| ٦٢ - الجانب الثاني الابتكارُ ورَوْعَة الخيال وما يحدثه ذلك من أثر في نفوس سامعيها يجعلهم يحلقون سماوات وهذا المجال المجالات الفسيحة للإبداع الإنساني وهو ميدان لتسابق المجيدين صناديد الكلام وأمرائه انظر إلى قول أبي العتاهية تهنئة المهدي بالخلافة أنهُ الْخِلافَةُ مُنْقَادَةً إِلَيْهِ تُجرِّرُ أذْيَال أَذْيَاهَا تجد أن الشاعر هنا صور لك الخلافة غادة هيفاء مُدَلَّلَة فتن الناس بها جميعا وهي تأبى عليهم وتصدُّ إعراضا عنهم ولكنها تأتي للمهدي طائعة دلال وجمال تجر أذيالها تيها وخفرًا هذه صورة لا شك روعتها أبدع أبو تصويرها وستبقى حلوة الأسماع حبيبة النفوس ما بقي الزمان ثم اسمع البارودي إِذَا اسْتَلَّ مِنْهُمْ سَيِّدٌ غَرْبَ سَيْفِهِ تفزَّعَتِ الأفلاكُ والْتَفَتَ الدَّهْرُ وخبرني عما تحس وعما ينتابك هول تسمع وقل لنا كيف خطرت نفسك الأجرام السماوية العظيمة حيَّةً حساسة ترتعِد فَزَعًا وَوَهَلا وكيف تصورت الدهر يلتفت دهشا وذهولاً تأمل شاعر الحماسة قَوْمٌ الشَّرُّ أَبْدَى نَاجِذَيْهِ هُمْ طَارُوا زَرَافَاتٍ وَوُحْدَانَا حيث الشر بصورة حيوان مفترس مكشِّر عن أنيابه مما يملأُ فؤادك رعبا صوّر القوم الذين يعنيهم بصور طيور تطير مصادمة الأعداء طيرانا يستثير إعجابك بنجدتهم ويدعوك إكبار حميتهم وشجاعتهم وبهذه الأمثلة يتضح التراكيب المشتملة على الاستعارة أبلغ تراكيب التشبيه وأشد وقعا نفس المخاطب لأنه كلما كانتْ داعيةً التحليق سماء كان وقعها النفس أشدَّ ومنزلتها البلاغة أعلى يبتكره أمراء أنواع البديعة التي تأخذُ بمجامع الأفئدة وتملك القارئ والسامع لبهما وعواطفهما هو سر بلاغة |
٦٢ - الجانب الثاني الابتكارُ ورَوْعَة الخيال وما يحدثه ذلك من أثر في نفوس سامعيها يجعلهم يحلقون في سماوات الخيال وهذا المجال من المجالات الفسيحة للإبداع الإنساني وهو ميدان لتسابق المجيدين من صناديد الكلام وأمرائه انظر إلى قول أبي العتاهية في تهنئة المهدي بالخلافة أنهُ الْخِلافَةُ مُنْقَادَةً إِلَيْهِ تُجرِّرُ أذْيَال أَذْيَاهَا تجد أن الشاعر هنا صور لك الخلافة غادة هيفاء مُدَلَّلَة فتن الناس بها جميعا وهي تأبى عليهم وتصدُّ إعراضا عنهم ولكنها تأتي للمهدي طائعة في دلال وجمال تجر أذيالها تيها وخفرًا هذه صورة لا شك في روعتها أبدع أبو العتاهية تصويرها وستبقى حلوة في الأسماع حبيبة إلى النفوس ما بقي الزمان ثم اسمع قول البارودي إِذَا اسْتَلَّ مِنْهُمْ سَيِّدٌ غَرْبَ سَيْفِهِ تفزَّعَتِ الأفلاكُ والْتَفَتَ الدَّهْرُ وخبرني عما تحس وعما ينتابك من هول ما تسمع وقل لنا كيف خطرت في نفسك صورة الأجرام السماوية العظيمة حيَّةً حساسة ترتعِد فَزَعًا وَوَهَلا وكيف تصورت الدهر وهو يلتفت دهشا وذهولاً ثم تأمل قول شاعر الحماسة قَوْمٌ إِذَا الشَّرُّ أَبْدَى نَاجِذَيْهِ هُمْ طَارُوا إِلَيْهِ زَرَافَاتٍ وَوُحْدَانَا حيث صور لك الشر بصورة حيوان مفترس مكشِّر عن أنيابه مما يملأُ فؤادك رعبا ثم صوّر القوم الذين يعنيهم بصور طيور تطير إلى مصادمة الأعداء طيرانا مما يستثير إعجابك بنجدتهم ويدعوك إلى إكبار حميتهم وشجاعتهم وبهذه الأمثلة يتضح لنا أن التراكيب المشتملة على الاستعارة أبلغ من تراكيب التشبيه وأشد وقعا في نفس المخاطب لأنه كلما كانتْ داعيةً إلى التحليق في سماء الخيال كان وقعها في النفس أشدَّ ومنزلتها في البلاغة أعلى وما يبتكره أمراء الكلام من أنواع صور الاستعارة البديعة التي تأخذُ بمجامع الأفئدة وتملك على القارئ والسامع لبهما وعواطفهما هو سر بلاغة الاستعارة |
|