَن أبي موسى۱ رضي الله عَنهُ قالَ أَتيتُ رَسولَ الله صلى
الله عليه وسلم فِي نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ
نَستَحمِله فقال والله لا أحمِلُكُم وما عِندي ما
أحمِلُكُم عَليهِ وأُتِيَ رَسولُ الله بِنَهْبِ ۳ إِبل
فَسَأَلَ عَنّا فقالَ أينَ النَّفَرُ الأَشْعَرِيُّونَ
فأمرَ لنا بِخَمس ٤ ذَوْدٍ غُرِّ الدُّرَى ٥ فلما انطلقنا
قُلنا ما صَنَعْنا لا يُبارَك لَنَا فَرجعنا إليه فقُلنا
إنا سألناك أن تَحْمِلَنا فَحْلَفَتَ ألا تَحْمِلَنَا
أَفَنسيتَ قَالَ لَستُ أنا حَملتُكُم وَلكِنَّ الله
حَمَلَكُم وإنّي والله إن شاءَ الله لا أحلِفُ على يمين
فأرى غَيْرَها خَيْراً مِنها إِلا أَتَيْتُ الَّذي هُوَ
خَيْرٌ وَتَحلَّلْتُها ٦
*
*
ظاهر الحديث يدل على جواز التحلل من اليمين المنعقدة
والكلام عليه من وجوه
الوجه الأول قوله أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في
نفر من الأشعريين يَرِد عليه سؤالان
الأول أن يُقال لم قال أتيت ولم يقل أتينا وهم كانوا جماعة
فعدل عن اللفظ الحقيقي إلى غيره مع الاحتياج إلى الزيادة
في اللفظ لأنه لو قال أتينا لم يحتج إلى ذكر النفر فلما
قال أتيت احتاج أن يبين مع من أتى وهذا ينافي لغتهم
وفصاحتهم لما فيه من الاختصار والإبلاغ الثاني أن يُقال لم
سمّى النفر من أي قبيلة كانوا
والجواب عن الأول من وجهين
۱ تقدمت ترجمته في الحديثين ٦١ و ١١٧
نستحمله نطلب منه أن يحملنا لنجاهد في سبيل الله
۳ نهب إبل إبل الغنيمة
٤ بخمس ذوي أي بخمس من الدود والذود هو القطيع من الإبل
بين الثلاثة إلى العشرة
٥ غر الذرى في أعالي أسمتِها بياض
٦ تحلّلتها كفرت عنها
الأول أن أبا موسى رضي الله عنه هو سيّد الأشعريين ورئيسهم
وهو صاحب رأيهم
ومدبر أمرهم لأن قبائل العرب كانوا لا يفعلون شيئاً حتى
يسألوا فيه سيد قبيلتهم فهو يخبر أنه كان السبب في مجيء
الأشعريين إلى النبي ا ا ا ا ا و و و و و برأيه و مشورته
أتوا فإن قال قائل لو كان كذلك لقال أتيتُ رسول الله صلى
الله عليه وسلم بنفر من الأشعريين قيل له إنما عدل عن تلك
الصيغة لما نطق به تواضعاً منه لإخوانه الأشعريين لأنه لو
قال ذلك لكان في اللفظ ما يدل على جبرهم في المجيء فلما
ترك ذلك وأتى بـ في زال ذلك وبقي هو مع إخوانه في اللفظ
كأنه واحد منهم الثاني من الجواب يحتمل أن يكون خص ذكر
نفسه دون غيره تبركاً منه باسم النبي لا لا الهلال حتى
يكون اسمه يلي الاسم المبارك ومثل هذا كان الصحابة رضوان
الله عليهم يفعلون كثيراً تبركاً منهم بالاسم المرفع
والجواب عن السؤال الثاني أنه إنما ذكر الأشعريين
وعَيَّنهم لأن الجمع إذا أتى النبي الله في هذا القدر
ويراجعهم ويرجعون إليه بهذا القدر من المحاولة التي ذكرت
في الحديث فلا يكون في الوقت إلا مشهوراً فكان ذكر القبيلة
وتعيينها قرينة لقوة التصديق وهذا كان دأب الصحابة رضوان
الله عليهم مثل عثمان رضي الله عنه حين أخبر عن حديث
الوضوء وقال فيه لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه فأشار
إلى القرينة الدالة على التصديق مع أنه واحد ممن يؤخذ عنه
الدين لقوله عليه السلام عليكم بسنتي وسنة الخلفاء
الراشدين من بعدي 1
ثم يرد سؤال أيضاً على قوله نستحمله وهو أن يُقال لم قال
نستحمله ولم يذكر فيما أرادوا والحملان منه والجواب عنه
إنما سكت عن ذلك للعلم به للقرائن التي قارنته في الحديث
يعلم بها أنه أراد الاستحمال في الجهاد فحذف ذكر الجهاد
إبلاغاً في الاختصار وهو من الفصيح
في الكلام
الوجه الثاني من البحث المتقدم قوله عليه السلام والله لا
أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه ظاهر اللفظ يدل على جواز
اليمين على ألا يفعل الإنسان فعلاً من أفعال البر إذا لم
يقدر عليه لأن حمل هؤلاء إلى الجهاد من أفعال البر فحلف
عليه السلام على ألا يحملهم لكونه لم يقدر على ذلك وقد بين
عليه السلام العلة بقوله وما عندي ما أحملكم عليه وهذا
معارض لقوله تعالى وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً
لِأَيْمَنِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا
بَيْنَ النَّاسِ
۱ قطعة من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه رواه الإمام
أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وصححه
الترمذي وابن حبان سورة البقرة من الاية ٢٢٤
۹۳۱
والجمع بين الآية والحديث أن اليمين هنا ليس المراد منه
ظاهر لفظه لما قارنه من القرائن التي
دلت على بطلانه وذلك ما عُلِم من حال النبي لا لا لا لا
أنه كان في أفعال البر يبذل المجهود فكيف يقع منه يمين على
هذه القربة العظمى ألا يفعلها ذلك محال في حقه عليه السلام
وإنما حلف عليه السلام لهم ليقطع مادة التشويش عنهم لتعلق
خاطرهم في الرجاء لعله بعطيهم فيما بعد فكان يمينه عليه
السلام رفعاً لهذا التشويش وراحة لنفوسهم عند قطع الإياس
وكل ما كان سبباً لرفع
تشويش فهو مستحب
فإن قال قائل فما فائدة قوله عليه السلام لا أحملكم وما
عندي ما أحملكم عليه وأحدهما يغني عن الآخر قيل له النبي
لا لا لا لو كان إذا جاء أحد يطلب منه إن كان عنده شيء
أعطاه وإن لم يكن عنده شيء يكلم أصحابه إن كان فيهم من
يقدر على إعطائه شيئاً فأتى عليه السلام بتينك اللفظتين
ليقطع عنهم مادة التشويش مرة واحدة حتى لا يبقى لهم تعلق
خاطر بإعطائه ولا بكلامه لمن يقدر على أن يعطيهم فقوله وما
عندي ما أحملكم عليه إشارة لهم بأنه ليس عنده ما يحملهم
عليه وقوله لا أحملكم إشارة بألا يتسبب لهم في ذلك
لكن يرد على هذا سؤال وهو أن يقال لم قطع عليه السلام
العادة التي كان يفعل لهؤلاء الأشعريين دون غيرهم وهو كونه
إذا لم يكن عنده شيء نظر في أصحابه وتكلم لهم والجواب عنه
أنه قد يكون النبي لا اله الاهل العلم أن أصحابه ليس عندهم
في ذلك الوقت شيء إلا قدر ما يقوم بحركتهم ولا يفضل لهم
على ذلك فضل حتى يعطوه غيرهم وهم كانوا خارجين إلى الجهاد
فيحتاجون إلى القوة والشدة فإن شاركهم غيرهم فيما عندهم
القتال بسبب ذلك سيما الصحابة رضوان الله عليهم وقد كان
قُوتُهم التمرة والتمرتين فإذا شاركهم غيرهم في هذا النزر
اليسير المعلوم فإنهم لا يطيقون القتال لأن البشر لا بد له
من شيء ما
یسد به رمقه
قد ١
يضعفون عن
وقد روي عن بعضهم أنه كان قوتهم في غزوة من الغزوات تمرة
تمرة ففرّق التمر فجاء أحدهم يأخذ تمرته فقيل له قد أخذتها
فغشي عليه فلم يفق حتى أعطيها وأكلها فقام فإذا كانوا على
هذا الحال فالزائد عليهم ضرر بهم لا مصلحة في خروجه معهم
فترك عليه السلام الطلب لأصحابه لأجل هذا المعنى والله
أعلم
الوجه الثالث من البحث المتقدم قوله عليه السلام وأتي
رسولُ الله بنهب إبل فسأل
۱ كذا والصواب فقد
عنا النهب هو ما يؤخذ من أموال المشركين وهي الغنيمة التي
يضرب عليها بالخيل والرّجل فتؤخذ أموالهم وتنهب من أيديهم
وسؤاله عليه السلام عن النفر الأشعريين حين أتاه النهب
دليل
واضح على أنه ما أراد بيمينه إلا الوجه الذي ذكرناه وهو
رفع التشويش عنهم الوجه الرابع قوله فأمر لنا بخمس ذَوْدٍ
غُرُ الدُّرَى الذود عند العرب هو الجمل الواحد فهو أخبر
أنه عليه السلام أعطاهم خمسة أبعرة وغُرّ الذرى صفة للجمال
وهو بياض يكون في
أعلى أسْنِمَتها وإنما أتى
۳ لأنها قرينة تذهب التهمة في النسيان والغلط لأن من يذكر
هذا
القدر من الجزئيات فقد انتفت عنه التهمة في القضية بكل
ممكن
الوجه الخامس قوله فلما انطلقنا قلنا ما صنعنا فيه دليل
على أن المرء إذا حصل له مراده يُسَر بذلك في وقته حتى قد
ينسى ما كان قبله من شدة فرحه به لأن مراد هؤلاء الأشعريين
كان أن لو وجدوا إعانة للجهاد في سبيل الله و بين يدي
الرسول له له الا الله فلما ظفروا بذلك شغلهم الفرح الذي
دخل عليهم بالطاعة التي قالوها عن ذكر يمين النبي له الا
الله فلما أن سكن ذلك عنهم قليلا ورجعوا إلى أنفسهم فحينئذ
الهموا لذلك فرجعوا إذ ذاك وهذا أمر قلّ أن يثبت عنده إلا
القليل النادر ولا يحصل التثبت هناك إلا لمن داوم على
محاسبة نفسه في كل أنفاسه واستغرق في المراقبة حتى يذهل عن
لذة الطاعة ولذيذ النعم مع أن من وجد هذه اللذة بالطاعة
حتى يذهل في الحين عن أموره لما توالى عليه من محبتها فهو
مقام سَنِيّ لكنَّ ما أشرنا إليه أرفع وأعلى الوجه السادس
قولهم لا يبارك لنا هذه البركة التي خافوا من زوالها
احتملت وجهين
الأول أن يكونوا أرادوا بزوالها أنهم لا يبلغون بها ما
أملوا
الثاني أن يكونوا أرادوا لا يبارك لهم في أثمان تلك الجمال
ولا في رقابها لكونهم لم يأخذوها على الوجه المَرْضِيّ
لأنه تعيَّن عليهم فيه النصح للنبي ل لا ل ا ل لقوله عليه
السلام النصيحة الله ولرسوله ٤ وهم كانوا عالمين بيمين
النبي فتعين عليهم نصحه فخافوا من زوال البركة
1 الرَّجِل اسم جمع للراجل وهو عكس الفارس الذود للقطيع من
الإبل الثلاث إلى العشر وقيل ما بين الثلاث إلى العشر وقيل
إلى أكثر من ذلك وقول بعضهم الذود إلى الذود إبل يدل على
أنها في موضع اثنتين لأن الثنتين إلى الثنتين جمع وقال ليس
فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة فقد جعل الناقة الواحدة
ذودا وعلق أبو منصور على ذلك فقال هو مثل قولهم رأيت ثلاثة
نفر وتسعة رهط وما أشبهه قال اللغويون الأود جمع لا واحد
له من لفظه كالنَّعَم وقال
بعضهم الذود واحد وجمع
۳ كذا والصواب بصفتها ٤ تقدم تخريجه في الحديث ١٥٢
۹۳۳
لأجل ما تعين عليهم بسببه فلم يفعلوه لأن الصحابة رضوان
الله عليهم كانوا يتوقون أشياء حلالاً محضاً مخافة وقوعهم
في الحرام كما قال بعضهم كنا ندع سبعين باباً من الحلال
مخافة أن نقع في الحرام لأن الحرام ترتفع منه البركة
ظاهراً وباطناً أما الباطن فإنه يحدث الظلمة في القلب
والقساوة وأما الظاهر فإنه يحدث الكسل عن العبادة
والامتهان بحقها مع أن البركة ترتفع منه ارتفاعاً محسوساً
لأنه إذا كان الشيء حراماً ما يقوم باثنين يستعمله رجل
واحد ولا يكفيه لزوال البركة منه وذهابها وكذلك أيضاً في
الضدّ وهو الحلال لا بد من ظهور البركة فيه محسوسة ومعنوية
وبالمحسوسة يستدل على المعنوية في كلا الطرفين في الحلال
والحرام فإذا بورك في طعام وقام باثنين منه ما يقوم
بالواحد علم أن البركة المعنوية حاصلة
فيه بالضمن
ولهذا المعنى لما أن وجد أبو بكر رضي الله عنه في الصحفة
التي قدمها إلى الأضياف فأكلوا منها وهي باقية على حالها
لم تنقص ثم أكل هو وأهل بيته وهي على حالها لم تنقص أتى
بها النبي يعلمه بتلك البركة المعنوية فيها بما شهد له
ظاهرها فاستدل بالحسي على المعنوي ولأجل هذا المعنى كان
طعام أهل الخير والصلاح أبداً فيه من البركة ما ليس في
غيره لأجل أنهم يبحثون على الحلال أكثر من غيرهم فكانت
البركة لديهم ظاهرة وباطنة فاستعانوا بذلك على العبادة
والاستمرار عليها وتنوَّرت بواطنهم وقل تسبّبهم في أسباب
الدنيا للبركة الحسية والمعنوية الموجودة في طعامهم
الوجه السابع من البحث المتقدم قوله فرجعنا إليه فقلنا إنا
سألناك فحلفت ألا تحملنا أفنسيت فيه دليل على أن الشيء إذا
كان فيه محتملات وأحدها أبرأ للذمة فالسنة فيه أن يؤخذ بما
هو الأبرأ للذمة لأن العطية النبي لا لا لا ل ل ل لهم
الإبل تحتمل وجهين أحدهما أن يكون أعطاهم ذلك علمه باليمين
والثاني أن يكون أعطاهم ناسياً له
مع
فإن كان الأول فليس عليهم فيه شيء لأنه عليه السلام هو
المشرع وما يفعل إلا ما هو الأمر الذي يتدين به لأن منه
يُؤخذ الدِّين وتُتلقى الأحكام وإن كان الثاني فليس عليه
أيضاً فيه شيء لقوله عليه السلام رفع عن أمتي الخطأ
والنسيان ۱ لكن يتعين عليهم في ذلك النصح لأنهم سمعوه حين
حلف وهم الآن ذاكرون لذلك قادرون على زواله إن كان نسياناً
فخافوا من أحد المحتملات فأخذوا بالأبرأ للذمة حتى أزالوا
ما كان هناك من الشبهة وعلموا وجه الصواب في المسألة
والشبهة هناك ما أشرنا إليها وهي تركهم النصيحة لرسول الله
صلى الله عليه وسلم
۱ تقدم تخريجه في الحديث ۸۳
٩٣٤
الوجه الثامن قوله عليه السلام لست أنا حملتكم ولكن الله
حملكم فيه دليل على أن
المرء ينظر في عمله الصالح بنظر الحقيقة والتوحيد فكل ما
يصدر منه من أنواع الخير يرى أن الله تعالى هو الفاعل لذلك
حقيقة ومن عليه وتفضل بأن أظهر ذلك وأجراه على لسانه أو
يديه لأن النبي الله لما أن أجرى الله تعالى هذا الخير على
يديه - وهو حمل الأشعريين إلى الغزو - تبرأ من فعله ذلك
ونسب حملهم إلى الله تعالى لا لنفسه المكرمة وتدبيره
وكذلك أيضاً يجب أن ينظر بالعكس عند ترك الأعمال أو وقوع
المخالفة وكل ما فيه نقص ينسب كل هذا وما أشبهه إلى النفس
وينظر إذ ذاك من طريق التكليف والأمر لأن النبي الله لما
أن امتنع من حمل الأشعريين نسب الامتناع لنفسه المكرمة
فقال والله لا أحملكم ولم يقل لهم الله منعكم من الحمل
لأنه ما أعطاني ما أحملكم عليه وهذا من التأدب مع الربوبية
والتعمق في ميدان الحقيقة والتوحيد مع النظر بالحكمة
والتكليف فمن كانت قاعدته هذه فهو السعيد لأن وجود هذه
الخصلة علم على التوفيق
يدل على ذلك قصة آدم عليه السلام لما أن يسر للسعادة نظر
إلى هذه القاعدة فسلك هذا المنهاج فنسب الخطيئة التي وقعت
منه لنفسه فقال ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن
لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا
لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴾ ۱ فتاب الله عليه وجعله
من أصفيائه ومن كانت قاعدته عكس ما قررناه أو كان نظره في
كل أموره بغير نظر التوحيد فذلك عَلَم على شقائه وخسرانه
لأن وجود هذه الخصلة يدل على ذلك
يشهد لذلك قصة إبليس اللعين لما أن يُسر للبعد والشقاء
والطرد والخذلان حين امتنع من السجود لم يعترف بعد ذلك على
نفسه بالخطأ وإنما نظر إلى الحقيقة فقال لو شاء الله أن
أسجد لسجدت فكان ذلك سبباً إلى خذلانه
الوجه التاسع قوله عليه السلام وإنّي والله إن شاء الله لا
أحلف على يمين فأرى غيرها
خيراً منها إلا أتيتُ الذي هو خيرٌ وتحلَّلْتها فيه دليل
على جواز التحلل من اليمين وقد تقدم
وقد اختلف الفقهاء هل الكفارة تكون قبل الحِنْث عند العزم
عليه أو لا تكون إلا بعد وقوعه على قولين وسبب الخلاف هذا
الحديث وما جاء في رواية أخرى أنه عليه السلام قال ثم
تحلَّلتُ من يَميني فجاء فيما نحن بسبيله بـ الواو وهي
ليست تفيد الترتيب وأتى في الحديث الآخر بـ ثم التي تفيد
أن الحنث وقع قبل لأنها للمهلة والتراخي واستثناؤه عليه
۱ سورة الأعراف من الآية ۳
٩٣٥
السلام هنا هو من باب التأدب مع الربوبية لأن اليمين بغير
استثناء قطع على القدر ألا ينفذ ولهذا المعنى قال مالك
رحمه الله لمن أخبره أنه وقف بعرفة وتاب وحلف أنه لا يقع
في مخالفة أبداً فقال له بئس ما صنعت ما وقعت فيه أشدُّ
مما تبتَ منه لأنك آليت على الله ألا ينفذ قضاؤه وقدَرُه
فكان استثناء النبي الأجل هذا المعنى
ولأجل النظر إلى ما أشرنا إليه ذهب ابن عباس رضي الله
عنهما إلى أن الاستثناء يجوز ولو بعد سنين فالاستثناء له
سائغ لأنه نظر أن اليمين بغير استثناء قطع على القدرة وذلك
قلة أدب واحترام بجانب الربوبية وإن كانت الأيمان قد
أُبيحت لنا في شرعتنا لأن ذلك من باب المنّ والتوسعة وقد
كان عيسى عليه السلام يقول لبني إسرائيل وأنا
وَصَّيْتُكُمْ ألا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين فجعل
ابن عباس رضي الله عنهما الاستثناء في هذا اليمين إذا وقع
كالتوبة من الذنب والتوبة مرغب فيها إلى وقت التعزير فإذا
كان استثناء المرء لأجل هذا المعنى ـ وهو الرجوع عما وقع
منه من سوء الأدب - فاستثناؤه سائغ وهو يخرجه عما عقد من
اليمين وإنما ذهب رضي الله عنه إلى هذا لأجل أنه في خير
القرون فقل أن تقع اليمين من أحدهم وإن وقعت فيكون رجوعهم
للاستثناء لأجل هذا المعنى لا لشهوات أنفسهم فلما استقرأ
من أحوال أهل زمانه وما هم عليه كانت فتياه بهذا ولأجل عدم
هذا أنكر قوله من أتى بعده من الفقهاء ولم يعلموا له وجهاً
في الغالب لأن الناس قد تغيروا عما كانوا عليه فمن العلماء
من فهم معناه ومنهم من لم يفهمه ومن فهمه لم يقدر أن يبدي
ذلك لأهل زمانه لأن الغالب عليهم تفضيل شهواتهم وتقديمها
فقد يدعون أنهم أرادوا الوجه الذي ذكرناه وهم لم يريدوا
إلا شهوات أنفسهم واتباع أهوائهم فكان ترك ذكر بيان مذهبه
سداً للذريعة
ولأجل هذا يقال لا بد في كل زمان من عالم يبين الدين بحسب
ما يحتاج إليه في الوقت يؤيد هذا قوله عليه السلام كانت
بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي جاء بعده نبي
وإنه لا نبي بعدي وإن علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ۱
۱ مؤلف من حديثين الأول من قوله كانت بنو إسرائيل إلى وإنه
لا نبي بعدي والثاني من قوله وإن علماء أمتي
إلى اخره
أما الأول فمتفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
ولفظه كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه
نبي وأنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما
تأمرنا قال فوا بَيْعَةَ الأول فالأول وأعطوهم حقهم الذي
جعله الله لهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم وأما الثاني
فقد أورده الألباني في السلسلة الضعيفة ٦٦٦ والفتني في
تذكرة الموضوعات ۰ وعلي القارى في الأسرار المرفوعة ٢٤٧
والعجلوني في كشف الخفا ۸۳/ والشوكاني في الفوائد المجموعة
٢٨٦ والسيوطي في الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ۱۱۳
٩٣٦
ثم اختلف الفقهاء اختلافاً كثيراً متى ينفع الاستثناء كل
منهم ذهب إلى ما اتضح له عليه
الدليل ولكل واحد منهم نظر صحيح ولولا التطويل لأوضحنا
تصحيح مذاهبهم وبيناها فإن قال قائل لو كان الوجه في
الاستثناء ما ذكرتم لم يصدر اليمين من النبي صلى الله عليه
وسلم بغير استثناء لأنه قد حلف ألا يحملهم ولم يستثن قيل
له قد بينا الوجه الذي لأجله حلف هناك فلو استثنى إذ ذاك
لزال المقصود مما أريدت اليمين له وبقيت النفوس متشوفة
متطلعة
فإن قال قائل لم قال عليه السلام ذلك عن نفسه المكرمة ولم
يقل من حلف على يمين ورأى خيراً منها يأتي الذي هو خير
ويكفر عن يمينه قيل له إنه لو عَدَل عن ذكر نفسه المكرمة
إلى ذكر غيره لكان في المسألة توقف من باب الورع لأنه قد
يؤخذ ذلك منه على باب الرخص والتوسعة ويُرى أن الأولى
البقاء على اليمين من غير إيقاع الحنث فلما أن أخبر بذلك
عن نفسه المكرمة عُلم أن الأولى ما فَعَل هو عليه السلام
يبين هذا ويوضحه قصة أم سَلَمة حين قالت للنبي إنهم لم
يعصُوكَ وإنَّما اتَّبَعوك ۱
وقد أوردناه في حديث الإفك وبيَّنا هذا المعنى بنفسه والله
المستعان وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه
وسلّم تسليماً
۱ تقدم تخريجه في الحديث ۱۱۹
۹۳۷
-١٥٦-
حديث تحريم أكل الحمر الأهلية
عَن عَبْدِ الله ۱ بن أبي أوفى رَضي الله عَنهُ يَقولُ
أصابتنا مَجاعَةٌ لَيالي خَيْبَر فَلَمّا كانَ يَومُ خَيرَ
وقَعنا في الحُمُرِ الأهليَّةِ فانتحرناها فلمّا غلَتِ
القُدورُ نادى رَسولُ الله أَكْفِئوا ۳ القُدورَ ولا
تَطْعَمُوا مِن لحومِ الحُمُر شَيئاً قالَ عَبْدُ الله
فَقُلنا إِنَّمَا نَهَى ا رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم
عَنها لأَنَّها لَم تُخَمَّس ٤ قَالَ وَقالَ آخَرون
حَرَّمها البتة وَسَألتُ سَعيد بن جُبَيرٍ ٥ فقالَ حَرمها
البَيِّةَ
ظاهر الحديث يدل على تحريم أكل الحمر الأهلية والكلام عليه
من وجوه الوجه الأول قوله أصابتنا مجاعة ليالي خيبر ٦ هذه
الليالي هل هي على العموم في الليالي أو هو لفظ عام يراد
به الخاص ويكون معناه في بعض ليالي خيبر محتمل للوجهين
معاً وإضافة ليالي إلى خيبر يحتمل وجهين أيضاً أحدهما أن
يكون أراد حين السير إليها الثاني أن يكون أراد حين مشيهم
على حصونها فعلى القول بأن الإضافة إلى الليالي على العموم
- وهو الخروج من أول السفر - فهو مرجوح لأن أحداً لا يخرج
بغير شيء من الزاد فإن كان على معنى التخصيص احتمل وأما إن
كان المراد المشي على حصونها فاحتمل الوجهين
معاً العموم والخصوص
۱ تقدمت ترجمته في الحديث ١٤٤
وقعنا غنمنا وأخذنا
3 أكفنوا اقلبوا
4 لم تُخمَّس لم يؤخذ خُمسها وهو حق الله في الغنائم ٥
تقدمت ترجمته في الحديث ٤٨
٦ ليالي خيبر وخيبر بلدة شمالي المدينة المنورة مشهورة
بزراعة النخيل وكان يسكنها اليهود وفتحها النبي سنة سبع أو
ثمان من الهجرة عنوة نازلهم شهراً أو قريباً من شهر ثم
صالحوه على حقن دمائهم ثم صالحوه على شروط أقرها ورضي بها
ولما تولى الخلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أجلاهم عنها
تحقيقاً لقوله
لا يجتمع دينان في جزيرة العرب
۹۳۸
الوجه الثاني قوله فلما كان يوم خيبر يوم خيبر يحتمل وجهين
أحدهما أن يكون أراد يوم فتح خيبر الثاني أن يكون أراد يوم
قدومهم على خيبر أما الأول فمرجوح لأنه لو كان المراد به
الفتح لم يكونوا لينحروا الحمر الأهلية لأن الفتح إذا كان
بالضرورة يكون الطعام كثيراً لديهم لأن حصناً من الحصون
يكون معموراً لا يخلو من الطعام البتة
الوجه الثالث قوله وقعنا في الحمر الأهلية الوقوع فيها هو
غنيمتهم إياها بغير قصد لأنك
تقول فلان وقع في كذا إذا لم يقصده وإنما وقع فيه بحكم
الوفاق
وهي
الوجه الرابع قوله فانتحرناها نحرهم لهذه الحمر لا يخلو أن
يكونوا عالمين بتحريمها أو لم يكن لهم علم بذلك فإن كانوا
عالمين بالتحريم فيكون ذبحهم لها من أجل الاضطرار إليها -
المَخْمَصَة ١ التي أصابتهم - ففعلهم هذا اتباع للأمر لأنه
قد أحل للمضطر أكل الميتة وذلك إذا مرت عليه ثلاثة أوقات
والحمر الأهلية مثل الميتة سواء كلاهما يعمهما التحريم
لغير موجب فعمتهما الإباحة للموجب لأن ما لا يؤكل إذا
ذُكِّي فهو ميتة فحكمه حكم الميتة وإن كانوا غير عالمين
بالتحريم ففيه دليل لمن ذهب من العلماء أن الأصل الإباحة
حتى يَرِد النهي لأن العلماء اختلفوا في هذا المعنى على
قولين فمنهم من ذهب إلى أن الأصل الحظر حتى يتبين التحليل
ومنهم من ذهب إلى أن الأصل الإباحة حتى يرد النهي فإن كان
الأصل الحظر فما استباحوها إلا الموجب وهو العذر وإن كان
الأصل الإباحة فهم ما أحدثوا شيئاً وإنما استصحبوا الأصل
وقوله انتحرناها احتملت وجهين أحدهما أن تكون من أبنية
المبالغة أي سارعوا إليها
بأنفسهم ولم يتركوا لها غيرهم واحتمل أن تكون بمعنى التسبب
أي تسببوا في نحرها بالأمر ثم بقي على الفصل سؤال وهو أن
يقال لم انتحروها أولاً عند وقوعهم في الحمر من غير أن
يستأذنوا النبي لي في ذلك او الجواب عنه من وجهين وهما ما
تقدم هل الأصل الإباحة أو الحظر فإن كان الأصل الإباحة فقد
تقدم توجيهه وإن كان الأصل الحظر فقد تقدم توجيهه أيضاً
الوجه الخامس من البحث المتقدم قوله فلما غلت القدور نادى
منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفئوا القدور ولا
تَطْعَموا من لحوم الحمر شيئاً أكفئوا القدور بمعنى
حوّلوها عن النار ولا تطعموا من لحوم الحمر شيئاً أي لا
تأكلوا منها شيئاً
ويرد على هذا الفصل سؤالان الأول أن يقال لم أمر بالإكفاء
عند غليان القدور ولم يأمر به قبل ذلك الثاني أن يقال لم
نهاهم عن أكلها وقد كانت لهم مباحة لوجود الاضطرار إليها
۱ المَحْمَصَة المجاعة
۹۳۹
جميع
والجواب عن الأول أنه قد جاء في رواية أخرى زيادة تبيّن
هذا المعنى قال فيها لما رأى
كثرة النيران سأل عنها فقيل له انتحرنا الحمر الأهلية فأمر
عليه السلام إذ ذاك وفي هذا دليل على كثرة مشاهدته عليه
السلام لشأن أصحابه وما يزيد عليهم وما ينقص والسؤال عن
أحوالهم فعلى هذا فيجب على كل من كان راعياً على أي شيء
استرعي دوامُ النظر إليه والالتفات لما يزيد فيه وينقص حتى
يعلم ما حكم الله تعالى فيما يظهر من الزيادة والنقص
فينفذه وهذا على التفسير الذي ذكرناه قبل في غير هذا
الحديث من رعاية الأعلى إلى الأدنى حتى إلى جوارحه لأن
الغفلة عن ذلك توقع الخلل يؤيد هذا قوله عليه السلام في
صفة المؤمن كيس حَذِرٌ فَطِنٌ ۱
والجواب عن الثاني أنه عليه السلام إنما نهاهم عن أكلها
لوجود ما هو أحسن منها وهي الخيل لأنه قد جاء في حديث غير
هذا أنهم انتحروا الخيل هناك فقد يكون الصحابة رضوان الله
عليهم تركوا الخيل لاحتياجهم إليها للقتال فاختاروا أكل
الحمر للمنفعة التي يؤملونها في ترك الخيل فأمرهم النبي
الا الله و أن يتركوا ما أرادوا فعله وأن يقيموا ضروراتهم
بالخيل لأنها ليست بحرام ففضل عليه السلام أقل
الضَّرَرَيْن لأن الحمر عينها حرام لا يجوز أكلها شرعاً
والفرس حلال على المشهور من الأقاويل ليس فيه غير ما يؤمل
من فائدة القتال عليه والضرر الذي يلحق من أجل ذبحه متوقع
هل يقع أو لا يقع وهو احتياجهم إليها حين القتال وهذه
الخيل يحتمل أن يكون وقعوا فيها مع الحمر فتركوها للجهاد
وفضلوا أكل الحمر عليها لأجل علة الجهاد ويحتمل أن تكون
خيلهم التي خرجوا بها
وفيما قررناه دليل على أن المرء ينظر في أموره وتصرفاته
فإذا اجتمع له أمران فإن كانا أخذ أعلاهما وإن كانا شرّاً
أخذ أدناهما
ولأجل العمل على هذه القاعدة استراح أهل الصوفة من مكابدة
الدنيا وهمها لأنهم أخذوا أقل الضّرَرين - وهو ما لهم في
الدنيا من المجاهدات - لتحصل لهم الراحة الدائمة في الآخرة
فحصل لهم بضمن ذلك الراحتان معاً لأن أكبر الراحات في
الدنيا هو الزهد فيها وهو أول قدم عندهم في السلوك وقد قال
عليّ رضي الله عنه لو كانت الدنيا من فضة والآخرة من خزف
وكانت الدنيا فانية والآخرة باقية لكان الأولى أن يُزهَد
في الفانية ويُعمَل للباقية فكيف والأمر
بضد ذلك
ولأجل ترك النظر إلى هذه القاعدة تعب أهل الدنيا التعب
الكلّي فهم أبداً يؤملون الراحة
۱ رواه القضاعي عن أنس رضي الله عنه
٩٤٠
لأنفسهم ويعملون عليها والشقاء والتعب يستقبلهم فلم يزالوا
على هذا الحال حتى يفاجئهم الموت وهم في تعب وضنى ثم
يرجعون إلى تعب أكثر مما كانوا فيه وهي المحاسبة على ما
جمعوا وفيما أنفقوا ولهذا قال الغزالي رحمه الله مساكين
أهل الدنيا طلبوا الراحة فأخطأوا الطريق فاستقبلهم العذاب
ومعناه ظاهر لأنهم قصدوا الراحة ورأوا أنها لا تكون إلا
بحطام الدنيا فأخذوا في جمعها وصبروا على ما فيها من الكد
وفاجأهم الموت ولم يحصل لهم ما أملوا من الراحة فيها ثم
انتقلوا إلى التعب الآخر الذي تقدم ذكره
ثم بقي على الفصل سؤال وارد وهو أن يقال لم ذكر الإكفاءَ
وتركَ الإطعام ۱ وذِكْرُ أحدهما يغني عن الآخر والجواب عنه
أنه إنما أمر أولاً بالإكفاء لأن ما ظهر منكر يحتاج إلى
تغييره فقدمه
وفيه دليل على الإسراع لتغيير المنكر عند معاينته لأن
النبي ل لا ل ل لم يتركه حين راه حتى غيَّره وتغييره على
أقسام وقد ذكرناه في غير ما حديث ووجه ثان وهو أنه لو
اقتصر لهم على قوله أكفئوا القدور لحملوه على العموم في
الكل ويحتمل أن يكون في القدور ما هو حلال
فلما عقب ذلك الأمر بذكر المُحَرَّم أعطاه قوة الكلام ألا
يكفاً من القدور إلا ما نُص على تحريمه وفي هذا دليل على
أن أمر الشارع عليه السلام يؤخذ على عمومه ولا يخصص ولا
يتأول إلا في مواضع لا يمكن فيها العموم لقرينة تخصصه ومما
يؤيد هذا فعله عليه السلام حين أنزل الله عليه وَاللهُ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فأخذها على العموم ولم يخصص
ناساً دون آخرين ولا وقتاً دون وقت وإنما قال لأصحابه
اذهبوا فإن الله قد عصمني من الناس ۳ وكان كذلك وبقي فيما
بعد لا يقي نفسه المكرمة بشيء ثقة لانه لا اله الا بالله
تعالى وبعموم اللفظ ولأجل أخذه على العموم من غير تأويل
على ما قررناه سعد أهل التوفيق السعادة العظمى لأنهم سمعوه
عزّ وجلَّ يقول في كتابه يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ
اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فعملوا على
الاتباع ولم يلتفتوا لغيره فصدّقوا وصَدَقوا في الإيمان
والاتباع فأنجز لهم ما وُعِدوا
والمتأولون دخلوا في التعب والحيرة
۱ كذا ونص الحديث يقتضي ترك الطعام سورة المائدة من الآية
٦٧
۳ رواه الترمذي عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت كان
رسول الله هل الله يُحرس ليلا حتى نزل ﴿ وَاللهُ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فأخرج رسول الله ل ورأسه من
القبة فقال يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله تعالى
٤ سورة الأنفال الآية ٦٤
٩٤١
وقد حكي عن بعض الفضلاء أنه رأى شيئاً من آثار القدرة ولم
ير نفسه لذلك أهلاً فجعل يعتذر ويتذلل فقيل له عملت على
الحق فأُريتَ الحقيقة وعملوا على التأويل فعوملوا بحسب ما
عملوا وعند الله تجتمع الخصوم
وفيه دليل أيضاً على أن الإمام ينظر في مصالح رعيته على
العموم وعلى الخصوص ويحذر من أن ينفع قوماً ويتضرر آخرون
بسببه لأن النبي ل لا ل ل ل ل لما أن أمر بإكفاء القدور
خشي أن يقع بأحدٍ مضرة لعموم اللفظ فأتى بما يخصص المقصود
ولا يلحق به مضرة لمخلوق كما ذكر الوجه السادس من البحث
المتقدم قوله فقلنا إنما نهى النبي الله عنها لأنها لم
تُخَمَّس
وقال آخرون حرّمها البتة إلى اخر الحديث فيه وجوه الأول أن
السؤال والبحث في الأمر لا يكون إلا بعد الامتثال لأن
الصحابة رضوان الله عليهم لما أن أمرهم النبي الا الله بما
أمر امتثلوا الأمر في الحين ولم يعترضوا ولم يبحثوا فلما
أن كان بعد امتثالهم حينئذ رجعوا إلى البحث المتقدم في
التحريم هل هو لعلة أو لغير علة وأفاد اجتهاد بعضهم أنه
تعبُّد لغير علة واجتهاد بعضهم الآخر أنه لعلة وذكرها
الثاني أن المجتهدين إذا اختلفوا في الحكم وكان في زمانهم
من هو أعلم بالفتوى منهم يأتون إليه ويسألونه عن قضيتهم
لأن الصحابة رضوان الله عليهم لما أن وقع الخلاف بينهم
وقال كل منهم باجتهاده أتوا إلى سعيد بن جبير الذي هو من
كبار التابعين وفضلائهم فسألوه الثالث هل التحريم لعلة أم
لا فإن قلنا إن التحريم تعبد فلا بحث وإن قلنا إنه لعلة
فهل هي معقولة المعنى أم لا الظاهر أنها لعلة وهي معقولة
المعنى بيان ذلك أن الله جلّ جلاله هو بالمؤمنين رؤوف رحيم
كما أخبر في كتابه وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ۱
فهو عزّ وجل يختار لهم ما هو الأصلح في حقهم فيأمرهم به
وما يعلم أنه ضرر في حقهم ينهاهم عنه وبنو ادم بذلك جاهلون
فلو قيل لهم افعلوا أو لا تفعلوا ولا يناط بذلك ثواب ولا
عقاب لكان بعضهم يفعلون أشياء يضرون بها أنفسهم فمن لطفه
عزَّ وجلَّ جعل الثواب والعقاب على ارتكاب المخالفة حتى
يسلموا من بليتها ثم جاد عزَّ وجلَّ وتفضل بالتوبة على من
وقع فيها إذا رجع عنها كل هذا لطف منه عزَّ وجلَّ
بالمؤمنين ورحمة وكل مخالفة بلاؤها ظاهر لا يخفى وإنما يقع
الكلام على ما نحن بسبيله وما كان من جنسه نشير إليه
لِيُتَيَقّظ إلى هذه الحكمة العظمى واللطف الأكبر بيان ذلك
أن الحمار معروف بالبلادة وهي تتعدى لأكله على ما عهد مع
قساوة القلب الذي
۱ سورة الأحزاب من الآية ٤٣
٩٤٢
تحدث ۱ به به وهذا ضد صفة المؤمن لأن من صفة المؤمن أن
يكون كيساً حَذِراً فَطِناً والبلادة تذهب بهذه الأوصاف
أيضاً فعلى المؤمن أن يكون خائفاً راجياً وقساوة القلب
تذهب بذلك فحرمه الشارع عليه السلام لأجل هذا المعنى لأن
الله جل جلاله أرسله رحمة للعالمين ومما يقاربه في الشبه
الميتة أيضاً لأنها سم قاتل فإذا أكلت عادت بالضرر فحرمها
عزّ وجلّ لأجل هذا المعنى فإذا بقي المرء ثلاثة أوقات كثر
سم بدنه فغلب على سم الميتة فلم تضرَّه فأحلها عزّ وجلَّ
لزوال المضرة منها ولما كان الفرس ليس فيه مضرة غير أنه
إذا ديم على أكله أحدث القساوة في القلب كان أكله مكروهاً
ثم بهذه النسبة جميع الأشياء الكراهية فيها والتحريم
بحَسَبِ ما كان فيها من الضرر ومن رزق النظر بالنور يجده
محسوساً ومعنوياً على ما ذكره العلماء والفضلاء وبالله
التوفيق وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه
وسلّم تسليماً
3
٩٤٣
1 أي تحصل وتصير
11001
حديث استحباب أوقات الشروع في القتال
عَنِ النُّعمانِ بنِ مُقرِّنٍ ۱ رضيَ الله عَنهُ قالَ
شَهِدتُ القِتالَ مَعَ رَسول الله صلى الله عليه وسلم
وَكانَ إذا لم يُقاتِل في أوَّلِ النَّهارِ انتظرَ حَتَّى
تُهُبَّ الأرواحُ ٢ وَتحضرَ الصَّلاةُ
وجوه
*
ظاهر الحديث يدل على أن السنة في القتال غُدْوَة ۳ النهار
أو عشيته والكلام عليه من
الوجه الأول أن هذا القتال غُدوة أو عشيّة لعلة أم لا فإن
قلنا إنه لغير علة فلا بحث ويبقى تعبداً وإن قلنا إنه لعلة
فما هي العلة الظاهر أنه لعلة والعلة فيه على ضربين محسوسة
ومعنوية والمحسوسة على ضربين عامة وخاصة
فالعامة هي ما يكون في هذين الوقتين - أعني أول النهار
وعشيته - من هبوب الأرواح وقوة الأبدان من عاقل وغير عاقل
ونشاطها إذ ذاك لما في الوقتين من برودة الهواء وجَمام
النفوس من الراحة المتقدمة فمتقدم راحة الغدو استراحة
الليل لأنه جعل سكناه ومتقدم راحة العشي
1 النعمان بن مقرن المزني أبو عمرو صحابي فاتح من الأمراء
القادة الشجعان كان معه لواء مزينة يوم فتح مكة وسكن
البصرة ثم تحول عنها إلى الكوفة ووجّهَهُ سعد بن أبي وقاص
بأمر الخليفة عمر إلى محاربة الهرمزان فزحف بجيش الكوفة
إلى الأهواز وهزم الهرمزان وتقدم إلى تستر فشهد وقائعها
وعاد إلى المدينة بشيرا بفتح القادسية ووصلت أخبار إلى عمر
بن الخطاب باجتماع أهل أصبهان و همدان والري وأذربيجان
ونهاوند فأقلق ذلك عمر فولاه قتالهم وخرج النعمان إلى
الكوفة فتجهز وغزا أصفهان ففتحها وهاجم مقتله دخل المسجد
ونعاه إلى الناس على المنبر ثم وضع يده على رأسه
نهاوند فاستشهد فيها ولما بلغ عمر يبكي وكان استشهاده سنة
٢١ هـ / ٦٤٢م الأعلام ۹۹ الأرواح مفردها ريح وهو الهواء
إذا تحرك ويجمع كذلك على أرياح ورياح والأرواح - أيضاً -
مفردها روح
وهو نسيم الريح والرحمة والراحة تقول وجدت روح الشمال برد
نسيمها ويوم روح طيب الريح ۳ الغُدوة ما بين الفجر وطلوع
الشمس ٤ الجمام الراحة
٥ السكن كل ما سكنت إليه واطمأننتَ به ومنه قوله تعالى
﴿وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنا
٩٤٤
استراحة القائلة ۱ لأن استراحة القائلة من السنة لقوله
عليه السلام قيلوا فإن الشياطين لا تقيل
هذه هي العامة
وأما الخاصة التي هي للعاقل دون غيره فما يحصل له من قوة
اليقين ونشاط النفس وما لها في هذا الفعل من الأجر العظيم
لنكاية العدو لأن قوى الأبدان العاقلة وغير العاقلة من
أعظم مواد
النكاية للعدو
وأما المعنوية فما في الوقتين من الزيادة في الإيمان وقوة
المدد المعنوي وهو في النصر أقوى من الحسي فأما قوة
الإيمان فإن هذين الوقتين إثر تعبد وطاعة الله تعالى
والإيمان يقوى عند التعبد والطاعات كما يضعف عند المخالفات
وأعظم موجبات النصر هو الإيمان لأن الله تعالى يقول في
كتابه ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
فقوة الإيمان أعظم في مواد النصر من المحسوسات للوعد
الجميل وقد روي أن عمر رضي الله عنه بعث سرِيّة من السرايا
ثم جاء البشير بالنصر والفتح فقال أي وقت كانت المقاتلة
فقالوا غدوة فقال ومتى كان النصر فقالوا عشية فبكى رضي
الله عنه حتى بلت دموعه لحيته فقالوا كيف تبكي والنصر لنا
فقال والله ما الكفر يقف أمام
الإيمان من غدوة إلى عَشيّة إلا من أمرٍ أحدثتموه أنتم أو
أنا فلم ينظر إلى النصر إلا بقوة الإيمان وأما قوة المدد
المعنوي أيضاً فهو من وجهين وقد نص عليه السلام عليهما في
غير هذا الحديث فأحدهما الريح لأنه عليه السلام قال
نُصِرتُ بالصَّبا ۳ حتى لقد ذهب بعض العلماء أنه لم يكن قط
نصر بغير ريح والصَّبا ريح ليّنة شرقية وقد قيل إنها من
الجنة وما كان من الجنة فهو للمؤمنين عون وعلى الكافرين
وبال
أما الوجه الآخر فهو الدعاء من المؤمنين لأنه قد جاءت
زيادة في رواية غير الحديث الذي نحن بسبيله ويدعو لكم
إخوانكم المؤمنون 4 وقال عليه السلام في حديث ذكر فيه
فضيلة الدعاء جند من جنود الله فيجب أن يغتنم هذا الوقت
الذي يكون فيه هذا المدد العظيم ويترتب على هذا من الفقه
أن يدعو المرء بعد صلواته وفي الأوقات التي يرجى فيها
القبول
لإخوانه المؤمنين شرقاً وغرباً ليكثر لهم المدد الذي يرجى
به النصر
القائلة النوم في الظهيرة والفعل قال يَقِيلُ
سورة الروم من الاية ٤٧ ۳ تقدم تخريجه في الحديث ١٤٤ ٤
تقدم تخريجه في الحديث ١٤٤ ٥ رواه ابن عساكر عن نمير بن
أوس مرسلاً
٩٤٥
وقد روي أن عبد الملك بن مروان خرج في بعض غزواته فسأل عن
بعض صالحي الوقت فطلب فوجده في مسجد متوجهاً يصلي فقال
أخرجوا على بركة الله سبابته في القبلة عندي خير من كذا
وكذا فارساً فلما بلغوا الحصن الذي أملوا انهدت شقة من
سُورِه ففرح الجيش فقال ليس ذلك منكم وإنما هو ببركة تلك
السبابة التي في القبلة
الوجه الثاني من البحث المتقدم فيه دليل على أن الحكم
بالغالب في ارتباط العادات لأنه قال انتظر حتى تهبّ
الأرواح وتحضر الصلاة وهذه الريح قد تكون في ذلك الوقت وقد
لا تكون لكن لما أن كان الغالب عليها أنها تأتي في ذلك
الوقت - وهو بعد الزوال - حكم لها به وانتظرتْ
إليه
الوجه الثالث أن النادر لا يعمل عليه لأنه قد يوجد الريح
في بعض الأيام في غير هذا الوقت فلم يُنط به الحكم لندارته
الوجه الرابع قوله انتظر يرد عليه سؤالان الأول أن يقال
لِمَ أتى بهذا اللفظ وعدل عن غيره من الألفاظ الثاني أن
يقال لم قال انتظر ولم يقل انتظرنا ومعلوم أن الانتظار كان
من الجيش كله
والجواب عن الأول أن قوله انتظر فيه إشعار بأنهم أخذوا
أهبة القتال واستعدوا ولم يغفلوا وهذا مثل قوله عليه
السلام لا يزال العبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة 1
ومعلوم أن المراد من كان متطهراً في المسجد ينتظر الصلاة
وأما من كان ينتظر الصلاة في بيته فلا يطلق عليه باعتبار
ما أراده الشارع عليه السلام أنه ينتظر الصلاة وكذلك هنا
سواء أتى بقوله انتظر ليبين
ما قررناه
والجواب عن الثاني أن المقصود من الجماعة رئيسهم والمعوّل
عليه فيهم فإذا انتظر الرئيس انتظر الكل فأتى بهذه الصيغة
تعظيماً للنبي وتأدباً معه كما هو الواجب
الوجه الخامس من البحث المتقدم هل يتعدى الحديث للقتال
المعنوي أم لا الظاهر تعديه إذ إن حكم المعاني عنه عليه
السلام تؤخذ كما يؤخذ عنه حكم الظاهر وقد تقدم من هذا ما
فيه كفاية للحجة بالتعدي في غير ما حديث وتعديه يحتمل
وجوهاً ويجمعها وجه واحد وهو أن أول النهار في المحسوس هو
أول بدء ظهور خلقه فكذلك الوقائع الحسية والمعنوية - أعني
من
1 أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن أبي هريرة رضي الله عنه
بلفظ لا يزال أحدكم في صلاة ما دام ينتظرها ولا تزال
الملائكة تصلي على أحدكم ما كان في المسجد تقول اللهم اغفر
له اللهم ارحمه ما لم يُحدِث وللحديث روايات أخرى بألفاظ
مختلفة
٩٤٦
التصرف والخواطر غير المستقيمة - يُبادَر عند ظهورها إلى
قتالها ومقاتلتها هي إزالتها لقوله عليه السلام في المارّ
بين يدي المصلي فليقاتله فإنما هو شيطان ومعناه فلْيدفَعه
وليُزِلْه لأن أول الوقت في وقوع المخالفة أو الغفلة يكون
الإيمان فيها أقوى من وقت التمكن فيها وأما نسبة العشيّ في
المعنوي فهو الذكر بعد الغفلة لأن الذكرَ يُحيي الإيمان
وقد قال تعالى وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي
ءَايَتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي
حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَنُ فَلَا
نَقْعد بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾
۱ والفرق بين القتالين أن الأول يكون بالدفع كما ذكرنا
والثاني بالتوبة والإقلاع والتوبة هنا هي حقيقة النصر
والذكر بعد الغفلة هي الريحُ المبشرة بالنصر
المذكور
وأما الصلاة في المعنوي فهو ما تقدم من مقتضى رحمة المولى
لإثارته ريح التذكار بعد الغفلة الموجب للتوبة - وهي حقيقة
النصر - لأن الصلاة من العباد دعاء والصلاة من الله تعالى
رحمة فمن سبقت له الرحمة ختم له بالنصر وأما الانتظار في
المعنوية فهو استصحاب دوام انكسار القلب إما لوقوع غفلة أو
لوقوع مخالفة لأن النبي الله وقال إخباراً عن ربه عزَّ
وجلَّ يقول اطلبوني عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ٢ لأن
انكسار القلب من أجل الرب من أجل الطاعات لأنه لا يدخله
رياء وهو أرجى الوسائل بمقتضى الوعد الجميل لأن معنى قوله
تعالى اطلبوني عند المنكسرة قلوبهم أي هو معهم فإذا كان
معهم فهو يلطف بهم ويوقظهم من الغفلة ويحرك لهم أسباب
التوبة ويمنّ عليهم بالنصر والغنيمة
جعلنا الله ممّن لطف به وأدخله في حفظ عنايته امين
وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 سورة الأنعام الآية ٦٨
ذكره السخاوي في المقاصد وقال ذكره الغزالي في البداية
وتعبه القاري في الأسرار المرفوعة ۷۱ بقوله ولا يخفى أن
الكلام في هذا المقام لم يبلغ الغاية قلت - أي القاري في
الأسرار - وتمامه وأنا عند المندرسة قبورهم
لأجلي ولا أصل لهما في المرفوع
٩٤٧
1101
حديث بر الوالدين وإن كانا كافرَيْن
عَن أسماء بنتِ أبي بكرٍ ١ رَضي الله عَنهُما قالت قَدِمَت
عَليَّ أُمِّي وَهِي مُشرِكَةٌ في عهد قريش إذ عاهَدوا
رَسُولَ الله الله وَمُدَّتِهِم مع أبيها فَاستَفتيتُ
رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقُلتُ يَا رَسُولَ الله
إِنَّ أُمِّي قَدِمَت عَليَّ وَهي راغِبة أفأصِلُها قالَ
نَعم صِليها
ظاهر الحديث يدل على جواز صلة الولد لأمه الكافرة والكلام
عليه من وجوه
الوجه الأول هل الحديث مقصور على الصلة للأم لا غير أو
الصلة جائزة على العموم للمشركين كلهم ظاهر صيغة الحديث
للأم لكن يؤخذ تعديه لغير الأم من غير هذا الحديث وهو قوله
عليه السلام في كل كبِدِ حَرَّى أجر
الوجه الثاني قولها قَدِمت علَيَّ أمي يرد عليه سؤالان
أحدهما أن يقال لم قالت قَدِمَت ولم تقل جاءت وما أشبهها
من الصيغ الثاني أن يُقال لم قالت عليَّ ولم تقل إليَّ إذ
إنهم لا يخصصون الألفاظ بالذكر دون غيرها إلا لمعنى مفيد
على ما تقرر
والجواب عن الأول أنها لو أتت بغيرها من الصيغ لاحتمل
اللفظ أن تريد أنها جاءت من سفر أو غيره و قدمت ليس فيه
احتمال غير القدوم من السفر لأنك إذا قلت فلان قدم أو فلان
۱ تقدمت ترجمتها في الحديث ١٠٥ رواه الإمام مسلم عن أبي
هريرة رضي الله عنه أبي هريرة رضي الله عنه وفي رواية
للشيخين في كل ذات كبد حَرّاء أجر وتمام الحديث أن رجلاً
جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني أنزع في
حوضي حتى إذا ملأته لإبلي ورد علي البعير لغيري فسقيته فهل
في ذلك من أجر فقال رسول الله في كل ذات كبد حَرّاء أجر
وفي حديث آخر بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد
بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من
العطش فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان
بلغ مني فنزل البئرَ فملأ خفّه ماء ثم أمسكه بقيه حتى رَقي
فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له قالوا يا رسول الله وإن
لنا من هذه البهائم لأجرا فقال في كل كبد رطبة أجر
٩٤٨
قدم على فلان ولم تذكر من أي موضع كان قدومه علم أنك أردت
أنه أتى من سفر ولو قلت فلان جاء أو فلان جاء إلى فلان لم
يفهم عنك ما أردت بمجيئه هل من سفر أو غيره حتى تبينه
فخصصت تلك الصيغة دون غيرها رفعاً للاحتمال
والجواب عن السؤال الثاني أن القادم من السفر لا بد وأن
يكون معه رحل فيحتاج أن يحط بموضع فأتت بقولها علي لأنه
ظرف لتبين أين كان نزول أمها حين قدومها ولو أتت بغيرها من
الصيغ لم تقم مقامها في ذلك المعنى
الوجه الثالث من البحث المتقدم قولها في عهد قريش إذ
عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه دليل على أن
المهادنة بين المسلمين والمشركين جائزة بشرط ألا يكون على
المسلمين فيه حيف ولا يعطون ٢ شيئاً لهم لأن النبي لا لا و
قد صالحهم بنص هذا الحديث ولم يصالحهم عليه السلام قط بشيء
على المسلمين فيه حيف ولا أعطاهم شيئاً قط وقد قال عليه
السلام الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ٣ فعلى هذا فإذا كثر
العدو بموضع حتى لا يقدر على قتاله فالخروج من الموضع إذ
ذاك ولا سبيل إلى الإذعان لهم لا بالمال ولا بالخدمة وقد
قال تعالى ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن
يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ٤
الوجه الرابع قولها ومدتهم تعني مدة المهادنة وإنما أتت
بذلك لتبين أن قدوم أمها عليها لم يكن حين العهد وإنما كان
في أثناء مدته احال
الوجه الخامس قولها مع أبيها يَرِد عليه سؤال وهو أن يُقال
ما فائدة ذكرها للأب والجواب عنه أنها إنما قالت ذلك لتزيل
ما يتخيل هناك من فقر أمها وحاجتها لأنها قالت في آخر
الحديث وهي راغبة والرغبة تحتمل أن تكون من المحبة وتحتمل
أن تكون طلباً للإحسان من أجل الفاقة وهذا الاحتمال الأخير
يلحق به من النقص للموصوف به ما لا يخفى فأتت بذكر أبيها
معها لتبين أنها لم تطلب هذه الرغبة التي أشرنا إليها
أخيراً وإنما أرادت الأولى لأن المرء إذا جاء مع من يكفله
فليس بفقير
الوجه السادس قولها فاستفتيت رسول الله الكلام على هذا
الفصل من وجوه
۱ كذا بزيادة الواو
كذا أيضاً برفع الفعل المعطوف على المنصوب يكون
۳ تقدم تخريجه في الحديث ۱۳
٤ سورة الأعراف من الاية ۱۸
٩٤٩
الأول التعلم والسؤال قبل العمل لأنها لم تصل أمها حتى
استفتت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته
وتعلمت وحينئذ عملت
الثاني أن الأمر إذا كان العمل به مستصحباً ثم عارضه علة
فالتوقف إذ ذاك حتى يتبين بلسان العلم هل يقع بها المنع أو
يبقى على بابه لأن الصلة للوالدين تتردد بين الواجب
والمندوب بحسب اختلاف الأحوال فلما أن عارض ذلك علة الكفر
لم تُقدِم على العمل حتى تبين لها الأمر
على لسان العلم باستفتائها النبي لالالالالالا الثالث أن
الأصل هو الدين وهو المُعَوَّل عليه مع الأقارب والأجانب
لأنه يُعلم بالضرورة أن الولد يحب والديه المحبة الكلية
لكن لم تنظر لأمها حين أقبلت عليها في شيء حتى سألت هل ذلك
لها سائغ في الدين أم لا فقدَّمت الدين على أحب الأشياء
إليها وهو المراد بقوله تعالى قُلْ إِن كَانَ ءَابَاؤُكُمْ
وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ
وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَبَجَرَةٌ
تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ
إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي
سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا ۱ فهؤلاء رضي الله عنهم ممن فهموا
هذه الآية وعملوا بمقتضاها
الرابع فيه دليل لأهل الصوفة في كونهم يؤخّرون الأعمال في
بعض الأوقات حتى يصححوا النية لأنها ۳ لم تعمل على هذه
القربة لأجل ما عارضها حتى استفتت النبي لأن تُخلص النية
بغير شبهة ولا ارتياب اتباعاً لقوله خير العمل ما تقدمته
النية ۳
الخامس لقائل أن يقول لم قالت فاستفتيتُ ولم تقل فسألتُ
كما قيل عن غيرها في غير هذا الحديث والجواب عنه أن
الاستفتاء أخص من السؤال لأنه لا يُطلق ٤ مستفتياً إلا على
من له معرفة بالحكم وبقي عليه بعض إشكال في واردٍ وَرَدَ
أو إشكال عَرَض ويُطلِقُ عليه ٤ سائلاً إذا لم يكن له
معرفة بالحكم ولا بطرف منه ولأجل هذا قال صلى الله عليه
وسلم استَفْتِ نفسَك وإن أفتاك المفتون ٥ ولا يسوغ أن يقال
سَل نفسك لأن الاستفتاء تحقيق أحد أمرين أن تعلم أيهما
أصلح بك لمعرفتك بجزئيات أمرك أكثر من غيرك ولا يفهم ذلك
من قولك سل نفسك
۱ سورة التوبة من الآية ٢٤
أي لأن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما ۳ لم نعثر
عليه بهذا اللفظ وإنما رأينا قوله عليه السلام خير العمل
ما نفع كشف الخفاء للعجلوني ٤٥٧/١ و ٤٧٤ وقوله خير العمل
أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله كنز العمال ۱۷۷۱
أما ما يتصل بالعمل والنية ففيها أحاديث أخرى بغير اللفظ
الذي أورده ابن أبي جمرة رضي الله عنه والله أعلم ٤ أي
المتكلم
ه رواه البخاري في التاريخ والإمام أحمد عن وابصة رضي الله
عنه
90
الوجه السابع قولها يا رسول الله إن أمي قَدِمَت عليّ وهي
راغبة أفأصلُها الرغبة قد تقدم الكلام على معناها وهي على
ضربين وقد بيناها والصلة أيضا قد ذكرناها وهي على ضربين
وهي هنا من القسم المندوب
الوجه الثامن قولها قال نَعَم صليها فيه دليل على أن النبي
و له أن يحكم باجتهاده وبما ا ا ا ا يرى من رأيه لأنه عليه
السلام أمرها بالصلة لأمها من غير أن ينزل عليه وحي فيها
أعني الوحي بالواسطة وأما وحي الإلهام فكل كلامه عليه
السلام وتصرفه منه تعالى لقوله ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ
الهوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى 1
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 سورة النجم الآيتان ٣ و ٤
11091
حديث رحمة الله تعالى لعباده
عَن أبي هُرَيْرَةَ رضيَ الله عَنهُ قالَ قال رَسولُ الله
صلى الله عليه وسلم لما قضى الله عزَّ وجَلَّ الخَلْقَ
كَتبَ في كِتابِ فَهوَ عِندهُ فَوقَ العَرشِ إِنَّ
رَحْمَتِي سَبَقَت غَضَبي
ظاهر الحديث يدل على أن رحمة الله تعالى لعباده أكثر من
غضبه والكلام عليه من وجوه الوجه الأول قوله الله لما قضى
الله عزّ وجلّ الخلق قضى بمعنى خلق ومنه قوله تعالى
فَقَضَهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ۱ أي خلقهن الوجه الثاني
قوله عليه السلام كتب بمعنى أوجب ومنه قوله تعالى ﴿كَتَبَ
رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ أي أوجبها وهذا
الوجوب من الله تعالى وجوب تفضّل وامتنان لا وجوب حق عليه
محتوم لأن الوجوب في حقه تعالى مستحيل
الوجه الثالث قوله عليه السلام في كتاب هذا هو الذي يحمل
على ظاهره ويجب الإيمان به كما ورد الخبر وهو أن ثَمَّ
كَتْباً محسوساً في كتاب محسوس لكن بقي احتمال في الكتاب
هل فيه غير ما ذكر في الحديث ويكون ما ذكر من جملة الكتب
الذي فيه أو ليس فيه غير
ما ذكر وهو إيجاب غلبة الرحمة على الغضب احتمل المعنيين
معاً والقدرة صالحة لكليهما الوجه الرابع قوله عليه السلام
فهو عنده إنما أضاف عليه السلام الكتاب إلى الله تعالى
لعدم المشاركين له من المخلوقات في حفظه هناك بخلاف ما جرت
الحكمة في غيره من الأماكن مثل السماواتِ والأرض لأن ما في
السماوات والأرض وما بينهما وما فوقهما وما فوق العرش يضاف
إليه عزّ وجلّ حقيقةً لكن لما أن جعل عزّ وجلّ حفظ ما في
السماوات
٩٥٢
۱ سورة فُصِّلَت من الآية ۱ سورة الأنعام من الآية ٥٤
والأرض على أيدي من شاء من خلقه بمقتضى حكمته لم يضف ما في
تلك المواضع إليه وأضافها إليهم بمقتضى الحكمة ولما لم يكن
هناك مشارك في الحفظ بمقتضى الحكمة - أعني فوق العرش -
أضافه إلى نفسه ومثله قوله تعالى لِمَنِ الْمُلْكُ
الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ ١ والمُلك له
عزّ وجلّ في دار الدنيا لكن أجرى الحكمة بأن جعل له في
الدنيا نُوّاباً وأجرى الحكمة على أيديهم فأضافها إليهم
ولما لم يجعل في دار الآخرة خليفةٌ في المُلك ولا نائباً
أضاف المُلكَ إليه عزّ وجلّ فقال لله الواحد القهّارِ
الوجه الخامس قوله عليه السلام فوق العرش فيه دليل على أن
فوق العرش ما شاء الله
تعالى بمقتضى حكمته من أمره ونهيه مما يشبه هذا أو غيره
وقد يرد على هذا الفصل سؤال وهو أن يُقال لم كان الكتاب
فوق العرش ولم يكن في
السماوات
والجواب أن العرش قد جرت الحكمة بأنه يبقى على حاله لا
يتغير ولا يتبدل بحسب الأخبار الواردة في ذلك والسماوات
والأرض تتغيّر وتتبدل فخصَّ بأن كان هناك لأجل هذا المعنى
فإن قال قائل لِمَ لم يكن في الجنان إذ إن الجنان لا تتغير
ولا تتبدل قيل له إنما جعل الجنان للجزاء والنعيم والأمر
والنهي ليس هناك وقد شاءت الحكمة بأن الأحكام والشرائع
والأمر والنهي تختص بالعرش ومنه منبع ذلك كله
وفي هذا دليل على أن الله عزّ وجلّ منزّه عن الحلول على
العرش لأنه قد جرت الحكمة أن يكون العرش ظرفاً لما شاء عزّ
وجلّ من أمره ونهيه وحكمته بمقتضى هذا الحديث في قوله عن
الكتاب فهو عنده فوق العرش وقد مرّ الكلام عليه فعلى مقتضى
هذا الحديث فيكون معنى قوله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى
الْعَرْشِ اسْتَوَى ۳ أي استوى أمره ونهيه وما شاء من
حكمته ومثله
قوله تعالى ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ ۳ أي جاء أمرُ
ربك وهذا مستعمل في ألسنة العرب كثيراً ومما يزيد هذا
بياناً وإيضاحاً - أعني تنزيه الذات الجليلة عن الحلول
والاستقرار - قوله عليه السلام لا تُفضّلوني على يونس بن
متى ٤ والفضيلة قد وجدت بينهما في عالم الحس لأنه عليه
السلام رفع حتى رقي السبع الطباق ويونس عليه السلام ابتلعه
الحوت في قعر البحار
۱ سورة غافر من الآية ١٦ سورة طه الاية ٥ ۳ سورة الفجر من
الآية
٤ متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنه بلفظ لا ينبغي
لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى
٩٥٣
فالفضيلة موجودة مرئية في هذا العالم الحسي ولم يكن عليه
السلام لينفي شيئاً موجوداً حساً ولا يقول إلا حقاً فلم
يبق معنى لقوله عليه السلام لا تفضلوني على يونس إلا
بالنسبة إلى القرب من الله سبحانه فمحمد عليه السلام فوق
السبع الطباق ويونس عليه السلام في قعر البحار وهما
بالنسبة إلى القرب من الله سبحانه على حد سواء ولو كان عزّ
وجلّ مقيداً بالمكان أو الزمان لكان النبي لا أقرب إليه
فثبت بهذا نفي الاستقرار والجهة في حقه جلّ جلاله
الوجه السادس قوله عزّ وجلّ إن رحمتي غلبت غضبي غلبت بمعنى
أكثر أي بما حكمت بذلك لعبادي بأن أكثرتُ لهم النصيب من
رحمتي على النصيب من غضبي لكن هذا يحتاج فيه إلى كلام
وبيان لأنا قد وجدنا مقتضى هذا الكتاب موجوداً حساً في
الدنيا لأن الرحمة قد عَمَّت الخلق بأجمعهم فيولد الكافر
وأبواه يشركان بالله ويعبدان الأوثان وهو يكبر على الطغيان
والضلال وهو عزّ وجلّ يغذيه بألطافه وييسر له ما يحتاج
إليه من ضروراته وكذلك غيره من العصاة هذا مشاهد مرئيّ لا
يحتاج فيه إلى بيان والقليل النادر مَنْ عومل بصفة الغضب
لكن الآخرة قد وردت الأخبار فيها بضد هذا
فمنها قوله عليه السلام يقول الله عزّ وجلّ لآدم يوم
القيامة أخرِج بَعْثَ النار من بَنِيكَ فيقول يا ربّ ما
بَعْثُ النار فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعةً وتسعين ۱ فشق
ذلك على الصحابة رضوان الله عليهم فقال لهم رسول الله منكم
رجل ومن يأجوج ألف وإنكم فيمن تقدم من الأمم كالشامة
البيضاء في جنب البعير الأسود إلى غير ذلك من الأحاديث
التي جاءت في هذا المعنى فكان الغضب في الاخرة على مقتضى
هذا الظاهر أكثر من الرحمة وذلك مخالف النص الحديث
والجواب عن هذا الإشكال أنه عليه السلام لم يقل لما قضى
الله خلق بني آدم وإنما قال لما قضى الله الخلق فعَمَّ ولم
يخصص وبنو ادم في مخلوقات الله تعالى البعض من الكل وقد
قال عليه السلام إن في هذه الدار من مخلوقات الله تعالى
ألفَ عالم أربعمائة في البر
۱ رواه الإمام أحمد وعبد ابن حميد والبخاري ومسلم عن أبي
سعيد الخدري رضي الله عنه ولفظه يقول الله تبارك وتعالى يا
آدم فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك فيقول أخرج بَعثَ
النار قال وما بَعث النار قال من كل ألف تسعمائة وتسعة
وتسعين فعنده يشيب الصغير وتضع كل ذات حَملٍ حَملَها وترى
الناس سكاري و ما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد قالوا يا
رسول الله وأين ذاك الواحد قال أبشروا فإن منكم رجلا ومن
يأجوج ومأجوج الف والذي نفسي بيده أرجو أن تكونوا ربع أهل
الجنة أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة أرجو أن تكونوا نصف
أهل الجنة ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد
ثور أبيض أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود أو كالرقمة في
ذراع الحمار
٩٥٤
وستمائة في البحر ۱ هذا ما هو في هذه الأرض فكم في
الأرضِينَ الأُخر وكم في السماوات من الملائكة وكم تحت
العرش وكل هذه المخلوقات تُحشَر يوم القيامة حتى يقتص الله
عزّ وجلّ ممن شاء لمن شاء كيف شاء ثم يقول عزّ وجلّ لما
عدا الثقلين والملائكة كونوا تراباً فعند ذلك وَيَقُولُ
الْكَافِرُ عَلَيْنَنِي كُنتُ تُرَابًا ۳ لأن النجاة من
عذاب الله رحمة وقد جاءت الأخبار والآثار أن النار لا
يدخلها غير الثقلين ولا يدخلها من الثقلين إلا الكفار
منهما والعصاة فالعصاة لا يخلدون ويخرجون منها بعد القصاص
أو بالشفاعة ويصيرون إلى النعيم الأكبر ولا يبقى فيها
مخلّداً إلا الكفار وهم أقل المخلوقات عدداً فتبقى الرحمة
أعمّ وهي في تلك الدار أعم وأشمل منها في هذه الدار وقد
قال عليه السلام إن الله تعالى جعل الرحمة فأخرج منها لهذه
الدار واحدة بها يتراحم الخلق حتى الفرس ترفع حافرها عن
ولدها خشية أن يصيبه وادَّخر للآخرة تسعة وتسعين ٤ فصح
كثرتها بالنظر كما ذكرنا وبالإخبار والله
مائة جزء
المستعان
وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ تقدم الكلام عليه في الحديث ۳
الثقلان الجن والإنس وفي التنزيل العزيز سَنَفْرُعُ لَكُمْ
أَيُّهُ الثَّقَلَانِ وتأتي بمعنى الشيء النفيس الخطير
وقد جاء في الحديث إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و
عترتي
۳ سورة النبأ من الاية ٤٠
٤ متفق عليه
٩٥٥
<-1
حديث الإسراء والمعراج بنبيّنا ليه
الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم بينا أنا عند
البيت بين
عن مالك ك بنِ صعصعة ١ ـة ١ رضي النائم واليقظان وذكر بين
الرّجلَين فأُتِيتُ بطَسْتِ من ذَهَبٍ مُلِئَءَ حكمةً
وإيماناً فشقّ من النحر إلى مراقٌ ۳ البطن ثم غُسِل البطنُ
بماء زمزمَ ثم مُلى حكمةً وإيماناً وأُتيتُ بدابة أبيض ٤
دون البغل وفوق الحمار البراق
فانطلقتُ مع جبريلَ مع جبريل حتى أتينا السماء الدنيا قيلَ
من هذا قال جبريلُ قيلَ مَن معك قال محمد قيل أوقد أُرسِلَ
إليه قال قيل مرحباً به وَلَنِعْمَ المجيء جاء فأتيت على
آدمَ فسلَّمتُ عليه فَقالَ مَرحباً بِكَ مِن ابنِ
وَنَبِيِّ فأتينا السَّماءَ الثانيةِ قيلَ مَن هَذا قالَ
جبريل قيلَ مَن معكَ قالَ مُحمّد قيلَ أَوَقَد أُرسِلَ
إِلَيْهِ َقالَ نعم قيل مرحباً بهِ ولَنِعْمَ المجيءُ جاءَ
فأتيتُ على عيسى ويحيى فَقالا مَرحباً بِكَ مِن أخ ونبي
فأتينا السَّماءَ الثالثة قيلَ مَن هذا قال جبريل قيلَ مَن
مَعك قالَ مُحمّد قيلَ أَوَقَد أُرسِلَ إِلَيهِ قالَ نَعم
قيلَ مَرحباً بهِ ولَنِعْمَ المجيءُ
فَسلَّمتُ عليهما
جاءَ فأتيتُ على يوسُفَ فَسَلَّمتُ عليهِ فقال مرحباً بِكَ
مِن أخِ وَنبِيٍّ فأَتَيْنا السَّماءَ الرابعة قيل مَن هذا
قيل جِبريلُ قال مَن مَعَكَ قال محمد
مالك بن صعصعة هو الأنصاري الخزرجي الصحابي المدني روي له
خمسة أحاديث اتفق الشيخان فيها على حديث الإسراء والمعراج
وأنس بن مالك رضي الله عنه حدّث الصحابة عن مالك بن صعصعة
بهذا الحديث وهو من قومه وسكن مالك المدينة من الإصابة
والاستيعاب وتهذيب النووي أي ذكر الراوي أن النبي لو كان
بين الرجلين وهما حمزة عمه وجعفر ابن عمه أبي طالب فإنه
كان نائماً بينهما وهذا يسمّى في مصطلح الحديث إدراج
۳ مراق البطن ما رَق منه ولان جمع مَرَق أو لا واحد لها
٤ كذا بالتذكير لأن الدّابة تذكر وتؤنث
90
قيل أوقد أرسل إليه قال نَعَمْ قيل مَرْحباً بهِ ولَنِعْمَ
المجيءُ جاءَ فأتيتُ على إدريس
فسلمت عليه فقال مرحباً بكَ مِن أخ ونبي
فأتينا السَّماءَ الخامسة قيلَ مَن هذا قالَ جبريل قيلَ
ومَن مَعك َقالَ مُحمّد قيلَ أَوَقَد أُرسِلَ إِلَيْهِ
قَالَ نَعم قيلَ مَرحباً بهِ ولَنِعْمَ المجيءُ جاءَ
فأتيتُ على هارونَ فَسَلَّمتُ عليهِ فقال مرحباً بِكَ مِن
أخ ونبي فأتينا السَّماءَ السادسة قيلَ مَن هذا قالَ
جبريلُ قِيلَ مَن مَعك قالَ مُحمّد قيلَ َأوَقَد أُرسِلَ
إِلَيهِ قالَ نَعم قيلَ مَرحباً بهِ ولَنِعْمَ المجيء جاءَ
فأتيتُ على موسى فَسلَّمتُ عليهِ فقال مرحباً بكَ مِن أخ
ونبي فلمّا جاوزتُه بكى فقيل ما أبكاك قال يا ربِّ هذا
الغلامُ الذي بُعِث بعدي يَدخُلُ الجنةَ من أمته أفضلُ ما
يَدخُل من أمتي فأتينا السَّماءَ السابعة قيلَ مَن هذا
قالَ جبريلُ قيلَ مَن مَعك قالَ مُحمّد قيلَ َأوَقَد
أُرسِلَ إِلَيهِ َقالَ نَعم قيلَ مَرحباً بهِ َولَنِعْمَ
المجيء جاءَ فأتيتُ على إبراهيم فَسلَّمتُ عليهِ فقال
مرحباً بِكَ مِن ابنِ وَنبِيٍّ
فرُفع إليَّ البيتُ المعمور فسألتُ جبريلَ فقال هذا البيت
المعمور يُصلّي فيه كلَّ يوم سبعون ألفَ مَلَكِ إذا خرجوا
لم يعودوا آخر ما عليهم ورُفعت إليَّ سِدْرَةُ المُنْتَهَى
فإذا نَبْقُها ۱ كأنه قِلالُ هَجَرِ ۳ ورقها كآذان الفيلة
في أصلها أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران فسألت
جبريل فقال أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران
فالفرات والنيل
ثم فُرضت عليَّ خمسون صلاة فأقبلتُ حتى جئتُ إلى موسى فقال
ما صَنَعتَ قلت فُرضتْ عليَّ خمسون صلاة قال أنا أعلمُ
بالناس منك عالجت بني إسرائيل أشدَّ المعالجة وإنّ أُمَّتك
لا تطيق فارجع إلى ربك فاسأله التخفيفَ فرجعتُ فسألته
فجعلها أربعين ثم مثله فجعلها ثلاثين ثم مثله فجعلها عشرين
ثم مثله فجعلها عشراً فأتيت موسى فقال مثله فجعلها خمساً
فأتيتُ موسى فقال ما صنعت قلت جَعَلها
1 النبق شجرة السدر القلال ج قلة إناء من فخار يشرب منه
۳ هَجَر هي المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية
وتسمى اليوم الأحساء
٩٥٧
خمساً فقال مثله فقلت سلَّمتُ فنودِي إنّي قد أمضيتُ
فريضتي وخففتُ عبادي وأجزي الحسنةَ عشراً
**
عن
ظاهر الحديث يدل على الإسراء بذات محمد المباركة وفرض
الصلاة بغير واسطة والكلام
عليه من وجوه
الوجه الأول قوله عليه السلام بينا أنا عند البيت بين
النائم واليقظان فيه دليل على جواز النوم في الحرم لكن هل
ذلك جائز مطلقاً أو لا يكون إلا لعلة الظاهر أنه لعلة لأنه
يعارضه قوله عليه السلام إنما المساجد لما بنيت له ۱
والعلة في نومه عليه السلام في الحرم ظاهرة
من وجوه
فمنها أن البيت قل أن يخلو من الطائف به فقد يكون عليه
السلام أتى إلى الحرم فوجد
الناس يطوفون فقعد ينتظر فراغ الناس ثم يدخل في الطواف
فغلبته عيناه فمنها أن يكون عليه السلام قعد يشاهد البيت
لأن مشاهدته من المرغب فيها والمندوب
إليها
ومنها أن يكون عليه السلام قد طاف وتعب من الطواف فقعد
قليلا يستريح من التعب المتقدم ولكي تجم ۳ النفس إلى عبادة
أخرى وإذا كان النوم بهذه النية فهو طاعة والطاعات سائغ
إيقاعها في الحرم يشهد لما قلناه من أن النوم يكون طاعة
إذا صحبته تلك النية مثل قصة معاذ وأبي موسى رضي الله
عنهما حيث سأل أحدهما الآخر عن قراءة القرآن فقال المسؤول
أقرأه قائماً وقاعداً ومضطجعاً وأفوقه تفويقاً ۳ ولا أنام
وقال الآخر أما أنا فأقوم وأنام وأحتسب ٤ نَوْمَتي كما
أحتسب قَوْمَتي فلم يسلّم أحدهما للآخر فترافعا إلى النبي
صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام للذي كان يفوقه
تفويقاً هو أفقه منك يعني الذي كان يحتَسِب نومه كقيامه
وهذا نص في أن النوم إذا كان بالنية التي ذكرنا فهو طاعة
والطاعة سائغة هناك ومن هذا الباب أجاز العلماء نـ المعتكف
في المسجد لأنه غلبة وعون على الطاعة ومنعوه للغير ولهم
حجة فيما نحن بسبيله
على ما ذهبوا إليه
نوم
۱ رواه مسلم عن بريدة رضي الله عنه أن رجلاً نَشَدَ في
المسجد فقال من دعا إلى الجمل الأحمر فقال رسول الله لا
وجدت إنما المساجد لما بنيت له
نجم النفس تجتمع وتتهيا
۳ أُفَوقه وأتفوَّقه أي لا أقرأ جزئي بمَرَّة ولكني أقرأ
منه شيئاً بعد شيء في آناء الليل والنهار وهو من فواق
الناقة وتعني الزمن بين الحَلَبَتين لأنها تحلب ثم تترك
سُوَيعة يرضعها الفصيل لتدرّ ثم تُحلب ٤ أحتسب أدَّخر
الأجر عند الله
۹۰۸
اللغة نائماً
الوجه الثاني فيه دليل على تحرّي النبي للصدق في المقال
وأنه لا يترك الحقيقة ويرجع إلى المجاز إلا لأمر لا بدّ
منه في الكلام لأنه من كان بين النائم واليقظان يسوغ أن أن
يُطلق عليه في ويسوغ أن يُطلق عليه يقظان ۱ لكن ذلك على
المجاز ولو قال يقظاناً لكان نطق بالحقيقة أو قاربها لأنه
عليه السلام قلبه في نومه كما هو في يقظته يشهد لذلك قوله
عليه السلام تنام عيناي ولا ينام قلبي فلم يبق نومه عليه
السلام إلا في الجوارح الظاهرة ثم الجوارح في هذه المدة لم
يكن النوم قد تسلّط عليها والظاهر كان كالمتيقظ والباطن
متيقظ في
كل حال لكن عدل عليه السلام عن ذكر اليقظة ليبين الأمر على
ما كان عليه دفعاً للمجاز الوجه الثالث قوله وذكر بين
الرجلين يريد أنه كان مضطجعاً بين رجلين وفي هذا دليل على
تواضعه عليه السلام وحسن خُلُقه إذ إنه في الفضل حيث هو
ولكنه كان يضطجع مع الناس ويقعد معهم ولم يجعل لنفسه
المكرمة مزيّة عليهم الوجه الرابع فيه دليل على جواز النوم
جماعة في موضع واحد لكن يشترط في ذلك أن يكون لكل واحد
منهم ما يستر به جسده عن صاحبه الوجه الخامس قوله عليه
السلام فأُتيتُ بطَسْت من ذهب مُلِى حكمة وإيماناً الطست
هو إناء يعمل في الغالب من نحاس وهو مبسوط القاع معطوف
الأطراف إلى ظاهره يتخذه الناس لغسل أيديهم في الغالب
غيره
الوجه السادس فيه دليل على فضيلة هذا الإناء إذ إنه أتي به
النبي الله وخُصص به دون
الوجه السابع لقائل أن يقول لم أتي له عليه السلام بالطست
من ذهب والذهب في
شريعته عليه السلام محرَّم
والجواب أن تحريم الذهب إنما هو لأجل الاستمتاع به في هذه
الدار وأما في الآخرة فهو للمؤمنين خالصاً لقوله عليه
السلام هو لهم في الدنيا وهو لنا في الآخرة ۳ ثم إن
الاستمتاع بهذا الطست لم يحصل منه عليه السلام وإنما كان
غيره هو الجالب له والمتناول لما كان فيه
1 كذا بالتنوين وهو جائز على لغة بعض العرب رواه مسلم عن
عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله أتوتر قبل أن
تنام قال إن عيني تنامان ولا ينام
قلبي
۳ قطعة من حديث رواه الشيخان عن حذيفة بن اليمان رضي الله
عنه ولفظه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تشربوا في
إناء الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في
الدنيا ولكم في الآخرة
۹۵۹
حتى وضعه في القلب المبارك فسَوَقان الطَّسْت من هناك
وكونه كان من ذهب دال على ترفيع
عليه
المقام فانتفى التعارض بدليل ما قررناه الوجه الثامن فيه
دليل على أن الإيمان والحكمة جواهر محسوسات لا معان لأنه
السلام قال عن الطست أنه أُتِيَ به مملوءاً حكمة وإيماناً
ولا يقع الخطاب إلا على ما يفهم ويعرف والمعاني ليس لها
أجسام حتى تملأ الإناء وإنما يمتلىء الإناء بالأجسام
والجواهر وهذا نص من الشارع عليه السلام بخلاف ما ذهب إليه
المتكلمون في قولهم بأن الإيمان والحكمة أعراض
والجمع بين الحديث وما ذهبوا إليه هو أن حقيقة أعيان
المخلوقات التي ليس للحواس إليها إدراك ولا من النبوة بها
إخبار أن الإخبار عن حقيقتها غير حقيقة وإنما هو غلبة ظن
لأن للعقل بإجماع أهل العقل المؤيَّدين بالتوفيق حداً يقف
عنده ولا يتسلط فيما عدا ذلك ولا يقدر أن يصل إليه فهذا
وما أشبهه منها لأنهم تكلموا على ما ظهر لهم من الأعراض
الصادرة عن هذه الجواهر التي ذكرها الشارع عليه السلام في
الحديث ولم يكن للعقل قدرة أن يصل إلى هذه الحقيقة التي
أخبر بها عليه السلام فيكون الجمع بينهما أن يقال ما قاله
المتكلمون حق لأنه الصادر عن الجوهر وهو الذي يدرك بالعقل
والحقيقة هي ما ذكره عليه السلام في الحديث
ولهذا نظائر كثيرة بين المتكلمين واثار النبوة ويقع الجمع
بينهما على الأسلوب الذي قررناه وما أشبهه وقد نشير لشيء
من ذلك ليتنبه لما عداه فمثل ذلك الموت كيف أخبر عليه
السلام في الحديث أنه يُؤتَى به يوم القيامة كبشاً أملح
فيذبح بين الجنة والنار بعدما يعرض لأهل تلك الدارين
فيعرفونه ومثل ذلك أيضاً الأذكار والتلاوة لأن ما ظهر منها
هنا معان وتوجد يوم القيامة جواهر محسوسات لأنها توزن في
الميزان ولا يوزن في الميزان إلا الجواهر
الوجه التاسع فيه دليل لأهل الصوفة وأصحاب المقامات
والتحقيق لأنهم يقولون إنهم يرون قلوبهم وقلوبَ إخوانهم
وإيمانهم وإيمان إخوانهم بأعين بصائرهم جواهر محسوسات
فمنهم من يعاين إيمانه مثل المصباح ومنهم من يعاينه مثل
الشمعة ومنهم من يعاينه مثل المشعل وهو أقواها ويقولون
بأنه لا يكون المحقق محققاً حتى يعاين باطن قلبه بعين
بصيرته كما يعاين كفَّه بعينِ بصره فيعرف الزيادة فيه من
النقصان وكذلك أيضاً يقولون في الحكمة بأنهم يعاينونها
بأعين بصائرهم تتنابع من جوانب أفئدتهم كما تتنابع عيون
الماء على اختلافها فبعضها ينبع نبعاً يسيراً وبعضها ينبع
نبعاً كثيراً
1 كبش أملح خلط بياض جلده سواد
9
فمن قوي منهم إيمانه وكثرت حكمته لا يطيق السكوت لأنه
يتنعم بذكر تلك الحكم كما يتنعم صاحب الغذاء بحسن الغذاء
وربما إذا اشتد عليهم الحال ومنعوا من الكلام كان ذلك
سبباً لموتهم حتى لقد حكي عن بعضهم أنه كان إذا جاءه الحال
وهو في مجلس شيخه لا يطيق السكوت فيغلب عليه الحال فيتكلم
فكلمه شيخه في ذلك وأمره بالسكوت فلما أن ورد عليه الحال
بعد ذلك التزم السكوت انصياعاً لأمر الشيخ به فتحمل ذلك
فمات من حينه يؤيد ما قررناه عنهم أولاً ويوضحه قوله عزّ
وجلّ مَثَلُ نُورِهِ كَيَشكُو فِيهَا مِصْبَاحُ
الْمِصْبَاحُ فِي ـاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَتَهَا كَوْكَبٌ
دُرِّيٌّ ۱ نقل صاحب التحصيل في مختصره عن العلماء أنهم
قالوا إن الضمير عائد على المؤمن تقديره مثل نور المؤمن
كمشكاة والمشكاة هي الحديدة التي في وسط القنديل الذي يوضع
فيه الفتيل فقالوا المشكاة مثل لصدر المؤمن والزجاجة قلبه
والمصباح إيمانه
ونقل أيضاً عن العلماء في معنى قوله تعالى ﴿ يُعَلِّمُونَ
النَّاسَ السّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ
بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ
أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا
تَكْفُر ۳ أن الذين يعلمون الناس السحر ببابل إذا أتاهم من
يريد تعلّم سحرهم يقولون له إنما نحن فتنة فلا تكفر فإن
أبى إلا أن يتعلم قالا له انتِ هذا الرَّمادَ فَبُلْ فيه
فإذا بال في ذلك الرماد خرج منه نور يسطع إلى السماء وهو
الإيمان وخرج من الرماد دخان أسود يدخل في أذنيه وهو الكفر
فإذا أخبرهما بما رآه عَلَّماه
فهذه الآي بظواهرها ومعانيها مع نص الحديث الذي نحن بسبيله
حجة لأهل التحقيق والمكاشفات فيما نقلناه عنهم وقد حُكي عن
بعض الفضلاء منهم رحمه الله في حكاية يطول كتبها هنا أنه
قدر عليه بأن يتنصر ثم عاد بعد ذلك إلى الإسلام وحَسُن
حاله أكثر مما كان أولاً فكان يقول إنه رأى أولاً قبل كفره
طائراً أخضر قد خرج من فمه فمنذ خرج منه لم يلتفت إلى
الإيمان ولم يرجع إليه وكان إذا ذُكِّر بالإسلام ووُعِظ
يقول أعلمُ كل ذلك ولم يجد سبيلاً إلى الرجوع فلما أن
تلافاه الله تعالى بعفوه وإفضاله فإذا بالطائر الأخضر قد
أتاه فدخل في حلقه فإذا هو قد رجع إليه الإيمان وانشرح
صدره بالحكمة واتسع
۱ سورة النور من الآية ٣٥
صاحب التحصيل هو أحمد بن عمار المهدوي المغربي المتوفى بعد
سنة ٤٠٠ هـ و التحصيل كتاب في التفسير مختصر من كتاب
التفصيل الجامع لعلوم التنزيل في التفسير من كتاب كشف
الظنون ص ٤٢٦ وإنباه الرواة
٩٦١
۹۱/۱
۳ سورة البقرة من الآية ۱۰
يؤيد ما قالوه وما شاهدوه قوله عليه السلام من أخلص الله
أربعين صباحاً ظهرت ينابيع
الحكمة من قلبه على لسانه ۱ وهم قد عاينوا ينابيع الحكمة
كيف هي على ما نقلناه عنهم وعاينوا حقيقة الإيمان كما
وصفنا رزقنا الله من الهدى والنور ما رزقهم وألحقنا في
الدنيا والآخرة بهم
بمنّه إنه ولي كريم هذا ما تضمنه اعتقاد أهل التحقيق وما
تضمنته أحوالهم وأما أئمتنا في الفقه فظاهر مذهب الشافعي
رحمه الله موافق لأهل الكلام لأن أصحابه ينقلون عنه أن
الإيمان يزيد موافقة لما ذكر الله عزّ وجلّ في كتابه
ويقولون بأن النقص لا يمكن فيه لأنه على زعمهم عَرَض
والنقص في العَرَض ذهابه وأما أبو حنيفة رحمه الله فيقول
بأنه لا يزيد ولا ينقص وظاهر مذهب مالك رحمه الله موافق
لأهل الحقيقة فيما قررناه عنهم لأن أصحابه ينقلون عنه أن
الإيمان عنده يزيد
وينقص وقد مثله بعض أصحابه بماء العين يزيد مرة وينقص أخرى
ولم يعدم الماء من العين وهذا هو الحق الذي لا خفاء فيه
بدليل ما قررناه من الآي والأحاديث وما شهده أهل التحقيق
عياناً ولأنه عليه السلام قد قال لا يزني الزاني حين يزني
وهو مؤمن الحديث بكماله وجاء من طريق آخر قال فيه إن
الإيمان يخرج منه حين الفعل فيبقى على رأسه كالظُّلَّةِ ۳
ولو كان عَرَضاً لم يتَأَتَ أن يقوم بنفسه حتى إنه يبقى
كالظلة على رأسه
هذا ما تضمنه البحث في حقيقة الإيمان ما هو على طريقة أهل
الفقه وأهل التحقيق مع أنه ليس أحد الوجهين - أعني هل يكون
الإيمان جوهراً أو عَرَضاً - بالنسبة إلى القدرة من طريق
المستحيل ولهذا كان الصحابة والسلف والصدر الأول رضوان
الله عليهم لم يتكلموا في هذا ولا أمثاله لأن المقصود منا
الذي لأجله أنزلت علينا الكتب وأرسلت إلينا الأنبياء
والرسل عليهم الصلاة والسلام إنما هو التصديق الخالص
والعمل الصالح والشغل بهذين الأمرين أولى بل هو الواجب
ويجب الإضراب عن الشغل بغيرهما لأن الاشتغال بغيرهما شغل
عنهما وذلك سبب الترك ما أريد منا
لكن لما أن تشاغل قوم بالأخذ في هذا وأشباهه وأطلقوا أن
الأمر كما ظهر لهم من علم العقل - على زعمهم - حتى صار
الأمر عندهم أن من لم يعتقد مثل اعتقادهم منسوب إلى
المذاهب
۱ رواه أبو نعيم في الحلية بإسناد ضعيف
متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه وللحديث عدة روايات
بطرق مختلفة ومعان متشابهة
۳ رواه الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ من زنى أو
شرب الخمر نزع الله منه الإيمان كما يخلع القميص
من رأسه
٩٦٢
الفاسدة فاحتجنا لأجل هذه العلة أن نبين مذهب أهل التحقيق
والتوفيق ومذهب الصحابة والسلف رضوان الله عليهم بنص
الكتاب والسنة كما ذكرناه قبل لكي يتبين بذلك الحق من
الباطل والضعيف من القوي
فإن اعترض معترض لتخصيص لفظ الحديث من طريق علم العقل فقد
سقط بحثه فلا يُعَباً به لأنه قد قدمنا في الأحاديث
المتقدمة قول فقهاء الدين وأئمته أن عموم القرآن يُخصَّص
بالقرآن واختلفوا هل يُخصص عموم القرآن بالسنة المتواترة
أم لا على قولين ولم يختلفوا أن القرآن لا يخصص بأخبار
الآحاد وكذلك اتفقوا على أن عموم الحديث يُخصَّص بالحديث
واختلفوا هل يخصَّص بإجماع جلّ الصحابة أم لا على قولين
ولأجل ذلك اختلف مالك والشافعي رحمهما الله في عمل أهل
المدينة إذا وجد الحديث بخلافه فقال مالك رحمه الله أهل
المدينة أهل دار الهجرة ومجمع جلّ الصحابة العارفين بأحكام
الله وسنة نبيه عليه السلام ولم يتركوا العمل بحديث إلا
وقد صح عندهم نسخه ولم يبلغنا نحن ذلك وأبى الشافعي رحمه
الله ذلك وأخد بمقتضى الحديث وأما تخصيص لفظ الحديث بنظر
غير الصحابة ورأيه فلا يجوز بالإجماع لأن الحكم لقول
الشارع عليه السلام لا لغيره
لكن قد يسوع الجمع بين ما ذهب إليه المتكلمون وبين ما ذهب
إليه أهل التحقيق بمعنى لطيف وهو أنه لما نظر أهل العقل
إلى الآي والأحاديث بنفس الدعوى وحصروا قدرة القادر بمقتضى
دليل عقلهم جاء لأجل هذه الدعوى في عين البصيرة ضعف فلم
يروا شيئاً فرجعوا إلى مقتضى ما دل عليه عقلهم فقالوا
الإيمان عَرَض وغطى عليهم إذ ذاك مفهوم ما احتوى قوله عليه
السلام إيمان المؤمن نور يتوقد في صدره ولما نظر أهل
التحقيق بخالص الصدق والتصديق وتعظيم القدرة وإجلال القادر
رأوا النور فقالوا الإيمان نور والتصديق عَرَض فزادهم
إيماناً وقالوا حَسْبُنا الله ونِعْمَ الوكيل يؤيد هذا
ويوضحه - أعني ما ذكرناه من الجمع بين المذهبين - ما حكي
عن بعض الفضلاء من أئمة التحقيق أنه كشف له عن شيء من آثار
القدرة فنظر إليها عياناً فأدركه الخجل لعظم ما رأى في
التذلل والاعتذار لكونه يرى أن ليست نفسه لذلك أهلاً فخوطب
بأن قيل له عملت على الحق فأُرِيتَ الحقيقة وعملوا على
التأويل فعوملوا بحسب ما عملوا وعند الله تجتمع الخصوم
ولأن الحقيقة في الأمور كلها لقول الشارع عليه السلام وقول
غيره في ذلك ردّ وليس الأمور بمجرد العقل لا بالحاضرة منها
ولا بالغائبة ومن ادعى ذلك فهو منه
فأخذ
يمكن أخذ جميع
٩٦٣
جهل لأنه لو كان ذلك كذلك لكان فيه مشاركة للربوبية وهو
باطل لأنه لا ينفرد بالغيوب إلا
علامها وبذلك تصح الوحدانية فقلد أيها السامع أي الطرق
شئتَ فقد أوضحتُ لك الطرق والله يرشدنا وإياك بمنه تنبيه
لقائل أن يقول لِمَ رأى عليه السلام مزيد الإيمان ولم يرَ
الإيمان الذي كان عنده أولاً لأن الأنبياء والرسل عليهم
السلام أقوى إيماناً من جميع المؤمنين والجواب عنه أن نفس
رؤية المزيد فيها من الحكمة وجوه فمنها رؤية حقيقة الإيمان
والحكمة جواهر حتى يتحققها على ما هي عليه وهذه مزية له
عليه السلام خُص بها ومنها أن المعاينة لذلك بشارة برفع
المنزلة ومنها أن بنفس الرؤية لذلك يزيد الإيمان قوةً
حِسّاً ومعنى فالحسي هو وضعه في القلب والمعنوي هو ما يحصل
من قوة الإيمان بسبب رؤية المزيد ومنها أنه عليه السلام
لما أن كان في هذه الدار كان أقواهم إيماناً بحسب ما هو
إيمان أهل الأرض فلم يحتج لرؤيته لقوة ما عنده من التصديق
ولما أن شاء الله الإسراء به إلى العالم العلوي - وهم أقوى
إيماناً من هذا العالم إذ هم مشاهدون لأشياء لا يشاهدها
أهل هذا العالم - فعل ذلك للنبي الله حتى حصل له الإيمان
بالتصديق والمشاهدة وزيد له فيه بالحس والمعنى حتى كان
أعلى ذلك العالم إيماناً يشهد لذلك قوله تعالى ﴿ مَا زَاغَ
الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ
الْكُبْرَى ۱ ولم يقع الثبات مع معاينة تلك الآيات الكبار
إلا لما قوي عنده من الإيمان والحكمة فكان عليه السلام
جديراً بما خُص به من الثناء والمدحة ووجوه كثيرة من هذه
المعاني تتعدد وفيما أشرنا إليه كفاية الوجه العاشر فيه
دليل على أن ما بعد الإيمان أجلّ من الحكمة ولولا ذلك ما
قرنت معه
ومنه قوله تعالى ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ
خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ ٢
الوجه الحادي عشر في معنى الإيمان والحكمة أما الإيمان فقد
تقدم الكلام عليه وأما الحكمة فقد اختلف العلماء فيها فقيل
الحكمة هي وضع الشيء في موضعه وقيل الحكمة هي الفهم في
كتاب الله عزّ وجلّ والكلام معهم فيما قالوه فيها قد أشرنا
إلى بعضه انفاً والجواب عنها كالجواب عن الإيمان وقد أشرنا
لكل ذلك فأغنى عن إعادته
الوجه الثاني عشر هل الإيمان والحكمة متلازمان لا يوجد
أحدهما حتى يوجد الآخر أو كل واحد منهما مستقل بنفسه
الظاهر أن كل واحد منهما مستقل بنفسه لأن الإيمان ليس من
شرطه
۱ سورة النجم الايتان ۱۷ و ۱۸ سورة البقرة من الآية ٢٦٩
٩٦٤
أن تكون الحكمة معه بدليل قوله عليه السلام من أخلص الله
أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ۱ فقد
شهد له عليه السلام بالإيمان والحكمة لم تكن عنده إذ ذاك
لأنه عليه السلام قال مَنْ أخلَص والإخلاص هو حقيقة
الإيمان فعلى هذا فكل واحد منهما مستقل بنفسه وجمعهما هو
الأعلى والأرفع
لكن بقي بحث وهو أنه إن كانت الحكمة المراد بها الوجه
الأول الذي ذكرناه من الاختلاف فيها فقد توجد مع الإيمان
وقد توجد مع عدمه وبهذا التوجيه يتقرر ما ذكرناه وهو أن كل
واحد منهما مستقل بنفسه لكن هذا الاستدلال مرجوح وليس
بالقوي لأنه إذا قلنا بأن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه
فالإيمان أولى أن تدل عليه الحكمة لأنه هو الأول والكفر من
الحمق والحمق
ينافي الحكمة فعلى هذا فهي مرتبطة بالإيمان لا بد منه عند
وجودها وإلا فلا حكمة إذ ذاك وإن قلنا بأن الحكمة هي الفهم
في كتاب الله تعالى فهي مرتبطة بالإيمان على كل حال لا بد
منه أولاً فعلى هذا فقد يوجد مؤمن عَرِيّ عن الحكمة وقد
يوجد بهما معاً ولا ينعكس وهو أن يوجد حكيم عَرِيّ عن
الإيمان
الوجه الثالث عشر فيه دليل على أن الملائكة عليهم السلام
تعرف بني آدم وتميزهم كل واحد بعينه لأن الملائكة أتوا
للنبي الله وأخذوه من بين أصحابه وكذلك أيضاً أخذوه من بين
إخوانه وهو صبي صغير السن وكذلك الآن فلو لم يكن لهم ميز
بالأشخاص لاختلط عليهم وهذا دليل على عظيم قدرة الله تعالى
إذ إن أهل العالم العلوي يميزون أجزاء هذا العالم
الوجه الرابع عشر قوله عليه السلام فشق من النحر إلى مراق
البطن فيه دليل على أن قدرة الله عزّ وجلّ لا يعجزها شيء
ولا تتوقف لعدم شيء ولا لوجوده وليست مربوطة بالعادات لأنه
على ما يعرف ويعهد أن البشر إذا شق بطنه كله انجرح ومات
ولم يعش وهذا النبي صلى الله عليه وسلم قد شق بطنه المكرمة
حتى أخرج القلب فغسل وقد شق بطنه المكرم كذلك أيضاً وهو
صغير وشق عن قلبه وأخرجت منه نزغة الشيطان ومعلوم أن القلب
إذا وصل له الجرح مات صاحبه وهذا النبي صلى الله عليه وسلم
شق بطنه في هاتين المرتين ولم يتالم بذلك ولم يمت لما أن
أراد الله عزّ وجلّ ألا يؤثر ما أجرى به العادة أن يؤثر
فيها موت صاحبها عندها أبطل تلك العادة مع بقاء جوهرها لأن
الشق قد وجد على البطن والقلب وما يتولد من ذلك في جري
العادة قد عدم
وكذلك جميع الأشياء على هذا الأسلوب مثل النار والماء
وغيرهما من الخواص إن شاء عزّ
۱ تقدم تخريجه قبل عدة صفحات
كذا بالتأنيث والتذكير
90
وجلّ ألا يروي الشارب بقلة الماء فَعَل وإن شاء ألا يحرق
بالنار فعل كما أزال العادة الجارية فيما نحن بسبيله وقد
رمي إبراهيم عليه السلام في النار فلم تحرقه وكانت عليه
برداً وسلاماً وكل الخواص بهذه المثابة إن شاء عزّ وجلّ
أبقى لها الخاصية وإن شاء سلبها
جوهرها
مع بقاء
الوجه الخامس عشر لقائل أن يقول لِمَ كان شق البطن وحينئذ
مليء بما ملىء والله عزّ وجلّ قادر على أن يوجد له ذلك في
بطنه من غير أن يفعل به ما فعل والجواب عنه أنه عليه
السلام لما أن أعطي كثرة الإيمان والحكمة وقوي التصديق إذ
ذاك أعطي برؤية شق البطن والقلب عدم الخوف من جميع العادات
الجارية بالهلاك فحصلت له قوة إيمان من ثلاثة أوجه بقوة
التصديق وبالمشاهدة وعدم الخوف من العادات المهلكات فكمل
له بذلك ما أريد منه من قوة الإيمان بالله عزّ وجلّ وعدم
الخوف مما سواه ولأجل ما أعطي مما أشرنا إليه كان عليه
السلام في العالمين أشجعهم وأثبتهم وأعلاهم حالاً ومقالاً
ففي العلوي كان عليه السلام كما أخبر أن جبريل عليه السلام
لما أن وصل معه إلى مقامه قال له ها أنت وربك هذا مقامي لا
أتعداه فرج عليه السلام في النور زَجَّةٌ ولم يتوان ولم
يلتفت وكان هناك في الحضرة كما أخبر عزّ وجلّ عنه بقوله ﴿
مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طغَى ١ وأما حاله عليه السلام
في هذا العالم فكان إذا حمي الوطيس في الحرب رَكَضَ بغلته
في نحر العدو وهم شاكون في سلاحهم ويقول أنا النبي لا كذب
أنا ابن عبد المطلب
وقد كانت الصحابة رضوان الله عليهم يقولون الشجاع منا الذي
كان يتقي به عند شدة الحرب الوجه السادس عشر فيه دليل لأهل
الصوفة في قولهم بأن عمل المبتدي كسب وعمل المنتهي ترك لأن
النبي في ابتداء أمره كان تخليه بالضم والغط وهي زيادة في
الشدة والقوة - لا لا لها كما مر الكلام عليه في حديث
ابتداء الوحي - وكان تخليه هنا بالغسل وهو تنظيف المحل
وكذلك حال المبتدي والمنتهي عندهم فالمبتدي شأنه الكسب وهو
الأخذ في الأعمال الصالحات وهي القوة والشدة والمنتهي شأنه
النظر في الباطن وما يتعلق به من الشوائب فكل شيء يرى فيه
شيئاً ما من تعلق الشوائب تركه حتى يتنظف الباطن من
الأكدار ولا يبقى فيه غير الله تعالى
فإن قال قائل فيلزم على هذا أن يكون في باطن النبي و شي من
الكدر حتى احتيج إلى
غسله وذلك باطل قيل له ذلك لا يلزم لأن الغسل له عليه
السلام ليس من باب إزالة
۱ سورة النجم من الآية ١٧
متفق عليه من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه
9
الأكدار وإنما هو تشريع لأمته فيما أشرنا إليه وإعظام
لشعائر الله عزّ وجلّ لأن ما يلقى في ذلك المحل الشريف من
شعائر الله تعالى وقد قال تعالى وَمَن يُعَظِّمْ شَعَرَ
اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ۱
الوجه السابع عشر قوله عليه السلام فأتيت بدابة أبيض دون
البغل وفوق الحمار البراق فيه دليل على أن البراق أفضل
الدواب وأشرفها إذ إنه خص بهذا المقام وهو سيره إلى العالم
العلوي وركوب خير البشر عليه من هنا إلى هناك
الوجه الثامن عشر لقائل أن يقول لم اختص عليه السلام بركوب
البراق دون غيره من الدواب مثل الخيل والنوق وغيرهما
والجواب عنه أنه إنما خص عليه السلام بركوب البُراق زيادة
في التشريف والتعظيم لأن غيره من الدواب يقدر غيره على
ملكه والتمتع به والبراق لم يُنقل أن أحداً ملكه وتمتع به
كما يتمتع بغيره من البهائم وهذا هو نفس التعظيم والتشريف
إذ إن القدرة قد أحكمت أن كل ما عدم في الوجود وُجدانه غلا
خطره
فإن قيل فلو كان ذلك زيادة في التشريف والتكريم لكان ركوبه
على دابة من دواب الجنة إذ هي أفضل وأبرك أو لَرَفَعَه
جبريل عليه السلام على جناحه أو أحد من الملائكة أو أعطي
قوة حتى يصعد بنفسه ولا يحتاج إلى مركوب والجواب عنه أن
هذا كله إنما هو زيادة له عليه السلام في التشريف والتعظيم
ولو كان ركوبه عليه السلام على دابة من دواب الجنة أو لأحد
من الملائكة أو مشى بنفسه المكرمة لم يكن له فيه ما كان له
في ركوبِ البُراق والسيرِ به بيان ذلك أنه لو صعد بنفسه
لكان ماشياً على رجليه والراكب أعز من الماشي فأعطي
المركوب ليكون أعزّ له وأشرف ولكي يعلم أن له ل لا ل و لو
عند الله تعالى مكاناً حتى إنه يأتي وهو راكب فيكون ذلك له
بشارة بالخير والحظوة عند ربه لأن الإتيان بالمركوب من
الله تعالى بشارة له عليه السلام برفع المنزلة والكرامة
ومثل هذا في الدنيا والآخرة موجود ففي الدنيا محسوس وفي
الآخرة بالأخبار منقول أما في الدنيا فلأن المَلِك إذا بعث
إلى شخص بالخلع والمركوب فبقدر الخلع وحسن المركوب يستدل
على منزلته عند الملك وفي الآخرة ما روي أن يوم القيامة
يأتي المؤمنون منهم من هو راكب نُوَق اللحم ومنهم من هو
راكب نُوق الذهب وأزِمَّتها الزَّبَرْجَدُ إلى غير ذلك مما
جاءت الأخبار به كل إنسان بحسب منزلته والملائكة تأتيهم
أفواجاً بالبشارة وتقول لهم هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى
كُنتُمْ تُوعَدُونَ
۱ سورة الحج من الاية ٣٢ سورة الأنبياء من الآية ۱۰۳
٩٦٧
وإنما لم يكن مركوبه عليه السلام دابة من دواب الجنة أو
جناح مَلَك لأنه لو ركب على
ذلك لكان الظاهر أن المركوب حمل الراكب فلما أن ركب البراق
الذي هو لحم ودم وهو مخلوق في الدنيا وليس من عادته
الطيران في الهواء وإنما هو من ذوات الأربع أرضي علم عند
ذلك أن الراكب هو الحامل لنفسه والحامل لمركوبه إذ إن هذه
الدابة لا طاقة لها بالصعود في
الهواء أصلاً
فإن قيل فالنبي من البشر ومحال في حق البشر الصعود في
الهواء كما هو محال في حق الدواب قيل الجواب أن البشر ليس
هو الصاعد بنفسه وإنما الحامل والصاعد به قوة الإيمان الذي
منَّ عليه به والنبي لم يكن ليُسرَى به حتى مُلئت بطنه
المكرمة إيماناً وحكمة فلما أن اه اه لو امتلأ بالإيمان
والحكمة كان له من القوة ما يحمل نفسه وغيره فبقدر الإيمان
وقوته يكون السلوك والترقي ولهذا قال عليه السلام رحم الله
أخي عيسى لو زاد يقيناً لطار في الهواء ۱ هذا من طريق
مقتضى الحكمة
وفي الحقيقة القدرة هي حاملة للكل كالعرش وحَمَلَته لأن
حَمَلَة العرش حين أمروا أن يقوموا بالعرش لم يطيقوا حتى
قيل لهم قولوا لا حول ولا قوة إلا بالله فلما أن قالوها
قاموا بالعرش فالتفتوا فإذا أقدامهم على غير شيء فهم
متمسكون بالعرش لا يفترون من قولهم لا حول ولا قوة إلا
بالله خيفة لئلا يفلت أحدهم فلا يعرف أين يهوي فهم حاملون
العرش والعرش حامل لهم والكل محمولون بالقدرة وهم في عِظم
خلقهم كما أخبر عليه السلام عن بعضهم حيث قال أُمرت أن
أحدثكم عن أحد حملة العرش ما بين شحمة أذني أحدهم مسيرة
الطائر مائة سنة وأمرت أن أحدثكم عن أحد حملة العرش غلظ
قرنه ما بين المشرق والمغرب ۳ ولكل واحد منهم على ما جاء
في حديث اخر قرنان مثل قرون الوعول فإذا كان كل واحد من
هذين القرنين غلظه هكذا فناهيك بالرأس الذي يكون فيه ذانك
القرنان وناهيك بالجسد الذي يكون فيه هذا الرأس فسبحان من
أظهر بديع حكمته بعظيم قدرته
١ لم نقف على مصدره يريد ما بين شحمتي أذني أحدهم
۳ رواه أبو داود وابن عساكر والضياء في المختارة عن جابر
رضي الله عنه بلفظ أذن لي أن أحدّث عن مَلَك من ملائكة
الله تعالى من حَمَلة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه
مسيرة سبعمائة عام وفي رواية لأبي نعيم في الحلية عن جابر
وابن عباس رضي الله عنهم بلفظ أذن لي أن أحدث عن ملك من
حملة العرش رجلاه في الأرض السابعة السفلى على قرنه العرش
ومن شحمة أذنه إلى عاتقه كخفقان الطير مسيرة مئة عام وفي
رواية للخطيب البغدادي مسيرة سبعمائة سنة خفقان الطير
٩٦٨
الوجه التاسع عشر فيه دليل لأهل الصوفة حيث يقولون فلان
مقامه في سماء الدنيا وفلان مقامه في الثانية ثم كذلك إلى
أن يبلغوا إلى قابَ قَوْسَينِ أو أدنى ويعنون بذلك ما
رزقوا من قوة
الإيمان واليقين فكاشفوا بأسرارهم ذلك العالم كل منهم بحسب
قوته في إيمانه ويقينه
ولهم فيما نحن بسبيله أدل دليل لأن النبي الله ولم يُسرَ
به حتى ملىء حكمة وإيماناً ثم لما أن من عليه بذلك أسري به
من سماء إلى سماء إلى قاب قوسين أو أدنى وهم الوارثون له
عليه السلام فلهم في ذلك نسبة لكنّ بينهم وبين النبي الله
في ذلك فرقاً وهو أنه عليه السلام حصلت له الخصوصية لكونه
سرى بذاته المباركة وتكلم بلسان فمه ورأى بعين رأسه - على
ما قاله ابن عباس - وسمع الخطاب بأذن رأسه وأذن قلبه وغيره
من الوارثين له لم يصلوا هناك إلا بأسرارهم ولم يروا إلا
بأعين قلوبهم
ومما يبين هذا ويوضحه ما حكي عن بعض فضلائهم أنه لمّا أنْ
مُنَّ عليه بقوة الإيمان واليقين واتبع سنة هذا السيد
الكريم على ربه صاحب هذا المقام العظيم الهلال الهلال في
كل حركاته وسكناته وأنفاسه أسري بسره من سماء إلى سماء إلى
قاب قوسين أو أدنى ثم نودي هنا أسري بذات محمد السنية حيث
أسري بسرك
ولأجل هذا كانوا أبداً ليس لهم شغل غير النظر في تقوية
إيمانهم ويقينهم لأن به يسلكون وهو حاملهم ومما يزيد هذا
وضوحاً وبياناً قوله عليه السلام ما فَضَلكم أبو بكر بصلاة
ولا بصيام ولكن بشيءٍ وَقر في صدره والشيء الذي وَقر في
صدره هو قوة اليقين والإيمان وقد صرح رضي الله عنه بذلك
حيث قال لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً
يوضع
الوجه العشرون فيه دليل لأهل الصوفة في قولهم لا يكون
تَحَلَّ إلا بعد تَخلَّ لأنه لم الإيمان والحكمة في البطن
المباركة حتى شُقت وغسلت وحينئذ مُلئت فالشق والغسل هو
التخلي وما مُلىء به من الإيمان والحكمة هو التحلي فعلى
قدر التخلي يكون التحلي ولهذا أشار بعضهم بقوله من سرّه أن
يرى ما لا يسوؤه فلا يتخذ له شيئاً يخاف له فقداً لأن ما
سوى الله مفقود فمن أراد الفوز بهذا التحلي فليعزم على قوة
هذا التحلي حالاً ومقالاً ومن لم يقدر على الكل فليعمل على
البعض لأن التحلي يكون بقدر التخلي والحذر الحذَرَ من أن
تهمل نفسك وترضَى بحظِ بخس فذلك هو الحرمان
الوجه الحادي والعشرون قوله عليه السلام ثم غسل البطن بماء
زمزم ما المراد بالبطن هنا هل البطن نفسه أو ما في البطن
وهو القلب الظاهر أن المراد القلب لأنه جاء في رواية أخرى
ذكر
٩٦٩
القلب ولم يذكر البطن وقد يحتمل أن تحمل كل رواية على
ظاهرها ويقع الجمع بينهما بأن يقال أخبر عليه السلام مرةً
بغسل البطن ولم يتعرض لذكر القلب وأخبر مرة بغسل القلب ولم
يتعرض لذكر البطن فيكون قد حصل فيهما معاً مبالغة في تنظيف
المحل
الوجه الثاني والعشرون لقائل أن يقول لم غُسِل البطن وقد
كان طاهراً مطهَّراً وقابلاً لما يُلقى إليه من الخير وقد
غسل أولاً وهو عليه السلام صغير السن وأخرجت من قلبه نزغة
الشيطان فما فائدة هذا الغسل الثاني
والجواب عنه أن هذا الغَسل إنما كان إعظاماً وتأهباً لما
يلقى هناك وقد جرت الحكمة بذلك في غير ما موضع مثل الوضوء
للصلاة لمن كان متنظّفاً لأن الوضوء في حقه إنما هو إعظام
وتأهب للوقوف بين يدي الله تعالى ومناجاته وكذلك أيضاً
الزيادة على الواحدة أو الاثنتين إذا أسبغ بالأولى لأن
الإجزاء قد حصل وبقي ما بعد الإسباغ إلى الثلاث إعظاماً
لِما يُقدِم عليه فكذلك
غسل البطن هنا وقد قال تعالى وَمَن يُعَظِّمْ شَعَرَ
اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ فكان الغسل له
عليه السّلام من هذا القبيل وإشارة لأمته بالفعل بتعظيم
الشعائر كما نص لهم عليه بالقول وإشارة لهم أيضاً فيما
تقدم ذكره من التخلّي والتحلّي
فإن قال قائل لو كان الأمر بالزيادة على الإسباغ إعظاماً
للشعائر لكانت الزيادة على الثلاث أولى إذ إنه بحسب
الزيادة كان تعظيم الشعائر أكثر قيل له الأمر كذلك لكن
الله عزّ وجلّ بالمؤمنين رحيم فمن رحمته عزّ وجلّ بهم أن
منعهم الزيادة على الثلاث تخفيفاً عليهم ولطفاً بهم أَلَا
يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ
الوجه الثالث والعشرون فيه دليل على فضيلة بئر زمزم على
غيره من المياه إذ إنه عليه السلام اختص بأن غسل منه هذا
المحل الجليل في هذا الموطن الرفيع
الوجه الرابع والعشرون لقائل أن يقول لِمَ يغسل بماء الجنة
الذي هو أطيب وأبْرَكُ والجواب عنه أنه لو غسل بماء الجنة
دون استقراره في الأرض لم يبق لأمته أثر بركةٍ فلما غسل
بماء زمزم - وهو مما استقر من ماء السماء بالأرض على ما
قاله ابن عباس في تفسير قوله تعالى وَأَنزَلْنَا مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَتَهُ فِي الْأَرْضِ
وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَدِرُونَ ۳ فقال كل ماء في
۱ سورة الحج الآية ٣٢
سورة الملك الآية ١٤ ۳ سورة المؤمنون من الآية ۱۸
۹۷۰
الأرض إنما هو مما نزل من السماء وقد جاء في الأثر أن ما
من مطر ينزل إلا وفيه مزاج من الجنة وتكون البركة فيه بقدر
المزاج - فعلى ۱ هذا فقد غسل بماء كله من الجنة أو بعضه مع
زيادة
فوائد جمة
منها ما ذكرناه من إبقاء البركة لأمته ومنها أنه خص مقره
بهذه الأرض المباركة ومنها أنه خص به الأصل المبارك وهو
إسماعيل عليه السلام ومنها أنه خص بما لم يخص غيره من
المياه بأن جعل فيه لهاجر أم إسماعيل عليه السلام غذاء
فكان يغنيها عن الطعام والشراب ومنها أن ظهوره كان بواسطة
الأمين جبريل عليه السلام فكان أصلاً مباركاً في مقز مبارك
لسيد مبارك بواسطة فعل أمين مبارك فاختص به هذا السيد
المبارك فكان ذلك زيادة له في التشريف والتعظيم والله عزّ
وجلّ يفضل ما يشاء من مخلوقاته حيواناً كان أو جماداً فجاء
بالحكمة العجيبة في الملة الجليلة ملة أبيك إبراهيم
بالمقال وفي الماء ملك أبيك إسماعيل بلسان الحال الوجه
الخامس والعشرون قوله عليه السلام ثم مُلىء حكمة وإيماناً
قد مر الكلام على معنى الحكمة والإيمان وبقي الكلام هنا
على المملوء ما هو هل البطن أو القلب فعلى ظاهر هذه
الرواية هو البطن وعلى ما جاء في رواية غيرها هو القلب
فاحتمل أن يكونا ملنا معاً وأخبر عليه السلام في هذه
الرواية بالبطن وأخبر في الأخرى بالقلب واحتمل أن يكون
أراد القلب وذكر البطن توسعة لأن العرب تسمي الشيء بما
قاربه أو بما كان فيه وقد قال تعالى ﴿ فَمَن يُرِدِ
اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ
وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا
حَرَجًا ومعنى الصدر في الآية القلب فسماه باسم ما هو فيه
وهو الصدر
الوجه السادس والعشرون قوله عليه السلام فانطلقت مع جبريل
حتى أتينا السّماء الدنيا إلى قوله ولنعم المجيء جاء فيه
دليل على أن قدرة الله عزّ وجلّ لا يعجزها شيء لأنه عليه
السلام قال حتى أتينا السماء الدنيا فأفاد ذلك أنهم كانوا
يمشون في الهواء وقد جرت العادة بأن البشر لا يمشي في
الهواء سيما وقد كان راكباً على دابة من ذوات الأربع لكن
لما أن شاءت القدرة ذلك كان فكما بسط عزّ وجلّ لهم الأرض
ومهدها لهم يمشون عليها كذلك يُمشيهم في الهواء كل ذلك
بيده لا ترتبط قدرته بعادة جارية حتى يظهر عند وجودها
تأثير في الوجود ويعدم عند عدمها بل القدرة صالحة لأن تبدي
ما شاءت عند وجود العادة وعند عدمها وإنما العادة من الله
تعالى لحكمة استأثر بها فإن شاء أبقاها وإن شاء أزالها وقد
سئل عليه السلام حين أخبر
۱ هنا جواب لما سورة الأنعام من الآية ١٢٥
۹۷۱
عن الأشقياء المساكين الذين يمشون على وجوههم يوم القيامة
كيف يمشون فقال عليه السلام الذي أمشاهم في الدنيا على
أقدامهم قادر على أن يُمشيهم يوم القيامة على وجوههم ۱
الوجه السابع والعشرون فيه دليل على أن النبي كان مستقلاً
بنفسه في صعوده ولم يحتج إلى من يعينه لأنه عليه السلام
قال انطلقت مع جبريل فأفاد ذلك أنهما صعدا معاً لا يحتاج
أحدهما للآخر ولو قال انطلق بي جبريل لأفاد ذلك أن جبريل
عليه السلام كان حاملاً
له أو معيناً
وهذا أدل دليل على عظيم قدرة الله تعالى وأنه لا يعجزها
شيء - كما تقدم قبل - وعلى كرامة النبي و علو منزلته لأن
الله عزّ وجلّ قد أجرى العادة بأن البشر لا يصعد في الهواء
وأجرى العادة للملائكة بالصعود والنزول بحسب ما شاء لأنهم
خلقوا من جوهر لطيف وخلق البشر من جوهر كثيف فأبقى على
النبي الله صفة البشرية وأعطي حال العالم العلوي حتى صار
مع جبريل عليه السلام كما ذكر بل زاد على ذلك ما هو أعظم
في المعجزة وابهر وهو ركوبه على دابة من دواب الأرض التي
لا استطاعة لها بالصعود كل هذا إكراماً له عليه السلام
وتعظيماً وإظهاراً لقدرة الله تعالى حتى رجع له عليه
السلام ما كان عنده علم يقين - من أن القدرة صالحة لكل شيء
- عين يقين في هذه الأحوال المذكورة فما طلبه أبوه إبراهيم
عليه السلام من الانتقال من علم يقين إلى عين يقين في قوله
أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ
قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَينَ قَلبي اعطي ذلك للنبي صلى
الله عليه وسلم بغير طلب
الوجه الثامن والعشرون فيه دليل على أن للسماوات أبواباً
وعليها بوابين وخداماً وأنه لا يصعد أحد من الملائكة ولا
من غيرهم ممن شاء الله عزّ وجلّ حتى يستأذنهم في الفتح
لأنه عليه السلام أخبر أنهم حين أتوا إلى السماء قرع جبريل
الباب فقيل من هذا فأخبر باسمه واسم من معه وحينئذ فتح له
وفائدة هذا الإيمان بعظيم القدرة وصنعها ما شاءت كيف شاءت
الوجه التاسع والعشرون سؤال الملائكة عليهم السلام لجبريل
عليه السلام بقولهم من معك احتمل وجهين
أحدهما أن تكون تلك عادة لهم لا يصعد أحد ولا ينزل حتى
يُسأل هل هو وحده أو مع
۱ رواه الشيخان عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم سُئِل كيف يُحشر الكافر على وجهه قال أليس الذي
أمشاه على رجليه في الدنيا قادر على أن يُمشيه على وجهه
يوم القيامة وفي الباب رواية مشابهة للترمذي رقم ٣١٤٢
والإمام أحمد ٣٥٤/٢ و ٣٦٣
سورة البقرة من الاية ٢٦٠
غيره وإن كان جبريل عليه السلام هو الأمين لكن اقتضت
الحكمة أنه لا ينفذ هو وغيره إلا يعلمهم وسؤالهم تمشية
للحكمة وإظهاراً للقدرة
الثاني أن يكون سؤالهم له لما رأوا حين إقباله عليهم من
زيادة الأنوار وغيرها من المآثر الحسان زيادة على ما
يعهدونه منه فكان لهم ذلك دليلا على أن معه غيره فسألوه
عنه وهذا هو الأظهر بدليل قولهم من معك ولو كان لغير زيادة
رأوها لكان الاستفهام بأن يقولوا أمعك أحد فلما جاءت
الصيغة بقولهم من معك دل ذلك على أنهم سألوا من الشخص الذي
من أجله هذه الزيادة التي معك فأخبرهم بما أرادوا وهو
تعيين الشخص باسمه حتى عرفوه
الوجه الثلاثون قول جبريل عليه السلام حين سئل من معك فقال
محمد فيه دليل على أن الأسماء أرفع من الكنى لأنه أخبر
باسمه ولم يخبر بكنيته وهو عليه السلام مشهور في العالمين
العلوي والسفلي ولو كانت الكنية أرفع من الاسم لأخبر
بكنيته
الوجه الحادي والثلاثون استفهام الملائكة بقولهم أوقد
أُرسل إليه فيه دليل على أن أهل العالم العلوي يعرفون
رسالته عليه السلام ومكانته لأنهم سألوا عن وقتها هل حَلّ
لا عنها ولذلك أجابوا بقولهم مرحباً به ولَنِعْمَ المجيءُ
جاء وكلامهم بهذه الصيغة أدل دليل على ما ذكرناه من
معرفتهم بجلال مكانته عليه السلام وتحقيق رسالته ولأن هذا
أجلّ ما يكون من حسن الخطاب والترفيع على المعروف من عادة
العرب وقد قال بعض العلماء في معنى قوله تعالى لقد رأى
مِنْ وَايَتِ رَبِّهِ الكبرى ١ إنه رأى صورة ذاته المباركة
في الملكوت فإذا هو عروس
المملكة
الوجه الثاني والثلاثون قول الملائكة مرحباً به ولنعم
المجيء جاء مرحباً أي صادفت رُحْباً وسعة ولنعم المجيء جاء
احتمل وجهين أحدهما أن يكونوا قالوا ذلك لما عاينوا من
بركاته عليه السلام التي سبقته للسماء مبشرة بقدومه وهي
الأنوار وما أشبهها الثاني أن يكونوا قالوا ذلك لما عاينوا
له من الخير العظيم المدَّخر له هناك لوقته هذا وقد يحتمل
الوجهين معاً
الوجه الثالث والثلاثون قوله عليه السلام فأتيت على آدم
فسلمت عليه فيه دليل على أن السنة في السلام أن يبدأ به
المار على القاعد لأنه لما أن كان النبي ليل الامور العالى
ادم عليه السلام
ابتدأه بالسلام
۱ سورة النجم الآية ١٨ كذا والوجه أن يقول صادف
۹۷۳
الوجه الرابع والثلاثون فيه دليل على أنه لا يجوز في رد
السلام غير الصيغة المشروعة لأنه لم يقل له آدم عليه
السلام مرحباً إلا بعد ردّ السلام عليه على ما جاء في
رواية أخرى قال فيها فرد ثم قال مرحبا
الوجه الخامس والثلاثون قول آدم عليه السلام مرحباً بك من
ابن ونبي هل هذا اللفظ من آدم عليه السلام تأنيس للنبي لا
لا لا لولا أن الغريب أشدُّ أنسه ۱ في غربته بلقاء الأبوة
أو ذلك سرور منه بقرة عينه به احتمل الوجهين معاً
أما في حق آدم عليه السلام فظاهر لأن المرء أبداً يفرح
بزيارة ابنه عليه فإنه له ومنه في الحقيقة ولهذا قال تعالى
﴿ ابَاؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ
أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا قال بعض المفسرين في معناه لا
تدرون من يكون يوم القيامة أعلى درجة عند الله تعالى فيشفع
في صاحبه حتى يبلغه معه وهذه خصوصية بين الآباء والأبناء
لا توجد في غيرهم فترفيع أحدهما ترفيع للآخر وقد حصل لآدم
عليه السلام من هذا أوفر نصيب لأنه يكون يوم القيامة في
أحد ركابي النبي صلى الله عليه وسلم حين إعطائه لواء الحمد
وإبراهيم عليه السلام يكون في الركاب الآخر فحصل لآدم
وإبراهيم عليهما السلام اللذين هما الأبوان خصوصية في أوفر
حظ في هذه المنزلة ما لم يكن لغيرهما من الأنبياء عليهم
السلام
وأما في حق النبي صلى الله عليه وسلم فلأن الأبوة تقتضي
الإدلال عليها فكان ذلك تأنيساً للنبي صلى الله عليه وسلم
الوجه السادس والثلاثون قوله عليه السلام فأتينا السماء
الثانية إلى قوله فأتيت عيسى ويحيى فسلمت فقالا مرحباً بك
من أخ ونبي الكلام على الصعود إلى السماء الثانية
واستفتاحها وقول الملائكة مرحباً كالكلام على السماء
الأولى وقد مر وبقي الكلام هنا في قول عيسى ويحيى له
مرحباً بك من أخ ونبي وإنما قالا له ذلك لأن الأنبياء
عليهم السلام كالإخوة كما أخبر عليه السلام حيث قال لا
تفضلوا الأنبياء بعضهم على بعض نحن جميع الأنبياء أولاد
علات ۳ وأولاد علات في لغة العرب أن يكون الأب واحداً
والأمهات مختلفة فنسبة الأب هنا - أعني بين الأنبياء عليهم
السلام - هو اجتماعهم في درجة النبوة ونسبة الأمهات بينهم
هو
اختلافهم في رفع المنازل واختلاف الشرائع
۱ يعني
انسه اشد
سورة النساء من الآية ۱۱
۳ رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ لا تفضلوا
بين أنبياء الله الخ وفي رواية أخرى لهما بلفظ أنا أولى
الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والاخرة ليس بيني وبينه
نبي والأنبياء أولاد علات أمهاتهم شتى
ودينهم واحد
٩٧٤
الوجه السابع والثلاثون قوله عليه السلام فأتينا السماء
الثالثة إلى قوله فأتيت على السماء السادسة الكلام على ذلك
كله كالكلام على السماء الأولى والثانية
وبقي هنا بحث في قوله عليه السلام على السماء معناه إلى
السماء السادسة لأنه معلوم أنهم كانوا صاعدين إليها ولا
تكون على هنا على بابها إلا أن لو كانا نازلين من السماء
السابعة فلما أن كانا صاعدين كانت على بمعنى إلى بالضرورة
وهو سائغ في السنة العرب و مستعمل عندهم كثيراً فعلى هذا
فيكون معنى قوله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ
اسْتَوَى ۱ وقوله تعالى ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ
٢ أي أتى العرش فاستوى إلى العرش فيكون مثل قوله تعالى
ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانُ ﴾ ۳ أي
عمد إلى خلقها وكذلك هنا أي عمد إلى خلق العرش والذي عمد
لذلك هو أمره عزّ وجلّ - كما تقدم في الحديث قبل هذا - أن
أمره عزّ وجلّ هناك بمقتضى حكمته وإرادته فبطل بهذا احتجاج
أهل البدع والعناد إذ إن ما قررناه سائغ في السنة العرب
وهو في كلامهم كثير والقرآن بلغتهم نزل
وإنما ضل من ضل بسبب أنه يأخذ ألفاظ القرآن والحديث
فيتأولها بحسب لغته وفهمه فيضل بالضرورة وإنما ينظر في
القرآن بمقتضى لغة العرب التي بها نزل ولأجل هذا لم يستشكل
أحد قط من الصحابة شيئاً من ألفاظ القرآن ولا الحديث ولا
وقع لهم كلام فيما وقع لمن بعدهم لمعرفتهم بمعناه ومقتضاه
فلا يحتاجون فيه إلى بيان ولا إلى سؤال فلما أن انتقلوا
إلى رحمة ربهم طاهرين قلت معرفة لغتهم عند بعض الناس فلم
يتكلموا بها فدخل الخلل عند ذاك الإشكال على بعضهم وتوهموا
الفساد لعدم المعرفة باللغة العربية فمن تأوَّل القرآن
والحديث بمقتضى لغتهم انتفت عنه تلك التوهمات ورجع القرآن
والحديث عنده كالشيء الواحد بعضه يبين بعضاً وقوله عليه
السلام فأتيت موسى فسلمت عليه فقال مرحباً بك من أخ ونبي
الكلام عليه
كالكلام على الأنبياء قبله وقد مرّ
الوجه الثامن والثلاثون قوله عليه السلام فلما جاوزت موسى
بكى فقيل ما أبكاك قال يا رب هذا الغلام الذي بعث بعدي
يدخل الجنة من أمته أفضل مِمَّا يدخل من أمتي يرد على هذا
الفصل ثلاثة أسئلة الأول أنه يقال لِمَ كان بكاء موسى عليه
السلام الثاني من هو الذي قال
۱ سورة طه من الآية ٥
سورة الأعراف من الآية ٥٤ يونس من الآية الرعد من الآية
الفرقان من الآية ٥٩ السجدة من الاية ٤ الحديد من الآية ٤
۳ سورة فصلت من الاية ۱۱
۹۷۵
له ما أبكاك هل الملائكة أو الخالق عزّ وجلّ الثالث لِمَ
قال موسى عليه السلام هذا الغلام ولم يقل غير ذلك من
الصَّيَخ
والجواب عن الأول أن الأنبياء عليهم السلام قد جعل الله
تعالى في قلوبهم الرحمة والرأفة لأممهم وركّبهم على ذلك
وقد بكى النبي الله فسئل عن بكائه فقال هذه رحمة جعلها
الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ۱
والأنبياء عليهم السلام قد أخذوا من رحمة الله عزّ وجلّ
أوفر نصيب فكانت الرحمة في قلوبهم لعباد الله أكثر من
غيرهم فلأجل ما كان لموسى عليه السلام من الرحمة واللطف
بكى إذ ذاك رحمة منه لأمته لأن هذا وقت إفضال وجود وكرم
فرجا لعل أن يكون وقت القبول والإفضال فيرحم الله تعالى
أمته ببركة هذه الساعة فإن قال قائل كيف يكون هذا وأمته لا
تخلو من قسمين قسم مات على الإيمان وقسم مات على الكفر
فالذي مات على الإيمان لا بد له من دخول الجنة والذي مات
على الكفر لا يدخل الجنة أبداً فبكاؤه لأجل ما ذكرتم لا
يسوغ إذ إن الحكم فيهم قد مر ونفذ
قيل له وذلك أن الله عزّ وجلّ قدَرُه على قسمين بما شاء
فقدَر قدره وقدَّر أن ينفذ على كل حال من الأحوال وقدَر
قدّره وقدّر ألا ينفذ ويكون دفعه بسبب دعاء أو صدقة أو غير
ذلك ومثال ذلك دعاء النبي الله بالثلاث دعوات لأمته وهي
ألا يُظهِر عليهم عدواً من غيرهم وألا صلى الله عليه وسلم
يُهلكهم بالسنين فأعطيهما ودعا ألا يجعل بأسهم بينهم
فمنعها فاستجيب له عليه السلام في الاثنتين ولم يستجب له
في الثالثة ٢ وقيل له هذا أمر قد قدَّرتُه أي أنفذته فكانت
الاثنتان من القدر الذي قدره الله عزّ وجلّ وقدر ألا ينفذ
بسبب الدعاء وكانت الدعوة الثالثة من القدر الذي قدره عزّ
وجلّ وقدّر إنفاذه على كل الأحوال لا يرده راد وسيأتي لهذا
زيادة إيضاح في الكلام على اخر الحديث في فرض الصلاة خمسين
فلأجل ما ركب موسى عليه السلام من اللطف والرحمة بالأمة
طمع لعل أن يكون ما اتفق لأمته من القدر الذي قدره الله
عزّ وجلّ وقدر ألا ينفذ بسبب الدعاء والتضرع إليه وهذا وقت
۱ رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أسامة بن زيد رضي
الله عنه ولفظه أمرني رسول الله فأتيته بابنة زينب ونفسها
تقعقع كأنها في شنّ فقال رسول الله الله لله ما أخذ وله ما
أبقى وكلُّ إلى أجل قال فدمعت عيناه فقال له سعد بن عبادة
يا رسول الله أترق أولم تَنهَ عن البكاء فقال رسول الله
إنما هي رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من
عباده الرحماء هذا معنى لحديث رواه الإمام أحمد والطبراني
عن أبي بصرة الغفاري أن النبي الله قال سألت ربي فأعطاني
ثلاثاً ومنعني واحدة سألته الا يجمع أمتي على ضلالة
فأعطانيها وسألته ألا يُهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم
قبلهم فأعطانيها وسألته الا يُظهر عليهم عدوا من غيرهم
فأعطانيها وسألته ألا يُلْبِسَهم شِيَعاً ولا يُذيقَ
بعضُهم بأس بعض فمنعنيها
أربعاً
٩٧٦
يرجى فيه التعطف والإحسان من الله تعالى لأنه وقت أسري فيه
بالحبيب ليخلع عليه خلع القرب والفضل العميم فطمع الكليم
لعل أن يلحق لأمته نصيب من ذلك الخير العظيم وقد قال عليه
السلام إن الله نفحات فتعرضوا لنفحات الله ۱ وهذه نفحة من
النفحات فتعرض لها موسى عليه السلام فكان أمر قد قدر
والأسباب لا تؤثر إلا بما سبقت القدرة بأنها فيه تؤثر وما
كان من قضاء
نافذ لا ترده الأسباب فإنه حتم قد لزم كما تقدم في الدعوة
الثالثة من دعوات النبي لأمته ومثل هذا ما حكى الله عزّ
وجلّ في كتابه عن عيسى عليه السلام حيث يقول يوم القيامة
إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ
لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وعيسى عليه
السلام عالم بكفرهم إذ إنهم جعلوا الله ولداً وجعلوا الله
صاحبة وعالم بأن الكفار لا مدخل لهم في المغفرة لكن قال
ذلك رجاء لعل أن يكون ذلك من القدر الذي قدره الله تعالى
وقدر ألا ينفذ فكان من القدر الذي قدره الله تعالى
وقَدَّرَ إنفاذه على كل حال فقال عزّ وجلّ عند ذلك و هَذَا
يَوْمُ يَنفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ أي الأمر كذلك لكن
سبقت إرادتي وحكمتي ونفذ قضائي بأني لا أرحم اليوم إلا
الصادقين دون غيرهم فكان بكاء موسى عليه السلام من هذا
القبيل
ولوجه آخر أيضاً وهو البشارة للنبي الله وإدخال السرور
عليه يشهد لذلك بكاؤه حين ولى عنه وقبل أن يبعد منه لكي
يسمعه لأنه لو كان البكاء خاصاً بموسى عليه السلام على
الوجه المتقدم لم يكن ليبكي حتى يبعد عنه النبي الله فلا
يسمع يبعد عنه النبي هلال الهلال فلا يسمع لأن بكاءه
والنبي صلى الله عليه وسلم يسمعه فيه شيء ما من التشويش
عليه فلما أن كان المراد ما يصدر من البشارة له عليه
السلام بسبب البكاء بكي والنبي منه بحيث يسمعه والبشارة
التي يتضمنها البكاء هي قول موسى عليه السلام الذي هو أكثر
الأنبياء أتباعاً أن الذين يدخلون الجنة من أمة محمّد عليه
السلام أكثر مما يدخلها من أمة موسى عليه السلام
فإن قال قائل لو كان بكاؤه عليه السلام لأجل هذا المعنى
لصدر منه حين قدوم النبي عليه قيل له إنما لم يبك إذ ذاك
لأن البكاء سبب للنفور والوحشة والقادم السنّةُ فيه أن
يُبَس إليه ويُكرم فعمل أولاً سنَّةَ القدوم فلما أن انفصل
مجلس البشاشة أعقبه ببكاء البشارة
۱ روى الحكيم الترمذي في النوادر والطبراني في الأوسط عن
محمد بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن
لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها لعل أحدكم يصيبه
منها نفحة فلا يشقى بعدها أبداً
سورة المائدة الآية ۱۱۸ ۳ سورة المائدة من الآية ۱۱۹
۹۷۷
والجواب عن السؤال الثاني وهو هل المتكلم لموسى عليه
السلام المخلوق أو الخالق الظاهر أن ذلك من الله تعالى يدل
على ذلك قوله في الجواب يارب والجواب عن الثالث أن العرب
إنما تطلق على المرء غلاماً إذا كان سيداً فيهم فلأجل ما
في هذا اللفظ من الاختصاص على غيره من الألفاظ بالأفضلية
ذكره موسى عليه السلام ولم يذكر غيره تعظيماً للنبي الله
له ولو ولو أن الغلام عند العرب هو الصغير السن وهو عليه
السلام في عمره سيما في ذلك الوقت بالنسبة إلى أعمار من
تقدمه من الرسل صلوات الله عليهم أجمعين صغير السن ومع ذلك
تقدم الجميع ورقي عليهم لما خصه الله به من الرفعة
والتعظيم وما أمده في الباطن و غذاه به من روح قدسه فلاجل
ذلك سماه موسى عليه السلام بهذا الاسم دون غيره والله
أعلم
الوجه التاسع والثلاثون قوله عليه السلام فأتينا السماء
السابعة إلى قوله مرحباً بك من ابن ونبي الكلام عليه
كالكلام على ادم عليه السلام
وبقي هنا سؤال وهو أن يُقال لم كان هؤلاء الأنبياء عليهم
السلام في السماوات دون غيرهم من الأنبياء عليهم السلام
ولم كان كل واحد منهم في سماء تخصه دون غيره ولم كان في
السماء الثانية نبيّان وفي غيرهما واحد
والجواب عنه أنه لا يخلو أن يكون ذلك من الله تعبّداً أو
لمعنى ظاهر ومعنى تعبد أنه لا يفهم البشر له حكمة وأما
الفعل في نفسه فهو لحكمة لا بدَّ منها فيه والله عزّ وجلَّ
يعلمها ومن شاء أطلعه عليها وإن كان ذلك لمعنى ظاهر وهي
الحكمة المفهومة من ذلك الترتيب فما هي فنقول وجه الحكمة
فيه - والله أعلم - أنه إنما كان آدم عليه السلام في
السماء الدنيا لأنه أول الأنبياء وأول الآباء وهو الأصل
ومنه تفرع من بَعدَه من الأنبياء وغيرهم فكان أولاً في
سماء الدنيا لأجل هذا المعنى ولأجل تأنيس النبوة بالأبوة
كما ذكرنا في الغربة 1
وأما عيسى عليه السلام فإنما كان في السماء الثانية لأنه
أقرب الأنبياء إلى النبي لله ولا اتحت شريعة عيسى عليه
السلام إلا بشريعة محمّد عليه السلام ولأنه ينزل في آخر
الزمان لأمة النبي بشريعته ويحكم بها ولهذا قال عليه
السلام أنا أولى الناس بعيسى فكان في السماء
1 يشير المؤلف إلى ما جاء في الوجه الخامس والثلاثين من
أنس الأبوة بالنبوة ويقصد أنسَ ادم عليه السلام بالنبي وقد
تكون إشارة المؤلف تمهيدا لما سيورده بعد قليل من أنس
النبي الا الله بأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام
حيث التقيا في السماء السابعة تقدم تخريجه قبل قليل
۹۷۸
الثانية لأجل هذا المعنى وإنما كان يحيى عليه السلام معه
هناك لأنه ابن خالته وهما كالشيء الواحد فلأجل التزام
أحدهما بالآخر كانا هناك معاً
وإنما كان يوسف عليه السلام في السماء الثالثة لأنَّ على
حسنه تدخل أمة النبي الا الله الجنة ۱ فأُرِي له هناك لكي
يكون ذلك بشارة له عليه السلام فيُسَر بذلك وإنما كان
إدريس عليه السلام في السماء الرابعة لأنه هناك توفي ولم
تكن له تربة في الأرض على ما ذكر ٢
وإنما كان هارون عليه السلام في السماء الخامسة لأنه ملازم
لموسى عليه السلام لأجل أنه أخوه وخليفته في قومه فكان
هناك لأجل هذا المعنى وإنما لم يكن مع موسى عليه السلام في
السماء السادسة لأن لموسى مزية وحرمة وهو كونه الكليم
واختص بأشياء لم تكن لهارون عليه السلام فلأجل هذا المعنى
لم يكن معه في السماء السادسة ولأجل المعنى الأول كان في
السماء الخامسة ولم يكن فيما دونها أو في الأرض
وإنما كان موسى عليه السلام في السماء السادسة لأجل ما
اختص به من الفضائل ولأنه الكليم وهو أكثر الأنبياء
أتباعاً بعد النبي لا ل ا ل فكان فوق من ذكر لأجل ما اختص
به من الفضائل وإنما كان إبراهيم عليه السلام في السماء
السابعة لأنه الخليل والأب الأخير ولأن النبي يصعد من هناك
إلى عالم آخر غير ما هو فيه الآن وهو اختراق الحجب فيحتاج
إذ ذاك أن يتجدد له أنس أيضاً لأن الغربة زادت إذ ذاك فكان
إبراهيم عليه السلام هناك لأجل ما يجد النبي صلى الله عليه
وسلم من الأنس به وذلك لثلاثة معان لكونه الأب الأخير
ولكونه أباً من طرفين بالنسب في الأبوة وبالاتباع في الملة
كما قال تعالى مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمُ ۳ ولأنه
الخليل كما تقدم ولا إلى أحد أفضل من الخليل إلا الحبيب
والحبيبها هو ذا قد علا ذلك المقام فكان الخليل فوق الكل
لأجل خلته وفضله وارتفع الحبيب فوق الكل لأجل ما اختص به
مما زاد به عليهم
يدل على ما قررناه الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى
تِلكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ
مِنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ
دَرَجَةٍ ٤ وأما السنة فقوله عليه السلام أنا سيّدُ ولدِ
آدمَ
۱ كأن المعنى تدخل أمة النبي الجنة قبل أمة يوسف عليه
السلام
رفع إدريس عليه السلام وهو حي كعيسى عليه السلام وهو في
قلب السماوات له شأنه العظيم بين الأنبياء ويفيض الشيخ
الأكبر ابن عربي في سرّ موضعه من السماوات
۳ سورة الحج من الآية ۷۸ ٤ سورة البقرة من الآية ٢٥٣
۹۷۹
يوم القيامة ولا فخر ۱ وقوله عليه السلام آدم ومن دونه تحت
لوائي فحصل لهم الكمال والدرجة الرفيعة وهي درجة الرسالة
والنبوة وَرُفِعُوا بعضُهم فوق بعض درجات بمقتضى الحكمة
ترفيعاً للمرفوع دون تنقيص بالمتروك الله عزّ وجلّ أعلم
الوجه الأربعون رؤيته عليه السلام لهؤلاء الأنبياء عليهم
السلام احتملت وجوهاً الأول أن يكون عليه السلام عاين كلَّ
واحد منهم في قبره في الأرض على الصورة التي أخبر بها من
الموضع الذي ذكر أنه عاينه فيه فيكون الله عزّ وجلّ قد
أعطاه من القوة في البصر والبصيرة بما أدرك ذلك يشهد لهذا
الوجه قوله عليه السلام رأيت الجنة والنار في عُرْضِ هذا
الحائط وهو محتمل لوجهين أحدهما أن يكون عليه السلام راهما
في ذلك الموضع كما يقال رأيت الهلال في منزلي من الطاق
والمراد من موضع الطاق الوجه الثاني أن يكون مثل له
صورتهما في عُرْض الحائط والقدرة صالحة لكليهما
الثاني أن يكون عليه السلام عاين أرواحهم هناك في صورتهم
الثالث أن يكون الله عزّ وجلّ لما أن أراد إسراء نبيه عليه
السلام رفعهم في قبورهم لتلك المواضع إكراماً لنبيه عليه
السلام وتعظيماً حتى يحصل له من قبلهم ما أشرنا إليه من
الأنس والبشارة وغير ذلك مما لم نشر إليه ولا نعلمه نحن
وإظهاراً له عليه السلام للقدرة التي لا يغلبها شيء ولا
تعجز عن شيء وكل هذه الوجوه محتملة ولا ترجيح لأحدها على
الآخر إذ إن القدرة صالحة لكل منها ولكلها معاً
الوجه الحادي والأربعون فيه دليل لأهل الصوفة حيث يقولون
بأن الأعلى يكاشف من دونه في المقامات ولا يكاشفونه في
مقامه الخاص لأن النبي لما أن كان أعلى الأنبياء عليهم
السلام مقاماً اطلع على مقاماتهم حين صعوده ولم يطلع أحد
منهم على مقامه الخاص
الوجه الثاني والأربعون قوله عليه السلام فرفع إليَّ البيت
المعمور معناه أنه أري له وقد يحتمل أن يكون المراد الرفع
والرؤية معاً لأنه قد يكون بينه وبين البيت عوالم حتى لا
يقدر على إدراكه فرفع إليه وأُمِدَّ في بصره وبصيرته حتى
رآه وقد يحتمل أن تكون تلك العوالم التي كانت بينه وبينه
أزيلت حتى أدركه ببصره وقد يحتمل أن يكون بقي العالم على
حاله والبيت على حاله
۱ رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد رضي
الله عنه وتتمة الحديث وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من
نبي يومئذ ادم فمن سواه إلا تحت لوائي وأنا أول شافع وأول
مشفع ولا فخر رواه البخاري في الفتن بلفظ والذي نفسي بيده
لقد عرضت عليّ الجنة والنار انفاً في عرض هذا الحائط وأنا
أصلي فلم أر كاليوم في الخير والشر
۹۸۰
وأُمِدَّ في بصره وبصيرته حتى أدركه وعاينه والقدرة صالحة
للكل يشهد لذلك قوله عليه السلام
رفع إلي بيت المقدس على ما سيأتي والتأويل فيه كالتأويل في
البيت المعمور
الوجه الثالث والأربعون قوله عليه السلام فسألت جبريل فيه
دليل على أن أهل الفضل وإن تناهوا في السؤدد والرفعة إذا
رأوا شيئاً لا علم لهم به أن يسألوا عنه من يعلم ذلك وليس
ذلك مما يخل بمنصبهم لأن النبي الله في الفضل والسؤدد حيث
قد علم وفي هذا الحال قد كان تناهى ارتقاؤه حيث أخبر لكن
لما أن رأى شيئاً لا علم له به ووجد من سأل عنه سأله
الوجه الرابع والأربعون قوله هذا البيت المعمور يصلي فيه
كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا آخر ما عليهم
فيه دليل على عظيم قدرة الله تعالى وأنه لا يعجزها شيء لأن
هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم هذا العدد العظيم منذ
خلق الله تعالى الخلق إلى الأبد ثم طائفة هذا اليوم لا
ترجع إليه أبداً ومع أنه قد روي أنه ليس في السماوات ولا
في الأرض موضع شبر - وقيل قدر أربعة أصابع - إلا ومَلَكٌ
واضع جبهته هناك ساجد ۱ ثم البحار ما من قطرة إلا وبها ملك
موكل بها فإذا كانت السماوات والأرض والبحار هكذا فهؤلاء
الملائكة الذين يدخلون أين يذهبون هذا من عظيم القدرة التي
لا يشبهها شيء ولا تتوقف عن شيء
الوجه الخامس والأربعون فيه دليل على أن الملائكة أكثر
المخلوقات لأنه إذا كان سبعون ألف ملك كل يوم يصلّون في
البيت - على ما تقدم ذكره - لم لا يعودون آخر ما عليهم مع
أن الملائكة في السماوات والأرض والبحار - على ما تقدم
ذكره - فهم على هذا الظاهر أكثر المخلوقات وقد روي أن الله
مَلَكاً له خَلْق عظيم يطول وصفه يَعْتَسِل كل يوم ثم
ينتفض في ريشه فكل قطرة تقطر منه يخلق الله عزّ وجلّ منها
مَلَكاً وقد روي أن ثَمّ ملائكة يسبحون الله عزّ وجلّ
فيخلق الله تعالى بكل تسبيحة مَلَكاً هذا عدا الملائكة
التي خُلِقت للتعبّد وعدا الملائكة الموكلين بالنبات
والأرزاق والحَفَظة وقد روي أن ما لله تعالى من المخلوقات
من حيوانات وغيرها - عدا بني آدم الذين لهم الحفظة - إلا
ومعه مَلَكان أحدهما يهديه إلى رزقه والآخر إلى مصالحه
فكانوا أكثر المخلوقات بمقتضى هذه الظواهر
۱ رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وصححه الحاكم عن
أبي ذر رضي الله عنه بلفظ إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا
تسمعون أطّت السماء وحق لها أن تنط ما فيها موضع أربع
أصابع إلا ومَلَك واضع جبهته الله تعالى ساجداً والله لو
تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم
بالنساء على الفراش ولخرجتم إلى الصَّعدات تجأرون إلى الله
عزّ وجلّ
۹۸۱
الوجه السادس والأربعون فيه دليل على أن الصلاة أفضل
العبادات إذ إنها اشترك فيها أهل العالمين العلوي والسفلي
أعني أنهم مأمورون بجنسها
الوجه السابع والأربعون فيه دليل على استغناء الله تعالى
عن خلقه وأنه لا تنفعه طاعة الطائع ولا تضره مخالفة
المخالف لأنه عزّ وجلّ خلق هذا الخلق العظيم ووكل بعضهم
بحفظ منافع بعض ووكل بعضهم بفعل أشياء وإتقانها والكل ليس
بيدهم في ذلك شيء ولا لهم على ما يفعلون قدرة بل قدرة الله
عزّ وجلّ هي الحافظة لكل ذلك والمصلحة له وإنما ذلك من
الله تعبد يتعبد به مِن خلقه مَن شاء كيف شاء بما شاء
ثم إنه عزّ وجلّ خلق الخلق وقسمهم على أقسام فقوم خلقهم
للسعادة لا غير واختصهم بعبادته وجعل العبادة لهم قوتاً
وعيشاً ويسرها عليهم وأجراها لهم كمِثل النَّفَسِ لبني آدم
وهم الملائكة وقوم خلقهم للشقاوة والطرد والبعد وجعلهم
أهلاً للشر وأسبابه وهم الشياطين وقوم خلقهم وأدارهم بين
هذين القسمين شقي وسعيد وجعل لهم الثواب على الطاعات
والعقاب على المخالفات وهم بنو آدم والجن ثم قسم بني ادم
والجن على أقسام فمنهم القسمان المتقدمان وخلق منهم فيتوب
عليهم لقوله عليه السلام لو لم تذنبوا لأتى الله بقوم
يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم ۱ وخلق منهم قوماً يعصون فلا
يغفر لهم ولا حيلة لهم في السعادة بعدها للمقدور الذي سبق
عليهم وخلق منهم قوماً فيهم نصيب للعذاب ونصيب للرحمة
طائفة يعصون
فلو كان عزّ وجلّ تنفعه طاعة الطائع لخلق الكلّ للطاعة ولو
كانت تضره معصية العاصي لم يكن ليعفو عمن عصاه والعاقبه
على كل حال ولأجل هذه المعاني التي أشرنا إلى شيء منها قال
عليه السلام تفكر ساعة خير من عبادة سنة ۳ وفي رواية خير
من عبادة الدهر لأنه إذا تفكر المرء في شيء من هذه القدرة
العظمى والحكمة الكبرى بان له الحق واتضح فأذعن عند ذلك
الله وسلم له في مقدوره وازداد بذلك محبة في التعبد لمن له
هذا الملك العظيم إذ بالعبادة يتقرب إليه فأنس عند ذلك بها
واستوحش من ضدها وأنس بالخلوة عن الخلق لأجل فراغه للتعبد
والنظر فيما أشرنا إليه واستوحش عند المخالطة لذهاب ذلك
الوصف عنه
ولهذا المعنى لما أن دخل بعضهم على بعض الفضلاء من أهل
الصوفة وجده وحده فسأله
۱ رواه الإمام أحمد ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ
والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء
بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم تقدم تخريجه في الحديث ۱
۹۸
وحدك قال رضي الله عنه الآن أنا وحدي يعني ا كان في خلوته
مشتغلاً بشيء مما أشرنا إليه إما من تعبد أو فكرة فأنس ذلك
مع ربه ثم لما أن جاءه ذهب ذلك عنه وهو يجد بذلك الوحشة
فكان وحده لأجل هذا المعنى
ولهذا المعنى قال بعض الفضلاء أوصيك بأن تديم النظر في
مرآة الفكرة مع الخلوة فهناك
يبين لك الحق
والتفكر في معاني هذا الحديث يزيد في الإيمان أضعاف أضعافه
إذا رزق صاحبه التوفيق وإنما تكلمنا على هذا المعنى إشارة
ليتنبه الطالب والمريد لما عدا تلك المعاني التي أشرنا
إليها لعلها تكون له سلماً وسبباً إلى الارتقاء والفهم
فيما عداها الوجه الثامن والأربعون قوله عليه السلام ورفعت
إليَّ سدرة المنتهى الكلام عليه كالكلام على قوله ورفع
إليَّ البيت المعمور وقد مر وإنما سميت بهذا الاسم لأن
إليها تنتهي هناك ينزل الأمر وتتلقى الأحكام وعندها تقف
الحفظة وغيرهم ولا يتعدونها فكانت
ومن
الأعمال
منتهى لأن إليها ينتهي ما يصعد من السفل وما ينزل من
العالم العلوي من أمر العلي القدير الوجه التاسع والأربعون
قوله عليه السلام فإذا نَبْقُها كأنه قِلال هَجَر وورقها
كأنه آذان الفيلة النَّبق هو الثمرة التي تثمرها هذه
الشجرة وقدرها قدر قُلَّة هَجَر وقُلَّة هَجَر أكبر أواني
أهل الأرض من جنسها على ما كان أهل الحجاز يعهدون وإنما
شبه عليه السلام نَبْقها بالقِلال وورقها بآذان الفيلة
لأنه ليس في الدنيا ما يُشبِهُهُما من جنسها فأشار إلى ذلك
ليُعلم قدرُها وأما
حسنها فلا يتوصل إليه إلا من أطلعه الله عزّ وجلّ عليها أو
يراها في الآخرة إن شاء الله تعالى الوجه الخمسون قوله
عليه السلام في أصلها أربعة أنهار نهران باطنان ونهران
ظاهران هذا اللفظ يحتمل أن يكون على الحقيقة ويحتمل أن
يكون من باب تسمية الشيء بما قاربه فإن كان على الحقيقة
فتكون هذه الأنهار تنبع من أصل الشجرة نفسها فتكون الشجرة
حلوة الثمر وأصلها ينبع منه الماء والقدرة لا تعجز عن هذا
ولا عن شيء ممكن مهما كان وإن كان من باب تسمية الشيء بما
قاربه فتكون الأنهار تنبع قريباً من أصل الشجرة
ثم بقي احتمال هل الشجرة مغروسة في شيء أم لا محتمل
للوجهين معاً لأن القدرة صالحة لكليهما فكما جعل عزّ وجلّ
هنا الأرض للشجرة مقراً كذلك يجعل الهواء لتلك مقراً وكما
رجع النبي الا الله و يمشي في الهواء كما كان يمشي في
الأرض وكما كان جبريل عليه السلام جالساً على كرسي بين
السماء والأرض - والقدرة لا تعجز عن هذا كله ولا عن أمثاله
وأمثال أمثاله إلى ما لا نهاية له - ولأن بالقدرة استقرت
الأرض وتمهدت مع أنها على الماء لأن الأرض
۹۸۳
بما فيها على الماء ـ على ما جاءت به الأخبار - فإمساكها
بمن يمشي عليها أعظم في القدرة من إمساكها وحدها ومن إمساك
المخلوقات دونها وإنما يتعاظم هذا لكون الله عزّ وجلّ أجرى
العادة بالمشي على الأرض والاستقرار عليها ولم يُجرِ ذلك
في الهواء والقدرة ليست مرتبطة بالعادة الجارية ولو شاء
عزّ وجلّ أن يجعل الأمر بالعكس لفعل ولو فعل ذلك لعظم
أيضاً في أعين الناظرين من يمشي على الأرض لأجل العادة
الجارية وقد روي أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود فهي
تجري في مواضع معلومة لا تتعداها من غير شيء يمسكها ولا
يردّها فمن كانت هذه قدرته فكيف يقع الإنكار أن تكون شجرة
في الهواء مع عظيم هذه القدرة ويحتمل أن تكون الشجرة
مغروسة بأرض - وهو الأظهر - بدليل قوله ونهران باطنان ولا
يطلق هذا اللفظ وما أشبهه إلا على ما يفهم والباطن لا بدَّ
له أن يكون سريانه تحت شيء يستره وحينئذ يطلق عليه اسم
الباطن ثم بقي الاحتمال في الأرض إذا قلنا بها هل هي من
تراب الجنة أو هي تورية أو غير ذلك محتمل لكل ذلك
الوجه الحادي والخمسون قوله عليه السلام فسألت جبريل
الكلام عليه كالكلام على سؤاله عليه السلام قبل ذلك
الوجه الثاني والخمسون قوله عليه السلام وأما الباطنان ففي
الجنة وأما الظاهران فالفرات والنيل فيه دليل على أن
الفرات والنيل ليسا من الجنة لأنه عليه السلام أخبر أن
جبريل عليه السلام أخبره أن هذه الأنهار منبعها من سدرة
المنتهى فيروح الباطنان إلى الجنة والفرات والنيل ينزلان
إلى الدنيا وسدرة المنتهى ليست في الجنة حتى يقال إنهما
يخرجان منها بعد نبعهما من الشجرة وهذا معارض لقوله عليه
السلام أربعة أنهار في الأرض من الجنة فذكر الفرات والنيل
وزاد سيحون وجيحون ۱
والجمع بينهما - والله أعلم - أنه قد يكون الفرات والنيل
منبعهما من سدرة المنتهى وإذا نزلا إلى الدنيا يسلكان
أولاً على الجنة فيدخلانها ثم بعد ذلك ينزلان إلى الأرض
وفي المسألة خلاف
ذكره العلماء
وهذا أدل دليل على أن الأشياء لا تؤثر بذواتها وإنما
القدرة هي المؤثرة في كلها إذ إن الأخبار قد وردت بأن من
شرب من ماء الجنة لا يموت ولا يفنى وأنه ليس له فضلة تخرج
على ما
۱ رواه الشيرازي في الألقاب كما في الفتح الكبير عن أبي
هريرة رضي الله عنه وبمعناه في مسند الإمام أحمد وصحيح
مسلم بلفظ سيحان و جيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة
انظر النهاية في الفتن والملاحم ٢٩٧/٢ لابن كثير
٩٨٤
يعهد في دار الدنيا وإنما خروجه رشحان مسك على البدن فجعلت
فيه هذه الخاصية العظمى ثم لما أن شاء الله عزّ وجلّ
بنزوله إلى هذه الدار نزعت منه تلك الخصوصية وأُبْقِيَ
جوهره بحاله وكل الخواص مثله في هذا المعنى إن شاء الله
عزّ وجلّ أبقى لها الخاصية وإن شاء سلبها مع بقاء
جوهرها ليس لذوات الخواص تأثير بل الخاصية خَلَقها والجوهر
خلقه بدليل ما نحن بسبيله الوجه الثالث والخمسون فيه دليل
على أن الباطن أجلّ من الظاهر لأنه لما أن كان الباطنان
أجلَّ جُعِلا في دار البقاء ولما أن كان الظاهران أقلَّ
أُخرجا إلى هذه الدار ولهذا قال عليه السلام إن الله لا
ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم ۱ وإن كانا معاً
مقصودين لكن جلّ المقصود هو الباطن كما قال عليه السلام في
الحج الحج عرفة يريد أن معظم الحج عرفة ولأجل هذا فاق أهل
الصوفة غيرهم لأنهم عملوا على صلاح الباطن فصلح منهم
الباطن والظاهر وأهل
الدنيا عملوا في تعبدهم على صلاح الظاهر ولم يلتفتوا إلى
الباطن ففسد منهم الظاهر والباطن الوجه الرابع والخمسون
قوله عليه السلام ثم فرضت عليَّ خمسون صلاة يرد على هذا
الفصل بحث دقيق وهو لم فرضت الصلاة في هذا الموطن دون
واسطة وغَيرُها من الفرائض لم يكن لها ذلك ومما يندرج في
هذا البحث أيضاً أن الشارع عليه السلام حض عليها ما لم يحض
على غيرها من الفرائض وجعلها فرقاً بين الإيمان والكفر
وقال فيها موضع الصلاة من الدين موضع الرأس من الجسد ۳
وقال فيها وجعلت قرة عيني في الصلاة 4 وقال فيها أرحنا بها
یا بلال إلى غير ذلك من الأحاديث الخاصة عليها
فنقول والله المستعان إنه إن كان ذلك تعبداً فلا بحث وإن
كان لحكمة فعند ذلك يحتاج إلى البيان والأصل - كما قدمنا
غير مرة - أن كل متعبَّد به إنما هو لحكمة ومما يدل على
ذلك قوله تعالى ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُونَ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
٦ وقوله عزّ وجلّ
۱ رواه مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ إن
الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم
وأعمالكم
قطعة
3 3 3
قطعة من حديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وقال
حسن صحيح ورواه النسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن عبد
الرحمن بن يعمر الديلمي ولفظه الحج عرفة من جاء قبل صلاة
الصبح من ليلة جمع فقد تم حجه أيام منى ثلاثة فمن تعجل في
يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ۳ رواه الديلمي
عن ابن عمر رضي الله عنه بلفظ كموضع بدلا من موضع الوارد
عند المؤلف رحمه الله ٤ تقدم تخريجه في الحديث ٦
٥ تقدم تخريجه في الحديثين ٤٢ و ٦٤
٦ سورة الأنعام الاية ٧٥
۹۸۵
في صفة المؤمنين وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا 1 فإذا
كانت السماوات والأرض لم تخلق إلا لحكمة فكذلك كلّ ما فيها
من المخلوقات وما كلفوا فيها من التكليفات كل شيء من ذلك
صادر عن حكمة وليس شيء منها عبثاً لكن ما جهلنا الحكمة فيه
لقلة الفهم قلنا عنه تعبداً أي تعبَّدَنا الله بذلك فعلى
هذا ففرض الصلاة هناك بغير واسطة وتحضيض الشارع عليه
السلام عليها بالأحاديث المذكورة لا بد لذلك كله من حكمة
وإذا كان ذلك لحكمة فنحتاج أن نبحث فيه ونبينه بحسب ما
ييسر الله فيه
فنقول والله المستعان أما قوله عليه السلام وجعلت قرة عيني
في الصلاة وقوله عليه
السلام أرحنا بها يا بلال فالمعنى في ذلك ظاهر من وجوه
الوجه الأول أنه عليه السلام يتذكر بها تلك المراجعات
الجليلة وهي خمسة مواطن كما ذكر في الحديث حين مراجعته
عليه السلام من أول الفرض إلى حين استقراره بين ربه عزّ
وجل وبين موسى عليه السلام
الثاني أنه في تلك الليلة المباركة - أعني ليلة المعراج -
رأى عليه السلام تعبد الملائكة في العالم العلوي فمنهم
قيام لا يلتفتون ومنهم رُكَّعٌ لا ينحرفون ومنهم سُجَّدٌ
لا يرفعون على ما نقل عنه عليه السلام في الحديث الصحيح
فإذا كان يوم القيامة قالوا بأجمعهم سُبّوح قدوس ما
عبدناكَ حقّ عبادتك فجمع الله عزّ وجلّ لنبيه عليه السلام
ولأمته جميع تلك العبادات في ركعة واحدة في أقل زمان وأقرب
فعل وهو قدر اطمئنان الأعضاء على ما نقل عنه عليه السلام
في حديث الأعرابي حيث قال له اركع حتى تطمئِنَّ راكعاً ثم
ارفع حتى تعتدل قائماً ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً
الثالث أنها فرضت أولاً مثقلة ثم خُفِّفت وأبقي الأجرُ على
ما كان عليه
الرابع أن الله عزّ وجلّ جعل فيها جملة من المراتب السنية
لنبيه عليه السلام ولأمته لأنه عزّ وجلّ يقول على لسان
نبيه عليه السلام قسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ۳
بالنظر إلى هذا النص على قسمين وهي بالنظر إلى البحث في
الحديث على خمس مراتب لأن الشارع عليه السلام أخبر أنه إذا
قال العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ يقول
الله حَمِدَني عبدي يقول العبد الرحمن الرحيم يقول الله
أثنى عليَّ عبدي يقول
فهي
۱ سورة ال عمران من الاية ۱۹۱ تقدم تخريجه في الحديث ٦٤
۳ رواه الإمام أحمد ومسلم والأربعة عن أبي هريرة رضي الله
عنه وهو حديث قدسي
٩٨٦
وَلا
العبد ملِكِ يَوْمِ الدِّينِ يقول الله مجدني عبدي يقول
العبد إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يقول الله
هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سال يقول العبد اهْدِنَا
الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ
عَلَيْهِمْ غَيْرِ الضالين ١ يقول الله هؤلاء لعبدي ولعبدي
ما سأل غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِـ فهذه خمس مراتب ثلاث
منها لجانب المولى جل جلاله وحقيقة النفع فيها للعبد إذ إن
الله عزّ وجلّ غنيّ عن عبادة الخلق إياه فهو عزّ وجلّ قد
رفع عبده في ثلاثة مقامات من المراتب السنيّة في هذه
السورة لأن لكل لفظ منها مَقاماً يخصّه وقد ذكر الله عزّ
وجلّ ذلك في كتابه حيث قال الحَمدُونَ وقال الذاكرون وقال
وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وقد جعل
الشارع عليه السلام لكل اسم وصفة مرتبة بحدتها فمن حلف
باسم أو بصفة فعليه كفارة واحدة فإن جمَع في اليمين أسماء
وصفاتٍ كانت عليه كفاراتٌ بعدد الأسماء والصفات أعني إذا
أفرد كل واحد من الأسماء والصفات
فجعل عزّ وجلّ لكل لفظة في كتابه وعلى لسان نبيه عليه
السلام مدحة ومنزلة فلما أن كانت الثلاث الأول كلها ثناء
على الله تعالى جعلها عزّ وجلّ قسماً واحداً فأضافها إلى
نفسه ولما أن كانت الآية الرابعة إقراراً له عزّ وجلّ
بالألوهية وطلباً منه للاستعانة قال هذا بيني وبين عبدي
ولما كان باقيها طلباً للعبد لا غير قال عزّ وجلّ ولعبدي
ما سأل فجعلها عزّ وجلّ أولاً على قسمين بقوله تعالى نصفها
لي ونصفها لعبدي ثم جعلها عند البيان على ثلاث مراتب خاص
به وخاص بالعبد ومشترك بينه وبين العبد
وهي بالتقسيم والنظر إلى البحث خمس كما قدمنا وهذه الخمس
أعني جنس العدد كثيراً ما يتردد في الصلاة على وجوه ومعان
مختلفة
خمس
فمنها أن أفعالها خمس وأقوالها خمس وأحوالها خمس وأسماءها
خمس ومراتبها
فأما الأفعال ففي كل ركعة قيام وركوع وسجدتان وجلوس وأما
الأقوال ففي كل ركعة تكبير وقراءة وتحميد وتعظيم ودعاء
وأما الأحوال ففي كل ركعة تَجَلّ وترفيع ومغفرة وإجابة
وقرب وتدان
۱ سورة الفاتحة الآيات ١ - ٧ سورة المعارج من الآية ٢٦
۹۸۷
وأما الأسماء فكما سماها الشارع عليه السلام ظهر و عصر و
مغرب وعشاء وصبح
وأما المراتب ففرض وسنة واستحباب ونفل وترغيب
أما الأفعال فظاهرة لا تحتاج إلى بيان
وأما الأقوال فالتكبير معلوم عند الإحرام وفي أركان الصلاة
والقراءة مثل قراءة أم القرآن وغيرها على ما ذكر في كتب
الفقه والتعظيم خاص بالركوع لقوله عليه السلام أما الركوع
فعظموا فيه الرب ۱ ونهى عن القراءة فيه والدعاء والتسبيح
مشروع في السجود لقوله عليه السلام حين أنزل عليه سَبِّح
اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فقال اجعلوها في سجودكم ۳ وقوله
عليه السلام أكثروا فيه من الدعاء فقَمِنٌ أن يُستجابَ لكم
أي حقيق يعني في السجود
وأما الأحوال فأولها التجلي وهو عند استفتاح الصلاة مرة
وفي كل ركعة مرة وأما الاستفتاح فمعلوم من الكتاب والسنة
أما الكتاب فقوله تعالى فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ
وَجْهُ اللهِ ﴾ ٤ وأما السنة فقوله عليه السلام إذا دخل
العبد في الصلاة أقبل الله عليه بوجهه فإذا التفت أعرض عنه
٥ وقوله عليه السلام إذا كان أحدكم يصلي فلا يَبصُقْ
قِبَلَ وجهه فإن الله تبارك وتعالى قبلَ وجهه إذا صلّى وفي
رواية فإنما يناجي ربه أو ربه بينه وبين القبلة ٦ ولأجل
هذا التجلي وهذه المناجاة وما
1 رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس
رضي الله عنهما بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا
وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً وساجداً فأما الركوع
فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فإنه
قمِنٌ
أن يُسْتَجابَ لكم سورة الأعلى من الاية ۱
۳ رواه أبو داود وابن ماجه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه
وتمام الحديث لما نزلت ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ
الْعَظِيمِ قال رسول الله و اجعلوها في ركوعكم ولما نزلت
سَبْح اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال اجعلوها في
سجودكم
٤ سورة البقرة من الآية ١١٥
٥ روي ذلك في عدة أحاديث متفقة في المعنى مختلفة في اللفظ
منها ما رواه الإمام أحمد وأبو داود وصححه ابن خزيمة
والحاكم عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي له الا الله قال
لا يزال الله مقبلا على العبد في صلاته ما لم يلتفت فإذا
صرف وجهه انصرف عنه
٦ متفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه بلفظ أن رسول الله
الله ما رأى نخامة في القبلة فشق ذلك عليه حتى رئي في وجهه
فقام فقام فحكه بيده فقال إن أحدكم إذا قام في الصلاة
فإنما يناجي ربه فإن ربه بينه وبين القبلة فلا يبزقن أحدكم
قبل قبلته ولكن عن يساره أو تحت قدمه ثم أخذ طرف ردائه
فبصق فيه ثم ردّ بعضه على بعض فقال أو يفعل هكذا
۹۸۸
أشرنا إليه في الصلاة من المقامات وما يأتي بعده كلام
العلماء رضوان الله عليهم بصيغ مختلفة لعله أن يحصل للمصلي
مما أشرنا إليه شيء فمنها ما قاله الغزالي رحمه الله في
القائم إلى الصلاة عند الإحرام بعد توفية تلك الشروط الخمس
۱ فيها فقال يُمثل الجنةَ عن يمينه والنار عن شماله
والصِّراطَ بين قدميه والله عزّ وجلّ قبالة وَجهِه وقال
غيره بل يُحضر جميعَ العوالم في خاطره ثم يُحضر نفسه أنه
بين يدي خالقها والأقاويل في هذا المعنى متعددة والموطن
الثاني من التجلي الذي هو في كل ركعة هي القراءة لمن قرأ
بصدق وإخلاص
لأنها تجلُّ بالصفة الجليلة والصفة لا تفارق الموصوف
وأما الترفيع ففي كل ركعة مواطن منها الركوع إذا قصد به
الخضوع الله تعالى كما شرع له لأن في ضمن ذلك الترفيع
لقوله عليه السلام من تواضع لله رفعه الله ومنها السجود
لقوله عليه السلام أقرَبُ ما يكون العبد من الله إذا كان
ساجداً وبطنه جائعاً ۳
وأما المغفرة ففي كل ركعة موطنان الأول عند قوله آمين بعد
قوله ﴿ وَلَا الضالين لقوله عليه السلام في ذلك إذا قال
أحدكم آمين وقالت الملائكة في السماء امين فوافقت إحداهما
الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه ٤ والموطن الثاني من
المغفرة قوله ربَّنا ولك الحَمدُ بعد قوله سمع الله لِمَن
حَمِدَه لقوله عليه السلام فيه أيضاً مَن وافَق قوله
قَوْلَ الملائكة غفر له ما تقدَّم من ذنبه وقد مرَّ الكلام
على الموافقة ما هي هل هي في الإخلاص أو في الزمان عند ذكر
الحديث نفسه وهو قوله عليه السلام إذا قال الإمام سَمع
الله لمن حمده
فقولوا اللهم ربَّنا ولك الحمد فإنه من وافق قوله قول
الملائكة غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه ٥ وأما الإجابة ففي
كل ركعة موطنان الأول عند قوله وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾
إلى آخر السورة لقوله عزّ وجلّ ولعبدي ما سأل كما تقدم
والموطن الثاني في السجود لقوله عليه السلام أكثروا فيه من
الدعاء فقَمِنٌ أن يُستجاب لكم كما تقدم وأما القرب
والتداني ففي كل ركعة موطن واحد عند قوله إِيَّاكَ
نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ ﴿
١ كذا وهو جائز باعتبار الجمع مؤنثاً
رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة رضي الله عنه وفي
مسلم وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ۳ رواه مسلم وأبو
داود والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه وليس فيه عبارة
وبطنه جائعاً ٤ رواه البخاري بلفظ إذا قال أحدكم امين
وقالت الملائكة في السماء امين فوافقت إحداهما الأخرى غفر
له ما
تقدم من ذنبه
٥ متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
۹۸۹
ن ﴾ لقوله عزّ وجلّ فهذه بيني وبين عبدي فسوّى عزّ وجلّ
بينه وبين عبده دون
ترفيع لذاته الجليلة وهذا هو غاية التداني والقرب من طريق
المنّ والإفضال
ولا يتوهم متوهم أن ما ذكرناه هنا معارض لما قدمناه من
قوله عليه السلام أقرب ما يكون العبد من الله إذا كان
ساجداً وبطنه جائعاً لأن بينهما فرقاً وهو أن ما أخبر به
عليه السلام مما تقدم حال أوصاف العبودية لأن العبد لا
يقدر على أكثر من هذا الحال وهو أن يجيع بطنه ويمرغ وجهه
في التراب تذللاً لمولاه وأما القرب والتداني فهو فيض
الربوبية وفيض الربوبية ليست۱
من كسب العبودية حتى يوصف العبد بها فتلك ٢
خاصة بكسب العبد فيمدح عليها ويذم وهذه خاصة بفيض الربوبية
لا مِدْحَةَ للعبد فيها ولهذا المعنى الذي أشرنا إليه -
أعني في هذه الخمس مراتب التي ذكرناها في أم القرآن وما
تضمنته من درر العلوم الثاقبة ـ قال علي رضي الله عنه لو
شئتُ أن أُوقر ۳ سبعين بعيراً من تفسير أم القرآن لفعلت
واغترافها من السورة يظهر في هذه الخمسة كنوز التي أشرنا
إليها
بيان ذلك أنه إذا قال الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ يحتاج أن يُبَيِّن ٤ معنى الحمد وما يتعلق
به والاسم الجليل الذي هو الله وما يليق به من التنزيه ثم
يحتاج إلى بيان العالم وكيفيته على أنواعه وأعداده وقد قال
عليه السلام إن الله سبعة عشَرَ َألفَ عالَم السمواتُ
السبعُ
جميع
والأرضون السبعُ وما فيهن عالم واحد وقد أخبر عليه السلام
أن في هذه الأرض ألف عالَم
أربعمائة في البر وستمائة في البحر فيحتاج إلى بيان ما
أشرنا إليه كله إذ اللفظ يحوي ذلك كله
فإذا قال الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يحتاج أيضاً أن يبين هذين
الاسمين الجليلين وما يليق ﴿ بهما من الجلال وما معناهما
ثم يحتاج في ضمن هذا البيان إلى بيان جميع الأسماء والصفات
ثم يحتاج إلى بيان الحكمة في اختصاص هذا الموضع بهذين
الاسمين الجليلين دون غيرهما من الأسماء وسنذكر طرفاً من
هذه الحكمة بعد إن شاء الله تعالى
فإذا قال مثلِكِ يَوْمِ الدِّينِ يحتاج إلى بيان ذلك اليوم
وما فيه من المواطن والأهوال وكيفية ذلك العالم وما يخص
لكل عالم فيه وأين مستقره
1 أعاد على فيض ضمير المؤنث لأنه أضيف إلى الربوبية فاكتسب
منها التأنيث ٢ أي حال أوصاف العبودية في الحديث الشريف
۳ أوقر أحمل
٤ أي يفسر
۹۹۰
فإذا قال إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يحتاج
إلى بيان المعبودِ وجلاله والعبادة
وكيفيتها وصفاتها وادابها على جميع أنواعها والعابد وصفته
والاستعانة وادابها وكيفيتها فإذا قال اهْدِنَا الصِّرَاطَ
الْمُسْتَقِيمَ إلى آخر السورة يحتاج إلى بيان الهداية ما
هي والصراط المستقيم وأضداده ما هي ويبين المغضوب عليهم
والضالين وصفاتهم وما يتعلق بهذا النوع ويبين المرضي عنهم
وصفاتهم وطريقتهم
فعلى ما أبديناه من هذه الوجوه يكون ما قاله الإمام علي
رضي الله عنه أو يزيد عليه وبما أشرنا إليه يَبينُ معنى
قوله عليه السلام في التارك لأم القرآن في صلاته فهي خداج
فهي خداج فهي خداج أي غير تمام لأن من فاتته تلك المراتب
السنية التي أشرنا إليها فحقيق أن يكون
عمله غير تمام وأما المراتب فهي على مذهب مالك رحمه الله
ومن تبعه من العلماء خمس فرض وهي الخمس وسنة وهي الوتر
والعيدان والاستسقاء وكسوف الشمس وما أشبه ذلك وفضائل وهي
قيام رمضان وتحية المسجد وخسوف القمر ومختلف فيه هل هو سنة
أو مستحب وهي ركعتا الفجر ومتفق عليه أنه نافلة وهو ركعتا
الضحى والركوع قبل صلاة الظهر وبعدها وقبل العصر وبعد
المغرب وبعد العشاء ۳
ثم نرجع الآن إلى بيان كون الشارع عليه السلام جعلها فرقاً
بين الإسلام والكفر ومعنى
ذلك ظاهر من وجوه
الأول أن ذلك تنبيه للأمة على تعظيم هذا الشعار أكثر من
غيره من الشعائر لأن ما فرض في ذلك المحل الجليل 4 بغير
واسطة أفضل مما فرض في هذا المحل ٥ بالواسطة
الثاني أنها صلة بين العبد وربه لأن اسمها مشتق من الصلة
فمن كان لا يقبل هذه الصلة مع ما يعود عليه فيها من حسن
العائد ولا يعظم منها ما عظم الله عزّ وجلّ فجدير أن تجعل
حداً
1 رواه الإمام أحمد وابن ماجه وابن أبي شيبة والبيهقي عن
السيدة عائشة رضي الله عنها
٢ أي الركعتان قبل ركعتي الفرض
۳ هذا على مذهب الإمام مالك
٤ يعني سدرة المنتهى
0
يعني الدنيا
۹۹۱
بين الإسلام والكفر ۱ لأنها أول فرض فُرِض على من ادعى
الإسلام فإذا لم يُوفِ ما فرض عليه منها فيكون شبيهاً
بالارتداد عما ادعى من الاستسلام والانقياد ولهذا المعنى
قال عمر رضي الله عنه فمن ضيعها فهو لما سواها أضيع يعني
الصلاة الثالث أن فيها من الترفيع للنبي والتأنيس ما ليس
في غيرها وأمته يندرجون معه في ذلك فأما الترفيع فلكونه
عليه السلام خُص بالارتقاء لتلك المنزلة العليا لفرض
الصلاة هناك عليه السلام بغير واسطة وذلك لم يُفعل مع غيره
من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ثم ترداده
عليه السلام خمساً بين ربه عزّ وجلّ وبين موسى عليه السلام
زيادة له في الترفيع كما تقدم وأما التأنيس فلما فيها من
شَبَه الحال وهو ما ذكرناه من الأحوال الخمس
فالتجلّي في الصلاة مقابله التجلي هناك والترفيع مقابله
الترفيع هناك في العالم العلوي وخرق الحجب ورؤية الآيات
العظام والإجابة مقابلها الإجابة هناك وهي قضاء الحاجة في
الشفاعة والمغفرة مقابلها العفو هناك عن خمس وأربعين من
الفرض - وهو الخمسون - وإبقاء أجر الخمسين في الخمس والقرب
والتداني مقابله هناك قاب قوسين أو أدنى مع نفي التكييف
والتحديد ولهذا المعنى قال عليه السلام لا تفضلوني على
يونس بن متى يعني بذلك نفي التكييف والتحديد - على ما قاله
الإمام أبو المعالي ٢ - لأنه قد وجدت الفضيلة بينهما في
عالم الحس لأن النبي صلى الله عليه وسلم سُري به إلى فوق
السبع الطباق ويونس عليه السلام نزل به إلى قعر البحار وقد
قال عليه السلام أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وقال
عليه السلام ادم ومن دونه تحت لوائي وقد اختصّ عليه السلام
بالشفاعة الكبرى التي لم تكن لغيره من الأنبياء عليهم
السلام فهذه الفضيلة قد وجدت بالضرورة فلم يبق أن يكون
قوله عليه السلام لا تفضلوني على يونس بن متى إلا بالنسبة
إلى المسافة
فمحمد عليه السلام وإن سُرِيَ به لفوق السبع الطباق واخترق
الحجب ويونس عليه السلام وإن نزل به لقعر البحار فهما
بالنسبة إلى القرب من الله سبحانه على حد واحد والمراد
بقوله عزّ وجلّ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى أنه لو كان
الله عزّ وجلّ مسافة يُمشى إليه فيها لكان النبي منه بذلك
القرب إشارة منه عزّ وجلّ إلى قرب نبيه عليه السلام
وتشريفه إياه فتحصل من هذا أن ليلة الإسراء كانت خيراً
خاصاً به عليه السلام وفرض الصلاة فيها عليه
1 أي بين إسلامه وكفره و أل نائبة عن ضمير الغائب أبو
المعالي هو عبد الملك بن عبد الله الجُوَيْني وقد تقدمت
ترجمته في الحديث ۳
۹۹
وعلى أمته مشترك بينه وبين أمته وذلك مثل ما كان للخليل
عليه السلام حين ابتلي بذبح ابنه ليُظهر الله عزّ وجلّ
بذلك رفع منزلته في تحقيق الخُلَّة بالرضا والتسليم في ذلك
الأمر العظيم الذي لم يُفعل مع غيره ثم فُدي بالذبح العظيم
وجُعِلت سنة له عليه السلام ولأمة النبي صلى الله عليه
وسلم قِلَّة أَبِيكُمْ إِبْرَهِيم ۱ وقد قال النبي صلى
الله عليه وسلم أمرت بالذبح وهو لكم سنة ٢ فكان الخليل
عليه السلام في كل عيد يتجدد له أجر تلك المحنة بامتثال
هذه السنة
وجدير بمن تشبه بمقام الخُلة في امتثال هذه السنة أن يكون
مسيره عليها إلى الجنة وقد قال عليه السلام تنافسوا في
أثمانها فإنها مطاياكم إلى الجنة ۳ فخص الخليل وحده بتلك
المحنة لعظيم قدره في الخُلة واشترك هو وغيره في المنة
التي هي شَبَه بتلك المحنة فكذلك النبي الالالالا خص بهذه
الرفعة واشترك مع غيره من المؤمنين بالشبه بها من رحمة
ومثل ذلك أيضاً البيت المعمور في السماء والكعبة في الأرض
فالبيت المعمور خاص بالملائكة - وهم أهل العالم العلوي على
ما تقدم في الحديث - حيث قال يصلي فيه كل يوم سبعون ألف
ملك إذا خرجوا لم يعودوا آخِرَ ما عليهم والكعبة مشتركة
بين بني آدم والملائكة لأنه يطوف بها كل سنة عدد معلوم من
بني ادم والملائكة فما نقص من بني ادم من ذلك العدد كمله
الله عزّ وجلّ من الملائكة
ومثل ذلك أيضاً ما جاء عن الملائكة حين قال لهم عزّ وجلّ
إني جاعل في الأرض خليفة فقالت الملائكة أتجعل فيها من
يُفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدّس لكَ فغضب
الله عزّ وجلّ عليهم ثم تداركهم عزّ وجلّ بالعفو والإفضال
فألهمهم إلى الطواف بالعرش فطافوا به أسبوعاً وتابوا
واستغفروا فتاب الله عليهم وغفر لهم ثم أمرهم أن ابنوا في
الأرض بيتاً لبني آدم فيطوفون به فأتوبُ عليهم كما تُبتُ
عليكم وأغفِرُ لهم كما غفرت لكم فما من خير في العالم
العلوي ولا لسيد من السادة الخواص إلا وقد جعل الله عزّ
وجلّ
۱ سورة الحج من الاية ۷۸ للحديث روايات غير ما ذكر الشيخ
ابن أبي جمرة رضي الله عنه منها ما رواه الإمام أحمد عن
ابن عباس رضي الله عنه بلفظ وأمرت بالأضحى ولم تكتب وفي
رواية لأبي يعلى كتب علي النحر ولم يكتب عليكم وفي أخرى
للحاكم ثلاث هنّ عليّ فرائض ولكم تطوّع الأضحى والوتر
وركعتا الفجر
هذا الحديث غير معروف ولا ثابت فيما علمناه قال ابن الصلاح
كما في التلخيص ١٣٨/٤ وقد أشار ابن العربي إليه في شرح
الترمذي بقوله ليس في فضل الأضحية حديث صحيح ومنها قوله
إنها مطاياكم إلى الجنة قال الحافظ في التلخيص أخرجه صاحب
مسند الفردوس عن أبي هريرة رفعه استفر هوا ضحاياكم فإنها
مطاياكم على الصراط وإسناده ضعيف جدا
۹۹۳
شبهاً منه لهذه الأمة ليُجزِل لهم النصيب من تلك النعمة
فكان ذلك تصديقاً لقوله عزّ وجلّ ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ
الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ
۱ لأنه قد ذكر في معنى هذا الموضع أن النبي صلى الله عليه
وسلم أكثر بالدعاء لأمته لما جَبَله الله عليه من الشفقة
والرحمة لهم فأجابه عزّ وجلّ بأن قال يا محمّد وما كنتَ
بجانب الطور إذ نادينا وقد ذكر العلماء أن هذا النداء كان
من الله عزّ وجلّ قبل أن يَخلُقَ الخلق بألفي عام فقال يا
أمة محمد أرحَمُكم قبل أن تسترحموني وأغفر لكم قبل أن
تستغفروني وأعطيكم قبل أن تسألوني فما ذكرناه من النعم
المتقدمة وما أشبهها تضمن ذلك
كله هذا النداء
أوزعنا الله شكر نعمه وأتمها علينا في الدنيا والآخرة بمنه
فعلى ما قدمناه من النعم وما أشرنا إليه من تلك المراتب
السنية فيجتمع في الصلاة المفروضة في اليوم والليلة مع
ركعتي الفجر والوتر من مواطن المغفرة والإجابة والترفيع
والتجلي والقرب والتداني مائتا موطن وتسعة وأربعون موطناً
على التقسيم المتقدم فإن كانت الصلاة في جماعة زادهم خمس
مواطن من أرفع المراتب لقوله عليه السلام يضحك الله لثلاثة
وعدَّ فيهم القوم يصطفون للصلاة ۳ والضحك من الله تعالى
كناية عن ترفيع العبد وإعظام الأجر له لا من قبيل الولوع
والطرب وقد أكد عليه السلام هذا المعنى وبينه بقوله صلاة
الجماعة تفضل صلاة الفذ
بسبع وعشرين درجة 4 ثم يزداد إلى هذه المواطن من مواطن
المغفرة والرحمة في الطهارة ٤
للصلاة أربعة مواطن في كل طهر
أحدها عند إسباغ الوضوء لقوله عليه السلام إذا توضأ العبد
المؤمن فمضمض فاه خرجت الخطايا من فيه فإذا استنثر ٥ خرجت
الخطايا من أنفه فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه
1 سورة القصص من الآية ٤٦
رواه أبو نعيم في دلائل النبوة وأبو نصر السجزي في الإبانة
والديلمي عن عمرو بن عبسة قال سألت النبي الله عن قوله
تعالى وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إذْ نَادَيْنَا
وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ما كان النداء وما كانت
الرحمة قال كتاب كتبه الله قبل أن يخلق الخلق بألفي عام ثم
وضعه على عرشه ثم نادى يا أمة محمد سبقت رحمتي غضبي
أعطيتكم قبل أن تسألوني وغفرت لكم قبل أن تستغفروني فمن
لقيني منكم وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبدي
ورسولي صادقاً أدخلته الجنة ۳ رواه الإمام أحمد وأبو يعلى
والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي سعيد رضي الله عنه
رفعه بلفظ ثلاثة يضحك الله إليهم القوم إذا اصطفوا إلى
الصلاة والقوم إذا اصطفوا لقتال المشركين ورجل يقوم إلى
الصلاة
في جوف الليل
٤ رواه الإمامان مالك وأحمد والشيخان والترمذي والنسائي
وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما 0 استنثر أدخل الماء
في أنفه ثم دفعه ليخرج ما فيه
٩٩٤
حتى
تخرج من تحت أشفار عينيه فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من
يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه فإذا مسح برأسه خرجت
الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه فإذا غسل رجليه
خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه ۱
الثاني قول المتوضىء عند إسباغ وضوئه أشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله لقوله
عليه السلام في قائل ذلك بعد الوضوء فتحت له أبواب الجنة
يدخل من أيها شاء ٢
الثالث عند الخروج إلى المسجد لقوله عليه السلام فإنه يكتب
له بإحدى خطوتيه حسنة وتمحى عنه بالأخرى سيئة يعني في
الخُطا إلى المسجد
الرابع عند الخروج من المسجد والرجوع إلى بيته لأن له في
ذلك من الأجر مثل ما كان له أوّلاً في الخروج وذلك إذا لم
يرد به غير الصلاة ولم يشرك معها غيرها لقوله عليه السلام
لا يريد غير ذلك يعني في الخروج إلى المسجد
فجميع ما ذكرناه من هذه المواطن المباركة مائتا موطن
وأربعة وسبعون موطناً فإن زاد على ذلك من النوافل مثل
ركعتي الضحى فله في كل ركعة مثل ما ذكرنا من أعداد تلك
المراتب السنية في كل ركعة وزيادة صدقة بقدر أعضاء جسده
لقوله عليه السلام كل سُلامَى من الناس عليه صدقة فذكر لهم
أشياء حتى قال ركعتا الضحى تجزىء عنه ٣ فإن بلغها إلى
اثنتي عشرة زاده ۳ على هذه المواطن قصراً في الجنة لقوله
الا الله من صلى الضحى اثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً
في الجنة ٤
فإن زاد على ذلك أربع ركعات قبل الظهر وأربعاً بعدها
وأربعاً قبل العصر وأربعاً قبل العشاء وأربعاً بعدها كان
له في كل ركعة مثل ما تقدم من عدد تلك المواطن الجليلة
وزاد له على ذلك بركة دعاء النبي لا لا ل ا ل ل له بالرحمة
لأنه عليه السلام قال رحم الله امراً صلّى أربعاً قبل أربع
وأربعاً بعد أربع ٥
فإن زاد على ذلك ركعتين بعد المغرب كان له في كل ركعة مثل
ما تقدم ذكره من المواطن
۱ رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم عن عبد
الله الصناب رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه عن عمر رضي
الله عنه
۳ تقدم تخريجه في الحديث ١٤٥
٤ رواه الترمذي وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه
ه رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ابن حبان عن ابن عمر
رضي الله عنهما بلفظ رحم الله امرأ صلى قبل
العصر أربعاً
٩٩٥
العَلِيَّة وزاد على ذلك بركة اتباع السنة فيها لأنه كان
عليه السلام يداوم على فعلها ولتحريض الشارع عليه السلام
أيضاً بالقول عليها لأنه عليه السلام قال أسرعوا بها فإنها
ترفع مع الفريضة ولا يؤكد عليه السلام على ۱ شيء ويحض عليه
بالفعل والقول إلا لعظيم الأجر فيه فإن زاد على ذلك صلاة
الأوابين - وهي بين المغرب والعشاء اثنتا عشرة ركعة ـ كان
له في كل ركعة مثل ما تقدم من تلك المواطن الرفيعة وزاد
على ذلك قصراً في الجنة لقوله عليه السلام من صلّى بين
المغرب والعشاء اثنتي عشرة ركعة بني الله له قصراً في
الجنة
فإن زاد على ذلك تهجداً بالليل كان له في كل ركعة مثل ما
تقدم من تلك المواطن السنية وزاد له على ذلك أربعة منازل
ثلاثة في الحال وواحدة في القبر فأما التي في الحال فأولها
ما روي عنه عليه السلام أنه قال يضحك الله لثلاثة وعدّ
فيهم القائم بالليل أما الثاني والثالث فما روي عنه عليه
السلام أنه قال قيام الليل يُذهب الذنوبَ ويُصِحَ البدن ۳
فهذه هي الثلاثة الحالية وأما التي في القبر فلما روي عنه
عليه السلام أنه قال صلاة الليل تنوّر القبر ۳
فإن بلغ بتهجده إلى اثنتي عشرة ركعة زاده الله على ما تقدم
قصراً في الجنة لقوله عليه السلام من قام في الليل باثنتي
عشرة ركعة بنى الله له قصراً في الجنة 4 وزاد على ذلك
الوعد الجميل بمتضمَّن التنزيل الذي تحصره العقول وهو قوله
عزّ وجلّ في كتابه نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ الْمَضَاجِعِ
يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا
رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا
أُخْفِى لَهُم مِّن قُرَةٍ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ ٥
فمبلغ هذه المواطن في هذه النوافل المذكورة ستمائة موطن
وثلاثة وأربعون موطناً وزيادة
1 كذا بزيادة على
روى السمرقندي عن أبان عن أنس رضي الله عنه أن النبي الا
الله قال من صلى بعد المغرب اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل
ركعة قل هو الله أحد أربعين مرة صافحته الملائكة يوم
القيامة ومن صافحته الملائكة يوم القيامة أمِنَ الصراط
والحساب وفي رواية للترمذي عن أبي سلمة أن رسول الله لا
الله قال من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلم فيما بينهن
بسوء عَدَلْنَ بعبادة اثنتي عشرة سنة ۳ جاء في الترغيب
والترهيب للمنذري في الترغيب في قيام الليل عن سلمان
الفارسي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم ومَقرَبَة
لكم إلى ربكم ومَكفَرَة للسيئات ومَنهَاة
عن الإثم ومَطرَدَة للداء عن الجسد أما ما أورده المؤلف
رحمه الله فلم نقف عليه ٤ رواه مسلم وأبو داود والنسائي
والترمذي عن أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنها
بلفظ سمعت رسول الله يقول ما من عبد مسلم يصلي الله تعالى
في كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوّعاً غير فريضة إلا بني الله
تعالى له
بيتاً في الجنة أو إلا بنى له بيت في الجنة
٥ سورة السجدة الايتان ١٦ و ١٧
٩٩٦
تنوير القبر وثلاثة قصور في الجنة والوعد المذكور في
التنزيل فيجتمع بين النوافل المذكورة والفرائض المتقدمة
الذكر من هذه المواطن الجليلة تسعمائة موطن وسبعة عشر
موطناً عدا القصور
المذكورة وتنوير القبر والوعد الجميل فطوبى لمن أشغل باله
بتحصيلها وكان من الوافين فيها ولهذا المعنى قال عليه
السلام كفى بالعبادة شغلاً ۱ فإن وقعت الغفلة عنها خسر تلك
المواطن الجليلة - ويا لها من خسارة أعاذنا الله من ذلك -
وكان من أحد الأقسام الثلاثة المذمومة لأن المصلي قد قسمه
الفقهاء إلى أربعة أقسام وافٍ وساه ولاه وجافٍ
فالوافي هو الذي وفى ما أريد منه من الأقوال والأفعال
والأحوال على ما تقدم
والساهي هو الذي يعملها ويسهو عنها لتعلق قلبه بغيرها
واللاهي هو الذي يلهو عنها بغيرها وهو مع ذلك يعلم أنه
فيها ومثاله ما روي عن النبي أنه رأى رجلاً يعبث في لحيته
وهو يصلي فقال عليه الصلاة والسلام لو خَشَع قلبه لَخَشَعت
جوارحه ٢
والجافي هو الذي يخلّ بأركانها ومثاله ما روي عنه عليه
السلام في حديث الأعرابي المشهور الذي أخل بأركان الصلاة
فقال له عليه السلام ارجع فصل فإنك لم تُصَل ۳ وقد حض عزّ
وجلّ على توفيتها والمحافظة عليها في كتابه - أعني على
توفيتها بما فرض فيها وسُنّ وشُرِع - فقال عزّ من قائل
حَفِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والمحافظة عليها هي توفيتها
بما شرع فيها من الآداب والقراءة والحضور وغير ذلك مما قد
ذكر وقد قال عليه السلام في المضيع لها أو لبعض ما فيها
مما أشرنا إليه أسوأ السَّرقة الذي يسرق صلاته ه وقال عليه
السلام في الالتفات فيها تلك خُلْسة يختلسها الشيطان من
صلاة أحدكم ٦ وهذا الالتفات على ضربين
حسي ومعنوي
فالحسي هو الالتفات إلى شيء يشغل عن الصلاة كما حكي عن بعض
الصحابة حين كان
۱ تقدم تخريجه في الحديث ۸۰
رواه الحكيم الترمذي بإسناد ضعيف
۳ متفق عليه من حديث رفاعة بن رافع رضي الله عنه
٤ سورة البقرة من الآية ۳۸
٥ رواه الإمام أحمد وصححه الحاكم وأبو يعلى عن أبي سعيد
رضي الله عنه
٦ رواه البخاري والنسائي وأبو داود وابن خزيمة عن عائشة
رضي الله عنها بلفظ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
التلفت الله
في الصلاة فقال اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد
۹۹۷
يصلي في حائط له فطار دُبْسِي ١ فطفق يتردد يلتمس مخرجاً
فأعجبه ذلك فجعل يتبعه ببصره ساعة ثم رجع إلى صلاته فإذا
هو لا يدري كم صلى فقال لقد أصابني في مالي هذا فتنة فجاء
إلى رسول الله له ولا ذلك و له الذي أصابه في حائطه من
الفتنة وقال يا رسول الله هو صدقة الله صلى الله عليه وسلم
فذكر له فضَعه حيث شئت ومثل هذا حكي عن غيره أيضاً في زمان
عثمان رضي الله عنه فهؤلاء عرفوا ما ضيعوا فجبروا الضَّياع
الذي طرأ عليهم بأن خرجوا عن حائطهم وجعلوها صدقة الله عزّ
وجلّ وأما اليوم فقد كثر الضياع بغير جبر للجهل بما قد
ضيّع والمعنوي على ضربين ماض ومستقبل فالالتفات إلى الماضي
أعظم خسارة من الماضي لأن بالالتفات إليه تقع خسارة الحال
فيكون خسراناً ثانياً ومع ذلك فإن ما مضى لا يرجع
والالتفات إلى المستقبل تضييع حاصل لممكن قد يكون وقد لا
يكون والاشتغال بالحال وترك الالتفات حسّاً ومعنى من كل
الوجوه المتقدمة يحصل منه ثلاث فوائد وهي جبر الماضي
واغتنام الحاصل وصلاح في المستقبل أعاننا الله على ذلك
بمنّه
ثم نرجع الآن لبيان ما اشترطنا أن نذكره بذلك أخيراً من
بيان الحكمة في اختصاص الاسمين الجليلين من بين سائر
الأسماء الجليلة في هذه الصورة في هذا الموضع المخصوص بهما
وهما الرحمن الرحيم فنقول والله المستعان اختصاصهما بذلك
لوجوه
الأول أن الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إذا فهم
على ما قدمناه يقتضي الهيبة والإعظام
و ﴿ مثلِكِ يَوْمِ الدِّينِ يقتضي الخوف والإرهاب ﴿
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ احد الاسمين منهما يقتضي الإجابة
عند السؤال والآخر يقتضي الغضب إن ترك السؤال - على ما
ذكره العلماء - ففصل عزّ وجل بهذين الاسمين اللذين هما
أبلغ شيء في الرجاء بين الاسمين الجليلين متضمنين الهيبة
والإعظام والخوف والإرهاب رفقاً منه عزّ وجلّ بعبيده
ولطفاً بهم ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ
اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ٤ لأنه لو كان ذانك الاسمان
الجليلان اللذان للهيبة والإعظام متصلين بذكر الاسمين
اللذين للخوف والإرهاب لكانا للضعيف الحاضر سبباً لأحد
أمرين متلفين إما أن يتفطر كبده من شدة الخوف وقد روي أن
كثيراً من الفضلاء ماتوا من عظيم الخوف الذي توالى عليهم
وإما أن يسبق للخاطر شيء من القنط لعظيم أمر ما يدل عليه
معنى ذينك الاسمين وذلك
۱ الدُّبْسِيّ ضرب من الحمام أدكن يقرقر
رواه الإمام مالك في الموطأ
۳ يعني الربّ والملك
٤ سورة الملك من الآية ١٤
۹۹۸
من أكبر الخطر لقوله عزّ وجلّ إخباراً على لسان نبيه عليه
السلام لو كنتُ معجّلاً عقوبةً
لعجلتها على القانطين من رحمتي ۱
الثاني أن المقصود من العبيد الخوف والرجاء معاً لقوله
عليه السلام لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاستويا فاسمان
يوجبان الخوف واسمان يوجبان الرجاء فيحصل بمتضمنهما حقيقة
ما أريد من كمال الإيمان وهو تساوي الخوف والرجاء على ما
تقدم فكان الابتداء أولاً بالتعظيم والإجلال لحق الربوبية
الذي يقتضي التقديم ثم عقب بالرحمن الذي يقتضي الرجاء ثم
بالرحيم مبالغة في قوة الرجاء لطفاً بالعبد لاستقبال ما
يرد عليه من الخوف لمقتضى الاسم الآتي بعد مع التذكير بيوم
الدين
الثالث أن حقيقة وصول الرحمة للطالب إنما يتحقق وصولها
إليه بقوة من الراحم حتى يمنعه أذى ما قبلها وأذى ما بعدها
فكان توسط الاسمين الجليلين بين الاسمين العظيمين تحقيقاً
في إيصال الرحمة لطالبها لأن رب العالمين لعظيم قدرته
يمنعه من كل ضرر في هذا العالم وملك يوم الدين لعظيم
سلطانه يمنعه كل ما في ذلك اليوم من الأذى فتحقق بذلك منع
الأذى أولاً وآخراً يشهد لذلك قوله تعالى ﴿وَتَوَكَّلْ
عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ۳
الرابع أنه لما أن أريد من العبيد حقيقة الإخلاص والصدق
عند قولهم ﴿ إِيَّاكَ َنعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ جعل
هذا الاسم الجليل إثر هذا الاسم العظيم لكي يحصل منهم عند
النطق بـ ﴿ إِيَّاكَ نعبد حقيقة الإخلاص لأنه يأتي إثر
الإرهاب والإرهاب مثير للخوف والخوف موجب للصدق والإخلاص
ولو كان إثر الرحمة لكان كثير من الناس لا يحصل منهم
الإخلاص في هذا الموضع لأن الرحمة توجب الرجاء والطمأنينة
وقد يكون معها الغفلة لقليل الحضور لأنه لا يثبت عند
الرحمة والنعمة إلا الفاذ وقد قال علي بن أبي طالب رضي
الله عنه ابتلينا بالضرَّاءِ فَصَبَرنا وابتلينا
بالسرَّاءِ فلم نصبر لأن الغالب من الناس إذا ابتلوا
بالضرّاء رجعوا إلى الله تعالى بالصدق والإخلاص واللجأ
والضراعة فإن ابتلوا بالسرّاء قلَّ الواقف منهم هناك على
ما أريد منه من صدق اللجأ والضراعة ومن وقف في ذلك المقام
فهو الصدّيق الذي لا شك فيه الخامس أنه لما أن كان الاسمان
الجليلان أحدهما يقتضي الإجابة إذا سئل والآخر يقتضي
١ لم نقف على مصدره
انظر تخريجه في الحديث ١٣٢
۳ سورة الشعراء الاية ۱۷
٤ الفاذ المتفرد عن نظرائه يقال فذ يفذ تَفَرّد
۹۹۹
الغضب إذا لم يسأل وعلم عزّ وجلّ ما في عبيده من الضعف
بحيث أن تقع منهم الغفلة غالباً هذا الموطن إما لخوف أو
لرغبة أو لرجاء أو لتسليم أو لغفلة جعل عزّ وجلّ الدعاء
متلواً وأقامه مقام الدعاء الحقيقي ثم أجاب عزّ وجلّ عليه
فقال وَلعَبدي ما سأل لئلا يفوتهم هذا الخير العظيم ولئلا
يتناولهم الغضب لعدم سؤالهم فانظر إلى هذا اللطف العظيم
والنعمة
الشاملة
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم مَنْ أَلْهِمَ الدعاء
فقد فتحت له أبواب الرحمة۱ فلم يَكِل الله عزّ وجلّ هذه
الأمة لنفسها في فتح هذا الخير العظيم بل فتحه لهم بفضله
ثم بعد هذه التلاوة شرع الشارع عليه السلام خيراً ثانياً
بِقَوْل العبد امين بعد ختم السورة فزادهم دعاء حقيقياً
وضمن لهم بالشرط الذي فيه المغفرة لأن كل مؤمن في اللغة
داع ثم بعد هذا نحتاج أن نشير إلى شيء من فضائل هذه السورة
ولم فُضّلت على غيرها من السور ولم سُميت بأسماء جملة
وغيرها من السور باسم واحد
فنقول والله المستعان يحتمل أن تكون سُميت بأسماء جملة لأن
لها من الخصائص والأفضلية ما ليس لغيرها فكانت أسماؤها
عديدة دون غيرها لأن كثرة الأسماء دالة على فضل المسمَّى
إما مطلقاً أو على جنسه ولذلك سمي النبي الله الله بخمسة
أسماء وقد قال بعض العلماء إذا تتبع القرآن وما جعل الله
تعالى له فيه من الأسماء والحديث وما جعل هو صلى الله عليه
وسلم لنفسه فيه من الأسماء إنها تبلغ إلى نحو المائة اسم
وغيره من الأنبياء عليهم السلام ليس لهم غير اسم واحد لأنه
عليه السلام صاحب اللواء والمقام المحمود فكانت كثرة
أسمائه لأجل عظيم قدره كذلك أيضاً كثرة أسماء الله عزّ
وجلّ لأنه ليس كمثله شيء فكانت لا يشبهها شيء
لكثرتها وعظمها
يشهد لذلك ما روي في الأثر من الدعاء حيث قال اللهم إني
أسألك باسمك الأعظم وبكل اسم سميت به نفسك أو أنزلته في
كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في مكنون غيبك
٢ أو كما قال عليه الصلاة والسلام فدل بمتضمن هذا أنه لما
أن كانت الذات الجليلة لا
۱ رواه الترمذي والحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ من
فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب
الرحمة
لفظ الحديث ما من عبد قال اللهم إني عبدك وابن عبدك ناصيتي
بِيَدِكَ ماضِ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قضاؤك أسألك
بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته
أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل
القرآن العظيم ربيع قلبي ونور بصري وجلاء حزني وذهاب همي
وغمي إلا أذهب الله همه وحزنه وغمه وأبدله مكانه فرحاً قيل
يا رسول الله ألا نتعلمها فقال بلى ينبغي لمن سمعها أن
يتعلمها
۱۰۰۰
١١٨
Noll Awww
PUP
بهبة النفوس
وتحليها وتحليها بمعرفة مَا لَها وعَليهَا
شرح مختصر صحيح البخاري
ويليه كتاب المَراني الحِسَان
تأليف الإمام
عدالله بن أبي جمرة الاندلسي
تحقيق وتقديم
الدكتور بكري شيخ امين
الجزء الثاني
دار العلم للملايين
aj
1189-
حديث زيادة الأجر
عَن أبي بُرْدة ١ رضيَ الله عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى
الله عليه وسلم قالَ ثَلاثةٌ يُؤتَوْن أَجرَهُم مَرَّتَينِ
الرَّجُلُ تكُونُ لَهُ الأَمَةُ فَيُعَلِّمُها فَيُحسِنُ
أدبها ثُمَّ يُعتقها فَيَتَزوَّجُها فَلَهُ أجرانِ
وَمُؤمِنٌ مِن أهلِ الكِتابِ الَّذي كانَ مُؤمناً ثُمَّ
آمَنَ بالنَّبي الله فله أجران والعَبدُ الَّذي يُؤَدِّي
حَقَّ الله وَيَنصَحُ لِسَيّدِهِ فَلَهُ أجران
*
ظاهر الحديث يدل على تضعيف الأجر لهؤلاء المذكورين فيه
والكلام عليه من وجوه
الوجه الأول قوله عليه السلام ثلاثةٌ يُؤْتَوْنَ أَجرَهم
مَرَّتَيْنِ يحتمل معناه وجوهاً الأول أن يكون تضعيف الأجر
عند اجتماع الأعمال المذكورة لأن كل واحد منها فعل يؤجر
صاحبه عليه على انفراده فلما أن اجتمع مع صاحبه ضوعف الأجر
في كل منهما ضعفين على ما لو كان منفرداً
شيء
الثاني أن يكون صاحب هذه الأفعال وفي له بأجر كل فعل ولم
يُنقص له من أجر الآخر فأخبر عليه السلام بما حصل له في
الحال كما يقال في المُتَمَتُّع ٢ أنه حصل له أجران
أجر العُمرة وأجر الحج
1 أبو بُردَة هانىء صحابي شهد العقبة الثانية مع السبعين
صحابياً وشهد بدراً وأحداً وسائر المشاهد مع النبي وروى
عنه أحاديث روى له الشيخان حديثاً واحدا هو هذا الحديث
وشهد مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه حروبه ولا عقب له
توفي سنة ٤١ هـ وهو خال البراء بن عازب و أبو بردة التابعي
هو ابن أبي موسى الأشعري - من تهذيب النووي المتعة بضم
الميم وكسرها العُمرة إلى الحج وقد تمتَّع واستمتع قال
تعالى ﴿ فَمَن تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الحَجَ وصورة
المتمتع بالعُمرة إلى الحج أن يُحرم بالعُمرة في أشهر الحج
فإذا أحرم بالعمرة بعد إهلاله شوّالاً فقد صار متمتعاً
بالعمرة إلى الحج وسمّي متمتعاً بالعُمرة إلى الحج لأنه
إذا قدم مكة فطاف بالبيت وسعى بين والمَروَة حَلّ من
عُمْرَتِه وحَلَق رأسه وذبح نسكه الواجب عليه لتمتعه وحلّ
له كل شيء كان حرم عليه في إحرامه من النساء والطيب ثم
ينشىء بعد ذلك إحراماً جديداً للحج وقت نهوضه إلى منى أو
قبل ذلك من غير أن يجب =
الصَّفا
۹۰۹
الثالث أن يكون الأجر على قسمين أجر على الأفعال بمقتضى ما
جاء في ذلك عن الشارع عليه السلام وأجر على العناية بجمعها
ومجاهدة النفس على ذلك والصبر عليها وقد يرد على هذه
التوجيهات بحث وهو أن تضعيف الأجور على أحد هذه المحتملات
أو على مجموعها على ما ذكرناه هل هو خاص بالثلاثة المذكورة
أو هو متعد لغيرها يحتمل الوجهين معاً فإن قلنا بأنه مقصور
على الثلاثة فلا بحث وإن قلنا بأنه متعد فما العلة التي
بها يتعدى وهل العلة واحدة في الثلاثة أو هي مختلفة محتمل
أيضاً فأما على القول بأن العلة فيها واحدة فهي ما أشرنا
إليها آنفاً في أحد المحتملات وهي العناية بجمعها ومجاهدة
النفس على ذلك والصبر عليها فحيثما وجدت طاعات مجموعة على
هذا التعليل رجي فيها التضعيف ولا نقول بالقطع في ذلك لأن
حقيقة الأجور في الأعمال إنما تصح بقول الشارع وأما على
القول بأن العلة في الثلاثة مفترقة فنحتاج إلى بيان كل علة
منها
فالعلة في الأمة - والله أعلم - من ثلاثة أوجه الأول صبره
على تعليمها الثاني عتقه لها حين قرت العين بها الثالث
تركه لحظ نفسه في تزويجها ورفع منزلتها فهذه ثلاثة أوجه
مجموعها في اثنين وهما بذل ما أحبَّت النفس الله ومجاهدة
النفس في ترك حظها لما يرضي الله فحيثما وجدت هذه العلة
رجي التضعيف أيضاً
وأما العلة في المؤمن من أهل الكتاب فهو أنه بإيمانه
الثاني أحرز الإيمان الأول لأنه لولا الإيمان الثاني لحبط
إيمانه الأول فإيمانه بالنبي اللي حصل له الأجر عليه وأحرز
له أجر ما تقدم من إيمانه يشهد لهذا قول النبي الهلال
الهلال والبعض أصحابه حين قال له أمور كنت أتحنث بها في
الجاهلية فقال له عليه السلام أسلمت على ما أسلفتَ من خير
۱ فإذا كان الإسلام يحرز ما كان في الجاهلية فمن باب أولى
إحرازه لأجر الإيمان الذي هو أعلى أفعال البر فعلى هذا
فإذا وجدت طاعة فصاحبها مأجور فيها وهي تحرز أجر غيرها من
الطاعات رُجي فيها التضعيف وأما العلة في العبد فهي اجتماع
الحقوق عليه مع قلة اتساع الزمان لها فأجهد نفسه حتى وَفَى
بها فإذا وجدت هذه العلة أيضاً في طاعة من الطاعات رجي
فيها التضعيف الوجه الثاني من البحث الأول قوله عليه
السلام الرجل تكون له الأمة فيعلمها ويحسن تعليمها ويؤدبها
فيحسن أدبها هل التعليم والأدب اسمان لمعنى واحد أو
لمعنيين يحتمل الوجهين
عليه الرجوع إلى الميقات الذي أنشأ منه عمرته فذلك تمتعه
بالعمرة إلى الحج أي انتفاعه وتبلغه بما انتفع به من حلاقة
وطيب وتنظف وقضاء تفت وإلمام بأهله إن كانت معه وكل هذه
الأشياء كانت محرمة عليه فأبيح له أن يَحِلّ وينتفع بإحلال
هذه الأشياء كلها مع ما سقط عنه من الرجوع إلى الميقات
والإحرام منه بالحج فيكون قد تمتع بالعمرة في أيام الحج أي
انتفع لأنهم كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج فأجازها
الإسلام ۱ رواه الشيخان عن حكيم بن حزام رضي الله عنه
۹۱۰
معاً لأن المعلم يسوغ أن يُطلق عليه مؤدّب وكذلك بالعكس
ويحتمل أن يكونا لمعنيين - وهو
الأظهر - والله أعلم وإذا قلنا بأنهما لمعنيين فما هما
احتملا وجوهاً
الأول أن يكون التعليم لأمور الدين من الواجبات وغيرها
يشهد لهذا قوله عليه السلام علموا ويسروا ويكون الأدب
بتهذيب الطباع وحسن الخلق في التصرف والمعاملات والزجر عن
المكروهات في الأقوال والأفعال وتعليم مكارم الأخلاق يشهد
لهذا قوله عليه السلام لأن يؤدب أحدكم ولده خير له من أن
يتصدق بصاع طعام ۳
وأما الحسن في التعليم فهو ما أشار عليه السلام إليه في
الحديث انفاً من التيسير هو حسن الإلقاء وترك الشواذ من
التشديدات والرخص ولهذا أشار مالك رحمه الله حيث قال خرجت
من عند الخليفة فقيهاً لأنه لما أن أراد أن يؤلف كتاب
المُوَطَّاً قال له الخليفة تجنَّب شدائد ابن عمر ورُخَص
ابنِ عباس وإلى المعنى الأول أشار العلماء بقولهم
وتتواضعون لمن تتعلمون منه وتتواضعون لمن تعلمونه ويكفي في
ذلك شاهداً قوله عليه السلام يسروا ولا تعسروا وأما الحسن
في الأدب فهو أن يحملها برفق دون عنف لقوله عليه السلام ما
كان الرفق في شيء إلا زانه ولا كان الخُرْق في شيءٍ إِلا
شَانَه ۳
الثاني أن يكون التعليم المراد به ما تحتاج الأمة إليه من
أشغال البيت وحفظ متاع البيت والمال وحسن الأمانة في ذلك
لأنه غالب المقصود من الإماء وبقدر تحصيل الأمة لهذا
يتنافس في ثمنها ويكون الإحسان في التعليم على هذا التوجيه
إتقان كل شغل بحسب العادة فيه لقوله عليه السلام رحم الله
امرأ صنع شيئاً فأتقنه 4 ويكون الأدب حملها على رياضة
النفس وأحكام الشريعة لقوله عليه السلام أدبني ربي فأحسَنَ
تأديبي ٥ والذي أدب به عليه السلام ما مُنَّ عليه من حسن
الخلق الأمر والنهي وقد قالت عائشة رضي الله عنها حين سئلت
عن خلقه فقالت كان خلقه القرآن ٦ ويكون الحسن في الأدب على
هذا التوجيه حملها في ذلك على إيضاح السنّة
واتباع
۱ رواه الإمام أحمد والبخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما
وتمام الحديث ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا وإذا غضب أحدكم
فليسكت
رواه الترمذي عن جابر بن سمرة رضي الله عنه وليس فيه كلمة
طعام ۳ رواه الضياء في المختارة عن أنس والبخاري عن شعبة
رضي الله عنه قال كنت على بعير فيه صعوبة فقال النبي عليك
بالرفق فإنه لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا
شانه ورواية ابن أبي جمرة هي ما رواه
الضياء عن أنس رضي الله عنه
٤ في هذا المعنى روى البيهقي عن السيدة عائشة رضي الله
عنها أن النبي الا الله قال إن الله يحب إذا عمل أحدكم
عملا أن يتقنه
٥ تقدم تخريجه في الحديث ۱۸
٦ رواه مسلم عن السيدة عائشة رضي الله عنها
۹۱۱
الثالث أن يكون التعليم فيما تحتاج إليه المرأة في نفسها
لأن النساء يحتجن إلى أشياء تخصهن والأمة لا والدة لها ولا
والد حتى يعلّماها ذلك فقام مقام الأم في تعليم ذلك
وتبيينه ويكون الأدب هنا ما تحتاج المرأة من الأدب مع
الزوج أو السيد إن كانت للفراش لأن ذلك سبب لرفع منزلتها
وحظوتها عند السيد أو الزوج إن تزوجت ويكون الإحسان في
هاتين التواضع لها والإغضاء عن العيوب التي في البشرية وقد
يحتمل أن يكون المراد بالتعليم والأدب جميع ما ذكر وأكثر
من ذلك لأنه عليه السلام أوتي جوامع الكلم
الوجه الثالث من البحث الأول تقديمه عليه السلام الأمة على
المؤمن والمؤمن على العبد ما الحكمة في ذلك وإن كانت الواو
لا تعطي الترتيب في لسان العرب لكن الحكيم لا يقدم شيئاً
عبثاً ومثل ذلك قوله تعالى في الكفارات فَكَفَّرَتُهُ
إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا
تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَو كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ
رَقَبَةٍ فأتى عزَّ وجلَّ بـ أو التي هي للتخيير توسعة على
المكلف ورفقاً به وعلى مقتضى الحكمة في الترتيب ابتدأ
أولاً ببذل المال الذي هو أشد على النفوس ثم جعل بذله في
أعلى القَرَب وهو الإطعام الذي به حياة النفوس وقد قال
تعالى وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ
جَمِيعًا ۳ فإن عدم هذا الوجه فيكون بذله في دفع الأذى وهي
الكسوة التي بها يتقى أذى الحر والبرد فإن عدم هذا الوجه
ففي إدخال السرور وهو رفع الحال من مقام العبودية إلى مقام
الحرية فإن عدم هذا الوجه فمجاهدة النفس وهو الصوم
يشهد لما ذكرناه - من أن الإنفاق أشد الأمور على النفس
وأعلاها قربة - الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى لَن
نَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾
٤ والمال أكثر تعلقاً بالقلب مما ذكر ﴿ بعده وقوله تعالى ﴿
الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَاءِ وَالضَّرَّاءِ
وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ٥
فقدم الإنفاق أيضاً وأما السنة فقوله عليه السلام لا يخرج
أحدكم صدقةً حتى يَفُكَ لخيي سبعين شيطانا ٦
وإلى ما نحن بسبيله أشار عليه السلام في الصفا والمَرْوَة
حيث قال نبدأ بما بدأ الله
۱ هذا جزء من حديث رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله
عنه ومطلعه نُصِرتُ بالرعب وأُعطيتُ جوامع
الكلم سورة المائدة من الآية ۸۹ ۳ سورة المائدة من الاية ۳
٤ سورة ال عمران من الاية ۹ ٥ سورة ال عمران من الاية ١٣٤
٦ سبق تخريجه في الحديث ۱۷
۹۱
به والواو من جهة التكليف لا تفيد الترتيب فاختار عليه
السلام فيما خُيّر فيه من جهة التكليف ما اقتضته الحكمة في
التقديم لحكمة الحكيم وموافقة اللفظ للقرآن فإذا كان
الكتاب على ما قررناه فالحديث كذلك أيضاً لقوله تعالى ﴿
وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾ فكلاهما صادر عن حكمة حكيم
فينبغي أن تكون الأمّة مع ألفاظ القرآن والحديث كذلك
ينظرون من طريق الحكمة ما تقتضي وإلى هذا المعنى أشار عليه
السلام بقوله لكل آية ظهر وبطن ولكل حرف حَدَّ ومطلع ٣
فالظاهر هو اللفظ والباطن هو المعنى والحَد هو التحليل
والتحريم والمطلع هو ما نحن بسبيله من النظر بمقتضى الحكمة
في هذا النوع وغيره من أنواع ما تحتوي عليه الحكمة ثم ترجع
الآن إلى الانفصال عن الحديث والانفصال عنه بما قد ذكرناه
آنفاً من العلة المنفردة فيه للتعدي وهو جمعه ثلاثة أشياء
وهي ترجع لشيئين على ما تقدم وهما بذل ما أحبت النفس الله
ومجاهدتها في ترك حظها لما يرضي الله
وأما تقديم المؤمن على العبد فهو من باب تقديم الأصل على
الفرع لأن مجاهدة النفس فرع عن الإيمان والإيمان هو الأصل
فقدم عليه السلام الأصل على الفرع لأن ذلك هو مقتضى الحكمة
الوجه الرابع من البحث المتقدم قوله عليه السلام الرجل
تكون له الأمة يرد عليه سؤال وهو أن يقال لِمَ قال تكون له
الأمة ولم يقل اشتراها أو غير ذلك من الألفاظ والجواب عنه
أن هذا لفظ يحوي جميع أنواع التمليك وغيره لا ينوب عنه
لأنه جمع بذلك جميع ما يتملك الأمة به من ميراث وشراء وهبة
وسبي وغير ذلك وهذا أدل دليل على فصاحته عليه السلام لأنه
قد جمع في هذا الحديث الإخبار بعظيم الأجور إرشاداً إلى
الخير وأشار إلى الحكمة تنبيهاً عليها وأبدى ما من الله
تعالى به عليه من البيان والفصاحة
أعاد الله علينا من بركته ورزقنا اتباع سنته إنه ولي حميد
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ رواه الإمامان مالك وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه
عن جابر رضي الله عنه
سورة النجم من الآية ٣ ۳ رواه أبو يعلى في مسنده رقم ٥١٤٩
وصححه ابن حبّان رقم ٧٥ وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد
۱٥٢/٧ وقال رواه البزار وأبو يعلى والطبراني في الأوسط
باختصار اخره ورجال أحدهما ثقات
۹۱۳
حديث النهي عن قتل النساء والصبيان في دار الحرب
عُمَرَ رَضِيَ الله عَنهُمَا نَهى رَسُولُ الله عَن قَتلِ
النِّسَاءِ وَالصَّبيانِ
ظاهر الحديث يدل على أن قتل النساء والصبيان لا يجوز لكن
هل النهي على العموم أم لا محتمل والأظهر أنه ليس على
العموم لأن المَعْنِيَّ به في غزو المشركين بعد القدرة
عليهم وهذا بقيد وهو أن يكون النساء والصبيان لم يقاتلوا
حين الحرب فإن قاتلوا فقتلهم جائز هذا في حال القدرة عليهم
وأما حين الحرب ورميهم بالنبل والمجانيق فلا يتوقى ما أصيب
منهم إذا كان بغير تعمد ولا يدخل قاتلهم تحت النهي لقوله
عليه السلام في هذه الحالة هم من آبائهم ثم هذا النهي هل
هو لعلة أم لا الظاهر أنه لعلة أن النساء والصبيان من جملة
الغنائم ولم يدخل بهم ضرر على المسلمين في حين حربهم ثم
هذه العلة هل هي متعدية أم لا فإن قلنا بأنها غير متعدية
فلا بحث وإن قلنا إنها متعدية - وهو الظاهر لأنه اللائق
بكلام الشارع عليه السلام الذي أوتي جوامع الكلم - فحيثما
وجد من كلامه حكم وفهمت له علة أو حيثما وُجدت تلك العلة
يكون الحكم منوطاً بها والعلة في الحديث ما ذكرنا وهو ما
حصل للمسلمين من الفائدة في غنيمة النساء والصبيان من غير
ضرر لحقهم كما تقدم فحيثما وجدنا فائدة لم يتعلق بها ضرر
في الدين وجب استعمالها وإنما قلنا أن تكون لم يتعلق بها
ضرر لأن أكبر الضرر في الدين مقاتلة المشركين للمؤمنين
وقتالهم يهدف إلى إطفاء نور الله تعالى والنساء والصبيان
لم يقاتلوا فلم يدخل من قِبَلِهم ضرَر فكانت فائدة بغير
ضرر في الدين
ثم هذه العلة هل يتعدى الحكم بها للباطن أم لا الظاهر
تعديها على البحث الذي قدمناه لأن أهل الباطن والظاهر من
بحره عليه السلام اغترفوا كل منهم على مقتضى طريقه قَدْ
عَلِمَ
٩١٤
كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ ﴾ ۱ فتعديها للباطن هو أن
تُعرَف تلك العلة في الباطن كما عُرفت في الظاهر فالمرأة
في الباطن كناية عن الدنيا لأنها من زينتها والصبيان كناية
عن الهوى لأنه مثلهم في مخالفة العقل وغلبة الشهوة والصبي
يوصف بعدم العقل واتباع المُرْدِيات وهي صفة الهوى فإن
تعلق القلب بواحد منهما دون ضرر في الدين جاز استعماله على
مقتضى العلة فمثال تعلقه بالدنيا هو مثل أخذ شيء حلال
لإحياء رمق يستعان به على طاعة ولم يقع فيه خلل بلسان
العلم ولم يكن تعلق القلب به يمنعه من أداء الأعمال
والحضور فيها فهذا جائز ولا يضر اتباع النفس والهوى فيه
ومثل هذا كانت أفعال الصحابة رضوان الله عليهم مثل علي رضي
الله عنه حيث كان يقول لأهله اعملوا الطعام مشروباً فإن
بين المأكول والمشروب كذا وكذا آية فلم يكن نظره للطعام
للشهوة وكان تقليله الطعام لزيادة القرب وترجيح زيادة
العبادة لأن تعلق القلب بالشهوة الباعثة في المطعم وغيره
من المباحات وإن كان جائزاً على لسان العلم فهو ممنوع عند
أهل الباطن فوجب قتله عندهم وقتله هو تركه لأنهم يقولون
ترك الشهوات قرع الباب وترك الحظوظ رفع الحجاب
ولهذا المعنى كان عمر رضي الله عنه يقول إني لأتزوج النساء
وما لي إليهن حاجة وأطأهن وما لي إليهن شهوة فقيل له ولم
يا أمير المؤمنين قال رجاء أن يخرج الله من ظهري ما يكثر
به محمّد الأمم يوم القيامة وإن كانت الشهوة في النكاح
والوصول إليها جائزة على لسان العلم ومأجور صاحبها لأنه
عليه السلام قد قال في حديث تعداد الأجور للمؤمنين يُوْجَر
المؤمن حتى في بُضْعِهِ لامرأته فقيل كيف يا رسول الله
ينال أحدنا شهوته ويكون فيها مأجوراً قال أرأيت لو وضعها
في الحرام أكان يكون مأثوماً قيل نعم قال كذلك إذا وضعها
في الحلال يكون مأجوراً ۳ أو كما قال عليه السلام
۱ سورة البقرة من الآية ٦٠
لعله يشير إلى قوله تعالى في سورة الإنسان ﴿ إِنَّ
الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسِ كَانَ مِزَاجُهَا
كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بهَا عِبَادُ اللهِ يُفجرونها
تفجيرا يُوفُونَ بِالنذر ويخافُونَ يَومَا كَانَ شَرُّرٌ
مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُدِ
مِسْكِينَا وَيَتِيماً وَأَسِيراً إنّما نظيشكر لِوَجهِ
اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا
۳ هو معنى لحديث أخرجه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أن
أناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي يا
رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يُصلّون كما نصلي
ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم قال أوليس قد جعل
الله لكم ما تَصَدَّقون به إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة
صدقة وكل تحميدة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر
صدقة وفي بضع أحدكم صدقة قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا
شهوته ويكون له فيها أجر قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان
عليه وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر
۹۱۵
وقد طلّق عمر رضي الله عنه إحدى نسائه فقيل له لِمَ
طلَّقتها وهي من أمرها وشأنها وأثنى
عليها بأنواع الخير فقال أعرف فيها أكثر مما تقولون ولكن
مال قلبي إليها فخفت أن أشتغل بها عما يلزمني من أمور
المسلمين ففارقتها فهكذا هم أرباب القلوب إذا كانت الأمور
جائزة على لسان العلم وكان فيها بعض شغل عن توفية آداب
الشريعة والحضور في التعبدات تركوها لأن ما طلبوا أجل لأن
من علم ما طلبهان عليه ما ترك فما يكون لهم من هذه الخواطر
والشهوات فهو من النوع الذي يُقتل وقتله هو دفعه وقد قال
عزّ وجلّ في كتابه ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا
مَسَّهُمْ طَلَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَرُوا فَإِذَا
هُم مُّبْصِرُونَ ۱ والطائف هو الخاطر الذي يخطر من إغواء
الشيطان وقد قال النبي الاول لعائشة رضي الله عنها حين
سألته عن الرجل يلتفت في صلاته فقال تلك خُلْسة يختَلِسُها
الشيطانُ من صلاة أَحَدِكم وقال عليه السلام إن الله لا
يقبل عمل امرىء حتى يكونَ قلبه جوارحه ۳ ولا يكون القلب مع
الجوارح إلا بدوام الحضور دون حديث نفس أو خطرة من شيطان
أو هوى
ولهذا المعنى قال بعض الصحابة لا أحب أن يكون لي دكان على
باب المسجد لا تفوتني صلاة مع الجماعة أربح فيه كل يوم
ديناراً أتصدق به في سبيل الله لا أوثر ذلك على الفقر
وإنما قال ذلك لأنه يشتغل بالبيع والشراء والأخذ والعطاء
عن الحضور والذكر والفقير ليس له شغل غير
التعبد والحضور
وأما صفة تعلق خطرات الهوى فهو مثل أن يكون هواه مما يوافق
قربة فيفعل هو القربة ولا يبالي بموافقة الهوى لأن الهوى
كان سبباً للغنيمة وهي غنيمة الأجر الذي حصل في ذلك الفعل
وما كان سبباً لشيء فهو مثله فهو إذ ذاك غنيمة فلهذا
المعنى قال عليه السلام من سعادة المرء أن تكون شهوته فيما
يُرضِي ربه أو كما قال ومثل ما نحن بسبيله الأضحية لأنها
قربة وفيها الأكل والعطاء والتمتع والادخار ومثل هذه
الخصال هي التي تحض عليها النفس والهوى فيكون المرء في ذلك
مأجوراً وإن كانت النفس والهوى يريدان ذلك وهذا إذا قصد
بها السنة وأما إذا لم يقصد ذلك وقصد بها مباهاة وفخراً
فهو من النوع الذي يقتل لأنه ضرر في الدين وقتله تركه لأن
قتل النساء والصبيان إعدام لهم وترك هذا هو إعدامه فيناط
الحكم بالعلة حيث
وجدت كما ذكرنا
۱ سورة الأعراف الآية ۰۱
رواه الشيخان من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها
۳ تقدم تخريجه في الحديث ۰
٩١٦
ومن ذلك أيضاً لبس الثياب والطيب والزينة في الأعياد
والجمع إذا قصد السنّة ويكون في
ذلك مأجوراً لأن فيه أيضاً راحة النفس وحظها وتنعمها ومع
ذلك فله الأجر في فعله ذلك ومثل هذا كثير والكل مثل الأول
إن كان لامتثال السنة فالأجر فيه حاصل ولا يضر تعلق النفس
والهوى بذلك وإن كان لشهوة أو لحظ فالحكم كما تقدم وعلى
هذا فقس
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۹۱۷
-101-
حديث النهي عن التعذيب بالنار
عَن أبي هريرَةَ رضيَ الله عَنهُ قالَ قَالَ رَسُولُ الله
إِنِّي أَمَرتُكُم أن تحرقوا فُلاناً وفُلاناً وإنَّ
النَّارَ لا يُعَذِّبُ بِها إلا الله عَزَّ وجَلَّ فإن
وَجَدتُمُوهما فاقتلوهما
*
*
ظاهر الحديث يدل على أن العقاب والحدود لا تكون بالحرق
وإنما تكون بغيره وإن كان قد ورد عن أبي بكر رضي الله عنه
أنه أحرق لوطيّاً لكن كان ذلك منه مرة واحدة ولم يفعله بعد
ولعله فعل ذلك لعدم بلوغ الحديث إليه ورجع عنه ببلوغه إليه
والكلام عليه من وجوه الوجه الأول أنه يجوز للمجتهد إذا
حكم بحكم ثم ظهر له غير ما اجتهد فيه أن ينزع عن اجتهاده
ذلك إلى غيره إذا كان الحكم باقياً لم يمض ولأن النبي لا
لا لا لا و قد كان أمر بحرق هذين ثم نزع عن ذلك وقال فإن
وجدتموهما فاقتلوهما الوجه الثاني أن المجتهد إذا حكم بحكم
ثم ظهر له غيره أن يذكر العلة الموجبة لتغيير الحكم لأن
النبي بين العذر الذي لأجله رجع بقوله عليه السلام إن
النار لا يعذب بها إلا الله الوجه الثالث جواز النيابة في
الأحكام لأن النبي هو أمر بقتل هذين ولم يأمر بأن يؤتى
إليه بهما
الوجه الرابع أن مَن سَبَّ الله عزّ وجلّ ورسوله الا الله
قتل ولم يُستَتَب لأن فلاناً وفلاناً المذكورين في الحديث
قد سُمِّيا في حديث غير هذا وقيل كان سبب ذلك أنهما كانا
يؤذيان الله
ورسوله
الوجه الخامس أن إطالة الزمان لا ترفع العقاب ولا أن النبي
الأمر بقتل هذين حين رجا القدرة عليهما وقبل ذلك حين كانت
الإذاية ۱ منهما صادرة ولَوْ لَمْ ترج القدرة للمسلمين
عليهما لم يأمر فيهما بشيء
1 أي الأذية
۹۱۸
ويترتب على هذا من التنبيه أن من وقع في شيء يوجب العقاب
فستر الله عزّ وجلّ عليه
وأسبغ نِعَمَه وأمهله فلا يَغْتَرُّ بذلك ويَدومُ على
المخالفة ويقول أرجو العفو لما ظهر من صفة الرحمة من دوام
الستر وإدرار النعم وليبادر إلى التوبة والإقلاع قبل
مفاجأة المنايا أو النقم لأن الله عزّ وجلّ يقول في كتابه
العزيز أفَرَيْتَ إِن مَّتَعَنَهُمْ سِنِينَ ثُمَّ
جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُم
مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾ ١ وقال ﴿ وَلَا يَفْزَنَكُم
بِاللَّهِ الْغَرُورُ والغَرور هو الشيطان والغُرور - بضم
الغين - هو ما يلقيه من تسويلاته وتخيلاته من ترك الخوف
والطمأنينة بما أظهر عزّ وجلّ من إمهاله وإدرار إنعامه قال
النبي الله إن الله يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ۳
والتنبيه هنا لكل نوع من نوعه لأهل الظاهر من تنوعهم ولأهل
الباطن بمشربهم فتنبَّة إن كنت لبيباً وما يتذكر إلا من
ينيب والله حسبنا وكفى وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد
وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً
۱ سورة الشعراء من ٢٠٥ إلى ۰۷
سورة لقمان من الآية ۳ وسورة فاطر من الاية ٥
الله
۳ متفق عليه عن أبي موسى رضي الله عنه بلفظ إن الله ليُملي
للظالم إلخ
۹۱۹
- ١٥٢ -
حديث قتل الكافر والمرتدّ وإن التجأ إلى الحرم
عَن أنس بن مالِكِ رَضِيَ الله عَنهُ أَنَّ رَسُولَ الله
صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عامَ الفَتح وعَلى رأسِهِ
المِعْفَر ۱ فَلَمّا نَزَعَهُ جَاء رَجُل فَقالَ يا
رَسُولَ الله إِنَّ ابنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّق بأستارِ
الكَعبة
فَقالَ اقتلوه
*
*
ظاهر الحديث يدل على أن الحَرَم لا يجير من الحدود والكلام
عليه من وجوه
الوجه الأول قوله دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر إنما
أبهم الفتح ولم يبين أي فتح كان للعلم به وشهرته وللقرينة
التي قارنته في الحديث تبين أي فتح كان وهو من الفصيح في
الكلام حذف الألفاظ للعلم بالمعنى
وفيه دليل لمن ذهب من الفقهاء أن مكة دُخِلت عنوة لأن
المغفر من السلاح الذي لا يُتخَذ عند الأمن وأيضاً فلو كان
دخوله لها صلحاً لم يكن ابن خطل ليهرب منه ويستجير بالحرم
إذ إن الصلح مجير له ولم يكن النبي لا لا لا ل ل ليأمر
بقتله وهو قد صالحهم وقد جاء بالنص ما يردّ قول من ذهب إلى
أن دخولها كان صلحاً وهو قوله عليه السلام أُحِلَّت لي
ساعة من نهار ولم تَحِلَّ لأحد قبلي ولا لأحدٍ بعدي ۳ وهذا
نص في موضع الخلاف
الوجه الثاني جواز لبس السلاح في حال الإحرام إذا كان ذلك
لضرورة مثل الخوف من اللصوص وما أشبهه لأن النبي لبس
السلاح في حال إحرامه لضرورة القتال الوجه الثالث لبسه
عليه السلام للسلاح فيه دليل على أن من بلغ في الحقيقة
والتوحيد
۱ المِعْفَرِ ذَرَد يُنسج من الدروع على قدر الرأس يُلبس
تحت الفَلَنَسُوة جمع مغافر ابن خَطَل اسمه عبد العزّى
قتله سعيد بن حريث وسبب قتله أنه كان أسلم فارتد وكانت له
قينتان تغنيان
بهجاء المسلمين وكان قتله يوم فتح مكة
۳ تقدم تخريجه في الحديث ۱۳ وأوله إن الله حبس عن مكة
الفيل
المنتهى فالخطاب له بامتثال الحكمة لم يزل لأن النبي لا لا
لا لو أرفع الناس منزلة في الحقيقة ومع أنه قد وعده الله
عزّ وجلّ بالنصرة والعصمة فقال تعالى ﴿ وَاللهُ يَعْصِمُكَ
مِنَ النَّاسِ ﴾ ١ لكن مع هذا كله لم يترك عن امتثال
الحكمة في كل أجزاء أعماله مثل ما نحن بسبيله من لبس
السلاح وغيره يوفي في الظاهر من طريق الحكمة المجهود وفي
الباطن ما يجب من التوحيد بردّ الحول والقوة الله والخروج
عن رؤية أعماله
الوجه الرابع أن الحدود لا تجب إلا بإذن من الإمام لأن من
أبصر هذا الرجل متعلقاً بأستار الكعبة لم يقتله حتى استأذن
النبي لا اله اللي فيه ولأن بحضور الإمام لا يجوز الحكم
لغيره وإن علم مقتضاه
الوجه الخامس جواز النيابة في الأحكام والحدود لأن النبي
لا يأمر بقتله ولم يأمر
بإحضاره بين يديه
الوجه السادس أن الرعية لا يجوز لهم أن يخفوا عن راعيهم
شيئاً من أمورهم ولا يفعلوا شيئاً حتى يشير به عليهم لأن
هذا الصحابي رضي الله عنه لم يكتم شأن ابن خطل حين رآه وما
وسعه إلا أن يخبر النبي الله فكذلك جميع الرعاة يجب عليهم
ألا يخفوا من أمورهم شيئاً عن راعيهم إذا كان عدلاً لأن
إخبارهم له بذلك عليه تترتب مصالحه ومصالحهم وقد قال عليه
السلام الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله قال لله
ولرسوله ولأئمة المؤمنين ولخاصتهم وعامتهم والإخبار له بما
لا يعلم من باب النصيحة
ثم هذا الوجه يحتاج فيه إلى بحث وهو أنه هل تتعدى عليه أم
لا
فعلى القول بأنها غير متعدية فلا بحث وعلى القول بأنها
متعدية - وهو الأظهر - لما بيناه في الأحاديث قَبْلُ لكثرة
الفوائد في كلام الشارع عليه السلام ولأنه عليه السلام قد
قال كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فيجب على كل من كان
مسترعى أن يخبر راعيه بأجزاء أموره حتى لا يكون منه فعل
إلا بأمر راعيه ومشورته وكل أحد بالنسبة إلى حالة راعيه
فالسيد في قومه راعٍ
۱ سورة المائدة من الآية ٦٧
٢ أخرج الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وأبو عوانة
وابن خزيمة وابن حبان والبغوي والبارودي وابن قانع
والبيهقي وأبو نعيم عن تميم الداري وأخرج الترمذي وقال
حديث حسن والنسائي والدارقطني في الأفراد عن أبي هريرة
وأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس وابن عساكر عن ثوبان رضي
الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الدين
النصيحة إن الدين النصيحة إن الدين النصيحة قالوا لمن يا
رسول الله قال الله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين
وعامتهم
۹۱
عليهم والرجل في بيته كذلك ومن كان عَريّاً عن القبيلة
والأهل فهو أقل وظيفة من غيره لأنه لم يبق عليه غير وظيفة
الجوارح وهي مسترعاة إلى النظر فيها بالعقل والشرع هذا في
حكم الظاهر وكذلك يجب أيضاً في المعاني وهو حكم الباطن وهو
ما يخطر من الخواطر النفسانية والشيطانية والهوائية فكلها
مسترعاة وراعيها هو العقل والحاكم على الجميع هو الشرع
فإذا خطر للمرء خاطر أو وقع له واقع فليعرضه أولاً على
العقل والعقل إذ ذاك ينظر بمقتضى الأمر والحكمة فإن كان
فيه مصلحة أجازه وإلا منعه وإن كان المرء ممّن أمِد
بالتوفيق وكانت شهواته وخطراته في مرضاة ربه فهذه قاعدته
أبداً وليحذر من الغفلة عنها لأن بها قوام أمره لأنه إذا
لم يكن على هذا الحال فقد تستفزه النفس في مرة ما وهو لم
يشعر
ومثل هذا ما حكي عن بعضهم حين لقي إبليس اللعين فسأله هل
قدر عليه قط أو نال منه قَطُّ شيئاً فقال اللعين نعم ليلة
أحضَرتَ بين يديك عَشَاءَك فَشَهَيْتُكَ الطعام حتى زدتَ
فيه على العادة فنمت بسبب ذلك عن وِردك فقال والله لا أشبع
بعدها أبداً فإذا كان المرء يستعمل نظره أبداً على القاعدة
التي قررناها كان أكله ونومه ويقظته مضبوطاً بلسان العلم
وأيضاً فإنه بنفس نظره إلى تلك القاعدة كان له من الأجر ما
لا يكون للصائم القائم الغافل عنها لأنه لا يحمله على هذه
المحاسبة والمراقبة إلا الخوف من الله عزّ وجلّ والإجلال
له وقوة اليقين
ولهذا المعنى كان بعض الفضلاء يقول يحتاج العاقل أن يكون
محاسباً ومراقباً ومعنى المحاسب هو الذي يحاسب نفسه فيما
مضى من عمره فإن كان بقي عليه شيء فليخلص نفسه مادام في
هذه الدار والمراقبة هي مهما خطر له خاطر عرضه على العقل
ونظره بلسان العلم فما حسن منه فعل وما قبح منه ترك ولم
يفعل وإلا كان كالتاجر ينفق ولا يعرف حتى يفلس وقد قال
عليه السلام حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا
ولأجل ترك النظر إلى هذه القاعدة أو الجهل بها وقع كثير من
الخلل والفساد عند بعض المدعين للطريق المنتسبين إليه لأنه
يخطر لأحدهم التصرف في مرضاة نفسه وما يشير به عليه هواه
وقد يسمع وسوسة من الشيطان فيأخذ ذلك من حينه على الإطلاق
من غير أن يلحظ القاعدة التي قررناها فيضل مع الضالين وهو
يحسب أنه يحسن صنعاً فيقول قيل لي وقلت وخطر لي ووقع لي
وهيهات هيهات ليس التعبد بالخواطر ولا بالشهوات وإنما هو
بالامتثال والامتثال لا يتصور وجوده إلا مع العلم والعلم
قد شاء عزّ وجل وسبقت إرادته أنه لا يؤخذ إلا
۱ قوام الأمر نظام الأمر وعماده وملاكه
من كلام عمر رضي الله عنه
۹
بالتعلم لقوله عليه السلام إنما العلم بالتعلم والمراد
بهذا العلم هو علم النقل وهو الأمر لأنه لا يؤخذ بصفاء
القلب ولا بغيره وإن أخذ بصفاء القلب فلا يجوز التعبد به
حتى يكون نقلاً وإنما يكون بصفاء القلب العلم اللدني ومع
ذلك فالعلم المنقول لا بد منه فيه لأن به يختبر
والنهي
صحته من سقمه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ قطعة من حديث أوله يا أيها الناس إنما العلم بالتعلم
والفقه بالتفقه إلخ رواه الطبراني في الكبير
-١٥٣ -
حدیث رد فرس ابن عمر رضي الد
عنهما إليه
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضيَ الله عَنهُ قالَ ذَهَبَ فَرَس لَهُ
فَأَخَذَهُ العَدوُّ فَظَهَرَ عَلَيْهِمُ
المُسلِمونَ فَرُدَّ عليهِ في زَمَنِ رَسولِ الله
*
ظاهر الحديث يدل على رد الفرس لابن عمر رضي الله عنهما
بعدما ملكه العدو والكلام
عليه من وجهين
الوجه الأول قوله ذهب يرد عليه سؤال وهو أن يُقال لم قال
ذهب ولم يأتِ بغيرها من الصيخ الجواب عنه أنه إنما عدل عن
ذكر غيرها إليها لأنها جامعة لأنواع طرق الذهاب لأنك تقول
ذهب مال فلان وقد يكون ذهابه بالسرقة أو الإنفاق أو
النسيان أو الغضب إلى غير ذلك من وجوه الذهاب وذهب يدل على
كل واحد منها على سواء فهذا من الفصيح في الكلام
الوجه الثاني قوله فرُدَّ عليه فيه بحث وهو أنه هل رُدَّ
عليه من طريق إحسان النبي صلى الله عليه وسلم إليه فهو
كالنفل أو رُدَّ عليه لأن حصوله بيد المشركين لم يُزِل
ملكه عنه وكان رده من طريق الوجوب يحتمل الوجهين معاً وقد
اختلف العلماء هل المشركون يملكون أموال المسلمين أم لا
على قولين فذهب قوم إلى الجواز مطلقاً واحتجوا بقوله تعالى
إنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ
عِبادِه ۱ والاحتمال الذي في الحديث وهو كون الفرس رُدَّ
على طريق النفل وذهب قوم إلى المنع مطلقاً وحجتهم الاحتمال
الذي في الحديث وهو كون الفرس رُدَّ على طريق الملك
وبالقياس وهو أن المشركين لا يحل لهم ملك رقاب المسلمين
فأموالهم كذلك
وفَرَّق قوم فقالوا لا يخلو أن يُدْرِبَ العدو بها ۳ أو لا
فإن أدْرَبَ مَلَكَ وإن لم يُدْرِب لم يملك وهذا قول ثالث
وكأن صاحب هذا القول يرى أنهم ما لم يُدْرِبوا فصاحب الشيء
لم ينقطع
۱ سورة الأعراف من الآية ۱۸
يدرب بها يدخل بها بلاده
٩٢٤
رجاؤه منه لأنه قد تعود الكرة عليهم فتؤخذ منهم ويغنمون أو
يتركون ما أخذوا ويهربون وأما إذا أدربوا فقد انقطع الرجاء
من العودة عليهم وهذا استحسان قول بين قولين
والأظهر - والله أعلم - أن العدو لا يملك بدليل الحديث
والقياس أما الحديث فأحد الاحتمالين المذكورين في الحديث
الذي نحن بسبيله ويرجحه على الوجه الآخر ما روي أن العدو
غزا مرّة المدينة وأخذ منها ناقة النبي الله المسماة
بالعضباء وأخذت امرأة من المسلمين في الأسر في جملة ذلك
فلما جَنَّ عليها اللّيلُ قامت تريد الفرار بنفسها فأرادت
أن تركب ناقة تنجو عليها فأتت تأخذ ناقة لتركبها فكل ناقة
أو دابة تضع يدها عليها تنفر فتتركها وتذهب لغيرها حتى أتت
إلى العضباء وكانت ذلولاً فلم تنفر فركبتها وأتت بها إلى
المدينة ونذرت في طريقها أنها إن نجت عليها فسوف تنحرها
وتهديها فلما أتت المدينة رآها الناس فعرفوها فأتوا بها
إلى النبي الله فذكرت له القصة فقال لها عليه السلام لا
نَذْرَ فيما لا يُملَك ووجه الحجة فيه أنها لو أتت على
ناقة كانت ملكاً لمشركين قبل لم تؤخذ منها فلما أن كانت
مما عُنِم من المسلمين قال لها عليه السلام لا نذر فيما لا
يُملك ۱ وأُخِذت منها
وأما القياس فقد تقدم لصاحب هذا المذهب وهو أنهم لا يملكون
الرقاب وهذا يبين أن الاحتمال الذي في الحديث وهو كون
الفرس ردَّ من طريق الملك أو الوجوب هو المراد وهو الأظهر
في الموضع وفي هذين دليل واضح لا خفاء فيه أنهم لا يملكون
الرقاب فالأموال كذلك وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد
وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً
۱ جزء من حديث أوله لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك
ابن آدم أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن
عمران بن حصین رضی الله ع
٩٢٥
11021
حديث أجر المجاهد في سبيل الله
عَن أبي هريرَةَ رضيَ الله عَنهُ أَنَّ رَسُولَ الله صلى
الله عليه وسلم قالَ تَكفَّلَ اللهُ لِمَن جَاهَدَ في
سَبيلِهِ لا يُخرِجُهُ إلا الجهادُ في سَبيلِهِ وتَصديقُ
كلِماتِهِ بأن يُدخِلَهُ الجَنَّةَ أو يرجعه إلى مَسكَنِهِ
الَّذِي خَرجَ مِنْهُ مَعَ ما نالَ مِن أجرٍ أو غَنِيمَةٍ
**
ظاهر الحديث يدل على أن من خرج إلى الجهاد بالنية المذكورة
فيه فله أحد الوجهين المذكورين فيه وهو أن يرجع بالأجر
والغنيمة أو يُستشهد فيدخل الجنة ويكون فيها حياً يُرزَق
لقوله تعالى ﴿أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ١
والكلام عليه من وجوه
الوجه الأول قوله عليه السلام تكفل الله معناه ضمِن الله
لأن الضمان له في اللغة سبعة أسماء ومن جملتها الكفيل
والضمان من الله سبحانه ضمان إفضال لا ضمان وجوب فإن معناه
تأكيد التصديق بحصول الأجر الذي تفضل به على المجاهد في
سبيله لأن الوجوب في حقه تعالى
مستحيل
الوجه الثاني قوله عليه السلام لمن جاهد في سبيله لا يخرجه
إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلماته الجهاد في سبيل الله
يحتمل وجوهاً وأظهرها في هذا الموضع قتال العدو الذي هو
الكافر وكيفية النية فيه هو أن يخرج للغزو يريد به القتال
في سبيل الله وإعلاء كلمته لا يريد بذلك غير الله
ويَحتَسِب قتل نفسه إن قُتِل وكلَّ ما يلاقي من شدة الحروب
وهَوْلِها في حق الله تعالى لا لظهور ولا لكسب دينار ولا
لغير ذلك
والتصديق على ضربين تصديق بوجوبه - والوجوب على ضربين فرض
عين وفرض كفاية وهو مذكور في الفقه - وتصديق بما جاء فيه
من عموم الأجور والإحسان على مقتضى الآيات في الوجهين معاً
٩٢٦
۱ سورة ال عمران من الآية ١٦٩
الوجه الثالث هل تقصر هذه الأجور على الوجه الظاهر - وهو
قتال العدو ـ أو تحمل على ما
يقتضيه عموم الجهاد في طاعة الله تعالى وهو الأظهر كما ذهب
إليه بعض الصحابة حيث قال لأخيه حين لقيه في طريق المسجد
وقد اغبرت قدماه فسأله أغَيرُ الصلاة أخرجك فقال لا لم
أخرج لغيرها فقال شهدت على رسول الله الله أنه قال ما
اغبرت قدما عبد في سبيل الله إلا حَرَّمهما الله على النار
۱ فقال له الرجل ذلك خاص بالقتال فقال الصحابي أفعال الخير
كلها في سبيل الله وقد قال عليه السلام في الخارج إلى
المسجد هو في ذمة الله إن مات أدخله الله الجنة وإن رجع
إلى منزله كان كالمجاهد رجع بالأجر والغنيمة وهذا نص في
المسألة فيجب تعديه في جميع وجوه البر ويكون الأول منها
أظهرها وأعلاها
الوجه الرابع هل يتعدى الحديث للجهاد المعنوي أم لا أما
ظاهر اللفظ فلا يؤخذ منه التعدي لأنه ذكر في الجهاد الحسي
وأما على القاعدة التي قررناها في كلام الشارع عليه السلام
بأنه محمول على كل الفوائد - إن أمكن - فهو متعد لا شك فيه
سيما ۳ في هذا الموضع الذي قد نص عليه السلام أن الجهاد
المعنوي أكبر من الحسي وهو قوله عليه السلام هبطتم من
الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس فإذا كان
حكم يناط بعلة فحيثما وجدت العلة أنيط الحكم بها فالدخول
في الجهاد المعنوي يكون بتلك النيَّتَينِ المذكورتين في
الحديث وهما الجهاد في سبيل الله والتصديق بكلماته ولا
يُعوّل على العيش بعدها إلا إن قُدِّر له بذلك لأن الراجع
من أثناء الطريق لم تتم له صفقة وتمام الصفقة هنا هو الموت
على ما هو عليه من مجاهدة النفس في ابتغاء مرضاة الله
تعالى
ولهذا المعنى لما أن جاء لبعضهم ثلاثة نفر يطلبون منه
التربية في السلوك فقال لأحدهم كم تصبر فعَدَّ له أياماً
محصورة فقال له الشيخ ما يجيء منك شيء ثم سأل الآخر فقال
أطيق أكثر منه وعد له الأيام فقال له ما يجيء منك شيء ثم
سأل الثالث فقال أصبر حتى أموت
فقال له ادخل وقد قال بعض الفضلاء من أهل هذا الشأن من
صَدَق وصدَّق قُرِّبَ لا محالة
وإنما يقع الخلل في الجهادَينِ معاً إذا كان الدخول لحظ
دنيوي أو نفساني ومن دخل بهذا
۱ تقدم تخريجه في الحديث ١٣٤
في هذا المعنى روى أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة رضي
الله عنه أن النبي الا الله قال ثلاثة في ضمان الله عزّ
وجل رجل خرج إلى مسجد الله ورجل خرج غازياً في سبيل الله
ورجل خرج حاجاً
۳ كذا بحذف لا
٤ تقدم تخريجه في الحديث ۱۳۰
٥ النَّفر من ثلاثة إلى عشرة من الرجال والجمع أنفار
قصده في الحياة وهو يؤملها فقليل أن يقع النصر لمثل هذا
لأنه عند أقل شيء يرى من العدو يُوَلِّي مديراً للطمع في
الحياة وأما إذا كانت النية ما أشرنا إليه فالخلل لا يدخل
هناك لأن من دخل بنية
ألا يعيش فقلما ينهزم لأنه إذا عاين الموت لا يفر منه
ويقول هو المطلوب والمقصود وأعظم ما
في الجهادين من الوقائع المَوْت فإذا كانت أعظم الوقعات هي
المقصودة فكيف يبالي بما هو
أقل منها
ولهذا المعنى كان النبي له الا الله حين الجهاد يخطب الناس
ويذكّرهم ويعلمهم بما لهم فيه من الأجور مثل قوله عليه
السلام اعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ۱ وكفى بهذا
دليلاً أن الله عزّ وجلّ جعل الفرار منه من الكبائر فقال
تعالى ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَومَذٍ دُبُرَهُ إِلَّا
مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إِلَى فِئَةٍ
فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَنهُ جَهَنَّمُ
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ٣ وقد روي أن الصحابة رضوان الله
عليهم كانوا بعد وفاة النبي الا الله يُسَرُّون صفوفهم
ويذكرون أصحابهم ويعطونهم حتى كان بعضهم ينظر من هو أفصح
في الكلام وأعلى صوتاً فيأمره بالمشي بين الصفوف فيعِظ
الناسَ ويذكرهم بما جاء في الجهاد وكل هذا مندرج في ضمن
قوله تعالى
يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَيْضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى
الْقِتَالِ ۳ وما ذكرناه وأوردناه من جملة التحريض
وكذلك ينبغي في الجهاد الأكبر إذا كان المرء عالماً
بكيفيته وبما كان فيه فبها ونِعْمَتْ وإن لم يكن عالماً
بذلك فليتخذ شيخاً يستند إليه عارفاً بذلك الشأن حتى يبين
له لسان العلم في جهاده ولسان الطريق وما يشترط فيه ولأجل
ترك النظر إلى هذه القاعدة كانت المجاهدة اليوم عند جل
الناس لا تفيد شيئاً لأجل أنهم يدخلون في المجاهدات جاهلين
بها من الطريقين وإن كان لأحدهم علم فيكون في الطريق
الواحد ويترك الآخر ومن حصل له العلم بالطريقين فهو
المرْجُو له الخير وهو على طريق الهدى والتوفيق فطوبى له
ثم طوبى له
ومن رزق التوفيق ولم يكن له علم بهذين الطريقين يحتاج أن
يبذل نفسه فيهما لعله أن ينال
منهما شيئاً أو من بركة أهليهما وقد قال امرؤ القيس ٤
1 أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود في الجهاد والترمذي في
فضائل الجهاد كما أخرجه الإمام أحمد في مسنده
سورة الأنفال الآية ١٦ ۳ سورة الأنفال من الآية ٦٥
٤ أشعار الشعراء الستة الجاهليين اختيار الأعلم الشمري
طبعة دار الآفاق الجديدة بيروت ١٩٧٥ صفحة
TV
ومطلع القصيدة
الَكَ شَوقُ بعد ما كان أقصَرًا وحَلَّت سُلَيمى بَطَنَ
قَوْ فَعَرعَـرا
۹۸
بَكَى صاحِبِي لَمَّا رأى الدَّرْبَ دُونَهُ لَمَّا رأَى
الدَّرْبَ دُونَهُ وأَيْقَنَ أَنَّا لاحِقَانِ بقَيْصَ
فَقُلْتُ لَهُ لا تَبْكِ عَيْنُكَ إنَّما نُحاوِلُ مُلْكاً
أو نَمُوتَ فنُعْذَرا فإذا كان هذا في طلب مُلك الدنيا
فكيف في طلب الآخرة وقد قال علي رضي الله عنه لو كانت
الدنيا من فضة والآخرة من خزف والدنيا فانية والآخرة باقية
لكان الواجب أن يُزهَد في الفانية وإن كانت من فضة ويُرغَب
في الآخرة وإن كانت من خزف فكيف والأمر بضد ذلك وصلى الله
على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً
۹۹
- ١٥٥ -
حديث جواز التحلل من اليمين المنعقدة
صلى الله عليه وسلم
عَن أبي موسى۱ رضي الله عَنهُ قالَ أَتيتُ رَسولَ الله صلى
الله عليه وسلم فِي نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ
نَستَحمِله فقال والله لا أحمِلُكُم وما عِندي ما
أحمِلُكُم عَليهِ وأُتِيَ رَسولُ الله بِنَهْبِ ۳ إِبل
فَسَأَلَ عَنّا فقالَ أينَ النَّفَرُ الأَشْعَرِيُّونَ
فأمرَ لنا بِخَمس ٤ ذَوْدٍ غُرِّ الدُّرَى ٥ فلما انطلقنا
قُلنا ما صَنَعْنا لا يُبارَك لَنَا فَرجعنا إليه فقُلنا
إنا سألناك أن تَحْمِلَنا فَحْلَفَتَ ألا تَحْمِلَنَا
أَفَنسيتَ قَالَ لَستُ أنا حَملتُكُم وَلكِنَّ الله
حَمَلَكُم وإنّي والله إن شاءَ الله لا أحلِفُ على يمين
فأرى غَيْرَها خَيْراً مِنها إِلا أَتَيْتُ الَّذي هُوَ
خَيْرٌ وَتَحلَّلْتُها ٦
*
*
ظاهر الحديث يدل على جواز التحلل من اليمين المنعقدة
والكلام عليه من وجوه
الوجه الأول قوله أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في
نفر من الأشعريين يَرِد عليه سؤالان
الأول أن يُقال لم قال أتيت ولم يقل أتينا وهم كانوا جماعة
فعدل عن اللفظ الحقيقي إلى غيره مع الاحتياج إلى الزيادة
في اللفظ لأنه لو قال أتينا لم يحتج إلى ذكر النفر فلما
قال أتيت احتاج أن يبين مع من أتى وهذا ينافي لغتهم
وفصاحتهم لما فيه من الاختصار والإبلاغ الثاني أن يُقال لم
سمّى النفر من أي قبيلة كانوا
والجواب عن الأول من وجهين
۱ تقدمت ترجمته في الحديثين ٦١ و ١١٧
نستحمله نطلب منه أن يحملنا لنجاهد في سبيل الله
۳ نهب إبل إبل الغنيمة
٤ بخمس ذوي أي بخمس من الدود والذود هو القطيع من الإبل
بين الثلاثة إلى العشرة
٥ غر الذرى في أعالي أسمتِها بياض
٦ تحلّلتها كفرت عنها
الأول أن أبا موسى رضي الله عنه هو سيّد الأشعريين ورئيسهم
وهو صاحب رأيهم
ومدبر أمرهم لأن قبائل العرب كانوا لا يفعلون شيئاً حتى
يسألوا فيه سيد قبيلتهم فهو يخبر أنه كان السبب في مجيء
الأشعريين إلى النبي ا ا ا ا ا و و و و و برأيه و مشورته
أتوا فإن قال قائل لو كان كذلك لقال أتيتُ رسول الله صلى
الله عليه وسلم بنفر من الأشعريين قيل له إنما عدل عن تلك
الصيغة لما نطق به تواضعاً منه لإخوانه الأشعريين لأنه لو
قال ذلك لكان في اللفظ ما يدل على جبرهم في المجيء فلما
ترك ذلك وأتى بـ في زال ذلك وبقي هو مع إخوانه في اللفظ
كأنه واحد منهم الثاني من الجواب يحتمل أن يكون خص ذكر
نفسه دون غيره تبركاً منه باسم النبي لا لا الهلال حتى
يكون اسمه يلي الاسم المبارك ومثل هذا كان الصحابة رضوان
الله عليهم يفعلون كثيراً تبركاً منهم بالاسم المرفع
والجواب عن السؤال الثاني أنه إنما ذكر الأشعريين
وعَيَّنهم لأن الجمع إذا أتى النبي الله في هذا القدر
ويراجعهم ويرجعون إليه بهذا القدر من المحاولة التي ذكرت
في الحديث فلا يكون في الوقت إلا مشهوراً فكان ذكر القبيلة
وتعيينها قرينة لقوة التصديق وهذا كان دأب الصحابة رضوان
الله عليهم مثل عثمان رضي الله عنه حين أخبر عن حديث
الوضوء وقال فيه لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه فأشار
إلى القرينة الدالة على التصديق مع أنه واحد ممن يؤخذ عنه
الدين لقوله عليه السلام عليكم بسنتي وسنة الخلفاء
الراشدين من بعدي 1
ثم يرد سؤال أيضاً على قوله نستحمله وهو أن يُقال لم قال
نستحمله ولم يذكر فيما أرادوا والحملان منه والجواب عنه
إنما سكت عن ذلك للعلم به للقرائن التي قارنته في الحديث
يعلم بها أنه أراد الاستحمال في الجهاد فحذف ذكر الجهاد
إبلاغاً في الاختصار وهو من الفصيح
في الكلام
الوجه الثاني من البحث المتقدم قوله عليه السلام والله لا
أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه ظاهر اللفظ يدل على جواز
اليمين على ألا يفعل الإنسان فعلاً من أفعال البر إذا لم
يقدر عليه لأن حمل هؤلاء إلى الجهاد من أفعال البر فحلف
عليه السلام على ألا يحملهم لكونه لم يقدر على ذلك وقد بين
عليه السلام العلة بقوله وما عندي ما أحملكم عليه وهذا
معارض لقوله تعالى وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً
لِأَيْمَنِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا
بَيْنَ النَّاسِ
۱ قطعة من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه رواه الإمام
أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وصححه
الترمذي وابن حبان سورة البقرة من الاية ٢٢٤
۹۳۱
والجمع بين الآية والحديث أن اليمين هنا ليس المراد منه
ظاهر لفظه لما قارنه من القرائن التي
دلت على بطلانه وذلك ما عُلِم من حال النبي لا لا لا لا
أنه كان في أفعال البر يبذل المجهود فكيف يقع منه يمين على
هذه القربة العظمى ألا يفعلها ذلك محال في حقه عليه السلام
وإنما حلف عليه السلام لهم ليقطع مادة التشويش عنهم لتعلق
خاطرهم في الرجاء لعله بعطيهم فيما بعد فكان يمينه عليه
السلام رفعاً لهذا التشويش وراحة لنفوسهم عند قطع الإياس
وكل ما كان سبباً لرفع
تشويش فهو مستحب
فإن قال قائل فما فائدة قوله عليه السلام لا أحملكم وما
عندي ما أحملكم عليه وأحدهما يغني عن الآخر قيل له النبي
لا لا لا لو كان إذا جاء أحد يطلب منه إن كان عنده شيء
أعطاه وإن لم يكن عنده شيء يكلم أصحابه إن كان فيهم من
يقدر على إعطائه شيئاً فأتى عليه السلام بتينك اللفظتين
ليقطع عنهم مادة التشويش مرة واحدة حتى لا يبقى لهم تعلق
خاطر بإعطائه ولا بكلامه لمن يقدر على أن يعطيهم فقوله وما
عندي ما أحملكم عليه إشارة لهم بأنه ليس عنده ما يحملهم
عليه وقوله لا أحملكم إشارة بألا يتسبب لهم في ذلك
لكن يرد على هذا سؤال وهو أن يقال لم قطع عليه السلام
العادة التي كان يفعل لهؤلاء الأشعريين دون غيرهم وهو كونه
إذا لم يكن عنده شيء نظر في أصحابه وتكلم لهم والجواب عنه
أنه قد يكون النبي لا اله الاهل العلم أن أصحابه ليس عندهم
في ذلك الوقت شيء إلا قدر ما يقوم بحركتهم ولا يفضل لهم
على ذلك فضل حتى يعطوه غيرهم وهم كانوا خارجين إلى الجهاد
فيحتاجون إلى القوة والشدة فإن شاركهم غيرهم فيما عندهم
القتال بسبب ذلك سيما الصحابة رضوان الله عليهم وقد كان
قُوتُهم التمرة والتمرتين فإذا شاركهم غيرهم في هذا النزر
اليسير المعلوم فإنهم لا يطيقون القتال لأن البشر لا بد له
من شيء ما
یسد به رمقه
قد ١
يضعفون عن
وقد روي عن بعضهم أنه كان قوتهم في غزوة من الغزوات تمرة
تمرة ففرّق التمر فجاء أحدهم يأخذ تمرته فقيل له قد أخذتها
فغشي عليه فلم يفق حتى أعطيها وأكلها فقام فإذا كانوا على
هذا الحال فالزائد عليهم ضرر بهم لا مصلحة في خروجه معهم
فترك عليه السلام الطلب لأصحابه لأجل هذا المعنى والله
أعلم
الوجه الثالث من البحث المتقدم قوله عليه السلام وأتي
رسولُ الله بنهب إبل فسأل
۱ كذا والصواب فقد
عنا النهب هو ما يؤخذ من أموال المشركين وهي الغنيمة التي
يضرب عليها بالخيل والرّجل فتؤخذ أموالهم وتنهب من أيديهم
وسؤاله عليه السلام عن النفر الأشعريين حين أتاه النهب
دليل
واضح على أنه ما أراد بيمينه إلا الوجه الذي ذكرناه وهو
رفع التشويش عنهم الوجه الرابع قوله فأمر لنا بخمس ذَوْدٍ
غُرُ الدُّرَى الذود عند العرب هو الجمل الواحد فهو أخبر
أنه عليه السلام أعطاهم خمسة أبعرة وغُرّ الذرى صفة للجمال
وهو بياض يكون في
أعلى أسْنِمَتها وإنما أتى
۳ لأنها قرينة تذهب التهمة في النسيان والغلط لأن من يذكر
هذا
القدر من الجزئيات فقد انتفت عنه التهمة في القضية بكل
ممكن
الوجه الخامس قوله فلما انطلقنا قلنا ما صنعنا فيه دليل
على أن المرء إذا حصل له مراده يُسَر بذلك في وقته حتى قد
ينسى ما كان قبله من شدة فرحه به لأن مراد هؤلاء الأشعريين
كان أن لو وجدوا إعانة للجهاد في سبيل الله و بين يدي
الرسول له له الا الله فلما ظفروا بذلك شغلهم الفرح الذي
دخل عليهم بالطاعة التي قالوها عن ذكر يمين النبي له الا
الله فلما أن سكن ذلك عنهم قليلا ورجعوا إلى أنفسهم فحينئذ
الهموا لذلك فرجعوا إذ ذاك وهذا أمر قلّ أن يثبت عنده إلا
القليل النادر ولا يحصل التثبت هناك إلا لمن داوم على
محاسبة نفسه في كل أنفاسه واستغرق في المراقبة حتى يذهل عن
لذة الطاعة ولذيذ النعم مع أن من وجد هذه اللذة بالطاعة
حتى يذهل في الحين عن أموره لما توالى عليه من محبتها فهو
مقام سَنِيّ لكنَّ ما أشرنا إليه أرفع وأعلى الوجه السادس
قولهم لا يبارك لنا هذه البركة التي خافوا من زوالها
احتملت وجهين
الأول أن يكونوا أرادوا بزوالها أنهم لا يبلغون بها ما
أملوا
الثاني أن يكونوا أرادوا لا يبارك لهم في أثمان تلك الجمال
ولا في رقابها لكونهم لم يأخذوها على الوجه المَرْضِيّ
لأنه تعيَّن عليهم فيه النصح للنبي ل لا ل ا ل لقوله عليه
السلام النصيحة الله ولرسوله ٤ وهم كانوا عالمين بيمين
النبي فتعين عليهم نصحه فخافوا من زوال البركة
1 الرَّجِل اسم جمع للراجل وهو عكس الفارس الذود للقطيع من
الإبل الثلاث إلى العشر وقيل ما بين الثلاث إلى العشر وقيل
إلى أكثر من ذلك وقول بعضهم الذود إلى الذود إبل يدل على
أنها في موضع اثنتين لأن الثنتين إلى الثنتين جمع وقال ليس
فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة فقد جعل الناقة الواحدة
ذودا وعلق أبو منصور على ذلك فقال هو مثل قولهم رأيت ثلاثة
نفر وتسعة رهط وما أشبهه قال اللغويون الأود جمع لا واحد
له من لفظه كالنَّعَم وقال
بعضهم الذود واحد وجمع
۳ كذا والصواب بصفتها ٤ تقدم تخريجه في الحديث ١٥٢
۹۳۳
لأجل ما تعين عليهم بسببه فلم يفعلوه لأن الصحابة رضوان
الله عليهم كانوا يتوقون أشياء حلالاً محضاً مخافة وقوعهم
في الحرام كما قال بعضهم كنا ندع سبعين باباً من الحلال
مخافة أن نقع في الحرام لأن الحرام ترتفع منه البركة
ظاهراً وباطناً أما الباطن فإنه يحدث الظلمة في القلب
والقساوة وأما الظاهر فإنه يحدث الكسل عن العبادة
والامتهان بحقها مع أن البركة ترتفع منه ارتفاعاً محسوساً
لأنه إذا كان الشيء حراماً ما يقوم باثنين يستعمله رجل
واحد ولا يكفيه لزوال البركة منه وذهابها وكذلك أيضاً في
الضدّ وهو الحلال لا بد من ظهور البركة فيه محسوسة ومعنوية
وبالمحسوسة يستدل على المعنوية في كلا الطرفين في الحلال
والحرام فإذا بورك في طعام وقام باثنين منه ما يقوم
بالواحد علم أن البركة المعنوية حاصلة
فيه بالضمن
ولهذا المعنى لما أن وجد أبو بكر رضي الله عنه في الصحفة
التي قدمها إلى الأضياف فأكلوا منها وهي باقية على حالها
لم تنقص ثم أكل هو وأهل بيته وهي على حالها لم تنقص أتى
بها النبي يعلمه بتلك البركة المعنوية فيها بما شهد له
ظاهرها فاستدل بالحسي على المعنوي ولأجل هذا المعنى كان
طعام أهل الخير والصلاح أبداً فيه من البركة ما ليس في
غيره لأجل أنهم يبحثون على الحلال أكثر من غيرهم فكانت
البركة لديهم ظاهرة وباطنة فاستعانوا بذلك على العبادة
والاستمرار عليها وتنوَّرت بواطنهم وقل تسبّبهم في أسباب
الدنيا للبركة الحسية والمعنوية الموجودة في طعامهم
الوجه السابع من البحث المتقدم قوله فرجعنا إليه فقلنا إنا
سألناك فحلفت ألا تحملنا أفنسيت فيه دليل على أن الشيء إذا
كان فيه محتملات وأحدها أبرأ للذمة فالسنة فيه أن يؤخذ بما
هو الأبرأ للذمة لأن العطية النبي لا لا لا ل ل ل لهم
الإبل تحتمل وجهين أحدهما أن يكون أعطاهم ذلك علمه باليمين
والثاني أن يكون أعطاهم ناسياً له
مع
فإن كان الأول فليس عليهم فيه شيء لأنه عليه السلام هو
المشرع وما يفعل إلا ما هو الأمر الذي يتدين به لأن منه
يُؤخذ الدِّين وتُتلقى الأحكام وإن كان الثاني فليس عليه
أيضاً فيه شيء لقوله عليه السلام رفع عن أمتي الخطأ
والنسيان ۱ لكن يتعين عليهم في ذلك النصح لأنهم سمعوه حين
حلف وهم الآن ذاكرون لذلك قادرون على زواله إن كان نسياناً
فخافوا من أحد المحتملات فأخذوا بالأبرأ للذمة حتى أزالوا
ما كان هناك من الشبهة وعلموا وجه الصواب في المسألة
والشبهة هناك ما أشرنا إليها وهي تركهم النصيحة لرسول الله
صلى الله عليه وسلم
۱ تقدم تخريجه في الحديث ۸۳
٩٣٤
الوجه الثامن قوله عليه السلام لست أنا حملتكم ولكن الله
حملكم فيه دليل على أن
المرء ينظر في عمله الصالح بنظر الحقيقة والتوحيد فكل ما
يصدر منه من أنواع الخير يرى أن الله تعالى هو الفاعل لذلك
حقيقة ومن عليه وتفضل بأن أظهر ذلك وأجراه على لسانه أو
يديه لأن النبي الله لما أن أجرى الله تعالى هذا الخير على
يديه - وهو حمل الأشعريين إلى الغزو - تبرأ من فعله ذلك
ونسب حملهم إلى الله تعالى لا لنفسه المكرمة وتدبيره
وكذلك أيضاً يجب أن ينظر بالعكس عند ترك الأعمال أو وقوع
المخالفة وكل ما فيه نقص ينسب كل هذا وما أشبهه إلى النفس
وينظر إذ ذاك من طريق التكليف والأمر لأن النبي الله لما
أن امتنع من حمل الأشعريين نسب الامتناع لنفسه المكرمة
فقال والله لا أحملكم ولم يقل لهم الله منعكم من الحمل
لأنه ما أعطاني ما أحملكم عليه وهذا من التأدب مع الربوبية
والتعمق في ميدان الحقيقة والتوحيد مع النظر بالحكمة
والتكليف فمن كانت قاعدته هذه فهو السعيد لأن وجود هذه
الخصلة علم على التوفيق
يدل على ذلك قصة آدم عليه السلام لما أن يسر للسعادة نظر
إلى هذه القاعدة فسلك هذا المنهاج فنسب الخطيئة التي وقعت
منه لنفسه فقال ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن
لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا
لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴾ ۱ فتاب الله عليه وجعله
من أصفيائه ومن كانت قاعدته عكس ما قررناه أو كان نظره في
كل أموره بغير نظر التوحيد فذلك عَلَم على شقائه وخسرانه
لأن وجود هذه الخصلة يدل على ذلك
يشهد لذلك قصة إبليس اللعين لما أن يُسر للبعد والشقاء
والطرد والخذلان حين امتنع من السجود لم يعترف بعد ذلك على
نفسه بالخطأ وإنما نظر إلى الحقيقة فقال لو شاء الله أن
أسجد لسجدت فكان ذلك سبباً إلى خذلانه
الوجه التاسع قوله عليه السلام وإنّي والله إن شاء الله لا
أحلف على يمين فأرى غيرها
خيراً منها إلا أتيتُ الذي هو خيرٌ وتحلَّلْتها فيه دليل
على جواز التحلل من اليمين وقد تقدم
وقد اختلف الفقهاء هل الكفارة تكون قبل الحِنْث عند العزم
عليه أو لا تكون إلا بعد وقوعه على قولين وسبب الخلاف هذا
الحديث وما جاء في رواية أخرى أنه عليه السلام قال ثم
تحلَّلتُ من يَميني فجاء فيما نحن بسبيله بـ الواو وهي
ليست تفيد الترتيب وأتى في الحديث الآخر بـ ثم التي تفيد
أن الحنث وقع قبل لأنها للمهلة والتراخي واستثناؤه عليه
۱ سورة الأعراف من الآية ۳
٩٣٥
السلام هنا هو من باب التأدب مع الربوبية لأن اليمين بغير
استثناء قطع على القدر ألا ينفذ ولهذا المعنى قال مالك
رحمه الله لمن أخبره أنه وقف بعرفة وتاب وحلف أنه لا يقع
في مخالفة أبداً فقال له بئس ما صنعت ما وقعت فيه أشدُّ
مما تبتَ منه لأنك آليت على الله ألا ينفذ قضاؤه وقدَرُه
فكان استثناء النبي الأجل هذا المعنى
ولأجل النظر إلى ما أشرنا إليه ذهب ابن عباس رضي الله
عنهما إلى أن الاستثناء يجوز ولو بعد سنين فالاستثناء له
سائغ لأنه نظر أن اليمين بغير استثناء قطع على القدرة وذلك
قلة أدب واحترام بجانب الربوبية وإن كانت الأيمان قد
أُبيحت لنا في شرعتنا لأن ذلك من باب المنّ والتوسعة وقد
كان عيسى عليه السلام يقول لبني إسرائيل وأنا
وَصَّيْتُكُمْ ألا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين فجعل
ابن عباس رضي الله عنهما الاستثناء في هذا اليمين إذا وقع
كالتوبة من الذنب والتوبة مرغب فيها إلى وقت التعزير فإذا
كان استثناء المرء لأجل هذا المعنى ـ وهو الرجوع عما وقع
منه من سوء الأدب - فاستثناؤه سائغ وهو يخرجه عما عقد من
اليمين وإنما ذهب رضي الله عنه إلى هذا لأجل أنه في خير
القرون فقل أن تقع اليمين من أحدهم وإن وقعت فيكون رجوعهم
للاستثناء لأجل هذا المعنى لا لشهوات أنفسهم فلما استقرأ
من أحوال أهل زمانه وما هم عليه كانت فتياه بهذا ولأجل عدم
هذا أنكر قوله من أتى بعده من الفقهاء ولم يعلموا له وجهاً
في الغالب لأن الناس قد تغيروا عما كانوا عليه فمن العلماء
من فهم معناه ومنهم من لم يفهمه ومن فهمه لم يقدر أن يبدي
ذلك لأهل زمانه لأن الغالب عليهم تفضيل شهواتهم وتقديمها
فقد يدعون أنهم أرادوا الوجه الذي ذكرناه وهم لم يريدوا
إلا شهوات أنفسهم واتباع أهوائهم فكان ترك ذكر بيان مذهبه
سداً للذريعة
ولأجل هذا يقال لا بد في كل زمان من عالم يبين الدين بحسب
ما يحتاج إليه في الوقت يؤيد هذا قوله عليه السلام كانت
بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي جاء بعده نبي
وإنه لا نبي بعدي وإن علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ۱
۱ مؤلف من حديثين الأول من قوله كانت بنو إسرائيل إلى وإنه
لا نبي بعدي والثاني من قوله وإن علماء أمتي
إلى اخره
أما الأول فمتفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
ولفظه كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه
نبي وأنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما
تأمرنا قال فوا بَيْعَةَ الأول فالأول وأعطوهم حقهم الذي
جعله الله لهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم وأما الثاني
فقد أورده الألباني في السلسلة الضعيفة ٦٦٦ والفتني في
تذكرة الموضوعات ۰ وعلي القارى في الأسرار المرفوعة ٢٤٧
والعجلوني في كشف الخفا ۸۳/ والشوكاني في الفوائد المجموعة
٢٨٦ والسيوطي في الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ۱۱۳
٩٣٦
ثم اختلف الفقهاء اختلافاً كثيراً متى ينفع الاستثناء كل
منهم ذهب إلى ما اتضح له عليه
الدليل ولكل واحد منهم نظر صحيح ولولا التطويل لأوضحنا
تصحيح مذاهبهم وبيناها فإن قال قائل لو كان الوجه في
الاستثناء ما ذكرتم لم يصدر اليمين من النبي صلى الله عليه
وسلم بغير استثناء لأنه قد حلف ألا يحملهم ولم يستثن قيل
له قد بينا الوجه الذي لأجله حلف هناك فلو استثنى إذ ذاك
لزال المقصود مما أريدت اليمين له وبقيت النفوس متشوفة
متطلعة
فإن قال قائل لم قال عليه السلام ذلك عن نفسه المكرمة ولم
يقل من حلف على يمين ورأى خيراً منها يأتي الذي هو خير
ويكفر عن يمينه قيل له إنه لو عَدَل عن ذكر نفسه المكرمة
إلى ذكر غيره لكان في المسألة توقف من باب الورع لأنه قد
يؤخذ ذلك منه على باب الرخص والتوسعة ويُرى أن الأولى
البقاء على اليمين من غير إيقاع الحنث فلما أن أخبر بذلك
عن نفسه المكرمة عُلم أن الأولى ما فَعَل هو عليه السلام
يبين هذا ويوضحه قصة أم سَلَمة حين قالت للنبي إنهم لم
يعصُوكَ وإنَّما اتَّبَعوك ۱
وقد أوردناه في حديث الإفك وبيَّنا هذا المعنى بنفسه والله
المستعان وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه
وسلّم تسليماً
۱ تقدم تخريجه في الحديث ۱۱۹
۹۳۷
-١٥٦-
حديث تحريم أكل الحمر الأهلية
عَن عَبْدِ الله ۱ بن أبي أوفى رَضي الله عَنهُ يَقولُ
أصابتنا مَجاعَةٌ لَيالي خَيْبَر فَلَمّا كانَ يَومُ خَيرَ
وقَعنا في الحُمُرِ الأهليَّةِ فانتحرناها فلمّا غلَتِ
القُدورُ نادى رَسولُ الله أَكْفِئوا ۳ القُدورَ ولا
تَطْعَمُوا مِن لحومِ الحُمُر شَيئاً قالَ عَبْدُ الله
فَقُلنا إِنَّمَا نَهَى ا رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم
عَنها لأَنَّها لَم تُخَمَّس ٤ قَالَ وَقالَ آخَرون
حَرَّمها البتة وَسَألتُ سَعيد بن جُبَيرٍ ٥ فقالَ حَرمها
البَيِّةَ
ظاهر الحديث يدل على تحريم أكل الحمر الأهلية والكلام عليه
من وجوه الوجه الأول قوله أصابتنا مجاعة ليالي خيبر ٦ هذه
الليالي هل هي على العموم في الليالي أو هو لفظ عام يراد
به الخاص ويكون معناه في بعض ليالي خيبر محتمل للوجهين
معاً وإضافة ليالي إلى خيبر يحتمل وجهين أيضاً أحدهما أن
يكون أراد حين السير إليها الثاني أن يكون أراد حين مشيهم
على حصونها فعلى القول بأن الإضافة إلى الليالي على العموم
- وهو الخروج من أول السفر - فهو مرجوح لأن أحداً لا يخرج
بغير شيء من الزاد فإن كان على معنى التخصيص احتمل وأما إن
كان المراد المشي على حصونها فاحتمل الوجهين
معاً العموم والخصوص
۱ تقدمت ترجمته في الحديث ١٤٤
وقعنا غنمنا وأخذنا
3 أكفنوا اقلبوا
4 لم تُخمَّس لم يؤخذ خُمسها وهو حق الله في الغنائم ٥
تقدمت ترجمته في الحديث ٤٨
٦ ليالي خيبر وخيبر بلدة شمالي المدينة المنورة مشهورة
بزراعة النخيل وكان يسكنها اليهود وفتحها النبي سنة سبع أو
ثمان من الهجرة عنوة نازلهم شهراً أو قريباً من شهر ثم
صالحوه على حقن دمائهم ثم صالحوه على شروط أقرها ورضي بها
ولما تولى الخلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أجلاهم عنها
تحقيقاً لقوله
لا يجتمع دينان في جزيرة العرب
۹۳۸
الوجه الثاني قوله فلما كان يوم خيبر يوم خيبر يحتمل وجهين
أحدهما أن يكون أراد يوم فتح خيبر الثاني أن يكون أراد يوم
قدومهم على خيبر أما الأول فمرجوح لأنه لو كان المراد به
الفتح لم يكونوا لينحروا الحمر الأهلية لأن الفتح إذا كان
بالضرورة يكون الطعام كثيراً لديهم لأن حصناً من الحصون
يكون معموراً لا يخلو من الطعام البتة
الوجه الثالث قوله وقعنا في الحمر الأهلية الوقوع فيها هو
غنيمتهم إياها بغير قصد لأنك
تقول فلان وقع في كذا إذا لم يقصده وإنما وقع فيه بحكم
الوفاق
وهي
الوجه الرابع قوله فانتحرناها نحرهم لهذه الحمر لا يخلو أن
يكونوا عالمين بتحريمها أو لم يكن لهم علم بذلك فإن كانوا
عالمين بالتحريم فيكون ذبحهم لها من أجل الاضطرار إليها -
المَخْمَصَة ١ التي أصابتهم - ففعلهم هذا اتباع للأمر لأنه
قد أحل للمضطر أكل الميتة وذلك إذا مرت عليه ثلاثة أوقات
والحمر الأهلية مثل الميتة سواء كلاهما يعمهما التحريم
لغير موجب فعمتهما الإباحة للموجب لأن ما لا يؤكل إذا
ذُكِّي فهو ميتة فحكمه حكم الميتة وإن كانوا غير عالمين
بالتحريم ففيه دليل لمن ذهب من العلماء أن الأصل الإباحة
حتى يَرِد النهي لأن العلماء اختلفوا في هذا المعنى على
قولين فمنهم من ذهب إلى أن الأصل الحظر حتى يتبين التحليل
ومنهم من ذهب إلى أن الأصل الإباحة حتى يرد النهي فإن كان
الأصل الحظر فما استباحوها إلا الموجب وهو العذر وإن كان
الأصل الإباحة فهم ما أحدثوا شيئاً وإنما استصحبوا الأصل
وقوله انتحرناها احتملت وجهين أحدهما أن تكون من أبنية
المبالغة أي سارعوا إليها
بأنفسهم ولم يتركوا لها غيرهم واحتمل أن تكون بمعنى التسبب
أي تسببوا في نحرها بالأمر ثم بقي على الفصل سؤال وهو أن
يقال لم انتحروها أولاً عند وقوعهم في الحمر من غير أن
يستأذنوا النبي لي في ذلك او الجواب عنه من وجهين وهما ما
تقدم هل الأصل الإباحة أو الحظر فإن كان الأصل الإباحة فقد
تقدم توجيهه وإن كان الأصل الحظر فقد تقدم توجيهه أيضاً
الوجه الخامس من البحث المتقدم قوله فلما غلت القدور نادى
منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفئوا القدور ولا
تَطْعَموا من لحوم الحمر شيئاً أكفئوا القدور بمعنى
حوّلوها عن النار ولا تطعموا من لحوم الحمر شيئاً أي لا
تأكلوا منها شيئاً
ويرد على هذا الفصل سؤالان الأول أن يقال لم أمر بالإكفاء
عند غليان القدور ولم يأمر به قبل ذلك الثاني أن يقال لم
نهاهم عن أكلها وقد كانت لهم مباحة لوجود الاضطرار إليها
۱ المَحْمَصَة المجاعة
۹۳۹
جميع
والجواب عن الأول أنه قد جاء في رواية أخرى زيادة تبيّن
هذا المعنى قال فيها لما رأى
كثرة النيران سأل عنها فقيل له انتحرنا الحمر الأهلية فأمر
عليه السلام إذ ذاك وفي هذا دليل على كثرة مشاهدته عليه
السلام لشأن أصحابه وما يزيد عليهم وما ينقص والسؤال عن
أحوالهم فعلى هذا فيجب على كل من كان راعياً على أي شيء
استرعي دوامُ النظر إليه والالتفات لما يزيد فيه وينقص حتى
يعلم ما حكم الله تعالى فيما يظهر من الزيادة والنقص
فينفذه وهذا على التفسير الذي ذكرناه قبل في غير هذا
الحديث من رعاية الأعلى إلى الأدنى حتى إلى جوارحه لأن
الغفلة عن ذلك توقع الخلل يؤيد هذا قوله عليه السلام في
صفة المؤمن كيس حَذِرٌ فَطِنٌ ۱
والجواب عن الثاني أنه عليه السلام إنما نهاهم عن أكلها
لوجود ما هو أحسن منها وهي الخيل لأنه قد جاء في حديث غير
هذا أنهم انتحروا الخيل هناك فقد يكون الصحابة رضوان الله
عليهم تركوا الخيل لاحتياجهم إليها للقتال فاختاروا أكل
الحمر للمنفعة التي يؤملونها في ترك الخيل فأمرهم النبي
الا الله و أن يتركوا ما أرادوا فعله وأن يقيموا ضروراتهم
بالخيل لأنها ليست بحرام ففضل عليه السلام أقل
الضَّرَرَيْن لأن الحمر عينها حرام لا يجوز أكلها شرعاً
والفرس حلال على المشهور من الأقاويل ليس فيه غير ما يؤمل
من فائدة القتال عليه والضرر الذي يلحق من أجل ذبحه متوقع
هل يقع أو لا يقع وهو احتياجهم إليها حين القتال وهذه
الخيل يحتمل أن يكون وقعوا فيها مع الحمر فتركوها للجهاد
وفضلوا أكل الحمر عليها لأجل علة الجهاد ويحتمل أن تكون
خيلهم التي خرجوا بها
وفيما قررناه دليل على أن المرء ينظر في أموره وتصرفاته
فإذا اجتمع له أمران فإن كانا أخذ أعلاهما وإن كانا شرّاً
أخذ أدناهما
ولأجل العمل على هذه القاعدة استراح أهل الصوفة من مكابدة
الدنيا وهمها لأنهم أخذوا أقل الضّرَرين - وهو ما لهم في
الدنيا من المجاهدات - لتحصل لهم الراحة الدائمة في الآخرة
فحصل لهم بضمن ذلك الراحتان معاً لأن أكبر الراحات في
الدنيا هو الزهد فيها وهو أول قدم عندهم في السلوك وقد قال
عليّ رضي الله عنه لو كانت الدنيا من فضة والآخرة من خزف
وكانت الدنيا فانية والآخرة باقية لكان الأولى أن يُزهَد
في الفانية ويُعمَل للباقية فكيف والأمر
بضد ذلك
ولأجل ترك النظر إلى هذه القاعدة تعب أهل الدنيا التعب
الكلّي فهم أبداً يؤملون الراحة
۱ رواه القضاعي عن أنس رضي الله عنه
٩٤٠
لأنفسهم ويعملون عليها والشقاء والتعب يستقبلهم فلم يزالوا
على هذا الحال حتى يفاجئهم الموت وهم في تعب وضنى ثم
يرجعون إلى تعب أكثر مما كانوا فيه وهي المحاسبة على ما
جمعوا وفيما أنفقوا ولهذا قال الغزالي رحمه الله مساكين
أهل الدنيا طلبوا الراحة فأخطأوا الطريق فاستقبلهم العذاب
ومعناه ظاهر لأنهم قصدوا الراحة ورأوا أنها لا تكون إلا
بحطام الدنيا فأخذوا في جمعها وصبروا على ما فيها من الكد
وفاجأهم الموت ولم يحصل لهم ما أملوا من الراحة فيها ثم
انتقلوا إلى التعب الآخر الذي تقدم ذكره
ثم بقي على الفصل سؤال وارد وهو أن يقال لم ذكر الإكفاءَ
وتركَ الإطعام ۱ وذِكْرُ أحدهما يغني عن الآخر والجواب عنه
أنه إنما أمر أولاً بالإكفاء لأن ما ظهر منكر يحتاج إلى
تغييره فقدمه
وفيه دليل على الإسراع لتغيير المنكر عند معاينته لأن
النبي ل لا ل ل لم يتركه حين راه حتى غيَّره وتغييره على
أقسام وقد ذكرناه في غير ما حديث ووجه ثان وهو أنه لو
اقتصر لهم على قوله أكفئوا القدور لحملوه على العموم في
الكل ويحتمل أن يكون في القدور ما هو حلال
فلما عقب ذلك الأمر بذكر المُحَرَّم أعطاه قوة الكلام ألا
يكفاً من القدور إلا ما نُص على تحريمه وفي هذا دليل على
أن أمر الشارع عليه السلام يؤخذ على عمومه ولا يخصص ولا
يتأول إلا في مواضع لا يمكن فيها العموم لقرينة تخصصه ومما
يؤيد هذا فعله عليه السلام حين أنزل الله عليه وَاللهُ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فأخذها على العموم ولم يخصص
ناساً دون آخرين ولا وقتاً دون وقت وإنما قال لأصحابه
اذهبوا فإن الله قد عصمني من الناس ۳ وكان كذلك وبقي فيما
بعد لا يقي نفسه المكرمة بشيء ثقة لانه لا اله الا بالله
تعالى وبعموم اللفظ ولأجل أخذه على العموم من غير تأويل
على ما قررناه سعد أهل التوفيق السعادة العظمى لأنهم سمعوه
عزّ وجلَّ يقول في كتابه يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ
اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فعملوا على
الاتباع ولم يلتفتوا لغيره فصدّقوا وصَدَقوا في الإيمان
والاتباع فأنجز لهم ما وُعِدوا
والمتأولون دخلوا في التعب والحيرة
۱ كذا ونص الحديث يقتضي ترك الطعام سورة المائدة من الآية
٦٧
۳ رواه الترمذي عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت كان
رسول الله هل الله يُحرس ليلا حتى نزل ﴿ وَاللهُ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فأخرج رسول الله ل ورأسه من
القبة فقال يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله تعالى
٤ سورة الأنفال الآية ٦٤
٩٤١
وقد حكي عن بعض الفضلاء أنه رأى شيئاً من آثار القدرة ولم
ير نفسه لذلك أهلاً فجعل يعتذر ويتذلل فقيل له عملت على
الحق فأُريتَ الحقيقة وعملوا على التأويل فعوملوا بحسب ما
عملوا وعند الله تجتمع الخصوم
وفيه دليل أيضاً على أن الإمام ينظر في مصالح رعيته على
العموم وعلى الخصوص ويحذر من أن ينفع قوماً ويتضرر آخرون
بسببه لأن النبي ل لا ل ل ل ل لما أن أمر بإكفاء القدور
خشي أن يقع بأحدٍ مضرة لعموم اللفظ فأتى بما يخصص المقصود
ولا يلحق به مضرة لمخلوق كما ذكر الوجه السادس من البحث
المتقدم قوله فقلنا إنما نهى النبي الله عنها لأنها لم
تُخَمَّس
وقال آخرون حرّمها البتة إلى اخر الحديث فيه وجوه الأول أن
السؤال والبحث في الأمر لا يكون إلا بعد الامتثال لأن
الصحابة رضوان الله عليهم لما أن أمرهم النبي الا الله بما
أمر امتثلوا الأمر في الحين ولم يعترضوا ولم يبحثوا فلما
أن كان بعد امتثالهم حينئذ رجعوا إلى البحث المتقدم في
التحريم هل هو لعلة أو لغير علة وأفاد اجتهاد بعضهم أنه
تعبُّد لغير علة واجتهاد بعضهم الآخر أنه لعلة وذكرها
الثاني أن المجتهدين إذا اختلفوا في الحكم وكان في زمانهم
من هو أعلم بالفتوى منهم يأتون إليه ويسألونه عن قضيتهم
لأن الصحابة رضوان الله عليهم لما أن وقع الخلاف بينهم
وقال كل منهم باجتهاده أتوا إلى سعيد بن جبير الذي هو من
كبار التابعين وفضلائهم فسألوه الثالث هل التحريم لعلة أم
لا فإن قلنا إن التحريم تعبد فلا بحث وإن قلنا إنه لعلة
فهل هي معقولة المعنى أم لا الظاهر أنها لعلة وهي معقولة
المعنى بيان ذلك أن الله جلّ جلاله هو بالمؤمنين رؤوف رحيم
كما أخبر في كتابه وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ۱
فهو عزّ وجل يختار لهم ما هو الأصلح في حقهم فيأمرهم به
وما يعلم أنه ضرر في حقهم ينهاهم عنه وبنو ادم بذلك جاهلون
فلو قيل لهم افعلوا أو لا تفعلوا ولا يناط بذلك ثواب ولا
عقاب لكان بعضهم يفعلون أشياء يضرون بها أنفسهم فمن لطفه
عزَّ وجلَّ جعل الثواب والعقاب على ارتكاب المخالفة حتى
يسلموا من بليتها ثم جاد عزَّ وجلَّ وتفضل بالتوبة على من
وقع فيها إذا رجع عنها كل هذا لطف منه عزَّ وجلَّ
بالمؤمنين ورحمة وكل مخالفة بلاؤها ظاهر لا يخفى وإنما يقع
الكلام على ما نحن بسبيله وما كان من جنسه نشير إليه
لِيُتَيَقّظ إلى هذه الحكمة العظمى واللطف الأكبر بيان ذلك
أن الحمار معروف بالبلادة وهي تتعدى لأكله على ما عهد مع
قساوة القلب الذي
۱ سورة الأحزاب من الآية ٤٣
٩٤٢
تحدث ۱ به به وهذا ضد صفة المؤمن لأن من صفة المؤمن أن
يكون كيساً حَذِراً فَطِناً والبلادة تذهب بهذه الأوصاف
أيضاً فعلى المؤمن أن يكون خائفاً راجياً وقساوة القلب
تذهب بذلك فحرمه الشارع عليه السلام لأجل هذا المعنى لأن
الله جل جلاله أرسله رحمة للعالمين ومما يقاربه في الشبه
الميتة أيضاً لأنها سم قاتل فإذا أكلت عادت بالضرر فحرمها
عزّ وجلّ لأجل هذا المعنى فإذا بقي المرء ثلاثة أوقات كثر
سم بدنه فغلب على سم الميتة فلم تضرَّه فأحلها عزّ وجلَّ
لزوال المضرة منها ولما كان الفرس ليس فيه مضرة غير أنه
إذا ديم على أكله أحدث القساوة في القلب كان أكله مكروهاً
ثم بهذه النسبة جميع الأشياء الكراهية فيها والتحريم
بحَسَبِ ما كان فيها من الضرر ومن رزق النظر بالنور يجده
محسوساً ومعنوياً على ما ذكره العلماء والفضلاء وبالله
التوفيق وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه
وسلّم تسليماً
3
٩٤٣
1 أي تحصل وتصير
11001
حديث استحباب أوقات الشروع في القتال
عَنِ النُّعمانِ بنِ مُقرِّنٍ ۱ رضيَ الله عَنهُ قالَ
شَهِدتُ القِتالَ مَعَ رَسول الله صلى الله عليه وسلم
وَكانَ إذا لم يُقاتِل في أوَّلِ النَّهارِ انتظرَ حَتَّى
تُهُبَّ الأرواحُ ٢ وَتحضرَ الصَّلاةُ
وجوه
*
ظاهر الحديث يدل على أن السنة في القتال غُدْوَة ۳ النهار
أو عشيته والكلام عليه من
الوجه الأول أن هذا القتال غُدوة أو عشيّة لعلة أم لا فإن
قلنا إنه لغير علة فلا بحث ويبقى تعبداً وإن قلنا إنه لعلة
فما هي العلة الظاهر أنه لعلة والعلة فيه على ضربين محسوسة
ومعنوية والمحسوسة على ضربين عامة وخاصة
فالعامة هي ما يكون في هذين الوقتين - أعني أول النهار
وعشيته - من هبوب الأرواح وقوة الأبدان من عاقل وغير عاقل
ونشاطها إذ ذاك لما في الوقتين من برودة الهواء وجَمام
النفوس من الراحة المتقدمة فمتقدم راحة الغدو استراحة
الليل لأنه جعل سكناه ومتقدم راحة العشي
1 النعمان بن مقرن المزني أبو عمرو صحابي فاتح من الأمراء
القادة الشجعان كان معه لواء مزينة يوم فتح مكة وسكن
البصرة ثم تحول عنها إلى الكوفة ووجّهَهُ سعد بن أبي وقاص
بأمر الخليفة عمر إلى محاربة الهرمزان فزحف بجيش الكوفة
إلى الأهواز وهزم الهرمزان وتقدم إلى تستر فشهد وقائعها
وعاد إلى المدينة بشيرا بفتح القادسية ووصلت أخبار إلى عمر
بن الخطاب باجتماع أهل أصبهان و همدان والري وأذربيجان
ونهاوند فأقلق ذلك عمر فولاه قتالهم وخرج النعمان إلى
الكوفة فتجهز وغزا أصفهان ففتحها وهاجم مقتله دخل المسجد
ونعاه إلى الناس على المنبر ثم وضع يده على رأسه
نهاوند فاستشهد فيها ولما بلغ عمر يبكي وكان استشهاده سنة
٢١ هـ / ٦٤٢م الأعلام ۹۹ الأرواح مفردها ريح وهو الهواء
إذا تحرك ويجمع كذلك على أرياح ورياح والأرواح - أيضاً -
مفردها روح
وهو نسيم الريح والرحمة والراحة تقول وجدت روح الشمال برد
نسيمها ويوم روح طيب الريح ۳ الغُدوة ما بين الفجر وطلوع
الشمس ٤ الجمام الراحة
٥ السكن كل ما سكنت إليه واطمأننتَ به ومنه قوله تعالى
﴿وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنا
٩٤٤
استراحة القائلة ۱ لأن استراحة القائلة من السنة لقوله
عليه السلام قيلوا فإن الشياطين لا تقيل
هذه هي العامة
وأما الخاصة التي هي للعاقل دون غيره فما يحصل له من قوة
اليقين ونشاط النفس وما لها في هذا الفعل من الأجر العظيم
لنكاية العدو لأن قوى الأبدان العاقلة وغير العاقلة من
أعظم مواد
النكاية للعدو
وأما المعنوية فما في الوقتين من الزيادة في الإيمان وقوة
المدد المعنوي وهو في النصر أقوى من الحسي فأما قوة
الإيمان فإن هذين الوقتين إثر تعبد وطاعة الله تعالى
والإيمان يقوى عند التعبد والطاعات كما يضعف عند المخالفات
وأعظم موجبات النصر هو الإيمان لأن الله تعالى يقول في
كتابه ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
فقوة الإيمان أعظم في مواد النصر من المحسوسات للوعد
الجميل وقد روي أن عمر رضي الله عنه بعث سرِيّة من السرايا
ثم جاء البشير بالنصر والفتح فقال أي وقت كانت المقاتلة
فقالوا غدوة فقال ومتى كان النصر فقالوا عشية فبكى رضي
الله عنه حتى بلت دموعه لحيته فقالوا كيف تبكي والنصر لنا
فقال والله ما الكفر يقف أمام
الإيمان من غدوة إلى عَشيّة إلا من أمرٍ أحدثتموه أنتم أو
أنا فلم ينظر إلى النصر إلا بقوة الإيمان وأما قوة المدد
المعنوي أيضاً فهو من وجهين وقد نص عليه السلام عليهما في
غير هذا الحديث فأحدهما الريح لأنه عليه السلام قال
نُصِرتُ بالصَّبا ۳ حتى لقد ذهب بعض العلماء أنه لم يكن قط
نصر بغير ريح والصَّبا ريح ليّنة شرقية وقد قيل إنها من
الجنة وما كان من الجنة فهو للمؤمنين عون وعلى الكافرين
وبال
أما الوجه الآخر فهو الدعاء من المؤمنين لأنه قد جاءت
زيادة في رواية غير الحديث الذي نحن بسبيله ويدعو لكم
إخوانكم المؤمنون 4 وقال عليه السلام في حديث ذكر فيه
فضيلة الدعاء جند من جنود الله فيجب أن يغتنم هذا الوقت
الذي يكون فيه هذا المدد العظيم ويترتب على هذا من الفقه
أن يدعو المرء بعد صلواته وفي الأوقات التي يرجى فيها
القبول
لإخوانه المؤمنين شرقاً وغرباً ليكثر لهم المدد الذي يرجى
به النصر
القائلة النوم في الظهيرة والفعل قال يَقِيلُ
سورة الروم من الاية ٤٧ ۳ تقدم تخريجه في الحديث ١٤٤ ٤
تقدم تخريجه في الحديث ١٤٤ ٥ رواه ابن عساكر عن نمير بن
أوس مرسلاً
٩٤٥
وقد روي أن عبد الملك بن مروان خرج في بعض غزواته فسأل عن
بعض صالحي الوقت فطلب فوجده في مسجد متوجهاً يصلي فقال
أخرجوا على بركة الله سبابته في القبلة عندي خير من كذا
وكذا فارساً فلما بلغوا الحصن الذي أملوا انهدت شقة من
سُورِه ففرح الجيش فقال ليس ذلك منكم وإنما هو ببركة تلك
السبابة التي في القبلة
الوجه الثاني من البحث المتقدم فيه دليل على أن الحكم
بالغالب في ارتباط العادات لأنه قال انتظر حتى تهبّ
الأرواح وتحضر الصلاة وهذه الريح قد تكون في ذلك الوقت وقد
لا تكون لكن لما أن كان الغالب عليها أنها تأتي في ذلك
الوقت - وهو بعد الزوال - حكم لها به وانتظرتْ
إليه
الوجه الثالث أن النادر لا يعمل عليه لأنه قد يوجد الريح
في بعض الأيام في غير هذا الوقت فلم يُنط به الحكم لندارته
الوجه الرابع قوله انتظر يرد عليه سؤالان الأول أن يقال
لِمَ أتى بهذا اللفظ وعدل عن غيره من الألفاظ الثاني أن
يقال لم قال انتظر ولم يقل انتظرنا ومعلوم أن الانتظار كان
من الجيش كله
والجواب عن الأول أن قوله انتظر فيه إشعار بأنهم أخذوا
أهبة القتال واستعدوا ولم يغفلوا وهذا مثل قوله عليه
السلام لا يزال العبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة 1
ومعلوم أن المراد من كان متطهراً في المسجد ينتظر الصلاة
وأما من كان ينتظر الصلاة في بيته فلا يطلق عليه باعتبار
ما أراده الشارع عليه السلام أنه ينتظر الصلاة وكذلك هنا
سواء أتى بقوله انتظر ليبين
ما قررناه
والجواب عن الثاني أن المقصود من الجماعة رئيسهم والمعوّل
عليه فيهم فإذا انتظر الرئيس انتظر الكل فأتى بهذه الصيغة
تعظيماً للنبي وتأدباً معه كما هو الواجب
الوجه الخامس من البحث المتقدم هل يتعدى الحديث للقتال
المعنوي أم لا الظاهر تعديه إذ إن حكم المعاني عنه عليه
السلام تؤخذ كما يؤخذ عنه حكم الظاهر وقد تقدم من هذا ما
فيه كفاية للحجة بالتعدي في غير ما حديث وتعديه يحتمل
وجوهاً ويجمعها وجه واحد وهو أن أول النهار في المحسوس هو
أول بدء ظهور خلقه فكذلك الوقائع الحسية والمعنوية - أعني
من
1 أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن أبي هريرة رضي الله عنه
بلفظ لا يزال أحدكم في صلاة ما دام ينتظرها ولا تزال
الملائكة تصلي على أحدكم ما كان في المسجد تقول اللهم اغفر
له اللهم ارحمه ما لم يُحدِث وللحديث روايات أخرى بألفاظ
مختلفة
٩٤٦
التصرف والخواطر غير المستقيمة - يُبادَر عند ظهورها إلى
قتالها ومقاتلتها هي إزالتها لقوله عليه السلام في المارّ
بين يدي المصلي فليقاتله فإنما هو شيطان ومعناه فلْيدفَعه
وليُزِلْه لأن أول الوقت في وقوع المخالفة أو الغفلة يكون
الإيمان فيها أقوى من وقت التمكن فيها وأما نسبة العشيّ في
المعنوي فهو الذكر بعد الغفلة لأن الذكرَ يُحيي الإيمان
وقد قال تعالى وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي
ءَايَتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي
حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَنُ فَلَا
نَقْعد بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾
۱ والفرق بين القتالين أن الأول يكون بالدفع كما ذكرنا
والثاني بالتوبة والإقلاع والتوبة هنا هي حقيقة النصر
والذكر بعد الغفلة هي الريحُ المبشرة بالنصر
المذكور
وأما الصلاة في المعنوي فهو ما تقدم من مقتضى رحمة المولى
لإثارته ريح التذكار بعد الغفلة الموجب للتوبة - وهي حقيقة
النصر - لأن الصلاة من العباد دعاء والصلاة من الله تعالى
رحمة فمن سبقت له الرحمة ختم له بالنصر وأما الانتظار في
المعنوية فهو استصحاب دوام انكسار القلب إما لوقوع غفلة أو
لوقوع مخالفة لأن النبي الله وقال إخباراً عن ربه عزَّ
وجلَّ يقول اطلبوني عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ٢ لأن
انكسار القلب من أجل الرب من أجل الطاعات لأنه لا يدخله
رياء وهو أرجى الوسائل بمقتضى الوعد الجميل لأن معنى قوله
تعالى اطلبوني عند المنكسرة قلوبهم أي هو معهم فإذا كان
معهم فهو يلطف بهم ويوقظهم من الغفلة ويحرك لهم أسباب
التوبة ويمنّ عليهم بالنصر والغنيمة
جعلنا الله ممّن لطف به وأدخله في حفظ عنايته امين
وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 سورة الأنعام الآية ٦٨
ذكره السخاوي في المقاصد وقال ذكره الغزالي في البداية
وتعبه القاري في الأسرار المرفوعة ۷۱ بقوله ولا يخفى أن
الكلام في هذا المقام لم يبلغ الغاية قلت - أي القاري في
الأسرار - وتمامه وأنا عند المندرسة قبورهم
لأجلي ولا أصل لهما في المرفوع
٩٤٧
1101
حديث بر الوالدين وإن كانا كافرَيْن
عَن أسماء بنتِ أبي بكرٍ ١ رَضي الله عَنهُما قالت قَدِمَت
عَليَّ أُمِّي وَهِي مُشرِكَةٌ في عهد قريش إذ عاهَدوا
رَسُولَ الله الله وَمُدَّتِهِم مع أبيها فَاستَفتيتُ
رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقُلتُ يَا رَسُولَ الله
إِنَّ أُمِّي قَدِمَت عَليَّ وَهي راغِبة أفأصِلُها قالَ
نَعم صِليها
ظاهر الحديث يدل على جواز صلة الولد لأمه الكافرة والكلام
عليه من وجوه
الوجه الأول هل الحديث مقصور على الصلة للأم لا غير أو
الصلة جائزة على العموم للمشركين كلهم ظاهر صيغة الحديث
للأم لكن يؤخذ تعديه لغير الأم من غير هذا الحديث وهو قوله
عليه السلام في كل كبِدِ حَرَّى أجر
الوجه الثاني قولها قَدِمت علَيَّ أمي يرد عليه سؤالان
أحدهما أن يقال لم قالت قَدِمَت ولم تقل جاءت وما أشبهها
من الصيغ الثاني أن يُقال لم قالت عليَّ ولم تقل إليَّ إذ
إنهم لا يخصصون الألفاظ بالذكر دون غيرها إلا لمعنى مفيد
على ما تقرر
والجواب عن الأول أنها لو أتت بغيرها من الصيغ لاحتمل
اللفظ أن تريد أنها جاءت من سفر أو غيره و قدمت ليس فيه
احتمال غير القدوم من السفر لأنك إذا قلت فلان قدم أو فلان
۱ تقدمت ترجمتها في الحديث ١٠٥ رواه الإمام مسلم عن أبي
هريرة رضي الله عنه أبي هريرة رضي الله عنه وفي رواية
للشيخين في كل ذات كبد حَرّاء أجر وتمام الحديث أن رجلاً
جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني أنزع في
حوضي حتى إذا ملأته لإبلي ورد علي البعير لغيري فسقيته فهل
في ذلك من أجر فقال رسول الله في كل ذات كبد حَرّاء أجر
وفي حديث آخر بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد
بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من
العطش فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان
بلغ مني فنزل البئرَ فملأ خفّه ماء ثم أمسكه بقيه حتى رَقي
فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له قالوا يا رسول الله وإن
لنا من هذه البهائم لأجرا فقال في كل كبد رطبة أجر
٩٤٨
قدم على فلان ولم تذكر من أي موضع كان قدومه علم أنك أردت
أنه أتى من سفر ولو قلت فلان جاء أو فلان جاء إلى فلان لم
يفهم عنك ما أردت بمجيئه هل من سفر أو غيره حتى تبينه
فخصصت تلك الصيغة دون غيرها رفعاً للاحتمال
والجواب عن السؤال الثاني أن القادم من السفر لا بد وأن
يكون معه رحل فيحتاج أن يحط بموضع فأتت بقولها علي لأنه
ظرف لتبين أين كان نزول أمها حين قدومها ولو أتت بغيرها من
الصيغ لم تقم مقامها في ذلك المعنى
الوجه الثالث من البحث المتقدم قولها في عهد قريش إذ
عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه دليل على أن
المهادنة بين المسلمين والمشركين جائزة بشرط ألا يكون على
المسلمين فيه حيف ولا يعطون ٢ شيئاً لهم لأن النبي لا لا و
قد صالحهم بنص هذا الحديث ولم يصالحهم عليه السلام قط بشيء
على المسلمين فيه حيف ولا أعطاهم شيئاً قط وقد قال عليه
السلام الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ٣ فعلى هذا فإذا كثر
العدو بموضع حتى لا يقدر على قتاله فالخروج من الموضع إذ
ذاك ولا سبيل إلى الإذعان لهم لا بالمال ولا بالخدمة وقد
قال تعالى ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن
يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ٤
الوجه الرابع قولها ومدتهم تعني مدة المهادنة وإنما أتت
بذلك لتبين أن قدوم أمها عليها لم يكن حين العهد وإنما كان
في أثناء مدته احال
الوجه الخامس قولها مع أبيها يَرِد عليه سؤال وهو أن يُقال
ما فائدة ذكرها للأب والجواب عنه أنها إنما قالت ذلك لتزيل
ما يتخيل هناك من فقر أمها وحاجتها لأنها قالت في آخر
الحديث وهي راغبة والرغبة تحتمل أن تكون من المحبة وتحتمل
أن تكون طلباً للإحسان من أجل الفاقة وهذا الاحتمال الأخير
يلحق به من النقص للموصوف به ما لا يخفى فأتت بذكر أبيها
معها لتبين أنها لم تطلب هذه الرغبة التي أشرنا إليها
أخيراً وإنما أرادت الأولى لأن المرء إذا جاء مع من يكفله
فليس بفقير
الوجه السادس قولها فاستفتيت رسول الله الكلام على هذا
الفصل من وجوه
۱ كذا بزيادة الواو
كذا أيضاً برفع الفعل المعطوف على المنصوب يكون
۳ تقدم تخريجه في الحديث ۱۳
٤ سورة الأعراف من الاية ۱۸
٩٤٩
الأول التعلم والسؤال قبل العمل لأنها لم تصل أمها حتى
استفتت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته
وتعلمت وحينئذ عملت
الثاني أن الأمر إذا كان العمل به مستصحباً ثم عارضه علة
فالتوقف إذ ذاك حتى يتبين بلسان العلم هل يقع بها المنع أو
يبقى على بابه لأن الصلة للوالدين تتردد بين الواجب
والمندوب بحسب اختلاف الأحوال فلما أن عارض ذلك علة الكفر
لم تُقدِم على العمل حتى تبين لها الأمر
على لسان العلم باستفتائها النبي لالالالالالا الثالث أن
الأصل هو الدين وهو المُعَوَّل عليه مع الأقارب والأجانب
لأنه يُعلم بالضرورة أن الولد يحب والديه المحبة الكلية
لكن لم تنظر لأمها حين أقبلت عليها في شيء حتى سألت هل ذلك
لها سائغ في الدين أم لا فقدَّمت الدين على أحب الأشياء
إليها وهو المراد بقوله تعالى قُلْ إِن كَانَ ءَابَاؤُكُمْ
وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ
وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَبَجَرَةٌ
تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ
إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي
سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا ۱ فهؤلاء رضي الله عنهم ممن فهموا
هذه الآية وعملوا بمقتضاها
الرابع فيه دليل لأهل الصوفة في كونهم يؤخّرون الأعمال في
بعض الأوقات حتى يصححوا النية لأنها ۳ لم تعمل على هذه
القربة لأجل ما عارضها حتى استفتت النبي لأن تُخلص النية
بغير شبهة ولا ارتياب اتباعاً لقوله خير العمل ما تقدمته
النية ۳
الخامس لقائل أن يقول لم قالت فاستفتيتُ ولم تقل فسألتُ
كما قيل عن غيرها في غير هذا الحديث والجواب عنه أن
الاستفتاء أخص من السؤال لأنه لا يُطلق ٤ مستفتياً إلا على
من له معرفة بالحكم وبقي عليه بعض إشكال في واردٍ وَرَدَ
أو إشكال عَرَض ويُطلِقُ عليه ٤ سائلاً إذا لم يكن له
معرفة بالحكم ولا بطرف منه ولأجل هذا قال صلى الله عليه
وسلم استَفْتِ نفسَك وإن أفتاك المفتون ٥ ولا يسوغ أن يقال
سَل نفسك لأن الاستفتاء تحقيق أحد أمرين أن تعلم أيهما
أصلح بك لمعرفتك بجزئيات أمرك أكثر من غيرك ولا يفهم ذلك
من قولك سل نفسك
۱ سورة التوبة من الآية ٢٤
أي لأن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما ۳ لم نعثر
عليه بهذا اللفظ وإنما رأينا قوله عليه السلام خير العمل
ما نفع كشف الخفاء للعجلوني ٤٥٧/١ و ٤٧٤ وقوله خير العمل
أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله كنز العمال ۱۷۷۱
أما ما يتصل بالعمل والنية ففيها أحاديث أخرى بغير اللفظ
الذي أورده ابن أبي جمرة رضي الله عنه والله أعلم ٤ أي
المتكلم
ه رواه البخاري في التاريخ والإمام أحمد عن وابصة رضي الله
عنه
90
الوجه السابع قولها يا رسول الله إن أمي قَدِمَت عليّ وهي
راغبة أفأصلُها الرغبة قد تقدم الكلام على معناها وهي على
ضربين وقد بيناها والصلة أيضا قد ذكرناها وهي على ضربين
وهي هنا من القسم المندوب
الوجه الثامن قولها قال نَعَم صليها فيه دليل على أن النبي
و له أن يحكم باجتهاده وبما ا ا ا ا يرى من رأيه لأنه عليه
السلام أمرها بالصلة لأمها من غير أن ينزل عليه وحي فيها
أعني الوحي بالواسطة وأما وحي الإلهام فكل كلامه عليه
السلام وتصرفه منه تعالى لقوله ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ
الهوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى 1
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 سورة النجم الآيتان ٣ و ٤
11091
حديث رحمة الله تعالى لعباده
عَن أبي هُرَيْرَةَ رضيَ الله عَنهُ قالَ قال رَسولُ الله
صلى الله عليه وسلم لما قضى الله عزَّ وجَلَّ الخَلْقَ
كَتبَ في كِتابِ فَهوَ عِندهُ فَوقَ العَرشِ إِنَّ
رَحْمَتِي سَبَقَت غَضَبي
ظاهر الحديث يدل على أن رحمة الله تعالى لعباده أكثر من
غضبه والكلام عليه من وجوه الوجه الأول قوله الله لما قضى
الله عزّ وجلّ الخلق قضى بمعنى خلق ومنه قوله تعالى
فَقَضَهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ۱ أي خلقهن الوجه الثاني
قوله عليه السلام كتب بمعنى أوجب ومنه قوله تعالى ﴿كَتَبَ
رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ أي أوجبها وهذا
الوجوب من الله تعالى وجوب تفضّل وامتنان لا وجوب حق عليه
محتوم لأن الوجوب في حقه تعالى مستحيل
الوجه الثالث قوله عليه السلام في كتاب هذا هو الذي يحمل
على ظاهره ويجب الإيمان به كما ورد الخبر وهو أن ثَمَّ
كَتْباً محسوساً في كتاب محسوس لكن بقي احتمال في الكتاب
هل فيه غير ما ذكر في الحديث ويكون ما ذكر من جملة الكتب
الذي فيه أو ليس فيه غير
ما ذكر وهو إيجاب غلبة الرحمة على الغضب احتمل المعنيين
معاً والقدرة صالحة لكليهما الوجه الرابع قوله عليه السلام
فهو عنده إنما أضاف عليه السلام الكتاب إلى الله تعالى
لعدم المشاركين له من المخلوقات في حفظه هناك بخلاف ما جرت
الحكمة في غيره من الأماكن مثل السماواتِ والأرض لأن ما في
السماوات والأرض وما بينهما وما فوقهما وما فوق العرش يضاف
إليه عزّ وجلّ حقيقةً لكن لما أن جعل عزّ وجلّ حفظ ما في
السماوات
٩٥٢
۱ سورة فُصِّلَت من الآية ۱ سورة الأنعام من الآية ٥٤
والأرض على أيدي من شاء من خلقه بمقتضى حكمته لم يضف ما في
تلك المواضع إليه وأضافها إليهم بمقتضى الحكمة ولما لم يكن
هناك مشارك في الحفظ بمقتضى الحكمة - أعني فوق العرش -
أضافه إلى نفسه ومثله قوله تعالى لِمَنِ الْمُلْكُ
الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ ١ والمُلك له
عزّ وجلّ في دار الدنيا لكن أجرى الحكمة بأن جعل له في
الدنيا نُوّاباً وأجرى الحكمة على أيديهم فأضافها إليهم
ولما لم يجعل في دار الآخرة خليفةٌ في المُلك ولا نائباً
أضاف المُلكَ إليه عزّ وجلّ فقال لله الواحد القهّارِ
الوجه الخامس قوله عليه السلام فوق العرش فيه دليل على أن
فوق العرش ما شاء الله
تعالى بمقتضى حكمته من أمره ونهيه مما يشبه هذا أو غيره
وقد يرد على هذا الفصل سؤال وهو أن يُقال لم كان الكتاب
فوق العرش ولم يكن في
السماوات
والجواب أن العرش قد جرت الحكمة بأنه يبقى على حاله لا
يتغير ولا يتبدل بحسب الأخبار الواردة في ذلك والسماوات
والأرض تتغيّر وتتبدل فخصَّ بأن كان هناك لأجل هذا المعنى
فإن قال قائل لِمَ لم يكن في الجنان إذ إن الجنان لا تتغير
ولا تتبدل قيل له إنما جعل الجنان للجزاء والنعيم والأمر
والنهي ليس هناك وقد شاءت الحكمة بأن الأحكام والشرائع
والأمر والنهي تختص بالعرش ومنه منبع ذلك كله
وفي هذا دليل على أن الله عزّ وجلّ منزّه عن الحلول على
العرش لأنه قد جرت الحكمة أن يكون العرش ظرفاً لما شاء عزّ
وجلّ من أمره ونهيه وحكمته بمقتضى هذا الحديث في قوله عن
الكتاب فهو عنده فوق العرش وقد مرّ الكلام عليه فعلى مقتضى
هذا الحديث فيكون معنى قوله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى
الْعَرْشِ اسْتَوَى ۳ أي استوى أمره ونهيه وما شاء من
حكمته ومثله
قوله تعالى ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ ۳ أي جاء أمرُ
ربك وهذا مستعمل في ألسنة العرب كثيراً ومما يزيد هذا
بياناً وإيضاحاً - أعني تنزيه الذات الجليلة عن الحلول
والاستقرار - قوله عليه السلام لا تُفضّلوني على يونس بن
متى ٤ والفضيلة قد وجدت بينهما في عالم الحس لأنه عليه
السلام رفع حتى رقي السبع الطباق ويونس عليه السلام ابتلعه
الحوت في قعر البحار
۱ سورة غافر من الآية ١٦ سورة طه الاية ٥ ۳ سورة الفجر من
الآية
٤ متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنه بلفظ لا ينبغي
لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى
٩٥٣
فالفضيلة موجودة مرئية في هذا العالم الحسي ولم يكن عليه
السلام لينفي شيئاً موجوداً حساً ولا يقول إلا حقاً فلم
يبق معنى لقوله عليه السلام لا تفضلوني على يونس إلا
بالنسبة إلى القرب من الله سبحانه فمحمد عليه السلام فوق
السبع الطباق ويونس عليه السلام في قعر البحار وهما
بالنسبة إلى القرب من الله سبحانه على حد سواء ولو كان عزّ
وجلّ مقيداً بالمكان أو الزمان لكان النبي لا أقرب إليه
فثبت بهذا نفي الاستقرار والجهة في حقه جلّ جلاله
الوجه السادس قوله عزّ وجلّ إن رحمتي غلبت غضبي غلبت بمعنى
أكثر أي بما حكمت بذلك لعبادي بأن أكثرتُ لهم النصيب من
رحمتي على النصيب من غضبي لكن هذا يحتاج فيه إلى كلام
وبيان لأنا قد وجدنا مقتضى هذا الكتاب موجوداً حساً في
الدنيا لأن الرحمة قد عَمَّت الخلق بأجمعهم فيولد الكافر
وأبواه يشركان بالله ويعبدان الأوثان وهو يكبر على الطغيان
والضلال وهو عزّ وجلّ يغذيه بألطافه وييسر له ما يحتاج
إليه من ضروراته وكذلك غيره من العصاة هذا مشاهد مرئيّ لا
يحتاج فيه إلى بيان والقليل النادر مَنْ عومل بصفة الغضب
لكن الآخرة قد وردت الأخبار فيها بضد هذا
فمنها قوله عليه السلام يقول الله عزّ وجلّ لآدم يوم
القيامة أخرِج بَعْثَ النار من بَنِيكَ فيقول يا ربّ ما
بَعْثُ النار فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعةً وتسعين ۱ فشق
ذلك على الصحابة رضوان الله عليهم فقال لهم رسول الله منكم
رجل ومن يأجوج ألف وإنكم فيمن تقدم من الأمم كالشامة
البيضاء في جنب البعير الأسود إلى غير ذلك من الأحاديث
التي جاءت في هذا المعنى فكان الغضب في الاخرة على مقتضى
هذا الظاهر أكثر من الرحمة وذلك مخالف النص الحديث
والجواب عن هذا الإشكال أنه عليه السلام لم يقل لما قضى
الله خلق بني آدم وإنما قال لما قضى الله الخلق فعَمَّ ولم
يخصص وبنو ادم في مخلوقات الله تعالى البعض من الكل وقد
قال عليه السلام إن في هذه الدار من مخلوقات الله تعالى
ألفَ عالم أربعمائة في البر
۱ رواه الإمام أحمد وعبد ابن حميد والبخاري ومسلم عن أبي
سعيد الخدري رضي الله عنه ولفظه يقول الله تبارك وتعالى يا
آدم فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك فيقول أخرج بَعثَ
النار قال وما بَعث النار قال من كل ألف تسعمائة وتسعة
وتسعين فعنده يشيب الصغير وتضع كل ذات حَملٍ حَملَها وترى
الناس سكاري و ما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد قالوا يا
رسول الله وأين ذاك الواحد قال أبشروا فإن منكم رجلا ومن
يأجوج ومأجوج الف والذي نفسي بيده أرجو أن تكونوا ربع أهل
الجنة أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة أرجو أن تكونوا نصف
أهل الجنة ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد
ثور أبيض أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود أو كالرقمة في
ذراع الحمار
٩٥٤
وستمائة في البحر ۱ هذا ما هو في هذه الأرض فكم في
الأرضِينَ الأُخر وكم في السماوات من الملائكة وكم تحت
العرش وكل هذه المخلوقات تُحشَر يوم القيامة حتى يقتص الله
عزّ وجلّ ممن شاء لمن شاء كيف شاء ثم يقول عزّ وجلّ لما
عدا الثقلين والملائكة كونوا تراباً فعند ذلك وَيَقُولُ
الْكَافِرُ عَلَيْنَنِي كُنتُ تُرَابًا ۳ لأن النجاة من
عذاب الله رحمة وقد جاءت الأخبار والآثار أن النار لا
يدخلها غير الثقلين ولا يدخلها من الثقلين إلا الكفار
منهما والعصاة فالعصاة لا يخلدون ويخرجون منها بعد القصاص
أو بالشفاعة ويصيرون إلى النعيم الأكبر ولا يبقى فيها
مخلّداً إلا الكفار وهم أقل المخلوقات عدداً فتبقى الرحمة
أعمّ وهي في تلك الدار أعم وأشمل منها في هذه الدار وقد
قال عليه السلام إن الله تعالى جعل الرحمة فأخرج منها لهذه
الدار واحدة بها يتراحم الخلق حتى الفرس ترفع حافرها عن
ولدها خشية أن يصيبه وادَّخر للآخرة تسعة وتسعين ٤ فصح
كثرتها بالنظر كما ذكرنا وبالإخبار والله
مائة جزء
المستعان
وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ تقدم الكلام عليه في الحديث ۳
الثقلان الجن والإنس وفي التنزيل العزيز سَنَفْرُعُ لَكُمْ
أَيُّهُ الثَّقَلَانِ وتأتي بمعنى الشيء النفيس الخطير
وقد جاء في الحديث إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و
عترتي
۳ سورة النبأ من الاية ٤٠
٤ متفق عليه
٩٥٥
<-1
حديث الإسراء والمعراج بنبيّنا ليه
الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم بينا أنا عند
البيت بين
عن مالك ك بنِ صعصعة ١ ـة ١ رضي النائم واليقظان وذكر بين
الرّجلَين فأُتِيتُ بطَسْتِ من ذَهَبٍ مُلِئَءَ حكمةً
وإيماناً فشقّ من النحر إلى مراقٌ ۳ البطن ثم غُسِل البطنُ
بماء زمزمَ ثم مُلى حكمةً وإيماناً وأُتيتُ بدابة أبيض ٤
دون البغل وفوق الحمار البراق
فانطلقتُ مع جبريلَ مع جبريل حتى أتينا السماء الدنيا قيلَ
من هذا قال جبريلُ قيلَ مَن معك قال محمد قيل أوقد أُرسِلَ
إليه قال قيل مرحباً به وَلَنِعْمَ المجيء جاء فأتيت على
آدمَ فسلَّمتُ عليه فَقالَ مَرحباً بِكَ مِن ابنِ
وَنَبِيِّ فأتينا السَّماءَ الثانيةِ قيلَ مَن هَذا قالَ
جبريل قيلَ مَن معكَ قالَ مُحمّد قيلَ أَوَقَد أُرسِلَ
إِلَيْهِ َقالَ نعم قيل مرحباً بهِ ولَنِعْمَ المجيءُ جاءَ
فأتيتُ على عيسى ويحيى فَقالا مَرحباً بِكَ مِن أخ ونبي
فأتينا السَّماءَ الثالثة قيلَ مَن هذا قال جبريل قيلَ مَن
مَعك قالَ مُحمّد قيلَ أَوَقَد أُرسِلَ إِلَيهِ قالَ نَعم
قيلَ مَرحباً بهِ ولَنِعْمَ المجيءُ
فَسلَّمتُ عليهما
جاءَ فأتيتُ على يوسُفَ فَسَلَّمتُ عليهِ فقال مرحباً بِكَ
مِن أخِ وَنبِيٍّ فأَتَيْنا السَّماءَ الرابعة قيل مَن هذا
قيل جِبريلُ قال مَن مَعَكَ قال محمد
مالك بن صعصعة هو الأنصاري الخزرجي الصحابي المدني روي له
خمسة أحاديث اتفق الشيخان فيها على حديث الإسراء والمعراج
وأنس بن مالك رضي الله عنه حدّث الصحابة عن مالك بن صعصعة
بهذا الحديث وهو من قومه وسكن مالك المدينة من الإصابة
والاستيعاب وتهذيب النووي أي ذكر الراوي أن النبي لو كان
بين الرجلين وهما حمزة عمه وجعفر ابن عمه أبي طالب فإنه
كان نائماً بينهما وهذا يسمّى في مصطلح الحديث إدراج
۳ مراق البطن ما رَق منه ولان جمع مَرَق أو لا واحد لها
٤ كذا بالتذكير لأن الدّابة تذكر وتؤنث
90
قيل أوقد أرسل إليه قال نَعَمْ قيل مَرْحباً بهِ ولَنِعْمَ
المجيءُ جاءَ فأتيتُ على إدريس
فسلمت عليه فقال مرحباً بكَ مِن أخ ونبي
فأتينا السَّماءَ الخامسة قيلَ مَن هذا قالَ جبريل قيلَ
ومَن مَعك َقالَ مُحمّد قيلَ أَوَقَد أُرسِلَ إِلَيْهِ
قَالَ نَعم قيلَ مَرحباً بهِ ولَنِعْمَ المجيءُ جاءَ
فأتيتُ على هارونَ فَسَلَّمتُ عليهِ فقال مرحباً بِكَ مِن
أخ ونبي فأتينا السَّماءَ السادسة قيلَ مَن هذا قالَ
جبريلُ قِيلَ مَن مَعك قالَ مُحمّد قيلَ َأوَقَد أُرسِلَ
إِلَيهِ قالَ نَعم قيلَ مَرحباً بهِ ولَنِعْمَ المجيء جاءَ
فأتيتُ على موسى فَسلَّمتُ عليهِ فقال مرحباً بكَ مِن أخ
ونبي فلمّا جاوزتُه بكى فقيل ما أبكاك قال يا ربِّ هذا
الغلامُ الذي بُعِث بعدي يَدخُلُ الجنةَ من أمته أفضلُ ما
يَدخُل من أمتي فأتينا السَّماءَ السابعة قيلَ مَن هذا
قالَ جبريلُ قيلَ مَن مَعك قالَ مُحمّد قيلَ َأوَقَد
أُرسِلَ إِلَيهِ َقالَ نَعم قيلَ مَرحباً بهِ َولَنِعْمَ
المجيء جاءَ فأتيتُ على إبراهيم فَسلَّمتُ عليهِ فقال
مرحباً بِكَ مِن ابنِ وَنبِيٍّ
فرُفع إليَّ البيتُ المعمور فسألتُ جبريلَ فقال هذا البيت
المعمور يُصلّي فيه كلَّ يوم سبعون ألفَ مَلَكِ إذا خرجوا
لم يعودوا آخر ما عليهم ورُفعت إليَّ سِدْرَةُ المُنْتَهَى
فإذا نَبْقُها ۱ كأنه قِلالُ هَجَرِ ۳ ورقها كآذان الفيلة
في أصلها أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران فسألت
جبريل فقال أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران
فالفرات والنيل
ثم فُرضت عليَّ خمسون صلاة فأقبلتُ حتى جئتُ إلى موسى فقال
ما صَنَعتَ قلت فُرضتْ عليَّ خمسون صلاة قال أنا أعلمُ
بالناس منك عالجت بني إسرائيل أشدَّ المعالجة وإنّ أُمَّتك
لا تطيق فارجع إلى ربك فاسأله التخفيفَ فرجعتُ فسألته
فجعلها أربعين ثم مثله فجعلها ثلاثين ثم مثله فجعلها عشرين
ثم مثله فجعلها عشراً فأتيت موسى فقال مثله فجعلها خمساً
فأتيتُ موسى فقال ما صنعت قلت جَعَلها
1 النبق شجرة السدر القلال ج قلة إناء من فخار يشرب منه
۳ هَجَر هي المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية
وتسمى اليوم الأحساء
٩٥٧
خمساً فقال مثله فقلت سلَّمتُ فنودِي إنّي قد أمضيتُ
فريضتي وخففتُ عبادي وأجزي الحسنةَ عشراً
**
عن
ظاهر الحديث يدل على الإسراء بذات محمد المباركة وفرض
الصلاة بغير واسطة والكلام
عليه من وجوه
الوجه الأول قوله عليه السلام بينا أنا عند البيت بين
النائم واليقظان فيه دليل على جواز النوم في الحرم لكن هل
ذلك جائز مطلقاً أو لا يكون إلا لعلة الظاهر أنه لعلة لأنه
يعارضه قوله عليه السلام إنما المساجد لما بنيت له ۱
والعلة في نومه عليه السلام في الحرم ظاهرة
من وجوه
فمنها أن البيت قل أن يخلو من الطائف به فقد يكون عليه
السلام أتى إلى الحرم فوجد
الناس يطوفون فقعد ينتظر فراغ الناس ثم يدخل في الطواف
فغلبته عيناه فمنها أن يكون عليه السلام قعد يشاهد البيت
لأن مشاهدته من المرغب فيها والمندوب
إليها
ومنها أن يكون عليه السلام قد طاف وتعب من الطواف فقعد
قليلا يستريح من التعب المتقدم ولكي تجم ۳ النفس إلى عبادة
أخرى وإذا كان النوم بهذه النية فهو طاعة والطاعات سائغ
إيقاعها في الحرم يشهد لما قلناه من أن النوم يكون طاعة
إذا صحبته تلك النية مثل قصة معاذ وأبي موسى رضي الله
عنهما حيث سأل أحدهما الآخر عن قراءة القرآن فقال المسؤول
أقرأه قائماً وقاعداً ومضطجعاً وأفوقه تفويقاً ۳ ولا أنام
وقال الآخر أما أنا فأقوم وأنام وأحتسب ٤ نَوْمَتي كما
أحتسب قَوْمَتي فلم يسلّم أحدهما للآخر فترافعا إلى النبي
صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام للذي كان يفوقه
تفويقاً هو أفقه منك يعني الذي كان يحتَسِب نومه كقيامه
وهذا نص في أن النوم إذا كان بالنية التي ذكرنا فهو طاعة
والطاعة سائغة هناك ومن هذا الباب أجاز العلماء نـ المعتكف
في المسجد لأنه غلبة وعون على الطاعة ومنعوه للغير ولهم
حجة فيما نحن بسبيله
على ما ذهبوا إليه
نوم
۱ رواه مسلم عن بريدة رضي الله عنه أن رجلاً نَشَدَ في
المسجد فقال من دعا إلى الجمل الأحمر فقال رسول الله لا
وجدت إنما المساجد لما بنيت له
نجم النفس تجتمع وتتهيا
۳ أُفَوقه وأتفوَّقه أي لا أقرأ جزئي بمَرَّة ولكني أقرأ
منه شيئاً بعد شيء في آناء الليل والنهار وهو من فواق
الناقة وتعني الزمن بين الحَلَبَتين لأنها تحلب ثم تترك
سُوَيعة يرضعها الفصيل لتدرّ ثم تُحلب ٤ أحتسب أدَّخر
الأجر عند الله
۹۰۸
اللغة نائماً
الوجه الثاني فيه دليل على تحرّي النبي للصدق في المقال
وأنه لا يترك الحقيقة ويرجع إلى المجاز إلا لأمر لا بدّ
منه في الكلام لأنه من كان بين النائم واليقظان يسوغ أن أن
يُطلق عليه في ويسوغ أن يُطلق عليه يقظان ۱ لكن ذلك على
المجاز ولو قال يقظاناً لكان نطق بالحقيقة أو قاربها لأنه
عليه السلام قلبه في نومه كما هو في يقظته يشهد لذلك قوله
عليه السلام تنام عيناي ولا ينام قلبي فلم يبق نومه عليه
السلام إلا في الجوارح الظاهرة ثم الجوارح في هذه المدة لم
يكن النوم قد تسلّط عليها والظاهر كان كالمتيقظ والباطن
متيقظ في
كل حال لكن عدل عليه السلام عن ذكر اليقظة ليبين الأمر على
ما كان عليه دفعاً للمجاز الوجه الثالث قوله وذكر بين
الرجلين يريد أنه كان مضطجعاً بين رجلين وفي هذا دليل على
تواضعه عليه السلام وحسن خُلُقه إذ إنه في الفضل حيث هو
ولكنه كان يضطجع مع الناس ويقعد معهم ولم يجعل لنفسه
المكرمة مزيّة عليهم الوجه الرابع فيه دليل على جواز النوم
جماعة في موضع واحد لكن يشترط في ذلك أن يكون لكل واحد
منهم ما يستر به جسده عن صاحبه الوجه الخامس قوله عليه
السلام فأُتيتُ بطَسْت من ذهب مُلِى حكمة وإيماناً الطست
هو إناء يعمل في الغالب من نحاس وهو مبسوط القاع معطوف
الأطراف إلى ظاهره يتخذه الناس لغسل أيديهم في الغالب
غيره
الوجه السادس فيه دليل على فضيلة هذا الإناء إذ إنه أتي به
النبي الله وخُصص به دون
الوجه السابع لقائل أن يقول لم أتي له عليه السلام بالطست
من ذهب والذهب في
شريعته عليه السلام محرَّم
والجواب أن تحريم الذهب إنما هو لأجل الاستمتاع به في هذه
الدار وأما في الآخرة فهو للمؤمنين خالصاً لقوله عليه
السلام هو لهم في الدنيا وهو لنا في الآخرة ۳ ثم إن
الاستمتاع بهذا الطست لم يحصل منه عليه السلام وإنما كان
غيره هو الجالب له والمتناول لما كان فيه
1 كذا بالتنوين وهو جائز على لغة بعض العرب رواه مسلم عن
عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله أتوتر قبل أن
تنام قال إن عيني تنامان ولا ينام
قلبي
۳ قطعة من حديث رواه الشيخان عن حذيفة بن اليمان رضي الله
عنه ولفظه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تشربوا في
إناء الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في
الدنيا ولكم في الآخرة
۹۵۹
حتى وضعه في القلب المبارك فسَوَقان الطَّسْت من هناك
وكونه كان من ذهب دال على ترفيع
عليه
المقام فانتفى التعارض بدليل ما قررناه الوجه الثامن فيه
دليل على أن الإيمان والحكمة جواهر محسوسات لا معان لأنه
السلام قال عن الطست أنه أُتِيَ به مملوءاً حكمة وإيماناً
ولا يقع الخطاب إلا على ما يفهم ويعرف والمعاني ليس لها
أجسام حتى تملأ الإناء وإنما يمتلىء الإناء بالأجسام
والجواهر وهذا نص من الشارع عليه السلام بخلاف ما ذهب إليه
المتكلمون في قولهم بأن الإيمان والحكمة أعراض
والجمع بين الحديث وما ذهبوا إليه هو أن حقيقة أعيان
المخلوقات التي ليس للحواس إليها إدراك ولا من النبوة بها
إخبار أن الإخبار عن حقيقتها غير حقيقة وإنما هو غلبة ظن
لأن للعقل بإجماع أهل العقل المؤيَّدين بالتوفيق حداً يقف
عنده ولا يتسلط فيما عدا ذلك ولا يقدر أن يصل إليه فهذا
وما أشبهه منها لأنهم تكلموا على ما ظهر لهم من الأعراض
الصادرة عن هذه الجواهر التي ذكرها الشارع عليه السلام في
الحديث ولم يكن للعقل قدرة أن يصل إلى هذه الحقيقة التي
أخبر بها عليه السلام فيكون الجمع بينهما أن يقال ما قاله
المتكلمون حق لأنه الصادر عن الجوهر وهو الذي يدرك بالعقل
والحقيقة هي ما ذكره عليه السلام في الحديث
ولهذا نظائر كثيرة بين المتكلمين واثار النبوة ويقع الجمع
بينهما على الأسلوب الذي قررناه وما أشبهه وقد نشير لشيء
من ذلك ليتنبه لما عداه فمثل ذلك الموت كيف أخبر عليه
السلام في الحديث أنه يُؤتَى به يوم القيامة كبشاً أملح
فيذبح بين الجنة والنار بعدما يعرض لأهل تلك الدارين
فيعرفونه ومثل ذلك أيضاً الأذكار والتلاوة لأن ما ظهر منها
هنا معان وتوجد يوم القيامة جواهر محسوسات لأنها توزن في
الميزان ولا يوزن في الميزان إلا الجواهر
الوجه التاسع فيه دليل لأهل الصوفة وأصحاب المقامات
والتحقيق لأنهم يقولون إنهم يرون قلوبهم وقلوبَ إخوانهم
وإيمانهم وإيمان إخوانهم بأعين بصائرهم جواهر محسوسات
فمنهم من يعاين إيمانه مثل المصباح ومنهم من يعاينه مثل
الشمعة ومنهم من يعاينه مثل المشعل وهو أقواها ويقولون
بأنه لا يكون المحقق محققاً حتى يعاين باطن قلبه بعين
بصيرته كما يعاين كفَّه بعينِ بصره فيعرف الزيادة فيه من
النقصان وكذلك أيضاً يقولون في الحكمة بأنهم يعاينونها
بأعين بصائرهم تتنابع من جوانب أفئدتهم كما تتنابع عيون
الماء على اختلافها فبعضها ينبع نبعاً يسيراً وبعضها ينبع
نبعاً كثيراً
1 كبش أملح خلط بياض جلده سواد
9
فمن قوي منهم إيمانه وكثرت حكمته لا يطيق السكوت لأنه
يتنعم بذكر تلك الحكم كما يتنعم صاحب الغذاء بحسن الغذاء
وربما إذا اشتد عليهم الحال ومنعوا من الكلام كان ذلك
سبباً لموتهم حتى لقد حكي عن بعضهم أنه كان إذا جاءه الحال
وهو في مجلس شيخه لا يطيق السكوت فيغلب عليه الحال فيتكلم
فكلمه شيخه في ذلك وأمره بالسكوت فلما أن ورد عليه الحال
بعد ذلك التزم السكوت انصياعاً لأمر الشيخ به فتحمل ذلك
فمات من حينه يؤيد ما قررناه عنهم أولاً ويوضحه قوله عزّ
وجلّ مَثَلُ نُورِهِ كَيَشكُو فِيهَا مِصْبَاحُ
الْمِصْبَاحُ فِي ـاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَتَهَا كَوْكَبٌ
دُرِّيٌّ ۱ نقل صاحب التحصيل في مختصره عن العلماء أنهم
قالوا إن الضمير عائد على المؤمن تقديره مثل نور المؤمن
كمشكاة والمشكاة هي الحديدة التي في وسط القنديل الذي يوضع
فيه الفتيل فقالوا المشكاة مثل لصدر المؤمن والزجاجة قلبه
والمصباح إيمانه
ونقل أيضاً عن العلماء في معنى قوله تعالى ﴿ يُعَلِّمُونَ
النَّاسَ السّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ
بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ
أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا
تَكْفُر ۳ أن الذين يعلمون الناس السحر ببابل إذا أتاهم من
يريد تعلّم سحرهم يقولون له إنما نحن فتنة فلا تكفر فإن
أبى إلا أن يتعلم قالا له انتِ هذا الرَّمادَ فَبُلْ فيه
فإذا بال في ذلك الرماد خرج منه نور يسطع إلى السماء وهو
الإيمان وخرج من الرماد دخان أسود يدخل في أذنيه وهو الكفر
فإذا أخبرهما بما رآه عَلَّماه
فهذه الآي بظواهرها ومعانيها مع نص الحديث الذي نحن بسبيله
حجة لأهل التحقيق والمكاشفات فيما نقلناه عنهم وقد حُكي عن
بعض الفضلاء منهم رحمه الله في حكاية يطول كتبها هنا أنه
قدر عليه بأن يتنصر ثم عاد بعد ذلك إلى الإسلام وحَسُن
حاله أكثر مما كان أولاً فكان يقول إنه رأى أولاً قبل كفره
طائراً أخضر قد خرج من فمه فمنذ خرج منه لم يلتفت إلى
الإيمان ولم يرجع إليه وكان إذا ذُكِّر بالإسلام ووُعِظ
يقول أعلمُ كل ذلك ولم يجد سبيلاً إلى الرجوع فلما أن
تلافاه الله تعالى بعفوه وإفضاله فإذا بالطائر الأخضر قد
أتاه فدخل في حلقه فإذا هو قد رجع إليه الإيمان وانشرح
صدره بالحكمة واتسع
۱ سورة النور من الآية ٣٥
صاحب التحصيل هو أحمد بن عمار المهدوي المغربي المتوفى بعد
سنة ٤٠٠ هـ و التحصيل كتاب في التفسير مختصر من كتاب
التفصيل الجامع لعلوم التنزيل في التفسير من كتاب كشف
الظنون ص ٤٢٦ وإنباه الرواة
٩٦١
۹۱/۱
۳ سورة البقرة من الآية ۱۰
يؤيد ما قالوه وما شاهدوه قوله عليه السلام من أخلص الله
أربعين صباحاً ظهرت ينابيع
الحكمة من قلبه على لسانه ۱ وهم قد عاينوا ينابيع الحكمة
كيف هي على ما نقلناه عنهم وعاينوا حقيقة الإيمان كما
وصفنا رزقنا الله من الهدى والنور ما رزقهم وألحقنا في
الدنيا والآخرة بهم
بمنّه إنه ولي كريم هذا ما تضمنه اعتقاد أهل التحقيق وما
تضمنته أحوالهم وأما أئمتنا في الفقه فظاهر مذهب الشافعي
رحمه الله موافق لأهل الكلام لأن أصحابه ينقلون عنه أن
الإيمان يزيد موافقة لما ذكر الله عزّ وجلّ في كتابه
ويقولون بأن النقص لا يمكن فيه لأنه على زعمهم عَرَض
والنقص في العَرَض ذهابه وأما أبو حنيفة رحمه الله فيقول
بأنه لا يزيد ولا ينقص وظاهر مذهب مالك رحمه الله موافق
لأهل الحقيقة فيما قررناه عنهم لأن أصحابه ينقلون عنه أن
الإيمان عنده يزيد
وينقص وقد مثله بعض أصحابه بماء العين يزيد مرة وينقص أخرى
ولم يعدم الماء من العين وهذا هو الحق الذي لا خفاء فيه
بدليل ما قررناه من الآي والأحاديث وما شهده أهل التحقيق
عياناً ولأنه عليه السلام قد قال لا يزني الزاني حين يزني
وهو مؤمن الحديث بكماله وجاء من طريق آخر قال فيه إن
الإيمان يخرج منه حين الفعل فيبقى على رأسه كالظُّلَّةِ ۳
ولو كان عَرَضاً لم يتَأَتَ أن يقوم بنفسه حتى إنه يبقى
كالظلة على رأسه
هذا ما تضمنه البحث في حقيقة الإيمان ما هو على طريقة أهل
الفقه وأهل التحقيق مع أنه ليس أحد الوجهين - أعني هل يكون
الإيمان جوهراً أو عَرَضاً - بالنسبة إلى القدرة من طريق
المستحيل ولهذا كان الصحابة والسلف والصدر الأول رضوان
الله عليهم لم يتكلموا في هذا ولا أمثاله لأن المقصود منا
الذي لأجله أنزلت علينا الكتب وأرسلت إلينا الأنبياء
والرسل عليهم الصلاة والسلام إنما هو التصديق الخالص
والعمل الصالح والشغل بهذين الأمرين أولى بل هو الواجب
ويجب الإضراب عن الشغل بغيرهما لأن الاشتغال بغيرهما شغل
عنهما وذلك سبب الترك ما أريد منا
لكن لما أن تشاغل قوم بالأخذ في هذا وأشباهه وأطلقوا أن
الأمر كما ظهر لهم من علم العقل - على زعمهم - حتى صار
الأمر عندهم أن من لم يعتقد مثل اعتقادهم منسوب إلى
المذاهب
۱ رواه أبو نعيم في الحلية بإسناد ضعيف
متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه وللحديث عدة روايات
بطرق مختلفة ومعان متشابهة
۳ رواه الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ من زنى أو
شرب الخمر نزع الله منه الإيمان كما يخلع القميص
من رأسه
٩٦٢
الفاسدة فاحتجنا لأجل هذه العلة أن نبين مذهب أهل التحقيق
والتوفيق ومذهب الصحابة والسلف رضوان الله عليهم بنص
الكتاب والسنة كما ذكرناه قبل لكي يتبين بذلك الحق من
الباطل والضعيف من القوي
فإن اعترض معترض لتخصيص لفظ الحديث من طريق علم العقل فقد
سقط بحثه فلا يُعَباً به لأنه قد قدمنا في الأحاديث
المتقدمة قول فقهاء الدين وأئمته أن عموم القرآن يُخصَّص
بالقرآن واختلفوا هل يُخصص عموم القرآن بالسنة المتواترة
أم لا على قولين ولم يختلفوا أن القرآن لا يخصص بأخبار
الآحاد وكذلك اتفقوا على أن عموم الحديث يُخصَّص بالحديث
واختلفوا هل يخصَّص بإجماع جلّ الصحابة أم لا على قولين
ولأجل ذلك اختلف مالك والشافعي رحمهما الله في عمل أهل
المدينة إذا وجد الحديث بخلافه فقال مالك رحمه الله أهل
المدينة أهل دار الهجرة ومجمع جلّ الصحابة العارفين بأحكام
الله وسنة نبيه عليه السلام ولم يتركوا العمل بحديث إلا
وقد صح عندهم نسخه ولم يبلغنا نحن ذلك وأبى الشافعي رحمه
الله ذلك وأخد بمقتضى الحديث وأما تخصيص لفظ الحديث بنظر
غير الصحابة ورأيه فلا يجوز بالإجماع لأن الحكم لقول
الشارع عليه السلام لا لغيره
لكن قد يسوع الجمع بين ما ذهب إليه المتكلمون وبين ما ذهب
إليه أهل التحقيق بمعنى لطيف وهو أنه لما نظر أهل العقل
إلى الآي والأحاديث بنفس الدعوى وحصروا قدرة القادر بمقتضى
دليل عقلهم جاء لأجل هذه الدعوى في عين البصيرة ضعف فلم
يروا شيئاً فرجعوا إلى مقتضى ما دل عليه عقلهم فقالوا
الإيمان عَرَض وغطى عليهم إذ ذاك مفهوم ما احتوى قوله عليه
السلام إيمان المؤمن نور يتوقد في صدره ولما نظر أهل
التحقيق بخالص الصدق والتصديق وتعظيم القدرة وإجلال القادر
رأوا النور فقالوا الإيمان نور والتصديق عَرَض فزادهم
إيماناً وقالوا حَسْبُنا الله ونِعْمَ الوكيل يؤيد هذا
ويوضحه - أعني ما ذكرناه من الجمع بين المذهبين - ما حكي
عن بعض الفضلاء من أئمة التحقيق أنه كشف له عن شيء من آثار
القدرة فنظر إليها عياناً فأدركه الخجل لعظم ما رأى في
التذلل والاعتذار لكونه يرى أن ليست نفسه لذلك أهلاً فخوطب
بأن قيل له عملت على الحق فأُرِيتَ الحقيقة وعملوا على
التأويل فعوملوا بحسب ما عملوا وعند الله تجتمع الخصوم
ولأن الحقيقة في الأمور كلها لقول الشارع عليه السلام وقول
غيره في ذلك ردّ وليس الأمور بمجرد العقل لا بالحاضرة منها
ولا بالغائبة ومن ادعى ذلك فهو منه
فأخذ
يمكن أخذ جميع
٩٦٣
جهل لأنه لو كان ذلك كذلك لكان فيه مشاركة للربوبية وهو
باطل لأنه لا ينفرد بالغيوب إلا
علامها وبذلك تصح الوحدانية فقلد أيها السامع أي الطرق
شئتَ فقد أوضحتُ لك الطرق والله يرشدنا وإياك بمنه تنبيه
لقائل أن يقول لِمَ رأى عليه السلام مزيد الإيمان ولم يرَ
الإيمان الذي كان عنده أولاً لأن الأنبياء والرسل عليهم
السلام أقوى إيماناً من جميع المؤمنين والجواب عنه أن نفس
رؤية المزيد فيها من الحكمة وجوه فمنها رؤية حقيقة الإيمان
والحكمة جواهر حتى يتحققها على ما هي عليه وهذه مزية له
عليه السلام خُص بها ومنها أن المعاينة لذلك بشارة برفع
المنزلة ومنها أن بنفس الرؤية لذلك يزيد الإيمان قوةً
حِسّاً ومعنى فالحسي هو وضعه في القلب والمعنوي هو ما يحصل
من قوة الإيمان بسبب رؤية المزيد ومنها أنه عليه السلام
لما أن كان في هذه الدار كان أقواهم إيماناً بحسب ما هو
إيمان أهل الأرض فلم يحتج لرؤيته لقوة ما عنده من التصديق
ولما أن شاء الله الإسراء به إلى العالم العلوي - وهم أقوى
إيماناً من هذا العالم إذ هم مشاهدون لأشياء لا يشاهدها
أهل هذا العالم - فعل ذلك للنبي الله حتى حصل له الإيمان
بالتصديق والمشاهدة وزيد له فيه بالحس والمعنى حتى كان
أعلى ذلك العالم إيماناً يشهد لذلك قوله تعالى ﴿ مَا زَاغَ
الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ
الْكُبْرَى ۱ ولم يقع الثبات مع معاينة تلك الآيات الكبار
إلا لما قوي عنده من الإيمان والحكمة فكان عليه السلام
جديراً بما خُص به من الثناء والمدحة ووجوه كثيرة من هذه
المعاني تتعدد وفيما أشرنا إليه كفاية الوجه العاشر فيه
دليل على أن ما بعد الإيمان أجلّ من الحكمة ولولا ذلك ما
قرنت معه
ومنه قوله تعالى ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ
خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ ٢
الوجه الحادي عشر في معنى الإيمان والحكمة أما الإيمان فقد
تقدم الكلام عليه وأما الحكمة فقد اختلف العلماء فيها فقيل
الحكمة هي وضع الشيء في موضعه وقيل الحكمة هي الفهم في
كتاب الله عزّ وجلّ والكلام معهم فيما قالوه فيها قد أشرنا
إلى بعضه انفاً والجواب عنها كالجواب عن الإيمان وقد أشرنا
لكل ذلك فأغنى عن إعادته
الوجه الثاني عشر هل الإيمان والحكمة متلازمان لا يوجد
أحدهما حتى يوجد الآخر أو كل واحد منهما مستقل بنفسه
الظاهر أن كل واحد منهما مستقل بنفسه لأن الإيمان ليس من
شرطه
۱ سورة النجم الايتان ۱۷ و ۱۸ سورة البقرة من الآية ٢٦٩
٩٦٤
أن تكون الحكمة معه بدليل قوله عليه السلام من أخلص الله
أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ۱ فقد
شهد له عليه السلام بالإيمان والحكمة لم تكن عنده إذ ذاك
لأنه عليه السلام قال مَنْ أخلَص والإخلاص هو حقيقة
الإيمان فعلى هذا فكل واحد منهما مستقل بنفسه وجمعهما هو
الأعلى والأرفع
لكن بقي بحث وهو أنه إن كانت الحكمة المراد بها الوجه
الأول الذي ذكرناه من الاختلاف فيها فقد توجد مع الإيمان
وقد توجد مع عدمه وبهذا التوجيه يتقرر ما ذكرناه وهو أن كل
واحد منهما مستقل بنفسه لكن هذا الاستدلال مرجوح وليس
بالقوي لأنه إذا قلنا بأن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه
فالإيمان أولى أن تدل عليه الحكمة لأنه هو الأول والكفر من
الحمق والحمق
ينافي الحكمة فعلى هذا فهي مرتبطة بالإيمان لا بد منه عند
وجودها وإلا فلا حكمة إذ ذاك وإن قلنا بأن الحكمة هي الفهم
في كتاب الله تعالى فهي مرتبطة بالإيمان على كل حال لا بد
منه أولاً فعلى هذا فقد يوجد مؤمن عَرِيّ عن الحكمة وقد
يوجد بهما معاً ولا ينعكس وهو أن يوجد حكيم عَرِيّ عن
الإيمان
الوجه الثالث عشر فيه دليل على أن الملائكة عليهم السلام
تعرف بني آدم وتميزهم كل واحد بعينه لأن الملائكة أتوا
للنبي الله وأخذوه من بين أصحابه وكذلك أيضاً أخذوه من بين
إخوانه وهو صبي صغير السن وكذلك الآن فلو لم يكن لهم ميز
بالأشخاص لاختلط عليهم وهذا دليل على عظيم قدرة الله تعالى
إذ إن أهل العالم العلوي يميزون أجزاء هذا العالم
الوجه الرابع عشر قوله عليه السلام فشق من النحر إلى مراق
البطن فيه دليل على أن قدرة الله عزّ وجلّ لا يعجزها شيء
ولا تتوقف لعدم شيء ولا لوجوده وليست مربوطة بالعادات لأنه
على ما يعرف ويعهد أن البشر إذا شق بطنه كله انجرح ومات
ولم يعش وهذا النبي صلى الله عليه وسلم قد شق بطنه المكرمة
حتى أخرج القلب فغسل وقد شق بطنه المكرم كذلك أيضاً وهو
صغير وشق عن قلبه وأخرجت منه نزغة الشيطان ومعلوم أن القلب
إذا وصل له الجرح مات صاحبه وهذا النبي صلى الله عليه وسلم
شق بطنه في هاتين المرتين ولم يتالم بذلك ولم يمت لما أن
أراد الله عزّ وجلّ ألا يؤثر ما أجرى به العادة أن يؤثر
فيها موت صاحبها عندها أبطل تلك العادة مع بقاء جوهرها لأن
الشق قد وجد على البطن والقلب وما يتولد من ذلك في جري
العادة قد عدم
وكذلك جميع الأشياء على هذا الأسلوب مثل النار والماء
وغيرهما من الخواص إن شاء عزّ
۱ تقدم تخريجه قبل عدة صفحات
كذا بالتأنيث والتذكير
90
وجلّ ألا يروي الشارب بقلة الماء فَعَل وإن شاء ألا يحرق
بالنار فعل كما أزال العادة الجارية فيما نحن بسبيله وقد
رمي إبراهيم عليه السلام في النار فلم تحرقه وكانت عليه
برداً وسلاماً وكل الخواص بهذه المثابة إن شاء عزّ وجلّ
أبقى لها الخاصية وإن شاء سلبها
جوهرها
مع بقاء
الوجه الخامس عشر لقائل أن يقول لِمَ كان شق البطن وحينئذ
مليء بما ملىء والله عزّ وجلّ قادر على أن يوجد له ذلك في
بطنه من غير أن يفعل به ما فعل والجواب عنه أنه عليه
السلام لما أن أعطي كثرة الإيمان والحكمة وقوي التصديق إذ
ذاك أعطي برؤية شق البطن والقلب عدم الخوف من جميع العادات
الجارية بالهلاك فحصلت له قوة إيمان من ثلاثة أوجه بقوة
التصديق وبالمشاهدة وعدم الخوف من العادات المهلكات فكمل
له بذلك ما أريد منه من قوة الإيمان بالله عزّ وجلّ وعدم
الخوف مما سواه ولأجل ما أعطي مما أشرنا إليه كان عليه
السلام في العالمين أشجعهم وأثبتهم وأعلاهم حالاً ومقالاً
ففي العلوي كان عليه السلام كما أخبر أن جبريل عليه السلام
لما أن وصل معه إلى مقامه قال له ها أنت وربك هذا مقامي لا
أتعداه فرج عليه السلام في النور زَجَّةٌ ولم يتوان ولم
يلتفت وكان هناك في الحضرة كما أخبر عزّ وجلّ عنه بقوله ﴿
مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طغَى ١ وأما حاله عليه السلام
في هذا العالم فكان إذا حمي الوطيس في الحرب رَكَضَ بغلته
في نحر العدو وهم شاكون في سلاحهم ويقول أنا النبي لا كذب
أنا ابن عبد المطلب
وقد كانت الصحابة رضوان الله عليهم يقولون الشجاع منا الذي
كان يتقي به عند شدة الحرب الوجه السادس عشر فيه دليل لأهل
الصوفة في قولهم بأن عمل المبتدي كسب وعمل المنتهي ترك لأن
النبي في ابتداء أمره كان تخليه بالضم والغط وهي زيادة في
الشدة والقوة - لا لا لها كما مر الكلام عليه في حديث
ابتداء الوحي - وكان تخليه هنا بالغسل وهو تنظيف المحل
وكذلك حال المبتدي والمنتهي عندهم فالمبتدي شأنه الكسب وهو
الأخذ في الأعمال الصالحات وهي القوة والشدة والمنتهي شأنه
النظر في الباطن وما يتعلق به من الشوائب فكل شيء يرى فيه
شيئاً ما من تعلق الشوائب تركه حتى يتنظف الباطن من
الأكدار ولا يبقى فيه غير الله تعالى
فإن قال قائل فيلزم على هذا أن يكون في باطن النبي و شي من
الكدر حتى احتيج إلى
غسله وذلك باطل قيل له ذلك لا يلزم لأن الغسل له عليه
السلام ليس من باب إزالة
۱ سورة النجم من الآية ١٧
متفق عليه من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه
9
الأكدار وإنما هو تشريع لأمته فيما أشرنا إليه وإعظام
لشعائر الله عزّ وجلّ لأن ما يلقى في ذلك المحل الشريف من
شعائر الله تعالى وقد قال تعالى وَمَن يُعَظِّمْ شَعَرَ
اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ۱
الوجه السابع عشر قوله عليه السلام فأتيت بدابة أبيض دون
البغل وفوق الحمار البراق فيه دليل على أن البراق أفضل
الدواب وأشرفها إذ إنه خص بهذا المقام وهو سيره إلى العالم
العلوي وركوب خير البشر عليه من هنا إلى هناك
الوجه الثامن عشر لقائل أن يقول لم اختص عليه السلام بركوب
البراق دون غيره من الدواب مثل الخيل والنوق وغيرهما
والجواب عنه أنه إنما خص عليه السلام بركوب البُراق زيادة
في التشريف والتعظيم لأن غيره من الدواب يقدر غيره على
ملكه والتمتع به والبراق لم يُنقل أن أحداً ملكه وتمتع به
كما يتمتع بغيره من البهائم وهذا هو نفس التعظيم والتشريف
إذ إن القدرة قد أحكمت أن كل ما عدم في الوجود وُجدانه غلا
خطره
فإن قيل فلو كان ذلك زيادة في التشريف والتكريم لكان ركوبه
على دابة من دواب الجنة إذ هي أفضل وأبرك أو لَرَفَعَه
جبريل عليه السلام على جناحه أو أحد من الملائكة أو أعطي
قوة حتى يصعد بنفسه ولا يحتاج إلى مركوب والجواب عنه أن
هذا كله إنما هو زيادة له عليه السلام في التشريف والتعظيم
ولو كان ركوبه عليه السلام على دابة من دواب الجنة أو لأحد
من الملائكة أو مشى بنفسه المكرمة لم يكن له فيه ما كان له
في ركوبِ البُراق والسيرِ به بيان ذلك أنه لو صعد بنفسه
لكان ماشياً على رجليه والراكب أعز من الماشي فأعطي
المركوب ليكون أعزّ له وأشرف ولكي يعلم أن له ل لا ل و لو
عند الله تعالى مكاناً حتى إنه يأتي وهو راكب فيكون ذلك له
بشارة بالخير والحظوة عند ربه لأن الإتيان بالمركوب من
الله تعالى بشارة له عليه السلام برفع المنزلة والكرامة
ومثل هذا في الدنيا والآخرة موجود ففي الدنيا محسوس وفي
الآخرة بالأخبار منقول أما في الدنيا فلأن المَلِك إذا بعث
إلى شخص بالخلع والمركوب فبقدر الخلع وحسن المركوب يستدل
على منزلته عند الملك وفي الآخرة ما روي أن يوم القيامة
يأتي المؤمنون منهم من هو راكب نُوَق اللحم ومنهم من هو
راكب نُوق الذهب وأزِمَّتها الزَّبَرْجَدُ إلى غير ذلك مما
جاءت الأخبار به كل إنسان بحسب منزلته والملائكة تأتيهم
أفواجاً بالبشارة وتقول لهم هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى
كُنتُمْ تُوعَدُونَ
۱ سورة الحج من الاية ٣٢ سورة الأنبياء من الآية ۱۰۳
٩٦٧
وإنما لم يكن مركوبه عليه السلام دابة من دواب الجنة أو
جناح مَلَك لأنه لو ركب على
ذلك لكان الظاهر أن المركوب حمل الراكب فلما أن ركب البراق
الذي هو لحم ودم وهو مخلوق في الدنيا وليس من عادته
الطيران في الهواء وإنما هو من ذوات الأربع أرضي علم عند
ذلك أن الراكب هو الحامل لنفسه والحامل لمركوبه إذ إن هذه
الدابة لا طاقة لها بالصعود في
الهواء أصلاً
فإن قيل فالنبي من البشر ومحال في حق البشر الصعود في
الهواء كما هو محال في حق الدواب قيل الجواب أن البشر ليس
هو الصاعد بنفسه وإنما الحامل والصاعد به قوة الإيمان الذي
منَّ عليه به والنبي لم يكن ليُسرَى به حتى مُلئت بطنه
المكرمة إيماناً وحكمة فلما أن اه اه لو امتلأ بالإيمان
والحكمة كان له من القوة ما يحمل نفسه وغيره فبقدر الإيمان
وقوته يكون السلوك والترقي ولهذا قال عليه السلام رحم الله
أخي عيسى لو زاد يقيناً لطار في الهواء ۱ هذا من طريق
مقتضى الحكمة
وفي الحقيقة القدرة هي حاملة للكل كالعرش وحَمَلَته لأن
حَمَلَة العرش حين أمروا أن يقوموا بالعرش لم يطيقوا حتى
قيل لهم قولوا لا حول ولا قوة إلا بالله فلما أن قالوها
قاموا بالعرش فالتفتوا فإذا أقدامهم على غير شيء فهم
متمسكون بالعرش لا يفترون من قولهم لا حول ولا قوة إلا
بالله خيفة لئلا يفلت أحدهم فلا يعرف أين يهوي فهم حاملون
العرش والعرش حامل لهم والكل محمولون بالقدرة وهم في عِظم
خلقهم كما أخبر عليه السلام عن بعضهم حيث قال أُمرت أن
أحدثكم عن أحد حملة العرش ما بين شحمة أذني أحدهم مسيرة
الطائر مائة سنة وأمرت أن أحدثكم عن أحد حملة العرش غلظ
قرنه ما بين المشرق والمغرب ۳ ولكل واحد منهم على ما جاء
في حديث اخر قرنان مثل قرون الوعول فإذا كان كل واحد من
هذين القرنين غلظه هكذا فناهيك بالرأس الذي يكون فيه ذانك
القرنان وناهيك بالجسد الذي يكون فيه هذا الرأس فسبحان من
أظهر بديع حكمته بعظيم قدرته
١ لم نقف على مصدره يريد ما بين شحمتي أذني أحدهم
۳ رواه أبو داود وابن عساكر والضياء في المختارة عن جابر
رضي الله عنه بلفظ أذن لي أن أحدّث عن مَلَك من ملائكة
الله تعالى من حَمَلة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه
مسيرة سبعمائة عام وفي رواية لأبي نعيم في الحلية عن جابر
وابن عباس رضي الله عنهم بلفظ أذن لي أن أحدث عن ملك من
حملة العرش رجلاه في الأرض السابعة السفلى على قرنه العرش
ومن شحمة أذنه إلى عاتقه كخفقان الطير مسيرة مئة عام وفي
رواية للخطيب البغدادي مسيرة سبعمائة سنة خفقان الطير
٩٦٨
الوجه التاسع عشر فيه دليل لأهل الصوفة حيث يقولون فلان
مقامه في سماء الدنيا وفلان مقامه في الثانية ثم كذلك إلى
أن يبلغوا إلى قابَ قَوْسَينِ أو أدنى ويعنون بذلك ما
رزقوا من قوة
الإيمان واليقين فكاشفوا بأسرارهم ذلك العالم كل منهم بحسب
قوته في إيمانه ويقينه
ولهم فيما نحن بسبيله أدل دليل لأن النبي الله ولم يُسرَ
به حتى ملىء حكمة وإيماناً ثم لما أن من عليه بذلك أسري به
من سماء إلى سماء إلى قاب قوسين أو أدنى وهم الوارثون له
عليه السلام فلهم في ذلك نسبة لكنّ بينهم وبين النبي الله
في ذلك فرقاً وهو أنه عليه السلام حصلت له الخصوصية لكونه
سرى بذاته المباركة وتكلم بلسان فمه ورأى بعين رأسه - على
ما قاله ابن عباس - وسمع الخطاب بأذن رأسه وأذن قلبه وغيره
من الوارثين له لم يصلوا هناك إلا بأسرارهم ولم يروا إلا
بأعين قلوبهم
ومما يبين هذا ويوضحه ما حكي عن بعض فضلائهم أنه لمّا أنْ
مُنَّ عليه بقوة الإيمان واليقين واتبع سنة هذا السيد
الكريم على ربه صاحب هذا المقام العظيم الهلال الهلال في
كل حركاته وسكناته وأنفاسه أسري بسره من سماء إلى سماء إلى
قاب قوسين أو أدنى ثم نودي هنا أسري بذات محمد السنية حيث
أسري بسرك
ولأجل هذا كانوا أبداً ليس لهم شغل غير النظر في تقوية
إيمانهم ويقينهم لأن به يسلكون وهو حاملهم ومما يزيد هذا
وضوحاً وبياناً قوله عليه السلام ما فَضَلكم أبو بكر بصلاة
ولا بصيام ولكن بشيءٍ وَقر في صدره والشيء الذي وَقر في
صدره هو قوة اليقين والإيمان وقد صرح رضي الله عنه بذلك
حيث قال لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً
يوضع
الوجه العشرون فيه دليل لأهل الصوفة في قولهم لا يكون
تَحَلَّ إلا بعد تَخلَّ لأنه لم الإيمان والحكمة في البطن
المباركة حتى شُقت وغسلت وحينئذ مُلئت فالشق والغسل هو
التخلي وما مُلىء به من الإيمان والحكمة هو التحلي فعلى
قدر التخلي يكون التحلي ولهذا أشار بعضهم بقوله من سرّه أن
يرى ما لا يسوؤه فلا يتخذ له شيئاً يخاف له فقداً لأن ما
سوى الله مفقود فمن أراد الفوز بهذا التحلي فليعزم على قوة
هذا التحلي حالاً ومقالاً ومن لم يقدر على الكل فليعمل على
البعض لأن التحلي يكون بقدر التخلي والحذر الحذَرَ من أن
تهمل نفسك وترضَى بحظِ بخس فذلك هو الحرمان
الوجه الحادي والعشرون قوله عليه السلام ثم غسل البطن بماء
زمزم ما المراد بالبطن هنا هل البطن نفسه أو ما في البطن
وهو القلب الظاهر أن المراد القلب لأنه جاء في رواية أخرى
ذكر
٩٦٩
القلب ولم يذكر البطن وقد يحتمل أن تحمل كل رواية على
ظاهرها ويقع الجمع بينهما بأن يقال أخبر عليه السلام مرةً
بغسل البطن ولم يتعرض لذكر القلب وأخبر مرة بغسل القلب ولم
يتعرض لذكر البطن فيكون قد حصل فيهما معاً مبالغة في تنظيف
المحل
الوجه الثاني والعشرون لقائل أن يقول لم غُسِل البطن وقد
كان طاهراً مطهَّراً وقابلاً لما يُلقى إليه من الخير وقد
غسل أولاً وهو عليه السلام صغير السن وأخرجت من قلبه نزغة
الشيطان فما فائدة هذا الغسل الثاني
والجواب عنه أن هذا الغَسل إنما كان إعظاماً وتأهباً لما
يلقى هناك وقد جرت الحكمة بذلك في غير ما موضع مثل الوضوء
للصلاة لمن كان متنظّفاً لأن الوضوء في حقه إنما هو إعظام
وتأهب للوقوف بين يدي الله تعالى ومناجاته وكذلك أيضاً
الزيادة على الواحدة أو الاثنتين إذا أسبغ بالأولى لأن
الإجزاء قد حصل وبقي ما بعد الإسباغ إلى الثلاث إعظاماً
لِما يُقدِم عليه فكذلك
غسل البطن هنا وقد قال تعالى وَمَن يُعَظِّمْ شَعَرَ
اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ فكان الغسل له
عليه السّلام من هذا القبيل وإشارة لأمته بالفعل بتعظيم
الشعائر كما نص لهم عليه بالقول وإشارة لهم أيضاً فيما
تقدم ذكره من التخلّي والتحلّي
فإن قال قائل لو كان الأمر بالزيادة على الإسباغ إعظاماً
للشعائر لكانت الزيادة على الثلاث أولى إذ إنه بحسب
الزيادة كان تعظيم الشعائر أكثر قيل له الأمر كذلك لكن
الله عزّ وجلّ بالمؤمنين رحيم فمن رحمته عزّ وجلّ بهم أن
منعهم الزيادة على الثلاث تخفيفاً عليهم ولطفاً بهم أَلَا
يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ
الوجه الثالث والعشرون فيه دليل على فضيلة بئر زمزم على
غيره من المياه إذ إنه عليه السلام اختص بأن غسل منه هذا
المحل الجليل في هذا الموطن الرفيع
الوجه الرابع والعشرون لقائل أن يقول لِمَ يغسل بماء الجنة
الذي هو أطيب وأبْرَكُ والجواب عنه أنه لو غسل بماء الجنة
دون استقراره في الأرض لم يبق لأمته أثر بركةٍ فلما غسل
بماء زمزم - وهو مما استقر من ماء السماء بالأرض على ما
قاله ابن عباس في تفسير قوله تعالى وَأَنزَلْنَا مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَتَهُ فِي الْأَرْضِ
وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَدِرُونَ ۳ فقال كل ماء في
۱ سورة الحج الآية ٣٢
سورة الملك الآية ١٤ ۳ سورة المؤمنون من الآية ۱۸
۹۷۰
الأرض إنما هو مما نزل من السماء وقد جاء في الأثر أن ما
من مطر ينزل إلا وفيه مزاج من الجنة وتكون البركة فيه بقدر
المزاج - فعلى ۱ هذا فقد غسل بماء كله من الجنة أو بعضه مع
زيادة
فوائد جمة
منها ما ذكرناه من إبقاء البركة لأمته ومنها أنه خص مقره
بهذه الأرض المباركة ومنها أنه خص به الأصل المبارك وهو
إسماعيل عليه السلام ومنها أنه خص بما لم يخص غيره من
المياه بأن جعل فيه لهاجر أم إسماعيل عليه السلام غذاء
فكان يغنيها عن الطعام والشراب ومنها أن ظهوره كان بواسطة
الأمين جبريل عليه السلام فكان أصلاً مباركاً في مقز مبارك
لسيد مبارك بواسطة فعل أمين مبارك فاختص به هذا السيد
المبارك فكان ذلك زيادة له في التشريف والتعظيم والله عزّ
وجلّ يفضل ما يشاء من مخلوقاته حيواناً كان أو جماداً فجاء
بالحكمة العجيبة في الملة الجليلة ملة أبيك إبراهيم
بالمقال وفي الماء ملك أبيك إسماعيل بلسان الحال الوجه
الخامس والعشرون قوله عليه السلام ثم مُلىء حكمة وإيماناً
قد مر الكلام على معنى الحكمة والإيمان وبقي الكلام هنا
على المملوء ما هو هل البطن أو القلب فعلى ظاهر هذه
الرواية هو البطن وعلى ما جاء في رواية غيرها هو القلب
فاحتمل أن يكونا ملنا معاً وأخبر عليه السلام في هذه
الرواية بالبطن وأخبر في الأخرى بالقلب واحتمل أن يكون
أراد القلب وذكر البطن توسعة لأن العرب تسمي الشيء بما
قاربه أو بما كان فيه وقد قال تعالى ﴿ فَمَن يُرِدِ
اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ
وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا
حَرَجًا ومعنى الصدر في الآية القلب فسماه باسم ما هو فيه
وهو الصدر
الوجه السادس والعشرون قوله عليه السلام فانطلقت مع جبريل
حتى أتينا السّماء الدنيا إلى قوله ولنعم المجيء جاء فيه
دليل على أن قدرة الله عزّ وجلّ لا يعجزها شيء لأنه عليه
السلام قال حتى أتينا السماء الدنيا فأفاد ذلك أنهم كانوا
يمشون في الهواء وقد جرت العادة بأن البشر لا يمشي في
الهواء سيما وقد كان راكباً على دابة من ذوات الأربع لكن
لما أن شاءت القدرة ذلك كان فكما بسط عزّ وجلّ لهم الأرض
ومهدها لهم يمشون عليها كذلك يُمشيهم في الهواء كل ذلك
بيده لا ترتبط قدرته بعادة جارية حتى يظهر عند وجودها
تأثير في الوجود ويعدم عند عدمها بل القدرة صالحة لأن تبدي
ما شاءت عند وجود العادة وعند عدمها وإنما العادة من الله
تعالى لحكمة استأثر بها فإن شاء أبقاها وإن شاء أزالها وقد
سئل عليه السلام حين أخبر
۱ هنا جواب لما سورة الأنعام من الآية ١٢٥
۹۷۱
عن الأشقياء المساكين الذين يمشون على وجوههم يوم القيامة
كيف يمشون فقال عليه السلام الذي أمشاهم في الدنيا على
أقدامهم قادر على أن يُمشيهم يوم القيامة على وجوههم ۱
الوجه السابع والعشرون فيه دليل على أن النبي كان مستقلاً
بنفسه في صعوده ولم يحتج إلى من يعينه لأنه عليه السلام
قال انطلقت مع جبريل فأفاد ذلك أنهما صعدا معاً لا يحتاج
أحدهما للآخر ولو قال انطلق بي جبريل لأفاد ذلك أن جبريل
عليه السلام كان حاملاً
له أو معيناً
وهذا أدل دليل على عظيم قدرة الله تعالى وأنه لا يعجزها
شيء - كما تقدم قبل - وعلى كرامة النبي و علو منزلته لأن
الله عزّ وجلّ قد أجرى العادة بأن البشر لا يصعد في الهواء
وأجرى العادة للملائكة بالصعود والنزول بحسب ما شاء لأنهم
خلقوا من جوهر لطيف وخلق البشر من جوهر كثيف فأبقى على
النبي الله صفة البشرية وأعطي حال العالم العلوي حتى صار
مع جبريل عليه السلام كما ذكر بل زاد على ذلك ما هو أعظم
في المعجزة وابهر وهو ركوبه على دابة من دواب الأرض التي
لا استطاعة لها بالصعود كل هذا إكراماً له عليه السلام
وتعظيماً وإظهاراً لقدرة الله تعالى حتى رجع له عليه
السلام ما كان عنده علم يقين - من أن القدرة صالحة لكل شيء
- عين يقين في هذه الأحوال المذكورة فما طلبه أبوه إبراهيم
عليه السلام من الانتقال من علم يقين إلى عين يقين في قوله
أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ
قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَينَ قَلبي اعطي ذلك للنبي صلى
الله عليه وسلم بغير طلب
الوجه الثامن والعشرون فيه دليل على أن للسماوات أبواباً
وعليها بوابين وخداماً وأنه لا يصعد أحد من الملائكة ولا
من غيرهم ممن شاء الله عزّ وجلّ حتى يستأذنهم في الفتح
لأنه عليه السلام أخبر أنهم حين أتوا إلى السماء قرع جبريل
الباب فقيل من هذا فأخبر باسمه واسم من معه وحينئذ فتح له
وفائدة هذا الإيمان بعظيم القدرة وصنعها ما شاءت كيف شاءت
الوجه التاسع والعشرون سؤال الملائكة عليهم السلام لجبريل
عليه السلام بقولهم من معك احتمل وجهين
أحدهما أن تكون تلك عادة لهم لا يصعد أحد ولا ينزل حتى
يُسأل هل هو وحده أو مع
۱ رواه الشيخان عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم سُئِل كيف يُحشر الكافر على وجهه قال أليس الذي
أمشاه على رجليه في الدنيا قادر على أن يُمشيه على وجهه
يوم القيامة وفي الباب رواية مشابهة للترمذي رقم ٣١٤٢
والإمام أحمد ٣٥٤/٢ و ٣٦٣
سورة البقرة من الاية ٢٦٠
غيره وإن كان جبريل عليه السلام هو الأمين لكن اقتضت
الحكمة أنه لا ينفذ هو وغيره إلا يعلمهم وسؤالهم تمشية
للحكمة وإظهاراً للقدرة
الثاني أن يكون سؤالهم له لما رأوا حين إقباله عليهم من
زيادة الأنوار وغيرها من المآثر الحسان زيادة على ما
يعهدونه منه فكان لهم ذلك دليلا على أن معه غيره فسألوه
عنه وهذا هو الأظهر بدليل قولهم من معك ولو كان لغير زيادة
رأوها لكان الاستفهام بأن يقولوا أمعك أحد فلما جاءت
الصيغة بقولهم من معك دل ذلك على أنهم سألوا من الشخص الذي
من أجله هذه الزيادة التي معك فأخبرهم بما أرادوا وهو
تعيين الشخص باسمه حتى عرفوه
الوجه الثلاثون قول جبريل عليه السلام حين سئل من معك فقال
محمد فيه دليل على أن الأسماء أرفع من الكنى لأنه أخبر
باسمه ولم يخبر بكنيته وهو عليه السلام مشهور في العالمين
العلوي والسفلي ولو كانت الكنية أرفع من الاسم لأخبر
بكنيته
الوجه الحادي والثلاثون استفهام الملائكة بقولهم أوقد
أُرسل إليه فيه دليل على أن أهل العالم العلوي يعرفون
رسالته عليه السلام ومكانته لأنهم سألوا عن وقتها هل حَلّ
لا عنها ولذلك أجابوا بقولهم مرحباً به ولَنِعْمَ المجيءُ
جاء وكلامهم بهذه الصيغة أدل دليل على ما ذكرناه من
معرفتهم بجلال مكانته عليه السلام وتحقيق رسالته ولأن هذا
أجلّ ما يكون من حسن الخطاب والترفيع على المعروف من عادة
العرب وقد قال بعض العلماء في معنى قوله تعالى لقد رأى
مِنْ وَايَتِ رَبِّهِ الكبرى ١ إنه رأى صورة ذاته المباركة
في الملكوت فإذا هو عروس
المملكة
الوجه الثاني والثلاثون قول الملائكة مرحباً به ولنعم
المجيء جاء مرحباً أي صادفت رُحْباً وسعة ولنعم المجيء جاء
احتمل وجهين أحدهما أن يكونوا قالوا ذلك لما عاينوا من
بركاته عليه السلام التي سبقته للسماء مبشرة بقدومه وهي
الأنوار وما أشبهها الثاني أن يكونوا قالوا ذلك لما عاينوا
له من الخير العظيم المدَّخر له هناك لوقته هذا وقد يحتمل
الوجهين معاً
الوجه الثالث والثلاثون قوله عليه السلام فأتيت على آدم
فسلمت عليه فيه دليل على أن السنة في السلام أن يبدأ به
المار على القاعد لأنه لما أن كان النبي ليل الامور العالى
ادم عليه السلام
ابتدأه بالسلام
۱ سورة النجم الآية ١٨ كذا والوجه أن يقول صادف
۹۷۳
الوجه الرابع والثلاثون فيه دليل على أنه لا يجوز في رد
السلام غير الصيغة المشروعة لأنه لم يقل له آدم عليه
السلام مرحباً إلا بعد ردّ السلام عليه على ما جاء في
رواية أخرى قال فيها فرد ثم قال مرحبا
الوجه الخامس والثلاثون قول آدم عليه السلام مرحباً بك من
ابن ونبي هل هذا اللفظ من آدم عليه السلام تأنيس للنبي لا
لا لا لولا أن الغريب أشدُّ أنسه ۱ في غربته بلقاء الأبوة
أو ذلك سرور منه بقرة عينه به احتمل الوجهين معاً
أما في حق آدم عليه السلام فظاهر لأن المرء أبداً يفرح
بزيارة ابنه عليه فإنه له ومنه في الحقيقة ولهذا قال تعالى
﴿ ابَاؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ
أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا قال بعض المفسرين في معناه لا
تدرون من يكون يوم القيامة أعلى درجة عند الله تعالى فيشفع
في صاحبه حتى يبلغه معه وهذه خصوصية بين الآباء والأبناء
لا توجد في غيرهم فترفيع أحدهما ترفيع للآخر وقد حصل لآدم
عليه السلام من هذا أوفر نصيب لأنه يكون يوم القيامة في
أحد ركابي النبي صلى الله عليه وسلم حين إعطائه لواء الحمد
وإبراهيم عليه السلام يكون في الركاب الآخر فحصل لآدم
وإبراهيم عليهما السلام اللذين هما الأبوان خصوصية في أوفر
حظ في هذه المنزلة ما لم يكن لغيرهما من الأنبياء عليهم
السلام
وأما في حق النبي صلى الله عليه وسلم فلأن الأبوة تقتضي
الإدلال عليها فكان ذلك تأنيساً للنبي صلى الله عليه وسلم
الوجه السادس والثلاثون قوله عليه السلام فأتينا السماء
الثانية إلى قوله فأتيت عيسى ويحيى فسلمت فقالا مرحباً بك
من أخ ونبي الكلام على الصعود إلى السماء الثانية
واستفتاحها وقول الملائكة مرحباً كالكلام على السماء
الأولى وقد مر وبقي الكلام هنا في قول عيسى ويحيى له
مرحباً بك من أخ ونبي وإنما قالا له ذلك لأن الأنبياء
عليهم السلام كالإخوة كما أخبر عليه السلام حيث قال لا
تفضلوا الأنبياء بعضهم على بعض نحن جميع الأنبياء أولاد
علات ۳ وأولاد علات في لغة العرب أن يكون الأب واحداً
والأمهات مختلفة فنسبة الأب هنا - أعني بين الأنبياء عليهم
السلام - هو اجتماعهم في درجة النبوة ونسبة الأمهات بينهم
هو
اختلافهم في رفع المنازل واختلاف الشرائع
۱ يعني
انسه اشد
سورة النساء من الآية ۱۱
۳ رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ لا تفضلوا
بين أنبياء الله الخ وفي رواية أخرى لهما بلفظ أنا أولى
الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والاخرة ليس بيني وبينه
نبي والأنبياء أولاد علات أمهاتهم شتى
ودينهم واحد
٩٧٤
الوجه السابع والثلاثون قوله عليه السلام فأتينا السماء
الثالثة إلى قوله فأتيت على السماء السادسة الكلام على ذلك
كله كالكلام على السماء الأولى والثانية
وبقي هنا بحث في قوله عليه السلام على السماء معناه إلى
السماء السادسة لأنه معلوم أنهم كانوا صاعدين إليها ولا
تكون على هنا على بابها إلا أن لو كانا نازلين من السماء
السابعة فلما أن كانا صاعدين كانت على بمعنى إلى بالضرورة
وهو سائغ في السنة العرب و مستعمل عندهم كثيراً فعلى هذا
فيكون معنى قوله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ
اسْتَوَى ۱ وقوله تعالى ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ
٢ أي أتى العرش فاستوى إلى العرش فيكون مثل قوله تعالى
ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانُ ﴾ ۳ أي
عمد إلى خلقها وكذلك هنا أي عمد إلى خلق العرش والذي عمد
لذلك هو أمره عزّ وجلّ - كما تقدم في الحديث قبل هذا - أن
أمره عزّ وجلّ هناك بمقتضى حكمته وإرادته فبطل بهذا احتجاج
أهل البدع والعناد إذ إن ما قررناه سائغ في السنة العرب
وهو في كلامهم كثير والقرآن بلغتهم نزل
وإنما ضل من ضل بسبب أنه يأخذ ألفاظ القرآن والحديث
فيتأولها بحسب لغته وفهمه فيضل بالضرورة وإنما ينظر في
القرآن بمقتضى لغة العرب التي بها نزل ولأجل هذا لم يستشكل
أحد قط من الصحابة شيئاً من ألفاظ القرآن ولا الحديث ولا
وقع لهم كلام فيما وقع لمن بعدهم لمعرفتهم بمعناه ومقتضاه
فلا يحتاجون فيه إلى بيان ولا إلى سؤال فلما أن انتقلوا
إلى رحمة ربهم طاهرين قلت معرفة لغتهم عند بعض الناس فلم
يتكلموا بها فدخل الخلل عند ذاك الإشكال على بعضهم وتوهموا
الفساد لعدم المعرفة باللغة العربية فمن تأوَّل القرآن
والحديث بمقتضى لغتهم انتفت عنه تلك التوهمات ورجع القرآن
والحديث عنده كالشيء الواحد بعضه يبين بعضاً وقوله عليه
السلام فأتيت موسى فسلمت عليه فقال مرحباً بك من أخ ونبي
الكلام عليه
كالكلام على الأنبياء قبله وقد مرّ
الوجه الثامن والثلاثون قوله عليه السلام فلما جاوزت موسى
بكى فقيل ما أبكاك قال يا رب هذا الغلام الذي بعث بعدي
يدخل الجنة من أمته أفضل مِمَّا يدخل من أمتي يرد على هذا
الفصل ثلاثة أسئلة الأول أنه يقال لِمَ كان بكاء موسى عليه
السلام الثاني من هو الذي قال
۱ سورة طه من الآية ٥
سورة الأعراف من الآية ٥٤ يونس من الآية الرعد من الآية
الفرقان من الآية ٥٩ السجدة من الاية ٤ الحديد من الآية ٤
۳ سورة فصلت من الاية ۱۱
۹۷۵
له ما أبكاك هل الملائكة أو الخالق عزّ وجلّ الثالث لِمَ
قال موسى عليه السلام هذا الغلام ولم يقل غير ذلك من
الصَّيَخ
والجواب عن الأول أن الأنبياء عليهم السلام قد جعل الله
تعالى في قلوبهم الرحمة والرأفة لأممهم وركّبهم على ذلك
وقد بكى النبي الله فسئل عن بكائه فقال هذه رحمة جعلها
الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ۱
والأنبياء عليهم السلام قد أخذوا من رحمة الله عزّ وجلّ
أوفر نصيب فكانت الرحمة في قلوبهم لعباد الله أكثر من
غيرهم فلأجل ما كان لموسى عليه السلام من الرحمة واللطف
بكى إذ ذاك رحمة منه لأمته لأن هذا وقت إفضال وجود وكرم
فرجا لعل أن يكون وقت القبول والإفضال فيرحم الله تعالى
أمته ببركة هذه الساعة فإن قال قائل كيف يكون هذا وأمته لا
تخلو من قسمين قسم مات على الإيمان وقسم مات على الكفر
فالذي مات على الإيمان لا بد له من دخول الجنة والذي مات
على الكفر لا يدخل الجنة أبداً فبكاؤه لأجل ما ذكرتم لا
يسوغ إذ إن الحكم فيهم قد مر ونفذ
قيل له وذلك أن الله عزّ وجلّ قدَرُه على قسمين بما شاء
فقدَر قدره وقدَّر أن ينفذ على كل حال من الأحوال وقدَر
قدّره وقدّر ألا ينفذ ويكون دفعه بسبب دعاء أو صدقة أو غير
ذلك ومثال ذلك دعاء النبي الله بالثلاث دعوات لأمته وهي
ألا يُظهِر عليهم عدواً من غيرهم وألا صلى الله عليه وسلم
يُهلكهم بالسنين فأعطيهما ودعا ألا يجعل بأسهم بينهم
فمنعها فاستجيب له عليه السلام في الاثنتين ولم يستجب له
في الثالثة ٢ وقيل له هذا أمر قد قدَّرتُه أي أنفذته فكانت
الاثنتان من القدر الذي قدره الله عزّ وجلّ وقدر ألا ينفذ
بسبب الدعاء وكانت الدعوة الثالثة من القدر الذي قدره عزّ
وجلّ وقدّر إنفاذه على كل الأحوال لا يرده راد وسيأتي لهذا
زيادة إيضاح في الكلام على اخر الحديث في فرض الصلاة خمسين
فلأجل ما ركب موسى عليه السلام من اللطف والرحمة بالأمة
طمع لعل أن يكون ما اتفق لأمته من القدر الذي قدره الله
عزّ وجلّ وقدر ألا ينفذ بسبب الدعاء والتضرع إليه وهذا وقت
۱ رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أسامة بن زيد رضي
الله عنه ولفظه أمرني رسول الله فأتيته بابنة زينب ونفسها
تقعقع كأنها في شنّ فقال رسول الله الله لله ما أخذ وله ما
أبقى وكلُّ إلى أجل قال فدمعت عيناه فقال له سعد بن عبادة
يا رسول الله أترق أولم تَنهَ عن البكاء فقال رسول الله
إنما هي رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من
عباده الرحماء هذا معنى لحديث رواه الإمام أحمد والطبراني
عن أبي بصرة الغفاري أن النبي الله قال سألت ربي فأعطاني
ثلاثاً ومنعني واحدة سألته الا يجمع أمتي على ضلالة
فأعطانيها وسألته ألا يُهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم
قبلهم فأعطانيها وسألته الا يُظهر عليهم عدوا من غيرهم
فأعطانيها وسألته ألا يُلْبِسَهم شِيَعاً ولا يُذيقَ
بعضُهم بأس بعض فمنعنيها
أربعاً
٩٧٦
يرجى فيه التعطف والإحسان من الله تعالى لأنه وقت أسري فيه
بالحبيب ليخلع عليه خلع القرب والفضل العميم فطمع الكليم
لعل أن يلحق لأمته نصيب من ذلك الخير العظيم وقد قال عليه
السلام إن الله نفحات فتعرضوا لنفحات الله ۱ وهذه نفحة من
النفحات فتعرض لها موسى عليه السلام فكان أمر قد قدر
والأسباب لا تؤثر إلا بما سبقت القدرة بأنها فيه تؤثر وما
كان من قضاء
نافذ لا ترده الأسباب فإنه حتم قد لزم كما تقدم في الدعوة
الثالثة من دعوات النبي لأمته ومثل هذا ما حكى الله عزّ
وجلّ في كتابه عن عيسى عليه السلام حيث يقول يوم القيامة
إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ
لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وعيسى عليه
السلام عالم بكفرهم إذ إنهم جعلوا الله ولداً وجعلوا الله
صاحبة وعالم بأن الكفار لا مدخل لهم في المغفرة لكن قال
ذلك رجاء لعل أن يكون ذلك من القدر الذي قدره الله تعالى
وقدر ألا ينفذ فكان من القدر الذي قدره الله تعالى
وقَدَّرَ إنفاذه على كل حال فقال عزّ وجلّ عند ذلك و هَذَا
يَوْمُ يَنفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ أي الأمر كذلك لكن
سبقت إرادتي وحكمتي ونفذ قضائي بأني لا أرحم اليوم إلا
الصادقين دون غيرهم فكان بكاء موسى عليه السلام من هذا
القبيل
ولوجه آخر أيضاً وهو البشارة للنبي الله وإدخال السرور
عليه يشهد لذلك بكاؤه حين ولى عنه وقبل أن يبعد منه لكي
يسمعه لأنه لو كان البكاء خاصاً بموسى عليه السلام على
الوجه المتقدم لم يكن ليبكي حتى يبعد عنه النبي الله فلا
يسمع يبعد عنه النبي هلال الهلال فلا يسمع لأن بكاءه
والنبي صلى الله عليه وسلم يسمعه فيه شيء ما من التشويش
عليه فلما أن كان المراد ما يصدر من البشارة له عليه
السلام بسبب البكاء بكي والنبي منه بحيث يسمعه والبشارة
التي يتضمنها البكاء هي قول موسى عليه السلام الذي هو أكثر
الأنبياء أتباعاً أن الذين يدخلون الجنة من أمة محمّد عليه
السلام أكثر مما يدخلها من أمة موسى عليه السلام
فإن قال قائل لو كان بكاؤه عليه السلام لأجل هذا المعنى
لصدر منه حين قدوم النبي عليه قيل له إنما لم يبك إذ ذاك
لأن البكاء سبب للنفور والوحشة والقادم السنّةُ فيه أن
يُبَس إليه ويُكرم فعمل أولاً سنَّةَ القدوم فلما أن انفصل
مجلس البشاشة أعقبه ببكاء البشارة
۱ روى الحكيم الترمذي في النوادر والطبراني في الأوسط عن
محمد بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن
لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها لعل أحدكم يصيبه
منها نفحة فلا يشقى بعدها أبداً
سورة المائدة الآية ۱۱۸ ۳ سورة المائدة من الآية ۱۱۹
۹۷۷
والجواب عن السؤال الثاني وهو هل المتكلم لموسى عليه
السلام المخلوق أو الخالق الظاهر أن ذلك من الله تعالى يدل
على ذلك قوله في الجواب يارب والجواب عن الثالث أن العرب
إنما تطلق على المرء غلاماً إذا كان سيداً فيهم فلأجل ما
في هذا اللفظ من الاختصاص على غيره من الألفاظ بالأفضلية
ذكره موسى عليه السلام ولم يذكر غيره تعظيماً للنبي الله
له ولو ولو أن الغلام عند العرب هو الصغير السن وهو عليه
السلام في عمره سيما في ذلك الوقت بالنسبة إلى أعمار من
تقدمه من الرسل صلوات الله عليهم أجمعين صغير السن ومع ذلك
تقدم الجميع ورقي عليهم لما خصه الله به من الرفعة
والتعظيم وما أمده في الباطن و غذاه به من روح قدسه فلاجل
ذلك سماه موسى عليه السلام بهذا الاسم دون غيره والله
أعلم
الوجه التاسع والثلاثون قوله عليه السلام فأتينا السماء
السابعة إلى قوله مرحباً بك من ابن ونبي الكلام عليه
كالكلام على ادم عليه السلام
وبقي هنا سؤال وهو أن يُقال لم كان هؤلاء الأنبياء عليهم
السلام في السماوات دون غيرهم من الأنبياء عليهم السلام
ولم كان كل واحد منهم في سماء تخصه دون غيره ولم كان في
السماء الثانية نبيّان وفي غيرهما واحد
والجواب عنه أنه لا يخلو أن يكون ذلك من الله تعبّداً أو
لمعنى ظاهر ومعنى تعبد أنه لا يفهم البشر له حكمة وأما
الفعل في نفسه فهو لحكمة لا بدَّ منها فيه والله عزّ وجلَّ
يعلمها ومن شاء أطلعه عليها وإن كان ذلك لمعنى ظاهر وهي
الحكمة المفهومة من ذلك الترتيب فما هي فنقول وجه الحكمة
فيه - والله أعلم - أنه إنما كان آدم عليه السلام في
السماء الدنيا لأنه أول الأنبياء وأول الآباء وهو الأصل
ومنه تفرع من بَعدَه من الأنبياء وغيرهم فكان أولاً في
سماء الدنيا لأجل هذا المعنى ولأجل تأنيس النبوة بالأبوة
كما ذكرنا في الغربة 1
وأما عيسى عليه السلام فإنما كان في السماء الثانية لأنه
أقرب الأنبياء إلى النبي لله ولا اتحت شريعة عيسى عليه
السلام إلا بشريعة محمّد عليه السلام ولأنه ينزل في آخر
الزمان لأمة النبي بشريعته ويحكم بها ولهذا قال عليه
السلام أنا أولى الناس بعيسى فكان في السماء
1 يشير المؤلف إلى ما جاء في الوجه الخامس والثلاثين من
أنس الأبوة بالنبوة ويقصد أنسَ ادم عليه السلام بالنبي وقد
تكون إشارة المؤلف تمهيدا لما سيورده بعد قليل من أنس
النبي الا الله بأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام
حيث التقيا في السماء السابعة تقدم تخريجه قبل قليل
۹۷۸
الثانية لأجل هذا المعنى وإنما كان يحيى عليه السلام معه
هناك لأنه ابن خالته وهما كالشيء الواحد فلأجل التزام
أحدهما بالآخر كانا هناك معاً
وإنما كان يوسف عليه السلام في السماء الثالثة لأنَّ على
حسنه تدخل أمة النبي الا الله الجنة ۱ فأُرِي له هناك لكي
يكون ذلك بشارة له عليه السلام فيُسَر بذلك وإنما كان
إدريس عليه السلام في السماء الرابعة لأنه هناك توفي ولم
تكن له تربة في الأرض على ما ذكر ٢
وإنما كان هارون عليه السلام في السماء الخامسة لأنه ملازم
لموسى عليه السلام لأجل أنه أخوه وخليفته في قومه فكان
هناك لأجل هذا المعنى وإنما لم يكن مع موسى عليه السلام في
السماء السادسة لأن لموسى مزية وحرمة وهو كونه الكليم
واختص بأشياء لم تكن لهارون عليه السلام فلأجل هذا المعنى
لم يكن معه في السماء السادسة ولأجل المعنى الأول كان في
السماء الخامسة ولم يكن فيما دونها أو في الأرض
وإنما كان موسى عليه السلام في السماء السادسة لأجل ما
اختص به من الفضائل ولأنه الكليم وهو أكثر الأنبياء
أتباعاً بعد النبي لا ل ا ل فكان فوق من ذكر لأجل ما اختص
به من الفضائل وإنما كان إبراهيم عليه السلام في السماء
السابعة لأنه الخليل والأب الأخير ولأن النبي يصعد من هناك
إلى عالم آخر غير ما هو فيه الآن وهو اختراق الحجب فيحتاج
إذ ذاك أن يتجدد له أنس أيضاً لأن الغربة زادت إذ ذاك فكان
إبراهيم عليه السلام هناك لأجل ما يجد النبي صلى الله عليه
وسلم من الأنس به وذلك لثلاثة معان لكونه الأب الأخير
ولكونه أباً من طرفين بالنسب في الأبوة وبالاتباع في الملة
كما قال تعالى مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمُ ۳ ولأنه
الخليل كما تقدم ولا إلى أحد أفضل من الخليل إلا الحبيب
والحبيبها هو ذا قد علا ذلك المقام فكان الخليل فوق الكل
لأجل خلته وفضله وارتفع الحبيب فوق الكل لأجل ما اختص به
مما زاد به عليهم
يدل على ما قررناه الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى
تِلكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ
مِنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ
دَرَجَةٍ ٤ وأما السنة فقوله عليه السلام أنا سيّدُ ولدِ
آدمَ
۱ كأن المعنى تدخل أمة النبي الجنة قبل أمة يوسف عليه
السلام
رفع إدريس عليه السلام وهو حي كعيسى عليه السلام وهو في
قلب السماوات له شأنه العظيم بين الأنبياء ويفيض الشيخ
الأكبر ابن عربي في سرّ موضعه من السماوات
۳ سورة الحج من الآية ۷۸ ٤ سورة البقرة من الآية ٢٥٣
۹۷۹
يوم القيامة ولا فخر ۱ وقوله عليه السلام آدم ومن دونه تحت
لوائي فحصل لهم الكمال والدرجة الرفيعة وهي درجة الرسالة
والنبوة وَرُفِعُوا بعضُهم فوق بعض درجات بمقتضى الحكمة
ترفيعاً للمرفوع دون تنقيص بالمتروك الله عزّ وجلّ أعلم
الوجه الأربعون رؤيته عليه السلام لهؤلاء الأنبياء عليهم
السلام احتملت وجوهاً الأول أن يكون عليه السلام عاين كلَّ
واحد منهم في قبره في الأرض على الصورة التي أخبر بها من
الموضع الذي ذكر أنه عاينه فيه فيكون الله عزّ وجلّ قد
أعطاه من القوة في البصر والبصيرة بما أدرك ذلك يشهد لهذا
الوجه قوله عليه السلام رأيت الجنة والنار في عُرْضِ هذا
الحائط وهو محتمل لوجهين أحدهما أن يكون عليه السلام راهما
في ذلك الموضع كما يقال رأيت الهلال في منزلي من الطاق
والمراد من موضع الطاق الوجه الثاني أن يكون مثل له
صورتهما في عُرْض الحائط والقدرة صالحة لكليهما
الثاني أن يكون عليه السلام عاين أرواحهم هناك في صورتهم
الثالث أن يكون الله عزّ وجلّ لما أن أراد إسراء نبيه عليه
السلام رفعهم في قبورهم لتلك المواضع إكراماً لنبيه عليه
السلام وتعظيماً حتى يحصل له من قبلهم ما أشرنا إليه من
الأنس والبشارة وغير ذلك مما لم نشر إليه ولا نعلمه نحن
وإظهاراً له عليه السلام للقدرة التي لا يغلبها شيء ولا
تعجز عن شيء وكل هذه الوجوه محتملة ولا ترجيح لأحدها على
الآخر إذ إن القدرة صالحة لكل منها ولكلها معاً
الوجه الحادي والأربعون فيه دليل لأهل الصوفة حيث يقولون
بأن الأعلى يكاشف من دونه في المقامات ولا يكاشفونه في
مقامه الخاص لأن النبي لما أن كان أعلى الأنبياء عليهم
السلام مقاماً اطلع على مقاماتهم حين صعوده ولم يطلع أحد
منهم على مقامه الخاص
الوجه الثاني والأربعون قوله عليه السلام فرفع إليَّ البيت
المعمور معناه أنه أري له وقد يحتمل أن يكون المراد الرفع
والرؤية معاً لأنه قد يكون بينه وبين البيت عوالم حتى لا
يقدر على إدراكه فرفع إليه وأُمِدَّ في بصره وبصيرته حتى
رآه وقد يحتمل أن تكون تلك العوالم التي كانت بينه وبينه
أزيلت حتى أدركه ببصره وقد يحتمل أن يكون بقي العالم على
حاله والبيت على حاله
۱ رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد رضي
الله عنه وتتمة الحديث وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من
نبي يومئذ ادم فمن سواه إلا تحت لوائي وأنا أول شافع وأول
مشفع ولا فخر رواه البخاري في الفتن بلفظ والذي نفسي بيده
لقد عرضت عليّ الجنة والنار انفاً في عرض هذا الحائط وأنا
أصلي فلم أر كاليوم في الخير والشر
۹۸۰
وأُمِدَّ في بصره وبصيرته حتى أدركه وعاينه والقدرة صالحة
للكل يشهد لذلك قوله عليه السلام
رفع إلي بيت المقدس على ما سيأتي والتأويل فيه كالتأويل في
البيت المعمور
الوجه الثالث والأربعون قوله عليه السلام فسألت جبريل فيه
دليل على أن أهل الفضل وإن تناهوا في السؤدد والرفعة إذا
رأوا شيئاً لا علم لهم به أن يسألوا عنه من يعلم ذلك وليس
ذلك مما يخل بمنصبهم لأن النبي الله في الفضل والسؤدد حيث
قد علم وفي هذا الحال قد كان تناهى ارتقاؤه حيث أخبر لكن
لما أن رأى شيئاً لا علم له به ووجد من سأل عنه سأله
الوجه الرابع والأربعون قوله هذا البيت المعمور يصلي فيه
كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا آخر ما عليهم
فيه دليل على عظيم قدرة الله تعالى وأنه لا يعجزها شيء لأن
هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم هذا العدد العظيم منذ
خلق الله تعالى الخلق إلى الأبد ثم طائفة هذا اليوم لا
ترجع إليه أبداً ومع أنه قد روي أنه ليس في السماوات ولا
في الأرض موضع شبر - وقيل قدر أربعة أصابع - إلا ومَلَكٌ
واضع جبهته هناك ساجد ۱ ثم البحار ما من قطرة إلا وبها ملك
موكل بها فإذا كانت السماوات والأرض والبحار هكذا فهؤلاء
الملائكة الذين يدخلون أين يذهبون هذا من عظيم القدرة التي
لا يشبهها شيء ولا تتوقف عن شيء
الوجه الخامس والأربعون فيه دليل على أن الملائكة أكثر
المخلوقات لأنه إذا كان سبعون ألف ملك كل يوم يصلّون في
البيت - على ما تقدم ذكره - لم لا يعودون آخر ما عليهم مع
أن الملائكة في السماوات والأرض والبحار - على ما تقدم
ذكره - فهم على هذا الظاهر أكثر المخلوقات وقد روي أن الله
مَلَكاً له خَلْق عظيم يطول وصفه يَعْتَسِل كل يوم ثم
ينتفض في ريشه فكل قطرة تقطر منه يخلق الله عزّ وجلّ منها
مَلَكاً وقد روي أن ثَمّ ملائكة يسبحون الله عزّ وجلّ
فيخلق الله تعالى بكل تسبيحة مَلَكاً هذا عدا الملائكة
التي خُلِقت للتعبّد وعدا الملائكة الموكلين بالنبات
والأرزاق والحَفَظة وقد روي أن ما لله تعالى من المخلوقات
من حيوانات وغيرها - عدا بني آدم الذين لهم الحفظة - إلا
ومعه مَلَكان أحدهما يهديه إلى رزقه والآخر إلى مصالحه
فكانوا أكثر المخلوقات بمقتضى هذه الظواهر
۱ رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وصححه الحاكم عن
أبي ذر رضي الله عنه بلفظ إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا
تسمعون أطّت السماء وحق لها أن تنط ما فيها موضع أربع
أصابع إلا ومَلَك واضع جبهته الله تعالى ساجداً والله لو
تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم
بالنساء على الفراش ولخرجتم إلى الصَّعدات تجأرون إلى الله
عزّ وجلّ
۹۸۱
الوجه السادس والأربعون فيه دليل على أن الصلاة أفضل
العبادات إذ إنها اشترك فيها أهل العالمين العلوي والسفلي
أعني أنهم مأمورون بجنسها
الوجه السابع والأربعون فيه دليل على استغناء الله تعالى
عن خلقه وأنه لا تنفعه طاعة الطائع ولا تضره مخالفة
المخالف لأنه عزّ وجلّ خلق هذا الخلق العظيم ووكل بعضهم
بحفظ منافع بعض ووكل بعضهم بفعل أشياء وإتقانها والكل ليس
بيدهم في ذلك شيء ولا لهم على ما يفعلون قدرة بل قدرة الله
عزّ وجلّ هي الحافظة لكل ذلك والمصلحة له وإنما ذلك من
الله تعبد يتعبد به مِن خلقه مَن شاء كيف شاء بما شاء
ثم إنه عزّ وجلّ خلق الخلق وقسمهم على أقسام فقوم خلقهم
للسعادة لا غير واختصهم بعبادته وجعل العبادة لهم قوتاً
وعيشاً ويسرها عليهم وأجراها لهم كمِثل النَّفَسِ لبني آدم
وهم الملائكة وقوم خلقهم للشقاوة والطرد والبعد وجعلهم
أهلاً للشر وأسبابه وهم الشياطين وقوم خلقهم وأدارهم بين
هذين القسمين شقي وسعيد وجعل لهم الثواب على الطاعات
والعقاب على المخالفات وهم بنو آدم والجن ثم قسم بني ادم
والجن على أقسام فمنهم القسمان المتقدمان وخلق منهم فيتوب
عليهم لقوله عليه السلام لو لم تذنبوا لأتى الله بقوم
يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم ۱ وخلق منهم قوماً يعصون فلا
يغفر لهم ولا حيلة لهم في السعادة بعدها للمقدور الذي سبق
عليهم وخلق منهم قوماً فيهم نصيب للعذاب ونصيب للرحمة
طائفة يعصون
فلو كان عزّ وجلّ تنفعه طاعة الطائع لخلق الكلّ للطاعة ولو
كانت تضره معصية العاصي لم يكن ليعفو عمن عصاه والعاقبه
على كل حال ولأجل هذه المعاني التي أشرنا إلى شيء منها قال
عليه السلام تفكر ساعة خير من عبادة سنة ۳ وفي رواية خير
من عبادة الدهر لأنه إذا تفكر المرء في شيء من هذه القدرة
العظمى والحكمة الكبرى بان له الحق واتضح فأذعن عند ذلك
الله وسلم له في مقدوره وازداد بذلك محبة في التعبد لمن له
هذا الملك العظيم إذ بالعبادة يتقرب إليه فأنس عند ذلك بها
واستوحش من ضدها وأنس بالخلوة عن الخلق لأجل فراغه للتعبد
والنظر فيما أشرنا إليه واستوحش عند المخالطة لذهاب ذلك
الوصف عنه
ولهذا المعنى لما أن دخل بعضهم على بعض الفضلاء من أهل
الصوفة وجده وحده فسأله
۱ رواه الإمام أحمد ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ
والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء
بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم تقدم تخريجه في الحديث ۱
۹۸
وحدك قال رضي الله عنه الآن أنا وحدي يعني ا كان في خلوته
مشتغلاً بشيء مما أشرنا إليه إما من تعبد أو فكرة فأنس ذلك
مع ربه ثم لما أن جاءه ذهب ذلك عنه وهو يجد بذلك الوحشة
فكان وحده لأجل هذا المعنى
ولهذا المعنى قال بعض الفضلاء أوصيك بأن تديم النظر في
مرآة الفكرة مع الخلوة فهناك
يبين لك الحق
والتفكر في معاني هذا الحديث يزيد في الإيمان أضعاف أضعافه
إذا رزق صاحبه التوفيق وإنما تكلمنا على هذا المعنى إشارة
ليتنبه الطالب والمريد لما عدا تلك المعاني التي أشرنا
إليها لعلها تكون له سلماً وسبباً إلى الارتقاء والفهم
فيما عداها الوجه الثامن والأربعون قوله عليه السلام ورفعت
إليَّ سدرة المنتهى الكلام عليه كالكلام على قوله ورفع
إليَّ البيت المعمور وقد مر وإنما سميت بهذا الاسم لأن
إليها تنتهي هناك ينزل الأمر وتتلقى الأحكام وعندها تقف
الحفظة وغيرهم ولا يتعدونها فكانت
ومن
الأعمال
منتهى لأن إليها ينتهي ما يصعد من السفل وما ينزل من
العالم العلوي من أمر العلي القدير الوجه التاسع والأربعون
قوله عليه السلام فإذا نَبْقُها كأنه قِلال هَجَر وورقها
كأنه آذان الفيلة النَّبق هو الثمرة التي تثمرها هذه
الشجرة وقدرها قدر قُلَّة هَجَر وقُلَّة هَجَر أكبر أواني
أهل الأرض من جنسها على ما كان أهل الحجاز يعهدون وإنما
شبه عليه السلام نَبْقها بالقِلال وورقها بآذان الفيلة
لأنه ليس في الدنيا ما يُشبِهُهُما من جنسها فأشار إلى ذلك
ليُعلم قدرُها وأما
حسنها فلا يتوصل إليه إلا من أطلعه الله عزّ وجلّ عليها أو
يراها في الآخرة إن شاء الله تعالى الوجه الخمسون قوله
عليه السلام في أصلها أربعة أنهار نهران باطنان ونهران
ظاهران هذا اللفظ يحتمل أن يكون على الحقيقة ويحتمل أن
يكون من باب تسمية الشيء بما قاربه فإن كان على الحقيقة
فتكون هذه الأنهار تنبع من أصل الشجرة نفسها فتكون الشجرة
حلوة الثمر وأصلها ينبع منه الماء والقدرة لا تعجز عن هذا
ولا عن شيء ممكن مهما كان وإن كان من باب تسمية الشيء بما
قاربه فتكون الأنهار تنبع قريباً من أصل الشجرة
ثم بقي احتمال هل الشجرة مغروسة في شيء أم لا محتمل
للوجهين معاً لأن القدرة صالحة لكليهما فكما جعل عزّ وجلّ
هنا الأرض للشجرة مقراً كذلك يجعل الهواء لتلك مقراً وكما
رجع النبي الا الله و يمشي في الهواء كما كان يمشي في
الأرض وكما كان جبريل عليه السلام جالساً على كرسي بين
السماء والأرض - والقدرة لا تعجز عن هذا كله ولا عن أمثاله
وأمثال أمثاله إلى ما لا نهاية له - ولأن بالقدرة استقرت
الأرض وتمهدت مع أنها على الماء لأن الأرض
۹۸۳
بما فيها على الماء ـ على ما جاءت به الأخبار - فإمساكها
بمن يمشي عليها أعظم في القدرة من إمساكها وحدها ومن إمساك
المخلوقات دونها وإنما يتعاظم هذا لكون الله عزّ وجلّ أجرى
العادة بالمشي على الأرض والاستقرار عليها ولم يُجرِ ذلك
في الهواء والقدرة ليست مرتبطة بالعادة الجارية ولو شاء
عزّ وجلّ أن يجعل الأمر بالعكس لفعل ولو فعل ذلك لعظم
أيضاً في أعين الناظرين من يمشي على الأرض لأجل العادة
الجارية وقد روي أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود فهي
تجري في مواضع معلومة لا تتعداها من غير شيء يمسكها ولا
يردّها فمن كانت هذه قدرته فكيف يقع الإنكار أن تكون شجرة
في الهواء مع عظيم هذه القدرة ويحتمل أن تكون الشجرة
مغروسة بأرض - وهو الأظهر - بدليل قوله ونهران باطنان ولا
يطلق هذا اللفظ وما أشبهه إلا على ما يفهم والباطن لا بدَّ
له أن يكون سريانه تحت شيء يستره وحينئذ يطلق عليه اسم
الباطن ثم بقي الاحتمال في الأرض إذا قلنا بها هل هي من
تراب الجنة أو هي تورية أو غير ذلك محتمل لكل ذلك
الوجه الحادي والخمسون قوله عليه السلام فسألت جبريل
الكلام عليه كالكلام على سؤاله عليه السلام قبل ذلك
الوجه الثاني والخمسون قوله عليه السلام وأما الباطنان ففي
الجنة وأما الظاهران فالفرات والنيل فيه دليل على أن
الفرات والنيل ليسا من الجنة لأنه عليه السلام أخبر أن
جبريل عليه السلام أخبره أن هذه الأنهار منبعها من سدرة
المنتهى فيروح الباطنان إلى الجنة والفرات والنيل ينزلان
إلى الدنيا وسدرة المنتهى ليست في الجنة حتى يقال إنهما
يخرجان منها بعد نبعهما من الشجرة وهذا معارض لقوله عليه
السلام أربعة أنهار في الأرض من الجنة فذكر الفرات والنيل
وزاد سيحون وجيحون ۱
والجمع بينهما - والله أعلم - أنه قد يكون الفرات والنيل
منبعهما من سدرة المنتهى وإذا نزلا إلى الدنيا يسلكان
أولاً على الجنة فيدخلانها ثم بعد ذلك ينزلان إلى الأرض
وفي المسألة خلاف
ذكره العلماء
وهذا أدل دليل على أن الأشياء لا تؤثر بذواتها وإنما
القدرة هي المؤثرة في كلها إذ إن الأخبار قد وردت بأن من
شرب من ماء الجنة لا يموت ولا يفنى وأنه ليس له فضلة تخرج
على ما
۱ رواه الشيرازي في الألقاب كما في الفتح الكبير عن أبي
هريرة رضي الله عنه وبمعناه في مسند الإمام أحمد وصحيح
مسلم بلفظ سيحان و جيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة
انظر النهاية في الفتن والملاحم ٢٩٧/٢ لابن كثير
٩٨٤
يعهد في دار الدنيا وإنما خروجه رشحان مسك على البدن فجعلت
فيه هذه الخاصية العظمى ثم لما أن شاء الله عزّ وجلّ
بنزوله إلى هذه الدار نزعت منه تلك الخصوصية وأُبْقِيَ
جوهره بحاله وكل الخواص مثله في هذا المعنى إن شاء الله
عزّ وجلّ أبقى لها الخاصية وإن شاء سلبها مع بقاء
جوهرها ليس لذوات الخواص تأثير بل الخاصية خَلَقها والجوهر
خلقه بدليل ما نحن بسبيله الوجه الثالث والخمسون فيه دليل
على أن الباطن أجلّ من الظاهر لأنه لما أن كان الباطنان
أجلَّ جُعِلا في دار البقاء ولما أن كان الظاهران أقلَّ
أُخرجا إلى هذه الدار ولهذا قال عليه السلام إن الله لا
ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم ۱ وإن كانا معاً
مقصودين لكن جلّ المقصود هو الباطن كما قال عليه السلام في
الحج الحج عرفة يريد أن معظم الحج عرفة ولأجل هذا فاق أهل
الصوفة غيرهم لأنهم عملوا على صلاح الباطن فصلح منهم
الباطن والظاهر وأهل
الدنيا عملوا في تعبدهم على صلاح الظاهر ولم يلتفتوا إلى
الباطن ففسد منهم الظاهر والباطن الوجه الرابع والخمسون
قوله عليه السلام ثم فرضت عليَّ خمسون صلاة يرد على هذا
الفصل بحث دقيق وهو لم فرضت الصلاة في هذا الموطن دون
واسطة وغَيرُها من الفرائض لم يكن لها ذلك ومما يندرج في
هذا البحث أيضاً أن الشارع عليه السلام حض عليها ما لم يحض
على غيرها من الفرائض وجعلها فرقاً بين الإيمان والكفر
وقال فيها موضع الصلاة من الدين موضع الرأس من الجسد ۳
وقال فيها وجعلت قرة عيني في الصلاة 4 وقال فيها أرحنا بها
یا بلال إلى غير ذلك من الأحاديث الخاصة عليها
فنقول والله المستعان إنه إن كان ذلك تعبداً فلا بحث وإن
كان لحكمة فعند ذلك يحتاج إلى البيان والأصل - كما قدمنا
غير مرة - أن كل متعبَّد به إنما هو لحكمة ومما يدل على
ذلك قوله تعالى ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُونَ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
٦ وقوله عزّ وجلّ
۱ رواه مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ إن
الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم
وأعمالكم
قطعة
3 3 3
قطعة من حديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وقال
حسن صحيح ورواه النسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن عبد
الرحمن بن يعمر الديلمي ولفظه الحج عرفة من جاء قبل صلاة
الصبح من ليلة جمع فقد تم حجه أيام منى ثلاثة فمن تعجل في
يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ۳ رواه الديلمي
عن ابن عمر رضي الله عنه بلفظ كموضع بدلا من موضع الوارد
عند المؤلف رحمه الله ٤ تقدم تخريجه في الحديث ٦
٥ تقدم تخريجه في الحديثين ٤٢ و ٦٤
٦ سورة الأنعام الاية ٧٥
۹۸۵
في صفة المؤمنين وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا 1 فإذا
كانت السماوات والأرض لم تخلق إلا لحكمة فكذلك كلّ ما فيها
من المخلوقات وما كلفوا فيها من التكليفات كل شيء من ذلك
صادر عن حكمة وليس شيء منها عبثاً لكن ما جهلنا الحكمة فيه
لقلة الفهم قلنا عنه تعبداً أي تعبَّدَنا الله بذلك فعلى
هذا ففرض الصلاة هناك بغير واسطة وتحضيض الشارع عليه
السلام عليها بالأحاديث المذكورة لا بد لذلك كله من حكمة
وإذا كان ذلك لحكمة فنحتاج أن نبحث فيه ونبينه بحسب ما
ييسر الله فيه
فنقول والله المستعان أما قوله عليه السلام وجعلت قرة عيني
في الصلاة وقوله عليه
السلام أرحنا بها يا بلال فالمعنى في ذلك ظاهر من وجوه
الوجه الأول أنه عليه السلام يتذكر بها تلك المراجعات
الجليلة وهي خمسة مواطن كما ذكر في الحديث حين مراجعته
عليه السلام من أول الفرض إلى حين استقراره بين ربه عزّ
وجل وبين موسى عليه السلام
الثاني أنه في تلك الليلة المباركة - أعني ليلة المعراج -
رأى عليه السلام تعبد الملائكة في العالم العلوي فمنهم
قيام لا يلتفتون ومنهم رُكَّعٌ لا ينحرفون ومنهم سُجَّدٌ
لا يرفعون على ما نقل عنه عليه السلام في الحديث الصحيح
فإذا كان يوم القيامة قالوا بأجمعهم سُبّوح قدوس ما
عبدناكَ حقّ عبادتك فجمع الله عزّ وجلّ لنبيه عليه السلام
ولأمته جميع تلك العبادات في ركعة واحدة في أقل زمان وأقرب
فعل وهو قدر اطمئنان الأعضاء على ما نقل عنه عليه السلام
في حديث الأعرابي حيث قال له اركع حتى تطمئِنَّ راكعاً ثم
ارفع حتى تعتدل قائماً ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً
الثالث أنها فرضت أولاً مثقلة ثم خُفِّفت وأبقي الأجرُ على
ما كان عليه
الرابع أن الله عزّ وجلّ جعل فيها جملة من المراتب السنية
لنبيه عليه السلام ولأمته لأنه عزّ وجلّ يقول على لسان
نبيه عليه السلام قسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ۳
بالنظر إلى هذا النص على قسمين وهي بالنظر إلى البحث في
الحديث على خمس مراتب لأن الشارع عليه السلام أخبر أنه إذا
قال العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ يقول
الله حَمِدَني عبدي يقول العبد الرحمن الرحيم يقول الله
أثنى عليَّ عبدي يقول
فهي
۱ سورة ال عمران من الاية ۱۹۱ تقدم تخريجه في الحديث ٦٤
۳ رواه الإمام أحمد ومسلم والأربعة عن أبي هريرة رضي الله
عنه وهو حديث قدسي
٩٨٦
وَلا
العبد ملِكِ يَوْمِ الدِّينِ يقول الله مجدني عبدي يقول
العبد إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يقول الله
هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سال يقول العبد اهْدِنَا
الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ
عَلَيْهِمْ غَيْرِ الضالين ١ يقول الله هؤلاء لعبدي ولعبدي
ما سأل غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِـ فهذه خمس مراتب ثلاث
منها لجانب المولى جل جلاله وحقيقة النفع فيها للعبد إذ إن
الله عزّ وجلّ غنيّ عن عبادة الخلق إياه فهو عزّ وجلّ قد
رفع عبده في ثلاثة مقامات من المراتب السنيّة في هذه
السورة لأن لكل لفظ منها مَقاماً يخصّه وقد ذكر الله عزّ
وجلّ ذلك في كتابه حيث قال الحَمدُونَ وقال الذاكرون وقال
وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وقد جعل
الشارع عليه السلام لكل اسم وصفة مرتبة بحدتها فمن حلف
باسم أو بصفة فعليه كفارة واحدة فإن جمَع في اليمين أسماء
وصفاتٍ كانت عليه كفاراتٌ بعدد الأسماء والصفات أعني إذا
أفرد كل واحد من الأسماء والصفات
فجعل عزّ وجلّ لكل لفظة في كتابه وعلى لسان نبيه عليه
السلام مدحة ومنزلة فلما أن كانت الثلاث الأول كلها ثناء
على الله تعالى جعلها عزّ وجلّ قسماً واحداً فأضافها إلى
نفسه ولما أن كانت الآية الرابعة إقراراً له عزّ وجلّ
بالألوهية وطلباً منه للاستعانة قال هذا بيني وبين عبدي
ولما كان باقيها طلباً للعبد لا غير قال عزّ وجلّ ولعبدي
ما سأل فجعلها عزّ وجلّ أولاً على قسمين بقوله تعالى نصفها
لي ونصفها لعبدي ثم جعلها عند البيان على ثلاث مراتب خاص
به وخاص بالعبد ومشترك بينه وبين العبد
وهي بالتقسيم والنظر إلى البحث خمس كما قدمنا وهذه الخمس
أعني جنس العدد كثيراً ما يتردد في الصلاة على وجوه ومعان
مختلفة
خمس
فمنها أن أفعالها خمس وأقوالها خمس وأحوالها خمس وأسماءها
خمس ومراتبها
فأما الأفعال ففي كل ركعة قيام وركوع وسجدتان وجلوس وأما
الأقوال ففي كل ركعة تكبير وقراءة وتحميد وتعظيم ودعاء
وأما الأحوال ففي كل ركعة تَجَلّ وترفيع ومغفرة وإجابة
وقرب وتدان
۱ سورة الفاتحة الآيات ١ - ٧ سورة المعارج من الآية ٢٦
۹۸۷
وأما الأسماء فكما سماها الشارع عليه السلام ظهر و عصر و
مغرب وعشاء وصبح
وأما المراتب ففرض وسنة واستحباب ونفل وترغيب
أما الأفعال فظاهرة لا تحتاج إلى بيان
وأما الأقوال فالتكبير معلوم عند الإحرام وفي أركان الصلاة
والقراءة مثل قراءة أم القرآن وغيرها على ما ذكر في كتب
الفقه والتعظيم خاص بالركوع لقوله عليه السلام أما الركوع
فعظموا فيه الرب ۱ ونهى عن القراءة فيه والدعاء والتسبيح
مشروع في السجود لقوله عليه السلام حين أنزل عليه سَبِّح
اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فقال اجعلوها في سجودكم ۳ وقوله
عليه السلام أكثروا فيه من الدعاء فقَمِنٌ أن يُستجابَ لكم
أي حقيق يعني في السجود
وأما الأحوال فأولها التجلي وهو عند استفتاح الصلاة مرة
وفي كل ركعة مرة وأما الاستفتاح فمعلوم من الكتاب والسنة
أما الكتاب فقوله تعالى فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ
وَجْهُ اللهِ ﴾ ٤ وأما السنة فقوله عليه السلام إذا دخل
العبد في الصلاة أقبل الله عليه بوجهه فإذا التفت أعرض عنه
٥ وقوله عليه السلام إذا كان أحدكم يصلي فلا يَبصُقْ
قِبَلَ وجهه فإن الله تبارك وتعالى قبلَ وجهه إذا صلّى وفي
رواية فإنما يناجي ربه أو ربه بينه وبين القبلة ٦ ولأجل
هذا التجلي وهذه المناجاة وما
1 رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس
رضي الله عنهما بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا
وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً وساجداً فأما الركوع
فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فإنه
قمِنٌ
أن يُسْتَجابَ لكم سورة الأعلى من الاية ۱
۳ رواه أبو داود وابن ماجه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه
وتمام الحديث لما نزلت ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ
الْعَظِيمِ قال رسول الله و اجعلوها في ركوعكم ولما نزلت
سَبْح اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال اجعلوها في
سجودكم
٤ سورة البقرة من الآية ١١٥
٥ روي ذلك في عدة أحاديث متفقة في المعنى مختلفة في اللفظ
منها ما رواه الإمام أحمد وأبو داود وصححه ابن خزيمة
والحاكم عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي له الا الله قال
لا يزال الله مقبلا على العبد في صلاته ما لم يلتفت فإذا
صرف وجهه انصرف عنه
٦ متفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه بلفظ أن رسول الله
الله ما رأى نخامة في القبلة فشق ذلك عليه حتى رئي في وجهه
فقام فقام فحكه بيده فقال إن أحدكم إذا قام في الصلاة
فإنما يناجي ربه فإن ربه بينه وبين القبلة فلا يبزقن أحدكم
قبل قبلته ولكن عن يساره أو تحت قدمه ثم أخذ طرف ردائه
فبصق فيه ثم ردّ بعضه على بعض فقال أو يفعل هكذا
۹۸۸
أشرنا إليه في الصلاة من المقامات وما يأتي بعده كلام
العلماء رضوان الله عليهم بصيغ مختلفة لعله أن يحصل للمصلي
مما أشرنا إليه شيء فمنها ما قاله الغزالي رحمه الله في
القائم إلى الصلاة عند الإحرام بعد توفية تلك الشروط الخمس
۱ فيها فقال يُمثل الجنةَ عن يمينه والنار عن شماله
والصِّراطَ بين قدميه والله عزّ وجلّ قبالة وَجهِه وقال
غيره بل يُحضر جميعَ العوالم في خاطره ثم يُحضر نفسه أنه
بين يدي خالقها والأقاويل في هذا المعنى متعددة والموطن
الثاني من التجلي الذي هو في كل ركعة هي القراءة لمن قرأ
بصدق وإخلاص
لأنها تجلُّ بالصفة الجليلة والصفة لا تفارق الموصوف
وأما الترفيع ففي كل ركعة مواطن منها الركوع إذا قصد به
الخضوع الله تعالى كما شرع له لأن في ضمن ذلك الترفيع
لقوله عليه السلام من تواضع لله رفعه الله ومنها السجود
لقوله عليه السلام أقرَبُ ما يكون العبد من الله إذا كان
ساجداً وبطنه جائعاً ۳
وأما المغفرة ففي كل ركعة موطنان الأول عند قوله آمين بعد
قوله ﴿ وَلَا الضالين لقوله عليه السلام في ذلك إذا قال
أحدكم آمين وقالت الملائكة في السماء امين فوافقت إحداهما
الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه ٤ والموطن الثاني من
المغفرة قوله ربَّنا ولك الحَمدُ بعد قوله سمع الله لِمَن
حَمِدَه لقوله عليه السلام فيه أيضاً مَن وافَق قوله
قَوْلَ الملائكة غفر له ما تقدَّم من ذنبه وقد مرَّ الكلام
على الموافقة ما هي هل هي في الإخلاص أو في الزمان عند ذكر
الحديث نفسه وهو قوله عليه السلام إذا قال الإمام سَمع
الله لمن حمده
فقولوا اللهم ربَّنا ولك الحمد فإنه من وافق قوله قول
الملائكة غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه ٥ وأما الإجابة ففي
كل ركعة موطنان الأول عند قوله وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾
إلى آخر السورة لقوله عزّ وجلّ ولعبدي ما سأل كما تقدم
والموطن الثاني في السجود لقوله عليه السلام أكثروا فيه من
الدعاء فقَمِنٌ أن يُستجاب لكم كما تقدم وأما القرب
والتداني ففي كل ركعة موطن واحد عند قوله إِيَّاكَ
نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ ﴿
١ كذا وهو جائز باعتبار الجمع مؤنثاً
رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة رضي الله عنه وفي
مسلم وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ۳ رواه مسلم وأبو
داود والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه وليس فيه عبارة
وبطنه جائعاً ٤ رواه البخاري بلفظ إذا قال أحدكم امين
وقالت الملائكة في السماء امين فوافقت إحداهما الأخرى غفر
له ما
تقدم من ذنبه
٥ متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
۹۸۹
ن ﴾ لقوله عزّ وجلّ فهذه بيني وبين عبدي فسوّى عزّ وجلّ
بينه وبين عبده دون
ترفيع لذاته الجليلة وهذا هو غاية التداني والقرب من طريق
المنّ والإفضال
ولا يتوهم متوهم أن ما ذكرناه هنا معارض لما قدمناه من
قوله عليه السلام أقرب ما يكون العبد من الله إذا كان
ساجداً وبطنه جائعاً لأن بينهما فرقاً وهو أن ما أخبر به
عليه السلام مما تقدم حال أوصاف العبودية لأن العبد لا
يقدر على أكثر من هذا الحال وهو أن يجيع بطنه ويمرغ وجهه
في التراب تذللاً لمولاه وأما القرب والتداني فهو فيض
الربوبية وفيض الربوبية ليست۱
من كسب العبودية حتى يوصف العبد بها فتلك ٢
خاصة بكسب العبد فيمدح عليها ويذم وهذه خاصة بفيض الربوبية
لا مِدْحَةَ للعبد فيها ولهذا المعنى الذي أشرنا إليه -
أعني في هذه الخمس مراتب التي ذكرناها في أم القرآن وما
تضمنته من درر العلوم الثاقبة ـ قال علي رضي الله عنه لو
شئتُ أن أُوقر ۳ سبعين بعيراً من تفسير أم القرآن لفعلت
واغترافها من السورة يظهر في هذه الخمسة كنوز التي أشرنا
إليها
بيان ذلك أنه إذا قال الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ يحتاج أن يُبَيِّن ٤ معنى الحمد وما يتعلق
به والاسم الجليل الذي هو الله وما يليق به من التنزيه ثم
يحتاج إلى بيان العالم وكيفيته على أنواعه وأعداده وقد قال
عليه السلام إن الله سبعة عشَرَ َألفَ عالَم السمواتُ
السبعُ
جميع
والأرضون السبعُ وما فيهن عالم واحد وقد أخبر عليه السلام
أن في هذه الأرض ألف عالَم
أربعمائة في البر وستمائة في البحر فيحتاج إلى بيان ما
أشرنا إليه كله إذ اللفظ يحوي ذلك كله
فإذا قال الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يحتاج أيضاً أن يبين هذين
الاسمين الجليلين وما يليق ﴿ بهما من الجلال وما معناهما
ثم يحتاج في ضمن هذا البيان إلى بيان جميع الأسماء والصفات
ثم يحتاج إلى بيان الحكمة في اختصاص هذا الموضع بهذين
الاسمين الجليلين دون غيرهما من الأسماء وسنذكر طرفاً من
هذه الحكمة بعد إن شاء الله تعالى
فإذا قال مثلِكِ يَوْمِ الدِّينِ يحتاج إلى بيان ذلك اليوم
وما فيه من المواطن والأهوال وكيفية ذلك العالم وما يخص
لكل عالم فيه وأين مستقره
1 أعاد على فيض ضمير المؤنث لأنه أضيف إلى الربوبية فاكتسب
منها التأنيث ٢ أي حال أوصاف العبودية في الحديث الشريف
۳ أوقر أحمل
٤ أي يفسر
۹۹۰
فإذا قال إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يحتاج
إلى بيان المعبودِ وجلاله والعبادة
وكيفيتها وصفاتها وادابها على جميع أنواعها والعابد وصفته
والاستعانة وادابها وكيفيتها فإذا قال اهْدِنَا الصِّرَاطَ
الْمُسْتَقِيمَ إلى آخر السورة يحتاج إلى بيان الهداية ما
هي والصراط المستقيم وأضداده ما هي ويبين المغضوب عليهم
والضالين وصفاتهم وما يتعلق بهذا النوع ويبين المرضي عنهم
وصفاتهم وطريقتهم
فعلى ما أبديناه من هذه الوجوه يكون ما قاله الإمام علي
رضي الله عنه أو يزيد عليه وبما أشرنا إليه يَبينُ معنى
قوله عليه السلام في التارك لأم القرآن في صلاته فهي خداج
فهي خداج فهي خداج أي غير تمام لأن من فاتته تلك المراتب
السنية التي أشرنا إليها فحقيق أن يكون
عمله غير تمام وأما المراتب فهي على مذهب مالك رحمه الله
ومن تبعه من العلماء خمس فرض وهي الخمس وسنة وهي الوتر
والعيدان والاستسقاء وكسوف الشمس وما أشبه ذلك وفضائل وهي
قيام رمضان وتحية المسجد وخسوف القمر ومختلف فيه هل هو سنة
أو مستحب وهي ركعتا الفجر ومتفق عليه أنه نافلة وهو ركعتا
الضحى والركوع قبل صلاة الظهر وبعدها وقبل العصر وبعد
المغرب وبعد العشاء ۳
ثم نرجع الآن إلى بيان كون الشارع عليه السلام جعلها فرقاً
بين الإسلام والكفر ومعنى
ذلك ظاهر من وجوه
الأول أن ذلك تنبيه للأمة على تعظيم هذا الشعار أكثر من
غيره من الشعائر لأن ما فرض في ذلك المحل الجليل 4 بغير
واسطة أفضل مما فرض في هذا المحل ٥ بالواسطة
الثاني أنها صلة بين العبد وربه لأن اسمها مشتق من الصلة
فمن كان لا يقبل هذه الصلة مع ما يعود عليه فيها من حسن
العائد ولا يعظم منها ما عظم الله عزّ وجلّ فجدير أن تجعل
حداً
1 رواه الإمام أحمد وابن ماجه وابن أبي شيبة والبيهقي عن
السيدة عائشة رضي الله عنها
٢ أي الركعتان قبل ركعتي الفرض
۳ هذا على مذهب الإمام مالك
٤ يعني سدرة المنتهى
0
يعني الدنيا
۹۹۱
بين الإسلام والكفر ۱ لأنها أول فرض فُرِض على من ادعى
الإسلام فإذا لم يُوفِ ما فرض عليه منها فيكون شبيهاً
بالارتداد عما ادعى من الاستسلام والانقياد ولهذا المعنى
قال عمر رضي الله عنه فمن ضيعها فهو لما سواها أضيع يعني
الصلاة الثالث أن فيها من الترفيع للنبي والتأنيس ما ليس
في غيرها وأمته يندرجون معه في ذلك فأما الترفيع فلكونه
عليه السلام خُص بالارتقاء لتلك المنزلة العليا لفرض
الصلاة هناك عليه السلام بغير واسطة وذلك لم يُفعل مع غيره
من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ثم ترداده
عليه السلام خمساً بين ربه عزّ وجلّ وبين موسى عليه السلام
زيادة له في الترفيع كما تقدم وأما التأنيس فلما فيها من
شَبَه الحال وهو ما ذكرناه من الأحوال الخمس
فالتجلّي في الصلاة مقابله التجلي هناك والترفيع مقابله
الترفيع هناك في العالم العلوي وخرق الحجب ورؤية الآيات
العظام والإجابة مقابلها الإجابة هناك وهي قضاء الحاجة في
الشفاعة والمغفرة مقابلها العفو هناك عن خمس وأربعين من
الفرض - وهو الخمسون - وإبقاء أجر الخمسين في الخمس والقرب
والتداني مقابله هناك قاب قوسين أو أدنى مع نفي التكييف
والتحديد ولهذا المعنى قال عليه السلام لا تفضلوني على
يونس بن متى يعني بذلك نفي التكييف والتحديد - على ما قاله
الإمام أبو المعالي ٢ - لأنه قد وجدت الفضيلة بينهما في
عالم الحس لأن النبي صلى الله عليه وسلم سُري به إلى فوق
السبع الطباق ويونس عليه السلام نزل به إلى قعر البحار وقد
قال عليه السلام أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وقال
عليه السلام ادم ومن دونه تحت لوائي وقد اختصّ عليه السلام
بالشفاعة الكبرى التي لم تكن لغيره من الأنبياء عليهم
السلام فهذه الفضيلة قد وجدت بالضرورة فلم يبق أن يكون
قوله عليه السلام لا تفضلوني على يونس بن متى إلا بالنسبة
إلى المسافة
فمحمد عليه السلام وإن سُرِيَ به لفوق السبع الطباق واخترق
الحجب ويونس عليه السلام وإن نزل به لقعر البحار فهما
بالنسبة إلى القرب من الله سبحانه على حد واحد والمراد
بقوله عزّ وجلّ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى أنه لو كان
الله عزّ وجلّ مسافة يُمشى إليه فيها لكان النبي منه بذلك
القرب إشارة منه عزّ وجلّ إلى قرب نبيه عليه السلام
وتشريفه إياه فتحصل من هذا أن ليلة الإسراء كانت خيراً
خاصاً به عليه السلام وفرض الصلاة فيها عليه
1 أي بين إسلامه وكفره و أل نائبة عن ضمير الغائب أبو
المعالي هو عبد الملك بن عبد الله الجُوَيْني وقد تقدمت
ترجمته في الحديث ۳
۹۹
وعلى أمته مشترك بينه وبين أمته وذلك مثل ما كان للخليل
عليه السلام حين ابتلي بذبح ابنه ليُظهر الله عزّ وجلّ
بذلك رفع منزلته في تحقيق الخُلَّة بالرضا والتسليم في ذلك
الأمر العظيم الذي لم يُفعل مع غيره ثم فُدي بالذبح العظيم
وجُعِلت سنة له عليه السلام ولأمة النبي صلى الله عليه
وسلم قِلَّة أَبِيكُمْ إِبْرَهِيم ۱ وقد قال النبي صلى
الله عليه وسلم أمرت بالذبح وهو لكم سنة ٢ فكان الخليل
عليه السلام في كل عيد يتجدد له أجر تلك المحنة بامتثال
هذه السنة
وجدير بمن تشبه بمقام الخُلة في امتثال هذه السنة أن يكون
مسيره عليها إلى الجنة وقد قال عليه السلام تنافسوا في
أثمانها فإنها مطاياكم إلى الجنة ۳ فخص الخليل وحده بتلك
المحنة لعظيم قدره في الخُلة واشترك هو وغيره في المنة
التي هي شَبَه بتلك المحنة فكذلك النبي الالالالا خص بهذه
الرفعة واشترك مع غيره من المؤمنين بالشبه بها من رحمة
ومثل ذلك أيضاً البيت المعمور في السماء والكعبة في الأرض
فالبيت المعمور خاص بالملائكة - وهم أهل العالم العلوي على
ما تقدم في الحديث - حيث قال يصلي فيه كل يوم سبعون ألف
ملك إذا خرجوا لم يعودوا آخِرَ ما عليهم والكعبة مشتركة
بين بني آدم والملائكة لأنه يطوف بها كل سنة عدد معلوم من
بني ادم والملائكة فما نقص من بني ادم من ذلك العدد كمله
الله عزّ وجلّ من الملائكة
ومثل ذلك أيضاً ما جاء عن الملائكة حين قال لهم عزّ وجلّ
إني جاعل في الأرض خليفة فقالت الملائكة أتجعل فيها من
يُفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدّس لكَ فغضب
الله عزّ وجلّ عليهم ثم تداركهم عزّ وجلّ بالعفو والإفضال
فألهمهم إلى الطواف بالعرش فطافوا به أسبوعاً وتابوا
واستغفروا فتاب الله عليهم وغفر لهم ثم أمرهم أن ابنوا في
الأرض بيتاً لبني آدم فيطوفون به فأتوبُ عليهم كما تُبتُ
عليكم وأغفِرُ لهم كما غفرت لكم فما من خير في العالم
العلوي ولا لسيد من السادة الخواص إلا وقد جعل الله عزّ
وجلّ
۱ سورة الحج من الاية ۷۸ للحديث روايات غير ما ذكر الشيخ
ابن أبي جمرة رضي الله عنه منها ما رواه الإمام أحمد عن
ابن عباس رضي الله عنه بلفظ وأمرت بالأضحى ولم تكتب وفي
رواية لأبي يعلى كتب علي النحر ولم يكتب عليكم وفي أخرى
للحاكم ثلاث هنّ عليّ فرائض ولكم تطوّع الأضحى والوتر
وركعتا الفجر
هذا الحديث غير معروف ولا ثابت فيما علمناه قال ابن الصلاح
كما في التلخيص ١٣٨/٤ وقد أشار ابن العربي إليه في شرح
الترمذي بقوله ليس في فضل الأضحية حديث صحيح ومنها قوله
إنها مطاياكم إلى الجنة قال الحافظ في التلخيص أخرجه صاحب
مسند الفردوس عن أبي هريرة رفعه استفر هوا ضحاياكم فإنها
مطاياكم على الصراط وإسناده ضعيف جدا
۹۹۳
شبهاً منه لهذه الأمة ليُجزِل لهم النصيب من تلك النعمة
فكان ذلك تصديقاً لقوله عزّ وجلّ ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ
الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ
۱ لأنه قد ذكر في معنى هذا الموضع أن النبي صلى الله عليه
وسلم أكثر بالدعاء لأمته لما جَبَله الله عليه من الشفقة
والرحمة لهم فأجابه عزّ وجلّ بأن قال يا محمّد وما كنتَ
بجانب الطور إذ نادينا وقد ذكر العلماء أن هذا النداء كان
من الله عزّ وجلّ قبل أن يَخلُقَ الخلق بألفي عام فقال يا
أمة محمد أرحَمُكم قبل أن تسترحموني وأغفر لكم قبل أن
تستغفروني وأعطيكم قبل أن تسألوني فما ذكرناه من النعم
المتقدمة وما أشبهها تضمن ذلك
كله هذا النداء
أوزعنا الله شكر نعمه وأتمها علينا في الدنيا والآخرة بمنه
فعلى ما قدمناه من النعم وما أشرنا إليه من تلك المراتب
السنية فيجتمع في الصلاة المفروضة في اليوم والليلة مع
ركعتي الفجر والوتر من مواطن المغفرة والإجابة والترفيع
والتجلي والقرب والتداني مائتا موطن وتسعة وأربعون موطناً
على التقسيم المتقدم فإن كانت الصلاة في جماعة زادهم خمس
مواطن من أرفع المراتب لقوله عليه السلام يضحك الله لثلاثة
وعدَّ فيهم القوم يصطفون للصلاة ۳ والضحك من الله تعالى
كناية عن ترفيع العبد وإعظام الأجر له لا من قبيل الولوع
والطرب وقد أكد عليه السلام هذا المعنى وبينه بقوله صلاة
الجماعة تفضل صلاة الفذ
بسبع وعشرين درجة 4 ثم يزداد إلى هذه المواطن من مواطن
المغفرة والرحمة في الطهارة ٤
للصلاة أربعة مواطن في كل طهر
أحدها عند إسباغ الوضوء لقوله عليه السلام إذا توضأ العبد
المؤمن فمضمض فاه خرجت الخطايا من فيه فإذا استنثر ٥ خرجت
الخطايا من أنفه فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه
1 سورة القصص من الآية ٤٦
رواه أبو نعيم في دلائل النبوة وأبو نصر السجزي في الإبانة
والديلمي عن عمرو بن عبسة قال سألت النبي الله عن قوله
تعالى وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إذْ نَادَيْنَا
وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ما كان النداء وما كانت
الرحمة قال كتاب كتبه الله قبل أن يخلق الخلق بألفي عام ثم
وضعه على عرشه ثم نادى يا أمة محمد سبقت رحمتي غضبي
أعطيتكم قبل أن تسألوني وغفرت لكم قبل أن تستغفروني فمن
لقيني منكم وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبدي
ورسولي صادقاً أدخلته الجنة ۳ رواه الإمام أحمد وأبو يعلى
والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي سعيد رضي الله عنه
رفعه بلفظ ثلاثة يضحك الله إليهم القوم إذا اصطفوا إلى
الصلاة والقوم إذا اصطفوا لقتال المشركين ورجل يقوم إلى
الصلاة
في جوف الليل
٤ رواه الإمامان مالك وأحمد والشيخان والترمذي والنسائي
وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما 0 استنثر أدخل الماء
في أنفه ثم دفعه ليخرج ما فيه
٩٩٤
حتى
تخرج من تحت أشفار عينيه فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من
يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه فإذا مسح برأسه خرجت
الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه فإذا غسل رجليه
خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه ۱
الثاني قول المتوضىء عند إسباغ وضوئه أشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله لقوله
عليه السلام في قائل ذلك بعد الوضوء فتحت له أبواب الجنة
يدخل من أيها شاء ٢
الثالث عند الخروج إلى المسجد لقوله عليه السلام فإنه يكتب
له بإحدى خطوتيه حسنة وتمحى عنه بالأخرى سيئة يعني في
الخُطا إلى المسجد
الرابع عند الخروج من المسجد والرجوع إلى بيته لأن له في
ذلك من الأجر مثل ما كان له أوّلاً في الخروج وذلك إذا لم
يرد به غير الصلاة ولم يشرك معها غيرها لقوله عليه السلام
لا يريد غير ذلك يعني في الخروج إلى المسجد
فجميع ما ذكرناه من هذه المواطن المباركة مائتا موطن
وأربعة وسبعون موطناً فإن زاد على ذلك من النوافل مثل
ركعتي الضحى فله في كل ركعة مثل ما ذكرنا من أعداد تلك
المراتب السنية في كل ركعة وزيادة صدقة بقدر أعضاء جسده
لقوله عليه السلام كل سُلامَى من الناس عليه صدقة فذكر لهم
أشياء حتى قال ركعتا الضحى تجزىء عنه ٣ فإن بلغها إلى
اثنتي عشرة زاده ۳ على هذه المواطن قصراً في الجنة لقوله
الا الله من صلى الضحى اثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً
في الجنة ٤
فإن زاد على ذلك أربع ركعات قبل الظهر وأربعاً بعدها
وأربعاً قبل العصر وأربعاً قبل العشاء وأربعاً بعدها كان
له في كل ركعة مثل ما تقدم من عدد تلك المواطن الجليلة
وزاد له على ذلك بركة دعاء النبي لا لا ل ا ل ل له بالرحمة
لأنه عليه السلام قال رحم الله امراً صلّى أربعاً قبل أربع
وأربعاً بعد أربع ٥
فإن زاد على ذلك ركعتين بعد المغرب كان له في كل ركعة مثل
ما تقدم ذكره من المواطن
۱ رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم عن عبد
الله الصناب رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه عن عمر رضي
الله عنه
۳ تقدم تخريجه في الحديث ١٤٥
٤ رواه الترمذي وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه
ه رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ابن حبان عن ابن عمر
رضي الله عنهما بلفظ رحم الله امرأ صلى قبل
العصر أربعاً
٩٩٥
العَلِيَّة وزاد على ذلك بركة اتباع السنة فيها لأنه كان
عليه السلام يداوم على فعلها ولتحريض الشارع عليه السلام
أيضاً بالقول عليها لأنه عليه السلام قال أسرعوا بها فإنها
ترفع مع الفريضة ولا يؤكد عليه السلام على ۱ شيء ويحض عليه
بالفعل والقول إلا لعظيم الأجر فيه فإن زاد على ذلك صلاة
الأوابين - وهي بين المغرب والعشاء اثنتا عشرة ركعة ـ كان
له في كل ركعة مثل ما تقدم من تلك المواطن الرفيعة وزاد
على ذلك قصراً في الجنة لقوله عليه السلام من صلّى بين
المغرب والعشاء اثنتي عشرة ركعة بني الله له قصراً في
الجنة
فإن زاد على ذلك تهجداً بالليل كان له في كل ركعة مثل ما
تقدم من تلك المواطن السنية وزاد له على ذلك أربعة منازل
ثلاثة في الحال وواحدة في القبر فأما التي في الحال فأولها
ما روي عنه عليه السلام أنه قال يضحك الله لثلاثة وعدّ
فيهم القائم بالليل أما الثاني والثالث فما روي عنه عليه
السلام أنه قال قيام الليل يُذهب الذنوبَ ويُصِحَ البدن ۳
فهذه هي الثلاثة الحالية وأما التي في القبر فلما روي عنه
عليه السلام أنه قال صلاة الليل تنوّر القبر ۳
فإن بلغ بتهجده إلى اثنتي عشرة ركعة زاده الله على ما تقدم
قصراً في الجنة لقوله عليه السلام من قام في الليل باثنتي
عشرة ركعة بنى الله له قصراً في الجنة 4 وزاد على ذلك
الوعد الجميل بمتضمَّن التنزيل الذي تحصره العقول وهو قوله
عزّ وجلّ في كتابه نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ الْمَضَاجِعِ
يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا
رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا
أُخْفِى لَهُم مِّن قُرَةٍ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ ٥
فمبلغ هذه المواطن في هذه النوافل المذكورة ستمائة موطن
وثلاثة وأربعون موطناً وزيادة
1 كذا بزيادة على
روى السمرقندي عن أبان عن أنس رضي الله عنه أن النبي الا
الله قال من صلى بعد المغرب اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل
ركعة قل هو الله أحد أربعين مرة صافحته الملائكة يوم
القيامة ومن صافحته الملائكة يوم القيامة أمِنَ الصراط
والحساب وفي رواية للترمذي عن أبي سلمة أن رسول الله لا
الله قال من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلم فيما بينهن
بسوء عَدَلْنَ بعبادة اثنتي عشرة سنة ۳ جاء في الترغيب
والترهيب للمنذري في الترغيب في قيام الليل عن سلمان
الفارسي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم ومَقرَبَة
لكم إلى ربكم ومَكفَرَة للسيئات ومَنهَاة
عن الإثم ومَطرَدَة للداء عن الجسد أما ما أورده المؤلف
رحمه الله فلم نقف عليه ٤ رواه مسلم وأبو داود والنسائي
والترمذي عن أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنها
بلفظ سمعت رسول الله يقول ما من عبد مسلم يصلي الله تعالى
في كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوّعاً غير فريضة إلا بني الله
تعالى له
بيتاً في الجنة أو إلا بنى له بيت في الجنة
٥ سورة السجدة الايتان ١٦ و ١٧
٩٩٦
تنوير القبر وثلاثة قصور في الجنة والوعد المذكور في
التنزيل فيجتمع بين النوافل المذكورة والفرائض المتقدمة
الذكر من هذه المواطن الجليلة تسعمائة موطن وسبعة عشر
موطناً عدا القصور
المذكورة وتنوير القبر والوعد الجميل فطوبى لمن أشغل باله
بتحصيلها وكان من الوافين فيها ولهذا المعنى قال عليه
السلام كفى بالعبادة شغلاً ۱ فإن وقعت الغفلة عنها خسر تلك
المواطن الجليلة - ويا لها من خسارة أعاذنا الله من ذلك -
وكان من أحد الأقسام الثلاثة المذمومة لأن المصلي قد قسمه
الفقهاء إلى أربعة أقسام وافٍ وساه ولاه وجافٍ
فالوافي هو الذي وفى ما أريد منه من الأقوال والأفعال
والأحوال على ما تقدم
والساهي هو الذي يعملها ويسهو عنها لتعلق قلبه بغيرها
واللاهي هو الذي يلهو عنها بغيرها وهو مع ذلك يعلم أنه
فيها ومثاله ما روي عن النبي أنه رأى رجلاً يعبث في لحيته
وهو يصلي فقال عليه الصلاة والسلام لو خَشَع قلبه لَخَشَعت
جوارحه ٢
والجافي هو الذي يخلّ بأركانها ومثاله ما روي عنه عليه
السلام في حديث الأعرابي المشهور الذي أخل بأركان الصلاة
فقال له عليه السلام ارجع فصل فإنك لم تُصَل ۳ وقد حض عزّ
وجلّ على توفيتها والمحافظة عليها في كتابه - أعني على
توفيتها بما فرض فيها وسُنّ وشُرِع - فقال عزّ من قائل
حَفِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والمحافظة عليها هي توفيتها
بما شرع فيها من الآداب والقراءة والحضور وغير ذلك مما قد
ذكر وقد قال عليه السلام في المضيع لها أو لبعض ما فيها
مما أشرنا إليه أسوأ السَّرقة الذي يسرق صلاته ه وقال عليه
السلام في الالتفات فيها تلك خُلْسة يختلسها الشيطان من
صلاة أحدكم ٦ وهذا الالتفات على ضربين
حسي ومعنوي
فالحسي هو الالتفات إلى شيء يشغل عن الصلاة كما حكي عن بعض
الصحابة حين كان
۱ تقدم تخريجه في الحديث ۸۰
رواه الحكيم الترمذي بإسناد ضعيف
۳ متفق عليه من حديث رفاعة بن رافع رضي الله عنه
٤ سورة البقرة من الآية ۳۸
٥ رواه الإمام أحمد وصححه الحاكم وأبو يعلى عن أبي سعيد
رضي الله عنه
٦ رواه البخاري والنسائي وأبو داود وابن خزيمة عن عائشة
رضي الله عنها بلفظ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
التلفت الله
في الصلاة فقال اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد
۹۹۷
يصلي في حائط له فطار دُبْسِي ١ فطفق يتردد يلتمس مخرجاً
فأعجبه ذلك فجعل يتبعه ببصره ساعة ثم رجع إلى صلاته فإذا
هو لا يدري كم صلى فقال لقد أصابني في مالي هذا فتنة فجاء
إلى رسول الله له ولا ذلك و له الذي أصابه في حائطه من
الفتنة وقال يا رسول الله هو صدقة الله صلى الله عليه وسلم
فذكر له فضَعه حيث شئت ومثل هذا حكي عن غيره أيضاً في زمان
عثمان رضي الله عنه فهؤلاء عرفوا ما ضيعوا فجبروا الضَّياع
الذي طرأ عليهم بأن خرجوا عن حائطهم وجعلوها صدقة الله عزّ
وجلّ وأما اليوم فقد كثر الضياع بغير جبر للجهل بما قد
ضيّع والمعنوي على ضربين ماض ومستقبل فالالتفات إلى الماضي
أعظم خسارة من الماضي لأن بالالتفات إليه تقع خسارة الحال
فيكون خسراناً ثانياً ومع ذلك فإن ما مضى لا يرجع
والالتفات إلى المستقبل تضييع حاصل لممكن قد يكون وقد لا
يكون والاشتغال بالحال وترك الالتفات حسّاً ومعنى من كل
الوجوه المتقدمة يحصل منه ثلاث فوائد وهي جبر الماضي
واغتنام الحاصل وصلاح في المستقبل أعاننا الله على ذلك
بمنّه
ثم نرجع الآن لبيان ما اشترطنا أن نذكره بذلك أخيراً من
بيان الحكمة في اختصاص الاسمين الجليلين من بين سائر
الأسماء الجليلة في هذه الصورة في هذا الموضع المخصوص بهما
وهما الرحمن الرحيم فنقول والله المستعان اختصاصهما بذلك
لوجوه
الأول أن الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إذا فهم
على ما قدمناه يقتضي الهيبة والإعظام
و ﴿ مثلِكِ يَوْمِ الدِّينِ يقتضي الخوف والإرهاب ﴿
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ احد الاسمين منهما يقتضي الإجابة
عند السؤال والآخر يقتضي الغضب إن ترك السؤال - على ما
ذكره العلماء - ففصل عزّ وجل بهذين الاسمين اللذين هما
أبلغ شيء في الرجاء بين الاسمين الجليلين متضمنين الهيبة
والإعظام والخوف والإرهاب رفقاً منه عزّ وجلّ بعبيده
ولطفاً بهم ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ
اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ٤ لأنه لو كان ذانك الاسمان
الجليلان اللذان للهيبة والإعظام متصلين بذكر الاسمين
اللذين للخوف والإرهاب لكانا للضعيف الحاضر سبباً لأحد
أمرين متلفين إما أن يتفطر كبده من شدة الخوف وقد روي أن
كثيراً من الفضلاء ماتوا من عظيم الخوف الذي توالى عليهم
وإما أن يسبق للخاطر شيء من القنط لعظيم أمر ما يدل عليه
معنى ذينك الاسمين وذلك
۱ الدُّبْسِيّ ضرب من الحمام أدكن يقرقر
رواه الإمام مالك في الموطأ
۳ يعني الربّ والملك
٤ سورة الملك من الآية ١٤
۹۹۸
من أكبر الخطر لقوله عزّ وجلّ إخباراً على لسان نبيه عليه
السلام لو كنتُ معجّلاً عقوبةً
لعجلتها على القانطين من رحمتي ۱
الثاني أن المقصود من العبيد الخوف والرجاء معاً لقوله
عليه السلام لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاستويا فاسمان
يوجبان الخوف واسمان يوجبان الرجاء فيحصل بمتضمنهما حقيقة
ما أريد من كمال الإيمان وهو تساوي الخوف والرجاء على ما
تقدم فكان الابتداء أولاً بالتعظيم والإجلال لحق الربوبية
الذي يقتضي التقديم ثم عقب بالرحمن الذي يقتضي الرجاء ثم
بالرحيم مبالغة في قوة الرجاء لطفاً بالعبد لاستقبال ما
يرد عليه من الخوف لمقتضى الاسم الآتي بعد مع التذكير بيوم
الدين
الثالث أن حقيقة وصول الرحمة للطالب إنما يتحقق وصولها
إليه بقوة من الراحم حتى يمنعه أذى ما قبلها وأذى ما بعدها
فكان توسط الاسمين الجليلين بين الاسمين العظيمين تحقيقاً
في إيصال الرحمة لطالبها لأن رب العالمين لعظيم قدرته
يمنعه من كل ضرر في هذا العالم وملك يوم الدين لعظيم
سلطانه يمنعه كل ما في ذلك اليوم من الأذى فتحقق بذلك منع
الأذى أولاً وآخراً يشهد لذلك قوله تعالى ﴿وَتَوَكَّلْ
عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ۳
الرابع أنه لما أن أريد من العبيد حقيقة الإخلاص والصدق
عند قولهم ﴿ إِيَّاكَ َنعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ جعل
هذا الاسم الجليل إثر هذا الاسم العظيم لكي يحصل منهم عند
النطق بـ ﴿ إِيَّاكَ نعبد حقيقة الإخلاص لأنه يأتي إثر
الإرهاب والإرهاب مثير للخوف والخوف موجب للصدق والإخلاص
ولو كان إثر الرحمة لكان كثير من الناس لا يحصل منهم
الإخلاص في هذا الموضع لأن الرحمة توجب الرجاء والطمأنينة
وقد يكون معها الغفلة لقليل الحضور لأنه لا يثبت عند
الرحمة والنعمة إلا الفاذ وقد قال علي بن أبي طالب رضي
الله عنه ابتلينا بالضرَّاءِ فَصَبَرنا وابتلينا
بالسرَّاءِ فلم نصبر لأن الغالب من الناس إذا ابتلوا
بالضرّاء رجعوا إلى الله تعالى بالصدق والإخلاص واللجأ
والضراعة فإن ابتلوا بالسرّاء قلَّ الواقف منهم هناك على
ما أريد منه من صدق اللجأ والضراعة ومن وقف في ذلك المقام
فهو الصدّيق الذي لا شك فيه الخامس أنه لما أن كان الاسمان
الجليلان أحدهما يقتضي الإجابة إذا سئل والآخر يقتضي
١ لم نقف على مصدره
انظر تخريجه في الحديث ١٣٢
۳ سورة الشعراء الاية ۱۷
٤ الفاذ المتفرد عن نظرائه يقال فذ يفذ تَفَرّد
۹۹۹
الغضب إذا لم يسأل وعلم عزّ وجلّ ما في عبيده من الضعف
بحيث أن تقع منهم الغفلة غالباً هذا الموطن إما لخوف أو
لرغبة أو لرجاء أو لتسليم أو لغفلة جعل عزّ وجلّ الدعاء
متلواً وأقامه مقام الدعاء الحقيقي ثم أجاب عزّ وجلّ عليه
فقال وَلعَبدي ما سأل لئلا يفوتهم هذا الخير العظيم ولئلا
يتناولهم الغضب لعدم سؤالهم فانظر إلى هذا اللطف العظيم
والنعمة
الشاملة
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم مَنْ أَلْهِمَ الدعاء
فقد فتحت له أبواب الرحمة۱ فلم يَكِل الله عزّ وجلّ هذه
الأمة لنفسها في فتح هذا الخير العظيم بل فتحه لهم بفضله
ثم بعد هذه التلاوة شرع الشارع عليه السلام خيراً ثانياً
بِقَوْل العبد امين بعد ختم السورة فزادهم دعاء حقيقياً
وضمن لهم بالشرط الذي فيه المغفرة لأن كل مؤمن في اللغة
داع ثم بعد هذا نحتاج أن نشير إلى شيء من فضائل هذه السورة
ولم فُضّلت على غيرها من السور ولم سُميت بأسماء جملة
وغيرها من السور باسم واحد
فنقول والله المستعان يحتمل أن تكون سُميت بأسماء جملة لأن
لها من الخصائص والأفضلية ما ليس لغيرها فكانت أسماؤها
عديدة دون غيرها لأن كثرة الأسماء دالة على فضل المسمَّى
إما مطلقاً أو على جنسه ولذلك سمي النبي الله الله بخمسة
أسماء وقد قال بعض العلماء إذا تتبع القرآن وما جعل الله
تعالى له فيه من الأسماء والحديث وما جعل هو صلى الله عليه
وسلم لنفسه فيه من الأسماء إنها تبلغ إلى نحو المائة اسم
وغيره من الأنبياء عليهم السلام ليس لهم غير اسم واحد لأنه
عليه السلام صاحب اللواء والمقام المحمود فكانت كثرة
أسمائه لأجل عظيم قدره كذلك أيضاً كثرة أسماء الله عزّ
وجلّ لأنه ليس كمثله شيء فكانت لا يشبهها شيء
لكثرتها وعظمها
يشهد لذلك ما روي في الأثر من الدعاء حيث قال اللهم إني
أسألك باسمك الأعظم وبكل اسم سميت به نفسك أو أنزلته في
كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في مكنون غيبك
٢ أو كما قال عليه الصلاة والسلام فدل بمتضمن هذا أنه لما
أن كانت الذات الجليلة لا
۱ رواه الترمذي والحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ من
فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب
الرحمة
لفظ الحديث ما من عبد قال اللهم إني عبدك وابن عبدك ناصيتي
بِيَدِكَ ماضِ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قضاؤك أسألك
بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته
أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل
القرآن العظيم ربيع قلبي ونور بصري وجلاء حزني وذهاب همي
وغمي إلا أذهب الله همه وحزنه وغمه وأبدله مكانه فرحاً قيل
يا رسول الله ألا نتعلمها فقال بلى ينبغي لمن سمعها أن
يتعلمها
۱۰۰۰
١١٨
Noll Awww
PUP
بهبة النفوس
وتحليها وتحليها بمعرفة مَا لَها وعَليهَا
شرح مختصر صحيح البخاري
ويليه كتاب المَراني الحِسَان
تأليف الإمام
عدالله بن أبي جمرة الاندلسي
تحقيق وتقديم
الدكتور بكري شيخ امين
الجزء الثاني
دار العلم للملايين
aj
1189-
حديث زيادة الأجر
عَن أبي بُرْدة ١ رضيَ الله عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى
الله عليه وسلم قالَ ثَلاثةٌ يُؤتَوْن أَجرَهُم مَرَّتَينِ
الرَّجُلُ تكُونُ لَهُ الأَمَةُ فَيُعَلِّمُها فَيُحسِنُ
أدبها ثُمَّ يُعتقها فَيَتَزوَّجُها فَلَهُ أجرانِ
وَمُؤمِنٌ مِن أهلِ الكِتابِ الَّذي كانَ مُؤمناً ثُمَّ
آمَنَ بالنَّبي الله فله أجران والعَبدُ الَّذي يُؤَدِّي
حَقَّ الله وَيَنصَحُ لِسَيّدِهِ فَلَهُ أجران
*
ظاهر الحديث يدل على تضعيف الأجر لهؤلاء المذكورين فيه
والكلام عليه من وجوه
الوجه الأول قوله عليه السلام ثلاثةٌ يُؤْتَوْنَ أَجرَهم
مَرَّتَيْنِ يحتمل معناه وجوهاً الأول أن يكون تضعيف الأجر
عند اجتماع الأعمال المذكورة لأن كل واحد منها فعل يؤجر
صاحبه عليه على انفراده فلما أن اجتمع مع صاحبه ضوعف الأجر
في كل منهما ضعفين على ما لو كان منفرداً
شيء
الثاني أن يكون صاحب هذه الأفعال وفي له بأجر كل فعل ولم
يُنقص له من أجر الآخر فأخبر عليه السلام بما حصل له في
الحال كما يقال في المُتَمَتُّع ٢ أنه حصل له أجران
أجر العُمرة وأجر الحج
1 أبو بُردَة هانىء صحابي شهد العقبة الثانية مع السبعين
صحابياً وشهد بدراً وأحداً وسائر المشاهد مع النبي وروى
عنه أحاديث روى له الشيخان حديثاً واحدا هو هذا الحديث
وشهد مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه حروبه ولا عقب له
توفي سنة ٤١ هـ وهو خال البراء بن عازب و أبو بردة التابعي
هو ابن أبي موسى الأشعري - من تهذيب النووي المتعة بضم
الميم وكسرها العُمرة إلى الحج وقد تمتَّع واستمتع قال
تعالى ﴿ فَمَن تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الحَجَ وصورة
المتمتع بالعُمرة إلى الحج أن يُحرم بالعُمرة في أشهر الحج
فإذا أحرم بالعمرة بعد إهلاله شوّالاً فقد صار متمتعاً
بالعمرة إلى الحج وسمّي متمتعاً بالعُمرة إلى الحج لأنه
إذا قدم مكة فطاف بالبيت وسعى بين والمَروَة حَلّ من
عُمْرَتِه وحَلَق رأسه وذبح نسكه الواجب عليه لتمتعه وحلّ
له كل شيء كان حرم عليه في إحرامه من النساء والطيب ثم
ينشىء بعد ذلك إحراماً جديداً للحج وقت نهوضه إلى منى أو
قبل ذلك من غير أن يجب =
الصَّفا
۹۰۹
الثالث أن يكون الأجر على قسمين أجر على الأفعال بمقتضى ما
جاء في ذلك عن الشارع عليه السلام وأجر على العناية بجمعها
ومجاهدة النفس على ذلك والصبر عليها وقد يرد على هذه
التوجيهات بحث وهو أن تضعيف الأجور على أحد هذه المحتملات
أو على مجموعها على ما ذكرناه هل هو خاص بالثلاثة المذكورة
أو هو متعد لغيرها يحتمل الوجهين معاً فإن قلنا بأنه مقصور
على الثلاثة فلا بحث وإن قلنا بأنه متعد فما العلة التي
بها يتعدى وهل العلة واحدة في الثلاثة أو هي مختلفة محتمل
أيضاً فأما على القول بأن العلة فيها واحدة فهي ما أشرنا
إليها آنفاً في أحد المحتملات وهي العناية بجمعها ومجاهدة
النفس على ذلك والصبر عليها فحيثما وجدت طاعات مجموعة على
هذا التعليل رجي فيها التضعيف ولا نقول بالقطع في ذلك لأن
حقيقة الأجور في الأعمال إنما تصح بقول الشارع وأما على
القول بأن العلة في الثلاثة مفترقة فنحتاج إلى بيان كل علة
منها
فالعلة في الأمة - والله أعلم - من ثلاثة أوجه الأول صبره
على تعليمها الثاني عتقه لها حين قرت العين بها الثالث
تركه لحظ نفسه في تزويجها ورفع منزلتها فهذه ثلاثة أوجه
مجموعها في اثنين وهما بذل ما أحبَّت النفس الله ومجاهدة
النفس في ترك حظها لما يرضي الله فحيثما وجدت هذه العلة
رجي التضعيف أيضاً
وأما العلة في المؤمن من أهل الكتاب فهو أنه بإيمانه
الثاني أحرز الإيمان الأول لأنه لولا الإيمان الثاني لحبط
إيمانه الأول فإيمانه بالنبي اللي حصل له الأجر عليه وأحرز
له أجر ما تقدم من إيمانه يشهد لهذا قول النبي الهلال
الهلال والبعض أصحابه حين قال له أمور كنت أتحنث بها في
الجاهلية فقال له عليه السلام أسلمت على ما أسلفتَ من خير
۱ فإذا كان الإسلام يحرز ما كان في الجاهلية فمن باب أولى
إحرازه لأجر الإيمان الذي هو أعلى أفعال البر فعلى هذا
فإذا وجدت طاعة فصاحبها مأجور فيها وهي تحرز أجر غيرها من
الطاعات رُجي فيها التضعيف وأما العلة في العبد فهي اجتماع
الحقوق عليه مع قلة اتساع الزمان لها فأجهد نفسه حتى وَفَى
بها فإذا وجدت هذه العلة أيضاً في طاعة من الطاعات رجي
فيها التضعيف الوجه الثاني من البحث الأول قوله عليه
السلام الرجل تكون له الأمة فيعلمها ويحسن تعليمها ويؤدبها
فيحسن أدبها هل التعليم والأدب اسمان لمعنى واحد أو
لمعنيين يحتمل الوجهين
عليه الرجوع إلى الميقات الذي أنشأ منه عمرته فذلك تمتعه
بالعمرة إلى الحج أي انتفاعه وتبلغه بما انتفع به من حلاقة
وطيب وتنظف وقضاء تفت وإلمام بأهله إن كانت معه وكل هذه
الأشياء كانت محرمة عليه فأبيح له أن يَحِلّ وينتفع بإحلال
هذه الأشياء كلها مع ما سقط عنه من الرجوع إلى الميقات
والإحرام منه بالحج فيكون قد تمتع بالعمرة في أيام الحج أي
انتفع لأنهم كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج فأجازها
الإسلام ۱ رواه الشيخان عن حكيم بن حزام رضي الله عنه
۹۱۰
معاً لأن المعلم يسوغ أن يُطلق عليه مؤدّب وكذلك بالعكس
ويحتمل أن يكونا لمعنيين - وهو
الأظهر - والله أعلم وإذا قلنا بأنهما لمعنيين فما هما
احتملا وجوهاً
الأول أن يكون التعليم لأمور الدين من الواجبات وغيرها
يشهد لهذا قوله عليه السلام علموا ويسروا ويكون الأدب
بتهذيب الطباع وحسن الخلق في التصرف والمعاملات والزجر عن
المكروهات في الأقوال والأفعال وتعليم مكارم الأخلاق يشهد
لهذا قوله عليه السلام لأن يؤدب أحدكم ولده خير له من أن
يتصدق بصاع طعام ۳
وأما الحسن في التعليم فهو ما أشار عليه السلام إليه في
الحديث انفاً من التيسير هو حسن الإلقاء وترك الشواذ من
التشديدات والرخص ولهذا أشار مالك رحمه الله حيث قال خرجت
من عند الخليفة فقيهاً لأنه لما أن أراد أن يؤلف كتاب
المُوَطَّاً قال له الخليفة تجنَّب شدائد ابن عمر ورُخَص
ابنِ عباس وإلى المعنى الأول أشار العلماء بقولهم
وتتواضعون لمن تتعلمون منه وتتواضعون لمن تعلمونه ويكفي في
ذلك شاهداً قوله عليه السلام يسروا ولا تعسروا وأما الحسن
في الأدب فهو أن يحملها برفق دون عنف لقوله عليه السلام ما
كان الرفق في شيء إلا زانه ولا كان الخُرْق في شيءٍ إِلا
شَانَه ۳
الثاني أن يكون التعليم المراد به ما تحتاج الأمة إليه من
أشغال البيت وحفظ متاع البيت والمال وحسن الأمانة في ذلك
لأنه غالب المقصود من الإماء وبقدر تحصيل الأمة لهذا
يتنافس في ثمنها ويكون الإحسان في التعليم على هذا التوجيه
إتقان كل شغل بحسب العادة فيه لقوله عليه السلام رحم الله
امرأ صنع شيئاً فأتقنه 4 ويكون الأدب حملها على رياضة
النفس وأحكام الشريعة لقوله عليه السلام أدبني ربي فأحسَنَ
تأديبي ٥ والذي أدب به عليه السلام ما مُنَّ عليه من حسن
الخلق الأمر والنهي وقد قالت عائشة رضي الله عنها حين سئلت
عن خلقه فقالت كان خلقه القرآن ٦ ويكون الحسن في الأدب على
هذا التوجيه حملها في ذلك على إيضاح السنّة
واتباع
۱ رواه الإمام أحمد والبخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما
وتمام الحديث ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا وإذا غضب أحدكم
فليسكت
رواه الترمذي عن جابر بن سمرة رضي الله عنه وليس فيه كلمة
طعام ۳ رواه الضياء في المختارة عن أنس والبخاري عن شعبة
رضي الله عنه قال كنت على بعير فيه صعوبة فقال النبي عليك
بالرفق فإنه لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا
شانه ورواية ابن أبي جمرة هي ما رواه
الضياء عن أنس رضي الله عنه
٤ في هذا المعنى روى البيهقي عن السيدة عائشة رضي الله
عنها أن النبي الا الله قال إن الله يحب إذا عمل أحدكم
عملا أن يتقنه
٥ تقدم تخريجه في الحديث ۱۸
٦ رواه مسلم عن السيدة عائشة رضي الله عنها
۹۱۱
الثالث أن يكون التعليم فيما تحتاج إليه المرأة في نفسها
لأن النساء يحتجن إلى أشياء تخصهن والأمة لا والدة لها ولا
والد حتى يعلّماها ذلك فقام مقام الأم في تعليم ذلك
وتبيينه ويكون الأدب هنا ما تحتاج المرأة من الأدب مع
الزوج أو السيد إن كانت للفراش لأن ذلك سبب لرفع منزلتها
وحظوتها عند السيد أو الزوج إن تزوجت ويكون الإحسان في
هاتين التواضع لها والإغضاء عن العيوب التي في البشرية وقد
يحتمل أن يكون المراد بالتعليم والأدب جميع ما ذكر وأكثر
من ذلك لأنه عليه السلام أوتي جوامع الكلم
الوجه الثالث من البحث الأول تقديمه عليه السلام الأمة على
المؤمن والمؤمن على العبد ما الحكمة في ذلك وإن كانت الواو
لا تعطي الترتيب في لسان العرب لكن الحكيم لا يقدم شيئاً
عبثاً ومثل ذلك قوله تعالى في الكفارات فَكَفَّرَتُهُ
إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا
تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَو كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ
رَقَبَةٍ فأتى عزَّ وجلَّ بـ أو التي هي للتخيير توسعة على
المكلف ورفقاً به وعلى مقتضى الحكمة في الترتيب ابتدأ
أولاً ببذل المال الذي هو أشد على النفوس ثم جعل بذله في
أعلى القَرَب وهو الإطعام الذي به حياة النفوس وقد قال
تعالى وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ
جَمِيعًا ۳ فإن عدم هذا الوجه فيكون بذله في دفع الأذى وهي
الكسوة التي بها يتقى أذى الحر والبرد فإن عدم هذا الوجه
ففي إدخال السرور وهو رفع الحال من مقام العبودية إلى مقام
الحرية فإن عدم هذا الوجه فمجاهدة النفس وهو الصوم
يشهد لما ذكرناه - من أن الإنفاق أشد الأمور على النفس
وأعلاها قربة - الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى لَن
نَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾
٤ والمال أكثر تعلقاً بالقلب مما ذكر ﴿ بعده وقوله تعالى ﴿
الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَاءِ وَالضَّرَّاءِ
وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ٥
فقدم الإنفاق أيضاً وأما السنة فقوله عليه السلام لا يخرج
أحدكم صدقةً حتى يَفُكَ لخيي سبعين شيطانا ٦
وإلى ما نحن بسبيله أشار عليه السلام في الصفا والمَرْوَة
حيث قال نبدأ بما بدأ الله
۱ هذا جزء من حديث رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله
عنه ومطلعه نُصِرتُ بالرعب وأُعطيتُ جوامع
الكلم سورة المائدة من الآية ۸۹ ۳ سورة المائدة من الاية ۳
٤ سورة ال عمران من الاية ۹ ٥ سورة ال عمران من الاية ١٣٤
٦ سبق تخريجه في الحديث ۱۷
۹۱
به والواو من جهة التكليف لا تفيد الترتيب فاختار عليه
السلام فيما خُيّر فيه من جهة التكليف ما اقتضته الحكمة في
التقديم لحكمة الحكيم وموافقة اللفظ للقرآن فإذا كان
الكتاب على ما قررناه فالحديث كذلك أيضاً لقوله تعالى ﴿
وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾ فكلاهما صادر عن حكمة حكيم
فينبغي أن تكون الأمّة مع ألفاظ القرآن والحديث كذلك
ينظرون من طريق الحكمة ما تقتضي وإلى هذا المعنى أشار عليه
السلام بقوله لكل آية ظهر وبطن ولكل حرف حَدَّ ومطلع ٣
فالظاهر هو اللفظ والباطن هو المعنى والحَد هو التحليل
والتحريم والمطلع هو ما نحن بسبيله من النظر بمقتضى الحكمة
في هذا النوع وغيره من أنواع ما تحتوي عليه الحكمة ثم ترجع
الآن إلى الانفصال عن الحديث والانفصال عنه بما قد ذكرناه
آنفاً من العلة المنفردة فيه للتعدي وهو جمعه ثلاثة أشياء
وهي ترجع لشيئين على ما تقدم وهما بذل ما أحبت النفس الله
ومجاهدتها في ترك حظها لما يرضي الله
وأما تقديم المؤمن على العبد فهو من باب تقديم الأصل على
الفرع لأن مجاهدة النفس فرع عن الإيمان والإيمان هو الأصل
فقدم عليه السلام الأصل على الفرع لأن ذلك هو مقتضى الحكمة
الوجه الرابع من البحث المتقدم قوله عليه السلام الرجل
تكون له الأمة يرد عليه سؤال وهو أن يقال لِمَ قال تكون له
الأمة ولم يقل اشتراها أو غير ذلك من الألفاظ والجواب عنه
أن هذا لفظ يحوي جميع أنواع التمليك وغيره لا ينوب عنه
لأنه جمع بذلك جميع ما يتملك الأمة به من ميراث وشراء وهبة
وسبي وغير ذلك وهذا أدل دليل على فصاحته عليه السلام لأنه
قد جمع في هذا الحديث الإخبار بعظيم الأجور إرشاداً إلى
الخير وأشار إلى الحكمة تنبيهاً عليها وأبدى ما من الله
تعالى به عليه من البيان والفصاحة
أعاد الله علينا من بركته ورزقنا اتباع سنته إنه ولي حميد
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ رواه الإمامان مالك وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه
عن جابر رضي الله عنه
سورة النجم من الآية ٣ ۳ رواه أبو يعلى في مسنده رقم ٥١٤٩
وصححه ابن حبّان رقم ٧٥ وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد
۱٥٢/٧ وقال رواه البزار وأبو يعلى والطبراني في الأوسط
باختصار اخره ورجال أحدهما ثقات
۹۱۳
حديث النهي عن قتل النساء والصبيان في دار الحرب
عُمَرَ رَضِيَ الله عَنهُمَا نَهى رَسُولُ الله عَن قَتلِ
النِّسَاءِ وَالصَّبيانِ
ظاهر الحديث يدل على أن قتل النساء والصبيان لا يجوز لكن
هل النهي على العموم أم لا محتمل والأظهر أنه ليس على
العموم لأن المَعْنِيَّ به في غزو المشركين بعد القدرة
عليهم وهذا بقيد وهو أن يكون النساء والصبيان لم يقاتلوا
حين الحرب فإن قاتلوا فقتلهم جائز هذا في حال القدرة عليهم
وأما حين الحرب ورميهم بالنبل والمجانيق فلا يتوقى ما أصيب
منهم إذا كان بغير تعمد ولا يدخل قاتلهم تحت النهي لقوله
عليه السلام في هذه الحالة هم من آبائهم ثم هذا النهي هل
هو لعلة أم لا الظاهر أنه لعلة أن النساء والصبيان من جملة
الغنائم ولم يدخل بهم ضرر على المسلمين في حين حربهم ثم
هذه العلة هل هي متعدية أم لا فإن قلنا بأنها غير متعدية
فلا بحث وإن قلنا إنها متعدية - وهو الظاهر لأنه اللائق
بكلام الشارع عليه السلام الذي أوتي جوامع الكلم - فحيثما
وجد من كلامه حكم وفهمت له علة أو حيثما وُجدت تلك العلة
يكون الحكم منوطاً بها والعلة في الحديث ما ذكرنا وهو ما
حصل للمسلمين من الفائدة في غنيمة النساء والصبيان من غير
ضرر لحقهم كما تقدم فحيثما وجدنا فائدة لم يتعلق بها ضرر
في الدين وجب استعمالها وإنما قلنا أن تكون لم يتعلق بها
ضرر لأن أكبر الضرر في الدين مقاتلة المشركين للمؤمنين
وقتالهم يهدف إلى إطفاء نور الله تعالى والنساء والصبيان
لم يقاتلوا فلم يدخل من قِبَلِهم ضرَر فكانت فائدة بغير
ضرر في الدين
ثم هذه العلة هل يتعدى الحكم بها للباطن أم لا الظاهر
تعديها على البحث الذي قدمناه لأن أهل الباطن والظاهر من
بحره عليه السلام اغترفوا كل منهم على مقتضى طريقه قَدْ
عَلِمَ
٩١٤
كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ ﴾ ۱ فتعديها للباطن هو أن
تُعرَف تلك العلة في الباطن كما عُرفت في الظاهر فالمرأة
في الباطن كناية عن الدنيا لأنها من زينتها والصبيان كناية
عن الهوى لأنه مثلهم في مخالفة العقل وغلبة الشهوة والصبي
يوصف بعدم العقل واتباع المُرْدِيات وهي صفة الهوى فإن
تعلق القلب بواحد منهما دون ضرر في الدين جاز استعماله على
مقتضى العلة فمثال تعلقه بالدنيا هو مثل أخذ شيء حلال
لإحياء رمق يستعان به على طاعة ولم يقع فيه خلل بلسان
العلم ولم يكن تعلق القلب به يمنعه من أداء الأعمال
والحضور فيها فهذا جائز ولا يضر اتباع النفس والهوى فيه
ومثل هذا كانت أفعال الصحابة رضوان الله عليهم مثل علي رضي
الله عنه حيث كان يقول لأهله اعملوا الطعام مشروباً فإن
بين المأكول والمشروب كذا وكذا آية فلم يكن نظره للطعام
للشهوة وكان تقليله الطعام لزيادة القرب وترجيح زيادة
العبادة لأن تعلق القلب بالشهوة الباعثة في المطعم وغيره
من المباحات وإن كان جائزاً على لسان العلم فهو ممنوع عند
أهل الباطن فوجب قتله عندهم وقتله هو تركه لأنهم يقولون
ترك الشهوات قرع الباب وترك الحظوظ رفع الحجاب
ولهذا المعنى كان عمر رضي الله عنه يقول إني لأتزوج النساء
وما لي إليهن حاجة وأطأهن وما لي إليهن شهوة فقيل له ولم
يا أمير المؤمنين قال رجاء أن يخرج الله من ظهري ما يكثر
به محمّد الأمم يوم القيامة وإن كانت الشهوة في النكاح
والوصول إليها جائزة على لسان العلم ومأجور صاحبها لأنه
عليه السلام قد قال في حديث تعداد الأجور للمؤمنين يُوْجَر
المؤمن حتى في بُضْعِهِ لامرأته فقيل كيف يا رسول الله
ينال أحدنا شهوته ويكون فيها مأجوراً قال أرأيت لو وضعها
في الحرام أكان يكون مأثوماً قيل نعم قال كذلك إذا وضعها
في الحلال يكون مأجوراً ۳ أو كما قال عليه السلام
۱ سورة البقرة من الآية ٦٠
لعله يشير إلى قوله تعالى في سورة الإنسان ﴿ إِنَّ
الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسِ كَانَ مِزَاجُهَا
كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بهَا عِبَادُ اللهِ يُفجرونها
تفجيرا يُوفُونَ بِالنذر ويخافُونَ يَومَا كَانَ شَرُّرٌ
مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُدِ
مِسْكِينَا وَيَتِيماً وَأَسِيراً إنّما نظيشكر لِوَجهِ
اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا
۳ هو معنى لحديث أخرجه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أن
أناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي يا
رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يُصلّون كما نصلي
ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم قال أوليس قد جعل
الله لكم ما تَصَدَّقون به إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة
صدقة وكل تحميدة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر
صدقة وفي بضع أحدكم صدقة قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا
شهوته ويكون له فيها أجر قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان
عليه وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر
۹۱۵
وقد طلّق عمر رضي الله عنه إحدى نسائه فقيل له لِمَ
طلَّقتها وهي من أمرها وشأنها وأثنى
عليها بأنواع الخير فقال أعرف فيها أكثر مما تقولون ولكن
مال قلبي إليها فخفت أن أشتغل بها عما يلزمني من أمور
المسلمين ففارقتها فهكذا هم أرباب القلوب إذا كانت الأمور
جائزة على لسان العلم وكان فيها بعض شغل عن توفية آداب
الشريعة والحضور في التعبدات تركوها لأن ما طلبوا أجل لأن
من علم ما طلبهان عليه ما ترك فما يكون لهم من هذه الخواطر
والشهوات فهو من النوع الذي يُقتل وقتله هو دفعه وقد قال
عزّ وجلّ في كتابه ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا
مَسَّهُمْ طَلَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَرُوا فَإِذَا
هُم مُّبْصِرُونَ ۱ والطائف هو الخاطر الذي يخطر من إغواء
الشيطان وقد قال النبي الاول لعائشة رضي الله عنها حين
سألته عن الرجل يلتفت في صلاته فقال تلك خُلْسة يختَلِسُها
الشيطانُ من صلاة أَحَدِكم وقال عليه السلام إن الله لا
يقبل عمل امرىء حتى يكونَ قلبه جوارحه ۳ ولا يكون القلب مع
الجوارح إلا بدوام الحضور دون حديث نفس أو خطرة من شيطان
أو هوى
ولهذا المعنى قال بعض الصحابة لا أحب أن يكون لي دكان على
باب المسجد لا تفوتني صلاة مع الجماعة أربح فيه كل يوم
ديناراً أتصدق به في سبيل الله لا أوثر ذلك على الفقر
وإنما قال ذلك لأنه يشتغل بالبيع والشراء والأخذ والعطاء
عن الحضور والذكر والفقير ليس له شغل غير
التعبد والحضور
وأما صفة تعلق خطرات الهوى فهو مثل أن يكون هواه مما يوافق
قربة فيفعل هو القربة ولا يبالي بموافقة الهوى لأن الهوى
كان سبباً للغنيمة وهي غنيمة الأجر الذي حصل في ذلك الفعل
وما كان سبباً لشيء فهو مثله فهو إذ ذاك غنيمة فلهذا
المعنى قال عليه السلام من سعادة المرء أن تكون شهوته فيما
يُرضِي ربه أو كما قال ومثل ما نحن بسبيله الأضحية لأنها
قربة وفيها الأكل والعطاء والتمتع والادخار ومثل هذه
الخصال هي التي تحض عليها النفس والهوى فيكون المرء في ذلك
مأجوراً وإن كانت النفس والهوى يريدان ذلك وهذا إذا قصد
بها السنة وأما إذا لم يقصد ذلك وقصد بها مباهاة وفخراً
فهو من النوع الذي يقتل لأنه ضرر في الدين وقتله تركه لأن
قتل النساء والصبيان إعدام لهم وترك هذا هو إعدامه فيناط
الحكم بالعلة حيث
وجدت كما ذكرنا
۱ سورة الأعراف الآية ۰۱
رواه الشيخان من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها
۳ تقدم تخريجه في الحديث ۰
٩١٦
ومن ذلك أيضاً لبس الثياب والطيب والزينة في الأعياد
والجمع إذا قصد السنّة ويكون في
ذلك مأجوراً لأن فيه أيضاً راحة النفس وحظها وتنعمها ومع
ذلك فله الأجر في فعله ذلك ومثل هذا كثير والكل مثل الأول
إن كان لامتثال السنة فالأجر فيه حاصل ولا يضر تعلق النفس
والهوى بذلك وإن كان لشهوة أو لحظ فالحكم كما تقدم وعلى
هذا فقس
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۹۱۷
-101-
حديث النهي عن التعذيب بالنار
عَن أبي هريرَةَ رضيَ الله عَنهُ قالَ قَالَ رَسُولُ الله
إِنِّي أَمَرتُكُم أن تحرقوا فُلاناً وفُلاناً وإنَّ
النَّارَ لا يُعَذِّبُ بِها إلا الله عَزَّ وجَلَّ فإن
وَجَدتُمُوهما فاقتلوهما
*
*
ظاهر الحديث يدل على أن العقاب والحدود لا تكون بالحرق
وإنما تكون بغيره وإن كان قد ورد عن أبي بكر رضي الله عنه
أنه أحرق لوطيّاً لكن كان ذلك منه مرة واحدة ولم يفعله بعد
ولعله فعل ذلك لعدم بلوغ الحديث إليه ورجع عنه ببلوغه إليه
والكلام عليه من وجوه الوجه الأول أنه يجوز للمجتهد إذا
حكم بحكم ثم ظهر له غير ما اجتهد فيه أن ينزع عن اجتهاده
ذلك إلى غيره إذا كان الحكم باقياً لم يمض ولأن النبي لا
لا لا لا و قد كان أمر بحرق هذين ثم نزع عن ذلك وقال فإن
وجدتموهما فاقتلوهما الوجه الثاني أن المجتهد إذا حكم بحكم
ثم ظهر له غيره أن يذكر العلة الموجبة لتغيير الحكم لأن
النبي بين العذر الذي لأجله رجع بقوله عليه السلام إن
النار لا يعذب بها إلا الله الوجه الثالث جواز النيابة في
الأحكام لأن النبي هو أمر بقتل هذين ولم يأمر بأن يؤتى
إليه بهما
الوجه الرابع أن مَن سَبَّ الله عزّ وجلّ ورسوله الا الله
قتل ولم يُستَتَب لأن فلاناً وفلاناً المذكورين في الحديث
قد سُمِّيا في حديث غير هذا وقيل كان سبب ذلك أنهما كانا
يؤذيان الله
ورسوله
الوجه الخامس أن إطالة الزمان لا ترفع العقاب ولا أن النبي
الأمر بقتل هذين حين رجا القدرة عليهما وقبل ذلك حين كانت
الإذاية ۱ منهما صادرة ولَوْ لَمْ ترج القدرة للمسلمين
عليهما لم يأمر فيهما بشيء
1 أي الأذية
۹۱۸
ويترتب على هذا من التنبيه أن من وقع في شيء يوجب العقاب
فستر الله عزّ وجلّ عليه
وأسبغ نِعَمَه وأمهله فلا يَغْتَرُّ بذلك ويَدومُ على
المخالفة ويقول أرجو العفو لما ظهر من صفة الرحمة من دوام
الستر وإدرار النعم وليبادر إلى التوبة والإقلاع قبل
مفاجأة المنايا أو النقم لأن الله عزّ وجلّ يقول في كتابه
العزيز أفَرَيْتَ إِن مَّتَعَنَهُمْ سِنِينَ ثُمَّ
جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُم
مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾ ١ وقال ﴿ وَلَا يَفْزَنَكُم
بِاللَّهِ الْغَرُورُ والغَرور هو الشيطان والغُرور - بضم
الغين - هو ما يلقيه من تسويلاته وتخيلاته من ترك الخوف
والطمأنينة بما أظهر عزّ وجلّ من إمهاله وإدرار إنعامه قال
النبي الله إن الله يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ۳
والتنبيه هنا لكل نوع من نوعه لأهل الظاهر من تنوعهم ولأهل
الباطن بمشربهم فتنبَّة إن كنت لبيباً وما يتذكر إلا من
ينيب والله حسبنا وكفى وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد
وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً
۱ سورة الشعراء من ٢٠٥ إلى ۰۷
سورة لقمان من الآية ۳ وسورة فاطر من الاية ٥
الله
۳ متفق عليه عن أبي موسى رضي الله عنه بلفظ إن الله ليُملي
للظالم إلخ
۹۱۹
- ١٥٢ -
حديث قتل الكافر والمرتدّ وإن التجأ إلى الحرم
عَن أنس بن مالِكِ رَضِيَ الله عَنهُ أَنَّ رَسُولَ الله
صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عامَ الفَتح وعَلى رأسِهِ
المِعْفَر ۱ فَلَمّا نَزَعَهُ جَاء رَجُل فَقالَ يا
رَسُولَ الله إِنَّ ابنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّق بأستارِ
الكَعبة
فَقالَ اقتلوه
*
*
ظاهر الحديث يدل على أن الحَرَم لا يجير من الحدود والكلام
عليه من وجوه
الوجه الأول قوله دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر إنما
أبهم الفتح ولم يبين أي فتح كان للعلم به وشهرته وللقرينة
التي قارنته في الحديث تبين أي فتح كان وهو من الفصيح في
الكلام حذف الألفاظ للعلم بالمعنى
وفيه دليل لمن ذهب من الفقهاء أن مكة دُخِلت عنوة لأن
المغفر من السلاح الذي لا يُتخَذ عند الأمن وأيضاً فلو كان
دخوله لها صلحاً لم يكن ابن خطل ليهرب منه ويستجير بالحرم
إذ إن الصلح مجير له ولم يكن النبي لا لا لا ل ل ليأمر
بقتله وهو قد صالحهم وقد جاء بالنص ما يردّ قول من ذهب إلى
أن دخولها كان صلحاً وهو قوله عليه السلام أُحِلَّت لي
ساعة من نهار ولم تَحِلَّ لأحد قبلي ولا لأحدٍ بعدي ۳ وهذا
نص في موضع الخلاف
الوجه الثاني جواز لبس السلاح في حال الإحرام إذا كان ذلك
لضرورة مثل الخوف من اللصوص وما أشبهه لأن النبي لبس
السلاح في حال إحرامه لضرورة القتال الوجه الثالث لبسه
عليه السلام للسلاح فيه دليل على أن من بلغ في الحقيقة
والتوحيد
۱ المِعْفَرِ ذَرَد يُنسج من الدروع على قدر الرأس يُلبس
تحت الفَلَنَسُوة جمع مغافر ابن خَطَل اسمه عبد العزّى
قتله سعيد بن حريث وسبب قتله أنه كان أسلم فارتد وكانت له
قينتان تغنيان
بهجاء المسلمين وكان قتله يوم فتح مكة
۳ تقدم تخريجه في الحديث ۱۳ وأوله إن الله حبس عن مكة
الفيل
المنتهى فالخطاب له بامتثال الحكمة لم يزل لأن النبي لا لا
لا لو أرفع الناس منزلة في الحقيقة ومع أنه قد وعده الله
عزّ وجلّ بالنصرة والعصمة فقال تعالى ﴿ وَاللهُ يَعْصِمُكَ
مِنَ النَّاسِ ﴾ ١ لكن مع هذا كله لم يترك عن امتثال
الحكمة في كل أجزاء أعماله مثل ما نحن بسبيله من لبس
السلاح وغيره يوفي في الظاهر من طريق الحكمة المجهود وفي
الباطن ما يجب من التوحيد بردّ الحول والقوة الله والخروج
عن رؤية أعماله
الوجه الرابع أن الحدود لا تجب إلا بإذن من الإمام لأن من
أبصر هذا الرجل متعلقاً بأستار الكعبة لم يقتله حتى استأذن
النبي لا اله اللي فيه ولأن بحضور الإمام لا يجوز الحكم
لغيره وإن علم مقتضاه
الوجه الخامس جواز النيابة في الأحكام والحدود لأن النبي
لا يأمر بقتله ولم يأمر
بإحضاره بين يديه
الوجه السادس أن الرعية لا يجوز لهم أن يخفوا عن راعيهم
شيئاً من أمورهم ولا يفعلوا شيئاً حتى يشير به عليهم لأن
هذا الصحابي رضي الله عنه لم يكتم شأن ابن خطل حين رآه وما
وسعه إلا أن يخبر النبي الله فكذلك جميع الرعاة يجب عليهم
ألا يخفوا من أمورهم شيئاً عن راعيهم إذا كان عدلاً لأن
إخبارهم له بذلك عليه تترتب مصالحه ومصالحهم وقد قال عليه
السلام الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله قال لله
ولرسوله ولأئمة المؤمنين ولخاصتهم وعامتهم والإخبار له بما
لا يعلم من باب النصيحة
ثم هذا الوجه يحتاج فيه إلى بحث وهو أنه هل تتعدى عليه أم
لا
فعلى القول بأنها غير متعدية فلا بحث وعلى القول بأنها
متعدية - وهو الأظهر - لما بيناه في الأحاديث قَبْلُ لكثرة
الفوائد في كلام الشارع عليه السلام ولأنه عليه السلام قد
قال كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فيجب على كل من كان
مسترعى أن يخبر راعيه بأجزاء أموره حتى لا يكون منه فعل
إلا بأمر راعيه ومشورته وكل أحد بالنسبة إلى حالة راعيه
فالسيد في قومه راعٍ
۱ سورة المائدة من الآية ٦٧
٢ أخرج الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وأبو عوانة
وابن خزيمة وابن حبان والبغوي والبارودي وابن قانع
والبيهقي وأبو نعيم عن تميم الداري وأخرج الترمذي وقال
حديث حسن والنسائي والدارقطني في الأفراد عن أبي هريرة
وأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس وابن عساكر عن ثوبان رضي
الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الدين
النصيحة إن الدين النصيحة إن الدين النصيحة قالوا لمن يا
رسول الله قال الله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين
وعامتهم
۹۱
عليهم والرجل في بيته كذلك ومن كان عَريّاً عن القبيلة
والأهل فهو أقل وظيفة من غيره لأنه لم يبق عليه غير وظيفة
الجوارح وهي مسترعاة إلى النظر فيها بالعقل والشرع هذا في
حكم الظاهر وكذلك يجب أيضاً في المعاني وهو حكم الباطن وهو
ما يخطر من الخواطر النفسانية والشيطانية والهوائية فكلها
مسترعاة وراعيها هو العقل والحاكم على الجميع هو الشرع
فإذا خطر للمرء خاطر أو وقع له واقع فليعرضه أولاً على
العقل والعقل إذ ذاك ينظر بمقتضى الأمر والحكمة فإن كان
فيه مصلحة أجازه وإلا منعه وإن كان المرء ممّن أمِد
بالتوفيق وكانت شهواته وخطراته في مرضاة ربه فهذه قاعدته
أبداً وليحذر من الغفلة عنها لأن بها قوام أمره لأنه إذا
لم يكن على هذا الحال فقد تستفزه النفس في مرة ما وهو لم
يشعر
ومثل هذا ما حكي عن بعضهم حين لقي إبليس اللعين فسأله هل
قدر عليه قط أو نال منه قَطُّ شيئاً فقال اللعين نعم ليلة
أحضَرتَ بين يديك عَشَاءَك فَشَهَيْتُكَ الطعام حتى زدتَ
فيه على العادة فنمت بسبب ذلك عن وِردك فقال والله لا أشبع
بعدها أبداً فإذا كان المرء يستعمل نظره أبداً على القاعدة
التي قررناها كان أكله ونومه ويقظته مضبوطاً بلسان العلم
وأيضاً فإنه بنفس نظره إلى تلك القاعدة كان له من الأجر ما
لا يكون للصائم القائم الغافل عنها لأنه لا يحمله على هذه
المحاسبة والمراقبة إلا الخوف من الله عزّ وجلّ والإجلال
له وقوة اليقين
ولهذا المعنى كان بعض الفضلاء يقول يحتاج العاقل أن يكون
محاسباً ومراقباً ومعنى المحاسب هو الذي يحاسب نفسه فيما
مضى من عمره فإن كان بقي عليه شيء فليخلص نفسه مادام في
هذه الدار والمراقبة هي مهما خطر له خاطر عرضه على العقل
ونظره بلسان العلم فما حسن منه فعل وما قبح منه ترك ولم
يفعل وإلا كان كالتاجر ينفق ولا يعرف حتى يفلس وقد قال
عليه السلام حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا
ولأجل ترك النظر إلى هذه القاعدة أو الجهل بها وقع كثير من
الخلل والفساد عند بعض المدعين للطريق المنتسبين إليه لأنه
يخطر لأحدهم التصرف في مرضاة نفسه وما يشير به عليه هواه
وقد يسمع وسوسة من الشيطان فيأخذ ذلك من حينه على الإطلاق
من غير أن يلحظ القاعدة التي قررناها فيضل مع الضالين وهو
يحسب أنه يحسن صنعاً فيقول قيل لي وقلت وخطر لي ووقع لي
وهيهات هيهات ليس التعبد بالخواطر ولا بالشهوات وإنما هو
بالامتثال والامتثال لا يتصور وجوده إلا مع العلم والعلم
قد شاء عزّ وجل وسبقت إرادته أنه لا يؤخذ إلا
۱ قوام الأمر نظام الأمر وعماده وملاكه
من كلام عمر رضي الله عنه
۹
بالتعلم لقوله عليه السلام إنما العلم بالتعلم والمراد
بهذا العلم هو علم النقل وهو الأمر لأنه لا يؤخذ بصفاء
القلب ولا بغيره وإن أخذ بصفاء القلب فلا يجوز التعبد به
حتى يكون نقلاً وإنما يكون بصفاء القلب العلم اللدني ومع
ذلك فالعلم المنقول لا بد منه فيه لأن به يختبر
والنهي
صحته من سقمه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ قطعة من حديث أوله يا أيها الناس إنما العلم بالتعلم
والفقه بالتفقه إلخ رواه الطبراني في الكبير
-١٥٣ -
حدیث رد فرس ابن عمر رضي الد
عنهما إليه
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضيَ الله عَنهُ قالَ ذَهَبَ فَرَس لَهُ
فَأَخَذَهُ العَدوُّ فَظَهَرَ عَلَيْهِمُ
المُسلِمونَ فَرُدَّ عليهِ في زَمَنِ رَسولِ الله
*
ظاهر الحديث يدل على رد الفرس لابن عمر رضي الله عنهما
بعدما ملكه العدو والكلام
عليه من وجهين
الوجه الأول قوله ذهب يرد عليه سؤال وهو أن يُقال لم قال
ذهب ولم يأتِ بغيرها من الصيخ الجواب عنه أنه إنما عدل عن
ذكر غيرها إليها لأنها جامعة لأنواع طرق الذهاب لأنك تقول
ذهب مال فلان وقد يكون ذهابه بالسرقة أو الإنفاق أو
النسيان أو الغضب إلى غير ذلك من وجوه الذهاب وذهب يدل على
كل واحد منها على سواء فهذا من الفصيح في الكلام
الوجه الثاني قوله فرُدَّ عليه فيه بحث وهو أنه هل رُدَّ
عليه من طريق إحسان النبي صلى الله عليه وسلم إليه فهو
كالنفل أو رُدَّ عليه لأن حصوله بيد المشركين لم يُزِل
ملكه عنه وكان رده من طريق الوجوب يحتمل الوجهين معاً وقد
اختلف العلماء هل المشركون يملكون أموال المسلمين أم لا
على قولين فذهب قوم إلى الجواز مطلقاً واحتجوا بقوله تعالى
إنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ
عِبادِه ۱ والاحتمال الذي في الحديث وهو كون الفرس رُدَّ
على طريق النفل وذهب قوم إلى المنع مطلقاً وحجتهم الاحتمال
الذي في الحديث وهو كون الفرس رُدَّ على طريق الملك
وبالقياس وهو أن المشركين لا يحل لهم ملك رقاب المسلمين
فأموالهم كذلك
وفَرَّق قوم فقالوا لا يخلو أن يُدْرِبَ العدو بها ۳ أو لا
فإن أدْرَبَ مَلَكَ وإن لم يُدْرِب لم يملك وهذا قول ثالث
وكأن صاحب هذا القول يرى أنهم ما لم يُدْرِبوا فصاحب الشيء
لم ينقطع
۱ سورة الأعراف من الآية ۱۸
يدرب بها يدخل بها بلاده
٩٢٤
رجاؤه منه لأنه قد تعود الكرة عليهم فتؤخذ منهم ويغنمون أو
يتركون ما أخذوا ويهربون وأما إذا أدربوا فقد انقطع الرجاء
من العودة عليهم وهذا استحسان قول بين قولين
والأظهر - والله أعلم - أن العدو لا يملك بدليل الحديث
والقياس أما الحديث فأحد الاحتمالين المذكورين في الحديث
الذي نحن بسبيله ويرجحه على الوجه الآخر ما روي أن العدو
غزا مرّة المدينة وأخذ منها ناقة النبي الله المسماة
بالعضباء وأخذت امرأة من المسلمين في الأسر في جملة ذلك
فلما جَنَّ عليها اللّيلُ قامت تريد الفرار بنفسها فأرادت
أن تركب ناقة تنجو عليها فأتت تأخذ ناقة لتركبها فكل ناقة
أو دابة تضع يدها عليها تنفر فتتركها وتذهب لغيرها حتى أتت
إلى العضباء وكانت ذلولاً فلم تنفر فركبتها وأتت بها إلى
المدينة ونذرت في طريقها أنها إن نجت عليها فسوف تنحرها
وتهديها فلما أتت المدينة رآها الناس فعرفوها فأتوا بها
إلى النبي الله فذكرت له القصة فقال لها عليه السلام لا
نَذْرَ فيما لا يُملَك ووجه الحجة فيه أنها لو أتت على
ناقة كانت ملكاً لمشركين قبل لم تؤخذ منها فلما أن كانت
مما عُنِم من المسلمين قال لها عليه السلام لا نذر فيما لا
يُملك ۱ وأُخِذت منها
وأما القياس فقد تقدم لصاحب هذا المذهب وهو أنهم لا يملكون
الرقاب وهذا يبين أن الاحتمال الذي في الحديث وهو كون
الفرس ردَّ من طريق الملك أو الوجوب هو المراد وهو الأظهر
في الموضع وفي هذين دليل واضح لا خفاء فيه أنهم لا يملكون
الرقاب فالأموال كذلك وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد
وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً
۱ جزء من حديث أوله لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك
ابن آدم أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن
عمران بن حصین رضی الله ع
٩٢٥
11021
حديث أجر المجاهد في سبيل الله
عَن أبي هريرَةَ رضيَ الله عَنهُ أَنَّ رَسُولَ الله صلى
الله عليه وسلم قالَ تَكفَّلَ اللهُ لِمَن جَاهَدَ في
سَبيلِهِ لا يُخرِجُهُ إلا الجهادُ في سَبيلِهِ وتَصديقُ
كلِماتِهِ بأن يُدخِلَهُ الجَنَّةَ أو يرجعه إلى مَسكَنِهِ
الَّذِي خَرجَ مِنْهُ مَعَ ما نالَ مِن أجرٍ أو غَنِيمَةٍ
**
ظاهر الحديث يدل على أن من خرج إلى الجهاد بالنية المذكورة
فيه فله أحد الوجهين المذكورين فيه وهو أن يرجع بالأجر
والغنيمة أو يُستشهد فيدخل الجنة ويكون فيها حياً يُرزَق
لقوله تعالى ﴿أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ١
والكلام عليه من وجوه
الوجه الأول قوله عليه السلام تكفل الله معناه ضمِن الله
لأن الضمان له في اللغة سبعة أسماء ومن جملتها الكفيل
والضمان من الله سبحانه ضمان إفضال لا ضمان وجوب فإن معناه
تأكيد التصديق بحصول الأجر الذي تفضل به على المجاهد في
سبيله لأن الوجوب في حقه تعالى
مستحيل
الوجه الثاني قوله عليه السلام لمن جاهد في سبيله لا يخرجه
إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلماته الجهاد في سبيل الله
يحتمل وجوهاً وأظهرها في هذا الموضع قتال العدو الذي هو
الكافر وكيفية النية فيه هو أن يخرج للغزو يريد به القتال
في سبيل الله وإعلاء كلمته لا يريد بذلك غير الله
ويَحتَسِب قتل نفسه إن قُتِل وكلَّ ما يلاقي من شدة الحروب
وهَوْلِها في حق الله تعالى لا لظهور ولا لكسب دينار ولا
لغير ذلك
والتصديق على ضربين تصديق بوجوبه - والوجوب على ضربين فرض
عين وفرض كفاية وهو مذكور في الفقه - وتصديق بما جاء فيه
من عموم الأجور والإحسان على مقتضى الآيات في الوجهين معاً
٩٢٦
۱ سورة ال عمران من الآية ١٦٩
الوجه الثالث هل تقصر هذه الأجور على الوجه الظاهر - وهو
قتال العدو ـ أو تحمل على ما
يقتضيه عموم الجهاد في طاعة الله تعالى وهو الأظهر كما ذهب
إليه بعض الصحابة حيث قال لأخيه حين لقيه في طريق المسجد
وقد اغبرت قدماه فسأله أغَيرُ الصلاة أخرجك فقال لا لم
أخرج لغيرها فقال شهدت على رسول الله الله أنه قال ما
اغبرت قدما عبد في سبيل الله إلا حَرَّمهما الله على النار
۱ فقال له الرجل ذلك خاص بالقتال فقال الصحابي أفعال الخير
كلها في سبيل الله وقد قال عليه السلام في الخارج إلى
المسجد هو في ذمة الله إن مات أدخله الله الجنة وإن رجع
إلى منزله كان كالمجاهد رجع بالأجر والغنيمة وهذا نص في
المسألة فيجب تعديه في جميع وجوه البر ويكون الأول منها
أظهرها وأعلاها
الوجه الرابع هل يتعدى الحديث للجهاد المعنوي أم لا أما
ظاهر اللفظ فلا يؤخذ منه التعدي لأنه ذكر في الجهاد الحسي
وأما على القاعدة التي قررناها في كلام الشارع عليه السلام
بأنه محمول على كل الفوائد - إن أمكن - فهو متعد لا شك فيه
سيما ۳ في هذا الموضع الذي قد نص عليه السلام أن الجهاد
المعنوي أكبر من الحسي وهو قوله عليه السلام هبطتم من
الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس فإذا كان
حكم يناط بعلة فحيثما وجدت العلة أنيط الحكم بها فالدخول
في الجهاد المعنوي يكون بتلك النيَّتَينِ المذكورتين في
الحديث وهما الجهاد في سبيل الله والتصديق بكلماته ولا
يُعوّل على العيش بعدها إلا إن قُدِّر له بذلك لأن الراجع
من أثناء الطريق لم تتم له صفقة وتمام الصفقة هنا هو الموت
على ما هو عليه من مجاهدة النفس في ابتغاء مرضاة الله
تعالى
ولهذا المعنى لما أن جاء لبعضهم ثلاثة نفر يطلبون منه
التربية في السلوك فقال لأحدهم كم تصبر فعَدَّ له أياماً
محصورة فقال له الشيخ ما يجيء منك شيء ثم سأل الآخر فقال
أطيق أكثر منه وعد له الأيام فقال له ما يجيء منك شيء ثم
سأل الثالث فقال أصبر حتى أموت
فقال له ادخل وقد قال بعض الفضلاء من أهل هذا الشأن من
صَدَق وصدَّق قُرِّبَ لا محالة
وإنما يقع الخلل في الجهادَينِ معاً إذا كان الدخول لحظ
دنيوي أو نفساني ومن دخل بهذا
۱ تقدم تخريجه في الحديث ١٣٤
في هذا المعنى روى أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة رضي
الله عنه أن النبي الا الله قال ثلاثة في ضمان الله عزّ
وجل رجل خرج إلى مسجد الله ورجل خرج غازياً في سبيل الله
ورجل خرج حاجاً
۳ كذا بحذف لا
٤ تقدم تخريجه في الحديث ۱۳۰
٥ النَّفر من ثلاثة إلى عشرة من الرجال والجمع أنفار
قصده في الحياة وهو يؤملها فقليل أن يقع النصر لمثل هذا
لأنه عند أقل شيء يرى من العدو يُوَلِّي مديراً للطمع في
الحياة وأما إذا كانت النية ما أشرنا إليه فالخلل لا يدخل
هناك لأن من دخل بنية
ألا يعيش فقلما ينهزم لأنه إذا عاين الموت لا يفر منه
ويقول هو المطلوب والمقصود وأعظم ما
في الجهادين من الوقائع المَوْت فإذا كانت أعظم الوقعات هي
المقصودة فكيف يبالي بما هو
أقل منها
ولهذا المعنى كان النبي له الا الله حين الجهاد يخطب الناس
ويذكّرهم ويعلمهم بما لهم فيه من الأجور مثل قوله عليه
السلام اعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ۱ وكفى بهذا
دليلاً أن الله عزّ وجلّ جعل الفرار منه من الكبائر فقال
تعالى ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَومَذٍ دُبُرَهُ إِلَّا
مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إِلَى فِئَةٍ
فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَنهُ جَهَنَّمُ
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ٣ وقد روي أن الصحابة رضوان الله
عليهم كانوا بعد وفاة النبي الا الله يُسَرُّون صفوفهم
ويذكرون أصحابهم ويعطونهم حتى كان بعضهم ينظر من هو أفصح
في الكلام وأعلى صوتاً فيأمره بالمشي بين الصفوف فيعِظ
الناسَ ويذكرهم بما جاء في الجهاد وكل هذا مندرج في ضمن
قوله تعالى
يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَيْضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى
الْقِتَالِ ۳ وما ذكرناه وأوردناه من جملة التحريض
وكذلك ينبغي في الجهاد الأكبر إذا كان المرء عالماً
بكيفيته وبما كان فيه فبها ونِعْمَتْ وإن لم يكن عالماً
بذلك فليتخذ شيخاً يستند إليه عارفاً بذلك الشأن حتى يبين
له لسان العلم في جهاده ولسان الطريق وما يشترط فيه ولأجل
ترك النظر إلى هذه القاعدة كانت المجاهدة اليوم عند جل
الناس لا تفيد شيئاً لأجل أنهم يدخلون في المجاهدات جاهلين
بها من الطريقين وإن كان لأحدهم علم فيكون في الطريق
الواحد ويترك الآخر ومن حصل له العلم بالطريقين فهو
المرْجُو له الخير وهو على طريق الهدى والتوفيق فطوبى له
ثم طوبى له
ومن رزق التوفيق ولم يكن له علم بهذين الطريقين يحتاج أن
يبذل نفسه فيهما لعله أن ينال
منهما شيئاً أو من بركة أهليهما وقد قال امرؤ القيس ٤
1 أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود في الجهاد والترمذي في
فضائل الجهاد كما أخرجه الإمام أحمد في مسنده
سورة الأنفال الآية ١٦ ۳ سورة الأنفال من الآية ٦٥
٤ أشعار الشعراء الستة الجاهليين اختيار الأعلم الشمري
طبعة دار الآفاق الجديدة بيروت ١٩٧٥ صفحة
TV
ومطلع القصيدة
الَكَ شَوقُ بعد ما كان أقصَرًا وحَلَّت سُلَيمى بَطَنَ
قَوْ فَعَرعَـرا
۹۸
بَكَى صاحِبِي لَمَّا رأى الدَّرْبَ دُونَهُ لَمَّا رأَى
الدَّرْبَ دُونَهُ وأَيْقَنَ أَنَّا لاحِقَانِ بقَيْصَ
فَقُلْتُ لَهُ لا تَبْكِ عَيْنُكَ إنَّما نُحاوِلُ مُلْكاً
أو نَمُوتَ فنُعْذَرا فإذا كان هذا في طلب مُلك الدنيا
فكيف في طلب الآخرة وقد قال علي رضي الله عنه لو كانت
الدنيا من فضة والآخرة من خزف والدنيا فانية والآخرة باقية
لكان الواجب أن يُزهَد في الفانية وإن كانت من فضة ويُرغَب
في الآخرة وإن كانت من خزف فكيف والأمر بضد ذلك وصلى الله
على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً
۹۹
- ١٥٥ -
حديث جواز التحلل من اليمين المنعقدة
صلى الله عليه وسلم
عَن أبي موسى۱ رضي الله عَنهُ قالَ أَتيتُ رَسولَ الله صلى
الله عليه وسلم فِي نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ
نَستَحمِله فقال والله لا أحمِلُكُم وما عِندي ما
أحمِلُكُم عَليهِ وأُتِيَ رَسولُ الله بِنَهْبِ ۳ إِبل
فَسَأَلَ عَنّا فقالَ أينَ النَّفَرُ الأَشْعَرِيُّونَ
فأمرَ لنا بِخَمس ٤ ذَوْدٍ غُرِّ الدُّرَى ٥ فلما انطلقنا
قُلنا ما صَنَعْنا لا يُبارَك لَنَا فَرجعنا إليه فقُلنا
إنا سألناك أن تَحْمِلَنا فَحْلَفَتَ ألا تَحْمِلَنَا
أَفَنسيتَ قَالَ لَستُ أنا حَملتُكُم وَلكِنَّ الله
حَمَلَكُم وإنّي والله إن شاءَ الله لا أحلِفُ على يمين
فأرى غَيْرَها خَيْراً مِنها إِلا أَتَيْتُ الَّذي هُوَ
خَيْرٌ وَتَحلَّلْتُها ٦
*
*
ظاهر الحديث يدل على جواز التحلل من اليمين المنعقدة
والكلام عليه من وجوه
الوجه الأول قوله أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في
نفر من الأشعريين يَرِد عليه سؤالان
الأول أن يُقال لم قال أتيت ولم يقل أتينا وهم كانوا جماعة
فعدل عن اللفظ الحقيقي إلى غيره مع الاحتياج إلى الزيادة
في اللفظ لأنه لو قال أتينا لم يحتج إلى ذكر النفر فلما
قال أتيت احتاج أن يبين مع من أتى وهذا ينافي لغتهم
وفصاحتهم لما فيه من الاختصار والإبلاغ الثاني أن يُقال لم
سمّى النفر من أي قبيلة كانوا
والجواب عن الأول من وجهين
۱ تقدمت ترجمته في الحديثين ٦١ و ١١٧
نستحمله نطلب منه أن يحملنا لنجاهد في سبيل الله
۳ نهب إبل إبل الغنيمة
٤ بخمس ذوي أي بخمس من الدود والذود هو القطيع من الإبل
بين الثلاثة إلى العشرة
٥ غر الذرى في أعالي أسمتِها بياض
٦ تحلّلتها كفرت عنها
الأول أن أبا موسى رضي الله عنه هو سيّد الأشعريين ورئيسهم
وهو صاحب رأيهم
ومدبر أمرهم لأن قبائل العرب كانوا لا يفعلون شيئاً حتى
يسألوا فيه سيد قبيلتهم فهو يخبر أنه كان السبب في مجيء
الأشعريين إلى النبي ا ا ا ا ا و و و و و برأيه و مشورته
أتوا فإن قال قائل لو كان كذلك لقال أتيتُ رسول الله صلى
الله عليه وسلم بنفر من الأشعريين قيل له إنما عدل عن تلك
الصيغة لما نطق به تواضعاً منه لإخوانه الأشعريين لأنه لو
قال ذلك لكان في اللفظ ما يدل على جبرهم في المجيء فلما
ترك ذلك وأتى بـ في زال ذلك وبقي هو مع إخوانه في اللفظ
كأنه واحد منهم الثاني من الجواب يحتمل أن يكون خص ذكر
نفسه دون غيره تبركاً منه باسم النبي لا لا الهلال حتى
يكون اسمه يلي الاسم المبارك ومثل هذا كان الصحابة رضوان
الله عليهم يفعلون كثيراً تبركاً منهم بالاسم المرفع
والجواب عن السؤال الثاني أنه إنما ذكر الأشعريين
وعَيَّنهم لأن الجمع إذا أتى النبي الله في هذا القدر
ويراجعهم ويرجعون إليه بهذا القدر من المحاولة التي ذكرت
في الحديث فلا يكون في الوقت إلا مشهوراً فكان ذكر القبيلة
وتعيينها قرينة لقوة التصديق وهذا كان دأب الصحابة رضوان
الله عليهم مثل عثمان رضي الله عنه حين أخبر عن حديث
الوضوء وقال فيه لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه فأشار
إلى القرينة الدالة على التصديق مع أنه واحد ممن يؤخذ عنه
الدين لقوله عليه السلام عليكم بسنتي وسنة الخلفاء
الراشدين من بعدي 1
ثم يرد سؤال أيضاً على قوله نستحمله وهو أن يُقال لم قال
نستحمله ولم يذكر فيما أرادوا والحملان منه والجواب عنه
إنما سكت عن ذلك للعلم به للقرائن التي قارنته في الحديث
يعلم بها أنه أراد الاستحمال في الجهاد فحذف ذكر الجهاد
إبلاغاً في الاختصار وهو من الفصيح
في الكلام
الوجه الثاني من البحث المتقدم قوله عليه السلام والله لا
أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه ظاهر اللفظ يدل على جواز
اليمين على ألا يفعل الإنسان فعلاً من أفعال البر إذا لم
يقدر عليه لأن حمل هؤلاء إلى الجهاد من أفعال البر فحلف
عليه السلام على ألا يحملهم لكونه لم يقدر على ذلك وقد بين
عليه السلام العلة بقوله وما عندي ما أحملكم عليه وهذا
معارض لقوله تعالى وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً
لِأَيْمَنِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا
بَيْنَ النَّاسِ
۱ قطعة من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه رواه الإمام
أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وصححه
الترمذي وابن حبان سورة البقرة من الاية ٢٢٤
۹۳۱
والجمع بين الآية والحديث أن اليمين هنا ليس المراد منه
ظاهر لفظه لما قارنه من القرائن التي
دلت على بطلانه وذلك ما عُلِم من حال النبي لا لا لا لا
أنه كان في أفعال البر يبذل المجهود فكيف يقع منه يمين على
هذه القربة العظمى ألا يفعلها ذلك محال في حقه عليه السلام
وإنما حلف عليه السلام لهم ليقطع مادة التشويش عنهم لتعلق
خاطرهم في الرجاء لعله بعطيهم فيما بعد فكان يمينه عليه
السلام رفعاً لهذا التشويش وراحة لنفوسهم عند قطع الإياس
وكل ما كان سبباً لرفع
تشويش فهو مستحب
فإن قال قائل فما فائدة قوله عليه السلام لا أحملكم وما
عندي ما أحملكم عليه وأحدهما يغني عن الآخر قيل له النبي
لا لا لا لو كان إذا جاء أحد يطلب منه إن كان عنده شيء
أعطاه وإن لم يكن عنده شيء يكلم أصحابه إن كان فيهم من
يقدر على إعطائه شيئاً فأتى عليه السلام بتينك اللفظتين
ليقطع عنهم مادة التشويش مرة واحدة حتى لا يبقى لهم تعلق
خاطر بإعطائه ولا بكلامه لمن يقدر على أن يعطيهم فقوله وما
عندي ما أحملكم عليه إشارة لهم بأنه ليس عنده ما يحملهم
عليه وقوله لا أحملكم إشارة بألا يتسبب لهم في ذلك
لكن يرد على هذا سؤال وهو أن يقال لم قطع عليه السلام
العادة التي كان يفعل لهؤلاء الأشعريين دون غيرهم وهو كونه
إذا لم يكن عنده شيء نظر في أصحابه وتكلم لهم والجواب عنه
أنه قد يكون النبي لا اله الاهل العلم أن أصحابه ليس عندهم
في ذلك الوقت شيء إلا قدر ما يقوم بحركتهم ولا يفضل لهم
على ذلك فضل حتى يعطوه غيرهم وهم كانوا خارجين إلى الجهاد
فيحتاجون إلى القوة والشدة فإن شاركهم غيرهم فيما عندهم
القتال بسبب ذلك سيما الصحابة رضوان الله عليهم وقد كان
قُوتُهم التمرة والتمرتين فإذا شاركهم غيرهم في هذا النزر
اليسير المعلوم فإنهم لا يطيقون القتال لأن البشر لا بد له
من شيء ما
یسد به رمقه
قد ١
يضعفون عن
وقد روي عن بعضهم أنه كان قوتهم في غزوة من الغزوات تمرة
تمرة ففرّق التمر فجاء أحدهم يأخذ تمرته فقيل له قد أخذتها
فغشي عليه فلم يفق حتى أعطيها وأكلها فقام فإذا كانوا على
هذا الحال فالزائد عليهم ضرر بهم لا مصلحة في خروجه معهم
فترك عليه السلام الطلب لأصحابه لأجل هذا المعنى والله
أعلم
الوجه الثالث من البحث المتقدم قوله عليه السلام وأتي
رسولُ الله بنهب إبل فسأل
۱ كذا والصواب فقد
عنا النهب هو ما يؤخذ من أموال المشركين وهي الغنيمة التي
يضرب عليها بالخيل والرّجل فتؤخذ أموالهم وتنهب من أيديهم
وسؤاله عليه السلام عن النفر الأشعريين حين أتاه النهب
دليل
واضح على أنه ما أراد بيمينه إلا الوجه الذي ذكرناه وهو
رفع التشويش عنهم الوجه الرابع قوله فأمر لنا بخمس ذَوْدٍ
غُرُ الدُّرَى الذود عند العرب هو الجمل الواحد فهو أخبر
أنه عليه السلام أعطاهم خمسة أبعرة وغُرّ الذرى صفة للجمال
وهو بياض يكون في
أعلى أسْنِمَتها وإنما أتى
۳ لأنها قرينة تذهب التهمة في النسيان والغلط لأن من يذكر
هذا
القدر من الجزئيات فقد انتفت عنه التهمة في القضية بكل
ممكن
الوجه الخامس قوله فلما انطلقنا قلنا ما صنعنا فيه دليل
على أن المرء إذا حصل له مراده يُسَر بذلك في وقته حتى قد
ينسى ما كان قبله من شدة فرحه به لأن مراد هؤلاء الأشعريين
كان أن لو وجدوا إعانة للجهاد في سبيل الله و بين يدي
الرسول له له الا الله فلما ظفروا بذلك شغلهم الفرح الذي
دخل عليهم بالطاعة التي قالوها عن ذكر يمين النبي له الا
الله فلما أن سكن ذلك عنهم قليلا ورجعوا إلى أنفسهم فحينئذ
الهموا لذلك فرجعوا إذ ذاك وهذا أمر قلّ أن يثبت عنده إلا
القليل النادر ولا يحصل التثبت هناك إلا لمن داوم على
محاسبة نفسه في كل أنفاسه واستغرق في المراقبة حتى يذهل عن
لذة الطاعة ولذيذ النعم مع أن من وجد هذه اللذة بالطاعة
حتى يذهل في الحين عن أموره لما توالى عليه من محبتها فهو
مقام سَنِيّ لكنَّ ما أشرنا إليه أرفع وأعلى الوجه السادس
قولهم لا يبارك لنا هذه البركة التي خافوا من زوالها
احتملت وجهين
الأول أن يكونوا أرادوا بزوالها أنهم لا يبلغون بها ما
أملوا
الثاني أن يكونوا أرادوا لا يبارك لهم في أثمان تلك الجمال
ولا في رقابها لكونهم لم يأخذوها على الوجه المَرْضِيّ
لأنه تعيَّن عليهم فيه النصح للنبي ل لا ل ا ل لقوله عليه
السلام النصيحة الله ولرسوله ٤ وهم كانوا عالمين بيمين
النبي فتعين عليهم نصحه فخافوا من زوال البركة
1 الرَّجِل اسم جمع للراجل وهو عكس الفارس الذود للقطيع من
الإبل الثلاث إلى العشر وقيل ما بين الثلاث إلى العشر وقيل
إلى أكثر من ذلك وقول بعضهم الذود إلى الذود إبل يدل على
أنها في موضع اثنتين لأن الثنتين إلى الثنتين جمع وقال ليس
فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة فقد جعل الناقة الواحدة
ذودا وعلق أبو منصور على ذلك فقال هو مثل قولهم رأيت ثلاثة
نفر وتسعة رهط وما أشبهه قال اللغويون الأود جمع لا واحد
له من لفظه كالنَّعَم وقال
بعضهم الذود واحد وجمع
۳ كذا والصواب بصفتها ٤ تقدم تخريجه في الحديث ١٥٢
۹۳۳
لأجل ما تعين عليهم بسببه فلم يفعلوه لأن الصحابة رضوان
الله عليهم كانوا يتوقون أشياء حلالاً محضاً مخافة وقوعهم
في الحرام كما قال بعضهم كنا ندع سبعين باباً من الحلال
مخافة أن نقع في الحرام لأن الحرام ترتفع منه البركة
ظاهراً وباطناً أما الباطن فإنه يحدث الظلمة في القلب
والقساوة وأما الظاهر فإنه يحدث الكسل عن العبادة
والامتهان بحقها مع أن البركة ترتفع منه ارتفاعاً محسوساً
لأنه إذا كان الشيء حراماً ما يقوم باثنين يستعمله رجل
واحد ولا يكفيه لزوال البركة منه وذهابها وكذلك أيضاً في
الضدّ وهو الحلال لا بد من ظهور البركة فيه محسوسة ومعنوية
وبالمحسوسة يستدل على المعنوية في كلا الطرفين في الحلال
والحرام فإذا بورك في طعام وقام باثنين منه ما يقوم
بالواحد علم أن البركة المعنوية حاصلة
فيه بالضمن
ولهذا المعنى لما أن وجد أبو بكر رضي الله عنه في الصحفة
التي قدمها إلى الأضياف فأكلوا منها وهي باقية على حالها
لم تنقص ثم أكل هو وأهل بيته وهي على حالها لم تنقص أتى
بها النبي يعلمه بتلك البركة المعنوية فيها بما شهد له
ظاهرها فاستدل بالحسي على المعنوي ولأجل هذا المعنى كان
طعام أهل الخير والصلاح أبداً فيه من البركة ما ليس في
غيره لأجل أنهم يبحثون على الحلال أكثر من غيرهم فكانت
البركة لديهم ظاهرة وباطنة فاستعانوا بذلك على العبادة
والاستمرار عليها وتنوَّرت بواطنهم وقل تسبّبهم في أسباب
الدنيا للبركة الحسية والمعنوية الموجودة في طعامهم
الوجه السابع من البحث المتقدم قوله فرجعنا إليه فقلنا إنا
سألناك فحلفت ألا تحملنا أفنسيت فيه دليل على أن الشيء إذا
كان فيه محتملات وأحدها أبرأ للذمة فالسنة فيه أن يؤخذ بما
هو الأبرأ للذمة لأن العطية النبي لا لا لا ل ل ل لهم
الإبل تحتمل وجهين أحدهما أن يكون أعطاهم ذلك علمه باليمين
والثاني أن يكون أعطاهم ناسياً له
مع
فإن كان الأول فليس عليهم فيه شيء لأنه عليه السلام هو
المشرع وما يفعل إلا ما هو الأمر الذي يتدين به لأن منه
يُؤخذ الدِّين وتُتلقى الأحكام وإن كان الثاني فليس عليه
أيضاً فيه شيء لقوله عليه السلام رفع عن أمتي الخطأ
والنسيان ۱ لكن يتعين عليهم في ذلك النصح لأنهم سمعوه حين
حلف وهم الآن ذاكرون لذلك قادرون على زواله إن كان نسياناً
فخافوا من أحد المحتملات فأخذوا بالأبرأ للذمة حتى أزالوا
ما كان هناك من الشبهة وعلموا وجه الصواب في المسألة
والشبهة هناك ما أشرنا إليها وهي تركهم النصيحة لرسول الله
صلى الله عليه وسلم
۱ تقدم تخريجه في الحديث ۸۳
٩٣٤
الوجه الثامن قوله عليه السلام لست أنا حملتكم ولكن الله
حملكم فيه دليل على أن
المرء ينظر في عمله الصالح بنظر الحقيقة والتوحيد فكل ما
يصدر منه من أنواع الخير يرى أن الله تعالى هو الفاعل لذلك
حقيقة ومن عليه وتفضل بأن أظهر ذلك وأجراه على لسانه أو
يديه لأن النبي الله لما أن أجرى الله تعالى هذا الخير على
يديه - وهو حمل الأشعريين إلى الغزو - تبرأ من فعله ذلك
ونسب حملهم إلى الله تعالى لا لنفسه المكرمة وتدبيره
وكذلك أيضاً يجب أن ينظر بالعكس عند ترك الأعمال أو وقوع
المخالفة وكل ما فيه نقص ينسب كل هذا وما أشبهه إلى النفس
وينظر إذ ذاك من طريق التكليف والأمر لأن النبي الله لما
أن امتنع من حمل الأشعريين نسب الامتناع لنفسه المكرمة
فقال والله لا أحملكم ولم يقل لهم الله منعكم من الحمل
لأنه ما أعطاني ما أحملكم عليه وهذا من التأدب مع الربوبية
والتعمق في ميدان الحقيقة والتوحيد مع النظر بالحكمة
والتكليف فمن كانت قاعدته هذه فهو السعيد لأن وجود هذه
الخصلة علم على التوفيق
يدل على ذلك قصة آدم عليه السلام لما أن يسر للسعادة نظر
إلى هذه القاعدة فسلك هذا المنهاج فنسب الخطيئة التي وقعت
منه لنفسه فقال ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن
لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا
لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴾ ۱ فتاب الله عليه وجعله
من أصفيائه ومن كانت قاعدته عكس ما قررناه أو كان نظره في
كل أموره بغير نظر التوحيد فذلك عَلَم على شقائه وخسرانه
لأن وجود هذه الخصلة يدل على ذلك
يشهد لذلك قصة إبليس اللعين لما أن يُسر للبعد والشقاء
والطرد والخذلان حين امتنع من السجود لم يعترف بعد ذلك على
نفسه بالخطأ وإنما نظر إلى الحقيقة فقال لو شاء الله أن
أسجد لسجدت فكان ذلك سبباً إلى خذلانه
الوجه التاسع قوله عليه السلام وإنّي والله إن شاء الله لا
أحلف على يمين فأرى غيرها
خيراً منها إلا أتيتُ الذي هو خيرٌ وتحلَّلْتها فيه دليل
على جواز التحلل من اليمين وقد تقدم
وقد اختلف الفقهاء هل الكفارة تكون قبل الحِنْث عند العزم
عليه أو لا تكون إلا بعد وقوعه على قولين وسبب الخلاف هذا
الحديث وما جاء في رواية أخرى أنه عليه السلام قال ثم
تحلَّلتُ من يَميني فجاء فيما نحن بسبيله بـ الواو وهي
ليست تفيد الترتيب وأتى في الحديث الآخر بـ ثم التي تفيد
أن الحنث وقع قبل لأنها للمهلة والتراخي واستثناؤه عليه
۱ سورة الأعراف من الآية ۳
٩٣٥
السلام هنا هو من باب التأدب مع الربوبية لأن اليمين بغير
استثناء قطع على القدر ألا ينفذ ولهذا المعنى قال مالك
رحمه الله لمن أخبره أنه وقف بعرفة وتاب وحلف أنه لا يقع
في مخالفة أبداً فقال له بئس ما صنعت ما وقعت فيه أشدُّ
مما تبتَ منه لأنك آليت على الله ألا ينفذ قضاؤه وقدَرُه
فكان استثناء النبي الأجل هذا المعنى
ولأجل النظر إلى ما أشرنا إليه ذهب ابن عباس رضي الله
عنهما إلى أن الاستثناء يجوز ولو بعد سنين فالاستثناء له
سائغ لأنه نظر أن اليمين بغير استثناء قطع على القدرة وذلك
قلة أدب واحترام بجانب الربوبية وإن كانت الأيمان قد
أُبيحت لنا في شرعتنا لأن ذلك من باب المنّ والتوسعة وقد
كان عيسى عليه السلام يقول لبني إسرائيل وأنا
وَصَّيْتُكُمْ ألا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين فجعل
ابن عباس رضي الله عنهما الاستثناء في هذا اليمين إذا وقع
كالتوبة من الذنب والتوبة مرغب فيها إلى وقت التعزير فإذا
كان استثناء المرء لأجل هذا المعنى ـ وهو الرجوع عما وقع
منه من سوء الأدب - فاستثناؤه سائغ وهو يخرجه عما عقد من
اليمين وإنما ذهب رضي الله عنه إلى هذا لأجل أنه في خير
القرون فقل أن تقع اليمين من أحدهم وإن وقعت فيكون رجوعهم
للاستثناء لأجل هذا المعنى لا لشهوات أنفسهم فلما استقرأ
من أحوال أهل زمانه وما هم عليه كانت فتياه بهذا ولأجل عدم
هذا أنكر قوله من أتى بعده من الفقهاء ولم يعلموا له وجهاً
في الغالب لأن الناس قد تغيروا عما كانوا عليه فمن العلماء
من فهم معناه ومنهم من لم يفهمه ومن فهمه لم يقدر أن يبدي
ذلك لأهل زمانه لأن الغالب عليهم تفضيل شهواتهم وتقديمها
فقد يدعون أنهم أرادوا الوجه الذي ذكرناه وهم لم يريدوا
إلا شهوات أنفسهم واتباع أهوائهم فكان ترك ذكر بيان مذهبه
سداً للذريعة
ولأجل هذا يقال لا بد في كل زمان من عالم يبين الدين بحسب
ما يحتاج إليه في الوقت يؤيد هذا قوله عليه السلام كانت
بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي جاء بعده نبي
وإنه لا نبي بعدي وإن علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ۱
۱ مؤلف من حديثين الأول من قوله كانت بنو إسرائيل إلى وإنه
لا نبي بعدي والثاني من قوله وإن علماء أمتي
إلى اخره
أما الأول فمتفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
ولفظه كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه
نبي وأنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما
تأمرنا قال فوا بَيْعَةَ الأول فالأول وأعطوهم حقهم الذي
جعله الله لهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم وأما الثاني
فقد أورده الألباني في السلسلة الضعيفة ٦٦٦ والفتني في
تذكرة الموضوعات ۰ وعلي القارى في الأسرار المرفوعة ٢٤٧
والعجلوني في كشف الخفا ۸۳/ والشوكاني في الفوائد المجموعة
٢٨٦ والسيوطي في الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ۱۱۳
٩٣٦
ثم اختلف الفقهاء اختلافاً كثيراً متى ينفع الاستثناء كل
منهم ذهب إلى ما اتضح له عليه
الدليل ولكل واحد منهم نظر صحيح ولولا التطويل لأوضحنا
تصحيح مذاهبهم وبيناها فإن قال قائل لو كان الوجه في
الاستثناء ما ذكرتم لم يصدر اليمين من النبي صلى الله عليه
وسلم بغير استثناء لأنه قد حلف ألا يحملهم ولم يستثن قيل
له قد بينا الوجه الذي لأجله حلف هناك فلو استثنى إذ ذاك
لزال المقصود مما أريدت اليمين له وبقيت النفوس متشوفة
متطلعة
فإن قال قائل لم قال عليه السلام ذلك عن نفسه المكرمة ولم
يقل من حلف على يمين ورأى خيراً منها يأتي الذي هو خير
ويكفر عن يمينه قيل له إنه لو عَدَل عن ذكر نفسه المكرمة
إلى ذكر غيره لكان في المسألة توقف من باب الورع لأنه قد
يؤخذ ذلك منه على باب الرخص والتوسعة ويُرى أن الأولى
البقاء على اليمين من غير إيقاع الحنث فلما أن أخبر بذلك
عن نفسه المكرمة عُلم أن الأولى ما فَعَل هو عليه السلام
يبين هذا ويوضحه قصة أم سَلَمة حين قالت للنبي إنهم لم
يعصُوكَ وإنَّما اتَّبَعوك ۱
وقد أوردناه في حديث الإفك وبيَّنا هذا المعنى بنفسه والله
المستعان وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه
وسلّم تسليماً
۱ تقدم تخريجه في الحديث ۱۱۹
۹۳۷
-١٥٦-
حديث تحريم أكل الحمر الأهلية
عَن عَبْدِ الله ۱ بن أبي أوفى رَضي الله عَنهُ يَقولُ
أصابتنا مَجاعَةٌ لَيالي خَيْبَر فَلَمّا كانَ يَومُ خَيرَ
وقَعنا في الحُمُرِ الأهليَّةِ فانتحرناها فلمّا غلَتِ
القُدورُ نادى رَسولُ الله أَكْفِئوا ۳ القُدورَ ولا
تَطْعَمُوا مِن لحومِ الحُمُر شَيئاً قالَ عَبْدُ الله
فَقُلنا إِنَّمَا نَهَى ا رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم
عَنها لأَنَّها لَم تُخَمَّس ٤ قَالَ وَقالَ آخَرون
حَرَّمها البتة وَسَألتُ سَعيد بن جُبَيرٍ ٥ فقالَ حَرمها
البَيِّةَ
ظاهر الحديث يدل على تحريم أكل الحمر الأهلية والكلام عليه
من وجوه الوجه الأول قوله أصابتنا مجاعة ليالي خيبر ٦ هذه
الليالي هل هي على العموم في الليالي أو هو لفظ عام يراد
به الخاص ويكون معناه في بعض ليالي خيبر محتمل للوجهين
معاً وإضافة ليالي إلى خيبر يحتمل وجهين أيضاً أحدهما أن
يكون أراد حين السير إليها الثاني أن يكون أراد حين مشيهم
على حصونها فعلى القول بأن الإضافة إلى الليالي على العموم
- وهو الخروج من أول السفر - فهو مرجوح لأن أحداً لا يخرج
بغير شيء من الزاد فإن كان على معنى التخصيص احتمل وأما إن
كان المراد المشي على حصونها فاحتمل الوجهين
معاً العموم والخصوص
۱ تقدمت ترجمته في الحديث ١٤٤
وقعنا غنمنا وأخذنا
3 أكفنوا اقلبوا
4 لم تُخمَّس لم يؤخذ خُمسها وهو حق الله في الغنائم ٥
تقدمت ترجمته في الحديث ٤٨
٦ ليالي خيبر وخيبر بلدة شمالي المدينة المنورة مشهورة
بزراعة النخيل وكان يسكنها اليهود وفتحها النبي سنة سبع أو
ثمان من الهجرة عنوة نازلهم شهراً أو قريباً من شهر ثم
صالحوه على حقن دمائهم ثم صالحوه على شروط أقرها ورضي بها
ولما تولى الخلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أجلاهم عنها
تحقيقاً لقوله
لا يجتمع دينان في جزيرة العرب
۹۳۸
الوجه الثاني قوله فلما كان يوم خيبر يوم خيبر يحتمل وجهين
أحدهما أن يكون أراد يوم فتح خيبر الثاني أن يكون أراد يوم
قدومهم على خيبر أما الأول فمرجوح لأنه لو كان المراد به
الفتح لم يكونوا لينحروا الحمر الأهلية لأن الفتح إذا كان
بالضرورة يكون الطعام كثيراً لديهم لأن حصناً من الحصون
يكون معموراً لا يخلو من الطعام البتة
الوجه الثالث قوله وقعنا في الحمر الأهلية الوقوع فيها هو
غنيمتهم إياها بغير قصد لأنك
تقول فلان وقع في كذا إذا لم يقصده وإنما وقع فيه بحكم
الوفاق
وهي
الوجه الرابع قوله فانتحرناها نحرهم لهذه الحمر لا يخلو أن
يكونوا عالمين بتحريمها أو لم يكن لهم علم بذلك فإن كانوا
عالمين بالتحريم فيكون ذبحهم لها من أجل الاضطرار إليها -
المَخْمَصَة ١ التي أصابتهم - ففعلهم هذا اتباع للأمر لأنه
قد أحل للمضطر أكل الميتة وذلك إذا مرت عليه ثلاثة أوقات
والحمر الأهلية مثل الميتة سواء كلاهما يعمهما التحريم
لغير موجب فعمتهما الإباحة للموجب لأن ما لا يؤكل إذا
ذُكِّي فهو ميتة فحكمه حكم الميتة وإن كانوا غير عالمين
بالتحريم ففيه دليل لمن ذهب من العلماء أن الأصل الإباحة
حتى يَرِد النهي لأن العلماء اختلفوا في هذا المعنى على
قولين فمنهم من ذهب إلى أن الأصل الحظر حتى يتبين التحليل
ومنهم من ذهب إلى أن الأصل الإباحة حتى يرد النهي فإن كان
الأصل الحظر فما استباحوها إلا الموجب وهو العذر وإن كان
الأصل الإباحة فهم ما أحدثوا شيئاً وإنما استصحبوا الأصل
وقوله انتحرناها احتملت وجهين أحدهما أن تكون من أبنية
المبالغة أي سارعوا إليها
بأنفسهم ولم يتركوا لها غيرهم واحتمل أن تكون بمعنى التسبب
أي تسببوا في نحرها بالأمر ثم بقي على الفصل سؤال وهو أن
يقال لم انتحروها أولاً عند وقوعهم في الحمر من غير أن
يستأذنوا النبي لي في ذلك او الجواب عنه من وجهين وهما ما
تقدم هل الأصل الإباحة أو الحظر فإن كان الأصل الإباحة فقد
تقدم توجيهه وإن كان الأصل الحظر فقد تقدم توجيهه أيضاً
الوجه الخامس من البحث المتقدم قوله فلما غلت القدور نادى
منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفئوا القدور ولا
تَطْعَموا من لحوم الحمر شيئاً أكفئوا القدور بمعنى
حوّلوها عن النار ولا تطعموا من لحوم الحمر شيئاً أي لا
تأكلوا منها شيئاً
ويرد على هذا الفصل سؤالان الأول أن يقال لم أمر بالإكفاء
عند غليان القدور ولم يأمر به قبل ذلك الثاني أن يقال لم
نهاهم عن أكلها وقد كانت لهم مباحة لوجود الاضطرار إليها
۱ المَحْمَصَة المجاعة
۹۳۹
جميع
والجواب عن الأول أنه قد جاء في رواية أخرى زيادة تبيّن
هذا المعنى قال فيها لما رأى
كثرة النيران سأل عنها فقيل له انتحرنا الحمر الأهلية فأمر
عليه السلام إذ ذاك وفي هذا دليل على كثرة مشاهدته عليه
السلام لشأن أصحابه وما يزيد عليهم وما ينقص والسؤال عن
أحوالهم فعلى هذا فيجب على كل من كان راعياً على أي شيء
استرعي دوامُ النظر إليه والالتفات لما يزيد فيه وينقص حتى
يعلم ما حكم الله تعالى فيما يظهر من الزيادة والنقص
فينفذه وهذا على التفسير الذي ذكرناه قبل في غير هذا
الحديث من رعاية الأعلى إلى الأدنى حتى إلى جوارحه لأن
الغفلة عن ذلك توقع الخلل يؤيد هذا قوله عليه السلام في
صفة المؤمن كيس حَذِرٌ فَطِنٌ ۱
والجواب عن الثاني أنه عليه السلام إنما نهاهم عن أكلها
لوجود ما هو أحسن منها وهي الخيل لأنه قد جاء في حديث غير
هذا أنهم انتحروا الخيل هناك فقد يكون الصحابة رضوان الله
عليهم تركوا الخيل لاحتياجهم إليها للقتال فاختاروا أكل
الحمر للمنفعة التي يؤملونها في ترك الخيل فأمرهم النبي
الا الله و أن يتركوا ما أرادوا فعله وأن يقيموا ضروراتهم
بالخيل لأنها ليست بحرام ففضل عليه السلام أقل
الضَّرَرَيْن لأن الحمر عينها حرام لا يجوز أكلها شرعاً
والفرس حلال على المشهور من الأقاويل ليس فيه غير ما يؤمل
من فائدة القتال عليه والضرر الذي يلحق من أجل ذبحه متوقع
هل يقع أو لا يقع وهو احتياجهم إليها حين القتال وهذه
الخيل يحتمل أن يكون وقعوا فيها مع الحمر فتركوها للجهاد
وفضلوا أكل الحمر عليها لأجل علة الجهاد ويحتمل أن تكون
خيلهم التي خرجوا بها
وفيما قررناه دليل على أن المرء ينظر في أموره وتصرفاته
فإذا اجتمع له أمران فإن كانا أخذ أعلاهما وإن كانا شرّاً
أخذ أدناهما
ولأجل العمل على هذه القاعدة استراح أهل الصوفة من مكابدة
الدنيا وهمها لأنهم أخذوا أقل الضّرَرين - وهو ما لهم في
الدنيا من المجاهدات - لتحصل لهم الراحة الدائمة في الآخرة
فحصل لهم بضمن ذلك الراحتان معاً لأن أكبر الراحات في
الدنيا هو الزهد فيها وهو أول قدم عندهم في السلوك وقد قال
عليّ رضي الله عنه لو كانت الدنيا من فضة والآخرة من خزف
وكانت الدنيا فانية والآخرة باقية لكان الأولى أن يُزهَد
في الفانية ويُعمَل للباقية فكيف والأمر
بضد ذلك
ولأجل ترك النظر إلى هذه القاعدة تعب أهل الدنيا التعب
الكلّي فهم أبداً يؤملون الراحة
۱ رواه القضاعي عن أنس رضي الله عنه
٩٤٠
لأنفسهم ويعملون عليها والشقاء والتعب يستقبلهم فلم يزالوا
على هذا الحال حتى يفاجئهم الموت وهم في تعب وضنى ثم
يرجعون إلى تعب أكثر مما كانوا فيه وهي المحاسبة على ما
جمعوا وفيما أنفقوا ولهذا قال الغزالي رحمه الله مساكين
أهل الدنيا طلبوا الراحة فأخطأوا الطريق فاستقبلهم العذاب
ومعناه ظاهر لأنهم قصدوا الراحة ورأوا أنها لا تكون إلا
بحطام الدنيا فأخذوا في جمعها وصبروا على ما فيها من الكد
وفاجأهم الموت ولم يحصل لهم ما أملوا من الراحة فيها ثم
انتقلوا إلى التعب الآخر الذي تقدم ذكره
ثم بقي على الفصل سؤال وارد وهو أن يقال لم ذكر الإكفاءَ
وتركَ الإطعام ۱ وذِكْرُ أحدهما يغني عن الآخر والجواب عنه
أنه إنما أمر أولاً بالإكفاء لأن ما ظهر منكر يحتاج إلى
تغييره فقدمه
وفيه دليل على الإسراع لتغيير المنكر عند معاينته لأن
النبي ل لا ل ل لم يتركه حين راه حتى غيَّره وتغييره على
أقسام وقد ذكرناه في غير ما حديث ووجه ثان وهو أنه لو
اقتصر لهم على قوله أكفئوا القدور لحملوه على العموم في
الكل ويحتمل أن يكون في القدور ما هو حلال
فلما عقب ذلك الأمر بذكر المُحَرَّم أعطاه قوة الكلام ألا
يكفاً من القدور إلا ما نُص على تحريمه وفي هذا دليل على
أن أمر الشارع عليه السلام يؤخذ على عمومه ولا يخصص ولا
يتأول إلا في مواضع لا يمكن فيها العموم لقرينة تخصصه ومما
يؤيد هذا فعله عليه السلام حين أنزل الله عليه وَاللهُ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فأخذها على العموم ولم يخصص
ناساً دون آخرين ولا وقتاً دون وقت وإنما قال لأصحابه
اذهبوا فإن الله قد عصمني من الناس ۳ وكان كذلك وبقي فيما
بعد لا يقي نفسه المكرمة بشيء ثقة لانه لا اله الا بالله
تعالى وبعموم اللفظ ولأجل أخذه على العموم من غير تأويل
على ما قررناه سعد أهل التوفيق السعادة العظمى لأنهم سمعوه
عزّ وجلَّ يقول في كتابه يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ
اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فعملوا على
الاتباع ولم يلتفتوا لغيره فصدّقوا وصَدَقوا في الإيمان
والاتباع فأنجز لهم ما وُعِدوا
والمتأولون دخلوا في التعب والحيرة
۱ كذا ونص الحديث يقتضي ترك الطعام سورة المائدة من الآية
٦٧
۳ رواه الترمذي عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت كان
رسول الله هل الله يُحرس ليلا حتى نزل ﴿ وَاللهُ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فأخرج رسول الله ل ورأسه من
القبة فقال يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله تعالى
٤ سورة الأنفال الآية ٦٤
٩٤١
وقد حكي عن بعض الفضلاء أنه رأى شيئاً من آثار القدرة ولم
ير نفسه لذلك أهلاً فجعل يعتذر ويتذلل فقيل له عملت على
الحق فأُريتَ الحقيقة وعملوا على التأويل فعوملوا بحسب ما
عملوا وعند الله تجتمع الخصوم
وفيه دليل أيضاً على أن الإمام ينظر في مصالح رعيته على
العموم وعلى الخصوص ويحذر من أن ينفع قوماً ويتضرر آخرون
بسببه لأن النبي ل لا ل ل ل ل لما أن أمر بإكفاء القدور
خشي أن يقع بأحدٍ مضرة لعموم اللفظ فأتى بما يخصص المقصود
ولا يلحق به مضرة لمخلوق كما ذكر الوجه السادس من البحث
المتقدم قوله فقلنا إنما نهى النبي الله عنها لأنها لم
تُخَمَّس
وقال آخرون حرّمها البتة إلى اخر الحديث فيه وجوه الأول أن
السؤال والبحث في الأمر لا يكون إلا بعد الامتثال لأن
الصحابة رضوان الله عليهم لما أن أمرهم النبي الا الله بما
أمر امتثلوا الأمر في الحين ولم يعترضوا ولم يبحثوا فلما
أن كان بعد امتثالهم حينئذ رجعوا إلى البحث المتقدم في
التحريم هل هو لعلة أو لغير علة وأفاد اجتهاد بعضهم أنه
تعبُّد لغير علة واجتهاد بعضهم الآخر أنه لعلة وذكرها
الثاني أن المجتهدين إذا اختلفوا في الحكم وكان في زمانهم
من هو أعلم بالفتوى منهم يأتون إليه ويسألونه عن قضيتهم
لأن الصحابة رضوان الله عليهم لما أن وقع الخلاف بينهم
وقال كل منهم باجتهاده أتوا إلى سعيد بن جبير الذي هو من
كبار التابعين وفضلائهم فسألوه الثالث هل التحريم لعلة أم
لا فإن قلنا إن التحريم تعبد فلا بحث وإن قلنا إنه لعلة
فهل هي معقولة المعنى أم لا الظاهر أنها لعلة وهي معقولة
المعنى بيان ذلك أن الله جلّ جلاله هو بالمؤمنين رؤوف رحيم
كما أخبر في كتابه وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ۱
فهو عزّ وجل يختار لهم ما هو الأصلح في حقهم فيأمرهم به
وما يعلم أنه ضرر في حقهم ينهاهم عنه وبنو ادم بذلك جاهلون
فلو قيل لهم افعلوا أو لا تفعلوا ولا يناط بذلك ثواب ولا
عقاب لكان بعضهم يفعلون أشياء يضرون بها أنفسهم فمن لطفه
عزَّ وجلَّ جعل الثواب والعقاب على ارتكاب المخالفة حتى
يسلموا من بليتها ثم جاد عزَّ وجلَّ وتفضل بالتوبة على من
وقع فيها إذا رجع عنها كل هذا لطف منه عزَّ وجلَّ
بالمؤمنين ورحمة وكل مخالفة بلاؤها ظاهر لا يخفى وإنما يقع
الكلام على ما نحن بسبيله وما كان من جنسه نشير إليه
لِيُتَيَقّظ إلى هذه الحكمة العظمى واللطف الأكبر بيان ذلك
أن الحمار معروف بالبلادة وهي تتعدى لأكله على ما عهد مع
قساوة القلب الذي
۱ سورة الأحزاب من الآية ٤٣
٩٤٢
تحدث ۱ به به وهذا ضد صفة المؤمن لأن من صفة المؤمن أن
يكون كيساً حَذِراً فَطِناً والبلادة تذهب بهذه الأوصاف
أيضاً فعلى المؤمن أن يكون خائفاً راجياً وقساوة القلب
تذهب بذلك فحرمه الشارع عليه السلام لأجل هذا المعنى لأن
الله جل جلاله أرسله رحمة للعالمين ومما يقاربه في الشبه
الميتة أيضاً لأنها سم قاتل فإذا أكلت عادت بالضرر فحرمها
عزّ وجلّ لأجل هذا المعنى فإذا بقي المرء ثلاثة أوقات كثر
سم بدنه فغلب على سم الميتة فلم تضرَّه فأحلها عزّ وجلَّ
لزوال المضرة منها ولما كان الفرس ليس فيه مضرة غير أنه
إذا ديم على أكله أحدث القساوة في القلب كان أكله مكروهاً
ثم بهذه النسبة جميع الأشياء الكراهية فيها والتحريم
بحَسَبِ ما كان فيها من الضرر ومن رزق النظر بالنور يجده
محسوساً ومعنوياً على ما ذكره العلماء والفضلاء وبالله
التوفيق وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه
وسلّم تسليماً
3
٩٤٣
1 أي تحصل وتصير
11001
حديث استحباب أوقات الشروع في القتال
عَنِ النُّعمانِ بنِ مُقرِّنٍ ۱ رضيَ الله عَنهُ قالَ
شَهِدتُ القِتالَ مَعَ رَسول الله صلى الله عليه وسلم
وَكانَ إذا لم يُقاتِل في أوَّلِ النَّهارِ انتظرَ حَتَّى
تُهُبَّ الأرواحُ ٢ وَتحضرَ الصَّلاةُ
وجوه
*
ظاهر الحديث يدل على أن السنة في القتال غُدْوَة ۳ النهار
أو عشيته والكلام عليه من
الوجه الأول أن هذا القتال غُدوة أو عشيّة لعلة أم لا فإن
قلنا إنه لغير علة فلا بحث ويبقى تعبداً وإن قلنا إنه لعلة
فما هي العلة الظاهر أنه لعلة والعلة فيه على ضربين محسوسة
ومعنوية والمحسوسة على ضربين عامة وخاصة
فالعامة هي ما يكون في هذين الوقتين - أعني أول النهار
وعشيته - من هبوب الأرواح وقوة الأبدان من عاقل وغير عاقل
ونشاطها إذ ذاك لما في الوقتين من برودة الهواء وجَمام
النفوس من الراحة المتقدمة فمتقدم راحة الغدو استراحة
الليل لأنه جعل سكناه ومتقدم راحة العشي
1 النعمان بن مقرن المزني أبو عمرو صحابي فاتح من الأمراء
القادة الشجعان كان معه لواء مزينة يوم فتح مكة وسكن
البصرة ثم تحول عنها إلى الكوفة ووجّهَهُ سعد بن أبي وقاص
بأمر الخليفة عمر إلى محاربة الهرمزان فزحف بجيش الكوفة
إلى الأهواز وهزم الهرمزان وتقدم إلى تستر فشهد وقائعها
وعاد إلى المدينة بشيرا بفتح القادسية ووصلت أخبار إلى عمر
بن الخطاب باجتماع أهل أصبهان و همدان والري وأذربيجان
ونهاوند فأقلق ذلك عمر فولاه قتالهم وخرج النعمان إلى
الكوفة فتجهز وغزا أصفهان ففتحها وهاجم مقتله دخل المسجد
ونعاه إلى الناس على المنبر ثم وضع يده على رأسه
نهاوند فاستشهد فيها ولما بلغ عمر يبكي وكان استشهاده سنة
٢١ هـ / ٦٤٢م الأعلام ۹۹ الأرواح مفردها ريح وهو الهواء
إذا تحرك ويجمع كذلك على أرياح ورياح والأرواح - أيضاً -
مفردها روح
وهو نسيم الريح والرحمة والراحة تقول وجدت روح الشمال برد
نسيمها ويوم روح طيب الريح ۳ الغُدوة ما بين الفجر وطلوع
الشمس ٤ الجمام الراحة
٥ السكن كل ما سكنت إليه واطمأننتَ به ومنه قوله تعالى
﴿وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنا
٩٤٤
استراحة القائلة ۱ لأن استراحة القائلة من السنة لقوله
عليه السلام قيلوا فإن الشياطين لا تقيل
هذه هي العامة
وأما الخاصة التي هي للعاقل دون غيره فما يحصل له من قوة
اليقين ونشاط النفس وما لها في هذا الفعل من الأجر العظيم
لنكاية العدو لأن قوى الأبدان العاقلة وغير العاقلة من
أعظم مواد
النكاية للعدو
وأما المعنوية فما في الوقتين من الزيادة في الإيمان وقوة
المدد المعنوي وهو في النصر أقوى من الحسي فأما قوة
الإيمان فإن هذين الوقتين إثر تعبد وطاعة الله تعالى
والإيمان يقوى عند التعبد والطاعات كما يضعف عند المخالفات
وأعظم موجبات النصر هو الإيمان لأن الله تعالى يقول في
كتابه ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
فقوة الإيمان أعظم في مواد النصر من المحسوسات للوعد
الجميل وقد روي أن عمر رضي الله عنه بعث سرِيّة من السرايا
ثم جاء البشير بالنصر والفتح فقال أي وقت كانت المقاتلة
فقالوا غدوة فقال ومتى كان النصر فقالوا عشية فبكى رضي
الله عنه حتى بلت دموعه لحيته فقالوا كيف تبكي والنصر لنا
فقال والله ما الكفر يقف أمام
الإيمان من غدوة إلى عَشيّة إلا من أمرٍ أحدثتموه أنتم أو
أنا فلم ينظر إلى النصر إلا بقوة الإيمان وأما قوة المدد
المعنوي أيضاً فهو من وجهين وقد نص عليه السلام عليهما في
غير هذا الحديث فأحدهما الريح لأنه عليه السلام قال
نُصِرتُ بالصَّبا ۳ حتى لقد ذهب بعض العلماء أنه لم يكن قط
نصر بغير ريح والصَّبا ريح ليّنة شرقية وقد قيل إنها من
الجنة وما كان من الجنة فهو للمؤمنين عون وعلى الكافرين
وبال
أما الوجه الآخر فهو الدعاء من المؤمنين لأنه قد جاءت
زيادة في رواية غير الحديث الذي نحن بسبيله ويدعو لكم
إخوانكم المؤمنون 4 وقال عليه السلام في حديث ذكر فيه
فضيلة الدعاء جند من جنود الله فيجب أن يغتنم هذا الوقت
الذي يكون فيه هذا المدد العظيم ويترتب على هذا من الفقه
أن يدعو المرء بعد صلواته وفي الأوقات التي يرجى فيها
القبول
لإخوانه المؤمنين شرقاً وغرباً ليكثر لهم المدد الذي يرجى
به النصر
القائلة النوم في الظهيرة والفعل قال يَقِيلُ
سورة الروم من الاية ٤٧ ۳ تقدم تخريجه في الحديث ١٤٤ ٤
تقدم تخريجه في الحديث ١٤٤ ٥ رواه ابن عساكر عن نمير بن
أوس مرسلاً
٩٤٥
وقد روي أن عبد الملك بن مروان خرج في بعض غزواته فسأل عن
بعض صالحي الوقت فطلب فوجده في مسجد متوجهاً يصلي فقال
أخرجوا على بركة الله سبابته في القبلة عندي خير من كذا
وكذا فارساً فلما بلغوا الحصن الذي أملوا انهدت شقة من
سُورِه ففرح الجيش فقال ليس ذلك منكم وإنما هو ببركة تلك
السبابة التي في القبلة
الوجه الثاني من البحث المتقدم فيه دليل على أن الحكم
بالغالب في ارتباط العادات لأنه قال انتظر حتى تهبّ
الأرواح وتحضر الصلاة وهذه الريح قد تكون في ذلك الوقت وقد
لا تكون لكن لما أن كان الغالب عليها أنها تأتي في ذلك
الوقت - وهو بعد الزوال - حكم لها به وانتظرتْ
إليه
الوجه الثالث أن النادر لا يعمل عليه لأنه قد يوجد الريح
في بعض الأيام في غير هذا الوقت فلم يُنط به الحكم لندارته
الوجه الرابع قوله انتظر يرد عليه سؤالان الأول أن يقال
لِمَ أتى بهذا اللفظ وعدل عن غيره من الألفاظ الثاني أن
يقال لم قال انتظر ولم يقل انتظرنا ومعلوم أن الانتظار كان
من الجيش كله
والجواب عن الأول أن قوله انتظر فيه إشعار بأنهم أخذوا
أهبة القتال واستعدوا ولم يغفلوا وهذا مثل قوله عليه
السلام لا يزال العبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة 1
ومعلوم أن المراد من كان متطهراً في المسجد ينتظر الصلاة
وأما من كان ينتظر الصلاة في بيته فلا يطلق عليه باعتبار
ما أراده الشارع عليه السلام أنه ينتظر الصلاة وكذلك هنا
سواء أتى بقوله انتظر ليبين
ما قررناه
والجواب عن الثاني أن المقصود من الجماعة رئيسهم والمعوّل
عليه فيهم فإذا انتظر الرئيس انتظر الكل فأتى بهذه الصيغة
تعظيماً للنبي وتأدباً معه كما هو الواجب
الوجه الخامس من البحث المتقدم هل يتعدى الحديث للقتال
المعنوي أم لا الظاهر تعديه إذ إن حكم المعاني عنه عليه
السلام تؤخذ كما يؤخذ عنه حكم الظاهر وقد تقدم من هذا ما
فيه كفاية للحجة بالتعدي في غير ما حديث وتعديه يحتمل
وجوهاً ويجمعها وجه واحد وهو أن أول النهار في المحسوس هو
أول بدء ظهور خلقه فكذلك الوقائع الحسية والمعنوية - أعني
من
1 أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن أبي هريرة رضي الله عنه
بلفظ لا يزال أحدكم في صلاة ما دام ينتظرها ولا تزال
الملائكة تصلي على أحدكم ما كان في المسجد تقول اللهم اغفر
له اللهم ارحمه ما لم يُحدِث وللحديث روايات أخرى بألفاظ
مختلفة
٩٤٦
التصرف والخواطر غير المستقيمة - يُبادَر عند ظهورها إلى
قتالها ومقاتلتها هي إزالتها لقوله عليه السلام في المارّ
بين يدي المصلي فليقاتله فإنما هو شيطان ومعناه فلْيدفَعه
وليُزِلْه لأن أول الوقت في وقوع المخالفة أو الغفلة يكون
الإيمان فيها أقوى من وقت التمكن فيها وأما نسبة العشيّ في
المعنوي فهو الذكر بعد الغفلة لأن الذكرَ يُحيي الإيمان
وقد قال تعالى وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي
ءَايَتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي
حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَنُ فَلَا
نَقْعد بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾
۱ والفرق بين القتالين أن الأول يكون بالدفع كما ذكرنا
والثاني بالتوبة والإقلاع والتوبة هنا هي حقيقة النصر
والذكر بعد الغفلة هي الريحُ المبشرة بالنصر
المذكور
وأما الصلاة في المعنوي فهو ما تقدم من مقتضى رحمة المولى
لإثارته ريح التذكار بعد الغفلة الموجب للتوبة - وهي حقيقة
النصر - لأن الصلاة من العباد دعاء والصلاة من الله تعالى
رحمة فمن سبقت له الرحمة ختم له بالنصر وأما الانتظار في
المعنوية فهو استصحاب دوام انكسار القلب إما لوقوع غفلة أو
لوقوع مخالفة لأن النبي الله وقال إخباراً عن ربه عزَّ
وجلَّ يقول اطلبوني عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ٢ لأن
انكسار القلب من أجل الرب من أجل الطاعات لأنه لا يدخله
رياء وهو أرجى الوسائل بمقتضى الوعد الجميل لأن معنى قوله
تعالى اطلبوني عند المنكسرة قلوبهم أي هو معهم فإذا كان
معهم فهو يلطف بهم ويوقظهم من الغفلة ويحرك لهم أسباب
التوبة ويمنّ عليهم بالنصر والغنيمة
جعلنا الله ممّن لطف به وأدخله في حفظ عنايته امين
وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 سورة الأنعام الآية ٦٨
ذكره السخاوي في المقاصد وقال ذكره الغزالي في البداية
وتعبه القاري في الأسرار المرفوعة ۷۱ بقوله ولا يخفى أن
الكلام في هذا المقام لم يبلغ الغاية قلت - أي القاري في
الأسرار - وتمامه وأنا عند المندرسة قبورهم
لأجلي ولا أصل لهما في المرفوع
٩٤٧
1101
حديث بر الوالدين وإن كانا كافرَيْن
عَن أسماء بنتِ أبي بكرٍ ١ رَضي الله عَنهُما قالت قَدِمَت
عَليَّ أُمِّي وَهِي مُشرِكَةٌ في عهد قريش إذ عاهَدوا
رَسُولَ الله الله وَمُدَّتِهِم مع أبيها فَاستَفتيتُ
رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقُلتُ يَا رَسُولَ الله
إِنَّ أُمِّي قَدِمَت عَليَّ وَهي راغِبة أفأصِلُها قالَ
نَعم صِليها
ظاهر الحديث يدل على جواز صلة الولد لأمه الكافرة والكلام
عليه من وجوه
الوجه الأول هل الحديث مقصور على الصلة للأم لا غير أو
الصلة جائزة على العموم للمشركين كلهم ظاهر صيغة الحديث
للأم لكن يؤخذ تعديه لغير الأم من غير هذا الحديث وهو قوله
عليه السلام في كل كبِدِ حَرَّى أجر
الوجه الثاني قولها قَدِمت علَيَّ أمي يرد عليه سؤالان
أحدهما أن يقال لم قالت قَدِمَت ولم تقل جاءت وما أشبهها
من الصيغ الثاني أن يُقال لم قالت عليَّ ولم تقل إليَّ إذ
إنهم لا يخصصون الألفاظ بالذكر دون غيرها إلا لمعنى مفيد
على ما تقرر
والجواب عن الأول أنها لو أتت بغيرها من الصيغ لاحتمل
اللفظ أن تريد أنها جاءت من سفر أو غيره و قدمت ليس فيه
احتمال غير القدوم من السفر لأنك إذا قلت فلان قدم أو فلان
۱ تقدمت ترجمتها في الحديث ١٠٥ رواه الإمام مسلم عن أبي
هريرة رضي الله عنه أبي هريرة رضي الله عنه وفي رواية
للشيخين في كل ذات كبد حَرّاء أجر وتمام الحديث أن رجلاً
جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني أنزع في
حوضي حتى إذا ملأته لإبلي ورد علي البعير لغيري فسقيته فهل
في ذلك من أجر فقال رسول الله في كل ذات كبد حَرّاء أجر
وفي حديث آخر بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد
بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من
العطش فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان
بلغ مني فنزل البئرَ فملأ خفّه ماء ثم أمسكه بقيه حتى رَقي
فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له قالوا يا رسول الله وإن
لنا من هذه البهائم لأجرا فقال في كل كبد رطبة أجر
٩٤٨
قدم على فلان ولم تذكر من أي موضع كان قدومه علم أنك أردت
أنه أتى من سفر ولو قلت فلان جاء أو فلان جاء إلى فلان لم
يفهم عنك ما أردت بمجيئه هل من سفر أو غيره حتى تبينه
فخصصت تلك الصيغة دون غيرها رفعاً للاحتمال
والجواب عن السؤال الثاني أن القادم من السفر لا بد وأن
يكون معه رحل فيحتاج أن يحط بموضع فأتت بقولها علي لأنه
ظرف لتبين أين كان نزول أمها حين قدومها ولو أتت بغيرها من
الصيغ لم تقم مقامها في ذلك المعنى
الوجه الثالث من البحث المتقدم قولها في عهد قريش إذ
عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه دليل على أن
المهادنة بين المسلمين والمشركين جائزة بشرط ألا يكون على
المسلمين فيه حيف ولا يعطون ٢ شيئاً لهم لأن النبي لا لا و
قد صالحهم بنص هذا الحديث ولم يصالحهم عليه السلام قط بشيء
على المسلمين فيه حيف ولا أعطاهم شيئاً قط وقد قال عليه
السلام الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ٣ فعلى هذا فإذا كثر
العدو بموضع حتى لا يقدر على قتاله فالخروج من الموضع إذ
ذاك ولا سبيل إلى الإذعان لهم لا بالمال ولا بالخدمة وقد
قال تعالى ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن
يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ٤
الوجه الرابع قولها ومدتهم تعني مدة المهادنة وإنما أتت
بذلك لتبين أن قدوم أمها عليها لم يكن حين العهد وإنما كان
في أثناء مدته احال
الوجه الخامس قولها مع أبيها يَرِد عليه سؤال وهو أن يُقال
ما فائدة ذكرها للأب والجواب عنه أنها إنما قالت ذلك لتزيل
ما يتخيل هناك من فقر أمها وحاجتها لأنها قالت في آخر
الحديث وهي راغبة والرغبة تحتمل أن تكون من المحبة وتحتمل
أن تكون طلباً للإحسان من أجل الفاقة وهذا الاحتمال الأخير
يلحق به من النقص للموصوف به ما لا يخفى فأتت بذكر أبيها
معها لتبين أنها لم تطلب هذه الرغبة التي أشرنا إليها
أخيراً وإنما أرادت الأولى لأن المرء إذا جاء مع من يكفله
فليس بفقير
الوجه السادس قولها فاستفتيت رسول الله الكلام على هذا
الفصل من وجوه
۱ كذا بزيادة الواو
كذا أيضاً برفع الفعل المعطوف على المنصوب يكون
۳ تقدم تخريجه في الحديث ۱۳
٤ سورة الأعراف من الاية ۱۸
٩٤٩
الأول التعلم والسؤال قبل العمل لأنها لم تصل أمها حتى
استفتت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته
وتعلمت وحينئذ عملت
الثاني أن الأمر إذا كان العمل به مستصحباً ثم عارضه علة
فالتوقف إذ ذاك حتى يتبين بلسان العلم هل يقع بها المنع أو
يبقى على بابه لأن الصلة للوالدين تتردد بين الواجب
والمندوب بحسب اختلاف الأحوال فلما أن عارض ذلك علة الكفر
لم تُقدِم على العمل حتى تبين لها الأمر
على لسان العلم باستفتائها النبي لالالالالالا الثالث أن
الأصل هو الدين وهو المُعَوَّل عليه مع الأقارب والأجانب
لأنه يُعلم بالضرورة أن الولد يحب والديه المحبة الكلية
لكن لم تنظر لأمها حين أقبلت عليها في شيء حتى سألت هل ذلك
لها سائغ في الدين أم لا فقدَّمت الدين على أحب الأشياء
إليها وهو المراد بقوله تعالى قُلْ إِن كَانَ ءَابَاؤُكُمْ
وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ
وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَبَجَرَةٌ
تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ
إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي
سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا ۱ فهؤلاء رضي الله عنهم ممن فهموا
هذه الآية وعملوا بمقتضاها
الرابع فيه دليل لأهل الصوفة في كونهم يؤخّرون الأعمال في
بعض الأوقات حتى يصححوا النية لأنها ۳ لم تعمل على هذه
القربة لأجل ما عارضها حتى استفتت النبي لأن تُخلص النية
بغير شبهة ولا ارتياب اتباعاً لقوله خير العمل ما تقدمته
النية ۳
الخامس لقائل أن يقول لم قالت فاستفتيتُ ولم تقل فسألتُ
كما قيل عن غيرها في غير هذا الحديث والجواب عنه أن
الاستفتاء أخص من السؤال لأنه لا يُطلق ٤ مستفتياً إلا على
من له معرفة بالحكم وبقي عليه بعض إشكال في واردٍ وَرَدَ
أو إشكال عَرَض ويُطلِقُ عليه ٤ سائلاً إذا لم يكن له
معرفة بالحكم ولا بطرف منه ولأجل هذا قال صلى الله عليه
وسلم استَفْتِ نفسَك وإن أفتاك المفتون ٥ ولا يسوغ أن يقال
سَل نفسك لأن الاستفتاء تحقيق أحد أمرين أن تعلم أيهما
أصلح بك لمعرفتك بجزئيات أمرك أكثر من غيرك ولا يفهم ذلك
من قولك سل نفسك
۱ سورة التوبة من الآية ٢٤
أي لأن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما ۳ لم نعثر
عليه بهذا اللفظ وإنما رأينا قوله عليه السلام خير العمل
ما نفع كشف الخفاء للعجلوني ٤٥٧/١ و ٤٧٤ وقوله خير العمل
أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله كنز العمال ۱۷۷۱
أما ما يتصل بالعمل والنية ففيها أحاديث أخرى بغير اللفظ
الذي أورده ابن أبي جمرة رضي الله عنه والله أعلم ٤ أي
المتكلم
ه رواه البخاري في التاريخ والإمام أحمد عن وابصة رضي الله
عنه
90
الوجه السابع قولها يا رسول الله إن أمي قَدِمَت عليّ وهي
راغبة أفأصلُها الرغبة قد تقدم الكلام على معناها وهي على
ضربين وقد بيناها والصلة أيضا قد ذكرناها وهي على ضربين
وهي هنا من القسم المندوب
الوجه الثامن قولها قال نَعَم صليها فيه دليل على أن النبي
و له أن يحكم باجتهاده وبما ا ا ا ا يرى من رأيه لأنه عليه
السلام أمرها بالصلة لأمها من غير أن ينزل عليه وحي فيها
أعني الوحي بالواسطة وأما وحي الإلهام فكل كلامه عليه
السلام وتصرفه منه تعالى لقوله ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ
الهوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى 1
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 سورة النجم الآيتان ٣ و ٤
11091
حديث رحمة الله تعالى لعباده
عَن أبي هُرَيْرَةَ رضيَ الله عَنهُ قالَ قال رَسولُ الله
صلى الله عليه وسلم لما قضى الله عزَّ وجَلَّ الخَلْقَ
كَتبَ في كِتابِ فَهوَ عِندهُ فَوقَ العَرشِ إِنَّ
رَحْمَتِي سَبَقَت غَضَبي
ظاهر الحديث يدل على أن رحمة الله تعالى لعباده أكثر من
غضبه والكلام عليه من وجوه الوجه الأول قوله الله لما قضى
الله عزّ وجلّ الخلق قضى بمعنى خلق ومنه قوله تعالى
فَقَضَهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ۱ أي خلقهن الوجه الثاني
قوله عليه السلام كتب بمعنى أوجب ومنه قوله تعالى ﴿كَتَبَ
رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ أي أوجبها وهذا
الوجوب من الله تعالى وجوب تفضّل وامتنان لا وجوب حق عليه
محتوم لأن الوجوب في حقه تعالى مستحيل
الوجه الثالث قوله عليه السلام في كتاب هذا هو الذي يحمل
على ظاهره ويجب الإيمان به كما ورد الخبر وهو أن ثَمَّ
كَتْباً محسوساً في كتاب محسوس لكن بقي احتمال في الكتاب
هل فيه غير ما ذكر في الحديث ويكون ما ذكر من جملة الكتب
الذي فيه أو ليس فيه غير
ما ذكر وهو إيجاب غلبة الرحمة على الغضب احتمل المعنيين
معاً والقدرة صالحة لكليهما الوجه الرابع قوله عليه السلام
فهو عنده إنما أضاف عليه السلام الكتاب إلى الله تعالى
لعدم المشاركين له من المخلوقات في حفظه هناك بخلاف ما جرت
الحكمة في غيره من الأماكن مثل السماواتِ والأرض لأن ما في
السماوات والأرض وما بينهما وما فوقهما وما فوق العرش يضاف
إليه عزّ وجلّ حقيقةً لكن لما أن جعل عزّ وجلّ حفظ ما في
السماوات
٩٥٢
۱ سورة فُصِّلَت من الآية ۱ سورة الأنعام من الآية ٥٤
والأرض على أيدي من شاء من خلقه بمقتضى حكمته لم يضف ما في
تلك المواضع إليه وأضافها إليهم بمقتضى الحكمة ولما لم يكن
هناك مشارك في الحفظ بمقتضى الحكمة - أعني فوق العرش -
أضافه إلى نفسه ومثله قوله تعالى لِمَنِ الْمُلْكُ
الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ ١ والمُلك له
عزّ وجلّ في دار الدنيا لكن أجرى الحكمة بأن جعل له في
الدنيا نُوّاباً وأجرى الحكمة على أيديهم فأضافها إليهم
ولما لم يجعل في دار الآخرة خليفةٌ في المُلك ولا نائباً
أضاف المُلكَ إليه عزّ وجلّ فقال لله الواحد القهّارِ
الوجه الخامس قوله عليه السلام فوق العرش فيه دليل على أن
فوق العرش ما شاء الله
تعالى بمقتضى حكمته من أمره ونهيه مما يشبه هذا أو غيره
وقد يرد على هذا الفصل سؤال وهو أن يُقال لم كان الكتاب
فوق العرش ولم يكن في
السماوات
والجواب أن العرش قد جرت الحكمة بأنه يبقى على حاله لا
يتغير ولا يتبدل بحسب الأخبار الواردة في ذلك والسماوات
والأرض تتغيّر وتتبدل فخصَّ بأن كان هناك لأجل هذا المعنى
فإن قال قائل لِمَ لم يكن في الجنان إذ إن الجنان لا تتغير
ولا تتبدل قيل له إنما جعل الجنان للجزاء والنعيم والأمر
والنهي ليس هناك وقد شاءت الحكمة بأن الأحكام والشرائع
والأمر والنهي تختص بالعرش ومنه منبع ذلك كله
وفي هذا دليل على أن الله عزّ وجلّ منزّه عن الحلول على
العرش لأنه قد جرت الحكمة أن يكون العرش ظرفاً لما شاء عزّ
وجلّ من أمره ونهيه وحكمته بمقتضى هذا الحديث في قوله عن
الكتاب فهو عنده فوق العرش وقد مرّ الكلام عليه فعلى مقتضى
هذا الحديث فيكون معنى قوله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى
الْعَرْشِ اسْتَوَى ۳ أي استوى أمره ونهيه وما شاء من
حكمته ومثله
قوله تعالى ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ ۳ أي جاء أمرُ
ربك وهذا مستعمل في ألسنة العرب كثيراً ومما يزيد هذا
بياناً وإيضاحاً - أعني تنزيه الذات الجليلة عن الحلول
والاستقرار - قوله عليه السلام لا تُفضّلوني على يونس بن
متى ٤ والفضيلة قد وجدت بينهما في عالم الحس لأنه عليه
السلام رفع حتى رقي السبع الطباق ويونس عليه السلام ابتلعه
الحوت في قعر البحار
۱ سورة غافر من الآية ١٦ سورة طه الاية ٥ ۳ سورة الفجر من
الآية
٤ متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنه بلفظ لا ينبغي
لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى
٩٥٣
فالفضيلة موجودة مرئية في هذا العالم الحسي ولم يكن عليه
السلام لينفي شيئاً موجوداً حساً ولا يقول إلا حقاً فلم
يبق معنى لقوله عليه السلام لا تفضلوني على يونس إلا
بالنسبة إلى القرب من الله سبحانه فمحمد عليه السلام فوق
السبع الطباق ويونس عليه السلام في قعر البحار وهما
بالنسبة إلى القرب من الله سبحانه على حد سواء ولو كان عزّ
وجلّ مقيداً بالمكان أو الزمان لكان النبي لا أقرب إليه
فثبت بهذا نفي الاستقرار والجهة في حقه جلّ جلاله
الوجه السادس قوله عزّ وجلّ إن رحمتي غلبت غضبي غلبت بمعنى
أكثر أي بما حكمت بذلك لعبادي بأن أكثرتُ لهم النصيب من
رحمتي على النصيب من غضبي لكن هذا يحتاج فيه إلى كلام
وبيان لأنا قد وجدنا مقتضى هذا الكتاب موجوداً حساً في
الدنيا لأن الرحمة قد عَمَّت الخلق بأجمعهم فيولد الكافر
وأبواه يشركان بالله ويعبدان الأوثان وهو يكبر على الطغيان
والضلال وهو عزّ وجلّ يغذيه بألطافه وييسر له ما يحتاج
إليه من ضروراته وكذلك غيره من العصاة هذا مشاهد مرئيّ لا
يحتاج فيه إلى بيان والقليل النادر مَنْ عومل بصفة الغضب
لكن الآخرة قد وردت الأخبار فيها بضد هذا
فمنها قوله عليه السلام يقول الله عزّ وجلّ لآدم يوم
القيامة أخرِج بَعْثَ النار من بَنِيكَ فيقول يا ربّ ما
بَعْثُ النار فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعةً وتسعين ۱ فشق
ذلك على الصحابة رضوان الله عليهم فقال لهم رسول الله منكم
رجل ومن يأجوج ألف وإنكم فيمن تقدم من الأمم كالشامة
البيضاء في جنب البعير الأسود إلى غير ذلك من الأحاديث
التي جاءت في هذا المعنى فكان الغضب في الاخرة على مقتضى
هذا الظاهر أكثر من الرحمة وذلك مخالف النص الحديث
والجواب عن هذا الإشكال أنه عليه السلام لم يقل لما قضى
الله خلق بني آدم وإنما قال لما قضى الله الخلق فعَمَّ ولم
يخصص وبنو ادم في مخلوقات الله تعالى البعض من الكل وقد
قال عليه السلام إن في هذه الدار من مخلوقات الله تعالى
ألفَ عالم أربعمائة في البر
۱ رواه الإمام أحمد وعبد ابن حميد والبخاري ومسلم عن أبي
سعيد الخدري رضي الله عنه ولفظه يقول الله تبارك وتعالى يا
آدم فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك فيقول أخرج بَعثَ
النار قال وما بَعث النار قال من كل ألف تسعمائة وتسعة
وتسعين فعنده يشيب الصغير وتضع كل ذات حَملٍ حَملَها وترى
الناس سكاري و ما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد قالوا يا
رسول الله وأين ذاك الواحد قال أبشروا فإن منكم رجلا ومن
يأجوج ومأجوج الف والذي نفسي بيده أرجو أن تكونوا ربع أهل
الجنة أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة أرجو أن تكونوا نصف
أهل الجنة ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد
ثور أبيض أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود أو كالرقمة في
ذراع الحمار
٩٥٤
وستمائة في البحر ۱ هذا ما هو في هذه الأرض فكم في
الأرضِينَ الأُخر وكم في السماوات من الملائكة وكم تحت
العرش وكل هذه المخلوقات تُحشَر يوم القيامة حتى يقتص الله
عزّ وجلّ ممن شاء لمن شاء كيف شاء ثم يقول عزّ وجلّ لما
عدا الثقلين والملائكة كونوا تراباً فعند ذلك وَيَقُولُ
الْكَافِرُ عَلَيْنَنِي كُنتُ تُرَابًا ۳ لأن النجاة من
عذاب الله رحمة وقد جاءت الأخبار والآثار أن النار لا
يدخلها غير الثقلين ولا يدخلها من الثقلين إلا الكفار
منهما والعصاة فالعصاة لا يخلدون ويخرجون منها بعد القصاص
أو بالشفاعة ويصيرون إلى النعيم الأكبر ولا يبقى فيها
مخلّداً إلا الكفار وهم أقل المخلوقات عدداً فتبقى الرحمة
أعمّ وهي في تلك الدار أعم وأشمل منها في هذه الدار وقد
قال عليه السلام إن الله تعالى جعل الرحمة فأخرج منها لهذه
الدار واحدة بها يتراحم الخلق حتى الفرس ترفع حافرها عن
ولدها خشية أن يصيبه وادَّخر للآخرة تسعة وتسعين ٤ فصح
كثرتها بالنظر كما ذكرنا وبالإخبار والله
مائة جزء
المستعان
وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ تقدم الكلام عليه في الحديث ۳
الثقلان الجن والإنس وفي التنزيل العزيز سَنَفْرُعُ لَكُمْ
أَيُّهُ الثَّقَلَانِ وتأتي بمعنى الشيء النفيس الخطير
وقد جاء في الحديث إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و
عترتي
۳ سورة النبأ من الاية ٤٠
٤ متفق عليه
٩٥٥
<-1
حديث الإسراء والمعراج بنبيّنا ليه
الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم بينا أنا عند
البيت بين
عن مالك ك بنِ صعصعة ١ ـة ١ رضي النائم واليقظان وذكر بين
الرّجلَين فأُتِيتُ بطَسْتِ من ذَهَبٍ مُلِئَءَ حكمةً
وإيماناً فشقّ من النحر إلى مراقٌ ۳ البطن ثم غُسِل البطنُ
بماء زمزمَ ثم مُلى حكمةً وإيماناً وأُتيتُ بدابة أبيض ٤
دون البغل وفوق الحمار البراق
فانطلقتُ مع جبريلَ مع جبريل حتى أتينا السماء الدنيا قيلَ
من هذا قال جبريلُ قيلَ مَن معك قال محمد قيل أوقد أُرسِلَ
إليه قال قيل مرحباً به وَلَنِعْمَ المجيء جاء فأتيت على
آدمَ فسلَّمتُ عليه فَقالَ مَرحباً بِكَ مِن ابنِ
وَنَبِيِّ فأتينا السَّماءَ الثانيةِ قيلَ مَن هَذا قالَ
جبريل قيلَ مَن معكَ قالَ مُحمّد قيلَ أَوَقَد أُرسِلَ
إِلَيْهِ َقالَ نعم قيل مرحباً بهِ ولَنِعْمَ المجيءُ جاءَ
فأتيتُ على عيسى ويحيى فَقالا مَرحباً بِكَ مِن أخ ونبي
فأتينا السَّماءَ الثالثة قيلَ مَن هذا قال جبريل قيلَ مَن
مَعك قالَ مُحمّد قيلَ أَوَقَد أُرسِلَ إِلَيهِ قالَ نَعم
قيلَ مَرحباً بهِ ولَنِعْمَ المجيءُ
فَسلَّمتُ عليهما
جاءَ فأتيتُ على يوسُفَ فَسَلَّمتُ عليهِ فقال مرحباً بِكَ
مِن أخِ وَنبِيٍّ فأَتَيْنا السَّماءَ الرابعة قيل مَن هذا
قيل جِبريلُ قال مَن مَعَكَ قال محمد
مالك بن صعصعة هو الأنصاري الخزرجي الصحابي المدني روي له
خمسة أحاديث اتفق الشيخان فيها على حديث الإسراء والمعراج
وأنس بن مالك رضي الله عنه حدّث الصحابة عن مالك بن صعصعة
بهذا الحديث وهو من قومه وسكن مالك المدينة من الإصابة
والاستيعاب وتهذيب النووي أي ذكر الراوي أن النبي لو كان
بين الرجلين وهما حمزة عمه وجعفر ابن عمه أبي طالب فإنه
كان نائماً بينهما وهذا يسمّى في مصطلح الحديث إدراج
۳ مراق البطن ما رَق منه ولان جمع مَرَق أو لا واحد لها
٤ كذا بالتذكير لأن الدّابة تذكر وتؤنث
90
قيل أوقد أرسل إليه قال نَعَمْ قيل مَرْحباً بهِ ولَنِعْمَ
المجيءُ جاءَ فأتيتُ على إدريس
فسلمت عليه فقال مرحباً بكَ مِن أخ ونبي
فأتينا السَّماءَ الخامسة قيلَ مَن هذا قالَ جبريل قيلَ
ومَن مَعك َقالَ مُحمّد قيلَ أَوَقَد أُرسِلَ إِلَيْهِ
قَالَ نَعم قيلَ مَرحباً بهِ ولَنِعْمَ المجيءُ جاءَ
فأتيتُ على هارونَ فَسَلَّمتُ عليهِ فقال مرحباً بِكَ مِن
أخ ونبي فأتينا السَّماءَ السادسة قيلَ مَن هذا قالَ
جبريلُ قِيلَ مَن مَعك قالَ مُحمّد قيلَ َأوَقَد أُرسِلَ
إِلَيهِ قالَ نَعم قيلَ مَرحباً بهِ ولَنِعْمَ المجيء جاءَ
فأتيتُ على موسى فَسلَّمتُ عليهِ فقال مرحباً بكَ مِن أخ
ونبي فلمّا جاوزتُه بكى فقيل ما أبكاك قال يا ربِّ هذا
الغلامُ الذي بُعِث بعدي يَدخُلُ الجنةَ من أمته أفضلُ ما
يَدخُل من أمتي فأتينا السَّماءَ السابعة قيلَ مَن هذا
قالَ جبريلُ قيلَ مَن مَعك قالَ مُحمّد قيلَ َأوَقَد
أُرسِلَ إِلَيهِ َقالَ نَعم قيلَ مَرحباً بهِ َولَنِعْمَ
المجيء جاءَ فأتيتُ على إبراهيم فَسلَّمتُ عليهِ فقال
مرحباً بِكَ مِن ابنِ وَنبِيٍّ
فرُفع إليَّ البيتُ المعمور فسألتُ جبريلَ فقال هذا البيت
المعمور يُصلّي فيه كلَّ يوم سبعون ألفَ مَلَكِ إذا خرجوا
لم يعودوا آخر ما عليهم ورُفعت إليَّ سِدْرَةُ المُنْتَهَى
فإذا نَبْقُها ۱ كأنه قِلالُ هَجَرِ ۳ ورقها كآذان الفيلة
في أصلها أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران فسألت
جبريل فقال أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران
فالفرات والنيل
ثم فُرضت عليَّ خمسون صلاة فأقبلتُ حتى جئتُ إلى موسى فقال
ما صَنَعتَ قلت فُرضتْ عليَّ خمسون صلاة قال أنا أعلمُ
بالناس منك عالجت بني إسرائيل أشدَّ المعالجة وإنّ أُمَّتك
لا تطيق فارجع إلى ربك فاسأله التخفيفَ فرجعتُ فسألته
فجعلها أربعين ثم مثله فجعلها ثلاثين ثم مثله فجعلها عشرين
ثم مثله فجعلها عشراً فأتيت موسى فقال مثله فجعلها خمساً
فأتيتُ موسى فقال ما صنعت قلت جَعَلها
1 النبق شجرة السدر القلال ج قلة إناء من فخار يشرب منه
۳ هَجَر هي المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية
وتسمى اليوم الأحساء
٩٥٧
خمساً فقال مثله فقلت سلَّمتُ فنودِي إنّي قد أمضيتُ
فريضتي وخففتُ عبادي وأجزي الحسنةَ عشراً
**
عن
ظاهر الحديث يدل على الإسراء بذات محمد المباركة وفرض
الصلاة بغير واسطة والكلام
عليه من وجوه
الوجه الأول قوله عليه السلام بينا أنا عند البيت بين
النائم واليقظان فيه دليل على جواز النوم في الحرم لكن هل
ذلك جائز مطلقاً أو لا يكون إلا لعلة الظاهر أنه لعلة لأنه
يعارضه قوله عليه السلام إنما المساجد لما بنيت له ۱
والعلة في نومه عليه السلام في الحرم ظاهرة
من وجوه
فمنها أن البيت قل أن يخلو من الطائف به فقد يكون عليه
السلام أتى إلى الحرم فوجد
الناس يطوفون فقعد ينتظر فراغ الناس ثم يدخل في الطواف
فغلبته عيناه فمنها أن يكون عليه السلام قعد يشاهد البيت
لأن مشاهدته من المرغب فيها والمندوب
إليها
ومنها أن يكون عليه السلام قد طاف وتعب من الطواف فقعد
قليلا يستريح من التعب المتقدم ولكي تجم ۳ النفس إلى عبادة
أخرى وإذا كان النوم بهذه النية فهو طاعة والطاعات سائغ
إيقاعها في الحرم يشهد لما قلناه من أن النوم يكون طاعة
إذا صحبته تلك النية مثل قصة معاذ وأبي موسى رضي الله
عنهما حيث سأل أحدهما الآخر عن قراءة القرآن فقال المسؤول
أقرأه قائماً وقاعداً ومضطجعاً وأفوقه تفويقاً ۳ ولا أنام
وقال الآخر أما أنا فأقوم وأنام وأحتسب ٤ نَوْمَتي كما
أحتسب قَوْمَتي فلم يسلّم أحدهما للآخر فترافعا إلى النبي
صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام للذي كان يفوقه
تفويقاً هو أفقه منك يعني الذي كان يحتَسِب نومه كقيامه
وهذا نص في أن النوم إذا كان بالنية التي ذكرنا فهو طاعة
والطاعة سائغة هناك ومن هذا الباب أجاز العلماء نـ المعتكف
في المسجد لأنه غلبة وعون على الطاعة ومنعوه للغير ولهم
حجة فيما نحن بسبيله
على ما ذهبوا إليه
نوم
۱ رواه مسلم عن بريدة رضي الله عنه أن رجلاً نَشَدَ في
المسجد فقال من دعا إلى الجمل الأحمر فقال رسول الله لا
وجدت إنما المساجد لما بنيت له
نجم النفس تجتمع وتتهيا
۳ أُفَوقه وأتفوَّقه أي لا أقرأ جزئي بمَرَّة ولكني أقرأ
منه شيئاً بعد شيء في آناء الليل والنهار وهو من فواق
الناقة وتعني الزمن بين الحَلَبَتين لأنها تحلب ثم تترك
سُوَيعة يرضعها الفصيل لتدرّ ثم تُحلب ٤ أحتسب أدَّخر
الأجر عند الله
۹۰۸
اللغة نائماً
الوجه الثاني فيه دليل على تحرّي النبي للصدق في المقال
وأنه لا يترك الحقيقة ويرجع إلى المجاز إلا لأمر لا بدّ
منه في الكلام لأنه من كان بين النائم واليقظان يسوغ أن أن
يُطلق عليه في ويسوغ أن يُطلق عليه يقظان ۱ لكن ذلك على
المجاز ولو قال يقظاناً لكان نطق بالحقيقة أو قاربها لأنه
عليه السلام قلبه في نومه كما هو في يقظته يشهد لذلك قوله
عليه السلام تنام عيناي ولا ينام قلبي فلم يبق نومه عليه
السلام إلا في الجوارح الظاهرة ثم الجوارح في هذه المدة لم
يكن النوم قد تسلّط عليها والظاهر كان كالمتيقظ والباطن
متيقظ في
كل حال لكن عدل عليه السلام عن ذكر اليقظة ليبين الأمر على
ما كان عليه دفعاً للمجاز الوجه الثالث قوله وذكر بين
الرجلين يريد أنه كان مضطجعاً بين رجلين وفي هذا دليل على
تواضعه عليه السلام وحسن خُلُقه إذ إنه في الفضل حيث هو
ولكنه كان يضطجع مع الناس ويقعد معهم ولم يجعل لنفسه
المكرمة مزيّة عليهم الوجه الرابع فيه دليل على جواز النوم
جماعة في موضع واحد لكن يشترط في ذلك أن يكون لكل واحد
منهم ما يستر به جسده عن صاحبه الوجه الخامس قوله عليه
السلام فأُتيتُ بطَسْت من ذهب مُلِى حكمة وإيماناً الطست
هو إناء يعمل في الغالب من نحاس وهو مبسوط القاع معطوف
الأطراف إلى ظاهره يتخذه الناس لغسل أيديهم في الغالب
غيره
الوجه السادس فيه دليل على فضيلة هذا الإناء إذ إنه أتي به
النبي الله وخُصص به دون
الوجه السابع لقائل أن يقول لم أتي له عليه السلام بالطست
من ذهب والذهب في
شريعته عليه السلام محرَّم
والجواب أن تحريم الذهب إنما هو لأجل الاستمتاع به في هذه
الدار وأما في الآخرة فهو للمؤمنين خالصاً لقوله عليه
السلام هو لهم في الدنيا وهو لنا في الآخرة ۳ ثم إن
الاستمتاع بهذا الطست لم يحصل منه عليه السلام وإنما كان
غيره هو الجالب له والمتناول لما كان فيه
1 كذا بالتنوين وهو جائز على لغة بعض العرب رواه مسلم عن
عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله أتوتر قبل أن
تنام قال إن عيني تنامان ولا ينام
قلبي
۳ قطعة من حديث رواه الشيخان عن حذيفة بن اليمان رضي الله
عنه ولفظه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تشربوا في
إناء الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في
الدنيا ولكم في الآخرة
۹۵۹
حتى وضعه في القلب المبارك فسَوَقان الطَّسْت من هناك
وكونه كان من ذهب دال على ترفيع
عليه
المقام فانتفى التعارض بدليل ما قررناه الوجه الثامن فيه
دليل على أن الإيمان والحكمة جواهر محسوسات لا معان لأنه
السلام قال عن الطست أنه أُتِيَ به مملوءاً حكمة وإيماناً
ولا يقع الخطاب إلا على ما يفهم ويعرف والمعاني ليس لها
أجسام حتى تملأ الإناء وإنما يمتلىء الإناء بالأجسام
والجواهر وهذا نص من الشارع عليه السلام بخلاف ما ذهب إليه
المتكلمون في قولهم بأن الإيمان والحكمة أعراض
والجمع بين الحديث وما ذهبوا إليه هو أن حقيقة أعيان
المخلوقات التي ليس للحواس إليها إدراك ولا من النبوة بها
إخبار أن الإخبار عن حقيقتها غير حقيقة وإنما هو غلبة ظن
لأن للعقل بإجماع أهل العقل المؤيَّدين بالتوفيق حداً يقف
عنده ولا يتسلط فيما عدا ذلك ولا يقدر أن يصل إليه فهذا
وما أشبهه منها لأنهم تكلموا على ما ظهر لهم من الأعراض
الصادرة عن هذه الجواهر التي ذكرها الشارع عليه السلام في
الحديث ولم يكن للعقل قدرة أن يصل إلى هذه الحقيقة التي
أخبر بها عليه السلام فيكون الجمع بينهما أن يقال ما قاله
المتكلمون حق لأنه الصادر عن الجوهر وهو الذي يدرك بالعقل
والحقيقة هي ما ذكره عليه السلام في الحديث
ولهذا نظائر كثيرة بين المتكلمين واثار النبوة ويقع الجمع
بينهما على الأسلوب الذي قررناه وما أشبهه وقد نشير لشيء
من ذلك ليتنبه لما عداه فمثل ذلك الموت كيف أخبر عليه
السلام في الحديث أنه يُؤتَى به يوم القيامة كبشاً أملح
فيذبح بين الجنة والنار بعدما يعرض لأهل تلك الدارين
فيعرفونه ومثل ذلك أيضاً الأذكار والتلاوة لأن ما ظهر منها
هنا معان وتوجد يوم القيامة جواهر محسوسات لأنها توزن في
الميزان ولا يوزن في الميزان إلا الجواهر
الوجه التاسع فيه دليل لأهل الصوفة وأصحاب المقامات
والتحقيق لأنهم يقولون إنهم يرون قلوبهم وقلوبَ إخوانهم
وإيمانهم وإيمان إخوانهم بأعين بصائرهم جواهر محسوسات
فمنهم من يعاين إيمانه مثل المصباح ومنهم من يعاينه مثل
الشمعة ومنهم من يعاينه مثل المشعل وهو أقواها ويقولون
بأنه لا يكون المحقق محققاً حتى يعاين باطن قلبه بعين
بصيرته كما يعاين كفَّه بعينِ بصره فيعرف الزيادة فيه من
النقصان وكذلك أيضاً يقولون في الحكمة بأنهم يعاينونها
بأعين بصائرهم تتنابع من جوانب أفئدتهم كما تتنابع عيون
الماء على اختلافها فبعضها ينبع نبعاً يسيراً وبعضها ينبع
نبعاً كثيراً
1 كبش أملح خلط بياض جلده سواد
9
فمن قوي منهم إيمانه وكثرت حكمته لا يطيق السكوت لأنه
يتنعم بذكر تلك الحكم كما يتنعم صاحب الغذاء بحسن الغذاء
وربما إذا اشتد عليهم الحال ومنعوا من الكلام كان ذلك
سبباً لموتهم حتى لقد حكي عن بعضهم أنه كان إذا جاءه الحال
وهو في مجلس شيخه لا يطيق السكوت فيغلب عليه الحال فيتكلم
فكلمه شيخه في ذلك وأمره بالسكوت فلما أن ورد عليه الحال
بعد ذلك التزم السكوت انصياعاً لأمر الشيخ به فتحمل ذلك
فمات من حينه يؤيد ما قررناه عنهم أولاً ويوضحه قوله عزّ
وجلّ مَثَلُ نُورِهِ كَيَشكُو فِيهَا مِصْبَاحُ
الْمِصْبَاحُ فِي ـاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَتَهَا كَوْكَبٌ
دُرِّيٌّ ۱ نقل صاحب التحصيل في مختصره عن العلماء أنهم
قالوا إن الضمير عائد على المؤمن تقديره مثل نور المؤمن
كمشكاة والمشكاة هي الحديدة التي في وسط القنديل الذي يوضع
فيه الفتيل فقالوا المشكاة مثل لصدر المؤمن والزجاجة قلبه
والمصباح إيمانه
ونقل أيضاً عن العلماء في معنى قوله تعالى ﴿ يُعَلِّمُونَ
النَّاسَ السّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ
بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ
أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا
تَكْفُر ۳ أن الذين يعلمون الناس السحر ببابل إذا أتاهم من
يريد تعلّم سحرهم يقولون له إنما نحن فتنة فلا تكفر فإن
أبى إلا أن يتعلم قالا له انتِ هذا الرَّمادَ فَبُلْ فيه
فإذا بال في ذلك الرماد خرج منه نور يسطع إلى السماء وهو
الإيمان وخرج من الرماد دخان أسود يدخل في أذنيه وهو الكفر
فإذا أخبرهما بما رآه عَلَّماه
فهذه الآي بظواهرها ومعانيها مع نص الحديث الذي نحن بسبيله
حجة لأهل التحقيق والمكاشفات فيما نقلناه عنهم وقد حُكي عن
بعض الفضلاء منهم رحمه الله في حكاية يطول كتبها هنا أنه
قدر عليه بأن يتنصر ثم عاد بعد ذلك إلى الإسلام وحَسُن
حاله أكثر مما كان أولاً فكان يقول إنه رأى أولاً قبل كفره
طائراً أخضر قد خرج من فمه فمنذ خرج منه لم يلتفت إلى
الإيمان ولم يرجع إليه وكان إذا ذُكِّر بالإسلام ووُعِظ
يقول أعلمُ كل ذلك ولم يجد سبيلاً إلى الرجوع فلما أن
تلافاه الله تعالى بعفوه وإفضاله فإذا بالطائر الأخضر قد
أتاه فدخل في حلقه فإذا هو قد رجع إليه الإيمان وانشرح
صدره بالحكمة واتسع
۱ سورة النور من الآية ٣٥
صاحب التحصيل هو أحمد بن عمار المهدوي المغربي المتوفى بعد
سنة ٤٠٠ هـ و التحصيل كتاب في التفسير مختصر من كتاب
التفصيل الجامع لعلوم التنزيل في التفسير من كتاب كشف
الظنون ص ٤٢٦ وإنباه الرواة
٩٦١
۹۱/۱
۳ سورة البقرة من الآية ۱۰
يؤيد ما قالوه وما شاهدوه قوله عليه السلام من أخلص الله
أربعين صباحاً ظهرت ينابيع
الحكمة من قلبه على لسانه ۱ وهم قد عاينوا ينابيع الحكمة
كيف هي على ما نقلناه عنهم وعاينوا حقيقة الإيمان كما
وصفنا رزقنا الله من الهدى والنور ما رزقهم وألحقنا في
الدنيا والآخرة بهم
بمنّه إنه ولي كريم هذا ما تضمنه اعتقاد أهل التحقيق وما
تضمنته أحوالهم وأما أئمتنا في الفقه فظاهر مذهب الشافعي
رحمه الله موافق لأهل الكلام لأن أصحابه ينقلون عنه أن
الإيمان يزيد موافقة لما ذكر الله عزّ وجلّ في كتابه
ويقولون بأن النقص لا يمكن فيه لأنه على زعمهم عَرَض
والنقص في العَرَض ذهابه وأما أبو حنيفة رحمه الله فيقول
بأنه لا يزيد ولا ينقص وظاهر مذهب مالك رحمه الله موافق
لأهل الحقيقة فيما قررناه عنهم لأن أصحابه ينقلون عنه أن
الإيمان عنده يزيد
وينقص وقد مثله بعض أصحابه بماء العين يزيد مرة وينقص أخرى
ولم يعدم الماء من العين وهذا هو الحق الذي لا خفاء فيه
بدليل ما قررناه من الآي والأحاديث وما شهده أهل التحقيق
عياناً ولأنه عليه السلام قد قال لا يزني الزاني حين يزني
وهو مؤمن الحديث بكماله وجاء من طريق آخر قال فيه إن
الإيمان يخرج منه حين الفعل فيبقى على رأسه كالظُّلَّةِ ۳
ولو كان عَرَضاً لم يتَأَتَ أن يقوم بنفسه حتى إنه يبقى
كالظلة على رأسه
هذا ما تضمنه البحث في حقيقة الإيمان ما هو على طريقة أهل
الفقه وأهل التحقيق مع أنه ليس أحد الوجهين - أعني هل يكون
الإيمان جوهراً أو عَرَضاً - بالنسبة إلى القدرة من طريق
المستحيل ولهذا كان الصحابة والسلف والصدر الأول رضوان
الله عليهم لم يتكلموا في هذا ولا أمثاله لأن المقصود منا
الذي لأجله أنزلت علينا الكتب وأرسلت إلينا الأنبياء
والرسل عليهم الصلاة والسلام إنما هو التصديق الخالص
والعمل الصالح والشغل بهذين الأمرين أولى بل هو الواجب
ويجب الإضراب عن الشغل بغيرهما لأن الاشتغال بغيرهما شغل
عنهما وذلك سبب الترك ما أريد منا
لكن لما أن تشاغل قوم بالأخذ في هذا وأشباهه وأطلقوا أن
الأمر كما ظهر لهم من علم العقل - على زعمهم - حتى صار
الأمر عندهم أن من لم يعتقد مثل اعتقادهم منسوب إلى
المذاهب
۱ رواه أبو نعيم في الحلية بإسناد ضعيف
متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه وللحديث عدة روايات
بطرق مختلفة ومعان متشابهة
۳ رواه الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ من زنى أو
شرب الخمر نزع الله منه الإيمان كما يخلع القميص
من رأسه
٩٦٢
الفاسدة فاحتجنا لأجل هذه العلة أن نبين مذهب أهل التحقيق
والتوفيق ومذهب الصحابة والسلف رضوان الله عليهم بنص
الكتاب والسنة كما ذكرناه قبل لكي يتبين بذلك الحق من
الباطل والضعيف من القوي
فإن اعترض معترض لتخصيص لفظ الحديث من طريق علم العقل فقد
سقط بحثه فلا يُعَباً به لأنه قد قدمنا في الأحاديث
المتقدمة قول فقهاء الدين وأئمته أن عموم القرآن يُخصَّص
بالقرآن واختلفوا هل يُخصص عموم القرآن بالسنة المتواترة
أم لا على قولين ولم يختلفوا أن القرآن لا يخصص بأخبار
الآحاد وكذلك اتفقوا على أن عموم الحديث يُخصَّص بالحديث
واختلفوا هل يخصَّص بإجماع جلّ الصحابة أم لا على قولين
ولأجل ذلك اختلف مالك والشافعي رحمهما الله في عمل أهل
المدينة إذا وجد الحديث بخلافه فقال مالك رحمه الله أهل
المدينة أهل دار الهجرة ومجمع جلّ الصحابة العارفين بأحكام
الله وسنة نبيه عليه السلام ولم يتركوا العمل بحديث إلا
وقد صح عندهم نسخه ولم يبلغنا نحن ذلك وأبى الشافعي رحمه
الله ذلك وأخد بمقتضى الحديث وأما تخصيص لفظ الحديث بنظر
غير الصحابة ورأيه فلا يجوز بالإجماع لأن الحكم لقول
الشارع عليه السلام لا لغيره
لكن قد يسوع الجمع بين ما ذهب إليه المتكلمون وبين ما ذهب
إليه أهل التحقيق بمعنى لطيف وهو أنه لما نظر أهل العقل
إلى الآي والأحاديث بنفس الدعوى وحصروا قدرة القادر بمقتضى
دليل عقلهم جاء لأجل هذه الدعوى في عين البصيرة ضعف فلم
يروا شيئاً فرجعوا إلى مقتضى ما دل عليه عقلهم فقالوا
الإيمان عَرَض وغطى عليهم إذ ذاك مفهوم ما احتوى قوله عليه
السلام إيمان المؤمن نور يتوقد في صدره ولما نظر أهل
التحقيق بخالص الصدق والتصديق وتعظيم القدرة وإجلال القادر
رأوا النور فقالوا الإيمان نور والتصديق عَرَض فزادهم
إيماناً وقالوا حَسْبُنا الله ونِعْمَ الوكيل يؤيد هذا
ويوضحه - أعني ما ذكرناه من الجمع بين المذهبين - ما حكي
عن بعض الفضلاء من أئمة التحقيق أنه كشف له عن شيء من آثار
القدرة فنظر إليها عياناً فأدركه الخجل لعظم ما رأى في
التذلل والاعتذار لكونه يرى أن ليست نفسه لذلك أهلاً فخوطب
بأن قيل له عملت على الحق فأُرِيتَ الحقيقة وعملوا على
التأويل فعوملوا بحسب ما عملوا وعند الله تجتمع الخصوم
ولأن الحقيقة في الأمور كلها لقول الشارع عليه السلام وقول
غيره في ذلك ردّ وليس الأمور بمجرد العقل لا بالحاضرة منها
ولا بالغائبة ومن ادعى ذلك فهو منه
فأخذ
يمكن أخذ جميع
٩٦٣
جهل لأنه لو كان ذلك كذلك لكان فيه مشاركة للربوبية وهو
باطل لأنه لا ينفرد بالغيوب إلا
علامها وبذلك تصح الوحدانية فقلد أيها السامع أي الطرق
شئتَ فقد أوضحتُ لك الطرق والله يرشدنا وإياك بمنه تنبيه
لقائل أن يقول لِمَ رأى عليه السلام مزيد الإيمان ولم يرَ
الإيمان الذي كان عنده أولاً لأن الأنبياء والرسل عليهم
السلام أقوى إيماناً من جميع المؤمنين والجواب عنه أن نفس
رؤية المزيد فيها من الحكمة وجوه فمنها رؤية حقيقة الإيمان
والحكمة جواهر حتى يتحققها على ما هي عليه وهذه مزية له
عليه السلام خُص بها ومنها أن المعاينة لذلك بشارة برفع
المنزلة ومنها أن بنفس الرؤية لذلك يزيد الإيمان قوةً
حِسّاً ومعنى فالحسي هو وضعه في القلب والمعنوي هو ما يحصل
من قوة الإيمان بسبب رؤية المزيد ومنها أنه عليه السلام
لما أن كان في هذه الدار كان أقواهم إيماناً بحسب ما هو
إيمان أهل الأرض فلم يحتج لرؤيته لقوة ما عنده من التصديق
ولما أن شاء الله الإسراء به إلى العالم العلوي - وهم أقوى
إيماناً من هذا العالم إذ هم مشاهدون لأشياء لا يشاهدها
أهل هذا العالم - فعل ذلك للنبي الله حتى حصل له الإيمان
بالتصديق والمشاهدة وزيد له فيه بالحس والمعنى حتى كان
أعلى ذلك العالم إيماناً يشهد لذلك قوله تعالى ﴿ مَا زَاغَ
الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ
الْكُبْرَى ۱ ولم يقع الثبات مع معاينة تلك الآيات الكبار
إلا لما قوي عنده من الإيمان والحكمة فكان عليه السلام
جديراً بما خُص به من الثناء والمدحة ووجوه كثيرة من هذه
المعاني تتعدد وفيما أشرنا إليه كفاية الوجه العاشر فيه
دليل على أن ما بعد الإيمان أجلّ من الحكمة ولولا ذلك ما
قرنت معه
ومنه قوله تعالى ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ
خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ ٢
الوجه الحادي عشر في معنى الإيمان والحكمة أما الإيمان فقد
تقدم الكلام عليه وأما الحكمة فقد اختلف العلماء فيها فقيل
الحكمة هي وضع الشيء في موضعه وقيل الحكمة هي الفهم في
كتاب الله عزّ وجلّ والكلام معهم فيما قالوه فيها قد أشرنا
إلى بعضه انفاً والجواب عنها كالجواب عن الإيمان وقد أشرنا
لكل ذلك فأغنى عن إعادته
الوجه الثاني عشر هل الإيمان والحكمة متلازمان لا يوجد
أحدهما حتى يوجد الآخر أو كل واحد منهما مستقل بنفسه
الظاهر أن كل واحد منهما مستقل بنفسه لأن الإيمان ليس من
شرطه
۱ سورة النجم الايتان ۱۷ و ۱۸ سورة البقرة من الآية ٢٦٩
٩٦٤
أن تكون الحكمة معه بدليل قوله عليه السلام من أخلص الله
أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ۱ فقد
شهد له عليه السلام بالإيمان والحكمة لم تكن عنده إذ ذاك
لأنه عليه السلام قال مَنْ أخلَص والإخلاص هو حقيقة
الإيمان فعلى هذا فكل واحد منهما مستقل بنفسه وجمعهما هو
الأعلى والأرفع
لكن بقي بحث وهو أنه إن كانت الحكمة المراد بها الوجه
الأول الذي ذكرناه من الاختلاف فيها فقد توجد مع الإيمان
وقد توجد مع عدمه وبهذا التوجيه يتقرر ما ذكرناه وهو أن كل
واحد منهما مستقل بنفسه لكن هذا الاستدلال مرجوح وليس
بالقوي لأنه إذا قلنا بأن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه
فالإيمان أولى أن تدل عليه الحكمة لأنه هو الأول والكفر من
الحمق والحمق
ينافي الحكمة فعلى هذا فهي مرتبطة بالإيمان لا بد منه عند
وجودها وإلا فلا حكمة إذ ذاك وإن قلنا بأن الحكمة هي الفهم
في كتاب الله تعالى فهي مرتبطة بالإيمان على كل حال لا بد
منه أولاً فعلى هذا فقد يوجد مؤمن عَرِيّ عن الحكمة وقد
يوجد بهما معاً ولا ينعكس وهو أن يوجد حكيم عَرِيّ عن
الإيمان
الوجه الثالث عشر فيه دليل على أن الملائكة عليهم السلام
تعرف بني آدم وتميزهم كل واحد بعينه لأن الملائكة أتوا
للنبي الله وأخذوه من بين أصحابه وكذلك أيضاً أخذوه من بين
إخوانه وهو صبي صغير السن وكذلك الآن فلو لم يكن لهم ميز
بالأشخاص لاختلط عليهم وهذا دليل على عظيم قدرة الله تعالى
إذ إن أهل العالم العلوي يميزون أجزاء هذا العالم
الوجه الرابع عشر قوله عليه السلام فشق من النحر إلى مراق
البطن فيه دليل على أن قدرة الله عزّ وجلّ لا يعجزها شيء
ولا تتوقف لعدم شيء ولا لوجوده وليست مربوطة بالعادات لأنه
على ما يعرف ويعهد أن البشر إذا شق بطنه كله انجرح ومات
ولم يعش وهذا النبي صلى الله عليه وسلم قد شق بطنه المكرمة
حتى أخرج القلب فغسل وقد شق بطنه المكرم كذلك أيضاً وهو
صغير وشق عن قلبه وأخرجت منه نزغة الشيطان ومعلوم أن القلب
إذا وصل له الجرح مات صاحبه وهذا النبي صلى الله عليه وسلم
شق بطنه في هاتين المرتين ولم يتالم بذلك ولم يمت لما أن
أراد الله عزّ وجلّ ألا يؤثر ما أجرى به العادة أن يؤثر
فيها موت صاحبها عندها أبطل تلك العادة مع بقاء جوهرها لأن
الشق قد وجد على البطن والقلب وما يتولد من ذلك في جري
العادة قد عدم
وكذلك جميع الأشياء على هذا الأسلوب مثل النار والماء
وغيرهما من الخواص إن شاء عزّ
۱ تقدم تخريجه قبل عدة صفحات
كذا بالتأنيث والتذكير
90
وجلّ ألا يروي الشارب بقلة الماء فَعَل وإن شاء ألا يحرق
بالنار فعل كما أزال العادة الجارية فيما نحن بسبيله وقد
رمي إبراهيم عليه السلام في النار فلم تحرقه وكانت عليه
برداً وسلاماً وكل الخواص بهذه المثابة إن شاء عزّ وجلّ
أبقى لها الخاصية وإن شاء سلبها
جوهرها
مع بقاء
الوجه الخامس عشر لقائل أن يقول لِمَ كان شق البطن وحينئذ
مليء بما ملىء والله عزّ وجلّ قادر على أن يوجد له ذلك في
بطنه من غير أن يفعل به ما فعل والجواب عنه أنه عليه
السلام لما أن أعطي كثرة الإيمان والحكمة وقوي التصديق إذ
ذاك أعطي برؤية شق البطن والقلب عدم الخوف من جميع العادات
الجارية بالهلاك فحصلت له قوة إيمان من ثلاثة أوجه بقوة
التصديق وبالمشاهدة وعدم الخوف من العادات المهلكات فكمل
له بذلك ما أريد منه من قوة الإيمان بالله عزّ وجلّ وعدم
الخوف مما سواه ولأجل ما أعطي مما أشرنا إليه كان عليه
السلام في العالمين أشجعهم وأثبتهم وأعلاهم حالاً ومقالاً
ففي العلوي كان عليه السلام كما أخبر أن جبريل عليه السلام
لما أن وصل معه إلى مقامه قال له ها أنت وربك هذا مقامي لا
أتعداه فرج عليه السلام في النور زَجَّةٌ ولم يتوان ولم
يلتفت وكان هناك في الحضرة كما أخبر عزّ وجلّ عنه بقوله ﴿
مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طغَى ١ وأما حاله عليه السلام
في هذا العالم فكان إذا حمي الوطيس في الحرب رَكَضَ بغلته
في نحر العدو وهم شاكون في سلاحهم ويقول أنا النبي لا كذب
أنا ابن عبد المطلب
وقد كانت الصحابة رضوان الله عليهم يقولون الشجاع منا الذي
كان يتقي به عند شدة الحرب الوجه السادس عشر فيه دليل لأهل
الصوفة في قولهم بأن عمل المبتدي كسب وعمل المنتهي ترك لأن
النبي في ابتداء أمره كان تخليه بالضم والغط وهي زيادة في
الشدة والقوة - لا لا لها كما مر الكلام عليه في حديث
ابتداء الوحي - وكان تخليه هنا بالغسل وهو تنظيف المحل
وكذلك حال المبتدي والمنتهي عندهم فالمبتدي شأنه الكسب وهو
الأخذ في الأعمال الصالحات وهي القوة والشدة والمنتهي شأنه
النظر في الباطن وما يتعلق به من الشوائب فكل شيء يرى فيه
شيئاً ما من تعلق الشوائب تركه حتى يتنظف الباطن من
الأكدار ولا يبقى فيه غير الله تعالى
فإن قال قائل فيلزم على هذا أن يكون في باطن النبي و شي من
الكدر حتى احتيج إلى
غسله وذلك باطل قيل له ذلك لا يلزم لأن الغسل له عليه
السلام ليس من باب إزالة
۱ سورة النجم من الآية ١٧
متفق عليه من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه
9
الأكدار وإنما هو تشريع لأمته فيما أشرنا إليه وإعظام
لشعائر الله عزّ وجلّ لأن ما يلقى في ذلك المحل الشريف من
شعائر الله تعالى وقد قال تعالى وَمَن يُعَظِّمْ شَعَرَ
اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ۱
الوجه السابع عشر قوله عليه السلام فأتيت بدابة أبيض دون
البغل وفوق الحمار البراق فيه دليل على أن البراق أفضل
الدواب وأشرفها إذ إنه خص بهذا المقام وهو سيره إلى العالم
العلوي وركوب خير البشر عليه من هنا إلى هناك
الوجه الثامن عشر لقائل أن يقول لم اختص عليه السلام بركوب
البراق دون غيره من الدواب مثل الخيل والنوق وغيرهما
والجواب عنه أنه إنما خص عليه السلام بركوب البُراق زيادة
في التشريف والتعظيم لأن غيره من الدواب يقدر غيره على
ملكه والتمتع به والبراق لم يُنقل أن أحداً ملكه وتمتع به
كما يتمتع بغيره من البهائم وهذا هو نفس التعظيم والتشريف
إذ إن القدرة قد أحكمت أن كل ما عدم في الوجود وُجدانه غلا
خطره
فإن قيل فلو كان ذلك زيادة في التشريف والتكريم لكان ركوبه
على دابة من دواب الجنة إذ هي أفضل وأبرك أو لَرَفَعَه
جبريل عليه السلام على جناحه أو أحد من الملائكة أو أعطي
قوة حتى يصعد بنفسه ولا يحتاج إلى مركوب والجواب عنه أن
هذا كله إنما هو زيادة له عليه السلام في التشريف والتعظيم
ولو كان ركوبه عليه السلام على دابة من دواب الجنة أو لأحد
من الملائكة أو مشى بنفسه المكرمة لم يكن له فيه ما كان له
في ركوبِ البُراق والسيرِ به بيان ذلك أنه لو صعد بنفسه
لكان ماشياً على رجليه والراكب أعز من الماشي فأعطي
المركوب ليكون أعزّ له وأشرف ولكي يعلم أن له ل لا ل و لو
عند الله تعالى مكاناً حتى إنه يأتي وهو راكب فيكون ذلك له
بشارة بالخير والحظوة عند ربه لأن الإتيان بالمركوب من
الله تعالى بشارة له عليه السلام برفع المنزلة والكرامة
ومثل هذا في الدنيا والآخرة موجود ففي الدنيا محسوس وفي
الآخرة بالأخبار منقول أما في الدنيا فلأن المَلِك إذا بعث
إلى شخص بالخلع والمركوب فبقدر الخلع وحسن المركوب يستدل
على منزلته عند الملك وفي الآخرة ما روي أن يوم القيامة
يأتي المؤمنون منهم من هو راكب نُوَق اللحم ومنهم من هو
راكب نُوق الذهب وأزِمَّتها الزَّبَرْجَدُ إلى غير ذلك مما
جاءت الأخبار به كل إنسان بحسب منزلته والملائكة تأتيهم
أفواجاً بالبشارة وتقول لهم هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى
كُنتُمْ تُوعَدُونَ
۱ سورة الحج من الاية ٣٢ سورة الأنبياء من الآية ۱۰۳
٩٦٧
وإنما لم يكن مركوبه عليه السلام دابة من دواب الجنة أو
جناح مَلَك لأنه لو ركب على
ذلك لكان الظاهر أن المركوب حمل الراكب فلما أن ركب البراق
الذي هو لحم ودم وهو مخلوق في الدنيا وليس من عادته
الطيران في الهواء وإنما هو من ذوات الأربع أرضي علم عند
ذلك أن الراكب هو الحامل لنفسه والحامل لمركوبه إذ إن هذه
الدابة لا طاقة لها بالصعود في
الهواء أصلاً
فإن قيل فالنبي من البشر ومحال في حق البشر الصعود في
الهواء كما هو محال في حق الدواب قيل الجواب أن البشر ليس
هو الصاعد بنفسه وإنما الحامل والصاعد به قوة الإيمان الذي
منَّ عليه به والنبي لم يكن ليُسرَى به حتى مُلئت بطنه
المكرمة إيماناً وحكمة فلما أن اه اه لو امتلأ بالإيمان
والحكمة كان له من القوة ما يحمل نفسه وغيره فبقدر الإيمان
وقوته يكون السلوك والترقي ولهذا قال عليه السلام رحم الله
أخي عيسى لو زاد يقيناً لطار في الهواء ۱ هذا من طريق
مقتضى الحكمة
وفي الحقيقة القدرة هي حاملة للكل كالعرش وحَمَلَته لأن
حَمَلَة العرش حين أمروا أن يقوموا بالعرش لم يطيقوا حتى
قيل لهم قولوا لا حول ولا قوة إلا بالله فلما أن قالوها
قاموا بالعرش فالتفتوا فإذا أقدامهم على غير شيء فهم
متمسكون بالعرش لا يفترون من قولهم لا حول ولا قوة إلا
بالله خيفة لئلا يفلت أحدهم فلا يعرف أين يهوي فهم حاملون
العرش والعرش حامل لهم والكل محمولون بالقدرة وهم في عِظم
خلقهم كما أخبر عليه السلام عن بعضهم حيث قال أُمرت أن
أحدثكم عن أحد حملة العرش ما بين شحمة أذني أحدهم مسيرة
الطائر مائة سنة وأمرت أن أحدثكم عن أحد حملة العرش غلظ
قرنه ما بين المشرق والمغرب ۳ ولكل واحد منهم على ما جاء
في حديث اخر قرنان مثل قرون الوعول فإذا كان كل واحد من
هذين القرنين غلظه هكذا فناهيك بالرأس الذي يكون فيه ذانك
القرنان وناهيك بالجسد الذي يكون فيه هذا الرأس فسبحان من
أظهر بديع حكمته بعظيم قدرته
١ لم نقف على مصدره يريد ما بين شحمتي أذني أحدهم
۳ رواه أبو داود وابن عساكر والضياء في المختارة عن جابر
رضي الله عنه بلفظ أذن لي أن أحدّث عن مَلَك من ملائكة
الله تعالى من حَمَلة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه
مسيرة سبعمائة عام وفي رواية لأبي نعيم في الحلية عن جابر
وابن عباس رضي الله عنهم بلفظ أذن لي أن أحدث عن ملك من
حملة العرش رجلاه في الأرض السابعة السفلى على قرنه العرش
ومن شحمة أذنه إلى عاتقه كخفقان الطير مسيرة مئة عام وفي
رواية للخطيب البغدادي مسيرة سبعمائة سنة خفقان الطير
٩٦٨
الوجه التاسع عشر فيه دليل لأهل الصوفة حيث يقولون فلان
مقامه في سماء الدنيا وفلان مقامه في الثانية ثم كذلك إلى
أن يبلغوا إلى قابَ قَوْسَينِ أو أدنى ويعنون بذلك ما
رزقوا من قوة
الإيمان واليقين فكاشفوا بأسرارهم ذلك العالم كل منهم بحسب
قوته في إيمانه ويقينه
ولهم فيما نحن بسبيله أدل دليل لأن النبي الله ولم يُسرَ
به حتى ملىء حكمة وإيماناً ثم لما أن من عليه بذلك أسري به
من سماء إلى سماء إلى قاب قوسين أو أدنى وهم الوارثون له
عليه السلام فلهم في ذلك نسبة لكنّ بينهم وبين النبي الله
في ذلك فرقاً وهو أنه عليه السلام حصلت له الخصوصية لكونه
سرى بذاته المباركة وتكلم بلسان فمه ورأى بعين رأسه - على
ما قاله ابن عباس - وسمع الخطاب بأذن رأسه وأذن قلبه وغيره
من الوارثين له لم يصلوا هناك إلا بأسرارهم ولم يروا إلا
بأعين قلوبهم
ومما يبين هذا ويوضحه ما حكي عن بعض فضلائهم أنه لمّا أنْ
مُنَّ عليه بقوة الإيمان واليقين واتبع سنة هذا السيد
الكريم على ربه صاحب هذا المقام العظيم الهلال الهلال في
كل حركاته وسكناته وأنفاسه أسري بسره من سماء إلى سماء إلى
قاب قوسين أو أدنى ثم نودي هنا أسري بذات محمد السنية حيث
أسري بسرك
ولأجل هذا كانوا أبداً ليس لهم شغل غير النظر في تقوية
إيمانهم ويقينهم لأن به يسلكون وهو حاملهم ومما يزيد هذا
وضوحاً وبياناً قوله عليه السلام ما فَضَلكم أبو بكر بصلاة
ولا بصيام ولكن بشيءٍ وَقر في صدره والشيء الذي وَقر في
صدره هو قوة اليقين والإيمان وقد صرح رضي الله عنه بذلك
حيث قال لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً
يوضع
الوجه العشرون فيه دليل لأهل الصوفة في قولهم لا يكون
تَحَلَّ إلا بعد تَخلَّ لأنه لم الإيمان والحكمة في البطن
المباركة حتى شُقت وغسلت وحينئذ مُلئت فالشق والغسل هو
التخلي وما مُلىء به من الإيمان والحكمة هو التحلي فعلى
قدر التخلي يكون التحلي ولهذا أشار بعضهم بقوله من سرّه أن
يرى ما لا يسوؤه فلا يتخذ له شيئاً يخاف له فقداً لأن ما
سوى الله مفقود فمن أراد الفوز بهذا التحلي فليعزم على قوة
هذا التحلي حالاً ومقالاً ومن لم يقدر على الكل فليعمل على
البعض لأن التحلي يكون بقدر التخلي والحذر الحذَرَ من أن
تهمل نفسك وترضَى بحظِ بخس فذلك هو الحرمان
الوجه الحادي والعشرون قوله عليه السلام ثم غسل البطن بماء
زمزم ما المراد بالبطن هنا هل البطن نفسه أو ما في البطن
وهو القلب الظاهر أن المراد القلب لأنه جاء في رواية أخرى
ذكر
٩٦٩
القلب ولم يذكر البطن وقد يحتمل أن تحمل كل رواية على
ظاهرها ويقع الجمع بينهما بأن يقال أخبر عليه السلام مرةً
بغسل البطن ولم يتعرض لذكر القلب وأخبر مرة بغسل القلب ولم
يتعرض لذكر البطن فيكون قد حصل فيهما معاً مبالغة في تنظيف
المحل
الوجه الثاني والعشرون لقائل أن يقول لم غُسِل البطن وقد
كان طاهراً مطهَّراً وقابلاً لما يُلقى إليه من الخير وقد
غسل أولاً وهو عليه السلام صغير السن وأخرجت من قلبه نزغة
الشيطان فما فائدة هذا الغسل الثاني
والجواب عنه أن هذا الغَسل إنما كان إعظاماً وتأهباً لما
يلقى هناك وقد جرت الحكمة بذلك في غير ما موضع مثل الوضوء
للصلاة لمن كان متنظّفاً لأن الوضوء في حقه إنما هو إعظام
وتأهب للوقوف بين يدي الله تعالى ومناجاته وكذلك أيضاً
الزيادة على الواحدة أو الاثنتين إذا أسبغ بالأولى لأن
الإجزاء قد حصل وبقي ما بعد الإسباغ إلى الثلاث إعظاماً
لِما يُقدِم عليه فكذلك
غسل البطن هنا وقد قال تعالى وَمَن يُعَظِّمْ شَعَرَ
اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ فكان الغسل له
عليه السّلام من هذا القبيل وإشارة لأمته بالفعل بتعظيم
الشعائر كما نص لهم عليه بالقول وإشارة لهم أيضاً فيما
تقدم ذكره من التخلّي والتحلّي
فإن قال قائل لو كان الأمر بالزيادة على الإسباغ إعظاماً
للشعائر لكانت الزيادة على الثلاث أولى إذ إنه بحسب
الزيادة كان تعظيم الشعائر أكثر قيل له الأمر كذلك لكن
الله عزّ وجلّ بالمؤمنين رحيم فمن رحمته عزّ وجلّ بهم أن
منعهم الزيادة على الثلاث تخفيفاً عليهم ولطفاً بهم أَلَا
يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ
الوجه الثالث والعشرون فيه دليل على فضيلة بئر زمزم على
غيره من المياه إذ إنه عليه السلام اختص بأن غسل منه هذا
المحل الجليل في هذا الموطن الرفيع
الوجه الرابع والعشرون لقائل أن يقول لِمَ يغسل بماء الجنة
الذي هو أطيب وأبْرَكُ والجواب عنه أنه لو غسل بماء الجنة
دون استقراره في الأرض لم يبق لأمته أثر بركةٍ فلما غسل
بماء زمزم - وهو مما استقر من ماء السماء بالأرض على ما
قاله ابن عباس في تفسير قوله تعالى وَأَنزَلْنَا مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَتَهُ فِي الْأَرْضِ
وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَدِرُونَ ۳ فقال كل ماء في
۱ سورة الحج الآية ٣٢
سورة الملك الآية ١٤ ۳ سورة المؤمنون من الآية ۱۸
۹۷۰
الأرض إنما هو مما نزل من السماء وقد جاء في الأثر أن ما
من مطر ينزل إلا وفيه مزاج من الجنة وتكون البركة فيه بقدر
المزاج - فعلى ۱ هذا فقد غسل بماء كله من الجنة أو بعضه مع
زيادة
فوائد جمة
منها ما ذكرناه من إبقاء البركة لأمته ومنها أنه خص مقره
بهذه الأرض المباركة ومنها أنه خص به الأصل المبارك وهو
إسماعيل عليه السلام ومنها أنه خص بما لم يخص غيره من
المياه بأن جعل فيه لهاجر أم إسماعيل عليه السلام غذاء
فكان يغنيها عن الطعام والشراب ومنها أن ظهوره كان بواسطة
الأمين جبريل عليه السلام فكان أصلاً مباركاً في مقز مبارك
لسيد مبارك بواسطة فعل أمين مبارك فاختص به هذا السيد
المبارك فكان ذلك زيادة له في التشريف والتعظيم والله عزّ
وجلّ يفضل ما يشاء من مخلوقاته حيواناً كان أو جماداً فجاء
بالحكمة العجيبة في الملة الجليلة ملة أبيك إبراهيم
بالمقال وفي الماء ملك أبيك إسماعيل بلسان الحال الوجه
الخامس والعشرون قوله عليه السلام ثم مُلىء حكمة وإيماناً
قد مر الكلام على معنى الحكمة والإيمان وبقي الكلام هنا
على المملوء ما هو هل البطن أو القلب فعلى ظاهر هذه
الرواية هو البطن وعلى ما جاء في رواية غيرها هو القلب
فاحتمل أن يكونا ملنا معاً وأخبر عليه السلام في هذه
الرواية بالبطن وأخبر في الأخرى بالقلب واحتمل أن يكون
أراد القلب وذكر البطن توسعة لأن العرب تسمي الشيء بما
قاربه أو بما كان فيه وقد قال تعالى ﴿ فَمَن يُرِدِ
اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ
وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا
حَرَجًا ومعنى الصدر في الآية القلب فسماه باسم ما هو فيه
وهو الصدر
الوجه السادس والعشرون قوله عليه السلام فانطلقت مع جبريل
حتى أتينا السّماء الدنيا إلى قوله ولنعم المجيء جاء فيه
دليل على أن قدرة الله عزّ وجلّ لا يعجزها شيء لأنه عليه
السلام قال حتى أتينا السماء الدنيا فأفاد ذلك أنهم كانوا
يمشون في الهواء وقد جرت العادة بأن البشر لا يمشي في
الهواء سيما وقد كان راكباً على دابة من ذوات الأربع لكن
لما أن شاءت القدرة ذلك كان فكما بسط عزّ وجلّ لهم الأرض
ومهدها لهم يمشون عليها كذلك يُمشيهم في الهواء كل ذلك
بيده لا ترتبط قدرته بعادة جارية حتى يظهر عند وجودها
تأثير في الوجود ويعدم عند عدمها بل القدرة صالحة لأن تبدي
ما شاءت عند وجود العادة وعند عدمها وإنما العادة من الله
تعالى لحكمة استأثر بها فإن شاء أبقاها وإن شاء أزالها وقد
سئل عليه السلام حين أخبر
۱ هنا جواب لما سورة الأنعام من الآية ١٢٥
۹۷۱
عن الأشقياء المساكين الذين يمشون على وجوههم يوم القيامة
كيف يمشون فقال عليه السلام الذي أمشاهم في الدنيا على
أقدامهم قادر على أن يُمشيهم يوم القيامة على وجوههم ۱
الوجه السابع والعشرون فيه دليل على أن النبي كان مستقلاً
بنفسه في صعوده ولم يحتج إلى من يعينه لأنه عليه السلام
قال انطلقت مع جبريل فأفاد ذلك أنهما صعدا معاً لا يحتاج
أحدهما للآخر ولو قال انطلق بي جبريل لأفاد ذلك أن جبريل
عليه السلام كان حاملاً
له أو معيناً
وهذا أدل دليل على عظيم قدرة الله تعالى وأنه لا يعجزها
شيء - كما تقدم قبل - وعلى كرامة النبي و علو منزلته لأن
الله عزّ وجلّ قد أجرى العادة بأن البشر لا يصعد في الهواء
وأجرى العادة للملائكة بالصعود والنزول بحسب ما شاء لأنهم
خلقوا من جوهر لطيف وخلق البشر من جوهر كثيف فأبقى على
النبي الله صفة البشرية وأعطي حال العالم العلوي حتى صار
مع جبريل عليه السلام كما ذكر بل زاد على ذلك ما هو أعظم
في المعجزة وابهر وهو ركوبه على دابة من دواب الأرض التي
لا استطاعة لها بالصعود كل هذا إكراماً له عليه السلام
وتعظيماً وإظهاراً لقدرة الله تعالى حتى رجع له عليه
السلام ما كان عنده علم يقين - من أن القدرة صالحة لكل شيء
- عين يقين في هذه الأحوال المذكورة فما طلبه أبوه إبراهيم
عليه السلام من الانتقال من علم يقين إلى عين يقين في قوله
أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ
قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَينَ قَلبي اعطي ذلك للنبي صلى
الله عليه وسلم بغير طلب
الوجه الثامن والعشرون فيه دليل على أن للسماوات أبواباً
وعليها بوابين وخداماً وأنه لا يصعد أحد من الملائكة ولا
من غيرهم ممن شاء الله عزّ وجلّ حتى يستأذنهم في الفتح
لأنه عليه السلام أخبر أنهم حين أتوا إلى السماء قرع جبريل
الباب فقيل من هذا فأخبر باسمه واسم من معه وحينئذ فتح له
وفائدة هذا الإيمان بعظيم القدرة وصنعها ما شاءت كيف شاءت
الوجه التاسع والعشرون سؤال الملائكة عليهم السلام لجبريل
عليه السلام بقولهم من معك احتمل وجهين
أحدهما أن تكون تلك عادة لهم لا يصعد أحد ولا ينزل حتى
يُسأل هل هو وحده أو مع
۱ رواه الشيخان عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم سُئِل كيف يُحشر الكافر على وجهه قال أليس الذي
أمشاه على رجليه في الدنيا قادر على أن يُمشيه على وجهه
يوم القيامة وفي الباب رواية مشابهة للترمذي رقم ٣١٤٢
والإمام أحمد ٣٥٤/٢ و ٣٦٣
سورة البقرة من الاية ٢٦٠
غيره وإن كان جبريل عليه السلام هو الأمين لكن اقتضت
الحكمة أنه لا ينفذ هو وغيره إلا يعلمهم وسؤالهم تمشية
للحكمة وإظهاراً للقدرة
الثاني أن يكون سؤالهم له لما رأوا حين إقباله عليهم من
زيادة الأنوار وغيرها من المآثر الحسان زيادة على ما
يعهدونه منه فكان لهم ذلك دليلا على أن معه غيره فسألوه
عنه وهذا هو الأظهر بدليل قولهم من معك ولو كان لغير زيادة
رأوها لكان الاستفهام بأن يقولوا أمعك أحد فلما جاءت
الصيغة بقولهم من معك دل ذلك على أنهم سألوا من الشخص الذي
من أجله هذه الزيادة التي معك فأخبرهم بما أرادوا وهو
تعيين الشخص باسمه حتى عرفوه
الوجه الثلاثون قول جبريل عليه السلام حين سئل من معك فقال
محمد فيه دليل على أن الأسماء أرفع من الكنى لأنه أخبر
باسمه ولم يخبر بكنيته وهو عليه السلام مشهور في العالمين
العلوي والسفلي ولو كانت الكنية أرفع من الاسم لأخبر
بكنيته
الوجه الحادي والثلاثون استفهام الملائكة بقولهم أوقد
أُرسل إليه فيه دليل على أن أهل العالم العلوي يعرفون
رسالته عليه السلام ومكانته لأنهم سألوا عن وقتها هل حَلّ
لا عنها ولذلك أجابوا بقولهم مرحباً به ولَنِعْمَ المجيءُ
جاء وكلامهم بهذه الصيغة أدل دليل على ما ذكرناه من
معرفتهم بجلال مكانته عليه السلام وتحقيق رسالته ولأن هذا
أجلّ ما يكون من حسن الخطاب والترفيع على المعروف من عادة
العرب وقد قال بعض العلماء في معنى قوله تعالى لقد رأى
مِنْ وَايَتِ رَبِّهِ الكبرى ١ إنه رأى صورة ذاته المباركة
في الملكوت فإذا هو عروس
المملكة
الوجه الثاني والثلاثون قول الملائكة مرحباً به ولنعم
المجيء جاء مرحباً أي صادفت رُحْباً وسعة ولنعم المجيء جاء
احتمل وجهين أحدهما أن يكونوا قالوا ذلك لما عاينوا من
بركاته عليه السلام التي سبقته للسماء مبشرة بقدومه وهي
الأنوار وما أشبهها الثاني أن يكونوا قالوا ذلك لما عاينوا
له من الخير العظيم المدَّخر له هناك لوقته هذا وقد يحتمل
الوجهين معاً
الوجه الثالث والثلاثون قوله عليه السلام فأتيت على آدم
فسلمت عليه فيه دليل على أن السنة في السلام أن يبدأ به
المار على القاعد لأنه لما أن كان النبي ليل الامور العالى
ادم عليه السلام
ابتدأه بالسلام
۱ سورة النجم الآية ١٨ كذا والوجه أن يقول صادف
۹۷۳
الوجه الرابع والثلاثون فيه دليل على أنه لا يجوز في رد
السلام غير الصيغة المشروعة لأنه لم يقل له آدم عليه
السلام مرحباً إلا بعد ردّ السلام عليه على ما جاء في
رواية أخرى قال فيها فرد ثم قال مرحبا
الوجه الخامس والثلاثون قول آدم عليه السلام مرحباً بك من
ابن ونبي هل هذا اللفظ من آدم عليه السلام تأنيس للنبي لا
لا لا لولا أن الغريب أشدُّ أنسه ۱ في غربته بلقاء الأبوة
أو ذلك سرور منه بقرة عينه به احتمل الوجهين معاً
أما في حق آدم عليه السلام فظاهر لأن المرء أبداً يفرح
بزيارة ابنه عليه فإنه له ومنه في الحقيقة ولهذا قال تعالى
﴿ ابَاؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ
أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا قال بعض المفسرين في معناه لا
تدرون من يكون يوم القيامة أعلى درجة عند الله تعالى فيشفع
في صاحبه حتى يبلغه معه وهذه خصوصية بين الآباء والأبناء
لا توجد في غيرهم فترفيع أحدهما ترفيع للآخر وقد حصل لآدم
عليه السلام من هذا أوفر نصيب لأنه يكون يوم القيامة في
أحد ركابي النبي صلى الله عليه وسلم حين إعطائه لواء الحمد
وإبراهيم عليه السلام يكون في الركاب الآخر فحصل لآدم
وإبراهيم عليهما السلام اللذين هما الأبوان خصوصية في أوفر
حظ في هذه المنزلة ما لم يكن لغيرهما من الأنبياء عليهم
السلام
وأما في حق النبي صلى الله عليه وسلم فلأن الأبوة تقتضي
الإدلال عليها فكان ذلك تأنيساً للنبي صلى الله عليه وسلم
الوجه السادس والثلاثون قوله عليه السلام فأتينا السماء
الثانية إلى قوله فأتيت عيسى ويحيى فسلمت فقالا مرحباً بك
من أخ ونبي الكلام على الصعود إلى السماء الثانية
واستفتاحها وقول الملائكة مرحباً كالكلام على السماء
الأولى وقد مر وبقي الكلام هنا في قول عيسى ويحيى له
مرحباً بك من أخ ونبي وإنما قالا له ذلك لأن الأنبياء
عليهم السلام كالإخوة كما أخبر عليه السلام حيث قال لا
تفضلوا الأنبياء بعضهم على بعض نحن جميع الأنبياء أولاد
علات ۳ وأولاد علات في لغة العرب أن يكون الأب واحداً
والأمهات مختلفة فنسبة الأب هنا - أعني بين الأنبياء عليهم
السلام - هو اجتماعهم في درجة النبوة ونسبة الأمهات بينهم
هو
اختلافهم في رفع المنازل واختلاف الشرائع
۱ يعني
انسه اشد
سورة النساء من الآية ۱۱
۳ رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ لا تفضلوا
بين أنبياء الله الخ وفي رواية أخرى لهما بلفظ أنا أولى
الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والاخرة ليس بيني وبينه
نبي والأنبياء أولاد علات أمهاتهم شتى
ودينهم واحد
٩٧٤
الوجه السابع والثلاثون قوله عليه السلام فأتينا السماء
الثالثة إلى قوله فأتيت على السماء السادسة الكلام على ذلك
كله كالكلام على السماء الأولى والثانية
وبقي هنا بحث في قوله عليه السلام على السماء معناه إلى
السماء السادسة لأنه معلوم أنهم كانوا صاعدين إليها ولا
تكون على هنا على بابها إلا أن لو كانا نازلين من السماء
السابعة فلما أن كانا صاعدين كانت على بمعنى إلى بالضرورة
وهو سائغ في السنة العرب و مستعمل عندهم كثيراً فعلى هذا
فيكون معنى قوله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ
اسْتَوَى ۱ وقوله تعالى ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ
٢ أي أتى العرش فاستوى إلى العرش فيكون مثل قوله تعالى
ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانُ ﴾ ۳ أي
عمد إلى خلقها وكذلك هنا أي عمد إلى خلق العرش والذي عمد
لذلك هو أمره عزّ وجلّ - كما تقدم في الحديث قبل هذا - أن
أمره عزّ وجلّ هناك بمقتضى حكمته وإرادته فبطل بهذا احتجاج
أهل البدع والعناد إذ إن ما قررناه سائغ في السنة العرب
وهو في كلامهم كثير والقرآن بلغتهم نزل
وإنما ضل من ضل بسبب أنه يأخذ ألفاظ القرآن والحديث
فيتأولها بحسب لغته وفهمه فيضل بالضرورة وإنما ينظر في
القرآن بمقتضى لغة العرب التي بها نزل ولأجل هذا لم يستشكل
أحد قط من الصحابة شيئاً من ألفاظ القرآن ولا الحديث ولا
وقع لهم كلام فيما وقع لمن بعدهم لمعرفتهم بمعناه ومقتضاه
فلا يحتاجون فيه إلى بيان ولا إلى سؤال فلما أن انتقلوا
إلى رحمة ربهم طاهرين قلت معرفة لغتهم عند بعض الناس فلم
يتكلموا بها فدخل الخلل عند ذاك الإشكال على بعضهم وتوهموا
الفساد لعدم المعرفة باللغة العربية فمن تأوَّل القرآن
والحديث بمقتضى لغتهم انتفت عنه تلك التوهمات ورجع القرآن
والحديث عنده كالشيء الواحد بعضه يبين بعضاً وقوله عليه
السلام فأتيت موسى فسلمت عليه فقال مرحباً بك من أخ ونبي
الكلام عليه
كالكلام على الأنبياء قبله وقد مرّ
الوجه الثامن والثلاثون قوله عليه السلام فلما جاوزت موسى
بكى فقيل ما أبكاك قال يا رب هذا الغلام الذي بعث بعدي
يدخل الجنة من أمته أفضل مِمَّا يدخل من أمتي يرد على هذا
الفصل ثلاثة أسئلة الأول أنه يقال لِمَ كان بكاء موسى عليه
السلام الثاني من هو الذي قال
۱ سورة طه من الآية ٥
سورة الأعراف من الآية ٥٤ يونس من الآية الرعد من الآية
الفرقان من الآية ٥٩ السجدة من الاية ٤ الحديد من الآية ٤
۳ سورة فصلت من الاية ۱۱
۹۷۵
له ما أبكاك هل الملائكة أو الخالق عزّ وجلّ الثالث لِمَ
قال موسى عليه السلام هذا الغلام ولم يقل غير ذلك من
الصَّيَخ
والجواب عن الأول أن الأنبياء عليهم السلام قد جعل الله
تعالى في قلوبهم الرحمة والرأفة لأممهم وركّبهم على ذلك
وقد بكى النبي الله فسئل عن بكائه فقال هذه رحمة جعلها
الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ۱
والأنبياء عليهم السلام قد أخذوا من رحمة الله عزّ وجلّ
أوفر نصيب فكانت الرحمة في قلوبهم لعباد الله أكثر من
غيرهم فلأجل ما كان لموسى عليه السلام من الرحمة واللطف
بكى إذ ذاك رحمة منه لأمته لأن هذا وقت إفضال وجود وكرم
فرجا لعل أن يكون وقت القبول والإفضال فيرحم الله تعالى
أمته ببركة هذه الساعة فإن قال قائل كيف يكون هذا وأمته لا
تخلو من قسمين قسم مات على الإيمان وقسم مات على الكفر
فالذي مات على الإيمان لا بد له من دخول الجنة والذي مات
على الكفر لا يدخل الجنة أبداً فبكاؤه لأجل ما ذكرتم لا
يسوغ إذ إن الحكم فيهم قد مر ونفذ
قيل له وذلك أن الله عزّ وجلّ قدَرُه على قسمين بما شاء
فقدَر قدره وقدَّر أن ينفذ على كل حال من الأحوال وقدَر
قدّره وقدّر ألا ينفذ ويكون دفعه بسبب دعاء أو صدقة أو غير
ذلك ومثال ذلك دعاء النبي الله بالثلاث دعوات لأمته وهي
ألا يُظهِر عليهم عدواً من غيرهم وألا صلى الله عليه وسلم
يُهلكهم بالسنين فأعطيهما ودعا ألا يجعل بأسهم بينهم
فمنعها فاستجيب له عليه السلام في الاثنتين ولم يستجب له
في الثالثة ٢ وقيل له هذا أمر قد قدَّرتُه أي أنفذته فكانت
الاثنتان من القدر الذي قدره الله عزّ وجلّ وقدر ألا ينفذ
بسبب الدعاء وكانت الدعوة الثالثة من القدر الذي قدره عزّ
وجلّ وقدّر إنفاذه على كل الأحوال لا يرده راد وسيأتي لهذا
زيادة إيضاح في الكلام على اخر الحديث في فرض الصلاة خمسين
فلأجل ما ركب موسى عليه السلام من اللطف والرحمة بالأمة
طمع لعل أن يكون ما اتفق لأمته من القدر الذي قدره الله
عزّ وجلّ وقدر ألا ينفذ بسبب الدعاء والتضرع إليه وهذا وقت
۱ رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أسامة بن زيد رضي
الله عنه ولفظه أمرني رسول الله فأتيته بابنة زينب ونفسها
تقعقع كأنها في شنّ فقال رسول الله الله لله ما أخذ وله ما
أبقى وكلُّ إلى أجل قال فدمعت عيناه فقال له سعد بن عبادة
يا رسول الله أترق أولم تَنهَ عن البكاء فقال رسول الله
إنما هي رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من
عباده الرحماء هذا معنى لحديث رواه الإمام أحمد والطبراني
عن أبي بصرة الغفاري أن النبي الله قال سألت ربي فأعطاني
ثلاثاً ومنعني واحدة سألته الا يجمع أمتي على ضلالة
فأعطانيها وسألته ألا يُهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم
قبلهم فأعطانيها وسألته الا يُظهر عليهم عدوا من غيرهم
فأعطانيها وسألته ألا يُلْبِسَهم شِيَعاً ولا يُذيقَ
بعضُهم بأس بعض فمنعنيها
أربعاً
٩٧٦
يرجى فيه التعطف والإحسان من الله تعالى لأنه وقت أسري فيه
بالحبيب ليخلع عليه خلع القرب والفضل العميم فطمع الكليم
لعل أن يلحق لأمته نصيب من ذلك الخير العظيم وقد قال عليه
السلام إن الله نفحات فتعرضوا لنفحات الله ۱ وهذه نفحة من
النفحات فتعرض لها موسى عليه السلام فكان أمر قد قدر
والأسباب لا تؤثر إلا بما سبقت القدرة بأنها فيه تؤثر وما
كان من قضاء
نافذ لا ترده الأسباب فإنه حتم قد لزم كما تقدم في الدعوة
الثالثة من دعوات النبي لأمته ومثل هذا ما حكى الله عزّ
وجلّ في كتابه عن عيسى عليه السلام حيث يقول يوم القيامة
إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ
لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وعيسى عليه
السلام عالم بكفرهم إذ إنهم جعلوا الله ولداً وجعلوا الله
صاحبة وعالم بأن الكفار لا مدخل لهم في المغفرة لكن قال
ذلك رجاء لعل أن يكون ذلك من القدر الذي قدره الله تعالى
وقدر ألا ينفذ فكان من القدر الذي قدره الله تعالى
وقَدَّرَ إنفاذه على كل حال فقال عزّ وجلّ عند ذلك و هَذَا
يَوْمُ يَنفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ أي الأمر كذلك لكن
سبقت إرادتي وحكمتي ونفذ قضائي بأني لا أرحم اليوم إلا
الصادقين دون غيرهم فكان بكاء موسى عليه السلام من هذا
القبيل
ولوجه آخر أيضاً وهو البشارة للنبي الله وإدخال السرور
عليه يشهد لذلك بكاؤه حين ولى عنه وقبل أن يبعد منه لكي
يسمعه لأنه لو كان البكاء خاصاً بموسى عليه السلام على
الوجه المتقدم لم يكن ليبكي حتى يبعد عنه النبي الله فلا
يسمع يبعد عنه النبي هلال الهلال فلا يسمع لأن بكاءه
والنبي صلى الله عليه وسلم يسمعه فيه شيء ما من التشويش
عليه فلما أن كان المراد ما يصدر من البشارة له عليه
السلام بسبب البكاء بكي والنبي منه بحيث يسمعه والبشارة
التي يتضمنها البكاء هي قول موسى عليه السلام الذي هو أكثر
الأنبياء أتباعاً أن الذين يدخلون الجنة من أمة محمّد عليه
السلام أكثر مما يدخلها من أمة موسى عليه السلام
فإن قال قائل لو كان بكاؤه عليه السلام لأجل هذا المعنى
لصدر منه حين قدوم النبي عليه قيل له إنما لم يبك إذ ذاك
لأن البكاء سبب للنفور والوحشة والقادم السنّةُ فيه أن
يُبَس إليه ويُكرم فعمل أولاً سنَّةَ القدوم فلما أن انفصل
مجلس البشاشة أعقبه ببكاء البشارة
۱ روى الحكيم الترمذي في النوادر والطبراني في الأوسط عن
محمد بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن
لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها لعل أحدكم يصيبه
منها نفحة فلا يشقى بعدها أبداً
سورة المائدة الآية ۱۱۸ ۳ سورة المائدة من الآية ۱۱۹
۹۷۷
والجواب عن السؤال الثاني وهو هل المتكلم لموسى عليه
السلام المخلوق أو الخالق الظاهر أن ذلك من الله تعالى يدل
على ذلك قوله في الجواب يارب والجواب عن الثالث أن العرب
إنما تطلق على المرء غلاماً إذا كان سيداً فيهم فلأجل ما
في هذا اللفظ من الاختصاص على غيره من الألفاظ بالأفضلية
ذكره موسى عليه السلام ولم يذكر غيره تعظيماً للنبي الله
له ولو ولو أن الغلام عند العرب هو الصغير السن وهو عليه
السلام في عمره سيما في ذلك الوقت بالنسبة إلى أعمار من
تقدمه من الرسل صلوات الله عليهم أجمعين صغير السن ومع ذلك
تقدم الجميع ورقي عليهم لما خصه الله به من الرفعة
والتعظيم وما أمده في الباطن و غذاه به من روح قدسه فلاجل
ذلك سماه موسى عليه السلام بهذا الاسم دون غيره والله
أعلم
الوجه التاسع والثلاثون قوله عليه السلام فأتينا السماء
السابعة إلى قوله مرحباً بك من ابن ونبي الكلام عليه
كالكلام على ادم عليه السلام
وبقي هنا سؤال وهو أن يُقال لم كان هؤلاء الأنبياء عليهم
السلام في السماوات دون غيرهم من الأنبياء عليهم السلام
ولم كان كل واحد منهم في سماء تخصه دون غيره ولم كان في
السماء الثانية نبيّان وفي غيرهما واحد
والجواب عنه أنه لا يخلو أن يكون ذلك من الله تعبّداً أو
لمعنى ظاهر ومعنى تعبد أنه لا يفهم البشر له حكمة وأما
الفعل في نفسه فهو لحكمة لا بدَّ منها فيه والله عزّ وجلَّ
يعلمها ومن شاء أطلعه عليها وإن كان ذلك لمعنى ظاهر وهي
الحكمة المفهومة من ذلك الترتيب فما هي فنقول وجه الحكمة
فيه - والله أعلم - أنه إنما كان آدم عليه السلام في
السماء الدنيا لأنه أول الأنبياء وأول الآباء وهو الأصل
ومنه تفرع من بَعدَه من الأنبياء وغيرهم فكان أولاً في
سماء الدنيا لأجل هذا المعنى ولأجل تأنيس النبوة بالأبوة
كما ذكرنا في الغربة 1
وأما عيسى عليه السلام فإنما كان في السماء الثانية لأنه
أقرب الأنبياء إلى النبي لله ولا اتحت شريعة عيسى عليه
السلام إلا بشريعة محمّد عليه السلام ولأنه ينزل في آخر
الزمان لأمة النبي بشريعته ويحكم بها ولهذا قال عليه
السلام أنا أولى الناس بعيسى فكان في السماء
1 يشير المؤلف إلى ما جاء في الوجه الخامس والثلاثين من
أنس الأبوة بالنبوة ويقصد أنسَ ادم عليه السلام بالنبي وقد
تكون إشارة المؤلف تمهيدا لما سيورده بعد قليل من أنس
النبي الا الله بأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام
حيث التقيا في السماء السابعة تقدم تخريجه قبل قليل
۹۷۸
الثانية لأجل هذا المعنى وإنما كان يحيى عليه السلام معه
هناك لأنه ابن خالته وهما كالشيء الواحد فلأجل التزام
أحدهما بالآخر كانا هناك معاً
وإنما كان يوسف عليه السلام في السماء الثالثة لأنَّ على
حسنه تدخل أمة النبي الا الله الجنة ۱ فأُرِي له هناك لكي
يكون ذلك بشارة له عليه السلام فيُسَر بذلك وإنما كان
إدريس عليه السلام في السماء الرابعة لأنه هناك توفي ولم
تكن له تربة في الأرض على ما ذكر ٢
وإنما كان هارون عليه السلام في السماء الخامسة لأنه ملازم
لموسى عليه السلام لأجل أنه أخوه وخليفته في قومه فكان
هناك لأجل هذا المعنى وإنما لم يكن مع موسى عليه السلام في
السماء السادسة لأن لموسى مزية وحرمة وهو كونه الكليم
واختص بأشياء لم تكن لهارون عليه السلام فلأجل هذا المعنى
لم يكن معه في السماء السادسة ولأجل المعنى الأول كان في
السماء الخامسة ولم يكن فيما دونها أو في الأرض
وإنما كان موسى عليه السلام في السماء السادسة لأجل ما
اختص به من الفضائل ولأنه الكليم وهو أكثر الأنبياء
أتباعاً بعد النبي لا ل ا ل فكان فوق من ذكر لأجل ما اختص
به من الفضائل وإنما كان إبراهيم عليه السلام في السماء
السابعة لأنه الخليل والأب الأخير ولأن النبي يصعد من هناك
إلى عالم آخر غير ما هو فيه الآن وهو اختراق الحجب فيحتاج
إذ ذاك أن يتجدد له أنس أيضاً لأن الغربة زادت إذ ذاك فكان
إبراهيم عليه السلام هناك لأجل ما يجد النبي صلى الله عليه
وسلم من الأنس به وذلك لثلاثة معان لكونه الأب الأخير
ولكونه أباً من طرفين بالنسب في الأبوة وبالاتباع في الملة
كما قال تعالى مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمُ ۳ ولأنه
الخليل كما تقدم ولا إلى أحد أفضل من الخليل إلا الحبيب
والحبيبها هو ذا قد علا ذلك المقام فكان الخليل فوق الكل
لأجل خلته وفضله وارتفع الحبيب فوق الكل لأجل ما اختص به
مما زاد به عليهم
يدل على ما قررناه الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى
تِلكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ
مِنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ
دَرَجَةٍ ٤ وأما السنة فقوله عليه السلام أنا سيّدُ ولدِ
آدمَ
۱ كأن المعنى تدخل أمة النبي الجنة قبل أمة يوسف عليه
السلام
رفع إدريس عليه السلام وهو حي كعيسى عليه السلام وهو في
قلب السماوات له شأنه العظيم بين الأنبياء ويفيض الشيخ
الأكبر ابن عربي في سرّ موضعه من السماوات
۳ سورة الحج من الآية ۷۸ ٤ سورة البقرة من الآية ٢٥٣
۹۷۹
يوم القيامة ولا فخر ۱ وقوله عليه السلام آدم ومن دونه تحت
لوائي فحصل لهم الكمال والدرجة الرفيعة وهي درجة الرسالة
والنبوة وَرُفِعُوا بعضُهم فوق بعض درجات بمقتضى الحكمة
ترفيعاً للمرفوع دون تنقيص بالمتروك الله عزّ وجلّ أعلم
الوجه الأربعون رؤيته عليه السلام لهؤلاء الأنبياء عليهم
السلام احتملت وجوهاً الأول أن يكون عليه السلام عاين كلَّ
واحد منهم في قبره في الأرض على الصورة التي أخبر بها من
الموضع الذي ذكر أنه عاينه فيه فيكون الله عزّ وجلّ قد
أعطاه من القوة في البصر والبصيرة بما أدرك ذلك يشهد لهذا
الوجه قوله عليه السلام رأيت الجنة والنار في عُرْضِ هذا
الحائط وهو محتمل لوجهين أحدهما أن يكون عليه السلام راهما
في ذلك الموضع كما يقال رأيت الهلال في منزلي من الطاق
والمراد من موضع الطاق الوجه الثاني أن يكون مثل له
صورتهما في عُرْض الحائط والقدرة صالحة لكليهما
الثاني أن يكون عليه السلام عاين أرواحهم هناك في صورتهم
الثالث أن يكون الله عزّ وجلّ لما أن أراد إسراء نبيه عليه
السلام رفعهم في قبورهم لتلك المواضع إكراماً لنبيه عليه
السلام وتعظيماً حتى يحصل له من قبلهم ما أشرنا إليه من
الأنس والبشارة وغير ذلك مما لم نشر إليه ولا نعلمه نحن
وإظهاراً له عليه السلام للقدرة التي لا يغلبها شيء ولا
تعجز عن شيء وكل هذه الوجوه محتملة ولا ترجيح لأحدها على
الآخر إذ إن القدرة صالحة لكل منها ولكلها معاً
الوجه الحادي والأربعون فيه دليل لأهل الصوفة حيث يقولون
بأن الأعلى يكاشف من دونه في المقامات ولا يكاشفونه في
مقامه الخاص لأن النبي لما أن كان أعلى الأنبياء عليهم
السلام مقاماً اطلع على مقاماتهم حين صعوده ولم يطلع أحد
منهم على مقامه الخاص
الوجه الثاني والأربعون قوله عليه السلام فرفع إليَّ البيت
المعمور معناه أنه أري له وقد يحتمل أن يكون المراد الرفع
والرؤية معاً لأنه قد يكون بينه وبين البيت عوالم حتى لا
يقدر على إدراكه فرفع إليه وأُمِدَّ في بصره وبصيرته حتى
رآه وقد يحتمل أن تكون تلك العوالم التي كانت بينه وبينه
أزيلت حتى أدركه ببصره وقد يحتمل أن يكون بقي العالم على
حاله والبيت على حاله
۱ رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد رضي
الله عنه وتتمة الحديث وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من
نبي يومئذ ادم فمن سواه إلا تحت لوائي وأنا أول شافع وأول
مشفع ولا فخر رواه البخاري في الفتن بلفظ والذي نفسي بيده
لقد عرضت عليّ الجنة والنار انفاً في عرض هذا الحائط وأنا
أصلي فلم أر كاليوم في الخير والشر
۹۸۰
وأُمِدَّ في بصره وبصيرته حتى أدركه وعاينه والقدرة صالحة
للكل يشهد لذلك قوله عليه السلام
رفع إلي بيت المقدس على ما سيأتي والتأويل فيه كالتأويل في
البيت المعمور
الوجه الثالث والأربعون قوله عليه السلام فسألت جبريل فيه
دليل على أن أهل الفضل وإن تناهوا في السؤدد والرفعة إذا
رأوا شيئاً لا علم لهم به أن يسألوا عنه من يعلم ذلك وليس
ذلك مما يخل بمنصبهم لأن النبي الله في الفضل والسؤدد حيث
قد علم وفي هذا الحال قد كان تناهى ارتقاؤه حيث أخبر لكن
لما أن رأى شيئاً لا علم له به ووجد من سأل عنه سأله
الوجه الرابع والأربعون قوله هذا البيت المعمور يصلي فيه
كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا آخر ما عليهم
فيه دليل على عظيم قدرة الله تعالى وأنه لا يعجزها شيء لأن
هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم هذا العدد العظيم منذ
خلق الله تعالى الخلق إلى الأبد ثم طائفة هذا اليوم لا
ترجع إليه أبداً ومع أنه قد روي أنه ليس في السماوات ولا
في الأرض موضع شبر - وقيل قدر أربعة أصابع - إلا ومَلَكٌ
واضع جبهته هناك ساجد ۱ ثم البحار ما من قطرة إلا وبها ملك
موكل بها فإذا كانت السماوات والأرض والبحار هكذا فهؤلاء
الملائكة الذين يدخلون أين يذهبون هذا من عظيم القدرة التي
لا يشبهها شيء ولا تتوقف عن شيء
الوجه الخامس والأربعون فيه دليل على أن الملائكة أكثر
المخلوقات لأنه إذا كان سبعون ألف ملك كل يوم يصلّون في
البيت - على ما تقدم ذكره - لم لا يعودون آخر ما عليهم مع
أن الملائكة في السماوات والأرض والبحار - على ما تقدم
ذكره - فهم على هذا الظاهر أكثر المخلوقات وقد روي أن الله
مَلَكاً له خَلْق عظيم يطول وصفه يَعْتَسِل كل يوم ثم
ينتفض في ريشه فكل قطرة تقطر منه يخلق الله عزّ وجلّ منها
مَلَكاً وقد روي أن ثَمّ ملائكة يسبحون الله عزّ وجلّ
فيخلق الله تعالى بكل تسبيحة مَلَكاً هذا عدا الملائكة
التي خُلِقت للتعبّد وعدا الملائكة الموكلين بالنبات
والأرزاق والحَفَظة وقد روي أن ما لله تعالى من المخلوقات
من حيوانات وغيرها - عدا بني آدم الذين لهم الحفظة - إلا
ومعه مَلَكان أحدهما يهديه إلى رزقه والآخر إلى مصالحه
فكانوا أكثر المخلوقات بمقتضى هذه الظواهر
۱ رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وصححه الحاكم عن
أبي ذر رضي الله عنه بلفظ إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا
تسمعون أطّت السماء وحق لها أن تنط ما فيها موضع أربع
أصابع إلا ومَلَك واضع جبهته الله تعالى ساجداً والله لو
تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم
بالنساء على الفراش ولخرجتم إلى الصَّعدات تجأرون إلى الله
عزّ وجلّ
۹۸۱
الوجه السادس والأربعون فيه دليل على أن الصلاة أفضل
العبادات إذ إنها اشترك فيها أهل العالمين العلوي والسفلي
أعني أنهم مأمورون بجنسها
الوجه السابع والأربعون فيه دليل على استغناء الله تعالى
عن خلقه وأنه لا تنفعه طاعة الطائع ولا تضره مخالفة
المخالف لأنه عزّ وجلّ خلق هذا الخلق العظيم ووكل بعضهم
بحفظ منافع بعض ووكل بعضهم بفعل أشياء وإتقانها والكل ليس
بيدهم في ذلك شيء ولا لهم على ما يفعلون قدرة بل قدرة الله
عزّ وجلّ هي الحافظة لكل ذلك والمصلحة له وإنما ذلك من
الله تعبد يتعبد به مِن خلقه مَن شاء كيف شاء بما شاء
ثم إنه عزّ وجلّ خلق الخلق وقسمهم على أقسام فقوم خلقهم
للسعادة لا غير واختصهم بعبادته وجعل العبادة لهم قوتاً
وعيشاً ويسرها عليهم وأجراها لهم كمِثل النَّفَسِ لبني آدم
وهم الملائكة وقوم خلقهم للشقاوة والطرد والبعد وجعلهم
أهلاً للشر وأسبابه وهم الشياطين وقوم خلقهم وأدارهم بين
هذين القسمين شقي وسعيد وجعل لهم الثواب على الطاعات
والعقاب على المخالفات وهم بنو آدم والجن ثم قسم بني ادم
والجن على أقسام فمنهم القسمان المتقدمان وخلق منهم فيتوب
عليهم لقوله عليه السلام لو لم تذنبوا لأتى الله بقوم
يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم ۱ وخلق منهم قوماً يعصون فلا
يغفر لهم ولا حيلة لهم في السعادة بعدها للمقدور الذي سبق
عليهم وخلق منهم قوماً فيهم نصيب للعذاب ونصيب للرحمة
طائفة يعصون
فلو كان عزّ وجلّ تنفعه طاعة الطائع لخلق الكلّ للطاعة ولو
كانت تضره معصية العاصي لم يكن ليعفو عمن عصاه والعاقبه
على كل حال ولأجل هذه المعاني التي أشرنا إلى شيء منها قال
عليه السلام تفكر ساعة خير من عبادة سنة ۳ وفي رواية خير
من عبادة الدهر لأنه إذا تفكر المرء في شيء من هذه القدرة
العظمى والحكمة الكبرى بان له الحق واتضح فأذعن عند ذلك
الله وسلم له في مقدوره وازداد بذلك محبة في التعبد لمن له
هذا الملك العظيم إذ بالعبادة يتقرب إليه فأنس عند ذلك بها
واستوحش من ضدها وأنس بالخلوة عن الخلق لأجل فراغه للتعبد
والنظر فيما أشرنا إليه واستوحش عند المخالطة لذهاب ذلك
الوصف عنه
ولهذا المعنى لما أن دخل بعضهم على بعض الفضلاء من أهل
الصوفة وجده وحده فسأله
۱ رواه الإمام أحمد ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ
والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء
بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم تقدم تخريجه في الحديث ۱
۹۸
وحدك قال رضي الله عنه الآن أنا وحدي يعني ا كان في خلوته
مشتغلاً بشيء مما أشرنا إليه إما من تعبد أو فكرة فأنس ذلك
مع ربه ثم لما أن جاءه ذهب ذلك عنه وهو يجد بذلك الوحشة
فكان وحده لأجل هذا المعنى
ولهذا المعنى قال بعض الفضلاء أوصيك بأن تديم النظر في
مرآة الفكرة مع الخلوة فهناك
يبين لك الحق
والتفكر في معاني هذا الحديث يزيد في الإيمان أضعاف أضعافه
إذا رزق صاحبه التوفيق وإنما تكلمنا على هذا المعنى إشارة
ليتنبه الطالب والمريد لما عدا تلك المعاني التي أشرنا
إليها لعلها تكون له سلماً وسبباً إلى الارتقاء والفهم
فيما عداها الوجه الثامن والأربعون قوله عليه السلام ورفعت
إليَّ سدرة المنتهى الكلام عليه كالكلام على قوله ورفع
إليَّ البيت المعمور وقد مر وإنما سميت بهذا الاسم لأن
إليها تنتهي هناك ينزل الأمر وتتلقى الأحكام وعندها تقف
الحفظة وغيرهم ولا يتعدونها فكانت
ومن
الأعمال
منتهى لأن إليها ينتهي ما يصعد من السفل وما ينزل من
العالم العلوي من أمر العلي القدير الوجه التاسع والأربعون
قوله عليه السلام فإذا نَبْقُها كأنه قِلال هَجَر وورقها
كأنه آذان الفيلة النَّبق هو الثمرة التي تثمرها هذه
الشجرة وقدرها قدر قُلَّة هَجَر وقُلَّة هَجَر أكبر أواني
أهل الأرض من جنسها على ما كان أهل الحجاز يعهدون وإنما
شبه عليه السلام نَبْقها بالقِلال وورقها بآذان الفيلة
لأنه ليس في الدنيا ما يُشبِهُهُما من جنسها فأشار إلى ذلك
ليُعلم قدرُها وأما
حسنها فلا يتوصل إليه إلا من أطلعه الله عزّ وجلّ عليها أو
يراها في الآخرة إن شاء الله تعالى الوجه الخمسون قوله
عليه السلام في أصلها أربعة أنهار نهران باطنان ونهران
ظاهران هذا اللفظ يحتمل أن يكون على الحقيقة ويحتمل أن
يكون من باب تسمية الشيء بما قاربه فإن كان على الحقيقة
فتكون هذه الأنهار تنبع من أصل الشجرة نفسها فتكون الشجرة
حلوة الثمر وأصلها ينبع منه الماء والقدرة لا تعجز عن هذا
ولا عن شيء ممكن مهما كان وإن كان من باب تسمية الشيء بما
قاربه فتكون الأنهار تنبع قريباً من أصل الشجرة
ثم بقي احتمال هل الشجرة مغروسة في شيء أم لا محتمل
للوجهين معاً لأن القدرة صالحة لكليهما فكما جعل عزّ وجلّ
هنا الأرض للشجرة مقراً كذلك يجعل الهواء لتلك مقراً وكما
رجع النبي الا الله و يمشي في الهواء كما كان يمشي في
الأرض وكما كان جبريل عليه السلام جالساً على كرسي بين
السماء والأرض - والقدرة لا تعجز عن هذا كله ولا عن أمثاله
وأمثال أمثاله إلى ما لا نهاية له - ولأن بالقدرة استقرت
الأرض وتمهدت مع أنها على الماء لأن الأرض
۹۸۳
بما فيها على الماء ـ على ما جاءت به الأخبار - فإمساكها
بمن يمشي عليها أعظم في القدرة من إمساكها وحدها ومن إمساك
المخلوقات دونها وإنما يتعاظم هذا لكون الله عزّ وجلّ أجرى
العادة بالمشي على الأرض والاستقرار عليها ولم يُجرِ ذلك
في الهواء والقدرة ليست مرتبطة بالعادة الجارية ولو شاء
عزّ وجلّ أن يجعل الأمر بالعكس لفعل ولو فعل ذلك لعظم
أيضاً في أعين الناظرين من يمشي على الأرض لأجل العادة
الجارية وقد روي أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود فهي
تجري في مواضع معلومة لا تتعداها من غير شيء يمسكها ولا
يردّها فمن كانت هذه قدرته فكيف يقع الإنكار أن تكون شجرة
في الهواء مع عظيم هذه القدرة ويحتمل أن تكون الشجرة
مغروسة بأرض - وهو الأظهر - بدليل قوله ونهران باطنان ولا
يطلق هذا اللفظ وما أشبهه إلا على ما يفهم والباطن لا بدَّ
له أن يكون سريانه تحت شيء يستره وحينئذ يطلق عليه اسم
الباطن ثم بقي الاحتمال في الأرض إذا قلنا بها هل هي من
تراب الجنة أو هي تورية أو غير ذلك محتمل لكل ذلك
الوجه الحادي والخمسون قوله عليه السلام فسألت جبريل
الكلام عليه كالكلام على سؤاله عليه السلام قبل ذلك
الوجه الثاني والخمسون قوله عليه السلام وأما الباطنان ففي
الجنة وأما الظاهران فالفرات والنيل فيه دليل على أن
الفرات والنيل ليسا من الجنة لأنه عليه السلام أخبر أن
جبريل عليه السلام أخبره أن هذه الأنهار منبعها من سدرة
المنتهى فيروح الباطنان إلى الجنة والفرات والنيل ينزلان
إلى الدنيا وسدرة المنتهى ليست في الجنة حتى يقال إنهما
يخرجان منها بعد نبعهما من الشجرة وهذا معارض لقوله عليه
السلام أربعة أنهار في الأرض من الجنة فذكر الفرات والنيل
وزاد سيحون وجيحون ۱
والجمع بينهما - والله أعلم - أنه قد يكون الفرات والنيل
منبعهما من سدرة المنتهى وإذا نزلا إلى الدنيا يسلكان
أولاً على الجنة فيدخلانها ثم بعد ذلك ينزلان إلى الأرض
وفي المسألة خلاف
ذكره العلماء
وهذا أدل دليل على أن الأشياء لا تؤثر بذواتها وإنما
القدرة هي المؤثرة في كلها إذ إن الأخبار قد وردت بأن من
شرب من ماء الجنة لا يموت ولا يفنى وأنه ليس له فضلة تخرج
على ما
۱ رواه الشيرازي في الألقاب كما في الفتح الكبير عن أبي
هريرة رضي الله عنه وبمعناه في مسند الإمام أحمد وصحيح
مسلم بلفظ سيحان و جيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة
انظر النهاية في الفتن والملاحم ٢٩٧/٢ لابن كثير
٩٨٤
يعهد في دار الدنيا وإنما خروجه رشحان مسك على البدن فجعلت
فيه هذه الخاصية العظمى ثم لما أن شاء الله عزّ وجلّ
بنزوله إلى هذه الدار نزعت منه تلك الخصوصية وأُبْقِيَ
جوهره بحاله وكل الخواص مثله في هذا المعنى إن شاء الله
عزّ وجلّ أبقى لها الخاصية وإن شاء سلبها مع بقاء
جوهرها ليس لذوات الخواص تأثير بل الخاصية خَلَقها والجوهر
خلقه بدليل ما نحن بسبيله الوجه الثالث والخمسون فيه دليل
على أن الباطن أجلّ من الظاهر لأنه لما أن كان الباطنان
أجلَّ جُعِلا في دار البقاء ولما أن كان الظاهران أقلَّ
أُخرجا إلى هذه الدار ولهذا قال عليه السلام إن الله لا
ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم ۱ وإن كانا معاً
مقصودين لكن جلّ المقصود هو الباطن كما قال عليه السلام في
الحج الحج عرفة يريد أن معظم الحج عرفة ولأجل هذا فاق أهل
الصوفة غيرهم لأنهم عملوا على صلاح الباطن فصلح منهم
الباطن والظاهر وأهل
الدنيا عملوا في تعبدهم على صلاح الظاهر ولم يلتفتوا إلى
الباطن ففسد منهم الظاهر والباطن الوجه الرابع والخمسون
قوله عليه السلام ثم فرضت عليَّ خمسون صلاة يرد على هذا
الفصل بحث دقيق وهو لم فرضت الصلاة في هذا الموطن دون
واسطة وغَيرُها من الفرائض لم يكن لها ذلك ومما يندرج في
هذا البحث أيضاً أن الشارع عليه السلام حض عليها ما لم يحض
على غيرها من الفرائض وجعلها فرقاً بين الإيمان والكفر
وقال فيها موضع الصلاة من الدين موضع الرأس من الجسد ۳
وقال فيها وجعلت قرة عيني في الصلاة 4 وقال فيها أرحنا بها
یا بلال إلى غير ذلك من الأحاديث الخاصة عليها
فنقول والله المستعان إنه إن كان ذلك تعبداً فلا بحث وإن
كان لحكمة فعند ذلك يحتاج إلى البيان والأصل - كما قدمنا
غير مرة - أن كل متعبَّد به إنما هو لحكمة ومما يدل على
ذلك قوله تعالى ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُونَ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
٦ وقوله عزّ وجلّ
۱ رواه مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ إن
الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم
وأعمالكم
قطعة
3 3 3
قطعة من حديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وقال
حسن صحيح ورواه النسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن عبد
الرحمن بن يعمر الديلمي ولفظه الحج عرفة من جاء قبل صلاة
الصبح من ليلة جمع فقد تم حجه أيام منى ثلاثة فمن تعجل في
يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ۳ رواه الديلمي
عن ابن عمر رضي الله عنه بلفظ كموضع بدلا من موضع الوارد
عند المؤلف رحمه الله ٤ تقدم تخريجه في الحديث ٦
٥ تقدم تخريجه في الحديثين ٤٢ و ٦٤
٦ سورة الأنعام الاية ٧٥
۹۸۵
في صفة المؤمنين وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا 1 فإذا
كانت السماوات والأرض لم تخلق إلا لحكمة فكذلك كلّ ما فيها
من المخلوقات وما كلفوا فيها من التكليفات كل شيء من ذلك
صادر عن حكمة وليس شيء منها عبثاً لكن ما جهلنا الحكمة فيه
لقلة الفهم قلنا عنه تعبداً أي تعبَّدَنا الله بذلك فعلى
هذا ففرض الصلاة هناك بغير واسطة وتحضيض الشارع عليه
السلام عليها بالأحاديث المذكورة لا بد لذلك كله من حكمة
وإذا كان ذلك لحكمة فنحتاج أن نبحث فيه ونبينه بحسب ما
ييسر الله فيه
فنقول والله المستعان أما قوله عليه السلام وجعلت قرة عيني
في الصلاة وقوله عليه
السلام أرحنا بها يا بلال فالمعنى في ذلك ظاهر من وجوه
الوجه الأول أنه عليه السلام يتذكر بها تلك المراجعات
الجليلة وهي خمسة مواطن كما ذكر في الحديث حين مراجعته
عليه السلام من أول الفرض إلى حين استقراره بين ربه عزّ
وجل وبين موسى عليه السلام
الثاني أنه في تلك الليلة المباركة - أعني ليلة المعراج -
رأى عليه السلام تعبد الملائكة في العالم العلوي فمنهم
قيام لا يلتفتون ومنهم رُكَّعٌ لا ينحرفون ومنهم سُجَّدٌ
لا يرفعون على ما نقل عنه عليه السلام في الحديث الصحيح
فإذا كان يوم القيامة قالوا بأجمعهم سُبّوح قدوس ما
عبدناكَ حقّ عبادتك فجمع الله عزّ وجلّ لنبيه عليه السلام
ولأمته جميع تلك العبادات في ركعة واحدة في أقل زمان وأقرب
فعل وهو قدر اطمئنان الأعضاء على ما نقل عنه عليه السلام
في حديث الأعرابي حيث قال له اركع حتى تطمئِنَّ راكعاً ثم
ارفع حتى تعتدل قائماً ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً
الثالث أنها فرضت أولاً مثقلة ثم خُفِّفت وأبقي الأجرُ على
ما كان عليه
الرابع أن الله عزّ وجلّ جعل فيها جملة من المراتب السنية
لنبيه عليه السلام ولأمته لأنه عزّ وجلّ يقول على لسان
نبيه عليه السلام قسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ۳
بالنظر إلى هذا النص على قسمين وهي بالنظر إلى البحث في
الحديث على خمس مراتب لأن الشارع عليه السلام أخبر أنه إذا
قال العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ يقول
الله حَمِدَني عبدي يقول العبد الرحمن الرحيم يقول الله
أثنى عليَّ عبدي يقول
فهي
۱ سورة ال عمران من الاية ۱۹۱ تقدم تخريجه في الحديث ٦٤
۳ رواه الإمام أحمد ومسلم والأربعة عن أبي هريرة رضي الله
عنه وهو حديث قدسي
٩٨٦
وَلا
العبد ملِكِ يَوْمِ الدِّينِ يقول الله مجدني عبدي يقول
العبد إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يقول الله
هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سال يقول العبد اهْدِنَا
الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ
عَلَيْهِمْ غَيْرِ الضالين ١ يقول الله هؤلاء لعبدي ولعبدي
ما سأل غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِـ فهذه خمس مراتب ثلاث
منها لجانب المولى جل جلاله وحقيقة النفع فيها للعبد إذ إن
الله عزّ وجلّ غنيّ عن عبادة الخلق إياه فهو عزّ وجلّ قد
رفع عبده في ثلاثة مقامات من المراتب السنيّة في هذه
السورة لأن لكل لفظ منها مَقاماً يخصّه وقد ذكر الله عزّ
وجلّ ذلك في كتابه حيث قال الحَمدُونَ وقال الذاكرون وقال
وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وقد جعل
الشارع عليه السلام لكل اسم وصفة مرتبة بحدتها فمن حلف
باسم أو بصفة فعليه كفارة واحدة فإن جمَع في اليمين أسماء
وصفاتٍ كانت عليه كفاراتٌ بعدد الأسماء والصفات أعني إذا
أفرد كل واحد من الأسماء والصفات
فجعل عزّ وجلّ لكل لفظة في كتابه وعلى لسان نبيه عليه
السلام مدحة ومنزلة فلما أن كانت الثلاث الأول كلها ثناء
على الله تعالى جعلها عزّ وجلّ قسماً واحداً فأضافها إلى
نفسه ولما أن كانت الآية الرابعة إقراراً له عزّ وجلّ
بالألوهية وطلباً منه للاستعانة قال هذا بيني وبين عبدي
ولما كان باقيها طلباً للعبد لا غير قال عزّ وجلّ ولعبدي
ما سأل فجعلها عزّ وجلّ أولاً على قسمين بقوله تعالى نصفها
لي ونصفها لعبدي ثم جعلها عند البيان على ثلاث مراتب خاص
به وخاص بالعبد ومشترك بينه وبين العبد
وهي بالتقسيم والنظر إلى البحث خمس كما قدمنا وهذه الخمس
أعني جنس العدد كثيراً ما يتردد في الصلاة على وجوه ومعان
مختلفة
خمس
فمنها أن أفعالها خمس وأقوالها خمس وأحوالها خمس وأسماءها
خمس ومراتبها
فأما الأفعال ففي كل ركعة قيام وركوع وسجدتان وجلوس وأما
الأقوال ففي كل ركعة تكبير وقراءة وتحميد وتعظيم ودعاء
وأما الأحوال ففي كل ركعة تَجَلّ وترفيع ومغفرة وإجابة
وقرب وتدان
۱ سورة الفاتحة الآيات ١ - ٧ سورة المعارج من الآية ٢٦
۹۸۷
وأما الأسماء فكما سماها الشارع عليه السلام ظهر و عصر و
مغرب وعشاء وصبح
وأما المراتب ففرض وسنة واستحباب ونفل وترغيب
أما الأفعال فظاهرة لا تحتاج إلى بيان
وأما الأقوال فالتكبير معلوم عند الإحرام وفي أركان الصلاة
والقراءة مثل قراءة أم القرآن وغيرها على ما ذكر في كتب
الفقه والتعظيم خاص بالركوع لقوله عليه السلام أما الركوع
فعظموا فيه الرب ۱ ونهى عن القراءة فيه والدعاء والتسبيح
مشروع في السجود لقوله عليه السلام حين أنزل عليه سَبِّح
اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فقال اجعلوها في سجودكم ۳ وقوله
عليه السلام أكثروا فيه من الدعاء فقَمِنٌ أن يُستجابَ لكم
أي حقيق يعني في السجود
وأما الأحوال فأولها التجلي وهو عند استفتاح الصلاة مرة
وفي كل ركعة مرة وأما الاستفتاح فمعلوم من الكتاب والسنة
أما الكتاب فقوله تعالى فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ
وَجْهُ اللهِ ﴾ ٤ وأما السنة فقوله عليه السلام إذا دخل
العبد في الصلاة أقبل الله عليه بوجهه فإذا التفت أعرض عنه
٥ وقوله عليه السلام إذا كان أحدكم يصلي فلا يَبصُقْ
قِبَلَ وجهه فإن الله تبارك وتعالى قبلَ وجهه إذا صلّى وفي
رواية فإنما يناجي ربه أو ربه بينه وبين القبلة ٦ ولأجل
هذا التجلي وهذه المناجاة وما
1 رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس
رضي الله عنهما بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا
وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً وساجداً فأما الركوع
فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فإنه
قمِنٌ
أن يُسْتَجابَ لكم سورة الأعلى من الاية ۱
۳ رواه أبو داود وابن ماجه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه
وتمام الحديث لما نزلت ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ
الْعَظِيمِ قال رسول الله و اجعلوها في ركوعكم ولما نزلت
سَبْح اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال اجعلوها في
سجودكم
٤ سورة البقرة من الآية ١١٥
٥ روي ذلك في عدة أحاديث متفقة في المعنى مختلفة في اللفظ
منها ما رواه الإمام أحمد وأبو داود وصححه ابن خزيمة
والحاكم عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي له الا الله قال
لا يزال الله مقبلا على العبد في صلاته ما لم يلتفت فإذا
صرف وجهه انصرف عنه
٦ متفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه بلفظ أن رسول الله
الله ما رأى نخامة في القبلة فشق ذلك عليه حتى رئي في وجهه
فقام فقام فحكه بيده فقال إن أحدكم إذا قام في الصلاة
فإنما يناجي ربه فإن ربه بينه وبين القبلة فلا يبزقن أحدكم
قبل قبلته ولكن عن يساره أو تحت قدمه ثم أخذ طرف ردائه
فبصق فيه ثم ردّ بعضه على بعض فقال أو يفعل هكذا
۹۸۸
أشرنا إليه في الصلاة من المقامات وما يأتي بعده كلام
العلماء رضوان الله عليهم بصيغ مختلفة لعله أن يحصل للمصلي
مما أشرنا إليه شيء فمنها ما قاله الغزالي رحمه الله في
القائم إلى الصلاة عند الإحرام بعد توفية تلك الشروط الخمس
۱ فيها فقال يُمثل الجنةَ عن يمينه والنار عن شماله
والصِّراطَ بين قدميه والله عزّ وجلّ قبالة وَجهِه وقال
غيره بل يُحضر جميعَ العوالم في خاطره ثم يُحضر نفسه أنه
بين يدي خالقها والأقاويل في هذا المعنى متعددة والموطن
الثاني من التجلي الذي هو في كل ركعة هي القراءة لمن قرأ
بصدق وإخلاص
لأنها تجلُّ بالصفة الجليلة والصفة لا تفارق الموصوف
وأما الترفيع ففي كل ركعة مواطن منها الركوع إذا قصد به
الخضوع الله تعالى كما شرع له لأن في ضمن ذلك الترفيع
لقوله عليه السلام من تواضع لله رفعه الله ومنها السجود
لقوله عليه السلام أقرَبُ ما يكون العبد من الله إذا كان
ساجداً وبطنه جائعاً ۳
وأما المغفرة ففي كل ركعة موطنان الأول عند قوله آمين بعد
قوله ﴿ وَلَا الضالين لقوله عليه السلام في ذلك إذا قال
أحدكم آمين وقالت الملائكة في السماء امين فوافقت إحداهما
الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه ٤ والموطن الثاني من
المغفرة قوله ربَّنا ولك الحَمدُ بعد قوله سمع الله لِمَن
حَمِدَه لقوله عليه السلام فيه أيضاً مَن وافَق قوله
قَوْلَ الملائكة غفر له ما تقدَّم من ذنبه وقد مرَّ الكلام
على الموافقة ما هي هل هي في الإخلاص أو في الزمان عند ذكر
الحديث نفسه وهو قوله عليه السلام إذا قال الإمام سَمع
الله لمن حمده
فقولوا اللهم ربَّنا ولك الحمد فإنه من وافق قوله قول
الملائكة غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه ٥ وأما الإجابة ففي
كل ركعة موطنان الأول عند قوله وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾
إلى آخر السورة لقوله عزّ وجلّ ولعبدي ما سأل كما تقدم
والموطن الثاني في السجود لقوله عليه السلام أكثروا فيه من
الدعاء فقَمِنٌ أن يُستجاب لكم كما تقدم وأما القرب
والتداني ففي كل ركعة موطن واحد عند قوله إِيَّاكَ
نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ ﴿
١ كذا وهو جائز باعتبار الجمع مؤنثاً
رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة رضي الله عنه وفي
مسلم وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ۳ رواه مسلم وأبو
داود والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه وليس فيه عبارة
وبطنه جائعاً ٤ رواه البخاري بلفظ إذا قال أحدكم امين
وقالت الملائكة في السماء امين فوافقت إحداهما الأخرى غفر
له ما
تقدم من ذنبه
٥ متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
۹۸۹
ن ﴾ لقوله عزّ وجلّ فهذه بيني وبين عبدي فسوّى عزّ وجلّ
بينه وبين عبده دون
ترفيع لذاته الجليلة وهذا هو غاية التداني والقرب من طريق
المنّ والإفضال
ولا يتوهم متوهم أن ما ذكرناه هنا معارض لما قدمناه من
قوله عليه السلام أقرب ما يكون العبد من الله إذا كان
ساجداً وبطنه جائعاً لأن بينهما فرقاً وهو أن ما أخبر به
عليه السلام مما تقدم حال أوصاف العبودية لأن العبد لا
يقدر على أكثر من هذا الحال وهو أن يجيع بطنه ويمرغ وجهه
في التراب تذللاً لمولاه وأما القرب والتداني فهو فيض
الربوبية وفيض الربوبية ليست۱
من كسب العبودية حتى يوصف العبد بها فتلك ٢
خاصة بكسب العبد فيمدح عليها ويذم وهذه خاصة بفيض الربوبية
لا مِدْحَةَ للعبد فيها ولهذا المعنى الذي أشرنا إليه -
أعني في هذه الخمس مراتب التي ذكرناها في أم القرآن وما
تضمنته من درر العلوم الثاقبة ـ قال علي رضي الله عنه لو
شئتُ أن أُوقر ۳ سبعين بعيراً من تفسير أم القرآن لفعلت
واغترافها من السورة يظهر في هذه الخمسة كنوز التي أشرنا
إليها
بيان ذلك أنه إذا قال الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ يحتاج أن يُبَيِّن ٤ معنى الحمد وما يتعلق
به والاسم الجليل الذي هو الله وما يليق به من التنزيه ثم
يحتاج إلى بيان العالم وكيفيته على أنواعه وأعداده وقد قال
عليه السلام إن الله سبعة عشَرَ َألفَ عالَم السمواتُ
السبعُ
جميع
والأرضون السبعُ وما فيهن عالم واحد وقد أخبر عليه السلام
أن في هذه الأرض ألف عالَم
أربعمائة في البر وستمائة في البحر فيحتاج إلى بيان ما
أشرنا إليه كله إذ اللفظ يحوي ذلك كله
فإذا قال الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يحتاج أيضاً أن يبين هذين
الاسمين الجليلين وما يليق ﴿ بهما من الجلال وما معناهما
ثم يحتاج في ضمن هذا البيان إلى بيان جميع الأسماء والصفات
ثم يحتاج إلى بيان الحكمة في اختصاص هذا الموضع بهذين
الاسمين الجليلين دون غيرهما من الأسماء وسنذكر طرفاً من
هذه الحكمة بعد إن شاء الله تعالى
فإذا قال مثلِكِ يَوْمِ الدِّينِ يحتاج إلى بيان ذلك اليوم
وما فيه من المواطن والأهوال وكيفية ذلك العالم وما يخص
لكل عالم فيه وأين مستقره
1 أعاد على فيض ضمير المؤنث لأنه أضيف إلى الربوبية فاكتسب
منها التأنيث ٢ أي حال أوصاف العبودية في الحديث الشريف
۳ أوقر أحمل
٤ أي يفسر
۹۹۰
فإذا قال إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يحتاج
إلى بيان المعبودِ وجلاله والعبادة
وكيفيتها وصفاتها وادابها على جميع أنواعها والعابد وصفته
والاستعانة وادابها وكيفيتها فإذا قال اهْدِنَا الصِّرَاطَ
الْمُسْتَقِيمَ إلى آخر السورة يحتاج إلى بيان الهداية ما
هي والصراط المستقيم وأضداده ما هي ويبين المغضوب عليهم
والضالين وصفاتهم وما يتعلق بهذا النوع ويبين المرضي عنهم
وصفاتهم وطريقتهم
فعلى ما أبديناه من هذه الوجوه يكون ما قاله الإمام علي
رضي الله عنه أو يزيد عليه وبما أشرنا إليه يَبينُ معنى
قوله عليه السلام في التارك لأم القرآن في صلاته فهي خداج
فهي خداج فهي خداج أي غير تمام لأن من فاتته تلك المراتب
السنية التي أشرنا إليها فحقيق أن يكون
عمله غير تمام وأما المراتب فهي على مذهب مالك رحمه الله
ومن تبعه من العلماء خمس فرض وهي الخمس وسنة وهي الوتر
والعيدان والاستسقاء وكسوف الشمس وما أشبه ذلك وفضائل وهي
قيام رمضان وتحية المسجد وخسوف القمر ومختلف فيه هل هو سنة
أو مستحب وهي ركعتا الفجر ومتفق عليه أنه نافلة وهو ركعتا
الضحى والركوع قبل صلاة الظهر وبعدها وقبل العصر وبعد
المغرب وبعد العشاء ۳
ثم نرجع الآن إلى بيان كون الشارع عليه السلام جعلها فرقاً
بين الإسلام والكفر ومعنى
ذلك ظاهر من وجوه
الأول أن ذلك تنبيه للأمة على تعظيم هذا الشعار أكثر من
غيره من الشعائر لأن ما فرض في ذلك المحل الجليل 4 بغير
واسطة أفضل مما فرض في هذا المحل ٥ بالواسطة
الثاني أنها صلة بين العبد وربه لأن اسمها مشتق من الصلة
فمن كان لا يقبل هذه الصلة مع ما يعود عليه فيها من حسن
العائد ولا يعظم منها ما عظم الله عزّ وجلّ فجدير أن تجعل
حداً
1 رواه الإمام أحمد وابن ماجه وابن أبي شيبة والبيهقي عن
السيدة عائشة رضي الله عنها
٢ أي الركعتان قبل ركعتي الفرض
۳ هذا على مذهب الإمام مالك
٤ يعني سدرة المنتهى
0
يعني الدنيا
۹۹۱
بين الإسلام والكفر ۱ لأنها أول فرض فُرِض على من ادعى
الإسلام فإذا لم يُوفِ ما فرض عليه منها فيكون شبيهاً
بالارتداد عما ادعى من الاستسلام والانقياد ولهذا المعنى
قال عمر رضي الله عنه فمن ضيعها فهو لما سواها أضيع يعني
الصلاة الثالث أن فيها من الترفيع للنبي والتأنيس ما ليس
في غيرها وأمته يندرجون معه في ذلك فأما الترفيع فلكونه
عليه السلام خُص بالارتقاء لتلك المنزلة العليا لفرض
الصلاة هناك عليه السلام بغير واسطة وذلك لم يُفعل مع غيره
من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ثم ترداده
عليه السلام خمساً بين ربه عزّ وجلّ وبين موسى عليه السلام
زيادة له في الترفيع كما تقدم وأما التأنيس فلما فيها من
شَبَه الحال وهو ما ذكرناه من الأحوال الخمس
فالتجلّي في الصلاة مقابله التجلي هناك والترفيع مقابله
الترفيع هناك في العالم العلوي وخرق الحجب ورؤية الآيات
العظام والإجابة مقابلها الإجابة هناك وهي قضاء الحاجة في
الشفاعة والمغفرة مقابلها العفو هناك عن خمس وأربعين من
الفرض - وهو الخمسون - وإبقاء أجر الخمسين في الخمس والقرب
والتداني مقابله هناك قاب قوسين أو أدنى مع نفي التكييف
والتحديد ولهذا المعنى قال عليه السلام لا تفضلوني على
يونس بن متى يعني بذلك نفي التكييف والتحديد - على ما قاله
الإمام أبو المعالي ٢ - لأنه قد وجدت الفضيلة بينهما في
عالم الحس لأن النبي صلى الله عليه وسلم سُري به إلى فوق
السبع الطباق ويونس عليه السلام نزل به إلى قعر البحار وقد
قال عليه السلام أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وقال
عليه السلام ادم ومن دونه تحت لوائي وقد اختصّ عليه السلام
بالشفاعة الكبرى التي لم تكن لغيره من الأنبياء عليهم
السلام فهذه الفضيلة قد وجدت بالضرورة فلم يبق أن يكون
قوله عليه السلام لا تفضلوني على يونس بن متى إلا بالنسبة
إلى المسافة
فمحمد عليه السلام وإن سُرِيَ به لفوق السبع الطباق واخترق
الحجب ويونس عليه السلام وإن نزل به لقعر البحار فهما
بالنسبة إلى القرب من الله سبحانه على حد واحد والمراد
بقوله عزّ وجلّ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى أنه لو كان
الله عزّ وجلّ مسافة يُمشى إليه فيها لكان النبي منه بذلك
القرب إشارة منه عزّ وجلّ إلى قرب نبيه عليه السلام
وتشريفه إياه فتحصل من هذا أن ليلة الإسراء كانت خيراً
خاصاً به عليه السلام وفرض الصلاة فيها عليه
1 أي بين إسلامه وكفره و أل نائبة عن ضمير الغائب أبو
المعالي هو عبد الملك بن عبد الله الجُوَيْني وقد تقدمت
ترجمته في الحديث ۳
۹۹
وعلى أمته مشترك بينه وبين أمته وذلك مثل ما كان للخليل
عليه السلام حين ابتلي بذبح ابنه ليُظهر الله عزّ وجلّ
بذلك رفع منزلته في تحقيق الخُلَّة بالرضا والتسليم في ذلك
الأمر العظيم الذي لم يُفعل مع غيره ثم فُدي بالذبح العظيم
وجُعِلت سنة له عليه السلام ولأمة النبي صلى الله عليه
وسلم قِلَّة أَبِيكُمْ إِبْرَهِيم ۱ وقد قال النبي صلى
الله عليه وسلم أمرت بالذبح وهو لكم سنة ٢ فكان الخليل
عليه السلام في كل عيد يتجدد له أجر تلك المحنة بامتثال
هذه السنة
وجدير بمن تشبه بمقام الخُلة في امتثال هذه السنة أن يكون
مسيره عليها إلى الجنة وقد قال عليه السلام تنافسوا في
أثمانها فإنها مطاياكم إلى الجنة ۳ فخص الخليل وحده بتلك
المحنة لعظيم قدره في الخُلة واشترك هو وغيره في المنة
التي هي شَبَه بتلك المحنة فكذلك النبي الالالالا خص بهذه
الرفعة واشترك مع غيره من المؤمنين بالشبه بها من رحمة
ومثل ذلك أيضاً البيت المعمور في السماء والكعبة في الأرض
فالبيت المعمور خاص بالملائكة - وهم أهل العالم العلوي على
ما تقدم في الحديث - حيث قال يصلي فيه كل يوم سبعون ألف
ملك إذا خرجوا لم يعودوا آخِرَ ما عليهم والكعبة مشتركة
بين بني آدم والملائكة لأنه يطوف بها كل سنة عدد معلوم من
بني ادم والملائكة فما نقص من بني ادم من ذلك العدد كمله
الله عزّ وجلّ من الملائكة
ومثل ذلك أيضاً ما جاء عن الملائكة حين قال لهم عزّ وجلّ
إني جاعل في الأرض خليفة فقالت الملائكة أتجعل فيها من
يُفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدّس لكَ فغضب
الله عزّ وجلّ عليهم ثم تداركهم عزّ وجلّ بالعفو والإفضال
فألهمهم إلى الطواف بالعرش فطافوا به أسبوعاً وتابوا
واستغفروا فتاب الله عليهم وغفر لهم ثم أمرهم أن ابنوا في
الأرض بيتاً لبني آدم فيطوفون به فأتوبُ عليهم كما تُبتُ
عليكم وأغفِرُ لهم كما غفرت لكم فما من خير في العالم
العلوي ولا لسيد من السادة الخواص إلا وقد جعل الله عزّ
وجلّ
۱ سورة الحج من الاية ۷۸ للحديث روايات غير ما ذكر الشيخ
ابن أبي جمرة رضي الله عنه منها ما رواه الإمام أحمد عن
ابن عباس رضي الله عنه بلفظ وأمرت بالأضحى ولم تكتب وفي
رواية لأبي يعلى كتب علي النحر ولم يكتب عليكم وفي أخرى
للحاكم ثلاث هنّ عليّ فرائض ولكم تطوّع الأضحى والوتر
وركعتا الفجر
هذا الحديث غير معروف ولا ثابت فيما علمناه قال ابن الصلاح
كما في التلخيص ١٣٨/٤ وقد أشار ابن العربي إليه في شرح
الترمذي بقوله ليس في فضل الأضحية حديث صحيح ومنها قوله
إنها مطاياكم إلى الجنة قال الحافظ في التلخيص أخرجه صاحب
مسند الفردوس عن أبي هريرة رفعه استفر هوا ضحاياكم فإنها
مطاياكم على الصراط وإسناده ضعيف جدا
۹۹۳
شبهاً منه لهذه الأمة ليُجزِل لهم النصيب من تلك النعمة
فكان ذلك تصديقاً لقوله عزّ وجلّ ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ
الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ
۱ لأنه قد ذكر في معنى هذا الموضع أن النبي صلى الله عليه
وسلم أكثر بالدعاء لأمته لما جَبَله الله عليه من الشفقة
والرحمة لهم فأجابه عزّ وجلّ بأن قال يا محمّد وما كنتَ
بجانب الطور إذ نادينا وقد ذكر العلماء أن هذا النداء كان
من الله عزّ وجلّ قبل أن يَخلُقَ الخلق بألفي عام فقال يا
أمة محمد أرحَمُكم قبل أن تسترحموني وأغفر لكم قبل أن
تستغفروني وأعطيكم قبل أن تسألوني فما ذكرناه من النعم
المتقدمة وما أشبهها تضمن ذلك
كله هذا النداء
أوزعنا الله شكر نعمه وأتمها علينا في الدنيا والآخرة بمنه
فعلى ما قدمناه من النعم وما أشرنا إليه من تلك المراتب
السنية فيجتمع في الصلاة المفروضة في اليوم والليلة مع
ركعتي الفجر والوتر من مواطن المغفرة والإجابة والترفيع
والتجلي والقرب والتداني مائتا موطن وتسعة وأربعون موطناً
على التقسيم المتقدم فإن كانت الصلاة في جماعة زادهم خمس
مواطن من أرفع المراتب لقوله عليه السلام يضحك الله لثلاثة
وعدَّ فيهم القوم يصطفون للصلاة ۳ والضحك من الله تعالى
كناية عن ترفيع العبد وإعظام الأجر له لا من قبيل الولوع
والطرب وقد أكد عليه السلام هذا المعنى وبينه بقوله صلاة
الجماعة تفضل صلاة الفذ
بسبع وعشرين درجة 4 ثم يزداد إلى هذه المواطن من مواطن
المغفرة والرحمة في الطهارة ٤
للصلاة أربعة مواطن في كل طهر
أحدها عند إسباغ الوضوء لقوله عليه السلام إذا توضأ العبد
المؤمن فمضمض فاه خرجت الخطايا من فيه فإذا استنثر ٥ خرجت
الخطايا من أنفه فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه
1 سورة القصص من الآية ٤٦
رواه أبو نعيم في دلائل النبوة وأبو نصر السجزي في الإبانة
والديلمي عن عمرو بن عبسة قال سألت النبي الله عن قوله
تعالى وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إذْ نَادَيْنَا
وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ما كان النداء وما كانت
الرحمة قال كتاب كتبه الله قبل أن يخلق الخلق بألفي عام ثم
وضعه على عرشه ثم نادى يا أمة محمد سبقت رحمتي غضبي
أعطيتكم قبل أن تسألوني وغفرت لكم قبل أن تستغفروني فمن
لقيني منكم وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبدي
ورسولي صادقاً أدخلته الجنة ۳ رواه الإمام أحمد وأبو يعلى
والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي سعيد رضي الله عنه
رفعه بلفظ ثلاثة يضحك الله إليهم القوم إذا اصطفوا إلى
الصلاة والقوم إذا اصطفوا لقتال المشركين ورجل يقوم إلى
الصلاة
في جوف الليل
٤ رواه الإمامان مالك وأحمد والشيخان والترمذي والنسائي
وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما 0 استنثر أدخل الماء
في أنفه ثم دفعه ليخرج ما فيه
٩٩٤
حتى
تخرج من تحت أشفار عينيه فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من
يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه فإذا مسح برأسه خرجت
الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه فإذا غسل رجليه
خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه ۱
الثاني قول المتوضىء عند إسباغ وضوئه أشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله لقوله
عليه السلام في قائل ذلك بعد الوضوء فتحت له أبواب الجنة
يدخل من أيها شاء ٢
الثالث عند الخروج إلى المسجد لقوله عليه السلام فإنه يكتب
له بإحدى خطوتيه حسنة وتمحى عنه بالأخرى سيئة يعني في
الخُطا إلى المسجد
الرابع عند الخروج من المسجد والرجوع إلى بيته لأن له في
ذلك من الأجر مثل ما كان له أوّلاً في الخروج وذلك إذا لم
يرد به غير الصلاة ولم يشرك معها غيرها لقوله عليه السلام
لا يريد غير ذلك يعني في الخروج إلى المسجد
فجميع ما ذكرناه من هذه المواطن المباركة مائتا موطن
وأربعة وسبعون موطناً فإن زاد على ذلك من النوافل مثل
ركعتي الضحى فله في كل ركعة مثل ما ذكرنا من أعداد تلك
المراتب السنية في كل ركعة وزيادة صدقة بقدر أعضاء جسده
لقوله عليه السلام كل سُلامَى من الناس عليه صدقة فذكر لهم
أشياء حتى قال ركعتا الضحى تجزىء عنه ٣ فإن بلغها إلى
اثنتي عشرة زاده ۳ على هذه المواطن قصراً في الجنة لقوله
الا الله من صلى الضحى اثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً
في الجنة ٤
فإن زاد على ذلك أربع ركعات قبل الظهر وأربعاً بعدها
وأربعاً قبل العصر وأربعاً قبل العشاء وأربعاً بعدها كان
له في كل ركعة مثل ما تقدم من عدد تلك المواطن الجليلة
وزاد له على ذلك بركة دعاء النبي لا لا ل ا ل ل له بالرحمة
لأنه عليه السلام قال رحم الله امراً صلّى أربعاً قبل أربع
وأربعاً بعد أربع ٥
فإن زاد على ذلك ركعتين بعد المغرب كان له في كل ركعة مثل
ما تقدم ذكره من المواطن
۱ رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم عن عبد
الله الصناب رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه عن عمر رضي
الله عنه
۳ تقدم تخريجه في الحديث ١٤٥
٤ رواه الترمذي وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه
ه رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ابن حبان عن ابن عمر
رضي الله عنهما بلفظ رحم الله امرأ صلى قبل
العصر أربعاً
٩٩٥
العَلِيَّة وزاد على ذلك بركة اتباع السنة فيها لأنه كان
عليه السلام يداوم على فعلها ولتحريض الشارع عليه السلام
أيضاً بالقول عليها لأنه عليه السلام قال أسرعوا بها فإنها
ترفع مع الفريضة ولا يؤكد عليه السلام على ۱ شيء ويحض عليه
بالفعل والقول إلا لعظيم الأجر فيه فإن زاد على ذلك صلاة
الأوابين - وهي بين المغرب والعشاء اثنتا عشرة ركعة ـ كان
له في كل ركعة مثل ما تقدم من تلك المواطن الرفيعة وزاد
على ذلك قصراً في الجنة لقوله عليه السلام من صلّى بين
المغرب والعشاء اثنتي عشرة ركعة بني الله له قصراً في
الجنة
فإن زاد على ذلك تهجداً بالليل كان له في كل ركعة مثل ما
تقدم من تلك المواطن السنية وزاد له على ذلك أربعة منازل
ثلاثة في الحال وواحدة في القبر فأما التي في الحال فأولها
ما روي عنه عليه السلام أنه قال يضحك الله لثلاثة وعدّ
فيهم القائم بالليل أما الثاني والثالث فما روي عنه عليه
السلام أنه قال قيام الليل يُذهب الذنوبَ ويُصِحَ البدن ۳
فهذه هي الثلاثة الحالية وأما التي في القبر فلما روي عنه
عليه السلام أنه قال صلاة الليل تنوّر القبر ۳
فإن بلغ بتهجده إلى اثنتي عشرة ركعة زاده الله على ما تقدم
قصراً في الجنة لقوله عليه السلام من قام في الليل باثنتي
عشرة ركعة بنى الله له قصراً في الجنة 4 وزاد على ذلك
الوعد الجميل بمتضمَّن التنزيل الذي تحصره العقول وهو قوله
عزّ وجلّ في كتابه نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ الْمَضَاجِعِ
يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا
رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا
أُخْفِى لَهُم مِّن قُرَةٍ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ ٥
فمبلغ هذه المواطن في هذه النوافل المذكورة ستمائة موطن
وثلاثة وأربعون موطناً وزيادة
1 كذا بزيادة على
روى السمرقندي عن أبان عن أنس رضي الله عنه أن النبي الا
الله قال من صلى بعد المغرب اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل
ركعة قل هو الله أحد أربعين مرة صافحته الملائكة يوم
القيامة ومن صافحته الملائكة يوم القيامة أمِنَ الصراط
والحساب وفي رواية للترمذي عن أبي سلمة أن رسول الله لا
الله قال من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلم فيما بينهن
بسوء عَدَلْنَ بعبادة اثنتي عشرة سنة ۳ جاء في الترغيب
والترهيب للمنذري في الترغيب في قيام الليل عن سلمان
الفارسي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم ومَقرَبَة
لكم إلى ربكم ومَكفَرَة للسيئات ومَنهَاة
عن الإثم ومَطرَدَة للداء عن الجسد أما ما أورده المؤلف
رحمه الله فلم نقف عليه ٤ رواه مسلم وأبو داود والنسائي
والترمذي عن أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنها
بلفظ سمعت رسول الله يقول ما من عبد مسلم يصلي الله تعالى
في كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوّعاً غير فريضة إلا بني الله
تعالى له
بيتاً في الجنة أو إلا بنى له بيت في الجنة
٥ سورة السجدة الايتان ١٦ و ١٧
٩٩٦
تنوير القبر وثلاثة قصور في الجنة والوعد المذكور في
التنزيل فيجتمع بين النوافل المذكورة والفرائض المتقدمة
الذكر من هذه المواطن الجليلة تسعمائة موطن وسبعة عشر
موطناً عدا القصور
المذكورة وتنوير القبر والوعد الجميل فطوبى لمن أشغل باله
بتحصيلها وكان من الوافين فيها ولهذا المعنى قال عليه
السلام كفى بالعبادة شغلاً ۱ فإن وقعت الغفلة عنها خسر تلك
المواطن الجليلة - ويا لها من خسارة أعاذنا الله من ذلك -
وكان من أحد الأقسام الثلاثة المذمومة لأن المصلي قد قسمه
الفقهاء إلى أربعة أقسام وافٍ وساه ولاه وجافٍ
فالوافي هو الذي وفى ما أريد منه من الأقوال والأفعال
والأحوال على ما تقدم
والساهي هو الذي يعملها ويسهو عنها لتعلق قلبه بغيرها
واللاهي هو الذي يلهو عنها بغيرها وهو مع ذلك يعلم أنه
فيها ومثاله ما روي عن النبي أنه رأى رجلاً يعبث في لحيته
وهو يصلي فقال عليه الصلاة والسلام لو خَشَع قلبه لَخَشَعت
جوارحه ٢
والجافي هو الذي يخلّ بأركانها ومثاله ما روي عنه عليه
السلام في حديث الأعرابي المشهور الذي أخل بأركان الصلاة
فقال له عليه السلام ارجع فصل فإنك لم تُصَل ۳ وقد حض عزّ
وجلّ على توفيتها والمحافظة عليها في كتابه - أعني على
توفيتها بما فرض فيها وسُنّ وشُرِع - فقال عزّ من قائل
حَفِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والمحافظة عليها هي توفيتها
بما شرع فيها من الآداب والقراءة والحضور وغير ذلك مما قد
ذكر وقد قال عليه السلام في المضيع لها أو لبعض ما فيها
مما أشرنا إليه أسوأ السَّرقة الذي يسرق صلاته ه وقال عليه
السلام في الالتفات فيها تلك خُلْسة يختلسها الشيطان من
صلاة أحدكم ٦ وهذا الالتفات على ضربين
حسي ومعنوي
فالحسي هو الالتفات إلى شيء يشغل عن الصلاة كما حكي عن بعض
الصحابة حين كان
۱ تقدم تخريجه في الحديث ۸۰
رواه الحكيم الترمذي بإسناد ضعيف
۳ متفق عليه من حديث رفاعة بن رافع رضي الله عنه
٤ سورة البقرة من الآية ۳۸
٥ رواه الإمام أحمد وصححه الحاكم وأبو يعلى عن أبي سعيد
رضي الله عنه
٦ رواه البخاري والنسائي وأبو داود وابن خزيمة عن عائشة
رضي الله عنها بلفظ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
التلفت الله
في الصلاة فقال اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد
۹۹۷
يصلي في حائط له فطار دُبْسِي ١ فطفق يتردد يلتمس مخرجاً
فأعجبه ذلك فجعل يتبعه ببصره ساعة ثم رجع إلى صلاته فإذا
هو لا يدري كم صلى فقال لقد أصابني في مالي هذا فتنة فجاء
إلى رسول الله له ولا ذلك و له الذي أصابه في حائطه من
الفتنة وقال يا رسول الله هو صدقة الله صلى الله عليه وسلم
فذكر له فضَعه حيث شئت ومثل هذا حكي عن غيره أيضاً في زمان
عثمان رضي الله عنه فهؤلاء عرفوا ما ضيعوا فجبروا الضَّياع
الذي طرأ عليهم بأن خرجوا عن حائطهم وجعلوها صدقة الله عزّ
وجلّ وأما اليوم فقد كثر الضياع بغير جبر للجهل بما قد
ضيّع والمعنوي على ضربين ماض ومستقبل فالالتفات إلى الماضي
أعظم خسارة من الماضي لأن بالالتفات إليه تقع خسارة الحال
فيكون خسراناً ثانياً ومع ذلك فإن ما مضى لا يرجع
والالتفات إلى المستقبل تضييع حاصل لممكن قد يكون وقد لا
يكون والاشتغال بالحال وترك الالتفات حسّاً ومعنى من كل
الوجوه المتقدمة يحصل منه ثلاث فوائد وهي جبر الماضي
واغتنام الحاصل وصلاح في المستقبل أعاننا الله على ذلك
بمنّه
ثم نرجع الآن لبيان ما اشترطنا أن نذكره بذلك أخيراً من
بيان الحكمة في اختصاص الاسمين الجليلين من بين سائر
الأسماء الجليلة في هذه الصورة في هذا الموضع المخصوص بهما
وهما الرحمن الرحيم فنقول والله المستعان اختصاصهما بذلك
لوجوه
الأول أن الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إذا فهم
على ما قدمناه يقتضي الهيبة والإعظام
و ﴿ مثلِكِ يَوْمِ الدِّينِ يقتضي الخوف والإرهاب ﴿
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ احد الاسمين منهما يقتضي الإجابة
عند السؤال والآخر يقتضي الغضب إن ترك السؤال - على ما
ذكره العلماء - ففصل عزّ وجل بهذين الاسمين اللذين هما
أبلغ شيء في الرجاء بين الاسمين الجليلين متضمنين الهيبة
والإعظام والخوف والإرهاب رفقاً منه عزّ وجلّ بعبيده
ولطفاً بهم ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ
اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ٤ لأنه لو كان ذانك الاسمان
الجليلان اللذان للهيبة والإعظام متصلين بذكر الاسمين
اللذين للخوف والإرهاب لكانا للضعيف الحاضر سبباً لأحد
أمرين متلفين إما أن يتفطر كبده من شدة الخوف وقد روي أن
كثيراً من الفضلاء ماتوا من عظيم الخوف الذي توالى عليهم
وإما أن يسبق للخاطر شيء من القنط لعظيم أمر ما يدل عليه
معنى ذينك الاسمين وذلك
۱ الدُّبْسِيّ ضرب من الحمام أدكن يقرقر
رواه الإمام مالك في الموطأ
۳ يعني الربّ والملك
٤ سورة الملك من الآية ١٤
۹۹۸
من أكبر الخطر لقوله عزّ وجلّ إخباراً على لسان نبيه عليه
السلام لو كنتُ معجّلاً عقوبةً
لعجلتها على القانطين من رحمتي ۱
الثاني أن المقصود من العبيد الخوف والرجاء معاً لقوله
عليه السلام لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاستويا فاسمان
يوجبان الخوف واسمان يوجبان الرجاء فيحصل بمتضمنهما حقيقة
ما أريد من كمال الإيمان وهو تساوي الخوف والرجاء على ما
تقدم فكان الابتداء أولاً بالتعظيم والإجلال لحق الربوبية
الذي يقتضي التقديم ثم عقب بالرحمن الذي يقتضي الرجاء ثم
بالرحيم مبالغة في قوة الرجاء لطفاً بالعبد لاستقبال ما
يرد عليه من الخوف لمقتضى الاسم الآتي بعد مع التذكير بيوم
الدين
الثالث أن حقيقة وصول الرحمة للطالب إنما يتحقق وصولها
إليه بقوة من الراحم حتى يمنعه أذى ما قبلها وأذى ما بعدها
فكان توسط الاسمين الجليلين بين الاسمين العظيمين تحقيقاً
في إيصال الرحمة لطالبها لأن رب العالمين لعظيم قدرته
يمنعه من كل ضرر في هذا العالم وملك يوم الدين لعظيم
سلطانه يمنعه كل ما في ذلك اليوم من الأذى فتحقق بذلك منع
الأذى أولاً وآخراً يشهد لذلك قوله تعالى ﴿وَتَوَكَّلْ
عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ۳
الرابع أنه لما أن أريد من العبيد حقيقة الإخلاص والصدق
عند قولهم ﴿ إِيَّاكَ َنعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ جعل
هذا الاسم الجليل إثر هذا الاسم العظيم لكي يحصل منهم عند
النطق بـ ﴿ إِيَّاكَ نعبد حقيقة الإخلاص لأنه يأتي إثر
الإرهاب والإرهاب مثير للخوف والخوف موجب للصدق والإخلاص
ولو كان إثر الرحمة لكان كثير من الناس لا يحصل منهم
الإخلاص في هذا الموضع لأن الرحمة توجب الرجاء والطمأنينة
وقد يكون معها الغفلة لقليل الحضور لأنه لا يثبت عند
الرحمة والنعمة إلا الفاذ وقد قال علي بن أبي طالب رضي
الله عنه ابتلينا بالضرَّاءِ فَصَبَرنا وابتلينا
بالسرَّاءِ فلم نصبر لأن الغالب من الناس إذا ابتلوا
بالضرّاء رجعوا إلى الله تعالى بالصدق والإخلاص واللجأ
والضراعة فإن ابتلوا بالسرّاء قلَّ الواقف منهم هناك على
ما أريد منه من صدق اللجأ والضراعة ومن وقف في ذلك المقام
فهو الصدّيق الذي لا شك فيه الخامس أنه لما أن كان الاسمان
الجليلان أحدهما يقتضي الإجابة إذا سئل والآخر يقتضي
١ لم نقف على مصدره
انظر تخريجه في الحديث ١٣٢
۳ سورة الشعراء الاية ۱۷
٤ الفاذ المتفرد عن نظرائه يقال فذ يفذ تَفَرّد
۹۹۹
الغضب إذا لم يسأل وعلم عزّ وجلّ ما في عبيده من الضعف
بحيث أن تقع منهم الغفلة غالباً هذا الموطن إما لخوف أو
لرغبة أو لرجاء أو لتسليم أو لغفلة جعل عزّ وجلّ الدعاء
متلواً وأقامه مقام الدعاء الحقيقي ثم أجاب عزّ وجلّ عليه
فقال وَلعَبدي ما سأل لئلا يفوتهم هذا الخير العظيم ولئلا
يتناولهم الغضب لعدم سؤالهم فانظر إلى هذا اللطف العظيم
والنعمة
الشاملة
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم مَنْ أَلْهِمَ الدعاء
فقد فتحت له أبواب الرحمة۱ فلم يَكِل الله عزّ وجلّ هذه
الأمة لنفسها في فتح هذا الخير العظيم بل فتحه لهم بفضله
ثم بعد هذه التلاوة شرع الشارع عليه السلام خيراً ثانياً
بِقَوْل العبد امين بعد ختم السورة فزادهم دعاء حقيقياً
وضمن لهم بالشرط الذي فيه المغفرة لأن كل مؤمن في اللغة
داع ثم بعد هذا نحتاج أن نشير إلى شيء من فضائل هذه السورة
ولم فُضّلت على غيرها من السور ولم سُميت بأسماء جملة
وغيرها من السور باسم واحد
فنقول والله المستعان يحتمل أن تكون سُميت بأسماء جملة لأن
لها من الخصائص والأفضلية ما ليس لغيرها فكانت أسماؤها
عديدة دون غيرها لأن كثرة الأسماء دالة على فضل المسمَّى
إما مطلقاً أو على جنسه ولذلك سمي النبي الله الله بخمسة
أسماء وقد قال بعض العلماء إذا تتبع القرآن وما جعل الله
تعالى له فيه من الأسماء والحديث وما جعل هو صلى الله عليه
وسلم لنفسه فيه من الأسماء إنها تبلغ إلى نحو المائة اسم
وغيره من الأنبياء عليهم السلام ليس لهم غير اسم واحد لأنه
عليه السلام صاحب اللواء والمقام المحمود فكانت كثرة
أسمائه لأجل عظيم قدره كذلك أيضاً كثرة أسماء الله عزّ
وجلّ لأنه ليس كمثله شيء فكانت لا يشبهها شيء
لكثرتها وعظمها
يشهد لذلك ما روي في الأثر من الدعاء حيث قال اللهم إني
أسألك باسمك الأعظم وبكل اسم سميت به نفسك أو أنزلته في
كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في مكنون غيبك
٢ أو كما قال عليه الصلاة والسلام فدل بمتضمن هذا أنه لما
أن كانت الذات الجليلة لا
۱ رواه الترمذي والحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ من
فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب
الرحمة
لفظ الحديث ما من عبد قال اللهم إني عبدك وابن عبدك ناصيتي
بِيَدِكَ ماضِ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قضاؤك أسألك
بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته
أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل
القرآن العظيم ربيع قلبي ونور بصري وجلاء حزني وذهاب همي
وغمي إلا أذهب الله همه وحزنه وغمه وأبدله مكانه فرحاً قيل
يا رسول الله ألا نتعلمها فقال بلى ينبغي لمن سمعها أن
يتعلمها
۱۰۰۰
١١٨
Noll Awww
PUP
بهبة النفوس
وتحليها وتحليها بمعرفة مَا لَها وعَليهَا
شرح مختصر صحيح البخاري
ويليه كتاب المَراني الحِسَان
تأليف الإمام
عدالله بن أبي جمرة الاندلسي
تحقيق وتقديم
الدكتور بكري شيخ امين
الجزء الثاني
دار العلم للملايين
aj
1189-
حديث زيادة الأجر
عَن أبي بُرْدة ١ رضيَ الله عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى
الله عليه وسلم قالَ ثَلاثةٌ يُؤتَوْن أَجرَهُم مَرَّتَينِ
الرَّجُلُ تكُونُ لَهُ الأَمَةُ فَيُعَلِّمُها فَيُحسِنُ
أدبها ثُمَّ يُعتقها فَيَتَزوَّجُها فَلَهُ أجرانِ
وَمُؤمِنٌ مِن أهلِ الكِتابِ الَّذي كانَ مُؤمناً ثُمَّ
آمَنَ بالنَّبي الله فله أجران والعَبدُ الَّذي يُؤَدِّي
حَقَّ الله وَيَنصَحُ لِسَيّدِهِ فَلَهُ أجران
*
ظاهر الحديث يدل على تضعيف الأجر لهؤلاء المذكورين فيه
والكلام عليه من وجوه
الوجه الأول قوله عليه السلام ثلاثةٌ يُؤْتَوْنَ أَجرَهم
مَرَّتَيْنِ يحتمل معناه وجوهاً الأول أن يكون تضعيف الأجر
عند اجتماع الأعمال المذكورة لأن كل واحد منها فعل يؤجر
صاحبه عليه على انفراده فلما أن اجتمع مع صاحبه ضوعف الأجر
في كل منهما ضعفين على ما لو كان منفرداً
شيء
الثاني أن يكون صاحب هذه الأفعال وفي له بأجر كل فعل ولم
يُنقص له من أجر الآخر فأخبر عليه السلام بما حصل له في
الحال كما يقال في المُتَمَتُّع ٢ أنه حصل له أجران
أجر العُمرة وأجر الحج
1 أبو بُردَة هانىء صحابي شهد العقبة الثانية مع السبعين
صحابياً وشهد بدراً وأحداً وسائر المشاهد مع النبي وروى
عنه أحاديث روى له الشيخان حديثاً واحدا هو هذا الحديث
وشهد مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه حروبه ولا عقب له
توفي سنة ٤١ هـ وهو خال البراء بن عازب و أبو بردة التابعي
هو ابن أبي موسى الأشعري - من تهذيب النووي المتعة بضم
الميم وكسرها العُمرة إلى الحج وقد تمتَّع واستمتع قال
تعالى ﴿ فَمَن تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الحَجَ وصورة
المتمتع بالعُمرة إلى الحج أن يُحرم بالعُمرة في أشهر الحج
فإذا أحرم بالعمرة بعد إهلاله شوّالاً فقد صار متمتعاً
بالعمرة إلى الحج وسمّي متمتعاً بالعُمرة إلى الحج لأنه
إذا قدم مكة فطاف بالبيت وسعى بين والمَروَة حَلّ من
عُمْرَتِه وحَلَق رأسه وذبح نسكه الواجب عليه لتمتعه وحلّ
له كل شيء كان حرم عليه في إحرامه من النساء والطيب ثم
ينشىء بعد ذلك إحراماً جديداً للحج وقت نهوضه إلى منى أو
قبل ذلك من غير أن يجب =
الصَّفا
۹۰۹
الثالث أن يكون الأجر على قسمين أجر على الأفعال بمقتضى ما
جاء في ذلك عن الشارع عليه السلام وأجر على العناية بجمعها
ومجاهدة النفس على ذلك والصبر عليها وقد يرد على هذه
التوجيهات بحث وهو أن تضعيف الأجور على أحد هذه المحتملات
أو على مجموعها على ما ذكرناه هل هو خاص بالثلاثة المذكورة
أو هو متعد لغيرها يحتمل الوجهين معاً فإن قلنا بأنه مقصور
على الثلاثة فلا بحث وإن قلنا بأنه متعد فما العلة التي
بها يتعدى وهل العلة واحدة في الثلاثة أو هي مختلفة محتمل
أيضاً فأما على القول بأن العلة فيها واحدة فهي ما أشرنا
إليها آنفاً في أحد المحتملات وهي العناية بجمعها ومجاهدة
النفس على ذلك والصبر عليها فحيثما وجدت طاعات مجموعة على
هذا التعليل رجي فيها التضعيف ولا نقول بالقطع في ذلك لأن
حقيقة الأجور في الأعمال إنما تصح بقول الشارع وأما على
القول بأن العلة في الثلاثة مفترقة فنحتاج إلى بيان كل علة
منها
فالعلة في الأمة - والله أعلم - من ثلاثة أوجه الأول صبره
على تعليمها الثاني عتقه لها حين قرت العين بها الثالث
تركه لحظ نفسه في تزويجها ورفع منزلتها فهذه ثلاثة أوجه
مجموعها في اثنين وهما بذل ما أحبَّت النفس الله ومجاهدة
النفس في ترك حظها لما يرضي الله فحيثما وجدت هذه العلة
رجي التضعيف أيضاً
وأما العلة في المؤمن من أهل الكتاب فهو أنه بإيمانه
الثاني أحرز الإيمان الأول لأنه لولا الإيمان الثاني لحبط
إيمانه الأول فإيمانه بالنبي اللي حصل له الأجر عليه وأحرز
له أجر ما تقدم من إيمانه يشهد لهذا قول النبي الهلال
الهلال والبعض أصحابه حين قال له أمور كنت أتحنث بها في
الجاهلية فقال له عليه السلام أسلمت على ما أسلفتَ من خير
۱ فإذا كان الإسلام يحرز ما كان في الجاهلية فمن باب أولى
إحرازه لأجر الإيمان الذي هو أعلى أفعال البر فعلى هذا
فإذا وجدت طاعة فصاحبها مأجور فيها وهي تحرز أجر غيرها من
الطاعات رُجي فيها التضعيف وأما العلة في العبد فهي اجتماع
الحقوق عليه مع قلة اتساع الزمان لها فأجهد نفسه حتى وَفَى
بها فإذا وجدت هذه العلة أيضاً في طاعة من الطاعات رجي
فيها التضعيف الوجه الثاني من البحث الأول قوله عليه
السلام الرجل تكون له الأمة فيعلمها ويحسن تعليمها ويؤدبها
فيحسن أدبها هل التعليم والأدب اسمان لمعنى واحد أو
لمعنيين يحتمل الوجهين
عليه الرجوع إلى الميقات الذي أنشأ منه عمرته فذلك تمتعه
بالعمرة إلى الحج أي انتفاعه وتبلغه بما انتفع به من حلاقة
وطيب وتنظف وقضاء تفت وإلمام بأهله إن كانت معه وكل هذه
الأشياء كانت محرمة عليه فأبيح له أن يَحِلّ وينتفع بإحلال
هذه الأشياء كلها مع ما سقط عنه من الرجوع إلى الميقات
والإحرام منه بالحج فيكون قد تمتع بالعمرة في أيام الحج أي
انتفع لأنهم كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج فأجازها
الإسلام ۱ رواه الشيخان عن حكيم بن حزام رضي الله عنه
۹۱۰
معاً لأن المعلم يسوغ أن يُطلق عليه مؤدّب وكذلك بالعكس
ويحتمل أن يكونا لمعنيين - وهو
الأظهر - والله أعلم وإذا قلنا بأنهما لمعنيين فما هما
احتملا وجوهاً
الأول أن يكون التعليم لأمور الدين من الواجبات وغيرها
يشهد لهذا قوله عليه السلام علموا ويسروا ويكون الأدب
بتهذيب الطباع وحسن الخلق في التصرف والمعاملات والزجر عن
المكروهات في الأقوال والأفعال وتعليم مكارم الأخلاق يشهد
لهذا قوله عليه السلام لأن يؤدب أحدكم ولده خير له من أن
يتصدق بصاع طعام ۳
وأما الحسن في التعليم فهو ما أشار عليه السلام إليه في
الحديث انفاً من التيسير هو حسن الإلقاء وترك الشواذ من
التشديدات والرخص ولهذا أشار مالك رحمه الله حيث قال خرجت
من عند الخليفة فقيهاً لأنه لما أن أراد أن يؤلف كتاب
المُوَطَّاً قال له الخليفة تجنَّب شدائد ابن عمر ورُخَص
ابنِ عباس وإلى المعنى الأول أشار العلماء بقولهم
وتتواضعون لمن تتعلمون منه وتتواضعون لمن تعلمونه ويكفي في
ذلك شاهداً قوله عليه السلام يسروا ولا تعسروا وأما الحسن
في الأدب فهو أن يحملها برفق دون عنف لقوله عليه السلام ما
كان الرفق في شيء إلا زانه ولا كان الخُرْق في شيءٍ إِلا
شَانَه ۳
الثاني أن يكون التعليم المراد به ما تحتاج الأمة إليه من
أشغال البيت وحفظ متاع البيت والمال وحسن الأمانة في ذلك
لأنه غالب المقصود من الإماء وبقدر تحصيل الأمة لهذا
يتنافس في ثمنها ويكون الإحسان في التعليم على هذا التوجيه
إتقان كل شغل بحسب العادة فيه لقوله عليه السلام رحم الله
امرأ صنع شيئاً فأتقنه 4 ويكون الأدب حملها على رياضة
النفس وأحكام الشريعة لقوله عليه السلام أدبني ربي فأحسَنَ
تأديبي ٥ والذي أدب به عليه السلام ما مُنَّ عليه من حسن
الخلق الأمر والنهي وقد قالت عائشة رضي الله عنها حين سئلت
عن خلقه فقالت كان خلقه القرآن ٦ ويكون الحسن في الأدب على
هذا التوجيه حملها في ذلك على إيضاح السنّة
واتباع
۱ رواه الإمام أحمد والبخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما
وتمام الحديث ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا وإذا غضب أحدكم
فليسكت
رواه الترمذي عن جابر بن سمرة رضي الله عنه وليس فيه كلمة
طعام ۳ رواه الضياء في المختارة عن أنس والبخاري عن شعبة
رضي الله عنه قال كنت على بعير فيه صعوبة فقال النبي عليك
بالرفق فإنه لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا
شانه ورواية ابن أبي جمرة هي ما رواه
الضياء عن أنس رضي الله عنه
٤ في هذا المعنى روى البيهقي عن السيدة عائشة رضي الله
عنها أن النبي الا الله قال إن الله يحب إذا عمل أحدكم
عملا أن يتقنه
٥ تقدم تخريجه في الحديث ۱۸
٦ رواه مسلم عن السيدة عائشة رضي الله عنها
۹۱۱
الثالث أن يكون التعليم فيما تحتاج إليه المرأة في نفسها
لأن النساء يحتجن إلى أشياء تخصهن والأمة لا والدة لها ولا
والد حتى يعلّماها ذلك فقام مقام الأم في تعليم ذلك
وتبيينه ويكون الأدب هنا ما تحتاج المرأة من الأدب مع
الزوج أو السيد إن كانت للفراش لأن ذلك سبب لرفع منزلتها
وحظوتها عند السيد أو الزوج إن تزوجت ويكون الإحسان في
هاتين التواضع لها والإغضاء عن العيوب التي في البشرية وقد
يحتمل أن يكون المراد بالتعليم والأدب جميع ما ذكر وأكثر
من ذلك لأنه عليه السلام أوتي جوامع الكلم
الوجه الثالث من البحث الأول تقديمه عليه السلام الأمة على
المؤمن والمؤمن على العبد ما الحكمة في ذلك وإن كانت الواو
لا تعطي الترتيب في لسان العرب لكن الحكيم لا يقدم شيئاً
عبثاً ومثل ذلك قوله تعالى في الكفارات فَكَفَّرَتُهُ
إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا
تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَو كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ
رَقَبَةٍ فأتى عزَّ وجلَّ بـ أو التي هي للتخيير توسعة على
المكلف ورفقاً به وعلى مقتضى الحكمة في الترتيب ابتدأ
أولاً ببذل المال الذي هو أشد على النفوس ثم جعل بذله في
أعلى القَرَب وهو الإطعام الذي به حياة النفوس وقد قال
تعالى وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ
جَمِيعًا ۳ فإن عدم هذا الوجه فيكون بذله في دفع الأذى وهي
الكسوة التي بها يتقى أذى الحر والبرد فإن عدم هذا الوجه
ففي إدخال السرور وهو رفع الحال من مقام العبودية إلى مقام
الحرية فإن عدم هذا الوجه فمجاهدة النفس وهو الصوم
يشهد لما ذكرناه - من أن الإنفاق أشد الأمور على النفس
وأعلاها قربة - الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى لَن
نَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾
٤ والمال أكثر تعلقاً بالقلب مما ذكر ﴿ بعده وقوله تعالى ﴿
الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَاءِ وَالضَّرَّاءِ
وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ٥
فقدم الإنفاق أيضاً وأما السنة فقوله عليه السلام لا يخرج
أحدكم صدقةً حتى يَفُكَ لخيي سبعين شيطانا ٦
وإلى ما نحن بسبيله أشار عليه السلام في الصفا والمَرْوَة
حيث قال نبدأ بما بدأ الله
۱ هذا جزء من حديث رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله
عنه ومطلعه نُصِرتُ بالرعب وأُعطيتُ جوامع
الكلم سورة المائدة من الآية ۸۹ ۳ سورة المائدة من الاية ۳
٤ سورة ال عمران من الاية ۹ ٥ سورة ال عمران من الاية ١٣٤
٦ سبق تخريجه في الحديث ۱۷
۹۱
به والواو من جهة التكليف لا تفيد الترتيب فاختار عليه
السلام فيما خُيّر فيه من جهة التكليف ما اقتضته الحكمة في
التقديم لحكمة الحكيم وموافقة اللفظ للقرآن فإذا كان
الكتاب على ما قررناه فالحديث كذلك أيضاً لقوله تعالى ﴿
وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾ فكلاهما صادر عن حكمة حكيم
فينبغي أن تكون الأمّة مع ألفاظ القرآن والحديث كذلك
ينظرون من طريق الحكمة ما تقتضي وإلى هذا المعنى أشار عليه
السلام بقوله لكل آية ظهر وبطن ولكل حرف حَدَّ ومطلع ٣
فالظاهر هو اللفظ والباطن هو المعنى والحَد هو التحليل
والتحريم والمطلع هو ما نحن بسبيله من النظر بمقتضى الحكمة
في هذا النوع وغيره من أنواع ما تحتوي عليه الحكمة ثم ترجع
الآن إلى الانفصال عن الحديث والانفصال عنه بما قد ذكرناه
آنفاً من العلة المنفردة فيه للتعدي وهو جمعه ثلاثة أشياء
وهي ترجع لشيئين على ما تقدم وهما بذل ما أحبت النفس الله
ومجاهدتها في ترك حظها لما يرضي الله
وأما تقديم المؤمن على العبد فهو من باب تقديم الأصل على
الفرع لأن مجاهدة النفس فرع عن الإيمان والإيمان هو الأصل
فقدم عليه السلام الأصل على الفرع لأن ذلك هو مقتضى الحكمة
الوجه الرابع من البحث المتقدم قوله عليه السلام الرجل
تكون له الأمة يرد عليه سؤال وهو أن يقال لِمَ قال تكون له
الأمة ولم يقل اشتراها أو غير ذلك من الألفاظ والجواب عنه
أن هذا لفظ يحوي جميع أنواع التمليك وغيره لا ينوب عنه
لأنه جمع بذلك جميع ما يتملك الأمة به من ميراث وشراء وهبة
وسبي وغير ذلك وهذا أدل دليل على فصاحته عليه السلام لأنه
قد جمع في هذا الحديث الإخبار بعظيم الأجور إرشاداً إلى
الخير وأشار إلى الحكمة تنبيهاً عليها وأبدى ما من الله
تعالى به عليه من البيان والفصاحة
أعاد الله علينا من بركته ورزقنا اتباع سنته إنه ولي حميد
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ رواه الإمامان مالك وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه
عن جابر رضي الله عنه
سورة النجم من الآية ٣ ۳ رواه أبو يعلى في مسنده رقم ٥١٤٩
وصححه ابن حبّان رقم ٧٥ وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد
۱٥٢/٧ وقال رواه البزار وأبو يعلى والطبراني في الأوسط
باختصار اخره ورجال أحدهما ثقات
۹۱۳
حديث النهي عن قتل النساء والصبيان في دار الحرب
عُمَرَ رَضِيَ الله عَنهُمَا نَهى رَسُولُ الله عَن قَتلِ
النِّسَاءِ وَالصَّبيانِ
ظاهر الحديث يدل على أن قتل النساء والصبيان لا يجوز لكن
هل النهي على العموم أم لا محتمل والأظهر أنه ليس على
العموم لأن المَعْنِيَّ به في غزو المشركين بعد القدرة
عليهم وهذا بقيد وهو أن يكون النساء والصبيان لم يقاتلوا
حين الحرب فإن قاتلوا فقتلهم جائز هذا في حال القدرة عليهم
وأما حين الحرب ورميهم بالنبل والمجانيق فلا يتوقى ما أصيب
منهم إذا كان بغير تعمد ولا يدخل قاتلهم تحت النهي لقوله
عليه السلام في هذه الحالة هم من آبائهم ثم هذا النهي هل
هو لعلة أم لا الظاهر أنه لعلة أن النساء والصبيان من جملة
الغنائم ولم يدخل بهم ضرر على المسلمين في حين حربهم ثم
هذه العلة هل هي متعدية أم لا فإن قلنا بأنها غير متعدية
فلا بحث وإن قلنا إنها متعدية - وهو الظاهر لأنه اللائق
بكلام الشارع عليه السلام الذي أوتي جوامع الكلم - فحيثما
وجد من كلامه حكم وفهمت له علة أو حيثما وُجدت تلك العلة
يكون الحكم منوطاً بها والعلة في الحديث ما ذكرنا وهو ما
حصل للمسلمين من الفائدة في غنيمة النساء والصبيان من غير
ضرر لحقهم كما تقدم فحيثما وجدنا فائدة لم يتعلق بها ضرر
في الدين وجب استعمالها وإنما قلنا أن تكون لم يتعلق بها
ضرر لأن أكبر الضرر في الدين مقاتلة المشركين للمؤمنين
وقتالهم يهدف إلى إطفاء نور الله تعالى والنساء والصبيان
لم يقاتلوا فلم يدخل من قِبَلِهم ضرَر فكانت فائدة بغير
ضرر في الدين
ثم هذه العلة هل يتعدى الحكم بها للباطن أم لا الظاهر
تعديها على البحث الذي قدمناه لأن أهل الباطن والظاهر من
بحره عليه السلام اغترفوا كل منهم على مقتضى طريقه قَدْ
عَلِمَ
٩١٤
كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ ﴾ ۱ فتعديها للباطن هو أن
تُعرَف تلك العلة في الباطن كما عُرفت في الظاهر فالمرأة
في الباطن كناية عن الدنيا لأنها من زينتها والصبيان كناية
عن الهوى لأنه مثلهم في مخالفة العقل وغلبة الشهوة والصبي
يوصف بعدم العقل واتباع المُرْدِيات وهي صفة الهوى فإن
تعلق القلب بواحد منهما دون ضرر في الدين جاز استعماله على
مقتضى العلة فمثال تعلقه بالدنيا هو مثل أخذ شيء حلال
لإحياء رمق يستعان به على طاعة ولم يقع فيه خلل بلسان
العلم ولم يكن تعلق القلب به يمنعه من أداء الأعمال
والحضور فيها فهذا جائز ولا يضر اتباع النفس والهوى فيه
ومثل هذا كانت أفعال الصحابة رضوان الله عليهم مثل علي رضي
الله عنه حيث كان يقول لأهله اعملوا الطعام مشروباً فإن
بين المأكول والمشروب كذا وكذا آية فلم يكن نظره للطعام
للشهوة وكان تقليله الطعام لزيادة القرب وترجيح زيادة
العبادة لأن تعلق القلب بالشهوة الباعثة في المطعم وغيره
من المباحات وإن كان جائزاً على لسان العلم فهو ممنوع عند
أهل الباطن فوجب قتله عندهم وقتله هو تركه لأنهم يقولون
ترك الشهوات قرع الباب وترك الحظوظ رفع الحجاب
ولهذا المعنى كان عمر رضي الله عنه يقول إني لأتزوج النساء
وما لي إليهن حاجة وأطأهن وما لي إليهن شهوة فقيل له ولم
يا أمير المؤمنين قال رجاء أن يخرج الله من ظهري ما يكثر
به محمّد الأمم يوم القيامة وإن كانت الشهوة في النكاح
والوصول إليها جائزة على لسان العلم ومأجور صاحبها لأنه
عليه السلام قد قال في حديث تعداد الأجور للمؤمنين يُوْجَر
المؤمن حتى في بُضْعِهِ لامرأته فقيل كيف يا رسول الله
ينال أحدنا شهوته ويكون فيها مأجوراً قال أرأيت لو وضعها
في الحرام أكان يكون مأثوماً قيل نعم قال كذلك إذا وضعها
في الحلال يكون مأجوراً ۳ أو كما قال عليه السلام
۱ سورة البقرة من الآية ٦٠
لعله يشير إلى قوله تعالى في سورة الإنسان ﴿ إِنَّ
الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسِ كَانَ مِزَاجُهَا
كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بهَا عِبَادُ اللهِ يُفجرونها
تفجيرا يُوفُونَ بِالنذر ويخافُونَ يَومَا كَانَ شَرُّرٌ
مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُدِ
مِسْكِينَا وَيَتِيماً وَأَسِيراً إنّما نظيشكر لِوَجهِ
اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا
۳ هو معنى لحديث أخرجه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أن
أناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي يا
رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يُصلّون كما نصلي
ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم قال أوليس قد جعل
الله لكم ما تَصَدَّقون به إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة
صدقة وكل تحميدة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر
صدقة وفي بضع أحدكم صدقة قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا
شهوته ويكون له فيها أجر قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان
عليه وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر
۹۱۵
وقد طلّق عمر رضي الله عنه إحدى نسائه فقيل له لِمَ
طلَّقتها وهي من أمرها وشأنها وأثنى
عليها بأنواع الخير فقال أعرف فيها أكثر مما تقولون ولكن
مال قلبي إليها فخفت أن أشتغل بها عما يلزمني من أمور
المسلمين ففارقتها فهكذا هم أرباب القلوب إذا كانت الأمور
جائزة على لسان العلم وكان فيها بعض شغل عن توفية آداب
الشريعة والحضور في التعبدات تركوها لأن ما طلبوا أجل لأن
من علم ما طلبهان عليه ما ترك فما يكون لهم من هذه الخواطر
والشهوات فهو من النوع الذي يُقتل وقتله هو دفعه وقد قال
عزّ وجلّ في كتابه ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا
مَسَّهُمْ طَلَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَرُوا فَإِذَا
هُم مُّبْصِرُونَ ۱ والطائف هو الخاطر الذي يخطر من إغواء
الشيطان وقد قال النبي الاول لعائشة رضي الله عنها حين
سألته عن الرجل يلتفت في صلاته فقال تلك خُلْسة يختَلِسُها
الشيطانُ من صلاة أَحَدِكم وقال عليه السلام إن الله لا
يقبل عمل امرىء حتى يكونَ قلبه جوارحه ۳ ولا يكون القلب مع
الجوارح إلا بدوام الحضور دون حديث نفس أو خطرة من شيطان
أو هوى
ولهذا المعنى قال بعض الصحابة لا أحب أن يكون لي دكان على
باب المسجد لا تفوتني صلاة مع الجماعة أربح فيه كل يوم
ديناراً أتصدق به في سبيل الله لا أوثر ذلك على الفقر
وإنما قال ذلك لأنه يشتغل بالبيع والشراء والأخذ والعطاء
عن الحضور والذكر والفقير ليس له شغل غير
التعبد والحضور
وأما صفة تعلق خطرات الهوى فهو مثل أن يكون هواه مما يوافق
قربة فيفعل هو القربة ولا يبالي بموافقة الهوى لأن الهوى
كان سبباً للغنيمة وهي غنيمة الأجر الذي حصل في ذلك الفعل
وما كان سبباً لشيء فهو مثله فهو إذ ذاك غنيمة فلهذا
المعنى قال عليه السلام من سعادة المرء أن تكون شهوته فيما
يُرضِي ربه أو كما قال ومثل ما نحن بسبيله الأضحية لأنها
قربة وفيها الأكل والعطاء والتمتع والادخار ومثل هذه
الخصال هي التي تحض عليها النفس والهوى فيكون المرء في ذلك
مأجوراً وإن كانت النفس والهوى يريدان ذلك وهذا إذا قصد
بها السنة وأما إذا لم يقصد ذلك وقصد بها مباهاة وفخراً
فهو من النوع الذي يقتل لأنه ضرر في الدين وقتله تركه لأن
قتل النساء والصبيان إعدام لهم وترك هذا هو إعدامه فيناط
الحكم بالعلة حيث
وجدت كما ذكرنا
۱ سورة الأعراف الآية ۰۱
رواه الشيخان من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها
۳ تقدم تخريجه في الحديث ۰
٩١٦
ومن ذلك أيضاً لبس الثياب والطيب والزينة في الأعياد
والجمع إذا قصد السنّة ويكون في
ذلك مأجوراً لأن فيه أيضاً راحة النفس وحظها وتنعمها ومع
ذلك فله الأجر في فعله ذلك ومثل هذا كثير والكل مثل الأول
إن كان لامتثال السنة فالأجر فيه حاصل ولا يضر تعلق النفس
والهوى بذلك وإن كان لشهوة أو لحظ فالحكم كما تقدم وعلى
هذا فقس
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۹۱۷
-101-
حديث النهي عن التعذيب بالنار
عَن أبي هريرَةَ رضيَ الله عَنهُ قالَ قَالَ رَسُولُ الله
إِنِّي أَمَرتُكُم أن تحرقوا فُلاناً وفُلاناً وإنَّ
النَّارَ لا يُعَذِّبُ بِها إلا الله عَزَّ وجَلَّ فإن
وَجَدتُمُوهما فاقتلوهما
*
*
ظاهر الحديث يدل على أن العقاب والحدود لا تكون بالحرق
وإنما تكون بغيره وإن كان قد ورد عن أبي بكر رضي الله عنه
أنه أحرق لوطيّاً لكن كان ذلك منه مرة واحدة ولم يفعله بعد
ولعله فعل ذلك لعدم بلوغ الحديث إليه ورجع عنه ببلوغه إليه
والكلام عليه من وجوه الوجه الأول أنه يجوز للمجتهد إذا
حكم بحكم ثم ظهر له غير ما اجتهد فيه أن ينزع عن اجتهاده
ذلك إلى غيره إذا كان الحكم باقياً لم يمض ولأن النبي لا
لا لا لا و قد كان أمر بحرق هذين ثم نزع عن ذلك وقال فإن
وجدتموهما فاقتلوهما الوجه الثاني أن المجتهد إذا حكم بحكم
ثم ظهر له غيره أن يذكر العلة الموجبة لتغيير الحكم لأن
النبي بين العذر الذي لأجله رجع بقوله عليه السلام إن
النار لا يعذب بها إلا الله الوجه الثالث جواز النيابة في
الأحكام لأن النبي هو أمر بقتل هذين ولم يأمر بأن يؤتى
إليه بهما
الوجه الرابع أن مَن سَبَّ الله عزّ وجلّ ورسوله الا الله
قتل ولم يُستَتَب لأن فلاناً وفلاناً المذكورين في الحديث
قد سُمِّيا في حديث غير هذا وقيل كان سبب ذلك أنهما كانا
يؤذيان الله
ورسوله
الوجه الخامس أن إطالة الزمان لا ترفع العقاب ولا أن النبي
الأمر بقتل هذين حين رجا القدرة عليهما وقبل ذلك حين كانت
الإذاية ۱ منهما صادرة ولَوْ لَمْ ترج القدرة للمسلمين
عليهما لم يأمر فيهما بشيء
1 أي الأذية
۹۱۸
ويترتب على هذا من التنبيه أن من وقع في شيء يوجب العقاب
فستر الله عزّ وجلّ عليه
وأسبغ نِعَمَه وأمهله فلا يَغْتَرُّ بذلك ويَدومُ على
المخالفة ويقول أرجو العفو لما ظهر من صفة الرحمة من دوام
الستر وإدرار النعم وليبادر إلى التوبة والإقلاع قبل
مفاجأة المنايا أو النقم لأن الله عزّ وجلّ يقول في كتابه
العزيز أفَرَيْتَ إِن مَّتَعَنَهُمْ سِنِينَ ثُمَّ
جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُم
مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾ ١ وقال ﴿ وَلَا يَفْزَنَكُم
بِاللَّهِ الْغَرُورُ والغَرور هو الشيطان والغُرور - بضم
الغين - هو ما يلقيه من تسويلاته وتخيلاته من ترك الخوف
والطمأنينة بما أظهر عزّ وجلّ من إمهاله وإدرار إنعامه قال
النبي الله إن الله يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ۳
والتنبيه هنا لكل نوع من نوعه لأهل الظاهر من تنوعهم ولأهل
الباطن بمشربهم فتنبَّة إن كنت لبيباً وما يتذكر إلا من
ينيب والله حسبنا وكفى وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد
وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً
۱ سورة الشعراء من ٢٠٥ إلى ۰۷
سورة لقمان من الآية ۳ وسورة فاطر من الاية ٥
الله
۳ متفق عليه عن أبي موسى رضي الله عنه بلفظ إن الله ليُملي
للظالم إلخ
۹۱۹
- ١٥٢ -
حديث قتل الكافر والمرتدّ وإن التجأ إلى الحرم
عَن أنس بن مالِكِ رَضِيَ الله عَنهُ أَنَّ رَسُولَ الله
صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عامَ الفَتح وعَلى رأسِهِ
المِعْفَر ۱ فَلَمّا نَزَعَهُ جَاء رَجُل فَقالَ يا
رَسُولَ الله إِنَّ ابنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّق بأستارِ
الكَعبة
فَقالَ اقتلوه
*
*
ظاهر الحديث يدل على أن الحَرَم لا يجير من الحدود والكلام
عليه من وجوه
الوجه الأول قوله دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر إنما
أبهم الفتح ولم يبين أي فتح كان للعلم به وشهرته وللقرينة
التي قارنته في الحديث تبين أي فتح كان وهو من الفصيح في
الكلام حذف الألفاظ للعلم بالمعنى
وفيه دليل لمن ذهب من الفقهاء أن مكة دُخِلت عنوة لأن
المغفر من السلاح الذي لا يُتخَذ عند الأمن وأيضاً فلو كان
دخوله لها صلحاً لم يكن ابن خطل ليهرب منه ويستجير بالحرم
إذ إن الصلح مجير له ولم يكن النبي لا لا لا ل ل ليأمر
بقتله وهو قد صالحهم وقد جاء بالنص ما يردّ قول من ذهب إلى
أن دخولها كان صلحاً وهو قوله عليه السلام أُحِلَّت لي
ساعة من نهار ولم تَحِلَّ لأحد قبلي ولا لأحدٍ بعدي ۳ وهذا
نص في موضع الخلاف
الوجه الثاني جواز لبس السلاح في حال الإحرام إذا كان ذلك
لضرورة مثل الخوف من اللصوص وما أشبهه لأن النبي لبس
السلاح في حال إحرامه لضرورة القتال الوجه الثالث لبسه
عليه السلام للسلاح فيه دليل على أن من بلغ في الحقيقة
والتوحيد
۱ المِعْفَرِ ذَرَد يُنسج من الدروع على قدر الرأس يُلبس
تحت الفَلَنَسُوة جمع مغافر ابن خَطَل اسمه عبد العزّى
قتله سعيد بن حريث وسبب قتله أنه كان أسلم فارتد وكانت له
قينتان تغنيان
بهجاء المسلمين وكان قتله يوم فتح مكة
۳ تقدم تخريجه في الحديث ۱۳ وأوله إن الله حبس عن مكة
الفيل
المنتهى فالخطاب له بامتثال الحكمة لم يزل لأن النبي لا لا
لا لو أرفع الناس منزلة في الحقيقة ومع أنه قد وعده الله
عزّ وجلّ بالنصرة والعصمة فقال تعالى ﴿ وَاللهُ يَعْصِمُكَ
مِنَ النَّاسِ ﴾ ١ لكن مع هذا كله لم يترك عن امتثال
الحكمة في كل أجزاء أعماله مثل ما نحن بسبيله من لبس
السلاح وغيره يوفي في الظاهر من طريق الحكمة المجهود وفي
الباطن ما يجب من التوحيد بردّ الحول والقوة الله والخروج
عن رؤية أعماله
الوجه الرابع أن الحدود لا تجب إلا بإذن من الإمام لأن من
أبصر هذا الرجل متعلقاً بأستار الكعبة لم يقتله حتى استأذن
النبي لا اله اللي فيه ولأن بحضور الإمام لا يجوز الحكم
لغيره وإن علم مقتضاه
الوجه الخامس جواز النيابة في الأحكام والحدود لأن النبي
لا يأمر بقتله ولم يأمر
بإحضاره بين يديه
الوجه السادس أن الرعية لا يجوز لهم أن يخفوا عن راعيهم
شيئاً من أمورهم ولا يفعلوا شيئاً حتى يشير به عليهم لأن
هذا الصحابي رضي الله عنه لم يكتم شأن ابن خطل حين رآه وما
وسعه إلا أن يخبر النبي الله فكذلك جميع الرعاة يجب عليهم
ألا يخفوا من أمورهم شيئاً عن راعيهم إذا كان عدلاً لأن
إخبارهم له بذلك عليه تترتب مصالحه ومصالحهم وقد قال عليه
السلام الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله قال لله
ولرسوله ولأئمة المؤمنين ولخاصتهم وعامتهم والإخبار له بما
لا يعلم من باب النصيحة
ثم هذا الوجه يحتاج فيه إلى بحث وهو أنه هل تتعدى عليه أم
لا
فعلى القول بأنها غير متعدية فلا بحث وعلى القول بأنها
متعدية - وهو الأظهر - لما بيناه في الأحاديث قَبْلُ لكثرة
الفوائد في كلام الشارع عليه السلام ولأنه عليه السلام قد
قال كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فيجب على كل من كان
مسترعى أن يخبر راعيه بأجزاء أموره حتى لا يكون منه فعل
إلا بأمر راعيه ومشورته وكل أحد بالنسبة إلى حالة راعيه
فالسيد في قومه راعٍ
۱ سورة المائدة من الآية ٦٧
٢ أخرج الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وأبو عوانة
وابن خزيمة وابن حبان والبغوي والبارودي وابن قانع
والبيهقي وأبو نعيم عن تميم الداري وأخرج الترمذي وقال
حديث حسن والنسائي والدارقطني في الأفراد عن أبي هريرة
وأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس وابن عساكر عن ثوبان رضي
الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الدين
النصيحة إن الدين النصيحة إن الدين النصيحة قالوا لمن يا
رسول الله قال الله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين
وعامتهم
۹۱
عليهم والرجل في بيته كذلك ومن كان عَريّاً عن القبيلة
والأهل فهو أقل وظيفة من غيره لأنه لم يبق عليه غير وظيفة
الجوارح وهي مسترعاة إلى النظر فيها بالعقل والشرع هذا في
حكم الظاهر وكذلك يجب أيضاً في المعاني وهو حكم الباطن وهو
ما يخطر من الخواطر النفسانية والشيطانية والهوائية فكلها
مسترعاة وراعيها هو العقل والحاكم على الجميع هو الشرع
فإذا خطر للمرء خاطر أو وقع له واقع فليعرضه أولاً على
العقل والعقل إذ ذاك ينظر بمقتضى الأمر والحكمة فإن كان
فيه مصلحة أجازه وإلا منعه وإن كان المرء ممّن أمِد
بالتوفيق وكانت شهواته وخطراته في مرضاة ربه فهذه قاعدته
أبداً وليحذر من الغفلة عنها لأن بها قوام أمره لأنه إذا
لم يكن على هذا الحال فقد تستفزه النفس في مرة ما وهو لم
يشعر
ومثل هذا ما حكي عن بعضهم حين لقي إبليس اللعين فسأله هل
قدر عليه قط أو نال منه قَطُّ شيئاً فقال اللعين نعم ليلة
أحضَرتَ بين يديك عَشَاءَك فَشَهَيْتُكَ الطعام حتى زدتَ
فيه على العادة فنمت بسبب ذلك عن وِردك فقال والله لا أشبع
بعدها أبداً فإذا كان المرء يستعمل نظره أبداً على القاعدة
التي قررناها كان أكله ونومه ويقظته مضبوطاً بلسان العلم
وأيضاً فإنه بنفس نظره إلى تلك القاعدة كان له من الأجر ما
لا يكون للصائم القائم الغافل عنها لأنه لا يحمله على هذه
المحاسبة والمراقبة إلا الخوف من الله عزّ وجلّ والإجلال
له وقوة اليقين
ولهذا المعنى كان بعض الفضلاء يقول يحتاج العاقل أن يكون
محاسباً ومراقباً ومعنى المحاسب هو الذي يحاسب نفسه فيما
مضى من عمره فإن كان بقي عليه شيء فليخلص نفسه مادام في
هذه الدار والمراقبة هي مهما خطر له خاطر عرضه على العقل
ونظره بلسان العلم فما حسن منه فعل وما قبح منه ترك ولم
يفعل وإلا كان كالتاجر ينفق ولا يعرف حتى يفلس وقد قال
عليه السلام حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا
ولأجل ترك النظر إلى هذه القاعدة أو الجهل بها وقع كثير من
الخلل والفساد عند بعض المدعين للطريق المنتسبين إليه لأنه
يخطر لأحدهم التصرف في مرضاة نفسه وما يشير به عليه هواه
وقد يسمع وسوسة من الشيطان فيأخذ ذلك من حينه على الإطلاق
من غير أن يلحظ القاعدة التي قررناها فيضل مع الضالين وهو
يحسب أنه يحسن صنعاً فيقول قيل لي وقلت وخطر لي ووقع لي
وهيهات هيهات ليس التعبد بالخواطر ولا بالشهوات وإنما هو
بالامتثال والامتثال لا يتصور وجوده إلا مع العلم والعلم
قد شاء عزّ وجل وسبقت إرادته أنه لا يؤخذ إلا
۱ قوام الأمر نظام الأمر وعماده وملاكه
من كلام عمر رضي الله عنه
۹
بالتعلم لقوله عليه السلام إنما العلم بالتعلم والمراد
بهذا العلم هو علم النقل وهو الأمر لأنه لا يؤخذ بصفاء
القلب ولا بغيره وإن أخذ بصفاء القلب فلا يجوز التعبد به
حتى يكون نقلاً وإنما يكون بصفاء القلب العلم اللدني ومع
ذلك فالعلم المنقول لا بد منه فيه لأن به يختبر
والنهي
صحته من سقمه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ قطعة من حديث أوله يا أيها الناس إنما العلم بالتعلم
والفقه بالتفقه إلخ رواه الطبراني في الكبير
-١٥٣ -
حدیث رد فرس ابن عمر رضي الد
عنهما إليه
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضيَ الله عَنهُ قالَ ذَهَبَ فَرَس لَهُ
فَأَخَذَهُ العَدوُّ فَظَهَرَ عَلَيْهِمُ
المُسلِمونَ فَرُدَّ عليهِ في زَمَنِ رَسولِ الله
*
ظاهر الحديث يدل على رد الفرس لابن عمر رضي الله عنهما
بعدما ملكه العدو والكلام
عليه من وجهين
الوجه الأول قوله ذهب يرد عليه سؤال وهو أن يُقال لم قال
ذهب ولم يأتِ بغيرها من الصيخ الجواب عنه أنه إنما عدل عن
ذكر غيرها إليها لأنها جامعة لأنواع طرق الذهاب لأنك تقول
ذهب مال فلان وقد يكون ذهابه بالسرقة أو الإنفاق أو
النسيان أو الغضب إلى غير ذلك من وجوه الذهاب وذهب يدل على
كل واحد منها على سواء فهذا من الفصيح في الكلام
الوجه الثاني قوله فرُدَّ عليه فيه بحث وهو أنه هل رُدَّ
عليه من طريق إحسان النبي صلى الله عليه وسلم إليه فهو
كالنفل أو رُدَّ عليه لأن حصوله بيد المشركين لم يُزِل
ملكه عنه وكان رده من طريق الوجوب يحتمل الوجهين معاً وقد
اختلف العلماء هل المشركون يملكون أموال المسلمين أم لا
على قولين فذهب قوم إلى الجواز مطلقاً واحتجوا بقوله تعالى
إنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ
عِبادِه ۱ والاحتمال الذي في الحديث وهو كون الفرس رُدَّ
على طريق النفل وذهب قوم إلى المنع مطلقاً وحجتهم الاحتمال
الذي في الحديث وهو كون الفرس رُدَّ على طريق الملك
وبالقياس وهو أن المشركين لا يحل لهم ملك رقاب المسلمين
فأموالهم كذلك
وفَرَّق قوم فقالوا لا يخلو أن يُدْرِبَ العدو بها ۳ أو لا
فإن أدْرَبَ مَلَكَ وإن لم يُدْرِب لم يملك وهذا قول ثالث
وكأن صاحب هذا القول يرى أنهم ما لم يُدْرِبوا فصاحب الشيء
لم ينقطع
۱ سورة الأعراف من الآية ۱۸
يدرب بها يدخل بها بلاده
٩٢٤
رجاؤه منه لأنه قد تعود الكرة عليهم فتؤخذ منهم ويغنمون أو
يتركون ما أخذوا ويهربون وأما إذا أدربوا فقد انقطع الرجاء
من العودة عليهم وهذا استحسان قول بين قولين
والأظهر - والله أعلم - أن العدو لا يملك بدليل الحديث
والقياس أما الحديث فأحد الاحتمالين المذكورين في الحديث
الذي نحن بسبيله ويرجحه على الوجه الآخر ما روي أن العدو
غزا مرّة المدينة وأخذ منها ناقة النبي الله المسماة
بالعضباء وأخذت امرأة من المسلمين في الأسر في جملة ذلك
فلما جَنَّ عليها اللّيلُ قامت تريد الفرار بنفسها فأرادت
أن تركب ناقة تنجو عليها فأتت تأخذ ناقة لتركبها فكل ناقة
أو دابة تضع يدها عليها تنفر فتتركها وتذهب لغيرها حتى أتت
إلى العضباء وكانت ذلولاً فلم تنفر فركبتها وأتت بها إلى
المدينة ونذرت في طريقها أنها إن نجت عليها فسوف تنحرها
وتهديها فلما أتت المدينة رآها الناس فعرفوها فأتوا بها
إلى النبي الله فذكرت له القصة فقال لها عليه السلام لا
نَذْرَ فيما لا يُملَك ووجه الحجة فيه أنها لو أتت على
ناقة كانت ملكاً لمشركين قبل لم تؤخذ منها فلما أن كانت
مما عُنِم من المسلمين قال لها عليه السلام لا نذر فيما لا
يُملك ۱ وأُخِذت منها
وأما القياس فقد تقدم لصاحب هذا المذهب وهو أنهم لا يملكون
الرقاب وهذا يبين أن الاحتمال الذي في الحديث وهو كون
الفرس ردَّ من طريق الملك أو الوجوب هو المراد وهو الأظهر
في الموضع وفي هذين دليل واضح لا خفاء فيه أنهم لا يملكون
الرقاب فالأموال كذلك وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد
وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً
۱ جزء من حديث أوله لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك
ابن آدم أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن
عمران بن حصین رضی الله ع
٩٢٥
11021
حديث أجر المجاهد في سبيل الله
عَن أبي هريرَةَ رضيَ الله عَنهُ أَنَّ رَسُولَ الله صلى
الله عليه وسلم قالَ تَكفَّلَ اللهُ لِمَن جَاهَدَ في
سَبيلِهِ لا يُخرِجُهُ إلا الجهادُ في سَبيلِهِ وتَصديقُ
كلِماتِهِ بأن يُدخِلَهُ الجَنَّةَ أو يرجعه إلى مَسكَنِهِ
الَّذِي خَرجَ مِنْهُ مَعَ ما نالَ مِن أجرٍ أو غَنِيمَةٍ
**
ظاهر الحديث يدل على أن من خرج إلى الجهاد بالنية المذكورة
فيه فله أحد الوجهين المذكورين فيه وهو أن يرجع بالأجر
والغنيمة أو يُستشهد فيدخل الجنة ويكون فيها حياً يُرزَق
لقوله تعالى ﴿أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ١
والكلام عليه من وجوه
الوجه الأول قوله عليه السلام تكفل الله معناه ضمِن الله
لأن الضمان له في اللغة سبعة أسماء ومن جملتها الكفيل
والضمان من الله سبحانه ضمان إفضال لا ضمان وجوب فإن معناه
تأكيد التصديق بحصول الأجر الذي تفضل به على المجاهد في
سبيله لأن الوجوب في حقه تعالى
مستحيل
الوجه الثاني قوله عليه السلام لمن جاهد في سبيله لا يخرجه
إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلماته الجهاد في سبيل الله
يحتمل وجوهاً وأظهرها في هذا الموضع قتال العدو الذي هو
الكافر وكيفية النية فيه هو أن يخرج للغزو يريد به القتال
في سبيل الله وإعلاء كلمته لا يريد بذلك غير الله
ويَحتَسِب قتل نفسه إن قُتِل وكلَّ ما يلاقي من شدة الحروب
وهَوْلِها في حق الله تعالى لا لظهور ولا لكسب دينار ولا
لغير ذلك
والتصديق على ضربين تصديق بوجوبه - والوجوب على ضربين فرض
عين وفرض كفاية وهو مذكور في الفقه - وتصديق بما جاء فيه
من عموم الأجور والإحسان على مقتضى الآيات في الوجهين معاً
٩٢٦
۱ سورة ال عمران من الآية ١٦٩
الوجه الثالث هل تقصر هذه الأجور على الوجه الظاهر - وهو
قتال العدو ـ أو تحمل على ما
يقتضيه عموم الجهاد في طاعة الله تعالى وهو الأظهر كما ذهب
إليه بعض الصحابة حيث قال لأخيه حين لقيه في طريق المسجد
وقد اغبرت قدماه فسأله أغَيرُ الصلاة أخرجك فقال لا لم
أخرج لغيرها فقال شهدت على رسول الله الله أنه قال ما
اغبرت قدما عبد في سبيل الله إلا حَرَّمهما الله على النار
۱ فقال له الرجل ذلك خاص بالقتال فقال الصحابي أفعال الخير
كلها في سبيل الله وقد قال عليه السلام في الخارج إلى
المسجد هو في ذمة الله إن مات أدخله الله الجنة وإن رجع
إلى منزله كان كالمجاهد رجع بالأجر والغنيمة وهذا نص في
المسألة فيجب تعديه في جميع وجوه البر ويكون الأول منها
أظهرها وأعلاها
الوجه الرابع هل يتعدى الحديث للجهاد المعنوي أم لا أما
ظاهر اللفظ فلا يؤخذ منه التعدي لأنه ذكر في الجهاد الحسي
وأما على القاعدة التي قررناها في كلام الشارع عليه السلام
بأنه محمول على كل الفوائد - إن أمكن - فهو متعد لا شك فيه
سيما ۳ في هذا الموضع الذي قد نص عليه السلام أن الجهاد
المعنوي أكبر من الحسي وهو قوله عليه السلام هبطتم من
الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس فإذا كان
حكم يناط بعلة فحيثما وجدت العلة أنيط الحكم بها فالدخول
في الجهاد المعنوي يكون بتلك النيَّتَينِ المذكورتين في
الحديث وهما الجهاد في سبيل الله والتصديق بكلماته ولا
يُعوّل على العيش بعدها إلا إن قُدِّر له بذلك لأن الراجع
من أثناء الطريق لم تتم له صفقة وتمام الصفقة هنا هو الموت
على ما هو عليه من مجاهدة النفس في ابتغاء مرضاة الله
تعالى
ولهذا المعنى لما أن جاء لبعضهم ثلاثة نفر يطلبون منه
التربية في السلوك فقال لأحدهم كم تصبر فعَدَّ له أياماً
محصورة فقال له الشيخ ما يجيء منك شيء ثم سأل الآخر فقال
أطيق أكثر منه وعد له الأيام فقال له ما يجيء منك شيء ثم
سأل الثالث فقال أصبر حتى أموت
فقال له ادخل وقد قال بعض الفضلاء من أهل هذا الشأن من
صَدَق وصدَّق قُرِّبَ لا محالة
وإنما يقع الخلل في الجهادَينِ معاً إذا كان الدخول لحظ
دنيوي أو نفساني ومن دخل بهذا
۱ تقدم تخريجه في الحديث ١٣٤
في هذا المعنى روى أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة رضي
الله عنه أن النبي الا الله قال ثلاثة في ضمان الله عزّ
وجل رجل خرج إلى مسجد الله ورجل خرج غازياً في سبيل الله
ورجل خرج حاجاً
۳ كذا بحذف لا
٤ تقدم تخريجه في الحديث ۱۳۰
٥ النَّفر من ثلاثة إلى عشرة من الرجال والجمع أنفار
قصده في الحياة وهو يؤملها فقليل أن يقع النصر لمثل هذا
لأنه عند أقل شيء يرى من العدو يُوَلِّي مديراً للطمع في
الحياة وأما إذا كانت النية ما أشرنا إليه فالخلل لا يدخل
هناك لأن من دخل بنية
ألا يعيش فقلما ينهزم لأنه إذا عاين الموت لا يفر منه
ويقول هو المطلوب والمقصود وأعظم ما
في الجهادين من الوقائع المَوْت فإذا كانت أعظم الوقعات هي
المقصودة فكيف يبالي بما هو
أقل منها
ولهذا المعنى كان النبي له الا الله حين الجهاد يخطب الناس
ويذكّرهم ويعلمهم بما لهم فيه من الأجور مثل قوله عليه
السلام اعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ۱ وكفى بهذا
دليلاً أن الله عزّ وجلّ جعل الفرار منه من الكبائر فقال
تعالى ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَومَذٍ دُبُرَهُ إِلَّا
مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إِلَى فِئَةٍ
فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَنهُ جَهَنَّمُ
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ٣ وقد روي أن الصحابة رضوان الله
عليهم كانوا بعد وفاة النبي الا الله يُسَرُّون صفوفهم
ويذكرون أصحابهم ويعطونهم حتى كان بعضهم ينظر من هو أفصح
في الكلام وأعلى صوتاً فيأمره بالمشي بين الصفوف فيعِظ
الناسَ ويذكرهم بما جاء في الجهاد وكل هذا مندرج في ضمن
قوله تعالى
يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَيْضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى
الْقِتَالِ ۳ وما ذكرناه وأوردناه من جملة التحريض
وكذلك ينبغي في الجهاد الأكبر إذا كان المرء عالماً
بكيفيته وبما كان فيه فبها ونِعْمَتْ وإن لم يكن عالماً
بذلك فليتخذ شيخاً يستند إليه عارفاً بذلك الشأن حتى يبين
له لسان العلم في جهاده ولسان الطريق وما يشترط فيه ولأجل
ترك النظر إلى هذه القاعدة كانت المجاهدة اليوم عند جل
الناس لا تفيد شيئاً لأجل أنهم يدخلون في المجاهدات جاهلين
بها من الطريقين وإن كان لأحدهم علم فيكون في الطريق
الواحد ويترك الآخر ومن حصل له العلم بالطريقين فهو
المرْجُو له الخير وهو على طريق الهدى والتوفيق فطوبى له
ثم طوبى له
ومن رزق التوفيق ولم يكن له علم بهذين الطريقين يحتاج أن
يبذل نفسه فيهما لعله أن ينال
منهما شيئاً أو من بركة أهليهما وقد قال امرؤ القيس ٤
1 أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود في الجهاد والترمذي في
فضائل الجهاد كما أخرجه الإمام أحمد في مسنده
سورة الأنفال الآية ١٦ ۳ سورة الأنفال من الآية ٦٥
٤ أشعار الشعراء الستة الجاهليين اختيار الأعلم الشمري
طبعة دار الآفاق الجديدة بيروت ١٩٧٥ صفحة
TV
ومطلع القصيدة
الَكَ شَوقُ بعد ما كان أقصَرًا وحَلَّت سُلَيمى بَطَنَ
قَوْ فَعَرعَـرا
۹۸
بَكَى صاحِبِي لَمَّا رأى الدَّرْبَ دُونَهُ لَمَّا رأَى
الدَّرْبَ دُونَهُ وأَيْقَنَ أَنَّا لاحِقَانِ بقَيْصَ
فَقُلْتُ لَهُ لا تَبْكِ عَيْنُكَ إنَّما نُحاوِلُ مُلْكاً
أو نَمُوتَ فنُعْذَرا فإذا كان هذا في طلب مُلك الدنيا
فكيف في طلب الآخرة وقد قال علي رضي الله عنه لو كانت
الدنيا من فضة والآخرة من خزف والدنيا فانية والآخرة باقية
لكان الواجب أن يُزهَد في الفانية وإن كانت من فضة ويُرغَب
في الآخرة وإن كانت من خزف فكيف والأمر بضد ذلك وصلى الله
على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً
۹۹
- ١٥٥ -
حديث جواز التحلل من اليمين المنعقدة
صلى الله عليه وسلم
عَن أبي موسى۱ رضي الله عَنهُ قالَ أَتيتُ رَسولَ الله صلى
الله عليه وسلم فِي نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ
نَستَحمِله فقال والله لا أحمِلُكُم وما عِندي ما
أحمِلُكُم عَليهِ وأُتِيَ رَسولُ الله بِنَهْبِ ۳ إِبل
فَسَأَلَ عَنّا فقالَ أينَ النَّفَرُ الأَشْعَرِيُّونَ
فأمرَ لنا بِخَمس ٤ ذَوْدٍ غُرِّ الدُّرَى ٥ فلما انطلقنا
قُلنا ما صَنَعْنا لا يُبارَك لَنَا فَرجعنا إليه فقُلنا
إنا سألناك أن تَحْمِلَنا فَحْلَفَتَ ألا تَحْمِلَنَا
أَفَنسيتَ قَالَ لَستُ أنا حَملتُكُم وَلكِنَّ الله
حَمَلَكُم وإنّي والله إن شاءَ الله لا أحلِفُ على يمين
فأرى غَيْرَها خَيْراً مِنها إِلا أَتَيْتُ الَّذي هُوَ
خَيْرٌ وَتَحلَّلْتُها ٦
*
*
ظاهر الحديث يدل على جواز التحلل من اليمين المنعقدة
والكلام عليه من وجوه
الوجه الأول قوله أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في
نفر من الأشعريين يَرِد عليه سؤالان
الأول أن يُقال لم قال أتيت ولم يقل أتينا وهم كانوا جماعة
فعدل عن اللفظ الحقيقي إلى غيره مع الاحتياج إلى الزيادة
في اللفظ لأنه لو قال أتينا لم يحتج إلى ذكر النفر فلما
قال أتيت احتاج أن يبين مع من أتى وهذا ينافي لغتهم
وفصاحتهم لما فيه من الاختصار والإبلاغ الثاني أن يُقال لم
سمّى النفر من أي قبيلة كانوا
والجواب عن الأول من وجهين
۱ تقدمت ترجمته في الحديثين ٦١ و ١١٧
نستحمله نطلب منه أن يحملنا لنجاهد في سبيل الله
۳ نهب إبل إبل الغنيمة
٤ بخمس ذوي أي بخمس من الدود والذود هو القطيع من الإبل
بين الثلاثة إلى العشرة
٥ غر الذرى في أعالي أسمتِها بياض
٦ تحلّلتها كفرت عنها
الأول أن أبا موسى رضي الله عنه هو سيّد الأشعريين ورئيسهم
وهو صاحب رأيهم
ومدبر أمرهم لأن قبائل العرب كانوا لا يفعلون شيئاً حتى
يسألوا فيه سيد قبيلتهم فهو يخبر أنه كان السبب في مجيء
الأشعريين إلى النبي ا ا ا ا ا و و و و و برأيه و مشورته
أتوا فإن قال قائل لو كان كذلك لقال أتيتُ رسول الله صلى
الله عليه وسلم بنفر من الأشعريين قيل له إنما عدل عن تلك
الصيغة لما نطق به تواضعاً منه لإخوانه الأشعريين لأنه لو
قال ذلك لكان في اللفظ ما يدل على جبرهم في المجيء فلما
ترك ذلك وأتى بـ في زال ذلك وبقي هو مع إخوانه في اللفظ
كأنه واحد منهم الثاني من الجواب يحتمل أن يكون خص ذكر
نفسه دون غيره تبركاً منه باسم النبي لا لا الهلال حتى
يكون اسمه يلي الاسم المبارك ومثل هذا كان الصحابة رضوان
الله عليهم يفعلون كثيراً تبركاً منهم بالاسم المرفع
والجواب عن السؤال الثاني أنه إنما ذكر الأشعريين
وعَيَّنهم لأن الجمع إذا أتى النبي الله في هذا القدر
ويراجعهم ويرجعون إليه بهذا القدر من المحاولة التي ذكرت
في الحديث فلا يكون في الوقت إلا مشهوراً فكان ذكر القبيلة
وتعيينها قرينة لقوة التصديق وهذا كان دأب الصحابة رضوان
الله عليهم مثل عثمان رضي الله عنه حين أخبر عن حديث
الوضوء وقال فيه لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه فأشار
إلى القرينة الدالة على التصديق مع أنه واحد ممن يؤخذ عنه
الدين لقوله عليه السلام عليكم بسنتي وسنة الخلفاء
الراشدين من بعدي 1
ثم يرد سؤال أيضاً على قوله نستحمله وهو أن يُقال لم قال
نستحمله ولم يذكر فيما أرادوا والحملان منه والجواب عنه
إنما سكت عن ذلك للعلم به للقرائن التي قارنته في الحديث
يعلم بها أنه أراد الاستحمال في الجهاد فحذف ذكر الجهاد
إبلاغاً في الاختصار وهو من الفصيح
في الكلام
الوجه الثاني من البحث المتقدم قوله عليه السلام والله لا
أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه ظاهر اللفظ يدل على جواز
اليمين على ألا يفعل الإنسان فعلاً من أفعال البر إذا لم
يقدر عليه لأن حمل هؤلاء إلى الجهاد من أفعال البر فحلف
عليه السلام على ألا يحملهم لكونه لم يقدر على ذلك وقد بين
عليه السلام العلة بقوله وما عندي ما أحملكم عليه وهذا
معارض لقوله تعالى وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً
لِأَيْمَنِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا
بَيْنَ النَّاسِ
۱ قطعة من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه رواه الإمام
أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وصححه
الترمذي وابن حبان سورة البقرة من الاية ٢٢٤
۹۳۱
والجمع بين الآية والحديث أن اليمين هنا ليس المراد منه
ظاهر لفظه لما قارنه من القرائن التي
دلت على بطلانه وذلك ما عُلِم من حال النبي لا لا لا لا
أنه كان في أفعال البر يبذل المجهود فكيف يقع منه يمين على
هذه القربة العظمى ألا يفعلها ذلك محال في حقه عليه السلام
وإنما حلف عليه السلام لهم ليقطع مادة التشويش عنهم لتعلق
خاطرهم في الرجاء لعله بعطيهم فيما بعد فكان يمينه عليه
السلام رفعاً لهذا التشويش وراحة لنفوسهم عند قطع الإياس
وكل ما كان سبباً لرفع
تشويش فهو مستحب
فإن قال قائل فما فائدة قوله عليه السلام لا أحملكم وما
عندي ما أحملكم عليه وأحدهما يغني عن الآخر قيل له النبي
لا لا لا لو كان إذا جاء أحد يطلب منه إن كان عنده شيء
أعطاه وإن لم يكن عنده شيء يكلم أصحابه إن كان فيهم من
يقدر على إعطائه شيئاً فأتى عليه السلام بتينك اللفظتين
ليقطع عنهم مادة التشويش مرة واحدة حتى لا يبقى لهم تعلق
خاطر بإعطائه ولا بكلامه لمن يقدر على أن يعطيهم فقوله وما
عندي ما أحملكم عليه إشارة لهم بأنه ليس عنده ما يحملهم
عليه وقوله لا أحملكم إشارة بألا يتسبب لهم في ذلك
لكن يرد على هذا سؤال وهو أن يقال لم قطع عليه السلام
العادة التي كان يفعل لهؤلاء الأشعريين دون غيرهم وهو كونه
إذا لم يكن عنده شيء نظر في أصحابه وتكلم لهم والجواب عنه
أنه قد يكون النبي لا اله الاهل العلم أن أصحابه ليس عندهم
في ذلك الوقت شيء إلا قدر ما يقوم بحركتهم ولا يفضل لهم
على ذلك فضل حتى يعطوه غيرهم وهم كانوا خارجين إلى الجهاد
فيحتاجون إلى القوة والشدة فإن شاركهم غيرهم فيما عندهم
القتال بسبب ذلك سيما الصحابة رضوان الله عليهم وقد كان
قُوتُهم التمرة والتمرتين فإذا شاركهم غيرهم في هذا النزر
اليسير المعلوم فإنهم لا يطيقون القتال لأن البشر لا بد له
من شيء ما
یسد به رمقه
قد ١
يضعفون عن
وقد روي عن بعضهم أنه كان قوتهم في غزوة من الغزوات تمرة
تمرة ففرّق التمر فجاء أحدهم يأخذ تمرته فقيل له قد أخذتها
فغشي عليه فلم يفق حتى أعطيها وأكلها فقام فإذا كانوا على
هذا الحال فالزائد عليهم ضرر بهم لا مصلحة في خروجه معهم
فترك عليه السلام الطلب لأصحابه لأجل هذا المعنى والله
أعلم
الوجه الثالث من البحث المتقدم قوله عليه السلام وأتي
رسولُ الله بنهب إبل فسأل
۱ كذا والصواب فقد
عنا النهب هو ما يؤخذ من أموال المشركين وهي الغنيمة التي
يضرب عليها بالخيل والرّجل فتؤخذ أموالهم وتنهب من أيديهم
وسؤاله عليه السلام عن النفر الأشعريين حين أتاه النهب
دليل
واضح على أنه ما أراد بيمينه إلا الوجه الذي ذكرناه وهو
رفع التشويش عنهم الوجه الرابع قوله فأمر لنا بخمس ذَوْدٍ
غُرُ الدُّرَى الذود عند العرب هو الجمل الواحد فهو أخبر
أنه عليه السلام أعطاهم خمسة أبعرة وغُرّ الذرى صفة للجمال
وهو بياض يكون في
أعلى أسْنِمَتها وإنما أتى
۳ لأنها قرينة تذهب التهمة في النسيان والغلط لأن من يذكر
هذا
القدر من الجزئيات فقد انتفت عنه التهمة في القضية بكل
ممكن
الوجه الخامس قوله فلما انطلقنا قلنا ما صنعنا فيه دليل
على أن المرء إذا حصل له مراده يُسَر بذلك في وقته حتى قد
ينسى ما كان قبله من شدة فرحه به لأن مراد هؤلاء الأشعريين
كان أن لو وجدوا إعانة للجهاد في سبيل الله و بين يدي
الرسول له له الا الله فلما ظفروا بذلك شغلهم الفرح الذي
دخل عليهم بالطاعة التي قالوها عن ذكر يمين النبي له الا
الله فلما أن سكن ذلك عنهم قليلا ورجعوا إلى أنفسهم فحينئذ
الهموا لذلك فرجعوا إذ ذاك وهذا أمر قلّ أن يثبت عنده إلا
القليل النادر ولا يحصل التثبت هناك إلا لمن داوم على
محاسبة نفسه في كل أنفاسه واستغرق في المراقبة حتى يذهل عن
لذة الطاعة ولذيذ النعم مع أن من وجد هذه اللذة بالطاعة
حتى يذهل في الحين عن أموره لما توالى عليه من محبتها فهو
مقام سَنِيّ لكنَّ ما أشرنا إليه أرفع وأعلى الوجه السادس
قولهم لا يبارك لنا هذه البركة التي خافوا من زوالها
احتملت وجهين
الأول أن يكونوا أرادوا بزوالها أنهم لا يبلغون بها ما
أملوا
الثاني أن يكونوا أرادوا لا يبارك لهم في أثمان تلك الجمال
ولا في رقابها لكونهم لم يأخذوها على الوجه المَرْضِيّ
لأنه تعيَّن عليهم فيه النصح للنبي ل لا ل ا ل لقوله عليه
السلام النصيحة الله ولرسوله ٤ وهم كانوا عالمين بيمين
النبي فتعين عليهم نصحه فخافوا من زوال البركة
1 الرَّجِل اسم جمع للراجل وهو عكس الفارس الذود للقطيع من
الإبل الثلاث إلى العشر وقيل ما بين الثلاث إلى العشر وقيل
إلى أكثر من ذلك وقول بعضهم الذود إلى الذود إبل يدل على
أنها في موضع اثنتين لأن الثنتين إلى الثنتين جمع وقال ليس
فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة فقد جعل الناقة الواحدة
ذودا وعلق أبو منصور على ذلك فقال هو مثل قولهم رأيت ثلاثة
نفر وتسعة رهط وما أشبهه قال اللغويون الأود جمع لا واحد
له من لفظه كالنَّعَم وقال
بعضهم الذود واحد وجمع
۳ كذا والصواب بصفتها ٤ تقدم تخريجه في الحديث ١٥٢
۹۳۳
لأجل ما تعين عليهم بسببه فلم يفعلوه لأن الصحابة رضوان
الله عليهم كانوا يتوقون أشياء حلالاً محضاً مخافة وقوعهم
في الحرام كما قال بعضهم كنا ندع سبعين باباً من الحلال
مخافة أن نقع في الحرام لأن الحرام ترتفع منه البركة
ظاهراً وباطناً أما الباطن فإنه يحدث الظلمة في القلب
والقساوة وأما الظاهر فإنه يحدث الكسل عن العبادة
والامتهان بحقها مع أن البركة ترتفع منه ارتفاعاً محسوساً
لأنه إذا كان الشيء حراماً ما يقوم باثنين يستعمله رجل
واحد ولا يكفيه لزوال البركة منه وذهابها وكذلك أيضاً في
الضدّ وهو الحلال لا بد من ظهور البركة فيه محسوسة ومعنوية
وبالمحسوسة يستدل على المعنوية في كلا الطرفين في الحلال
والحرام فإذا بورك في طعام وقام باثنين منه ما يقوم
بالواحد علم أن البركة المعنوية حاصلة
فيه بالضمن
ولهذا المعنى لما أن وجد أبو بكر رضي الله عنه في الصحفة
التي قدمها إلى الأضياف فأكلوا منها وهي باقية على حالها
لم تنقص ثم أكل هو وأهل بيته وهي على حالها لم تنقص أتى
بها النبي يعلمه بتلك البركة المعنوية فيها بما شهد له
ظاهرها فاستدل بالحسي على المعنوي ولأجل هذا المعنى كان
طعام أهل الخير والصلاح أبداً فيه من البركة ما ليس في
غيره لأجل أنهم يبحثون على الحلال أكثر من غيرهم فكانت
البركة لديهم ظاهرة وباطنة فاستعانوا بذلك على العبادة
والاستمرار عليها وتنوَّرت بواطنهم وقل تسبّبهم في أسباب
الدنيا للبركة الحسية والمعنوية الموجودة في طعامهم
الوجه السابع من البحث المتقدم قوله فرجعنا إليه فقلنا إنا
سألناك فحلفت ألا تحملنا أفنسيت فيه دليل على أن الشيء إذا
كان فيه محتملات وأحدها أبرأ للذمة فالسنة فيه أن يؤخذ بما
هو الأبرأ للذمة لأن العطية النبي لا لا لا ل ل ل لهم
الإبل تحتمل وجهين أحدهما أن يكون أعطاهم ذلك علمه باليمين
والثاني أن يكون أعطاهم ناسياً له
مع
فإن كان الأول فليس عليهم فيه شيء لأنه عليه السلام هو
المشرع وما يفعل إلا ما هو الأمر الذي يتدين به لأن منه
يُؤخذ الدِّين وتُتلقى الأحكام وإن كان الثاني فليس عليه
أيضاً فيه شيء لقوله عليه السلام رفع عن أمتي الخطأ
والنسيان ۱ لكن يتعين عليهم في ذلك النصح لأنهم سمعوه حين
حلف وهم الآن ذاكرون لذلك قادرون على زواله إن كان نسياناً
فخافوا من أحد المحتملات فأخذوا بالأبرأ للذمة حتى أزالوا
ما كان هناك من الشبهة وعلموا وجه الصواب في المسألة
والشبهة هناك ما أشرنا إليها وهي تركهم النصيحة لرسول الله
صلى الله عليه وسلم
۱ تقدم تخريجه في الحديث ۸۳
٩٣٤
الوجه الثامن قوله عليه السلام لست أنا حملتكم ولكن الله
حملكم فيه دليل على أن
المرء ينظر في عمله الصالح بنظر الحقيقة والتوحيد فكل ما
يصدر منه من أنواع الخير يرى أن الله تعالى هو الفاعل لذلك
حقيقة ومن عليه وتفضل بأن أظهر ذلك وأجراه على لسانه أو
يديه لأن النبي الله لما أن أجرى الله تعالى هذا الخير على
يديه - وهو حمل الأشعريين إلى الغزو - تبرأ من فعله ذلك
ونسب حملهم إلى الله تعالى لا لنفسه المكرمة وتدبيره
وكذلك أيضاً يجب أن ينظر بالعكس عند ترك الأعمال أو وقوع
المخالفة وكل ما فيه نقص ينسب كل هذا وما أشبهه إلى النفس
وينظر إذ ذاك من طريق التكليف والأمر لأن النبي الله لما
أن امتنع من حمل الأشعريين نسب الامتناع لنفسه المكرمة
فقال والله لا أحملكم ولم يقل لهم الله منعكم من الحمل
لأنه ما أعطاني ما أحملكم عليه وهذا من التأدب مع الربوبية
والتعمق في ميدان الحقيقة والتوحيد مع النظر بالحكمة
والتكليف فمن كانت قاعدته هذه فهو السعيد لأن وجود هذه
الخصلة علم على التوفيق
يدل على ذلك قصة آدم عليه السلام لما أن يسر للسعادة نظر
إلى هذه القاعدة فسلك هذا المنهاج فنسب الخطيئة التي وقعت
منه لنفسه فقال ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن
لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا
لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴾ ۱ فتاب الله عليه وجعله
من أصفيائه ومن كانت قاعدته عكس ما قررناه أو كان نظره في
كل أموره بغير نظر التوحيد فذلك عَلَم على شقائه وخسرانه
لأن وجود هذه الخصلة يدل على ذلك
يشهد لذلك قصة إبليس اللعين لما أن يُسر للبعد والشقاء
والطرد والخذلان حين امتنع من السجود لم يعترف بعد ذلك على
نفسه بالخطأ وإنما نظر إلى الحقيقة فقال لو شاء الله أن
أسجد لسجدت فكان ذلك سبباً إلى خذلانه
الوجه التاسع قوله عليه السلام وإنّي والله إن شاء الله لا
أحلف على يمين فأرى غيرها
خيراً منها إلا أتيتُ الذي هو خيرٌ وتحلَّلْتها فيه دليل
على جواز التحلل من اليمين وقد تقدم
وقد اختلف الفقهاء هل الكفارة تكون قبل الحِنْث عند العزم
عليه أو لا تكون إلا بعد وقوعه على قولين وسبب الخلاف هذا
الحديث وما جاء في رواية أخرى أنه عليه السلام قال ثم
تحلَّلتُ من يَميني فجاء فيما نحن بسبيله بـ الواو وهي
ليست تفيد الترتيب وأتى في الحديث الآخر بـ ثم التي تفيد
أن الحنث وقع قبل لأنها للمهلة والتراخي واستثناؤه عليه
۱ سورة الأعراف من الآية ۳
٩٣٥
السلام هنا هو من باب التأدب مع الربوبية لأن اليمين بغير
استثناء قطع على القدر ألا ينفذ ولهذا المعنى قال مالك
رحمه الله لمن أخبره أنه وقف بعرفة وتاب وحلف أنه لا يقع
في مخالفة أبداً فقال له بئس ما صنعت ما وقعت فيه أشدُّ
مما تبتَ منه لأنك آليت على الله ألا ينفذ قضاؤه وقدَرُه
فكان استثناء النبي الأجل هذا المعنى
ولأجل النظر إلى ما أشرنا إليه ذهب ابن عباس رضي الله
عنهما إلى أن الاستثناء يجوز ولو بعد سنين فالاستثناء له
سائغ لأنه نظر أن اليمين بغير استثناء قطع على القدرة وذلك
قلة أدب واحترام بجانب الربوبية وإن كانت الأيمان قد
أُبيحت لنا في شرعتنا لأن ذلك من باب المنّ والتوسعة وقد
كان عيسى عليه السلام يقول لبني إسرائيل وأنا
وَصَّيْتُكُمْ ألا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين فجعل
ابن عباس رضي الله عنهما الاستثناء في هذا اليمين إذا وقع
كالتوبة من الذنب والتوبة مرغب فيها إلى وقت التعزير فإذا
كان استثناء المرء لأجل هذا المعنى ـ وهو الرجوع عما وقع
منه من سوء الأدب - فاستثناؤه سائغ وهو يخرجه عما عقد من
اليمين وإنما ذهب رضي الله عنه إلى هذا لأجل أنه في خير
القرون فقل أن تقع اليمين من أحدهم وإن وقعت فيكون رجوعهم
للاستثناء لأجل هذا المعنى لا لشهوات أنفسهم فلما استقرأ
من أحوال أهل زمانه وما هم عليه كانت فتياه بهذا ولأجل عدم
هذا أنكر قوله من أتى بعده من الفقهاء ولم يعلموا له وجهاً
في الغالب لأن الناس قد تغيروا عما كانوا عليه فمن العلماء
من فهم معناه ومنهم من لم يفهمه ومن فهمه لم يقدر أن يبدي
ذلك لأهل زمانه لأن الغالب عليهم تفضيل شهواتهم وتقديمها
فقد يدعون أنهم أرادوا الوجه الذي ذكرناه وهم لم يريدوا
إلا شهوات أنفسهم واتباع أهوائهم فكان ترك ذكر بيان مذهبه
سداً للذريعة
ولأجل هذا يقال لا بد في كل زمان من عالم يبين الدين بحسب
ما يحتاج إليه في الوقت يؤيد هذا قوله عليه السلام كانت
بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي جاء بعده نبي
وإنه لا نبي بعدي وإن علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ۱
۱ مؤلف من حديثين الأول من قوله كانت بنو إسرائيل إلى وإنه
لا نبي بعدي والثاني من قوله وإن علماء أمتي
إلى اخره
أما الأول فمتفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
ولفظه كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه
نبي وأنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما
تأمرنا قال فوا بَيْعَةَ الأول فالأول وأعطوهم حقهم الذي
جعله الله لهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم وأما الثاني
فقد أورده الألباني في السلسلة الضعيفة ٦٦٦ والفتني في
تذكرة الموضوعات ۰ وعلي القارى في الأسرار المرفوعة ٢٤٧
والعجلوني في كشف الخفا ۸۳/ والشوكاني في الفوائد المجموعة
٢٨٦ والسيوطي في الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ۱۱۳
٩٣٦
ثم اختلف الفقهاء اختلافاً كثيراً متى ينفع الاستثناء كل
منهم ذهب إلى ما اتضح له عليه
الدليل ولكل واحد منهم نظر صحيح ولولا التطويل لأوضحنا
تصحيح مذاهبهم وبيناها فإن قال قائل لو كان الوجه في
الاستثناء ما ذكرتم لم يصدر اليمين من النبي صلى الله عليه
وسلم بغير استثناء لأنه قد حلف ألا يحملهم ولم يستثن قيل
له قد بينا الوجه الذي لأجله حلف هناك فلو استثنى إذ ذاك
لزال المقصود مما أريدت اليمين له وبقيت النفوس متشوفة
متطلعة
فإن قال قائل لم قال عليه السلام ذلك عن نفسه المكرمة ولم
يقل من حلف على يمين ورأى خيراً منها يأتي الذي هو خير
ويكفر عن يمينه قيل له إنه لو عَدَل عن ذكر نفسه المكرمة
إلى ذكر غيره لكان في المسألة توقف من باب الورع لأنه قد
يؤخذ ذلك منه على باب الرخص والتوسعة ويُرى أن الأولى
البقاء على اليمين من غير إيقاع الحنث فلما أن أخبر بذلك
عن نفسه المكرمة عُلم أن الأولى ما فَعَل هو عليه السلام
يبين هذا ويوضحه قصة أم سَلَمة حين قالت للنبي إنهم لم
يعصُوكَ وإنَّما اتَّبَعوك ۱
وقد أوردناه في حديث الإفك وبيَّنا هذا المعنى بنفسه والله
المستعان وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه
وسلّم تسليماً
۱ تقدم تخريجه في الحديث ۱۱۹
۹۳۷
-١٥٦-
حديث تحريم أكل الحمر الأهلية
عَن عَبْدِ الله ۱ بن أبي أوفى رَضي الله عَنهُ يَقولُ
أصابتنا مَجاعَةٌ لَيالي خَيْبَر فَلَمّا كانَ يَومُ خَيرَ
وقَعنا في الحُمُرِ الأهليَّةِ فانتحرناها فلمّا غلَتِ
القُدورُ نادى رَسولُ الله أَكْفِئوا ۳ القُدورَ ولا
تَطْعَمُوا مِن لحومِ الحُمُر شَيئاً قالَ عَبْدُ الله
فَقُلنا إِنَّمَا نَهَى ا رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم
عَنها لأَنَّها لَم تُخَمَّس ٤ قَالَ وَقالَ آخَرون
حَرَّمها البتة وَسَألتُ سَعيد بن جُبَيرٍ ٥ فقالَ حَرمها
البَيِّةَ
ظاهر الحديث يدل على تحريم أكل الحمر الأهلية والكلام عليه
من وجوه الوجه الأول قوله أصابتنا مجاعة ليالي خيبر ٦ هذه
الليالي هل هي على العموم في الليالي أو هو لفظ عام يراد
به الخاص ويكون معناه في بعض ليالي خيبر محتمل للوجهين
معاً وإضافة ليالي إلى خيبر يحتمل وجهين أيضاً أحدهما أن
يكون أراد حين السير إليها الثاني أن يكون أراد حين مشيهم
على حصونها فعلى القول بأن الإضافة إلى الليالي على العموم
- وهو الخروج من أول السفر - فهو مرجوح لأن أحداً لا يخرج
بغير شيء من الزاد فإن كان على معنى التخصيص احتمل وأما إن
كان المراد المشي على حصونها فاحتمل الوجهين
معاً العموم والخصوص
۱ تقدمت ترجمته في الحديث ١٤٤
وقعنا غنمنا وأخذنا
3 أكفنوا اقلبوا
4 لم تُخمَّس لم يؤخذ خُمسها وهو حق الله في الغنائم ٥
تقدمت ترجمته في الحديث ٤٨
٦ ليالي خيبر وخيبر بلدة شمالي المدينة المنورة مشهورة
بزراعة النخيل وكان يسكنها اليهود وفتحها النبي سنة سبع أو
ثمان من الهجرة عنوة نازلهم شهراً أو قريباً من شهر ثم
صالحوه على حقن دمائهم ثم صالحوه على شروط أقرها ورضي بها
ولما تولى الخلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أجلاهم عنها
تحقيقاً لقوله
لا يجتمع دينان في جزيرة العرب
۹۳۸
الوجه الثاني قوله فلما كان يوم خيبر يوم خيبر يحتمل وجهين
أحدهما أن يكون أراد يوم فتح خيبر الثاني أن يكون أراد يوم
قدومهم على خيبر أما الأول فمرجوح لأنه لو كان المراد به
الفتح لم يكونوا لينحروا الحمر الأهلية لأن الفتح إذا كان
بالضرورة يكون الطعام كثيراً لديهم لأن حصناً من الحصون
يكون معموراً لا يخلو من الطعام البتة
الوجه الثالث قوله وقعنا في الحمر الأهلية الوقوع فيها هو
غنيمتهم إياها بغير قصد لأنك
تقول فلان وقع في كذا إذا لم يقصده وإنما وقع فيه بحكم
الوفاق
وهي
الوجه الرابع قوله فانتحرناها نحرهم لهذه الحمر لا يخلو أن
يكونوا عالمين بتحريمها أو لم يكن لهم علم بذلك فإن كانوا
عالمين بالتحريم فيكون ذبحهم لها من أجل الاضطرار إليها -
المَخْمَصَة ١ التي أصابتهم - ففعلهم هذا اتباع للأمر لأنه
قد أحل للمضطر أكل الميتة وذلك إذا مرت عليه ثلاثة أوقات
والحمر الأهلية مثل الميتة سواء كلاهما يعمهما التحريم
لغير موجب فعمتهما الإباحة للموجب لأن ما لا يؤكل إذا
ذُكِّي فهو ميتة فحكمه حكم الميتة وإن كانوا غير عالمين
بالتحريم ففيه دليل لمن ذهب من العلماء أن الأصل الإباحة
حتى يَرِد النهي لأن العلماء اختلفوا في هذا المعنى على
قولين فمنهم من ذهب إلى أن الأصل الحظر حتى يتبين التحليل
ومنهم من ذهب إلى أن الأصل الإباحة حتى يرد النهي فإن كان
الأصل الحظر فما استباحوها إلا الموجب وهو العذر وإن كان
الأصل الإباحة فهم ما أحدثوا شيئاً وإنما استصحبوا الأصل
وقوله انتحرناها احتملت وجهين أحدهما أن تكون من أبنية
المبالغة أي سارعوا إليها
بأنفسهم ولم يتركوا لها غيرهم واحتمل أن تكون بمعنى التسبب
أي تسببوا في نحرها بالأمر ثم بقي على الفصل سؤال وهو أن
يقال لم انتحروها أولاً عند وقوعهم في الحمر من غير أن
يستأذنوا النبي لي في ذلك او الجواب عنه من وجهين وهما ما
تقدم هل الأصل الإباحة أو الحظر فإن كان الأصل الإباحة فقد
تقدم توجيهه وإن كان الأصل الحظر فقد تقدم توجيهه أيضاً
الوجه الخامس من البحث المتقدم قوله فلما غلت القدور نادى
منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفئوا القدور ولا
تَطْعَموا من لحوم الحمر شيئاً أكفئوا القدور بمعنى
حوّلوها عن النار ولا تطعموا من لحوم الحمر شيئاً أي لا
تأكلوا منها شيئاً
ويرد على هذا الفصل سؤالان الأول أن يقال لم أمر بالإكفاء
عند غليان القدور ولم يأمر به قبل ذلك الثاني أن يقال لم
نهاهم عن أكلها وقد كانت لهم مباحة لوجود الاضطرار إليها
۱ المَحْمَصَة المجاعة
۹۳۹
جميع
والجواب عن الأول أنه قد جاء في رواية أخرى زيادة تبيّن
هذا المعنى قال فيها لما رأى
كثرة النيران سأل عنها فقيل له انتحرنا الحمر الأهلية فأمر
عليه السلام إذ ذاك وفي هذا دليل على كثرة مشاهدته عليه
السلام لشأن أصحابه وما يزيد عليهم وما ينقص والسؤال عن
أحوالهم فعلى هذا فيجب على كل من كان راعياً على أي شيء
استرعي دوامُ النظر إليه والالتفات لما يزيد فيه وينقص حتى
يعلم ما حكم الله تعالى فيما يظهر من الزيادة والنقص
فينفذه وهذا على التفسير الذي ذكرناه قبل في غير هذا
الحديث من رعاية الأعلى إلى الأدنى حتى إلى جوارحه لأن
الغفلة عن ذلك توقع الخلل يؤيد هذا قوله عليه السلام في
صفة المؤمن كيس حَذِرٌ فَطِنٌ ۱
والجواب عن الثاني أنه عليه السلام إنما نهاهم عن أكلها
لوجود ما هو أحسن منها وهي الخيل لأنه قد جاء في حديث غير
هذا أنهم انتحروا الخيل هناك فقد يكون الصحابة رضوان الله
عليهم تركوا الخيل لاحتياجهم إليها للقتال فاختاروا أكل
الحمر للمنفعة التي يؤملونها في ترك الخيل فأمرهم النبي
الا الله و أن يتركوا ما أرادوا فعله وأن يقيموا ضروراتهم
بالخيل لأنها ليست بحرام ففضل عليه السلام أقل
الضَّرَرَيْن لأن الحمر عينها حرام لا يجوز أكلها شرعاً
والفرس حلال على المشهور من الأقاويل ليس فيه غير ما يؤمل
من فائدة القتال عليه والضرر الذي يلحق من أجل ذبحه متوقع
هل يقع أو لا يقع وهو احتياجهم إليها حين القتال وهذه
الخيل يحتمل أن يكون وقعوا فيها مع الحمر فتركوها للجهاد
وفضلوا أكل الحمر عليها لأجل علة الجهاد ويحتمل أن تكون
خيلهم التي خرجوا بها
وفيما قررناه دليل على أن المرء ينظر في أموره وتصرفاته
فإذا اجتمع له أمران فإن كانا أخذ أعلاهما وإن كانا شرّاً
أخذ أدناهما
ولأجل العمل على هذه القاعدة استراح أهل الصوفة من مكابدة
الدنيا وهمها لأنهم أخذوا أقل الضّرَرين - وهو ما لهم في
الدنيا من المجاهدات - لتحصل لهم الراحة الدائمة في الآخرة
فحصل لهم بضمن ذلك الراحتان معاً لأن أكبر الراحات في
الدنيا هو الزهد فيها وهو أول قدم عندهم في السلوك وقد قال
عليّ رضي الله عنه لو كانت الدنيا من فضة والآخرة من خزف
وكانت الدنيا فانية والآخرة باقية لكان الأولى أن يُزهَد
في الفانية ويُعمَل للباقية فكيف والأمر
بضد ذلك
ولأجل ترك النظر إلى هذه القاعدة تعب أهل الدنيا التعب
الكلّي فهم أبداً يؤملون الراحة
۱ رواه القضاعي عن أنس رضي الله عنه
٩٤٠
لأنفسهم ويعملون عليها والشقاء والتعب يستقبلهم فلم يزالوا
على هذا الحال حتى يفاجئهم الموت وهم في تعب وضنى ثم
يرجعون إلى تعب أكثر مما كانوا فيه وهي المحاسبة على ما
جمعوا وفيما أنفقوا ولهذا قال الغزالي رحمه الله مساكين
أهل الدنيا طلبوا الراحة فأخطأوا الطريق فاستقبلهم العذاب
ومعناه ظاهر لأنهم قصدوا الراحة ورأوا أنها لا تكون إلا
بحطام الدنيا فأخذوا في جمعها وصبروا على ما فيها من الكد
وفاجأهم الموت ولم يحصل لهم ما أملوا من الراحة فيها ثم
انتقلوا إلى التعب الآخر الذي تقدم ذكره
ثم بقي على الفصل سؤال وارد وهو أن يقال لم ذكر الإكفاءَ
وتركَ الإطعام ۱ وذِكْرُ أحدهما يغني عن الآخر والجواب عنه
أنه إنما أمر أولاً بالإكفاء لأن ما ظهر منكر يحتاج إلى
تغييره فقدمه
وفيه دليل على الإسراع لتغيير المنكر عند معاينته لأن
النبي ل لا ل ل لم يتركه حين راه حتى غيَّره وتغييره على
أقسام وقد ذكرناه في غير ما حديث ووجه ثان وهو أنه لو
اقتصر لهم على قوله أكفئوا القدور لحملوه على العموم في
الكل ويحتمل أن يكون في القدور ما هو حلال
فلما عقب ذلك الأمر بذكر المُحَرَّم أعطاه قوة الكلام ألا
يكفاً من القدور إلا ما نُص على تحريمه وفي هذا دليل على
أن أمر الشارع عليه السلام يؤخذ على عمومه ولا يخصص ولا
يتأول إلا في مواضع لا يمكن فيها العموم لقرينة تخصصه ومما
يؤيد هذا فعله عليه السلام حين أنزل الله عليه وَاللهُ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فأخذها على العموم ولم يخصص
ناساً دون آخرين ولا وقتاً دون وقت وإنما قال لأصحابه
اذهبوا فإن الله قد عصمني من الناس ۳ وكان كذلك وبقي فيما
بعد لا يقي نفسه المكرمة بشيء ثقة لانه لا اله الا بالله
تعالى وبعموم اللفظ ولأجل أخذه على العموم من غير تأويل
على ما قررناه سعد أهل التوفيق السعادة العظمى لأنهم سمعوه
عزّ وجلَّ يقول في كتابه يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ
اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فعملوا على
الاتباع ولم يلتفتوا لغيره فصدّقوا وصَدَقوا في الإيمان
والاتباع فأنجز لهم ما وُعِدوا
والمتأولون دخلوا في التعب والحيرة
۱ كذا ونص الحديث يقتضي ترك الطعام سورة المائدة من الآية
٦٧
۳ رواه الترمذي عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت كان
رسول الله هل الله يُحرس ليلا حتى نزل ﴿ وَاللهُ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فأخرج رسول الله ل ورأسه من
القبة فقال يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله تعالى
٤ سورة الأنفال الآية ٦٤
٩٤١
وقد حكي عن بعض الفضلاء أنه رأى شيئاً من آثار القدرة ولم
ير نفسه لذلك أهلاً فجعل يعتذر ويتذلل فقيل له عملت على
الحق فأُريتَ الحقيقة وعملوا على التأويل فعوملوا بحسب ما
عملوا وعند الله تجتمع الخصوم
وفيه دليل أيضاً على أن الإمام ينظر في مصالح رعيته على
العموم وعلى الخصوص ويحذر من أن ينفع قوماً ويتضرر آخرون
بسببه لأن النبي ل لا ل ل ل ل لما أن أمر بإكفاء القدور
خشي أن يقع بأحدٍ مضرة لعموم اللفظ فأتى بما يخصص المقصود
ولا يلحق به مضرة لمخلوق كما ذكر الوجه السادس من البحث
المتقدم قوله فقلنا إنما نهى النبي الله عنها لأنها لم
تُخَمَّس
وقال آخرون حرّمها البتة إلى اخر الحديث فيه وجوه الأول أن
السؤال والبحث في الأمر لا يكون إلا بعد الامتثال لأن
الصحابة رضوان الله عليهم لما أن أمرهم النبي الا الله بما
أمر امتثلوا الأمر في الحين ولم يعترضوا ولم يبحثوا فلما
أن كان بعد امتثالهم حينئذ رجعوا إلى البحث المتقدم في
التحريم هل هو لعلة أو لغير علة وأفاد اجتهاد بعضهم أنه
تعبُّد لغير علة واجتهاد بعضهم الآخر أنه لعلة وذكرها
الثاني أن المجتهدين إذا اختلفوا في الحكم وكان في زمانهم
من هو أعلم بالفتوى منهم يأتون إليه ويسألونه عن قضيتهم
لأن الصحابة رضوان الله عليهم لما أن وقع الخلاف بينهم
وقال كل منهم باجتهاده أتوا إلى سعيد بن جبير الذي هو من
كبار التابعين وفضلائهم فسألوه الثالث هل التحريم لعلة أم
لا فإن قلنا إن التحريم تعبد فلا بحث وإن قلنا إنه لعلة
فهل هي معقولة المعنى أم لا الظاهر أنها لعلة وهي معقولة
المعنى بيان ذلك أن الله جلّ جلاله هو بالمؤمنين رؤوف رحيم
كما أخبر في كتابه وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ۱
فهو عزّ وجل يختار لهم ما هو الأصلح في حقهم فيأمرهم به
وما يعلم أنه ضرر في حقهم ينهاهم عنه وبنو ادم بذلك جاهلون
فلو قيل لهم افعلوا أو لا تفعلوا ولا يناط بذلك ثواب ولا
عقاب لكان بعضهم يفعلون أشياء يضرون بها أنفسهم فمن لطفه
عزَّ وجلَّ جعل الثواب والعقاب على ارتكاب المخالفة حتى
يسلموا من بليتها ثم جاد عزَّ وجلَّ وتفضل بالتوبة على من
وقع فيها إذا رجع عنها كل هذا لطف منه عزَّ وجلَّ
بالمؤمنين ورحمة وكل مخالفة بلاؤها ظاهر لا يخفى وإنما يقع
الكلام على ما نحن بسبيله وما كان من جنسه نشير إليه
لِيُتَيَقّظ إلى هذه الحكمة العظمى واللطف الأكبر بيان ذلك
أن الحمار معروف بالبلادة وهي تتعدى لأكله على ما عهد مع
قساوة القلب الذي
۱ سورة الأحزاب من الآية ٤٣
٩٤٢
تحدث ۱ به به وهذا ضد صفة المؤمن لأن من صفة المؤمن أن
يكون كيساً حَذِراً فَطِناً والبلادة تذهب بهذه الأوصاف
أيضاً فعلى المؤمن أن يكون خائفاً راجياً وقساوة القلب
تذهب بذلك فحرمه الشارع عليه السلام لأجل هذا المعنى لأن
الله جل جلاله أرسله رحمة للعالمين ومما يقاربه في الشبه
الميتة أيضاً لأنها سم قاتل فإذا أكلت عادت بالضرر فحرمها
عزّ وجلّ لأجل هذا المعنى فإذا بقي المرء ثلاثة أوقات كثر
سم بدنه فغلب على سم الميتة فلم تضرَّه فأحلها عزّ وجلَّ
لزوال المضرة منها ولما كان الفرس ليس فيه مضرة غير أنه
إذا ديم على أكله أحدث القساوة في القلب كان أكله مكروهاً
ثم بهذه النسبة جميع الأشياء الكراهية فيها والتحريم
بحَسَبِ ما كان فيها من الضرر ومن رزق النظر بالنور يجده
محسوساً ومعنوياً على ما ذكره العلماء والفضلاء وبالله
التوفيق وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه
وسلّم تسليماً
3
٩٤٣
1 أي تحصل وتصير
11001
حديث استحباب أوقات الشروع في القتال
عَنِ النُّعمانِ بنِ مُقرِّنٍ ۱ رضيَ الله عَنهُ قالَ
شَهِدتُ القِتالَ مَعَ رَسول الله صلى الله عليه وسلم
وَكانَ إذا لم يُقاتِل في أوَّلِ النَّهارِ انتظرَ حَتَّى
تُهُبَّ الأرواحُ ٢ وَتحضرَ الصَّلاةُ
وجوه
*
ظاهر الحديث يدل على أن السنة في القتال غُدْوَة ۳ النهار
أو عشيته والكلام عليه من
الوجه الأول أن هذا القتال غُدوة أو عشيّة لعلة أم لا فإن
قلنا إنه لغير علة فلا بحث ويبقى تعبداً وإن قلنا إنه لعلة
فما هي العلة الظاهر أنه لعلة والعلة فيه على ضربين محسوسة
ومعنوية والمحسوسة على ضربين عامة وخاصة
فالعامة هي ما يكون في هذين الوقتين - أعني أول النهار
وعشيته - من هبوب الأرواح وقوة الأبدان من عاقل وغير عاقل
ونشاطها إذ ذاك لما في الوقتين من برودة الهواء وجَمام
النفوس من الراحة المتقدمة فمتقدم راحة الغدو استراحة
الليل لأنه جعل سكناه ومتقدم راحة العشي
1 النعمان بن مقرن المزني أبو عمرو صحابي فاتح من الأمراء
القادة الشجعان كان معه لواء مزينة يوم فتح مكة وسكن
البصرة ثم تحول عنها إلى الكوفة ووجّهَهُ سعد بن أبي وقاص
بأمر الخليفة عمر إلى محاربة الهرمزان فزحف بجيش الكوفة
إلى الأهواز وهزم الهرمزان وتقدم إلى تستر فشهد وقائعها
وعاد إلى المدينة بشيرا بفتح القادسية ووصلت أخبار إلى عمر
بن الخطاب باجتماع أهل أصبهان و همدان والري وأذربيجان
ونهاوند فأقلق ذلك عمر فولاه قتالهم وخرج النعمان إلى
الكوفة فتجهز وغزا أصفهان ففتحها وهاجم مقتله دخل المسجد
ونعاه إلى الناس على المنبر ثم وضع يده على رأسه
نهاوند فاستشهد فيها ولما بلغ عمر يبكي وكان استشهاده سنة
٢١ هـ / ٦٤٢م الأعلام ۹۹ الأرواح مفردها ريح وهو الهواء
إذا تحرك ويجمع كذلك على أرياح ورياح والأرواح - أيضاً -
مفردها روح
وهو نسيم الريح والرحمة والراحة تقول وجدت روح الشمال برد
نسيمها ويوم روح طيب الريح ۳ الغُدوة ما بين الفجر وطلوع
الشمس ٤ الجمام الراحة
٥ السكن كل ما سكنت إليه واطمأننتَ به ومنه قوله تعالى
﴿وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنا
٩٤٤
استراحة القائلة ۱ لأن استراحة القائلة من السنة لقوله
عليه السلام قيلوا فإن الشياطين لا تقيل
هذه هي العامة
وأما الخاصة التي هي للعاقل دون غيره فما يحصل له من قوة
اليقين ونشاط النفس وما لها في هذا الفعل من الأجر العظيم
لنكاية العدو لأن قوى الأبدان العاقلة وغير العاقلة من
أعظم مواد
النكاية للعدو
وأما المعنوية فما في الوقتين من الزيادة في الإيمان وقوة
المدد المعنوي وهو في النصر أقوى من الحسي فأما قوة
الإيمان فإن هذين الوقتين إثر تعبد وطاعة الله تعالى
والإيمان يقوى عند التعبد والطاعات كما يضعف عند المخالفات
وأعظم موجبات النصر هو الإيمان لأن الله تعالى يقول في
كتابه ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
فقوة الإيمان أعظم في مواد النصر من المحسوسات للوعد
الجميل وقد روي أن عمر رضي الله عنه بعث سرِيّة من السرايا
ثم جاء البشير بالنصر والفتح فقال أي وقت كانت المقاتلة
فقالوا غدوة فقال ومتى كان النصر فقالوا عشية فبكى رضي
الله عنه حتى بلت دموعه لحيته فقالوا كيف تبكي والنصر لنا
فقال والله ما الكفر يقف أمام
الإيمان من غدوة إلى عَشيّة إلا من أمرٍ أحدثتموه أنتم أو
أنا فلم ينظر إلى النصر إلا بقوة الإيمان وأما قوة المدد
المعنوي أيضاً فهو من وجهين وقد نص عليه السلام عليهما في
غير هذا الحديث فأحدهما الريح لأنه عليه السلام قال
نُصِرتُ بالصَّبا ۳ حتى لقد ذهب بعض العلماء أنه لم يكن قط
نصر بغير ريح والصَّبا ريح ليّنة شرقية وقد قيل إنها من
الجنة وما كان من الجنة فهو للمؤمنين عون وعلى الكافرين
وبال
أما الوجه الآخر فهو الدعاء من المؤمنين لأنه قد جاءت
زيادة في رواية غير الحديث الذي نحن بسبيله ويدعو لكم
إخوانكم المؤمنون 4 وقال عليه السلام في حديث ذكر فيه
فضيلة الدعاء جند من جنود الله فيجب أن يغتنم هذا الوقت
الذي يكون فيه هذا المدد العظيم ويترتب على هذا من الفقه
أن يدعو المرء بعد صلواته وفي الأوقات التي يرجى فيها
القبول
لإخوانه المؤمنين شرقاً وغرباً ليكثر لهم المدد الذي يرجى
به النصر
القائلة النوم في الظهيرة والفعل قال يَقِيلُ
سورة الروم من الاية ٤٧ ۳ تقدم تخريجه في الحديث ١٤٤ ٤
تقدم تخريجه في الحديث ١٤٤ ٥ رواه ابن عساكر عن نمير بن
أوس مرسلاً
٩٤٥
وقد روي أن عبد الملك بن مروان خرج في بعض غزواته فسأل عن
بعض صالحي الوقت فطلب فوجده في مسجد متوجهاً يصلي فقال
أخرجوا على بركة الله سبابته في القبلة عندي خير من كذا
وكذا فارساً فلما بلغوا الحصن الذي أملوا انهدت شقة من
سُورِه ففرح الجيش فقال ليس ذلك منكم وإنما هو ببركة تلك
السبابة التي في القبلة
الوجه الثاني من البحث المتقدم فيه دليل على أن الحكم
بالغالب في ارتباط العادات لأنه قال انتظر حتى تهبّ
الأرواح وتحضر الصلاة وهذه الريح قد تكون في ذلك الوقت وقد
لا تكون لكن لما أن كان الغالب عليها أنها تأتي في ذلك
الوقت - وهو بعد الزوال - حكم لها به وانتظرتْ
إليه
الوجه الثالث أن النادر لا يعمل عليه لأنه قد يوجد الريح
في بعض الأيام في غير هذا الوقت فلم يُنط به الحكم لندارته
الوجه الرابع قوله انتظر يرد عليه سؤالان الأول أن يقال
لِمَ أتى بهذا اللفظ وعدل عن غيره من الألفاظ الثاني أن
يقال لم قال انتظر ولم يقل انتظرنا ومعلوم أن الانتظار كان
من الجيش كله
والجواب عن الأول أن قوله انتظر فيه إشعار بأنهم أخذوا
أهبة القتال واستعدوا ولم يغفلوا وهذا مثل قوله عليه
السلام لا يزال العبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة 1
ومعلوم أن المراد من كان متطهراً في المسجد ينتظر الصلاة
وأما من كان ينتظر الصلاة في بيته فلا يطلق عليه باعتبار
ما أراده الشارع عليه السلام أنه ينتظر الصلاة وكذلك هنا
سواء أتى بقوله انتظر ليبين
ما قررناه
والجواب عن الثاني أن المقصود من الجماعة رئيسهم والمعوّل
عليه فيهم فإذا انتظر الرئيس انتظر الكل فأتى بهذه الصيغة
تعظيماً للنبي وتأدباً معه كما هو الواجب
الوجه الخامس من البحث المتقدم هل يتعدى الحديث للقتال
المعنوي أم لا الظاهر تعديه إذ إن حكم المعاني عنه عليه
السلام تؤخذ كما يؤخذ عنه حكم الظاهر وقد تقدم من هذا ما
فيه كفاية للحجة بالتعدي في غير ما حديث وتعديه يحتمل
وجوهاً ويجمعها وجه واحد وهو أن أول النهار في المحسوس هو
أول بدء ظهور خلقه فكذلك الوقائع الحسية والمعنوية - أعني
من
1 أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن أبي هريرة رضي الله عنه
بلفظ لا يزال أحدكم في صلاة ما دام ينتظرها ولا تزال
الملائكة تصلي على أحدكم ما كان في المسجد تقول اللهم اغفر
له اللهم ارحمه ما لم يُحدِث وللحديث روايات أخرى بألفاظ
مختلفة
٩٤٦
التصرف والخواطر غير المستقيمة - يُبادَر عند ظهورها إلى
قتالها ومقاتلتها هي إزالتها لقوله عليه السلام في المارّ
بين يدي المصلي فليقاتله فإنما هو شيطان ومعناه فلْيدفَعه
وليُزِلْه لأن أول الوقت في وقوع المخالفة أو الغفلة يكون
الإيمان فيها أقوى من وقت التمكن فيها وأما نسبة العشيّ في
المعنوي فهو الذكر بعد الغفلة لأن الذكرَ يُحيي الإيمان
وقد قال تعالى وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي
ءَايَتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي
حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَنُ فَلَا
نَقْعد بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾
۱ والفرق بين القتالين أن الأول يكون بالدفع كما ذكرنا
والثاني بالتوبة والإقلاع والتوبة هنا هي حقيقة النصر
والذكر بعد الغفلة هي الريحُ المبشرة بالنصر
المذكور
وأما الصلاة في المعنوي فهو ما تقدم من مقتضى رحمة المولى
لإثارته ريح التذكار بعد الغفلة الموجب للتوبة - وهي حقيقة
النصر - لأن الصلاة من العباد دعاء والصلاة من الله تعالى
رحمة فمن سبقت له الرحمة ختم له بالنصر وأما الانتظار في
المعنوية فهو استصحاب دوام انكسار القلب إما لوقوع غفلة أو
لوقوع مخالفة لأن النبي الله وقال إخباراً عن ربه عزَّ
وجلَّ يقول اطلبوني عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ٢ لأن
انكسار القلب من أجل الرب من أجل الطاعات لأنه لا يدخله
رياء وهو أرجى الوسائل بمقتضى الوعد الجميل لأن معنى قوله
تعالى اطلبوني عند المنكسرة قلوبهم أي هو معهم فإذا كان
معهم فهو يلطف بهم ويوقظهم من الغفلة ويحرك لهم أسباب
التوبة ويمنّ عليهم بالنصر والغنيمة
جعلنا الله ممّن لطف به وأدخله في حفظ عنايته امين
وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 سورة الأنعام الآية ٦٨
ذكره السخاوي في المقاصد وقال ذكره الغزالي في البداية
وتعبه القاري في الأسرار المرفوعة ۷۱ بقوله ولا يخفى أن
الكلام في هذا المقام لم يبلغ الغاية قلت - أي القاري في
الأسرار - وتمامه وأنا عند المندرسة قبورهم
لأجلي ولا أصل لهما في المرفوع
٩٤٧
1101
حديث بر الوالدين وإن كانا كافرَيْن
عَن أسماء بنتِ أبي بكرٍ ١ رَضي الله عَنهُما قالت قَدِمَت
عَليَّ أُمِّي وَهِي مُشرِكَةٌ في عهد قريش إذ عاهَدوا
رَسُولَ الله الله وَمُدَّتِهِم مع أبيها فَاستَفتيتُ
رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقُلتُ يَا رَسُولَ الله
إِنَّ أُمِّي قَدِمَت عَليَّ وَهي راغِبة أفأصِلُها قالَ
نَعم صِليها
ظاهر الحديث يدل على جواز صلة الولد لأمه الكافرة والكلام
عليه من وجوه
الوجه الأول هل الحديث مقصور على الصلة للأم لا غير أو
الصلة جائزة على العموم للمشركين كلهم ظاهر صيغة الحديث
للأم لكن يؤخذ تعديه لغير الأم من غير هذا الحديث وهو قوله
عليه السلام في كل كبِدِ حَرَّى أجر
الوجه الثاني قولها قَدِمت علَيَّ أمي يرد عليه سؤالان
أحدهما أن يقال لم قالت قَدِمَت ولم تقل جاءت وما أشبهها
من الصيغ الثاني أن يُقال لم قالت عليَّ ولم تقل إليَّ إذ
إنهم لا يخصصون الألفاظ بالذكر دون غيرها إلا لمعنى مفيد
على ما تقرر
والجواب عن الأول أنها لو أتت بغيرها من الصيغ لاحتمل
اللفظ أن تريد أنها جاءت من سفر أو غيره و قدمت ليس فيه
احتمال غير القدوم من السفر لأنك إذا قلت فلان قدم أو فلان
۱ تقدمت ترجمتها في الحديث ١٠٥ رواه الإمام مسلم عن أبي
هريرة رضي الله عنه أبي هريرة رضي الله عنه وفي رواية
للشيخين في كل ذات كبد حَرّاء أجر وتمام الحديث أن رجلاً
جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني أنزع في
حوضي حتى إذا ملأته لإبلي ورد علي البعير لغيري فسقيته فهل
في ذلك من أجر فقال رسول الله في كل ذات كبد حَرّاء أجر
وفي حديث آخر بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد
بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من
العطش فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان
بلغ مني فنزل البئرَ فملأ خفّه ماء ثم أمسكه بقيه حتى رَقي
فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له قالوا يا رسول الله وإن
لنا من هذه البهائم لأجرا فقال في كل كبد رطبة أجر
٩٤٨
قدم على فلان ولم تذكر من أي موضع كان قدومه علم أنك أردت
أنه أتى من سفر ولو قلت فلان جاء أو فلان جاء إلى فلان لم
يفهم عنك ما أردت بمجيئه هل من سفر أو غيره حتى تبينه
فخصصت تلك الصيغة دون غيرها رفعاً للاحتمال
والجواب عن السؤال الثاني أن القادم من السفر لا بد وأن
يكون معه رحل فيحتاج أن يحط بموضع فأتت بقولها علي لأنه
ظرف لتبين أين كان نزول أمها حين قدومها ولو أتت بغيرها من
الصيغ لم تقم مقامها في ذلك المعنى
الوجه الثالث من البحث المتقدم قولها في عهد قريش إذ
عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه دليل على أن
المهادنة بين المسلمين والمشركين جائزة بشرط ألا يكون على
المسلمين فيه حيف ولا يعطون ٢ شيئاً لهم لأن النبي لا لا و
قد صالحهم بنص هذا الحديث ولم يصالحهم عليه السلام قط بشيء
على المسلمين فيه حيف ولا أعطاهم شيئاً قط وقد قال عليه
السلام الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ٣ فعلى هذا فإذا كثر
العدو بموضع حتى لا يقدر على قتاله فالخروج من الموضع إذ
ذاك ولا سبيل إلى الإذعان لهم لا بالمال ولا بالخدمة وقد
قال تعالى ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن
يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ٤
الوجه الرابع قولها ومدتهم تعني مدة المهادنة وإنما أتت
بذلك لتبين أن قدوم أمها عليها لم يكن حين العهد وإنما كان
في أثناء مدته احال
الوجه الخامس قولها مع أبيها يَرِد عليه سؤال وهو أن يُقال
ما فائدة ذكرها للأب والجواب عنه أنها إنما قالت ذلك لتزيل
ما يتخيل هناك من فقر أمها وحاجتها لأنها قالت في آخر
الحديث وهي راغبة والرغبة تحتمل أن تكون من المحبة وتحتمل
أن تكون طلباً للإحسان من أجل الفاقة وهذا الاحتمال الأخير
يلحق به من النقص للموصوف به ما لا يخفى فأتت بذكر أبيها
معها لتبين أنها لم تطلب هذه الرغبة التي أشرنا إليها
أخيراً وإنما أرادت الأولى لأن المرء إذا جاء مع من يكفله
فليس بفقير
الوجه السادس قولها فاستفتيت رسول الله الكلام على هذا
الفصل من وجوه
۱ كذا بزيادة الواو
كذا أيضاً برفع الفعل المعطوف على المنصوب يكون
۳ تقدم تخريجه في الحديث ۱۳
٤ سورة الأعراف من الاية ۱۸
٩٤٩
الأول التعلم والسؤال قبل العمل لأنها لم تصل أمها حتى
استفتت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته
وتعلمت وحينئذ عملت
الثاني أن الأمر إذا كان العمل به مستصحباً ثم عارضه علة
فالتوقف إذ ذاك حتى يتبين بلسان العلم هل يقع بها المنع أو
يبقى على بابه لأن الصلة للوالدين تتردد بين الواجب
والمندوب بحسب اختلاف الأحوال فلما أن عارض ذلك علة الكفر
لم تُقدِم على العمل حتى تبين لها الأمر
على لسان العلم باستفتائها النبي لالالالالالا الثالث أن
الأصل هو الدين وهو المُعَوَّل عليه مع الأقارب والأجانب
لأنه يُعلم بالضرورة أن الولد يحب والديه المحبة الكلية
لكن لم تنظر لأمها حين أقبلت عليها في شيء حتى سألت هل ذلك
لها سائغ في الدين أم لا فقدَّمت الدين على أحب الأشياء
إليها وهو المراد بقوله تعالى قُلْ إِن كَانَ ءَابَاؤُكُمْ
وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ
وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَبَجَرَةٌ
تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ
إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي
سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا ۱ فهؤلاء رضي الله عنهم ممن فهموا
هذه الآية وعملوا بمقتضاها
الرابع فيه دليل لأهل الصوفة في كونهم يؤخّرون الأعمال في
بعض الأوقات حتى يصححوا النية لأنها ۳ لم تعمل على هذه
القربة لأجل ما عارضها حتى استفتت النبي لأن تُخلص النية
بغير شبهة ولا ارتياب اتباعاً لقوله خير العمل ما تقدمته
النية ۳
الخامس لقائل أن يقول لم قالت فاستفتيتُ ولم تقل فسألتُ
كما قيل عن غيرها في غير هذا الحديث والجواب عنه أن
الاستفتاء أخص من السؤال لأنه لا يُطلق ٤ مستفتياً إلا على
من له معرفة بالحكم وبقي عليه بعض إشكال في واردٍ وَرَدَ
أو إشكال عَرَض ويُطلِقُ عليه ٤ سائلاً إذا لم يكن له
معرفة بالحكم ولا بطرف منه ولأجل هذا قال صلى الله عليه
وسلم استَفْتِ نفسَك وإن أفتاك المفتون ٥ ولا يسوغ أن يقال
سَل نفسك لأن الاستفتاء تحقيق أحد أمرين أن تعلم أيهما
أصلح بك لمعرفتك بجزئيات أمرك أكثر من غيرك ولا يفهم ذلك
من قولك سل نفسك
۱ سورة التوبة من الآية ٢٤
أي لأن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما ۳ لم نعثر
عليه بهذا اللفظ وإنما رأينا قوله عليه السلام خير العمل
ما نفع كشف الخفاء للعجلوني ٤٥٧/١ و ٤٧٤ وقوله خير العمل
أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله كنز العمال ۱۷۷۱
أما ما يتصل بالعمل والنية ففيها أحاديث أخرى بغير اللفظ
الذي أورده ابن أبي جمرة رضي الله عنه والله أعلم ٤ أي
المتكلم
ه رواه البخاري في التاريخ والإمام أحمد عن وابصة رضي الله
عنه
90
الوجه السابع قولها يا رسول الله إن أمي قَدِمَت عليّ وهي
راغبة أفأصلُها الرغبة قد تقدم الكلام على معناها وهي على
ضربين وقد بيناها والصلة أيضا قد ذكرناها وهي على ضربين
وهي هنا من القسم المندوب
الوجه الثامن قولها قال نَعَم صليها فيه دليل على أن النبي
و له أن يحكم باجتهاده وبما ا ا ا ا يرى من رأيه لأنه عليه
السلام أمرها بالصلة لأمها من غير أن ينزل عليه وحي فيها
أعني الوحي بالواسطة وأما وحي الإلهام فكل كلامه عليه
السلام وتصرفه منه تعالى لقوله ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ
الهوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى 1
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 سورة النجم الآيتان ٣ و ٤
11091
حديث رحمة الله تعالى لعباده
عَن أبي هُرَيْرَةَ رضيَ الله عَنهُ قالَ قال رَسولُ الله
صلى الله عليه وسلم لما قضى الله عزَّ وجَلَّ الخَلْقَ
كَتبَ في كِتابِ فَهوَ عِندهُ فَوقَ العَرشِ إِنَّ
رَحْمَتِي سَبَقَت غَضَبي
ظاهر الحديث يدل على أن رحمة الله تعالى لعباده أكثر من
غضبه والكلام عليه من وجوه الوجه الأول قوله الله لما قضى
الله عزّ وجلّ الخلق قضى بمعنى خلق ومنه قوله تعالى
فَقَضَهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ۱ أي خلقهن الوجه الثاني
قوله عليه السلام كتب بمعنى أوجب ومنه قوله تعالى ﴿كَتَبَ
رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ أي أوجبها وهذا
الوجوب من الله تعالى وجوب تفضّل وامتنان لا وجوب حق عليه
محتوم لأن الوجوب في حقه تعالى مستحيل
الوجه الثالث قوله عليه السلام في كتاب هذا هو الذي يحمل
على ظاهره ويجب الإيمان به كما ورد الخبر وهو أن ثَمَّ
كَتْباً محسوساً في كتاب محسوس لكن بقي احتمال في الكتاب
هل فيه غير ما ذكر في الحديث ويكون ما ذكر من جملة الكتب
الذي فيه أو ليس فيه غير
ما ذكر وهو إيجاب غلبة الرحمة على الغضب احتمل المعنيين
معاً والقدرة صالحة لكليهما الوجه الرابع قوله عليه السلام
فهو عنده إنما أضاف عليه السلام الكتاب إلى الله تعالى
لعدم المشاركين له من المخلوقات في حفظه هناك بخلاف ما جرت
الحكمة في غيره من الأماكن مثل السماواتِ والأرض لأن ما في
السماوات والأرض وما بينهما وما فوقهما وما فوق العرش يضاف
إليه عزّ وجلّ حقيقةً لكن لما أن جعل عزّ وجلّ حفظ ما في
السماوات
٩٥٢
۱ سورة فُصِّلَت من الآية ۱ سورة الأنعام من الآية ٥٤
والأرض على أيدي من شاء من خلقه بمقتضى حكمته لم يضف ما في
تلك المواضع إليه وأضافها إليهم بمقتضى الحكمة ولما لم يكن
هناك مشارك في الحفظ بمقتضى الحكمة - أعني فوق العرش -
أضافه إلى نفسه ومثله قوله تعالى لِمَنِ الْمُلْكُ
الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ ١ والمُلك له
عزّ وجلّ في دار الدنيا لكن أجرى الحكمة بأن جعل له في
الدنيا نُوّاباً وأجرى الحكمة على أيديهم فأضافها إليهم
ولما لم يجعل في دار الآخرة خليفةٌ في المُلك ولا نائباً
أضاف المُلكَ إليه عزّ وجلّ فقال لله الواحد القهّارِ
الوجه الخامس قوله عليه السلام فوق العرش فيه دليل على أن
فوق العرش ما شاء الله
تعالى بمقتضى حكمته من أمره ونهيه مما يشبه هذا أو غيره
وقد يرد على هذا الفصل سؤال وهو أن يُقال لم كان الكتاب
فوق العرش ولم يكن في
السماوات
والجواب أن العرش قد جرت الحكمة بأنه يبقى على حاله لا
يتغير ولا يتبدل بحسب الأخبار الواردة في ذلك والسماوات
والأرض تتغيّر وتتبدل فخصَّ بأن كان هناك لأجل هذا المعنى
فإن قال قائل لِمَ لم يكن في الجنان إذ إن الجنان لا تتغير
ولا تتبدل قيل له إنما جعل الجنان للجزاء والنعيم والأمر
والنهي ليس هناك وقد شاءت الحكمة بأن الأحكام والشرائع
والأمر والنهي تختص بالعرش ومنه منبع ذلك كله
وفي هذا دليل على أن الله عزّ وجلّ منزّه عن الحلول على
العرش لأنه قد جرت الحكمة أن يكون العرش ظرفاً لما شاء عزّ
وجلّ من أمره ونهيه وحكمته بمقتضى هذا الحديث في قوله عن
الكتاب فهو عنده فوق العرش وقد مرّ الكلام عليه فعلى مقتضى
هذا الحديث فيكون معنى قوله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى
الْعَرْشِ اسْتَوَى ۳ أي استوى أمره ونهيه وما شاء من
حكمته ومثله
قوله تعالى ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ ۳ أي جاء أمرُ
ربك وهذا مستعمل في ألسنة العرب كثيراً ومما يزيد هذا
بياناً وإيضاحاً - أعني تنزيه الذات الجليلة عن الحلول
والاستقرار - قوله عليه السلام لا تُفضّلوني على يونس بن
متى ٤ والفضيلة قد وجدت بينهما في عالم الحس لأنه عليه
السلام رفع حتى رقي السبع الطباق ويونس عليه السلام ابتلعه
الحوت في قعر البحار
۱ سورة غافر من الآية ١٦ سورة طه الاية ٥ ۳ سورة الفجر من
الآية
٤ متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنه بلفظ لا ينبغي
لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى
٩٥٣
فالفضيلة موجودة مرئية في هذا العالم الحسي ولم يكن عليه
السلام لينفي شيئاً موجوداً حساً ولا يقول إلا حقاً فلم
يبق معنى لقوله عليه السلام لا تفضلوني على يونس إلا
بالنسبة إلى القرب من الله سبحانه فمحمد عليه السلام فوق
السبع الطباق ويونس عليه السلام في قعر البحار وهما
بالنسبة إلى القرب من الله سبحانه على حد سواء ولو كان عزّ
وجلّ مقيداً بالمكان أو الزمان لكان النبي لا أقرب إليه
فثبت بهذا نفي الاستقرار والجهة في حقه جلّ جلاله
الوجه السادس قوله عزّ وجلّ إن رحمتي غلبت غضبي غلبت بمعنى
أكثر أي بما حكمت بذلك لعبادي بأن أكثرتُ لهم النصيب من
رحمتي على النصيب من غضبي لكن هذا يحتاج فيه إلى كلام
وبيان لأنا قد وجدنا مقتضى هذا الكتاب موجوداً حساً في
الدنيا لأن الرحمة قد عَمَّت الخلق بأجمعهم فيولد الكافر
وأبواه يشركان بالله ويعبدان الأوثان وهو يكبر على الطغيان
والضلال وهو عزّ وجلّ يغذيه بألطافه وييسر له ما يحتاج
إليه من ضروراته وكذلك غيره من العصاة هذا مشاهد مرئيّ لا
يحتاج فيه إلى بيان والقليل النادر مَنْ عومل بصفة الغضب
لكن الآخرة قد وردت الأخبار فيها بضد هذا
فمنها قوله عليه السلام يقول الله عزّ وجلّ لآدم يوم
القيامة أخرِج بَعْثَ النار من بَنِيكَ فيقول يا ربّ ما
بَعْثُ النار فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعةً وتسعين ۱ فشق
ذلك على الصحابة رضوان الله عليهم فقال لهم رسول الله منكم
رجل ومن يأجوج ألف وإنكم فيمن تقدم من الأمم كالشامة
البيضاء في جنب البعير الأسود إلى غير ذلك من الأحاديث
التي جاءت في هذا المعنى فكان الغضب في الاخرة على مقتضى
هذا الظاهر أكثر من الرحمة وذلك مخالف النص الحديث
والجواب عن هذا الإشكال أنه عليه السلام لم يقل لما قضى
الله خلق بني آدم وإنما قال لما قضى الله الخلق فعَمَّ ولم
يخصص وبنو ادم في مخلوقات الله تعالى البعض من الكل وقد
قال عليه السلام إن في هذه الدار من مخلوقات الله تعالى
ألفَ عالم أربعمائة في البر
۱ رواه الإمام أحمد وعبد ابن حميد والبخاري ومسلم عن أبي
سعيد الخدري رضي الله عنه ولفظه يقول الله تبارك وتعالى يا
آدم فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك فيقول أخرج بَعثَ
النار قال وما بَعث النار قال من كل ألف تسعمائة وتسعة
وتسعين فعنده يشيب الصغير وتضع كل ذات حَملٍ حَملَها وترى
الناس سكاري و ما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد قالوا يا
رسول الله وأين ذاك الواحد قال أبشروا فإن منكم رجلا ومن
يأجوج ومأجوج الف والذي نفسي بيده أرجو أن تكونوا ربع أهل
الجنة أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة أرجو أن تكونوا نصف
أهل الجنة ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد
ثور أبيض أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود أو كالرقمة في
ذراع الحمار
٩٥٤
وستمائة في البحر ۱ هذا ما هو في هذه الأرض فكم في
الأرضِينَ الأُخر وكم في السماوات من الملائكة وكم تحت
العرش وكل هذه المخلوقات تُحشَر يوم القيامة حتى يقتص الله
عزّ وجلّ ممن شاء لمن شاء كيف شاء ثم يقول عزّ وجلّ لما
عدا الثقلين والملائكة كونوا تراباً فعند ذلك وَيَقُولُ
الْكَافِرُ عَلَيْنَنِي كُنتُ تُرَابًا ۳ لأن النجاة من
عذاب الله رحمة وقد جاءت الأخبار والآثار أن النار لا
يدخلها غير الثقلين ولا يدخلها من الثقلين إلا الكفار
منهما والعصاة فالعصاة لا يخلدون ويخرجون منها بعد القصاص
أو بالشفاعة ويصيرون إلى النعيم الأكبر ولا يبقى فيها
مخلّداً إلا الكفار وهم أقل المخلوقات عدداً فتبقى الرحمة
أعمّ وهي في تلك الدار أعم وأشمل منها في هذه الدار وقد
قال عليه السلام إن الله تعالى جعل الرحمة فأخرج منها لهذه
الدار واحدة بها يتراحم الخلق حتى الفرس ترفع حافرها عن
ولدها خشية أن يصيبه وادَّخر للآخرة تسعة وتسعين ٤ فصح
كثرتها بالنظر كما ذكرنا وبالإخبار والله
مائة جزء
المستعان
وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ تقدم الكلام عليه في الحديث ۳
الثقلان الجن والإنس وفي التنزيل العزيز سَنَفْرُعُ لَكُمْ
أَيُّهُ الثَّقَلَانِ وتأتي بمعنى الشيء النفيس الخطير
وقد جاء في الحديث إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و
عترتي
۳ سورة النبأ من الاية ٤٠
٤ متفق عليه
٩٥٥
<-1
حديث الإسراء والمعراج بنبيّنا ليه
الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم بينا أنا عند
البيت بين
عن مالك ك بنِ صعصعة ١ ـة ١ رضي النائم واليقظان وذكر بين
الرّجلَين فأُتِيتُ بطَسْتِ من ذَهَبٍ مُلِئَءَ حكمةً
وإيماناً فشقّ من النحر إلى مراقٌ ۳ البطن ثم غُسِل البطنُ
بماء زمزمَ ثم مُلى حكمةً وإيماناً وأُتيتُ بدابة أبيض ٤
دون البغل وفوق الحمار البراق
فانطلقتُ مع جبريلَ مع جبريل حتى أتينا السماء الدنيا قيلَ
من هذا قال جبريلُ قيلَ مَن معك قال محمد قيل أوقد أُرسِلَ
إليه قال قيل مرحباً به وَلَنِعْمَ المجيء جاء فأتيت على
آدمَ فسلَّمتُ عليه فَقالَ مَرحباً بِكَ مِن ابنِ
وَنَبِيِّ فأتينا السَّماءَ الثانيةِ قيلَ مَن هَذا قالَ
جبريل قيلَ مَن معكَ قالَ مُحمّد قيلَ أَوَقَد أُرسِلَ
إِلَيْهِ َقالَ نعم قيل مرحباً بهِ ولَنِعْمَ المجيءُ جاءَ
فأتيتُ على عيسى ويحيى فَقالا مَرحباً بِكَ مِن أخ ونبي
فأتينا السَّماءَ الثالثة قيلَ مَن هذا قال جبريل قيلَ مَن
مَعك قالَ مُحمّد قيلَ أَوَقَد أُرسِلَ إِلَيهِ قالَ نَعم
قيلَ مَرحباً بهِ ولَنِعْمَ المجيءُ
فَسلَّمتُ عليهما
جاءَ فأتيتُ على يوسُفَ فَسَلَّمتُ عليهِ فقال مرحباً بِكَ
مِن أخِ وَنبِيٍّ فأَتَيْنا السَّماءَ الرابعة قيل مَن هذا
قيل جِبريلُ قال مَن مَعَكَ قال محمد
مالك بن صعصعة هو الأنصاري الخزرجي الصحابي المدني روي له
خمسة أحاديث اتفق الشيخان فيها على حديث الإسراء والمعراج
وأنس بن مالك رضي الله عنه حدّث الصحابة عن مالك بن صعصعة
بهذا الحديث وهو من قومه وسكن مالك المدينة من الإصابة
والاستيعاب وتهذيب النووي أي ذكر الراوي أن النبي لو كان
بين الرجلين وهما حمزة عمه وجعفر ابن عمه أبي طالب فإنه
كان نائماً بينهما وهذا يسمّى في مصطلح الحديث إدراج
۳ مراق البطن ما رَق منه ولان جمع مَرَق أو لا واحد لها
٤ كذا بالتذكير لأن الدّابة تذكر وتؤنث
90
قيل أوقد أرسل إليه قال نَعَمْ قيل مَرْحباً بهِ ولَنِعْمَ
المجيءُ جاءَ فأتيتُ على إدريس
فسلمت عليه فقال مرحباً بكَ مِن أخ ونبي
فأتينا السَّماءَ الخامسة قيلَ مَن هذا قالَ جبريل قيلَ
ومَن مَعك َقالَ مُحمّد قيلَ أَوَقَد أُرسِلَ إِلَيْهِ
قَالَ نَعم قيلَ مَرحباً بهِ ولَنِعْمَ المجيءُ جاءَ
فأتيتُ على هارونَ فَسَلَّمتُ عليهِ فقال مرحباً بِكَ مِن
أخ ونبي فأتينا السَّماءَ السادسة قيلَ مَن هذا قالَ
جبريلُ قِيلَ مَن مَعك قالَ مُحمّد قيلَ َأوَقَد أُرسِلَ
إِلَيهِ قالَ نَعم قيلَ مَرحباً بهِ ولَنِعْمَ المجيء جاءَ
فأتيتُ على موسى فَسلَّمتُ عليهِ فقال مرحباً بكَ مِن أخ
ونبي فلمّا جاوزتُه بكى فقيل ما أبكاك قال يا ربِّ هذا
الغلامُ الذي بُعِث بعدي يَدخُلُ الجنةَ من أمته أفضلُ ما
يَدخُل من أمتي فأتينا السَّماءَ السابعة قيلَ مَن هذا
قالَ جبريلُ قيلَ مَن مَعك قالَ مُحمّد قيلَ َأوَقَد
أُرسِلَ إِلَيهِ َقالَ نَعم قيلَ مَرحباً بهِ َولَنِعْمَ
المجيء جاءَ فأتيتُ على إبراهيم فَسلَّمتُ عليهِ فقال
مرحباً بِكَ مِن ابنِ وَنبِيٍّ
فرُفع إليَّ البيتُ المعمور فسألتُ جبريلَ فقال هذا البيت
المعمور يُصلّي فيه كلَّ يوم سبعون ألفَ مَلَكِ إذا خرجوا
لم يعودوا آخر ما عليهم ورُفعت إليَّ سِدْرَةُ المُنْتَهَى
فإذا نَبْقُها ۱ كأنه قِلالُ هَجَرِ ۳ ورقها كآذان الفيلة
في أصلها أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران فسألت
جبريل فقال أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران
فالفرات والنيل
ثم فُرضت عليَّ خمسون صلاة فأقبلتُ حتى جئتُ إلى موسى فقال
ما صَنَعتَ قلت فُرضتْ عليَّ خمسون صلاة قال أنا أعلمُ
بالناس منك عالجت بني إسرائيل أشدَّ المعالجة وإنّ أُمَّتك
لا تطيق فارجع إلى ربك فاسأله التخفيفَ فرجعتُ فسألته
فجعلها أربعين ثم مثله فجعلها ثلاثين ثم مثله فجعلها عشرين
ثم مثله فجعلها عشراً فأتيت موسى فقال مثله فجعلها خمساً
فأتيتُ موسى فقال ما صنعت قلت جَعَلها
1 النبق شجرة السدر القلال ج قلة إناء من فخار يشرب منه
۳ هَجَر هي المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية
وتسمى اليوم الأحساء
٩٥٧
خمساً فقال مثله فقلت سلَّمتُ فنودِي إنّي قد أمضيتُ
فريضتي وخففتُ عبادي وأجزي الحسنةَ عشراً
**
عن
ظاهر الحديث يدل على الإسراء بذات محمد المباركة وفرض
الصلاة بغير واسطة والكلام
عليه من وجوه
الوجه الأول قوله عليه السلام بينا أنا عند البيت بين
النائم واليقظان فيه دليل على جواز النوم في الحرم لكن هل
ذلك جائز مطلقاً أو لا يكون إلا لعلة الظاهر أنه لعلة لأنه
يعارضه قوله عليه السلام إنما المساجد لما بنيت له ۱
والعلة في نومه عليه السلام في الحرم ظاهرة
من وجوه
فمنها أن البيت قل أن يخلو من الطائف به فقد يكون عليه
السلام أتى إلى الحرم فوجد
الناس يطوفون فقعد ينتظر فراغ الناس ثم يدخل في الطواف
فغلبته عيناه فمنها أن يكون عليه السلام قعد يشاهد البيت
لأن مشاهدته من المرغب فيها والمندوب
إليها
ومنها أن يكون عليه السلام قد طاف وتعب من الطواف فقعد
قليلا يستريح من التعب المتقدم ولكي تجم ۳ النفس إلى عبادة
أخرى وإذا كان النوم بهذه النية فهو طاعة والطاعات سائغ
إيقاعها في الحرم يشهد لما قلناه من أن النوم يكون طاعة
إذا صحبته تلك النية مثل قصة معاذ وأبي موسى رضي الله
عنهما حيث سأل أحدهما الآخر عن قراءة القرآن فقال المسؤول
أقرأه قائماً وقاعداً ومضطجعاً وأفوقه تفويقاً ۳ ولا أنام
وقال الآخر أما أنا فأقوم وأنام وأحتسب ٤ نَوْمَتي كما
أحتسب قَوْمَتي فلم يسلّم أحدهما للآخر فترافعا إلى النبي
صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام للذي كان يفوقه
تفويقاً هو أفقه منك يعني الذي كان يحتَسِب نومه كقيامه
وهذا نص في أن النوم إذا كان بالنية التي ذكرنا فهو طاعة
والطاعة سائغة هناك ومن هذا الباب أجاز العلماء نـ المعتكف
في المسجد لأنه غلبة وعون على الطاعة ومنعوه للغير ولهم
حجة فيما نحن بسبيله
على ما ذهبوا إليه
نوم
۱ رواه مسلم عن بريدة رضي الله عنه أن رجلاً نَشَدَ في
المسجد فقال من دعا إلى الجمل الأحمر فقال رسول الله لا
وجدت إنما المساجد لما بنيت له
نجم النفس تجتمع وتتهيا
۳ أُفَوقه وأتفوَّقه أي لا أقرأ جزئي بمَرَّة ولكني أقرأ
منه شيئاً بعد شيء في آناء الليل والنهار وهو من فواق
الناقة وتعني الزمن بين الحَلَبَتين لأنها تحلب ثم تترك
سُوَيعة يرضعها الفصيل لتدرّ ثم تُحلب ٤ أحتسب أدَّخر
الأجر عند الله
۹۰۸
اللغة نائماً
الوجه الثاني فيه دليل على تحرّي النبي للصدق في المقال
وأنه لا يترك الحقيقة ويرجع إلى المجاز إلا لأمر لا بدّ
منه في الكلام لأنه من كان بين النائم واليقظان يسوغ أن أن
يُطلق عليه في ويسوغ أن يُطلق عليه يقظان ۱ لكن ذلك على
المجاز ولو قال يقظاناً لكان نطق بالحقيقة أو قاربها لأنه
عليه السلام قلبه في نومه كما هو في يقظته يشهد لذلك قوله
عليه السلام تنام عيناي ولا ينام قلبي فلم يبق نومه عليه
السلام إلا في الجوارح الظاهرة ثم الجوارح في هذه المدة لم
يكن النوم قد تسلّط عليها والظاهر كان كالمتيقظ والباطن
متيقظ في
كل حال لكن عدل عليه السلام عن ذكر اليقظة ليبين الأمر على
ما كان عليه دفعاً للمجاز الوجه الثالث قوله وذكر بين
الرجلين يريد أنه كان مضطجعاً بين رجلين وفي هذا دليل على
تواضعه عليه السلام وحسن خُلُقه إذ إنه في الفضل حيث هو
ولكنه كان يضطجع مع الناس ويقعد معهم ولم يجعل لنفسه
المكرمة مزيّة عليهم الوجه الرابع فيه دليل على جواز النوم
جماعة في موضع واحد لكن يشترط في ذلك أن يكون لكل واحد
منهم ما يستر به جسده عن صاحبه الوجه الخامس قوله عليه
السلام فأُتيتُ بطَسْت من ذهب مُلِى حكمة وإيماناً الطست
هو إناء يعمل في الغالب من نحاس وهو مبسوط القاع معطوف
الأطراف إلى ظاهره يتخذه الناس لغسل أيديهم في الغالب
غيره
الوجه السادس فيه دليل على فضيلة هذا الإناء إذ إنه أتي به
النبي الله وخُصص به دون
الوجه السابع لقائل أن يقول لم أتي له عليه السلام بالطست
من ذهب والذهب في
شريعته عليه السلام محرَّم
والجواب أن تحريم الذهب إنما هو لأجل الاستمتاع به في هذه
الدار وأما في الآخرة فهو للمؤمنين خالصاً لقوله عليه
السلام هو لهم في الدنيا وهو لنا في الآخرة ۳ ثم إن
الاستمتاع بهذا الطست لم يحصل منه عليه السلام وإنما كان
غيره هو الجالب له والمتناول لما كان فيه
1 كذا بالتنوين وهو جائز على لغة بعض العرب رواه مسلم عن
عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله أتوتر قبل أن
تنام قال إن عيني تنامان ولا ينام
قلبي
۳ قطعة من حديث رواه الشيخان عن حذيفة بن اليمان رضي الله
عنه ولفظه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تشربوا في
إناء الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في
الدنيا ولكم في الآخرة
۹۵۹
حتى وضعه في القلب المبارك فسَوَقان الطَّسْت من هناك
وكونه كان من ذهب دال على ترفيع
عليه
المقام فانتفى التعارض بدليل ما قررناه الوجه الثامن فيه
دليل على أن الإيمان والحكمة جواهر محسوسات لا معان لأنه
السلام قال عن الطست أنه أُتِيَ به مملوءاً حكمة وإيماناً
ولا يقع الخطاب إلا على ما يفهم ويعرف والمعاني ليس لها
أجسام حتى تملأ الإناء وإنما يمتلىء الإناء بالأجسام
والجواهر وهذا نص من الشارع عليه السلام بخلاف ما ذهب إليه
المتكلمون في قولهم بأن الإيمان والحكمة أعراض
والجمع بين الحديث وما ذهبوا إليه هو أن حقيقة أعيان
المخلوقات التي ليس للحواس إليها إدراك ولا من النبوة بها
إخبار أن الإخبار عن حقيقتها غير حقيقة وإنما هو غلبة ظن
لأن للعقل بإجماع أهل العقل المؤيَّدين بالتوفيق حداً يقف
عنده ولا يتسلط فيما عدا ذلك ولا يقدر أن يصل إليه فهذا
وما أشبهه منها لأنهم تكلموا على ما ظهر لهم من الأعراض
الصادرة عن هذه الجواهر التي ذكرها الشارع عليه السلام في
الحديث ولم يكن للعقل قدرة أن يصل إلى هذه الحقيقة التي
أخبر بها عليه السلام فيكون الجمع بينهما أن يقال ما قاله
المتكلمون حق لأنه الصادر عن الجوهر وهو الذي يدرك بالعقل
والحقيقة هي ما ذكره عليه السلام في الحديث
ولهذا نظائر كثيرة بين المتكلمين واثار النبوة ويقع الجمع
بينهما على الأسلوب الذي قررناه وما أشبهه وقد نشير لشيء
من ذلك ليتنبه لما عداه فمثل ذلك الموت كيف أخبر عليه
السلام في الحديث أنه يُؤتَى به يوم القيامة كبشاً أملح
فيذبح بين الجنة والنار بعدما يعرض لأهل تلك الدارين
فيعرفونه ومثل ذلك أيضاً الأذكار والتلاوة لأن ما ظهر منها
هنا معان وتوجد يوم القيامة جواهر محسوسات لأنها توزن في
الميزان ولا يوزن في الميزان إلا الجواهر
الوجه التاسع فيه دليل لأهل الصوفة وأصحاب المقامات
والتحقيق لأنهم يقولون إنهم يرون قلوبهم وقلوبَ إخوانهم
وإيمانهم وإيمان إخوانهم بأعين بصائرهم جواهر محسوسات
فمنهم من يعاين إيمانه مثل المصباح ومنهم من يعاينه مثل
الشمعة ومنهم من يعاينه مثل المشعل وهو أقواها ويقولون
بأنه لا يكون المحقق محققاً حتى يعاين باطن قلبه بعين
بصيرته كما يعاين كفَّه بعينِ بصره فيعرف الزيادة فيه من
النقصان وكذلك أيضاً يقولون في الحكمة بأنهم يعاينونها
بأعين بصائرهم تتنابع من جوانب أفئدتهم كما تتنابع عيون
الماء على اختلافها فبعضها ينبع نبعاً يسيراً وبعضها ينبع
نبعاً كثيراً
1 كبش أملح خلط بياض جلده سواد
9
فمن قوي منهم إيمانه وكثرت حكمته لا يطيق السكوت لأنه
يتنعم بذكر تلك الحكم كما يتنعم صاحب الغذاء بحسن الغذاء
وربما إذا اشتد عليهم الحال ومنعوا من الكلام كان ذلك
سبباً لموتهم حتى لقد حكي عن بعضهم أنه كان إذا جاءه الحال
وهو في مجلس شيخه لا يطيق السكوت فيغلب عليه الحال فيتكلم
فكلمه شيخه في ذلك وأمره بالسكوت فلما أن ورد عليه الحال
بعد ذلك التزم السكوت انصياعاً لأمر الشيخ به فتحمل ذلك
فمات من حينه يؤيد ما قررناه عنهم أولاً ويوضحه قوله عزّ
وجلّ مَثَلُ نُورِهِ كَيَشكُو فِيهَا مِصْبَاحُ
الْمِصْبَاحُ فِي ـاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَتَهَا كَوْكَبٌ
دُرِّيٌّ ۱ نقل صاحب التحصيل في مختصره عن العلماء أنهم
قالوا إن الضمير عائد على المؤمن تقديره مثل نور المؤمن
كمشكاة والمشكاة هي الحديدة التي في وسط القنديل الذي يوضع
فيه الفتيل فقالوا المشكاة مثل لصدر المؤمن والزجاجة قلبه
والمصباح إيمانه
ونقل أيضاً عن العلماء في معنى قوله تعالى ﴿ يُعَلِّمُونَ
النَّاسَ السّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ
بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ
أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا
تَكْفُر ۳ أن الذين يعلمون الناس السحر ببابل إذا أتاهم من
يريد تعلّم سحرهم يقولون له إنما نحن فتنة فلا تكفر فإن
أبى إلا أن يتعلم قالا له انتِ هذا الرَّمادَ فَبُلْ فيه
فإذا بال في ذلك الرماد خرج منه نور يسطع إلى السماء وهو
الإيمان وخرج من الرماد دخان أسود يدخل في أذنيه وهو الكفر
فإذا أخبرهما بما رآه عَلَّماه
فهذه الآي بظواهرها ومعانيها مع نص الحديث الذي نحن بسبيله
حجة لأهل التحقيق والمكاشفات فيما نقلناه عنهم وقد حُكي عن
بعض الفضلاء منهم رحمه الله في حكاية يطول كتبها هنا أنه
قدر عليه بأن يتنصر ثم عاد بعد ذلك إلى الإسلام وحَسُن
حاله أكثر مما كان أولاً فكان يقول إنه رأى أولاً قبل كفره
طائراً أخضر قد خرج من فمه فمنذ خرج منه لم يلتفت إلى
الإيمان ولم يرجع إليه وكان إذا ذُكِّر بالإسلام ووُعِظ
يقول أعلمُ كل ذلك ولم يجد سبيلاً إلى الرجوع فلما أن
تلافاه الله تعالى بعفوه وإفضاله فإذا بالطائر الأخضر قد
أتاه فدخل في حلقه فإذا هو قد رجع إليه الإيمان وانشرح
صدره بالحكمة واتسع
۱ سورة النور من الآية ٣٥
صاحب التحصيل هو أحمد بن عمار المهدوي المغربي المتوفى بعد
سنة ٤٠٠ هـ و التحصيل كتاب في التفسير مختصر من كتاب
التفصيل الجامع لعلوم التنزيل في التفسير من كتاب كشف
الظنون ص ٤٢٦ وإنباه الرواة
٩٦١
۹۱/۱
۳ سورة البقرة من الآية ۱۰
يؤيد ما قالوه وما شاهدوه قوله عليه السلام من أخلص الله
أربعين صباحاً ظهرت ينابيع
الحكمة من قلبه على لسانه ۱ وهم قد عاينوا ينابيع الحكمة
كيف هي على ما نقلناه عنهم وعاينوا حقيقة الإيمان كما
وصفنا رزقنا الله من الهدى والنور ما رزقهم وألحقنا في
الدنيا والآخرة بهم
بمنّه إنه ولي كريم هذا ما تضمنه اعتقاد أهل التحقيق وما
تضمنته أحوالهم وأما أئمتنا في الفقه فظاهر مذهب الشافعي
رحمه الله موافق لأهل الكلام لأن أصحابه ينقلون عنه أن
الإيمان يزيد موافقة لما ذكر الله عزّ وجلّ في كتابه
ويقولون بأن النقص لا يمكن فيه لأنه على زعمهم عَرَض
والنقص في العَرَض ذهابه وأما أبو حنيفة رحمه الله فيقول
بأنه لا يزيد ولا ينقص وظاهر مذهب مالك رحمه الله موافق
لأهل الحقيقة فيما قررناه عنهم لأن أصحابه ينقلون عنه أن
الإيمان عنده يزيد
وينقص وقد مثله بعض أصحابه بماء العين يزيد مرة وينقص أخرى
ولم يعدم الماء من العين وهذا هو الحق الذي لا خفاء فيه
بدليل ما قررناه من الآي والأحاديث وما شهده أهل التحقيق
عياناً ولأنه عليه السلام قد قال لا يزني الزاني حين يزني
وهو مؤمن الحديث بكماله وجاء من طريق آخر قال فيه إن
الإيمان يخرج منه حين الفعل فيبقى على رأسه كالظُّلَّةِ ۳
ولو كان عَرَضاً لم يتَأَتَ أن يقوم بنفسه حتى إنه يبقى
كالظلة على رأسه
هذا ما تضمنه البحث في حقيقة الإيمان ما هو على طريقة أهل
الفقه وأهل التحقيق مع أنه ليس أحد الوجهين - أعني هل يكون
الإيمان جوهراً أو عَرَضاً - بالنسبة إلى القدرة من طريق
المستحيل ولهذا كان الصحابة والسلف والصدر الأول رضوان
الله عليهم لم يتكلموا في هذا ولا أمثاله لأن المقصود منا
الذي لأجله أنزلت علينا الكتب وأرسلت إلينا الأنبياء
والرسل عليهم الصلاة والسلام إنما هو التصديق الخالص
والعمل الصالح والشغل بهذين الأمرين أولى بل هو الواجب
ويجب الإضراب عن الشغل بغيرهما لأن الاشتغال بغيرهما شغل
عنهما وذلك سبب الترك ما أريد منا
لكن لما أن تشاغل قوم بالأخذ في هذا وأشباهه وأطلقوا أن
الأمر كما ظهر لهم من علم العقل - على زعمهم - حتى صار
الأمر عندهم أن من لم يعتقد مثل اعتقادهم منسوب إلى
المذاهب
۱ رواه أبو نعيم في الحلية بإسناد ضعيف
متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه وللحديث عدة روايات
بطرق مختلفة ومعان متشابهة
۳ رواه الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ من زنى أو
شرب الخمر نزع الله منه الإيمان كما يخلع القميص
من رأسه
٩٦٢
الفاسدة فاحتجنا لأجل هذه العلة أن نبين مذهب أهل التحقيق
والتوفيق ومذهب الصحابة والسلف رضوان الله عليهم بنص
الكتاب والسنة كما ذكرناه قبل لكي يتبين بذلك الحق من
الباطل والضعيف من القوي
فإن اعترض معترض لتخصيص لفظ الحديث من طريق علم العقل فقد
سقط بحثه فلا يُعَباً به لأنه قد قدمنا في الأحاديث
المتقدمة قول فقهاء الدين وأئمته أن عموم القرآن يُخصَّص
بالقرآن واختلفوا هل يُخصص عموم القرآن بالسنة المتواترة
أم لا على قولين ولم يختلفوا أن القرآن لا يخصص بأخبار
الآحاد وكذلك اتفقوا على أن عموم الحديث يُخصَّص بالحديث
واختلفوا هل يخصَّص بإجماع جلّ الصحابة أم لا على قولين
ولأجل ذلك اختلف مالك والشافعي رحمهما الله في عمل أهل
المدينة إذا وجد الحديث بخلافه فقال مالك رحمه الله أهل
المدينة أهل دار الهجرة ومجمع جلّ الصحابة العارفين بأحكام
الله وسنة نبيه عليه السلام ولم يتركوا العمل بحديث إلا
وقد صح عندهم نسخه ولم يبلغنا نحن ذلك وأبى الشافعي رحمه
الله ذلك وأخد بمقتضى الحديث وأما تخصيص لفظ الحديث بنظر
غير الصحابة ورأيه فلا يجوز بالإجماع لأن الحكم لقول
الشارع عليه السلام لا لغيره
لكن قد يسوع الجمع بين ما ذهب إليه المتكلمون وبين ما ذهب
إليه أهل التحقيق بمعنى لطيف وهو أنه لما نظر أهل العقل
إلى الآي والأحاديث بنفس الدعوى وحصروا قدرة القادر بمقتضى
دليل عقلهم جاء لأجل هذه الدعوى في عين البصيرة ضعف فلم
يروا شيئاً فرجعوا إلى مقتضى ما دل عليه عقلهم فقالوا
الإيمان عَرَض وغطى عليهم إذ ذاك مفهوم ما احتوى قوله عليه
السلام إيمان المؤمن نور يتوقد في صدره ولما نظر أهل
التحقيق بخالص الصدق والتصديق وتعظيم القدرة وإجلال القادر
رأوا النور فقالوا الإيمان نور والتصديق عَرَض فزادهم
إيماناً وقالوا حَسْبُنا الله ونِعْمَ الوكيل يؤيد هذا
ويوضحه - أعني ما ذكرناه من الجمع بين المذهبين - ما حكي
عن بعض الفضلاء من أئمة التحقيق أنه كشف له عن شيء من آثار
القدرة فنظر إليها عياناً فأدركه الخجل لعظم ما رأى في
التذلل والاعتذار لكونه يرى أن ليست نفسه لذلك أهلاً فخوطب
بأن قيل له عملت على الحق فأُرِيتَ الحقيقة وعملوا على
التأويل فعوملوا بحسب ما عملوا وعند الله تجتمع الخصوم
ولأن الحقيقة في الأمور كلها لقول الشارع عليه السلام وقول
غيره في ذلك ردّ وليس الأمور بمجرد العقل لا بالحاضرة منها
ولا بالغائبة ومن ادعى ذلك فهو منه
فأخذ
يمكن أخذ جميع
٩٦٣
جهل لأنه لو كان ذلك كذلك لكان فيه مشاركة للربوبية وهو
باطل لأنه لا ينفرد بالغيوب إلا
علامها وبذلك تصح الوحدانية فقلد أيها السامع أي الطرق
شئتَ فقد أوضحتُ لك الطرق والله يرشدنا وإياك بمنه تنبيه
لقائل أن يقول لِمَ رأى عليه السلام مزيد الإيمان ولم يرَ
الإيمان الذي كان عنده أولاً لأن الأنبياء والرسل عليهم
السلام أقوى إيماناً من جميع المؤمنين والجواب عنه أن نفس
رؤية المزيد فيها من الحكمة وجوه فمنها رؤية حقيقة الإيمان
والحكمة جواهر حتى يتحققها على ما هي عليه وهذه مزية له
عليه السلام خُص بها ومنها أن المعاينة لذلك بشارة برفع
المنزلة ومنها أن بنفس الرؤية لذلك يزيد الإيمان قوةً
حِسّاً ومعنى فالحسي هو وضعه في القلب والمعنوي هو ما يحصل
من قوة الإيمان بسبب رؤية المزيد ومنها أنه عليه السلام
لما أن كان في هذه الدار كان أقواهم إيماناً بحسب ما هو
إيمان أهل الأرض فلم يحتج لرؤيته لقوة ما عنده من التصديق
ولما أن شاء الله الإسراء به إلى العالم العلوي - وهم أقوى
إيماناً من هذا العالم إذ هم مشاهدون لأشياء لا يشاهدها
أهل هذا العالم - فعل ذلك للنبي الله حتى حصل له الإيمان
بالتصديق والمشاهدة وزيد له فيه بالحس والمعنى حتى كان
أعلى ذلك العالم إيماناً يشهد لذلك قوله تعالى ﴿ مَا زَاغَ
الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ
الْكُبْرَى ۱ ولم يقع الثبات مع معاينة تلك الآيات الكبار
إلا لما قوي عنده من الإيمان والحكمة فكان عليه السلام
جديراً بما خُص به من الثناء والمدحة ووجوه كثيرة من هذه
المعاني تتعدد وفيما أشرنا إليه كفاية الوجه العاشر فيه
دليل على أن ما بعد الإيمان أجلّ من الحكمة ولولا ذلك ما
قرنت معه
ومنه قوله تعالى ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ
خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ ٢
الوجه الحادي عشر في معنى الإيمان والحكمة أما الإيمان فقد
تقدم الكلام عليه وأما الحكمة فقد اختلف العلماء فيها فقيل
الحكمة هي وضع الشيء في موضعه وقيل الحكمة هي الفهم في
كتاب الله عزّ وجلّ والكلام معهم فيما قالوه فيها قد أشرنا
إلى بعضه انفاً والجواب عنها كالجواب عن الإيمان وقد أشرنا
لكل ذلك فأغنى عن إعادته
الوجه الثاني عشر هل الإيمان والحكمة متلازمان لا يوجد
أحدهما حتى يوجد الآخر أو كل واحد منهما مستقل بنفسه
الظاهر أن كل واحد منهما مستقل بنفسه لأن الإيمان ليس من
شرطه
۱ سورة النجم الايتان ۱۷ و ۱۸ سورة البقرة من الآية ٢٦٩
٩٦٤
أن تكون الحكمة معه بدليل قوله عليه السلام من أخلص الله
أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ۱ فقد
شهد له عليه السلام بالإيمان والحكمة لم تكن عنده إذ ذاك
لأنه عليه السلام قال مَنْ أخلَص والإخلاص هو حقيقة
الإيمان فعلى هذا فكل واحد منهما مستقل بنفسه وجمعهما هو
الأعلى والأرفع
لكن بقي بحث وهو أنه إن كانت الحكمة المراد بها الوجه
الأول الذي ذكرناه من الاختلاف فيها فقد توجد مع الإيمان
وقد توجد مع عدمه وبهذا التوجيه يتقرر ما ذكرناه وهو أن كل
واحد منهما مستقل بنفسه لكن هذا الاستدلال مرجوح وليس
بالقوي لأنه إذا قلنا بأن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه
فالإيمان أولى أن تدل عليه الحكمة لأنه هو الأول والكفر من
الحمق والحمق
ينافي الحكمة فعلى هذا فهي مرتبطة بالإيمان لا بد منه عند
وجودها وإلا فلا حكمة إذ ذاك وإن قلنا بأن الحكمة هي الفهم
في كتاب الله تعالى فهي مرتبطة بالإيمان على كل حال لا بد
منه أولاً فعلى هذا فقد يوجد مؤمن عَرِيّ عن الحكمة وقد
يوجد بهما معاً ولا ينعكس وهو أن يوجد حكيم عَرِيّ عن
الإيمان
الوجه الثالث عشر فيه دليل على أن الملائكة عليهم السلام
تعرف بني آدم وتميزهم كل واحد بعينه لأن الملائكة أتوا
للنبي الله وأخذوه من بين أصحابه وكذلك أيضاً أخذوه من بين
إخوانه وهو صبي صغير السن وكذلك الآن فلو لم يكن لهم ميز
بالأشخاص لاختلط عليهم وهذا دليل على عظيم قدرة الله تعالى
إذ إن أهل العالم العلوي يميزون أجزاء هذا العالم
الوجه الرابع عشر قوله عليه السلام فشق من النحر إلى مراق
البطن فيه دليل على أن قدرة الله عزّ وجلّ لا يعجزها شيء
ولا تتوقف لعدم شيء ولا لوجوده وليست مربوطة بالعادات لأنه
على ما يعرف ويعهد أن البشر إذا شق بطنه كله انجرح ومات
ولم يعش وهذا النبي صلى الله عليه وسلم قد شق بطنه المكرمة
حتى أخرج القلب فغسل وقد شق بطنه المكرم كذلك أيضاً وهو
صغير وشق عن قلبه وأخرجت منه نزغة الشيطان ومعلوم أن القلب
إذا وصل له الجرح مات صاحبه وهذا النبي صلى الله عليه وسلم
شق بطنه في هاتين المرتين ولم يتالم بذلك ولم يمت لما أن
أراد الله عزّ وجلّ ألا يؤثر ما أجرى به العادة أن يؤثر
فيها موت صاحبها عندها أبطل تلك العادة مع بقاء جوهرها لأن
الشق قد وجد على البطن والقلب وما يتولد من ذلك في جري
العادة قد عدم
وكذلك جميع الأشياء على هذا الأسلوب مثل النار والماء
وغيرهما من الخواص إن شاء عزّ
۱ تقدم تخريجه قبل عدة صفحات
كذا بالتأنيث والتذكير
90
وجلّ ألا يروي الشارب بقلة الماء فَعَل وإن شاء ألا يحرق
بالنار فعل كما أزال العادة الجارية فيما نحن بسبيله وقد
رمي إبراهيم عليه السلام في النار فلم تحرقه وكانت عليه
برداً وسلاماً وكل الخواص بهذه المثابة إن شاء عزّ وجلّ
أبقى لها الخاصية وإن شاء سلبها
جوهرها
مع بقاء
الوجه الخامس عشر لقائل أن يقول لِمَ كان شق البطن وحينئذ
مليء بما ملىء والله عزّ وجلّ قادر على أن يوجد له ذلك في
بطنه من غير أن يفعل به ما فعل والجواب عنه أنه عليه
السلام لما أن أعطي كثرة الإيمان والحكمة وقوي التصديق إذ
ذاك أعطي برؤية شق البطن والقلب عدم الخوف من جميع العادات
الجارية بالهلاك فحصلت له قوة إيمان من ثلاثة أوجه بقوة
التصديق وبالمشاهدة وعدم الخوف من العادات المهلكات فكمل
له بذلك ما أريد منه من قوة الإيمان بالله عزّ وجلّ وعدم
الخوف مما سواه ولأجل ما أعطي مما أشرنا إليه كان عليه
السلام في العالمين أشجعهم وأثبتهم وأعلاهم حالاً ومقالاً
ففي العلوي كان عليه السلام كما أخبر أن جبريل عليه السلام
لما أن وصل معه إلى مقامه قال له ها أنت وربك هذا مقامي لا
أتعداه فرج عليه السلام في النور زَجَّةٌ ولم يتوان ولم
يلتفت وكان هناك في الحضرة كما أخبر عزّ وجلّ عنه بقوله ﴿
مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طغَى ١ وأما حاله عليه السلام
في هذا العالم فكان إذا حمي الوطيس في الحرب رَكَضَ بغلته
في نحر العدو وهم شاكون في سلاحهم ويقول أنا النبي لا كذب
أنا ابن عبد المطلب
وقد كانت الصحابة رضوان الله عليهم يقولون الشجاع منا الذي
كان يتقي به عند شدة الحرب الوجه السادس عشر فيه دليل لأهل
الصوفة في قولهم بأن عمل المبتدي كسب وعمل المنتهي ترك لأن
النبي في ابتداء أمره كان تخليه بالضم والغط وهي زيادة في
الشدة والقوة - لا لا لها كما مر الكلام عليه في حديث
ابتداء الوحي - وكان تخليه هنا بالغسل وهو تنظيف المحل
وكذلك حال المبتدي والمنتهي عندهم فالمبتدي شأنه الكسب وهو
الأخذ في الأعمال الصالحات وهي القوة والشدة والمنتهي شأنه
النظر في الباطن وما يتعلق به من الشوائب فكل شيء يرى فيه
شيئاً ما من تعلق الشوائب تركه حتى يتنظف الباطن من
الأكدار ولا يبقى فيه غير الله تعالى
فإن قال قائل فيلزم على هذا أن يكون في باطن النبي و شي من
الكدر حتى احتيج إلى
غسله وذلك باطل قيل له ذلك لا يلزم لأن الغسل له عليه
السلام ليس من باب إزالة
۱ سورة النجم من الآية ١٧
متفق عليه من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه
9
الأكدار وإنما هو تشريع لأمته فيما أشرنا إليه وإعظام
لشعائر الله عزّ وجلّ لأن ما يلقى في ذلك المحل الشريف من
شعائر الله تعالى وقد قال تعالى وَمَن يُعَظِّمْ شَعَرَ
اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ۱
الوجه السابع عشر قوله عليه السلام فأتيت بدابة أبيض دون
البغل وفوق الحمار البراق فيه دليل على أن البراق أفضل
الدواب وأشرفها إذ إنه خص بهذا المقام وهو سيره إلى العالم
العلوي وركوب خير البشر عليه من هنا إلى هناك
الوجه الثامن عشر لقائل أن يقول لم اختص عليه السلام بركوب
البراق دون غيره من الدواب مثل الخيل والنوق وغيرهما
والجواب عنه أنه إنما خص عليه السلام بركوب البُراق زيادة
في التشريف والتعظيم لأن غيره من الدواب يقدر غيره على
ملكه والتمتع به والبراق لم يُنقل أن أحداً ملكه وتمتع به
كما يتمتع بغيره من البهائم وهذا هو نفس التعظيم والتشريف
إذ إن القدرة قد أحكمت أن كل ما عدم في الوجود وُجدانه غلا
خطره
فإن قيل فلو كان ذلك زيادة في التشريف والتكريم لكان ركوبه
على دابة من دواب الجنة إذ هي أفضل وأبرك أو لَرَفَعَه
جبريل عليه السلام على جناحه أو أحد من الملائكة أو أعطي
قوة حتى يصعد بنفسه ولا يحتاج إلى مركوب والجواب عنه أن
هذا كله إنما هو زيادة له عليه السلام في التشريف والتعظيم
ولو كان ركوبه عليه السلام على دابة من دواب الجنة أو لأحد
من الملائكة أو مشى بنفسه المكرمة لم يكن له فيه ما كان له
في ركوبِ البُراق والسيرِ به بيان ذلك أنه لو صعد بنفسه
لكان ماشياً على رجليه والراكب أعز من الماشي فأعطي
المركوب ليكون أعزّ له وأشرف ولكي يعلم أن له ل لا ل و لو
عند الله تعالى مكاناً حتى إنه يأتي وهو راكب فيكون ذلك له
بشارة بالخير والحظوة عند ربه لأن الإتيان بالمركوب من
الله تعالى بشارة له عليه السلام برفع المنزلة والكرامة
ومثل هذا في الدنيا والآخرة موجود ففي الدنيا محسوس وفي
الآخرة بالأخبار منقول أما في الدنيا فلأن المَلِك إذا بعث
إلى شخص بالخلع والمركوب فبقدر الخلع وحسن المركوب يستدل
على منزلته عند الملك وفي الآخرة ما روي أن يوم القيامة
يأتي المؤمنون منهم من هو راكب نُوَق اللحم ومنهم من هو
راكب نُوق الذهب وأزِمَّتها الزَّبَرْجَدُ إلى غير ذلك مما
جاءت الأخبار به كل إنسان بحسب منزلته والملائكة تأتيهم
أفواجاً بالبشارة وتقول لهم هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى
كُنتُمْ تُوعَدُونَ
۱ سورة الحج من الاية ٣٢ سورة الأنبياء من الآية ۱۰۳
٩٦٧
وإنما لم يكن مركوبه عليه السلام دابة من دواب الجنة أو
جناح مَلَك لأنه لو ركب على
ذلك لكان الظاهر أن المركوب حمل الراكب فلما أن ركب البراق
الذي هو لحم ودم وهو مخلوق في الدنيا وليس من عادته
الطيران في الهواء وإنما هو من ذوات الأربع أرضي علم عند
ذلك أن الراكب هو الحامل لنفسه والحامل لمركوبه إذ إن هذه
الدابة لا طاقة لها بالصعود في
الهواء أصلاً
فإن قيل فالنبي من البشر ومحال في حق البشر الصعود في
الهواء كما هو محال في حق الدواب قيل الجواب أن البشر ليس
هو الصاعد بنفسه وإنما الحامل والصاعد به قوة الإيمان الذي
منَّ عليه به والنبي لم يكن ليُسرَى به حتى مُلئت بطنه
المكرمة إيماناً وحكمة فلما أن اه اه لو امتلأ بالإيمان
والحكمة كان له من القوة ما يحمل نفسه وغيره فبقدر الإيمان
وقوته يكون السلوك والترقي ولهذا قال عليه السلام رحم الله
أخي عيسى لو زاد يقيناً لطار في الهواء ۱ هذا من طريق
مقتضى الحكمة
وفي الحقيقة القدرة هي حاملة للكل كالعرش وحَمَلَته لأن
حَمَلَة العرش حين أمروا أن يقوموا بالعرش لم يطيقوا حتى
قيل لهم قولوا لا حول ولا قوة إلا بالله فلما أن قالوها
قاموا بالعرش فالتفتوا فإذا أقدامهم على غير شيء فهم
متمسكون بالعرش لا يفترون من قولهم لا حول ولا قوة إلا
بالله خيفة لئلا يفلت أحدهم فلا يعرف أين يهوي فهم حاملون
العرش والعرش حامل لهم والكل محمولون بالقدرة وهم في عِظم
خلقهم كما أخبر عليه السلام عن بعضهم حيث قال أُمرت أن
أحدثكم عن أحد حملة العرش ما بين شحمة أذني أحدهم مسيرة
الطائر مائة سنة وأمرت أن أحدثكم عن أحد حملة العرش غلظ
قرنه ما بين المشرق والمغرب ۳ ولكل واحد منهم على ما جاء
في حديث اخر قرنان مثل قرون الوعول فإذا كان كل واحد من
هذين القرنين غلظه هكذا فناهيك بالرأس الذي يكون فيه ذانك
القرنان وناهيك بالجسد الذي يكون فيه هذا الرأس فسبحان من
أظهر بديع حكمته بعظيم قدرته
١ لم نقف على مصدره يريد ما بين شحمتي أذني أحدهم
۳ رواه أبو داود وابن عساكر والضياء في المختارة عن جابر
رضي الله عنه بلفظ أذن لي أن أحدّث عن مَلَك من ملائكة
الله تعالى من حَمَلة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه
مسيرة سبعمائة عام وفي رواية لأبي نعيم في الحلية عن جابر
وابن عباس رضي الله عنهم بلفظ أذن لي أن أحدث عن ملك من
حملة العرش رجلاه في الأرض السابعة السفلى على قرنه العرش
ومن شحمة أذنه إلى عاتقه كخفقان الطير مسيرة مئة عام وفي
رواية للخطيب البغدادي مسيرة سبعمائة سنة خفقان الطير
٩٦٨
الوجه التاسع عشر فيه دليل لأهل الصوفة حيث يقولون فلان
مقامه في سماء الدنيا وفلان مقامه في الثانية ثم كذلك إلى
أن يبلغوا إلى قابَ قَوْسَينِ أو أدنى ويعنون بذلك ما
رزقوا من قوة
الإيمان واليقين فكاشفوا بأسرارهم ذلك العالم كل منهم بحسب
قوته في إيمانه ويقينه
ولهم فيما نحن بسبيله أدل دليل لأن النبي الله ولم يُسرَ
به حتى ملىء حكمة وإيماناً ثم لما أن من عليه بذلك أسري به
من سماء إلى سماء إلى قاب قوسين أو أدنى وهم الوارثون له
عليه السلام فلهم في ذلك نسبة لكنّ بينهم وبين النبي الله
في ذلك فرقاً وهو أنه عليه السلام حصلت له الخصوصية لكونه
سرى بذاته المباركة وتكلم بلسان فمه ورأى بعين رأسه - على
ما قاله ابن عباس - وسمع الخطاب بأذن رأسه وأذن قلبه وغيره
من الوارثين له لم يصلوا هناك إلا بأسرارهم ولم يروا إلا
بأعين قلوبهم
ومما يبين هذا ويوضحه ما حكي عن بعض فضلائهم أنه لمّا أنْ
مُنَّ عليه بقوة الإيمان واليقين واتبع سنة هذا السيد
الكريم على ربه صاحب هذا المقام العظيم الهلال الهلال في
كل حركاته وسكناته وأنفاسه أسري بسره من سماء إلى سماء إلى
قاب قوسين أو أدنى ثم نودي هنا أسري بذات محمد السنية حيث
أسري بسرك
ولأجل هذا كانوا أبداً ليس لهم شغل غير النظر في تقوية
إيمانهم ويقينهم لأن به يسلكون وهو حاملهم ومما يزيد هذا
وضوحاً وبياناً قوله عليه السلام ما فَضَلكم أبو بكر بصلاة
ولا بصيام ولكن بشيءٍ وَقر في صدره والشيء الذي وَقر في
صدره هو قوة اليقين والإيمان وقد صرح رضي الله عنه بذلك
حيث قال لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً
يوضع
الوجه العشرون فيه دليل لأهل الصوفة في قولهم لا يكون
تَحَلَّ إلا بعد تَخلَّ لأنه لم الإيمان والحكمة في البطن
المباركة حتى شُقت وغسلت وحينئذ مُلئت فالشق والغسل هو
التخلي وما مُلىء به من الإيمان والحكمة هو التحلي فعلى
قدر التخلي يكون التحلي ولهذا أشار بعضهم بقوله من سرّه أن
يرى ما لا يسوؤه فلا يتخذ له شيئاً يخاف له فقداً لأن ما
سوى الله مفقود فمن أراد الفوز بهذا التحلي فليعزم على قوة
هذا التحلي حالاً ومقالاً ومن لم يقدر على الكل فليعمل على
البعض لأن التحلي يكون بقدر التخلي والحذر الحذَرَ من أن
تهمل نفسك وترضَى بحظِ بخس فذلك هو الحرمان
الوجه الحادي والعشرون قوله عليه السلام ثم غسل البطن بماء
زمزم ما المراد بالبطن هنا هل البطن نفسه أو ما في البطن
وهو القلب الظاهر أن المراد القلب لأنه جاء في رواية أخرى
ذكر
٩٦٩
القلب ولم يذكر البطن وقد يحتمل أن تحمل كل رواية على
ظاهرها ويقع الجمع بينهما بأن يقال أخبر عليه السلام مرةً
بغسل البطن ولم يتعرض لذكر القلب وأخبر مرة بغسل القلب ولم
يتعرض لذكر البطن فيكون قد حصل فيهما معاً مبالغة في تنظيف
المحل
الوجه الثاني والعشرون لقائل أن يقول لم غُسِل البطن وقد
كان طاهراً مطهَّراً وقابلاً لما يُلقى إليه من الخير وقد
غسل أولاً وهو عليه السلام صغير السن وأخرجت من قلبه نزغة
الشيطان فما فائدة هذا الغسل الثاني
والجواب عنه أن هذا الغَسل إنما كان إعظاماً وتأهباً لما
يلقى هناك وقد جرت الحكمة بذلك في غير ما موضع مثل الوضوء
للصلاة لمن كان متنظّفاً لأن الوضوء في حقه إنما هو إعظام
وتأهب للوقوف بين يدي الله تعالى ومناجاته وكذلك أيضاً
الزيادة على الواحدة أو الاثنتين إذا أسبغ بالأولى لأن
الإجزاء قد حصل وبقي ما بعد الإسباغ إلى الثلاث إعظاماً
لِما يُقدِم عليه فكذلك
غسل البطن هنا وقد قال تعالى وَمَن يُعَظِّمْ شَعَرَ
اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ فكان الغسل له
عليه السّلام من هذا القبيل وإشارة لأمته بالفعل بتعظيم
الشعائر كما نص لهم عليه بالقول وإشارة لهم أيضاً فيما
تقدم ذكره من التخلّي والتحلّي
فإن قال قائل لو كان الأمر بالزيادة على الإسباغ إعظاماً
للشعائر لكانت الزيادة على الثلاث أولى إذ إنه بحسب
الزيادة كان تعظيم الشعائر أكثر قيل له الأمر كذلك لكن
الله عزّ وجلّ بالمؤمنين رحيم فمن رحمته عزّ وجلّ بهم أن
منعهم الزيادة على الثلاث تخفيفاً عليهم ولطفاً بهم أَلَا
يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ
الوجه الثالث والعشرون فيه دليل على فضيلة بئر زمزم على
غيره من المياه إذ إنه عليه السلام اختص بأن غسل منه هذا
المحل الجليل في هذا الموطن الرفيع
الوجه الرابع والعشرون لقائل أن يقول لِمَ يغسل بماء الجنة
الذي هو أطيب وأبْرَكُ والجواب عنه أنه لو غسل بماء الجنة
دون استقراره في الأرض لم يبق لأمته أثر بركةٍ فلما غسل
بماء زمزم - وهو مما استقر من ماء السماء بالأرض على ما
قاله ابن عباس في تفسير قوله تعالى وَأَنزَلْنَا مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَتَهُ فِي الْأَرْضِ
وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَدِرُونَ ۳ فقال كل ماء في
۱ سورة الحج الآية ٣٢
سورة الملك الآية ١٤ ۳ سورة المؤمنون من الآية ۱۸
۹۷۰
الأرض إنما هو مما نزل من السماء وقد جاء في الأثر أن ما
من مطر ينزل إلا وفيه مزاج من الجنة وتكون البركة فيه بقدر
المزاج - فعلى ۱ هذا فقد غسل بماء كله من الجنة أو بعضه مع
زيادة
فوائد جمة
منها ما ذكرناه من إبقاء البركة لأمته ومنها أنه خص مقره
بهذه الأرض المباركة ومنها أنه خص به الأصل المبارك وهو
إسماعيل عليه السلام ومنها أنه خص بما لم يخص غيره من
المياه بأن جعل فيه لهاجر أم إسماعيل عليه السلام غذاء
فكان يغنيها عن الطعام والشراب ومنها أن ظهوره كان بواسطة
الأمين جبريل عليه السلام فكان أصلاً مباركاً في مقز مبارك
لسيد مبارك بواسطة فعل أمين مبارك فاختص به هذا السيد
المبارك فكان ذلك زيادة له في التشريف والتعظيم والله عزّ
وجلّ يفضل ما يشاء من مخلوقاته حيواناً كان أو جماداً فجاء
بالحكمة العجيبة في الملة الجليلة ملة أبيك إبراهيم
بالمقال وفي الماء ملك أبيك إسماعيل بلسان الحال الوجه
الخامس والعشرون قوله عليه السلام ثم مُلىء حكمة وإيماناً
قد مر الكلام على معنى الحكمة والإيمان وبقي الكلام هنا
على المملوء ما هو هل البطن أو القلب فعلى ظاهر هذه
الرواية هو البطن وعلى ما جاء في رواية غيرها هو القلب
فاحتمل أن يكونا ملنا معاً وأخبر عليه السلام في هذه
الرواية بالبطن وأخبر في الأخرى بالقلب واحتمل أن يكون
أراد القلب وذكر البطن توسعة لأن العرب تسمي الشيء بما
قاربه أو بما كان فيه وقد قال تعالى ﴿ فَمَن يُرِدِ
اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ
وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا
حَرَجًا ومعنى الصدر في الآية القلب فسماه باسم ما هو فيه
وهو الصدر
الوجه السادس والعشرون قوله عليه السلام فانطلقت مع جبريل
حتى أتينا السّماء الدنيا إلى قوله ولنعم المجيء جاء فيه
دليل على أن قدرة الله عزّ وجلّ لا يعجزها شيء لأنه عليه
السلام قال حتى أتينا السماء الدنيا فأفاد ذلك أنهم كانوا
يمشون في الهواء وقد جرت العادة بأن البشر لا يمشي في
الهواء سيما وقد كان راكباً على دابة من ذوات الأربع لكن
لما أن شاءت القدرة ذلك كان فكما بسط عزّ وجلّ لهم الأرض
ومهدها لهم يمشون عليها كذلك يُمشيهم في الهواء كل ذلك
بيده لا ترتبط قدرته بعادة جارية حتى يظهر عند وجودها
تأثير في الوجود ويعدم عند عدمها بل القدرة صالحة لأن تبدي
ما شاءت عند وجود العادة وعند عدمها وإنما العادة من الله
تعالى لحكمة استأثر بها فإن شاء أبقاها وإن شاء أزالها وقد
سئل عليه السلام حين أخبر
۱ هنا جواب لما سورة الأنعام من الآية ١٢٥
۹۷۱
عن الأشقياء المساكين الذين يمشون على وجوههم يوم القيامة
كيف يمشون فقال عليه السلام الذي أمشاهم في الدنيا على
أقدامهم قادر على أن يُمشيهم يوم القيامة على وجوههم ۱
الوجه السابع والعشرون فيه دليل على أن النبي كان مستقلاً
بنفسه في صعوده ولم يحتج إلى من يعينه لأنه عليه السلام
قال انطلقت مع جبريل فأفاد ذلك أنهما صعدا معاً لا يحتاج
أحدهما للآخر ولو قال انطلق بي جبريل لأفاد ذلك أن جبريل
عليه السلام كان حاملاً
له أو معيناً
وهذا أدل دليل على عظيم قدرة الله تعالى وأنه لا يعجزها
شيء - كما تقدم قبل - وعلى كرامة النبي و علو منزلته لأن
الله عزّ وجلّ قد أجرى العادة بأن البشر لا يصعد في الهواء
وأجرى العادة للملائكة بالصعود والنزول بحسب ما شاء لأنهم
خلقوا من جوهر لطيف وخلق البشر من جوهر كثيف فأبقى على
النبي الله صفة البشرية وأعطي حال العالم العلوي حتى صار
مع جبريل عليه السلام كما ذكر بل زاد على ذلك ما هو أعظم
في المعجزة وابهر وهو ركوبه على دابة من دواب الأرض التي
لا استطاعة لها بالصعود كل هذا إكراماً له عليه السلام
وتعظيماً وإظهاراً لقدرة الله تعالى حتى رجع له عليه
السلام ما كان عنده علم يقين - من أن القدرة صالحة لكل شيء
- عين يقين في هذه الأحوال المذكورة فما طلبه أبوه إبراهيم
عليه السلام من الانتقال من علم يقين إلى عين يقين في قوله
أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ
قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَينَ قَلبي اعطي ذلك للنبي صلى
الله عليه وسلم بغير طلب
الوجه الثامن والعشرون فيه دليل على أن للسماوات أبواباً
وعليها بوابين وخداماً وأنه لا يصعد أحد من الملائكة ولا
من غيرهم ممن شاء الله عزّ وجلّ حتى يستأذنهم في الفتح
لأنه عليه السلام أخبر أنهم حين أتوا إلى السماء قرع جبريل
الباب فقيل من هذا فأخبر باسمه واسم من معه وحينئذ فتح له
وفائدة هذا الإيمان بعظيم القدرة وصنعها ما شاءت كيف شاءت
الوجه التاسع والعشرون سؤال الملائكة عليهم السلام لجبريل
عليه السلام بقولهم من معك احتمل وجهين
أحدهما أن تكون تلك عادة لهم لا يصعد أحد ولا ينزل حتى
يُسأل هل هو وحده أو مع
۱ رواه الشيخان عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم سُئِل كيف يُحشر الكافر على وجهه قال أليس الذي
أمشاه على رجليه في الدنيا قادر على أن يُمشيه على وجهه
يوم القيامة وفي الباب رواية مشابهة للترمذي رقم ٣١٤٢
والإمام أحمد ٣٥٤/٢ و ٣٦٣
سورة البقرة من الاية ٢٦٠
غيره وإن كان جبريل عليه السلام هو الأمين لكن اقتضت
الحكمة أنه لا ينفذ هو وغيره إلا يعلمهم وسؤالهم تمشية
للحكمة وإظهاراً للقدرة
الثاني أن يكون سؤالهم له لما رأوا حين إقباله عليهم من
زيادة الأنوار وغيرها من المآثر الحسان زيادة على ما
يعهدونه منه فكان لهم ذلك دليلا على أن معه غيره فسألوه
عنه وهذا هو الأظهر بدليل قولهم من معك ولو كان لغير زيادة
رأوها لكان الاستفهام بأن يقولوا أمعك أحد فلما جاءت
الصيغة بقولهم من معك دل ذلك على أنهم سألوا من الشخص الذي
من أجله هذه الزيادة التي معك فأخبرهم بما أرادوا وهو
تعيين الشخص باسمه حتى عرفوه
الوجه الثلاثون قول جبريل عليه السلام حين سئل من معك فقال
محمد فيه دليل على أن الأسماء أرفع من الكنى لأنه أخبر
باسمه ولم يخبر بكنيته وهو عليه السلام مشهور في العالمين
العلوي والسفلي ولو كانت الكنية أرفع من الاسم لأخبر
بكنيته
الوجه الحادي والثلاثون استفهام الملائكة بقولهم أوقد
أُرسل إليه فيه دليل على أن أهل العالم العلوي يعرفون
رسالته عليه السلام ومكانته لأنهم سألوا عن وقتها هل حَلّ
لا عنها ولذلك أجابوا بقولهم مرحباً به ولَنِعْمَ المجيءُ
جاء وكلامهم بهذه الصيغة أدل دليل على ما ذكرناه من
معرفتهم بجلال مكانته عليه السلام وتحقيق رسالته ولأن هذا
أجلّ ما يكون من حسن الخطاب والترفيع على المعروف من عادة
العرب وقد قال بعض العلماء في معنى قوله تعالى لقد رأى
مِنْ وَايَتِ رَبِّهِ الكبرى ١ إنه رأى صورة ذاته المباركة
في الملكوت فإذا هو عروس
المملكة
الوجه الثاني والثلاثون قول الملائكة مرحباً به ولنعم
المجيء جاء مرحباً أي صادفت رُحْباً وسعة ولنعم المجيء جاء
احتمل وجهين أحدهما أن يكونوا قالوا ذلك لما عاينوا من
بركاته عليه السلام التي سبقته للسماء مبشرة بقدومه وهي
الأنوار وما أشبهها الثاني أن يكونوا قالوا ذلك لما عاينوا
له من الخير العظيم المدَّخر له هناك لوقته هذا وقد يحتمل
الوجهين معاً
الوجه الثالث والثلاثون قوله عليه السلام فأتيت على آدم
فسلمت عليه فيه دليل على أن السنة في السلام أن يبدأ به
المار على القاعد لأنه لما أن كان النبي ليل الامور العالى
ادم عليه السلام
ابتدأه بالسلام
۱ سورة النجم الآية ١٨ كذا والوجه أن يقول صادف
۹۷۳
الوجه الرابع والثلاثون فيه دليل على أنه لا يجوز في رد
السلام غير الصيغة المشروعة لأنه لم يقل له آدم عليه
السلام مرحباً إلا بعد ردّ السلام عليه على ما جاء في
رواية أخرى قال فيها فرد ثم قال مرحبا
الوجه الخامس والثلاثون قول آدم عليه السلام مرحباً بك من
ابن ونبي هل هذا اللفظ من آدم عليه السلام تأنيس للنبي لا
لا لا لولا أن الغريب أشدُّ أنسه ۱ في غربته بلقاء الأبوة
أو ذلك سرور منه بقرة عينه به احتمل الوجهين معاً
أما في حق آدم عليه السلام فظاهر لأن المرء أبداً يفرح
بزيارة ابنه عليه فإنه له ومنه في الحقيقة ولهذا قال تعالى
﴿ ابَاؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ
أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا قال بعض المفسرين في معناه لا
تدرون من يكون يوم القيامة أعلى درجة عند الله تعالى فيشفع
في صاحبه حتى يبلغه معه وهذه خصوصية بين الآباء والأبناء
لا توجد في غيرهم فترفيع أحدهما ترفيع للآخر وقد حصل لآدم
عليه السلام من هذا أوفر نصيب لأنه يكون يوم القيامة في
أحد ركابي النبي صلى الله عليه وسلم حين إعطائه لواء الحمد
وإبراهيم عليه السلام يكون في الركاب الآخر فحصل لآدم
وإبراهيم عليهما السلام اللذين هما الأبوان خصوصية في أوفر
حظ في هذه المنزلة ما لم يكن لغيرهما من الأنبياء عليهم
السلام
وأما في حق النبي صلى الله عليه وسلم فلأن الأبوة تقتضي
الإدلال عليها فكان ذلك تأنيساً للنبي صلى الله عليه وسلم
الوجه السادس والثلاثون قوله عليه السلام فأتينا السماء
الثانية إلى قوله فأتيت عيسى ويحيى فسلمت فقالا مرحباً بك
من أخ ونبي الكلام على الصعود إلى السماء الثانية
واستفتاحها وقول الملائكة مرحباً كالكلام على السماء
الأولى وقد مر وبقي الكلام هنا في قول عيسى ويحيى له
مرحباً بك من أخ ونبي وإنما قالا له ذلك لأن الأنبياء
عليهم السلام كالإخوة كما أخبر عليه السلام حيث قال لا
تفضلوا الأنبياء بعضهم على بعض نحن جميع الأنبياء أولاد
علات ۳ وأولاد علات في لغة العرب أن يكون الأب واحداً
والأمهات مختلفة فنسبة الأب هنا - أعني بين الأنبياء عليهم
السلام - هو اجتماعهم في درجة النبوة ونسبة الأمهات بينهم
هو
اختلافهم في رفع المنازل واختلاف الشرائع
۱ يعني
انسه اشد
سورة النساء من الآية ۱۱
۳ رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ لا تفضلوا
بين أنبياء الله الخ وفي رواية أخرى لهما بلفظ أنا أولى
الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والاخرة ليس بيني وبينه
نبي والأنبياء أولاد علات أمهاتهم شتى
ودينهم واحد
٩٧٤
الوجه السابع والثلاثون قوله عليه السلام فأتينا السماء
الثالثة إلى قوله فأتيت على السماء السادسة الكلام على ذلك
كله كالكلام على السماء الأولى والثانية
وبقي هنا بحث في قوله عليه السلام على السماء معناه إلى
السماء السادسة لأنه معلوم أنهم كانوا صاعدين إليها ولا
تكون على هنا على بابها إلا أن لو كانا نازلين من السماء
السابعة فلما أن كانا صاعدين كانت على بمعنى إلى بالضرورة
وهو سائغ في السنة العرب و مستعمل عندهم كثيراً فعلى هذا
فيكون معنى قوله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ
اسْتَوَى ۱ وقوله تعالى ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ
٢ أي أتى العرش فاستوى إلى العرش فيكون مثل قوله تعالى
ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانُ ﴾ ۳ أي
عمد إلى خلقها وكذلك هنا أي عمد إلى خلق العرش والذي عمد
لذلك هو أمره عزّ وجلّ - كما تقدم في الحديث قبل هذا - أن
أمره عزّ وجلّ هناك بمقتضى حكمته وإرادته فبطل بهذا احتجاج
أهل البدع والعناد إذ إن ما قررناه سائغ في السنة العرب
وهو في كلامهم كثير والقرآن بلغتهم نزل
وإنما ضل من ضل بسبب أنه يأخذ ألفاظ القرآن والحديث
فيتأولها بحسب لغته وفهمه فيضل بالضرورة وإنما ينظر في
القرآن بمقتضى لغة العرب التي بها نزل ولأجل هذا لم يستشكل
أحد قط من الصحابة شيئاً من ألفاظ القرآن ولا الحديث ولا
وقع لهم كلام فيما وقع لمن بعدهم لمعرفتهم بمعناه ومقتضاه
فلا يحتاجون فيه إلى بيان ولا إلى سؤال فلما أن انتقلوا
إلى رحمة ربهم طاهرين قلت معرفة لغتهم عند بعض الناس فلم
يتكلموا بها فدخل الخلل عند ذاك الإشكال على بعضهم وتوهموا
الفساد لعدم المعرفة باللغة العربية فمن تأوَّل القرآن
والحديث بمقتضى لغتهم انتفت عنه تلك التوهمات ورجع القرآن
والحديث عنده كالشيء الواحد بعضه يبين بعضاً وقوله عليه
السلام فأتيت موسى فسلمت عليه فقال مرحباً بك من أخ ونبي
الكلام عليه
كالكلام على الأنبياء قبله وقد مرّ
الوجه الثامن والثلاثون قوله عليه السلام فلما جاوزت موسى
بكى فقيل ما أبكاك قال يا رب هذا الغلام الذي بعث بعدي
يدخل الجنة من أمته أفضل مِمَّا يدخل من أمتي يرد على هذا
الفصل ثلاثة أسئلة الأول أنه يقال لِمَ كان بكاء موسى عليه
السلام الثاني من هو الذي قال
۱ سورة طه من الآية ٥
سورة الأعراف من الآية ٥٤ يونس من الآية الرعد من الآية
الفرقان من الآية ٥٩ السجدة من الاية ٤ الحديد من الآية ٤
۳ سورة فصلت من الاية ۱۱
۹۷۵
له ما أبكاك هل الملائكة أو الخالق عزّ وجلّ الثالث لِمَ
قال موسى عليه السلام هذا الغلام ولم يقل غير ذلك من
الصَّيَخ
والجواب عن الأول أن الأنبياء عليهم السلام قد جعل الله
تعالى في قلوبهم الرحمة والرأفة لأممهم وركّبهم على ذلك
وقد بكى النبي الله فسئل عن بكائه فقال هذه رحمة جعلها
الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ۱
والأنبياء عليهم السلام قد أخذوا من رحمة الله عزّ وجلّ
أوفر نصيب فكانت الرحمة في قلوبهم لعباد الله أكثر من
غيرهم فلأجل ما كان لموسى عليه السلام من الرحمة واللطف
بكى إذ ذاك رحمة منه لأمته لأن هذا وقت إفضال وجود وكرم
فرجا لعل أن يكون وقت القبول والإفضال فيرحم الله تعالى
أمته ببركة هذه الساعة فإن قال قائل كيف يكون هذا وأمته لا
تخلو من قسمين قسم مات على الإيمان وقسم مات على الكفر
فالذي مات على الإيمان لا بد له من دخول الجنة والذي مات
على الكفر لا يدخل الجنة أبداً فبكاؤه لأجل ما ذكرتم لا
يسوغ إذ إن الحكم فيهم قد مر ونفذ
قيل له وذلك أن الله عزّ وجلّ قدَرُه على قسمين بما شاء
فقدَر قدره وقدَّر أن ينفذ على كل حال من الأحوال وقدَر
قدّره وقدّر ألا ينفذ ويكون دفعه بسبب دعاء أو صدقة أو غير
ذلك ومثال ذلك دعاء النبي الله بالثلاث دعوات لأمته وهي
ألا يُظهِر عليهم عدواً من غيرهم وألا صلى الله عليه وسلم
يُهلكهم بالسنين فأعطيهما ودعا ألا يجعل بأسهم بينهم
فمنعها فاستجيب له عليه السلام في الاثنتين ولم يستجب له
في الثالثة ٢ وقيل له هذا أمر قد قدَّرتُه أي أنفذته فكانت
الاثنتان من القدر الذي قدره الله عزّ وجلّ وقدر ألا ينفذ
بسبب الدعاء وكانت الدعوة الثالثة من القدر الذي قدره عزّ
وجلّ وقدّر إنفاذه على كل الأحوال لا يرده راد وسيأتي لهذا
زيادة إيضاح في الكلام على اخر الحديث في فرض الصلاة خمسين
فلأجل ما ركب موسى عليه السلام من اللطف والرحمة بالأمة
طمع لعل أن يكون ما اتفق لأمته من القدر الذي قدره الله
عزّ وجلّ وقدر ألا ينفذ بسبب الدعاء والتضرع إليه وهذا وقت
۱ رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أسامة بن زيد رضي
الله عنه ولفظه أمرني رسول الله فأتيته بابنة زينب ونفسها
تقعقع كأنها في شنّ فقال رسول الله الله لله ما أخذ وله ما
أبقى وكلُّ إلى أجل قال فدمعت عيناه فقال له سعد بن عبادة
يا رسول الله أترق أولم تَنهَ عن البكاء فقال رسول الله
إنما هي رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من
عباده الرحماء هذا معنى لحديث رواه الإمام أحمد والطبراني
عن أبي بصرة الغفاري أن النبي الله قال سألت ربي فأعطاني
ثلاثاً ومنعني واحدة سألته الا يجمع أمتي على ضلالة
فأعطانيها وسألته ألا يُهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم
قبلهم فأعطانيها وسألته الا يُظهر عليهم عدوا من غيرهم
فأعطانيها وسألته ألا يُلْبِسَهم شِيَعاً ولا يُذيقَ
بعضُهم بأس بعض فمنعنيها
أربعاً
٩٧٦
يرجى فيه التعطف والإحسان من الله تعالى لأنه وقت أسري فيه
بالحبيب ليخلع عليه خلع القرب والفضل العميم فطمع الكليم
لعل أن يلحق لأمته نصيب من ذلك الخير العظيم وقد قال عليه
السلام إن الله نفحات فتعرضوا لنفحات الله ۱ وهذه نفحة من
النفحات فتعرض لها موسى عليه السلام فكان أمر قد قدر
والأسباب لا تؤثر إلا بما سبقت القدرة بأنها فيه تؤثر وما
كان من قضاء
نافذ لا ترده الأسباب فإنه حتم قد لزم كما تقدم في الدعوة
الثالثة من دعوات النبي لأمته ومثل هذا ما حكى الله عزّ
وجلّ في كتابه عن عيسى عليه السلام حيث يقول يوم القيامة
إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ
لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وعيسى عليه
السلام عالم بكفرهم إذ إنهم جعلوا الله ولداً وجعلوا الله
صاحبة وعالم بأن الكفار لا مدخل لهم في المغفرة لكن قال
ذلك رجاء لعل أن يكون ذلك من القدر الذي قدره الله تعالى
وقدر ألا ينفذ فكان من القدر الذي قدره الله تعالى
وقَدَّرَ إنفاذه على كل حال فقال عزّ وجلّ عند ذلك و هَذَا
يَوْمُ يَنفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ أي الأمر كذلك لكن
سبقت إرادتي وحكمتي ونفذ قضائي بأني لا أرحم اليوم إلا
الصادقين دون غيرهم فكان بكاء موسى عليه السلام من هذا
القبيل
ولوجه آخر أيضاً وهو البشارة للنبي الله وإدخال السرور
عليه يشهد لذلك بكاؤه حين ولى عنه وقبل أن يبعد منه لكي
يسمعه لأنه لو كان البكاء خاصاً بموسى عليه السلام على
الوجه المتقدم لم يكن ليبكي حتى يبعد عنه النبي الله فلا
يسمع يبعد عنه النبي هلال الهلال فلا يسمع لأن بكاءه
والنبي صلى الله عليه وسلم يسمعه فيه شيء ما من التشويش
عليه فلما أن كان المراد ما يصدر من البشارة له عليه
السلام بسبب البكاء بكي والنبي منه بحيث يسمعه والبشارة
التي يتضمنها البكاء هي قول موسى عليه السلام الذي هو أكثر
الأنبياء أتباعاً أن الذين يدخلون الجنة من أمة محمّد عليه
السلام أكثر مما يدخلها من أمة موسى عليه السلام
فإن قال قائل لو كان بكاؤه عليه السلام لأجل هذا المعنى
لصدر منه حين قدوم النبي عليه قيل له إنما لم يبك إذ ذاك
لأن البكاء سبب للنفور والوحشة والقادم السنّةُ فيه أن
يُبَس إليه ويُكرم فعمل أولاً سنَّةَ القدوم فلما أن انفصل
مجلس البشاشة أعقبه ببكاء البشارة
۱ روى الحكيم الترمذي في النوادر والطبراني في الأوسط عن
محمد بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن
لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها لعل أحدكم يصيبه
منها نفحة فلا يشقى بعدها أبداً
سورة المائدة الآية ۱۱۸ ۳ سورة المائدة من الآية ۱۱۹
۹۷۷
والجواب عن السؤال الثاني وهو هل المتكلم لموسى عليه
السلام المخلوق أو الخالق الظاهر أن ذلك من الله تعالى يدل
على ذلك قوله في الجواب يارب والجواب عن الثالث أن العرب
إنما تطلق على المرء غلاماً إذا كان سيداً فيهم فلأجل ما
في هذا اللفظ من الاختصاص على غيره من الألفاظ بالأفضلية
ذكره موسى عليه السلام ولم يذكر غيره تعظيماً للنبي الله
له ولو ولو أن الغلام عند العرب هو الصغير السن وهو عليه
السلام في عمره سيما في ذلك الوقت بالنسبة إلى أعمار من
تقدمه من الرسل صلوات الله عليهم أجمعين صغير السن ومع ذلك
تقدم الجميع ورقي عليهم لما خصه الله به من الرفعة
والتعظيم وما أمده في الباطن و غذاه به من روح قدسه فلاجل
ذلك سماه موسى عليه السلام بهذا الاسم دون غيره والله
أعلم
الوجه التاسع والثلاثون قوله عليه السلام فأتينا السماء
السابعة إلى قوله مرحباً بك من ابن ونبي الكلام عليه
كالكلام على ادم عليه السلام
وبقي هنا سؤال وهو أن يُقال لم كان هؤلاء الأنبياء عليهم
السلام في السماوات دون غيرهم من الأنبياء عليهم السلام
ولم كان كل واحد منهم في سماء تخصه دون غيره ولم كان في
السماء الثانية نبيّان وفي غيرهما واحد
والجواب عنه أنه لا يخلو أن يكون ذلك من الله تعبّداً أو
لمعنى ظاهر ومعنى تعبد أنه لا يفهم البشر له حكمة وأما
الفعل في نفسه فهو لحكمة لا بدَّ منها فيه والله عزّ وجلَّ
يعلمها ومن شاء أطلعه عليها وإن كان ذلك لمعنى ظاهر وهي
الحكمة المفهومة من ذلك الترتيب فما هي فنقول وجه الحكمة
فيه - والله أعلم - أنه إنما كان آدم عليه السلام في
السماء الدنيا لأنه أول الأنبياء وأول الآباء وهو الأصل
ومنه تفرع من بَعدَه من الأنبياء وغيرهم فكان أولاً في
سماء الدنيا لأجل هذا المعنى ولأجل تأنيس النبوة بالأبوة
كما ذكرنا في الغربة 1
وأما عيسى عليه السلام فإنما كان في السماء الثانية لأنه
أقرب الأنبياء إلى النبي لله ولا اتحت شريعة عيسى عليه
السلام إلا بشريعة محمّد عليه السلام ولأنه ينزل في آخر
الزمان لأمة النبي بشريعته ويحكم بها ولهذا قال عليه
السلام أنا أولى الناس بعيسى فكان في السماء
1 يشير المؤلف إلى ما جاء في الوجه الخامس والثلاثين من
أنس الأبوة بالنبوة ويقصد أنسَ ادم عليه السلام بالنبي وقد
تكون إشارة المؤلف تمهيدا لما سيورده بعد قليل من أنس
النبي الا الله بأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام
حيث التقيا في السماء السابعة تقدم تخريجه قبل قليل
۹۷۸
الثانية لأجل هذا المعنى وإنما كان يحيى عليه السلام معه
هناك لأنه ابن خالته وهما كالشيء الواحد فلأجل التزام
أحدهما بالآخر كانا هناك معاً
وإنما كان يوسف عليه السلام في السماء الثالثة لأنَّ على
حسنه تدخل أمة النبي الا الله الجنة ۱ فأُرِي له هناك لكي
يكون ذلك بشارة له عليه السلام فيُسَر بذلك وإنما كان
إدريس عليه السلام في السماء الرابعة لأنه هناك توفي ولم
تكن له تربة في الأرض على ما ذكر ٢
وإنما كان هارون عليه السلام في السماء الخامسة لأنه ملازم
لموسى عليه السلام لأجل أنه أخوه وخليفته في قومه فكان
هناك لأجل هذا المعنى وإنما لم يكن مع موسى عليه السلام في
السماء السادسة لأن لموسى مزية وحرمة وهو كونه الكليم
واختص بأشياء لم تكن لهارون عليه السلام فلأجل هذا المعنى
لم يكن معه في السماء السادسة ولأجل المعنى الأول كان في
السماء الخامسة ولم يكن فيما دونها أو في الأرض
وإنما كان موسى عليه السلام في السماء السادسة لأجل ما
اختص به من الفضائل ولأنه الكليم وهو أكثر الأنبياء
أتباعاً بعد النبي لا ل ا ل فكان فوق من ذكر لأجل ما اختص
به من الفضائل وإنما كان إبراهيم عليه السلام في السماء
السابعة لأنه الخليل والأب الأخير ولأن النبي يصعد من هناك
إلى عالم آخر غير ما هو فيه الآن وهو اختراق الحجب فيحتاج
إذ ذاك أن يتجدد له أنس أيضاً لأن الغربة زادت إذ ذاك فكان
إبراهيم عليه السلام هناك لأجل ما يجد النبي صلى الله عليه
وسلم من الأنس به وذلك لثلاثة معان لكونه الأب الأخير
ولكونه أباً من طرفين بالنسب في الأبوة وبالاتباع في الملة
كما قال تعالى مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمُ ۳ ولأنه
الخليل كما تقدم ولا إلى أحد أفضل من الخليل إلا الحبيب
والحبيبها هو ذا قد علا ذلك المقام فكان الخليل فوق الكل
لأجل خلته وفضله وارتفع الحبيب فوق الكل لأجل ما اختص به
مما زاد به عليهم
يدل على ما قررناه الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى
تِلكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ
مِنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ
دَرَجَةٍ ٤ وأما السنة فقوله عليه السلام أنا سيّدُ ولدِ
آدمَ
۱ كأن المعنى تدخل أمة النبي الجنة قبل أمة يوسف عليه
السلام
رفع إدريس عليه السلام وهو حي كعيسى عليه السلام وهو في
قلب السماوات له شأنه العظيم بين الأنبياء ويفيض الشيخ
الأكبر ابن عربي في سرّ موضعه من السماوات
۳ سورة الحج من الآية ۷۸ ٤ سورة البقرة من الآية ٢٥٣
۹۷۹
يوم القيامة ولا فخر ۱ وقوله عليه السلام آدم ومن دونه تحت
لوائي فحصل لهم الكمال والدرجة الرفيعة وهي درجة الرسالة
والنبوة وَرُفِعُوا بعضُهم فوق بعض درجات بمقتضى الحكمة
ترفيعاً للمرفوع دون تنقيص بالمتروك الله عزّ وجلّ أعلم
الوجه الأربعون رؤيته عليه السلام لهؤلاء الأنبياء عليهم
السلام احتملت وجوهاً الأول أن يكون عليه السلام عاين كلَّ
واحد منهم في قبره في الأرض على الصورة التي أخبر بها من
الموضع الذي ذكر أنه عاينه فيه فيكون الله عزّ وجلّ قد
أعطاه من القوة في البصر والبصيرة بما أدرك ذلك يشهد لهذا
الوجه قوله عليه السلام رأيت الجنة والنار في عُرْضِ هذا
الحائط وهو محتمل لوجهين أحدهما أن يكون عليه السلام راهما
في ذلك الموضع كما يقال رأيت الهلال في منزلي من الطاق
والمراد من موضع الطاق الوجه الثاني أن يكون مثل له
صورتهما في عُرْض الحائط والقدرة صالحة لكليهما
الثاني أن يكون عليه السلام عاين أرواحهم هناك في صورتهم
الثالث أن يكون الله عزّ وجلّ لما أن أراد إسراء نبيه عليه
السلام رفعهم في قبورهم لتلك المواضع إكراماً لنبيه عليه
السلام وتعظيماً حتى يحصل له من قبلهم ما أشرنا إليه من
الأنس والبشارة وغير ذلك مما لم نشر إليه ولا نعلمه نحن
وإظهاراً له عليه السلام للقدرة التي لا يغلبها شيء ولا
تعجز عن شيء وكل هذه الوجوه محتملة ولا ترجيح لأحدها على
الآخر إذ إن القدرة صالحة لكل منها ولكلها معاً
الوجه الحادي والأربعون فيه دليل لأهل الصوفة حيث يقولون
بأن الأعلى يكاشف من دونه في المقامات ولا يكاشفونه في
مقامه الخاص لأن النبي لما أن كان أعلى الأنبياء عليهم
السلام مقاماً اطلع على مقاماتهم حين صعوده ولم يطلع أحد
منهم على مقامه الخاص
الوجه الثاني والأربعون قوله عليه السلام فرفع إليَّ البيت
المعمور معناه أنه أري له وقد يحتمل أن يكون المراد الرفع
والرؤية معاً لأنه قد يكون بينه وبين البيت عوالم حتى لا
يقدر على إدراكه فرفع إليه وأُمِدَّ في بصره وبصيرته حتى
رآه وقد يحتمل أن تكون تلك العوالم التي كانت بينه وبينه
أزيلت حتى أدركه ببصره وقد يحتمل أن يكون بقي العالم على
حاله والبيت على حاله
۱ رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد رضي
الله عنه وتتمة الحديث وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من
نبي يومئذ ادم فمن سواه إلا تحت لوائي وأنا أول شافع وأول
مشفع ولا فخر رواه البخاري في الفتن بلفظ والذي نفسي بيده
لقد عرضت عليّ الجنة والنار انفاً في عرض هذا الحائط وأنا
أصلي فلم أر كاليوم في الخير والشر
۹۸۰
وأُمِدَّ في بصره وبصيرته حتى أدركه وعاينه والقدرة صالحة
للكل يشهد لذلك قوله عليه السلام
رفع إلي بيت المقدس على ما سيأتي والتأويل فيه كالتأويل في
البيت المعمور
الوجه الثالث والأربعون قوله عليه السلام فسألت جبريل فيه
دليل على أن أهل الفضل وإن تناهوا في السؤدد والرفعة إذا
رأوا شيئاً لا علم لهم به أن يسألوا عنه من يعلم ذلك وليس
ذلك مما يخل بمنصبهم لأن النبي الله في الفضل والسؤدد حيث
قد علم وفي هذا الحال قد كان تناهى ارتقاؤه حيث أخبر لكن
لما أن رأى شيئاً لا علم له به ووجد من سأل عنه سأله
الوجه الرابع والأربعون قوله هذا البيت المعمور يصلي فيه
كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا آخر ما عليهم
فيه دليل على عظيم قدرة الله تعالى وأنه لا يعجزها شيء لأن
هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم هذا العدد العظيم منذ
خلق الله تعالى الخلق إلى الأبد ثم طائفة هذا اليوم لا
ترجع إليه أبداً ومع أنه قد روي أنه ليس في السماوات ولا
في الأرض موضع شبر - وقيل قدر أربعة أصابع - إلا ومَلَكٌ
واضع جبهته هناك ساجد ۱ ثم البحار ما من قطرة إلا وبها ملك
موكل بها فإذا كانت السماوات والأرض والبحار هكذا فهؤلاء
الملائكة الذين يدخلون أين يذهبون هذا من عظيم القدرة التي
لا يشبهها شيء ولا تتوقف عن شيء
الوجه الخامس والأربعون فيه دليل على أن الملائكة أكثر
المخلوقات لأنه إذا كان سبعون ألف ملك كل يوم يصلّون في
البيت - على ما تقدم ذكره - لم لا يعودون آخر ما عليهم مع
أن الملائكة في السماوات والأرض والبحار - على ما تقدم
ذكره - فهم على هذا الظاهر أكثر المخلوقات وقد روي أن الله
مَلَكاً له خَلْق عظيم يطول وصفه يَعْتَسِل كل يوم ثم
ينتفض في ريشه فكل قطرة تقطر منه يخلق الله عزّ وجلّ منها
مَلَكاً وقد روي أن ثَمّ ملائكة يسبحون الله عزّ وجلّ
فيخلق الله تعالى بكل تسبيحة مَلَكاً هذا عدا الملائكة
التي خُلِقت للتعبّد وعدا الملائكة الموكلين بالنبات
والأرزاق والحَفَظة وقد روي أن ما لله تعالى من المخلوقات
من حيوانات وغيرها - عدا بني آدم الذين لهم الحفظة - إلا
ومعه مَلَكان أحدهما يهديه إلى رزقه والآخر إلى مصالحه
فكانوا أكثر المخلوقات بمقتضى هذه الظواهر
۱ رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وصححه الحاكم عن
أبي ذر رضي الله عنه بلفظ إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا
تسمعون أطّت السماء وحق لها أن تنط ما فيها موضع أربع
أصابع إلا ومَلَك واضع جبهته الله تعالى ساجداً والله لو
تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم
بالنساء على الفراش ولخرجتم إلى الصَّعدات تجأرون إلى الله
عزّ وجلّ
۹۸۱
الوجه السادس والأربعون فيه دليل على أن الصلاة أفضل
العبادات إذ إنها اشترك فيها أهل العالمين العلوي والسفلي
أعني أنهم مأمورون بجنسها
الوجه السابع والأربعون فيه دليل على استغناء الله تعالى
عن خلقه وأنه لا تنفعه طاعة الطائع ولا تضره مخالفة
المخالف لأنه عزّ وجلّ خلق هذا الخلق العظيم ووكل بعضهم
بحفظ منافع بعض ووكل بعضهم بفعل أشياء وإتقانها والكل ليس
بيدهم في ذلك شيء ولا لهم على ما يفعلون قدرة بل قدرة الله
عزّ وجلّ هي الحافظة لكل ذلك والمصلحة له وإنما ذلك من
الله تعبد يتعبد به مِن خلقه مَن شاء كيف شاء بما شاء
ثم إنه عزّ وجلّ خلق الخلق وقسمهم على أقسام فقوم خلقهم
للسعادة لا غير واختصهم بعبادته وجعل العبادة لهم قوتاً
وعيشاً ويسرها عليهم وأجراها لهم كمِثل النَّفَسِ لبني آدم
وهم الملائكة وقوم خلقهم للشقاوة والطرد والبعد وجعلهم
أهلاً للشر وأسبابه وهم الشياطين وقوم خلقهم وأدارهم بين
هذين القسمين شقي وسعيد وجعل لهم الثواب على الطاعات
والعقاب على المخالفات وهم بنو آدم والجن ثم قسم بني ادم
والجن على أقسام فمنهم القسمان المتقدمان وخلق منهم فيتوب
عليهم لقوله عليه السلام لو لم تذنبوا لأتى الله بقوم
يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم ۱ وخلق منهم قوماً يعصون فلا
يغفر لهم ولا حيلة لهم في السعادة بعدها للمقدور الذي سبق
عليهم وخلق منهم قوماً فيهم نصيب للعذاب ونصيب للرحمة
طائفة يعصون
فلو كان عزّ وجلّ تنفعه طاعة الطائع لخلق الكلّ للطاعة ولو
كانت تضره معصية العاصي لم يكن ليعفو عمن عصاه والعاقبه
على كل حال ولأجل هذه المعاني التي أشرنا إلى شيء منها قال
عليه السلام تفكر ساعة خير من عبادة سنة ۳ وفي رواية خير
من عبادة الدهر لأنه إذا تفكر المرء في شيء من هذه القدرة
العظمى والحكمة الكبرى بان له الحق واتضح فأذعن عند ذلك
الله وسلم له في مقدوره وازداد بذلك محبة في التعبد لمن له
هذا الملك العظيم إذ بالعبادة يتقرب إليه فأنس عند ذلك بها
واستوحش من ضدها وأنس بالخلوة عن الخلق لأجل فراغه للتعبد
والنظر فيما أشرنا إليه واستوحش عند المخالطة لذهاب ذلك
الوصف عنه
ولهذا المعنى لما أن دخل بعضهم على بعض الفضلاء من أهل
الصوفة وجده وحده فسأله
۱ رواه الإمام أحمد ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ
والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء
بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم تقدم تخريجه في الحديث ۱
۹۸
وحدك قال رضي الله عنه الآن أنا وحدي يعني ا كان في خلوته
مشتغلاً بشيء مما أشرنا إليه إما من تعبد أو فكرة فأنس ذلك
مع ربه ثم لما أن جاءه ذهب ذلك عنه وهو يجد بذلك الوحشة
فكان وحده لأجل هذا المعنى
ولهذا المعنى قال بعض الفضلاء أوصيك بأن تديم النظر في
مرآة الفكرة مع الخلوة فهناك
يبين لك الحق
والتفكر في معاني هذا الحديث يزيد في الإيمان أضعاف أضعافه
إذا رزق صاحبه التوفيق وإنما تكلمنا على هذا المعنى إشارة
ليتنبه الطالب والمريد لما عدا تلك المعاني التي أشرنا
إليها لعلها تكون له سلماً وسبباً إلى الارتقاء والفهم
فيما عداها الوجه الثامن والأربعون قوله عليه السلام ورفعت
إليَّ سدرة المنتهى الكلام عليه كالكلام على قوله ورفع
إليَّ البيت المعمور وقد مر وإنما سميت بهذا الاسم لأن
إليها تنتهي هناك ينزل الأمر وتتلقى الأحكام وعندها تقف
الحفظة وغيرهم ولا يتعدونها فكانت
ومن
الأعمال
منتهى لأن إليها ينتهي ما يصعد من السفل وما ينزل من
العالم العلوي من أمر العلي القدير الوجه التاسع والأربعون
قوله عليه السلام فإذا نَبْقُها كأنه قِلال هَجَر وورقها
كأنه آذان الفيلة النَّبق هو الثمرة التي تثمرها هذه
الشجرة وقدرها قدر قُلَّة هَجَر وقُلَّة هَجَر أكبر أواني
أهل الأرض من جنسها على ما كان أهل الحجاز يعهدون وإنما
شبه عليه السلام نَبْقها بالقِلال وورقها بآذان الفيلة
لأنه ليس في الدنيا ما يُشبِهُهُما من جنسها فأشار إلى ذلك
ليُعلم قدرُها وأما
حسنها فلا يتوصل إليه إلا من أطلعه الله عزّ وجلّ عليها أو
يراها في الآخرة إن شاء الله تعالى الوجه الخمسون قوله
عليه السلام في أصلها أربعة أنهار نهران باطنان ونهران
ظاهران هذا اللفظ يحتمل أن يكون على الحقيقة ويحتمل أن
يكون من باب تسمية الشيء بما قاربه فإن كان على الحقيقة
فتكون هذه الأنهار تنبع من أصل الشجرة نفسها فتكون الشجرة
حلوة الثمر وأصلها ينبع منه الماء والقدرة لا تعجز عن هذا
ولا عن شيء ممكن مهما كان وإن كان من باب تسمية الشيء بما
قاربه فتكون الأنهار تنبع قريباً من أصل الشجرة
ثم بقي احتمال هل الشجرة مغروسة في شيء أم لا محتمل
للوجهين معاً لأن القدرة صالحة لكليهما فكما جعل عزّ وجلّ
هنا الأرض للشجرة مقراً كذلك يجعل الهواء لتلك مقراً وكما
رجع النبي الا الله و يمشي في الهواء كما كان يمشي في
الأرض وكما كان جبريل عليه السلام جالساً على كرسي بين
السماء والأرض - والقدرة لا تعجز عن هذا كله ولا عن أمثاله
وأمثال أمثاله إلى ما لا نهاية له - ولأن بالقدرة استقرت
الأرض وتمهدت مع أنها على الماء لأن الأرض
۹۸۳
بما فيها على الماء ـ على ما جاءت به الأخبار - فإمساكها
بمن يمشي عليها أعظم في القدرة من إمساكها وحدها ومن إمساك
المخلوقات دونها وإنما يتعاظم هذا لكون الله عزّ وجلّ أجرى
العادة بالمشي على الأرض والاستقرار عليها ولم يُجرِ ذلك
في الهواء والقدرة ليست مرتبطة بالعادة الجارية ولو شاء
عزّ وجلّ أن يجعل الأمر بالعكس لفعل ولو فعل ذلك لعظم
أيضاً في أعين الناظرين من يمشي على الأرض لأجل العادة
الجارية وقد روي أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود فهي
تجري في مواضع معلومة لا تتعداها من غير شيء يمسكها ولا
يردّها فمن كانت هذه قدرته فكيف يقع الإنكار أن تكون شجرة
في الهواء مع عظيم هذه القدرة ويحتمل أن تكون الشجرة
مغروسة بأرض - وهو الأظهر - بدليل قوله ونهران باطنان ولا
يطلق هذا اللفظ وما أشبهه إلا على ما يفهم والباطن لا بدَّ
له أن يكون سريانه تحت شيء يستره وحينئذ يطلق عليه اسم
الباطن ثم بقي الاحتمال في الأرض إذا قلنا بها هل هي من
تراب الجنة أو هي تورية أو غير ذلك محتمل لكل ذلك
الوجه الحادي والخمسون قوله عليه السلام فسألت جبريل
الكلام عليه كالكلام على سؤاله عليه السلام قبل ذلك
الوجه الثاني والخمسون قوله عليه السلام وأما الباطنان ففي
الجنة وأما الظاهران فالفرات والنيل فيه دليل على أن
الفرات والنيل ليسا من الجنة لأنه عليه السلام أخبر أن
جبريل عليه السلام أخبره أن هذه الأنهار منبعها من سدرة
المنتهى فيروح الباطنان إلى الجنة والفرات والنيل ينزلان
إلى الدنيا وسدرة المنتهى ليست في الجنة حتى يقال إنهما
يخرجان منها بعد نبعهما من الشجرة وهذا معارض لقوله عليه
السلام أربعة أنهار في الأرض من الجنة فذكر الفرات والنيل
وزاد سيحون وجيحون ۱
والجمع بينهما - والله أعلم - أنه قد يكون الفرات والنيل
منبعهما من سدرة المنتهى وإذا نزلا إلى الدنيا يسلكان
أولاً على الجنة فيدخلانها ثم بعد ذلك ينزلان إلى الأرض
وفي المسألة خلاف
ذكره العلماء
وهذا أدل دليل على أن الأشياء لا تؤثر بذواتها وإنما
القدرة هي المؤثرة في كلها إذ إن الأخبار قد وردت بأن من
شرب من ماء الجنة لا يموت ولا يفنى وأنه ليس له فضلة تخرج
على ما
۱ رواه الشيرازي في الألقاب كما في الفتح الكبير عن أبي
هريرة رضي الله عنه وبمعناه في مسند الإمام أحمد وصحيح
مسلم بلفظ سيحان و جيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة
انظر النهاية في الفتن والملاحم ٢٩٧/٢ لابن كثير
٩٨٤
يعهد في دار الدنيا وإنما خروجه رشحان مسك على البدن فجعلت
فيه هذه الخاصية العظمى ثم لما أن شاء الله عزّ وجلّ
بنزوله إلى هذه الدار نزعت منه تلك الخصوصية وأُبْقِيَ
جوهره بحاله وكل الخواص مثله في هذا المعنى إن شاء الله
عزّ وجلّ أبقى لها الخاصية وإن شاء سلبها مع بقاء
جوهرها ليس لذوات الخواص تأثير بل الخاصية خَلَقها والجوهر
خلقه بدليل ما نحن بسبيله الوجه الثالث والخمسون فيه دليل
على أن الباطن أجلّ من الظاهر لأنه لما أن كان الباطنان
أجلَّ جُعِلا في دار البقاء ولما أن كان الظاهران أقلَّ
أُخرجا إلى هذه الدار ولهذا قال عليه السلام إن الله لا
ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم ۱ وإن كانا معاً
مقصودين لكن جلّ المقصود هو الباطن كما قال عليه السلام في
الحج الحج عرفة يريد أن معظم الحج عرفة ولأجل هذا فاق أهل
الصوفة غيرهم لأنهم عملوا على صلاح الباطن فصلح منهم
الباطن والظاهر وأهل
الدنيا عملوا في تعبدهم على صلاح الظاهر ولم يلتفتوا إلى
الباطن ففسد منهم الظاهر والباطن الوجه الرابع والخمسون
قوله عليه السلام ثم فرضت عليَّ خمسون صلاة يرد على هذا
الفصل بحث دقيق وهو لم فرضت الصلاة في هذا الموطن دون
واسطة وغَيرُها من الفرائض لم يكن لها ذلك ومما يندرج في
هذا البحث أيضاً أن الشارع عليه السلام حض عليها ما لم يحض
على غيرها من الفرائض وجعلها فرقاً بين الإيمان والكفر
وقال فيها موضع الصلاة من الدين موضع الرأس من الجسد ۳
وقال فيها وجعلت قرة عيني في الصلاة 4 وقال فيها أرحنا بها
یا بلال إلى غير ذلك من الأحاديث الخاصة عليها
فنقول والله المستعان إنه إن كان ذلك تعبداً فلا بحث وإن
كان لحكمة فعند ذلك يحتاج إلى البيان والأصل - كما قدمنا
غير مرة - أن كل متعبَّد به إنما هو لحكمة ومما يدل على
ذلك قوله تعالى ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُونَ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
٦ وقوله عزّ وجلّ
۱ رواه مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ إن
الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم
وأعمالكم
قطعة
3 3 3
قطعة من حديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وقال
حسن صحيح ورواه النسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن عبد
الرحمن بن يعمر الديلمي ولفظه الحج عرفة من جاء قبل صلاة
الصبح من ليلة جمع فقد تم حجه أيام منى ثلاثة فمن تعجل في
يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ۳ رواه الديلمي
عن ابن عمر رضي الله عنه بلفظ كموضع بدلا من موضع الوارد
عند المؤلف رحمه الله ٤ تقدم تخريجه في الحديث ٦
٥ تقدم تخريجه في الحديثين ٤٢ و ٦٤
٦ سورة الأنعام الاية ٧٥
۹۸۵
في صفة المؤمنين وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا 1 فإذا
كانت السماوات والأرض لم تخلق إلا لحكمة فكذلك كلّ ما فيها
من المخلوقات وما كلفوا فيها من التكليفات كل شيء من ذلك
صادر عن حكمة وليس شيء منها عبثاً لكن ما جهلنا الحكمة فيه
لقلة الفهم قلنا عنه تعبداً أي تعبَّدَنا الله بذلك فعلى
هذا ففرض الصلاة هناك بغير واسطة وتحضيض الشارع عليه
السلام عليها بالأحاديث المذكورة لا بد لذلك كله من حكمة
وإذا كان ذلك لحكمة فنحتاج أن نبحث فيه ونبينه بحسب ما
ييسر الله فيه
فنقول والله المستعان أما قوله عليه السلام وجعلت قرة عيني
في الصلاة وقوله عليه
السلام أرحنا بها يا بلال فالمعنى في ذلك ظاهر من وجوه
الوجه الأول أنه عليه السلام يتذكر بها تلك المراجعات
الجليلة وهي خمسة مواطن كما ذكر في الحديث حين مراجعته
عليه السلام من أول الفرض إلى حين استقراره بين ربه عزّ
وجل وبين موسى عليه السلام
الثاني أنه في تلك الليلة المباركة - أعني ليلة المعراج -
رأى عليه السلام تعبد الملائكة في العالم العلوي فمنهم
قيام لا يلتفتون ومنهم رُكَّعٌ لا ينحرفون ومنهم سُجَّدٌ
لا يرفعون على ما نقل عنه عليه السلام في الحديث الصحيح
فإذا كان يوم القيامة قالوا بأجمعهم سُبّوح قدوس ما
عبدناكَ حقّ عبادتك فجمع الله عزّ وجلّ لنبيه عليه السلام
ولأمته جميع تلك العبادات في ركعة واحدة في أقل زمان وأقرب
فعل وهو قدر اطمئنان الأعضاء على ما نقل عنه عليه السلام
في حديث الأعرابي حيث قال له اركع حتى تطمئِنَّ راكعاً ثم
ارفع حتى تعتدل قائماً ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً
الثالث أنها فرضت أولاً مثقلة ثم خُفِّفت وأبقي الأجرُ على
ما كان عليه
الرابع أن الله عزّ وجلّ جعل فيها جملة من المراتب السنية
لنبيه عليه السلام ولأمته لأنه عزّ وجلّ يقول على لسان
نبيه عليه السلام قسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ۳
بالنظر إلى هذا النص على قسمين وهي بالنظر إلى البحث في
الحديث على خمس مراتب لأن الشارع عليه السلام أخبر أنه إذا
قال العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ يقول
الله حَمِدَني عبدي يقول العبد الرحمن الرحيم يقول الله
أثنى عليَّ عبدي يقول
فهي
۱ سورة ال عمران من الاية ۱۹۱ تقدم تخريجه في الحديث ٦٤
۳ رواه الإمام أحمد ومسلم والأربعة عن أبي هريرة رضي الله
عنه وهو حديث قدسي
٩٨٦
وَلا
العبد ملِكِ يَوْمِ الدِّينِ يقول الله مجدني عبدي يقول
العبد إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يقول الله
هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سال يقول العبد اهْدِنَا
الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ
عَلَيْهِمْ غَيْرِ الضالين ١ يقول الله هؤلاء لعبدي ولعبدي
ما سأل غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِـ فهذه خمس مراتب ثلاث
منها لجانب المولى جل جلاله وحقيقة النفع فيها للعبد إذ إن
الله عزّ وجلّ غنيّ عن عبادة الخلق إياه فهو عزّ وجلّ قد
رفع عبده في ثلاثة مقامات من المراتب السنيّة في هذه
السورة لأن لكل لفظ منها مَقاماً يخصّه وقد ذكر الله عزّ
وجلّ ذلك في كتابه حيث قال الحَمدُونَ وقال الذاكرون وقال
وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وقد جعل
الشارع عليه السلام لكل اسم وصفة مرتبة بحدتها فمن حلف
باسم أو بصفة فعليه كفارة واحدة فإن جمَع في اليمين أسماء
وصفاتٍ كانت عليه كفاراتٌ بعدد الأسماء والصفات أعني إذا
أفرد كل واحد من الأسماء والصفات
فجعل عزّ وجلّ لكل لفظة في كتابه وعلى لسان نبيه عليه
السلام مدحة ومنزلة فلما أن كانت الثلاث الأول كلها ثناء
على الله تعالى جعلها عزّ وجلّ قسماً واحداً فأضافها إلى
نفسه ولما أن كانت الآية الرابعة إقراراً له عزّ وجلّ
بالألوهية وطلباً منه للاستعانة قال هذا بيني وبين عبدي
ولما كان باقيها طلباً للعبد لا غير قال عزّ وجلّ ولعبدي
ما سأل فجعلها عزّ وجلّ أولاً على قسمين بقوله تعالى نصفها
لي ونصفها لعبدي ثم جعلها عند البيان على ثلاث مراتب خاص
به وخاص بالعبد ومشترك بينه وبين العبد
وهي بالتقسيم والنظر إلى البحث خمس كما قدمنا وهذه الخمس
أعني جنس العدد كثيراً ما يتردد في الصلاة على وجوه ومعان
مختلفة
خمس
فمنها أن أفعالها خمس وأقوالها خمس وأحوالها خمس وأسماءها
خمس ومراتبها
فأما الأفعال ففي كل ركعة قيام وركوع وسجدتان وجلوس وأما
الأقوال ففي كل ركعة تكبير وقراءة وتحميد وتعظيم ودعاء
وأما الأحوال ففي كل ركعة تَجَلّ وترفيع ومغفرة وإجابة
وقرب وتدان
۱ سورة الفاتحة الآيات ١ - ٧ سورة المعارج من الآية ٢٦
۹۸۷
وأما الأسماء فكما سماها الشارع عليه السلام ظهر و عصر و
مغرب وعشاء وصبح
وأما المراتب ففرض وسنة واستحباب ونفل وترغيب
أما الأفعال فظاهرة لا تحتاج إلى بيان
وأما الأقوال فالتكبير معلوم عند الإحرام وفي أركان الصلاة
والقراءة مثل قراءة أم القرآن وغيرها على ما ذكر في كتب
الفقه والتعظيم خاص بالركوع لقوله عليه السلام أما الركوع
فعظموا فيه الرب ۱ ونهى عن القراءة فيه والدعاء والتسبيح
مشروع في السجود لقوله عليه السلام حين أنزل عليه سَبِّح
اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فقال اجعلوها في سجودكم ۳ وقوله
عليه السلام أكثروا فيه من الدعاء فقَمِنٌ أن يُستجابَ لكم
أي حقيق يعني في السجود
وأما الأحوال فأولها التجلي وهو عند استفتاح الصلاة مرة
وفي كل ركعة مرة وأما الاستفتاح فمعلوم من الكتاب والسنة
أما الكتاب فقوله تعالى فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ
وَجْهُ اللهِ ﴾ ٤ وأما السنة فقوله عليه السلام إذا دخل
العبد في الصلاة أقبل الله عليه بوجهه فإذا التفت أعرض عنه
٥ وقوله عليه السلام إذا كان أحدكم يصلي فلا يَبصُقْ
قِبَلَ وجهه فإن الله تبارك وتعالى قبلَ وجهه إذا صلّى وفي
رواية فإنما يناجي ربه أو ربه بينه وبين القبلة ٦ ولأجل
هذا التجلي وهذه المناجاة وما
1 رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس
رضي الله عنهما بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا
وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً وساجداً فأما الركوع
فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فإنه
قمِنٌ
أن يُسْتَجابَ لكم سورة الأعلى من الاية ۱
۳ رواه أبو داود وابن ماجه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه
وتمام الحديث لما نزلت ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ
الْعَظِيمِ قال رسول الله و اجعلوها في ركوعكم ولما نزلت
سَبْح اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال اجعلوها في
سجودكم
٤ سورة البقرة من الآية ١١٥
٥ روي ذلك في عدة أحاديث متفقة في المعنى مختلفة في اللفظ
منها ما رواه الإمام أحمد وأبو داود وصححه ابن خزيمة
والحاكم عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي له الا الله قال
لا يزال الله مقبلا على العبد في صلاته ما لم يلتفت فإذا
صرف وجهه انصرف عنه
٦ متفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه بلفظ أن رسول الله
الله ما رأى نخامة في القبلة فشق ذلك عليه حتى رئي في وجهه
فقام فقام فحكه بيده فقال إن أحدكم إذا قام في الصلاة
فإنما يناجي ربه فإن ربه بينه وبين القبلة فلا يبزقن أحدكم
قبل قبلته ولكن عن يساره أو تحت قدمه ثم أخذ طرف ردائه
فبصق فيه ثم ردّ بعضه على بعض فقال أو يفعل هكذا
۹۸۸
أشرنا إليه في الصلاة من المقامات وما يأتي بعده كلام
العلماء رضوان الله عليهم بصيغ مختلفة لعله أن يحصل للمصلي
مما أشرنا إليه شيء فمنها ما قاله الغزالي رحمه الله في
القائم إلى الصلاة عند الإحرام بعد توفية تلك الشروط الخمس
۱ فيها فقال يُمثل الجنةَ عن يمينه والنار عن شماله
والصِّراطَ بين قدميه والله عزّ وجلّ قبالة وَجهِه وقال
غيره بل يُحضر جميعَ العوالم في خاطره ثم يُحضر نفسه أنه
بين يدي خالقها والأقاويل في هذا المعنى متعددة والموطن
الثاني من التجلي الذي هو في كل ركعة هي القراءة لمن قرأ
بصدق وإخلاص
لأنها تجلُّ بالصفة الجليلة والصفة لا تفارق الموصوف
وأما الترفيع ففي كل ركعة مواطن منها الركوع إذا قصد به
الخضوع الله تعالى كما شرع له لأن في ضمن ذلك الترفيع
لقوله عليه السلام من تواضع لله رفعه الله ومنها السجود
لقوله عليه السلام أقرَبُ ما يكون العبد من الله إذا كان
ساجداً وبطنه جائعاً ۳
وأما المغفرة ففي كل ركعة موطنان الأول عند قوله آمين بعد
قوله ﴿ وَلَا الضالين لقوله عليه السلام في ذلك إذا قال
أحدكم آمين وقالت الملائكة في السماء امين فوافقت إحداهما
الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه ٤ والموطن الثاني من
المغفرة قوله ربَّنا ولك الحَمدُ بعد قوله سمع الله لِمَن
حَمِدَه لقوله عليه السلام فيه أيضاً مَن وافَق قوله
قَوْلَ الملائكة غفر له ما تقدَّم من ذنبه وقد مرَّ الكلام
على الموافقة ما هي هل هي في الإخلاص أو في الزمان عند ذكر
الحديث نفسه وهو قوله عليه السلام إذا قال الإمام سَمع
الله لمن حمده
فقولوا اللهم ربَّنا ولك الحمد فإنه من وافق قوله قول
الملائكة غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه ٥ وأما الإجابة ففي
كل ركعة موطنان الأول عند قوله وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾
إلى آخر السورة لقوله عزّ وجلّ ولعبدي ما سأل كما تقدم
والموطن الثاني في السجود لقوله عليه السلام أكثروا فيه من
الدعاء فقَمِنٌ أن يُستجاب لكم كما تقدم وأما القرب
والتداني ففي كل ركعة موطن واحد عند قوله إِيَّاكَ
نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ ﴿
١ كذا وهو جائز باعتبار الجمع مؤنثاً
رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة رضي الله عنه وفي
مسلم وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ۳ رواه مسلم وأبو
داود والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه وليس فيه عبارة
وبطنه جائعاً ٤ رواه البخاري بلفظ إذا قال أحدكم امين
وقالت الملائكة في السماء امين فوافقت إحداهما الأخرى غفر
له ما
تقدم من ذنبه
٥ متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
۹۸۹
ن ﴾ لقوله عزّ وجلّ فهذه بيني وبين عبدي فسوّى عزّ وجلّ
بينه وبين عبده دون
ترفيع لذاته الجليلة وهذا هو غاية التداني والقرب من طريق
المنّ والإفضال
ولا يتوهم متوهم أن ما ذكرناه هنا معارض لما قدمناه من
قوله عليه السلام أقرب ما يكون العبد من الله إذا كان
ساجداً وبطنه جائعاً لأن بينهما فرقاً وهو أن ما أخبر به
عليه السلام مما تقدم حال أوصاف العبودية لأن العبد لا
يقدر على أكثر من هذا الحال وهو أن يجيع بطنه ويمرغ وجهه
في التراب تذللاً لمولاه وأما القرب والتداني فهو فيض
الربوبية وفيض الربوبية ليست۱
من كسب العبودية حتى يوصف العبد بها فتلك ٢
خاصة بكسب العبد فيمدح عليها ويذم وهذه خاصة بفيض الربوبية
لا مِدْحَةَ للعبد فيها ولهذا المعنى الذي أشرنا إليه -
أعني في هذه الخمس مراتب التي ذكرناها في أم القرآن وما
تضمنته من درر العلوم الثاقبة ـ قال علي رضي الله عنه لو
شئتُ أن أُوقر ۳ سبعين بعيراً من تفسير أم القرآن لفعلت
واغترافها من السورة يظهر في هذه الخمسة كنوز التي أشرنا
إليها
بيان ذلك أنه إذا قال الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ يحتاج أن يُبَيِّن ٤ معنى الحمد وما يتعلق
به والاسم الجليل الذي هو الله وما يليق به من التنزيه ثم
يحتاج إلى بيان العالم وكيفيته على أنواعه وأعداده وقد قال
عليه السلام إن الله سبعة عشَرَ َألفَ عالَم السمواتُ
السبعُ
جميع
والأرضون السبعُ وما فيهن عالم واحد وقد أخبر عليه السلام
أن في هذه الأرض ألف عالَم
أربعمائة في البر وستمائة في البحر فيحتاج إلى بيان ما
أشرنا إليه كله إذ اللفظ يحوي ذلك كله
فإذا قال الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يحتاج أيضاً أن يبين هذين
الاسمين الجليلين وما يليق ﴿ بهما من الجلال وما معناهما
ثم يحتاج في ضمن هذا البيان إلى بيان جميع الأسماء والصفات
ثم يحتاج إلى بيان الحكمة في اختصاص هذا الموضع بهذين
الاسمين الجليلين دون غيرهما من الأسماء وسنذكر طرفاً من
هذه الحكمة بعد إن شاء الله تعالى
فإذا قال مثلِكِ يَوْمِ الدِّينِ يحتاج إلى بيان ذلك اليوم
وما فيه من المواطن والأهوال وكيفية ذلك العالم وما يخص
لكل عالم فيه وأين مستقره
1 أعاد على فيض ضمير المؤنث لأنه أضيف إلى الربوبية فاكتسب
منها التأنيث ٢ أي حال أوصاف العبودية في الحديث الشريف
۳ أوقر أحمل
٤ أي يفسر
۹۹۰
فإذا قال إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يحتاج
إلى بيان المعبودِ وجلاله والعبادة
وكيفيتها وصفاتها وادابها على جميع أنواعها والعابد وصفته
والاستعانة وادابها وكيفيتها فإذا قال اهْدِنَا الصِّرَاطَ
الْمُسْتَقِيمَ إلى آخر السورة يحتاج إلى بيان الهداية ما
هي والصراط المستقيم وأضداده ما هي ويبين المغضوب عليهم
والضالين وصفاتهم وما يتعلق بهذا النوع ويبين المرضي عنهم
وصفاتهم وطريقتهم
فعلى ما أبديناه من هذه الوجوه يكون ما قاله الإمام علي
رضي الله عنه أو يزيد عليه وبما أشرنا إليه يَبينُ معنى
قوله عليه السلام في التارك لأم القرآن في صلاته فهي خداج
فهي خداج فهي خداج أي غير تمام لأن من فاتته تلك المراتب
السنية التي أشرنا إليها فحقيق أن يكون
عمله غير تمام وأما المراتب فهي على مذهب مالك رحمه الله
ومن تبعه من العلماء خمس فرض وهي الخمس وسنة وهي الوتر
والعيدان والاستسقاء وكسوف الشمس وما أشبه ذلك وفضائل وهي
قيام رمضان وتحية المسجد وخسوف القمر ومختلف فيه هل هو سنة
أو مستحب وهي ركعتا الفجر ومتفق عليه أنه نافلة وهو ركعتا
الضحى والركوع قبل صلاة الظهر وبعدها وقبل العصر وبعد
المغرب وبعد العشاء ۳
ثم نرجع الآن إلى بيان كون الشارع عليه السلام جعلها فرقاً
بين الإسلام والكفر ومعنى
ذلك ظاهر من وجوه
الأول أن ذلك تنبيه للأمة على تعظيم هذا الشعار أكثر من
غيره من الشعائر لأن ما فرض في ذلك المحل الجليل 4 بغير
واسطة أفضل مما فرض في هذا المحل ٥ بالواسطة
الثاني أنها صلة بين العبد وربه لأن اسمها مشتق من الصلة
فمن كان لا يقبل هذه الصلة مع ما يعود عليه فيها من حسن
العائد ولا يعظم منها ما عظم الله عزّ وجلّ فجدير أن تجعل
حداً
1 رواه الإمام أحمد وابن ماجه وابن أبي شيبة والبيهقي عن
السيدة عائشة رضي الله عنها
٢ أي الركعتان قبل ركعتي الفرض
۳ هذا على مذهب الإمام مالك
٤ يعني سدرة المنتهى
0
يعني الدنيا
۹۹۱
بين الإسلام والكفر ۱ لأنها أول فرض فُرِض على من ادعى
الإسلام فإذا لم يُوفِ ما فرض عليه منها فيكون شبيهاً
بالارتداد عما ادعى من الاستسلام والانقياد ولهذا المعنى
قال عمر رضي الله عنه فمن ضيعها فهو لما سواها أضيع يعني
الصلاة الثالث أن فيها من الترفيع للنبي والتأنيس ما ليس
في غيرها وأمته يندرجون معه في ذلك فأما الترفيع فلكونه
عليه السلام خُص بالارتقاء لتلك المنزلة العليا لفرض
الصلاة هناك عليه السلام بغير واسطة وذلك لم يُفعل مع غيره
من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ثم ترداده
عليه السلام خمساً بين ربه عزّ وجلّ وبين موسى عليه السلام
زيادة له في الترفيع كما تقدم وأما التأنيس فلما فيها من
شَبَه الحال وهو ما ذكرناه من الأحوال الخمس
فالتجلّي في الصلاة مقابله التجلي هناك والترفيع مقابله
الترفيع هناك في العالم العلوي وخرق الحجب ورؤية الآيات
العظام والإجابة مقابلها الإجابة هناك وهي قضاء الحاجة في
الشفاعة والمغفرة مقابلها العفو هناك عن خمس وأربعين من
الفرض - وهو الخمسون - وإبقاء أجر الخمسين في الخمس والقرب
والتداني مقابله هناك قاب قوسين أو أدنى مع نفي التكييف
والتحديد ولهذا المعنى قال عليه السلام لا تفضلوني على
يونس بن متى يعني بذلك نفي التكييف والتحديد - على ما قاله
الإمام أبو المعالي ٢ - لأنه قد وجدت الفضيلة بينهما في
عالم الحس لأن النبي صلى الله عليه وسلم سُري به إلى فوق
السبع الطباق ويونس عليه السلام نزل به إلى قعر البحار وقد
قال عليه السلام أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وقال
عليه السلام ادم ومن دونه تحت لوائي وقد اختصّ عليه السلام
بالشفاعة الكبرى التي لم تكن لغيره من الأنبياء عليهم
السلام فهذه الفضيلة قد وجدت بالضرورة فلم يبق أن يكون
قوله عليه السلام لا تفضلوني على يونس بن متى إلا بالنسبة
إلى المسافة
فمحمد عليه السلام وإن سُرِيَ به لفوق السبع الطباق واخترق
الحجب ويونس عليه السلام وإن نزل به لقعر البحار فهما
بالنسبة إلى القرب من الله سبحانه على حد واحد والمراد
بقوله عزّ وجلّ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى أنه لو كان
الله عزّ وجلّ مسافة يُمشى إليه فيها لكان النبي منه بذلك
القرب إشارة منه عزّ وجلّ إلى قرب نبيه عليه السلام
وتشريفه إياه فتحصل من هذا أن ليلة الإسراء كانت خيراً
خاصاً به عليه السلام وفرض الصلاة فيها عليه
1 أي بين إسلامه وكفره و أل نائبة عن ضمير الغائب أبو
المعالي هو عبد الملك بن عبد الله الجُوَيْني وقد تقدمت
ترجمته في الحديث ۳
۹۹
وعلى أمته مشترك بينه وبين أمته وذلك مثل ما كان للخليل
عليه السلام حين ابتلي بذبح ابنه ليُظهر الله عزّ وجلّ
بذلك رفع منزلته في تحقيق الخُلَّة بالرضا والتسليم في ذلك
الأمر العظيم الذي لم يُفعل مع غيره ثم فُدي بالذبح العظيم
وجُعِلت سنة له عليه السلام ولأمة النبي صلى الله عليه
وسلم قِلَّة أَبِيكُمْ إِبْرَهِيم ۱ وقد قال النبي صلى
الله عليه وسلم أمرت بالذبح وهو لكم سنة ٢ فكان الخليل
عليه السلام في كل عيد يتجدد له أجر تلك المحنة بامتثال
هذه السنة
وجدير بمن تشبه بمقام الخُلة في امتثال هذه السنة أن يكون
مسيره عليها إلى الجنة وقد قال عليه السلام تنافسوا في
أثمانها فإنها مطاياكم إلى الجنة ۳ فخص الخليل وحده بتلك
المحنة لعظيم قدره في الخُلة واشترك هو وغيره في المنة
التي هي شَبَه بتلك المحنة فكذلك النبي الالالالا خص بهذه
الرفعة واشترك مع غيره من المؤمنين بالشبه بها من رحمة
ومثل ذلك أيضاً البيت المعمور في السماء والكعبة في الأرض
فالبيت المعمور خاص بالملائكة - وهم أهل العالم العلوي على
ما تقدم في الحديث - حيث قال يصلي فيه كل يوم سبعون ألف
ملك إذا خرجوا لم يعودوا آخِرَ ما عليهم والكعبة مشتركة
بين بني آدم والملائكة لأنه يطوف بها كل سنة عدد معلوم من
بني ادم والملائكة فما نقص من بني ادم من ذلك العدد كمله
الله عزّ وجلّ من الملائكة
ومثل ذلك أيضاً ما جاء عن الملائكة حين قال لهم عزّ وجلّ
إني جاعل في الأرض خليفة فقالت الملائكة أتجعل فيها من
يُفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدّس لكَ فغضب
الله عزّ وجلّ عليهم ثم تداركهم عزّ وجلّ بالعفو والإفضال
فألهمهم إلى الطواف بالعرش فطافوا به أسبوعاً وتابوا
واستغفروا فتاب الله عليهم وغفر لهم ثم أمرهم أن ابنوا في
الأرض بيتاً لبني آدم فيطوفون به فأتوبُ عليهم كما تُبتُ
عليكم وأغفِرُ لهم كما غفرت لكم فما من خير في العالم
العلوي ولا لسيد من السادة الخواص إلا وقد جعل الله عزّ
وجلّ
۱ سورة الحج من الاية ۷۸ للحديث روايات غير ما ذكر الشيخ
ابن أبي جمرة رضي الله عنه منها ما رواه الإمام أحمد عن
ابن عباس رضي الله عنه بلفظ وأمرت بالأضحى ولم تكتب وفي
رواية لأبي يعلى كتب علي النحر ولم يكتب عليكم وفي أخرى
للحاكم ثلاث هنّ عليّ فرائض ولكم تطوّع الأضحى والوتر
وركعتا الفجر
هذا الحديث غير معروف ولا ثابت فيما علمناه قال ابن الصلاح
كما في التلخيص ١٣٨/٤ وقد أشار ابن العربي إليه في شرح
الترمذي بقوله ليس في فضل الأضحية حديث صحيح ومنها قوله
إنها مطاياكم إلى الجنة قال الحافظ في التلخيص أخرجه صاحب
مسند الفردوس عن أبي هريرة رفعه استفر هوا ضحاياكم فإنها
مطاياكم على الصراط وإسناده ضعيف جدا
۹۹۳
شبهاً منه لهذه الأمة ليُجزِل لهم النصيب من تلك النعمة
فكان ذلك تصديقاً لقوله عزّ وجلّ ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ
الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ
۱ لأنه قد ذكر في معنى هذا الموضع أن النبي صلى الله عليه
وسلم أكثر بالدعاء لأمته لما جَبَله الله عليه من الشفقة
والرحمة لهم فأجابه عزّ وجلّ بأن قال يا محمّد وما كنتَ
بجانب الطور إذ نادينا وقد ذكر العلماء أن هذا النداء كان
من الله عزّ وجلّ قبل أن يَخلُقَ الخلق بألفي عام فقال يا
أمة محمد أرحَمُكم قبل أن تسترحموني وأغفر لكم قبل أن
تستغفروني وأعطيكم قبل أن تسألوني فما ذكرناه من النعم
المتقدمة وما أشبهها تضمن ذلك
كله هذا النداء
أوزعنا الله شكر نعمه وأتمها علينا في الدنيا والآخرة بمنه
فعلى ما قدمناه من النعم وما أشرنا إليه من تلك المراتب
السنية فيجتمع في الصلاة المفروضة في اليوم والليلة مع
ركعتي الفجر والوتر من مواطن المغفرة والإجابة والترفيع
والتجلي والقرب والتداني مائتا موطن وتسعة وأربعون موطناً
على التقسيم المتقدم فإن كانت الصلاة في جماعة زادهم خمس
مواطن من أرفع المراتب لقوله عليه السلام يضحك الله لثلاثة
وعدَّ فيهم القوم يصطفون للصلاة ۳ والضحك من الله تعالى
كناية عن ترفيع العبد وإعظام الأجر له لا من قبيل الولوع
والطرب وقد أكد عليه السلام هذا المعنى وبينه بقوله صلاة
الجماعة تفضل صلاة الفذ
بسبع وعشرين درجة 4 ثم يزداد إلى هذه المواطن من مواطن
المغفرة والرحمة في الطهارة ٤
للصلاة أربعة مواطن في كل طهر
أحدها عند إسباغ الوضوء لقوله عليه السلام إذا توضأ العبد
المؤمن فمضمض فاه خرجت الخطايا من فيه فإذا استنثر ٥ خرجت
الخطايا من أنفه فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه
1 سورة القصص من الآية ٤٦
رواه أبو نعيم في دلائل النبوة وأبو نصر السجزي في الإبانة
والديلمي عن عمرو بن عبسة قال سألت النبي الله عن قوله
تعالى وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إذْ نَادَيْنَا
وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ما كان النداء وما كانت
الرحمة قال كتاب كتبه الله قبل أن يخلق الخلق بألفي عام ثم
وضعه على عرشه ثم نادى يا أمة محمد سبقت رحمتي غضبي
أعطيتكم قبل أن تسألوني وغفرت لكم قبل أن تستغفروني فمن
لقيني منكم وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبدي
ورسولي صادقاً أدخلته الجنة ۳ رواه الإمام أحمد وأبو يعلى
والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي سعيد رضي الله عنه
رفعه بلفظ ثلاثة يضحك الله إليهم القوم إذا اصطفوا إلى
الصلاة والقوم إذا اصطفوا لقتال المشركين ورجل يقوم إلى
الصلاة
في جوف الليل
٤ رواه الإمامان مالك وأحمد والشيخان والترمذي والنسائي
وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما 0 استنثر أدخل الماء
في أنفه ثم دفعه ليخرج ما فيه
٩٩٤
حتى
تخرج من تحت أشفار عينيه فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من
يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه فإذا مسح برأسه خرجت
الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه فإذا غسل رجليه
خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه ۱
الثاني قول المتوضىء عند إسباغ وضوئه أشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله لقوله
عليه السلام في قائل ذلك بعد الوضوء فتحت له أبواب الجنة
يدخل من أيها شاء ٢
الثالث عند الخروج إلى المسجد لقوله عليه السلام فإنه يكتب
له بإحدى خطوتيه حسنة وتمحى عنه بالأخرى سيئة يعني في
الخُطا إلى المسجد
الرابع عند الخروج من المسجد والرجوع إلى بيته لأن له في
ذلك من الأجر مثل ما كان له أوّلاً في الخروج وذلك إذا لم
يرد به غير الصلاة ولم يشرك معها غيرها لقوله عليه السلام
لا يريد غير ذلك يعني في الخروج إلى المسجد
فجميع ما ذكرناه من هذه المواطن المباركة مائتا موطن
وأربعة وسبعون موطناً فإن زاد على ذلك من النوافل مثل
ركعتي الضحى فله في كل ركعة مثل ما ذكرنا من أعداد تلك
المراتب السنية في كل ركعة وزيادة صدقة بقدر أعضاء جسده
لقوله عليه السلام كل سُلامَى من الناس عليه صدقة فذكر لهم
أشياء حتى قال ركعتا الضحى تجزىء عنه ٣ فإن بلغها إلى
اثنتي عشرة زاده ۳ على هذه المواطن قصراً في الجنة لقوله
الا الله من صلى الضحى اثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً
في الجنة ٤
فإن زاد على ذلك أربع ركعات قبل الظهر وأربعاً بعدها
وأربعاً قبل العصر وأربعاً قبل العشاء وأربعاً بعدها كان
له في كل ركعة مثل ما تقدم من عدد تلك المواطن الجليلة
وزاد له على ذلك بركة دعاء النبي لا لا ل ا ل ل له بالرحمة
لأنه عليه السلام قال رحم الله امراً صلّى أربعاً قبل أربع
وأربعاً بعد أربع ٥
فإن زاد على ذلك ركعتين بعد المغرب كان له في كل ركعة مثل
ما تقدم ذكره من المواطن
۱ رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم عن عبد
الله الصناب رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه عن عمر رضي
الله عنه
۳ تقدم تخريجه في الحديث ١٤٥
٤ رواه الترمذي وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه
ه رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ابن حبان عن ابن عمر
رضي الله عنهما بلفظ رحم الله امرأ صلى قبل
العصر أربعاً
٩٩٥
العَلِيَّة وزاد على ذلك بركة اتباع السنة فيها لأنه كان
عليه السلام يداوم على فعلها ولتحريض الشارع عليه السلام
أيضاً بالقول عليها لأنه عليه السلام قال أسرعوا بها فإنها
ترفع مع الفريضة ولا يؤكد عليه السلام على ۱ شيء ويحض عليه
بالفعل والقول إلا لعظيم الأجر فيه فإن زاد على ذلك صلاة
الأوابين - وهي بين المغرب والعشاء اثنتا عشرة ركعة ـ كان
له في كل ركعة مثل ما تقدم من تلك المواطن الرفيعة وزاد
على ذلك قصراً في الجنة لقوله عليه السلام من صلّى بين
المغرب والعشاء اثنتي عشرة ركعة بني الله له قصراً في
الجنة
فإن زاد على ذلك تهجداً بالليل كان له في كل ركعة مثل ما
تقدم من تلك المواطن السنية وزاد له على ذلك أربعة منازل
ثلاثة في الحال وواحدة في القبر فأما التي في الحال فأولها
ما روي عنه عليه السلام أنه قال يضحك الله لثلاثة وعدّ
فيهم القائم بالليل أما الثاني والثالث فما روي عنه عليه
السلام أنه قال قيام الليل يُذهب الذنوبَ ويُصِحَ البدن ۳
فهذه هي الثلاثة الحالية وأما التي في القبر فلما روي عنه
عليه السلام أنه قال صلاة الليل تنوّر القبر ۳
فإن بلغ بتهجده إلى اثنتي عشرة ركعة زاده الله على ما تقدم
قصراً في الجنة لقوله عليه السلام من قام في الليل باثنتي
عشرة ركعة بنى الله له قصراً في الجنة 4 وزاد على ذلك
الوعد الجميل بمتضمَّن التنزيل الذي تحصره العقول وهو قوله
عزّ وجلّ في كتابه نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ الْمَضَاجِعِ
يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا
رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا
أُخْفِى لَهُم مِّن قُرَةٍ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ ٥
فمبلغ هذه المواطن في هذه النوافل المذكورة ستمائة موطن
وثلاثة وأربعون موطناً وزيادة
1 كذا بزيادة على
روى السمرقندي عن أبان عن أنس رضي الله عنه أن النبي الا
الله قال من صلى بعد المغرب اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل
ركعة قل هو الله أحد أربعين مرة صافحته الملائكة يوم
القيامة ومن صافحته الملائكة يوم القيامة أمِنَ الصراط
والحساب وفي رواية للترمذي عن أبي سلمة أن رسول الله لا
الله قال من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلم فيما بينهن
بسوء عَدَلْنَ بعبادة اثنتي عشرة سنة ۳ جاء في الترغيب
والترهيب للمنذري في الترغيب في قيام الليل عن سلمان
الفارسي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم ومَقرَبَة
لكم إلى ربكم ومَكفَرَة للسيئات ومَنهَاة
عن الإثم ومَطرَدَة للداء عن الجسد أما ما أورده المؤلف
رحمه الله فلم نقف عليه ٤ رواه مسلم وأبو داود والنسائي
والترمذي عن أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنها
بلفظ سمعت رسول الله يقول ما من عبد مسلم يصلي الله تعالى
في كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوّعاً غير فريضة إلا بني الله
تعالى له
بيتاً في الجنة أو إلا بنى له بيت في الجنة
٥ سورة السجدة الايتان ١٦ و ١٧
٩٩٦
تنوير القبر وثلاثة قصور في الجنة والوعد المذكور في
التنزيل فيجتمع بين النوافل المذكورة والفرائض المتقدمة
الذكر من هذه المواطن الجليلة تسعمائة موطن وسبعة عشر
موطناً عدا القصور
المذكورة وتنوير القبر والوعد الجميل فطوبى لمن أشغل باله
بتحصيلها وكان من الوافين فيها ولهذا المعنى قال عليه
السلام كفى بالعبادة شغلاً ۱ فإن وقعت الغفلة عنها خسر تلك
المواطن الجليلة - ويا لها من خسارة أعاذنا الله من ذلك -
وكان من أحد الأقسام الثلاثة المذمومة لأن المصلي قد قسمه
الفقهاء إلى أربعة أقسام وافٍ وساه ولاه وجافٍ
فالوافي هو الذي وفى ما أريد منه من الأقوال والأفعال
والأحوال على ما تقدم
والساهي هو الذي يعملها ويسهو عنها لتعلق قلبه بغيرها
واللاهي هو الذي يلهو عنها بغيرها وهو مع ذلك يعلم أنه
فيها ومثاله ما روي عن النبي أنه رأى رجلاً يعبث في لحيته
وهو يصلي فقال عليه الصلاة والسلام لو خَشَع قلبه لَخَشَعت
جوارحه ٢
والجافي هو الذي يخلّ بأركانها ومثاله ما روي عنه عليه
السلام في حديث الأعرابي المشهور الذي أخل بأركان الصلاة
فقال له عليه السلام ارجع فصل فإنك لم تُصَل ۳ وقد حض عزّ
وجلّ على توفيتها والمحافظة عليها في كتابه - أعني على
توفيتها بما فرض فيها وسُنّ وشُرِع - فقال عزّ من قائل
حَفِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والمحافظة عليها هي توفيتها
بما شرع فيها من الآداب والقراءة والحضور وغير ذلك مما قد
ذكر وقد قال عليه السلام في المضيع لها أو لبعض ما فيها
مما أشرنا إليه أسوأ السَّرقة الذي يسرق صلاته ه وقال عليه
السلام في الالتفات فيها تلك خُلْسة يختلسها الشيطان من
صلاة أحدكم ٦ وهذا الالتفات على ضربين
حسي ومعنوي
فالحسي هو الالتفات إلى شيء يشغل عن الصلاة كما حكي عن بعض
الصحابة حين كان
۱ تقدم تخريجه في الحديث ۸۰
رواه الحكيم الترمذي بإسناد ضعيف
۳ متفق عليه من حديث رفاعة بن رافع رضي الله عنه
٤ سورة البقرة من الآية ۳۸
٥ رواه الإمام أحمد وصححه الحاكم وأبو يعلى عن أبي سعيد
رضي الله عنه
٦ رواه البخاري والنسائي وأبو داود وابن خزيمة عن عائشة
رضي الله عنها بلفظ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
التلفت الله
في الصلاة فقال اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد
۹۹۷
يصلي في حائط له فطار دُبْسِي ١ فطفق يتردد يلتمس مخرجاً
فأعجبه ذلك فجعل يتبعه ببصره ساعة ثم رجع إلى صلاته فإذا
هو لا يدري كم صلى فقال لقد أصابني في مالي هذا فتنة فجاء
إلى رسول الله له ولا ذلك و له الذي أصابه في حائطه من
الفتنة وقال يا رسول الله هو صدقة الله صلى الله عليه وسلم
فذكر له فضَعه حيث شئت ومثل هذا حكي عن غيره أيضاً في زمان
عثمان رضي الله عنه فهؤلاء عرفوا ما ضيعوا فجبروا الضَّياع
الذي طرأ عليهم بأن خرجوا عن حائطهم وجعلوها صدقة الله عزّ
وجلّ وأما اليوم فقد كثر الضياع بغير جبر للجهل بما قد
ضيّع والمعنوي على ضربين ماض ومستقبل فالالتفات إلى الماضي
أعظم خسارة من الماضي لأن بالالتفات إليه تقع خسارة الحال
فيكون خسراناً ثانياً ومع ذلك فإن ما مضى لا يرجع
والالتفات إلى المستقبل تضييع حاصل لممكن قد يكون وقد لا
يكون والاشتغال بالحال وترك الالتفات حسّاً ومعنى من كل
الوجوه المتقدمة يحصل منه ثلاث فوائد وهي جبر الماضي
واغتنام الحاصل وصلاح في المستقبل أعاننا الله على ذلك
بمنّه
ثم نرجع الآن لبيان ما اشترطنا أن نذكره بذلك أخيراً من
بيان الحكمة في اختصاص الاسمين الجليلين من بين سائر
الأسماء الجليلة في هذه الصورة في هذا الموضع المخصوص بهما
وهما الرحمن الرحيم فنقول والله المستعان اختصاصهما بذلك
لوجوه
الأول أن الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إذا فهم
على ما قدمناه يقتضي الهيبة والإعظام
و ﴿ مثلِكِ يَوْمِ الدِّينِ يقتضي الخوف والإرهاب ﴿
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ احد الاسمين منهما يقتضي الإجابة
عند السؤال والآخر يقتضي الغضب إن ترك السؤال - على ما
ذكره العلماء - ففصل عزّ وجل بهذين الاسمين اللذين هما
أبلغ شيء في الرجاء بين الاسمين الجليلين متضمنين الهيبة
والإعظام والخوف والإرهاب رفقاً منه عزّ وجلّ بعبيده
ولطفاً بهم ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ
اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ٤ لأنه لو كان ذانك الاسمان
الجليلان اللذان للهيبة والإعظام متصلين بذكر الاسمين
اللذين للخوف والإرهاب لكانا للضعيف الحاضر سبباً لأحد
أمرين متلفين إما أن يتفطر كبده من شدة الخوف وقد روي أن
كثيراً من الفضلاء ماتوا من عظيم الخوف الذي توالى عليهم
وإما أن يسبق للخاطر شيء من القنط لعظيم أمر ما يدل عليه
معنى ذينك الاسمين وذلك
۱ الدُّبْسِيّ ضرب من الحمام أدكن يقرقر
رواه الإمام مالك في الموطأ
۳ يعني الربّ والملك
٤ سورة الملك من الآية ١٤
۹۹۸
من أكبر الخطر لقوله عزّ وجلّ إخباراً على لسان نبيه عليه
السلام لو كنتُ معجّلاً عقوبةً
لعجلتها على القانطين من رحمتي ۱
الثاني أن المقصود من العبيد الخوف والرجاء معاً لقوله
عليه السلام لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاستويا فاسمان
يوجبان الخوف واسمان يوجبان الرجاء فيحصل بمتضمنهما حقيقة
ما أريد من كمال الإيمان وهو تساوي الخوف والرجاء على ما
تقدم فكان الابتداء أولاً بالتعظيم والإجلال لحق الربوبية
الذي يقتضي التقديم ثم عقب بالرحمن الذي يقتضي الرجاء ثم
بالرحيم مبالغة في قوة الرجاء لطفاً بالعبد لاستقبال ما
يرد عليه من الخوف لمقتضى الاسم الآتي بعد مع التذكير بيوم
الدين
الثالث أن حقيقة وصول الرحمة للطالب إنما يتحقق وصولها
إليه بقوة من الراحم حتى يمنعه أذى ما قبلها وأذى ما بعدها
فكان توسط الاسمين الجليلين بين الاسمين العظيمين تحقيقاً
في إيصال الرحمة لطالبها لأن رب العالمين لعظيم قدرته
يمنعه من كل ضرر في هذا العالم وملك يوم الدين لعظيم
سلطانه يمنعه كل ما في ذلك اليوم من الأذى فتحقق بذلك منع
الأذى أولاً وآخراً يشهد لذلك قوله تعالى ﴿وَتَوَكَّلْ
عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ۳
الرابع أنه لما أن أريد من العبيد حقيقة الإخلاص والصدق
عند قولهم ﴿ إِيَّاكَ َنعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ جعل
هذا الاسم الجليل إثر هذا الاسم العظيم لكي يحصل منهم عند
النطق بـ ﴿ إِيَّاكَ نعبد حقيقة الإخلاص لأنه يأتي إثر
الإرهاب والإرهاب مثير للخوف والخوف موجب للصدق والإخلاص
ولو كان إثر الرحمة لكان كثير من الناس لا يحصل منهم
الإخلاص في هذا الموضع لأن الرحمة توجب الرجاء والطمأنينة
وقد يكون معها الغفلة لقليل الحضور لأنه لا يثبت عند
الرحمة والنعمة إلا الفاذ وقد قال علي بن أبي طالب رضي
الله عنه ابتلينا بالضرَّاءِ فَصَبَرنا وابتلينا
بالسرَّاءِ فلم نصبر لأن الغالب من الناس إذا ابتلوا
بالضرّاء رجعوا إلى الله تعالى بالصدق والإخلاص واللجأ
والضراعة فإن ابتلوا بالسرّاء قلَّ الواقف منهم هناك على
ما أريد منه من صدق اللجأ والضراعة ومن وقف في ذلك المقام
فهو الصدّيق الذي لا شك فيه الخامس أنه لما أن كان الاسمان
الجليلان أحدهما يقتضي الإجابة إذا سئل والآخر يقتضي
١ لم نقف على مصدره
انظر تخريجه في الحديث ١٣٢
۳ سورة الشعراء الاية ۱۷
٤ الفاذ المتفرد عن نظرائه يقال فذ يفذ تَفَرّد
۹۹۹
الغضب إذا لم يسأل وعلم عزّ وجلّ ما في عبيده من الضعف
بحيث أن تقع منهم الغفلة غالباً هذا الموطن إما لخوف أو
لرغبة أو لرجاء أو لتسليم أو لغفلة جعل عزّ وجلّ الدعاء
متلواً وأقامه مقام الدعاء الحقيقي ثم أجاب عزّ وجلّ عليه
فقال وَلعَبدي ما سأل لئلا يفوتهم هذا الخير العظيم ولئلا
يتناولهم الغضب لعدم سؤالهم فانظر إلى هذا اللطف العظيم
والنعمة
الشاملة
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم مَنْ أَلْهِمَ الدعاء
فقد فتحت له أبواب الرحمة۱ فلم يَكِل الله عزّ وجلّ هذه
الأمة لنفسها في فتح هذا الخير العظيم بل فتحه لهم بفضله
ثم بعد هذه التلاوة شرع الشارع عليه السلام خيراً ثانياً
بِقَوْل العبد امين بعد ختم السورة فزادهم دعاء حقيقياً
وضمن لهم بالشرط الذي فيه المغفرة لأن كل مؤمن في اللغة
داع ثم بعد هذا نحتاج أن نشير إلى شيء من فضائل هذه السورة
ولم فُضّلت على غيرها من السور ولم سُميت بأسماء جملة
وغيرها من السور باسم واحد
فنقول والله المستعان يحتمل أن تكون سُميت بأسماء جملة لأن
لها من الخصائص والأفضلية ما ليس لغيرها فكانت أسماؤها
عديدة دون غيرها لأن كثرة الأسماء دالة على فضل المسمَّى
إما مطلقاً أو على جنسه ولذلك سمي النبي الله الله بخمسة
أسماء وقد قال بعض العلماء إذا تتبع القرآن وما جعل الله
تعالى له فيه من الأسماء والحديث وما جعل هو صلى الله عليه
وسلم لنفسه فيه من الأسماء إنها تبلغ إلى نحو المائة اسم
وغيره من الأنبياء عليهم السلام ليس لهم غير اسم واحد لأنه
عليه السلام صاحب اللواء والمقام المحمود فكانت كثرة
أسمائه لأجل عظيم قدره كذلك أيضاً كثرة أسماء الله عزّ
وجلّ لأنه ليس كمثله شيء فكانت لا يشبهها شيء
لكثرتها وعظمها
يشهد لذلك ما روي في الأثر من الدعاء حيث قال اللهم إني
أسألك باسمك الأعظم وبكل اسم سميت به نفسك أو أنزلته في
كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في مكنون غيبك
٢ أو كما قال عليه الصلاة والسلام فدل بمتضمن هذا أنه لما
أن كانت الذات الجليلة لا
۱ رواه الترمذي والحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ من
فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب
الرحمة
لفظ الحديث ما من عبد قال اللهم إني عبدك وابن عبدك ناصيتي
بِيَدِكَ ماضِ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قضاؤك أسألك
بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته
أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل
القرآن العظيم ربيع قلبي ونور بصري وجلاء حزني وذهاب همي
وغمي إلا أذهب الله همه وحزنه وغمه وأبدله مكانه فرحاً قيل
يا رسول الله ألا نتعلمها فقال بلى ينبغي لمن سمعها أن
يتعلمها
۱۰۰۰
١١٨
Noll Awww
PUP
بهبة النفوس
وتحليها وتحليها بمعرفة مَا لَها وعَليهَا
شرح مختصر صحيح البخاري
ويليه كتاب المَراني الحِسَان
تأليف الإمام
عدالله بن أبي جمرة الاندلسي
تحقيق وتقديم
الدكتور بكري شيخ امين
الجزء الثاني
دار العلم للملايين
aj
1189-
حديث زيادة الأجر
عَن أبي بُرْدة ١ رضيَ الله عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى
الله عليه وسلم قالَ ثَلاثةٌ يُؤتَوْن أَجرَهُم مَرَّتَينِ
الرَّجُلُ تكُونُ لَهُ الأَمَةُ فَيُعَلِّمُها فَيُحسِنُ
أدبها ثُمَّ يُعتقها فَيَتَزوَّجُها فَلَهُ أجرانِ
وَمُؤمِنٌ مِن أهلِ الكِتابِ الَّذي كانَ مُؤمناً ثُمَّ
آمَنَ بالنَّبي الله فله أجران والعَبدُ الَّذي يُؤَدِّي
حَقَّ الله وَيَنصَحُ لِسَيّدِهِ فَلَهُ أجران
*
ظاهر الحديث يدل على تضعيف الأجر لهؤلاء المذكورين فيه
والكلام عليه من وجوه
الوجه الأول قوله عليه السلام ثلاثةٌ يُؤْتَوْنَ أَجرَهم
مَرَّتَيْنِ يحتمل معناه وجوهاً الأول أن يكون تضعيف الأجر
عند اجتماع الأعمال المذكورة لأن كل واحد منها فعل يؤجر
صاحبه عليه على انفراده فلما أن اجتمع مع صاحبه ضوعف الأجر
في كل منهما ضعفين على ما لو كان منفرداً
شيء
الثاني أن يكون صاحب هذه الأفعال وفي له بأجر كل فعل ولم
يُنقص له من أجر الآخر فأخبر عليه السلام بما حصل له في
الحال كما يقال في المُتَمَتُّع ٢ أنه حصل له أجران
أجر العُمرة وأجر الحج
1 أبو بُردَة هانىء صحابي شهد العقبة الثانية مع السبعين
صحابياً وشهد بدراً وأحداً وسائر المشاهد مع النبي وروى
عنه أحاديث روى له الشيخان حديثاً واحدا هو هذا الحديث
وشهد مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه حروبه ولا عقب له
توفي سنة ٤١ هـ وهو خال البراء بن عازب و أبو بردة التابعي
هو ابن أبي موسى الأشعري - من تهذيب النووي المتعة بضم
الميم وكسرها العُمرة إلى الحج وقد تمتَّع واستمتع قال
تعالى ﴿ فَمَن تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الحَجَ وصورة
المتمتع بالعُمرة إلى الحج أن يُحرم بالعُمرة في أشهر الحج
فإذا أحرم بالعمرة بعد إهلاله شوّالاً فقد صار متمتعاً
بالعمرة إلى الحج وسمّي متمتعاً بالعُمرة إلى الحج لأنه
إذا قدم مكة فطاف بالبيت وسعى بين والمَروَة حَلّ من
عُمْرَتِه وحَلَق رأسه وذبح نسكه الواجب عليه لتمتعه وحلّ
له كل شيء كان حرم عليه في إحرامه من النساء والطيب ثم
ينشىء بعد ذلك إحراماً جديداً للحج وقت نهوضه إلى منى أو
قبل ذلك من غير أن يجب =
الصَّفا
۹۰۹
الثالث أن يكون الأجر على قسمين أجر على الأفعال بمقتضى ما
جاء في ذلك عن الشارع عليه السلام وأجر على العناية بجمعها
ومجاهدة النفس على ذلك والصبر عليها وقد يرد على هذه
التوجيهات بحث وهو أن تضعيف الأجور على أحد هذه المحتملات
أو على مجموعها على ما ذكرناه هل هو خاص بالثلاثة المذكورة
أو هو متعد لغيرها يحتمل الوجهين معاً فإن قلنا بأنه مقصور
على الثلاثة فلا بحث وإن قلنا بأنه متعد فما العلة التي
بها يتعدى وهل العلة واحدة في الثلاثة أو هي مختلفة محتمل
أيضاً فأما على القول بأن العلة فيها واحدة فهي ما أشرنا
إليها آنفاً في أحد المحتملات وهي العناية بجمعها ومجاهدة
النفس على ذلك والصبر عليها فحيثما وجدت طاعات مجموعة على
هذا التعليل رجي فيها التضعيف ولا نقول بالقطع في ذلك لأن
حقيقة الأجور في الأعمال إنما تصح بقول الشارع وأما على
القول بأن العلة في الثلاثة مفترقة فنحتاج إلى بيان كل علة
منها
فالعلة في الأمة - والله أعلم - من ثلاثة أوجه الأول صبره
على تعليمها الثاني عتقه لها حين قرت العين بها الثالث
تركه لحظ نفسه في تزويجها ورفع منزلتها فهذه ثلاثة أوجه
مجموعها في اثنين وهما بذل ما أحبَّت النفس الله ومجاهدة
النفس في ترك حظها لما يرضي الله فحيثما وجدت هذه العلة
رجي التضعيف أيضاً
وأما العلة في المؤمن من أهل الكتاب فهو أنه بإيمانه
الثاني أحرز الإيمان الأول لأنه لولا الإيمان الثاني لحبط
إيمانه الأول فإيمانه بالنبي اللي حصل له الأجر عليه وأحرز
له أجر ما تقدم من إيمانه يشهد لهذا قول النبي الهلال
الهلال والبعض أصحابه حين قال له أمور كنت أتحنث بها في
الجاهلية فقال له عليه السلام أسلمت على ما أسلفتَ من خير
۱ فإذا كان الإسلام يحرز ما كان في الجاهلية فمن باب أولى
إحرازه لأجر الإيمان الذي هو أعلى أفعال البر فعلى هذا
فإذا وجدت طاعة فصاحبها مأجور فيها وهي تحرز أجر غيرها من
الطاعات رُجي فيها التضعيف وأما العلة في العبد فهي اجتماع
الحقوق عليه مع قلة اتساع الزمان لها فأجهد نفسه حتى وَفَى
بها فإذا وجدت هذه العلة أيضاً في طاعة من الطاعات رجي
فيها التضعيف الوجه الثاني من البحث الأول قوله عليه
السلام الرجل تكون له الأمة فيعلمها ويحسن تعليمها ويؤدبها
فيحسن أدبها هل التعليم والأدب اسمان لمعنى واحد أو
لمعنيين يحتمل الوجهين
عليه الرجوع إلى الميقات الذي أنشأ منه عمرته فذلك تمتعه
بالعمرة إلى الحج أي انتفاعه وتبلغه بما انتفع به من حلاقة
وطيب وتنظف وقضاء تفت وإلمام بأهله إن كانت معه وكل هذه
الأشياء كانت محرمة عليه فأبيح له أن يَحِلّ وينتفع بإحلال
هذه الأشياء كلها مع ما سقط عنه من الرجوع إلى الميقات
والإحرام منه بالحج فيكون قد تمتع بالعمرة في أيام الحج أي
انتفع لأنهم كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج فأجازها
الإسلام ۱ رواه الشيخان عن حكيم بن حزام رضي الله عنه
۹۱۰
معاً لأن المعلم يسوغ أن يُطلق عليه مؤدّب وكذلك بالعكس
ويحتمل أن يكونا لمعنيين - وهو
الأظهر - والله أعلم وإذا قلنا بأنهما لمعنيين فما هما
احتملا وجوهاً
الأول أن يكون التعليم لأمور الدين من الواجبات وغيرها
يشهد لهذا قوله عليه السلام علموا ويسروا ويكون الأدب
بتهذيب الطباع وحسن الخلق في التصرف والمعاملات والزجر عن
المكروهات في الأقوال والأفعال وتعليم مكارم الأخلاق يشهد
لهذا قوله عليه السلام لأن يؤدب أحدكم ولده خير له من أن
يتصدق بصاع طعام ۳
وأما الحسن في التعليم فهو ما أشار عليه السلام إليه في
الحديث انفاً من التيسير هو حسن الإلقاء وترك الشواذ من
التشديدات والرخص ولهذا أشار مالك رحمه الله حيث قال خرجت
من عند الخليفة فقيهاً لأنه لما أن أراد أن يؤلف كتاب
المُوَطَّاً قال له الخليفة تجنَّب شدائد ابن عمر ورُخَص
ابنِ عباس وإلى المعنى الأول أشار العلماء بقولهم
وتتواضعون لمن تتعلمون منه وتتواضعون لمن تعلمونه ويكفي في
ذلك شاهداً قوله عليه السلام يسروا ولا تعسروا وأما الحسن
في الأدب فهو أن يحملها برفق دون عنف لقوله عليه السلام ما
كان الرفق في شيء إلا زانه ولا كان الخُرْق في شيءٍ إِلا
شَانَه ۳
الثاني أن يكون التعليم المراد به ما تحتاج الأمة إليه من
أشغال البيت وحفظ متاع البيت والمال وحسن الأمانة في ذلك
لأنه غالب المقصود من الإماء وبقدر تحصيل الأمة لهذا
يتنافس في ثمنها ويكون الإحسان في التعليم على هذا التوجيه
إتقان كل شغل بحسب العادة فيه لقوله عليه السلام رحم الله
امرأ صنع شيئاً فأتقنه 4 ويكون الأدب حملها على رياضة
النفس وأحكام الشريعة لقوله عليه السلام أدبني ربي فأحسَنَ
تأديبي ٥ والذي أدب به عليه السلام ما مُنَّ عليه من حسن
الخلق الأمر والنهي وقد قالت عائشة رضي الله عنها حين سئلت
عن خلقه فقالت كان خلقه القرآن ٦ ويكون الحسن في الأدب على
هذا التوجيه حملها في ذلك على إيضاح السنّة
واتباع
۱ رواه الإمام أحمد والبخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما
وتمام الحديث ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا وإذا غضب أحدكم
فليسكت
رواه الترمذي عن جابر بن سمرة رضي الله عنه وليس فيه كلمة
طعام ۳ رواه الضياء في المختارة عن أنس والبخاري عن شعبة
رضي الله عنه قال كنت على بعير فيه صعوبة فقال النبي عليك
بالرفق فإنه لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا
شانه ورواية ابن أبي جمرة هي ما رواه
الضياء عن أنس رضي الله عنه
٤ في هذا المعنى روى البيهقي عن السيدة عائشة رضي الله
عنها أن النبي الا الله قال إن الله يحب إذا عمل أحدكم
عملا أن يتقنه
٥ تقدم تخريجه في الحديث ۱۸
٦ رواه مسلم عن السيدة عائشة رضي الله عنها
۹۱۱
الثالث أن يكون التعليم فيما تحتاج إليه المرأة في نفسها
لأن النساء يحتجن إلى أشياء تخصهن والأمة لا والدة لها ولا
والد حتى يعلّماها ذلك فقام مقام الأم في تعليم ذلك
وتبيينه ويكون الأدب هنا ما تحتاج المرأة من الأدب مع
الزوج أو السيد إن كانت للفراش لأن ذلك سبب لرفع منزلتها
وحظوتها عند السيد أو الزوج إن تزوجت ويكون الإحسان في
هاتين التواضع لها والإغضاء عن العيوب التي في البشرية وقد
يحتمل أن يكون المراد بالتعليم والأدب جميع ما ذكر وأكثر
من ذلك لأنه عليه السلام أوتي جوامع الكلم
الوجه الثالث من البحث الأول تقديمه عليه السلام الأمة على
المؤمن والمؤمن على العبد ما الحكمة في ذلك وإن كانت الواو
لا تعطي الترتيب في لسان العرب لكن الحكيم لا يقدم شيئاً
عبثاً ومثل ذلك قوله تعالى في الكفارات فَكَفَّرَتُهُ
إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا
تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَو كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ
رَقَبَةٍ فأتى عزَّ وجلَّ بـ أو التي هي للتخيير توسعة على
المكلف ورفقاً به وعلى مقتضى الحكمة في الترتيب ابتدأ
أولاً ببذل المال الذي هو أشد على النفوس ثم جعل بذله في
أعلى القَرَب وهو الإطعام الذي به حياة النفوس وقد قال
تعالى وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ
جَمِيعًا ۳ فإن عدم هذا الوجه فيكون بذله في دفع الأذى وهي
الكسوة التي بها يتقى أذى الحر والبرد فإن عدم هذا الوجه
ففي إدخال السرور وهو رفع الحال من مقام العبودية إلى مقام
الحرية فإن عدم هذا الوجه فمجاهدة النفس وهو الصوم
يشهد لما ذكرناه - من أن الإنفاق أشد الأمور على النفس
وأعلاها قربة - الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى لَن
نَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾
٤ والمال أكثر تعلقاً بالقلب مما ذكر ﴿ بعده وقوله تعالى ﴿
الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَاءِ وَالضَّرَّاءِ
وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ٥
فقدم الإنفاق أيضاً وأما السنة فقوله عليه السلام لا يخرج
أحدكم صدقةً حتى يَفُكَ لخيي سبعين شيطانا ٦
وإلى ما نحن بسبيله أشار عليه السلام في الصفا والمَرْوَة
حيث قال نبدأ بما بدأ الله
۱ هذا جزء من حديث رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله
عنه ومطلعه نُصِرتُ بالرعب وأُعطيتُ جوامع
الكلم سورة المائدة من الآية ۸۹ ۳ سورة المائدة من الاية ۳
٤ سورة ال عمران من الاية ۹ ٥ سورة ال عمران من الاية ١٣٤
٦ سبق تخريجه في الحديث ۱۷
۹۱
به والواو من جهة التكليف لا تفيد الترتيب فاختار عليه
السلام فيما خُيّر فيه من جهة التكليف ما اقتضته الحكمة في
التقديم لحكمة الحكيم وموافقة اللفظ للقرآن فإذا كان
الكتاب على ما قررناه فالحديث كذلك أيضاً لقوله تعالى ﴿
وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾ فكلاهما صادر عن حكمة حكيم
فينبغي أن تكون الأمّة مع ألفاظ القرآن والحديث كذلك
ينظرون من طريق الحكمة ما تقتضي وإلى هذا المعنى أشار عليه
السلام بقوله لكل آية ظهر وبطن ولكل حرف حَدَّ ومطلع ٣
فالظاهر هو اللفظ والباطن هو المعنى والحَد هو التحليل
والتحريم والمطلع هو ما نحن بسبيله من النظر بمقتضى الحكمة
في هذا النوع وغيره من أنواع ما تحتوي عليه الحكمة ثم ترجع
الآن إلى الانفصال عن الحديث والانفصال عنه بما قد ذكرناه
آنفاً من العلة المنفردة فيه للتعدي وهو جمعه ثلاثة أشياء
وهي ترجع لشيئين على ما تقدم وهما بذل ما أحبت النفس الله
ومجاهدتها في ترك حظها لما يرضي الله
وأما تقديم المؤمن على العبد فهو من باب تقديم الأصل على
الفرع لأن مجاهدة النفس فرع عن الإيمان والإيمان هو الأصل
فقدم عليه السلام الأصل على الفرع لأن ذلك هو مقتضى الحكمة
الوجه الرابع من البحث المتقدم قوله عليه السلام الرجل
تكون له الأمة يرد عليه سؤال وهو أن يقال لِمَ قال تكون له
الأمة ولم يقل اشتراها أو غير ذلك من الألفاظ والجواب عنه
أن هذا لفظ يحوي جميع أنواع التمليك وغيره لا ينوب عنه
لأنه جمع بذلك جميع ما يتملك الأمة به من ميراث وشراء وهبة
وسبي وغير ذلك وهذا أدل دليل على فصاحته عليه السلام لأنه
قد جمع في هذا الحديث الإخبار بعظيم الأجور إرشاداً إلى
الخير وأشار إلى الحكمة تنبيهاً عليها وأبدى ما من الله
تعالى به عليه من البيان والفصاحة
أعاد الله علينا من بركته ورزقنا اتباع سنته إنه ولي حميد
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ رواه الإمامان مالك وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه
عن جابر رضي الله عنه
سورة النجم من الآية ٣ ۳ رواه أبو يعلى في مسنده رقم ٥١٤٩
وصححه ابن حبّان رقم ٧٥ وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد
۱٥٢/٧ وقال رواه البزار وأبو يعلى والطبراني في الأوسط
باختصار اخره ورجال أحدهما ثقات
۹۱۳
حديث النهي عن قتل النساء والصبيان في دار الحرب
عُمَرَ رَضِيَ الله عَنهُمَا نَهى رَسُولُ الله عَن قَتلِ
النِّسَاءِ وَالصَّبيانِ
ظاهر الحديث يدل على أن قتل النساء والصبيان لا يجوز لكن
هل النهي على العموم أم لا محتمل والأظهر أنه ليس على
العموم لأن المَعْنِيَّ به في غزو المشركين بعد القدرة
عليهم وهذا بقيد وهو أن يكون النساء والصبيان لم يقاتلوا
حين الحرب فإن قاتلوا فقتلهم جائز هذا في حال القدرة عليهم
وأما حين الحرب ورميهم بالنبل والمجانيق فلا يتوقى ما أصيب
منهم إذا كان بغير تعمد ولا يدخل قاتلهم تحت النهي لقوله
عليه السلام في هذه الحالة هم من آبائهم ثم هذا النهي هل
هو لعلة أم لا الظاهر أنه لعلة أن النساء والصبيان من جملة
الغنائم ولم يدخل بهم ضرر على المسلمين في حين حربهم ثم
هذه العلة هل هي متعدية أم لا فإن قلنا بأنها غير متعدية
فلا بحث وإن قلنا إنها متعدية - وهو الظاهر لأنه اللائق
بكلام الشارع عليه السلام الذي أوتي جوامع الكلم - فحيثما
وجد من كلامه حكم وفهمت له علة أو حيثما وُجدت تلك العلة
يكون الحكم منوطاً بها والعلة في الحديث ما ذكرنا وهو ما
حصل للمسلمين من الفائدة في غنيمة النساء والصبيان من غير
ضرر لحقهم كما تقدم فحيثما وجدنا فائدة لم يتعلق بها ضرر
في الدين وجب استعمالها وإنما قلنا أن تكون لم يتعلق بها
ضرر لأن أكبر الضرر في الدين مقاتلة المشركين للمؤمنين
وقتالهم يهدف إلى إطفاء نور الله تعالى والنساء والصبيان
لم يقاتلوا فلم يدخل من قِبَلِهم ضرَر فكانت فائدة بغير
ضرر في الدين
ثم هذه العلة هل يتعدى الحكم بها للباطن أم لا الظاهر
تعديها على البحث الذي قدمناه لأن أهل الباطن والظاهر من
بحره عليه السلام اغترفوا كل منهم على مقتضى طريقه قَدْ
عَلِمَ
٩١٤
كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ ﴾ ۱ فتعديها للباطن هو أن
تُعرَف تلك العلة في الباطن كما عُرفت في الظاهر فالمرأة
في الباطن كناية عن الدنيا لأنها من زينتها والصبيان كناية
عن الهوى لأنه مثلهم في مخالفة العقل وغلبة الشهوة والصبي
يوصف بعدم العقل واتباع المُرْدِيات وهي صفة الهوى فإن
تعلق القلب بواحد منهما دون ضرر في الدين جاز استعماله على
مقتضى العلة فمثال تعلقه بالدنيا هو مثل أخذ شيء حلال
لإحياء رمق يستعان به على طاعة ولم يقع فيه خلل بلسان
العلم ولم يكن تعلق القلب به يمنعه من أداء الأعمال
والحضور فيها فهذا جائز ولا يضر اتباع النفس والهوى فيه
ومثل هذا كانت أفعال الصحابة رضوان الله عليهم مثل علي رضي
الله عنه حيث كان يقول لأهله اعملوا الطعام مشروباً فإن
بين المأكول والمشروب كذا وكذا آية فلم يكن نظره للطعام
للشهوة وكان تقليله الطعام لزيادة القرب وترجيح زيادة
العبادة لأن تعلق القلب بالشهوة الباعثة في المطعم وغيره
من المباحات وإن كان جائزاً على لسان العلم فهو ممنوع عند
أهل الباطن فوجب قتله عندهم وقتله هو تركه لأنهم يقولون
ترك الشهوات قرع الباب وترك الحظوظ رفع الحجاب
ولهذا المعنى كان عمر رضي الله عنه يقول إني لأتزوج النساء
وما لي إليهن حاجة وأطأهن وما لي إليهن شهوة فقيل له ولم
يا أمير المؤمنين قال رجاء أن يخرج الله من ظهري ما يكثر
به محمّد الأمم يوم القيامة وإن كانت الشهوة في النكاح
والوصول إليها جائزة على لسان العلم ومأجور صاحبها لأنه
عليه السلام قد قال في حديث تعداد الأجور للمؤمنين يُوْجَر
المؤمن حتى في بُضْعِهِ لامرأته فقيل كيف يا رسول الله
ينال أحدنا شهوته ويكون فيها مأجوراً قال أرأيت لو وضعها
في الحرام أكان يكون مأثوماً قيل نعم قال كذلك إذا وضعها
في الحلال يكون مأجوراً ۳ أو كما قال عليه السلام
۱ سورة البقرة من الآية ٦٠
لعله يشير إلى قوله تعالى في سورة الإنسان ﴿ إِنَّ
الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسِ كَانَ مِزَاجُهَا
كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بهَا عِبَادُ اللهِ يُفجرونها
تفجيرا يُوفُونَ بِالنذر ويخافُونَ يَومَا كَانَ شَرُّرٌ
مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُدِ
مِسْكِينَا وَيَتِيماً وَأَسِيراً إنّما نظيشكر لِوَجهِ
اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا
۳ هو معنى لحديث أخرجه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أن
أناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي يا
رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يُصلّون كما نصلي
ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم قال أوليس قد جعل
الله لكم ما تَصَدَّقون به إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة
صدقة وكل تحميدة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر
صدقة وفي بضع أحدكم صدقة قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا
شهوته ويكون له فيها أجر قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان
عليه وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر
۹۱۵
وقد طلّق عمر رضي الله عنه إحدى نسائه فقيل له لِمَ
طلَّقتها وهي من أمرها وشأنها وأثنى
عليها بأنواع الخير فقال أعرف فيها أكثر مما تقولون ولكن
مال قلبي إليها فخفت أن أشتغل بها عما يلزمني من أمور
المسلمين ففارقتها فهكذا هم أرباب القلوب إذا كانت الأمور
جائزة على لسان العلم وكان فيها بعض شغل عن توفية آداب
الشريعة والحضور في التعبدات تركوها لأن ما طلبوا أجل لأن
من علم ما طلبهان عليه ما ترك فما يكون لهم من هذه الخواطر
والشهوات فهو من النوع الذي يُقتل وقتله هو دفعه وقد قال
عزّ وجلّ في كتابه ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا
مَسَّهُمْ طَلَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَرُوا فَإِذَا
هُم مُّبْصِرُونَ ۱ والطائف هو الخاطر الذي يخطر من إغواء
الشيطان وقد قال النبي الاول لعائشة رضي الله عنها حين
سألته عن الرجل يلتفت في صلاته فقال تلك خُلْسة يختَلِسُها
الشيطانُ من صلاة أَحَدِكم وقال عليه السلام إن الله لا
يقبل عمل امرىء حتى يكونَ قلبه جوارحه ۳ ولا يكون القلب مع
الجوارح إلا بدوام الحضور دون حديث نفس أو خطرة من شيطان
أو هوى
ولهذا المعنى قال بعض الصحابة لا أحب أن يكون لي دكان على
باب المسجد لا تفوتني صلاة مع الجماعة أربح فيه كل يوم
ديناراً أتصدق به في سبيل الله لا أوثر ذلك على الفقر
وإنما قال ذلك لأنه يشتغل بالبيع والشراء والأخذ والعطاء
عن الحضور والذكر والفقير ليس له شغل غير
التعبد والحضور
وأما صفة تعلق خطرات الهوى فهو مثل أن يكون هواه مما يوافق
قربة فيفعل هو القربة ولا يبالي بموافقة الهوى لأن الهوى
كان سبباً للغنيمة وهي غنيمة الأجر الذي حصل في ذلك الفعل
وما كان سبباً لشيء فهو مثله فهو إذ ذاك غنيمة فلهذا
المعنى قال عليه السلام من سعادة المرء أن تكون شهوته فيما
يُرضِي ربه أو كما قال ومثل ما نحن بسبيله الأضحية لأنها
قربة وفيها الأكل والعطاء والتمتع والادخار ومثل هذه
الخصال هي التي تحض عليها النفس والهوى فيكون المرء في ذلك
مأجوراً وإن كانت النفس والهوى يريدان ذلك وهذا إذا قصد
بها السنة وأما إذا لم يقصد ذلك وقصد بها مباهاة وفخراً
فهو من النوع الذي يقتل لأنه ضرر في الدين وقتله تركه لأن
قتل النساء والصبيان إعدام لهم وترك هذا هو إعدامه فيناط
الحكم بالعلة حيث
وجدت كما ذكرنا
۱ سورة الأعراف الآية ۰۱
رواه الشيخان من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها
۳ تقدم تخريجه في الحديث ۰
٩١٦
ومن ذلك أيضاً لبس الثياب والطيب والزينة في الأعياد
والجمع إذا قصد السنّة ويكون في
ذلك مأجوراً لأن فيه أيضاً راحة النفس وحظها وتنعمها ومع
ذلك فله الأجر في فعله ذلك ومثل هذا كثير والكل مثل الأول
إن كان لامتثال السنة فالأجر فيه حاصل ولا يضر تعلق النفس
والهوى بذلك وإن كان لشهوة أو لحظ فالحكم كما تقدم وعلى
هذا فقس
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۹۱۷
-101-
حديث النهي عن التعذيب بالنار
عَن أبي هريرَةَ رضيَ الله عَنهُ قالَ قَالَ رَسُولُ الله
إِنِّي أَمَرتُكُم أن تحرقوا فُلاناً وفُلاناً وإنَّ
النَّارَ لا يُعَذِّبُ بِها إلا الله عَزَّ وجَلَّ فإن
وَجَدتُمُوهما فاقتلوهما
*
*
ظاهر الحديث يدل على أن العقاب والحدود لا تكون بالحرق
وإنما تكون بغيره وإن كان قد ورد عن أبي بكر رضي الله عنه
أنه أحرق لوطيّاً لكن كان ذلك منه مرة واحدة ولم يفعله بعد
ولعله فعل ذلك لعدم بلوغ الحديث إليه ورجع عنه ببلوغه إليه
والكلام عليه من وجوه الوجه الأول أنه يجوز للمجتهد إذا
حكم بحكم ثم ظهر له غير ما اجتهد فيه أن ينزع عن اجتهاده
ذلك إلى غيره إذا كان الحكم باقياً لم يمض ولأن النبي لا
لا لا لا و قد كان أمر بحرق هذين ثم نزع عن ذلك وقال فإن
وجدتموهما فاقتلوهما الوجه الثاني أن المجتهد إذا حكم بحكم
ثم ظهر له غيره أن يذكر العلة الموجبة لتغيير الحكم لأن
النبي بين العذر الذي لأجله رجع بقوله عليه السلام إن
النار لا يعذب بها إلا الله الوجه الثالث جواز النيابة في
الأحكام لأن النبي هو أمر بقتل هذين ولم يأمر بأن يؤتى
إليه بهما
الوجه الرابع أن مَن سَبَّ الله عزّ وجلّ ورسوله الا الله
قتل ولم يُستَتَب لأن فلاناً وفلاناً المذكورين في الحديث
قد سُمِّيا في حديث غير هذا وقيل كان سبب ذلك أنهما كانا
يؤذيان الله
ورسوله
الوجه الخامس أن إطالة الزمان لا ترفع العقاب ولا أن النبي
الأمر بقتل هذين حين رجا القدرة عليهما وقبل ذلك حين كانت
الإذاية ۱ منهما صادرة ولَوْ لَمْ ترج القدرة للمسلمين
عليهما لم يأمر فيهما بشيء
1 أي الأذية
۹۱۸
ويترتب على هذا من التنبيه أن من وقع في شيء يوجب العقاب
فستر الله عزّ وجلّ عليه
وأسبغ نِعَمَه وأمهله فلا يَغْتَرُّ بذلك ويَدومُ على
المخالفة ويقول أرجو العفو لما ظهر من صفة الرحمة من دوام
الستر وإدرار النعم وليبادر إلى التوبة والإقلاع قبل
مفاجأة المنايا أو النقم لأن الله عزّ وجلّ يقول في كتابه
العزيز أفَرَيْتَ إِن مَّتَعَنَهُمْ سِنِينَ ثُمَّ
جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُم
مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾ ١ وقال ﴿ وَلَا يَفْزَنَكُم
بِاللَّهِ الْغَرُورُ والغَرور هو الشيطان والغُرور - بضم
الغين - هو ما يلقيه من تسويلاته وتخيلاته من ترك الخوف
والطمأنينة بما أظهر عزّ وجلّ من إمهاله وإدرار إنعامه قال
النبي الله إن الله يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ۳
والتنبيه هنا لكل نوع من نوعه لأهل الظاهر من تنوعهم ولأهل
الباطن بمشربهم فتنبَّة إن كنت لبيباً وما يتذكر إلا من
ينيب والله حسبنا وكفى وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد
وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً
۱ سورة الشعراء من ٢٠٥ إلى ۰۷
سورة لقمان من الآية ۳ وسورة فاطر من الاية ٥
الله
۳ متفق عليه عن أبي موسى رضي الله عنه بلفظ إن الله ليُملي
للظالم إلخ
۹۱۹
- ١٥٢ -
حديث قتل الكافر والمرتدّ وإن التجأ إلى الحرم
عَن أنس بن مالِكِ رَضِيَ الله عَنهُ أَنَّ رَسُولَ الله
صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عامَ الفَتح وعَلى رأسِهِ
المِعْفَر ۱ فَلَمّا نَزَعَهُ جَاء رَجُل فَقالَ يا
رَسُولَ الله إِنَّ ابنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّق بأستارِ
الكَعبة
فَقالَ اقتلوه
*
*
ظاهر الحديث يدل على أن الحَرَم لا يجير من الحدود والكلام
عليه من وجوه
الوجه الأول قوله دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر إنما
أبهم الفتح ولم يبين أي فتح كان للعلم به وشهرته وللقرينة
التي قارنته في الحديث تبين أي فتح كان وهو من الفصيح في
الكلام حذف الألفاظ للعلم بالمعنى
وفيه دليل لمن ذهب من الفقهاء أن مكة دُخِلت عنوة لأن
المغفر من السلاح الذي لا يُتخَذ عند الأمن وأيضاً فلو كان
دخوله لها صلحاً لم يكن ابن خطل ليهرب منه ويستجير بالحرم
إذ إن الصلح مجير له ولم يكن النبي لا لا لا ل ل ليأمر
بقتله وهو قد صالحهم وقد جاء بالنص ما يردّ قول من ذهب إلى
أن دخولها كان صلحاً وهو قوله عليه السلام أُحِلَّت لي
ساعة من نهار ولم تَحِلَّ لأحد قبلي ولا لأحدٍ بعدي ۳ وهذا
نص في موضع الخلاف
الوجه الثاني جواز لبس السلاح في حال الإحرام إذا كان ذلك
لضرورة مثل الخوف من اللصوص وما أشبهه لأن النبي لبس
السلاح في حال إحرامه لضرورة القتال الوجه الثالث لبسه
عليه السلام للسلاح فيه دليل على أن من بلغ في الحقيقة
والتوحيد
۱ المِعْفَرِ ذَرَد يُنسج من الدروع على قدر الرأس يُلبس
تحت الفَلَنَسُوة جمع مغافر ابن خَطَل اسمه عبد العزّى
قتله سعيد بن حريث وسبب قتله أنه كان أسلم فارتد وكانت له
قينتان تغنيان
بهجاء المسلمين وكان قتله يوم فتح مكة
۳ تقدم تخريجه في الحديث ۱۳ وأوله إن الله حبس عن مكة
الفيل
المنتهى فالخطاب له بامتثال الحكمة لم يزل لأن النبي لا لا
لا لو أرفع الناس منزلة في الحقيقة ومع أنه قد وعده الله
عزّ وجلّ بالنصرة والعصمة فقال تعالى ﴿ وَاللهُ يَعْصِمُكَ
مِنَ النَّاسِ ﴾ ١ لكن مع هذا كله لم يترك عن امتثال
الحكمة في كل أجزاء أعماله مثل ما نحن بسبيله من لبس
السلاح وغيره يوفي في الظاهر من طريق الحكمة المجهود وفي
الباطن ما يجب من التوحيد بردّ الحول والقوة الله والخروج
عن رؤية أعماله
الوجه الرابع أن الحدود لا تجب إلا بإذن من الإمام لأن من
أبصر هذا الرجل متعلقاً بأستار الكعبة لم يقتله حتى استأذن
النبي لا اله اللي فيه ولأن بحضور الإمام لا يجوز الحكم
لغيره وإن علم مقتضاه
الوجه الخامس جواز النيابة في الأحكام والحدود لأن النبي
لا يأمر بقتله ولم يأمر
بإحضاره بين يديه
الوجه السادس أن الرعية لا يجوز لهم أن يخفوا عن راعيهم
شيئاً من أمورهم ولا يفعلوا شيئاً حتى يشير به عليهم لأن
هذا الصحابي رضي الله عنه لم يكتم شأن ابن خطل حين رآه وما
وسعه إلا أن يخبر النبي الله فكذلك جميع الرعاة يجب عليهم
ألا يخفوا من أمورهم شيئاً عن راعيهم إذا كان عدلاً لأن
إخبارهم له بذلك عليه تترتب مصالحه ومصالحهم وقد قال عليه
السلام الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله قال لله
ولرسوله ولأئمة المؤمنين ولخاصتهم وعامتهم والإخبار له بما
لا يعلم من باب النصيحة
ثم هذا الوجه يحتاج فيه إلى بحث وهو أنه هل تتعدى عليه أم
لا
فعلى القول بأنها غير متعدية فلا بحث وعلى القول بأنها
متعدية - وهو الأظهر - لما بيناه في الأحاديث قَبْلُ لكثرة
الفوائد في كلام الشارع عليه السلام ولأنه عليه السلام قد
قال كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فيجب على كل من كان
مسترعى أن يخبر راعيه بأجزاء أموره حتى لا يكون منه فعل
إلا بأمر راعيه ومشورته وكل أحد بالنسبة إلى حالة راعيه
فالسيد في قومه راعٍ
۱ سورة المائدة من الآية ٦٧
٢ أخرج الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وأبو عوانة
وابن خزيمة وابن حبان والبغوي والبارودي وابن قانع
والبيهقي وأبو نعيم عن تميم الداري وأخرج الترمذي وقال
حديث حسن والنسائي والدارقطني في الأفراد عن أبي هريرة
وأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس وابن عساكر عن ثوبان رضي
الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الدين
النصيحة إن الدين النصيحة إن الدين النصيحة قالوا لمن يا
رسول الله قال الله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين
وعامتهم
۹۱
عليهم والرجل في بيته كذلك ومن كان عَريّاً عن القبيلة
والأهل فهو أقل وظيفة من غيره لأنه لم يبق عليه غير وظيفة
الجوارح وهي مسترعاة إلى النظر فيها بالعقل والشرع هذا في
حكم الظاهر وكذلك يجب أيضاً في المعاني وهو حكم الباطن وهو
ما يخطر من الخواطر النفسانية والشيطانية والهوائية فكلها
مسترعاة وراعيها هو العقل والحاكم على الجميع هو الشرع
فإذا خطر للمرء خاطر أو وقع له واقع فليعرضه أولاً على
العقل والعقل إذ ذاك ينظر بمقتضى الأمر والحكمة فإن كان
فيه مصلحة أجازه وإلا منعه وإن كان المرء ممّن أمِد
بالتوفيق وكانت شهواته وخطراته في مرضاة ربه فهذه قاعدته
أبداً وليحذر من الغفلة عنها لأن بها قوام أمره لأنه إذا
لم يكن على هذا الحال فقد تستفزه النفس في مرة ما وهو لم
يشعر
ومثل هذا ما حكي عن بعضهم حين لقي إبليس اللعين فسأله هل
قدر عليه قط أو نال منه قَطُّ شيئاً فقال اللعين نعم ليلة
أحضَرتَ بين يديك عَشَاءَك فَشَهَيْتُكَ الطعام حتى زدتَ
فيه على العادة فنمت بسبب ذلك عن وِردك فقال والله لا أشبع
بعدها أبداً فإذا كان المرء يستعمل نظره أبداً على القاعدة
التي قررناها كان أكله ونومه ويقظته مضبوطاً بلسان العلم
وأيضاً فإنه بنفس نظره إلى تلك القاعدة كان له من الأجر ما
لا يكون للصائم القائم الغافل عنها لأنه لا يحمله على هذه
المحاسبة والمراقبة إلا الخوف من الله عزّ وجلّ والإجلال
له وقوة اليقين
ولهذا المعنى كان بعض الفضلاء يقول يحتاج العاقل أن يكون
محاسباً ومراقباً ومعنى المحاسب هو الذي يحاسب نفسه فيما
مضى من عمره فإن كان بقي عليه شيء فليخلص نفسه مادام في
هذه الدار والمراقبة هي مهما خطر له خاطر عرضه على العقل
ونظره بلسان العلم فما حسن منه فعل وما قبح منه ترك ولم
يفعل وإلا كان كالتاجر ينفق ولا يعرف حتى يفلس وقد قال
عليه السلام حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا
ولأجل ترك النظر إلى هذه القاعدة أو الجهل بها وقع كثير من
الخلل والفساد عند بعض المدعين للطريق المنتسبين إليه لأنه
يخطر لأحدهم التصرف في مرضاة نفسه وما يشير به عليه هواه
وقد يسمع وسوسة من الشيطان فيأخذ ذلك من حينه على الإطلاق
من غير أن يلحظ القاعدة التي قررناها فيضل مع الضالين وهو
يحسب أنه يحسن صنعاً فيقول قيل لي وقلت وخطر لي ووقع لي
وهيهات هيهات ليس التعبد بالخواطر ولا بالشهوات وإنما هو
بالامتثال والامتثال لا يتصور وجوده إلا مع العلم والعلم
قد شاء عزّ وجل وسبقت إرادته أنه لا يؤخذ إلا
۱ قوام الأمر نظام الأمر وعماده وملاكه
من كلام عمر رضي الله عنه
۹
بالتعلم لقوله عليه السلام إنما العلم بالتعلم والمراد
بهذا العلم هو علم النقل وهو الأمر لأنه لا يؤخذ بصفاء
القلب ولا بغيره وإن أخذ بصفاء القلب فلا يجوز التعبد به
حتى يكون نقلاً وإنما يكون بصفاء القلب العلم اللدني ومع
ذلك فالعلم المنقول لا بد منه فيه لأن به يختبر
والنهي
صحته من سقمه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ قطعة من حديث أوله يا أيها الناس إنما العلم بالتعلم
والفقه بالتفقه إلخ رواه الطبراني في الكبير
-١٥٣ -
حدیث رد فرس ابن عمر رضي الد
عنهما إليه
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضيَ الله عَنهُ قالَ ذَهَبَ فَرَس لَهُ
فَأَخَذَهُ العَدوُّ فَظَهَرَ عَلَيْهِمُ
المُسلِمونَ فَرُدَّ عليهِ في زَمَنِ رَسولِ الله
*
ظاهر الحديث يدل على رد الفرس لابن عمر رضي الله عنهما
بعدما ملكه العدو والكلام
عليه من وجهين
الوجه الأول قوله ذهب يرد عليه سؤال وهو أن يُقال لم قال
ذهب ولم يأتِ بغيرها من الصيخ الجواب عنه أنه إنما عدل عن
ذكر غيرها إليها لأنها جامعة لأنواع طرق الذهاب لأنك تقول
ذهب مال فلان وقد يكون ذهابه بالسرقة أو الإنفاق أو
النسيان أو الغضب إلى غير ذلك من وجوه الذهاب وذهب يدل على
كل واحد منها على سواء فهذا من الفصيح في الكلام
الوجه الثاني قوله فرُدَّ عليه فيه بحث وهو أنه هل رُدَّ
عليه من طريق إحسان النبي صلى الله عليه وسلم إليه فهو
كالنفل أو رُدَّ عليه لأن حصوله بيد المشركين لم يُزِل
ملكه عنه وكان رده من طريق الوجوب يحتمل الوجهين معاً وقد
اختلف العلماء هل المشركون يملكون أموال المسلمين أم لا
على قولين فذهب قوم إلى الجواز مطلقاً واحتجوا بقوله تعالى
إنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ
عِبادِه ۱ والاحتمال الذي في الحديث وهو كون الفرس رُدَّ
على طريق النفل وذهب قوم إلى المنع مطلقاً وحجتهم الاحتمال
الذي في الحديث وهو كون الفرس رُدَّ على طريق الملك
وبالقياس وهو أن المشركين لا يحل لهم ملك رقاب المسلمين
فأموالهم كذلك
وفَرَّق قوم فقالوا لا يخلو أن يُدْرِبَ العدو بها ۳ أو لا
فإن أدْرَبَ مَلَكَ وإن لم يُدْرِب لم يملك وهذا قول ثالث
وكأن صاحب هذا القول يرى أنهم ما لم يُدْرِبوا فصاحب الشيء
لم ينقطع
۱ سورة الأعراف من الآية ۱۸
يدرب بها يدخل بها بلاده
٩٢٤
رجاؤه منه لأنه قد تعود الكرة عليهم فتؤخذ منهم ويغنمون أو
يتركون ما أخذوا ويهربون وأما إذا أدربوا فقد انقطع الرجاء
من العودة عليهم وهذا استحسان قول بين قولين
والأظهر - والله أعلم - أن العدو لا يملك بدليل الحديث
والقياس أما الحديث فأحد الاحتمالين المذكورين في الحديث
الذي نحن بسبيله ويرجحه على الوجه الآخر ما روي أن العدو
غزا مرّة المدينة وأخذ منها ناقة النبي الله المسماة
بالعضباء وأخذت امرأة من المسلمين في الأسر في جملة ذلك
فلما جَنَّ عليها اللّيلُ قامت تريد الفرار بنفسها فأرادت
أن تركب ناقة تنجو عليها فأتت تأخذ ناقة لتركبها فكل ناقة
أو دابة تضع يدها عليها تنفر فتتركها وتذهب لغيرها حتى أتت
إلى العضباء وكانت ذلولاً فلم تنفر فركبتها وأتت بها إلى
المدينة ونذرت في طريقها أنها إن نجت عليها فسوف تنحرها
وتهديها فلما أتت المدينة رآها الناس فعرفوها فأتوا بها
إلى النبي الله فذكرت له القصة فقال لها عليه السلام لا
نَذْرَ فيما لا يُملَك ووجه الحجة فيه أنها لو أتت على
ناقة كانت ملكاً لمشركين قبل لم تؤخذ منها فلما أن كانت
مما عُنِم من المسلمين قال لها عليه السلام لا نذر فيما لا
يُملك ۱ وأُخِذت منها
وأما القياس فقد تقدم لصاحب هذا المذهب وهو أنهم لا يملكون
الرقاب وهذا يبين أن الاحتمال الذي في الحديث وهو كون
الفرس ردَّ من طريق الملك أو الوجوب هو المراد وهو الأظهر
في الموضع وفي هذين دليل واضح لا خفاء فيه أنهم لا يملكون
الرقاب فالأموال كذلك وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد
وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً
۱ جزء من حديث أوله لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك
ابن آدم أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن
عمران بن حصین رضی الله ع
٩٢٥
11021
حديث أجر المجاهد في سبيل الله
عَن أبي هريرَةَ رضيَ الله عَنهُ أَنَّ رَسُولَ الله صلى
الله عليه وسلم قالَ تَكفَّلَ اللهُ لِمَن جَاهَدَ في
سَبيلِهِ لا يُخرِجُهُ إلا الجهادُ في سَبيلِهِ وتَصديقُ
كلِماتِهِ بأن يُدخِلَهُ الجَنَّةَ أو يرجعه إلى مَسكَنِهِ
الَّذِي خَرجَ مِنْهُ مَعَ ما نالَ مِن أجرٍ أو غَنِيمَةٍ
**
ظاهر الحديث يدل على أن من خرج إلى الجهاد بالنية المذكورة
فيه فله أحد الوجهين المذكورين فيه وهو أن يرجع بالأجر
والغنيمة أو يُستشهد فيدخل الجنة ويكون فيها حياً يُرزَق
لقوله تعالى ﴿أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ١
والكلام عليه من وجوه
الوجه الأول قوله عليه السلام تكفل الله معناه ضمِن الله
لأن الضمان له في اللغة سبعة أسماء ومن جملتها الكفيل
والضمان من الله سبحانه ضمان إفضال لا ضمان وجوب فإن معناه
تأكيد التصديق بحصول الأجر الذي تفضل به على المجاهد في
سبيله لأن الوجوب في حقه تعالى
مستحيل
الوجه الثاني قوله عليه السلام لمن جاهد في سبيله لا يخرجه
إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلماته الجهاد في سبيل الله
يحتمل وجوهاً وأظهرها في هذا الموضع قتال العدو الذي هو
الكافر وكيفية النية فيه هو أن يخرج للغزو يريد به القتال
في سبيل الله وإعلاء كلمته لا يريد بذلك غير الله
ويَحتَسِب قتل نفسه إن قُتِل وكلَّ ما يلاقي من شدة الحروب
وهَوْلِها في حق الله تعالى لا لظهور ولا لكسب دينار ولا
لغير ذلك
والتصديق على ضربين تصديق بوجوبه - والوجوب على ضربين فرض
عين وفرض كفاية وهو مذكور في الفقه - وتصديق بما جاء فيه
من عموم الأجور والإحسان على مقتضى الآيات في الوجهين معاً
٩٢٦
۱ سورة ال عمران من الآية ١٦٩
الوجه الثالث هل تقصر هذه الأجور على الوجه الظاهر - وهو
قتال العدو ـ أو تحمل على ما
يقتضيه عموم الجهاد في طاعة الله تعالى وهو الأظهر كما ذهب
إليه بعض الصحابة حيث قال لأخيه حين لقيه في طريق المسجد
وقد اغبرت قدماه فسأله أغَيرُ الصلاة أخرجك فقال لا لم
أخرج لغيرها فقال شهدت على رسول الله الله أنه قال ما
اغبرت قدما عبد في سبيل الله إلا حَرَّمهما الله على النار
۱ فقال له الرجل ذلك خاص بالقتال فقال الصحابي أفعال الخير
كلها في سبيل الله وقد قال عليه السلام في الخارج إلى
المسجد هو في ذمة الله إن مات أدخله الله الجنة وإن رجع
إلى منزله كان كالمجاهد رجع بالأجر والغنيمة وهذا نص في
المسألة فيجب تعديه في جميع وجوه البر ويكون الأول منها
أظهرها وأعلاها
الوجه الرابع هل يتعدى الحديث للجهاد المعنوي أم لا أما
ظاهر اللفظ فلا يؤخذ منه التعدي لأنه ذكر في الجهاد الحسي
وأما على القاعدة التي قررناها في كلام الشارع عليه السلام
بأنه محمول على كل الفوائد - إن أمكن - فهو متعد لا شك فيه
سيما ۳ في هذا الموضع الذي قد نص عليه السلام أن الجهاد
المعنوي أكبر من الحسي وهو قوله عليه السلام هبطتم من
الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس فإذا كان
حكم يناط بعلة فحيثما وجدت العلة أنيط الحكم بها فالدخول
في الجهاد المعنوي يكون بتلك النيَّتَينِ المذكورتين في
الحديث وهما الجهاد في سبيل الله والتصديق بكلماته ولا
يُعوّل على العيش بعدها إلا إن قُدِّر له بذلك لأن الراجع
من أثناء الطريق لم تتم له صفقة وتمام الصفقة هنا هو الموت
على ما هو عليه من مجاهدة النفس في ابتغاء مرضاة الله
تعالى
ولهذا المعنى لما أن جاء لبعضهم ثلاثة نفر يطلبون منه
التربية في السلوك فقال لأحدهم كم تصبر فعَدَّ له أياماً
محصورة فقال له الشيخ ما يجيء منك شيء ثم سأل الآخر فقال
أطيق أكثر منه وعد له الأيام فقال له ما يجيء منك شيء ثم
سأل الثالث فقال أصبر حتى أموت
فقال له ادخل وقد قال بعض الفضلاء من أهل هذا الشأن من
صَدَق وصدَّق قُرِّبَ لا محالة
وإنما يقع الخلل في الجهادَينِ معاً إذا كان الدخول لحظ
دنيوي أو نفساني ومن دخل بهذا
۱ تقدم تخريجه في الحديث ١٣٤
في هذا المعنى روى أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة رضي
الله عنه أن النبي الا الله قال ثلاثة في ضمان الله عزّ
وجل رجل خرج إلى مسجد الله ورجل خرج غازياً في سبيل الله
ورجل خرج حاجاً
۳ كذا بحذف لا
٤ تقدم تخريجه في الحديث ۱۳۰
٥ النَّفر من ثلاثة إلى عشرة من الرجال والجمع أنفار
قصده في الحياة وهو يؤملها فقليل أن يقع النصر لمثل هذا
لأنه عند أقل شيء يرى من العدو يُوَلِّي مديراً للطمع في
الحياة وأما إذا كانت النية ما أشرنا إليه فالخلل لا يدخل
هناك لأن من دخل بنية
ألا يعيش فقلما ينهزم لأنه إذا عاين الموت لا يفر منه
ويقول هو المطلوب والمقصود وأعظم ما
في الجهادين من الوقائع المَوْت فإذا كانت أعظم الوقعات هي
المقصودة فكيف يبالي بما هو
أقل منها
ولهذا المعنى كان النبي له الا الله حين الجهاد يخطب الناس
ويذكّرهم ويعلمهم بما لهم فيه من الأجور مثل قوله عليه
السلام اعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ۱ وكفى بهذا
دليلاً أن الله عزّ وجلّ جعل الفرار منه من الكبائر فقال
تعالى ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَومَذٍ دُبُرَهُ إِلَّا
مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إِلَى فِئَةٍ
فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَنهُ جَهَنَّمُ
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ٣ وقد روي أن الصحابة رضوان الله
عليهم كانوا بعد وفاة النبي الا الله يُسَرُّون صفوفهم
ويذكرون أصحابهم ويعطونهم حتى كان بعضهم ينظر من هو أفصح
في الكلام وأعلى صوتاً فيأمره بالمشي بين الصفوف فيعِظ
الناسَ ويذكرهم بما جاء في الجهاد وكل هذا مندرج في ضمن
قوله تعالى
يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَيْضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى
الْقِتَالِ ۳ وما ذكرناه وأوردناه من جملة التحريض
وكذلك ينبغي في الجهاد الأكبر إذا كان المرء عالماً
بكيفيته وبما كان فيه فبها ونِعْمَتْ وإن لم يكن عالماً
بذلك فليتخذ شيخاً يستند إليه عارفاً بذلك الشأن حتى يبين
له لسان العلم في جهاده ولسان الطريق وما يشترط فيه ولأجل
ترك النظر إلى هذه القاعدة كانت المجاهدة اليوم عند جل
الناس لا تفيد شيئاً لأجل أنهم يدخلون في المجاهدات جاهلين
بها من الطريقين وإن كان لأحدهم علم فيكون في الطريق
الواحد ويترك الآخر ومن حصل له العلم بالطريقين فهو
المرْجُو له الخير وهو على طريق الهدى والتوفيق فطوبى له
ثم طوبى له
ومن رزق التوفيق ولم يكن له علم بهذين الطريقين يحتاج أن
يبذل نفسه فيهما لعله أن ينال
منهما شيئاً أو من بركة أهليهما وقد قال امرؤ القيس ٤
1 أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود في الجهاد والترمذي في
فضائل الجهاد كما أخرجه الإمام أحمد في مسنده
سورة الأنفال الآية ١٦ ۳ سورة الأنفال من الآية ٦٥
٤ أشعار الشعراء الستة الجاهليين اختيار الأعلم الشمري
طبعة دار الآفاق الجديدة بيروت ١٩٧٥ صفحة
TV
ومطلع القصيدة
الَكَ شَوقُ بعد ما كان أقصَرًا وحَلَّت سُلَيمى بَطَنَ
قَوْ فَعَرعَـرا
۹۸
بَكَى صاحِبِي لَمَّا رأى الدَّرْبَ دُونَهُ لَمَّا رأَى
الدَّرْبَ دُونَهُ وأَيْقَنَ أَنَّا لاحِقَانِ بقَيْصَ
فَقُلْتُ لَهُ لا تَبْكِ عَيْنُكَ إنَّما نُحاوِلُ مُلْكاً
أو نَمُوتَ فنُعْذَرا فإذا كان هذا في طلب مُلك الدنيا
فكيف في طلب الآخرة وقد قال علي رضي الله عنه لو كانت
الدنيا من فضة والآخرة من خزف والدنيا فانية والآخرة باقية
لكان الواجب أن يُزهَد في الفانية وإن كانت من فضة ويُرغَب
في الآخرة وإن كانت من خزف فكيف والأمر بضد ذلك وصلى الله
على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً
۹۹
- ١٥٥ -
حديث جواز التحلل من اليمين المنعقدة
صلى الله عليه وسلم
عَن أبي موسى۱ رضي الله عَنهُ قالَ أَتيتُ رَسولَ الله صلى
الله عليه وسلم فِي نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ
نَستَحمِله فقال والله لا أحمِلُكُم وما عِندي ما
أحمِلُكُم عَليهِ وأُتِيَ رَسولُ الله بِنَهْبِ ۳ إِبل
فَسَأَلَ عَنّا فقالَ أينَ النَّفَرُ الأَشْعَرِيُّونَ
فأمرَ لنا بِخَمس ٤ ذَوْدٍ غُرِّ الدُّرَى ٥ فلما انطلقنا
قُلنا ما صَنَعْنا لا يُبارَك لَنَا فَرجعنا إليه فقُلنا
إنا سألناك أن تَحْمِلَنا فَحْلَفَتَ ألا تَحْمِلَنَا
أَفَنسيتَ قَالَ لَستُ أنا حَملتُكُم وَلكِنَّ الله
حَمَلَكُم وإنّي والله إن شاءَ الله لا أحلِفُ على يمين
فأرى غَيْرَها خَيْراً مِنها إِلا أَتَيْتُ الَّذي هُوَ
خَيْرٌ وَتَحلَّلْتُها ٦
*
*
ظاهر الحديث يدل على جواز التحلل من اليمين المنعقدة
والكلام عليه من وجوه
الوجه الأول قوله أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في
نفر من الأشعريين يَرِد عليه سؤالان
الأول أن يُقال لم قال أتيت ولم يقل أتينا وهم كانوا جماعة
فعدل عن اللفظ الحقيقي إلى غيره مع الاحتياج إلى الزيادة
في اللفظ لأنه لو قال أتينا لم يحتج إلى ذكر النفر فلما
قال أتيت احتاج أن يبين مع من أتى وهذا ينافي لغتهم
وفصاحتهم لما فيه من الاختصار والإبلاغ الثاني أن يُقال لم
سمّى النفر من أي قبيلة كانوا
والجواب عن الأول من وجهين
۱ تقدمت ترجمته في الحديثين ٦١ و ١١٧
نستحمله نطلب منه أن يحملنا لنجاهد في سبيل الله
۳ نهب إبل إبل الغنيمة
٤ بخمس ذوي أي بخمس من الدود والذود هو القطيع من الإبل
بين الثلاثة إلى العشرة
٥ غر الذرى في أعالي أسمتِها بياض
٦ تحلّلتها كفرت عنها
الأول أن أبا موسى رضي الله عنه هو سيّد الأشعريين ورئيسهم
وهو صاحب رأيهم
ومدبر أمرهم لأن قبائل العرب كانوا لا يفعلون شيئاً حتى
يسألوا فيه سيد قبيلتهم فهو يخبر أنه كان السبب في مجيء
الأشعريين إلى النبي ا ا ا ا ا و و و و و برأيه و مشورته
أتوا فإن قال قائل لو كان كذلك لقال أتيتُ رسول الله صلى
الله عليه وسلم بنفر من الأشعريين قيل له إنما عدل عن تلك
الصيغة لما نطق به تواضعاً منه لإخوانه الأشعريين لأنه لو
قال ذلك لكان في اللفظ ما يدل على جبرهم في المجيء فلما
ترك ذلك وأتى بـ في زال ذلك وبقي هو مع إخوانه في اللفظ
كأنه واحد منهم الثاني من الجواب يحتمل أن يكون خص ذكر
نفسه دون غيره تبركاً منه باسم النبي لا لا الهلال حتى
يكون اسمه يلي الاسم المبارك ومثل هذا كان الصحابة رضوان
الله عليهم يفعلون كثيراً تبركاً منهم بالاسم المرفع
والجواب عن السؤال الثاني أنه إنما ذكر الأشعريين
وعَيَّنهم لأن الجمع إذا أتى النبي الله في هذا القدر
ويراجعهم ويرجعون إليه بهذا القدر من المحاولة التي ذكرت
في الحديث فلا يكون في الوقت إلا مشهوراً فكان ذكر القبيلة
وتعيينها قرينة لقوة التصديق وهذا كان دأب الصحابة رضوان
الله عليهم مثل عثمان رضي الله عنه حين أخبر عن حديث
الوضوء وقال فيه لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه فأشار
إلى القرينة الدالة على التصديق مع أنه واحد ممن يؤخذ عنه
الدين لقوله عليه السلام عليكم بسنتي وسنة الخلفاء
الراشدين من بعدي 1
ثم يرد سؤال أيضاً على قوله نستحمله وهو أن يُقال لم قال
نستحمله ولم يذكر فيما أرادوا والحملان منه والجواب عنه
إنما سكت عن ذلك للعلم به للقرائن التي قارنته في الحديث
يعلم بها أنه أراد الاستحمال في الجهاد فحذف ذكر الجهاد
إبلاغاً في الاختصار وهو من الفصيح
في الكلام
الوجه الثاني من البحث المتقدم قوله عليه السلام والله لا
أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه ظاهر اللفظ يدل على جواز
اليمين على ألا يفعل الإنسان فعلاً من أفعال البر إذا لم
يقدر عليه لأن حمل هؤلاء إلى الجهاد من أفعال البر فحلف
عليه السلام على ألا يحملهم لكونه لم يقدر على ذلك وقد بين
عليه السلام العلة بقوله وما عندي ما أحملكم عليه وهذا
معارض لقوله تعالى وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً
لِأَيْمَنِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا
بَيْنَ النَّاسِ
۱ قطعة من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه رواه الإمام
أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وصححه
الترمذي وابن حبان سورة البقرة من الاية ٢٢٤
۹۳۱
والجمع بين الآية والحديث أن اليمين هنا ليس المراد منه
ظاهر لفظه لما قارنه من القرائن التي
دلت على بطلانه وذلك ما عُلِم من حال النبي لا لا لا لا
أنه كان في أفعال البر يبذل المجهود فكيف يقع منه يمين على
هذه القربة العظمى ألا يفعلها ذلك محال في حقه عليه السلام
وإنما حلف عليه السلام لهم ليقطع مادة التشويش عنهم لتعلق
خاطرهم في الرجاء لعله بعطيهم فيما بعد فكان يمينه عليه
السلام رفعاً لهذا التشويش وراحة لنفوسهم عند قطع الإياس
وكل ما كان سبباً لرفع
تشويش فهو مستحب
فإن قال قائل فما فائدة قوله عليه السلام لا أحملكم وما
عندي ما أحملكم عليه وأحدهما يغني عن الآخر قيل له النبي
لا لا لا لو كان إذا جاء أحد يطلب منه إن كان عنده شيء
أعطاه وإن لم يكن عنده شيء يكلم أصحابه إن كان فيهم من
يقدر على إعطائه شيئاً فأتى عليه السلام بتينك اللفظتين
ليقطع عنهم مادة التشويش مرة واحدة حتى لا يبقى لهم تعلق
خاطر بإعطائه ولا بكلامه لمن يقدر على أن يعطيهم فقوله وما
عندي ما أحملكم عليه إشارة لهم بأنه ليس عنده ما يحملهم
عليه وقوله لا أحملكم إشارة بألا يتسبب لهم في ذلك
لكن يرد على هذا سؤال وهو أن يقال لم قطع عليه السلام
العادة التي كان يفعل لهؤلاء الأشعريين دون غيرهم وهو كونه
إذا لم يكن عنده شيء نظر في أصحابه وتكلم لهم والجواب عنه
أنه قد يكون النبي لا اله الاهل العلم أن أصحابه ليس عندهم
في ذلك الوقت شيء إلا قدر ما يقوم بحركتهم ولا يفضل لهم
على ذلك فضل حتى يعطوه غيرهم وهم كانوا خارجين إلى الجهاد
فيحتاجون إلى القوة والشدة فإن شاركهم غيرهم فيما عندهم
القتال بسبب ذلك سيما الصحابة رضوان الله عليهم وقد كان
قُوتُهم التمرة والتمرتين فإذا شاركهم غيرهم في هذا النزر
اليسير المعلوم فإنهم لا يطيقون القتال لأن البشر لا بد له
من شيء ما
یسد به رمقه
قد ١
يضعفون عن
وقد روي عن بعضهم أنه كان قوتهم في غزوة من الغزوات تمرة
تمرة ففرّق التمر فجاء أحدهم يأخذ تمرته فقيل له قد أخذتها
فغشي عليه فلم يفق حتى أعطيها وأكلها فقام فإذا كانوا على
هذا الحال فالزائد عليهم ضرر بهم لا مصلحة في خروجه معهم
فترك عليه السلام الطلب لأصحابه لأجل هذا المعنى والله
أعلم
الوجه الثالث من البحث المتقدم قوله عليه السلام وأتي
رسولُ الله بنهب إبل فسأل
۱ كذا والصواب فقد
عنا النهب هو ما يؤخذ من أموال المشركين وهي الغنيمة التي
يضرب عليها بالخيل والرّجل فتؤخذ أموالهم وتنهب من أيديهم
وسؤاله عليه السلام عن النفر الأشعريين حين أتاه النهب
دليل
واضح على أنه ما أراد بيمينه إلا الوجه الذي ذكرناه وهو
رفع التشويش عنهم الوجه الرابع قوله فأمر لنا بخمس ذَوْدٍ
غُرُ الدُّرَى الذود عند العرب هو الجمل الواحد فهو أخبر
أنه عليه السلام أعطاهم خمسة أبعرة وغُرّ الذرى صفة للجمال
وهو بياض يكون في
أعلى أسْنِمَتها وإنما أتى
۳ لأنها قرينة تذهب التهمة في النسيان والغلط لأن من يذكر
هذا
القدر من الجزئيات فقد انتفت عنه التهمة في القضية بكل
ممكن
الوجه الخامس قوله فلما انطلقنا قلنا ما صنعنا فيه دليل
على أن المرء إذا حصل له مراده يُسَر بذلك في وقته حتى قد
ينسى ما كان قبله من شدة فرحه به لأن مراد هؤلاء الأشعريين
كان أن لو وجدوا إعانة للجهاد في سبيل الله و بين يدي
الرسول له له الا الله فلما ظفروا بذلك شغلهم الفرح الذي
دخل عليهم بالطاعة التي قالوها عن ذكر يمين النبي له الا
الله فلما أن سكن ذلك عنهم قليلا ورجعوا إلى أنفسهم فحينئذ
الهموا لذلك فرجعوا إذ ذاك وهذا أمر قلّ أن يثبت عنده إلا
القليل النادر ولا يحصل التثبت هناك إلا لمن داوم على
محاسبة نفسه في كل أنفاسه واستغرق في المراقبة حتى يذهل عن
لذة الطاعة ولذيذ النعم مع أن من وجد هذه اللذة بالطاعة
حتى يذهل في الحين عن أموره لما توالى عليه من محبتها فهو
مقام سَنِيّ لكنَّ ما أشرنا إليه أرفع وأعلى الوجه السادس
قولهم لا يبارك لنا هذه البركة التي خافوا من زوالها
احتملت وجهين
الأول أن يكونوا أرادوا بزوالها أنهم لا يبلغون بها ما
أملوا
الثاني أن يكونوا أرادوا لا يبارك لهم في أثمان تلك الجمال
ولا في رقابها لكونهم لم يأخذوها على الوجه المَرْضِيّ
لأنه تعيَّن عليهم فيه النصح للنبي ل لا ل ا ل لقوله عليه
السلام النصيحة الله ولرسوله ٤ وهم كانوا عالمين بيمين
النبي فتعين عليهم نصحه فخافوا من زوال البركة
1 الرَّجِل اسم جمع للراجل وهو عكس الفارس الذود للقطيع من
الإبل الثلاث إلى العشر وقيل ما بين الثلاث إلى العشر وقيل
إلى أكثر من ذلك وقول بعضهم الذود إلى الذود إبل يدل على
أنها في موضع اثنتين لأن الثنتين إلى الثنتين جمع وقال ليس
فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة فقد جعل الناقة الواحدة
ذودا وعلق أبو منصور على ذلك فقال هو مثل قولهم رأيت ثلاثة
نفر وتسعة رهط وما أشبهه قال اللغويون الأود جمع لا واحد
له من لفظه كالنَّعَم وقال
بعضهم الذود واحد وجمع
۳ كذا والصواب بصفتها ٤ تقدم تخريجه في الحديث ١٥٢
۹۳۳
لأجل ما تعين عليهم بسببه فلم يفعلوه لأن الصحابة رضوان
الله عليهم كانوا يتوقون أشياء حلالاً محضاً مخافة وقوعهم
في الحرام كما قال بعضهم كنا ندع سبعين باباً من الحلال
مخافة أن نقع في الحرام لأن الحرام ترتفع منه البركة
ظاهراً وباطناً أما الباطن فإنه يحدث الظلمة في القلب
والقساوة وأما الظاهر فإنه يحدث الكسل عن العبادة
والامتهان بحقها مع أن البركة ترتفع منه ارتفاعاً محسوساً
لأنه إذا كان الشيء حراماً ما يقوم باثنين يستعمله رجل
واحد ولا يكفيه لزوال البركة منه وذهابها وكذلك أيضاً في
الضدّ وهو الحلال لا بد من ظهور البركة فيه محسوسة ومعنوية
وبالمحسوسة يستدل على المعنوية في كلا الطرفين في الحلال
والحرام فإذا بورك في طعام وقام باثنين منه ما يقوم
بالواحد علم أن البركة المعنوية حاصلة
فيه بالضمن
ولهذا المعنى لما أن وجد أبو بكر رضي الله عنه في الصحفة
التي قدمها إلى الأضياف فأكلوا منها وهي باقية على حالها
لم تنقص ثم أكل هو وأهل بيته وهي على حالها لم تنقص أتى
بها النبي يعلمه بتلك البركة المعنوية فيها بما شهد له
ظاهرها فاستدل بالحسي على المعنوي ولأجل هذا المعنى كان
طعام أهل الخير والصلاح أبداً فيه من البركة ما ليس في
غيره لأجل أنهم يبحثون على الحلال أكثر من غيرهم فكانت
البركة لديهم ظاهرة وباطنة فاستعانوا بذلك على العبادة
والاستمرار عليها وتنوَّرت بواطنهم وقل تسبّبهم في أسباب
الدنيا للبركة الحسية والمعنوية الموجودة في طعامهم
الوجه السابع من البحث المتقدم قوله فرجعنا إليه فقلنا إنا
سألناك فحلفت ألا تحملنا أفنسيت فيه دليل على أن الشيء إذا
كان فيه محتملات وأحدها أبرأ للذمة فالسنة فيه أن يؤخذ بما
هو الأبرأ للذمة لأن العطية النبي لا لا لا ل ل ل لهم
الإبل تحتمل وجهين أحدهما أن يكون أعطاهم ذلك علمه باليمين
والثاني أن يكون أعطاهم ناسياً له
مع
فإن كان الأول فليس عليهم فيه شيء لأنه عليه السلام هو
المشرع وما يفعل إلا ما هو الأمر الذي يتدين به لأن منه
يُؤخذ الدِّين وتُتلقى الأحكام وإن كان الثاني فليس عليه
أيضاً فيه شيء لقوله عليه السلام رفع عن أمتي الخطأ
والنسيان ۱ لكن يتعين عليهم في ذلك النصح لأنهم سمعوه حين
حلف وهم الآن ذاكرون لذلك قادرون على زواله إن كان نسياناً
فخافوا من أحد المحتملات فأخذوا بالأبرأ للذمة حتى أزالوا
ما كان هناك من الشبهة وعلموا وجه الصواب في المسألة
والشبهة هناك ما أشرنا إليها وهي تركهم النصيحة لرسول الله
صلى الله عليه وسلم
۱ تقدم تخريجه في الحديث ۸۳
٩٣٤
الوجه الثامن قوله عليه السلام لست أنا حملتكم ولكن الله
حملكم فيه دليل على أن
المرء ينظر في عمله الصالح بنظر الحقيقة والتوحيد فكل ما
يصدر منه من أنواع الخير يرى أن الله تعالى هو الفاعل لذلك
حقيقة ومن عليه وتفضل بأن أظهر ذلك وأجراه على لسانه أو
يديه لأن النبي الله لما أن أجرى الله تعالى هذا الخير على
يديه - وهو حمل الأشعريين إلى الغزو - تبرأ من فعله ذلك
ونسب حملهم إلى الله تعالى لا لنفسه المكرمة وتدبيره
وكذلك أيضاً يجب أن ينظر بالعكس عند ترك الأعمال أو وقوع
المخالفة وكل ما فيه نقص ينسب كل هذا وما أشبهه إلى النفس
وينظر إذ ذاك من طريق التكليف والأمر لأن النبي الله لما
أن امتنع من حمل الأشعريين نسب الامتناع لنفسه المكرمة
فقال والله لا أحملكم ولم يقل لهم الله منعكم من الحمل
لأنه ما أعطاني ما أحملكم عليه وهذا من التأدب مع الربوبية
والتعمق في ميدان الحقيقة والتوحيد مع النظر بالحكمة
والتكليف فمن كانت قاعدته هذه فهو السعيد لأن وجود هذه
الخصلة علم على التوفيق
يدل على ذلك قصة آدم عليه السلام لما أن يسر للسعادة نظر
إلى هذه القاعدة فسلك هذا المنهاج فنسب الخطيئة التي وقعت
منه لنفسه فقال ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن
لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا
لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴾ ۱ فتاب الله عليه وجعله
من أصفيائه ومن كانت قاعدته عكس ما قررناه أو كان نظره في
كل أموره بغير نظر التوحيد فذلك عَلَم على شقائه وخسرانه
لأن وجود هذه الخصلة يدل على ذلك
يشهد لذلك قصة إبليس اللعين لما أن يُسر للبعد والشقاء
والطرد والخذلان حين امتنع من السجود لم يعترف بعد ذلك على
نفسه بالخطأ وإنما نظر إلى الحقيقة فقال لو شاء الله أن
أسجد لسجدت فكان ذلك سبباً إلى خذلانه
الوجه التاسع قوله عليه السلام وإنّي والله إن شاء الله لا
أحلف على يمين فأرى غيرها
خيراً منها إلا أتيتُ الذي هو خيرٌ وتحلَّلْتها فيه دليل
على جواز التحلل من اليمين وقد تقدم
وقد اختلف الفقهاء هل الكفارة تكون قبل الحِنْث عند العزم
عليه أو لا تكون إلا بعد وقوعه على قولين وسبب الخلاف هذا
الحديث وما جاء في رواية أخرى أنه عليه السلام قال ثم
تحلَّلتُ من يَميني فجاء فيما نحن بسبيله بـ الواو وهي
ليست تفيد الترتيب وأتى في الحديث الآخر بـ ثم التي تفيد
أن الحنث وقع قبل لأنها للمهلة والتراخي واستثناؤه عليه
۱ سورة الأعراف من الآية ۳
٩٣٥
السلام هنا هو من باب التأدب مع الربوبية لأن اليمين بغير
استثناء قطع على القدر ألا ينفذ ولهذا المعنى قال مالك
رحمه الله لمن أخبره أنه وقف بعرفة وتاب وحلف أنه لا يقع
في مخالفة أبداً فقال له بئس ما صنعت ما وقعت فيه أشدُّ
مما تبتَ منه لأنك آليت على الله ألا ينفذ قضاؤه وقدَرُه
فكان استثناء النبي الأجل هذا المعنى
ولأجل النظر إلى ما أشرنا إليه ذهب ابن عباس رضي الله
عنهما إلى أن الاستثناء يجوز ولو بعد سنين فالاستثناء له
سائغ لأنه نظر أن اليمين بغير استثناء قطع على القدرة وذلك
قلة أدب واحترام بجانب الربوبية وإن كانت الأيمان قد
أُبيحت لنا في شرعتنا لأن ذلك من باب المنّ والتوسعة وقد
كان عيسى عليه السلام يقول لبني إسرائيل وأنا
وَصَّيْتُكُمْ ألا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين فجعل
ابن عباس رضي الله عنهما الاستثناء في هذا اليمين إذا وقع
كالتوبة من الذنب والتوبة مرغب فيها إلى وقت التعزير فإذا
كان استثناء المرء لأجل هذا المعنى ـ وهو الرجوع عما وقع
منه من سوء الأدب - فاستثناؤه سائغ وهو يخرجه عما عقد من
اليمين وإنما ذهب رضي الله عنه إلى هذا لأجل أنه في خير
القرون فقل أن تقع اليمين من أحدهم وإن وقعت فيكون رجوعهم
للاستثناء لأجل هذا المعنى لا لشهوات أنفسهم فلما استقرأ
من أحوال أهل زمانه وما هم عليه كانت فتياه بهذا ولأجل عدم
هذا أنكر قوله من أتى بعده من الفقهاء ولم يعلموا له وجهاً
في الغالب لأن الناس قد تغيروا عما كانوا عليه فمن العلماء
من فهم معناه ومنهم من لم يفهمه ومن فهمه لم يقدر أن يبدي
ذلك لأهل زمانه لأن الغالب عليهم تفضيل شهواتهم وتقديمها
فقد يدعون أنهم أرادوا الوجه الذي ذكرناه وهم لم يريدوا
إلا شهوات أنفسهم واتباع أهوائهم فكان ترك ذكر بيان مذهبه
سداً للذريعة
ولأجل هذا يقال لا بد في كل زمان من عالم يبين الدين بحسب
ما يحتاج إليه في الوقت يؤيد هذا قوله عليه السلام كانت
بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي جاء بعده نبي
وإنه لا نبي بعدي وإن علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ۱
۱ مؤلف من حديثين الأول من قوله كانت بنو إسرائيل إلى وإنه
لا نبي بعدي والثاني من قوله وإن علماء أمتي
إلى اخره
أما الأول فمتفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
ولفظه كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه
نبي وأنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما
تأمرنا قال فوا بَيْعَةَ الأول فالأول وأعطوهم حقهم الذي
جعله الله لهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم وأما الثاني
فقد أورده الألباني في السلسلة الضعيفة ٦٦٦ والفتني في
تذكرة الموضوعات ۰ وعلي القارى في الأسرار المرفوعة ٢٤٧
والعجلوني في كشف الخفا ۸۳/ والشوكاني في الفوائد المجموعة
٢٨٦ والسيوطي في الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ۱۱۳
٩٣٦
ثم اختلف الفقهاء اختلافاً كثيراً متى ينفع الاستثناء كل
منهم ذهب إلى ما اتضح له عليه
الدليل ولكل واحد منهم نظر صحيح ولولا التطويل لأوضحنا
تصحيح مذاهبهم وبيناها فإن قال قائل لو كان الوجه في
الاستثناء ما ذكرتم لم يصدر اليمين من النبي صلى الله عليه
وسلم بغير استثناء لأنه قد حلف ألا يحملهم ولم يستثن قيل
له قد بينا الوجه الذي لأجله حلف هناك فلو استثنى إذ ذاك
لزال المقصود مما أريدت اليمين له وبقيت النفوس متشوفة
متطلعة
فإن قال قائل لم قال عليه السلام ذلك عن نفسه المكرمة ولم
يقل من حلف على يمين ورأى خيراً منها يأتي الذي هو خير
ويكفر عن يمينه قيل له إنه لو عَدَل عن ذكر نفسه المكرمة
إلى ذكر غيره لكان في المسألة توقف من باب الورع لأنه قد
يؤخذ ذلك منه على باب الرخص والتوسعة ويُرى أن الأولى
البقاء على اليمين من غير إيقاع الحنث فلما أن أخبر بذلك
عن نفسه المكرمة عُلم أن الأولى ما فَعَل هو عليه السلام
يبين هذا ويوضحه قصة أم سَلَمة حين قالت للنبي إنهم لم
يعصُوكَ وإنَّما اتَّبَعوك ۱
وقد أوردناه في حديث الإفك وبيَّنا هذا المعنى بنفسه والله
المستعان وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه
وسلّم تسليماً
۱ تقدم تخريجه في الحديث ۱۱۹
۹۳۷
-١٥٦-
حديث تحريم أكل الحمر الأهلية
عَن عَبْدِ الله ۱ بن أبي أوفى رَضي الله عَنهُ يَقولُ
أصابتنا مَجاعَةٌ لَيالي خَيْبَر فَلَمّا كانَ يَومُ خَيرَ
وقَعنا في الحُمُرِ الأهليَّةِ فانتحرناها فلمّا غلَتِ
القُدورُ نادى رَسولُ الله أَكْفِئوا ۳ القُدورَ ولا
تَطْعَمُوا مِن لحومِ الحُمُر شَيئاً قالَ عَبْدُ الله
فَقُلنا إِنَّمَا نَهَى ا رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم
عَنها لأَنَّها لَم تُخَمَّس ٤ قَالَ وَقالَ آخَرون
حَرَّمها البتة وَسَألتُ سَعيد بن جُبَيرٍ ٥ فقالَ حَرمها
البَيِّةَ
ظاهر الحديث يدل على تحريم أكل الحمر الأهلية والكلام عليه
من وجوه الوجه الأول قوله أصابتنا مجاعة ليالي خيبر ٦ هذه
الليالي هل هي على العموم في الليالي أو هو لفظ عام يراد
به الخاص ويكون معناه في بعض ليالي خيبر محتمل للوجهين
معاً وإضافة ليالي إلى خيبر يحتمل وجهين أيضاً أحدهما أن
يكون أراد حين السير إليها الثاني أن يكون أراد حين مشيهم
على حصونها فعلى القول بأن الإضافة إلى الليالي على العموم
- وهو الخروج من أول السفر - فهو مرجوح لأن أحداً لا يخرج
بغير شيء من الزاد فإن كان على معنى التخصيص احتمل وأما إن
كان المراد المشي على حصونها فاحتمل الوجهين
معاً العموم والخصوص
۱ تقدمت ترجمته في الحديث ١٤٤
وقعنا غنمنا وأخذنا
3 أكفنوا اقلبوا
4 لم تُخمَّس لم يؤخذ خُمسها وهو حق الله في الغنائم ٥
تقدمت ترجمته في الحديث ٤٨
٦ ليالي خيبر وخيبر بلدة شمالي المدينة المنورة مشهورة
بزراعة النخيل وكان يسكنها اليهود وفتحها النبي سنة سبع أو
ثمان من الهجرة عنوة نازلهم شهراً أو قريباً من شهر ثم
صالحوه على حقن دمائهم ثم صالحوه على شروط أقرها ورضي بها
ولما تولى الخلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أجلاهم عنها
تحقيقاً لقوله
لا يجتمع دينان في جزيرة العرب
۹۳۸
الوجه الثاني قوله فلما كان يوم خيبر يوم خيبر يحتمل وجهين
أحدهما أن يكون أراد يوم فتح خيبر الثاني أن يكون أراد يوم
قدومهم على خيبر أما الأول فمرجوح لأنه لو كان المراد به
الفتح لم يكونوا لينحروا الحمر الأهلية لأن الفتح إذا كان
بالضرورة يكون الطعام كثيراً لديهم لأن حصناً من الحصون
يكون معموراً لا يخلو من الطعام البتة
الوجه الثالث قوله وقعنا في الحمر الأهلية الوقوع فيها هو
غنيمتهم إياها بغير قصد لأنك
تقول فلان وقع في كذا إذا لم يقصده وإنما وقع فيه بحكم
الوفاق
وهي
الوجه الرابع قوله فانتحرناها نحرهم لهذه الحمر لا يخلو أن
يكونوا عالمين بتحريمها أو لم يكن لهم علم بذلك فإن كانوا
عالمين بالتحريم فيكون ذبحهم لها من أجل الاضطرار إليها -
المَخْمَصَة ١ التي أصابتهم - ففعلهم هذا اتباع للأمر لأنه
قد أحل للمضطر أكل الميتة وذلك إذا مرت عليه ثلاثة أوقات
والحمر الأهلية مثل الميتة سواء كلاهما يعمهما التحريم
لغير موجب فعمتهما الإباحة للموجب لأن ما لا يؤكل إذا
ذُكِّي فهو ميتة فحكمه حكم الميتة وإن كانوا غير عالمين
بالتحريم ففيه دليل لمن ذهب من العلماء أن الأصل الإباحة
حتى يَرِد النهي لأن العلماء اختلفوا في هذا المعنى على
قولين فمنهم من ذهب إلى أن الأصل الحظر حتى يتبين التحليل
ومنهم من ذهب إلى أن الأصل الإباحة حتى يرد النهي فإن كان
الأصل الحظر فما استباحوها إلا الموجب وهو العذر وإن كان
الأصل الإباحة فهم ما أحدثوا شيئاً وإنما استصحبوا الأصل
وقوله انتحرناها احتملت وجهين أحدهما أن تكون من أبنية
المبالغة أي سارعوا إليها
بأنفسهم ولم يتركوا لها غيرهم واحتمل أن تكون بمعنى التسبب
أي تسببوا في نحرها بالأمر ثم بقي على الفصل سؤال وهو أن
يقال لم انتحروها أولاً عند وقوعهم في الحمر من غير أن
يستأذنوا النبي لي في ذلك او الجواب عنه من وجهين وهما ما
تقدم هل الأصل الإباحة أو الحظر فإن كان الأصل الإباحة فقد
تقدم توجيهه وإن كان الأصل الحظر فقد تقدم توجيهه أيضاً
الوجه الخامس من البحث المتقدم قوله فلما غلت القدور نادى
منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفئوا القدور ولا
تَطْعَموا من لحوم الحمر شيئاً أكفئوا القدور بمعنى
حوّلوها عن النار ولا تطعموا من لحوم الحمر شيئاً أي لا
تأكلوا منها شيئاً
ويرد على هذا الفصل سؤالان الأول أن يقال لم أمر بالإكفاء
عند غليان القدور ولم يأمر به قبل ذلك الثاني أن يقال لم
نهاهم عن أكلها وقد كانت لهم مباحة لوجود الاضطرار إليها
۱ المَحْمَصَة المجاعة
۹۳۹
جميع
والجواب عن الأول أنه قد جاء في رواية أخرى زيادة تبيّن
هذا المعنى قال فيها لما رأى
كثرة النيران سأل عنها فقيل له انتحرنا الحمر الأهلية فأمر
عليه السلام إذ ذاك وفي هذا دليل على كثرة مشاهدته عليه
السلام لشأن أصحابه وما يزيد عليهم وما ينقص والسؤال عن
أحوالهم فعلى هذا فيجب على كل من كان راعياً على أي شيء
استرعي دوامُ النظر إليه والالتفات لما يزيد فيه وينقص حتى
يعلم ما حكم الله تعالى فيما يظهر من الزيادة والنقص
فينفذه وهذا على التفسير الذي ذكرناه قبل في غير هذا
الحديث من رعاية الأعلى إلى الأدنى حتى إلى جوارحه لأن
الغفلة عن ذلك توقع الخلل يؤيد هذا قوله عليه السلام في
صفة المؤمن كيس حَذِرٌ فَطِنٌ ۱
والجواب عن الثاني أنه عليه السلام إنما نهاهم عن أكلها
لوجود ما هو أحسن منها وهي الخيل لأنه قد جاء في حديث غير
هذا أنهم انتحروا الخيل هناك فقد يكون الصحابة رضوان الله
عليهم تركوا الخيل لاحتياجهم إليها للقتال فاختاروا أكل
الحمر للمنفعة التي يؤملونها في ترك الخيل فأمرهم النبي
الا الله و أن يتركوا ما أرادوا فعله وأن يقيموا ضروراتهم
بالخيل لأنها ليست بحرام ففضل عليه السلام أقل
الضَّرَرَيْن لأن الحمر عينها حرام لا يجوز أكلها شرعاً
والفرس حلال على المشهور من الأقاويل ليس فيه غير ما يؤمل
من فائدة القتال عليه والضرر الذي يلحق من أجل ذبحه متوقع
هل يقع أو لا يقع وهو احتياجهم إليها حين القتال وهذه
الخيل يحتمل أن يكون وقعوا فيها مع الحمر فتركوها للجهاد
وفضلوا أكل الحمر عليها لأجل علة الجهاد ويحتمل أن تكون
خيلهم التي خرجوا بها
وفيما قررناه دليل على أن المرء ينظر في أموره وتصرفاته
فإذا اجتمع له أمران فإن كانا أخذ أعلاهما وإن كانا شرّاً
أخذ أدناهما
ولأجل العمل على هذه القاعدة استراح أهل الصوفة من مكابدة
الدنيا وهمها لأنهم أخذوا أقل الضّرَرين - وهو ما لهم في
الدنيا من المجاهدات - لتحصل لهم الراحة الدائمة في الآخرة
فحصل لهم بضمن ذلك الراحتان معاً لأن أكبر الراحات في
الدنيا هو الزهد فيها وهو أول قدم عندهم في السلوك وقد قال
عليّ رضي الله عنه لو كانت الدنيا من فضة والآخرة من خزف
وكانت الدنيا فانية والآخرة باقية لكان الأولى أن يُزهَد
في الفانية ويُعمَل للباقية فكيف والأمر
بضد ذلك
ولأجل ترك النظر إلى هذه القاعدة تعب أهل الدنيا التعب
الكلّي فهم أبداً يؤملون الراحة
۱ رواه القضاعي عن أنس رضي الله عنه
٩٤٠
لأنفسهم ويعملون عليها والشقاء والتعب يستقبلهم فلم يزالوا
على هذا الحال حتى يفاجئهم الموت وهم في تعب وضنى ثم
يرجعون إلى تعب أكثر مما كانوا فيه وهي المحاسبة على ما
جمعوا وفيما أنفقوا ولهذا قال الغزالي رحمه الله مساكين
أهل الدنيا طلبوا الراحة فأخطأوا الطريق فاستقبلهم العذاب
ومعناه ظاهر لأنهم قصدوا الراحة ورأوا أنها لا تكون إلا
بحطام الدنيا فأخذوا في جمعها وصبروا على ما فيها من الكد
وفاجأهم الموت ولم يحصل لهم ما أملوا من الراحة فيها ثم
انتقلوا إلى التعب الآخر الذي تقدم ذكره
ثم بقي على الفصل سؤال وارد وهو أن يقال لم ذكر الإكفاءَ
وتركَ الإطعام ۱ وذِكْرُ أحدهما يغني عن الآخر والجواب عنه
أنه إنما أمر أولاً بالإكفاء لأن ما ظهر منكر يحتاج إلى
تغييره فقدمه
وفيه دليل على الإسراع لتغيير المنكر عند معاينته لأن
النبي ل لا ل ل لم يتركه حين راه حتى غيَّره وتغييره على
أقسام وقد ذكرناه في غير ما حديث ووجه ثان وهو أنه لو
اقتصر لهم على قوله أكفئوا القدور لحملوه على العموم في
الكل ويحتمل أن يكون في القدور ما هو حلال
فلما عقب ذلك الأمر بذكر المُحَرَّم أعطاه قوة الكلام ألا
يكفاً من القدور إلا ما نُص على تحريمه وفي هذا دليل على
أن أمر الشارع عليه السلام يؤخذ على عمومه ولا يخصص ولا
يتأول إلا في مواضع لا يمكن فيها العموم لقرينة تخصصه ومما
يؤيد هذا فعله عليه السلام حين أنزل الله عليه وَاللهُ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فأخذها على العموم ولم يخصص
ناساً دون آخرين ولا وقتاً دون وقت وإنما قال لأصحابه
اذهبوا فإن الله قد عصمني من الناس ۳ وكان كذلك وبقي فيما
بعد لا يقي نفسه المكرمة بشيء ثقة لانه لا اله الا بالله
تعالى وبعموم اللفظ ولأجل أخذه على العموم من غير تأويل
على ما قررناه سعد أهل التوفيق السعادة العظمى لأنهم سمعوه
عزّ وجلَّ يقول في كتابه يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ
اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فعملوا على
الاتباع ولم يلتفتوا لغيره فصدّقوا وصَدَقوا في الإيمان
والاتباع فأنجز لهم ما وُعِدوا
والمتأولون دخلوا في التعب والحيرة
۱ كذا ونص الحديث يقتضي ترك الطعام سورة المائدة من الآية
٦٧
۳ رواه الترمذي عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت كان
رسول الله هل الله يُحرس ليلا حتى نزل ﴿ وَاللهُ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فأخرج رسول الله ل ورأسه من
القبة فقال يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله تعالى
٤ سورة الأنفال الآية ٦٤
٩٤١
وقد حكي عن بعض الفضلاء أنه رأى شيئاً من آثار القدرة ولم
ير نفسه لذلك أهلاً فجعل يعتذر ويتذلل فقيل له عملت على
الحق فأُريتَ الحقيقة وعملوا على التأويل فعوملوا بحسب ما
عملوا وعند الله تجتمع الخصوم
وفيه دليل أيضاً على أن الإمام ينظر في مصالح رعيته على
العموم وعلى الخصوص ويحذر من أن ينفع قوماً ويتضرر آخرون
بسببه لأن النبي ل لا ل ل ل ل لما أن أمر بإكفاء القدور
خشي أن يقع بأحدٍ مضرة لعموم اللفظ فأتى بما يخصص المقصود
ولا يلحق به مضرة لمخلوق كما ذكر الوجه السادس من البحث
المتقدم قوله فقلنا إنما نهى النبي الله عنها لأنها لم
تُخَمَّس
وقال آخرون حرّمها البتة إلى اخر الحديث فيه وجوه الأول أن
السؤال والبحث في الأمر لا يكون إلا بعد الامتثال لأن
الصحابة رضوان الله عليهم لما أن أمرهم النبي الا الله بما
أمر امتثلوا الأمر في الحين ولم يعترضوا ولم يبحثوا فلما
أن كان بعد امتثالهم حينئذ رجعوا إلى البحث المتقدم في
التحريم هل هو لعلة أو لغير علة وأفاد اجتهاد بعضهم أنه
تعبُّد لغير علة واجتهاد بعضهم الآخر أنه لعلة وذكرها
الثاني أن المجتهدين إذا اختلفوا في الحكم وكان في زمانهم
من هو أعلم بالفتوى منهم يأتون إليه ويسألونه عن قضيتهم
لأن الصحابة رضوان الله عليهم لما أن وقع الخلاف بينهم
وقال كل منهم باجتهاده أتوا إلى سعيد بن جبير الذي هو من
كبار التابعين وفضلائهم فسألوه الثالث هل التحريم لعلة أم
لا فإن قلنا إن التحريم تعبد فلا بحث وإن قلنا إنه لعلة
فهل هي معقولة المعنى أم لا الظاهر أنها لعلة وهي معقولة
المعنى بيان ذلك أن الله جلّ جلاله هو بالمؤمنين رؤوف رحيم
كما أخبر في كتابه وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ۱
فهو عزّ وجل يختار لهم ما هو الأصلح في حقهم فيأمرهم به
وما يعلم أنه ضرر في حقهم ينهاهم عنه وبنو ادم بذلك جاهلون
فلو قيل لهم افعلوا أو لا تفعلوا ولا يناط بذلك ثواب ولا
عقاب لكان بعضهم يفعلون أشياء يضرون بها أنفسهم فمن لطفه
عزَّ وجلَّ جعل الثواب والعقاب على ارتكاب المخالفة حتى
يسلموا من بليتها ثم جاد عزَّ وجلَّ وتفضل بالتوبة على من
وقع فيها إذا رجع عنها كل هذا لطف منه عزَّ وجلَّ
بالمؤمنين ورحمة وكل مخالفة بلاؤها ظاهر لا يخفى وإنما يقع
الكلام على ما نحن بسبيله وما كان من جنسه نشير إليه
لِيُتَيَقّظ إلى هذه الحكمة العظمى واللطف الأكبر بيان ذلك
أن الحمار معروف بالبلادة وهي تتعدى لأكله على ما عهد مع
قساوة القلب الذي
۱ سورة الأحزاب من الآية ٤٣
٩٤٢
تحدث ۱ به به وهذا ضد صفة المؤمن لأن من صفة المؤمن أن
يكون كيساً حَذِراً فَطِناً والبلادة تذهب بهذه الأوصاف
أيضاً فعلى المؤمن أن يكون خائفاً راجياً وقساوة القلب
تذهب بذلك فحرمه الشارع عليه السلام لأجل هذا المعنى لأن
الله جل جلاله أرسله رحمة للعالمين ومما يقاربه في الشبه
الميتة أيضاً لأنها سم قاتل فإذا أكلت عادت بالضرر فحرمها
عزّ وجلّ لأجل هذا المعنى فإذا بقي المرء ثلاثة أوقات كثر
سم بدنه فغلب على سم الميتة فلم تضرَّه فأحلها عزّ وجلَّ
لزوال المضرة منها ولما كان الفرس ليس فيه مضرة غير أنه
إذا ديم على أكله أحدث القساوة في القلب كان أكله مكروهاً
ثم بهذه النسبة جميع الأشياء الكراهية فيها والتحريم
بحَسَبِ ما كان فيها من الضرر ومن رزق النظر بالنور يجده
محسوساً ومعنوياً على ما ذكره العلماء والفضلاء وبالله
التوفيق وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه
وسلّم تسليماً
3
٩٤٣
1 أي تحصل وتصير
11001
حديث استحباب أوقات الشروع في القتال
عَنِ النُّعمانِ بنِ مُقرِّنٍ ۱ رضيَ الله عَنهُ قالَ
شَهِدتُ القِتالَ مَعَ رَسول الله صلى الله عليه وسلم
وَكانَ إذا لم يُقاتِل في أوَّلِ النَّهارِ انتظرَ حَتَّى
تُهُبَّ الأرواحُ ٢ وَتحضرَ الصَّلاةُ
وجوه
*
ظاهر الحديث يدل على أن السنة في القتال غُدْوَة ۳ النهار
أو عشيته والكلام عليه من
الوجه الأول أن هذا القتال غُدوة أو عشيّة لعلة أم لا فإن
قلنا إنه لغير علة فلا بحث ويبقى تعبداً وإن قلنا إنه لعلة
فما هي العلة الظاهر أنه لعلة والعلة فيه على ضربين محسوسة
ومعنوية والمحسوسة على ضربين عامة وخاصة
فالعامة هي ما يكون في هذين الوقتين - أعني أول النهار
وعشيته - من هبوب الأرواح وقوة الأبدان من عاقل وغير عاقل
ونشاطها إذ ذاك لما في الوقتين من برودة الهواء وجَمام
النفوس من الراحة المتقدمة فمتقدم راحة الغدو استراحة
الليل لأنه جعل سكناه ومتقدم راحة العشي
1 النعمان بن مقرن المزني أبو عمرو صحابي فاتح من الأمراء
القادة الشجعان كان معه لواء مزينة يوم فتح مكة وسكن
البصرة ثم تحول عنها إلى الكوفة ووجّهَهُ سعد بن أبي وقاص
بأمر الخليفة عمر إلى محاربة الهرمزان فزحف بجيش الكوفة
إلى الأهواز وهزم الهرمزان وتقدم إلى تستر فشهد وقائعها
وعاد إلى المدينة بشيرا بفتح القادسية ووصلت أخبار إلى عمر
بن الخطاب باجتماع أهل أصبهان و همدان والري وأذربيجان
ونهاوند فأقلق ذلك عمر فولاه قتالهم وخرج النعمان إلى
الكوفة فتجهز وغزا أصفهان ففتحها وهاجم مقتله دخل المسجد
ونعاه إلى الناس على المنبر ثم وضع يده على رأسه
نهاوند فاستشهد فيها ولما بلغ عمر يبكي وكان استشهاده سنة
٢١ هـ / ٦٤٢م الأعلام ۹۹ الأرواح مفردها ريح وهو الهواء
إذا تحرك ويجمع كذلك على أرياح ورياح والأرواح - أيضاً -
مفردها روح
وهو نسيم الريح والرحمة والراحة تقول وجدت روح الشمال برد
نسيمها ويوم روح طيب الريح ۳ الغُدوة ما بين الفجر وطلوع
الشمس ٤ الجمام الراحة
٥ السكن كل ما سكنت إليه واطمأننتَ به ومنه قوله تعالى
﴿وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنا
٩٤٤
استراحة القائلة ۱ لأن استراحة القائلة من السنة لقوله
عليه السلام قيلوا فإن الشياطين لا تقيل
هذه هي العامة
وأما الخاصة التي هي للعاقل دون غيره فما يحصل له من قوة
اليقين ونشاط النفس وما لها في هذا الفعل من الأجر العظيم
لنكاية العدو لأن قوى الأبدان العاقلة وغير العاقلة من
أعظم مواد
النكاية للعدو
وأما المعنوية فما في الوقتين من الزيادة في الإيمان وقوة
المدد المعنوي وهو في النصر أقوى من الحسي فأما قوة
الإيمان فإن هذين الوقتين إثر تعبد وطاعة الله تعالى
والإيمان يقوى عند التعبد والطاعات كما يضعف عند المخالفات
وأعظم موجبات النصر هو الإيمان لأن الله تعالى يقول في
كتابه ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
فقوة الإيمان أعظم في مواد النصر من المحسوسات للوعد
الجميل وقد روي أن عمر رضي الله عنه بعث سرِيّة من السرايا
ثم جاء البشير بالنصر والفتح فقال أي وقت كانت المقاتلة
فقالوا غدوة فقال ومتى كان النصر فقالوا عشية فبكى رضي
الله عنه حتى بلت دموعه لحيته فقالوا كيف تبكي والنصر لنا
فقال والله ما الكفر يقف أمام
الإيمان من غدوة إلى عَشيّة إلا من أمرٍ أحدثتموه أنتم أو
أنا فلم ينظر إلى النصر إلا بقوة الإيمان وأما قوة المدد
المعنوي أيضاً فهو من وجهين وقد نص عليه السلام عليهما في
غير هذا الحديث فأحدهما الريح لأنه عليه السلام قال
نُصِرتُ بالصَّبا ۳ حتى لقد ذهب بعض العلماء أنه لم يكن قط
نصر بغير ريح والصَّبا ريح ليّنة شرقية وقد قيل إنها من
الجنة وما كان من الجنة فهو للمؤمنين عون وعلى الكافرين
وبال
أما الوجه الآخر فهو الدعاء من المؤمنين لأنه قد جاءت
زيادة في رواية غير الحديث الذي نحن بسبيله ويدعو لكم
إخوانكم المؤمنون 4 وقال عليه السلام في حديث ذكر فيه
فضيلة الدعاء جند من جنود الله فيجب أن يغتنم هذا الوقت
الذي يكون فيه هذا المدد العظيم ويترتب على هذا من الفقه
أن يدعو المرء بعد صلواته وفي الأوقات التي يرجى فيها
القبول
لإخوانه المؤمنين شرقاً وغرباً ليكثر لهم المدد الذي يرجى
به النصر
القائلة النوم في الظهيرة والفعل قال يَقِيلُ
سورة الروم من الاية ٤٧ ۳ تقدم تخريجه في الحديث ١٤٤ ٤
تقدم تخريجه في الحديث ١٤٤ ٥ رواه ابن عساكر عن نمير بن
أوس مرسلاً
٩٤٥
وقد روي أن عبد الملك بن مروان خرج في بعض غزواته فسأل عن
بعض صالحي الوقت فطلب فوجده في مسجد متوجهاً يصلي فقال
أخرجوا على بركة الله سبابته في القبلة عندي خير من كذا
وكذا فارساً فلما بلغوا الحصن الذي أملوا انهدت شقة من
سُورِه ففرح الجيش فقال ليس ذلك منكم وإنما هو ببركة تلك
السبابة التي في القبلة
الوجه الثاني من البحث المتقدم فيه دليل على أن الحكم
بالغالب في ارتباط العادات لأنه قال انتظر حتى تهبّ
الأرواح وتحضر الصلاة وهذه الريح قد تكون في ذلك الوقت وقد
لا تكون لكن لما أن كان الغالب عليها أنها تأتي في ذلك
الوقت - وهو بعد الزوال - حكم لها به وانتظرتْ
إليه
الوجه الثالث أن النادر لا يعمل عليه لأنه قد يوجد الريح
في بعض الأيام في غير هذا الوقت فلم يُنط به الحكم لندارته
الوجه الرابع قوله انتظر يرد عليه سؤالان الأول أن يقال
لِمَ أتى بهذا اللفظ وعدل عن غيره من الألفاظ الثاني أن
يقال لم قال انتظر ولم يقل انتظرنا ومعلوم أن الانتظار كان
من الجيش كله
والجواب عن الأول أن قوله انتظر فيه إشعار بأنهم أخذوا
أهبة القتال واستعدوا ولم يغفلوا وهذا مثل قوله عليه
السلام لا يزال العبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة 1
ومعلوم أن المراد من كان متطهراً في المسجد ينتظر الصلاة
وأما من كان ينتظر الصلاة في بيته فلا يطلق عليه باعتبار
ما أراده الشارع عليه السلام أنه ينتظر الصلاة وكذلك هنا
سواء أتى بقوله انتظر ليبين
ما قررناه
والجواب عن الثاني أن المقصود من الجماعة رئيسهم والمعوّل
عليه فيهم فإذا انتظر الرئيس انتظر الكل فأتى بهذه الصيغة
تعظيماً للنبي وتأدباً معه كما هو الواجب
الوجه الخامس من البحث المتقدم هل يتعدى الحديث للقتال
المعنوي أم لا الظاهر تعديه إذ إن حكم المعاني عنه عليه
السلام تؤخذ كما يؤخذ عنه حكم الظاهر وقد تقدم من هذا ما
فيه كفاية للحجة بالتعدي في غير ما حديث وتعديه يحتمل
وجوهاً ويجمعها وجه واحد وهو أن أول النهار في المحسوس هو
أول بدء ظهور خلقه فكذلك الوقائع الحسية والمعنوية - أعني
من
1 أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن أبي هريرة رضي الله عنه
بلفظ لا يزال أحدكم في صلاة ما دام ينتظرها ولا تزال
الملائكة تصلي على أحدكم ما كان في المسجد تقول اللهم اغفر
له اللهم ارحمه ما لم يُحدِث وللحديث روايات أخرى بألفاظ
مختلفة
٩٤٦
التصرف والخواطر غير المستقيمة - يُبادَر عند ظهورها إلى
قتالها ومقاتلتها هي إزالتها لقوله عليه السلام في المارّ
بين يدي المصلي فليقاتله فإنما هو شيطان ومعناه فلْيدفَعه
وليُزِلْه لأن أول الوقت في وقوع المخالفة أو الغفلة يكون
الإيمان فيها أقوى من وقت التمكن فيها وأما نسبة العشيّ في
المعنوي فهو الذكر بعد الغفلة لأن الذكرَ يُحيي الإيمان
وقد قال تعالى وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي
ءَايَتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي
حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَنُ فَلَا
نَقْعد بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾
۱ والفرق بين القتالين أن الأول يكون بالدفع كما ذكرنا
والثاني بالتوبة والإقلاع والتوبة هنا هي حقيقة النصر
والذكر بعد الغفلة هي الريحُ المبشرة بالنصر
المذكور
وأما الصلاة في المعنوي فهو ما تقدم من مقتضى رحمة المولى
لإثارته ريح التذكار بعد الغفلة الموجب للتوبة - وهي حقيقة
النصر - لأن الصلاة من العباد دعاء والصلاة من الله تعالى
رحمة فمن سبقت له الرحمة ختم له بالنصر وأما الانتظار في
المعنوية فهو استصحاب دوام انكسار القلب إما لوقوع غفلة أو
لوقوع مخالفة لأن النبي الله وقال إخباراً عن ربه عزَّ
وجلَّ يقول اطلبوني عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ٢ لأن
انكسار القلب من أجل الرب من أجل الطاعات لأنه لا يدخله
رياء وهو أرجى الوسائل بمقتضى الوعد الجميل لأن معنى قوله
تعالى اطلبوني عند المنكسرة قلوبهم أي هو معهم فإذا كان
معهم فهو يلطف بهم ويوقظهم من الغفلة ويحرك لهم أسباب
التوبة ويمنّ عليهم بالنصر والغنيمة
جعلنا الله ممّن لطف به وأدخله في حفظ عنايته امين
وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 سورة الأنعام الآية ٦٨
ذكره السخاوي في المقاصد وقال ذكره الغزالي في البداية
وتعبه القاري في الأسرار المرفوعة ۷۱ بقوله ولا يخفى أن
الكلام في هذا المقام لم يبلغ الغاية قلت - أي القاري في
الأسرار - وتمامه وأنا عند المندرسة قبورهم
لأجلي ولا أصل لهما في المرفوع
٩٤٧
1101
حديث بر الوالدين وإن كانا كافرَيْن
عَن أسماء بنتِ أبي بكرٍ ١ رَضي الله عَنهُما قالت قَدِمَت
عَليَّ أُمِّي وَهِي مُشرِكَةٌ في عهد قريش إذ عاهَدوا
رَسُولَ الله الله وَمُدَّتِهِم مع أبيها فَاستَفتيتُ
رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقُلتُ يَا رَسُولَ الله
إِنَّ أُمِّي قَدِمَت عَليَّ وَهي راغِبة أفأصِلُها قالَ
نَعم صِليها
ظاهر الحديث يدل على جواز صلة الولد لأمه الكافرة والكلام
عليه من وجوه
الوجه الأول هل الحديث مقصور على الصلة للأم لا غير أو
الصلة جائزة على العموم للمشركين كلهم ظاهر صيغة الحديث
للأم لكن يؤخذ تعديه لغير الأم من غير هذا الحديث وهو قوله
عليه السلام في كل كبِدِ حَرَّى أجر
الوجه الثاني قولها قَدِمت علَيَّ أمي يرد عليه سؤالان
أحدهما أن يقال لم قالت قَدِمَت ولم تقل جاءت وما أشبهها
من الصيغ الثاني أن يُقال لم قالت عليَّ ولم تقل إليَّ إذ
إنهم لا يخصصون الألفاظ بالذكر دون غيرها إلا لمعنى مفيد
على ما تقرر
والجواب عن الأول أنها لو أتت بغيرها من الصيغ لاحتمل
اللفظ أن تريد أنها جاءت من سفر أو غيره و قدمت ليس فيه
احتمال غير القدوم من السفر لأنك إذا قلت فلان قدم أو فلان
۱ تقدمت ترجمتها في الحديث ١٠٥ رواه الإمام مسلم عن أبي
هريرة رضي الله عنه أبي هريرة رضي الله عنه وفي رواية
للشيخين في كل ذات كبد حَرّاء أجر وتمام الحديث أن رجلاً
جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني أنزع في
حوضي حتى إذا ملأته لإبلي ورد علي البعير لغيري فسقيته فهل
في ذلك من أجر فقال رسول الله في كل ذات كبد حَرّاء أجر
وفي حديث آخر بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد
بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من
العطش فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان
بلغ مني فنزل البئرَ فملأ خفّه ماء ثم أمسكه بقيه حتى رَقي
فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له قالوا يا رسول الله وإن
لنا من هذه البهائم لأجرا فقال في كل كبد رطبة أجر
٩٤٨
قدم على فلان ولم تذكر من أي موضع كان قدومه علم أنك أردت
أنه أتى من سفر ولو قلت فلان جاء أو فلان جاء إلى فلان لم
يفهم عنك ما أردت بمجيئه هل من سفر أو غيره حتى تبينه
فخصصت تلك الصيغة دون غيرها رفعاً للاحتمال
والجواب عن السؤال الثاني أن القادم من السفر لا بد وأن
يكون معه رحل فيحتاج أن يحط بموضع فأتت بقولها علي لأنه
ظرف لتبين أين كان نزول أمها حين قدومها ولو أتت بغيرها من
الصيغ لم تقم مقامها في ذلك المعنى
الوجه الثالث من البحث المتقدم قولها في عهد قريش إذ
عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه دليل على أن
المهادنة بين المسلمين والمشركين جائزة بشرط ألا يكون على
المسلمين فيه حيف ولا يعطون ٢ شيئاً لهم لأن النبي لا لا و
قد صالحهم بنص هذا الحديث ولم يصالحهم عليه السلام قط بشيء
على المسلمين فيه حيف ولا أعطاهم شيئاً قط وقد قال عليه
السلام الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ٣ فعلى هذا فإذا كثر
العدو بموضع حتى لا يقدر على قتاله فالخروج من الموضع إذ
ذاك ولا سبيل إلى الإذعان لهم لا بالمال ولا بالخدمة وقد
قال تعالى ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن
يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ٤
الوجه الرابع قولها ومدتهم تعني مدة المهادنة وإنما أتت
بذلك لتبين أن قدوم أمها عليها لم يكن حين العهد وإنما كان
في أثناء مدته احال
الوجه الخامس قولها مع أبيها يَرِد عليه سؤال وهو أن يُقال
ما فائدة ذكرها للأب والجواب عنه أنها إنما قالت ذلك لتزيل
ما يتخيل هناك من فقر أمها وحاجتها لأنها قالت في آخر
الحديث وهي راغبة والرغبة تحتمل أن تكون من المحبة وتحتمل
أن تكون طلباً للإحسان من أجل الفاقة وهذا الاحتمال الأخير
يلحق به من النقص للموصوف به ما لا يخفى فأتت بذكر أبيها
معها لتبين أنها لم تطلب هذه الرغبة التي أشرنا إليها
أخيراً وإنما أرادت الأولى لأن المرء إذا جاء مع من يكفله
فليس بفقير
الوجه السادس قولها فاستفتيت رسول الله الكلام على هذا
الفصل من وجوه
۱ كذا بزيادة الواو
كذا أيضاً برفع الفعل المعطوف على المنصوب يكون
۳ تقدم تخريجه في الحديث ۱۳
٤ سورة الأعراف من الاية ۱۸
٩٤٩
الأول التعلم والسؤال قبل العمل لأنها لم تصل أمها حتى
استفتت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته
وتعلمت وحينئذ عملت
الثاني أن الأمر إذا كان العمل به مستصحباً ثم عارضه علة
فالتوقف إذ ذاك حتى يتبين بلسان العلم هل يقع بها المنع أو
يبقى على بابه لأن الصلة للوالدين تتردد بين الواجب
والمندوب بحسب اختلاف الأحوال فلما أن عارض ذلك علة الكفر
لم تُقدِم على العمل حتى تبين لها الأمر
على لسان العلم باستفتائها النبي لالالالالالا الثالث أن
الأصل هو الدين وهو المُعَوَّل عليه مع الأقارب والأجانب
لأنه يُعلم بالضرورة أن الولد يحب والديه المحبة الكلية
لكن لم تنظر لأمها حين أقبلت عليها في شيء حتى سألت هل ذلك
لها سائغ في الدين أم لا فقدَّمت الدين على أحب الأشياء
إليها وهو المراد بقوله تعالى قُلْ إِن كَانَ ءَابَاؤُكُمْ
وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ
وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَبَجَرَةٌ
تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ
إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي
سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا ۱ فهؤلاء رضي الله عنهم ممن فهموا
هذه الآية وعملوا بمقتضاها
الرابع فيه دليل لأهل الصوفة في كونهم يؤخّرون الأعمال في
بعض الأوقات حتى يصححوا النية لأنها ۳ لم تعمل على هذه
القربة لأجل ما عارضها حتى استفتت النبي لأن تُخلص النية
بغير شبهة ولا ارتياب اتباعاً لقوله خير العمل ما تقدمته
النية ۳
الخامس لقائل أن يقول لم قالت فاستفتيتُ ولم تقل فسألتُ
كما قيل عن غيرها في غير هذا الحديث والجواب عنه أن
الاستفتاء أخص من السؤال لأنه لا يُطلق ٤ مستفتياً إلا على
من له معرفة بالحكم وبقي عليه بعض إشكال في واردٍ وَرَدَ
أو إشكال عَرَض ويُطلِقُ عليه ٤ سائلاً إذا لم يكن له
معرفة بالحكم ولا بطرف منه ولأجل هذا قال صلى الله عليه
وسلم استَفْتِ نفسَك وإن أفتاك المفتون ٥ ولا يسوغ أن يقال
سَل نفسك لأن الاستفتاء تحقيق أحد أمرين أن تعلم أيهما
أصلح بك لمعرفتك بجزئيات أمرك أكثر من غيرك ولا يفهم ذلك
من قولك سل نفسك
۱ سورة التوبة من الآية ٢٤
أي لأن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما ۳ لم نعثر
عليه بهذا اللفظ وإنما رأينا قوله عليه السلام خير العمل
ما نفع كشف الخفاء للعجلوني ٤٥٧/١ و ٤٧٤ وقوله خير العمل
أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله كنز العمال ۱۷۷۱
أما ما يتصل بالعمل والنية ففيها أحاديث أخرى بغير اللفظ
الذي أورده ابن أبي جمرة رضي الله عنه والله أعلم ٤ أي
المتكلم
ه رواه البخاري في التاريخ والإمام أحمد عن وابصة رضي الله
عنه
90
الوجه السابع قولها يا رسول الله إن أمي قَدِمَت عليّ وهي
راغبة أفأصلُها الرغبة قد تقدم الكلام على معناها وهي على
ضربين وقد بيناها والصلة أيضا قد ذكرناها وهي على ضربين
وهي هنا من القسم المندوب
الوجه الثامن قولها قال نَعَم صليها فيه دليل على أن النبي
و له أن يحكم باجتهاده وبما ا ا ا ا يرى من رأيه لأنه عليه
السلام أمرها بالصلة لأمها من غير أن ينزل عليه وحي فيها
أعني الوحي بالواسطة وأما وحي الإلهام فكل كلامه عليه
السلام وتصرفه منه تعالى لقوله ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ
الهوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى 1
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 سورة النجم الآيتان ٣ و ٤
11091
حديث رحمة الله تعالى لعباده
عَن أبي هُرَيْرَةَ رضيَ الله عَنهُ قالَ قال رَسولُ الله
صلى الله عليه وسلم لما قضى الله عزَّ وجَلَّ الخَلْقَ
كَتبَ في كِتابِ فَهوَ عِندهُ فَوقَ العَرشِ إِنَّ
رَحْمَتِي سَبَقَت غَضَبي
ظاهر الحديث يدل على أن رحمة الله تعالى لعباده أكثر من
غضبه والكلام عليه من وجوه الوجه الأول قوله الله لما قضى
الله عزّ وجلّ الخلق قضى بمعنى خلق ومنه قوله تعالى
فَقَضَهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ۱ أي خلقهن الوجه الثاني
قوله عليه السلام كتب بمعنى أوجب ومنه قوله تعالى ﴿كَتَبَ
رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ أي أوجبها وهذا
الوجوب من الله تعالى وجوب تفضّل وامتنان لا وجوب حق عليه
محتوم لأن الوجوب في حقه تعالى مستحيل
الوجه الثالث قوله عليه السلام في كتاب هذا هو الذي يحمل
على ظاهره ويجب الإيمان به كما ورد الخبر وهو أن ثَمَّ
كَتْباً محسوساً في كتاب محسوس لكن بقي احتمال في الكتاب
هل فيه غير ما ذكر في الحديث ويكون ما ذكر من جملة الكتب
الذي فيه أو ليس فيه غير
ما ذكر وهو إيجاب غلبة الرحمة على الغضب احتمل المعنيين
معاً والقدرة صالحة لكليهما الوجه الرابع قوله عليه السلام
فهو عنده إنما أضاف عليه السلام الكتاب إلى الله تعالى
لعدم المشاركين له من المخلوقات في حفظه هناك بخلاف ما جرت
الحكمة في غيره من الأماكن مثل السماواتِ والأرض لأن ما في
السماوات والأرض وما بينهما وما فوقهما وما فوق العرش يضاف
إليه عزّ وجلّ حقيقةً لكن لما أن جعل عزّ وجلّ حفظ ما في
السماوات
٩٥٢
۱ سورة فُصِّلَت من الآية ۱ سورة الأنعام من الآية ٥٤
والأرض على أيدي من شاء من خلقه بمقتضى حكمته لم يضف ما في
تلك المواضع إليه وأضافها إليهم بمقتضى الحكمة ولما لم يكن
هناك مشارك في الحفظ بمقتضى الحكمة - أعني فوق العرش -
أضافه إلى نفسه ومثله قوله تعالى لِمَنِ الْمُلْكُ
الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ ١ والمُلك له
عزّ وجلّ في دار الدنيا لكن أجرى الحكمة بأن جعل له في
الدنيا نُوّاباً وأجرى الحكمة على أيديهم فأضافها إليهم
ولما لم يجعل في دار الآخرة خليفةٌ في المُلك ولا نائباً
أضاف المُلكَ إليه عزّ وجلّ فقال لله الواحد القهّارِ
الوجه الخامس قوله عليه السلام فوق العرش فيه دليل على أن
فوق العرش ما شاء الله
تعالى بمقتضى حكمته من أمره ونهيه مما يشبه هذا أو غيره
وقد يرد على هذا الفصل سؤال وهو أن يُقال لم كان الكتاب
فوق العرش ولم يكن في
السماوات
والجواب أن العرش قد جرت الحكمة بأنه يبقى على حاله لا
يتغير ولا يتبدل بحسب الأخبار الواردة في ذلك والسماوات
والأرض تتغيّر وتتبدل فخصَّ بأن كان هناك لأجل هذا المعنى
فإن قال قائل لِمَ لم يكن في الجنان إذ إن الجنان لا تتغير
ولا تتبدل قيل له إنما جعل الجنان للجزاء والنعيم والأمر
والنهي ليس هناك وقد شاءت الحكمة بأن الأحكام والشرائع
والأمر والنهي تختص بالعرش ومنه منبع ذلك كله
وفي هذا دليل على أن الله عزّ وجلّ منزّه عن الحلول على
العرش لأنه قد جرت الحكمة أن يكون العرش ظرفاً لما شاء عزّ
وجلّ من أمره ونهيه وحكمته بمقتضى هذا الحديث في قوله عن
الكتاب فهو عنده فوق العرش وقد مرّ الكلام عليه فعلى مقتضى
هذا الحديث فيكون معنى قوله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى
الْعَرْشِ اسْتَوَى ۳ أي استوى أمره ونهيه وما شاء من
حكمته ومثله
قوله تعالى ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ ۳ أي جاء أمرُ
ربك وهذا مستعمل في ألسنة العرب كثيراً ومما يزيد هذا
بياناً وإيضاحاً - أعني تنزيه الذات الجليلة عن الحلول
والاستقرار - قوله عليه السلام لا تُفضّلوني على يونس بن
متى ٤ والفضيلة قد وجدت بينهما في عالم الحس لأنه عليه
السلام رفع حتى رقي السبع الطباق ويونس عليه السلام ابتلعه
الحوت في قعر البحار
۱ سورة غافر من الآية ١٦ سورة طه الاية ٥ ۳ سورة الفجر من
الآية
٤ متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنه بلفظ لا ينبغي
لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى
٩٥٣
فالفضيلة موجودة مرئية في هذا العالم الحسي ولم يكن عليه
السلام لينفي شيئاً موجوداً حساً ولا يقول إلا حقاً فلم
يبق معنى لقوله عليه السلام لا تفضلوني على يونس إلا
بالنسبة إلى القرب من الله سبحانه فمحمد عليه السلام فوق
السبع الطباق ويونس عليه السلام في قعر البحار وهما
بالنسبة إلى القرب من الله سبحانه على حد سواء ولو كان عزّ
وجلّ مقيداً بالمكان أو الزمان لكان النبي لا أقرب إليه
فثبت بهذا نفي الاستقرار والجهة في حقه جلّ جلاله
الوجه السادس قوله عزّ وجلّ إن رحمتي غلبت غضبي غلبت بمعنى
أكثر أي بما حكمت بذلك لعبادي بأن أكثرتُ لهم النصيب من
رحمتي على النصيب من غضبي لكن هذا يحتاج فيه إلى كلام
وبيان لأنا قد وجدنا مقتضى هذا الكتاب موجوداً حساً في
الدنيا لأن الرحمة قد عَمَّت الخلق بأجمعهم فيولد الكافر
وأبواه يشركان بالله ويعبدان الأوثان وهو يكبر على الطغيان
والضلال وهو عزّ وجلّ يغذيه بألطافه وييسر له ما يحتاج
إليه من ضروراته وكذلك غيره من العصاة هذا مشاهد مرئيّ لا
يحتاج فيه إلى بيان والقليل النادر مَنْ عومل بصفة الغضب
لكن الآخرة قد وردت الأخبار فيها بضد هذا
فمنها قوله عليه السلام يقول الله عزّ وجلّ لآدم يوم
القيامة أخرِج بَعْثَ النار من بَنِيكَ فيقول يا ربّ ما
بَعْثُ النار فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعةً وتسعين ۱ فشق
ذلك على الصحابة رضوان الله عليهم فقال لهم رسول الله منكم
رجل ومن يأجوج ألف وإنكم فيمن تقدم من الأمم كالشامة
البيضاء في جنب البعير الأسود إلى غير ذلك من الأحاديث
التي جاءت في هذا المعنى فكان الغضب في الاخرة على مقتضى
هذا الظاهر أكثر من الرحمة وذلك مخالف النص الحديث
والجواب عن هذا الإشكال أنه عليه السلام لم يقل لما قضى
الله خلق بني آدم وإنما قال لما قضى الله الخلق فعَمَّ ولم
يخصص وبنو ادم في مخلوقات الله تعالى البعض من الكل وقد
قال عليه السلام إن في هذه الدار من مخلوقات الله تعالى
ألفَ عالم أربعمائة في البر
۱ رواه الإمام أحمد وعبد ابن حميد والبخاري ومسلم عن أبي
سعيد الخدري رضي الله عنه ولفظه يقول الله تبارك وتعالى يا
آدم فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك فيقول أخرج بَعثَ
النار قال وما بَعث النار قال من كل ألف تسعمائة وتسعة
وتسعين فعنده يشيب الصغير وتضع كل ذات حَملٍ حَملَها وترى
الناس سكاري و ما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد قالوا يا
رسول الله وأين ذاك الواحد قال أبشروا فإن منكم رجلا ومن
يأجوج ومأجوج الف والذي نفسي بيده أرجو أن تكونوا ربع أهل
الجنة أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة أرجو أن تكونوا نصف
أهل الجنة ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد
ثور أبيض أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود أو كالرقمة في
ذراع الحمار
٩٥٤
وستمائة في البحر ۱ هذا ما هو في هذه الأرض فكم في
الأرضِينَ الأُخر وكم في السماوات من الملائكة وكم تحت
العرش وكل هذه المخلوقات تُحشَر يوم القيامة حتى يقتص الله
عزّ وجلّ ممن شاء لمن شاء كيف شاء ثم يقول عزّ وجلّ لما
عدا الثقلين والملائكة كونوا تراباً فعند ذلك وَيَقُولُ
الْكَافِرُ عَلَيْنَنِي كُنتُ تُرَابًا ۳ لأن النجاة من
عذاب الله رحمة وقد جاءت الأخبار والآثار أن النار لا
يدخلها غير الثقلين ولا يدخلها من الثقلين إلا الكفار
منهما والعصاة فالعصاة لا يخلدون ويخرجون منها بعد القصاص
أو بالشفاعة ويصيرون إلى النعيم الأكبر ولا يبقى فيها
مخلّداً إلا الكفار وهم أقل المخلوقات عدداً فتبقى الرحمة
أعمّ وهي في تلك الدار أعم وأشمل منها في هذه الدار وقد
قال عليه السلام إن الله تعالى جعل الرحمة فأخرج منها لهذه
الدار واحدة بها يتراحم الخلق حتى الفرس ترفع حافرها عن
ولدها خشية أن يصيبه وادَّخر للآخرة تسعة وتسعين ٤ فصح
كثرتها بالنظر كما ذكرنا وبالإخبار والله
مائة جزء
المستعان
وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ تقدم الكلام عليه في الحديث ۳
الثقلان الجن والإنس وفي التنزيل العزيز سَنَفْرُعُ لَكُمْ
أَيُّهُ الثَّقَلَانِ وتأتي بمعنى الشيء النفيس الخطير
وقد جاء في الحديث إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و
عترتي
۳ سورة النبأ من الاية ٤٠
٤ متفق عليه
٩٥٥
<-1
حديث الإسراء والمعراج بنبيّنا ليه
الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم بينا أنا عند
البيت بين
عن مالك ك بنِ صعصعة ١ ـة ١ رضي النائم واليقظان وذكر بين
الرّجلَين فأُتِيتُ بطَسْتِ من ذَهَبٍ مُلِئَءَ حكمةً
وإيماناً فشقّ من النحر إلى مراقٌ ۳ البطن ثم غُسِل البطنُ
بماء زمزمَ ثم مُلى حكمةً وإيماناً وأُتيتُ بدابة أبيض ٤
دون البغل وفوق الحمار البراق
فانطلقتُ مع جبريلَ مع جبريل حتى أتينا السماء الدنيا قيلَ
من هذا قال جبريلُ قيلَ مَن معك قال محمد قيل أوقد أُرسِلَ
إليه قال قيل مرحباً به وَلَنِعْمَ المجيء جاء فأتيت على
آدمَ فسلَّمتُ عليه فَقالَ مَرحباً بِكَ مِن ابنِ
وَنَبِيِّ فأتينا السَّماءَ الثانيةِ قيلَ مَن هَذا قالَ
جبريل قيلَ مَن معكَ قالَ مُحمّد قيلَ أَوَقَد أُرسِلَ
إِلَيْهِ َقالَ نعم قيل مرحباً بهِ ولَنِعْمَ المجيءُ جاءَ
فأتيتُ على عيسى ويحيى فَقالا مَرحباً بِكَ مِن أخ ونبي
فأتينا السَّماءَ الثالثة قيلَ مَن هذا قال جبريل قيلَ مَن
مَعك قالَ مُحمّد قيلَ أَوَقَد أُرسِلَ إِلَيهِ قالَ نَعم
قيلَ مَرحباً بهِ ولَنِعْمَ المجيءُ
فَسلَّمتُ عليهما
جاءَ فأتيتُ على يوسُفَ فَسَلَّمتُ عليهِ فقال مرحباً بِكَ
مِن أخِ وَنبِيٍّ فأَتَيْنا السَّماءَ الرابعة قيل مَن هذا
قيل جِبريلُ قال مَن مَعَكَ قال محمد
مالك بن صعصعة هو الأنصاري الخزرجي الصحابي المدني روي له
خمسة أحاديث اتفق الشيخان فيها على حديث الإسراء والمعراج
وأنس بن مالك رضي الله عنه حدّث الصحابة عن مالك بن صعصعة
بهذا الحديث وهو من قومه وسكن مالك المدينة من الإصابة
والاستيعاب وتهذيب النووي أي ذكر الراوي أن النبي لو كان
بين الرجلين وهما حمزة عمه وجعفر ابن عمه أبي طالب فإنه
كان نائماً بينهما وهذا يسمّى في مصطلح الحديث إدراج
۳ مراق البطن ما رَق منه ولان جمع مَرَق أو لا واحد لها
٤ كذا بالتذكير لأن الدّابة تذكر وتؤنث
90
قيل أوقد أرسل إليه قال نَعَمْ قيل مَرْحباً بهِ ولَنِعْمَ
المجيءُ جاءَ فأتيتُ على إدريس
فسلمت عليه فقال مرحباً بكَ مِن أخ ونبي
فأتينا السَّماءَ الخامسة قيلَ مَن هذا قالَ جبريل قيلَ
ومَن مَعك َقالَ مُحمّد قيلَ أَوَقَد أُرسِلَ إِلَيْهِ
قَالَ نَعم قيلَ مَرحباً بهِ ولَنِعْمَ المجيءُ جاءَ
فأتيتُ على هارونَ فَسَلَّمتُ عليهِ فقال مرحباً بِكَ مِن
أخ ونبي فأتينا السَّماءَ السادسة قيلَ مَن هذا قالَ
جبريلُ قِيلَ مَن مَعك قالَ مُحمّد قيلَ َأوَقَد أُرسِلَ
إِلَيهِ قالَ نَعم قيلَ مَرحباً بهِ ولَنِعْمَ المجيء جاءَ
فأتيتُ على موسى فَسلَّمتُ عليهِ فقال مرحباً بكَ مِن أخ
ونبي فلمّا جاوزتُه بكى فقيل ما أبكاك قال يا ربِّ هذا
الغلامُ الذي بُعِث بعدي يَدخُلُ الجنةَ من أمته أفضلُ ما
يَدخُل من أمتي فأتينا السَّماءَ السابعة قيلَ مَن هذا
قالَ جبريلُ قيلَ مَن مَعك قالَ مُحمّد قيلَ َأوَقَد
أُرسِلَ إِلَيهِ َقالَ نَعم قيلَ مَرحباً بهِ َولَنِعْمَ
المجيء جاءَ فأتيتُ على إبراهيم فَسلَّمتُ عليهِ فقال
مرحباً بِكَ مِن ابنِ وَنبِيٍّ
فرُفع إليَّ البيتُ المعمور فسألتُ جبريلَ فقال هذا البيت
المعمور يُصلّي فيه كلَّ يوم سبعون ألفَ مَلَكِ إذا خرجوا
لم يعودوا آخر ما عليهم ورُفعت إليَّ سِدْرَةُ المُنْتَهَى
فإذا نَبْقُها ۱ كأنه قِلالُ هَجَرِ ۳ ورقها كآذان الفيلة
في أصلها أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران فسألت
جبريل فقال أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران
فالفرات والنيل
ثم فُرضت عليَّ خمسون صلاة فأقبلتُ حتى جئتُ إلى موسى فقال
ما صَنَعتَ قلت فُرضتْ عليَّ خمسون صلاة قال أنا أعلمُ
بالناس منك عالجت بني إسرائيل أشدَّ المعالجة وإنّ أُمَّتك
لا تطيق فارجع إلى ربك فاسأله التخفيفَ فرجعتُ فسألته
فجعلها أربعين ثم مثله فجعلها ثلاثين ثم مثله فجعلها عشرين
ثم مثله فجعلها عشراً فأتيت موسى فقال مثله فجعلها خمساً
فأتيتُ موسى فقال ما صنعت قلت جَعَلها
1 النبق شجرة السدر القلال ج قلة إناء من فخار يشرب منه
۳ هَجَر هي المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية
وتسمى اليوم الأحساء
٩٥٧
خمساً فقال مثله فقلت سلَّمتُ فنودِي إنّي قد أمضيتُ
فريضتي وخففتُ عبادي وأجزي الحسنةَ عشراً
**
عن
ظاهر الحديث يدل على الإسراء بذات محمد المباركة وفرض
الصلاة بغير واسطة والكلام
عليه من وجوه
الوجه الأول قوله عليه السلام بينا أنا عند البيت بين
النائم واليقظان فيه دليل على جواز النوم في الحرم لكن هل
ذلك جائز مطلقاً أو لا يكون إلا لعلة الظاهر أنه لعلة لأنه
يعارضه قوله عليه السلام إنما المساجد لما بنيت له ۱
والعلة في نومه عليه السلام في الحرم ظاهرة
من وجوه
فمنها أن البيت قل أن يخلو من الطائف به فقد يكون عليه
السلام أتى إلى الحرم فوجد
الناس يطوفون فقعد ينتظر فراغ الناس ثم يدخل في الطواف
فغلبته عيناه فمنها أن يكون عليه السلام قعد يشاهد البيت
لأن مشاهدته من المرغب فيها والمندوب
إليها
ومنها أن يكون عليه السلام قد طاف وتعب من الطواف فقعد
قليلا يستريح من التعب المتقدم ولكي تجم ۳ النفس إلى عبادة
أخرى وإذا كان النوم بهذه النية فهو طاعة والطاعات سائغ
إيقاعها في الحرم يشهد لما قلناه من أن النوم يكون طاعة
إذا صحبته تلك النية مثل قصة معاذ وأبي موسى رضي الله
عنهما حيث سأل أحدهما الآخر عن قراءة القرآن فقال المسؤول
أقرأه قائماً وقاعداً ومضطجعاً وأفوقه تفويقاً ۳ ولا أنام
وقال الآخر أما أنا فأقوم وأنام وأحتسب ٤ نَوْمَتي كما
أحتسب قَوْمَتي فلم يسلّم أحدهما للآخر فترافعا إلى النبي
صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام للذي كان يفوقه
تفويقاً هو أفقه منك يعني الذي كان يحتَسِب نومه كقيامه
وهذا نص في أن النوم إذا كان بالنية التي ذكرنا فهو طاعة
والطاعة سائغة هناك ومن هذا الباب أجاز العلماء نـ المعتكف
في المسجد لأنه غلبة وعون على الطاعة ومنعوه للغير ولهم
حجة فيما نحن بسبيله
على ما ذهبوا إليه
نوم
۱ رواه مسلم عن بريدة رضي الله عنه أن رجلاً نَشَدَ في
المسجد فقال من دعا إلى الجمل الأحمر فقال رسول الله لا
وجدت إنما المساجد لما بنيت له
نجم النفس تجتمع وتتهيا
۳ أُفَوقه وأتفوَّقه أي لا أقرأ جزئي بمَرَّة ولكني أقرأ
منه شيئاً بعد شيء في آناء الليل والنهار وهو من فواق
الناقة وتعني الزمن بين الحَلَبَتين لأنها تحلب ثم تترك
سُوَيعة يرضعها الفصيل لتدرّ ثم تُحلب ٤ أحتسب أدَّخر
الأجر عند الله
۹۰۸
اللغة نائماً
الوجه الثاني فيه دليل على تحرّي النبي للصدق في المقال
وأنه لا يترك الحقيقة ويرجع إلى المجاز إلا لأمر لا بدّ
منه في الكلام لأنه من كان بين النائم واليقظان يسوغ أن أن
يُطلق عليه في ويسوغ أن يُطلق عليه يقظان ۱ لكن ذلك على
المجاز ولو قال يقظاناً لكان نطق بالحقيقة أو قاربها لأنه
عليه السلام قلبه في نومه كما هو في يقظته يشهد لذلك قوله
عليه السلام تنام عيناي ولا ينام قلبي فلم يبق نومه عليه
السلام إلا في الجوارح الظاهرة ثم الجوارح في هذه المدة لم
يكن النوم قد تسلّط عليها والظاهر كان كالمتيقظ والباطن
متيقظ في
كل حال لكن عدل عليه السلام عن ذكر اليقظة ليبين الأمر على
ما كان عليه دفعاً للمجاز الوجه الثالث قوله وذكر بين
الرجلين يريد أنه كان مضطجعاً بين رجلين وفي هذا دليل على
تواضعه عليه السلام وحسن خُلُقه إذ إنه في الفضل حيث هو
ولكنه كان يضطجع مع الناس ويقعد معهم ولم يجعل لنفسه
المكرمة مزيّة عليهم الوجه الرابع فيه دليل على جواز النوم
جماعة في موضع واحد لكن يشترط في ذلك أن يكون لكل واحد
منهم ما يستر به جسده عن صاحبه الوجه الخامس قوله عليه
السلام فأُتيتُ بطَسْت من ذهب مُلِى حكمة وإيماناً الطست
هو إناء يعمل في الغالب من نحاس وهو مبسوط القاع معطوف
الأطراف إلى ظاهره يتخذه الناس لغسل أيديهم في الغالب
غيره
الوجه السادس فيه دليل على فضيلة هذا الإناء إذ إنه أتي به
النبي الله وخُصص به دون
الوجه السابع لقائل أن يقول لم أتي له عليه السلام بالطست
من ذهب والذهب في
شريعته عليه السلام محرَّم
والجواب أن تحريم الذهب إنما هو لأجل الاستمتاع به في هذه
الدار وأما في الآخرة فهو للمؤمنين خالصاً لقوله عليه
السلام هو لهم في الدنيا وهو لنا في الآخرة ۳ ثم إن
الاستمتاع بهذا الطست لم يحصل منه عليه السلام وإنما كان
غيره هو الجالب له والمتناول لما كان فيه
1 كذا بالتنوين وهو جائز على لغة بعض العرب رواه مسلم عن
عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله أتوتر قبل أن
تنام قال إن عيني تنامان ولا ينام
قلبي
۳ قطعة من حديث رواه الشيخان عن حذيفة بن اليمان رضي الله
عنه ولفظه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تشربوا في
إناء الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في
الدنيا ولكم في الآخرة
۹۵۹
حتى وضعه في القلب المبارك فسَوَقان الطَّسْت من هناك
وكونه كان من ذهب دال على ترفيع
عليه
المقام فانتفى التعارض بدليل ما قررناه الوجه الثامن فيه
دليل على أن الإيمان والحكمة جواهر محسوسات لا معان لأنه
السلام قال عن الطست أنه أُتِيَ به مملوءاً حكمة وإيماناً
ولا يقع الخطاب إلا على ما يفهم ويعرف والمعاني ليس لها
أجسام حتى تملأ الإناء وإنما يمتلىء الإناء بالأجسام
والجواهر وهذا نص من الشارع عليه السلام بخلاف ما ذهب إليه
المتكلمون في قولهم بأن الإيمان والحكمة أعراض
والجمع بين الحديث وما ذهبوا إليه هو أن حقيقة أعيان
المخلوقات التي ليس للحواس إليها إدراك ولا من النبوة بها
إخبار أن الإخبار عن حقيقتها غير حقيقة وإنما هو غلبة ظن
لأن للعقل بإجماع أهل العقل المؤيَّدين بالتوفيق حداً يقف
عنده ولا يتسلط فيما عدا ذلك ولا يقدر أن يصل إليه فهذا
وما أشبهه منها لأنهم تكلموا على ما ظهر لهم من الأعراض
الصادرة عن هذه الجواهر التي ذكرها الشارع عليه السلام في
الحديث ولم يكن للعقل قدرة أن يصل إلى هذه الحقيقة التي
أخبر بها عليه السلام فيكون الجمع بينهما أن يقال ما قاله
المتكلمون حق لأنه الصادر عن الجوهر وهو الذي يدرك بالعقل
والحقيقة هي ما ذكره عليه السلام في الحديث
ولهذا نظائر كثيرة بين المتكلمين واثار النبوة ويقع الجمع
بينهما على الأسلوب الذي قررناه وما أشبهه وقد نشير لشيء
من ذلك ليتنبه لما عداه فمثل ذلك الموت كيف أخبر عليه
السلام في الحديث أنه يُؤتَى به يوم القيامة كبشاً أملح
فيذبح بين الجنة والنار بعدما يعرض لأهل تلك الدارين
فيعرفونه ومثل ذلك أيضاً الأذكار والتلاوة لأن ما ظهر منها
هنا معان وتوجد يوم القيامة جواهر محسوسات لأنها توزن في
الميزان ولا يوزن في الميزان إلا الجواهر
الوجه التاسع فيه دليل لأهل الصوفة وأصحاب المقامات
والتحقيق لأنهم يقولون إنهم يرون قلوبهم وقلوبَ إخوانهم
وإيمانهم وإيمان إخوانهم بأعين بصائرهم جواهر محسوسات
فمنهم من يعاين إيمانه مثل المصباح ومنهم من يعاينه مثل
الشمعة ومنهم من يعاينه مثل المشعل وهو أقواها ويقولون
بأنه لا يكون المحقق محققاً حتى يعاين باطن قلبه بعين
بصيرته كما يعاين كفَّه بعينِ بصره فيعرف الزيادة فيه من
النقصان وكذلك أيضاً يقولون في الحكمة بأنهم يعاينونها
بأعين بصائرهم تتنابع من جوانب أفئدتهم كما تتنابع عيون
الماء على اختلافها فبعضها ينبع نبعاً يسيراً وبعضها ينبع
نبعاً كثيراً
1 كبش أملح خلط بياض جلده سواد
9
فمن قوي منهم إيمانه وكثرت حكمته لا يطيق السكوت لأنه
يتنعم بذكر تلك الحكم كما يتنعم صاحب الغذاء بحسن الغذاء
وربما إذا اشتد عليهم الحال ومنعوا من الكلام كان ذلك
سبباً لموتهم حتى لقد حكي عن بعضهم أنه كان إذا جاءه الحال
وهو في مجلس شيخه لا يطيق السكوت فيغلب عليه الحال فيتكلم
فكلمه شيخه في ذلك وأمره بالسكوت فلما أن ورد عليه الحال
بعد ذلك التزم السكوت انصياعاً لأمر الشيخ به فتحمل ذلك
فمات من حينه يؤيد ما قررناه عنهم أولاً ويوضحه قوله عزّ
وجلّ مَثَلُ نُورِهِ كَيَشكُو فِيهَا مِصْبَاحُ
الْمِصْبَاحُ فِي ـاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَتَهَا كَوْكَبٌ
دُرِّيٌّ ۱ نقل صاحب التحصيل في مختصره عن العلماء أنهم
قالوا إن الضمير عائد على المؤمن تقديره مثل نور المؤمن
كمشكاة والمشكاة هي الحديدة التي في وسط القنديل الذي يوضع
فيه الفتيل فقالوا المشكاة مثل لصدر المؤمن والزجاجة قلبه
والمصباح إيمانه
ونقل أيضاً عن العلماء في معنى قوله تعالى ﴿ يُعَلِّمُونَ
النَّاسَ السّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ
بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ
أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا
تَكْفُر ۳ أن الذين يعلمون الناس السحر ببابل إذا أتاهم من
يريد تعلّم سحرهم يقولون له إنما نحن فتنة فلا تكفر فإن
أبى إلا أن يتعلم قالا له انتِ هذا الرَّمادَ فَبُلْ فيه
فإذا بال في ذلك الرماد خرج منه نور يسطع إلى السماء وهو
الإيمان وخرج من الرماد دخان أسود يدخل في أذنيه وهو الكفر
فإذا أخبرهما بما رآه عَلَّماه
فهذه الآي بظواهرها ومعانيها مع نص الحديث الذي نحن بسبيله
حجة لأهل التحقيق والمكاشفات فيما نقلناه عنهم وقد حُكي عن
بعض الفضلاء منهم رحمه الله في حكاية يطول كتبها هنا أنه
قدر عليه بأن يتنصر ثم عاد بعد ذلك إلى الإسلام وحَسُن
حاله أكثر مما كان أولاً فكان يقول إنه رأى أولاً قبل كفره
طائراً أخضر قد خرج من فمه فمنذ خرج منه لم يلتفت إلى
الإيمان ولم يرجع إليه وكان إذا ذُكِّر بالإسلام ووُعِظ
يقول أعلمُ كل ذلك ولم يجد سبيلاً إلى الرجوع فلما أن
تلافاه الله تعالى بعفوه وإفضاله فإذا بالطائر الأخضر قد
أتاه فدخل في حلقه فإذا هو قد رجع إليه الإيمان وانشرح
صدره بالحكمة واتسع
۱ سورة النور من الآية ٣٥
صاحب التحصيل هو أحمد بن عمار المهدوي المغربي المتوفى بعد
سنة ٤٠٠ هـ و التحصيل كتاب في التفسير مختصر من كتاب
التفصيل الجامع لعلوم التنزيل في التفسير من كتاب كشف
الظنون ص ٤٢٦ وإنباه الرواة
٩٦١
۹۱/۱
۳ سورة البقرة من الآية ۱۰
يؤيد ما قالوه وما شاهدوه قوله عليه السلام من أخلص الله
أربعين صباحاً ظهرت ينابيع
الحكمة من قلبه على لسانه ۱ وهم قد عاينوا ينابيع الحكمة
كيف هي على ما نقلناه عنهم وعاينوا حقيقة الإيمان كما
وصفنا رزقنا الله من الهدى والنور ما رزقهم وألحقنا في
الدنيا والآخرة بهم
بمنّه إنه ولي كريم هذا ما تضمنه اعتقاد أهل التحقيق وما
تضمنته أحوالهم وأما أئمتنا في الفقه فظاهر مذهب الشافعي
رحمه الله موافق لأهل الكلام لأن أصحابه ينقلون عنه أن
الإيمان يزيد موافقة لما ذكر الله عزّ وجلّ في كتابه
ويقولون بأن النقص لا يمكن فيه لأنه على زعمهم عَرَض
والنقص في العَرَض ذهابه وأما أبو حنيفة رحمه الله فيقول
بأنه لا يزيد ولا ينقص وظاهر مذهب مالك رحمه الله موافق
لأهل الحقيقة فيما قررناه عنهم لأن أصحابه ينقلون عنه أن
الإيمان عنده يزيد
وينقص وقد مثله بعض أصحابه بماء العين يزيد مرة وينقص أخرى
ولم يعدم الماء من العين وهذا هو الحق الذي لا خفاء فيه
بدليل ما قررناه من الآي والأحاديث وما شهده أهل التحقيق
عياناً ولأنه عليه السلام قد قال لا يزني الزاني حين يزني
وهو مؤمن الحديث بكماله وجاء من طريق آخر قال فيه إن
الإيمان يخرج منه حين الفعل فيبقى على رأسه كالظُّلَّةِ ۳
ولو كان عَرَضاً لم يتَأَتَ أن يقوم بنفسه حتى إنه يبقى
كالظلة على رأسه
هذا ما تضمنه البحث في حقيقة الإيمان ما هو على طريقة أهل
الفقه وأهل التحقيق مع أنه ليس أحد الوجهين - أعني هل يكون
الإيمان جوهراً أو عَرَضاً - بالنسبة إلى القدرة من طريق
المستحيل ولهذا كان الصحابة والسلف والصدر الأول رضوان
الله عليهم لم يتكلموا في هذا ولا أمثاله لأن المقصود منا
الذي لأجله أنزلت علينا الكتب وأرسلت إلينا الأنبياء
والرسل عليهم الصلاة والسلام إنما هو التصديق الخالص
والعمل الصالح والشغل بهذين الأمرين أولى بل هو الواجب
ويجب الإضراب عن الشغل بغيرهما لأن الاشتغال بغيرهما شغل
عنهما وذلك سبب الترك ما أريد منا
لكن لما أن تشاغل قوم بالأخذ في هذا وأشباهه وأطلقوا أن
الأمر كما ظهر لهم من علم العقل - على زعمهم - حتى صار
الأمر عندهم أن من لم يعتقد مثل اعتقادهم منسوب إلى
المذاهب
۱ رواه أبو نعيم في الحلية بإسناد ضعيف
متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه وللحديث عدة روايات
بطرق مختلفة ومعان متشابهة
۳ رواه الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ من زنى أو
شرب الخمر نزع الله منه الإيمان كما يخلع القميص
من رأسه
٩٦٢
الفاسدة فاحتجنا لأجل هذه العلة أن نبين مذهب أهل التحقيق
والتوفيق ومذهب الصحابة والسلف رضوان الله عليهم بنص
الكتاب والسنة كما ذكرناه قبل لكي يتبين بذلك الحق من
الباطل والضعيف من القوي
فإن اعترض معترض لتخصيص لفظ الحديث من طريق علم العقل فقد
سقط بحثه فلا يُعَباً به لأنه قد قدمنا في الأحاديث
المتقدمة قول فقهاء الدين وأئمته أن عموم القرآن يُخصَّص
بالقرآن واختلفوا هل يُخصص عموم القرآن بالسنة المتواترة
أم لا على قولين ولم يختلفوا أن القرآن لا يخصص بأخبار
الآحاد وكذلك اتفقوا على أن عموم الحديث يُخصَّص بالحديث
واختلفوا هل يخصَّص بإجماع جلّ الصحابة أم لا على قولين
ولأجل ذلك اختلف مالك والشافعي رحمهما الله في عمل أهل
المدينة إذا وجد الحديث بخلافه فقال مالك رحمه الله أهل
المدينة أهل دار الهجرة ومجمع جلّ الصحابة العارفين بأحكام
الله وسنة نبيه عليه السلام ولم يتركوا العمل بحديث إلا
وقد صح عندهم نسخه ولم يبلغنا نحن ذلك وأبى الشافعي رحمه
الله ذلك وأخد بمقتضى الحديث وأما تخصيص لفظ الحديث بنظر
غير الصحابة ورأيه فلا يجوز بالإجماع لأن الحكم لقول
الشارع عليه السلام لا لغيره
لكن قد يسوع الجمع بين ما ذهب إليه المتكلمون وبين ما ذهب
إليه أهل التحقيق بمعنى لطيف وهو أنه لما نظر أهل العقل
إلى الآي والأحاديث بنفس الدعوى وحصروا قدرة القادر بمقتضى
دليل عقلهم جاء لأجل هذه الدعوى في عين البصيرة ضعف فلم
يروا شيئاً فرجعوا إلى مقتضى ما دل عليه عقلهم فقالوا
الإيمان عَرَض وغطى عليهم إذ ذاك مفهوم ما احتوى قوله عليه
السلام إيمان المؤمن نور يتوقد في صدره ولما نظر أهل
التحقيق بخالص الصدق والتصديق وتعظيم القدرة وإجلال القادر
رأوا النور فقالوا الإيمان نور والتصديق عَرَض فزادهم
إيماناً وقالوا حَسْبُنا الله ونِعْمَ الوكيل يؤيد هذا
ويوضحه - أعني ما ذكرناه من الجمع بين المذهبين - ما حكي
عن بعض الفضلاء من أئمة التحقيق أنه كشف له عن شيء من آثار
القدرة فنظر إليها عياناً فأدركه الخجل لعظم ما رأى في
التذلل والاعتذار لكونه يرى أن ليست نفسه لذلك أهلاً فخوطب
بأن قيل له عملت على الحق فأُرِيتَ الحقيقة وعملوا على
التأويل فعوملوا بحسب ما عملوا وعند الله تجتمع الخصوم
ولأن الحقيقة في الأمور كلها لقول الشارع عليه السلام وقول
غيره في ذلك ردّ وليس الأمور بمجرد العقل لا بالحاضرة منها
ولا بالغائبة ومن ادعى ذلك فهو منه
فأخذ
يمكن أخذ جميع
٩٦٣
جهل لأنه لو كان ذلك كذلك لكان فيه مشاركة للربوبية وهو
باطل لأنه لا ينفرد بالغيوب إلا
علامها وبذلك تصح الوحدانية فقلد أيها السامع أي الطرق
شئتَ فقد أوضحتُ لك الطرق والله يرشدنا وإياك بمنه تنبيه
لقائل أن يقول لِمَ رأى عليه السلام مزيد الإيمان ولم يرَ
الإيمان الذي كان عنده أولاً لأن الأنبياء والرسل عليهم
السلام أقوى إيماناً من جميع المؤمنين والجواب عنه أن نفس
رؤية المزيد فيها من الحكمة وجوه فمنها رؤية حقيقة الإيمان
والحكمة جواهر حتى يتحققها على ما هي عليه وهذه مزية له
عليه السلام خُص بها ومنها أن المعاينة لذلك بشارة برفع
المنزلة ومنها أن بنفس الرؤية لذلك يزيد الإيمان قوةً
حِسّاً ومعنى فالحسي هو وضعه في القلب والمعنوي هو ما يحصل
من قوة الإيمان بسبب رؤية المزيد ومنها أنه عليه السلام
لما أن كان في هذه الدار كان أقواهم إيماناً بحسب ما هو
إيمان أهل الأرض فلم يحتج لرؤيته لقوة ما عنده من التصديق
ولما أن شاء الله الإسراء به إلى العالم العلوي - وهم أقوى
إيماناً من هذا العالم إذ هم مشاهدون لأشياء لا يشاهدها
أهل هذا العالم - فعل ذلك للنبي الله حتى حصل له الإيمان
بالتصديق والمشاهدة وزيد له فيه بالحس والمعنى حتى كان
أعلى ذلك العالم إيماناً يشهد لذلك قوله تعالى ﴿ مَا زَاغَ
الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ
الْكُبْرَى ۱ ولم يقع الثبات مع معاينة تلك الآيات الكبار
إلا لما قوي عنده من الإيمان والحكمة فكان عليه السلام
جديراً بما خُص به من الثناء والمدحة ووجوه كثيرة من هذه
المعاني تتعدد وفيما أشرنا إليه كفاية الوجه العاشر فيه
دليل على أن ما بعد الإيمان أجلّ من الحكمة ولولا ذلك ما
قرنت معه
ومنه قوله تعالى ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ
خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ ٢
الوجه الحادي عشر في معنى الإيمان والحكمة أما الإيمان فقد
تقدم الكلام عليه وأما الحكمة فقد اختلف العلماء فيها فقيل
الحكمة هي وضع الشيء في موضعه وقيل الحكمة هي الفهم في
كتاب الله عزّ وجلّ والكلام معهم فيما قالوه فيها قد أشرنا
إلى بعضه انفاً والجواب عنها كالجواب عن الإيمان وقد أشرنا
لكل ذلك فأغنى عن إعادته
الوجه الثاني عشر هل الإيمان والحكمة متلازمان لا يوجد
أحدهما حتى يوجد الآخر أو كل واحد منهما مستقل بنفسه
الظاهر أن كل واحد منهما مستقل بنفسه لأن الإيمان ليس من
شرطه
۱ سورة النجم الايتان ۱۷ و ۱۸ سورة البقرة من الآية ٢٦٩
٩٦٤
أن تكون الحكمة معه بدليل قوله عليه السلام من أخلص الله
أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ۱ فقد
شهد له عليه السلام بالإيمان والحكمة لم تكن عنده إذ ذاك
لأنه عليه السلام قال مَنْ أخلَص والإخلاص هو حقيقة
الإيمان فعلى هذا فكل واحد منهما مستقل بنفسه وجمعهما هو
الأعلى والأرفع
لكن بقي بحث وهو أنه إن كانت الحكمة المراد بها الوجه
الأول الذي ذكرناه من الاختلاف فيها فقد توجد مع الإيمان
وقد توجد مع عدمه وبهذا التوجيه يتقرر ما ذكرناه وهو أن كل
واحد منهما مستقل بنفسه لكن هذا الاستدلال مرجوح وليس
بالقوي لأنه إذا قلنا بأن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه
فالإيمان أولى أن تدل عليه الحكمة لأنه هو الأول والكفر من
الحمق والحمق
ينافي الحكمة فعلى هذا فهي مرتبطة بالإيمان لا بد منه عند
وجودها وإلا فلا حكمة إذ ذاك وإن قلنا بأن الحكمة هي الفهم
في كتاب الله تعالى فهي مرتبطة بالإيمان على كل حال لا بد
منه أولاً فعلى هذا فقد يوجد مؤمن عَرِيّ عن الحكمة وقد
يوجد بهما معاً ولا ينعكس وهو أن يوجد حكيم عَرِيّ عن
الإيمان
الوجه الثالث عشر فيه دليل على أن الملائكة عليهم السلام
تعرف بني آدم وتميزهم كل واحد بعينه لأن الملائكة أتوا
للنبي الله وأخذوه من بين أصحابه وكذلك أيضاً أخذوه من بين
إخوانه وهو صبي صغير السن وكذلك الآن فلو لم يكن لهم ميز
بالأشخاص لاختلط عليهم وهذا دليل على عظيم قدرة الله تعالى
إذ إن أهل العالم العلوي يميزون أجزاء هذا العالم
الوجه الرابع عشر قوله عليه السلام فشق من النحر إلى مراق
البطن فيه دليل على أن قدرة الله عزّ وجلّ لا يعجزها شيء
ولا تتوقف لعدم شيء ولا لوجوده وليست مربوطة بالعادات لأنه
على ما يعرف ويعهد أن البشر إذا شق بطنه كله انجرح ومات
ولم يعش وهذا النبي صلى الله عليه وسلم قد شق بطنه المكرمة
حتى أخرج القلب فغسل وقد شق بطنه المكرم كذلك أيضاً وهو
صغير وشق عن قلبه وأخرجت منه نزغة الشيطان ومعلوم أن القلب
إذا وصل له الجرح مات صاحبه وهذا النبي صلى الله عليه وسلم
شق بطنه في هاتين المرتين ولم يتالم بذلك ولم يمت لما أن
أراد الله عزّ وجلّ ألا يؤثر ما أجرى به العادة أن يؤثر
فيها موت صاحبها عندها أبطل تلك العادة مع بقاء جوهرها لأن
الشق قد وجد على البطن والقلب وما يتولد من ذلك في جري
العادة قد عدم
وكذلك جميع الأشياء على هذا الأسلوب مثل النار والماء
وغيرهما من الخواص إن شاء عزّ
۱ تقدم تخريجه قبل عدة صفحات
كذا بالتأنيث والتذكير
90
وجلّ ألا يروي الشارب بقلة الماء فَعَل وإن شاء ألا يحرق
بالنار فعل كما أزال العادة الجارية فيما نحن بسبيله وقد
رمي إبراهيم عليه السلام في النار فلم تحرقه وكانت عليه
برداً وسلاماً وكل الخواص بهذه المثابة إن شاء عزّ وجلّ
أبقى لها الخاصية وإن شاء سلبها
جوهرها
مع بقاء
الوجه الخامس عشر لقائل أن يقول لِمَ كان شق البطن وحينئذ
مليء بما ملىء والله عزّ وجلّ قادر على أن يوجد له ذلك في
بطنه من غير أن يفعل به ما فعل والجواب عنه أنه عليه
السلام لما أن أعطي كثرة الإيمان والحكمة وقوي التصديق إذ
ذاك أعطي برؤية شق البطن والقلب عدم الخوف من جميع العادات
الجارية بالهلاك فحصلت له قوة إيمان من ثلاثة أوجه بقوة
التصديق وبالمشاهدة وعدم الخوف من العادات المهلكات فكمل
له بذلك ما أريد منه من قوة الإيمان بالله عزّ وجلّ وعدم
الخوف مما سواه ولأجل ما أعطي مما أشرنا إليه كان عليه
السلام في العالمين أشجعهم وأثبتهم وأعلاهم حالاً ومقالاً
ففي العلوي كان عليه السلام كما أخبر أن جبريل عليه السلام
لما أن وصل معه إلى مقامه قال له ها أنت وربك هذا مقامي لا
أتعداه فرج عليه السلام في النور زَجَّةٌ ولم يتوان ولم
يلتفت وكان هناك في الحضرة كما أخبر عزّ وجلّ عنه بقوله ﴿
مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طغَى ١ وأما حاله عليه السلام
في هذا العالم فكان إذا حمي الوطيس في الحرب رَكَضَ بغلته
في نحر العدو وهم شاكون في سلاحهم ويقول أنا النبي لا كذب
أنا ابن عبد المطلب
وقد كانت الصحابة رضوان الله عليهم يقولون الشجاع منا الذي
كان يتقي به عند شدة الحرب الوجه السادس عشر فيه دليل لأهل
الصوفة في قولهم بأن عمل المبتدي كسب وعمل المنتهي ترك لأن
النبي في ابتداء أمره كان تخليه بالضم والغط وهي زيادة في
الشدة والقوة - لا لا لها كما مر الكلام عليه في حديث
ابتداء الوحي - وكان تخليه هنا بالغسل وهو تنظيف المحل
وكذلك حال المبتدي والمنتهي عندهم فالمبتدي شأنه الكسب وهو
الأخذ في الأعمال الصالحات وهي القوة والشدة والمنتهي شأنه
النظر في الباطن وما يتعلق به من الشوائب فكل شيء يرى فيه
شيئاً ما من تعلق الشوائب تركه حتى يتنظف الباطن من
الأكدار ولا يبقى فيه غير الله تعالى
فإن قال قائل فيلزم على هذا أن يكون في باطن النبي و شي من
الكدر حتى احتيج إلى
غسله وذلك باطل قيل له ذلك لا يلزم لأن الغسل له عليه
السلام ليس من باب إزالة
۱ سورة النجم من الآية ١٧
متفق عليه من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه
9
الأكدار وإنما هو تشريع لأمته فيما أشرنا إليه وإعظام
لشعائر الله عزّ وجلّ لأن ما يلقى في ذلك المحل الشريف من
شعائر الله تعالى وقد قال تعالى وَمَن يُعَظِّمْ شَعَرَ
اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ۱
الوجه السابع عشر قوله عليه السلام فأتيت بدابة أبيض دون
البغل وفوق الحمار البراق فيه دليل على أن البراق أفضل
الدواب وأشرفها إذ إنه خص بهذا المقام وهو سيره إلى العالم
العلوي وركوب خير البشر عليه من هنا إلى هناك
الوجه الثامن عشر لقائل أن يقول لم اختص عليه السلام بركوب
البراق دون غيره من الدواب مثل الخيل والنوق وغيرهما
والجواب عنه أنه إنما خص عليه السلام بركوب البُراق زيادة
في التشريف والتعظيم لأن غيره من الدواب يقدر غيره على
ملكه والتمتع به والبراق لم يُنقل أن أحداً ملكه وتمتع به
كما يتمتع بغيره من البهائم وهذا هو نفس التعظيم والتشريف
إذ إن القدرة قد أحكمت أن كل ما عدم في الوجود وُجدانه غلا
خطره
فإن قيل فلو كان ذلك زيادة في التشريف والتكريم لكان ركوبه
على دابة من دواب الجنة إذ هي أفضل وأبرك أو لَرَفَعَه
جبريل عليه السلام على جناحه أو أحد من الملائكة أو أعطي
قوة حتى يصعد بنفسه ولا يحتاج إلى مركوب والجواب عنه أن
هذا كله إنما هو زيادة له عليه السلام في التشريف والتعظيم
ولو كان ركوبه عليه السلام على دابة من دواب الجنة أو لأحد
من الملائكة أو مشى بنفسه المكرمة لم يكن له فيه ما كان له
في ركوبِ البُراق والسيرِ به بيان ذلك أنه لو صعد بنفسه
لكان ماشياً على رجليه والراكب أعز من الماشي فأعطي
المركوب ليكون أعزّ له وأشرف ولكي يعلم أن له ل لا ل و لو
عند الله تعالى مكاناً حتى إنه يأتي وهو راكب فيكون ذلك له
بشارة بالخير والحظوة عند ربه لأن الإتيان بالمركوب من
الله تعالى بشارة له عليه السلام برفع المنزلة والكرامة
ومثل هذا في الدنيا والآخرة موجود ففي الدنيا محسوس وفي
الآخرة بالأخبار منقول أما في الدنيا فلأن المَلِك إذا بعث
إلى شخص بالخلع والمركوب فبقدر الخلع وحسن المركوب يستدل
على منزلته عند الملك وفي الآخرة ما روي أن يوم القيامة
يأتي المؤمنون منهم من هو راكب نُوَق اللحم ومنهم من هو
راكب نُوق الذهب وأزِمَّتها الزَّبَرْجَدُ إلى غير ذلك مما
جاءت الأخبار به كل إنسان بحسب منزلته والملائكة تأتيهم
أفواجاً بالبشارة وتقول لهم هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى
كُنتُمْ تُوعَدُونَ
۱ سورة الحج من الاية ٣٢ سورة الأنبياء من الآية ۱۰۳
٩٦٧
وإنما لم يكن مركوبه عليه السلام دابة من دواب الجنة أو
جناح مَلَك لأنه لو ركب على
ذلك لكان الظاهر أن المركوب حمل الراكب فلما أن ركب البراق
الذي هو لحم ودم وهو مخلوق في الدنيا وليس من عادته
الطيران في الهواء وإنما هو من ذوات الأربع أرضي علم عند
ذلك أن الراكب هو الحامل لنفسه والحامل لمركوبه إذ إن هذه
الدابة لا طاقة لها بالصعود في
الهواء أصلاً
فإن قيل فالنبي من البشر ومحال في حق البشر الصعود في
الهواء كما هو محال في حق الدواب قيل الجواب أن البشر ليس
هو الصاعد بنفسه وإنما الحامل والصاعد به قوة الإيمان الذي
منَّ عليه به والنبي لم يكن ليُسرَى به حتى مُلئت بطنه
المكرمة إيماناً وحكمة فلما أن اه اه لو امتلأ بالإيمان
والحكمة كان له من القوة ما يحمل نفسه وغيره فبقدر الإيمان
وقوته يكون السلوك والترقي ولهذا قال عليه السلام رحم الله
أخي عيسى لو زاد يقيناً لطار في الهواء ۱ هذا من طريق
مقتضى الحكمة
وفي الحقيقة القدرة هي حاملة للكل كالعرش وحَمَلَته لأن
حَمَلَة العرش حين أمروا أن يقوموا بالعرش لم يطيقوا حتى
قيل لهم قولوا لا حول ولا قوة إلا بالله فلما أن قالوها
قاموا بالعرش فالتفتوا فإذا أقدامهم على غير شيء فهم
متمسكون بالعرش لا يفترون من قولهم لا حول ولا قوة إلا
بالله خيفة لئلا يفلت أحدهم فلا يعرف أين يهوي فهم حاملون
العرش والعرش حامل لهم والكل محمولون بالقدرة وهم في عِظم
خلقهم كما أخبر عليه السلام عن بعضهم حيث قال أُمرت أن
أحدثكم عن أحد حملة العرش ما بين شحمة أذني أحدهم مسيرة
الطائر مائة سنة وأمرت أن أحدثكم عن أحد حملة العرش غلظ
قرنه ما بين المشرق والمغرب ۳ ولكل واحد منهم على ما جاء
في حديث اخر قرنان مثل قرون الوعول فإذا كان كل واحد من
هذين القرنين غلظه هكذا فناهيك بالرأس الذي يكون فيه ذانك
القرنان وناهيك بالجسد الذي يكون فيه هذا الرأس فسبحان من
أظهر بديع حكمته بعظيم قدرته
١ لم نقف على مصدره يريد ما بين شحمتي أذني أحدهم
۳ رواه أبو داود وابن عساكر والضياء في المختارة عن جابر
رضي الله عنه بلفظ أذن لي أن أحدّث عن مَلَك من ملائكة
الله تعالى من حَمَلة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه
مسيرة سبعمائة عام وفي رواية لأبي نعيم في الحلية عن جابر
وابن عباس رضي الله عنهم بلفظ أذن لي أن أحدث عن ملك من
حملة العرش رجلاه في الأرض السابعة السفلى على قرنه العرش
ومن شحمة أذنه إلى عاتقه كخفقان الطير مسيرة مئة عام وفي
رواية للخطيب البغدادي مسيرة سبعمائة سنة خفقان الطير
٩٦٨
الوجه التاسع عشر فيه دليل لأهل الصوفة حيث يقولون فلان
مقامه في سماء الدنيا وفلان مقامه في الثانية ثم كذلك إلى
أن يبلغوا إلى قابَ قَوْسَينِ أو أدنى ويعنون بذلك ما
رزقوا من قوة
الإيمان واليقين فكاشفوا بأسرارهم ذلك العالم كل منهم بحسب
قوته في إيمانه ويقينه
ولهم فيما نحن بسبيله أدل دليل لأن النبي الله ولم يُسرَ
به حتى ملىء حكمة وإيماناً ثم لما أن من عليه بذلك أسري به
من سماء إلى سماء إلى قاب قوسين أو أدنى وهم الوارثون له
عليه السلام فلهم في ذلك نسبة لكنّ بينهم وبين النبي الله
في ذلك فرقاً وهو أنه عليه السلام حصلت له الخصوصية لكونه
سرى بذاته المباركة وتكلم بلسان فمه ورأى بعين رأسه - على
ما قاله ابن عباس - وسمع الخطاب بأذن رأسه وأذن قلبه وغيره
من الوارثين له لم يصلوا هناك إلا بأسرارهم ولم يروا إلا
بأعين قلوبهم
ومما يبين هذا ويوضحه ما حكي عن بعض فضلائهم أنه لمّا أنْ
مُنَّ عليه بقوة الإيمان واليقين واتبع سنة هذا السيد
الكريم على ربه صاحب هذا المقام العظيم الهلال الهلال في
كل حركاته وسكناته وأنفاسه أسري بسره من سماء إلى سماء إلى
قاب قوسين أو أدنى ثم نودي هنا أسري بذات محمد السنية حيث
أسري بسرك
ولأجل هذا كانوا أبداً ليس لهم شغل غير النظر في تقوية
إيمانهم ويقينهم لأن به يسلكون وهو حاملهم ومما يزيد هذا
وضوحاً وبياناً قوله عليه السلام ما فَضَلكم أبو بكر بصلاة
ولا بصيام ولكن بشيءٍ وَقر في صدره والشيء الذي وَقر في
صدره هو قوة اليقين والإيمان وقد صرح رضي الله عنه بذلك
حيث قال لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً
يوضع
الوجه العشرون فيه دليل لأهل الصوفة في قولهم لا يكون
تَحَلَّ إلا بعد تَخلَّ لأنه لم الإيمان والحكمة في البطن
المباركة حتى شُقت وغسلت وحينئذ مُلئت فالشق والغسل هو
التخلي وما مُلىء به من الإيمان والحكمة هو التحلي فعلى
قدر التخلي يكون التحلي ولهذا أشار بعضهم بقوله من سرّه أن
يرى ما لا يسوؤه فلا يتخذ له شيئاً يخاف له فقداً لأن ما
سوى الله مفقود فمن أراد الفوز بهذا التحلي فليعزم على قوة
هذا التحلي حالاً ومقالاً ومن لم يقدر على الكل فليعمل على
البعض لأن التحلي يكون بقدر التخلي والحذر الحذَرَ من أن
تهمل نفسك وترضَى بحظِ بخس فذلك هو الحرمان
الوجه الحادي والعشرون قوله عليه السلام ثم غسل البطن بماء
زمزم ما المراد بالبطن هنا هل البطن نفسه أو ما في البطن
وهو القلب الظاهر أن المراد القلب لأنه جاء في رواية أخرى
ذكر
٩٦٩
القلب ولم يذكر البطن وقد يحتمل أن تحمل كل رواية على
ظاهرها ويقع الجمع بينهما بأن يقال أخبر عليه السلام مرةً
بغسل البطن ولم يتعرض لذكر القلب وأخبر مرة بغسل القلب ولم
يتعرض لذكر البطن فيكون قد حصل فيهما معاً مبالغة في تنظيف
المحل
الوجه الثاني والعشرون لقائل أن يقول لم غُسِل البطن وقد
كان طاهراً مطهَّراً وقابلاً لما يُلقى إليه من الخير وقد
غسل أولاً وهو عليه السلام صغير السن وأخرجت من قلبه نزغة
الشيطان فما فائدة هذا الغسل الثاني
والجواب عنه أن هذا الغَسل إنما كان إعظاماً وتأهباً لما
يلقى هناك وقد جرت الحكمة بذلك في غير ما موضع مثل الوضوء
للصلاة لمن كان متنظّفاً لأن الوضوء في حقه إنما هو إعظام
وتأهب للوقوف بين يدي الله تعالى ومناجاته وكذلك أيضاً
الزيادة على الواحدة أو الاثنتين إذا أسبغ بالأولى لأن
الإجزاء قد حصل وبقي ما بعد الإسباغ إلى الثلاث إعظاماً
لِما يُقدِم عليه فكذلك
غسل البطن هنا وقد قال تعالى وَمَن يُعَظِّمْ شَعَرَ
اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ فكان الغسل له
عليه السّلام من هذا القبيل وإشارة لأمته بالفعل بتعظيم
الشعائر كما نص لهم عليه بالقول وإشارة لهم أيضاً فيما
تقدم ذكره من التخلّي والتحلّي
فإن قال قائل لو كان الأمر بالزيادة على الإسباغ إعظاماً
للشعائر لكانت الزيادة على الثلاث أولى إذ إنه بحسب
الزيادة كان تعظيم الشعائر أكثر قيل له الأمر كذلك لكن
الله عزّ وجلّ بالمؤمنين رحيم فمن رحمته عزّ وجلّ بهم أن
منعهم الزيادة على الثلاث تخفيفاً عليهم ولطفاً بهم أَلَا
يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ
الوجه الثالث والعشرون فيه دليل على فضيلة بئر زمزم على
غيره من المياه إذ إنه عليه السلام اختص بأن غسل منه هذا
المحل الجليل في هذا الموطن الرفيع
الوجه الرابع والعشرون لقائل أن يقول لِمَ يغسل بماء الجنة
الذي هو أطيب وأبْرَكُ والجواب عنه أنه لو غسل بماء الجنة
دون استقراره في الأرض لم يبق لأمته أثر بركةٍ فلما غسل
بماء زمزم - وهو مما استقر من ماء السماء بالأرض على ما
قاله ابن عباس في تفسير قوله تعالى وَأَنزَلْنَا مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَتَهُ فِي الْأَرْضِ
وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَدِرُونَ ۳ فقال كل ماء في
۱ سورة الحج الآية ٣٢
سورة الملك الآية ١٤ ۳ سورة المؤمنون من الآية ۱۸
۹۷۰
الأرض إنما هو مما نزل من السماء وقد جاء في الأثر أن ما
من مطر ينزل إلا وفيه مزاج من الجنة وتكون البركة فيه بقدر
المزاج - فعلى ۱ هذا فقد غسل بماء كله من الجنة أو بعضه مع
زيادة
فوائد جمة
منها ما ذكرناه من إبقاء البركة لأمته ومنها أنه خص مقره
بهذه الأرض المباركة ومنها أنه خص به الأصل المبارك وهو
إسماعيل عليه السلام ومنها أنه خص بما لم يخص غيره من
المياه بأن جعل فيه لهاجر أم إسماعيل عليه السلام غذاء
فكان يغنيها عن الطعام والشراب ومنها أن ظهوره كان بواسطة
الأمين جبريل عليه السلام فكان أصلاً مباركاً في مقز مبارك
لسيد مبارك بواسطة فعل أمين مبارك فاختص به هذا السيد
المبارك فكان ذلك زيادة له في التشريف والتعظيم والله عزّ
وجلّ يفضل ما يشاء من مخلوقاته حيواناً كان أو جماداً فجاء
بالحكمة العجيبة في الملة الجليلة ملة أبيك إبراهيم
بالمقال وفي الماء ملك أبيك إسماعيل بلسان الحال الوجه
الخامس والعشرون قوله عليه السلام ثم مُلىء حكمة وإيماناً
قد مر الكلام على معنى الحكمة والإيمان وبقي الكلام هنا
على المملوء ما هو هل البطن أو القلب فعلى ظاهر هذه
الرواية هو البطن وعلى ما جاء في رواية غيرها هو القلب
فاحتمل أن يكونا ملنا معاً وأخبر عليه السلام في هذه
الرواية بالبطن وأخبر في الأخرى بالقلب واحتمل أن يكون
أراد القلب وذكر البطن توسعة لأن العرب تسمي الشيء بما
قاربه أو بما كان فيه وقد قال تعالى ﴿ فَمَن يُرِدِ
اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ
وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا
حَرَجًا ومعنى الصدر في الآية القلب فسماه باسم ما هو فيه
وهو الصدر
الوجه السادس والعشرون قوله عليه السلام فانطلقت مع جبريل
حتى أتينا السّماء الدنيا إلى قوله ولنعم المجيء جاء فيه
دليل على أن قدرة الله عزّ وجلّ لا يعجزها شيء لأنه عليه
السلام قال حتى أتينا السماء الدنيا فأفاد ذلك أنهم كانوا
يمشون في الهواء وقد جرت العادة بأن البشر لا يمشي في
الهواء سيما وقد كان راكباً على دابة من ذوات الأربع لكن
لما أن شاءت القدرة ذلك كان فكما بسط عزّ وجلّ لهم الأرض
ومهدها لهم يمشون عليها كذلك يُمشيهم في الهواء كل ذلك
بيده لا ترتبط قدرته بعادة جارية حتى يظهر عند وجودها
تأثير في الوجود ويعدم عند عدمها بل القدرة صالحة لأن تبدي
ما شاءت عند وجود العادة وعند عدمها وإنما العادة من الله
تعالى لحكمة استأثر بها فإن شاء أبقاها وإن شاء أزالها وقد
سئل عليه السلام حين أخبر
۱ هنا جواب لما سورة الأنعام من الآية ١٢٥
۹۷۱
عن الأشقياء المساكين الذين يمشون على وجوههم يوم القيامة
كيف يمشون فقال عليه السلام الذي أمشاهم في الدنيا على
أقدامهم قادر على أن يُمشيهم يوم القيامة على وجوههم ۱
الوجه السابع والعشرون فيه دليل على أن النبي كان مستقلاً
بنفسه في صعوده ولم يحتج إلى من يعينه لأنه عليه السلام
قال انطلقت مع جبريل فأفاد ذلك أنهما صعدا معاً لا يحتاج
أحدهما للآخر ولو قال انطلق بي جبريل لأفاد ذلك أن جبريل
عليه السلام كان حاملاً
له أو معيناً
وهذا أدل دليل على عظيم قدرة الله تعالى وأنه لا يعجزها
شيء - كما تقدم قبل - وعلى كرامة النبي و علو منزلته لأن
الله عزّ وجلّ قد أجرى العادة بأن البشر لا يصعد في الهواء
وأجرى العادة للملائكة بالصعود والنزول بحسب ما شاء لأنهم
خلقوا من جوهر لطيف وخلق البشر من جوهر كثيف فأبقى على
النبي الله صفة البشرية وأعطي حال العالم العلوي حتى صار
مع جبريل عليه السلام كما ذكر بل زاد على ذلك ما هو أعظم
في المعجزة وابهر وهو ركوبه على دابة من دواب الأرض التي
لا استطاعة لها بالصعود كل هذا إكراماً له عليه السلام
وتعظيماً وإظهاراً لقدرة الله تعالى حتى رجع له عليه
السلام ما كان عنده علم يقين - من أن القدرة صالحة لكل شيء
- عين يقين في هذه الأحوال المذكورة فما طلبه أبوه إبراهيم
عليه السلام من الانتقال من علم يقين إلى عين يقين في قوله
أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ
قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَينَ قَلبي اعطي ذلك للنبي صلى
الله عليه وسلم بغير طلب
الوجه الثامن والعشرون فيه دليل على أن للسماوات أبواباً
وعليها بوابين وخداماً وأنه لا يصعد أحد من الملائكة ولا
من غيرهم ممن شاء الله عزّ وجلّ حتى يستأذنهم في الفتح
لأنه عليه السلام أخبر أنهم حين أتوا إلى السماء قرع جبريل
الباب فقيل من هذا فأخبر باسمه واسم من معه وحينئذ فتح له
وفائدة هذا الإيمان بعظيم القدرة وصنعها ما شاءت كيف شاءت
الوجه التاسع والعشرون سؤال الملائكة عليهم السلام لجبريل
عليه السلام بقولهم من معك احتمل وجهين
أحدهما أن تكون تلك عادة لهم لا يصعد أحد ولا ينزل حتى
يُسأل هل هو وحده أو مع
۱ رواه الشيخان عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم سُئِل كيف يُحشر الكافر على وجهه قال أليس الذي
أمشاه على رجليه في الدنيا قادر على أن يُمشيه على وجهه
يوم القيامة وفي الباب رواية مشابهة للترمذي رقم ٣١٤٢
والإمام أحمد ٣٥٤/٢ و ٣٦٣
سورة البقرة من الاية ٢٦٠
غيره وإن كان جبريل عليه السلام هو الأمين لكن اقتضت
الحكمة أنه لا ينفذ هو وغيره إلا يعلمهم وسؤالهم تمشية
للحكمة وإظهاراً للقدرة
الثاني أن يكون سؤالهم له لما رأوا حين إقباله عليهم من
زيادة الأنوار وغيرها من المآثر الحسان زيادة على ما
يعهدونه منه فكان لهم ذلك دليلا على أن معه غيره فسألوه
عنه وهذا هو الأظهر بدليل قولهم من معك ولو كان لغير زيادة
رأوها لكان الاستفهام بأن يقولوا أمعك أحد فلما جاءت
الصيغة بقولهم من معك دل ذلك على أنهم سألوا من الشخص الذي
من أجله هذه الزيادة التي معك فأخبرهم بما أرادوا وهو
تعيين الشخص باسمه حتى عرفوه
الوجه الثلاثون قول جبريل عليه السلام حين سئل من معك فقال
محمد فيه دليل على أن الأسماء أرفع من الكنى لأنه أخبر
باسمه ولم يخبر بكنيته وهو عليه السلام مشهور في العالمين
العلوي والسفلي ولو كانت الكنية أرفع من الاسم لأخبر
بكنيته
الوجه الحادي والثلاثون استفهام الملائكة بقولهم أوقد
أُرسل إليه فيه دليل على أن أهل العالم العلوي يعرفون
رسالته عليه السلام ومكانته لأنهم سألوا عن وقتها هل حَلّ
لا عنها ولذلك أجابوا بقولهم مرحباً به ولَنِعْمَ المجيءُ
جاء وكلامهم بهذه الصيغة أدل دليل على ما ذكرناه من
معرفتهم بجلال مكانته عليه السلام وتحقيق رسالته ولأن هذا
أجلّ ما يكون من حسن الخطاب والترفيع على المعروف من عادة
العرب وقد قال بعض العلماء في معنى قوله تعالى لقد رأى
مِنْ وَايَتِ رَبِّهِ الكبرى ١ إنه رأى صورة ذاته المباركة
في الملكوت فإذا هو عروس
المملكة
الوجه الثاني والثلاثون قول الملائكة مرحباً به ولنعم
المجيء جاء مرحباً أي صادفت رُحْباً وسعة ولنعم المجيء جاء
احتمل وجهين أحدهما أن يكونوا قالوا ذلك لما عاينوا من
بركاته عليه السلام التي سبقته للسماء مبشرة بقدومه وهي
الأنوار وما أشبهها الثاني أن يكونوا قالوا ذلك لما عاينوا
له من الخير العظيم المدَّخر له هناك لوقته هذا وقد يحتمل
الوجهين معاً
الوجه الثالث والثلاثون قوله عليه السلام فأتيت على آدم
فسلمت عليه فيه دليل على أن السنة في السلام أن يبدأ به
المار على القاعد لأنه لما أن كان النبي ليل الامور العالى
ادم عليه السلام
ابتدأه بالسلام
۱ سورة النجم الآية ١٨ كذا والوجه أن يقول صادف
۹۷۳
الوجه الرابع والثلاثون فيه دليل على أنه لا يجوز في رد
السلام غير الصيغة المشروعة لأنه لم يقل له آدم عليه
السلام مرحباً إلا بعد ردّ السلام عليه على ما جاء في
رواية أخرى قال فيها فرد ثم قال مرحبا
الوجه الخامس والثلاثون قول آدم عليه السلام مرحباً بك من
ابن ونبي هل هذا اللفظ من آدم عليه السلام تأنيس للنبي لا
لا لا لولا أن الغريب أشدُّ أنسه ۱ في غربته بلقاء الأبوة
أو ذلك سرور منه بقرة عينه به احتمل الوجهين معاً
أما في حق آدم عليه السلام فظاهر لأن المرء أبداً يفرح
بزيارة ابنه عليه فإنه له ومنه في الحقيقة ولهذا قال تعالى
﴿ ابَاؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ
أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا قال بعض المفسرين في معناه لا
تدرون من يكون يوم القيامة أعلى درجة عند الله تعالى فيشفع
في صاحبه حتى يبلغه معه وهذه خصوصية بين الآباء والأبناء
لا توجد في غيرهم فترفيع أحدهما ترفيع للآخر وقد حصل لآدم
عليه السلام من هذا أوفر نصيب لأنه يكون يوم القيامة في
أحد ركابي النبي صلى الله عليه وسلم حين إعطائه لواء الحمد
وإبراهيم عليه السلام يكون في الركاب الآخر فحصل لآدم
وإبراهيم عليهما السلام اللذين هما الأبوان خصوصية في أوفر
حظ في هذه المنزلة ما لم يكن لغيرهما من الأنبياء عليهم
السلام
وأما في حق النبي صلى الله عليه وسلم فلأن الأبوة تقتضي
الإدلال عليها فكان ذلك تأنيساً للنبي صلى الله عليه وسلم
الوجه السادس والثلاثون قوله عليه السلام فأتينا السماء
الثانية إلى قوله فأتيت عيسى ويحيى فسلمت فقالا مرحباً بك
من أخ ونبي الكلام على الصعود إلى السماء الثانية
واستفتاحها وقول الملائكة مرحباً كالكلام على السماء
الأولى وقد مر وبقي الكلام هنا في قول عيسى ويحيى له
مرحباً بك من أخ ونبي وإنما قالا له ذلك لأن الأنبياء
عليهم السلام كالإخوة كما أخبر عليه السلام حيث قال لا
تفضلوا الأنبياء بعضهم على بعض نحن جميع الأنبياء أولاد
علات ۳ وأولاد علات في لغة العرب أن يكون الأب واحداً
والأمهات مختلفة فنسبة الأب هنا - أعني بين الأنبياء عليهم
السلام - هو اجتماعهم في درجة النبوة ونسبة الأمهات بينهم
هو
اختلافهم في رفع المنازل واختلاف الشرائع
۱ يعني
انسه اشد
سورة النساء من الآية ۱۱
۳ رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ لا تفضلوا
بين أنبياء الله الخ وفي رواية أخرى لهما بلفظ أنا أولى
الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والاخرة ليس بيني وبينه
نبي والأنبياء أولاد علات أمهاتهم شتى
ودينهم واحد
٩٧٤
الوجه السابع والثلاثون قوله عليه السلام فأتينا السماء
الثالثة إلى قوله فأتيت على السماء السادسة الكلام على ذلك
كله كالكلام على السماء الأولى والثانية
وبقي هنا بحث في قوله عليه السلام على السماء معناه إلى
السماء السادسة لأنه معلوم أنهم كانوا صاعدين إليها ولا
تكون على هنا على بابها إلا أن لو كانا نازلين من السماء
السابعة فلما أن كانا صاعدين كانت على بمعنى إلى بالضرورة
وهو سائغ في السنة العرب و مستعمل عندهم كثيراً فعلى هذا
فيكون معنى قوله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ
اسْتَوَى ۱ وقوله تعالى ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ
٢ أي أتى العرش فاستوى إلى العرش فيكون مثل قوله تعالى
ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانُ ﴾ ۳ أي
عمد إلى خلقها وكذلك هنا أي عمد إلى خلق العرش والذي عمد
لذلك هو أمره عزّ وجلّ - كما تقدم في الحديث قبل هذا - أن
أمره عزّ وجلّ هناك بمقتضى حكمته وإرادته فبطل بهذا احتجاج
أهل البدع والعناد إذ إن ما قررناه سائغ في السنة العرب
وهو في كلامهم كثير والقرآن بلغتهم نزل
وإنما ضل من ضل بسبب أنه يأخذ ألفاظ القرآن والحديث
فيتأولها بحسب لغته وفهمه فيضل بالضرورة وإنما ينظر في
القرآن بمقتضى لغة العرب التي بها نزل ولأجل هذا لم يستشكل
أحد قط من الصحابة شيئاً من ألفاظ القرآن ولا الحديث ولا
وقع لهم كلام فيما وقع لمن بعدهم لمعرفتهم بمعناه ومقتضاه
فلا يحتاجون فيه إلى بيان ولا إلى سؤال فلما أن انتقلوا
إلى رحمة ربهم طاهرين قلت معرفة لغتهم عند بعض الناس فلم
يتكلموا بها فدخل الخلل عند ذاك الإشكال على بعضهم وتوهموا
الفساد لعدم المعرفة باللغة العربية فمن تأوَّل القرآن
والحديث بمقتضى لغتهم انتفت عنه تلك التوهمات ورجع القرآن
والحديث عنده كالشيء الواحد بعضه يبين بعضاً وقوله عليه
السلام فأتيت موسى فسلمت عليه فقال مرحباً بك من أخ ونبي
الكلام عليه
كالكلام على الأنبياء قبله وقد مرّ
الوجه الثامن والثلاثون قوله عليه السلام فلما جاوزت موسى
بكى فقيل ما أبكاك قال يا رب هذا الغلام الذي بعث بعدي
يدخل الجنة من أمته أفضل مِمَّا يدخل من أمتي يرد على هذا
الفصل ثلاثة أسئلة الأول أنه يقال لِمَ كان بكاء موسى عليه
السلام الثاني من هو الذي قال
۱ سورة طه من الآية ٥
سورة الأعراف من الآية ٥٤ يونس من الآية الرعد من الآية
الفرقان من الآية ٥٩ السجدة من الاية ٤ الحديد من الآية ٤
۳ سورة فصلت من الاية ۱۱
۹۷۵
له ما أبكاك هل الملائكة أو الخالق عزّ وجلّ الثالث لِمَ
قال موسى عليه السلام هذا الغلام ولم يقل غير ذلك من
الصَّيَخ
والجواب عن الأول أن الأنبياء عليهم السلام قد جعل الله
تعالى في قلوبهم الرحمة والرأفة لأممهم وركّبهم على ذلك
وقد بكى النبي الله فسئل عن بكائه فقال هذه رحمة جعلها
الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ۱
والأنبياء عليهم السلام قد أخذوا من رحمة الله عزّ وجلّ
أوفر نصيب فكانت الرحمة في قلوبهم لعباد الله أكثر من
غيرهم فلأجل ما كان لموسى عليه السلام من الرحمة واللطف
بكى إذ ذاك رحمة منه لأمته لأن هذا وقت إفضال وجود وكرم
فرجا لعل أن يكون وقت القبول والإفضال فيرحم الله تعالى
أمته ببركة هذه الساعة فإن قال قائل كيف يكون هذا وأمته لا
تخلو من قسمين قسم مات على الإيمان وقسم مات على الكفر
فالذي مات على الإيمان لا بد له من دخول الجنة والذي مات
على الكفر لا يدخل الجنة أبداً فبكاؤه لأجل ما ذكرتم لا
يسوغ إذ إن الحكم فيهم قد مر ونفذ
قيل له وذلك أن الله عزّ وجلّ قدَرُه على قسمين بما شاء
فقدَر قدره وقدَّر أن ينفذ على كل حال من الأحوال وقدَر
قدّره وقدّر ألا ينفذ ويكون دفعه بسبب دعاء أو صدقة أو غير
ذلك ومثال ذلك دعاء النبي الله بالثلاث دعوات لأمته وهي
ألا يُظهِر عليهم عدواً من غيرهم وألا صلى الله عليه وسلم
يُهلكهم بالسنين فأعطيهما ودعا ألا يجعل بأسهم بينهم
فمنعها فاستجيب له عليه السلام في الاثنتين ولم يستجب له
في الثالثة ٢ وقيل له هذا أمر قد قدَّرتُه أي أنفذته فكانت
الاثنتان من القدر الذي قدره الله عزّ وجلّ وقدر ألا ينفذ
بسبب الدعاء وكانت الدعوة الثالثة من القدر الذي قدره عزّ
وجلّ وقدّر إنفاذه على كل الأحوال لا يرده راد وسيأتي لهذا
زيادة إيضاح في الكلام على اخر الحديث في فرض الصلاة خمسين
فلأجل ما ركب موسى عليه السلام من اللطف والرحمة بالأمة
طمع لعل أن يكون ما اتفق لأمته من القدر الذي قدره الله
عزّ وجلّ وقدر ألا ينفذ بسبب الدعاء والتضرع إليه وهذا وقت
۱ رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أسامة بن زيد رضي
الله عنه ولفظه أمرني رسول الله فأتيته بابنة زينب ونفسها
تقعقع كأنها في شنّ فقال رسول الله الله لله ما أخذ وله ما
أبقى وكلُّ إلى أجل قال فدمعت عيناه فقال له سعد بن عبادة
يا رسول الله أترق أولم تَنهَ عن البكاء فقال رسول الله
إنما هي رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من
عباده الرحماء هذا معنى لحديث رواه الإمام أحمد والطبراني
عن أبي بصرة الغفاري أن النبي الله قال سألت ربي فأعطاني
ثلاثاً ومنعني واحدة سألته الا يجمع أمتي على ضلالة
فأعطانيها وسألته ألا يُهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم
قبلهم فأعطانيها وسألته الا يُظهر عليهم عدوا من غيرهم
فأعطانيها وسألته ألا يُلْبِسَهم شِيَعاً ولا يُذيقَ
بعضُهم بأس بعض فمنعنيها
أربعاً
٩٧٦
يرجى فيه التعطف والإحسان من الله تعالى لأنه وقت أسري فيه
بالحبيب ليخلع عليه خلع القرب والفضل العميم فطمع الكليم
لعل أن يلحق لأمته نصيب من ذلك الخير العظيم وقد قال عليه
السلام إن الله نفحات فتعرضوا لنفحات الله ۱ وهذه نفحة من
النفحات فتعرض لها موسى عليه السلام فكان أمر قد قدر
والأسباب لا تؤثر إلا بما سبقت القدرة بأنها فيه تؤثر وما
كان من قضاء
نافذ لا ترده الأسباب فإنه حتم قد لزم كما تقدم في الدعوة
الثالثة من دعوات النبي لأمته ومثل هذا ما حكى الله عزّ
وجلّ في كتابه عن عيسى عليه السلام حيث يقول يوم القيامة
إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ
لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وعيسى عليه
السلام عالم بكفرهم إذ إنهم جعلوا الله ولداً وجعلوا الله
صاحبة وعالم بأن الكفار لا مدخل لهم في المغفرة لكن قال
ذلك رجاء لعل أن يكون ذلك من القدر الذي قدره الله تعالى
وقدر ألا ينفذ فكان من القدر الذي قدره الله تعالى
وقَدَّرَ إنفاذه على كل حال فقال عزّ وجلّ عند ذلك و هَذَا
يَوْمُ يَنفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ أي الأمر كذلك لكن
سبقت إرادتي وحكمتي ونفذ قضائي بأني لا أرحم اليوم إلا
الصادقين دون غيرهم فكان بكاء موسى عليه السلام من هذا
القبيل
ولوجه آخر أيضاً وهو البشارة للنبي الله وإدخال السرور
عليه يشهد لذلك بكاؤه حين ولى عنه وقبل أن يبعد منه لكي
يسمعه لأنه لو كان البكاء خاصاً بموسى عليه السلام على
الوجه المتقدم لم يكن ليبكي حتى يبعد عنه النبي الله فلا
يسمع يبعد عنه النبي هلال الهلال فلا يسمع لأن بكاءه
والنبي صلى الله عليه وسلم يسمعه فيه شيء ما من التشويش
عليه فلما أن كان المراد ما يصدر من البشارة له عليه
السلام بسبب البكاء بكي والنبي منه بحيث يسمعه والبشارة
التي يتضمنها البكاء هي قول موسى عليه السلام الذي هو أكثر
الأنبياء أتباعاً أن الذين يدخلون الجنة من أمة محمّد عليه
السلام أكثر مما يدخلها من أمة موسى عليه السلام
فإن قال قائل لو كان بكاؤه عليه السلام لأجل هذا المعنى
لصدر منه حين قدوم النبي عليه قيل له إنما لم يبك إذ ذاك
لأن البكاء سبب للنفور والوحشة والقادم السنّةُ فيه أن
يُبَس إليه ويُكرم فعمل أولاً سنَّةَ القدوم فلما أن انفصل
مجلس البشاشة أعقبه ببكاء البشارة
۱ روى الحكيم الترمذي في النوادر والطبراني في الأوسط عن
محمد بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن
لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها لعل أحدكم يصيبه
منها نفحة فلا يشقى بعدها أبداً
سورة المائدة الآية ۱۱۸ ۳ سورة المائدة من الآية ۱۱۹
۹۷۷
والجواب عن السؤال الثاني وهو هل المتكلم لموسى عليه
السلام المخلوق أو الخالق الظاهر أن ذلك من الله تعالى يدل
على ذلك قوله في الجواب يارب والجواب عن الثالث أن العرب
إنما تطلق على المرء غلاماً إذا كان سيداً فيهم فلأجل ما
في هذا اللفظ من الاختصاص على غيره من الألفاظ بالأفضلية
ذكره موسى عليه السلام ولم يذكر غيره تعظيماً للنبي الله
له ولو ولو أن الغلام عند العرب هو الصغير السن وهو عليه
السلام في عمره سيما في ذلك الوقت بالنسبة إلى أعمار من
تقدمه من الرسل صلوات الله عليهم أجمعين صغير السن ومع ذلك
تقدم الجميع ورقي عليهم لما خصه الله به من الرفعة
والتعظيم وما أمده في الباطن و غذاه به من روح قدسه فلاجل
ذلك سماه موسى عليه السلام بهذا الاسم دون غيره والله
أعلم
الوجه التاسع والثلاثون قوله عليه السلام فأتينا السماء
السابعة إلى قوله مرحباً بك من ابن ونبي الكلام عليه
كالكلام على ادم عليه السلام
وبقي هنا سؤال وهو أن يُقال لم كان هؤلاء الأنبياء عليهم
السلام في السماوات دون غيرهم من الأنبياء عليهم السلام
ولم كان كل واحد منهم في سماء تخصه دون غيره ولم كان في
السماء الثانية نبيّان وفي غيرهما واحد
والجواب عنه أنه لا يخلو أن يكون ذلك من الله تعبّداً أو
لمعنى ظاهر ومعنى تعبد أنه لا يفهم البشر له حكمة وأما
الفعل في نفسه فهو لحكمة لا بدَّ منها فيه والله عزّ وجلَّ
يعلمها ومن شاء أطلعه عليها وإن كان ذلك لمعنى ظاهر وهي
الحكمة المفهومة من ذلك الترتيب فما هي فنقول وجه الحكمة
فيه - والله أعلم - أنه إنما كان آدم عليه السلام في
السماء الدنيا لأنه أول الأنبياء وأول الآباء وهو الأصل
ومنه تفرع من بَعدَه من الأنبياء وغيرهم فكان أولاً في
سماء الدنيا لأجل هذا المعنى ولأجل تأنيس النبوة بالأبوة
كما ذكرنا في الغربة 1
وأما عيسى عليه السلام فإنما كان في السماء الثانية لأنه
أقرب الأنبياء إلى النبي لله ولا اتحت شريعة عيسى عليه
السلام إلا بشريعة محمّد عليه السلام ولأنه ينزل في آخر
الزمان لأمة النبي بشريعته ويحكم بها ولهذا قال عليه
السلام أنا أولى الناس بعيسى فكان في السماء
1 يشير المؤلف إلى ما جاء في الوجه الخامس والثلاثين من
أنس الأبوة بالنبوة ويقصد أنسَ ادم عليه السلام بالنبي وقد
تكون إشارة المؤلف تمهيدا لما سيورده بعد قليل من أنس
النبي الا الله بأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام
حيث التقيا في السماء السابعة تقدم تخريجه قبل قليل
۹۷۸
الثانية لأجل هذا المعنى وإنما كان يحيى عليه السلام معه
هناك لأنه ابن خالته وهما كالشيء الواحد فلأجل التزام
أحدهما بالآخر كانا هناك معاً
وإنما كان يوسف عليه السلام في السماء الثالثة لأنَّ على
حسنه تدخل أمة النبي الا الله الجنة ۱ فأُرِي له هناك لكي
يكون ذلك بشارة له عليه السلام فيُسَر بذلك وإنما كان
إدريس عليه السلام في السماء الرابعة لأنه هناك توفي ولم
تكن له تربة في الأرض على ما ذكر ٢
وإنما كان هارون عليه السلام في السماء الخامسة لأنه ملازم
لموسى عليه السلام لأجل أنه أخوه وخليفته في قومه فكان
هناك لأجل هذا المعنى وإنما لم يكن مع موسى عليه السلام في
السماء السادسة لأن لموسى مزية وحرمة وهو كونه الكليم
واختص بأشياء لم تكن لهارون عليه السلام فلأجل هذا المعنى
لم يكن معه في السماء السادسة ولأجل المعنى الأول كان في
السماء الخامسة ولم يكن فيما دونها أو في الأرض
وإنما كان موسى عليه السلام في السماء السادسة لأجل ما
اختص به من الفضائل ولأنه الكليم وهو أكثر الأنبياء
أتباعاً بعد النبي لا ل ا ل فكان فوق من ذكر لأجل ما اختص
به من الفضائل وإنما كان إبراهيم عليه السلام في السماء
السابعة لأنه الخليل والأب الأخير ولأن النبي يصعد من هناك
إلى عالم آخر غير ما هو فيه الآن وهو اختراق الحجب فيحتاج
إذ ذاك أن يتجدد له أنس أيضاً لأن الغربة زادت إذ ذاك فكان
إبراهيم عليه السلام هناك لأجل ما يجد النبي صلى الله عليه
وسلم من الأنس به وذلك لثلاثة معان لكونه الأب الأخير
ولكونه أباً من طرفين بالنسب في الأبوة وبالاتباع في الملة
كما قال تعالى مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمُ ۳ ولأنه
الخليل كما تقدم ولا إلى أحد أفضل من الخليل إلا الحبيب
والحبيبها هو ذا قد علا ذلك المقام فكان الخليل فوق الكل
لأجل خلته وفضله وارتفع الحبيب فوق الكل لأجل ما اختص به
مما زاد به عليهم
يدل على ما قررناه الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى
تِلكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ
مِنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ
دَرَجَةٍ ٤ وأما السنة فقوله عليه السلام أنا سيّدُ ولدِ
آدمَ
۱ كأن المعنى تدخل أمة النبي الجنة قبل أمة يوسف عليه
السلام
رفع إدريس عليه السلام وهو حي كعيسى عليه السلام وهو في
قلب السماوات له شأنه العظيم بين الأنبياء ويفيض الشيخ
الأكبر ابن عربي في سرّ موضعه من السماوات
۳ سورة الحج من الآية ۷۸ ٤ سورة البقرة من الآية ٢٥٣
۹۷۹
يوم القيامة ولا فخر ۱ وقوله عليه السلام آدم ومن دونه تحت
لوائي فحصل لهم الكمال والدرجة الرفيعة وهي درجة الرسالة
والنبوة وَرُفِعُوا بعضُهم فوق بعض درجات بمقتضى الحكمة
ترفيعاً للمرفوع دون تنقيص بالمتروك الله عزّ وجلّ أعلم
الوجه الأربعون رؤيته عليه السلام لهؤلاء الأنبياء عليهم
السلام احتملت وجوهاً الأول أن يكون عليه السلام عاين كلَّ
واحد منهم في قبره في الأرض على الصورة التي أخبر بها من
الموضع الذي ذكر أنه عاينه فيه فيكون الله عزّ وجلّ قد
أعطاه من القوة في البصر والبصيرة بما أدرك ذلك يشهد لهذا
الوجه قوله عليه السلام رأيت الجنة والنار في عُرْضِ هذا
الحائط وهو محتمل لوجهين أحدهما أن يكون عليه السلام راهما
في ذلك الموضع كما يقال رأيت الهلال في منزلي من الطاق
والمراد من موضع الطاق الوجه الثاني أن يكون مثل له
صورتهما في عُرْض الحائط والقدرة صالحة لكليهما
الثاني أن يكون عليه السلام عاين أرواحهم هناك في صورتهم
الثالث أن يكون الله عزّ وجلّ لما أن أراد إسراء نبيه عليه
السلام رفعهم في قبورهم لتلك المواضع إكراماً لنبيه عليه
السلام وتعظيماً حتى يحصل له من قبلهم ما أشرنا إليه من
الأنس والبشارة وغير ذلك مما لم نشر إليه ولا نعلمه نحن
وإظهاراً له عليه السلام للقدرة التي لا يغلبها شيء ولا
تعجز عن شيء وكل هذه الوجوه محتملة ولا ترجيح لأحدها على
الآخر إذ إن القدرة صالحة لكل منها ولكلها معاً
الوجه الحادي والأربعون فيه دليل لأهل الصوفة حيث يقولون
بأن الأعلى يكاشف من دونه في المقامات ولا يكاشفونه في
مقامه الخاص لأن النبي لما أن كان أعلى الأنبياء عليهم
السلام مقاماً اطلع على مقاماتهم حين صعوده ولم يطلع أحد
منهم على مقامه الخاص
الوجه الثاني والأربعون قوله عليه السلام فرفع إليَّ البيت
المعمور معناه أنه أري له وقد يحتمل أن يكون المراد الرفع
والرؤية معاً لأنه قد يكون بينه وبين البيت عوالم حتى لا
يقدر على إدراكه فرفع إليه وأُمِدَّ في بصره وبصيرته حتى
رآه وقد يحتمل أن تكون تلك العوالم التي كانت بينه وبينه
أزيلت حتى أدركه ببصره وقد يحتمل أن يكون بقي العالم على
حاله والبيت على حاله
۱ رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد رضي
الله عنه وتتمة الحديث وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من
نبي يومئذ ادم فمن سواه إلا تحت لوائي وأنا أول شافع وأول
مشفع ولا فخر رواه البخاري في الفتن بلفظ والذي نفسي بيده
لقد عرضت عليّ الجنة والنار انفاً في عرض هذا الحائط وأنا
أصلي فلم أر كاليوم في الخير والشر
۹۸۰
وأُمِدَّ في بصره وبصيرته حتى أدركه وعاينه والقدرة صالحة
للكل يشهد لذلك قوله عليه السلام
رفع إلي بيت المقدس على ما سيأتي والتأويل فيه كالتأويل في
البيت المعمور
الوجه الثالث والأربعون قوله عليه السلام فسألت جبريل فيه
دليل على أن أهل الفضل وإن تناهوا في السؤدد والرفعة إذا
رأوا شيئاً لا علم لهم به أن يسألوا عنه من يعلم ذلك وليس
ذلك مما يخل بمنصبهم لأن النبي الله في الفضل والسؤدد حيث
قد علم وفي هذا الحال قد كان تناهى ارتقاؤه حيث أخبر لكن
لما أن رأى شيئاً لا علم له به ووجد من سأل عنه سأله
الوجه الرابع والأربعون قوله هذا البيت المعمور يصلي فيه
كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا آخر ما عليهم
فيه دليل على عظيم قدرة الله تعالى وأنه لا يعجزها شيء لأن
هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم هذا العدد العظيم منذ
خلق الله تعالى الخلق إلى الأبد ثم طائفة هذا اليوم لا
ترجع إليه أبداً ومع أنه قد روي أنه ليس في السماوات ولا
في الأرض موضع شبر - وقيل قدر أربعة أصابع - إلا ومَلَكٌ
واضع جبهته هناك ساجد ۱ ثم البحار ما من قطرة إلا وبها ملك
موكل بها فإذا كانت السماوات والأرض والبحار هكذا فهؤلاء
الملائكة الذين يدخلون أين يذهبون هذا من عظيم القدرة التي
لا يشبهها شيء ولا تتوقف عن شيء
الوجه الخامس والأربعون فيه دليل على أن الملائكة أكثر
المخلوقات لأنه إذا كان سبعون ألف ملك كل يوم يصلّون في
البيت - على ما تقدم ذكره - لم لا يعودون آخر ما عليهم مع
أن الملائكة في السماوات والأرض والبحار - على ما تقدم
ذكره - فهم على هذا الظاهر أكثر المخلوقات وقد روي أن الله
مَلَكاً له خَلْق عظيم يطول وصفه يَعْتَسِل كل يوم ثم
ينتفض في ريشه فكل قطرة تقطر منه يخلق الله عزّ وجلّ منها
مَلَكاً وقد روي أن ثَمّ ملائكة يسبحون الله عزّ وجلّ
فيخلق الله تعالى بكل تسبيحة مَلَكاً هذا عدا الملائكة
التي خُلِقت للتعبّد وعدا الملائكة الموكلين بالنبات
والأرزاق والحَفَظة وقد روي أن ما لله تعالى من المخلوقات
من حيوانات وغيرها - عدا بني آدم الذين لهم الحفظة - إلا
ومعه مَلَكان أحدهما يهديه إلى رزقه والآخر إلى مصالحه
فكانوا أكثر المخلوقات بمقتضى هذه الظواهر
۱ رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وصححه الحاكم عن
أبي ذر رضي الله عنه بلفظ إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا
تسمعون أطّت السماء وحق لها أن تنط ما فيها موضع أربع
أصابع إلا ومَلَك واضع جبهته الله تعالى ساجداً والله لو
تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم
بالنساء على الفراش ولخرجتم إلى الصَّعدات تجأرون إلى الله
عزّ وجلّ
۹۸۱
الوجه السادس والأربعون فيه دليل على أن الصلاة أفضل
العبادات إذ إنها اشترك فيها أهل العالمين العلوي والسفلي
أعني أنهم مأمورون بجنسها
الوجه السابع والأربعون فيه دليل على استغناء الله تعالى
عن خلقه وأنه لا تنفعه طاعة الطائع ولا تضره مخالفة
المخالف لأنه عزّ وجلّ خلق هذا الخلق العظيم ووكل بعضهم
بحفظ منافع بعض ووكل بعضهم بفعل أشياء وإتقانها والكل ليس
بيدهم في ذلك شيء ولا لهم على ما يفعلون قدرة بل قدرة الله
عزّ وجلّ هي الحافظة لكل ذلك والمصلحة له وإنما ذلك من
الله تعبد يتعبد به مِن خلقه مَن شاء كيف شاء بما شاء
ثم إنه عزّ وجلّ خلق الخلق وقسمهم على أقسام فقوم خلقهم
للسعادة لا غير واختصهم بعبادته وجعل العبادة لهم قوتاً
وعيشاً ويسرها عليهم وأجراها لهم كمِثل النَّفَسِ لبني آدم
وهم الملائكة وقوم خلقهم للشقاوة والطرد والبعد وجعلهم
أهلاً للشر وأسبابه وهم الشياطين وقوم خلقهم وأدارهم بين
هذين القسمين شقي وسعيد وجعل لهم الثواب على الطاعات
والعقاب على المخالفات وهم بنو آدم والجن ثم قسم بني ادم
والجن على أقسام فمنهم القسمان المتقدمان وخلق منهم فيتوب
عليهم لقوله عليه السلام لو لم تذنبوا لأتى الله بقوم
يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم ۱ وخلق منهم قوماً يعصون فلا
يغفر لهم ولا حيلة لهم في السعادة بعدها للمقدور الذي سبق
عليهم وخلق منهم قوماً فيهم نصيب للعذاب ونصيب للرحمة
طائفة يعصون
فلو كان عزّ وجلّ تنفعه طاعة الطائع لخلق الكلّ للطاعة ولو
كانت تضره معصية العاصي لم يكن ليعفو عمن عصاه والعاقبه
على كل حال ولأجل هذه المعاني التي أشرنا إلى شيء منها قال
عليه السلام تفكر ساعة خير من عبادة سنة ۳ وفي رواية خير
من عبادة الدهر لأنه إذا تفكر المرء في شيء من هذه القدرة
العظمى والحكمة الكبرى بان له الحق واتضح فأذعن عند ذلك
الله وسلم له في مقدوره وازداد بذلك محبة في التعبد لمن له
هذا الملك العظيم إذ بالعبادة يتقرب إليه فأنس عند ذلك بها
واستوحش من ضدها وأنس بالخلوة عن الخلق لأجل فراغه للتعبد
والنظر فيما أشرنا إليه واستوحش عند المخالطة لذهاب ذلك
الوصف عنه
ولهذا المعنى لما أن دخل بعضهم على بعض الفضلاء من أهل
الصوفة وجده وحده فسأله
۱ رواه الإمام أحمد ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ
والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء
بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم تقدم تخريجه في الحديث ۱
۹۸
وحدك قال رضي الله عنه الآن أنا وحدي يعني ا كان في خلوته
مشتغلاً بشيء مما أشرنا إليه إما من تعبد أو فكرة فأنس ذلك
مع ربه ثم لما أن جاءه ذهب ذلك عنه وهو يجد بذلك الوحشة
فكان وحده لأجل هذا المعنى
ولهذا المعنى قال بعض الفضلاء أوصيك بأن تديم النظر في
مرآة الفكرة مع الخلوة فهناك
يبين لك الحق
والتفكر في معاني هذا الحديث يزيد في الإيمان أضعاف أضعافه
إذا رزق صاحبه التوفيق وإنما تكلمنا على هذا المعنى إشارة
ليتنبه الطالب والمريد لما عدا تلك المعاني التي أشرنا
إليها لعلها تكون له سلماً وسبباً إلى الارتقاء والفهم
فيما عداها الوجه الثامن والأربعون قوله عليه السلام ورفعت
إليَّ سدرة المنتهى الكلام عليه كالكلام على قوله ورفع
إليَّ البيت المعمور وقد مر وإنما سميت بهذا الاسم لأن
إليها تنتهي هناك ينزل الأمر وتتلقى الأحكام وعندها تقف
الحفظة وغيرهم ولا يتعدونها فكانت
ومن
الأعمال
منتهى لأن إليها ينتهي ما يصعد من السفل وما ينزل من
العالم العلوي من أمر العلي القدير الوجه التاسع والأربعون
قوله عليه السلام فإذا نَبْقُها كأنه قِلال هَجَر وورقها
كأنه آذان الفيلة النَّبق هو الثمرة التي تثمرها هذه
الشجرة وقدرها قدر قُلَّة هَجَر وقُلَّة هَجَر أكبر أواني
أهل الأرض من جنسها على ما كان أهل الحجاز يعهدون وإنما
شبه عليه السلام نَبْقها بالقِلال وورقها بآذان الفيلة
لأنه ليس في الدنيا ما يُشبِهُهُما من جنسها فأشار إلى ذلك
ليُعلم قدرُها وأما
حسنها فلا يتوصل إليه إلا من أطلعه الله عزّ وجلّ عليها أو
يراها في الآخرة إن شاء الله تعالى الوجه الخمسون قوله
عليه السلام في أصلها أربعة أنهار نهران باطنان ونهران
ظاهران هذا اللفظ يحتمل أن يكون على الحقيقة ويحتمل أن
يكون من باب تسمية الشيء بما قاربه فإن كان على الحقيقة
فتكون هذه الأنهار تنبع من أصل الشجرة نفسها فتكون الشجرة
حلوة الثمر وأصلها ينبع منه الماء والقدرة لا تعجز عن هذا
ولا عن شيء ممكن مهما كان وإن كان من باب تسمية الشيء بما
قاربه فتكون الأنهار تنبع قريباً من أصل الشجرة
ثم بقي احتمال هل الشجرة مغروسة في شيء أم لا محتمل
للوجهين معاً لأن القدرة صالحة لكليهما فكما جعل عزّ وجلّ
هنا الأرض للشجرة مقراً كذلك يجعل الهواء لتلك مقراً وكما
رجع النبي الا الله و يمشي في الهواء كما كان يمشي في
الأرض وكما كان جبريل عليه السلام جالساً على كرسي بين
السماء والأرض - والقدرة لا تعجز عن هذا كله ولا عن أمثاله
وأمثال أمثاله إلى ما لا نهاية له - ولأن بالقدرة استقرت
الأرض وتمهدت مع أنها على الماء لأن الأرض
۹۸۳
بما فيها على الماء ـ على ما جاءت به الأخبار - فإمساكها
بمن يمشي عليها أعظم في القدرة من إمساكها وحدها ومن إمساك
المخلوقات دونها وإنما يتعاظم هذا لكون الله عزّ وجلّ أجرى
العادة بالمشي على الأرض والاستقرار عليها ولم يُجرِ ذلك
في الهواء والقدرة ليست مرتبطة بالعادة الجارية ولو شاء
عزّ وجلّ أن يجعل الأمر بالعكس لفعل ولو فعل ذلك لعظم
أيضاً في أعين الناظرين من يمشي على الأرض لأجل العادة
الجارية وقد روي أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود فهي
تجري في مواضع معلومة لا تتعداها من غير شيء يمسكها ولا
يردّها فمن كانت هذه قدرته فكيف يقع الإنكار أن تكون شجرة
في الهواء مع عظيم هذه القدرة ويحتمل أن تكون الشجرة
مغروسة بأرض - وهو الأظهر - بدليل قوله ونهران باطنان ولا
يطلق هذا اللفظ وما أشبهه إلا على ما يفهم والباطن لا بدَّ
له أن يكون سريانه تحت شيء يستره وحينئذ يطلق عليه اسم
الباطن ثم بقي الاحتمال في الأرض إذا قلنا بها هل هي من
تراب الجنة أو هي تورية أو غير ذلك محتمل لكل ذلك
الوجه الحادي والخمسون قوله عليه السلام فسألت جبريل
الكلام عليه كالكلام على سؤاله عليه السلام قبل ذلك
الوجه الثاني والخمسون قوله عليه السلام وأما الباطنان ففي
الجنة وأما الظاهران فالفرات والنيل فيه دليل على أن
الفرات والنيل ليسا من الجنة لأنه عليه السلام أخبر أن
جبريل عليه السلام أخبره أن هذه الأنهار منبعها من سدرة
المنتهى فيروح الباطنان إلى الجنة والفرات والنيل ينزلان
إلى الدنيا وسدرة المنتهى ليست في الجنة حتى يقال إنهما
يخرجان منها بعد نبعهما من الشجرة وهذا معارض لقوله عليه
السلام أربعة أنهار في الأرض من الجنة فذكر الفرات والنيل
وزاد سيحون وجيحون ۱
والجمع بينهما - والله أعلم - أنه قد يكون الفرات والنيل
منبعهما من سدرة المنتهى وإذا نزلا إلى الدنيا يسلكان
أولاً على الجنة فيدخلانها ثم بعد ذلك ينزلان إلى الأرض
وفي المسألة خلاف
ذكره العلماء
وهذا أدل دليل على أن الأشياء لا تؤثر بذواتها وإنما
القدرة هي المؤثرة في كلها إذ إن الأخبار قد وردت بأن من
شرب من ماء الجنة لا يموت ولا يفنى وأنه ليس له فضلة تخرج
على ما
۱ رواه الشيرازي في الألقاب كما في الفتح الكبير عن أبي
هريرة رضي الله عنه وبمعناه في مسند الإمام أحمد وصحيح
مسلم بلفظ سيحان و جيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة
انظر النهاية في الفتن والملاحم ٢٩٧/٢ لابن كثير
٩٨٤
يعهد في دار الدنيا وإنما خروجه رشحان مسك على البدن فجعلت
فيه هذه الخاصية العظمى ثم لما أن شاء الله عزّ وجلّ
بنزوله إلى هذه الدار نزعت منه تلك الخصوصية وأُبْقِيَ
جوهره بحاله وكل الخواص مثله في هذا المعنى إن شاء الله
عزّ وجلّ أبقى لها الخاصية وإن شاء سلبها مع بقاء
جوهرها ليس لذوات الخواص تأثير بل الخاصية خَلَقها والجوهر
خلقه بدليل ما نحن بسبيله الوجه الثالث والخمسون فيه دليل
على أن الباطن أجلّ من الظاهر لأنه لما أن كان الباطنان
أجلَّ جُعِلا في دار البقاء ولما أن كان الظاهران أقلَّ
أُخرجا إلى هذه الدار ولهذا قال عليه السلام إن الله لا
ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم ۱ وإن كانا معاً
مقصودين لكن جلّ المقصود هو الباطن كما قال عليه السلام في
الحج الحج عرفة يريد أن معظم الحج عرفة ولأجل هذا فاق أهل
الصوفة غيرهم لأنهم عملوا على صلاح الباطن فصلح منهم
الباطن والظاهر وأهل
الدنيا عملوا في تعبدهم على صلاح الظاهر ولم يلتفتوا إلى
الباطن ففسد منهم الظاهر والباطن الوجه الرابع والخمسون
قوله عليه السلام ثم فرضت عليَّ خمسون صلاة يرد على هذا
الفصل بحث دقيق وهو لم فرضت الصلاة في هذا الموطن دون
واسطة وغَيرُها من الفرائض لم يكن لها ذلك ومما يندرج في
هذا البحث أيضاً أن الشارع عليه السلام حض عليها ما لم يحض
على غيرها من الفرائض وجعلها فرقاً بين الإيمان والكفر
وقال فيها موضع الصلاة من الدين موضع الرأس من الجسد ۳
وقال فيها وجعلت قرة عيني في الصلاة 4 وقال فيها أرحنا بها
یا بلال إلى غير ذلك من الأحاديث الخاصة عليها
فنقول والله المستعان إنه إن كان ذلك تعبداً فلا بحث وإن
كان لحكمة فعند ذلك يحتاج إلى البيان والأصل - كما قدمنا
غير مرة - أن كل متعبَّد به إنما هو لحكمة ومما يدل على
ذلك قوله تعالى ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُونَ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
٦ وقوله عزّ وجلّ
۱ رواه مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ إن
الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم
وأعمالكم
قطعة
3 3 3
قطعة من حديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وقال
حسن صحيح ورواه النسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن عبد
الرحمن بن يعمر الديلمي ولفظه الحج عرفة من جاء قبل صلاة
الصبح من ليلة جمع فقد تم حجه أيام منى ثلاثة فمن تعجل في
يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ۳ رواه الديلمي
عن ابن عمر رضي الله عنه بلفظ كموضع بدلا من موضع الوارد
عند المؤلف رحمه الله ٤ تقدم تخريجه في الحديث ٦
٥ تقدم تخريجه في الحديثين ٤٢ و ٦٤
٦ سورة الأنعام الاية ٧٥
۹۸۵
في صفة المؤمنين وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا 1 فإذا
كانت السماوات والأرض لم تخلق إلا لحكمة فكذلك كلّ ما فيها
من المخلوقات وما كلفوا فيها من التكليفات كل شيء من ذلك
صادر عن حكمة وليس شيء منها عبثاً لكن ما جهلنا الحكمة فيه
لقلة الفهم قلنا عنه تعبداً أي تعبَّدَنا الله بذلك فعلى
هذا ففرض الصلاة هناك بغير واسطة وتحضيض الشارع عليه
السلام عليها بالأحاديث المذكورة لا بد لذلك كله من حكمة
وإذا كان ذلك لحكمة فنحتاج أن نبحث فيه ونبينه بحسب ما
ييسر الله فيه
فنقول والله المستعان أما قوله عليه السلام وجعلت قرة عيني
في الصلاة وقوله عليه
السلام أرحنا بها يا بلال فالمعنى في ذلك ظاهر من وجوه
الوجه الأول أنه عليه السلام يتذكر بها تلك المراجعات
الجليلة وهي خمسة مواطن كما ذكر في الحديث حين مراجعته
عليه السلام من أول الفرض إلى حين استقراره بين ربه عزّ
وجل وبين موسى عليه السلام
الثاني أنه في تلك الليلة المباركة - أعني ليلة المعراج -
رأى عليه السلام تعبد الملائكة في العالم العلوي فمنهم
قيام لا يلتفتون ومنهم رُكَّعٌ لا ينحرفون ومنهم سُجَّدٌ
لا يرفعون على ما نقل عنه عليه السلام في الحديث الصحيح
فإذا كان يوم القيامة قالوا بأجمعهم سُبّوح قدوس ما
عبدناكَ حقّ عبادتك فجمع الله عزّ وجلّ لنبيه عليه السلام
ولأمته جميع تلك العبادات في ركعة واحدة في أقل زمان وأقرب
فعل وهو قدر اطمئنان الأعضاء على ما نقل عنه عليه السلام
في حديث الأعرابي حيث قال له اركع حتى تطمئِنَّ راكعاً ثم
ارفع حتى تعتدل قائماً ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً
الثالث أنها فرضت أولاً مثقلة ثم خُفِّفت وأبقي الأجرُ على
ما كان عليه
الرابع أن الله عزّ وجلّ جعل فيها جملة من المراتب السنية
لنبيه عليه السلام ولأمته لأنه عزّ وجلّ يقول على لسان
نبيه عليه السلام قسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ۳
بالنظر إلى هذا النص على قسمين وهي بالنظر إلى البحث في
الحديث على خمس مراتب لأن الشارع عليه السلام أخبر أنه إذا
قال العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ يقول
الله حَمِدَني عبدي يقول العبد الرحمن الرحيم يقول الله
أثنى عليَّ عبدي يقول
فهي
۱ سورة ال عمران من الاية ۱۹۱ تقدم تخريجه في الحديث ٦٤
۳ رواه الإمام أحمد ومسلم والأربعة عن أبي هريرة رضي الله
عنه وهو حديث قدسي
٩٨٦
وَلا
العبد ملِكِ يَوْمِ الدِّينِ يقول الله مجدني عبدي يقول
العبد إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يقول الله
هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سال يقول العبد اهْدِنَا
الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ
عَلَيْهِمْ غَيْرِ الضالين ١ يقول الله هؤلاء لعبدي ولعبدي
ما سأل غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِـ فهذه خمس مراتب ثلاث
منها لجانب المولى جل جلاله وحقيقة النفع فيها للعبد إذ إن
الله عزّ وجلّ غنيّ عن عبادة الخلق إياه فهو عزّ وجلّ قد
رفع عبده في ثلاثة مقامات من المراتب السنيّة في هذه
السورة لأن لكل لفظ منها مَقاماً يخصّه وقد ذكر الله عزّ
وجلّ ذلك في كتابه حيث قال الحَمدُونَ وقال الذاكرون وقال
وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وقد جعل
الشارع عليه السلام لكل اسم وصفة مرتبة بحدتها فمن حلف
باسم أو بصفة فعليه كفارة واحدة فإن جمَع في اليمين أسماء
وصفاتٍ كانت عليه كفاراتٌ بعدد الأسماء والصفات أعني إذا
أفرد كل واحد من الأسماء والصفات
فجعل عزّ وجلّ لكل لفظة في كتابه وعلى لسان نبيه عليه
السلام مدحة ومنزلة فلما أن كانت الثلاث الأول كلها ثناء
على الله تعالى جعلها عزّ وجلّ قسماً واحداً فأضافها إلى
نفسه ولما أن كانت الآية الرابعة إقراراً له عزّ وجلّ
بالألوهية وطلباً منه للاستعانة قال هذا بيني وبين عبدي
ولما كان باقيها طلباً للعبد لا غير قال عزّ وجلّ ولعبدي
ما سأل فجعلها عزّ وجلّ أولاً على قسمين بقوله تعالى نصفها
لي ونصفها لعبدي ثم جعلها عند البيان على ثلاث مراتب خاص
به وخاص بالعبد ومشترك بينه وبين العبد
وهي بالتقسيم والنظر إلى البحث خمس كما قدمنا وهذه الخمس
أعني جنس العدد كثيراً ما يتردد في الصلاة على وجوه ومعان
مختلفة
خمس
فمنها أن أفعالها خمس وأقوالها خمس وأحوالها خمس وأسماءها
خمس ومراتبها
فأما الأفعال ففي كل ركعة قيام وركوع وسجدتان وجلوس وأما
الأقوال ففي كل ركعة تكبير وقراءة وتحميد وتعظيم ودعاء
وأما الأحوال ففي كل ركعة تَجَلّ وترفيع ومغفرة وإجابة
وقرب وتدان
۱ سورة الفاتحة الآيات ١ - ٧ سورة المعارج من الآية ٢٦
۹۸۷
وأما الأسماء فكما سماها الشارع عليه السلام ظهر و عصر و
مغرب وعشاء وصبح
وأما المراتب ففرض وسنة واستحباب ونفل وترغيب
أما الأفعال فظاهرة لا تحتاج إلى بيان
وأما الأقوال فالتكبير معلوم عند الإحرام وفي أركان الصلاة
والقراءة مثل قراءة أم القرآن وغيرها على ما ذكر في كتب
الفقه والتعظيم خاص بالركوع لقوله عليه السلام أما الركوع
فعظموا فيه الرب ۱ ونهى عن القراءة فيه والدعاء والتسبيح
مشروع في السجود لقوله عليه السلام حين أنزل عليه سَبِّح
اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فقال اجعلوها في سجودكم ۳ وقوله
عليه السلام أكثروا فيه من الدعاء فقَمِنٌ أن يُستجابَ لكم
أي حقيق يعني في السجود
وأما الأحوال فأولها التجلي وهو عند استفتاح الصلاة مرة
وفي كل ركعة مرة وأما الاستفتاح فمعلوم من الكتاب والسنة
أما الكتاب فقوله تعالى فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ
وَجْهُ اللهِ ﴾ ٤ وأما السنة فقوله عليه السلام إذا دخل
العبد في الصلاة أقبل الله عليه بوجهه فإذا التفت أعرض عنه
٥ وقوله عليه السلام إذا كان أحدكم يصلي فلا يَبصُقْ
قِبَلَ وجهه فإن الله تبارك وتعالى قبلَ وجهه إذا صلّى وفي
رواية فإنما يناجي ربه أو ربه بينه وبين القبلة ٦ ولأجل
هذا التجلي وهذه المناجاة وما
1 رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس
رضي الله عنهما بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا
وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً وساجداً فأما الركوع
فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فإنه
قمِنٌ
أن يُسْتَجابَ لكم سورة الأعلى من الاية ۱
۳ رواه أبو داود وابن ماجه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه
وتمام الحديث لما نزلت ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ
الْعَظِيمِ قال رسول الله و اجعلوها في ركوعكم ولما نزلت
سَبْح اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال اجعلوها في
سجودكم
٤ سورة البقرة من الآية ١١٥
٥ روي ذلك في عدة أحاديث متفقة في المعنى مختلفة في اللفظ
منها ما رواه الإمام أحمد وأبو داود وصححه ابن خزيمة
والحاكم عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي له الا الله قال
لا يزال الله مقبلا على العبد في صلاته ما لم يلتفت فإذا
صرف وجهه انصرف عنه
٦ متفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه بلفظ أن رسول الله
الله ما رأى نخامة في القبلة فشق ذلك عليه حتى رئي في وجهه
فقام فقام فحكه بيده فقال إن أحدكم إذا قام في الصلاة
فإنما يناجي ربه فإن ربه بينه وبين القبلة فلا يبزقن أحدكم
قبل قبلته ولكن عن يساره أو تحت قدمه ثم أخذ طرف ردائه
فبصق فيه ثم ردّ بعضه على بعض فقال أو يفعل هكذا
۹۸۸
أشرنا إليه في الصلاة من المقامات وما يأتي بعده كلام
العلماء رضوان الله عليهم بصيغ مختلفة لعله أن يحصل للمصلي
مما أشرنا إليه شيء فمنها ما قاله الغزالي رحمه الله في
القائم إلى الصلاة عند الإحرام بعد توفية تلك الشروط الخمس
۱ فيها فقال يُمثل الجنةَ عن يمينه والنار عن شماله
والصِّراطَ بين قدميه والله عزّ وجلّ قبالة وَجهِه وقال
غيره بل يُحضر جميعَ العوالم في خاطره ثم يُحضر نفسه أنه
بين يدي خالقها والأقاويل في هذا المعنى متعددة والموطن
الثاني من التجلي الذي هو في كل ركعة هي القراءة لمن قرأ
بصدق وإخلاص
لأنها تجلُّ بالصفة الجليلة والصفة لا تفارق الموصوف
وأما الترفيع ففي كل ركعة مواطن منها الركوع إذا قصد به
الخضوع الله تعالى كما شرع له لأن في ضمن ذلك الترفيع
لقوله عليه السلام من تواضع لله رفعه الله ومنها السجود
لقوله عليه السلام أقرَبُ ما يكون العبد من الله إذا كان
ساجداً وبطنه جائعاً ۳
وأما المغفرة ففي كل ركعة موطنان الأول عند قوله آمين بعد
قوله ﴿ وَلَا الضالين لقوله عليه السلام في ذلك إذا قال
أحدكم آمين وقالت الملائكة في السماء امين فوافقت إحداهما
الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه ٤ والموطن الثاني من
المغفرة قوله ربَّنا ولك الحَمدُ بعد قوله سمع الله لِمَن
حَمِدَه لقوله عليه السلام فيه أيضاً مَن وافَق قوله
قَوْلَ الملائكة غفر له ما تقدَّم من ذنبه وقد مرَّ الكلام
على الموافقة ما هي هل هي في الإخلاص أو في الزمان عند ذكر
الحديث نفسه وهو قوله عليه السلام إذا قال الإمام سَمع
الله لمن حمده
فقولوا اللهم ربَّنا ولك الحمد فإنه من وافق قوله قول
الملائكة غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه ٥ وأما الإجابة ففي
كل ركعة موطنان الأول عند قوله وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾
إلى آخر السورة لقوله عزّ وجلّ ولعبدي ما سأل كما تقدم
والموطن الثاني في السجود لقوله عليه السلام أكثروا فيه من
الدعاء فقَمِنٌ أن يُستجاب لكم كما تقدم وأما القرب
والتداني ففي كل ركعة موطن واحد عند قوله إِيَّاكَ
نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ ﴿
١ كذا وهو جائز باعتبار الجمع مؤنثاً
رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة رضي الله عنه وفي
مسلم وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ۳ رواه مسلم وأبو
داود والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه وليس فيه عبارة
وبطنه جائعاً ٤ رواه البخاري بلفظ إذا قال أحدكم امين
وقالت الملائكة في السماء امين فوافقت إحداهما الأخرى غفر
له ما
تقدم من ذنبه
٥ متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
۹۸۹
ن ﴾ لقوله عزّ وجلّ فهذه بيني وبين عبدي فسوّى عزّ وجلّ
بينه وبين عبده دون
ترفيع لذاته الجليلة وهذا هو غاية التداني والقرب من طريق
المنّ والإفضال
ولا يتوهم متوهم أن ما ذكرناه هنا معارض لما قدمناه من
قوله عليه السلام أقرب ما يكون العبد من الله إذا كان
ساجداً وبطنه جائعاً لأن بينهما فرقاً وهو أن ما أخبر به
عليه السلام مما تقدم حال أوصاف العبودية لأن العبد لا
يقدر على أكثر من هذا الحال وهو أن يجيع بطنه ويمرغ وجهه
في التراب تذللاً لمولاه وأما القرب والتداني فهو فيض
الربوبية وفيض الربوبية ليست۱
من كسب العبودية حتى يوصف العبد بها فتلك ٢
خاصة بكسب العبد فيمدح عليها ويذم وهذه خاصة بفيض الربوبية
لا مِدْحَةَ للعبد فيها ولهذا المعنى الذي أشرنا إليه -
أعني في هذه الخمس مراتب التي ذكرناها في أم القرآن وما
تضمنته من درر العلوم الثاقبة ـ قال علي رضي الله عنه لو
شئتُ أن أُوقر ۳ سبعين بعيراً من تفسير أم القرآن لفعلت
واغترافها من السورة يظهر في هذه الخمسة كنوز التي أشرنا
إليها
بيان ذلك أنه إذا قال الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ يحتاج أن يُبَيِّن ٤ معنى الحمد وما يتعلق
به والاسم الجليل الذي هو الله وما يليق به من التنزيه ثم
يحتاج إلى بيان العالم وكيفيته على أنواعه وأعداده وقد قال
عليه السلام إن الله سبعة عشَرَ َألفَ عالَم السمواتُ
السبعُ
جميع
والأرضون السبعُ وما فيهن عالم واحد وقد أخبر عليه السلام
أن في هذه الأرض ألف عالَم
أربعمائة في البر وستمائة في البحر فيحتاج إلى بيان ما
أشرنا إليه كله إذ اللفظ يحوي ذلك كله
فإذا قال الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يحتاج أيضاً أن يبين هذين
الاسمين الجليلين وما يليق ﴿ بهما من الجلال وما معناهما
ثم يحتاج في ضمن هذا البيان إلى بيان جميع الأسماء والصفات
ثم يحتاج إلى بيان الحكمة في اختصاص هذا الموضع بهذين
الاسمين الجليلين دون غيرهما من الأسماء وسنذكر طرفاً من
هذه الحكمة بعد إن شاء الله تعالى
فإذا قال مثلِكِ يَوْمِ الدِّينِ يحتاج إلى بيان ذلك اليوم
وما فيه من المواطن والأهوال وكيفية ذلك العالم وما يخص
لكل عالم فيه وأين مستقره
1 أعاد على فيض ضمير المؤنث لأنه أضيف إلى الربوبية فاكتسب
منها التأنيث ٢ أي حال أوصاف العبودية في الحديث الشريف
۳ أوقر أحمل
٤ أي يفسر
۹۹۰
فإذا قال إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يحتاج
إلى بيان المعبودِ وجلاله والعبادة
وكيفيتها وصفاتها وادابها على جميع أنواعها والعابد وصفته
والاستعانة وادابها وكيفيتها فإذا قال اهْدِنَا الصِّرَاطَ
الْمُسْتَقِيمَ إلى آخر السورة يحتاج إلى بيان الهداية ما
هي والصراط المستقيم وأضداده ما هي ويبين المغضوب عليهم
والضالين وصفاتهم وما يتعلق بهذا النوع ويبين المرضي عنهم
وصفاتهم وطريقتهم
فعلى ما أبديناه من هذه الوجوه يكون ما قاله الإمام علي
رضي الله عنه أو يزيد عليه وبما أشرنا إليه يَبينُ معنى
قوله عليه السلام في التارك لأم القرآن في صلاته فهي خداج
فهي خداج فهي خداج أي غير تمام لأن من فاتته تلك المراتب
السنية التي أشرنا إليها فحقيق أن يكون
عمله غير تمام وأما المراتب فهي على مذهب مالك رحمه الله
ومن تبعه من العلماء خمس فرض وهي الخمس وسنة وهي الوتر
والعيدان والاستسقاء وكسوف الشمس وما أشبه ذلك وفضائل وهي
قيام رمضان وتحية المسجد وخسوف القمر ومختلف فيه هل هو سنة
أو مستحب وهي ركعتا الفجر ومتفق عليه أنه نافلة وهو ركعتا
الضحى والركوع قبل صلاة الظهر وبعدها وقبل العصر وبعد
المغرب وبعد العشاء ۳
ثم نرجع الآن إلى بيان كون الشارع عليه السلام جعلها فرقاً
بين الإسلام والكفر ومعنى
ذلك ظاهر من وجوه
الأول أن ذلك تنبيه للأمة على تعظيم هذا الشعار أكثر من
غيره من الشعائر لأن ما فرض في ذلك المحل الجليل 4 بغير
واسطة أفضل مما فرض في هذا المحل ٥ بالواسطة
الثاني أنها صلة بين العبد وربه لأن اسمها مشتق من الصلة
فمن كان لا يقبل هذه الصلة مع ما يعود عليه فيها من حسن
العائد ولا يعظم منها ما عظم الله عزّ وجلّ فجدير أن تجعل
حداً
1 رواه الإمام أحمد وابن ماجه وابن أبي شيبة والبيهقي عن
السيدة عائشة رضي الله عنها
٢ أي الركعتان قبل ركعتي الفرض
۳ هذا على مذهب الإمام مالك
٤ يعني سدرة المنتهى
0
يعني الدنيا
۹۹۱
بين الإسلام والكفر ۱ لأنها أول فرض فُرِض على من ادعى
الإسلام فإذا لم يُوفِ ما فرض عليه منها فيكون شبيهاً
بالارتداد عما ادعى من الاستسلام والانقياد ولهذا المعنى
قال عمر رضي الله عنه فمن ضيعها فهو لما سواها أضيع يعني
الصلاة الثالث أن فيها من الترفيع للنبي والتأنيس ما ليس
في غيرها وأمته يندرجون معه في ذلك فأما الترفيع فلكونه
عليه السلام خُص بالارتقاء لتلك المنزلة العليا لفرض
الصلاة هناك عليه السلام بغير واسطة وذلك لم يُفعل مع غيره
من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ثم ترداده
عليه السلام خمساً بين ربه عزّ وجلّ وبين موسى عليه السلام
زيادة له في الترفيع كما تقدم وأما التأنيس فلما فيها من
شَبَه الحال وهو ما ذكرناه من الأحوال الخمس
فالتجلّي في الصلاة مقابله التجلي هناك والترفيع مقابله
الترفيع هناك في العالم العلوي وخرق الحجب ورؤية الآيات
العظام والإجابة مقابلها الإجابة هناك وهي قضاء الحاجة في
الشفاعة والمغفرة مقابلها العفو هناك عن خمس وأربعين من
الفرض - وهو الخمسون - وإبقاء أجر الخمسين في الخمس والقرب
والتداني مقابله هناك قاب قوسين أو أدنى مع نفي التكييف
والتحديد ولهذا المعنى قال عليه السلام لا تفضلوني على
يونس بن متى يعني بذلك نفي التكييف والتحديد - على ما قاله
الإمام أبو المعالي ٢ - لأنه قد وجدت الفضيلة بينهما في
عالم الحس لأن النبي صلى الله عليه وسلم سُري به إلى فوق
السبع الطباق ويونس عليه السلام نزل به إلى قعر البحار وقد
قال عليه السلام أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وقال
عليه السلام ادم ومن دونه تحت لوائي وقد اختصّ عليه السلام
بالشفاعة الكبرى التي لم تكن لغيره من الأنبياء عليهم
السلام فهذه الفضيلة قد وجدت بالضرورة فلم يبق أن يكون
قوله عليه السلام لا تفضلوني على يونس بن متى إلا بالنسبة
إلى المسافة
فمحمد عليه السلام وإن سُرِيَ به لفوق السبع الطباق واخترق
الحجب ويونس عليه السلام وإن نزل به لقعر البحار فهما
بالنسبة إلى القرب من الله سبحانه على حد واحد والمراد
بقوله عزّ وجلّ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى أنه لو كان
الله عزّ وجلّ مسافة يُمشى إليه فيها لكان النبي منه بذلك
القرب إشارة منه عزّ وجلّ إلى قرب نبيه عليه السلام
وتشريفه إياه فتحصل من هذا أن ليلة الإسراء كانت خيراً
خاصاً به عليه السلام وفرض الصلاة فيها عليه
1 أي بين إسلامه وكفره و أل نائبة عن ضمير الغائب أبو
المعالي هو عبد الملك بن عبد الله الجُوَيْني وقد تقدمت
ترجمته في الحديث ۳
۹۹
وعلى أمته مشترك بينه وبين أمته وذلك مثل ما كان للخليل
عليه السلام حين ابتلي بذبح ابنه ليُظهر الله عزّ وجلّ
بذلك رفع منزلته في تحقيق الخُلَّة بالرضا والتسليم في ذلك
الأمر العظيم الذي لم يُفعل مع غيره ثم فُدي بالذبح العظيم
وجُعِلت سنة له عليه السلام ولأمة النبي صلى الله عليه
وسلم قِلَّة أَبِيكُمْ إِبْرَهِيم ۱ وقد قال النبي صلى
الله عليه وسلم أمرت بالذبح وهو لكم سنة ٢ فكان الخليل
عليه السلام في كل عيد يتجدد له أجر تلك المحنة بامتثال
هذه السنة
وجدير بمن تشبه بمقام الخُلة في امتثال هذه السنة أن يكون
مسيره عليها إلى الجنة وقد قال عليه السلام تنافسوا في
أثمانها فإنها مطاياكم إلى الجنة ۳ فخص الخليل وحده بتلك
المحنة لعظيم قدره في الخُلة واشترك هو وغيره في المنة
التي هي شَبَه بتلك المحنة فكذلك النبي الالالالا خص بهذه
الرفعة واشترك مع غيره من المؤمنين بالشبه بها من رحمة
ومثل ذلك أيضاً البيت المعمور في السماء والكعبة في الأرض
فالبيت المعمور خاص بالملائكة - وهم أهل العالم العلوي على
ما تقدم في الحديث - حيث قال يصلي فيه كل يوم سبعون ألف
ملك إذا خرجوا لم يعودوا آخِرَ ما عليهم والكعبة مشتركة
بين بني آدم والملائكة لأنه يطوف بها كل سنة عدد معلوم من
بني ادم والملائكة فما نقص من بني ادم من ذلك العدد كمله
الله عزّ وجلّ من الملائكة
ومثل ذلك أيضاً ما جاء عن الملائكة حين قال لهم عزّ وجلّ
إني جاعل في الأرض خليفة فقالت الملائكة أتجعل فيها من
يُفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدّس لكَ فغضب
الله عزّ وجلّ عليهم ثم تداركهم عزّ وجلّ بالعفو والإفضال
فألهمهم إلى الطواف بالعرش فطافوا به أسبوعاً وتابوا
واستغفروا فتاب الله عليهم وغفر لهم ثم أمرهم أن ابنوا في
الأرض بيتاً لبني آدم فيطوفون به فأتوبُ عليهم كما تُبتُ
عليكم وأغفِرُ لهم كما غفرت لكم فما من خير في العالم
العلوي ولا لسيد من السادة الخواص إلا وقد جعل الله عزّ
وجلّ
۱ سورة الحج من الاية ۷۸ للحديث روايات غير ما ذكر الشيخ
ابن أبي جمرة رضي الله عنه منها ما رواه الإمام أحمد عن
ابن عباس رضي الله عنه بلفظ وأمرت بالأضحى ولم تكتب وفي
رواية لأبي يعلى كتب علي النحر ولم يكتب عليكم وفي أخرى
للحاكم ثلاث هنّ عليّ فرائض ولكم تطوّع الأضحى والوتر
وركعتا الفجر
هذا الحديث غير معروف ولا ثابت فيما علمناه قال ابن الصلاح
كما في التلخيص ١٣٨/٤ وقد أشار ابن العربي إليه في شرح
الترمذي بقوله ليس في فضل الأضحية حديث صحيح ومنها قوله
إنها مطاياكم إلى الجنة قال الحافظ في التلخيص أخرجه صاحب
مسند الفردوس عن أبي هريرة رفعه استفر هوا ضحاياكم فإنها
مطاياكم على الصراط وإسناده ضعيف جدا
۹۹۳
شبهاً منه لهذه الأمة ليُجزِل لهم النصيب من تلك النعمة
فكان ذلك تصديقاً لقوله عزّ وجلّ ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ
الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ
۱ لأنه قد ذكر في معنى هذا الموضع أن النبي صلى الله عليه
وسلم أكثر بالدعاء لأمته لما جَبَله الله عليه من الشفقة
والرحمة لهم فأجابه عزّ وجلّ بأن قال يا محمّد وما كنتَ
بجانب الطور إذ نادينا وقد ذكر العلماء أن هذا النداء كان
من الله عزّ وجلّ قبل أن يَخلُقَ الخلق بألفي عام فقال يا
أمة محمد أرحَمُكم قبل أن تسترحموني وأغفر لكم قبل أن
تستغفروني وأعطيكم قبل أن تسألوني فما ذكرناه من النعم
المتقدمة وما أشبهها تضمن ذلك
كله هذا النداء
أوزعنا الله شكر نعمه وأتمها علينا في الدنيا والآخرة بمنه
فعلى ما قدمناه من النعم وما أشرنا إليه من تلك المراتب
السنية فيجتمع في الصلاة المفروضة في اليوم والليلة مع
ركعتي الفجر والوتر من مواطن المغفرة والإجابة والترفيع
والتجلي والقرب والتداني مائتا موطن وتسعة وأربعون موطناً
على التقسيم المتقدم فإن كانت الصلاة في جماعة زادهم خمس
مواطن من أرفع المراتب لقوله عليه السلام يضحك الله لثلاثة
وعدَّ فيهم القوم يصطفون للصلاة ۳ والضحك من الله تعالى
كناية عن ترفيع العبد وإعظام الأجر له لا من قبيل الولوع
والطرب وقد أكد عليه السلام هذا المعنى وبينه بقوله صلاة
الجماعة تفضل صلاة الفذ
بسبع وعشرين درجة 4 ثم يزداد إلى هذه المواطن من مواطن
المغفرة والرحمة في الطهارة ٤
للصلاة أربعة مواطن في كل طهر
أحدها عند إسباغ الوضوء لقوله عليه السلام إذا توضأ العبد
المؤمن فمضمض فاه خرجت الخطايا من فيه فإذا استنثر ٥ خرجت
الخطايا من أنفه فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه
1 سورة القصص من الآية ٤٦
رواه أبو نعيم في دلائل النبوة وأبو نصر السجزي في الإبانة
والديلمي عن عمرو بن عبسة قال سألت النبي الله عن قوله
تعالى وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إذْ نَادَيْنَا
وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ما كان النداء وما كانت
الرحمة قال كتاب كتبه الله قبل أن يخلق الخلق بألفي عام ثم
وضعه على عرشه ثم نادى يا أمة محمد سبقت رحمتي غضبي
أعطيتكم قبل أن تسألوني وغفرت لكم قبل أن تستغفروني فمن
لقيني منكم وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبدي
ورسولي صادقاً أدخلته الجنة ۳ رواه الإمام أحمد وأبو يعلى
والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي سعيد رضي الله عنه
رفعه بلفظ ثلاثة يضحك الله إليهم القوم إذا اصطفوا إلى
الصلاة والقوم إذا اصطفوا لقتال المشركين ورجل يقوم إلى
الصلاة
في جوف الليل
٤ رواه الإمامان مالك وأحمد والشيخان والترمذي والنسائي
وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما 0 استنثر أدخل الماء
في أنفه ثم دفعه ليخرج ما فيه
٩٩٤
حتى
تخرج من تحت أشفار عينيه فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من
يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه فإذا مسح برأسه خرجت
الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه فإذا غسل رجليه
خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه ۱
الثاني قول المتوضىء عند إسباغ وضوئه أشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله لقوله
عليه السلام في قائل ذلك بعد الوضوء فتحت له أبواب الجنة
يدخل من أيها شاء ٢
الثالث عند الخروج إلى المسجد لقوله عليه السلام فإنه يكتب
له بإحدى خطوتيه حسنة وتمحى عنه بالأخرى سيئة يعني في
الخُطا إلى المسجد
الرابع عند الخروج من المسجد والرجوع إلى بيته لأن له في
ذلك من الأجر مثل ما كان له أوّلاً في الخروج وذلك إذا لم
يرد به غير الصلاة ولم يشرك معها غيرها لقوله عليه السلام
لا يريد غير ذلك يعني في الخروج إلى المسجد
فجميع ما ذكرناه من هذه المواطن المباركة مائتا موطن
وأربعة وسبعون موطناً فإن زاد على ذلك من النوافل مثل
ركعتي الضحى فله في كل ركعة مثل ما ذكرنا من أعداد تلك
المراتب السنية في كل ركعة وزيادة صدقة بقدر أعضاء جسده
لقوله عليه السلام كل سُلامَى من الناس عليه صدقة فذكر لهم
أشياء حتى قال ركعتا الضحى تجزىء عنه ٣ فإن بلغها إلى
اثنتي عشرة زاده ۳ على هذه المواطن قصراً في الجنة لقوله
الا الله من صلى الضحى اثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً
في الجنة ٤
فإن زاد على ذلك أربع ركعات قبل الظهر وأربعاً بعدها
وأربعاً قبل العصر وأربعاً قبل العشاء وأربعاً بعدها كان
له في كل ركعة مثل ما تقدم من عدد تلك المواطن الجليلة
وزاد له على ذلك بركة دعاء النبي لا لا ل ا ل ل له بالرحمة
لأنه عليه السلام قال رحم الله امراً صلّى أربعاً قبل أربع
وأربعاً بعد أربع ٥
فإن زاد على ذلك ركعتين بعد المغرب كان له في كل ركعة مثل
ما تقدم ذكره من المواطن
۱ رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم عن عبد
الله الصناب رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه عن عمر رضي
الله عنه
۳ تقدم تخريجه في الحديث ١٤٥
٤ رواه الترمذي وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه
ه رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ابن حبان عن ابن عمر
رضي الله عنهما بلفظ رحم الله امرأ صلى قبل
العصر أربعاً
٩٩٥
العَلِيَّة وزاد على ذلك بركة اتباع السنة فيها لأنه كان
عليه السلام يداوم على فعلها ولتحريض الشارع عليه السلام
أيضاً بالقول عليها لأنه عليه السلام قال أسرعوا بها فإنها
ترفع مع الفريضة ولا يؤكد عليه السلام على ۱ شيء ويحض عليه
بالفعل والقول إلا لعظيم الأجر فيه فإن زاد على ذلك صلاة
الأوابين - وهي بين المغرب والعشاء اثنتا عشرة ركعة ـ كان
له في كل ركعة مثل ما تقدم من تلك المواطن الرفيعة وزاد
على ذلك قصراً في الجنة لقوله عليه السلام من صلّى بين
المغرب والعشاء اثنتي عشرة ركعة بني الله له قصراً في
الجنة
فإن زاد على ذلك تهجداً بالليل كان له في كل ركعة مثل ما
تقدم من تلك المواطن السنية وزاد له على ذلك أربعة منازل
ثلاثة في الحال وواحدة في القبر فأما التي في الحال فأولها
ما روي عنه عليه السلام أنه قال يضحك الله لثلاثة وعدّ
فيهم القائم بالليل أما الثاني والثالث فما روي عنه عليه
السلام أنه قال قيام الليل يُذهب الذنوبَ ويُصِحَ البدن ۳
فهذه هي الثلاثة الحالية وأما التي في القبر فلما روي عنه
عليه السلام أنه قال صلاة الليل تنوّر القبر ۳
فإن بلغ بتهجده إلى اثنتي عشرة ركعة زاده الله على ما تقدم
قصراً في الجنة لقوله عليه السلام من قام في الليل باثنتي
عشرة ركعة بنى الله له قصراً في الجنة 4 وزاد على ذلك
الوعد الجميل بمتضمَّن التنزيل الذي تحصره العقول وهو قوله
عزّ وجلّ في كتابه نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ الْمَضَاجِعِ
يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا
رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا
أُخْفِى لَهُم مِّن قُرَةٍ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ ٥
فمبلغ هذه المواطن في هذه النوافل المذكورة ستمائة موطن
وثلاثة وأربعون موطناً وزيادة
1 كذا بزيادة على
روى السمرقندي عن أبان عن أنس رضي الله عنه أن النبي الا
الله قال من صلى بعد المغرب اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل
ركعة قل هو الله أحد أربعين مرة صافحته الملائكة يوم
القيامة ومن صافحته الملائكة يوم القيامة أمِنَ الصراط
والحساب وفي رواية للترمذي عن أبي سلمة أن رسول الله لا
الله قال من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلم فيما بينهن
بسوء عَدَلْنَ بعبادة اثنتي عشرة سنة ۳ جاء في الترغيب
والترهيب للمنذري في الترغيب في قيام الليل عن سلمان
الفارسي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم ومَقرَبَة
لكم إلى ربكم ومَكفَرَة للسيئات ومَنهَاة
عن الإثم ومَطرَدَة للداء عن الجسد أما ما أورده المؤلف
رحمه الله فلم نقف عليه ٤ رواه مسلم وأبو داود والنسائي
والترمذي عن أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنها
بلفظ سمعت رسول الله يقول ما من عبد مسلم يصلي الله تعالى
في كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوّعاً غير فريضة إلا بني الله
تعالى له
بيتاً في الجنة أو إلا بنى له بيت في الجنة
٥ سورة السجدة الايتان ١٦ و ١٧
٩٩٦
تنوير القبر وثلاثة قصور في الجنة والوعد المذكور في
التنزيل فيجتمع بين النوافل المذكورة والفرائض المتقدمة
الذكر من هذه المواطن الجليلة تسعمائة موطن وسبعة عشر
موطناً عدا القصور
المذكورة وتنوير القبر والوعد الجميل فطوبى لمن أشغل باله
بتحصيلها وكان من الوافين فيها ولهذا المعنى قال عليه
السلام كفى بالعبادة شغلاً ۱ فإن وقعت الغفلة عنها خسر تلك
المواطن الجليلة - ويا لها من خسارة أعاذنا الله من ذلك -
وكان من أحد الأقسام الثلاثة المذمومة لأن المصلي قد قسمه
الفقهاء إلى أربعة أقسام وافٍ وساه ولاه وجافٍ
فالوافي هو الذي وفى ما أريد منه من الأقوال والأفعال
والأحوال على ما تقدم
والساهي هو الذي يعملها ويسهو عنها لتعلق قلبه بغيرها
واللاهي هو الذي يلهو عنها بغيرها وهو مع ذلك يعلم أنه
فيها ومثاله ما روي عن النبي أنه رأى رجلاً يعبث في لحيته
وهو يصلي فقال عليه الصلاة والسلام لو خَشَع قلبه لَخَشَعت
جوارحه ٢
والجافي هو الذي يخلّ بأركانها ومثاله ما روي عنه عليه
السلام في حديث الأعرابي المشهور الذي أخل بأركان الصلاة
فقال له عليه السلام ارجع فصل فإنك لم تُصَل ۳ وقد حض عزّ
وجلّ على توفيتها والمحافظة عليها في كتابه - أعني على
توفيتها بما فرض فيها وسُنّ وشُرِع - فقال عزّ من قائل
حَفِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والمحافظة عليها هي توفيتها
بما شرع فيها من الآداب والقراءة والحضور وغير ذلك مما قد
ذكر وقد قال عليه السلام في المضيع لها أو لبعض ما فيها
مما أشرنا إليه أسوأ السَّرقة الذي يسرق صلاته ه وقال عليه
السلام في الالتفات فيها تلك خُلْسة يختلسها الشيطان من
صلاة أحدكم ٦ وهذا الالتفات على ضربين
حسي ومعنوي
فالحسي هو الالتفات إلى شيء يشغل عن الصلاة كما حكي عن بعض
الصحابة حين كان
۱ تقدم تخريجه في الحديث ۸۰
رواه الحكيم الترمذي بإسناد ضعيف
۳ متفق عليه من حديث رفاعة بن رافع رضي الله عنه
٤ سورة البقرة من الآية ۳۸
٥ رواه الإمام أحمد وصححه الحاكم وأبو يعلى عن أبي سعيد
رضي الله عنه
٦ رواه البخاري والنسائي وأبو داود وابن خزيمة عن عائشة
رضي الله عنها بلفظ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
التلفت الله
في الصلاة فقال اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد
۹۹۷
يصلي في حائط له فطار دُبْسِي ١ فطفق يتردد يلتمس مخرجاً
فأعجبه ذلك فجعل يتبعه ببصره ساعة ثم رجع إلى صلاته فإذا
هو لا يدري كم صلى فقال لقد أصابني في مالي هذا فتنة فجاء
إلى رسول الله له ولا ذلك و له الذي أصابه في حائطه من
الفتنة وقال يا رسول الله هو صدقة الله صلى الله عليه وسلم
فذكر له فضَعه حيث شئت ومثل هذا حكي عن غيره أيضاً في زمان
عثمان رضي الله عنه فهؤلاء عرفوا ما ضيعوا فجبروا الضَّياع
الذي طرأ عليهم بأن خرجوا عن حائطهم وجعلوها صدقة الله عزّ
وجلّ وأما اليوم فقد كثر الضياع بغير جبر للجهل بما قد
ضيّع والمعنوي على ضربين ماض ومستقبل فالالتفات إلى الماضي
أعظم خسارة من الماضي لأن بالالتفات إليه تقع خسارة الحال
فيكون خسراناً ثانياً ومع ذلك فإن ما مضى لا يرجع
والالتفات إلى المستقبل تضييع حاصل لممكن قد يكون وقد لا
يكون والاشتغال بالحال وترك الالتفات حسّاً ومعنى من كل
الوجوه المتقدمة يحصل منه ثلاث فوائد وهي جبر الماضي
واغتنام الحاصل وصلاح في المستقبل أعاننا الله على ذلك
بمنّه
ثم نرجع الآن لبيان ما اشترطنا أن نذكره بذلك أخيراً من
بيان الحكمة في اختصاص الاسمين الجليلين من بين سائر
الأسماء الجليلة في هذه الصورة في هذا الموضع المخصوص بهما
وهما الرحمن الرحيم فنقول والله المستعان اختصاصهما بذلك
لوجوه
الأول أن الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إذا فهم
على ما قدمناه يقتضي الهيبة والإعظام
و ﴿ مثلِكِ يَوْمِ الدِّينِ يقتضي الخوف والإرهاب ﴿
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ احد الاسمين منهما يقتضي الإجابة
عند السؤال والآخر يقتضي الغضب إن ترك السؤال - على ما
ذكره العلماء - ففصل عزّ وجل بهذين الاسمين اللذين هما
أبلغ شيء في الرجاء بين الاسمين الجليلين متضمنين الهيبة
والإعظام والخوف والإرهاب رفقاً منه عزّ وجلّ بعبيده
ولطفاً بهم ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ
اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ٤ لأنه لو كان ذانك الاسمان
الجليلان اللذان للهيبة والإعظام متصلين بذكر الاسمين
اللذين للخوف والإرهاب لكانا للضعيف الحاضر سبباً لأحد
أمرين متلفين إما أن يتفطر كبده من شدة الخوف وقد روي أن
كثيراً من الفضلاء ماتوا من عظيم الخوف الذي توالى عليهم
وإما أن يسبق للخاطر شيء من القنط لعظيم أمر ما يدل عليه
معنى ذينك الاسمين وذلك
۱ الدُّبْسِيّ ضرب من الحمام أدكن يقرقر
رواه الإمام مالك في الموطأ
۳ يعني الربّ والملك
٤ سورة الملك من الآية ١٤
۹۹۸
من أكبر الخطر لقوله عزّ وجلّ إخباراً على لسان نبيه عليه
السلام لو كنتُ معجّلاً عقوبةً
لعجلتها على القانطين من رحمتي ۱
الثاني أن المقصود من العبيد الخوف والرجاء معاً لقوله
عليه السلام لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاستويا فاسمان
يوجبان الخوف واسمان يوجبان الرجاء فيحصل بمتضمنهما حقيقة
ما أريد من كمال الإيمان وهو تساوي الخوف والرجاء على ما
تقدم فكان الابتداء أولاً بالتعظيم والإجلال لحق الربوبية
الذي يقتضي التقديم ثم عقب بالرحمن الذي يقتضي الرجاء ثم
بالرحيم مبالغة في قوة الرجاء لطفاً بالعبد لاستقبال ما
يرد عليه من الخوف لمقتضى الاسم الآتي بعد مع التذكير بيوم
الدين
الثالث أن حقيقة وصول الرحمة للطالب إنما يتحقق وصولها
إليه بقوة من الراحم حتى يمنعه أذى ما قبلها وأذى ما بعدها
فكان توسط الاسمين الجليلين بين الاسمين العظيمين تحقيقاً
في إيصال الرحمة لطالبها لأن رب العالمين لعظيم قدرته
يمنعه من كل ضرر في هذا العالم وملك يوم الدين لعظيم
سلطانه يمنعه كل ما في ذلك اليوم من الأذى فتحقق بذلك منع
الأذى أولاً وآخراً يشهد لذلك قوله تعالى ﴿وَتَوَكَّلْ
عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ۳
الرابع أنه لما أن أريد من العبيد حقيقة الإخلاص والصدق
عند قولهم ﴿ إِيَّاكَ َنعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ جعل
هذا الاسم الجليل إثر هذا الاسم العظيم لكي يحصل منهم عند
النطق بـ ﴿ إِيَّاكَ نعبد حقيقة الإخلاص لأنه يأتي إثر
الإرهاب والإرهاب مثير للخوف والخوف موجب للصدق والإخلاص
ولو كان إثر الرحمة لكان كثير من الناس لا يحصل منهم
الإخلاص في هذا الموضع لأن الرحمة توجب الرجاء والطمأنينة
وقد يكون معها الغفلة لقليل الحضور لأنه لا يثبت عند
الرحمة والنعمة إلا الفاذ وقد قال علي بن أبي طالب رضي
الله عنه ابتلينا بالضرَّاءِ فَصَبَرنا وابتلينا
بالسرَّاءِ فلم نصبر لأن الغالب من الناس إذا ابتلوا
بالضرّاء رجعوا إلى الله تعالى بالصدق والإخلاص واللجأ
والضراعة فإن ابتلوا بالسرّاء قلَّ الواقف منهم هناك على
ما أريد منه من صدق اللجأ والضراعة ومن وقف في ذلك المقام
فهو الصدّيق الذي لا شك فيه الخامس أنه لما أن كان الاسمان
الجليلان أحدهما يقتضي الإجابة إذا سئل والآخر يقتضي
١ لم نقف على مصدره
انظر تخريجه في الحديث ١٣٢
۳ سورة الشعراء الاية ۱۷
٤ الفاذ المتفرد عن نظرائه يقال فذ يفذ تَفَرّد
۹۹۹
الغضب إذا لم يسأل وعلم عزّ وجلّ ما في عبيده من الضعف
بحيث أن تقع منهم الغفلة غالباً هذا الموطن إما لخوف أو
لرغبة أو لرجاء أو لتسليم أو لغفلة جعل عزّ وجلّ الدعاء
متلواً وأقامه مقام الدعاء الحقيقي ثم أجاب عزّ وجلّ عليه
فقال وَلعَبدي ما سأل لئلا يفوتهم هذا الخير العظيم ولئلا
يتناولهم الغضب لعدم سؤالهم فانظر إلى هذا اللطف العظيم
والنعمة
الشاملة
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم مَنْ أَلْهِمَ الدعاء
فقد فتحت له أبواب الرحمة۱ فلم يَكِل الله عزّ وجلّ هذه
الأمة لنفسها في فتح هذا الخير العظيم بل فتحه لهم بفضله
ثم بعد هذه التلاوة شرع الشارع عليه السلام خيراً ثانياً
بِقَوْل العبد امين بعد ختم السورة فزادهم دعاء حقيقياً
وضمن لهم بالشرط الذي فيه المغفرة لأن كل مؤمن في اللغة
داع ثم بعد هذا نحتاج أن نشير إلى شيء من فضائل هذه السورة
ولم فُضّلت على غيرها من السور ولم سُميت بأسماء جملة
وغيرها من السور باسم واحد
فنقول والله المستعان يحتمل أن تكون سُميت بأسماء جملة لأن
لها من الخصائص والأفضلية ما ليس لغيرها فكانت أسماؤها
عديدة دون غيرها لأن كثرة الأسماء دالة على فضل المسمَّى
إما مطلقاً أو على جنسه ولذلك سمي النبي الله الله بخمسة
أسماء وقد قال بعض العلماء إذا تتبع القرآن وما جعل الله
تعالى له فيه من الأسماء والحديث وما جعل هو صلى الله عليه
وسلم لنفسه فيه من الأسماء إنها تبلغ إلى نحو المائة اسم
وغيره من الأنبياء عليهم السلام ليس لهم غير اسم واحد لأنه
عليه السلام صاحب اللواء والمقام المحمود فكانت كثرة
أسمائه لأجل عظيم قدره كذلك أيضاً كثرة أسماء الله عزّ
وجلّ لأنه ليس كمثله شيء فكانت لا يشبهها شيء
لكثرتها وعظمها
يشهد لذلك ما روي في الأثر من الدعاء حيث قال اللهم إني
أسألك باسمك الأعظم وبكل اسم سميت به نفسك أو أنزلته في
كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في مكنون غيبك
٢ أو كما قال عليه الصلاة والسلام فدل بمتضمن هذا أنه لما
أن كانت الذات الجليلة لا
۱ رواه الترمذي والحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ من
فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب
الرحمة
لفظ الحديث ما من عبد قال اللهم إني عبدك وابن عبدك ناصيتي
بِيَدِكَ ماضِ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قضاؤك أسألك
بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته
أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل
القرآن العظيم ربيع قلبي ونور بصري وجلاء حزني وذهاب همي
وغمي إلا أذهب الله همه وحزنه وغمه وأبدله مكانه فرحاً قيل
يا رسول الله ألا نتعلمها فقال بلى ينبغي لمن سمعها أن
يتعلمها
۱۰۰۰
١١٨
Noll Awww
PUP
بهبة النفوس
وتحليها وتحليها بمعرفة مَا لَها وعَليهَا
شرح مختصر صحيح البخاري
ويليه كتاب المَراني الحِسَان
تأليف الإمام
عدالله بن أبي جمرة الاندلسي
تحقيق وتقديم
الدكتور بكري شيخ امين
الجزء الثاني
دار العلم للملايين
aj
1189-
حديث زيادة الأجر
عَن أبي بُرْدة ١ رضيَ الله عَنهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى
الله عليه وسلم قالَ ثَلاثةٌ يُؤتَوْن أَجرَهُم مَرَّتَينِ
الرَّجُلُ تكُونُ لَهُ الأَمَةُ فَيُعَلِّمُها فَيُحسِنُ
أدبها ثُمَّ يُعتقها فَيَتَزوَّجُها فَلَهُ أجرانِ
وَمُؤمِنٌ مِن أهلِ الكِتابِ الَّذي كانَ مُؤمناً ثُمَّ
آمَنَ بالنَّبي الله فله أجران والعَبدُ الَّذي يُؤَدِّي
حَقَّ الله وَيَنصَحُ لِسَيّدِهِ فَلَهُ أجران
*
ظاهر الحديث يدل على تضعيف الأجر لهؤلاء المذكورين فيه
والكلام عليه من وجوه
الوجه الأول قوله عليه السلام ثلاثةٌ يُؤْتَوْنَ أَجرَهم
مَرَّتَيْنِ يحتمل معناه وجوهاً الأول أن يكون تضعيف الأجر
عند اجتماع الأعمال المذكورة لأن كل واحد منها فعل يؤجر
صاحبه عليه على انفراده فلما أن اجتمع مع صاحبه ضوعف الأجر
في كل منهما ضعفين على ما لو كان منفرداً
شيء
الثاني أن يكون صاحب هذه الأفعال وفي له بأجر كل فعل ولم
يُنقص له من أجر الآخر فأخبر عليه السلام بما حصل له في
الحال كما يقال في المُتَمَتُّع ٢ أنه حصل له أجران
أجر العُمرة وأجر الحج
1 أبو بُردَة هانىء صحابي شهد العقبة الثانية مع السبعين
صحابياً وشهد بدراً وأحداً وسائر المشاهد مع النبي وروى
عنه أحاديث روى له الشيخان حديثاً واحدا هو هذا الحديث
وشهد مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه حروبه ولا عقب له
توفي سنة ٤١ هـ وهو خال البراء بن عازب و أبو بردة التابعي
هو ابن أبي موسى الأشعري - من تهذيب النووي المتعة بضم
الميم وكسرها العُمرة إلى الحج وقد تمتَّع واستمتع قال
تعالى ﴿ فَمَن تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الحَجَ وصورة
المتمتع بالعُمرة إلى الحج أن يُحرم بالعُمرة في أشهر الحج
فإذا أحرم بالعمرة بعد إهلاله شوّالاً فقد صار متمتعاً
بالعمرة إلى الحج وسمّي متمتعاً بالعُمرة إلى الحج لأنه
إذا قدم مكة فطاف بالبيت وسعى بين والمَروَة حَلّ من
عُمْرَتِه وحَلَق رأسه وذبح نسكه الواجب عليه لتمتعه وحلّ
له كل شيء كان حرم عليه في إحرامه من النساء والطيب ثم
ينشىء بعد ذلك إحراماً جديداً للحج وقت نهوضه إلى منى أو
قبل ذلك من غير أن يجب =
الصَّفا
۹۰۹
الثالث أن يكون الأجر على قسمين أجر على الأفعال بمقتضى ما
جاء في ذلك عن الشارع عليه السلام وأجر على العناية بجمعها
ومجاهدة النفس على ذلك والصبر عليها وقد يرد على هذه
التوجيهات بحث وهو أن تضعيف الأجور على أحد هذه المحتملات
أو على مجموعها على ما ذكرناه هل هو خاص بالثلاثة المذكورة
أو هو متعد لغيرها يحتمل الوجهين معاً فإن قلنا بأنه مقصور
على الثلاثة فلا بحث وإن قلنا بأنه متعد فما العلة التي
بها يتعدى وهل العلة واحدة في الثلاثة أو هي مختلفة محتمل
أيضاً فأما على القول بأن العلة فيها واحدة فهي ما أشرنا
إليها آنفاً في أحد المحتملات وهي العناية بجمعها ومجاهدة
النفس على ذلك والصبر عليها فحيثما وجدت طاعات مجموعة على
هذا التعليل رجي فيها التضعيف ولا نقول بالقطع في ذلك لأن
حقيقة الأجور في الأعمال إنما تصح بقول الشارع وأما على
القول بأن العلة في الثلاثة مفترقة فنحتاج إلى بيان كل علة
منها
فالعلة في الأمة - والله أعلم - من ثلاثة أوجه الأول صبره
على تعليمها الثاني عتقه لها حين قرت العين بها الثالث
تركه لحظ نفسه في تزويجها ورفع منزلتها فهذه ثلاثة أوجه
مجموعها في اثنين وهما بذل ما أحبَّت النفس الله ومجاهدة
النفس في ترك حظها لما يرضي الله فحيثما وجدت هذه العلة
رجي التضعيف أيضاً
وأما العلة في المؤمن من أهل الكتاب فهو أنه بإيمانه
الثاني أحرز الإيمان الأول لأنه لولا الإيمان الثاني لحبط
إيمانه الأول فإيمانه بالنبي اللي حصل له الأجر عليه وأحرز
له أجر ما تقدم من إيمانه يشهد لهذا قول النبي الهلال
الهلال والبعض أصحابه حين قال له أمور كنت أتحنث بها في
الجاهلية فقال له عليه السلام أسلمت على ما أسلفتَ من خير
۱ فإذا كان الإسلام يحرز ما كان في الجاهلية فمن باب أولى
إحرازه لأجر الإيمان الذي هو أعلى أفعال البر فعلى هذا
فإذا وجدت طاعة فصاحبها مأجور فيها وهي تحرز أجر غيرها من
الطاعات رُجي فيها التضعيف وأما العلة في العبد فهي اجتماع
الحقوق عليه مع قلة اتساع الزمان لها فأجهد نفسه حتى وَفَى
بها فإذا وجدت هذه العلة أيضاً في طاعة من الطاعات رجي
فيها التضعيف الوجه الثاني من البحث الأول قوله عليه
السلام الرجل تكون له الأمة فيعلمها ويحسن تعليمها ويؤدبها
فيحسن أدبها هل التعليم والأدب اسمان لمعنى واحد أو
لمعنيين يحتمل الوجهين
عليه الرجوع إلى الميقات الذي أنشأ منه عمرته فذلك تمتعه
بالعمرة إلى الحج أي انتفاعه وتبلغه بما انتفع به من حلاقة
وطيب وتنظف وقضاء تفت وإلمام بأهله إن كانت معه وكل هذه
الأشياء كانت محرمة عليه فأبيح له أن يَحِلّ وينتفع بإحلال
هذه الأشياء كلها مع ما سقط عنه من الرجوع إلى الميقات
والإحرام منه بالحج فيكون قد تمتع بالعمرة في أيام الحج أي
انتفع لأنهم كانوا لا يرون العمرة في أشهر الحج فأجازها
الإسلام ۱ رواه الشيخان عن حكيم بن حزام رضي الله عنه
۹۱۰
معاً لأن المعلم يسوغ أن يُطلق عليه مؤدّب وكذلك بالعكس
ويحتمل أن يكونا لمعنيين - وهو
الأظهر - والله أعلم وإذا قلنا بأنهما لمعنيين فما هما
احتملا وجوهاً
الأول أن يكون التعليم لأمور الدين من الواجبات وغيرها
يشهد لهذا قوله عليه السلام علموا ويسروا ويكون الأدب
بتهذيب الطباع وحسن الخلق في التصرف والمعاملات والزجر عن
المكروهات في الأقوال والأفعال وتعليم مكارم الأخلاق يشهد
لهذا قوله عليه السلام لأن يؤدب أحدكم ولده خير له من أن
يتصدق بصاع طعام ۳
وأما الحسن في التعليم فهو ما أشار عليه السلام إليه في
الحديث انفاً من التيسير هو حسن الإلقاء وترك الشواذ من
التشديدات والرخص ولهذا أشار مالك رحمه الله حيث قال خرجت
من عند الخليفة فقيهاً لأنه لما أن أراد أن يؤلف كتاب
المُوَطَّاً قال له الخليفة تجنَّب شدائد ابن عمر ورُخَص
ابنِ عباس وإلى المعنى الأول أشار العلماء بقولهم
وتتواضعون لمن تتعلمون منه وتتواضعون لمن تعلمونه ويكفي في
ذلك شاهداً قوله عليه السلام يسروا ولا تعسروا وأما الحسن
في الأدب فهو أن يحملها برفق دون عنف لقوله عليه السلام ما
كان الرفق في شيء إلا زانه ولا كان الخُرْق في شيءٍ إِلا
شَانَه ۳
الثاني أن يكون التعليم المراد به ما تحتاج الأمة إليه من
أشغال البيت وحفظ متاع البيت والمال وحسن الأمانة في ذلك
لأنه غالب المقصود من الإماء وبقدر تحصيل الأمة لهذا
يتنافس في ثمنها ويكون الإحسان في التعليم على هذا التوجيه
إتقان كل شغل بحسب العادة فيه لقوله عليه السلام رحم الله
امرأ صنع شيئاً فأتقنه 4 ويكون الأدب حملها على رياضة
النفس وأحكام الشريعة لقوله عليه السلام أدبني ربي فأحسَنَ
تأديبي ٥ والذي أدب به عليه السلام ما مُنَّ عليه من حسن
الخلق الأمر والنهي وقد قالت عائشة رضي الله عنها حين سئلت
عن خلقه فقالت كان خلقه القرآن ٦ ويكون الحسن في الأدب على
هذا التوجيه حملها في ذلك على إيضاح السنّة
واتباع
۱ رواه الإمام أحمد والبخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما
وتمام الحديث ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا وإذا غضب أحدكم
فليسكت
رواه الترمذي عن جابر بن سمرة رضي الله عنه وليس فيه كلمة
طعام ۳ رواه الضياء في المختارة عن أنس والبخاري عن شعبة
رضي الله عنه قال كنت على بعير فيه صعوبة فقال النبي عليك
بالرفق فإنه لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا
شانه ورواية ابن أبي جمرة هي ما رواه
الضياء عن أنس رضي الله عنه
٤ في هذا المعنى روى البيهقي عن السيدة عائشة رضي الله
عنها أن النبي الا الله قال إن الله يحب إذا عمل أحدكم
عملا أن يتقنه
٥ تقدم تخريجه في الحديث ۱۸
٦ رواه مسلم عن السيدة عائشة رضي الله عنها
۹۱۱
الثالث أن يكون التعليم فيما تحتاج إليه المرأة في نفسها
لأن النساء يحتجن إلى أشياء تخصهن والأمة لا والدة لها ولا
والد حتى يعلّماها ذلك فقام مقام الأم في تعليم ذلك
وتبيينه ويكون الأدب هنا ما تحتاج المرأة من الأدب مع
الزوج أو السيد إن كانت للفراش لأن ذلك سبب لرفع منزلتها
وحظوتها عند السيد أو الزوج إن تزوجت ويكون الإحسان في
هاتين التواضع لها والإغضاء عن العيوب التي في البشرية وقد
يحتمل أن يكون المراد بالتعليم والأدب جميع ما ذكر وأكثر
من ذلك لأنه عليه السلام أوتي جوامع الكلم
الوجه الثالث من البحث الأول تقديمه عليه السلام الأمة على
المؤمن والمؤمن على العبد ما الحكمة في ذلك وإن كانت الواو
لا تعطي الترتيب في لسان العرب لكن الحكيم لا يقدم شيئاً
عبثاً ومثل ذلك قوله تعالى في الكفارات فَكَفَّرَتُهُ
إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا
تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَو كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ
رَقَبَةٍ فأتى عزَّ وجلَّ بـ أو التي هي للتخيير توسعة على
المكلف ورفقاً به وعلى مقتضى الحكمة في الترتيب ابتدأ
أولاً ببذل المال الذي هو أشد على النفوس ثم جعل بذله في
أعلى القَرَب وهو الإطعام الذي به حياة النفوس وقد قال
تعالى وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ
جَمِيعًا ۳ فإن عدم هذا الوجه فيكون بذله في دفع الأذى وهي
الكسوة التي بها يتقى أذى الحر والبرد فإن عدم هذا الوجه
ففي إدخال السرور وهو رفع الحال من مقام العبودية إلى مقام
الحرية فإن عدم هذا الوجه فمجاهدة النفس وهو الصوم
يشهد لما ذكرناه - من أن الإنفاق أشد الأمور على النفس
وأعلاها قربة - الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى لَن
نَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾
٤ والمال أكثر تعلقاً بالقلب مما ذكر ﴿ بعده وقوله تعالى ﴿
الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَاءِ وَالضَّرَّاءِ
وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ٥
فقدم الإنفاق أيضاً وأما السنة فقوله عليه السلام لا يخرج
أحدكم صدقةً حتى يَفُكَ لخيي سبعين شيطانا ٦
وإلى ما نحن بسبيله أشار عليه السلام في الصفا والمَرْوَة
حيث قال نبدأ بما بدأ الله
۱ هذا جزء من حديث رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله
عنه ومطلعه نُصِرتُ بالرعب وأُعطيتُ جوامع
الكلم سورة المائدة من الآية ۸۹ ۳ سورة المائدة من الاية ۳
٤ سورة ال عمران من الاية ۹ ٥ سورة ال عمران من الاية ١٣٤
٦ سبق تخريجه في الحديث ۱۷
۹۱
به والواو من جهة التكليف لا تفيد الترتيب فاختار عليه
السلام فيما خُيّر فيه من جهة التكليف ما اقتضته الحكمة في
التقديم لحكمة الحكيم وموافقة اللفظ للقرآن فإذا كان
الكتاب على ما قررناه فالحديث كذلك أيضاً لقوله تعالى ﴿
وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾ فكلاهما صادر عن حكمة حكيم
فينبغي أن تكون الأمّة مع ألفاظ القرآن والحديث كذلك
ينظرون من طريق الحكمة ما تقتضي وإلى هذا المعنى أشار عليه
السلام بقوله لكل آية ظهر وبطن ولكل حرف حَدَّ ومطلع ٣
فالظاهر هو اللفظ والباطن هو المعنى والحَد هو التحليل
والتحريم والمطلع هو ما نحن بسبيله من النظر بمقتضى الحكمة
في هذا النوع وغيره من أنواع ما تحتوي عليه الحكمة ثم ترجع
الآن إلى الانفصال عن الحديث والانفصال عنه بما قد ذكرناه
آنفاً من العلة المنفردة فيه للتعدي وهو جمعه ثلاثة أشياء
وهي ترجع لشيئين على ما تقدم وهما بذل ما أحبت النفس الله
ومجاهدتها في ترك حظها لما يرضي الله
وأما تقديم المؤمن على العبد فهو من باب تقديم الأصل على
الفرع لأن مجاهدة النفس فرع عن الإيمان والإيمان هو الأصل
فقدم عليه السلام الأصل على الفرع لأن ذلك هو مقتضى الحكمة
الوجه الرابع من البحث المتقدم قوله عليه السلام الرجل
تكون له الأمة يرد عليه سؤال وهو أن يقال لِمَ قال تكون له
الأمة ولم يقل اشتراها أو غير ذلك من الألفاظ والجواب عنه
أن هذا لفظ يحوي جميع أنواع التمليك وغيره لا ينوب عنه
لأنه جمع بذلك جميع ما يتملك الأمة به من ميراث وشراء وهبة
وسبي وغير ذلك وهذا أدل دليل على فصاحته عليه السلام لأنه
قد جمع في هذا الحديث الإخبار بعظيم الأجور إرشاداً إلى
الخير وأشار إلى الحكمة تنبيهاً عليها وأبدى ما من الله
تعالى به عليه من البيان والفصاحة
أعاد الله علينا من بركته ورزقنا اتباع سنته إنه ولي حميد
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ رواه الإمامان مالك وأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه
عن جابر رضي الله عنه
سورة النجم من الآية ٣ ۳ رواه أبو يعلى في مسنده رقم ٥١٤٩
وصححه ابن حبّان رقم ٧٥ وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد
۱٥٢/٧ وقال رواه البزار وأبو يعلى والطبراني في الأوسط
باختصار اخره ورجال أحدهما ثقات
۹۱۳
حديث النهي عن قتل النساء والصبيان في دار الحرب
عُمَرَ رَضِيَ الله عَنهُمَا نَهى رَسُولُ الله عَن قَتلِ
النِّسَاءِ وَالصَّبيانِ
ظاهر الحديث يدل على أن قتل النساء والصبيان لا يجوز لكن
هل النهي على العموم أم لا محتمل والأظهر أنه ليس على
العموم لأن المَعْنِيَّ به في غزو المشركين بعد القدرة
عليهم وهذا بقيد وهو أن يكون النساء والصبيان لم يقاتلوا
حين الحرب فإن قاتلوا فقتلهم جائز هذا في حال القدرة عليهم
وأما حين الحرب ورميهم بالنبل والمجانيق فلا يتوقى ما أصيب
منهم إذا كان بغير تعمد ولا يدخل قاتلهم تحت النهي لقوله
عليه السلام في هذه الحالة هم من آبائهم ثم هذا النهي هل
هو لعلة أم لا الظاهر أنه لعلة أن النساء والصبيان من جملة
الغنائم ولم يدخل بهم ضرر على المسلمين في حين حربهم ثم
هذه العلة هل هي متعدية أم لا فإن قلنا بأنها غير متعدية
فلا بحث وإن قلنا إنها متعدية - وهو الظاهر لأنه اللائق
بكلام الشارع عليه السلام الذي أوتي جوامع الكلم - فحيثما
وجد من كلامه حكم وفهمت له علة أو حيثما وُجدت تلك العلة
يكون الحكم منوطاً بها والعلة في الحديث ما ذكرنا وهو ما
حصل للمسلمين من الفائدة في غنيمة النساء والصبيان من غير
ضرر لحقهم كما تقدم فحيثما وجدنا فائدة لم يتعلق بها ضرر
في الدين وجب استعمالها وإنما قلنا أن تكون لم يتعلق بها
ضرر لأن أكبر الضرر في الدين مقاتلة المشركين للمؤمنين
وقتالهم يهدف إلى إطفاء نور الله تعالى والنساء والصبيان
لم يقاتلوا فلم يدخل من قِبَلِهم ضرَر فكانت فائدة بغير
ضرر في الدين
ثم هذه العلة هل يتعدى الحكم بها للباطن أم لا الظاهر
تعديها على البحث الذي قدمناه لأن أهل الباطن والظاهر من
بحره عليه السلام اغترفوا كل منهم على مقتضى طريقه قَدْ
عَلِمَ
٩١٤
كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ ﴾ ۱ فتعديها للباطن هو أن
تُعرَف تلك العلة في الباطن كما عُرفت في الظاهر فالمرأة
في الباطن كناية عن الدنيا لأنها من زينتها والصبيان كناية
عن الهوى لأنه مثلهم في مخالفة العقل وغلبة الشهوة والصبي
يوصف بعدم العقل واتباع المُرْدِيات وهي صفة الهوى فإن
تعلق القلب بواحد منهما دون ضرر في الدين جاز استعماله على
مقتضى العلة فمثال تعلقه بالدنيا هو مثل أخذ شيء حلال
لإحياء رمق يستعان به على طاعة ولم يقع فيه خلل بلسان
العلم ولم يكن تعلق القلب به يمنعه من أداء الأعمال
والحضور فيها فهذا جائز ولا يضر اتباع النفس والهوى فيه
ومثل هذا كانت أفعال الصحابة رضوان الله عليهم مثل علي رضي
الله عنه حيث كان يقول لأهله اعملوا الطعام مشروباً فإن
بين المأكول والمشروب كذا وكذا آية فلم يكن نظره للطعام
للشهوة وكان تقليله الطعام لزيادة القرب وترجيح زيادة
العبادة لأن تعلق القلب بالشهوة الباعثة في المطعم وغيره
من المباحات وإن كان جائزاً على لسان العلم فهو ممنوع عند
أهل الباطن فوجب قتله عندهم وقتله هو تركه لأنهم يقولون
ترك الشهوات قرع الباب وترك الحظوظ رفع الحجاب
ولهذا المعنى كان عمر رضي الله عنه يقول إني لأتزوج النساء
وما لي إليهن حاجة وأطأهن وما لي إليهن شهوة فقيل له ولم
يا أمير المؤمنين قال رجاء أن يخرج الله من ظهري ما يكثر
به محمّد الأمم يوم القيامة وإن كانت الشهوة في النكاح
والوصول إليها جائزة على لسان العلم ومأجور صاحبها لأنه
عليه السلام قد قال في حديث تعداد الأجور للمؤمنين يُوْجَر
المؤمن حتى في بُضْعِهِ لامرأته فقيل كيف يا رسول الله
ينال أحدنا شهوته ويكون فيها مأجوراً قال أرأيت لو وضعها
في الحرام أكان يكون مأثوماً قيل نعم قال كذلك إذا وضعها
في الحلال يكون مأجوراً ۳ أو كما قال عليه السلام
۱ سورة البقرة من الآية ٦٠
لعله يشير إلى قوله تعالى في سورة الإنسان ﴿ إِنَّ
الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسِ كَانَ مِزَاجُهَا
كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بهَا عِبَادُ اللهِ يُفجرونها
تفجيرا يُوفُونَ بِالنذر ويخافُونَ يَومَا كَانَ شَرُّرٌ
مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُدِ
مِسْكِينَا وَيَتِيماً وَأَسِيراً إنّما نظيشكر لِوَجهِ
اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا
۳ هو معنى لحديث أخرجه مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أن
أناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي يا
رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يُصلّون كما نصلي
ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم قال أوليس قد جعل
الله لكم ما تَصَدَّقون به إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة
صدقة وكل تحميدة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر
صدقة وفي بضع أحدكم صدقة قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا
شهوته ويكون له فيها أجر قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان
عليه وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر
۹۱۵
وقد طلّق عمر رضي الله عنه إحدى نسائه فقيل له لِمَ
طلَّقتها وهي من أمرها وشأنها وأثنى
عليها بأنواع الخير فقال أعرف فيها أكثر مما تقولون ولكن
مال قلبي إليها فخفت أن أشتغل بها عما يلزمني من أمور
المسلمين ففارقتها فهكذا هم أرباب القلوب إذا كانت الأمور
جائزة على لسان العلم وكان فيها بعض شغل عن توفية آداب
الشريعة والحضور في التعبدات تركوها لأن ما طلبوا أجل لأن
من علم ما طلبهان عليه ما ترك فما يكون لهم من هذه الخواطر
والشهوات فهو من النوع الذي يُقتل وقتله هو دفعه وقد قال
عزّ وجلّ في كتابه ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا
مَسَّهُمْ طَلَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَرُوا فَإِذَا
هُم مُّبْصِرُونَ ۱ والطائف هو الخاطر الذي يخطر من إغواء
الشيطان وقد قال النبي الاول لعائشة رضي الله عنها حين
سألته عن الرجل يلتفت في صلاته فقال تلك خُلْسة يختَلِسُها
الشيطانُ من صلاة أَحَدِكم وقال عليه السلام إن الله لا
يقبل عمل امرىء حتى يكونَ قلبه جوارحه ۳ ولا يكون القلب مع
الجوارح إلا بدوام الحضور دون حديث نفس أو خطرة من شيطان
أو هوى
ولهذا المعنى قال بعض الصحابة لا أحب أن يكون لي دكان على
باب المسجد لا تفوتني صلاة مع الجماعة أربح فيه كل يوم
ديناراً أتصدق به في سبيل الله لا أوثر ذلك على الفقر
وإنما قال ذلك لأنه يشتغل بالبيع والشراء والأخذ والعطاء
عن الحضور والذكر والفقير ليس له شغل غير
التعبد والحضور
وأما صفة تعلق خطرات الهوى فهو مثل أن يكون هواه مما يوافق
قربة فيفعل هو القربة ولا يبالي بموافقة الهوى لأن الهوى
كان سبباً للغنيمة وهي غنيمة الأجر الذي حصل في ذلك الفعل
وما كان سبباً لشيء فهو مثله فهو إذ ذاك غنيمة فلهذا
المعنى قال عليه السلام من سعادة المرء أن تكون شهوته فيما
يُرضِي ربه أو كما قال ومثل ما نحن بسبيله الأضحية لأنها
قربة وفيها الأكل والعطاء والتمتع والادخار ومثل هذه
الخصال هي التي تحض عليها النفس والهوى فيكون المرء في ذلك
مأجوراً وإن كانت النفس والهوى يريدان ذلك وهذا إذا قصد
بها السنة وأما إذا لم يقصد ذلك وقصد بها مباهاة وفخراً
فهو من النوع الذي يقتل لأنه ضرر في الدين وقتله تركه لأن
قتل النساء والصبيان إعدام لهم وترك هذا هو إعدامه فيناط
الحكم بالعلة حيث
وجدت كما ذكرنا
۱ سورة الأعراف الآية ۰۱
رواه الشيخان من حديث السيدة عائشة رضي الله عنها
۳ تقدم تخريجه في الحديث ۰
٩١٦
ومن ذلك أيضاً لبس الثياب والطيب والزينة في الأعياد
والجمع إذا قصد السنّة ويكون في
ذلك مأجوراً لأن فيه أيضاً راحة النفس وحظها وتنعمها ومع
ذلك فله الأجر في فعله ذلك ومثل هذا كثير والكل مثل الأول
إن كان لامتثال السنة فالأجر فيه حاصل ولا يضر تعلق النفس
والهوى بذلك وإن كان لشهوة أو لحظ فالحكم كما تقدم وعلى
هذا فقس
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۹۱۷
-101-
حديث النهي عن التعذيب بالنار
عَن أبي هريرَةَ رضيَ الله عَنهُ قالَ قَالَ رَسُولُ الله
إِنِّي أَمَرتُكُم أن تحرقوا فُلاناً وفُلاناً وإنَّ
النَّارَ لا يُعَذِّبُ بِها إلا الله عَزَّ وجَلَّ فإن
وَجَدتُمُوهما فاقتلوهما
*
*
ظاهر الحديث يدل على أن العقاب والحدود لا تكون بالحرق
وإنما تكون بغيره وإن كان قد ورد عن أبي بكر رضي الله عنه
أنه أحرق لوطيّاً لكن كان ذلك منه مرة واحدة ولم يفعله بعد
ولعله فعل ذلك لعدم بلوغ الحديث إليه ورجع عنه ببلوغه إليه
والكلام عليه من وجوه الوجه الأول أنه يجوز للمجتهد إذا
حكم بحكم ثم ظهر له غير ما اجتهد فيه أن ينزع عن اجتهاده
ذلك إلى غيره إذا كان الحكم باقياً لم يمض ولأن النبي لا
لا لا لا و قد كان أمر بحرق هذين ثم نزع عن ذلك وقال فإن
وجدتموهما فاقتلوهما الوجه الثاني أن المجتهد إذا حكم بحكم
ثم ظهر له غيره أن يذكر العلة الموجبة لتغيير الحكم لأن
النبي بين العذر الذي لأجله رجع بقوله عليه السلام إن
النار لا يعذب بها إلا الله الوجه الثالث جواز النيابة في
الأحكام لأن النبي هو أمر بقتل هذين ولم يأمر بأن يؤتى
إليه بهما
الوجه الرابع أن مَن سَبَّ الله عزّ وجلّ ورسوله الا الله
قتل ولم يُستَتَب لأن فلاناً وفلاناً المذكورين في الحديث
قد سُمِّيا في حديث غير هذا وقيل كان سبب ذلك أنهما كانا
يؤذيان الله
ورسوله
الوجه الخامس أن إطالة الزمان لا ترفع العقاب ولا أن النبي
الأمر بقتل هذين حين رجا القدرة عليهما وقبل ذلك حين كانت
الإذاية ۱ منهما صادرة ولَوْ لَمْ ترج القدرة للمسلمين
عليهما لم يأمر فيهما بشيء
1 أي الأذية
۹۱۸
ويترتب على هذا من التنبيه أن من وقع في شيء يوجب العقاب
فستر الله عزّ وجلّ عليه
وأسبغ نِعَمَه وأمهله فلا يَغْتَرُّ بذلك ويَدومُ على
المخالفة ويقول أرجو العفو لما ظهر من صفة الرحمة من دوام
الستر وإدرار النعم وليبادر إلى التوبة والإقلاع قبل
مفاجأة المنايا أو النقم لأن الله عزّ وجلّ يقول في كتابه
العزيز أفَرَيْتَ إِن مَّتَعَنَهُمْ سِنِينَ ثُمَّ
جَاءَهُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُم
مَّا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾ ١ وقال ﴿ وَلَا يَفْزَنَكُم
بِاللَّهِ الْغَرُورُ والغَرور هو الشيطان والغُرور - بضم
الغين - هو ما يلقيه من تسويلاته وتخيلاته من ترك الخوف
والطمأنينة بما أظهر عزّ وجلّ من إمهاله وإدرار إنعامه قال
النبي الله إن الله يمهل الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ۳
والتنبيه هنا لكل نوع من نوعه لأهل الظاهر من تنوعهم ولأهل
الباطن بمشربهم فتنبَّة إن كنت لبيباً وما يتذكر إلا من
ينيب والله حسبنا وكفى وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد
وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً
۱ سورة الشعراء من ٢٠٥ إلى ۰۷
سورة لقمان من الآية ۳ وسورة فاطر من الاية ٥
الله
۳ متفق عليه عن أبي موسى رضي الله عنه بلفظ إن الله ليُملي
للظالم إلخ
۹۱۹
- ١٥٢ -
حديث قتل الكافر والمرتدّ وإن التجأ إلى الحرم
عَن أنس بن مالِكِ رَضِيَ الله عَنهُ أَنَّ رَسُولَ الله
صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عامَ الفَتح وعَلى رأسِهِ
المِعْفَر ۱ فَلَمّا نَزَعَهُ جَاء رَجُل فَقالَ يا
رَسُولَ الله إِنَّ ابنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّق بأستارِ
الكَعبة
فَقالَ اقتلوه
*
*
ظاهر الحديث يدل على أن الحَرَم لا يجير من الحدود والكلام
عليه من وجوه
الوجه الأول قوله دخل عام الفتح وعلى رأسه المغفر إنما
أبهم الفتح ولم يبين أي فتح كان للعلم به وشهرته وللقرينة
التي قارنته في الحديث تبين أي فتح كان وهو من الفصيح في
الكلام حذف الألفاظ للعلم بالمعنى
وفيه دليل لمن ذهب من الفقهاء أن مكة دُخِلت عنوة لأن
المغفر من السلاح الذي لا يُتخَذ عند الأمن وأيضاً فلو كان
دخوله لها صلحاً لم يكن ابن خطل ليهرب منه ويستجير بالحرم
إذ إن الصلح مجير له ولم يكن النبي لا لا لا ل ل ليأمر
بقتله وهو قد صالحهم وقد جاء بالنص ما يردّ قول من ذهب إلى
أن دخولها كان صلحاً وهو قوله عليه السلام أُحِلَّت لي
ساعة من نهار ولم تَحِلَّ لأحد قبلي ولا لأحدٍ بعدي ۳ وهذا
نص في موضع الخلاف
الوجه الثاني جواز لبس السلاح في حال الإحرام إذا كان ذلك
لضرورة مثل الخوف من اللصوص وما أشبهه لأن النبي لبس
السلاح في حال إحرامه لضرورة القتال الوجه الثالث لبسه
عليه السلام للسلاح فيه دليل على أن من بلغ في الحقيقة
والتوحيد
۱ المِعْفَرِ ذَرَد يُنسج من الدروع على قدر الرأس يُلبس
تحت الفَلَنَسُوة جمع مغافر ابن خَطَل اسمه عبد العزّى
قتله سعيد بن حريث وسبب قتله أنه كان أسلم فارتد وكانت له
قينتان تغنيان
بهجاء المسلمين وكان قتله يوم فتح مكة
۳ تقدم تخريجه في الحديث ۱۳ وأوله إن الله حبس عن مكة
الفيل
المنتهى فالخطاب له بامتثال الحكمة لم يزل لأن النبي لا لا
لا لو أرفع الناس منزلة في الحقيقة ومع أنه قد وعده الله
عزّ وجلّ بالنصرة والعصمة فقال تعالى ﴿ وَاللهُ يَعْصِمُكَ
مِنَ النَّاسِ ﴾ ١ لكن مع هذا كله لم يترك عن امتثال
الحكمة في كل أجزاء أعماله مثل ما نحن بسبيله من لبس
السلاح وغيره يوفي في الظاهر من طريق الحكمة المجهود وفي
الباطن ما يجب من التوحيد بردّ الحول والقوة الله والخروج
عن رؤية أعماله
الوجه الرابع أن الحدود لا تجب إلا بإذن من الإمام لأن من
أبصر هذا الرجل متعلقاً بأستار الكعبة لم يقتله حتى استأذن
النبي لا اله اللي فيه ولأن بحضور الإمام لا يجوز الحكم
لغيره وإن علم مقتضاه
الوجه الخامس جواز النيابة في الأحكام والحدود لأن النبي
لا يأمر بقتله ولم يأمر
بإحضاره بين يديه
الوجه السادس أن الرعية لا يجوز لهم أن يخفوا عن راعيهم
شيئاً من أمورهم ولا يفعلوا شيئاً حتى يشير به عليهم لأن
هذا الصحابي رضي الله عنه لم يكتم شأن ابن خطل حين رآه وما
وسعه إلا أن يخبر النبي الله فكذلك جميع الرعاة يجب عليهم
ألا يخفوا من أمورهم شيئاً عن راعيهم إذا كان عدلاً لأن
إخبارهم له بذلك عليه تترتب مصالحه ومصالحهم وقد قال عليه
السلام الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله قال لله
ولرسوله ولأئمة المؤمنين ولخاصتهم وعامتهم والإخبار له بما
لا يعلم من باب النصيحة
ثم هذا الوجه يحتاج فيه إلى بحث وهو أنه هل تتعدى عليه أم
لا
فعلى القول بأنها غير متعدية فلا بحث وعلى القول بأنها
متعدية - وهو الأظهر - لما بيناه في الأحاديث قَبْلُ لكثرة
الفوائد في كلام الشارع عليه السلام ولأنه عليه السلام قد
قال كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فيجب على كل من كان
مسترعى أن يخبر راعيه بأجزاء أموره حتى لا يكون منه فعل
إلا بأمر راعيه ومشورته وكل أحد بالنسبة إلى حالة راعيه
فالسيد في قومه راعٍ
۱ سورة المائدة من الآية ٦٧
٢ أخرج الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وأبو عوانة
وابن خزيمة وابن حبان والبغوي والبارودي وابن قانع
والبيهقي وأبو نعيم عن تميم الداري وأخرج الترمذي وقال
حديث حسن والنسائي والدارقطني في الأفراد عن أبي هريرة
وأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس وابن عساكر عن ثوبان رضي
الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الدين
النصيحة إن الدين النصيحة إن الدين النصيحة قالوا لمن يا
رسول الله قال الله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين
وعامتهم
۹۱
عليهم والرجل في بيته كذلك ومن كان عَريّاً عن القبيلة
والأهل فهو أقل وظيفة من غيره لأنه لم يبق عليه غير وظيفة
الجوارح وهي مسترعاة إلى النظر فيها بالعقل والشرع هذا في
حكم الظاهر وكذلك يجب أيضاً في المعاني وهو حكم الباطن وهو
ما يخطر من الخواطر النفسانية والشيطانية والهوائية فكلها
مسترعاة وراعيها هو العقل والحاكم على الجميع هو الشرع
فإذا خطر للمرء خاطر أو وقع له واقع فليعرضه أولاً على
العقل والعقل إذ ذاك ينظر بمقتضى الأمر والحكمة فإن كان
فيه مصلحة أجازه وإلا منعه وإن كان المرء ممّن أمِد
بالتوفيق وكانت شهواته وخطراته في مرضاة ربه فهذه قاعدته
أبداً وليحذر من الغفلة عنها لأن بها قوام أمره لأنه إذا
لم يكن على هذا الحال فقد تستفزه النفس في مرة ما وهو لم
يشعر
ومثل هذا ما حكي عن بعضهم حين لقي إبليس اللعين فسأله هل
قدر عليه قط أو نال منه قَطُّ شيئاً فقال اللعين نعم ليلة
أحضَرتَ بين يديك عَشَاءَك فَشَهَيْتُكَ الطعام حتى زدتَ
فيه على العادة فنمت بسبب ذلك عن وِردك فقال والله لا أشبع
بعدها أبداً فإذا كان المرء يستعمل نظره أبداً على القاعدة
التي قررناها كان أكله ونومه ويقظته مضبوطاً بلسان العلم
وأيضاً فإنه بنفس نظره إلى تلك القاعدة كان له من الأجر ما
لا يكون للصائم القائم الغافل عنها لأنه لا يحمله على هذه
المحاسبة والمراقبة إلا الخوف من الله عزّ وجلّ والإجلال
له وقوة اليقين
ولهذا المعنى كان بعض الفضلاء يقول يحتاج العاقل أن يكون
محاسباً ومراقباً ومعنى المحاسب هو الذي يحاسب نفسه فيما
مضى من عمره فإن كان بقي عليه شيء فليخلص نفسه مادام في
هذه الدار والمراقبة هي مهما خطر له خاطر عرضه على العقل
ونظره بلسان العلم فما حسن منه فعل وما قبح منه ترك ولم
يفعل وإلا كان كالتاجر ينفق ولا يعرف حتى يفلس وقد قال
عليه السلام حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا
ولأجل ترك النظر إلى هذه القاعدة أو الجهل بها وقع كثير من
الخلل والفساد عند بعض المدعين للطريق المنتسبين إليه لأنه
يخطر لأحدهم التصرف في مرضاة نفسه وما يشير به عليه هواه
وقد يسمع وسوسة من الشيطان فيأخذ ذلك من حينه على الإطلاق
من غير أن يلحظ القاعدة التي قررناها فيضل مع الضالين وهو
يحسب أنه يحسن صنعاً فيقول قيل لي وقلت وخطر لي ووقع لي
وهيهات هيهات ليس التعبد بالخواطر ولا بالشهوات وإنما هو
بالامتثال والامتثال لا يتصور وجوده إلا مع العلم والعلم
قد شاء عزّ وجل وسبقت إرادته أنه لا يؤخذ إلا
۱ قوام الأمر نظام الأمر وعماده وملاكه
من كلام عمر رضي الله عنه
۹
بالتعلم لقوله عليه السلام إنما العلم بالتعلم والمراد
بهذا العلم هو علم النقل وهو الأمر لأنه لا يؤخذ بصفاء
القلب ولا بغيره وإن أخذ بصفاء القلب فلا يجوز التعبد به
حتى يكون نقلاً وإنما يكون بصفاء القلب العلم اللدني ومع
ذلك فالعلم المنقول لا بد منه فيه لأن به يختبر
والنهي
صحته من سقمه
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ قطعة من حديث أوله يا أيها الناس إنما العلم بالتعلم
والفقه بالتفقه إلخ رواه الطبراني في الكبير
-١٥٣ -
حدیث رد فرس ابن عمر رضي الد
عنهما إليه
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضيَ الله عَنهُ قالَ ذَهَبَ فَرَس لَهُ
فَأَخَذَهُ العَدوُّ فَظَهَرَ عَلَيْهِمُ
المُسلِمونَ فَرُدَّ عليهِ في زَمَنِ رَسولِ الله
*
ظاهر الحديث يدل على رد الفرس لابن عمر رضي الله عنهما
بعدما ملكه العدو والكلام
عليه من وجهين
الوجه الأول قوله ذهب يرد عليه سؤال وهو أن يُقال لم قال
ذهب ولم يأتِ بغيرها من الصيخ الجواب عنه أنه إنما عدل عن
ذكر غيرها إليها لأنها جامعة لأنواع طرق الذهاب لأنك تقول
ذهب مال فلان وقد يكون ذهابه بالسرقة أو الإنفاق أو
النسيان أو الغضب إلى غير ذلك من وجوه الذهاب وذهب يدل على
كل واحد منها على سواء فهذا من الفصيح في الكلام
الوجه الثاني قوله فرُدَّ عليه فيه بحث وهو أنه هل رُدَّ
عليه من طريق إحسان النبي صلى الله عليه وسلم إليه فهو
كالنفل أو رُدَّ عليه لأن حصوله بيد المشركين لم يُزِل
ملكه عنه وكان رده من طريق الوجوب يحتمل الوجهين معاً وقد
اختلف العلماء هل المشركون يملكون أموال المسلمين أم لا
على قولين فذهب قوم إلى الجواز مطلقاً واحتجوا بقوله تعالى
إنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ
عِبادِه ۱ والاحتمال الذي في الحديث وهو كون الفرس رُدَّ
على طريق النفل وذهب قوم إلى المنع مطلقاً وحجتهم الاحتمال
الذي في الحديث وهو كون الفرس رُدَّ على طريق الملك
وبالقياس وهو أن المشركين لا يحل لهم ملك رقاب المسلمين
فأموالهم كذلك
وفَرَّق قوم فقالوا لا يخلو أن يُدْرِبَ العدو بها ۳ أو لا
فإن أدْرَبَ مَلَكَ وإن لم يُدْرِب لم يملك وهذا قول ثالث
وكأن صاحب هذا القول يرى أنهم ما لم يُدْرِبوا فصاحب الشيء
لم ينقطع
۱ سورة الأعراف من الآية ۱۸
يدرب بها يدخل بها بلاده
٩٢٤
رجاؤه منه لأنه قد تعود الكرة عليهم فتؤخذ منهم ويغنمون أو
يتركون ما أخذوا ويهربون وأما إذا أدربوا فقد انقطع الرجاء
من العودة عليهم وهذا استحسان قول بين قولين
والأظهر - والله أعلم - أن العدو لا يملك بدليل الحديث
والقياس أما الحديث فأحد الاحتمالين المذكورين في الحديث
الذي نحن بسبيله ويرجحه على الوجه الآخر ما روي أن العدو
غزا مرّة المدينة وأخذ منها ناقة النبي الله المسماة
بالعضباء وأخذت امرأة من المسلمين في الأسر في جملة ذلك
فلما جَنَّ عليها اللّيلُ قامت تريد الفرار بنفسها فأرادت
أن تركب ناقة تنجو عليها فأتت تأخذ ناقة لتركبها فكل ناقة
أو دابة تضع يدها عليها تنفر فتتركها وتذهب لغيرها حتى أتت
إلى العضباء وكانت ذلولاً فلم تنفر فركبتها وأتت بها إلى
المدينة ونذرت في طريقها أنها إن نجت عليها فسوف تنحرها
وتهديها فلما أتت المدينة رآها الناس فعرفوها فأتوا بها
إلى النبي الله فذكرت له القصة فقال لها عليه السلام لا
نَذْرَ فيما لا يُملَك ووجه الحجة فيه أنها لو أتت على
ناقة كانت ملكاً لمشركين قبل لم تؤخذ منها فلما أن كانت
مما عُنِم من المسلمين قال لها عليه السلام لا نذر فيما لا
يُملك ۱ وأُخِذت منها
وأما القياس فقد تقدم لصاحب هذا المذهب وهو أنهم لا يملكون
الرقاب وهذا يبين أن الاحتمال الذي في الحديث وهو كون
الفرس ردَّ من طريق الملك أو الوجوب هو المراد وهو الأظهر
في الموضع وفي هذين دليل واضح لا خفاء فيه أنهم لا يملكون
الرقاب فالأموال كذلك وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد
وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً
۱ جزء من حديث أوله لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك
ابن آدم أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه عن
عمران بن حصین رضی الله ع
٩٢٥
11021
حديث أجر المجاهد في سبيل الله
عَن أبي هريرَةَ رضيَ الله عَنهُ أَنَّ رَسُولَ الله صلى
الله عليه وسلم قالَ تَكفَّلَ اللهُ لِمَن جَاهَدَ في
سَبيلِهِ لا يُخرِجُهُ إلا الجهادُ في سَبيلِهِ وتَصديقُ
كلِماتِهِ بأن يُدخِلَهُ الجَنَّةَ أو يرجعه إلى مَسكَنِهِ
الَّذِي خَرجَ مِنْهُ مَعَ ما نالَ مِن أجرٍ أو غَنِيمَةٍ
**
ظاهر الحديث يدل على أن من خرج إلى الجهاد بالنية المذكورة
فيه فله أحد الوجهين المذكورين فيه وهو أن يرجع بالأجر
والغنيمة أو يُستشهد فيدخل الجنة ويكون فيها حياً يُرزَق
لقوله تعالى ﴿أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ١
والكلام عليه من وجوه
الوجه الأول قوله عليه السلام تكفل الله معناه ضمِن الله
لأن الضمان له في اللغة سبعة أسماء ومن جملتها الكفيل
والضمان من الله سبحانه ضمان إفضال لا ضمان وجوب فإن معناه
تأكيد التصديق بحصول الأجر الذي تفضل به على المجاهد في
سبيله لأن الوجوب في حقه تعالى
مستحيل
الوجه الثاني قوله عليه السلام لمن جاهد في سبيله لا يخرجه
إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلماته الجهاد في سبيل الله
يحتمل وجوهاً وأظهرها في هذا الموضع قتال العدو الذي هو
الكافر وكيفية النية فيه هو أن يخرج للغزو يريد به القتال
في سبيل الله وإعلاء كلمته لا يريد بذلك غير الله
ويَحتَسِب قتل نفسه إن قُتِل وكلَّ ما يلاقي من شدة الحروب
وهَوْلِها في حق الله تعالى لا لظهور ولا لكسب دينار ولا
لغير ذلك
والتصديق على ضربين تصديق بوجوبه - والوجوب على ضربين فرض
عين وفرض كفاية وهو مذكور في الفقه - وتصديق بما جاء فيه
من عموم الأجور والإحسان على مقتضى الآيات في الوجهين معاً
٩٢٦
۱ سورة ال عمران من الآية ١٦٩
الوجه الثالث هل تقصر هذه الأجور على الوجه الظاهر - وهو
قتال العدو ـ أو تحمل على ما
يقتضيه عموم الجهاد في طاعة الله تعالى وهو الأظهر كما ذهب
إليه بعض الصحابة حيث قال لأخيه حين لقيه في طريق المسجد
وقد اغبرت قدماه فسأله أغَيرُ الصلاة أخرجك فقال لا لم
أخرج لغيرها فقال شهدت على رسول الله الله أنه قال ما
اغبرت قدما عبد في سبيل الله إلا حَرَّمهما الله على النار
۱ فقال له الرجل ذلك خاص بالقتال فقال الصحابي أفعال الخير
كلها في سبيل الله وقد قال عليه السلام في الخارج إلى
المسجد هو في ذمة الله إن مات أدخله الله الجنة وإن رجع
إلى منزله كان كالمجاهد رجع بالأجر والغنيمة وهذا نص في
المسألة فيجب تعديه في جميع وجوه البر ويكون الأول منها
أظهرها وأعلاها
الوجه الرابع هل يتعدى الحديث للجهاد المعنوي أم لا أما
ظاهر اللفظ فلا يؤخذ منه التعدي لأنه ذكر في الجهاد الحسي
وأما على القاعدة التي قررناها في كلام الشارع عليه السلام
بأنه محمول على كل الفوائد - إن أمكن - فهو متعد لا شك فيه
سيما ۳ في هذا الموضع الذي قد نص عليه السلام أن الجهاد
المعنوي أكبر من الحسي وهو قوله عليه السلام هبطتم من
الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس فإذا كان
حكم يناط بعلة فحيثما وجدت العلة أنيط الحكم بها فالدخول
في الجهاد المعنوي يكون بتلك النيَّتَينِ المذكورتين في
الحديث وهما الجهاد في سبيل الله والتصديق بكلماته ولا
يُعوّل على العيش بعدها إلا إن قُدِّر له بذلك لأن الراجع
من أثناء الطريق لم تتم له صفقة وتمام الصفقة هنا هو الموت
على ما هو عليه من مجاهدة النفس في ابتغاء مرضاة الله
تعالى
ولهذا المعنى لما أن جاء لبعضهم ثلاثة نفر يطلبون منه
التربية في السلوك فقال لأحدهم كم تصبر فعَدَّ له أياماً
محصورة فقال له الشيخ ما يجيء منك شيء ثم سأل الآخر فقال
أطيق أكثر منه وعد له الأيام فقال له ما يجيء منك شيء ثم
سأل الثالث فقال أصبر حتى أموت
فقال له ادخل وقد قال بعض الفضلاء من أهل هذا الشأن من
صَدَق وصدَّق قُرِّبَ لا محالة
وإنما يقع الخلل في الجهادَينِ معاً إذا كان الدخول لحظ
دنيوي أو نفساني ومن دخل بهذا
۱ تقدم تخريجه في الحديث ١٣٤
في هذا المعنى روى أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة رضي
الله عنه أن النبي الا الله قال ثلاثة في ضمان الله عزّ
وجل رجل خرج إلى مسجد الله ورجل خرج غازياً في سبيل الله
ورجل خرج حاجاً
۳ كذا بحذف لا
٤ تقدم تخريجه في الحديث ۱۳۰
٥ النَّفر من ثلاثة إلى عشرة من الرجال والجمع أنفار
قصده في الحياة وهو يؤملها فقليل أن يقع النصر لمثل هذا
لأنه عند أقل شيء يرى من العدو يُوَلِّي مديراً للطمع في
الحياة وأما إذا كانت النية ما أشرنا إليه فالخلل لا يدخل
هناك لأن من دخل بنية
ألا يعيش فقلما ينهزم لأنه إذا عاين الموت لا يفر منه
ويقول هو المطلوب والمقصود وأعظم ما
في الجهادين من الوقائع المَوْت فإذا كانت أعظم الوقعات هي
المقصودة فكيف يبالي بما هو
أقل منها
ولهذا المعنى كان النبي له الا الله حين الجهاد يخطب الناس
ويذكّرهم ويعلمهم بما لهم فيه من الأجور مثل قوله عليه
السلام اعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ۱ وكفى بهذا
دليلاً أن الله عزّ وجلّ جعل الفرار منه من الكبائر فقال
تعالى ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَومَذٍ دُبُرَهُ إِلَّا
مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إِلَى فِئَةٍ
فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَنهُ جَهَنَّمُ
وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ٣ وقد روي أن الصحابة رضوان الله
عليهم كانوا بعد وفاة النبي الا الله يُسَرُّون صفوفهم
ويذكرون أصحابهم ويعطونهم حتى كان بعضهم ينظر من هو أفصح
في الكلام وأعلى صوتاً فيأمره بالمشي بين الصفوف فيعِظ
الناسَ ويذكرهم بما جاء في الجهاد وكل هذا مندرج في ضمن
قوله تعالى
يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَيْضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى
الْقِتَالِ ۳ وما ذكرناه وأوردناه من جملة التحريض
وكذلك ينبغي في الجهاد الأكبر إذا كان المرء عالماً
بكيفيته وبما كان فيه فبها ونِعْمَتْ وإن لم يكن عالماً
بذلك فليتخذ شيخاً يستند إليه عارفاً بذلك الشأن حتى يبين
له لسان العلم في جهاده ولسان الطريق وما يشترط فيه ولأجل
ترك النظر إلى هذه القاعدة كانت المجاهدة اليوم عند جل
الناس لا تفيد شيئاً لأجل أنهم يدخلون في المجاهدات جاهلين
بها من الطريقين وإن كان لأحدهم علم فيكون في الطريق
الواحد ويترك الآخر ومن حصل له العلم بالطريقين فهو
المرْجُو له الخير وهو على طريق الهدى والتوفيق فطوبى له
ثم طوبى له
ومن رزق التوفيق ولم يكن له علم بهذين الطريقين يحتاج أن
يبذل نفسه فيهما لعله أن ينال
منهما شيئاً أو من بركة أهليهما وقد قال امرؤ القيس ٤
1 أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود في الجهاد والترمذي في
فضائل الجهاد كما أخرجه الإمام أحمد في مسنده
سورة الأنفال الآية ١٦ ۳ سورة الأنفال من الآية ٦٥
٤ أشعار الشعراء الستة الجاهليين اختيار الأعلم الشمري
طبعة دار الآفاق الجديدة بيروت ١٩٧٥ صفحة
TV
ومطلع القصيدة
الَكَ شَوقُ بعد ما كان أقصَرًا وحَلَّت سُلَيمى بَطَنَ
قَوْ فَعَرعَـرا
۹۸
بَكَى صاحِبِي لَمَّا رأى الدَّرْبَ دُونَهُ لَمَّا رأَى
الدَّرْبَ دُونَهُ وأَيْقَنَ أَنَّا لاحِقَانِ بقَيْصَ
فَقُلْتُ لَهُ لا تَبْكِ عَيْنُكَ إنَّما نُحاوِلُ مُلْكاً
أو نَمُوتَ فنُعْذَرا فإذا كان هذا في طلب مُلك الدنيا
فكيف في طلب الآخرة وقد قال علي رضي الله عنه لو كانت
الدنيا من فضة والآخرة من خزف والدنيا فانية والآخرة باقية
لكان الواجب أن يُزهَد في الفانية وإن كانت من فضة ويُرغَب
في الآخرة وإن كانت من خزف فكيف والأمر بضد ذلك وصلى الله
على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً
۹۹
- ١٥٥ -
حديث جواز التحلل من اليمين المنعقدة
صلى الله عليه وسلم
عَن أبي موسى۱ رضي الله عَنهُ قالَ أَتيتُ رَسولَ الله صلى
الله عليه وسلم فِي نَفَرٍ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ
نَستَحمِله فقال والله لا أحمِلُكُم وما عِندي ما
أحمِلُكُم عَليهِ وأُتِيَ رَسولُ الله بِنَهْبِ ۳ إِبل
فَسَأَلَ عَنّا فقالَ أينَ النَّفَرُ الأَشْعَرِيُّونَ
فأمرَ لنا بِخَمس ٤ ذَوْدٍ غُرِّ الدُّرَى ٥ فلما انطلقنا
قُلنا ما صَنَعْنا لا يُبارَك لَنَا فَرجعنا إليه فقُلنا
إنا سألناك أن تَحْمِلَنا فَحْلَفَتَ ألا تَحْمِلَنَا
أَفَنسيتَ قَالَ لَستُ أنا حَملتُكُم وَلكِنَّ الله
حَمَلَكُم وإنّي والله إن شاءَ الله لا أحلِفُ على يمين
فأرى غَيْرَها خَيْراً مِنها إِلا أَتَيْتُ الَّذي هُوَ
خَيْرٌ وَتَحلَّلْتُها ٦
*
*
ظاهر الحديث يدل على جواز التحلل من اليمين المنعقدة
والكلام عليه من وجوه
الوجه الأول قوله أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في
نفر من الأشعريين يَرِد عليه سؤالان
الأول أن يُقال لم قال أتيت ولم يقل أتينا وهم كانوا جماعة
فعدل عن اللفظ الحقيقي إلى غيره مع الاحتياج إلى الزيادة
في اللفظ لأنه لو قال أتينا لم يحتج إلى ذكر النفر فلما
قال أتيت احتاج أن يبين مع من أتى وهذا ينافي لغتهم
وفصاحتهم لما فيه من الاختصار والإبلاغ الثاني أن يُقال لم
سمّى النفر من أي قبيلة كانوا
والجواب عن الأول من وجهين
۱ تقدمت ترجمته في الحديثين ٦١ و ١١٧
نستحمله نطلب منه أن يحملنا لنجاهد في سبيل الله
۳ نهب إبل إبل الغنيمة
٤ بخمس ذوي أي بخمس من الدود والذود هو القطيع من الإبل
بين الثلاثة إلى العشرة
٥ غر الذرى في أعالي أسمتِها بياض
٦ تحلّلتها كفرت عنها
الأول أن أبا موسى رضي الله عنه هو سيّد الأشعريين ورئيسهم
وهو صاحب رأيهم
ومدبر أمرهم لأن قبائل العرب كانوا لا يفعلون شيئاً حتى
يسألوا فيه سيد قبيلتهم فهو يخبر أنه كان السبب في مجيء
الأشعريين إلى النبي ا ا ا ا ا و و و و و برأيه و مشورته
أتوا فإن قال قائل لو كان كذلك لقال أتيتُ رسول الله صلى
الله عليه وسلم بنفر من الأشعريين قيل له إنما عدل عن تلك
الصيغة لما نطق به تواضعاً منه لإخوانه الأشعريين لأنه لو
قال ذلك لكان في اللفظ ما يدل على جبرهم في المجيء فلما
ترك ذلك وأتى بـ في زال ذلك وبقي هو مع إخوانه في اللفظ
كأنه واحد منهم الثاني من الجواب يحتمل أن يكون خص ذكر
نفسه دون غيره تبركاً منه باسم النبي لا لا الهلال حتى
يكون اسمه يلي الاسم المبارك ومثل هذا كان الصحابة رضوان
الله عليهم يفعلون كثيراً تبركاً منهم بالاسم المرفع
والجواب عن السؤال الثاني أنه إنما ذكر الأشعريين
وعَيَّنهم لأن الجمع إذا أتى النبي الله في هذا القدر
ويراجعهم ويرجعون إليه بهذا القدر من المحاولة التي ذكرت
في الحديث فلا يكون في الوقت إلا مشهوراً فكان ذكر القبيلة
وتعيينها قرينة لقوة التصديق وهذا كان دأب الصحابة رضوان
الله عليهم مثل عثمان رضي الله عنه حين أخبر عن حديث
الوضوء وقال فيه لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه فأشار
إلى القرينة الدالة على التصديق مع أنه واحد ممن يؤخذ عنه
الدين لقوله عليه السلام عليكم بسنتي وسنة الخلفاء
الراشدين من بعدي 1
ثم يرد سؤال أيضاً على قوله نستحمله وهو أن يُقال لم قال
نستحمله ولم يذكر فيما أرادوا والحملان منه والجواب عنه
إنما سكت عن ذلك للعلم به للقرائن التي قارنته في الحديث
يعلم بها أنه أراد الاستحمال في الجهاد فحذف ذكر الجهاد
إبلاغاً في الاختصار وهو من الفصيح
في الكلام
الوجه الثاني من البحث المتقدم قوله عليه السلام والله لا
أحملكم وما عندي ما أحملكم عليه ظاهر اللفظ يدل على جواز
اليمين على ألا يفعل الإنسان فعلاً من أفعال البر إذا لم
يقدر عليه لأن حمل هؤلاء إلى الجهاد من أفعال البر فحلف
عليه السلام على ألا يحملهم لكونه لم يقدر على ذلك وقد بين
عليه السلام العلة بقوله وما عندي ما أحملكم عليه وهذا
معارض لقوله تعالى وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً
لِأَيْمَنِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا
بَيْنَ النَّاسِ
۱ قطعة من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه رواه الإمام
أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وصححه
الترمذي وابن حبان سورة البقرة من الاية ٢٢٤
۹۳۱
والجمع بين الآية والحديث أن اليمين هنا ليس المراد منه
ظاهر لفظه لما قارنه من القرائن التي
دلت على بطلانه وذلك ما عُلِم من حال النبي لا لا لا لا
أنه كان في أفعال البر يبذل المجهود فكيف يقع منه يمين على
هذه القربة العظمى ألا يفعلها ذلك محال في حقه عليه السلام
وإنما حلف عليه السلام لهم ليقطع مادة التشويش عنهم لتعلق
خاطرهم في الرجاء لعله بعطيهم فيما بعد فكان يمينه عليه
السلام رفعاً لهذا التشويش وراحة لنفوسهم عند قطع الإياس
وكل ما كان سبباً لرفع
تشويش فهو مستحب
فإن قال قائل فما فائدة قوله عليه السلام لا أحملكم وما
عندي ما أحملكم عليه وأحدهما يغني عن الآخر قيل له النبي
لا لا لا لو كان إذا جاء أحد يطلب منه إن كان عنده شيء
أعطاه وإن لم يكن عنده شيء يكلم أصحابه إن كان فيهم من
يقدر على إعطائه شيئاً فأتى عليه السلام بتينك اللفظتين
ليقطع عنهم مادة التشويش مرة واحدة حتى لا يبقى لهم تعلق
خاطر بإعطائه ولا بكلامه لمن يقدر على أن يعطيهم فقوله وما
عندي ما أحملكم عليه إشارة لهم بأنه ليس عنده ما يحملهم
عليه وقوله لا أحملكم إشارة بألا يتسبب لهم في ذلك
لكن يرد على هذا سؤال وهو أن يقال لم قطع عليه السلام
العادة التي كان يفعل لهؤلاء الأشعريين دون غيرهم وهو كونه
إذا لم يكن عنده شيء نظر في أصحابه وتكلم لهم والجواب عنه
أنه قد يكون النبي لا اله الاهل العلم أن أصحابه ليس عندهم
في ذلك الوقت شيء إلا قدر ما يقوم بحركتهم ولا يفضل لهم
على ذلك فضل حتى يعطوه غيرهم وهم كانوا خارجين إلى الجهاد
فيحتاجون إلى القوة والشدة فإن شاركهم غيرهم فيما عندهم
القتال بسبب ذلك سيما الصحابة رضوان الله عليهم وقد كان
قُوتُهم التمرة والتمرتين فإذا شاركهم غيرهم في هذا النزر
اليسير المعلوم فإنهم لا يطيقون القتال لأن البشر لا بد له
من شيء ما
یسد به رمقه
قد ١
يضعفون عن
وقد روي عن بعضهم أنه كان قوتهم في غزوة من الغزوات تمرة
تمرة ففرّق التمر فجاء أحدهم يأخذ تمرته فقيل له قد أخذتها
فغشي عليه فلم يفق حتى أعطيها وأكلها فقام فإذا كانوا على
هذا الحال فالزائد عليهم ضرر بهم لا مصلحة في خروجه معهم
فترك عليه السلام الطلب لأصحابه لأجل هذا المعنى والله
أعلم
الوجه الثالث من البحث المتقدم قوله عليه السلام وأتي
رسولُ الله بنهب إبل فسأل
۱ كذا والصواب فقد
عنا النهب هو ما يؤخذ من أموال المشركين وهي الغنيمة التي
يضرب عليها بالخيل والرّجل فتؤخذ أموالهم وتنهب من أيديهم
وسؤاله عليه السلام عن النفر الأشعريين حين أتاه النهب
دليل
واضح على أنه ما أراد بيمينه إلا الوجه الذي ذكرناه وهو
رفع التشويش عنهم الوجه الرابع قوله فأمر لنا بخمس ذَوْدٍ
غُرُ الدُّرَى الذود عند العرب هو الجمل الواحد فهو أخبر
أنه عليه السلام أعطاهم خمسة أبعرة وغُرّ الذرى صفة للجمال
وهو بياض يكون في
أعلى أسْنِمَتها وإنما أتى
۳ لأنها قرينة تذهب التهمة في النسيان والغلط لأن من يذكر
هذا
القدر من الجزئيات فقد انتفت عنه التهمة في القضية بكل
ممكن
الوجه الخامس قوله فلما انطلقنا قلنا ما صنعنا فيه دليل
على أن المرء إذا حصل له مراده يُسَر بذلك في وقته حتى قد
ينسى ما كان قبله من شدة فرحه به لأن مراد هؤلاء الأشعريين
كان أن لو وجدوا إعانة للجهاد في سبيل الله و بين يدي
الرسول له له الا الله فلما ظفروا بذلك شغلهم الفرح الذي
دخل عليهم بالطاعة التي قالوها عن ذكر يمين النبي له الا
الله فلما أن سكن ذلك عنهم قليلا ورجعوا إلى أنفسهم فحينئذ
الهموا لذلك فرجعوا إذ ذاك وهذا أمر قلّ أن يثبت عنده إلا
القليل النادر ولا يحصل التثبت هناك إلا لمن داوم على
محاسبة نفسه في كل أنفاسه واستغرق في المراقبة حتى يذهل عن
لذة الطاعة ولذيذ النعم مع أن من وجد هذه اللذة بالطاعة
حتى يذهل في الحين عن أموره لما توالى عليه من محبتها فهو
مقام سَنِيّ لكنَّ ما أشرنا إليه أرفع وأعلى الوجه السادس
قولهم لا يبارك لنا هذه البركة التي خافوا من زوالها
احتملت وجهين
الأول أن يكونوا أرادوا بزوالها أنهم لا يبلغون بها ما
أملوا
الثاني أن يكونوا أرادوا لا يبارك لهم في أثمان تلك الجمال
ولا في رقابها لكونهم لم يأخذوها على الوجه المَرْضِيّ
لأنه تعيَّن عليهم فيه النصح للنبي ل لا ل ا ل لقوله عليه
السلام النصيحة الله ولرسوله ٤ وهم كانوا عالمين بيمين
النبي فتعين عليهم نصحه فخافوا من زوال البركة
1 الرَّجِل اسم جمع للراجل وهو عكس الفارس الذود للقطيع من
الإبل الثلاث إلى العشر وقيل ما بين الثلاث إلى العشر وقيل
إلى أكثر من ذلك وقول بعضهم الذود إلى الذود إبل يدل على
أنها في موضع اثنتين لأن الثنتين إلى الثنتين جمع وقال ليس
فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة فقد جعل الناقة الواحدة
ذودا وعلق أبو منصور على ذلك فقال هو مثل قولهم رأيت ثلاثة
نفر وتسعة رهط وما أشبهه قال اللغويون الأود جمع لا واحد
له من لفظه كالنَّعَم وقال
بعضهم الذود واحد وجمع
۳ كذا والصواب بصفتها ٤ تقدم تخريجه في الحديث ١٥٢
۹۳۳
لأجل ما تعين عليهم بسببه فلم يفعلوه لأن الصحابة رضوان
الله عليهم كانوا يتوقون أشياء حلالاً محضاً مخافة وقوعهم
في الحرام كما قال بعضهم كنا ندع سبعين باباً من الحلال
مخافة أن نقع في الحرام لأن الحرام ترتفع منه البركة
ظاهراً وباطناً أما الباطن فإنه يحدث الظلمة في القلب
والقساوة وأما الظاهر فإنه يحدث الكسل عن العبادة
والامتهان بحقها مع أن البركة ترتفع منه ارتفاعاً محسوساً
لأنه إذا كان الشيء حراماً ما يقوم باثنين يستعمله رجل
واحد ولا يكفيه لزوال البركة منه وذهابها وكذلك أيضاً في
الضدّ وهو الحلال لا بد من ظهور البركة فيه محسوسة ومعنوية
وبالمحسوسة يستدل على المعنوية في كلا الطرفين في الحلال
والحرام فإذا بورك في طعام وقام باثنين منه ما يقوم
بالواحد علم أن البركة المعنوية حاصلة
فيه بالضمن
ولهذا المعنى لما أن وجد أبو بكر رضي الله عنه في الصحفة
التي قدمها إلى الأضياف فأكلوا منها وهي باقية على حالها
لم تنقص ثم أكل هو وأهل بيته وهي على حالها لم تنقص أتى
بها النبي يعلمه بتلك البركة المعنوية فيها بما شهد له
ظاهرها فاستدل بالحسي على المعنوي ولأجل هذا المعنى كان
طعام أهل الخير والصلاح أبداً فيه من البركة ما ليس في
غيره لأجل أنهم يبحثون على الحلال أكثر من غيرهم فكانت
البركة لديهم ظاهرة وباطنة فاستعانوا بذلك على العبادة
والاستمرار عليها وتنوَّرت بواطنهم وقل تسبّبهم في أسباب
الدنيا للبركة الحسية والمعنوية الموجودة في طعامهم
الوجه السابع من البحث المتقدم قوله فرجعنا إليه فقلنا إنا
سألناك فحلفت ألا تحملنا أفنسيت فيه دليل على أن الشيء إذا
كان فيه محتملات وأحدها أبرأ للذمة فالسنة فيه أن يؤخذ بما
هو الأبرأ للذمة لأن العطية النبي لا لا لا ل ل ل لهم
الإبل تحتمل وجهين أحدهما أن يكون أعطاهم ذلك علمه باليمين
والثاني أن يكون أعطاهم ناسياً له
مع
فإن كان الأول فليس عليهم فيه شيء لأنه عليه السلام هو
المشرع وما يفعل إلا ما هو الأمر الذي يتدين به لأن منه
يُؤخذ الدِّين وتُتلقى الأحكام وإن كان الثاني فليس عليه
أيضاً فيه شيء لقوله عليه السلام رفع عن أمتي الخطأ
والنسيان ۱ لكن يتعين عليهم في ذلك النصح لأنهم سمعوه حين
حلف وهم الآن ذاكرون لذلك قادرون على زواله إن كان نسياناً
فخافوا من أحد المحتملات فأخذوا بالأبرأ للذمة حتى أزالوا
ما كان هناك من الشبهة وعلموا وجه الصواب في المسألة
والشبهة هناك ما أشرنا إليها وهي تركهم النصيحة لرسول الله
صلى الله عليه وسلم
۱ تقدم تخريجه في الحديث ۸۳
٩٣٤
الوجه الثامن قوله عليه السلام لست أنا حملتكم ولكن الله
حملكم فيه دليل على أن
المرء ينظر في عمله الصالح بنظر الحقيقة والتوحيد فكل ما
يصدر منه من أنواع الخير يرى أن الله تعالى هو الفاعل لذلك
حقيقة ومن عليه وتفضل بأن أظهر ذلك وأجراه على لسانه أو
يديه لأن النبي الله لما أن أجرى الله تعالى هذا الخير على
يديه - وهو حمل الأشعريين إلى الغزو - تبرأ من فعله ذلك
ونسب حملهم إلى الله تعالى لا لنفسه المكرمة وتدبيره
وكذلك أيضاً يجب أن ينظر بالعكس عند ترك الأعمال أو وقوع
المخالفة وكل ما فيه نقص ينسب كل هذا وما أشبهه إلى النفس
وينظر إذ ذاك من طريق التكليف والأمر لأن النبي الله لما
أن امتنع من حمل الأشعريين نسب الامتناع لنفسه المكرمة
فقال والله لا أحملكم ولم يقل لهم الله منعكم من الحمل
لأنه ما أعطاني ما أحملكم عليه وهذا من التأدب مع الربوبية
والتعمق في ميدان الحقيقة والتوحيد مع النظر بالحكمة
والتكليف فمن كانت قاعدته هذه فهو السعيد لأن وجود هذه
الخصلة علم على التوفيق
يدل على ذلك قصة آدم عليه السلام لما أن يسر للسعادة نظر
إلى هذه القاعدة فسلك هذا المنهاج فنسب الخطيئة التي وقعت
منه لنفسه فقال ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن
لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا
لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴾ ۱ فتاب الله عليه وجعله
من أصفيائه ومن كانت قاعدته عكس ما قررناه أو كان نظره في
كل أموره بغير نظر التوحيد فذلك عَلَم على شقائه وخسرانه
لأن وجود هذه الخصلة يدل على ذلك
يشهد لذلك قصة إبليس اللعين لما أن يُسر للبعد والشقاء
والطرد والخذلان حين امتنع من السجود لم يعترف بعد ذلك على
نفسه بالخطأ وإنما نظر إلى الحقيقة فقال لو شاء الله أن
أسجد لسجدت فكان ذلك سبباً إلى خذلانه
الوجه التاسع قوله عليه السلام وإنّي والله إن شاء الله لا
أحلف على يمين فأرى غيرها
خيراً منها إلا أتيتُ الذي هو خيرٌ وتحلَّلْتها فيه دليل
على جواز التحلل من اليمين وقد تقدم
وقد اختلف الفقهاء هل الكفارة تكون قبل الحِنْث عند العزم
عليه أو لا تكون إلا بعد وقوعه على قولين وسبب الخلاف هذا
الحديث وما جاء في رواية أخرى أنه عليه السلام قال ثم
تحلَّلتُ من يَميني فجاء فيما نحن بسبيله بـ الواو وهي
ليست تفيد الترتيب وأتى في الحديث الآخر بـ ثم التي تفيد
أن الحنث وقع قبل لأنها للمهلة والتراخي واستثناؤه عليه
۱ سورة الأعراف من الآية ۳
٩٣٥
السلام هنا هو من باب التأدب مع الربوبية لأن اليمين بغير
استثناء قطع على القدر ألا ينفذ ولهذا المعنى قال مالك
رحمه الله لمن أخبره أنه وقف بعرفة وتاب وحلف أنه لا يقع
في مخالفة أبداً فقال له بئس ما صنعت ما وقعت فيه أشدُّ
مما تبتَ منه لأنك آليت على الله ألا ينفذ قضاؤه وقدَرُه
فكان استثناء النبي الأجل هذا المعنى
ولأجل النظر إلى ما أشرنا إليه ذهب ابن عباس رضي الله
عنهما إلى أن الاستثناء يجوز ولو بعد سنين فالاستثناء له
سائغ لأنه نظر أن اليمين بغير استثناء قطع على القدرة وذلك
قلة أدب واحترام بجانب الربوبية وإن كانت الأيمان قد
أُبيحت لنا في شرعتنا لأن ذلك من باب المنّ والتوسعة وقد
كان عيسى عليه السلام يقول لبني إسرائيل وأنا
وَصَّيْتُكُمْ ألا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين فجعل
ابن عباس رضي الله عنهما الاستثناء في هذا اليمين إذا وقع
كالتوبة من الذنب والتوبة مرغب فيها إلى وقت التعزير فإذا
كان استثناء المرء لأجل هذا المعنى ـ وهو الرجوع عما وقع
منه من سوء الأدب - فاستثناؤه سائغ وهو يخرجه عما عقد من
اليمين وإنما ذهب رضي الله عنه إلى هذا لأجل أنه في خير
القرون فقل أن تقع اليمين من أحدهم وإن وقعت فيكون رجوعهم
للاستثناء لأجل هذا المعنى لا لشهوات أنفسهم فلما استقرأ
من أحوال أهل زمانه وما هم عليه كانت فتياه بهذا ولأجل عدم
هذا أنكر قوله من أتى بعده من الفقهاء ولم يعلموا له وجهاً
في الغالب لأن الناس قد تغيروا عما كانوا عليه فمن العلماء
من فهم معناه ومنهم من لم يفهمه ومن فهمه لم يقدر أن يبدي
ذلك لأهل زمانه لأن الغالب عليهم تفضيل شهواتهم وتقديمها
فقد يدعون أنهم أرادوا الوجه الذي ذكرناه وهم لم يريدوا
إلا شهوات أنفسهم واتباع أهوائهم فكان ترك ذكر بيان مذهبه
سداً للذريعة
ولأجل هذا يقال لا بد في كل زمان من عالم يبين الدين بحسب
ما يحتاج إليه في الوقت يؤيد هذا قوله عليه السلام كانت
بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي جاء بعده نبي
وإنه لا نبي بعدي وإن علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ۱
۱ مؤلف من حديثين الأول من قوله كانت بنو إسرائيل إلى وإنه
لا نبي بعدي والثاني من قوله وإن علماء أمتي
إلى اخره
أما الأول فمتفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
ولفظه كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه
نبي وأنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون قالوا فما
تأمرنا قال فوا بَيْعَةَ الأول فالأول وأعطوهم حقهم الذي
جعله الله لهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم وأما الثاني
فقد أورده الألباني في السلسلة الضعيفة ٦٦٦ والفتني في
تذكرة الموضوعات ۰ وعلي القارى في الأسرار المرفوعة ٢٤٧
والعجلوني في كشف الخفا ۸۳/ والشوكاني في الفوائد المجموعة
٢٨٦ والسيوطي في الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ۱۱۳
٩٣٦
ثم اختلف الفقهاء اختلافاً كثيراً متى ينفع الاستثناء كل
منهم ذهب إلى ما اتضح له عليه
الدليل ولكل واحد منهم نظر صحيح ولولا التطويل لأوضحنا
تصحيح مذاهبهم وبيناها فإن قال قائل لو كان الوجه في
الاستثناء ما ذكرتم لم يصدر اليمين من النبي صلى الله عليه
وسلم بغير استثناء لأنه قد حلف ألا يحملهم ولم يستثن قيل
له قد بينا الوجه الذي لأجله حلف هناك فلو استثنى إذ ذاك
لزال المقصود مما أريدت اليمين له وبقيت النفوس متشوفة
متطلعة
فإن قال قائل لم قال عليه السلام ذلك عن نفسه المكرمة ولم
يقل من حلف على يمين ورأى خيراً منها يأتي الذي هو خير
ويكفر عن يمينه قيل له إنه لو عَدَل عن ذكر نفسه المكرمة
إلى ذكر غيره لكان في المسألة توقف من باب الورع لأنه قد
يؤخذ ذلك منه على باب الرخص والتوسعة ويُرى أن الأولى
البقاء على اليمين من غير إيقاع الحنث فلما أن أخبر بذلك
عن نفسه المكرمة عُلم أن الأولى ما فَعَل هو عليه السلام
يبين هذا ويوضحه قصة أم سَلَمة حين قالت للنبي إنهم لم
يعصُوكَ وإنَّما اتَّبَعوك ۱
وقد أوردناه في حديث الإفك وبيَّنا هذا المعنى بنفسه والله
المستعان وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه
وسلّم تسليماً
۱ تقدم تخريجه في الحديث ۱۱۹
۹۳۷
-١٥٦-
حديث تحريم أكل الحمر الأهلية
عَن عَبْدِ الله ۱ بن أبي أوفى رَضي الله عَنهُ يَقولُ
أصابتنا مَجاعَةٌ لَيالي خَيْبَر فَلَمّا كانَ يَومُ خَيرَ
وقَعنا في الحُمُرِ الأهليَّةِ فانتحرناها فلمّا غلَتِ
القُدورُ نادى رَسولُ الله أَكْفِئوا ۳ القُدورَ ولا
تَطْعَمُوا مِن لحومِ الحُمُر شَيئاً قالَ عَبْدُ الله
فَقُلنا إِنَّمَا نَهَى ا رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم
عَنها لأَنَّها لَم تُخَمَّس ٤ قَالَ وَقالَ آخَرون
حَرَّمها البتة وَسَألتُ سَعيد بن جُبَيرٍ ٥ فقالَ حَرمها
البَيِّةَ
ظاهر الحديث يدل على تحريم أكل الحمر الأهلية والكلام عليه
من وجوه الوجه الأول قوله أصابتنا مجاعة ليالي خيبر ٦ هذه
الليالي هل هي على العموم في الليالي أو هو لفظ عام يراد
به الخاص ويكون معناه في بعض ليالي خيبر محتمل للوجهين
معاً وإضافة ليالي إلى خيبر يحتمل وجهين أيضاً أحدهما أن
يكون أراد حين السير إليها الثاني أن يكون أراد حين مشيهم
على حصونها فعلى القول بأن الإضافة إلى الليالي على العموم
- وهو الخروج من أول السفر - فهو مرجوح لأن أحداً لا يخرج
بغير شيء من الزاد فإن كان على معنى التخصيص احتمل وأما إن
كان المراد المشي على حصونها فاحتمل الوجهين
معاً العموم والخصوص
۱ تقدمت ترجمته في الحديث ١٤٤
وقعنا غنمنا وأخذنا
3 أكفنوا اقلبوا
4 لم تُخمَّس لم يؤخذ خُمسها وهو حق الله في الغنائم ٥
تقدمت ترجمته في الحديث ٤٨
٦ ليالي خيبر وخيبر بلدة شمالي المدينة المنورة مشهورة
بزراعة النخيل وكان يسكنها اليهود وفتحها النبي سنة سبع أو
ثمان من الهجرة عنوة نازلهم شهراً أو قريباً من شهر ثم
صالحوه على حقن دمائهم ثم صالحوه على شروط أقرها ورضي بها
ولما تولى الخلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أجلاهم عنها
تحقيقاً لقوله
لا يجتمع دينان في جزيرة العرب
۹۳۸
الوجه الثاني قوله فلما كان يوم خيبر يوم خيبر يحتمل وجهين
أحدهما أن يكون أراد يوم فتح خيبر الثاني أن يكون أراد يوم
قدومهم على خيبر أما الأول فمرجوح لأنه لو كان المراد به
الفتح لم يكونوا لينحروا الحمر الأهلية لأن الفتح إذا كان
بالضرورة يكون الطعام كثيراً لديهم لأن حصناً من الحصون
يكون معموراً لا يخلو من الطعام البتة
الوجه الثالث قوله وقعنا في الحمر الأهلية الوقوع فيها هو
غنيمتهم إياها بغير قصد لأنك
تقول فلان وقع في كذا إذا لم يقصده وإنما وقع فيه بحكم
الوفاق
وهي
الوجه الرابع قوله فانتحرناها نحرهم لهذه الحمر لا يخلو أن
يكونوا عالمين بتحريمها أو لم يكن لهم علم بذلك فإن كانوا
عالمين بالتحريم فيكون ذبحهم لها من أجل الاضطرار إليها -
المَخْمَصَة ١ التي أصابتهم - ففعلهم هذا اتباع للأمر لأنه
قد أحل للمضطر أكل الميتة وذلك إذا مرت عليه ثلاثة أوقات
والحمر الأهلية مثل الميتة سواء كلاهما يعمهما التحريم
لغير موجب فعمتهما الإباحة للموجب لأن ما لا يؤكل إذا
ذُكِّي فهو ميتة فحكمه حكم الميتة وإن كانوا غير عالمين
بالتحريم ففيه دليل لمن ذهب من العلماء أن الأصل الإباحة
حتى يَرِد النهي لأن العلماء اختلفوا في هذا المعنى على
قولين فمنهم من ذهب إلى أن الأصل الحظر حتى يتبين التحليل
ومنهم من ذهب إلى أن الأصل الإباحة حتى يرد النهي فإن كان
الأصل الحظر فما استباحوها إلا الموجب وهو العذر وإن كان
الأصل الإباحة فهم ما أحدثوا شيئاً وإنما استصحبوا الأصل
وقوله انتحرناها احتملت وجهين أحدهما أن تكون من أبنية
المبالغة أي سارعوا إليها
بأنفسهم ولم يتركوا لها غيرهم واحتمل أن تكون بمعنى التسبب
أي تسببوا في نحرها بالأمر ثم بقي على الفصل سؤال وهو أن
يقال لم انتحروها أولاً عند وقوعهم في الحمر من غير أن
يستأذنوا النبي لي في ذلك او الجواب عنه من وجهين وهما ما
تقدم هل الأصل الإباحة أو الحظر فإن كان الأصل الإباحة فقد
تقدم توجيهه وإن كان الأصل الحظر فقد تقدم توجيهه أيضاً
الوجه الخامس من البحث المتقدم قوله فلما غلت القدور نادى
منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفئوا القدور ولا
تَطْعَموا من لحوم الحمر شيئاً أكفئوا القدور بمعنى
حوّلوها عن النار ولا تطعموا من لحوم الحمر شيئاً أي لا
تأكلوا منها شيئاً
ويرد على هذا الفصل سؤالان الأول أن يقال لم أمر بالإكفاء
عند غليان القدور ولم يأمر به قبل ذلك الثاني أن يقال لم
نهاهم عن أكلها وقد كانت لهم مباحة لوجود الاضطرار إليها
۱ المَحْمَصَة المجاعة
۹۳۹
جميع
والجواب عن الأول أنه قد جاء في رواية أخرى زيادة تبيّن
هذا المعنى قال فيها لما رأى
كثرة النيران سأل عنها فقيل له انتحرنا الحمر الأهلية فأمر
عليه السلام إذ ذاك وفي هذا دليل على كثرة مشاهدته عليه
السلام لشأن أصحابه وما يزيد عليهم وما ينقص والسؤال عن
أحوالهم فعلى هذا فيجب على كل من كان راعياً على أي شيء
استرعي دوامُ النظر إليه والالتفات لما يزيد فيه وينقص حتى
يعلم ما حكم الله تعالى فيما يظهر من الزيادة والنقص
فينفذه وهذا على التفسير الذي ذكرناه قبل في غير هذا
الحديث من رعاية الأعلى إلى الأدنى حتى إلى جوارحه لأن
الغفلة عن ذلك توقع الخلل يؤيد هذا قوله عليه السلام في
صفة المؤمن كيس حَذِرٌ فَطِنٌ ۱
والجواب عن الثاني أنه عليه السلام إنما نهاهم عن أكلها
لوجود ما هو أحسن منها وهي الخيل لأنه قد جاء في حديث غير
هذا أنهم انتحروا الخيل هناك فقد يكون الصحابة رضوان الله
عليهم تركوا الخيل لاحتياجهم إليها للقتال فاختاروا أكل
الحمر للمنفعة التي يؤملونها في ترك الخيل فأمرهم النبي
الا الله و أن يتركوا ما أرادوا فعله وأن يقيموا ضروراتهم
بالخيل لأنها ليست بحرام ففضل عليه السلام أقل
الضَّرَرَيْن لأن الحمر عينها حرام لا يجوز أكلها شرعاً
والفرس حلال على المشهور من الأقاويل ليس فيه غير ما يؤمل
من فائدة القتال عليه والضرر الذي يلحق من أجل ذبحه متوقع
هل يقع أو لا يقع وهو احتياجهم إليها حين القتال وهذه
الخيل يحتمل أن يكون وقعوا فيها مع الحمر فتركوها للجهاد
وفضلوا أكل الحمر عليها لأجل علة الجهاد ويحتمل أن تكون
خيلهم التي خرجوا بها
وفيما قررناه دليل على أن المرء ينظر في أموره وتصرفاته
فإذا اجتمع له أمران فإن كانا أخذ أعلاهما وإن كانا شرّاً
أخذ أدناهما
ولأجل العمل على هذه القاعدة استراح أهل الصوفة من مكابدة
الدنيا وهمها لأنهم أخذوا أقل الضّرَرين - وهو ما لهم في
الدنيا من المجاهدات - لتحصل لهم الراحة الدائمة في الآخرة
فحصل لهم بضمن ذلك الراحتان معاً لأن أكبر الراحات في
الدنيا هو الزهد فيها وهو أول قدم عندهم في السلوك وقد قال
عليّ رضي الله عنه لو كانت الدنيا من فضة والآخرة من خزف
وكانت الدنيا فانية والآخرة باقية لكان الأولى أن يُزهَد
في الفانية ويُعمَل للباقية فكيف والأمر
بضد ذلك
ولأجل ترك النظر إلى هذه القاعدة تعب أهل الدنيا التعب
الكلّي فهم أبداً يؤملون الراحة
۱ رواه القضاعي عن أنس رضي الله عنه
٩٤٠
لأنفسهم ويعملون عليها والشقاء والتعب يستقبلهم فلم يزالوا
على هذا الحال حتى يفاجئهم الموت وهم في تعب وضنى ثم
يرجعون إلى تعب أكثر مما كانوا فيه وهي المحاسبة على ما
جمعوا وفيما أنفقوا ولهذا قال الغزالي رحمه الله مساكين
أهل الدنيا طلبوا الراحة فأخطأوا الطريق فاستقبلهم العذاب
ومعناه ظاهر لأنهم قصدوا الراحة ورأوا أنها لا تكون إلا
بحطام الدنيا فأخذوا في جمعها وصبروا على ما فيها من الكد
وفاجأهم الموت ولم يحصل لهم ما أملوا من الراحة فيها ثم
انتقلوا إلى التعب الآخر الذي تقدم ذكره
ثم بقي على الفصل سؤال وارد وهو أن يقال لم ذكر الإكفاءَ
وتركَ الإطعام ۱ وذِكْرُ أحدهما يغني عن الآخر والجواب عنه
أنه إنما أمر أولاً بالإكفاء لأن ما ظهر منكر يحتاج إلى
تغييره فقدمه
وفيه دليل على الإسراع لتغيير المنكر عند معاينته لأن
النبي ل لا ل ل لم يتركه حين راه حتى غيَّره وتغييره على
أقسام وقد ذكرناه في غير ما حديث ووجه ثان وهو أنه لو
اقتصر لهم على قوله أكفئوا القدور لحملوه على العموم في
الكل ويحتمل أن يكون في القدور ما هو حلال
فلما عقب ذلك الأمر بذكر المُحَرَّم أعطاه قوة الكلام ألا
يكفاً من القدور إلا ما نُص على تحريمه وفي هذا دليل على
أن أمر الشارع عليه السلام يؤخذ على عمومه ولا يخصص ولا
يتأول إلا في مواضع لا يمكن فيها العموم لقرينة تخصصه ومما
يؤيد هذا فعله عليه السلام حين أنزل الله عليه وَاللهُ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فأخذها على العموم ولم يخصص
ناساً دون آخرين ولا وقتاً دون وقت وإنما قال لأصحابه
اذهبوا فإن الله قد عصمني من الناس ۳ وكان كذلك وبقي فيما
بعد لا يقي نفسه المكرمة بشيء ثقة لانه لا اله الا بالله
تعالى وبعموم اللفظ ولأجل أخذه على العموم من غير تأويل
على ما قررناه سعد أهل التوفيق السعادة العظمى لأنهم سمعوه
عزّ وجلَّ يقول في كتابه يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ
اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فعملوا على
الاتباع ولم يلتفتوا لغيره فصدّقوا وصَدَقوا في الإيمان
والاتباع فأنجز لهم ما وُعِدوا
والمتأولون دخلوا في التعب والحيرة
۱ كذا ونص الحديث يقتضي ترك الطعام سورة المائدة من الآية
٦٧
۳ رواه الترمذي عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت كان
رسول الله هل الله يُحرس ليلا حتى نزل ﴿ وَاللهُ
يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ فأخرج رسول الله ل ورأسه من
القبة فقال يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله تعالى
٤ سورة الأنفال الآية ٦٤
٩٤١
وقد حكي عن بعض الفضلاء أنه رأى شيئاً من آثار القدرة ولم
ير نفسه لذلك أهلاً فجعل يعتذر ويتذلل فقيل له عملت على
الحق فأُريتَ الحقيقة وعملوا على التأويل فعوملوا بحسب ما
عملوا وعند الله تجتمع الخصوم
وفيه دليل أيضاً على أن الإمام ينظر في مصالح رعيته على
العموم وعلى الخصوص ويحذر من أن ينفع قوماً ويتضرر آخرون
بسببه لأن النبي ل لا ل ل ل ل لما أن أمر بإكفاء القدور
خشي أن يقع بأحدٍ مضرة لعموم اللفظ فأتى بما يخصص المقصود
ولا يلحق به مضرة لمخلوق كما ذكر الوجه السادس من البحث
المتقدم قوله فقلنا إنما نهى النبي الله عنها لأنها لم
تُخَمَّس
وقال آخرون حرّمها البتة إلى اخر الحديث فيه وجوه الأول أن
السؤال والبحث في الأمر لا يكون إلا بعد الامتثال لأن
الصحابة رضوان الله عليهم لما أن أمرهم النبي الا الله بما
أمر امتثلوا الأمر في الحين ولم يعترضوا ولم يبحثوا فلما
أن كان بعد امتثالهم حينئذ رجعوا إلى البحث المتقدم في
التحريم هل هو لعلة أو لغير علة وأفاد اجتهاد بعضهم أنه
تعبُّد لغير علة واجتهاد بعضهم الآخر أنه لعلة وذكرها
الثاني أن المجتهدين إذا اختلفوا في الحكم وكان في زمانهم
من هو أعلم بالفتوى منهم يأتون إليه ويسألونه عن قضيتهم
لأن الصحابة رضوان الله عليهم لما أن وقع الخلاف بينهم
وقال كل منهم باجتهاده أتوا إلى سعيد بن جبير الذي هو من
كبار التابعين وفضلائهم فسألوه الثالث هل التحريم لعلة أم
لا فإن قلنا إن التحريم تعبد فلا بحث وإن قلنا إنه لعلة
فهل هي معقولة المعنى أم لا الظاهر أنها لعلة وهي معقولة
المعنى بيان ذلك أن الله جلّ جلاله هو بالمؤمنين رؤوف رحيم
كما أخبر في كتابه وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ۱
فهو عزّ وجل يختار لهم ما هو الأصلح في حقهم فيأمرهم به
وما يعلم أنه ضرر في حقهم ينهاهم عنه وبنو ادم بذلك جاهلون
فلو قيل لهم افعلوا أو لا تفعلوا ولا يناط بذلك ثواب ولا
عقاب لكان بعضهم يفعلون أشياء يضرون بها أنفسهم فمن لطفه
عزَّ وجلَّ جعل الثواب والعقاب على ارتكاب المخالفة حتى
يسلموا من بليتها ثم جاد عزَّ وجلَّ وتفضل بالتوبة على من
وقع فيها إذا رجع عنها كل هذا لطف منه عزَّ وجلَّ
بالمؤمنين ورحمة وكل مخالفة بلاؤها ظاهر لا يخفى وإنما يقع
الكلام على ما نحن بسبيله وما كان من جنسه نشير إليه
لِيُتَيَقّظ إلى هذه الحكمة العظمى واللطف الأكبر بيان ذلك
أن الحمار معروف بالبلادة وهي تتعدى لأكله على ما عهد مع
قساوة القلب الذي
۱ سورة الأحزاب من الآية ٤٣
٩٤٢
تحدث ۱ به به وهذا ضد صفة المؤمن لأن من صفة المؤمن أن
يكون كيساً حَذِراً فَطِناً والبلادة تذهب بهذه الأوصاف
أيضاً فعلى المؤمن أن يكون خائفاً راجياً وقساوة القلب
تذهب بذلك فحرمه الشارع عليه السلام لأجل هذا المعنى لأن
الله جل جلاله أرسله رحمة للعالمين ومما يقاربه في الشبه
الميتة أيضاً لأنها سم قاتل فإذا أكلت عادت بالضرر فحرمها
عزّ وجلّ لأجل هذا المعنى فإذا بقي المرء ثلاثة أوقات كثر
سم بدنه فغلب على سم الميتة فلم تضرَّه فأحلها عزّ وجلَّ
لزوال المضرة منها ولما كان الفرس ليس فيه مضرة غير أنه
إذا ديم على أكله أحدث القساوة في القلب كان أكله مكروهاً
ثم بهذه النسبة جميع الأشياء الكراهية فيها والتحريم
بحَسَبِ ما كان فيها من الضرر ومن رزق النظر بالنور يجده
محسوساً ومعنوياً على ما ذكره العلماء والفضلاء وبالله
التوفيق وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه
وسلّم تسليماً
3
٩٤٣
1 أي تحصل وتصير
11001
حديث استحباب أوقات الشروع في القتال
عَنِ النُّعمانِ بنِ مُقرِّنٍ ۱ رضيَ الله عَنهُ قالَ
شَهِدتُ القِتالَ مَعَ رَسول الله صلى الله عليه وسلم
وَكانَ إذا لم يُقاتِل في أوَّلِ النَّهارِ انتظرَ حَتَّى
تُهُبَّ الأرواحُ ٢ وَتحضرَ الصَّلاةُ
وجوه
*
ظاهر الحديث يدل على أن السنة في القتال غُدْوَة ۳ النهار
أو عشيته والكلام عليه من
الوجه الأول أن هذا القتال غُدوة أو عشيّة لعلة أم لا فإن
قلنا إنه لغير علة فلا بحث ويبقى تعبداً وإن قلنا إنه لعلة
فما هي العلة الظاهر أنه لعلة والعلة فيه على ضربين محسوسة
ومعنوية والمحسوسة على ضربين عامة وخاصة
فالعامة هي ما يكون في هذين الوقتين - أعني أول النهار
وعشيته - من هبوب الأرواح وقوة الأبدان من عاقل وغير عاقل
ونشاطها إذ ذاك لما في الوقتين من برودة الهواء وجَمام
النفوس من الراحة المتقدمة فمتقدم راحة الغدو استراحة
الليل لأنه جعل سكناه ومتقدم راحة العشي
1 النعمان بن مقرن المزني أبو عمرو صحابي فاتح من الأمراء
القادة الشجعان كان معه لواء مزينة يوم فتح مكة وسكن
البصرة ثم تحول عنها إلى الكوفة ووجّهَهُ سعد بن أبي وقاص
بأمر الخليفة عمر إلى محاربة الهرمزان فزحف بجيش الكوفة
إلى الأهواز وهزم الهرمزان وتقدم إلى تستر فشهد وقائعها
وعاد إلى المدينة بشيرا بفتح القادسية ووصلت أخبار إلى عمر
بن الخطاب باجتماع أهل أصبهان و همدان والري وأذربيجان
ونهاوند فأقلق ذلك عمر فولاه قتالهم وخرج النعمان إلى
الكوفة فتجهز وغزا أصفهان ففتحها وهاجم مقتله دخل المسجد
ونعاه إلى الناس على المنبر ثم وضع يده على رأسه
نهاوند فاستشهد فيها ولما بلغ عمر يبكي وكان استشهاده سنة
٢١ هـ / ٦٤٢م الأعلام ۹۹ الأرواح مفردها ريح وهو الهواء
إذا تحرك ويجمع كذلك على أرياح ورياح والأرواح - أيضاً -
مفردها روح
وهو نسيم الريح والرحمة والراحة تقول وجدت روح الشمال برد
نسيمها ويوم روح طيب الريح ۳ الغُدوة ما بين الفجر وطلوع
الشمس ٤ الجمام الراحة
٥ السكن كل ما سكنت إليه واطمأننتَ به ومنه قوله تعالى
﴿وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنا
٩٤٤
استراحة القائلة ۱ لأن استراحة القائلة من السنة لقوله
عليه السلام قيلوا فإن الشياطين لا تقيل
هذه هي العامة
وأما الخاصة التي هي للعاقل دون غيره فما يحصل له من قوة
اليقين ونشاط النفس وما لها في هذا الفعل من الأجر العظيم
لنكاية العدو لأن قوى الأبدان العاقلة وغير العاقلة من
أعظم مواد
النكاية للعدو
وأما المعنوية فما في الوقتين من الزيادة في الإيمان وقوة
المدد المعنوي وهو في النصر أقوى من الحسي فأما قوة
الإيمان فإن هذين الوقتين إثر تعبد وطاعة الله تعالى
والإيمان يقوى عند التعبد والطاعات كما يضعف عند المخالفات
وأعظم موجبات النصر هو الإيمان لأن الله تعالى يقول في
كتابه ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
فقوة الإيمان أعظم في مواد النصر من المحسوسات للوعد
الجميل وقد روي أن عمر رضي الله عنه بعث سرِيّة من السرايا
ثم جاء البشير بالنصر والفتح فقال أي وقت كانت المقاتلة
فقالوا غدوة فقال ومتى كان النصر فقالوا عشية فبكى رضي
الله عنه حتى بلت دموعه لحيته فقالوا كيف تبكي والنصر لنا
فقال والله ما الكفر يقف أمام
الإيمان من غدوة إلى عَشيّة إلا من أمرٍ أحدثتموه أنتم أو
أنا فلم ينظر إلى النصر إلا بقوة الإيمان وأما قوة المدد
المعنوي أيضاً فهو من وجهين وقد نص عليه السلام عليهما في
غير هذا الحديث فأحدهما الريح لأنه عليه السلام قال
نُصِرتُ بالصَّبا ۳ حتى لقد ذهب بعض العلماء أنه لم يكن قط
نصر بغير ريح والصَّبا ريح ليّنة شرقية وقد قيل إنها من
الجنة وما كان من الجنة فهو للمؤمنين عون وعلى الكافرين
وبال
أما الوجه الآخر فهو الدعاء من المؤمنين لأنه قد جاءت
زيادة في رواية غير الحديث الذي نحن بسبيله ويدعو لكم
إخوانكم المؤمنون 4 وقال عليه السلام في حديث ذكر فيه
فضيلة الدعاء جند من جنود الله فيجب أن يغتنم هذا الوقت
الذي يكون فيه هذا المدد العظيم ويترتب على هذا من الفقه
أن يدعو المرء بعد صلواته وفي الأوقات التي يرجى فيها
القبول
لإخوانه المؤمنين شرقاً وغرباً ليكثر لهم المدد الذي يرجى
به النصر
القائلة النوم في الظهيرة والفعل قال يَقِيلُ
سورة الروم من الاية ٤٧ ۳ تقدم تخريجه في الحديث ١٤٤ ٤
تقدم تخريجه في الحديث ١٤٤ ٥ رواه ابن عساكر عن نمير بن
أوس مرسلاً
٩٤٥
وقد روي أن عبد الملك بن مروان خرج في بعض غزواته فسأل عن
بعض صالحي الوقت فطلب فوجده في مسجد متوجهاً يصلي فقال
أخرجوا على بركة الله سبابته في القبلة عندي خير من كذا
وكذا فارساً فلما بلغوا الحصن الذي أملوا انهدت شقة من
سُورِه ففرح الجيش فقال ليس ذلك منكم وإنما هو ببركة تلك
السبابة التي في القبلة
الوجه الثاني من البحث المتقدم فيه دليل على أن الحكم
بالغالب في ارتباط العادات لأنه قال انتظر حتى تهبّ
الأرواح وتحضر الصلاة وهذه الريح قد تكون في ذلك الوقت وقد
لا تكون لكن لما أن كان الغالب عليها أنها تأتي في ذلك
الوقت - وهو بعد الزوال - حكم لها به وانتظرتْ
إليه
الوجه الثالث أن النادر لا يعمل عليه لأنه قد يوجد الريح
في بعض الأيام في غير هذا الوقت فلم يُنط به الحكم لندارته
الوجه الرابع قوله انتظر يرد عليه سؤالان الأول أن يقال
لِمَ أتى بهذا اللفظ وعدل عن غيره من الألفاظ الثاني أن
يقال لم قال انتظر ولم يقل انتظرنا ومعلوم أن الانتظار كان
من الجيش كله
والجواب عن الأول أن قوله انتظر فيه إشعار بأنهم أخذوا
أهبة القتال واستعدوا ولم يغفلوا وهذا مثل قوله عليه
السلام لا يزال العبد في صلاة ما دام ينتظر الصلاة 1
ومعلوم أن المراد من كان متطهراً في المسجد ينتظر الصلاة
وأما من كان ينتظر الصلاة في بيته فلا يطلق عليه باعتبار
ما أراده الشارع عليه السلام أنه ينتظر الصلاة وكذلك هنا
سواء أتى بقوله انتظر ليبين
ما قررناه
والجواب عن الثاني أن المقصود من الجماعة رئيسهم والمعوّل
عليه فيهم فإذا انتظر الرئيس انتظر الكل فأتى بهذه الصيغة
تعظيماً للنبي وتأدباً معه كما هو الواجب
الوجه الخامس من البحث المتقدم هل يتعدى الحديث للقتال
المعنوي أم لا الظاهر تعديه إذ إن حكم المعاني عنه عليه
السلام تؤخذ كما يؤخذ عنه حكم الظاهر وقد تقدم من هذا ما
فيه كفاية للحجة بالتعدي في غير ما حديث وتعديه يحتمل
وجوهاً ويجمعها وجه واحد وهو أن أول النهار في المحسوس هو
أول بدء ظهور خلقه فكذلك الوقائع الحسية والمعنوية - أعني
من
1 أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن أبي هريرة رضي الله عنه
بلفظ لا يزال أحدكم في صلاة ما دام ينتظرها ولا تزال
الملائكة تصلي على أحدكم ما كان في المسجد تقول اللهم اغفر
له اللهم ارحمه ما لم يُحدِث وللحديث روايات أخرى بألفاظ
مختلفة
٩٤٦
التصرف والخواطر غير المستقيمة - يُبادَر عند ظهورها إلى
قتالها ومقاتلتها هي إزالتها لقوله عليه السلام في المارّ
بين يدي المصلي فليقاتله فإنما هو شيطان ومعناه فلْيدفَعه
وليُزِلْه لأن أول الوقت في وقوع المخالفة أو الغفلة يكون
الإيمان فيها أقوى من وقت التمكن فيها وأما نسبة العشيّ في
المعنوي فهو الذكر بعد الغفلة لأن الذكرَ يُحيي الإيمان
وقد قال تعالى وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي
ءَايَتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي
حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَنُ فَلَا
نَقْعد بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾
۱ والفرق بين القتالين أن الأول يكون بالدفع كما ذكرنا
والثاني بالتوبة والإقلاع والتوبة هنا هي حقيقة النصر
والذكر بعد الغفلة هي الريحُ المبشرة بالنصر
المذكور
وأما الصلاة في المعنوي فهو ما تقدم من مقتضى رحمة المولى
لإثارته ريح التذكار بعد الغفلة الموجب للتوبة - وهي حقيقة
النصر - لأن الصلاة من العباد دعاء والصلاة من الله تعالى
رحمة فمن سبقت له الرحمة ختم له بالنصر وأما الانتظار في
المعنوية فهو استصحاب دوام انكسار القلب إما لوقوع غفلة أو
لوقوع مخالفة لأن النبي الله وقال إخباراً عن ربه عزَّ
وجلَّ يقول اطلبوني عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ٢ لأن
انكسار القلب من أجل الرب من أجل الطاعات لأنه لا يدخله
رياء وهو أرجى الوسائل بمقتضى الوعد الجميل لأن معنى قوله
تعالى اطلبوني عند المنكسرة قلوبهم أي هو معهم فإذا كان
معهم فهو يلطف بهم ويوقظهم من الغفلة ويحرك لهم أسباب
التوبة ويمنّ عليهم بالنصر والغنيمة
جعلنا الله ممّن لطف به وأدخله في حفظ عنايته امين
وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 سورة الأنعام الآية ٦٨
ذكره السخاوي في المقاصد وقال ذكره الغزالي في البداية
وتعبه القاري في الأسرار المرفوعة ۷۱ بقوله ولا يخفى أن
الكلام في هذا المقام لم يبلغ الغاية قلت - أي القاري في
الأسرار - وتمامه وأنا عند المندرسة قبورهم
لأجلي ولا أصل لهما في المرفوع
٩٤٧
1101
حديث بر الوالدين وإن كانا كافرَيْن
عَن أسماء بنتِ أبي بكرٍ ١ رَضي الله عَنهُما قالت قَدِمَت
عَليَّ أُمِّي وَهِي مُشرِكَةٌ في عهد قريش إذ عاهَدوا
رَسُولَ الله الله وَمُدَّتِهِم مع أبيها فَاستَفتيتُ
رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقُلتُ يَا رَسُولَ الله
إِنَّ أُمِّي قَدِمَت عَليَّ وَهي راغِبة أفأصِلُها قالَ
نَعم صِليها
ظاهر الحديث يدل على جواز صلة الولد لأمه الكافرة والكلام
عليه من وجوه
الوجه الأول هل الحديث مقصور على الصلة للأم لا غير أو
الصلة جائزة على العموم للمشركين كلهم ظاهر صيغة الحديث
للأم لكن يؤخذ تعديه لغير الأم من غير هذا الحديث وهو قوله
عليه السلام في كل كبِدِ حَرَّى أجر
الوجه الثاني قولها قَدِمت علَيَّ أمي يرد عليه سؤالان
أحدهما أن يقال لم قالت قَدِمَت ولم تقل جاءت وما أشبهها
من الصيغ الثاني أن يُقال لم قالت عليَّ ولم تقل إليَّ إذ
إنهم لا يخصصون الألفاظ بالذكر دون غيرها إلا لمعنى مفيد
على ما تقرر
والجواب عن الأول أنها لو أتت بغيرها من الصيغ لاحتمل
اللفظ أن تريد أنها جاءت من سفر أو غيره و قدمت ليس فيه
احتمال غير القدوم من السفر لأنك إذا قلت فلان قدم أو فلان
۱ تقدمت ترجمتها في الحديث ١٠٥ رواه الإمام مسلم عن أبي
هريرة رضي الله عنه أبي هريرة رضي الله عنه وفي رواية
للشيخين في كل ذات كبد حَرّاء أجر وتمام الحديث أن رجلاً
جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني أنزع في
حوضي حتى إذا ملأته لإبلي ورد علي البعير لغيري فسقيته فهل
في ذلك من أجر فقال رسول الله في كل ذات كبد حَرّاء أجر
وفي حديث آخر بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد
بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من
العطش فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان
بلغ مني فنزل البئرَ فملأ خفّه ماء ثم أمسكه بقيه حتى رَقي
فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له قالوا يا رسول الله وإن
لنا من هذه البهائم لأجرا فقال في كل كبد رطبة أجر
٩٤٨
قدم على فلان ولم تذكر من أي موضع كان قدومه علم أنك أردت
أنه أتى من سفر ولو قلت فلان جاء أو فلان جاء إلى فلان لم
يفهم عنك ما أردت بمجيئه هل من سفر أو غيره حتى تبينه
فخصصت تلك الصيغة دون غيرها رفعاً للاحتمال
والجواب عن السؤال الثاني أن القادم من السفر لا بد وأن
يكون معه رحل فيحتاج أن يحط بموضع فأتت بقولها علي لأنه
ظرف لتبين أين كان نزول أمها حين قدومها ولو أتت بغيرها من
الصيغ لم تقم مقامها في ذلك المعنى
الوجه الثالث من البحث المتقدم قولها في عهد قريش إذ
عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه دليل على أن
المهادنة بين المسلمين والمشركين جائزة بشرط ألا يكون على
المسلمين فيه حيف ولا يعطون ٢ شيئاً لهم لأن النبي لا لا و
قد صالحهم بنص هذا الحديث ولم يصالحهم عليه السلام قط بشيء
على المسلمين فيه حيف ولا أعطاهم شيئاً قط وقد قال عليه
السلام الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ٣ فعلى هذا فإذا كثر
العدو بموضع حتى لا يقدر على قتاله فالخروج من الموضع إذ
ذاك ولا سبيل إلى الإذعان لهم لا بالمال ولا بالخدمة وقد
قال تعالى ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن
يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ٤
الوجه الرابع قولها ومدتهم تعني مدة المهادنة وإنما أتت
بذلك لتبين أن قدوم أمها عليها لم يكن حين العهد وإنما كان
في أثناء مدته احال
الوجه الخامس قولها مع أبيها يَرِد عليه سؤال وهو أن يُقال
ما فائدة ذكرها للأب والجواب عنه أنها إنما قالت ذلك لتزيل
ما يتخيل هناك من فقر أمها وحاجتها لأنها قالت في آخر
الحديث وهي راغبة والرغبة تحتمل أن تكون من المحبة وتحتمل
أن تكون طلباً للإحسان من أجل الفاقة وهذا الاحتمال الأخير
يلحق به من النقص للموصوف به ما لا يخفى فأتت بذكر أبيها
معها لتبين أنها لم تطلب هذه الرغبة التي أشرنا إليها
أخيراً وإنما أرادت الأولى لأن المرء إذا جاء مع من يكفله
فليس بفقير
الوجه السادس قولها فاستفتيت رسول الله الكلام على هذا
الفصل من وجوه
۱ كذا بزيادة الواو
كذا أيضاً برفع الفعل المعطوف على المنصوب يكون
۳ تقدم تخريجه في الحديث ۱۳
٤ سورة الأعراف من الاية ۱۸
٩٤٩
الأول التعلم والسؤال قبل العمل لأنها لم تصل أمها حتى
استفتت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته
وتعلمت وحينئذ عملت
الثاني أن الأمر إذا كان العمل به مستصحباً ثم عارضه علة
فالتوقف إذ ذاك حتى يتبين بلسان العلم هل يقع بها المنع أو
يبقى على بابه لأن الصلة للوالدين تتردد بين الواجب
والمندوب بحسب اختلاف الأحوال فلما أن عارض ذلك علة الكفر
لم تُقدِم على العمل حتى تبين لها الأمر
على لسان العلم باستفتائها النبي لالالالالالا الثالث أن
الأصل هو الدين وهو المُعَوَّل عليه مع الأقارب والأجانب
لأنه يُعلم بالضرورة أن الولد يحب والديه المحبة الكلية
لكن لم تنظر لأمها حين أقبلت عليها في شيء حتى سألت هل ذلك
لها سائغ في الدين أم لا فقدَّمت الدين على أحب الأشياء
إليها وهو المراد بقوله تعالى قُلْ إِن كَانَ ءَابَاؤُكُمْ
وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ
وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَبَجَرَةٌ
تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ
إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي
سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا ۱ فهؤلاء رضي الله عنهم ممن فهموا
هذه الآية وعملوا بمقتضاها
الرابع فيه دليل لأهل الصوفة في كونهم يؤخّرون الأعمال في
بعض الأوقات حتى يصححوا النية لأنها ۳ لم تعمل على هذه
القربة لأجل ما عارضها حتى استفتت النبي لأن تُخلص النية
بغير شبهة ولا ارتياب اتباعاً لقوله خير العمل ما تقدمته
النية ۳
الخامس لقائل أن يقول لم قالت فاستفتيتُ ولم تقل فسألتُ
كما قيل عن غيرها في غير هذا الحديث والجواب عنه أن
الاستفتاء أخص من السؤال لأنه لا يُطلق ٤ مستفتياً إلا على
من له معرفة بالحكم وبقي عليه بعض إشكال في واردٍ وَرَدَ
أو إشكال عَرَض ويُطلِقُ عليه ٤ سائلاً إذا لم يكن له
معرفة بالحكم ولا بطرف منه ولأجل هذا قال صلى الله عليه
وسلم استَفْتِ نفسَك وإن أفتاك المفتون ٥ ولا يسوغ أن يقال
سَل نفسك لأن الاستفتاء تحقيق أحد أمرين أن تعلم أيهما
أصلح بك لمعرفتك بجزئيات أمرك أكثر من غيرك ولا يفهم ذلك
من قولك سل نفسك
۱ سورة التوبة من الآية ٢٤
أي لأن أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما ۳ لم نعثر
عليه بهذا اللفظ وإنما رأينا قوله عليه السلام خير العمل
ما نفع كشف الخفاء للعجلوني ٤٥٧/١ و ٤٧٤ وقوله خير العمل
أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله كنز العمال ۱۷۷۱
أما ما يتصل بالعمل والنية ففيها أحاديث أخرى بغير اللفظ
الذي أورده ابن أبي جمرة رضي الله عنه والله أعلم ٤ أي
المتكلم
ه رواه البخاري في التاريخ والإمام أحمد عن وابصة رضي الله
عنه
90
الوجه السابع قولها يا رسول الله إن أمي قَدِمَت عليّ وهي
راغبة أفأصلُها الرغبة قد تقدم الكلام على معناها وهي على
ضربين وقد بيناها والصلة أيضا قد ذكرناها وهي على ضربين
وهي هنا من القسم المندوب
الوجه الثامن قولها قال نَعَم صليها فيه دليل على أن النبي
و له أن يحكم باجتهاده وبما ا ا ا ا يرى من رأيه لأنه عليه
السلام أمرها بالصلة لأمها من غير أن ينزل عليه وحي فيها
أعني الوحي بالواسطة وأما وحي الإلهام فكل كلامه عليه
السلام وتصرفه منه تعالى لقوله ﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ
الهوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى 1
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
1 سورة النجم الآيتان ٣ و ٤
11091
حديث رحمة الله تعالى لعباده
عَن أبي هُرَيْرَةَ رضيَ الله عَنهُ قالَ قال رَسولُ الله
صلى الله عليه وسلم لما قضى الله عزَّ وجَلَّ الخَلْقَ
كَتبَ في كِتابِ فَهوَ عِندهُ فَوقَ العَرشِ إِنَّ
رَحْمَتِي سَبَقَت غَضَبي
ظاهر الحديث يدل على أن رحمة الله تعالى لعباده أكثر من
غضبه والكلام عليه من وجوه الوجه الأول قوله الله لما قضى
الله عزّ وجلّ الخلق قضى بمعنى خلق ومنه قوله تعالى
فَقَضَهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ۱ أي خلقهن الوجه الثاني
قوله عليه السلام كتب بمعنى أوجب ومنه قوله تعالى ﴿كَتَبَ
رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ أي أوجبها وهذا
الوجوب من الله تعالى وجوب تفضّل وامتنان لا وجوب حق عليه
محتوم لأن الوجوب في حقه تعالى مستحيل
الوجه الثالث قوله عليه السلام في كتاب هذا هو الذي يحمل
على ظاهره ويجب الإيمان به كما ورد الخبر وهو أن ثَمَّ
كَتْباً محسوساً في كتاب محسوس لكن بقي احتمال في الكتاب
هل فيه غير ما ذكر في الحديث ويكون ما ذكر من جملة الكتب
الذي فيه أو ليس فيه غير
ما ذكر وهو إيجاب غلبة الرحمة على الغضب احتمل المعنيين
معاً والقدرة صالحة لكليهما الوجه الرابع قوله عليه السلام
فهو عنده إنما أضاف عليه السلام الكتاب إلى الله تعالى
لعدم المشاركين له من المخلوقات في حفظه هناك بخلاف ما جرت
الحكمة في غيره من الأماكن مثل السماواتِ والأرض لأن ما في
السماوات والأرض وما بينهما وما فوقهما وما فوق العرش يضاف
إليه عزّ وجلّ حقيقةً لكن لما أن جعل عزّ وجلّ حفظ ما في
السماوات
٩٥٢
۱ سورة فُصِّلَت من الآية ۱ سورة الأنعام من الآية ٥٤
والأرض على أيدي من شاء من خلقه بمقتضى حكمته لم يضف ما في
تلك المواضع إليه وأضافها إليهم بمقتضى الحكمة ولما لم يكن
هناك مشارك في الحفظ بمقتضى الحكمة - أعني فوق العرش -
أضافه إلى نفسه ومثله قوله تعالى لِمَنِ الْمُلْكُ
الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾ ١ والمُلك له
عزّ وجلّ في دار الدنيا لكن أجرى الحكمة بأن جعل له في
الدنيا نُوّاباً وأجرى الحكمة على أيديهم فأضافها إليهم
ولما لم يجعل في دار الآخرة خليفةٌ في المُلك ولا نائباً
أضاف المُلكَ إليه عزّ وجلّ فقال لله الواحد القهّارِ
الوجه الخامس قوله عليه السلام فوق العرش فيه دليل على أن
فوق العرش ما شاء الله
تعالى بمقتضى حكمته من أمره ونهيه مما يشبه هذا أو غيره
وقد يرد على هذا الفصل سؤال وهو أن يُقال لم كان الكتاب
فوق العرش ولم يكن في
السماوات
والجواب أن العرش قد جرت الحكمة بأنه يبقى على حاله لا
يتغير ولا يتبدل بحسب الأخبار الواردة في ذلك والسماوات
والأرض تتغيّر وتتبدل فخصَّ بأن كان هناك لأجل هذا المعنى
فإن قال قائل لِمَ لم يكن في الجنان إذ إن الجنان لا تتغير
ولا تتبدل قيل له إنما جعل الجنان للجزاء والنعيم والأمر
والنهي ليس هناك وقد شاءت الحكمة بأن الأحكام والشرائع
والأمر والنهي تختص بالعرش ومنه منبع ذلك كله
وفي هذا دليل على أن الله عزّ وجلّ منزّه عن الحلول على
العرش لأنه قد جرت الحكمة أن يكون العرش ظرفاً لما شاء عزّ
وجلّ من أمره ونهيه وحكمته بمقتضى هذا الحديث في قوله عن
الكتاب فهو عنده فوق العرش وقد مرّ الكلام عليه فعلى مقتضى
هذا الحديث فيكون معنى قوله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى
الْعَرْشِ اسْتَوَى ۳ أي استوى أمره ونهيه وما شاء من
حكمته ومثله
قوله تعالى ﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ ۳ أي جاء أمرُ
ربك وهذا مستعمل في ألسنة العرب كثيراً ومما يزيد هذا
بياناً وإيضاحاً - أعني تنزيه الذات الجليلة عن الحلول
والاستقرار - قوله عليه السلام لا تُفضّلوني على يونس بن
متى ٤ والفضيلة قد وجدت بينهما في عالم الحس لأنه عليه
السلام رفع حتى رقي السبع الطباق ويونس عليه السلام ابتلعه
الحوت في قعر البحار
۱ سورة غافر من الآية ١٦ سورة طه الاية ٥ ۳ سورة الفجر من
الآية
٤ متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنه بلفظ لا ينبغي
لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى
٩٥٣
فالفضيلة موجودة مرئية في هذا العالم الحسي ولم يكن عليه
السلام لينفي شيئاً موجوداً حساً ولا يقول إلا حقاً فلم
يبق معنى لقوله عليه السلام لا تفضلوني على يونس إلا
بالنسبة إلى القرب من الله سبحانه فمحمد عليه السلام فوق
السبع الطباق ويونس عليه السلام في قعر البحار وهما
بالنسبة إلى القرب من الله سبحانه على حد سواء ولو كان عزّ
وجلّ مقيداً بالمكان أو الزمان لكان النبي لا أقرب إليه
فثبت بهذا نفي الاستقرار والجهة في حقه جلّ جلاله
الوجه السادس قوله عزّ وجلّ إن رحمتي غلبت غضبي غلبت بمعنى
أكثر أي بما حكمت بذلك لعبادي بأن أكثرتُ لهم النصيب من
رحمتي على النصيب من غضبي لكن هذا يحتاج فيه إلى كلام
وبيان لأنا قد وجدنا مقتضى هذا الكتاب موجوداً حساً في
الدنيا لأن الرحمة قد عَمَّت الخلق بأجمعهم فيولد الكافر
وأبواه يشركان بالله ويعبدان الأوثان وهو يكبر على الطغيان
والضلال وهو عزّ وجلّ يغذيه بألطافه وييسر له ما يحتاج
إليه من ضروراته وكذلك غيره من العصاة هذا مشاهد مرئيّ لا
يحتاج فيه إلى بيان والقليل النادر مَنْ عومل بصفة الغضب
لكن الآخرة قد وردت الأخبار فيها بضد هذا
فمنها قوله عليه السلام يقول الله عزّ وجلّ لآدم يوم
القيامة أخرِج بَعْثَ النار من بَنِيكَ فيقول يا ربّ ما
بَعْثُ النار فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعةً وتسعين ۱ فشق
ذلك على الصحابة رضوان الله عليهم فقال لهم رسول الله منكم
رجل ومن يأجوج ألف وإنكم فيمن تقدم من الأمم كالشامة
البيضاء في جنب البعير الأسود إلى غير ذلك من الأحاديث
التي جاءت في هذا المعنى فكان الغضب في الاخرة على مقتضى
هذا الظاهر أكثر من الرحمة وذلك مخالف النص الحديث
والجواب عن هذا الإشكال أنه عليه السلام لم يقل لما قضى
الله خلق بني آدم وإنما قال لما قضى الله الخلق فعَمَّ ولم
يخصص وبنو ادم في مخلوقات الله تعالى البعض من الكل وقد
قال عليه السلام إن في هذه الدار من مخلوقات الله تعالى
ألفَ عالم أربعمائة في البر
۱ رواه الإمام أحمد وعبد ابن حميد والبخاري ومسلم عن أبي
سعيد الخدري رضي الله عنه ولفظه يقول الله تبارك وتعالى يا
آدم فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك فيقول أخرج بَعثَ
النار قال وما بَعث النار قال من كل ألف تسعمائة وتسعة
وتسعين فعنده يشيب الصغير وتضع كل ذات حَملٍ حَملَها وترى
الناس سكاري و ما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد قالوا يا
رسول الله وأين ذاك الواحد قال أبشروا فإن منكم رجلا ومن
يأجوج ومأجوج الف والذي نفسي بيده أرجو أن تكونوا ربع أهل
الجنة أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة أرجو أن تكونوا نصف
أهل الجنة ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد
ثور أبيض أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود أو كالرقمة في
ذراع الحمار
٩٥٤
وستمائة في البحر ۱ هذا ما هو في هذه الأرض فكم في
الأرضِينَ الأُخر وكم في السماوات من الملائكة وكم تحت
العرش وكل هذه المخلوقات تُحشَر يوم القيامة حتى يقتص الله
عزّ وجلّ ممن شاء لمن شاء كيف شاء ثم يقول عزّ وجلّ لما
عدا الثقلين والملائكة كونوا تراباً فعند ذلك وَيَقُولُ
الْكَافِرُ عَلَيْنَنِي كُنتُ تُرَابًا ۳ لأن النجاة من
عذاب الله رحمة وقد جاءت الأخبار والآثار أن النار لا
يدخلها غير الثقلين ولا يدخلها من الثقلين إلا الكفار
منهما والعصاة فالعصاة لا يخلدون ويخرجون منها بعد القصاص
أو بالشفاعة ويصيرون إلى النعيم الأكبر ولا يبقى فيها
مخلّداً إلا الكفار وهم أقل المخلوقات عدداً فتبقى الرحمة
أعمّ وهي في تلك الدار أعم وأشمل منها في هذه الدار وقد
قال عليه السلام إن الله تعالى جعل الرحمة فأخرج منها لهذه
الدار واحدة بها يتراحم الخلق حتى الفرس ترفع حافرها عن
ولدها خشية أن يصيبه وادَّخر للآخرة تسعة وتسعين ٤ فصح
كثرتها بالنظر كما ذكرنا وبالإخبار والله
مائة جزء
المستعان
وصلّى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم
تسليماً
۱ تقدم الكلام عليه في الحديث ۳
الثقلان الجن والإنس وفي التنزيل العزيز سَنَفْرُعُ لَكُمْ
أَيُّهُ الثَّقَلَانِ وتأتي بمعنى الشيء النفيس الخطير
وقد جاء في الحديث إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و
عترتي
۳ سورة النبأ من الاية ٤٠
٤ متفق عليه
٩٥٥
<-1
حديث الإسراء والمعراج بنبيّنا ليه
الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم بينا أنا عند
البيت بين
عن مالك ك بنِ صعصعة ١ ـة ١ رضي النائم واليقظان وذكر بين
الرّجلَين فأُتِيتُ بطَسْتِ من ذَهَبٍ مُلِئَءَ حكمةً
وإيماناً فشقّ من النحر إلى مراقٌ ۳ البطن ثم غُسِل البطنُ
بماء زمزمَ ثم مُلى حكمةً وإيماناً وأُتيتُ بدابة أبيض ٤
دون البغل وفوق الحمار البراق
فانطلقتُ مع جبريلَ مع جبريل حتى أتينا السماء الدنيا قيلَ
من هذا قال جبريلُ قيلَ مَن معك قال محمد قيل أوقد أُرسِلَ
إليه قال قيل مرحباً به وَلَنِعْمَ المجيء جاء فأتيت على
آدمَ فسلَّمتُ عليه فَقالَ مَرحباً بِكَ مِن ابنِ
وَنَبِيِّ فأتينا السَّماءَ الثانيةِ قيلَ مَن هَذا قالَ
جبريل قيلَ مَن معكَ قالَ مُحمّد قيلَ أَوَقَد أُرسِلَ
إِلَيْهِ َقالَ نعم قيل مرحباً بهِ ولَنِعْمَ المجيءُ جاءَ
فأتيتُ على عيسى ويحيى فَقالا مَرحباً بِكَ مِن أخ ونبي
فأتينا السَّماءَ الثالثة قيلَ مَن هذا قال جبريل قيلَ مَن
مَعك قالَ مُحمّد قيلَ أَوَقَد أُرسِلَ إِلَيهِ قالَ نَعم
قيلَ مَرحباً بهِ ولَنِعْمَ المجيءُ
فَسلَّمتُ عليهما
جاءَ فأتيتُ على يوسُفَ فَسَلَّمتُ عليهِ فقال مرحباً بِكَ
مِن أخِ وَنبِيٍّ فأَتَيْنا السَّماءَ الرابعة قيل مَن هذا
قيل جِبريلُ قال مَن مَعَكَ قال محمد
مالك بن صعصعة هو الأنصاري الخزرجي الصحابي المدني روي له
خمسة أحاديث اتفق الشيخان فيها على حديث الإسراء والمعراج
وأنس بن مالك رضي الله عنه حدّث الصحابة عن مالك بن صعصعة
بهذا الحديث وهو من قومه وسكن مالك المدينة من الإصابة
والاستيعاب وتهذيب النووي أي ذكر الراوي أن النبي لو كان
بين الرجلين وهما حمزة عمه وجعفر ابن عمه أبي طالب فإنه
كان نائماً بينهما وهذا يسمّى في مصطلح الحديث إدراج
۳ مراق البطن ما رَق منه ولان جمع مَرَق أو لا واحد لها
٤ كذا بالتذكير لأن الدّابة تذكر وتؤنث
90
قيل أوقد أرسل إليه قال نَعَمْ قيل مَرْحباً بهِ ولَنِعْمَ
المجيءُ جاءَ فأتيتُ على إدريس
فسلمت عليه فقال مرحباً بكَ مِن أخ ونبي
فأتينا السَّماءَ الخامسة قيلَ مَن هذا قالَ جبريل قيلَ
ومَن مَعك َقالَ مُحمّد قيلَ أَوَقَد أُرسِلَ إِلَيْهِ
قَالَ نَعم قيلَ مَرحباً بهِ ولَنِعْمَ المجيءُ جاءَ
فأتيتُ على هارونَ فَسَلَّمتُ عليهِ فقال مرحباً بِكَ مِن
أخ ونبي فأتينا السَّماءَ السادسة قيلَ مَن هذا قالَ
جبريلُ قِيلَ مَن مَعك قالَ مُحمّد قيلَ َأوَقَد أُرسِلَ
إِلَيهِ قالَ نَعم قيلَ مَرحباً بهِ ولَنِعْمَ المجيء جاءَ
فأتيتُ على موسى فَسلَّمتُ عليهِ فقال مرحباً بكَ مِن أخ
ونبي فلمّا جاوزتُه بكى فقيل ما أبكاك قال يا ربِّ هذا
الغلامُ الذي بُعِث بعدي يَدخُلُ الجنةَ من أمته أفضلُ ما
يَدخُل من أمتي فأتينا السَّماءَ السابعة قيلَ مَن هذا
قالَ جبريلُ قيلَ مَن مَعك قالَ مُحمّد قيلَ َأوَقَد
أُرسِلَ إِلَيهِ َقالَ نَعم قيلَ مَرحباً بهِ َولَنِعْمَ
المجيء جاءَ فأتيتُ على إبراهيم فَسلَّمتُ عليهِ فقال
مرحباً بِكَ مِن ابنِ وَنبِيٍّ
فرُفع إليَّ البيتُ المعمور فسألتُ جبريلَ فقال هذا البيت
المعمور يُصلّي فيه كلَّ يوم سبعون ألفَ مَلَكِ إذا خرجوا
لم يعودوا آخر ما عليهم ورُفعت إليَّ سِدْرَةُ المُنْتَهَى
فإذا نَبْقُها ۱ كأنه قِلالُ هَجَرِ ۳ ورقها كآذان الفيلة
في أصلها أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران فسألت
جبريل فقال أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران
فالفرات والنيل
ثم فُرضت عليَّ خمسون صلاة فأقبلتُ حتى جئتُ إلى موسى فقال
ما صَنَعتَ قلت فُرضتْ عليَّ خمسون صلاة قال أنا أعلمُ
بالناس منك عالجت بني إسرائيل أشدَّ المعالجة وإنّ أُمَّتك
لا تطيق فارجع إلى ربك فاسأله التخفيفَ فرجعتُ فسألته
فجعلها أربعين ثم مثله فجعلها ثلاثين ثم مثله فجعلها عشرين
ثم مثله فجعلها عشراً فأتيت موسى فقال مثله فجعلها خمساً
فأتيتُ موسى فقال ما صنعت قلت جَعَلها
1 النبق شجرة السدر القلال ج قلة إناء من فخار يشرب منه
۳ هَجَر هي المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية
وتسمى اليوم الأحساء
٩٥٧
خمساً فقال مثله فقلت سلَّمتُ فنودِي إنّي قد أمضيتُ
فريضتي وخففتُ عبادي وأجزي الحسنةَ عشراً
**
عن
ظاهر الحديث يدل على الإسراء بذات محمد المباركة وفرض
الصلاة بغير واسطة والكلام
عليه من وجوه
الوجه الأول قوله عليه السلام بينا أنا عند البيت بين
النائم واليقظان فيه دليل على جواز النوم في الحرم لكن هل
ذلك جائز مطلقاً أو لا يكون إلا لعلة الظاهر أنه لعلة لأنه
يعارضه قوله عليه السلام إنما المساجد لما بنيت له ۱
والعلة في نومه عليه السلام في الحرم ظاهرة
من وجوه
فمنها أن البيت قل أن يخلو من الطائف به فقد يكون عليه
السلام أتى إلى الحرم فوجد
الناس يطوفون فقعد ينتظر فراغ الناس ثم يدخل في الطواف
فغلبته عيناه فمنها أن يكون عليه السلام قعد يشاهد البيت
لأن مشاهدته من المرغب فيها والمندوب
إليها
ومنها أن يكون عليه السلام قد طاف وتعب من الطواف فقعد
قليلا يستريح من التعب المتقدم ولكي تجم ۳ النفس إلى عبادة
أخرى وإذا كان النوم بهذه النية فهو طاعة والطاعات سائغ
إيقاعها في الحرم يشهد لما قلناه من أن النوم يكون طاعة
إذا صحبته تلك النية مثل قصة معاذ وأبي موسى رضي الله
عنهما حيث سأل أحدهما الآخر عن قراءة القرآن فقال المسؤول
أقرأه قائماً وقاعداً ومضطجعاً وأفوقه تفويقاً ۳ ولا أنام
وقال الآخر أما أنا فأقوم وأنام وأحتسب ٤ نَوْمَتي كما
أحتسب قَوْمَتي فلم يسلّم أحدهما للآخر فترافعا إلى النبي
صلى الله عليه وسلم فقال عليه السلام للذي كان يفوقه
تفويقاً هو أفقه منك يعني الذي كان يحتَسِب نومه كقيامه
وهذا نص في أن النوم إذا كان بالنية التي ذكرنا فهو طاعة
والطاعة سائغة هناك ومن هذا الباب أجاز العلماء نـ المعتكف
في المسجد لأنه غلبة وعون على الطاعة ومنعوه للغير ولهم
حجة فيما نحن بسبيله
على ما ذهبوا إليه
نوم
۱ رواه مسلم عن بريدة رضي الله عنه أن رجلاً نَشَدَ في
المسجد فقال من دعا إلى الجمل الأحمر فقال رسول الله لا
وجدت إنما المساجد لما بنيت له
نجم النفس تجتمع وتتهيا
۳ أُفَوقه وأتفوَّقه أي لا أقرأ جزئي بمَرَّة ولكني أقرأ
منه شيئاً بعد شيء في آناء الليل والنهار وهو من فواق
الناقة وتعني الزمن بين الحَلَبَتين لأنها تحلب ثم تترك
سُوَيعة يرضعها الفصيل لتدرّ ثم تُحلب ٤ أحتسب أدَّخر
الأجر عند الله
۹۰۸
اللغة نائماً
الوجه الثاني فيه دليل على تحرّي النبي للصدق في المقال
وأنه لا يترك الحقيقة ويرجع إلى المجاز إلا لأمر لا بدّ
منه في الكلام لأنه من كان بين النائم واليقظان يسوغ أن أن
يُطلق عليه في ويسوغ أن يُطلق عليه يقظان ۱ لكن ذلك على
المجاز ولو قال يقظاناً لكان نطق بالحقيقة أو قاربها لأنه
عليه السلام قلبه في نومه كما هو في يقظته يشهد لذلك قوله
عليه السلام تنام عيناي ولا ينام قلبي فلم يبق نومه عليه
السلام إلا في الجوارح الظاهرة ثم الجوارح في هذه المدة لم
يكن النوم قد تسلّط عليها والظاهر كان كالمتيقظ والباطن
متيقظ في
كل حال لكن عدل عليه السلام عن ذكر اليقظة ليبين الأمر على
ما كان عليه دفعاً للمجاز الوجه الثالث قوله وذكر بين
الرجلين يريد أنه كان مضطجعاً بين رجلين وفي هذا دليل على
تواضعه عليه السلام وحسن خُلُقه إذ إنه في الفضل حيث هو
ولكنه كان يضطجع مع الناس ويقعد معهم ولم يجعل لنفسه
المكرمة مزيّة عليهم الوجه الرابع فيه دليل على جواز النوم
جماعة في موضع واحد لكن يشترط في ذلك أن يكون لكل واحد
منهم ما يستر به جسده عن صاحبه الوجه الخامس قوله عليه
السلام فأُتيتُ بطَسْت من ذهب مُلِى حكمة وإيماناً الطست
هو إناء يعمل في الغالب من نحاس وهو مبسوط القاع معطوف
الأطراف إلى ظاهره يتخذه الناس لغسل أيديهم في الغالب
غيره
الوجه السادس فيه دليل على فضيلة هذا الإناء إذ إنه أتي به
النبي الله وخُصص به دون
الوجه السابع لقائل أن يقول لم أتي له عليه السلام بالطست
من ذهب والذهب في
شريعته عليه السلام محرَّم
والجواب أن تحريم الذهب إنما هو لأجل الاستمتاع به في هذه
الدار وأما في الآخرة فهو للمؤمنين خالصاً لقوله عليه
السلام هو لهم في الدنيا وهو لنا في الآخرة ۳ ثم إن
الاستمتاع بهذا الطست لم يحصل منه عليه السلام وإنما كان
غيره هو الجالب له والمتناول لما كان فيه
1 كذا بالتنوين وهو جائز على لغة بعض العرب رواه مسلم عن
عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله أتوتر قبل أن
تنام قال إن عيني تنامان ولا ينام
قلبي
۳ قطعة من حديث رواه الشيخان عن حذيفة بن اليمان رضي الله
عنه ولفظه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تشربوا في
إناء الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في
الدنيا ولكم في الآخرة
۹۵۹
حتى وضعه في القلب المبارك فسَوَقان الطَّسْت من هناك
وكونه كان من ذهب دال على ترفيع
عليه
المقام فانتفى التعارض بدليل ما قررناه الوجه الثامن فيه
دليل على أن الإيمان والحكمة جواهر محسوسات لا معان لأنه
السلام قال عن الطست أنه أُتِيَ به مملوءاً حكمة وإيماناً
ولا يقع الخطاب إلا على ما يفهم ويعرف والمعاني ليس لها
أجسام حتى تملأ الإناء وإنما يمتلىء الإناء بالأجسام
والجواهر وهذا نص من الشارع عليه السلام بخلاف ما ذهب إليه
المتكلمون في قولهم بأن الإيمان والحكمة أعراض
والجمع بين الحديث وما ذهبوا إليه هو أن حقيقة أعيان
المخلوقات التي ليس للحواس إليها إدراك ولا من النبوة بها
إخبار أن الإخبار عن حقيقتها غير حقيقة وإنما هو غلبة ظن
لأن للعقل بإجماع أهل العقل المؤيَّدين بالتوفيق حداً يقف
عنده ولا يتسلط فيما عدا ذلك ولا يقدر أن يصل إليه فهذا
وما أشبهه منها لأنهم تكلموا على ما ظهر لهم من الأعراض
الصادرة عن هذه الجواهر التي ذكرها الشارع عليه السلام في
الحديث ولم يكن للعقل قدرة أن يصل إلى هذه الحقيقة التي
أخبر بها عليه السلام فيكون الجمع بينهما أن يقال ما قاله
المتكلمون حق لأنه الصادر عن الجوهر وهو الذي يدرك بالعقل
والحقيقة هي ما ذكره عليه السلام في الحديث
ولهذا نظائر كثيرة بين المتكلمين واثار النبوة ويقع الجمع
بينهما على الأسلوب الذي قررناه وما أشبهه وقد نشير لشيء
من ذلك ليتنبه لما عداه فمثل ذلك الموت كيف أخبر عليه
السلام في الحديث أنه يُؤتَى به يوم القيامة كبشاً أملح
فيذبح بين الجنة والنار بعدما يعرض لأهل تلك الدارين
فيعرفونه ومثل ذلك أيضاً الأذكار والتلاوة لأن ما ظهر منها
هنا معان وتوجد يوم القيامة جواهر محسوسات لأنها توزن في
الميزان ولا يوزن في الميزان إلا الجواهر
الوجه التاسع فيه دليل لأهل الصوفة وأصحاب المقامات
والتحقيق لأنهم يقولون إنهم يرون قلوبهم وقلوبَ إخوانهم
وإيمانهم وإيمان إخوانهم بأعين بصائرهم جواهر محسوسات
فمنهم من يعاين إيمانه مثل المصباح ومنهم من يعاينه مثل
الشمعة ومنهم من يعاينه مثل المشعل وهو أقواها ويقولون
بأنه لا يكون المحقق محققاً حتى يعاين باطن قلبه بعين
بصيرته كما يعاين كفَّه بعينِ بصره فيعرف الزيادة فيه من
النقصان وكذلك أيضاً يقولون في الحكمة بأنهم يعاينونها
بأعين بصائرهم تتنابع من جوانب أفئدتهم كما تتنابع عيون
الماء على اختلافها فبعضها ينبع نبعاً يسيراً وبعضها ينبع
نبعاً كثيراً
1 كبش أملح خلط بياض جلده سواد
9
فمن قوي منهم إيمانه وكثرت حكمته لا يطيق السكوت لأنه
يتنعم بذكر تلك الحكم كما يتنعم صاحب الغذاء بحسن الغذاء
وربما إذا اشتد عليهم الحال ومنعوا من الكلام كان ذلك
سبباً لموتهم حتى لقد حكي عن بعضهم أنه كان إذا جاءه الحال
وهو في مجلس شيخه لا يطيق السكوت فيغلب عليه الحال فيتكلم
فكلمه شيخه في ذلك وأمره بالسكوت فلما أن ورد عليه الحال
بعد ذلك التزم السكوت انصياعاً لأمر الشيخ به فتحمل ذلك
فمات من حينه يؤيد ما قررناه عنهم أولاً ويوضحه قوله عزّ
وجلّ مَثَلُ نُورِهِ كَيَشكُو فِيهَا مِصْبَاحُ
الْمِصْبَاحُ فِي ـاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَتَهَا كَوْكَبٌ
دُرِّيٌّ ۱ نقل صاحب التحصيل في مختصره عن العلماء أنهم
قالوا إن الضمير عائد على المؤمن تقديره مثل نور المؤمن
كمشكاة والمشكاة هي الحديدة التي في وسط القنديل الذي يوضع
فيه الفتيل فقالوا المشكاة مثل لصدر المؤمن والزجاجة قلبه
والمصباح إيمانه
ونقل أيضاً عن العلماء في معنى قوله تعالى ﴿ يُعَلِّمُونَ
النَّاسَ السّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ
بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ
أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا
تَكْفُر ۳ أن الذين يعلمون الناس السحر ببابل إذا أتاهم من
يريد تعلّم سحرهم يقولون له إنما نحن فتنة فلا تكفر فإن
أبى إلا أن يتعلم قالا له انتِ هذا الرَّمادَ فَبُلْ فيه
فإذا بال في ذلك الرماد خرج منه نور يسطع إلى السماء وهو
الإيمان وخرج من الرماد دخان أسود يدخل في أذنيه وهو الكفر
فإذا أخبرهما بما رآه عَلَّماه
فهذه الآي بظواهرها ومعانيها مع نص الحديث الذي نحن بسبيله
حجة لأهل التحقيق والمكاشفات فيما نقلناه عنهم وقد حُكي عن
بعض الفضلاء منهم رحمه الله في حكاية يطول كتبها هنا أنه
قدر عليه بأن يتنصر ثم عاد بعد ذلك إلى الإسلام وحَسُن
حاله أكثر مما كان أولاً فكان يقول إنه رأى أولاً قبل كفره
طائراً أخضر قد خرج من فمه فمنذ خرج منه لم يلتفت إلى
الإيمان ولم يرجع إليه وكان إذا ذُكِّر بالإسلام ووُعِظ
يقول أعلمُ كل ذلك ولم يجد سبيلاً إلى الرجوع فلما أن
تلافاه الله تعالى بعفوه وإفضاله فإذا بالطائر الأخضر قد
أتاه فدخل في حلقه فإذا هو قد رجع إليه الإيمان وانشرح
صدره بالحكمة واتسع
۱ سورة النور من الآية ٣٥
صاحب التحصيل هو أحمد بن عمار المهدوي المغربي المتوفى بعد
سنة ٤٠٠ هـ و التحصيل كتاب في التفسير مختصر من كتاب
التفصيل الجامع لعلوم التنزيل في التفسير من كتاب كشف
الظنون ص ٤٢٦ وإنباه الرواة
٩٦١
۹۱/۱
۳ سورة البقرة من الآية ۱۰
يؤيد ما قالوه وما شاهدوه قوله عليه السلام من أخلص الله
أربعين صباحاً ظهرت ينابيع
الحكمة من قلبه على لسانه ۱ وهم قد عاينوا ينابيع الحكمة
كيف هي على ما نقلناه عنهم وعاينوا حقيقة الإيمان كما
وصفنا رزقنا الله من الهدى والنور ما رزقهم وألحقنا في
الدنيا والآخرة بهم
بمنّه إنه ولي كريم هذا ما تضمنه اعتقاد أهل التحقيق وما
تضمنته أحوالهم وأما أئمتنا في الفقه فظاهر مذهب الشافعي
رحمه الله موافق لأهل الكلام لأن أصحابه ينقلون عنه أن
الإيمان يزيد موافقة لما ذكر الله عزّ وجلّ في كتابه
ويقولون بأن النقص لا يمكن فيه لأنه على زعمهم عَرَض
والنقص في العَرَض ذهابه وأما أبو حنيفة رحمه الله فيقول
بأنه لا يزيد ولا ينقص وظاهر مذهب مالك رحمه الله موافق
لأهل الحقيقة فيما قررناه عنهم لأن أصحابه ينقلون عنه أن
الإيمان عنده يزيد
وينقص وقد مثله بعض أصحابه بماء العين يزيد مرة وينقص أخرى
ولم يعدم الماء من العين وهذا هو الحق الذي لا خفاء فيه
بدليل ما قررناه من الآي والأحاديث وما شهده أهل التحقيق
عياناً ولأنه عليه السلام قد قال لا يزني الزاني حين يزني
وهو مؤمن الحديث بكماله وجاء من طريق آخر قال فيه إن
الإيمان يخرج منه حين الفعل فيبقى على رأسه كالظُّلَّةِ ۳
ولو كان عَرَضاً لم يتَأَتَ أن يقوم بنفسه حتى إنه يبقى
كالظلة على رأسه
هذا ما تضمنه البحث في حقيقة الإيمان ما هو على طريقة أهل
الفقه وأهل التحقيق مع أنه ليس أحد الوجهين - أعني هل يكون
الإيمان جوهراً أو عَرَضاً - بالنسبة إلى القدرة من طريق
المستحيل ولهذا كان الصحابة والسلف والصدر الأول رضوان
الله عليهم لم يتكلموا في هذا ولا أمثاله لأن المقصود منا
الذي لأجله أنزلت علينا الكتب وأرسلت إلينا الأنبياء
والرسل عليهم الصلاة والسلام إنما هو التصديق الخالص
والعمل الصالح والشغل بهذين الأمرين أولى بل هو الواجب
ويجب الإضراب عن الشغل بغيرهما لأن الاشتغال بغيرهما شغل
عنهما وذلك سبب الترك ما أريد منا
لكن لما أن تشاغل قوم بالأخذ في هذا وأشباهه وأطلقوا أن
الأمر كما ظهر لهم من علم العقل - على زعمهم - حتى صار
الأمر عندهم أن من لم يعتقد مثل اعتقادهم منسوب إلى
المذاهب
۱ رواه أبو نعيم في الحلية بإسناد ضعيف
متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه وللحديث عدة روايات
بطرق مختلفة ومعان متشابهة
۳ رواه الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ من زنى أو
شرب الخمر نزع الله منه الإيمان كما يخلع القميص
من رأسه
٩٦٢
الفاسدة فاحتجنا لأجل هذه العلة أن نبين مذهب أهل التحقيق
والتوفيق ومذهب الصحابة والسلف رضوان الله عليهم بنص
الكتاب والسنة كما ذكرناه قبل لكي يتبين بذلك الحق من
الباطل والضعيف من القوي
فإن اعترض معترض لتخصيص لفظ الحديث من طريق علم العقل فقد
سقط بحثه فلا يُعَباً به لأنه قد قدمنا في الأحاديث
المتقدمة قول فقهاء الدين وأئمته أن عموم القرآن يُخصَّص
بالقرآن واختلفوا هل يُخصص عموم القرآن بالسنة المتواترة
أم لا على قولين ولم يختلفوا أن القرآن لا يخصص بأخبار
الآحاد وكذلك اتفقوا على أن عموم الحديث يُخصَّص بالحديث
واختلفوا هل يخصَّص بإجماع جلّ الصحابة أم لا على قولين
ولأجل ذلك اختلف مالك والشافعي رحمهما الله في عمل أهل
المدينة إذا وجد الحديث بخلافه فقال مالك رحمه الله أهل
المدينة أهل دار الهجرة ومجمع جلّ الصحابة العارفين بأحكام
الله وسنة نبيه عليه السلام ولم يتركوا العمل بحديث إلا
وقد صح عندهم نسخه ولم يبلغنا نحن ذلك وأبى الشافعي رحمه
الله ذلك وأخد بمقتضى الحديث وأما تخصيص لفظ الحديث بنظر
غير الصحابة ورأيه فلا يجوز بالإجماع لأن الحكم لقول
الشارع عليه السلام لا لغيره
لكن قد يسوع الجمع بين ما ذهب إليه المتكلمون وبين ما ذهب
إليه أهل التحقيق بمعنى لطيف وهو أنه لما نظر أهل العقل
إلى الآي والأحاديث بنفس الدعوى وحصروا قدرة القادر بمقتضى
دليل عقلهم جاء لأجل هذه الدعوى في عين البصيرة ضعف فلم
يروا شيئاً فرجعوا إلى مقتضى ما دل عليه عقلهم فقالوا
الإيمان عَرَض وغطى عليهم إذ ذاك مفهوم ما احتوى قوله عليه
السلام إيمان المؤمن نور يتوقد في صدره ولما نظر أهل
التحقيق بخالص الصدق والتصديق وتعظيم القدرة وإجلال القادر
رأوا النور فقالوا الإيمان نور والتصديق عَرَض فزادهم
إيماناً وقالوا حَسْبُنا الله ونِعْمَ الوكيل يؤيد هذا
ويوضحه - أعني ما ذكرناه من الجمع بين المذهبين - ما حكي
عن بعض الفضلاء من أئمة التحقيق أنه كشف له عن شيء من آثار
القدرة فنظر إليها عياناً فأدركه الخجل لعظم ما رأى في
التذلل والاعتذار لكونه يرى أن ليست نفسه لذلك أهلاً فخوطب
بأن قيل له عملت على الحق فأُرِيتَ الحقيقة وعملوا على
التأويل فعوملوا بحسب ما عملوا وعند الله تجتمع الخصوم
ولأن الحقيقة في الأمور كلها لقول الشارع عليه السلام وقول
غيره في ذلك ردّ وليس الأمور بمجرد العقل لا بالحاضرة منها
ولا بالغائبة ومن ادعى ذلك فهو منه
فأخذ
يمكن أخذ جميع
٩٦٣
جهل لأنه لو كان ذلك كذلك لكان فيه مشاركة للربوبية وهو
باطل لأنه لا ينفرد بالغيوب إلا
علامها وبذلك تصح الوحدانية فقلد أيها السامع أي الطرق
شئتَ فقد أوضحتُ لك الطرق والله يرشدنا وإياك بمنه تنبيه
لقائل أن يقول لِمَ رأى عليه السلام مزيد الإيمان ولم يرَ
الإيمان الذي كان عنده أولاً لأن الأنبياء والرسل عليهم
السلام أقوى إيماناً من جميع المؤمنين والجواب عنه أن نفس
رؤية المزيد فيها من الحكمة وجوه فمنها رؤية حقيقة الإيمان
والحكمة جواهر حتى يتحققها على ما هي عليه وهذه مزية له
عليه السلام خُص بها ومنها أن المعاينة لذلك بشارة برفع
المنزلة ومنها أن بنفس الرؤية لذلك يزيد الإيمان قوةً
حِسّاً ومعنى فالحسي هو وضعه في القلب والمعنوي هو ما يحصل
من قوة الإيمان بسبب رؤية المزيد ومنها أنه عليه السلام
لما أن كان في هذه الدار كان أقواهم إيماناً بحسب ما هو
إيمان أهل الأرض فلم يحتج لرؤيته لقوة ما عنده من التصديق
ولما أن شاء الله الإسراء به إلى العالم العلوي - وهم أقوى
إيماناً من هذا العالم إذ هم مشاهدون لأشياء لا يشاهدها
أهل هذا العالم - فعل ذلك للنبي الله حتى حصل له الإيمان
بالتصديق والمشاهدة وزيد له فيه بالحس والمعنى حتى كان
أعلى ذلك العالم إيماناً يشهد لذلك قوله تعالى ﴿ مَا زَاغَ
الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ
الْكُبْرَى ۱ ولم يقع الثبات مع معاينة تلك الآيات الكبار
إلا لما قوي عنده من الإيمان والحكمة فكان عليه السلام
جديراً بما خُص به من الثناء والمدحة ووجوه كثيرة من هذه
المعاني تتعدد وفيما أشرنا إليه كفاية الوجه العاشر فيه
دليل على أن ما بعد الإيمان أجلّ من الحكمة ولولا ذلك ما
قرنت معه
ومنه قوله تعالى ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ
خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ ٢
الوجه الحادي عشر في معنى الإيمان والحكمة أما الإيمان فقد
تقدم الكلام عليه وأما الحكمة فقد اختلف العلماء فيها فقيل
الحكمة هي وضع الشيء في موضعه وقيل الحكمة هي الفهم في
كتاب الله عزّ وجلّ والكلام معهم فيما قالوه فيها قد أشرنا
إلى بعضه انفاً والجواب عنها كالجواب عن الإيمان وقد أشرنا
لكل ذلك فأغنى عن إعادته
الوجه الثاني عشر هل الإيمان والحكمة متلازمان لا يوجد
أحدهما حتى يوجد الآخر أو كل واحد منهما مستقل بنفسه
الظاهر أن كل واحد منهما مستقل بنفسه لأن الإيمان ليس من
شرطه
۱ سورة النجم الايتان ۱۷ و ۱۸ سورة البقرة من الآية ٢٦٩
٩٦٤
أن تكون الحكمة معه بدليل قوله عليه السلام من أخلص الله
أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ۱ فقد
شهد له عليه السلام بالإيمان والحكمة لم تكن عنده إذ ذاك
لأنه عليه السلام قال مَنْ أخلَص والإخلاص هو حقيقة
الإيمان فعلى هذا فكل واحد منهما مستقل بنفسه وجمعهما هو
الأعلى والأرفع
لكن بقي بحث وهو أنه إن كانت الحكمة المراد بها الوجه
الأول الذي ذكرناه من الاختلاف فيها فقد توجد مع الإيمان
وقد توجد مع عدمه وبهذا التوجيه يتقرر ما ذكرناه وهو أن كل
واحد منهما مستقل بنفسه لكن هذا الاستدلال مرجوح وليس
بالقوي لأنه إذا قلنا بأن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه
فالإيمان أولى أن تدل عليه الحكمة لأنه هو الأول والكفر من
الحمق والحمق
ينافي الحكمة فعلى هذا فهي مرتبطة بالإيمان لا بد منه عند
وجودها وإلا فلا حكمة إذ ذاك وإن قلنا بأن الحكمة هي الفهم
في كتاب الله تعالى فهي مرتبطة بالإيمان على كل حال لا بد
منه أولاً فعلى هذا فقد يوجد مؤمن عَرِيّ عن الحكمة وقد
يوجد بهما معاً ولا ينعكس وهو أن يوجد حكيم عَرِيّ عن
الإيمان
الوجه الثالث عشر فيه دليل على أن الملائكة عليهم السلام
تعرف بني آدم وتميزهم كل واحد بعينه لأن الملائكة أتوا
للنبي الله وأخذوه من بين أصحابه وكذلك أيضاً أخذوه من بين
إخوانه وهو صبي صغير السن وكذلك الآن فلو لم يكن لهم ميز
بالأشخاص لاختلط عليهم وهذا دليل على عظيم قدرة الله تعالى
إذ إن أهل العالم العلوي يميزون أجزاء هذا العالم
الوجه الرابع عشر قوله عليه السلام فشق من النحر إلى مراق
البطن فيه دليل على أن قدرة الله عزّ وجلّ لا يعجزها شيء
ولا تتوقف لعدم شيء ولا لوجوده وليست مربوطة بالعادات لأنه
على ما يعرف ويعهد أن البشر إذا شق بطنه كله انجرح ومات
ولم يعش وهذا النبي صلى الله عليه وسلم قد شق بطنه المكرمة
حتى أخرج القلب فغسل وقد شق بطنه المكرم كذلك أيضاً وهو
صغير وشق عن قلبه وأخرجت منه نزغة الشيطان ومعلوم أن القلب
إذا وصل له الجرح مات صاحبه وهذا النبي صلى الله عليه وسلم
شق بطنه في هاتين المرتين ولم يتالم بذلك ولم يمت لما أن
أراد الله عزّ وجلّ ألا يؤثر ما أجرى به العادة أن يؤثر
فيها موت صاحبها عندها أبطل تلك العادة مع بقاء جوهرها لأن
الشق قد وجد على البطن والقلب وما يتولد من ذلك في جري
العادة قد عدم
وكذلك جميع الأشياء على هذا الأسلوب مثل النار والماء
وغيرهما من الخواص إن شاء عزّ
۱ تقدم تخريجه قبل عدة صفحات
كذا بالتأنيث والتذكير
90
وجلّ ألا يروي الشارب بقلة الماء فَعَل وإن شاء ألا يحرق
بالنار فعل كما أزال العادة الجارية فيما نحن بسبيله وقد
رمي إبراهيم عليه السلام في النار فلم تحرقه وكانت عليه
برداً وسلاماً وكل الخواص بهذه المثابة إن شاء عزّ وجلّ
أبقى لها الخاصية وإن شاء سلبها
جوهرها
مع بقاء
الوجه الخامس عشر لقائل أن يقول لِمَ كان شق البطن وحينئذ
مليء بما ملىء والله عزّ وجلّ قادر على أن يوجد له ذلك في
بطنه من غير أن يفعل به ما فعل والجواب عنه أنه عليه
السلام لما أن أعطي كثرة الإيمان والحكمة وقوي التصديق إذ
ذاك أعطي برؤية شق البطن والقلب عدم الخوف من جميع العادات
الجارية بالهلاك فحصلت له قوة إيمان من ثلاثة أوجه بقوة
التصديق وبالمشاهدة وعدم الخوف من العادات المهلكات فكمل
له بذلك ما أريد منه من قوة الإيمان بالله عزّ وجلّ وعدم
الخوف مما سواه ولأجل ما أعطي مما أشرنا إليه كان عليه
السلام في العالمين أشجعهم وأثبتهم وأعلاهم حالاً ومقالاً
ففي العلوي كان عليه السلام كما أخبر أن جبريل عليه السلام
لما أن وصل معه إلى مقامه قال له ها أنت وربك هذا مقامي لا
أتعداه فرج عليه السلام في النور زَجَّةٌ ولم يتوان ولم
يلتفت وكان هناك في الحضرة كما أخبر عزّ وجلّ عنه بقوله ﴿
مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طغَى ١ وأما حاله عليه السلام
في هذا العالم فكان إذا حمي الوطيس في الحرب رَكَضَ بغلته
في نحر العدو وهم شاكون في سلاحهم ويقول أنا النبي لا كذب
أنا ابن عبد المطلب
وقد كانت الصحابة رضوان الله عليهم يقولون الشجاع منا الذي
كان يتقي به عند شدة الحرب الوجه السادس عشر فيه دليل لأهل
الصوفة في قولهم بأن عمل المبتدي كسب وعمل المنتهي ترك لأن
النبي في ابتداء أمره كان تخليه بالضم والغط وهي زيادة في
الشدة والقوة - لا لا لها كما مر الكلام عليه في حديث
ابتداء الوحي - وكان تخليه هنا بالغسل وهو تنظيف المحل
وكذلك حال المبتدي والمنتهي عندهم فالمبتدي شأنه الكسب وهو
الأخذ في الأعمال الصالحات وهي القوة والشدة والمنتهي شأنه
النظر في الباطن وما يتعلق به من الشوائب فكل شيء يرى فيه
شيئاً ما من تعلق الشوائب تركه حتى يتنظف الباطن من
الأكدار ولا يبقى فيه غير الله تعالى
فإن قال قائل فيلزم على هذا أن يكون في باطن النبي و شي من
الكدر حتى احتيج إلى
غسله وذلك باطل قيل له ذلك لا يلزم لأن الغسل له عليه
السلام ليس من باب إزالة
۱ سورة النجم من الآية ١٧
متفق عليه من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه
9
الأكدار وإنما هو تشريع لأمته فيما أشرنا إليه وإعظام
لشعائر الله عزّ وجلّ لأن ما يلقى في ذلك المحل الشريف من
شعائر الله تعالى وقد قال تعالى وَمَن يُعَظِّمْ شَعَرَ
اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ۱
الوجه السابع عشر قوله عليه السلام فأتيت بدابة أبيض دون
البغل وفوق الحمار البراق فيه دليل على أن البراق أفضل
الدواب وأشرفها إذ إنه خص بهذا المقام وهو سيره إلى العالم
العلوي وركوب خير البشر عليه من هنا إلى هناك
الوجه الثامن عشر لقائل أن يقول لم اختص عليه السلام بركوب
البراق دون غيره من الدواب مثل الخيل والنوق وغيرهما
والجواب عنه أنه إنما خص عليه السلام بركوب البُراق زيادة
في التشريف والتعظيم لأن غيره من الدواب يقدر غيره على
ملكه والتمتع به والبراق لم يُنقل أن أحداً ملكه وتمتع به
كما يتمتع بغيره من البهائم وهذا هو نفس التعظيم والتشريف
إذ إن القدرة قد أحكمت أن كل ما عدم في الوجود وُجدانه غلا
خطره
فإن قيل فلو كان ذلك زيادة في التشريف والتكريم لكان ركوبه
على دابة من دواب الجنة إذ هي أفضل وأبرك أو لَرَفَعَه
جبريل عليه السلام على جناحه أو أحد من الملائكة أو أعطي
قوة حتى يصعد بنفسه ولا يحتاج إلى مركوب والجواب عنه أن
هذا كله إنما هو زيادة له عليه السلام في التشريف والتعظيم
ولو كان ركوبه عليه السلام على دابة من دواب الجنة أو لأحد
من الملائكة أو مشى بنفسه المكرمة لم يكن له فيه ما كان له
في ركوبِ البُراق والسيرِ به بيان ذلك أنه لو صعد بنفسه
لكان ماشياً على رجليه والراكب أعز من الماشي فأعطي
المركوب ليكون أعزّ له وأشرف ولكي يعلم أن له ل لا ل و لو
عند الله تعالى مكاناً حتى إنه يأتي وهو راكب فيكون ذلك له
بشارة بالخير والحظوة عند ربه لأن الإتيان بالمركوب من
الله تعالى بشارة له عليه السلام برفع المنزلة والكرامة
ومثل هذا في الدنيا والآخرة موجود ففي الدنيا محسوس وفي
الآخرة بالأخبار منقول أما في الدنيا فلأن المَلِك إذا بعث
إلى شخص بالخلع والمركوب فبقدر الخلع وحسن المركوب يستدل
على منزلته عند الملك وفي الآخرة ما روي أن يوم القيامة
يأتي المؤمنون منهم من هو راكب نُوَق اللحم ومنهم من هو
راكب نُوق الذهب وأزِمَّتها الزَّبَرْجَدُ إلى غير ذلك مما
جاءت الأخبار به كل إنسان بحسب منزلته والملائكة تأتيهم
أفواجاً بالبشارة وتقول لهم هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى
كُنتُمْ تُوعَدُونَ
۱ سورة الحج من الاية ٣٢ سورة الأنبياء من الآية ۱۰۳
٩٦٧
وإنما لم يكن مركوبه عليه السلام دابة من دواب الجنة أو
جناح مَلَك لأنه لو ركب على
ذلك لكان الظاهر أن المركوب حمل الراكب فلما أن ركب البراق
الذي هو لحم ودم وهو مخلوق في الدنيا وليس من عادته
الطيران في الهواء وإنما هو من ذوات الأربع أرضي علم عند
ذلك أن الراكب هو الحامل لنفسه والحامل لمركوبه إذ إن هذه
الدابة لا طاقة لها بالصعود في
الهواء أصلاً
فإن قيل فالنبي من البشر ومحال في حق البشر الصعود في
الهواء كما هو محال في حق الدواب قيل الجواب أن البشر ليس
هو الصاعد بنفسه وإنما الحامل والصاعد به قوة الإيمان الذي
منَّ عليه به والنبي لم يكن ليُسرَى به حتى مُلئت بطنه
المكرمة إيماناً وحكمة فلما أن اه اه لو امتلأ بالإيمان
والحكمة كان له من القوة ما يحمل نفسه وغيره فبقدر الإيمان
وقوته يكون السلوك والترقي ولهذا قال عليه السلام رحم الله
أخي عيسى لو زاد يقيناً لطار في الهواء ۱ هذا من طريق
مقتضى الحكمة
وفي الحقيقة القدرة هي حاملة للكل كالعرش وحَمَلَته لأن
حَمَلَة العرش حين أمروا أن يقوموا بالعرش لم يطيقوا حتى
قيل لهم قولوا لا حول ولا قوة إلا بالله فلما أن قالوها
قاموا بالعرش فالتفتوا فإذا أقدامهم على غير شيء فهم
متمسكون بالعرش لا يفترون من قولهم لا حول ولا قوة إلا
بالله خيفة لئلا يفلت أحدهم فلا يعرف أين يهوي فهم حاملون
العرش والعرش حامل لهم والكل محمولون بالقدرة وهم في عِظم
خلقهم كما أخبر عليه السلام عن بعضهم حيث قال أُمرت أن
أحدثكم عن أحد حملة العرش ما بين شحمة أذني أحدهم مسيرة
الطائر مائة سنة وأمرت أن أحدثكم عن أحد حملة العرش غلظ
قرنه ما بين المشرق والمغرب ۳ ولكل واحد منهم على ما جاء
في حديث اخر قرنان مثل قرون الوعول فإذا كان كل واحد من
هذين القرنين غلظه هكذا فناهيك بالرأس الذي يكون فيه ذانك
القرنان وناهيك بالجسد الذي يكون فيه هذا الرأس فسبحان من
أظهر بديع حكمته بعظيم قدرته
١ لم نقف على مصدره يريد ما بين شحمتي أذني أحدهم
۳ رواه أبو داود وابن عساكر والضياء في المختارة عن جابر
رضي الله عنه بلفظ أذن لي أن أحدّث عن مَلَك من ملائكة
الله تعالى من حَمَلة العرش ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه
مسيرة سبعمائة عام وفي رواية لأبي نعيم في الحلية عن جابر
وابن عباس رضي الله عنهم بلفظ أذن لي أن أحدث عن ملك من
حملة العرش رجلاه في الأرض السابعة السفلى على قرنه العرش
ومن شحمة أذنه إلى عاتقه كخفقان الطير مسيرة مئة عام وفي
رواية للخطيب البغدادي مسيرة سبعمائة سنة خفقان الطير
٩٦٨
الوجه التاسع عشر فيه دليل لأهل الصوفة حيث يقولون فلان
مقامه في سماء الدنيا وفلان مقامه في الثانية ثم كذلك إلى
أن يبلغوا إلى قابَ قَوْسَينِ أو أدنى ويعنون بذلك ما
رزقوا من قوة
الإيمان واليقين فكاشفوا بأسرارهم ذلك العالم كل منهم بحسب
قوته في إيمانه ويقينه
ولهم فيما نحن بسبيله أدل دليل لأن النبي الله ولم يُسرَ
به حتى ملىء حكمة وإيماناً ثم لما أن من عليه بذلك أسري به
من سماء إلى سماء إلى قاب قوسين أو أدنى وهم الوارثون له
عليه السلام فلهم في ذلك نسبة لكنّ بينهم وبين النبي الله
في ذلك فرقاً وهو أنه عليه السلام حصلت له الخصوصية لكونه
سرى بذاته المباركة وتكلم بلسان فمه ورأى بعين رأسه - على
ما قاله ابن عباس - وسمع الخطاب بأذن رأسه وأذن قلبه وغيره
من الوارثين له لم يصلوا هناك إلا بأسرارهم ولم يروا إلا
بأعين قلوبهم
ومما يبين هذا ويوضحه ما حكي عن بعض فضلائهم أنه لمّا أنْ
مُنَّ عليه بقوة الإيمان واليقين واتبع سنة هذا السيد
الكريم على ربه صاحب هذا المقام العظيم الهلال الهلال في
كل حركاته وسكناته وأنفاسه أسري بسره من سماء إلى سماء إلى
قاب قوسين أو أدنى ثم نودي هنا أسري بذات محمد السنية حيث
أسري بسرك
ولأجل هذا كانوا أبداً ليس لهم شغل غير النظر في تقوية
إيمانهم ويقينهم لأن به يسلكون وهو حاملهم ومما يزيد هذا
وضوحاً وبياناً قوله عليه السلام ما فَضَلكم أبو بكر بصلاة
ولا بصيام ولكن بشيءٍ وَقر في صدره والشيء الذي وَقر في
صدره هو قوة اليقين والإيمان وقد صرح رضي الله عنه بذلك
حيث قال لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً
يوضع
الوجه العشرون فيه دليل لأهل الصوفة في قولهم لا يكون
تَحَلَّ إلا بعد تَخلَّ لأنه لم الإيمان والحكمة في البطن
المباركة حتى شُقت وغسلت وحينئذ مُلئت فالشق والغسل هو
التخلي وما مُلىء به من الإيمان والحكمة هو التحلي فعلى
قدر التخلي يكون التحلي ولهذا أشار بعضهم بقوله من سرّه أن
يرى ما لا يسوؤه فلا يتخذ له شيئاً يخاف له فقداً لأن ما
سوى الله مفقود فمن أراد الفوز بهذا التحلي فليعزم على قوة
هذا التحلي حالاً ومقالاً ومن لم يقدر على الكل فليعمل على
البعض لأن التحلي يكون بقدر التخلي والحذر الحذَرَ من أن
تهمل نفسك وترضَى بحظِ بخس فذلك هو الحرمان
الوجه الحادي والعشرون قوله عليه السلام ثم غسل البطن بماء
زمزم ما المراد بالبطن هنا هل البطن نفسه أو ما في البطن
وهو القلب الظاهر أن المراد القلب لأنه جاء في رواية أخرى
ذكر
٩٦٩
القلب ولم يذكر البطن وقد يحتمل أن تحمل كل رواية على
ظاهرها ويقع الجمع بينهما بأن يقال أخبر عليه السلام مرةً
بغسل البطن ولم يتعرض لذكر القلب وأخبر مرة بغسل القلب ولم
يتعرض لذكر البطن فيكون قد حصل فيهما معاً مبالغة في تنظيف
المحل
الوجه الثاني والعشرون لقائل أن يقول لم غُسِل البطن وقد
كان طاهراً مطهَّراً وقابلاً لما يُلقى إليه من الخير وقد
غسل أولاً وهو عليه السلام صغير السن وأخرجت من قلبه نزغة
الشيطان فما فائدة هذا الغسل الثاني
والجواب عنه أن هذا الغَسل إنما كان إعظاماً وتأهباً لما
يلقى هناك وقد جرت الحكمة بذلك في غير ما موضع مثل الوضوء
للصلاة لمن كان متنظّفاً لأن الوضوء في حقه إنما هو إعظام
وتأهب للوقوف بين يدي الله تعالى ومناجاته وكذلك أيضاً
الزيادة على الواحدة أو الاثنتين إذا أسبغ بالأولى لأن
الإجزاء قد حصل وبقي ما بعد الإسباغ إلى الثلاث إعظاماً
لِما يُقدِم عليه فكذلك
غسل البطن هنا وقد قال تعالى وَمَن يُعَظِّمْ شَعَرَ
اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ فكان الغسل له
عليه السّلام من هذا القبيل وإشارة لأمته بالفعل بتعظيم
الشعائر كما نص لهم عليه بالقول وإشارة لهم أيضاً فيما
تقدم ذكره من التخلّي والتحلّي
فإن قال قائل لو كان الأمر بالزيادة على الإسباغ إعظاماً
للشعائر لكانت الزيادة على الثلاث أولى إذ إنه بحسب
الزيادة كان تعظيم الشعائر أكثر قيل له الأمر كذلك لكن
الله عزّ وجلّ بالمؤمنين رحيم فمن رحمته عزّ وجلّ بهم أن
منعهم الزيادة على الثلاث تخفيفاً عليهم ولطفاً بهم أَلَا
يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ
الوجه الثالث والعشرون فيه دليل على فضيلة بئر زمزم على
غيره من المياه إذ إنه عليه السلام اختص بأن غسل منه هذا
المحل الجليل في هذا الموطن الرفيع
الوجه الرابع والعشرون لقائل أن يقول لِمَ يغسل بماء الجنة
الذي هو أطيب وأبْرَكُ والجواب عنه أنه لو غسل بماء الجنة
دون استقراره في الأرض لم يبق لأمته أثر بركةٍ فلما غسل
بماء زمزم - وهو مما استقر من ماء السماء بالأرض على ما
قاله ابن عباس في تفسير قوله تعالى وَأَنزَلْنَا مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَتَهُ فِي الْأَرْضِ
وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَدِرُونَ ۳ فقال كل ماء في
۱ سورة الحج الآية ٣٢
سورة الملك الآية ١٤ ۳ سورة المؤمنون من الآية ۱۸
۹۷۰
الأرض إنما هو مما نزل من السماء وقد جاء في الأثر أن ما
من مطر ينزل إلا وفيه مزاج من الجنة وتكون البركة فيه بقدر
المزاج - فعلى ۱ هذا فقد غسل بماء كله من الجنة أو بعضه مع
زيادة
فوائد جمة
منها ما ذكرناه من إبقاء البركة لأمته ومنها أنه خص مقره
بهذه الأرض المباركة ومنها أنه خص به الأصل المبارك وهو
إسماعيل عليه السلام ومنها أنه خص بما لم يخص غيره من
المياه بأن جعل فيه لهاجر أم إسماعيل عليه السلام غذاء
فكان يغنيها عن الطعام والشراب ومنها أن ظهوره كان بواسطة
الأمين جبريل عليه السلام فكان أصلاً مباركاً في مقز مبارك
لسيد مبارك بواسطة فعل أمين مبارك فاختص به هذا السيد
المبارك فكان ذلك زيادة له في التشريف والتعظيم والله عزّ
وجلّ يفضل ما يشاء من مخلوقاته حيواناً كان أو جماداً فجاء
بالحكمة العجيبة في الملة الجليلة ملة أبيك إبراهيم
بالمقال وفي الماء ملك أبيك إسماعيل بلسان الحال الوجه
الخامس والعشرون قوله عليه السلام ثم مُلىء حكمة وإيماناً
قد مر الكلام على معنى الحكمة والإيمان وبقي الكلام هنا
على المملوء ما هو هل البطن أو القلب فعلى ظاهر هذه
الرواية هو البطن وعلى ما جاء في رواية غيرها هو القلب
فاحتمل أن يكونا ملنا معاً وأخبر عليه السلام في هذه
الرواية بالبطن وأخبر في الأخرى بالقلب واحتمل أن يكون
أراد القلب وذكر البطن توسعة لأن العرب تسمي الشيء بما
قاربه أو بما كان فيه وقد قال تعالى ﴿ فَمَن يُرِدِ
اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ
وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا
حَرَجًا ومعنى الصدر في الآية القلب فسماه باسم ما هو فيه
وهو الصدر
الوجه السادس والعشرون قوله عليه السلام فانطلقت مع جبريل
حتى أتينا السّماء الدنيا إلى قوله ولنعم المجيء جاء فيه
دليل على أن قدرة الله عزّ وجلّ لا يعجزها شيء لأنه عليه
السلام قال حتى أتينا السماء الدنيا فأفاد ذلك أنهم كانوا
يمشون في الهواء وقد جرت العادة بأن البشر لا يمشي في
الهواء سيما وقد كان راكباً على دابة من ذوات الأربع لكن
لما أن شاءت القدرة ذلك كان فكما بسط عزّ وجلّ لهم الأرض
ومهدها لهم يمشون عليها كذلك يُمشيهم في الهواء كل ذلك
بيده لا ترتبط قدرته بعادة جارية حتى يظهر عند وجودها
تأثير في الوجود ويعدم عند عدمها بل القدرة صالحة لأن تبدي
ما شاءت عند وجود العادة وعند عدمها وإنما العادة من الله
تعالى لحكمة استأثر بها فإن شاء أبقاها وإن شاء أزالها وقد
سئل عليه السلام حين أخبر
۱ هنا جواب لما سورة الأنعام من الآية ١٢٥
۹۷۱
عن الأشقياء المساكين الذين يمشون على وجوههم يوم القيامة
كيف يمشون فقال عليه السلام الذي أمشاهم في الدنيا على
أقدامهم قادر على أن يُمشيهم يوم القيامة على وجوههم ۱
الوجه السابع والعشرون فيه دليل على أن النبي كان مستقلاً
بنفسه في صعوده ولم يحتج إلى من يعينه لأنه عليه السلام
قال انطلقت مع جبريل فأفاد ذلك أنهما صعدا معاً لا يحتاج
أحدهما للآخر ولو قال انطلق بي جبريل لأفاد ذلك أن جبريل
عليه السلام كان حاملاً
له أو معيناً
وهذا أدل دليل على عظيم قدرة الله تعالى وأنه لا يعجزها
شيء - كما تقدم قبل - وعلى كرامة النبي و علو منزلته لأن
الله عزّ وجلّ قد أجرى العادة بأن البشر لا يصعد في الهواء
وأجرى العادة للملائكة بالصعود والنزول بحسب ما شاء لأنهم
خلقوا من جوهر لطيف وخلق البشر من جوهر كثيف فأبقى على
النبي الله صفة البشرية وأعطي حال العالم العلوي حتى صار
مع جبريل عليه السلام كما ذكر بل زاد على ذلك ما هو أعظم
في المعجزة وابهر وهو ركوبه على دابة من دواب الأرض التي
لا استطاعة لها بالصعود كل هذا إكراماً له عليه السلام
وتعظيماً وإظهاراً لقدرة الله تعالى حتى رجع له عليه
السلام ما كان عنده علم يقين - من أن القدرة صالحة لكل شيء
- عين يقين في هذه الأحوال المذكورة فما طلبه أبوه إبراهيم
عليه السلام من الانتقال من علم يقين إلى عين يقين في قوله
أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ
قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَينَ قَلبي اعطي ذلك للنبي صلى
الله عليه وسلم بغير طلب
الوجه الثامن والعشرون فيه دليل على أن للسماوات أبواباً
وعليها بوابين وخداماً وأنه لا يصعد أحد من الملائكة ولا
من غيرهم ممن شاء الله عزّ وجلّ حتى يستأذنهم في الفتح
لأنه عليه السلام أخبر أنهم حين أتوا إلى السماء قرع جبريل
الباب فقيل من هذا فأخبر باسمه واسم من معه وحينئذ فتح له
وفائدة هذا الإيمان بعظيم القدرة وصنعها ما شاءت كيف شاءت
الوجه التاسع والعشرون سؤال الملائكة عليهم السلام لجبريل
عليه السلام بقولهم من معك احتمل وجهين
أحدهما أن تكون تلك عادة لهم لا يصعد أحد ولا ينزل حتى
يُسأل هل هو وحده أو مع
۱ رواه الشيخان عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم سُئِل كيف يُحشر الكافر على وجهه قال أليس الذي
أمشاه على رجليه في الدنيا قادر على أن يُمشيه على وجهه
يوم القيامة وفي الباب رواية مشابهة للترمذي رقم ٣١٤٢
والإمام أحمد ٣٥٤/٢ و ٣٦٣
سورة البقرة من الاية ٢٦٠
غيره وإن كان جبريل عليه السلام هو الأمين لكن اقتضت
الحكمة أنه لا ينفذ هو وغيره إلا يعلمهم وسؤالهم تمشية
للحكمة وإظهاراً للقدرة
الثاني أن يكون سؤالهم له لما رأوا حين إقباله عليهم من
زيادة الأنوار وغيرها من المآثر الحسان زيادة على ما
يعهدونه منه فكان لهم ذلك دليلا على أن معه غيره فسألوه
عنه وهذا هو الأظهر بدليل قولهم من معك ولو كان لغير زيادة
رأوها لكان الاستفهام بأن يقولوا أمعك أحد فلما جاءت
الصيغة بقولهم من معك دل ذلك على أنهم سألوا من الشخص الذي
من أجله هذه الزيادة التي معك فأخبرهم بما أرادوا وهو
تعيين الشخص باسمه حتى عرفوه
الوجه الثلاثون قول جبريل عليه السلام حين سئل من معك فقال
محمد فيه دليل على أن الأسماء أرفع من الكنى لأنه أخبر
باسمه ولم يخبر بكنيته وهو عليه السلام مشهور في العالمين
العلوي والسفلي ولو كانت الكنية أرفع من الاسم لأخبر
بكنيته
الوجه الحادي والثلاثون استفهام الملائكة بقولهم أوقد
أُرسل إليه فيه دليل على أن أهل العالم العلوي يعرفون
رسالته عليه السلام ومكانته لأنهم سألوا عن وقتها هل حَلّ
لا عنها ولذلك أجابوا بقولهم مرحباً به ولَنِعْمَ المجيءُ
جاء وكلامهم بهذه الصيغة أدل دليل على ما ذكرناه من
معرفتهم بجلال مكانته عليه السلام وتحقيق رسالته ولأن هذا
أجلّ ما يكون من حسن الخطاب والترفيع على المعروف من عادة
العرب وقد قال بعض العلماء في معنى قوله تعالى لقد رأى
مِنْ وَايَتِ رَبِّهِ الكبرى ١ إنه رأى صورة ذاته المباركة
في الملكوت فإذا هو عروس
المملكة
الوجه الثاني والثلاثون قول الملائكة مرحباً به ولنعم
المجيء جاء مرحباً أي صادفت رُحْباً وسعة ولنعم المجيء جاء
احتمل وجهين أحدهما أن يكونوا قالوا ذلك لما عاينوا من
بركاته عليه السلام التي سبقته للسماء مبشرة بقدومه وهي
الأنوار وما أشبهها الثاني أن يكونوا قالوا ذلك لما عاينوا
له من الخير العظيم المدَّخر له هناك لوقته هذا وقد يحتمل
الوجهين معاً
الوجه الثالث والثلاثون قوله عليه السلام فأتيت على آدم
فسلمت عليه فيه دليل على أن السنة في السلام أن يبدأ به
المار على القاعد لأنه لما أن كان النبي ليل الامور العالى
ادم عليه السلام
ابتدأه بالسلام
۱ سورة النجم الآية ١٨ كذا والوجه أن يقول صادف
۹۷۳
الوجه الرابع والثلاثون فيه دليل على أنه لا يجوز في رد
السلام غير الصيغة المشروعة لأنه لم يقل له آدم عليه
السلام مرحباً إلا بعد ردّ السلام عليه على ما جاء في
رواية أخرى قال فيها فرد ثم قال مرحبا
الوجه الخامس والثلاثون قول آدم عليه السلام مرحباً بك من
ابن ونبي هل هذا اللفظ من آدم عليه السلام تأنيس للنبي لا
لا لا لولا أن الغريب أشدُّ أنسه ۱ في غربته بلقاء الأبوة
أو ذلك سرور منه بقرة عينه به احتمل الوجهين معاً
أما في حق آدم عليه السلام فظاهر لأن المرء أبداً يفرح
بزيارة ابنه عليه فإنه له ومنه في الحقيقة ولهذا قال تعالى
﴿ ابَاؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ
أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا قال بعض المفسرين في معناه لا
تدرون من يكون يوم القيامة أعلى درجة عند الله تعالى فيشفع
في صاحبه حتى يبلغه معه وهذه خصوصية بين الآباء والأبناء
لا توجد في غيرهم فترفيع أحدهما ترفيع للآخر وقد حصل لآدم
عليه السلام من هذا أوفر نصيب لأنه يكون يوم القيامة في
أحد ركابي النبي صلى الله عليه وسلم حين إعطائه لواء الحمد
وإبراهيم عليه السلام يكون في الركاب الآخر فحصل لآدم
وإبراهيم عليهما السلام اللذين هما الأبوان خصوصية في أوفر
حظ في هذه المنزلة ما لم يكن لغيرهما من الأنبياء عليهم
السلام
وأما في حق النبي صلى الله عليه وسلم فلأن الأبوة تقتضي
الإدلال عليها فكان ذلك تأنيساً للنبي صلى الله عليه وسلم
الوجه السادس والثلاثون قوله عليه السلام فأتينا السماء
الثانية إلى قوله فأتيت عيسى ويحيى فسلمت فقالا مرحباً بك
من أخ ونبي الكلام على الصعود إلى السماء الثانية
واستفتاحها وقول الملائكة مرحباً كالكلام على السماء
الأولى وقد مر وبقي الكلام هنا في قول عيسى ويحيى له
مرحباً بك من أخ ونبي وإنما قالا له ذلك لأن الأنبياء
عليهم السلام كالإخوة كما أخبر عليه السلام حيث قال لا
تفضلوا الأنبياء بعضهم على بعض نحن جميع الأنبياء أولاد
علات ۳ وأولاد علات في لغة العرب أن يكون الأب واحداً
والأمهات مختلفة فنسبة الأب هنا - أعني بين الأنبياء عليهم
السلام - هو اجتماعهم في درجة النبوة ونسبة الأمهات بينهم
هو
اختلافهم في رفع المنازل واختلاف الشرائع
۱ يعني
انسه اشد
سورة النساء من الآية ۱۱
۳ رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ لا تفضلوا
بين أنبياء الله الخ وفي رواية أخرى لهما بلفظ أنا أولى
الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والاخرة ليس بيني وبينه
نبي والأنبياء أولاد علات أمهاتهم شتى
ودينهم واحد
٩٧٤
الوجه السابع والثلاثون قوله عليه السلام فأتينا السماء
الثالثة إلى قوله فأتيت على السماء السادسة الكلام على ذلك
كله كالكلام على السماء الأولى والثانية
وبقي هنا بحث في قوله عليه السلام على السماء معناه إلى
السماء السادسة لأنه معلوم أنهم كانوا صاعدين إليها ولا
تكون على هنا على بابها إلا أن لو كانا نازلين من السماء
السابعة فلما أن كانا صاعدين كانت على بمعنى إلى بالضرورة
وهو سائغ في السنة العرب و مستعمل عندهم كثيراً فعلى هذا
فيكون معنى قوله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ
اسْتَوَى ۱ وقوله تعالى ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ
٢ أي أتى العرش فاستوى إلى العرش فيكون مثل قوله تعالى
ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانُ ﴾ ۳ أي
عمد إلى خلقها وكذلك هنا أي عمد إلى خلق العرش والذي عمد
لذلك هو أمره عزّ وجلّ - كما تقدم في الحديث قبل هذا - أن
أمره عزّ وجلّ هناك بمقتضى حكمته وإرادته فبطل بهذا احتجاج
أهل البدع والعناد إذ إن ما قررناه سائغ في السنة العرب
وهو في كلامهم كثير والقرآن بلغتهم نزل
وإنما ضل من ضل بسبب أنه يأخذ ألفاظ القرآن والحديث
فيتأولها بحسب لغته وفهمه فيضل بالضرورة وإنما ينظر في
القرآن بمقتضى لغة العرب التي بها نزل ولأجل هذا لم يستشكل
أحد قط من الصحابة شيئاً من ألفاظ القرآن ولا الحديث ولا
وقع لهم كلام فيما وقع لمن بعدهم لمعرفتهم بمعناه ومقتضاه
فلا يحتاجون فيه إلى بيان ولا إلى سؤال فلما أن انتقلوا
إلى رحمة ربهم طاهرين قلت معرفة لغتهم عند بعض الناس فلم
يتكلموا بها فدخل الخلل عند ذاك الإشكال على بعضهم وتوهموا
الفساد لعدم المعرفة باللغة العربية فمن تأوَّل القرآن
والحديث بمقتضى لغتهم انتفت عنه تلك التوهمات ورجع القرآن
والحديث عنده كالشيء الواحد بعضه يبين بعضاً وقوله عليه
السلام فأتيت موسى فسلمت عليه فقال مرحباً بك من أخ ونبي
الكلام عليه
كالكلام على الأنبياء قبله وقد مرّ
الوجه الثامن والثلاثون قوله عليه السلام فلما جاوزت موسى
بكى فقيل ما أبكاك قال يا رب هذا الغلام الذي بعث بعدي
يدخل الجنة من أمته أفضل مِمَّا يدخل من أمتي يرد على هذا
الفصل ثلاثة أسئلة الأول أنه يقال لِمَ كان بكاء موسى عليه
السلام الثاني من هو الذي قال
۱ سورة طه من الآية ٥
سورة الأعراف من الآية ٥٤ يونس من الآية الرعد من الآية
الفرقان من الآية ٥٩ السجدة من الاية ٤ الحديد من الآية ٤
۳ سورة فصلت من الاية ۱۱
۹۷۵
له ما أبكاك هل الملائكة أو الخالق عزّ وجلّ الثالث لِمَ
قال موسى عليه السلام هذا الغلام ولم يقل غير ذلك من
الصَّيَخ
والجواب عن الأول أن الأنبياء عليهم السلام قد جعل الله
تعالى في قلوبهم الرحمة والرأفة لأممهم وركّبهم على ذلك
وقد بكى النبي الله فسئل عن بكائه فقال هذه رحمة جعلها
الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ۱
والأنبياء عليهم السلام قد أخذوا من رحمة الله عزّ وجلّ
أوفر نصيب فكانت الرحمة في قلوبهم لعباد الله أكثر من
غيرهم فلأجل ما كان لموسى عليه السلام من الرحمة واللطف
بكى إذ ذاك رحمة منه لأمته لأن هذا وقت إفضال وجود وكرم
فرجا لعل أن يكون وقت القبول والإفضال فيرحم الله تعالى
أمته ببركة هذه الساعة فإن قال قائل كيف يكون هذا وأمته لا
تخلو من قسمين قسم مات على الإيمان وقسم مات على الكفر
فالذي مات على الإيمان لا بد له من دخول الجنة والذي مات
على الكفر لا يدخل الجنة أبداً فبكاؤه لأجل ما ذكرتم لا
يسوغ إذ إن الحكم فيهم قد مر ونفذ
قيل له وذلك أن الله عزّ وجلّ قدَرُه على قسمين بما شاء
فقدَر قدره وقدَّر أن ينفذ على كل حال من الأحوال وقدَر
قدّره وقدّر ألا ينفذ ويكون دفعه بسبب دعاء أو صدقة أو غير
ذلك ومثال ذلك دعاء النبي الله بالثلاث دعوات لأمته وهي
ألا يُظهِر عليهم عدواً من غيرهم وألا صلى الله عليه وسلم
يُهلكهم بالسنين فأعطيهما ودعا ألا يجعل بأسهم بينهم
فمنعها فاستجيب له عليه السلام في الاثنتين ولم يستجب له
في الثالثة ٢ وقيل له هذا أمر قد قدَّرتُه أي أنفذته فكانت
الاثنتان من القدر الذي قدره الله عزّ وجلّ وقدر ألا ينفذ
بسبب الدعاء وكانت الدعوة الثالثة من القدر الذي قدره عزّ
وجلّ وقدّر إنفاذه على كل الأحوال لا يرده راد وسيأتي لهذا
زيادة إيضاح في الكلام على اخر الحديث في فرض الصلاة خمسين
فلأجل ما ركب موسى عليه السلام من اللطف والرحمة بالأمة
طمع لعل أن يكون ما اتفق لأمته من القدر الذي قدره الله
عزّ وجلّ وقدر ألا ينفذ بسبب الدعاء والتضرع إليه وهذا وقت
۱ رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أسامة بن زيد رضي
الله عنه ولفظه أمرني رسول الله فأتيته بابنة زينب ونفسها
تقعقع كأنها في شنّ فقال رسول الله الله لله ما أخذ وله ما
أبقى وكلُّ إلى أجل قال فدمعت عيناه فقال له سعد بن عبادة
يا رسول الله أترق أولم تَنهَ عن البكاء فقال رسول الله
إنما هي رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من
عباده الرحماء هذا معنى لحديث رواه الإمام أحمد والطبراني
عن أبي بصرة الغفاري أن النبي الله قال سألت ربي فأعطاني
ثلاثاً ومنعني واحدة سألته الا يجمع أمتي على ضلالة
فأعطانيها وسألته ألا يُهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم
قبلهم فأعطانيها وسألته الا يُظهر عليهم عدوا من غيرهم
فأعطانيها وسألته ألا يُلْبِسَهم شِيَعاً ولا يُذيقَ
بعضُهم بأس بعض فمنعنيها
أربعاً
٩٧٦
يرجى فيه التعطف والإحسان من الله تعالى لأنه وقت أسري فيه
بالحبيب ليخلع عليه خلع القرب والفضل العميم فطمع الكليم
لعل أن يلحق لأمته نصيب من ذلك الخير العظيم وقد قال عليه
السلام إن الله نفحات فتعرضوا لنفحات الله ۱ وهذه نفحة من
النفحات فتعرض لها موسى عليه السلام فكان أمر قد قدر
والأسباب لا تؤثر إلا بما سبقت القدرة بأنها فيه تؤثر وما
كان من قضاء
نافذ لا ترده الأسباب فإنه حتم قد لزم كما تقدم في الدعوة
الثالثة من دعوات النبي لأمته ومثل هذا ما حكى الله عزّ
وجلّ في كتابه عن عيسى عليه السلام حيث يقول يوم القيامة
إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ
لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وعيسى عليه
السلام عالم بكفرهم إذ إنهم جعلوا الله ولداً وجعلوا الله
صاحبة وعالم بأن الكفار لا مدخل لهم في المغفرة لكن قال
ذلك رجاء لعل أن يكون ذلك من القدر الذي قدره الله تعالى
وقدر ألا ينفذ فكان من القدر الذي قدره الله تعالى
وقَدَّرَ إنفاذه على كل حال فقال عزّ وجلّ عند ذلك و هَذَا
يَوْمُ يَنفَعُ الصَّدِقِينَ صِدْقُهُمْ أي الأمر كذلك لكن
سبقت إرادتي وحكمتي ونفذ قضائي بأني لا أرحم اليوم إلا
الصادقين دون غيرهم فكان بكاء موسى عليه السلام من هذا
القبيل
ولوجه آخر أيضاً وهو البشارة للنبي الله وإدخال السرور
عليه يشهد لذلك بكاؤه حين ولى عنه وقبل أن يبعد منه لكي
يسمعه لأنه لو كان البكاء خاصاً بموسى عليه السلام على
الوجه المتقدم لم يكن ليبكي حتى يبعد عنه النبي الله فلا
يسمع يبعد عنه النبي هلال الهلال فلا يسمع لأن بكاءه
والنبي صلى الله عليه وسلم يسمعه فيه شيء ما من التشويش
عليه فلما أن كان المراد ما يصدر من البشارة له عليه
السلام بسبب البكاء بكي والنبي منه بحيث يسمعه والبشارة
التي يتضمنها البكاء هي قول موسى عليه السلام الذي هو أكثر
الأنبياء أتباعاً أن الذين يدخلون الجنة من أمة محمّد عليه
السلام أكثر مما يدخلها من أمة موسى عليه السلام
فإن قال قائل لو كان بكاؤه عليه السلام لأجل هذا المعنى
لصدر منه حين قدوم النبي عليه قيل له إنما لم يبك إذ ذاك
لأن البكاء سبب للنفور والوحشة والقادم السنّةُ فيه أن
يُبَس إليه ويُكرم فعمل أولاً سنَّةَ القدوم فلما أن انفصل
مجلس البشاشة أعقبه ببكاء البشارة
۱ روى الحكيم الترمذي في النوادر والطبراني في الأوسط عن
محمد بن مسلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن
لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها لعل أحدكم يصيبه
منها نفحة فلا يشقى بعدها أبداً
سورة المائدة الآية ۱۱۸ ۳ سورة المائدة من الآية ۱۱۹
۹۷۷
والجواب عن السؤال الثاني وهو هل المتكلم لموسى عليه
السلام المخلوق أو الخالق الظاهر أن ذلك من الله تعالى يدل
على ذلك قوله في الجواب يارب والجواب عن الثالث أن العرب
إنما تطلق على المرء غلاماً إذا كان سيداً فيهم فلأجل ما
في هذا اللفظ من الاختصاص على غيره من الألفاظ بالأفضلية
ذكره موسى عليه السلام ولم يذكر غيره تعظيماً للنبي الله
له ولو ولو أن الغلام عند العرب هو الصغير السن وهو عليه
السلام في عمره سيما في ذلك الوقت بالنسبة إلى أعمار من
تقدمه من الرسل صلوات الله عليهم أجمعين صغير السن ومع ذلك
تقدم الجميع ورقي عليهم لما خصه الله به من الرفعة
والتعظيم وما أمده في الباطن و غذاه به من روح قدسه فلاجل
ذلك سماه موسى عليه السلام بهذا الاسم دون غيره والله
أعلم
الوجه التاسع والثلاثون قوله عليه السلام فأتينا السماء
السابعة إلى قوله مرحباً بك من ابن ونبي الكلام عليه
كالكلام على ادم عليه السلام
وبقي هنا سؤال وهو أن يُقال لم كان هؤلاء الأنبياء عليهم
السلام في السماوات دون غيرهم من الأنبياء عليهم السلام
ولم كان كل واحد منهم في سماء تخصه دون غيره ولم كان في
السماء الثانية نبيّان وفي غيرهما واحد
والجواب عنه أنه لا يخلو أن يكون ذلك من الله تعبّداً أو
لمعنى ظاهر ومعنى تعبد أنه لا يفهم البشر له حكمة وأما
الفعل في نفسه فهو لحكمة لا بدَّ منها فيه والله عزّ وجلَّ
يعلمها ومن شاء أطلعه عليها وإن كان ذلك لمعنى ظاهر وهي
الحكمة المفهومة من ذلك الترتيب فما هي فنقول وجه الحكمة
فيه - والله أعلم - أنه إنما كان آدم عليه السلام في
السماء الدنيا لأنه أول الأنبياء وأول الآباء وهو الأصل
ومنه تفرع من بَعدَه من الأنبياء وغيرهم فكان أولاً في
سماء الدنيا لأجل هذا المعنى ولأجل تأنيس النبوة بالأبوة
كما ذكرنا في الغربة 1
وأما عيسى عليه السلام فإنما كان في السماء الثانية لأنه
أقرب الأنبياء إلى النبي لله ولا اتحت شريعة عيسى عليه
السلام إلا بشريعة محمّد عليه السلام ولأنه ينزل في آخر
الزمان لأمة النبي بشريعته ويحكم بها ولهذا قال عليه
السلام أنا أولى الناس بعيسى فكان في السماء
1 يشير المؤلف إلى ما جاء في الوجه الخامس والثلاثين من
أنس الأبوة بالنبوة ويقصد أنسَ ادم عليه السلام بالنبي وقد
تكون إشارة المؤلف تمهيدا لما سيورده بعد قليل من أنس
النبي الا الله بأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام
حيث التقيا في السماء السابعة تقدم تخريجه قبل قليل
۹۷۸
الثانية لأجل هذا المعنى وإنما كان يحيى عليه السلام معه
هناك لأنه ابن خالته وهما كالشيء الواحد فلأجل التزام
أحدهما بالآخر كانا هناك معاً
وإنما كان يوسف عليه السلام في السماء الثالثة لأنَّ على
حسنه تدخل أمة النبي الا الله الجنة ۱ فأُرِي له هناك لكي
يكون ذلك بشارة له عليه السلام فيُسَر بذلك وإنما كان
إدريس عليه السلام في السماء الرابعة لأنه هناك توفي ولم
تكن له تربة في الأرض على ما ذكر ٢
وإنما كان هارون عليه السلام في السماء الخامسة لأنه ملازم
لموسى عليه السلام لأجل أنه أخوه وخليفته في قومه فكان
هناك لأجل هذا المعنى وإنما لم يكن مع موسى عليه السلام في
السماء السادسة لأن لموسى مزية وحرمة وهو كونه الكليم
واختص بأشياء لم تكن لهارون عليه السلام فلأجل هذا المعنى
لم يكن معه في السماء السادسة ولأجل المعنى الأول كان في
السماء الخامسة ولم يكن فيما دونها أو في الأرض
وإنما كان موسى عليه السلام في السماء السادسة لأجل ما
اختص به من الفضائل ولأنه الكليم وهو أكثر الأنبياء
أتباعاً بعد النبي لا ل ا ل فكان فوق من ذكر لأجل ما اختص
به من الفضائل وإنما كان إبراهيم عليه السلام في السماء
السابعة لأنه الخليل والأب الأخير ولأن النبي يصعد من هناك
إلى عالم آخر غير ما هو فيه الآن وهو اختراق الحجب فيحتاج
إذ ذاك أن يتجدد له أنس أيضاً لأن الغربة زادت إذ ذاك فكان
إبراهيم عليه السلام هناك لأجل ما يجد النبي صلى الله عليه
وسلم من الأنس به وذلك لثلاثة معان لكونه الأب الأخير
ولكونه أباً من طرفين بالنسب في الأبوة وبالاتباع في الملة
كما قال تعالى مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمُ ۳ ولأنه
الخليل كما تقدم ولا إلى أحد أفضل من الخليل إلا الحبيب
والحبيبها هو ذا قد علا ذلك المقام فكان الخليل فوق الكل
لأجل خلته وفضله وارتفع الحبيب فوق الكل لأجل ما اختص به
مما زاد به عليهم
يدل على ما قررناه الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى
تِلكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ
مِنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ
دَرَجَةٍ ٤ وأما السنة فقوله عليه السلام أنا سيّدُ ولدِ
آدمَ
۱ كأن المعنى تدخل أمة النبي الجنة قبل أمة يوسف عليه
السلام
رفع إدريس عليه السلام وهو حي كعيسى عليه السلام وهو في
قلب السماوات له شأنه العظيم بين الأنبياء ويفيض الشيخ
الأكبر ابن عربي في سرّ موضعه من السماوات
۳ سورة الحج من الآية ۷۸ ٤ سورة البقرة من الآية ٢٥٣
۹۷۹
يوم القيامة ولا فخر ۱ وقوله عليه السلام آدم ومن دونه تحت
لوائي فحصل لهم الكمال والدرجة الرفيعة وهي درجة الرسالة
والنبوة وَرُفِعُوا بعضُهم فوق بعض درجات بمقتضى الحكمة
ترفيعاً للمرفوع دون تنقيص بالمتروك الله عزّ وجلّ أعلم
الوجه الأربعون رؤيته عليه السلام لهؤلاء الأنبياء عليهم
السلام احتملت وجوهاً الأول أن يكون عليه السلام عاين كلَّ
واحد منهم في قبره في الأرض على الصورة التي أخبر بها من
الموضع الذي ذكر أنه عاينه فيه فيكون الله عزّ وجلّ قد
أعطاه من القوة في البصر والبصيرة بما أدرك ذلك يشهد لهذا
الوجه قوله عليه السلام رأيت الجنة والنار في عُرْضِ هذا
الحائط وهو محتمل لوجهين أحدهما أن يكون عليه السلام راهما
في ذلك الموضع كما يقال رأيت الهلال في منزلي من الطاق
والمراد من موضع الطاق الوجه الثاني أن يكون مثل له
صورتهما في عُرْض الحائط والقدرة صالحة لكليهما
الثاني أن يكون عليه السلام عاين أرواحهم هناك في صورتهم
الثالث أن يكون الله عزّ وجلّ لما أن أراد إسراء نبيه عليه
السلام رفعهم في قبورهم لتلك المواضع إكراماً لنبيه عليه
السلام وتعظيماً حتى يحصل له من قبلهم ما أشرنا إليه من
الأنس والبشارة وغير ذلك مما لم نشر إليه ولا نعلمه نحن
وإظهاراً له عليه السلام للقدرة التي لا يغلبها شيء ولا
تعجز عن شيء وكل هذه الوجوه محتملة ولا ترجيح لأحدها على
الآخر إذ إن القدرة صالحة لكل منها ولكلها معاً
الوجه الحادي والأربعون فيه دليل لأهل الصوفة حيث يقولون
بأن الأعلى يكاشف من دونه في المقامات ولا يكاشفونه في
مقامه الخاص لأن النبي لما أن كان أعلى الأنبياء عليهم
السلام مقاماً اطلع على مقاماتهم حين صعوده ولم يطلع أحد
منهم على مقامه الخاص
الوجه الثاني والأربعون قوله عليه السلام فرفع إليَّ البيت
المعمور معناه أنه أري له وقد يحتمل أن يكون المراد الرفع
والرؤية معاً لأنه قد يكون بينه وبين البيت عوالم حتى لا
يقدر على إدراكه فرفع إليه وأُمِدَّ في بصره وبصيرته حتى
رآه وقد يحتمل أن تكون تلك العوالم التي كانت بينه وبينه
أزيلت حتى أدركه ببصره وقد يحتمل أن يكون بقي العالم على
حاله والبيت على حاله
۱ رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد رضي
الله عنه وتتمة الحديث وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من
نبي يومئذ ادم فمن سواه إلا تحت لوائي وأنا أول شافع وأول
مشفع ولا فخر رواه البخاري في الفتن بلفظ والذي نفسي بيده
لقد عرضت عليّ الجنة والنار انفاً في عرض هذا الحائط وأنا
أصلي فلم أر كاليوم في الخير والشر
۹۸۰
وأُمِدَّ في بصره وبصيرته حتى أدركه وعاينه والقدرة صالحة
للكل يشهد لذلك قوله عليه السلام
رفع إلي بيت المقدس على ما سيأتي والتأويل فيه كالتأويل في
البيت المعمور
الوجه الثالث والأربعون قوله عليه السلام فسألت جبريل فيه
دليل على أن أهل الفضل وإن تناهوا في السؤدد والرفعة إذا
رأوا شيئاً لا علم لهم به أن يسألوا عنه من يعلم ذلك وليس
ذلك مما يخل بمنصبهم لأن النبي الله في الفضل والسؤدد حيث
قد علم وفي هذا الحال قد كان تناهى ارتقاؤه حيث أخبر لكن
لما أن رأى شيئاً لا علم له به ووجد من سأل عنه سأله
الوجه الرابع والأربعون قوله هذا البيت المعمور يصلي فيه
كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا آخر ما عليهم
فيه دليل على عظيم قدرة الله تعالى وأنه لا يعجزها شيء لأن
هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم هذا العدد العظيم منذ
خلق الله تعالى الخلق إلى الأبد ثم طائفة هذا اليوم لا
ترجع إليه أبداً ومع أنه قد روي أنه ليس في السماوات ولا
في الأرض موضع شبر - وقيل قدر أربعة أصابع - إلا ومَلَكٌ
واضع جبهته هناك ساجد ۱ ثم البحار ما من قطرة إلا وبها ملك
موكل بها فإذا كانت السماوات والأرض والبحار هكذا فهؤلاء
الملائكة الذين يدخلون أين يذهبون هذا من عظيم القدرة التي
لا يشبهها شيء ولا تتوقف عن شيء
الوجه الخامس والأربعون فيه دليل على أن الملائكة أكثر
المخلوقات لأنه إذا كان سبعون ألف ملك كل يوم يصلّون في
البيت - على ما تقدم ذكره - لم لا يعودون آخر ما عليهم مع
أن الملائكة في السماوات والأرض والبحار - على ما تقدم
ذكره - فهم على هذا الظاهر أكثر المخلوقات وقد روي أن الله
مَلَكاً له خَلْق عظيم يطول وصفه يَعْتَسِل كل يوم ثم
ينتفض في ريشه فكل قطرة تقطر منه يخلق الله عزّ وجلّ منها
مَلَكاً وقد روي أن ثَمّ ملائكة يسبحون الله عزّ وجلّ
فيخلق الله تعالى بكل تسبيحة مَلَكاً هذا عدا الملائكة
التي خُلِقت للتعبّد وعدا الملائكة الموكلين بالنبات
والأرزاق والحَفَظة وقد روي أن ما لله تعالى من المخلوقات
من حيوانات وغيرها - عدا بني آدم الذين لهم الحفظة - إلا
ومعه مَلَكان أحدهما يهديه إلى رزقه والآخر إلى مصالحه
فكانوا أكثر المخلوقات بمقتضى هذه الظواهر
۱ رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وصححه الحاكم عن
أبي ذر رضي الله عنه بلفظ إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا
تسمعون أطّت السماء وحق لها أن تنط ما فيها موضع أربع
أصابع إلا ومَلَك واضع جبهته الله تعالى ساجداً والله لو
تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا وما تلذذتم
بالنساء على الفراش ولخرجتم إلى الصَّعدات تجأرون إلى الله
عزّ وجلّ
۹۸۱
الوجه السادس والأربعون فيه دليل على أن الصلاة أفضل
العبادات إذ إنها اشترك فيها أهل العالمين العلوي والسفلي
أعني أنهم مأمورون بجنسها
الوجه السابع والأربعون فيه دليل على استغناء الله تعالى
عن خلقه وأنه لا تنفعه طاعة الطائع ولا تضره مخالفة
المخالف لأنه عزّ وجلّ خلق هذا الخلق العظيم ووكل بعضهم
بحفظ منافع بعض ووكل بعضهم بفعل أشياء وإتقانها والكل ليس
بيدهم في ذلك شيء ولا لهم على ما يفعلون قدرة بل قدرة الله
عزّ وجلّ هي الحافظة لكل ذلك والمصلحة له وإنما ذلك من
الله تعبد يتعبد به مِن خلقه مَن شاء كيف شاء بما شاء
ثم إنه عزّ وجلّ خلق الخلق وقسمهم على أقسام فقوم خلقهم
للسعادة لا غير واختصهم بعبادته وجعل العبادة لهم قوتاً
وعيشاً ويسرها عليهم وأجراها لهم كمِثل النَّفَسِ لبني آدم
وهم الملائكة وقوم خلقهم للشقاوة والطرد والبعد وجعلهم
أهلاً للشر وأسبابه وهم الشياطين وقوم خلقهم وأدارهم بين
هذين القسمين شقي وسعيد وجعل لهم الثواب على الطاعات
والعقاب على المخالفات وهم بنو آدم والجن ثم قسم بني ادم
والجن على أقسام فمنهم القسمان المتقدمان وخلق منهم فيتوب
عليهم لقوله عليه السلام لو لم تذنبوا لأتى الله بقوم
يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم ۱ وخلق منهم قوماً يعصون فلا
يغفر لهم ولا حيلة لهم في السعادة بعدها للمقدور الذي سبق
عليهم وخلق منهم قوماً فيهم نصيب للعذاب ونصيب للرحمة
طائفة يعصون
فلو كان عزّ وجلّ تنفعه طاعة الطائع لخلق الكلّ للطاعة ولو
كانت تضره معصية العاصي لم يكن ليعفو عمن عصاه والعاقبه
على كل حال ولأجل هذه المعاني التي أشرنا إلى شيء منها قال
عليه السلام تفكر ساعة خير من عبادة سنة ۳ وفي رواية خير
من عبادة الدهر لأنه إذا تفكر المرء في شيء من هذه القدرة
العظمى والحكمة الكبرى بان له الحق واتضح فأذعن عند ذلك
الله وسلم له في مقدوره وازداد بذلك محبة في التعبد لمن له
هذا الملك العظيم إذ بالعبادة يتقرب إليه فأنس عند ذلك بها
واستوحش من ضدها وأنس بالخلوة عن الخلق لأجل فراغه للتعبد
والنظر فيما أشرنا إليه واستوحش عند المخالطة لذهاب ذلك
الوصف عنه
ولهذا المعنى لما أن دخل بعضهم على بعض الفضلاء من أهل
الصوفة وجده وحده فسأله
۱ رواه الإمام أحمد ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ
والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء
بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم تقدم تخريجه في الحديث ۱
۹۸
وحدك قال رضي الله عنه الآن أنا وحدي يعني ا كان في خلوته
مشتغلاً بشيء مما أشرنا إليه إما من تعبد أو فكرة فأنس ذلك
مع ربه ثم لما أن جاءه ذهب ذلك عنه وهو يجد بذلك الوحشة
فكان وحده لأجل هذا المعنى
ولهذا المعنى قال بعض الفضلاء أوصيك بأن تديم النظر في
مرآة الفكرة مع الخلوة فهناك
يبين لك الحق
والتفكر في معاني هذا الحديث يزيد في الإيمان أضعاف أضعافه
إذا رزق صاحبه التوفيق وإنما تكلمنا على هذا المعنى إشارة
ليتنبه الطالب والمريد لما عدا تلك المعاني التي أشرنا
إليها لعلها تكون له سلماً وسبباً إلى الارتقاء والفهم
فيما عداها الوجه الثامن والأربعون قوله عليه السلام ورفعت
إليَّ سدرة المنتهى الكلام عليه كالكلام على قوله ورفع
إليَّ البيت المعمور وقد مر وإنما سميت بهذا الاسم لأن
إليها تنتهي هناك ينزل الأمر وتتلقى الأحكام وعندها تقف
الحفظة وغيرهم ولا يتعدونها فكانت
ومن
الأعمال
منتهى لأن إليها ينتهي ما يصعد من السفل وما ينزل من
العالم العلوي من أمر العلي القدير الوجه التاسع والأربعون
قوله عليه السلام فإذا نَبْقُها كأنه قِلال هَجَر وورقها
كأنه آذان الفيلة النَّبق هو الثمرة التي تثمرها هذه
الشجرة وقدرها قدر قُلَّة هَجَر وقُلَّة هَجَر أكبر أواني
أهل الأرض من جنسها على ما كان أهل الحجاز يعهدون وإنما
شبه عليه السلام نَبْقها بالقِلال وورقها بآذان الفيلة
لأنه ليس في الدنيا ما يُشبِهُهُما من جنسها فأشار إلى ذلك
ليُعلم قدرُها وأما
حسنها فلا يتوصل إليه إلا من أطلعه الله عزّ وجلّ عليها أو
يراها في الآخرة إن شاء الله تعالى الوجه الخمسون قوله
عليه السلام في أصلها أربعة أنهار نهران باطنان ونهران
ظاهران هذا اللفظ يحتمل أن يكون على الحقيقة ويحتمل أن
يكون من باب تسمية الشيء بما قاربه فإن كان على الحقيقة
فتكون هذه الأنهار تنبع من أصل الشجرة نفسها فتكون الشجرة
حلوة الثمر وأصلها ينبع منه الماء والقدرة لا تعجز عن هذا
ولا عن شيء ممكن مهما كان وإن كان من باب تسمية الشيء بما
قاربه فتكون الأنهار تنبع قريباً من أصل الشجرة
ثم بقي احتمال هل الشجرة مغروسة في شيء أم لا محتمل
للوجهين معاً لأن القدرة صالحة لكليهما فكما جعل عزّ وجلّ
هنا الأرض للشجرة مقراً كذلك يجعل الهواء لتلك مقراً وكما
رجع النبي الا الله و يمشي في الهواء كما كان يمشي في
الأرض وكما كان جبريل عليه السلام جالساً على كرسي بين
السماء والأرض - والقدرة لا تعجز عن هذا كله ولا عن أمثاله
وأمثال أمثاله إلى ما لا نهاية له - ولأن بالقدرة استقرت
الأرض وتمهدت مع أنها على الماء لأن الأرض
۹۸۳
بما فيها على الماء ـ على ما جاءت به الأخبار - فإمساكها
بمن يمشي عليها أعظم في القدرة من إمساكها وحدها ومن إمساك
المخلوقات دونها وإنما يتعاظم هذا لكون الله عزّ وجلّ أجرى
العادة بالمشي على الأرض والاستقرار عليها ولم يُجرِ ذلك
في الهواء والقدرة ليست مرتبطة بالعادة الجارية ولو شاء
عزّ وجلّ أن يجعل الأمر بالعكس لفعل ولو فعل ذلك لعظم
أيضاً في أعين الناظرين من يمشي على الأرض لأجل العادة
الجارية وقد روي أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود فهي
تجري في مواضع معلومة لا تتعداها من غير شيء يمسكها ولا
يردّها فمن كانت هذه قدرته فكيف يقع الإنكار أن تكون شجرة
في الهواء مع عظيم هذه القدرة ويحتمل أن تكون الشجرة
مغروسة بأرض - وهو الأظهر - بدليل قوله ونهران باطنان ولا
يطلق هذا اللفظ وما أشبهه إلا على ما يفهم والباطن لا بدَّ
له أن يكون سريانه تحت شيء يستره وحينئذ يطلق عليه اسم
الباطن ثم بقي الاحتمال في الأرض إذا قلنا بها هل هي من
تراب الجنة أو هي تورية أو غير ذلك محتمل لكل ذلك
الوجه الحادي والخمسون قوله عليه السلام فسألت جبريل
الكلام عليه كالكلام على سؤاله عليه السلام قبل ذلك
الوجه الثاني والخمسون قوله عليه السلام وأما الباطنان ففي
الجنة وأما الظاهران فالفرات والنيل فيه دليل على أن
الفرات والنيل ليسا من الجنة لأنه عليه السلام أخبر أن
جبريل عليه السلام أخبره أن هذه الأنهار منبعها من سدرة
المنتهى فيروح الباطنان إلى الجنة والفرات والنيل ينزلان
إلى الدنيا وسدرة المنتهى ليست في الجنة حتى يقال إنهما
يخرجان منها بعد نبعهما من الشجرة وهذا معارض لقوله عليه
السلام أربعة أنهار في الأرض من الجنة فذكر الفرات والنيل
وزاد سيحون وجيحون ۱
والجمع بينهما - والله أعلم - أنه قد يكون الفرات والنيل
منبعهما من سدرة المنتهى وإذا نزلا إلى الدنيا يسلكان
أولاً على الجنة فيدخلانها ثم بعد ذلك ينزلان إلى الأرض
وفي المسألة خلاف
ذكره العلماء
وهذا أدل دليل على أن الأشياء لا تؤثر بذواتها وإنما
القدرة هي المؤثرة في كلها إذ إن الأخبار قد وردت بأن من
شرب من ماء الجنة لا يموت ولا يفنى وأنه ليس له فضلة تخرج
على ما
۱ رواه الشيرازي في الألقاب كما في الفتح الكبير عن أبي
هريرة رضي الله عنه وبمعناه في مسند الإمام أحمد وصحيح
مسلم بلفظ سيحان و جيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة
انظر النهاية في الفتن والملاحم ٢٩٧/٢ لابن كثير
٩٨٤
يعهد في دار الدنيا وإنما خروجه رشحان مسك على البدن فجعلت
فيه هذه الخاصية العظمى ثم لما أن شاء الله عزّ وجلّ
بنزوله إلى هذه الدار نزعت منه تلك الخصوصية وأُبْقِيَ
جوهره بحاله وكل الخواص مثله في هذا المعنى إن شاء الله
عزّ وجلّ أبقى لها الخاصية وإن شاء سلبها مع بقاء
جوهرها ليس لذوات الخواص تأثير بل الخاصية خَلَقها والجوهر
خلقه بدليل ما نحن بسبيله الوجه الثالث والخمسون فيه دليل
على أن الباطن أجلّ من الظاهر لأنه لما أن كان الباطنان
أجلَّ جُعِلا في دار البقاء ولما أن كان الظاهران أقلَّ
أُخرجا إلى هذه الدار ولهذا قال عليه السلام إن الله لا
ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم ۱ وإن كانا معاً
مقصودين لكن جلّ المقصود هو الباطن كما قال عليه السلام في
الحج الحج عرفة يريد أن معظم الحج عرفة ولأجل هذا فاق أهل
الصوفة غيرهم لأنهم عملوا على صلاح الباطن فصلح منهم
الباطن والظاهر وأهل
الدنيا عملوا في تعبدهم على صلاح الظاهر ولم يلتفتوا إلى
الباطن ففسد منهم الظاهر والباطن الوجه الرابع والخمسون
قوله عليه السلام ثم فرضت عليَّ خمسون صلاة يرد على هذا
الفصل بحث دقيق وهو لم فرضت الصلاة في هذا الموطن دون
واسطة وغَيرُها من الفرائض لم يكن لها ذلك ومما يندرج في
هذا البحث أيضاً أن الشارع عليه السلام حض عليها ما لم يحض
على غيرها من الفرائض وجعلها فرقاً بين الإيمان والكفر
وقال فيها موضع الصلاة من الدين موضع الرأس من الجسد ۳
وقال فيها وجعلت قرة عيني في الصلاة 4 وقال فيها أرحنا بها
یا بلال إلى غير ذلك من الأحاديث الخاصة عليها
فنقول والله المستعان إنه إن كان ذلك تعبداً فلا بحث وإن
كان لحكمة فعند ذلك يحتاج إلى البيان والأصل - كما قدمنا
غير مرة - أن كل متعبَّد به إنما هو لحكمة ومما يدل على
ذلك قوله تعالى ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُونَ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ
٦ وقوله عزّ وجلّ
۱ رواه مسلم وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ إن
الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم
وأعمالكم
قطعة
3 3 3
قطعة من حديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وقال
حسن صحيح ورواه النسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي عن عبد
الرحمن بن يعمر الديلمي ولفظه الحج عرفة من جاء قبل صلاة
الصبح من ليلة جمع فقد تم حجه أيام منى ثلاثة فمن تعجل في
يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ۳ رواه الديلمي
عن ابن عمر رضي الله عنه بلفظ كموضع بدلا من موضع الوارد
عند المؤلف رحمه الله ٤ تقدم تخريجه في الحديث ٦
٥ تقدم تخريجه في الحديثين ٤٢ و ٦٤
٦ سورة الأنعام الاية ٧٥
۹۸۵
في صفة المؤمنين وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا 1 فإذا
كانت السماوات والأرض لم تخلق إلا لحكمة فكذلك كلّ ما فيها
من المخلوقات وما كلفوا فيها من التكليفات كل شيء من ذلك
صادر عن حكمة وليس شيء منها عبثاً لكن ما جهلنا الحكمة فيه
لقلة الفهم قلنا عنه تعبداً أي تعبَّدَنا الله بذلك فعلى
هذا ففرض الصلاة هناك بغير واسطة وتحضيض الشارع عليه
السلام عليها بالأحاديث المذكورة لا بد لذلك كله من حكمة
وإذا كان ذلك لحكمة فنحتاج أن نبحث فيه ونبينه بحسب ما
ييسر الله فيه
فنقول والله المستعان أما قوله عليه السلام وجعلت قرة عيني
في الصلاة وقوله عليه
السلام أرحنا بها يا بلال فالمعنى في ذلك ظاهر من وجوه
الوجه الأول أنه عليه السلام يتذكر بها تلك المراجعات
الجليلة وهي خمسة مواطن كما ذكر في الحديث حين مراجعته
عليه السلام من أول الفرض إلى حين استقراره بين ربه عزّ
وجل وبين موسى عليه السلام
الثاني أنه في تلك الليلة المباركة - أعني ليلة المعراج -
رأى عليه السلام تعبد الملائكة في العالم العلوي فمنهم
قيام لا يلتفتون ومنهم رُكَّعٌ لا ينحرفون ومنهم سُجَّدٌ
لا يرفعون على ما نقل عنه عليه السلام في الحديث الصحيح
فإذا كان يوم القيامة قالوا بأجمعهم سُبّوح قدوس ما
عبدناكَ حقّ عبادتك فجمع الله عزّ وجلّ لنبيه عليه السلام
ولأمته جميع تلك العبادات في ركعة واحدة في أقل زمان وأقرب
فعل وهو قدر اطمئنان الأعضاء على ما نقل عنه عليه السلام
في حديث الأعرابي حيث قال له اركع حتى تطمئِنَّ راكعاً ثم
ارفع حتى تعتدل قائماً ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً
الثالث أنها فرضت أولاً مثقلة ثم خُفِّفت وأبقي الأجرُ على
ما كان عليه
الرابع أن الله عزّ وجلّ جعل فيها جملة من المراتب السنية
لنبيه عليه السلام ولأمته لأنه عزّ وجلّ يقول على لسان
نبيه عليه السلام قسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ۳
بالنظر إلى هذا النص على قسمين وهي بالنظر إلى البحث في
الحديث على خمس مراتب لأن الشارع عليه السلام أخبر أنه إذا
قال العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ يقول
الله حَمِدَني عبدي يقول العبد الرحمن الرحيم يقول الله
أثنى عليَّ عبدي يقول
فهي
۱ سورة ال عمران من الاية ۱۹۱ تقدم تخريجه في الحديث ٦٤
۳ رواه الإمام أحمد ومسلم والأربعة عن أبي هريرة رضي الله
عنه وهو حديث قدسي
٩٨٦
وَلا
العبد ملِكِ يَوْمِ الدِّينِ يقول الله مجدني عبدي يقول
العبد إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يقول الله
هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سال يقول العبد اهْدِنَا
الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ
عَلَيْهِمْ غَيْرِ الضالين ١ يقول الله هؤلاء لعبدي ولعبدي
ما سأل غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِـ فهذه خمس مراتب ثلاث
منها لجانب المولى جل جلاله وحقيقة النفع فيها للعبد إذ إن
الله عزّ وجلّ غنيّ عن عبادة الخلق إياه فهو عزّ وجلّ قد
رفع عبده في ثلاثة مقامات من المراتب السنيّة في هذه
السورة لأن لكل لفظ منها مَقاماً يخصّه وقد ذكر الله عزّ
وجلّ ذلك في كتابه حيث قال الحَمدُونَ وقال الذاكرون وقال
وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وقد جعل
الشارع عليه السلام لكل اسم وصفة مرتبة بحدتها فمن حلف
باسم أو بصفة فعليه كفارة واحدة فإن جمَع في اليمين أسماء
وصفاتٍ كانت عليه كفاراتٌ بعدد الأسماء والصفات أعني إذا
أفرد كل واحد من الأسماء والصفات
فجعل عزّ وجلّ لكل لفظة في كتابه وعلى لسان نبيه عليه
السلام مدحة ومنزلة فلما أن كانت الثلاث الأول كلها ثناء
على الله تعالى جعلها عزّ وجلّ قسماً واحداً فأضافها إلى
نفسه ولما أن كانت الآية الرابعة إقراراً له عزّ وجلّ
بالألوهية وطلباً منه للاستعانة قال هذا بيني وبين عبدي
ولما كان باقيها طلباً للعبد لا غير قال عزّ وجلّ ولعبدي
ما سأل فجعلها عزّ وجلّ أولاً على قسمين بقوله تعالى نصفها
لي ونصفها لعبدي ثم جعلها عند البيان على ثلاث مراتب خاص
به وخاص بالعبد ومشترك بينه وبين العبد
وهي بالتقسيم والنظر إلى البحث خمس كما قدمنا وهذه الخمس
أعني جنس العدد كثيراً ما يتردد في الصلاة على وجوه ومعان
مختلفة
خمس
فمنها أن أفعالها خمس وأقوالها خمس وأحوالها خمس وأسماءها
خمس ومراتبها
فأما الأفعال ففي كل ركعة قيام وركوع وسجدتان وجلوس وأما
الأقوال ففي كل ركعة تكبير وقراءة وتحميد وتعظيم ودعاء
وأما الأحوال ففي كل ركعة تَجَلّ وترفيع ومغفرة وإجابة
وقرب وتدان
۱ سورة الفاتحة الآيات ١ - ٧ سورة المعارج من الآية ٢٦
۹۸۷
وأما الأسماء فكما سماها الشارع عليه السلام ظهر و عصر و
مغرب وعشاء وصبح
وأما المراتب ففرض وسنة واستحباب ونفل وترغيب
أما الأفعال فظاهرة لا تحتاج إلى بيان
وأما الأقوال فالتكبير معلوم عند الإحرام وفي أركان الصلاة
والقراءة مثل قراءة أم القرآن وغيرها على ما ذكر في كتب
الفقه والتعظيم خاص بالركوع لقوله عليه السلام أما الركوع
فعظموا فيه الرب ۱ ونهى عن القراءة فيه والدعاء والتسبيح
مشروع في السجود لقوله عليه السلام حين أنزل عليه سَبِّح
اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فقال اجعلوها في سجودكم ۳ وقوله
عليه السلام أكثروا فيه من الدعاء فقَمِنٌ أن يُستجابَ لكم
أي حقيق يعني في السجود
وأما الأحوال فأولها التجلي وهو عند استفتاح الصلاة مرة
وفي كل ركعة مرة وأما الاستفتاح فمعلوم من الكتاب والسنة
أما الكتاب فقوله تعالى فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ
وَجْهُ اللهِ ﴾ ٤ وأما السنة فقوله عليه السلام إذا دخل
العبد في الصلاة أقبل الله عليه بوجهه فإذا التفت أعرض عنه
٥ وقوله عليه السلام إذا كان أحدكم يصلي فلا يَبصُقْ
قِبَلَ وجهه فإن الله تبارك وتعالى قبلَ وجهه إذا صلّى وفي
رواية فإنما يناجي ربه أو ربه بينه وبين القبلة ٦ ولأجل
هذا التجلي وهذه المناجاة وما
1 رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس
رضي الله عنهما بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا
وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً وساجداً فأما الركوع
فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فإنه
قمِنٌ
أن يُسْتَجابَ لكم سورة الأعلى من الاية ۱
۳ رواه أبو داود وابن ماجه عن عقبة بن عامر رضي الله عنه
وتمام الحديث لما نزلت ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ
الْعَظِيمِ قال رسول الله و اجعلوها في ركوعكم ولما نزلت
سَبْح اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال اجعلوها في
سجودكم
٤ سورة البقرة من الآية ١١٥
٥ روي ذلك في عدة أحاديث متفقة في المعنى مختلفة في اللفظ
منها ما رواه الإمام أحمد وأبو داود وصححه ابن خزيمة
والحاكم عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي له الا الله قال
لا يزال الله مقبلا على العبد في صلاته ما لم يلتفت فإذا
صرف وجهه انصرف عنه
٦ متفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه بلفظ أن رسول الله
الله ما رأى نخامة في القبلة فشق ذلك عليه حتى رئي في وجهه
فقام فقام فحكه بيده فقال إن أحدكم إذا قام في الصلاة
فإنما يناجي ربه فإن ربه بينه وبين القبلة فلا يبزقن أحدكم
قبل قبلته ولكن عن يساره أو تحت قدمه ثم أخذ طرف ردائه
فبصق فيه ثم ردّ بعضه على بعض فقال أو يفعل هكذا
۹۸۸
أشرنا إليه في الصلاة من المقامات وما يأتي بعده كلام
العلماء رضوان الله عليهم بصيغ مختلفة لعله أن يحصل للمصلي
مما أشرنا إليه شيء فمنها ما قاله الغزالي رحمه الله في
القائم إلى الصلاة عند الإحرام بعد توفية تلك الشروط الخمس
۱ فيها فقال يُمثل الجنةَ عن يمينه والنار عن شماله
والصِّراطَ بين قدميه والله عزّ وجلّ قبالة وَجهِه وقال
غيره بل يُحضر جميعَ العوالم في خاطره ثم يُحضر نفسه أنه
بين يدي خالقها والأقاويل في هذا المعنى متعددة والموطن
الثاني من التجلي الذي هو في كل ركعة هي القراءة لمن قرأ
بصدق وإخلاص
لأنها تجلُّ بالصفة الجليلة والصفة لا تفارق الموصوف
وأما الترفيع ففي كل ركعة مواطن منها الركوع إذا قصد به
الخضوع الله تعالى كما شرع له لأن في ضمن ذلك الترفيع
لقوله عليه السلام من تواضع لله رفعه الله ومنها السجود
لقوله عليه السلام أقرَبُ ما يكون العبد من الله إذا كان
ساجداً وبطنه جائعاً ۳
وأما المغفرة ففي كل ركعة موطنان الأول عند قوله آمين بعد
قوله ﴿ وَلَا الضالين لقوله عليه السلام في ذلك إذا قال
أحدكم آمين وقالت الملائكة في السماء امين فوافقت إحداهما
الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه ٤ والموطن الثاني من
المغفرة قوله ربَّنا ولك الحَمدُ بعد قوله سمع الله لِمَن
حَمِدَه لقوله عليه السلام فيه أيضاً مَن وافَق قوله
قَوْلَ الملائكة غفر له ما تقدَّم من ذنبه وقد مرَّ الكلام
على الموافقة ما هي هل هي في الإخلاص أو في الزمان عند ذكر
الحديث نفسه وهو قوله عليه السلام إذا قال الإمام سَمع
الله لمن حمده
فقولوا اللهم ربَّنا ولك الحمد فإنه من وافق قوله قول
الملائكة غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه ٥ وأما الإجابة ففي
كل ركعة موطنان الأول عند قوله وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾
إلى آخر السورة لقوله عزّ وجلّ ولعبدي ما سأل كما تقدم
والموطن الثاني في السجود لقوله عليه السلام أكثروا فيه من
الدعاء فقَمِنٌ أن يُستجاب لكم كما تقدم وأما القرب
والتداني ففي كل ركعة موطن واحد عند قوله إِيَّاكَ
نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ ﴿
١ كذا وهو جائز باعتبار الجمع مؤنثاً
رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة رضي الله عنه وفي
مسلم وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله ۳ رواه مسلم وأبو
داود والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه وليس فيه عبارة
وبطنه جائعاً ٤ رواه البخاري بلفظ إذا قال أحدكم امين
وقالت الملائكة في السماء امين فوافقت إحداهما الأخرى غفر
له ما
تقدم من ذنبه
٥ متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
۹۸۹
ن ﴾ لقوله عزّ وجلّ فهذه بيني وبين عبدي فسوّى عزّ وجلّ
بينه وبين عبده دون
ترفيع لذاته الجليلة وهذا هو غاية التداني والقرب من طريق
المنّ والإفضال
ولا يتوهم متوهم أن ما ذكرناه هنا معارض لما قدمناه من
قوله عليه السلام أقرب ما يكون العبد من الله إذا كان
ساجداً وبطنه جائعاً لأن بينهما فرقاً وهو أن ما أخبر به
عليه السلام مما تقدم حال أوصاف العبودية لأن العبد لا
يقدر على أكثر من هذا الحال وهو أن يجيع بطنه ويمرغ وجهه
في التراب تذللاً لمولاه وأما القرب والتداني فهو فيض
الربوبية وفيض الربوبية ليست۱
من كسب العبودية حتى يوصف العبد بها فتلك ٢
خاصة بكسب العبد فيمدح عليها ويذم وهذه خاصة بفيض الربوبية
لا مِدْحَةَ للعبد فيها ولهذا المعنى الذي أشرنا إليه -
أعني في هذه الخمس مراتب التي ذكرناها في أم القرآن وما
تضمنته من درر العلوم الثاقبة ـ قال علي رضي الله عنه لو
شئتُ أن أُوقر ۳ سبعين بعيراً من تفسير أم القرآن لفعلت
واغترافها من السورة يظهر في هذه الخمسة كنوز التي أشرنا
إليها
بيان ذلك أنه إذا قال الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
الْعَالَمِينَ يحتاج أن يُبَيِّن ٤ معنى الحمد وما يتعلق
به والاسم الجليل الذي هو الله وما يليق به من التنزيه ثم
يحتاج إلى بيان العالم وكيفيته على أنواعه وأعداده وقد قال
عليه السلام إن الله سبعة عشَرَ َألفَ عالَم السمواتُ
السبعُ
جميع
والأرضون السبعُ وما فيهن عالم واحد وقد أخبر عليه السلام
أن في هذه الأرض ألف عالَم
أربعمائة في البر وستمائة في البحر فيحتاج إلى بيان ما
أشرنا إليه كله إذ اللفظ يحوي ذلك كله
فإذا قال الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يحتاج أيضاً أن يبين هذين
الاسمين الجليلين وما يليق ﴿ بهما من الجلال وما معناهما
ثم يحتاج في ضمن هذا البيان إلى بيان جميع الأسماء والصفات
ثم يحتاج إلى بيان الحكمة في اختصاص هذا الموضع بهذين
الاسمين الجليلين دون غيرهما من الأسماء وسنذكر طرفاً من
هذه الحكمة بعد إن شاء الله تعالى
فإذا قال مثلِكِ يَوْمِ الدِّينِ يحتاج إلى بيان ذلك اليوم
وما فيه من المواطن والأهوال وكيفية ذلك العالم وما يخص
لكل عالم فيه وأين مستقره
1 أعاد على فيض ضمير المؤنث لأنه أضيف إلى الربوبية فاكتسب
منها التأنيث ٢ أي حال أوصاف العبودية في الحديث الشريف
۳ أوقر أحمل
٤ أي يفسر
۹۹۰
فإذا قال إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يحتاج
إلى بيان المعبودِ وجلاله والعبادة
وكيفيتها وصفاتها وادابها على جميع أنواعها والعابد وصفته
والاستعانة وادابها وكيفيتها فإذا قال اهْدِنَا الصِّرَاطَ
الْمُسْتَقِيمَ إلى آخر السورة يحتاج إلى بيان الهداية ما
هي والصراط المستقيم وأضداده ما هي ويبين المغضوب عليهم
والضالين وصفاتهم وما يتعلق بهذا النوع ويبين المرضي عنهم
وصفاتهم وطريقتهم
فعلى ما أبديناه من هذه الوجوه يكون ما قاله الإمام علي
رضي الله عنه أو يزيد عليه وبما أشرنا إليه يَبينُ معنى
قوله عليه السلام في التارك لأم القرآن في صلاته فهي خداج
فهي خداج فهي خداج أي غير تمام لأن من فاتته تلك المراتب
السنية التي أشرنا إليها فحقيق أن يكون
عمله غير تمام وأما المراتب فهي على مذهب مالك رحمه الله
ومن تبعه من العلماء خمس فرض وهي الخمس وسنة وهي الوتر
والعيدان والاستسقاء وكسوف الشمس وما أشبه ذلك وفضائل وهي
قيام رمضان وتحية المسجد وخسوف القمر ومختلف فيه هل هو سنة
أو مستحب وهي ركعتا الفجر ومتفق عليه أنه نافلة وهو ركعتا
الضحى والركوع قبل صلاة الظهر وبعدها وقبل العصر وبعد
المغرب وبعد العشاء ۳
ثم نرجع الآن إلى بيان كون الشارع عليه السلام جعلها فرقاً
بين الإسلام والكفر ومعنى
ذلك ظاهر من وجوه
الأول أن ذلك تنبيه للأمة على تعظيم هذا الشعار أكثر من
غيره من الشعائر لأن ما فرض في ذلك المحل الجليل 4 بغير
واسطة أفضل مما فرض في هذا المحل ٥ بالواسطة
الثاني أنها صلة بين العبد وربه لأن اسمها مشتق من الصلة
فمن كان لا يقبل هذه الصلة مع ما يعود عليه فيها من حسن
العائد ولا يعظم منها ما عظم الله عزّ وجلّ فجدير أن تجعل
حداً
1 رواه الإمام أحمد وابن ماجه وابن أبي شيبة والبيهقي عن
السيدة عائشة رضي الله عنها
٢ أي الركعتان قبل ركعتي الفرض
۳ هذا على مذهب الإمام مالك
٤ يعني سدرة المنتهى
0
يعني الدنيا
۹۹۱
بين الإسلام والكفر ۱ لأنها أول فرض فُرِض على من ادعى
الإسلام فإذا لم يُوفِ ما فرض عليه منها فيكون شبيهاً
بالارتداد عما ادعى من الاستسلام والانقياد ولهذا المعنى
قال عمر رضي الله عنه فمن ضيعها فهو لما سواها أضيع يعني
الصلاة الثالث أن فيها من الترفيع للنبي والتأنيس ما ليس
في غيرها وأمته يندرجون معه في ذلك فأما الترفيع فلكونه
عليه السلام خُص بالارتقاء لتلك المنزلة العليا لفرض
الصلاة هناك عليه السلام بغير واسطة وذلك لم يُفعل مع غيره
من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ثم ترداده
عليه السلام خمساً بين ربه عزّ وجلّ وبين موسى عليه السلام
زيادة له في الترفيع كما تقدم وأما التأنيس فلما فيها من
شَبَه الحال وهو ما ذكرناه من الأحوال الخمس
فالتجلّي في الصلاة مقابله التجلي هناك والترفيع مقابله
الترفيع هناك في العالم العلوي وخرق الحجب ورؤية الآيات
العظام والإجابة مقابلها الإجابة هناك وهي قضاء الحاجة في
الشفاعة والمغفرة مقابلها العفو هناك عن خمس وأربعين من
الفرض - وهو الخمسون - وإبقاء أجر الخمسين في الخمس والقرب
والتداني مقابله هناك قاب قوسين أو أدنى مع نفي التكييف
والتحديد ولهذا المعنى قال عليه السلام لا تفضلوني على
يونس بن متى يعني بذلك نفي التكييف والتحديد - على ما قاله
الإمام أبو المعالي ٢ - لأنه قد وجدت الفضيلة بينهما في
عالم الحس لأن النبي صلى الله عليه وسلم سُري به إلى فوق
السبع الطباق ويونس عليه السلام نزل به إلى قعر البحار وقد
قال عليه السلام أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وقال
عليه السلام ادم ومن دونه تحت لوائي وقد اختصّ عليه السلام
بالشفاعة الكبرى التي لم تكن لغيره من الأنبياء عليهم
السلام فهذه الفضيلة قد وجدت بالضرورة فلم يبق أن يكون
قوله عليه السلام لا تفضلوني على يونس بن متى إلا بالنسبة
إلى المسافة
فمحمد عليه السلام وإن سُرِيَ به لفوق السبع الطباق واخترق
الحجب ويونس عليه السلام وإن نزل به لقعر البحار فهما
بالنسبة إلى القرب من الله سبحانه على حد واحد والمراد
بقوله عزّ وجلّ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى أنه لو كان
الله عزّ وجلّ مسافة يُمشى إليه فيها لكان النبي منه بذلك
القرب إشارة منه عزّ وجلّ إلى قرب نبيه عليه السلام
وتشريفه إياه فتحصل من هذا أن ليلة الإسراء كانت خيراً
خاصاً به عليه السلام وفرض الصلاة فيها عليه
1 أي بين إسلامه وكفره و أل نائبة عن ضمير الغائب أبو
المعالي هو عبد الملك بن عبد الله الجُوَيْني وقد تقدمت
ترجمته في الحديث ۳
۹۹
وعلى أمته مشترك بينه وبين أمته وذلك مثل ما كان للخليل
عليه السلام حين ابتلي بذبح ابنه ليُظهر الله عزّ وجلّ
بذلك رفع منزلته في تحقيق الخُلَّة بالرضا والتسليم في ذلك
الأمر العظيم الذي لم يُفعل مع غيره ثم فُدي بالذبح العظيم
وجُعِلت سنة له عليه السلام ولأمة النبي صلى الله عليه
وسلم قِلَّة أَبِيكُمْ إِبْرَهِيم ۱ وقد قال النبي صلى
الله عليه وسلم أمرت بالذبح وهو لكم سنة ٢ فكان الخليل
عليه السلام في كل عيد يتجدد له أجر تلك المحنة بامتثال
هذه السنة
وجدير بمن تشبه بمقام الخُلة في امتثال هذه السنة أن يكون
مسيره عليها إلى الجنة وقد قال عليه السلام تنافسوا في
أثمانها فإنها مطاياكم إلى الجنة ۳ فخص الخليل وحده بتلك
المحنة لعظيم قدره في الخُلة واشترك هو وغيره في المنة
التي هي شَبَه بتلك المحنة فكذلك النبي الالالالا خص بهذه
الرفعة واشترك مع غيره من المؤمنين بالشبه بها من رحمة
ومثل ذلك أيضاً البيت المعمور في السماء والكعبة في الأرض
فالبيت المعمور خاص بالملائكة - وهم أهل العالم العلوي على
ما تقدم في الحديث - حيث قال يصلي فيه كل يوم سبعون ألف
ملك إذا خرجوا لم يعودوا آخِرَ ما عليهم والكعبة مشتركة
بين بني آدم والملائكة لأنه يطوف بها كل سنة عدد معلوم من
بني ادم والملائكة فما نقص من بني ادم من ذلك العدد كمله
الله عزّ وجلّ من الملائكة
ومثل ذلك أيضاً ما جاء عن الملائكة حين قال لهم عزّ وجلّ
إني جاعل في الأرض خليفة فقالت الملائكة أتجعل فيها من
يُفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدّس لكَ فغضب
الله عزّ وجلّ عليهم ثم تداركهم عزّ وجلّ بالعفو والإفضال
فألهمهم إلى الطواف بالعرش فطافوا به أسبوعاً وتابوا
واستغفروا فتاب الله عليهم وغفر لهم ثم أمرهم أن ابنوا في
الأرض بيتاً لبني آدم فيطوفون به فأتوبُ عليهم كما تُبتُ
عليكم وأغفِرُ لهم كما غفرت لكم فما من خير في العالم
العلوي ولا لسيد من السادة الخواص إلا وقد جعل الله عزّ
وجلّ
۱ سورة الحج من الاية ۷۸ للحديث روايات غير ما ذكر الشيخ
ابن أبي جمرة رضي الله عنه منها ما رواه الإمام أحمد عن
ابن عباس رضي الله عنه بلفظ وأمرت بالأضحى ولم تكتب وفي
رواية لأبي يعلى كتب علي النحر ولم يكتب عليكم وفي أخرى
للحاكم ثلاث هنّ عليّ فرائض ولكم تطوّع الأضحى والوتر
وركعتا الفجر
هذا الحديث غير معروف ولا ثابت فيما علمناه قال ابن الصلاح
كما في التلخيص ١٣٨/٤ وقد أشار ابن العربي إليه في شرح
الترمذي بقوله ليس في فضل الأضحية حديث صحيح ومنها قوله
إنها مطاياكم إلى الجنة قال الحافظ في التلخيص أخرجه صاحب
مسند الفردوس عن أبي هريرة رفعه استفر هوا ضحاياكم فإنها
مطاياكم على الصراط وإسناده ضعيف جدا
۹۹۳
شبهاً منه لهذه الأمة ليُجزِل لهم النصيب من تلك النعمة
فكان ذلك تصديقاً لقوله عزّ وجلّ ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ
الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ
۱ لأنه قد ذكر في معنى هذا الموضع أن النبي صلى الله عليه
وسلم أكثر بالدعاء لأمته لما جَبَله الله عليه من الشفقة
والرحمة لهم فأجابه عزّ وجلّ بأن قال يا محمّد وما كنتَ
بجانب الطور إذ نادينا وقد ذكر العلماء أن هذا النداء كان
من الله عزّ وجلّ قبل أن يَخلُقَ الخلق بألفي عام فقال يا
أمة محمد أرحَمُكم قبل أن تسترحموني وأغفر لكم قبل أن
تستغفروني وأعطيكم قبل أن تسألوني فما ذكرناه من النعم
المتقدمة وما أشبهها تضمن ذلك
كله هذا النداء
أوزعنا الله شكر نعمه وأتمها علينا في الدنيا والآخرة بمنه
فعلى ما قدمناه من النعم وما أشرنا إليه من تلك المراتب
السنية فيجتمع في الصلاة المفروضة في اليوم والليلة مع
ركعتي الفجر والوتر من مواطن المغفرة والإجابة والترفيع
والتجلي والقرب والتداني مائتا موطن وتسعة وأربعون موطناً
على التقسيم المتقدم فإن كانت الصلاة في جماعة زادهم خمس
مواطن من أرفع المراتب لقوله عليه السلام يضحك الله لثلاثة
وعدَّ فيهم القوم يصطفون للصلاة ۳ والضحك من الله تعالى
كناية عن ترفيع العبد وإعظام الأجر له لا من قبيل الولوع
والطرب وقد أكد عليه السلام هذا المعنى وبينه بقوله صلاة
الجماعة تفضل صلاة الفذ
بسبع وعشرين درجة 4 ثم يزداد إلى هذه المواطن من مواطن
المغفرة والرحمة في الطهارة ٤
للصلاة أربعة مواطن في كل طهر
أحدها عند إسباغ الوضوء لقوله عليه السلام إذا توضأ العبد
المؤمن فمضمض فاه خرجت الخطايا من فيه فإذا استنثر ٥ خرجت
الخطايا من أنفه فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه
1 سورة القصص من الآية ٤٦
رواه أبو نعيم في دلائل النبوة وأبو نصر السجزي في الإبانة
والديلمي عن عمرو بن عبسة قال سألت النبي الله عن قوله
تعالى وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إذْ نَادَيْنَا
وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ما كان النداء وما كانت
الرحمة قال كتاب كتبه الله قبل أن يخلق الخلق بألفي عام ثم
وضعه على عرشه ثم نادى يا أمة محمد سبقت رحمتي غضبي
أعطيتكم قبل أن تسألوني وغفرت لكم قبل أن تستغفروني فمن
لقيني منكم وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبدي
ورسولي صادقاً أدخلته الجنة ۳ رواه الإمام أحمد وأبو يعلى
والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي سعيد رضي الله عنه
رفعه بلفظ ثلاثة يضحك الله إليهم القوم إذا اصطفوا إلى
الصلاة والقوم إذا اصطفوا لقتال المشركين ورجل يقوم إلى
الصلاة
في جوف الليل
٤ رواه الإمامان مالك وأحمد والشيخان والترمذي والنسائي
وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما 0 استنثر أدخل الماء
في أنفه ثم دفعه ليخرج ما فيه
٩٩٤
حتى
تخرج من تحت أشفار عينيه فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من
يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه فإذا مسح برأسه خرجت
الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه فإذا غسل رجليه
خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه ۱
الثاني قول المتوضىء عند إسباغ وضوئه أشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله لقوله
عليه السلام في قائل ذلك بعد الوضوء فتحت له أبواب الجنة
يدخل من أيها شاء ٢
الثالث عند الخروج إلى المسجد لقوله عليه السلام فإنه يكتب
له بإحدى خطوتيه حسنة وتمحى عنه بالأخرى سيئة يعني في
الخُطا إلى المسجد
الرابع عند الخروج من المسجد والرجوع إلى بيته لأن له في
ذلك من الأجر مثل ما كان له أوّلاً في الخروج وذلك إذا لم
يرد به غير الصلاة ولم يشرك معها غيرها لقوله عليه السلام
لا يريد غير ذلك يعني في الخروج إلى المسجد
فجميع ما ذكرناه من هذه المواطن المباركة مائتا موطن
وأربعة وسبعون موطناً فإن زاد على ذلك من النوافل مثل
ركعتي الضحى فله في كل ركعة مثل ما ذكرنا من أعداد تلك
المراتب السنية في كل ركعة وزيادة صدقة بقدر أعضاء جسده
لقوله عليه السلام كل سُلامَى من الناس عليه صدقة فذكر لهم
أشياء حتى قال ركعتا الضحى تجزىء عنه ٣ فإن بلغها إلى
اثنتي عشرة زاده ۳ على هذه المواطن قصراً في الجنة لقوله
الا الله من صلى الضحى اثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً
في الجنة ٤
فإن زاد على ذلك أربع ركعات قبل الظهر وأربعاً بعدها
وأربعاً قبل العصر وأربعاً قبل العشاء وأربعاً بعدها كان
له في كل ركعة مثل ما تقدم من عدد تلك المواطن الجليلة
وزاد له على ذلك بركة دعاء النبي لا لا ل ا ل ل له بالرحمة
لأنه عليه السلام قال رحم الله امراً صلّى أربعاً قبل أربع
وأربعاً بعد أربع ٥
فإن زاد على ذلك ركعتين بعد المغرب كان له في كل ركعة مثل
ما تقدم ذكره من المواطن
۱ رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم عن عبد
الله الصناب رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه عن عمر رضي
الله عنه
۳ تقدم تخريجه في الحديث ١٤٥
٤ رواه الترمذي وابن ماجه عن أنس رضي الله عنه
ه رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ابن حبان عن ابن عمر
رضي الله عنهما بلفظ رحم الله امرأ صلى قبل
العصر أربعاً
٩٩٥
العَلِيَّة وزاد على ذلك بركة اتباع السنة فيها لأنه كان
عليه السلام يداوم على فعلها ولتحريض الشارع عليه السلام
أيضاً بالقول عليها لأنه عليه السلام قال أسرعوا بها فإنها
ترفع مع الفريضة ولا يؤكد عليه السلام على ۱ شيء ويحض عليه
بالفعل والقول إلا لعظيم الأجر فيه فإن زاد على ذلك صلاة
الأوابين - وهي بين المغرب والعشاء اثنتا عشرة ركعة ـ كان
له في كل ركعة مثل ما تقدم من تلك المواطن الرفيعة وزاد
على ذلك قصراً في الجنة لقوله عليه السلام من صلّى بين
المغرب والعشاء اثنتي عشرة ركعة بني الله له قصراً في
الجنة
فإن زاد على ذلك تهجداً بالليل كان له في كل ركعة مثل ما
تقدم من تلك المواطن السنية وزاد له على ذلك أربعة منازل
ثلاثة في الحال وواحدة في القبر فأما التي في الحال فأولها
ما روي عنه عليه السلام أنه قال يضحك الله لثلاثة وعدّ
فيهم القائم بالليل أما الثاني والثالث فما روي عنه عليه
السلام أنه قال قيام الليل يُذهب الذنوبَ ويُصِحَ البدن ۳
فهذه هي الثلاثة الحالية وأما التي في القبر فلما روي عنه
عليه السلام أنه قال صلاة الليل تنوّر القبر ۳
فإن بلغ بتهجده إلى اثنتي عشرة ركعة زاده الله على ما تقدم
قصراً في الجنة لقوله عليه السلام من قام في الليل باثنتي
عشرة ركعة بنى الله له قصراً في الجنة 4 وزاد على ذلك
الوعد الجميل بمتضمَّن التنزيل الذي تحصره العقول وهو قوله
عزّ وجلّ في كتابه نَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ الْمَضَاجِعِ
يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا
رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا
أُخْفِى لَهُم مِّن قُرَةٍ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا
يَعْمَلُونَ ٥
فمبلغ هذه المواطن في هذه النوافل المذكورة ستمائة موطن
وثلاثة وأربعون موطناً وزيادة
1 كذا بزيادة على
روى السمرقندي عن أبان عن أنس رضي الله عنه أن النبي الا
الله قال من صلى بعد المغرب اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل
ركعة قل هو الله أحد أربعين مرة صافحته الملائكة يوم
القيامة ومن صافحته الملائكة يوم القيامة أمِنَ الصراط
والحساب وفي رواية للترمذي عن أبي سلمة أن رسول الله لا
الله قال من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلم فيما بينهن
بسوء عَدَلْنَ بعبادة اثنتي عشرة سنة ۳ جاء في الترغيب
والترهيب للمنذري في الترغيب في قيام الليل عن سلمان
الفارسي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم ومَقرَبَة
لكم إلى ربكم ومَكفَرَة للسيئات ومَنهَاة
عن الإثم ومَطرَدَة للداء عن الجسد أما ما أورده المؤلف
رحمه الله فلم نقف عليه ٤ رواه مسلم وأبو داود والنسائي
والترمذي عن أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنها
بلفظ سمعت رسول الله يقول ما من عبد مسلم يصلي الله تعالى
في كل يوم ثنتي عشرة ركعة تطوّعاً غير فريضة إلا بني الله
تعالى له
بيتاً في الجنة أو إلا بنى له بيت في الجنة
٥ سورة السجدة الايتان ١٦ و ١٧
٩٩٦
تنوير القبر وثلاثة قصور في الجنة والوعد المذكور في
التنزيل فيجتمع بين النوافل المذكورة والفرائض المتقدمة
الذكر من هذه المواطن الجليلة تسعمائة موطن وسبعة عشر
موطناً عدا القصور
المذكورة وتنوير القبر والوعد الجميل فطوبى لمن أشغل باله
بتحصيلها وكان من الوافين فيها ولهذا المعنى قال عليه
السلام كفى بالعبادة شغلاً ۱ فإن وقعت الغفلة عنها خسر تلك
المواطن الجليلة - ويا لها من خسارة أعاذنا الله من ذلك -
وكان من أحد الأقسام الثلاثة المذمومة لأن المصلي قد قسمه
الفقهاء إلى أربعة أقسام وافٍ وساه ولاه وجافٍ
فالوافي هو الذي وفى ما أريد منه من الأقوال والأفعال
والأحوال على ما تقدم
والساهي هو الذي يعملها ويسهو عنها لتعلق قلبه بغيرها
واللاهي هو الذي يلهو عنها بغيرها وهو مع ذلك يعلم أنه
فيها ومثاله ما روي عن النبي أنه رأى رجلاً يعبث في لحيته
وهو يصلي فقال عليه الصلاة والسلام لو خَشَع قلبه لَخَشَعت
جوارحه ٢
والجافي هو الذي يخلّ بأركانها ومثاله ما روي عنه عليه
السلام في حديث الأعرابي المشهور الذي أخل بأركان الصلاة
فقال له عليه السلام ارجع فصل فإنك لم تُصَل ۳ وقد حض عزّ
وجلّ على توفيتها والمحافظة عليها في كتابه - أعني على
توفيتها بما فرض فيها وسُنّ وشُرِع - فقال عزّ من قائل
حَفِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والمحافظة عليها هي توفيتها
بما شرع فيها من الآداب والقراءة والحضور وغير ذلك مما قد
ذكر وقد قال عليه السلام في المضيع لها أو لبعض ما فيها
مما أشرنا إليه أسوأ السَّرقة الذي يسرق صلاته ه وقال عليه
السلام في الالتفات فيها تلك خُلْسة يختلسها الشيطان من
صلاة أحدكم ٦ وهذا الالتفات على ضربين
حسي ومعنوي
فالحسي هو الالتفات إلى شيء يشغل عن الصلاة كما حكي عن بعض
الصحابة حين كان
۱ تقدم تخريجه في الحديث ۸۰
رواه الحكيم الترمذي بإسناد ضعيف
۳ متفق عليه من حديث رفاعة بن رافع رضي الله عنه
٤ سورة البقرة من الآية ۳۸
٥ رواه الإمام أحمد وصححه الحاكم وأبو يعلى عن أبي سعيد
رضي الله عنه
٦ رواه البخاري والنسائي وأبو داود وابن خزيمة عن عائشة
رضي الله عنها بلفظ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
التلفت الله
في الصلاة فقال اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد
۹۹۷
يصلي في حائط له فطار دُبْسِي ١ فطفق يتردد يلتمس مخرجاً
فأعجبه ذلك فجعل يتبعه ببصره ساعة ثم رجع إلى صلاته فإذا
هو لا يدري كم صلى فقال لقد أصابني في مالي هذا فتنة فجاء
إلى رسول الله له ولا ذلك و له الذي أصابه في حائطه من
الفتنة وقال يا رسول الله هو صدقة الله صلى الله عليه وسلم
فذكر له فضَعه حيث شئت ومثل هذا حكي عن غيره أيضاً في زمان
عثمان رضي الله عنه فهؤلاء عرفوا ما ضيعوا فجبروا الضَّياع
الذي طرأ عليهم بأن خرجوا عن حائطهم وجعلوها صدقة الله عزّ
وجلّ وأما اليوم فقد كثر الضياع بغير جبر للجهل بما قد
ضيّع والمعنوي على ضربين ماض ومستقبل فالالتفات إلى الماضي
أعظم خسارة من الماضي لأن بالالتفات إليه تقع خسارة الحال
فيكون خسراناً ثانياً ومع ذلك فإن ما مضى لا يرجع
والالتفات إلى المستقبل تضييع حاصل لممكن قد يكون وقد لا
يكون والاشتغال بالحال وترك الالتفات حسّاً ومعنى من كل
الوجوه المتقدمة يحصل منه ثلاث فوائد وهي جبر الماضي
واغتنام الحاصل وصلاح في المستقبل أعاننا الله على ذلك
بمنّه
ثم نرجع الآن لبيان ما اشترطنا أن نذكره بذلك أخيراً من
بيان الحكمة في اختصاص الاسمين الجليلين من بين سائر
الأسماء الجليلة في هذه الصورة في هذا الموضع المخصوص بهما
وهما الرحمن الرحيم فنقول والله المستعان اختصاصهما بذلك
لوجوه
الأول أن الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إذا فهم
على ما قدمناه يقتضي الهيبة والإعظام
و ﴿ مثلِكِ يَوْمِ الدِّينِ يقتضي الخوف والإرهاب ﴿
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ احد الاسمين منهما يقتضي الإجابة
عند السؤال والآخر يقتضي الغضب إن ترك السؤال - على ما
ذكره العلماء - ففصل عزّ وجل بهذين الاسمين اللذين هما
أبلغ شيء في الرجاء بين الاسمين الجليلين متضمنين الهيبة
والإعظام والخوف والإرهاب رفقاً منه عزّ وجلّ بعبيده
ولطفاً بهم ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ
اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ٤ لأنه لو كان ذانك الاسمان
الجليلان اللذان للهيبة والإعظام متصلين بذكر الاسمين
اللذين للخوف والإرهاب لكانا للضعيف الحاضر سبباً لأحد
أمرين متلفين إما أن يتفطر كبده من شدة الخوف وقد روي أن
كثيراً من الفضلاء ماتوا من عظيم الخوف الذي توالى عليهم
وإما أن يسبق للخاطر شيء من القنط لعظيم أمر ما يدل عليه
معنى ذينك الاسمين وذلك
۱ الدُّبْسِيّ ضرب من الحمام أدكن يقرقر
رواه الإمام مالك في الموطأ
۳ يعني الربّ والملك
٤ سورة الملك من الآية ١٤
۹۹۸
من أكبر الخطر لقوله عزّ وجلّ إخباراً على لسان نبيه عليه
السلام لو كنتُ معجّلاً عقوبةً
لعجلتها على القانطين من رحمتي ۱
الثاني أن المقصود من العبيد الخوف والرجاء معاً لقوله
عليه السلام لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاستويا فاسمان
يوجبان الخوف واسمان يوجبان الرجاء فيحصل بمتضمنهما حقيقة
ما أريد من كمال الإيمان وهو تساوي الخوف والرجاء على ما
تقدم فكان الابتداء أولاً بالتعظيم والإجلال لحق الربوبية
الذي يقتضي التقديم ثم عقب بالرحمن الذي يقتضي الرجاء ثم
بالرحيم مبالغة في قوة الرجاء لطفاً بالعبد لاستقبال ما
يرد عليه من الخوف لمقتضى الاسم الآتي بعد مع التذكير بيوم
الدين
الثالث أن حقيقة وصول الرحمة للطالب إنما يتحقق وصولها
إليه بقوة من الراحم حتى يمنعه أذى ما قبلها وأذى ما بعدها
فكان توسط الاسمين الجليلين بين الاسمين العظيمين تحقيقاً
في إيصال الرحمة لطالبها لأن رب العالمين لعظيم قدرته
يمنعه من كل ضرر في هذا العالم وملك يوم الدين لعظيم
سلطانه يمنعه كل ما في ذلك اليوم من الأذى فتحقق بذلك منع
الأذى أولاً وآخراً يشهد لذلك قوله تعالى ﴿وَتَوَكَّلْ
عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ۳
الرابع أنه لما أن أريد من العبيد حقيقة الإخلاص والصدق
عند قولهم ﴿ إِيَّاكَ َنعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ جعل
هذا الاسم الجليل إثر هذا الاسم العظيم لكي يحصل منهم عند
النطق بـ ﴿ إِيَّاكَ نعبد حقيقة الإخلاص لأنه يأتي إثر
الإرهاب والإرهاب مثير للخوف والخوف موجب للصدق والإخلاص
ولو كان إثر الرحمة لكان كثير من الناس لا يحصل منهم
الإخلاص في هذا الموضع لأن الرحمة توجب الرجاء والطمأنينة
وقد يكون معها الغفلة لقليل الحضور لأنه لا يثبت عند
الرحمة والنعمة إلا الفاذ وقد قال علي بن أبي طالب رضي
الله عنه ابتلينا بالضرَّاءِ فَصَبَرنا وابتلينا
بالسرَّاءِ فلم نصبر لأن الغالب من الناس إذا ابتلوا
بالضرّاء رجعوا إلى الله تعالى بالصدق والإخلاص واللجأ
والضراعة فإن ابتلوا بالسرّاء قلَّ الواقف منهم هناك على
ما أريد منه من صدق اللجأ والضراعة ومن وقف في ذلك المقام
فهو الصدّيق الذي لا شك فيه الخامس أنه لما أن كان الاسمان
الجليلان أحدهما يقتضي الإجابة إذا سئل والآخر يقتضي
١ لم نقف على مصدره
انظر تخريجه في الحديث ١٣٢
۳ سورة الشعراء الاية ۱۷
٤ الفاذ المتفرد عن نظرائه يقال فذ يفذ تَفَرّد
۹۹۹
الغضب إذا لم يسأل وعلم عزّ وجلّ ما في عبيده من الضعف
بحيث أن تقع منهم الغفلة غالباً هذا الموطن إما لخوف أو
لرغبة أو لرجاء أو لتسليم أو لغفلة جعل عزّ وجلّ الدعاء
متلواً وأقامه مقام الدعاء الحقيقي ثم أجاب عزّ وجلّ عليه
فقال وَلعَبدي ما سأل لئلا يفوتهم هذا الخير العظيم ولئلا
يتناولهم الغضب لعدم سؤالهم فانظر إلى هذا اللطف العظيم
والنعمة
الشاملة
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم مَنْ أَلْهِمَ الدعاء
فقد فتحت له أبواب الرحمة۱ فلم يَكِل الله عزّ وجلّ هذه
الأمة لنفسها في فتح هذا الخير العظيم بل فتحه لهم بفضله
ثم بعد هذه التلاوة شرع الشارع عليه السلام خيراً ثانياً
بِقَوْل العبد امين بعد ختم السورة فزادهم دعاء حقيقياً
وضمن لهم بالشرط الذي فيه المغفرة لأن كل مؤمن في اللغة
داع ثم بعد هذا نحتاج أن نشير إلى شيء من فضائل هذه السورة
ولم فُضّلت على غيرها من السور ولم سُميت بأسماء جملة
وغيرها من السور باسم واحد
فنقول والله المستعان يحتمل أن تكون سُميت بأسماء جملة لأن
لها من الخصائص والأفضلية ما ليس لغيرها فكانت أسماؤها
عديدة دون غيرها لأن كثرة الأسماء دالة على فضل المسمَّى
إما مطلقاً أو على جنسه ولذلك سمي النبي الله الله بخمسة
أسماء وقد قال بعض العلماء إذا تتبع القرآن وما جعل الله
تعالى له فيه من الأسماء والحديث وما جعل هو صلى الله عليه
وسلم لنفسه فيه من الأسماء إنها تبلغ إلى نحو المائة اسم
وغيره من الأنبياء عليهم السلام ليس لهم غير اسم واحد لأنه
عليه السلام صاحب اللواء والمقام المحمود فكانت كثرة
أسمائه لأجل عظيم قدره كذلك أيضاً كثرة أسماء الله عزّ
وجلّ لأنه ليس كمثله شيء فكانت لا يشبهها شيء
لكثرتها وعظمها
يشهد لذلك ما روي في الأثر من الدعاء حيث قال اللهم إني
أسألك باسمك الأعظم وبكل اسم سميت به نفسك أو أنزلته في
كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في مكنون غيبك
٢ أو كما قال عليه الصلاة والسلام فدل بمتضمن هذا أنه لما
أن كانت الذات الجليلة لا
۱ رواه الترمذي والحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ من
فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب
الرحمة
لفظ الحديث ما من عبد قال اللهم إني عبدك وابن عبدك ناصيتي
بِيَدِكَ ماضِ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قضاؤك أسألك
بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته
أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل
القرآن العظيم ربيع قلبي ونور بصري وجلاء حزني وذهاب همي
وغمي إلا أذهب الله همه وحزنه وغمه وأبدله مكانه فرحاً قيل
يا رسول الله ألا نتعلمها فقال بلى ينبغي لمن سمعها أن
يتعلمها
۱۰۰۰