| ٦٣ - الجانب الثالث ومن بلاغة الاستعارة أيضاً أن يعمد الشاعر إلى الصورة التي يرسمها فيفصل أجزاءها ويبين لكلِّ جزء مزيته الخاصة كقول امرئ القيس في وصف الليل بالطول فَقُلْتُ لَهُ لَّا تَطَى بِصُلْبِهِ وَأَرْدَفَ أَعْجَازًا وَنَاءَ بِكَلْكَلِ أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ انْجَلِي بِصُبْحِ وَمَا الإِصْبَاحَ مِنْكَ بِأَمْثَلِ فإنه لم يكتف بتمثيل الليلِ بصورة شخص طويل القامة بل استوفى له جملة أركان الشخص فاستعارَ صُلبا يتمطى به إذ كان كل ذي صلب يزيدُ طوله تمطيه وبالغ ذلك بأن جعل أعجازا يردفُ بعضها بعضا ثم أراد يصفه بالثقل على قلب ساهره فاستعار كلكلاً ينوء أي يثقل ولا يخفى عليك ما يتركه هذا التفصيل البديعُ سامعه من الأثر العظيم والارتياح الجميل الرابع بلاغتها أيضا لا يكتفي بالصورة ينظر يترتب الشيء فيعقب تلك بأخرى أشد وأوقع أبي الطيب المتنبي رَمَانِي الدَّهْرُ بِالأَرْزَاءِ حَتَّى فُؤَادِي فِي غِشَاءٍ مِنْ نِبَالِ فَصِرْتُ إِذَا أَصَابَتْنِي سِهَامُ تَكَسَّرَتِ النِّصَالُ عَلَى النِّصَالِ بتصويره المصائب سهاما سرعة انصبابها وشدة إيلامها بالمبالغة كثرتها جعَلَ منها غشاءً محيطا بفؤاده حتى الغشاء المتانة والكثافة بحيث إنَّ النصال مع استمرار عليه تجد منفذا فؤاده لأنها تتكسر سبقتها فانظر التمثيل الرائع وقل لي هل رأيت تصويرًا منه لتراكم والآلام الخامس إبراز المعقول صورة المحسوس وذلك الأمر إذا صور شيء حسي فإن العقل يكون مستوعبا أكثر مما لو مجردا عن الحس فاستعارة للباطل قولنا " أطل علينا ليل بهيم واستعارة النهار لانتصار الحق الباطل بدد فيه تثبيت لهذا المعنى المجرد الأفئدة وترسيخ النفس الإنسانية جاء التعبير عنه دون استعارة |
٦٣ - الجانب الثالث ومن بلاغة الاستعارة - أيضاً - أن يعمد الشاعر إلى الصورة التي يرسمها فيفصل أجزاءها ويبين لكلِّ جزء مزيته الخاصة كقول امرئ القيس في وصف الليل بالطول فَقُلْتُ لَهُ لَّا تَطَى بِصُلْبِهِ وَأَرْدَفَ أَعْجَازًا وَنَاءَ بِكَلْكَلِ أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِي بِصُبْحِ وَمَا الإِصْبَاحَ مِنْكَ بِأَمْثَلِ فإنه لم يكتف بتمثيل الليلِ بصورة شخص طويل القامة بل استوفى له جملة أركان الشخص فاستعارَ صُلبا يتمطى به إذ كان كل ذي صلب يزيدُ في طوله تمطيه وبالغ في ذلك بأن جعل له أعجازا يردفُ بعضها بعضا ثم أراد أن يصفه بالثقل على قلب ساهره فاستعار له كلكلاً ينوء به أي يثقل به ولا يخفى عليك ما يتركه هذا التفصيل البديعُ في قلب سامعه من الأثر العظيم والارتياح الجميل الجانب الرابع ومن بلاغتها أيضا أن الشاعر لا يكتفي بالصورة التي يرسمها بل ينظر إلى ما يترتب على الشيء فيعقب تلك الصورة بأخرى أشد وأوقع كقول أبي الطيب المتنبي رَمَانِي الدَّهْرُ بِالأَرْزَاءِ حَتَّى فُؤَادِي فِي غِشَاءٍ مِنْ نِبَالِ فَصِرْتُ إِذَا أَصَابَتْنِي سِهَامُ تَكَسَّرَتِ النِّصَالُ عَلَى النِّصَالِ من فإنه لم يكتف بتصويره المصائب سهاما في سرعة انصبابها وشدة إيلامها ولا بالمبالغة في وصف كثرتها بأن جعَلَ منها غشاءً محيطا بفؤاده حتى جعل ذلك الغشاء المتانة والكثافة بحيث إنَّ تلك النصال مع استمرار انصبابها عليه لا تجد منفذا إلى فؤاده لأنها تتكسر على النصال التي سبقتها فانظر إلى هذا التمثيل الرائع وقل لي هل رأيت تصويرًا أشد منه لتراكم المصائب والآلام الجانب الخامس إبراز المعقول في صورة المحسوس وذلك أن الأمر المعقول إذا صور في شيء حسي فإن العقل يكون مستوعبا له أكثر مما لو كان مجردا عن الحس فاستعارة الليل للباطل في قولنا " أطل علينا ليل بهيم واستعارة النهار لانتصار الحق على الباطل في قولنا بدد النهار الليل فيه تثبيت لهذا المعنى المجرد في الأفئدة وترسيخ له في النفس الإنسانية مما لو جاء التعبير عنه مجردا دون استعارة |
|